الإهداء

 

شـر الأزمنـة أن يتبجّـح الجـاهـل، ويسكـت العـاقـل،

ولكنَّ القبة الجوفاء لا ترجع غير الصدى..

فإلى القبـاب غيـر الجوفـاء أهـدي هـذا الكتـاب...

 


 

تقريظ بقلم الشيخ/ سعد الحميِّد حفظه الله

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

فإن من الأمور التي يبغضها الله لأهل الإسلام: الفرقة والاختلاف؛ كما قال سبحانه: ((وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ)) [آل عمران:105].

ومن المعلوم أن أعظم اختلاف وافتراق وقع في الإسلام ذاك الاختلاف الذي وقع بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، ثم بعد وقعة صفِّين، فإن الناس انقسموا فيه إلى ثلاث فرق:

(1) أهل السنة وهم جمهور الناس.

(2) الشيعة.

(3) الخوارج.

وكل غيور على دين الله ينفر من الاختلاف ويكرهه، ويسعى إلى دَرْئه ما استطاع، ومن ذلك: نصح الفرق المخالفة للسنة، وإقامة الحجة عليهم، وبيان الحق لهم، والرد على شبههم، كل ذلك بالرفق واللين والشفقة، وإظهار النصح؛ كما قال تعالى: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [النحل:125]، وينبغي أن يكون هذا منهجاً حتى مع أهل الكتاب، كما قال سبحانه: ((وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)) [العنكبوت:46]، وكلما تسلّح الداعي إلى الله بسلاح العلم، وصاحبه حسن الأداء؛ كان ذلك أنفع بإذن الله.

وهنا ننبه إخواننا الذين يناظرون بعض أفراد الفرق المخالفة للسنة وبضاعتهم في العلم مزجاة أن يكفّوا عن ذلك؛ لأن ما ينشأ عن تلك المناظرات من المفاسد أعظم مما يلحق من النفع على الطرفين: أهل السنة، ومخالفيهم. فالمخالف يظن أنه على الحق، واستطاع أن يدفع حجج السُّنِّي، وأهل السنة ربما فُتن بعضهم ممن لا علم عنده بسبب ما رأى من آثار المناظرة.

كما ننبه إخواننا -أيضاً- على ضرورة إخلاص النية في مناظرة المخالف، فلا يكون هدفنا العصبية المصحوبة بالتعيير، والسب، والخصومة، بل النصح ومحبة الهداية للمدعو، ولنتذكر قصة ذاك النبي الذي أدماه قومه وهو يقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) وكذا نبينا صلوات الله عليه وسلامه، وقد بلغ به من شدة قومه أن يخرج من مكة من شدة الغمّ، فما يفيق إلا بقرن الثعالب، ويأتيه ملك الجبال فيخاطبه بقوله: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فيقول صلى الله عليه وسلم: لا، إني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً.

وهذا الجهد الذي يقدمه الأخ الفاضل: فيصل نور (الإمامة والنص) واحد من الجهود المبذولة لنصح أشد الطوائف مخالفة لأهل السنة (الشيعة) ويمكن أن يستفيد منه طالب العلم من أهل السنة ممن لـه دعوة في صفوف الشيعة؛ لأنه سلاح قائم على الحجة والبرهان؛ في مناقشتهم في قضية الإمامة التي هي من أهم ركائز الخلاف بين الشيعة والسنة.

فمتى كان النص على إمامة علي رضي الله عنه؟

وهل نص الله في القرآن على إمامته رضي الله عنه إذا كانت بهذه الأهمية التي تفوق أهمية الصلاة والزكاة وغيرهما من شرائع الإسلام المذكورة في القرآن؟

وهل دلَّت رواية صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الإمامة؟

وهل كان الصحابة رضي الله عنهم يعرفون هذه الإمامة؟

سيجد القارئ لهذا الكتاب عرضاً علميِّاً لهذه القضايا، وموثَّقَا من كتب الشيعة أنفسهم، بما يعود بالنفع على قارئه بإذن الله.

فنسأل الله تعالى أن يجزي أخانا: فيصل نور خير الجزاء على هذا العمل، وأن يعينه على المضيّ في هذا الطريق لإفادتنا بأعمال أخرى في هذه القضايا التي تحتاجها الأمة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

وكتبه:

سعد بن عبد الله الحميّد

عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود

9/1/1424هـ


 

تقريظ بقلم الشيخ/ عثمان الخميس حفظه الله

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وخليله المجتبى محمد بن عبدالله القائل: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك).

فهذه الطائفة ظاهرة منصورة، بالسيف والسنان، وبالحجة والبيان، وما زال المسلمون من أهل السنة والجماعة يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم في ميادين الوغى، ويجاهدون كذلك أعداء الدين من الكفار والمنحرفين، يجاهدونهم بالحجة والبيان؛ إظهاراً للحق، وقمعاً للباطل، وبياناً لزيف قولهم، وخطل رأيهم.

ولقد سرَّني ما طالعته في كتاب: (الإمامة والنص) للأخ الفاضل: فيصل نور، فوجدته كتاباً قيماً نافعاً، حرص فيه مؤلفه على حسن العرض، وسهولة العبارة، ولين الكلام، وقوة الحجة؛ وذلك من خلال إبطاله لمسألة طال حولها الجدل، وهي (مسألة الإمامة) فذكر الأدلة من كتب الشيعة الاثني عشرية، وردَّ عليها كذلك من كتبهم؛ سواء من الكتاب أو السنة، أو أقوال الأئمة الاثني عشر، ثم أتبع ذلك بالكلام عن مكانة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة الاثني عشر.

فجاء كتاباً حافلاً لا يستغني عنه طلبة العلم؛ بل ولا العلماء.

وأخيراً: أسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك في جهود أخينا الفاضل فيصل نور، وأن يضاعف له الأجر، كما أتمنى أن يستمر الأخ فيصل في التأليف والكتابة، عسى الله أن ينفع به، وأن يوفقه إلى ما يحب ويرضى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

وكتبه:

عثمان بن محمد الخميس


 

المقدمـة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

وبعد: فلعل أول خلاف ظهر بين المسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم هو اختلافهم في موته، فقد زعم بعضهم أنه لم يمت بل رُفع إلى السماء كما رُفع المسيح عليه السلام، حتى أزال الصديق رضي الله عنه ذلك بقولـه: (من كان يعبد محمداً صلى الله عليه وسلم فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت)، وتلا عليهم قول الله عز وجل: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) [آل عمران:144] وقولـه تعالى: ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)) [الزمر:30].

ثم اختلفوا في موضع دفنه صلى الله عليه وسلم، حيث أراد المهاجرون رضي الله عنهم رده إلى مكة حيث ولد، وأراد الأنصار رضي الله عنهم دفنه في المدينة حيث دار هجرته وأنصاره، واختلفوا في جعل ذلك في البقيع أو صحن الدار، ورأى آخرون نقله إلى بيت المقدس حيث موضع دفن الأنبياء ومعراجه إلى السماء.

ثم زال ذلك بما روي عن الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما قبض الله نبياً إلا دفن في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه)، أو ما رواه القوم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (إن الله لم يقبض نبيه إلا في أطهر بقاع الأرض)، فينبغي أن يدفن في البقعة التي قبض فيها.

وفي رواية: (إن الله لم يقبض نبياً في مكان إلا ارتضاه لرمسه فيه، وإني دافنه في حجرته التي قبض فيها) فرضي المسلمون بذلك([1]).

ثم اختلفوا بعد ذلك في الإمامة، فاجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، ووقعوا في شبهة جواز استخلاف خليفة منهم، وتوسط بعضهم وقال: منا أمير ومنكم أمير، ورشحوا رئيسهم سعد بن عبادة الأنصاري، ثم عادوا عن دعواهم لما أدركهم الصديق رضي الله عنه وأخبرهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الأئمة من قريش)، فبايع من كان في السقيفة أبا بكر الصديق رضي الله عنه، ثم كانت البيعة العامة في المسجد، وتأخر عن بيعته جماعة فيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم بايعوا جميعاً، وفي ذلك كان يقول علي رضي الله عنه: (إن الله سبحانه بعث محمداً فأنقذ به من الضلالة، ونعش به من الهلكة، وجمع به بعد الفرقة، ثم قبضه الله إليه وقد أدَّى ما عليه، فاستخلف الناس أبا بكر، ثم استخلف أبو بكر عمر، فأحسنا السيرة وعَدَلا في الأمة، وقد وجدنا عليهما أن توليا الأمر دوننا ونحن آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحق بالأمر، فغفرنا ذلك لهما).

وفي موطن آخر قال: (ثم إن المسلمين من بعده استخلفوا أميرَين منهم صالِحَين أحييا السيرة ولم يعْدُوَا السنة، فتولى أبو بكر تلك الأمور وسدد وقارب واقتصد، وتولى عمر الأمر فكان مرضيّ السيرة ميمون النقيبة).

وكان رضي الله عنه يؤكد شرعية بيعتهم بهذا الاستخلاف القائم على الشورى والبيعة، ويرى أن ذلك كان لله رضاً، وبها كان يستمد شرعية خلافته ويؤكدها عندما اضطربت عليه الأمور، لا باعتبار نصوص مزعومة ادعاها له بعض من انتسب إليه، ففي أحد كتبه إلى معاوية -مثلاً- قال: (إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد؛ فإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضاً، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، ويصليه جهنم وساءت مصيراً)([2]).

وهكذا كان الأمر، وبقي الناس على ذلك حتى من رواد الشيعة الأوائل، فرغم تفضيلهم له على الشيخين رضي الله عنهما؛ إلا أنهم لم ينكروا فضلهما، ولم ينتقصوا من شأنهما([3]).

إلى أن وقعت الفتنة التي أعقبت مقتل ذي النورين رضي الله عنه؛ فبدأ الانحراف في عقيدة التشيع لعلي رضي الله عنه يتبلور ويأخذ مناحيَ عدة، فمن القول بأحقيته بالإمارة دون معاوية، ثم إلى القول بتقديمه على عثمان رضي الله عنه وتفضيله عليه، ثم القول بتقديمه على من سبقه من الخلفاء، إلى القول بالنص عليه من الله ورسوله، وأن من سبقه إنما كان مغتصباً للخلافة، ثم أفضى بهم هذا القول إلى الاعتقاد بردة الصحابة رضوان الله عليهم وكفر من تولاهم، والقول بتحريف القرآن وصرفه وتأويله، ورد كل ما خالف هذا المعتقد من آيات وأحاديث وآثار.

وهذا -كما ترى وتلاحظ- يدل على أن الأمر تطور كثيراً عما كان عليه في البداية، وخرج عن الاعتدال إلى الغلو والانحراف على مراحل تستدعي كثيراً من التأمل لمعرفة دوافع ذلك ومن كان وراءه.

وساعد القوم في ترسيخ معتقد النص على علي بن أبي طالب رضي الله عنه أمورٌ، منها: كثرةُ الرواياتِ في مناقبه وفضائِله، وهي التي أظهرها الصحابة رضي الله عنهم في زمن الفتنة التي عاشها علي رضي الله عنه، والتي كثر فيها أعداؤه والخارجون عليه والطاعنون فيه، فأظهر الصحابة رضي الله عنهم ما كان عندهم من أحاديث تبين فضله وترد كيد أعدائه، ولم يكن الأمر كذلك في حق من سبقه من الخلفاء رضي الله عنهم؛ لعدم وقوع ما يستلزم بيان فضلهم وإخراج مناقبهم.

إلا أن فساد الاستدلال بهذه المرويات لإثبات إمامته دفع القوم إلى وضع مئات الروايات في تأييد ما ذهبوا إليه من عقائد، فكان أن تسرب الكثير من هذه الروايات وانتشر في مصادر المسلمين لأسباب سنأتي على ذكرها في الكتاب، واستأثروا هم بألوف أخرى أصبحت مع مرور الزمن من ضروريات مذهب التشيع، وهذه الروايات حوتها بطون مصادرهم التي تداولوها بمنأى عن سائر المسلمين، وفيها من بذور هدم عقائدهم الكثير.

فكانت هذه الحقيقة -أي: تعذر الوقوف على مصادر القوم الأصلية- سبباً في تيسير أرضية خصبة للقوم، وذلك بإلزام خصومهم ومخالفيهم بما ألزموا أنفسهم به بزعمهم، وذلك بإيراد ما ظنوا أنها حجج وبراهين من بطون كتب مخالفيهم، دون بيان أسباب وجود أمثال هذه المرويات في مصنفاتهم أو حقيقتها، مما لُبِّس الأمر على أتباعهم فضلاً عن سائر من لم يتسن لهم معرفة هذه الحقائق من المسلمين.

ولم يكن بوسع علماء أهل السنة والجماعة أن يردوا عليهم إلا بما حوته كتبهم -أي: كتب أهل السنة- من دلائل تخالف معتقدات القوم، فتجد مثلاً مصنفاتهم كـ(منهاج السنة) لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو من أعظم الردود عليهم، فإنه يكاد يخلو من إيراد ما يلزم القوم من مصنفاتهم، لا أقل من رواية واحدة من عمدة القوم في إثبات عقائدهم، ألا وهو كتاب (الكافي) للكليني، مما يبين لك ما كان عليه الأمر من خفاء تلك الكتب، فكان أن أبى القوم هذه الردود عبر التاريخ متذرعين بقواعد علمية، مثل قولهم: إن المذاهب لا تُؤخذ إلا من كتبها، ويجب إلزام الخصوم بما ألزموا أنفسهم به، وغيرها.

ونحن نزلنا عند رغبة القوم، ووضعنا كتابنا الموجز هذا عن مسألة (الإمامة والنص) من كتبهم وطرقهم، وكما هو واضح من عنوانه، فلن نتعرض فيه إلى الجوانب العقلية، ولن نضطر إلى إيراد أي رواية -ولو واحدة- من طرق مخالفيهم في المذهب ولله الحمد.

وسنلتزم بالإيجاز الشديد في جميع أبوابه الأربعة، والتي جعلنا الأول منها في ذكر عقيدة القوم في الإمامة وبيان منزلتها، ثم ذكر النصوص الدالة على هذا المعتقد، وبيان الاضطراب الشديد فيها من جهة كونها دالة على انتفاء النص لا إثباته، دون الالتزام بصحتها أو ضعفها، أو قبول دلالتها أو عدم قبولها، حسب المعايير المعتبرة في التوثيق عند الفريقين.

ثم نتطرق في الباب الذي يليه إلى ذكر عقيدة الإمامة من القرآن، وبيان أنه لم يرد فيه ذكر لهذا المعتقد، وموقف القوم من هذه الحقيقة.

ثم نتكلم في الباب الثالث -وهو أهم أبواب الكتاب- عن الروايات التي يستدل بها الشيعة على إثبات النص على إمامة علي رضي الله عنه، وسنورد فيه جميع الروايات التي وقفنا عليها من طرق القوم، وندرس أسانيدها، ونرى هل يثبت منها شيء؟

وكل ذلك بمقاييسهم في علم الحديث والجرح والتعديل من كتبهم الرجالية، ثم نتكلم في هذه الاستدلالات.

ونختم الأبواب بذكر الصحابة رضوان الله عليهم، وبيان فضائلهم ومنزلتهم من القرآن والسنة وأقوال أئمة الشيعة، وموقف القوم من هذه الدلائل، وبيان استحالة التوفيق بين هذا وبين القول بمخالفتهم للنصوص المزعومة في إمامة علي رضي الله عنه وتصرفهم في الأرض دونه.

ونسأل الله أن يوفقنا لما فيه الخير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

فيصل نور

1416هـ


 

الباب الأول

متى كان النّص؟

 يعتقد الشيعة أن الإمامة كالنبوة لا تكون إلا بالنص من الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنها مثلها لطفٌ من الله عز وجل، ولا يجوز أن يخلو عصر من العصور من إمام مفروض الطاعة منصوب من الله تعالى، وليس للبشر حق اختيار الإمام وتعيينه، بل وليس للإمام نفسه حق تعيين من يأتي من بعده.

وقد وضعوا على لسان أئمتهم عشرات الروايات في ذلك، منها ما نسبوه إلى الإمام محمد الباقر رحمه الله أنه قال: أترون أن هذا الأمر إلينا نجعله حيث نشاء؟ لا والله، ما هو إلا عهد من رسول الله، رجل فرجل مسمى حتى تنتهي إلى صاحبها.

وفي أخرى نسبوها إلى ابنه جعفر الصادق رحمه الله أنه قال: إن الإمامة عهد من الله عز وجل معهود لرجلٍ مُسمى ليس للإمام أن يرويها عمن يكون من بعده([4]).

ويعتقد الشيعة الاثنا عشرية أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نصَّ على الأئمة من بعده، وعينهم بأسمائهم، وهم اثنا عشر إماماً لا ينقصون ولا يزيدون، وهم:

1- علي بن أبي طالب [المرتضى - أمير المؤمنين] 23 قبل الهجرة - 40 هـ.

2- الحسن بن علي [الزكي - المجتبى] 2-50 هـ.

3- الحسين بن علي [سيد الشهداء] 3-61 هـ.

4- علي بن الحسين [زين العابدين - السجاد] 38-95 هـ.

5- محمد بن علي [الباقر - أبو جعفر] 57-114 هـ.

6- جعفر بن محمد [الصادق - أبو عبدالله] 83-148 هـ.

7- موسى بن جعفر [الكاظم - أبو الحسن - أبو الحسن الأول - أبو الحسن الماضي - أبو إبراهيم] 128-183 هـ.

8- علي بن موسى [الرضا - أبو الحسن الثاني] 148-203 هـ.

9- محمد بن علي [الجواد - أبو جعفر الثاني] 195-220 هـ.

10- علي بن محمد [الهادي - العسكري] 212-254 هـ.

11- الحسن بن علي [العسكري - أبو محمد] 232-260 هـ.

12- محمد بن الحسن [المهدي - الحجة - القائم - الغائب - المنتظر]256-؟

 

نماذج من روايات الشيعة في النص على أئمتهم الاثني عشر:

لقد وضعوا في ذلك مئاتِ بل ألوفَ الروايات، ونسبوها إلى الله عز وجل، وإلى نبيه صلى الله عليه وسلم وإلى صحابته رضوان الله عليهم، وإلى أئمتهم.

ومنها: روايتهم عن الباقر أنه قال لجابر بن عبدالله الأنصاري: يا جابر، أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وما أخبرتك به أمي أنه في ذلك اللوح مكتوب؟

فقال جابر: أشهد أني دخلت على أمك فاطمة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهنأتها بولادة الحسين، ورأيت في يدها لوحاً أخضر ظننت أنه من زمردة، ورأيت فيه كتاباً أبيض شبه لون الشمس، فقلت لها: بأبي أنت وأمي يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا اللوح؟

فقالت: هذا اللوح أهداه إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه اسم أبي، واسم بعلي، واسم ابني، واسم الأوصياء من ولدي، وأعطانيه أبي ليبشرني بذلك. قال جابر: فأعطتنيه أمك فاطمة، فقرأته واستنسخته، فقال: فهل لك يا جابر أن تعرضه عليَّ؟

قال: نعم، فأخرج الباقر صحيفة من رق، فقال له: يا جابر، انظر في كتابك لأقرأ عليك، فنظر جابر في نسخته فقرأه الباقر، فما خالف حرف حرفاً، فقال جابر: أشهد بالله أني هكذا رأيته في اللوح مكتوباً: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله العزيز العليم لمحمد نبيه ونوره وسفيره وحجابه ودليله، نزل به الروح الأمين، من عند رب العالمين.. إلى أن قال: إني لم أبعث نبياً فأكملت أيامه وانقضت مدته إلا جعلت له وصياً، وإني فضلتك على الأنبياء، وفضلت وصيك على الأوصياء، وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسن وحسين، فجعلت حسناً معدن علمي بعد استكمال مدة أبيه، وجعلت حسيناً خازن وحيي، وأكرمته بالشهادة([5])، وختمت له بالسعادة، فهو أفضل من استشهد، وأرفع الشهداء درجة، وجعلت كلمتي التامة معه، وحجتي البالغة عنده، بعترته أثيب وأعاقب، أولهم سيد العابدين، وزين أوليائي الماضين، وابنه شبيه جده المحمود، محمد الباقر علمي والمعدن لحكمتي، سيهلك المرتابون في جعفر، الراد عليه كالراد على الحق، حق القول مني لأكرمن مثوى جعفر، ولأسرنه في أشياعه وأنصاره وأوليائه، أتيحت بعده لموسى فتنة عمياء حندس، لأنّ خيط فرضي لا ينقطع، وحجتي لا تخفى، وإن أوليائي يسقون بالكأس الأوفى، من جحد منهم واحداً فقد جحدني نعمتي، ومن غيَّر آية فقد افترى عليَّ، ويلٌ للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدة موسى عبدي، وحبيبي وخيرتي في علي وليي وناصري، ومن أضع عليه أعباء النبوة وأمتحنه بالاضطلاع بها، يقتله عفريت مستكبر يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح، إلى جنب شر خلقي، حق القول مني لأسرنه بمحمد ابنه وخليفته من بعده، ووارث علمه، فهو معدن علمي، وموضع سري، وحجتي على خلقي، لا يؤمن عبد به إلا جعلت الجنة مثواه، وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجبوا النار، وأختم للسعادة لابنه علي وليي وناصري، والشاهد في خلقي، وأميني على وحيي، أخرج منه الداعي إلى سبيلي والخازن لعلمي الحسن، وأكمل ذلك بابنه محمد رحمة للعالمين([6]).

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما أسري بي إلى السماء أوحى إليّ ربي جل جلاله، فقال: يا محمد، إني اطلعت على الأرض اطلاعةً فاخترتك منها، فجعلتك نبياً، واشتققت لك اسماً من أسمائي، فأنا المحمود وأنت محمد، ثم اطلعت ثانية فاخترت منها علياً، فجعلته وصيك وخليفتك وزوج ابنتك وأبا ذريتك، وشققت له اسماً من أسمائي، فأنا العلي الأعلى وهو علي، وجعلت فاطمة والحسن والحسين من نوركما، ثم عرضتُ وِلايتَكم على الملائكة، فمن قبلها كان عندي من المقربين.

يا محمد، لو أن عبداً عبدني حتى ينقطع ويصير كالشن البالي، ثم أتاني جاحداً لولايتهم ما أسكنته جنتي، ولا أظللته تحت عرشي.

يا محمد، أتحب أن تراهم؟ قال: نعم يا رب، فقال عز وجل: ارفع رأسك، فرفعت رأسي، فإذا أنوار علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن الحسين، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، ومحمد بن الحسن القائم في وسطهم كأنه كوكب دري، فقلت: يا رب، من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الأئمة، وهذا القائم الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين والجاحدين والكافرين(