آخر تحديث للموقع :

الجمعة 13 شوال 1441هـ الموافق:5 يونيو 2020م 05:06:43 بتوقيت مكة
   باب كفر الثلاثة ونفاقهم وفضائح أعمالهم وقبائح آثارهم وفضل التبري منهم ولعنهم ..   كتاب فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب للنوري الطبرسي وأقوال بعض العلماء فيه ..   أبو طالب عند الشيعة من الأنبياء ..   مصطلح النواصب عند الشيعة يطلق على أهل السنة ..   الإباحية الجنسية عند الشيعة - نعمة الله الجزائري (أنموذجاً) ..   من الذي يدعم الإرهابيين في العراق؟ ..   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   أحاديث يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية - ( بين المؤيدين والمعارضين ) ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

التشيع الأول والشيعة الأولى ..
تاريخ الإضافة 3/7/2013 6:03:11 PM
إن لفظة الشيعة لا تطلق إلا على اتباع الرجل وأنصاره فيقال: فلان من شيعة فلان أي ممن يهوون هواه كما قال الزبيدي: كل قوم اجتمعوا على أمر فهم الشيعة وكل من عاون إنساناً وتحزب له فهوشيعة له وأصله من المشايعة وهي المطاوعة والمتابعة.
... فلم يكن استعمال هذه اللفظة في العصر الأول من الإسلام إلا في معناه الأصلي والحقيقي هذا كما لم يكن استعمالها إلا لأحزاب سياسية وفئات متعارضة في بعض المسائل التي تتعلق بالحكم والحكام، وقد شاع استعمالها عند اختلاف معاوية مع علي رضي الله تعالى عنهما بعد استشهاد عثمان رضي الله عنه فكان يقال عن أنصار رضي الله عنه الخليفة الراشد الرابع والأحق بالخلافة من معاوية وغيره وكانوا يشايعونه ويناصرونه في حروبه مع معاوية رضي الله عنه كما كان شيعة معاوية يرون الأمر بالعكس للجوء قتلة عثمان بن عفان إلى معسكر علي رضي الله عنه وتحت كنفه حسب زعمهم وما دام هؤلاء كذلك لم يكونوا معتقدين بثبوت الخلافة وأحقيتها لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه فإن قتل القتلة ونفذ فيهم حد السيف رجعوا إليه وإلى التسليم بخلافته والانقياد لأمره كما نقله المؤرخون أن معاوية رضي الله عنه قال لمن بعث إليه من قبل علي رضي الله عنه من عدي بن حاتم ويزيد بن قيس الأرحبي وشبيث بن ربعي وزياد بن حفصة يدعونه إلى الجماعة والطاعة:
... " أما بعد فإنكم دعوتموني إلى الجماعة والطاعة، فأما الجماعة فمعنا هي، وأما الطاعة فكيف أطيع رجلاً أعان على قتل عثمان وهويزعم أنه لم يقتله؟ ونحن لا نرد ذلك عليه ولا نتهمه به (1) ولكنه آوى قتلة عثمان فيدفعهم إلينا حتى نقلتهم ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة " (2).
... وقال بمثل هذه المقولة لأبي الدرداء ولأبي أمامة المبعوثين أيضاً من قبل علي رضي الله عنه:
__________
(1) - انظر إلى القول العدل الذي صدر من رجل يصب عليه الشيعة ويلاتهم ودفائن حقدهم وبغضهم بدعوى أنه قال في علي كيت وكيت فانظر إليه كيف يصرح بأننا لا نتهمه بقتل عثمان بل نصدق قوله في براءته من دمه ولا نقول بما ينكره علي رضي الله عنه.
(2) - البداية والنهاية ج 7ص257 ط بيروت الطبري ج5 ص6، الكامل ج3 ص290.
" اذهبا إليه فقولا له: فليقدنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من بايعه من أهل الشام "
وقبل ذلك حينما أرسل علي رضي الله عنه جرير بن عبد الله إلى معاوية يدعوه إلى بيعته " طلب معاوية عمروبن العاص ورؤوس أهل الشام فاستشارهم فأبوا أن يبايعوا حتى يقتل قتلة عثمان أوأن يسلم إليهم قتلة عثمان "
... وإن المؤرخين ذكروا أيضاً أن أبا الدرداء وأبا أمامة عندما رجعا إلى علي قالا له ذلك، فقال:
هؤلاء الذين تريان فخرج خلق كثير فقالوا: كلنا قتلة عثمان فمن شاء فليرمنا " (1)
__________
(1) البداية والنهاية ج 7ص 253 - 259 ط بيروت
هذا ولسنا الآن بصدد بيان أسباب الحروب التي دارت بين علي رضي الله عنه وبين معاوية رضي الله عنه وغيره ولكننا نريد أن نبين هنا أن فئتين عظميتين من المسلمين ـ كما عبر عنها الرسول العظيم عليه الصلاة والسلام في مدحه الحسن رضي الله عنه ـ انحاز كل واحدة منهما إلى جانب وشايعت وناصرت من رأوا الحق معه فسميت كل طائفة من هاتين الطائفتين شيعة علي وشيعة معاوية ولم يكن الخلاف بينهما إلا خلافاً سياسياً محضاً طائفة كانوا يرون علياً رضي الله عنه خليفة صاحب حق شرعي حيث انعقدت له الخلافة بمشورة أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار (1) وقوم رأوا أحق الناس بها معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما حيث أنه يريد الثأر لدم الإمام المظلوم صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفته للمسلمين الذي أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة المشهورة لأخذ الثأر عنه يوم الحديبية وسميت فيما بعد هذه البيعة بيعة الرضوان حيث أنزل الله رضاه لكل من بايع لأجله (2).
وكذلك أطلقت هذه اللفظة على حزب سياسي موحد لبني علي وبني العباس بتركيب شيعة آل محمد مقابل شيعة بني أمية ولم يكن إطلاقها إلا لبيان رأي سياسي في من تولى الحكم وفي من يحق أن يتولاه وقد صرح بذلك شيعي مشهور ناقلاً عن كتاب الزينة للسجستاني:
__________
(1) - كما استشهد علي رضي الله عنه على أحقيتها له إنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضى فإن خرج منهم بطعن أوبدعة ردوه إلى ما خرج منه فإن أتى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى (نهج البلاغة ص367)
(2) - بقوله جل وعلا {لقد رضي الله عن المؤمنين إذا يبايعونك تحت الشجرة "".
... ثم بعد مقتل عثمان وقيام معاوية وأتباعه في وجه علي بن أبي طالب وإظهاره الطلب بدم عثمان واستمالته عدداً عظيماً من المسلمين إلى ذلك صار أتباعه يعرفون بالعثمانية وصار أبتاع علي يعرفون بالعلوية مع بقاء إطلاق اسم الشيعة عليهم واستمر ذلك مدة ملك بني أمية ". (1)
ونقل أيضاً من نقيب الشيعة بحلب:
كل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيعة وشيعة الرجل أتباعه وأنصاره ويقال: شايعه كما يقال والاه من الولي والمشايعة وكأن الشيعة لما اتبعوا هؤلاء القوم واعتقدوا فيهم ما اعتقدوا سموا بهذا الاسم لأنهم صاروا أعواناً لهم وأنصارا وأتباعا، فأما من قبل حين أفضت الخلافة من بني هاشم إلى بني أمية وتسلمها معاوية بن صخر من الحسن بن علي وتلقفها من بني أمية ومالوا إلى بني هاشم وكان بنوعلي وبنوعباس يومئذ في هذا شرع فلما انضموا إليهم واعتقدوا أنهم أحق بالخلافة من بني أمية وبذلوا لهم النصرة والموالاة والمشايعة سموشيعة آل محمد ولم يكن إذ ذاك بين بني علي وبني العباس افتراق في رأي ولا مذهب فلما ملك بنوالعباس وتسلمها سفاحهم من بني أمية نزغ الشيطان بينهم وبين بني علي فبدا منهم في حق بني علي ما بدا فنفر منهم فرقة من الشيعة " (2)
... وقد كررنا لفظ السياسة حيث نقصد من ورائها أنه لم يكن بين القوم خلاف ديني يرجع إلى الكفر والإسلام كما أقر بذلك سيدنا علي رضي الله عنه حيث قال مخاطباً جنده عن معاوية وعساكره.
... أوصيكم عباد الله تقوى الله فإنها خير ما تواصى به العباد به وخير عواقب الأمور عند الله وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة (3) ".
__________
(1) - أعيان الشيعة لمحسن الأمين / الجزء الأول القسم الأول ص 12.
(2) - غاية الاختصار في أخبار بيوتات العلوية المحفوظة من الغبار لسيد تاج الدين بن حمزة الحسيني نقيب حلب.
(3) - نهج البلاغة ص 367 ط بيروت.
... هذا وقد زاد علي رضي الله عنه المسألة وضوحاً وبياناً في كتاب له كتبه إلى أهل الأمصار يقص فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين ويبين فيه حكم من ناضلوه وقاتلوه وموفقه منهم:
... وكان بدء أمرنا التقينا والقوم من أهل الشام والظاهر أن ربنا واحد وبنينا واحد ودعوتنا في الإسلام واحدة ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله صلى الله عليه وسلم الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء (1) ".
ولأجل ذلك منع أصحابه من سب أهل الشام وأنصار معاوية وشتمهم إياهم أيام حربهم بصفين:
... إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ولكنكم لووصفتهم أعمالهم وذكرتهم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر وقلتم مكان سبكم إياهم " اللهم احقن دمائنا ودمائهم وأصلح ذات بيننا وبينهم (2) ".
ويؤيد ذلك حديث شيعي مشهور رواه الكليني في صحيحه (الكافي) عن جعفر بن محمد الباقر ـ الإمام السادس المعصوم حسب زعم الشيعة ـ أنه قال: ينادي مناد من السماء أول النهار إلا إن علياً صلوات الله عليه وشيعته هم الفائزون قال: وينادي مناد آخر النهار ألا إن عثمان وشيعته هم الفائزون " (3).
__________
(1) المصدر السابق 448.
(2) المصدر السابق 323.
(3) الكافي في الفروع ج 8 ص 209.
ومن طريف ما ذكرنا أن أبا العالية وهوتابعي مشهور أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهوشاب ولكنه لم يسلم إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإن روى عنه أبوخلدة أنه قال: قال أبوالعالية: لما كان زمان علي ومعاوية وإني لشاب القتال أحب إلى من الطعام الطيب فجهزت بجهاز حسن حتى أتيتهم فإذا صفان ما يرى طرفاهما إذا كبر هؤلاء كبر هؤلاء وإذا هلل هؤلاء هلل هؤلاء فراجعت نفسي فقلت: أي الفريقين أنزله كافراً؟ ومن أكرهني على هذا؟ قال: فما أمسيت حتى رجعت وتركتهم (1) ".
... ولا ننكر أنه كان هناك أناس تأثروا بدسائس يهودية وأفكار مدسوسة وخرجوا عن الجادة المستقيمة وأعطوا هذا الخلاف صبغة دينية أمثال السبأيين وغيرهم ممن وقعوا في حبائل اليهودية المبغضة للإسلام وهم الذين كانوا يؤججون نار الحرب كما خبت نيرانها كما سنفصل القول فيما بعد إن شاء الله ولكن عامة الناس كانوا على منأى عنها.
... فهذه هي بداية استعمال هذه اللفظة ثم اختص بكل من يوالي علياً وأولاده ويعتقد الاعتقادات المخصوصة والمستقاة من دسائس عبد الله بن سبأ اليهودي وغيره من الذين أرادوا هدم عمارة الإسلام وكيانه وتشويه عقائده وتعليماته كما قال ابن الأثير في نهايته:
... وأصل الشيعة الفرقة من الناس وتقع على الواحد والاثنين والجمع والذكر والمؤنث بلفظ واحد ومعنى واحد وقد غلب هذا الاسم على كل من يزعم (؟). أنه يتولى علياً رضي الله عنه وأهل بيته حتى صار لهم اسماً خاصاً فإذا قيل من الشيعة عرف أنه منهم وفي مذهب الشيعة كذا أي عندهم وتجمع الشيعة علي شيع وأصلها من المشايعة وهي المتابعة والمطاوعة " (2) ".
__________
(1) سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج 4 ص 210 طبقات ابن سعد ج 7 ص 114.
(2) - النهاية لابن الأثير ج 2 ص 244.
... وأما ادعاء من يدعي بأن هذه اللفظة كانت شائعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما كان التشيع موجوداً في عصره والشيعة موجودون في زمنه فلا ينهض به دليل ولا يقوم به برهان كما قال محمد الحسين في (أصل الشيعة وأصولها).
إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام ـ هونفس صاحب الشريعة ـ يعني أن بذرة التشيع وضعت مع بذرة الإسلام جنباً إلى جنب وسواء بسواء ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والعناية حتى نمت وازدهرت في حياته (1) ثم أثمرت بعد وفاته (2) ".
__________
(1) - واستشهد على ذلك بروايات واهية موضوعة ومكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تصح منها ولا رواية واحدة مثل (أن علياً وشيعتهم لهم الفائزون) وعلى ذلك قال ابن الحديد الشيعي الغالي: أن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة فإنهم وضعوا في بدء الأمر أحاديث مختلفة في فضائل أئمتهم حملهم على وضعها عداوة خصومهم (شرح نهج البلاغة ج1ص 783).
(2) ومن أعجب العجائب أن رجلاً كهذا يكذب بكل وقاحة ولا يستحي حيث ينسب رواية باطلة موضوعة ألا وهي رواية الطير في الصحيحين ولا وجود لها فيهما:
... " وكذلك من عد عدداً كبيراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وأطلق عليهم بأنهم كانوا شيعة علي مثل محسن الأمين ومحمد حسين الزين وآل كاشف الغطاء وغيرهم فلا ندري بماذا يجيبون عن أحاديث كثيرة مروية في صحاحهم التي تحكم على ارتداد جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الثلاثة سلمان وأبوذر والمقداد "انظر تفصيل ذلك في كتابنا الشيعة والسنة " فهل هؤلاء كانوا كفرة مع كونهم شيعة علي ثم وكيف قبل سلمان إمارة من قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟ " حياة القلوب للمجلسي ج2ص780". وكان أحد القادة الذين أرسلهم الفاروق لفتح المدائن (ابن كثير ج7ص67).
... وبمثل ذلك القول قال الآخر " إن التشيع ظهر في أيام نبي الإسلام الأقدس الذي كان يغذى بأقواله عقيدة التشيع لعلي عليه السلام وأهل بيته ويمكنها في أذهان المسلمين ويأمر بها في مواطن كثيرة (1) ".
... ولم يظن المظفري الشيعي هذا كافياً فقال:
... إن الدعوة إلى التشيع ابتدأت من اليوم الذي هتف فيه المنقذ الأعظم محمد صلوات الله عليه صارخاً بكلمة لا إله إلا الله في شعاب مكة وجبالها ... فكانت الدعوة للتشيع لأبي الحسن عليه السلام من صاحب الرسالة تمشي منه جنباً لجنب مع الدعوة للشهادتين (2) ".
__________
(1) - أصل الشيعة وأصولها ص 87.
3 - الشيعة في التاريخ لمحمد حسين الزين ص29.
(2) - تاريخ الشيعة لمحمد حسين المظفري ص 8، 9 ط قم.
ولا يخفى ما فيه من المجازفة بالقول والغلولأن معناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدع إلى الإسلام وإلى وحدانية الله عز وجل والإقرار برسالته وطاعته وإلى الاتحاد والاتفاق والتآلف والمحبة والمودة بل كان يدعوإلى التحزب والتفرق والتشيع لعلي دون غيره كما أنه حسب دعوى المظفري كان يجعل علياً شريكاً له في نبوته ورسالته مع أن كلام الله المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والذي أنزله الرحمن وضمن حفظه قرآنه وبيانه خال من كل هذا (1) بل ويعكس ذلك أنه مليء بالدعوة إلى طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والاعتصام بحبل الله وحده والتمسك بالقرآن والسنة والتجنب لما سواهما كما أمر المسلمين بالاتفاق والاتحاد والتسمي باسم الإسلام والمسلمين وكذلك الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (2)
__________
(1) - ولعل هذا من أهم دواعي إنكار القرآن والاعتقاد فيه بالتغيير والتحريف والنقصان من قبل الشيعة لأنهم لا يجدونه مؤازراً لهم ومناصرا بل كل ما فيه يخالف التشيع وعقائدهم بأصولها وفروعها ويفند مزاعمهم ويسفه عقولهم وآراءهم وأفكارهم. فانظر لتفصيل ذلك ومعرفته كتبانا (الشيعة والسنة) و (الشيعة والقرآن)
(2) - والعجب كل العجب أن الشيعة الذين ينكرون الأحاديث الصحاح لرسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه لأن رواة هذه الأحاديث وحملتها هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم ارتدوا ـ عياذا بالله حسب زعمهم ـ يثقون بروايات هؤلاء ومروياتهم.
ولا ندري كيف أن الشيعة يتمسكون بالروايات الموضوعة الباطلة والأحاديث الواهية المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لأنه اختلق هذه الروايات واخترعها رجال منهم أووضعها رواتهم والدعاة إلى أباطيلهم وأضاليلهم.
وقلما تجد الشيعة يتمسكون بحديث صحيح أويعتقدون بل كل بضاعتهم الموضوعات أوالأساطير والقصص.
لا تشتمل ولا تصرح إلا بهذا كله لا غير فلقد قال الله عز وجل: {يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون} وقال {أطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} وقال {ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وقال {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الحق ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} وقال {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} وقال {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت} وقال جلا وعلا {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً} وقال {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} وقال {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} وقال {ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً} وقال {إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم الحق بغياً بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب} وقال {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهوفي الآخرة من الخاسرين}.
... وأخيرا أخبر الكون ومن في الكون بأنه لم يرسل نبيه ولا رسوله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين إلا بما أرسل به الرسل والأنبياء من قبل حيث أمره أن يقول {قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إليّ وما أنا إلا نذير مبين} وكما قال {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم موسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب}
ولقد بين جلا وعلا سبحانه وتعالى مجملاً بما أرسل الرسل من قبله حيث قال {وما أرسلنا قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}.
... كما فصل في مواضع عديدة من القرآن بذكر كل واحد منهم برسالته وبمثل ذلك تماماً وردت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الثابتة.
... وأما القوم فهم على خلاف ما بينه الرب جل وعلا وبينه رسوله العظيم عليه الصلاة والسلام حيث يزعمون أنه لم يرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلا للدعوة إلى التشيع والتفرق وإلى الإشراك في ذات الله وصفاته وإشراكه علياً وأولاده في النبوة والرسالة والإطاعة ثم يسردون لإثبات ذلك روايات كلها باطلة وموضوعة رواية ودراية رواية حيث إن الرواة الذين رووا تلك الأحاديث شيعة ضالون ووضاعون كذابون ولم ترد هذه الروايات في كتب موثوقة معتمدة ودراية حيث تعارض القرآن ونصوصه كما تخالف العقل لأن العقل يقتضي أن لا يكون الشرائع مقصودها ومهمتها الدعوة إلى الحب لأشخاص والولاية لهم وبسبب هذه الولاية دخولهم في الجنة ونجاتهم من النار كما أن الآيات القرآنية تنفي ذلك نفي باتاً حيث لم يجعل الحب وحتى حب الله كافياً للفوز والنجاح في الآخرة حيث قال الله عز وجل {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم}.
... وما الاتباع إلا الإيمان بالله والعمل الصالح حسب أوامر الله ونبيه صلى الله عليه وسلم والاجتناب عن نواهي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات عدن} وقال {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز العظيم}.
... ولقد اضطربت أراء القوم أنفسهم في بد نشأة التشيع وتكوينه حيث قال إمام الشيعة في الفرق النوبختي أن نشأته لم تكن إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كتب: " قبض رسول الله صلى الله عليه وآله في شهر ربيع الأول سنة عشر من الهجرة وهوابن ثلاث وستين سنة وكانت نبوته عليه السلام ثلاثاً وعشرين سنة وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، فافترقت الأمة ثلاث فرق (فرقة منها) سميت الشيعة وهم شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام ومنهم افترقت صنوف الشيعة كلها، " وفرقة منهم " ادعت الإمرة والسلطان وهم والأنصار ودعوا إلى عقد الأمر لسعد بن عبادة الخزرجي " وفرقة " مالت إلي بيعة أبي بكر بن أبي قحافة وتأولت فيه أن النبي صلى الله عليه وآله لم ينص على خليفة بعينة وأنه جعل الأمر إلى الأمة تختار لأنفسها من رضيته واعتقل قوم منهم برواية ذكروها أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمره في ليلته التي توفي فيها بالصلاة بأصحابه فجعلوا ذلك الدليل على استحقاقه إياه وقالوا رضيه النبي صلى الله عليه وآله لأمر ديننا ورضيناه لأمر دنيانا وأوجبوا له الخلافة بذلك فاختصمت هذه الفرقة وفرقة الأنصار وصاروا إلى سقيفة بني ساعدة ومعهم أبوبكر وعمر وأبوعبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة الثقفي وقد دعت الأنصار إلى العقد لسعد بن عبادة الخزرجي والاستحقاق للأمر والسلطان فتنازعوا هم والأنصار في ذلك حتى قالوا منا أمير ومنكم أمير فاحتجت هذه الفرقة عليهم بأن النبي عليه السلام قال: الأئمة من قريش: وقال بضعهم أنه قال: الإمامة لا تصلح إلا في قريش: فرجعت الأنصار ومن تابعهم إلى أمر أبي بكر غير نفر يسير مع سعد بن عبادة ومن اتبعه من أهل بيته فإنه لم يدخل في بيعته حتى خرج إلى الشام مراغماً لأبي بكر وعمر فقتل هناك بحوران قتله الروم وقال آخرون: قتلته الجن فاحتجوا بالشعر المعروف وفي روايتهم أن
الجن قالت:
... قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة **** ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده
وهذا قول فيه بعض النظر لأنه ليس في التعارف أن الجن ترمي بني آدم بالسهام فتقتلهم فصار مع أبي بكر السواد الأعظم والجمهور الأكثر فلبثوا معه ومع عمر مجتمعين عليهما راضين بهما (1) "
وأما ابن النديم الشيعي (2) فيرى أن تكوين الشيعة لم يكن إلا يوم وقعة الجمل حيث قال:
ولما خالف طلحة والزبير (3) علي رضي الله عنه وأبيا إلا الطلب بدم عثمان وقصدهما علي عليه السلام ليقاتلهما حتى يفيئا إلى أمر الله تسمى من اتبعه على ذلك باسم الشيعة ".
... ومنهم من قال: اشتهر اسم الشيعة يوم صفين (4) ".
وبمثل ذلك القول قال ابن حمزة وأبوحاتم وغيرهما من الشيعة وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه وبمثل هذا القول قال ابن حزم في (الفصل) (5) من المتقدمين وأحمد أمين (6) وغيره الكثيرون الكثيرون من المتأخرين.
... ويقول شيعي معاصر: إن استقلال الاصطلاح الدال على التشيع إنما كان بعد مقتل الحسين حيث إن التشيع أصبح كياناً مميزاً له طابع خاص (7).
... ولأجل ذلك اضطر محسن الأمين إلى أن يقول:
__________
(1) - فرق الشيعة النوبختي ص 23 - 24.
(2) - هوابن الفرج محمد بن إسحاق النديم الكاتب الفاضل الخير الماهر المتبحر الشيعي الإمامي مصنف كتاب الفهرست المولود سنة 297هـ المتوفى سنة 385هـ " الكنى والألقاب للقمي ج1ص 425 - 426"
(3) - الفهرست لابن النديم ص 249
(4) - روضات الجنات للخوانساري ص88
(5) - الفصل في الممل والأهواء والنحل ج 4ص79
(6) - فجر الإسلام ص266 ط8
(7) - الصلة بين التصوف والتشيع لكامل مصطفى الشيبي ص 23.
... سواء كان إطلاق هذا الاسم في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أوبعد الجمل فالقول بتفضيل علي عليه السلام وموالاته الذي هومعنى التشيع كان موجوداً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم واستمر بعده إلى اليوم (1) ".
... والمظفري أن يقول:
... فكان التجاهر بالتشيع أيام عثمان (2).
... وهوالصحيح [لأن الأسماء لا توجد قبل المسميات] ولا الأحزاب قبل الخلافات فلما وجد الخلاف تحزب لكل رأي حزب وتعصبوا جماعات وفرقاً فآنذاك وجدت الجماعات ووجدت لها الأسماء ولم يكن هناك خلاف بين المسلمين ولم يتعصب له أشخاص قبل مقتل عثمان ذي النورين رضي الله عنه وقبل النتائج التي نتجت من قتله وبعد تولية علي رضي الله عنه إمرة المؤمنين وخلافة المسلمين وعندئذ نشأ الخلاف فمنهم من رأى رأي علي رضي الله عنه وأنصاره ومنهم ومن رأى رأي طلحة والزبير ثم رأي معاوية وأتباعه وهناك تحزب حزبان سياسيان كبيران بين المسلمين شيعة علي وشيعة معاوية وكل واحد من هؤلاء يرى رأيه في تولية الحكم وتدبير الأمور ودينهما واحد وعقائدهم واحدة متفقة كما بيناه آنفاً.
... نعم كان هناك خلاف قبل شهادة عثمان رضي الله عنه والذي جر إلى قتل عثمان ولكنه لم يكن إلا بين قادة اليهود والمخدوعين المغترين الواقعين في حبائل الدسائس اليهودية الأثيمة وبين المسلمين وإمامهم كما سيأتي بيانه في باب مستقل كما أنه وقعت الخلافات البسيطة الطفيفة ولكنها لم تبقى إلا للحظات لرجوع الفريق الثاني إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم امتثالاً لقول الله عز وجل {وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}
__________
(1) - أعيان الشيعة القسم الأول الجزء الأول ص 13.
(2) - تاريخ الشيعة لمحمد حسين المظفري ص15
... كالخلاف الذي وقع بين الأنصار والمهاجرين يوم السقيفة حيث رجع الأنصار عن رأيهم إلى رأي المهاجرين وبايعوا أبا بكر اتفاقا واتحادا ولم يكن هناك فريق ثالث كما يزعمه الشيعة ولم يقدم اسم رجل ثالث للخلافة والإمارة غير سعد بن عبادة وأبي بكر وعلى ذلك لم يكن هناك خلاف ولا نزاع ولا [زعماء ولا قادة] لهذه الآراء والأحزاب كما شهد بذلك علي رضي الله عنه حينما دخل عليه عمروبن الحمق وحجر بن عدي وحبة العرني والحارث الأعور وعبد الله بن سبأ بعد ما افتتحت مصر وهومغموم حزين كما رواه عبد الرحمن بن جندب عن أبيه جندب فقالوا له:
... " بين لنا ما قولك في أبي بكر وعمر؟ فقال لهم علي عليه السلام: وهل فزعتم لهذا؟ وهذه مصر قد افتتحت وشيعتي بها قد قتلت؟ أنا مخرج إليكم كتاباً أخبركم فيه عما سألتم وأسألكم أن تحفظوا من حقي ما ضيعتم فاقرؤوه على شيعتي وكونوا على الحق أعوانا وهذه نسخة الكتاب من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرأ كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين: السلام عليكم فإني احمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو.
... أما بعد إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم وآله نذيراً للعالمين وأميناً على التنزيل وشهيداً على هذه الأمة وأنتم يا معشر العرب يومئذ على شر دين وفي شر دار منيخون على حجارة خشن وحيات صم وشوك مبثوث في البلاد تشربون الماء الخبيث وتأكلون الطعام الجشيب وتسفكون دماءكم وتقتلون أولادكم وتقطعون أرحامكم وتأكلون أموالكم [بينكم] بالباطل سبلكم خائفة والأصنام فيكم منصوبة [والآثام بكم معصوبة] ولا يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون فمن الله عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم وآله فبعثه إليكم رسولاً من أنفسكم وقال فيما أنزله من كتابه: هوالذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوعليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وقال: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم وقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذوالفضل العظيم فكان الرسول إليكم من أنفسكم بلسانكم وكنتم أول المؤمنين تعرفون وجهه وشيعته وعمارته فعلمكم الكتاب والحكمة والفرائض والسنة وأمركم بصلة أرحامكم وحقن دمائكم وصلاح ذات البين وأن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وأن توفوا بالعهد ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وأمركم أن تعاطفوا وتباروا وتباذلوا وتراحموا ونهاكم عن التناهب والتظالم والتحاسد والتقاذف وعن شرب الخمر وبخس المكيال ونقص الميزان وتقدم إليكم فيما أنزل عليكم: ألا تزنوا ولا تربوا ولا تأكلوا أموال اليتامى ظلماً وأن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ولا تعثوا في الأرض مفسدين ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكل خير يدني إلى الجنة ويباعد من النار أمركم به وكل شر يباعد من الجنة ويدني من النار نهاكم عنه.
... فلما مضى لسبيله صلى الله عليه وآله تنازع المسلمون الأمر بعده فوا الله ما كان يلقى في روعي، ولا يخطر على بالي أن العرب تعدل هذا الأمر بعد محمد صلى الله عليه وآله عن أهل بيته ولا أنهم منحوه عني من بعدي، فما راعني إلا انثيال الناس على أبي بكر وإجفالهم إليه ليبايعوه، فأمسكت يدي ورأيت أني أحق بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله في الناس ممن تولى الأمر من بعده فلبثت بذاك ما شاء الله حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين الله وملة محمد صلى الله عليه وآله وإبراهيم عليه السلام فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً وهدماً يكون مصيبته أعظم علىّ من فوات ولاية أموركم التي إنما هي متاع أيام قلائل ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب وكما يتقشع السحاب، فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق وكانت " كلمة الله هي العليا " ولوكره الكافرون.
... فتولى أبوبكر تلك الأمور فسير وسدد وقارب واقتصد فصحبته مناصحا وأطعته فيما أطاع الله جاهدا (1) ".
... ومثل ذلك في (مقالات الإسلاميين) للأشعري:
__________
(1) - الغارات للثقفي ج1ص302 - 307 وورد مثل ذلك في شرح نهج البلاغة لابن الحديد الشيعي والميثم البحراني الشيعي وفي ناسخ التواريخ وفي مجمع البحار للمجلسي وغيرها ومن أراد التفصيل في ذلك فليرجع إلى كتابنا (الشيعة وأهل البيت).
... وأول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم اختلافهم في الإمامة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قبضه الله عز وجل ونقله إلى جنته ودار كرامته اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وأردوا عقد الإمامة لسعد بن عبادة وبلغ ذلك أبا بكر وعمر رضوان الله عليهم [فـ]ـقصدا نحومجتمع الأنصار في رجال من المهاجرين فأعلمهم أبوبكر أن الإمامة لا تكون إلا في قريش واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم الإمامة في قريش فأذعنوا لذلك منقادين، ورجعوا إلى الحق طائعين، بعد أن قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير وبعد أن جرد الحباب بن المنذر سيفه وقال أنا المحكك وعذيقها المرجب من يبارزني بعد أن قام قيس بن سعد بنصرة أبيه سعد بن عبادة حتى قال عمر بن الخطاب في شأنه ما قال، ثم بايعوا أبا بكر رضوان الله عليه واجتمعوا على إمامته واتفقوا على خلافته وانقادوا لطاعته فقاتل أهل الردة على ارتدادهم كما قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كفرهم فأظهره الله عز وجل عليهم أجمعين وأوضح الله به الحق المبين وكان الاختلاف بعد الرسول صلى الله عليه وسلم في الإمامة ولم يحدث خلاف غيره في حياة أبي بكر رضوان الله عليه وأيام عمر إلى أن ولي عثمان بن عفان رضوان الله عليهم وأنكر قوم عليه في آخر أيامه أفعالاً كانوا فيما نقموا عليه من ذلك مخطئين، وعن سنن المحجة خارجين، فصار ما أنكروه عليه اختلافاً إلى اليوم، ثم قتل رضوان الله عليه وكانوا في قتله مختلفين، فأما أهل السنة والاستقامة فإنهم قالوا: كان رضوان الله عليه مصيباً في أفعاله قتله قاتلوه ظلماً وعدواناً، وقال قائلون بخلاف ذلك، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم.
... ثم بويع علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فاختلف الناس في أمره فمن بين منكر لإمامته ومن بين قاعد عنه ومن بين قائل بإمامته معتقد لخلافته، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم. ...
... ثم حدث الاختلاف في أيام علي في أمر طلحة والزبير رضوان الله عليهم وحربهما إياه وفي قتال معاوية إياه وصار علي ومعاوية إلى صفين (1) ".
... ومثل الخلافات الأخرى كالخلاف في موضع دفن الرسول وقتال مانعي الزكاة وغيرها، فلم تكد تظهر هذه الخلافات حتى تلاشت بعد عرض الأمور على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والرجوع إليهما.
__________
(1) ـ مقالات الإسلاميين للأشعري ج1ص39.
... ولكن الخلاف الذي لم ينحل والنزاع الذي لم ينته كان هوذلك الاختلاف الذي شتت شمل المسلمين وفرق جمعهم وجعلهم فريقين كبيرين يرأس الأول منهما علي رضي الله عنه والثاني معاوية رضي الله عنه، ونكرر القول بأن هذا الخلاف لم يجر واحداً منهما إلى تكوين مذهب جديد واعتناق عقائد جديدة ولا إلى إنكار ما ثبت في كتاب الله أوفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الانحراف عن الجادة المستقيمة التي سلكها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده أبوبكر وعمر وعثمان الخلفاء الراشدون المهديون من بعد كما لم يكن هناك مباغضة للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين قضوا نحبهم قبل كما اختلقها شيعة اليوم ن ولا إثارة إلى الضغائن القبلية والمبنية على الحسب والنسب، وخاصة لم يكن لأنصار علي رضي الله عنه، الخلص منهم، عقائد الشيعة اليوم، المنطوية على بغض السلف الصالح وعلى الأخص أبوبكر وعمر وعثمان وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، والمبنية على إنكار القرآن الموجود بأيدي الناس، ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي أخذوها عن عبد الله بن سبأ وتوارثوها عن اليهودية البغيضة كما سنبرهن ذلك قريباً إن شاء الله بل، كانوا محبين لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وعلى رأسهم أبوبكر وعمر وعثمان وأزواج النبي الطاهرات المطهرات، والمقتفين آثارهم والمقتدين هداهم، وعلى رأسهم علي رضي الله عنه أمير المؤمنين وخليفة رسول الله الأمين الراشد الرابع حيث كان يحبهم حباً جماً ويظهر موالاته لهم ويعاند كل من يعارضهم، ويعاقب كل من يتكلم فيهم، كما كان يحارب بكل قوة وشدة تسرب أفكار السبئية واليهودية في أتباعه وأنصاره وشيعته، ويطرد كل من يشك فيه بتسممه من هذه العقائد المسمومة
... فلقد ذكر الشيعة أنفسهم بأن علياً رضي الله عنه سمى أبناءه بأسماء الخلفاء الراشدين السابقين الثلاثة، بأبي بكر وعمر وعثمان (1) وابنه الحسين كذلك سمى أبناءه بأي بكر وعمر (2) وكذلك الآخرون من أبناء علي وأبناء الحسين سموأبناءهم بأسماء هؤلاء الأخيار البررة تحبباً إليهم وتبركاً بهم (3).
__________
(1) - أعلام الورى للطبرسي ص 203، الإرشاد للمفيد ص 186، تاريخ اليعقوبي ج 2ص 119، مقاتل الطالبين لأبي الفرج الأصبهاني ص 142، كشف الغمة للأربلي ج 2ص64، جلاء العيون للمجلسي ص582.
(2) - أعلام الورى للطبرسي ص 213، تاريخ اليعقوبي ج3ص228، مقاتل الطالبين لأبي الفرج الأصبهاني ص ص78ص119، منتهى الآمال ج1ص240.
(3) - التنبيه والإشراف للمسعودي الشيعي ص263، جلاء العيون للمجلسي ص582.
... وأما الاقتداء والاتباع فلقد ذكرنا عنه كثيراً في كتابنا (الشيعة وأهل البيت) ولا نريد تكرار ما قلناه هناك فليرجع إلى ذلك، ولكنا نثبت هاهنا عبارة عن ألد أعداء السنة وأكبر السبابين اللعانين الشيعة، عن الملا باقر المجلسي الشيعي الإيراني الذي يلقب بخاتمة المحدثين، والذي ألف أكبر مجموعة في الحديث باسم (بحار الأنوار) فهويكتب في كتابه (جلاء العيون في حياة ومصائب أربعة عشر معصوماً) أن حسين بن علي بن أبي طالب صالح معاوية بن أبي سفيان على أنه يعمل بين الناس بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم سيرة الخلفاء الراشدين (1) وأن لا يعين أحداً بعده وأن يؤمن الناس أينما كانوا في الشام والعراق والحجاز واليمن وأن يؤمن شيعة علي بن أبي طالب وأصحابه في أنفسهم وأموالهم وأزواجهم وأولادهم وأخذ على هذه الشروط العهود المغلظة باليمين (2) ".
... فجعل الحسن بن علي ـ وهوالإمام الثاني عند الشيعة ـ أحد شروط الصلح مع معاوية أن يكون متبعاً لسيرة الخلفاء الراشدين، ولم يكن هؤلاء إلا أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، كما أنه لم يجعل العمل بسيرة هؤلاء شرطاً من أهم الشروط إلا لأنه كان يحسن فيهم الظن ويعتقد فيهم الخير ويؤمن بتقواهم وطهارتهم زيادة على إيمانهم وإسلامهم الصحيح الخالص.
... هذا ومثل هذا كثير لمن تتبع أخبار علي وأولاده (3) رضي الله عنهم ورحمهم أجمعين.
__________
(1) - فليلاحظ لفظ الخلفاء الراشدين لأن الذين أعمى الله أبصارهم لا يستحيون من تأويلات سخيفة ركيكة كلما عرض عليهم دليل أوبرهان مثبت في كتبهم وعن أعيانهم.
(2) - جلاء العيون للمجلسي ج1 ص293 ط طهران 1398هـ، الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة ص163 ط طهران، منتهى الآمال للعباس القمي ص314.
(3) - ونبذة غير يسيرة موجودة في كتابنا (الشيعة وأهل البيت) من أراد ذلك فليرجع إليه.
... ونريد أن نضيف إلى ذلك أن الخلاف الذي وقع بين علي ومعاوية رضي الله عنهما لم يؤد إلى التكفير والتفسيق فيما بينهم ولا إلى المقاطعة الدائمة والمباغضة الأبدية والهجران والقطيعة كما تصوره القوم في العصور المتأخرة وكما وضعت الأساطير والقصص، بل كل واحد من الحزبين كان يعتقد بإيمان الآخر وإسلامه ويحب الإصلاح بينهما ويسعى إلى التوافق والتصالح، وعلى ذلك صالح الحسن بن علي معاوية رضي الله عنهم أجمعين وبايعه، ولم يكن يظنه كافراً خارجاً عن الإسلام لما اتفق معه ولم يصالحه ولم يبايعه ولم يأمر ولم يأمر أخاه الحسين ولا قائد جيشه قيس بن سعد أن يبايعاه كما ثبت ذلك في كتب الشيعة وهذه هي ألفاظ الكشي:
... جبرائيل بن أحمد وأبوإسحاق حمدويه وإبراهيم ابنا نصير قالوا: حدثنا محمد بن عبد الحميد العطار الكوفي عن يونس بن يعقوب عن فضل غلام محمد بن راشد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن معاوية كتب إلى الحسن بن علي صلوات الله عليهما أن أقدم الأنصاري وقدموا الشام فأذن لهم معاوية وأعد لهم الخطباء فقال: يا قيس قم فبايع، فالتفت إلى الحسين عليه السلام ينظر ما يأمره فقال يا قيس إنه إمامي ـ يعني الحسن عليه السلام (1) ".
... وقبل ذلك أبوه علي بن أبي طالب ـ وهوالإمام المعصوم الأول عند الشيعة ـ خاطب معاوية بقوله في رسالته التي أرسلها جوابا له ـ حسب زعم القوم:
... " لم يمنعنا قديم عزنا وعادي طولنا على قومن أن خلطناكم بأنفسنا فنكحنا وأنكحنا فعل الأكفاء (2) ".
... وكذلك لوكان هناك مسألة الكفر والنفاق لما تزوجت رملة بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه من معاوية بن مروان بن الحكم (3) ".
__________
(1) - رجال الكشي ص102، أيضاً منتهى الآمال ص316، وجلاء العيون للمجلسي ج1ص395.
(2) - نهج البلاغة تحقيق صبحي صالح ص 386، 387 ط بيروت.
(3) - نسب قريش ص45، جمهرة أنساب العرب ص87.
... و (رملة) بنت علي كانت أم سعيد [بنت] عروة بن مسعود الثقفي (1) وابنته الثانية خديجة كانت متزوجة من عبد الرحمن بن عامر الأموي (2) ".
... وكان أبوه عامر بن كريز الأموي أميراً على البصرة من قبل معاوية وشريكاً في حرب الجمل مع طلحة والزبير ضد علي "رضوان الله عليهم جميعاً " وأن خديجة بنت علي كانت من أم ولد له كما ذكرها الطبرسي في الأعلام (3) والمفيد في الإرشاد (4) ".
... كما أن إحدى بناته تزوجت من عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي (5).
وكما أن بنات الحسن وبنات الحسين زوجن من الأمويين وبنات الأمويين زوجن من أبناء الهاشميين ومن أولاد علي بالأخص. ولقد ذكرنا هذه المصاهرات بين بني أمية وبين بني هاشم في كتاب (الشيعة وأهل البيت) ومن أراد التفصيل فليرجع إلى ذلك ولكن نذكر هاهنا واحدة من بنات الحسن وواحدة من بنات الحسين. فلقد تزوجت سكينة بنت الحسين وحفيدة علي من حفيد عثمان بن عفان: زيد بن عمروبن عثمان
وزيد بن عمروبن عثمان هذا هوالذي كانت عنده سكينة بنت الحسين فهلك عنها فورثت عنه (6) ".
... وكذلك نفيسة بنت زيد بن حسن بن علي تزوجت من الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بن مروان، قد ذكر هذا الزواج شيعي نسابة مشهور أيضاً في كتابه وما أقبحه في التعبير:
__________
(1) - الإرشاد للمفيد ص186، إعلام الورى للطبرسي ص203.
(2) - جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص68.
(3) - ص203
(4) - ص186
(5) - البداية والنهاية ج 9ص69 ط بيروت
(6) - نسب قريش للزبيري ج4ص120، المعارف لابن قتيبة ص94، جمهرة أنساب العرب لابن حزم ج1ص86، طبقات ابن سعد ج6ص349.
... " وكان لزيد بن الحسن بن علي ابنة اسمها نفيسة خرجت إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان فولدت له منه وماتت بمصر .... وكان زيد يفد إلى الوليد بن عبد الملك ويقعده على سريره ويكرمه لمكان ابنته ودفع له ثلاثين ألف دينار دفعة واحدة (1) ".
والجدير بالذكر أن زيد بن الحسن هذا كان ممن حضر كربلاء مع عمه الحسين رضي الله عنه، كما أن حفيدة الحسن بن علي: زينب بنت الحسن المثنى أيضاً كان متزوجة من الوليد بن عبد الملك الأموي (2).
__________
(1) - عمدة الطالب في أنساب أبي طالب ص70، طبقات ابن سعد ج5ص234.
(2) - جمهرة أنساب العرب.
وأبوها الحسن بن المثنى أيضاً ممن حضر كربلاء مع عمه وصهره الحسين وجرح جرحاً شديداً. ونلفت الأنظار إلى أن الستة من حفيدات الحسن من أبناء مختلفين كن متزوجات من الأمويين من قادتهم وزعمائهم، [وهذه المصاهرات عدد منها أصحاب الأنساب] أكثر من عشرين مصاهرة [وكلها حصلت بعد الخلاف الذي] وقع بين علي ومعاوية وبعد حروب الجمل وصفين (1) وكذلك تزوج كثير من الهاشميين من بنات الأمويين ومن الأسرة الحاكمة بالذات كما كان بينهم الصلات والهبات ولقاء وزيارات وخاصة بين أئمة الإثني عشرية وعوائلهم حيث لم يقم واحد منهم [بمحاربة الأمويين] ومنازعة ملكهم غير الحسين بن علي رضي الله عنهما. وأما حروب والده العظيم علي بن أبي طالب مع معاوية فمشهورة معروفة، كما أن مصالحة أخيه الأكبر مع معاوية أمر مشهور لا يستطيع إنكاره أحد، وأما ما روي عن ابن الحسين زين العابدين علي، والراوي هوبخاري القوم الكليني، [حيث] يروي في صحيحه الذي قال فيه محدث الشيعة النوري الطبرسي " هوأحد الكتب الأربعة التي عليها تدور رحى الفرقة الإمامية. وكتاب الكافي بينها كالشمس بين نجوم السماء .... وإذا تأمل فيها المنصف يستغني عن ملاحظة حال آحاد رجال سند الأحاديث المودعة فيه وتورثه الوثوق ويحصل له الاطمئنان بصدورها وثبوتها وصحتها (2) ".
أن علي بن الحسين قال ليزيد بن معاوية: " أنا عبد مكره، فإن شئت فأمسك وإن شئت فبع (3) ".
__________
(1) - ولا ندري من أين جاء الشيعة بهذه الاعتقادات أن محاربة علي كفر، والمحارب معه كافر، فهؤلاء أولاده وأهل بيته يكذبون هذه الأقاويل ويفندون هذه المزاعم.
(2) - مستدرك الوسائل للطبرسي ج3ص546 ط مكتبة دار الخلافة طهران 1321هـ.
(3) - كتاب الروضة من الكافي ج8 ص 235.
وكذلك كان البقية ممن أدركوا بني أمية، وعلى منوالهم من أدركوا الدور العباسي اللهم إلا الذين حاربوا ونازعوا الملك فلم يكن حظهم حليفهم حيث حوربوا ممن حاربوا وقتلوا، كما لم يكن معاملة الشيعة وخاصة الإثني عشرية مع أئمتهم طيبة حيث رفضوهم وكفروهم، فقوتلوا وحوربوا من جانب (الأعداء) وكفروا ورفضوا من قبل (الأحياء) بدعوى: من ادعى الإمامة وليس من أهلها فهوكافر (1).
وعن الحسين بن المختار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك: ويوم ترى الذين كذبوا على الله؟ قال: كل من زعم أنه إمام وليس بإمام، قلت وإن كان فاطمياً علوياً 3 ".
وحصيلة البحث أن التشيع الأول لم يكن مدلوله العقائد المخصوصة والأفكار المدسوسة، كما لم تكن الشيعة الأولى إلا حزباً سياسياً يرى رأي علي رضي الله عنه دون معاوية رضي الله عنه في عصر علي. وأما بعد استشهاده وتنازل الحسن عن الخلافة فكانوا مطاوعين لمعاوية أيضاً، مبايعين له، كما حصل مع إمامهم الحسن وأخيه الحسين وقائد عساكره قيس بن سعد، ولم يكن بينهم خلاف ديني ولا نزاع قبلي ولا عصبية الحسب والنسب، وكانوا يفدون على الحكام ويصلون خلفهم، كما كان الحسن والحسين هما ابنا علي وفاطمة وسبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدان على معاوية.
" فلما استقرت الخلافة لمعاوية كان الحسين يتردد إليه مع أخيه الحسن فيكرمهما معاوية إكراماً زائداً، ويقول لهما: مرحباً وأهلاً، ويعطيهما عطاء جزيلا وقد أطلق لهما في يوم واحد مائتي ألف، وقال: خذاها وأنا بن هند، والله لا يعطيكماها أحد قبلي ولا بعدي، فقال الحسين: والله لن تعطي أنت لا وأحد قبلك ولا بعدك رجلا أفضل منا. ولما توفي الحسن كان الحسين يفد إلى معاوية في كل عام فيعطيه ويكرمه (2) ".
__________
(1) - الكافي في الأصول ج1 ص373.
(2) - البداية والنهاية ج 8ص150، 151 ط بيروت
وكذلك ذكر المجلسي عن جعفر بن الباقر ـ الإمام السادس عند الشيعة ـ أنه قال الإمام الحسن يوماً للإمام الحسين وعبد الله بن جعفر إن هدايا معاوية ستصل في أول يوم من الشهر القادم ولم يأت هذا اليوم إلا وقد وصلت الأموال من معاوية وكان الإمام الحسن بن علي [مديناً بديون كثيرة فأداها] من ذلك المال وقسم الباقي بين أهله وشيعته، وأما الإمام الحسين فبعد أداء الديون قسم ماله إلى ثلاث حصص قسماً لشيعته وخاصته وقسمين لأهله وعياله، وكذلك عبد الله بن جعفر (1) ".
وكذلك ذكر الكليني أن مروان بن الحكم فرض لعلي بن الحسين مالاً كما فرض لشباب المدينة الآخرين:
استعمال معاوية مروان بن الحكم على المدينة وأمره أن يفرض لشباب قريش، ففرض لهم فقال علي بن الحسين عليهما السلام: فأتيته فقال: ما اسمك؟ فقلت: علي بن الحسين، ففرض لي (2) ".
وكذلك عم الحسين والأخ الأكبر لعلي رضي الله عنه، عقيل بن أبي طالب كان يفد على معاوية رضي الله عنهما ويأخذ منه الهدايا والهبات ومرة "أعطاه مائة ألف درهم (3) ".
وقد أقر بذلك ابن أبي الحديد الشيعي حيث كتب:
ومعاوية أول رجل في الأرض وهب ألف ألف، وابنه يزيد أول من ضاعفه، كان يجيز الحسن والحسين بن علي في كل عام لكل واحد منهما بألف ألف درهم وكذلك كان يجيز عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر (4) ".
وكذلك أبومخنف الغالي:
وكان معاوية يبعث إليه (أي إلى الحسين) في كل سنة ألف ألف دينار سوى الهدايا من كل صنف (5) ".
__________
(1) - جلاء العيون للمجلسي ص 376.
(2) - الكافي في الفروع، كتاب العقيقة باب الأسماء والكنى ج6 ص19.
(3) - الآمالي للطوسي ج2 ص 334ط النجف
(4) - شرح ابن أبي الحديد ج2 ص823.
(5) - مقاتل أبي مخنف ص7.
كما كانوا يصلون خلف الحكام وأمراء معاوية، وقد ذكر جعفر بن محمد الباقر عن أبيه علي زين العابدين " أن الحسن والحسين كانا يصليان خلف مروان ولا يعيدانها، ويعتدان بها (1) ".
وكان مروان أميراً آنذاك على المدينة كما أن أبان بن عثمان أمير المدينة من قبل عبد الملك بن مروان الأموي قدم إلى الصلاة من قبل علي بن محمد بن علي المشهور بمحمد بن الحنفية حيث قال له أبوهاشم بن محمد بن علي:
نحن نعلم أن الإمام أولى بالصلاة ولولا ذاك ما قدمناك فتقدم فصلى عليه (2) ".
كما صلى على ابن أخي علي عبد الله بن جعفر الطيار (3) ".
وكما صلى أبوه على جدهم عم النبي صلى الله عليه وسلم وعم علي رضي الله عنه ن علي عباس بن عبد المطلب:
توفي العباس في يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من رجب وقيل من رمضان سنة ثنتين وثلاثين، عن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان ودفن بالبقيع (4) ".
هذا ومثل هذا لكثير.
وبعد هذا العصر تطور التشيع وتغيرت الشيعة، وتأثر وتأثروا من أفكار يهودية ومجوسية ونصراني، وبعقائد مدخولة مدسوسة، نقمة على الحكام ومخدوعين بالتزويرات اليهودية والدسائس المجوسية، ومتأثرين من الذين تظاهروا بالإسلام تستراً على مكايدهم الخبيثة وتدابيرهم الهدامة، ومن الاختلاط بالفرس والبابليين، ومن الموالي الكارهين للعرب، الحاكمين عليهم والفاتحين بلادهم، والآخذين زمام أمورهم.
__________
(1) - البداية والنهاية ج 8ص258 ط بيروت
(2) - طبقات ابن سعد ج 5 ص 86.
(3) - الاستيعاب لابن عبد البر ج 2 ص 267، الإصابة لابن حجر ج 2 ص 281، أسد الغابة لابن الأثير ج 3 ص 135.
(4) - البداية والنهاية ج 7ص 162، الاستيعاب ج 3 ص 100.
والذي تولى كبر هذه العقائد والأفكار كان عبد الله بن سبأ مبعوث اليهود المتستر وراء اسم الإسلام، والمؤجج نار الفتنة، والنافخ فيها ضد أمير المؤمنين وخليفة المسلمين المنتخب بالاتفاق، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنتيه وابن عمته، الجواد الكريم، السخي ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، كما سنتحدث عنه في الباب الآتي مفصلاً وبالأدلة والبراهين إن شاء الله تعالى
ولا شك أن كثيراً من أتباعه ـ أي عبد الله بن سبأ ـ السبئيين والمجوس واليهود والمنافقين دخلوا في معسكر علي رضي الله عنه تحت ستار شيعة علي، كما دخل بعض منهم في معسكر معاوية رضي الله عنه ولكنهم لم يكونوا لا من شيعة ولا من شيعة معاوية، بل هم كانوا كتلة مستقلة وفئة باغية، لها أفكارها وعقائدها، ولها أغراضها وأهدافها، وهم الذين كانوا يسعون بالفساد ويضرمون نار الحرب كلما أراد الطرفان لصلح والاتحاد بينهما، ومنهم نشأت فتنة الخوارج الذين كفروا علياً وعثمان ومعاوية معاً، لأنه لم يكن همهم إسقاط خلافة عثمان ولا تحريض الناس عليه، بل كان كل ما يقصدون هوالقضاء على دولة الإسلام وسد باب فتوحاتهم وغزواتهم، ولذلك عندما نجحوا بإيقاع الفتنة بين المسلمين وتأليبهم على خليفة رسول الله الراشد الثالث وتفريق كلمة المؤمنين والتشتيت بينهم، تألبوا على عليّ كما تألبوا عليه وهذا مما لا ينكره إلا مكابر أومجادل بلا حق وعلم وبصيرة.
ومما لا شك فيه أن الشيعة الأولى المخلصين كانوا من هؤلاء براء، كما كان إمامهم وقائدهم يتبرأ منهم ويطردهم ويقتلهم. نعم ولكن الشيعة ـ أي شيعة علي كان يغلب عليهم التخاذل والتكاسل والجبن وعدم الاستقامة والعزيمة والنجدة والجلد والمروءة عكس ما كانوا عليه شيعة عثمان أوشيعة معاوية رضي الله عنهما، كما كان يغلب عليهم عدم الوفاء والإخلاص والأمانة والصدق عكس مخالفيهم، وعلى ذلك كان علي رضي الله عنه يشكومنهم ويواجه الصعاب والمتاعب مع شجاعته النادرة وجرأته المشهورة وإقدامه المعروف وتفوقه على الأقران، ولأجل ذلك كان يقول لهم:
يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة ـ والله ـ جرت ندما وأعقبت [سقما]، قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحا، وشحنتم صدري غيضا، وجرعتموني نغب التهام أنفاسا، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب لا علم له بالحرب.
لله أبوهم وهل أحد منهم أشد لها مراسا، وأقدم فيها مقاما مني لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قد ذرفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع (1) ".
ويقول مقارناً بينهم وبين شيعة معاوية:
__________
(1) - نهج البلاغة ص67
أما والذي نفسي بيده، ليظهرن هؤلاء القوم عليكم، ليس لأنهم أولى بالحق منكم ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم، وإبطائكم عن حقي. ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخف ظلم رعيتي، استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا، وأسمعتكم فلم تسمعوا، ودعوتكم سرا وجهرا فلم تستجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا: أشهود كغياب وعبيد كأرباب، أتلوعليكم الحكم فتنفرون منها، وأعظكم بالموعظة البالغة فتفرقون عنها، وأحثكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر قولي حتى أراكم متفرقين أيادي سبا، ترجعون إلى مجالسكم، وتتخادعون عن مواعظكم، أقومكم غدوة وترجعون إلى عشية، كظهر الحنين، عجز المقوم وأعضل المقوم.
... أيها القوم الشاهدة بأبدانهم، الغائبة عنهم عقولهم المختلفة أهواءهم، المبتلى بهم أمراؤهم، صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه. لوددت والله أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلا منهم.
... يا أهل الكوفة منيت بكم بثلاث واثنتين، صم ذووأسماع، وبكم ذووكلام، وعمى ذووأبصار، لا أحرار صدق عند اللقاء ولا إخوان ثقة عند البلاء، تربت أيديكم يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها، كلما جمعت من جانب تفرقت من آخر، والله لكأني بكم فيما أخالكم أن لوحمس الوغى، وحمي الضراب قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها (1) ".
... وأكبر دليل على خذلان الشيعة علياً أن أخاه الحقيقي وكبير شيعته وابن أبيه عقيل بن أبي طالب تركه والتحق بمعاوية رضي الله عنه وحارب تحت لوائه ضده كما أقر بذلك مؤرخ شيعي كبير:
... إن عقيلاً فارق أخاه علياً في أيام خلافته وهرب إلى معاوية وشهد صفين معه (2) ".
__________
(1) - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ص 15 ط الهند.
(2) - الأصول من الكافي ج 1 ص 237.
... وأما ما فعلوه بالحسن وبعده بالحسين فهذه ودائع في التاريخ لا يمكن التستر عليها، ولوسردنا كل ذلك لطال بنا الكلام.
... وأما عدم أمانتهم و [عدم] صدقهم وصفائهم فقد أقر بذلك جعفر بن الباقر الملقب بـ[الصادق] حيث ذكر أمامه أحد تلامذته عبد الله بن يعفور قال:
... قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء ولا الصدق. قال: فاستوى أبوعبد الله عليه السلام جالساً فأقبل علي كالغضبان، ثم قال: لا دين لمن دان الله بولاية إمام ليس من الله ولا عتب على من دان بولاية إمام من الله 2 ".

تطوّر التشيع الأول والشيعة الأولى
ودَور السبأية بعد مقتل عثمان رضي الله عنه وأيام علي رضي الله عنه
لم يكن قصدنا من كتابة هذا الكتاب أن نسرد وقائع تاريخية حدثت، بل ما قصدنا هوسرد تاريخ السبئية وما قاموا بها من شنائع واقترفوا من الجرائم والمآثم وارتكبوا من الفضائح والوقاحات ولكنه لما كنا نحتاج لسرد تاريخ هذه الفئة الباغية التي أسست في الإسلام عقائد خاصة، وكوّنت فرقًا مخصوصة، اضطررنا لسرد بعض الحوادث التاريخية التي حدثت وللسبئية فيها دخل كبير بل لم تكن لتقع لولا دسائسها ومؤامراتها، وليكون لنا بتوفيق الله وتقديره وتيسيره في هذه الحوادث والوقائع كتاب مستقل ومنزه عن الخرافات والسخافات، وخال من القصص والأساطير، ومجرد عن الأكاذيب والأباطيل التي طالما استعملها أعداء الإسلام وأعداء أمة محمد صلى الله عليه وسلم للنيل من أسلافها وأكابرها. وما ذلك على الله بعزيز.
ويكون بحثنا مقتصرًا على الحوادث التي تتعلق بموضوعنا فقط، ونتجنب وقائع أخرى لعدم علاقتها بموضوعنا علاقة مباشرة قاصدين الاختصار دون الإطناب والتطويل، فنقول:
لما قتل الإمام المظلوم عثمان بن عفان - رضي الله عنه - بقيت المدينة خمسة أيام لا أمير لها. أوأميرها واحد من قتلة عثمان هوالغافقي بن حرب وحوله السبئيون وقتلة عثمان، وأهواؤهم مختلفة فيمن يجعلونه خليفة بعد عثمان أمير المؤمنين، اللهم إلا السبئية منهم فإنهم لم ينادوا إلا باسم عليّ - رضي الله عنه - ولم يتستروا إلا وراءه وهومنهم بريء، ولقد مرّ مقدّمًا أن عبد الله بن سبأ اليهودي الماكر الخبيث الذي كان وراء كل هذه المؤامرات كان مع المصريين، فاختلفت آراء البغاة والطغاة والأوباش السفلة " (1) "، فقوم يريدون طلحة، وقوم يريدون الزبير، وقوم يريدون عليًّا، وكل واحد منهم يأبى وينكر لما يعرف منهم الخبث والطغيان والاشتراك في مؤامرة مدبرة لهدم كيان الإسلام والقضاء على الدولة الإسلامية، المترامية الأطراف، التي لم تتسع رقعتها إلا في عصر عثمان الذهبي، والعصر الذي يندر مثيله في تاريخ الإسلام في كثرة الغزوات والفتوحات، ثم ييئسون من هؤلاء الثلاثة ويذهبون إلى سعد بن أبي وقاص فاتح إيران. ومن ثم إلى ابن الخليفة الفاروق الأعظم عبد الله بن عمر، فلم يكن جوابهما إلا ما أجاب بهم الثلاثة من العشرة المبشّرة. وإليك ما ذكره أقدم المؤرخين الطبري ووافقه عليه كل من ابن كثير وابن الأثير وابن خلدون وغيرهم:
__________
(1) - ولقد سماهم بهذه الأسماء كل من ابن العربي وابن تيمية وغيرهم.
حدثنا محمد بن عبد الله وطلحة بن الأعلم وأبوحارثة وأبوعثمان قالوا: بقيت المدينة بعد قتل عثمان - رضي الله عنه - خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر، فلا يجدونه. يأتي المصريون عليًّا فيختبئ منهم ويلوذ بحيطان المدينة، فإذا لقوه باعدهم وتبرأ منهم ومن مقالتهم مرة بعد مرة، ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه فأرسلوا إليه حيث هورسلاً فتبرأ من مقالتهم، ويطلب البصريون طلحة فإذا لقيهم باعدهم وتبرأ من مقالتهم مرة بعد مرة وكانوا مجتمعين على قتل عثمان، مختلفين فيمن يهوون، فلما لم يجدوا ممالئًا ولا مجيبًا جمعهم الشر على أول من أجابهم وقالوا: لا نولي أحدًا من هؤلاء الثلاثة، فبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص وقالوا: إنك من أهل الشورى فرأينا فيك مجتمع فأقدم نبايعك، فبعث إليهم أني وابن عمر خرجنا منها فلا حاجة لي فيها على حال، وتمثل:
واخلع ثيابك منها وانج عريانا
لا تخلطن خبيثات بطيبة
ثم أنهم أتوا ابن عمر عبد الله فقالوا: أنت ابن عمر فقم بهذا الأمر، فقال: إن لهذا الأمر انتقامًا والله لا أتعرض له فالتمسوا غيري، فبقوا حيارى لا يدرون ما يصنعون والأمر أمرهم " (1) ".
ولم تكن حيرتهم إلا لمعرفتهم أنه لوقام قائم دون مشورتهم وبغير رأي منهم لحكّم فيهم السيف وأخذ منهم القصاص للإمام المظلوم وخليفة رسول الله وزوج ابنتيه وابن بنت عمته، القائم بالحق، ذي الجود والحياء عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ولقد صرح بذلك ابن كثير في روايته التي ساقها أن القوم لما يئسوا من الجميع وحاروا في أمرهم قالوا:
"إن نحن رجعنا إلى أمصارنا بعد قتل عثمان بغير إمرة اختلف الناس في إمرتهم ولم نسلم" (2) ".
ثم جاءوا إلى أهل المدينة وجمعوهم:
__________
(1) - الطبري: ج5 ص155، ابن الأثير: ج7 ص226، ابن الأثير: ج3 ص99، ابن خلدون: ج2 ص151
(2) - البداية والنهاية: ج7 ص226
"فوجدوا سعدًا والزبير خارجين ووجدوا طلحة في حائطه، ووجدوا بني أمية قد هربوا إلا من لم يطق الهرب، وهرب الوليد وسعيد إلى مكة في أول من خرج وتبعهم مروان وتتابع على ذلك من تتابع، فلما اجتمع لهم أهل المدينة قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى وأنتم تعقدون الإمامة وأمركم عابر على الأمة فانظروا رجلاً تنصبونه ونحن لكم تبع ... فقد أجلناكم يومين فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلن غدًا عليًّا وطلحة والزبير وأناسًا كثيرًا، فغشي الناس عليًّا فقالوا: نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام وما ابتلينا به من ذي القرب" (1) "فردّ عليهم علي - رضي الله عنه - بقول: - وقد نقل هذا القول في أقدس كتاب شيعي حسب زعم القوم ألا وهونهج البلاغة -:
"دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمرًا له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وإن الآفاق قد أغامت، والمحجة قد تنكرت، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم، وأنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميراً " (2)
__________
(1) - الطبري: ج5 ص156، الكامل: ج3 ص99، ابن خلدون: ج2 ص151.
(2) - وفي هذا أكبر دليل رغم أنوف من يرى خلاف ذلك أن عليًّا رضي الله عنه لم يكن يعدّ نفسه إمامًا منصوبًا من قبل الله عز وجل ولا منصوصًا عليه لأنه لوكان كذلك لما كان له الخيار في ردّ الإمامة والخلافة عندما جاءت إليه تسعى بقول الله عز وجل: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا} [الأحزاب: 36].
فهذا الكلام الصادر عن علي رضي الله عنه المنقول في أقدس كتبهم لكلام فصل وقضاء مبرم واضح صريح بيننا وبين الذين يرون خلاف هذا، وعلى ذلك قال ابن أبي الحديد الشيعي المعتزلي مع تشيعه أن هذا الكلام يدل على:
"أنه عليه السلام لم يكن منصوصًا عليه بالإمامة من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن كان أولى الناس بها وأحقهم بمنزلتها، لأنه لوكان منصوصًا عليه بالإمامة من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاز له أن يقول: دعوني والتمسوا غيري، ولا أن يقول: وأنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميرًا، ولا أن يقول: ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج7 ص33 - 34.
كما أن مجرد امتناعه عن قبول الخلافة لكان من الحجة القاضية عليهم، والنصوص في هذا المعنى كثيرة وبعضها آتية مذكورة قريبًا.
فهل منصف ينصف وعادل يعدل؟. وإن في ذلك لذكرى لأولي الأبصار
، (1) ".
وذكر ذلك من مؤرخين السنة الطبري في تاريخه " (2) ". وابن الأثير في الكامل" (3) ". ولكنهم أكرهوه على ذلك وأجبروه:
وأخذ الأشتر بيده فبايعه وبايعه الناس - من بايعه -" (4) ".
كما ذكر علي - رضي الله عنه - ذلك أيضًا فيما ينقله الشيعة عنه في رسالته التي أرسلها إلى أهل مصر أوخطبة ألقاها:
حتى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه، ثم جئتموني لتبايعوني، فأبيت عليكم، وأمسكت يدي فنازعتموني ودافعتموني، وبسطتم يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها، وازدحمتم عليّ حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعضكم أوأنكم قاتليّ. فقلتم: بايعنا لا نجد غيرك، ولا نرضى إلا بك، بايعنا لا نفترق ولا تختلف كلمتنا. فبايعتكم ودعوت الناس إلى بيعتي، فمن بايع طوعًا قبلته، ومن أبى لم أكرهه وتركته" (5) ".
ومثل ذلك نقل الشريف الرضي في (نهج البلاغة) تحت عنوان أمر البيعة " (6) "
فبايعه من بايعه ولم يبايعه من لم ير الجوّ والوقت مناسبًا. وممن امتنع عن بيعته من كبار الصحابة كما ذكر المؤرخين:
__________
(1) - نهج البلاغة: ص136 ط. بيروت
(2) - ج5 ص156
(3) - ج3 ص99
(4) - ابن كثير: ج5 ص226
(5) - الغارات للثقفي الكوفي الشيعي: ج1 ص310 - 311 ط. طهران، شرح النهج لابن أبي الحديد الشيعي: ج6 ص96 - 97، بحار الأنوار للمجلسي: ص51 - 52
(6) - نهج البلاغة: ص195 ط. بيروت.
" ثم بايعه الناس وجاءوا بسعد فقال لعليّ حتى يبايعك الناس، فقال: أخلوه. وجاءوا بابن عمر فقال كذلك، فقال: ائتني بكفيل قال: لا أجده، فقال الأشتر: دعني أقتله، فقال: دعني أنا كفيله، وبايعت الأنصار وتأخر منهم حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن خالد، وأبوسعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة، وسلمة بن سلامة بن وقش. وتأخر من المهاجرين عبد الله بن سلام، وصهيب بن سنان، وأسامة بن زيد، وقدامة بن مظعون، والمغيرة بن شعبة. وأما النعمان بن بشير فأخذ أصابع نائلة امرأة عثمان وقميصه الذي قتل فيه ولحق بالشام صريخًا" (1) "وأما طلحة فقال:
بايعت والسيف فوق رأسي " (2) ".
وقال الزبير:
"جاءني لص من لصوص عبد القيس فبايعت واللجة في عنقي" (3) "وفي رواية: "جاء القوم بطلحة فقالوا: بايع فقال: إني أبايع كرهًا ... ثم جيء بالزبير فقال مثل ذلك" (4) ".
وقال قوم: إنما بايعا على شرط إقامة الحدود في قتلة عثمان " (5) ".
وقيل: إنه قد بايع طلحة ولم يبايع الزبير ولا سلمة بن سلامة ولا أسامة بن زيد " (6) ".
والمدائني نقل عن الزهري:
هرب قوم من المدينة إلى الشام ولم يبايعوا عليًّا " (7) ".
فهكذا انعقدت البيعة للإمام علي - رضي الله عنه - واستتر السبئيون والمخدوعون بهم من قتلة عثمان وراء المبايعين لعليّ - رضي الله عنه - واختلفوا خلف المشايعين له وأحاطوه من كل جانب كما ذكر الطبري أن عليًّا - رضي الله عنه - لما خطب بخطبته الأولى بعد بيعته ثم أراد الذهاب إلى بيته قالت السبئية:
إنما نمرُّ الأمر إمرار الرسن
خذها إليك واحذرًا أبا الحسن
__________
(1) - ابن خلدون: ج2 ص151، ابن الأثير: ج3 ص98، ابن الكثير: ج7 ص226.
(2) - الطبري: ج5 ص154
(3) - الطبري: ج5 ص154، الكامل: ص99.
(4) - أيضًا: ص157، ابن خلدون: ج2 ص151
(5) أيضًا: ص158 - 
(6) - الكامل لابن الأثير: ج3 ص98
(7) - البداية والنهاية: ص226 - 
بِمَشْرَفيّاتٍ كغُدرانِ اللبن
صَوْلَةَ أقوامٍ كأسداد السُّفُن
حتى يُمَرَّنَ على غيرِ عَنن
ونَطعُنُ المُلكَ بِلَينٍ كالشَّطَن
فقال علي وذكر تركهم العسكر والكينونة على عدة ما مُنُّوا حين غمزوهم ورجعوا إليهم فلم يستطيعوا أن يمتنعوا حتى:
سوف أكيسُ بعدها وأستمر
إني عجزتُ عجزةً لا أعتذر
وأجمَعُ الأمرَ الشّتيتَ المنتشر
أرفَعُ من ذَيليَ ما كنتُ أجُر
أويترُكوني والسلاحُ يُبْتَدَر
إن لم يُشاغبني العَجولُ المُنتَصِر
"واجتمع إلى علي بعدما دخل طلحة والزبير في عدة من الصحابة فقالوا يا علي إنا قد اشترطنا إقامة الحدود وإن هؤلاء القوم اشتركوا في دم هذا الرجل وأحلوا بأنفسهم، فقال لهم: يا أخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون ولكني كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم، هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم أعرابكم وهم خلالكم يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعًا لقدرة على شيء مما تريدون؟ قالوا: لا، قال: فلا والله لا أرى إلا رأيًا ترونه إن شاء الله، إن هذا الأمر أمر جاهلية وإن لهؤلاء القوم مادة وذلك إن الشيطان لم يشرع شريعة قط فيبرح الأرض من أخذ بها أبدًا إن اليأس من هذا الأمر إن حرك على أمور فرقة ترى ما ترون وفرقة ترى ما لا ترون وفرقة لا ترى هذا ولا هذا حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها وتؤخذ الحقوق فاهدؤوا عني وانظروا ماذا يأتيكم ثم عودوا، واشتد على قريش وحال بينهم وبين الخروج على حالها وإنما هيجه على ذلك هرب بني أمية، وتفرق القوم وبعضهم يقول: والله لئن ازداد الأمر لا قدرنا على انتصار من هؤلاء الأشرار لتركوا هذا إلى ما قال عليّ أمثل، وبعضهم يقول: نقضي الذي علينا ولا نؤخره، ووالله أن عليًّا لمستغن برأيه وأمره عنا" (1) ".
__________
(1) - الطبري: ج5 ص158
ولأجل ذلك منعه ابن عمه عبد الله بن عباس عن أخذ البيعة، كما منعه ابنه الحسن من قبل عن بقائه في المدينة والسبئيون يفعلون ما يفعلون ويعملون ما يعملون:
فقال ابن عباس: "أطعني وادخل دارك، والحق بمالك بينبع، وأغلق بابك عليك، فإن العرب تجول جولة وتضطرب ولا تجد غيرك، فإنك والله لأن نهضت مع هؤلاء اليوم ليحملنك الناس دم عثمان غدًا، فأبى عليّ" (1) ".
وأما منع الحسن إياه عن بقائه في المدينة يوم استولت السبئية فذكرها المؤرخون " (2) " أيضًا.
وبدأ السبئيون يتقوون ويجمعون حولهم الموالي والأعراب إلى أن فحل أمرهم، فأراد علي - رضي الله عنه - أن يضعف قوتهم ويكسر شوكتهم بالحيلولة بين السبئية والعبيد والأعراب والتفريق بينهم، فنادى في الناس:
"برئت الذمة من عبد لم يرجع إلى مواليه، فتذامرت السبائية والأعراب وقالوا: لنا غدًا مثلها" (3) ".
وفي اليوم الثالث من بيعته خرج عليّ على الناس فقال:
"يا أيها الناس أخرجوا عنكم الأعراب، وقال: يا معشر الأعراب الحقوا بمياهكم، فأبت السبئية وأتاهم الأعراب" (4) ".
__________
(1) - الطبري: ج5 ص160، ابن الأثير: ج3 ص101، ابن خلدون: ج2 ص151.
(2) - الطبري: ج5 ص
(3) - الطبري: ج5 ص158. ابن الأثير: ج3 ص100
(4) - الطبري: ج5 ص159. ابن الأثير: ص101، ابن خلدون: ج2 ص151.
ولما رأى الناس وفي مقدمتهم رؤوس الصحابة وأكابرهم أن السبئية يزدادون يومًا فيومًا في غلوائهم وطغيانهم، وأيديهم متلطخة بدم الإمام المظلوم، وهم زيادة على ذلك يريدون أن يلفّوا حولهم أوباشًا من الناس والفسقة والفجرة، كما أنهم بدءوا يبثون العقائد الأجنبية بينهم، طالبوا عليًّا - رضي الله عنه - أن يقتص منهم لعثمان بأن يحكّم فيهم بالسيف، ولكن أمير المؤمن عليًّا هاب من نفوذهم، وخاف من سلطتهم، فماطل الصحابة وطلب منهم المهلة لازدياد نفوذ السبئية وقوتهم، فلقد ذكر المؤرخون ألفاظًا عديدة منه - رضي الله عنه - تبريرًا لقصوره عن أخذ الثأر وإقامة الحد، فقد ذكر الحافظ ابن كثير في تاريخه:
"ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة - رضي الله عنهم - وطلبوا منه إقامة الحد والأخذ بدم عثمان، فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا، فطلب منه الزبير أن يواليه على إمرة الكوفة ليأتي له بالجنود، وطلب منه طلحة أن يواليه إمرة البصرة ليأتي له منه بالجنود ليقضي على شوكة هؤلاء الخوارج وجهلة الأعراب الذين كانوا معهم في قتل عثمان - رضي الله عنه - فقال لهما: مهلاً عليَّ حتى أنظر في هذا الأمر" (1) ".
وعبارة الطبري:
يا عليّ إنا قد شرطنا إقامة الحدود وإن هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم هذا الرجل وأحلوا بأنفسهم، فقال لهم: يا إخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون ولكني كيف يملكوننا ولا نملكهم. هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، وثابت إليهم أعرابكم، وهم خلالكم يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعًا لقدرة على شيء مما تريدون" (2) ".
وأما ابن الأثير فنقل عنه أنه قال:
كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم " (3) ".
وأما ابن خلدون فذكر أنه قال في جوابهم:
__________
(1) - البداية والنهاية لابن كثير: ج7 ص227 - 228. ...
(2) الطبري: ج5 ص158 - 
(3) - ابن الأثير: ج3 ص100
لا قدرة لي على شيء مما تريدون حتى يهدأ الناس وننظر الأمور فتؤخذ الحقوق" (1)
__________
(1) - ولا أدري أي شيء جعل أمير المؤمنين عليًّا رضي الله عنه أن يستعجل في إقامة الحد على ابن أمير المؤمنين الفاروق، على عبيد الله الذي قتل الهرمزان مع أنه مضى على تلك الحادثة أكثر من عشر سنوات، وأن القضية كانت قضية مختلف فيها من عدة وجوه كما مرّ، مع تأجيله وتأخيره في أخذ القصاص عن عثمان أمير المؤمنين وإمام المسلمين وخليفة رسول الله وصهره وخال السبطين وعديله هونفسه؟
وأين هرمزان من عثمان وأين عبيد الله بن عمر من عبد الله بن سبأ والسبئية؟
ثانيًا: ولا ندري ما الذي جعل الإمام عليًّا رضي الله عنه وهوفي ذلك الضيق من الأمر أن يستعجل عزل عمال عثمان وأن يستبدل بهم عماله وأبناء عمه وأقاربه؟
ثالثًا: كما أننا لا نعلم لأي شيء استعجل عزل معاوية أمير الشام وقد عيّنه على ذلك المنصب خليفة رسول الله الصديق، ثم أقرّه على ذلك شديد في أمر الله الفاروق، ثم الخليفة الراشد الثالث عثمان. وفوق كل ذلك لم يرفع عنه شكوى واحدة مع كثرة الشكاوى على العمال والحكام والولاة، وهذا مع نصيحة ابن عمه وأقرب المقربين إليه عبد الله بن عباس وداهية العرب المغيرة بن شعبة إياه بالإعراض عن عزله وإثباته على عمله كما يرويه ابن عباس رضي الله عنه نفسه:
يا أمير المؤمنين أخبرني عن شأن المغيرة ولم خلا بك قال جاءني بعد مقتل عثمان بيومين فقال لي أخلني ففعلت فقال إن النصح رخيص وأنت بقية الناس وإني لك ناصح وإني أشير عليك برد عمال عثمان عامك هذا فاكتب إليهم بإثباتهم على أعمالهم فإذا بايعوا لك واطمأن الأمر لك عزلت من أحببت وأقررت من أحببت، فقلتُ: والله لا أدهن في ديني ولا أعطي الدنيَّ في أمري قال: فإن كنتَ قد أبيت عليَّ فانزع من شئت واترك معاوية، فإن لمعاوية جُرأة وهوفي أهل الشام يسمع منه ولك حجة في إثباته، كان عمر بن الخطاب قد ولاه الشام كلها، فقلتُ لا والله لا أستعمل معاوية يومين أبدًا فخرج من عندي على ما أشار به ثم عاد فقال لي: إني أشرت عليك بما أشرت به فأبيت = =
= = عليَّ ثم نظرت في الأمر فإذا أنت مصيب لا ينبغي لك أن تأخذ أمرك بخدعة ولا يكون في أمرك دُلسة، قال فقال ابن عباس: فقلت لعلي: أما أول ما أشار به عيك فقد نصحك وأما الآخر فغشك وأنا أشير عليك بأن تثبت معاوية فإن بايع لك فعليّ أن أقلعه من منزله. قال علي: لا والله لا أعطيه إلا السيف قال ثم تمثل بهذا البيت:
بعارٍ إذا ما غالت النفس غَولُها
ما ميتةٌ إن مُتُّها غيرَ عاجِزٍ
فقلت: يا أمير المؤمنين أنت رجل شجاع لست بأرَبٍ بالحرب" (الطبري).
لا ندري هذا كله، ولا نستطيع أن نقول شيئًا اللهم إلا أنه لم يكن معصومًا، فلكل اجتهاد، وقد يخطئ وقد يصيب-
".
فافترقوا عنه وأكثر بعضهم المقالة في قتلة عثمان " (1) ".
وهذا الذي جعل الزبير وطلحة يقنطان من اقتصاص الإمام المظلوم عثمان - رضي الله عنه - ويخرجان من المدينة، وهناك التقيا أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - ومن طرف آخر بدأت الرسائل تتبادل بين علي ومعاوية - رضي الله عنهما - لأن عليًّا عزل معاوية - رضي الله عنهما - عن الشام وأمّر عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - فقال ابن عباس:
"ما هذا برأي، معاوية رجل من بني أمية وهوابن عم عثمان وهوعامل الشام ولست آمن أن يضرب عنقي لعثمان" (2) ".
فاعتذر إليه وأعفاه منها. وبينا هم في ذلك بدأت السبئية يشتغلون ويثيرون الفتن والقلاقل ويسعون فسادًا، ويثيرون الأحقاد والضغائن، وينفخون في الرماد، ويحاولون إسعار الحرب بين المسلمين، ويحرضون شيعة عليّ ضد كل من يطالب بثأر عثمان وقصاصه، وخاصة معاوية - رضي الله عنه - الذي بدأ يمتنع من الخضوع لخلافة عليّ - رضي الله عنه - والتسليم بإمارته بدعوى أن بيعة علي لم تنعقد، لأنه لم يحصل الشورى ولم يبايعه أهل الحل والعقل، ولم ينتخبه إلا رجال معدودون من المهاجرين والأنصار ومن أهل المدينة. وفوق ذلك كله قتلة عثمان والسبئية التجئوا في معسكره واكتنفوا بكنفه.
ولقد أشرنا إلى تلك الأمور كلها في الباب الأول بثبت من عبارات التاريخ والمؤرخين. فبينا هم كذلك في الجواب وجواب الجواب إذ جاءه رسول معاوية - رضي الله عنه - فقال: آمن أنا؟ قال علي - رضي الله عنه -:
"نعم إن الرسول لا يقتل، فقال: إني تركت قومًا لا يرضون إلا بالقود، ثم بّلغ الرسالة، فاستأذن بالخروج، فقال له علي: اخرج، قال: وإني آمن؟. قال: وأنت آمن" (3) ".
فاشتغل السبئية لزيادة التوتر والحدة وإخراج الحرب من الكلام إلى السيوف، وإليك النص ما ذكره المؤرخون:
__________
(1) - ابن خلدون: ج2 ص151.
(2) - الطبري: ج5 ص160
(3) - انظر الكامل لابن الأثير: ج3 ص104
"وصاحت السبئية: هذا الكلب رسول الكلاب، اقتلوه، فنادى: يا لمضر، يا لقيس الخيل والنبل، إني أحلف بالله جل اسمه ليردنها عليكم أربعة آلاف خصيّ فانظروا كم الفحولة والركاب وتعاووا عليه ومنعته مضر وجعلوا يقولون له: اسكت، فيقول: لا والله لا يفلح هؤلاء أبدًا فلقد أتاهم ما يوعدون، فيقولون له: اسكت، فيقول: لقد حل بهم ما يحذرون انتهت والله أعمالهم وذهبت ريحهم، فوالله ما أمسوا حتى عرف الذل فيهم" (1) ".
وهذه العبارة وهذه الألفاظ الصادرة عن السبئية تدل وتنبئ صريحًا عما كانوا يسعون لأجله، فبدءوا ينشرون الأراجيف ويشيعون الأكاذيب حتى يستل سيوف المسلمين ما بينهم ويقع الاصطدام ويحصل الحرب ويشتغلون بها ويضرب بعضهم رقاب بعض، وينسى هؤلاء ويعرض عنهم وعن فعلتهم، ويكثر الشقاق والاختلاف، ويزداد الابتعاد ويمتد بينهم الجدال والقتال. هذا كل ما كانوا يقصدونه، وهذا كل ما يرجونه.
ولما سمعوا باجتماع طلحة والزبير - رضي الله عنهما - مع أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - في مكة بدءوا يحرضون شيعة عليّ - رضي الله عنه - وعليًّا نفسه على محاربة أهل الشام، قبل أن يعظم الأمر ويستفحل الخطر، فأمر علي - رضي الله عنه - الناس بالمسير إلى أهل الشام، فتثاقل أهل المدينة، كما أن ابنه الحسن سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم منعه عن ذلك قائلاً:
"يا أبتِ دع هذا فإن فيه سفك دماء المسلمين ووقوع الاختلاف بينهم فلم يقبل منه ذلك بل صمم على القتال ورتّب الجيش، فدفع اللواء إلى محمد بن الحنفية" (2) "
كما منعه عن ذلك زياد بن حنظلة التميمي:
وكان منقطعًا إلى علي، فجلس إليه ساعة ثم قال له علي: يا زياد تيسّر، فقال لأي شيء؟. فقال: لغزوالشام، فقال زياد: الأناة والرفق أمثل، وقال:
يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
ومن لم يصانع في أمور كثيرة
__________
(1) - ابن الأثير: ج3 ص104، الطبري: ج5 ص163
(2) - البداية والنهاية: ج5 ص163، ابن الأثير: ج3 ص104.
"فخرج زياد والناس ينتظرونه فقالوا: ما وراءك؟. فقال: السيف يا قوم، فعرفوا ما هوفاعل" (1) ".
ولم يخرج إلى الشام حتى جاءه خبر خروج أم المؤمنين وطلحة والزبير إلى البصرة يطالبون بدم عثمان، فبادر إليهم بناس من المدينة ليمنع أولئك من دخولها:
"فتثاقل عنه أكثر أهل المدينة، واستجاب له بعضهم، قال الشعبي: ما نهض معه في هذا الأمر غير ستة نفر من البدريين، ليس لهم سابع. وقال غيره أربعة. وذكر ابن جرير وغيره قال: كان ممن استجاب له من كبار الصحابة أبوالهيثم بن التيهان، وأبوقتادة الأنصاري، وزياد بن حنظلة، وخزيمة بن ثابت. قالوا: ليس بذي الشهادتين، ذاك مات في زمن عثمان - رضي الله عنه - وسار علي من المدينة نحوالبصرة على تعبئته المتقدم ذكرها، غير أنه استخلف على المدينة تمام بن عباس وعلى مكة قثم بن عباس وذلك في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين، وخرج علي من المدينة في نحومن تسعمائة مقاتل، وقد لقي عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - عليًّا وهوبالزبدة، فأخذ بعنان فرسه وقال: يا أمير المؤمنين! لا تخرج منها، فوالله لئن خرجت منها لا يعود إليها سلطان المسلمين أبدًا، فسبَّه بعض الناس، فقال علي: دعوه فنعم الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجاء الحسن بن علي إلى أبيه في الطريق فقال: لقد نهيتك فعصيتني تقتل غدًا بمضيعة لا ناصر لك، فقال له علي: إنك لا تزال تحن على حنين الجارية، ما الذي نهيتني عنه فعصيتك؟ فقال: ألم آمرك قبل مقتل عثمان أن تخرج منها لئلا يقتل وأنت بها، فيقول قائل أويتحدث متحدث؟ ألم آمرك أن لا تبايع الناس بعد قتل عثمان حتى يبعث إليك أهل كل مصر ببيعتهم؟ وأمرتك حين خرجت هذه المرأة وهذان الرجلان أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فعصيتني في ذلك كله؟ فقال له علي: أما قولك أن أخرج قبل مقتل عثمان فلقد أحيط بنا كما أحيط به، وأما مبايعتي قبل مجيء بيعة الأمصار
__________
(1) - الطبري: ج5 ص163، ابن الأثير: ج3 ص104
فكرهت أن يضيع هذا الأمر، وأما أن أجلس وقد ذهب هؤلاء إلى ما ذهبوا إليه. فتريد مني أن أكون كالضبع التي يحاط بها، ويقال ليست هاهنا، حتى يشق عرقوبها فتخرج، فإذا لم أنظر فيما يلزمني في هذا الأمر ويعنيني، فمن ينظر فيه؟. فكف عني يا بني، ولما انتهى إليه خبر ما صنع القوم بالبصرة من الأمر الذي قدمنا كتب إلى أهل الكوفة مع محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر، إني قد اخترتكم على أهل الأمصار، فرغبت إليكم وفرغت لما حدث، فكونوا لدين الله أعوانًا وأنصارًا، وانهضوا إلينا فالإصلاح نريد لتعود هذه الأمة إخوانا، فمضيا، وأرسل إلى المدينة فأخذ ما أراد من سلاح ودواب" (1) ".
فاجتمع الناس حول الفريقين من المدينة ومكة والكوفة والبصرة، كما اعتزل أكثر أصحاب النبي الموجودون، الأحياء منهم آنذاك عن الطرفين، فنزلت أم المؤمنين مع من كان معها بالبصرة ونزل علي - رضي الله عنهما - بذي قار، ثم دعا علي - رضي الله عنه - القعقاع بن عمرووبعثه رسولاً إلى طلحة والزبير بالبصرة يدعوهما إلى الألفة والجماعة ويعظم عليهما الفرقة والاختلاف فذهب القعقاع إلى البصرة فبدأ بعائشة أم المؤمنين. فقال:
__________
(1) - ابن كثير ج7 ص333 - 334، ابن الأثير ج2 ص113 - 114، الطبري ج5 ص169، ابن خلدون ج2 ص157
"أي أماه! ما أقدمك هذا البلد؟ فقالت: أي بنيَّ! الإصلاح بين الناس، فسألها أن تبعث إلى طلحة والزبير ليحضروا عندها، فحضروا فقالا القعقاع: إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها؟ فقالت إنما جئت للإصلاح بين الناس، فقالا: ونحن كذلك قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ وعلى أي شيء يكون؟ فوالله لئن عرفناه لنصطلحن، ولئن أنكرناه لا نصطلحن، قالا: قتلة عثمان، فإن هذا إن ترك كان تركًا للقرآن، فقال: قتلتما قتلته من أهل البصرة، وأنتما قبل قتلهم أقرب منكم إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة رجل، فغضب لهم ستة آلاف فاعتزلوكم، وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف، فإن تركتموهم وقعتم فيما تقولون، وإن قاتلتموهم فأديلوا عليكم كان الذي حذرتم وفرقتم من هذا الأمر أعظم مما أراكم تدفعون وتجمعون منه - يعني أن الذي تريدونه من قتل قتلة عثمان مصلحة، ولكنه يترتب عليه مفسدة هي أربى منها - وكما أنكم عجزتم عن الأخذ بثأر عثمان من حرقوص بن زهير، لقيام ستة آلاف في منعه ممن يريد قتله، فعلي أعذر في تركه الآن قتل قتلة عثمان، وإنما أخّر قتل قتلة عثمان إلى أن يتمكن منهم، فإن الكلمة في جميع الأمصار مختلفة، ثم أعلمهم أن خلقًا من ربيعة ومضر قد اجتمعوا لحربهم بسبب هذا الأمر الذي وقع. فقالت له عائشة أم المؤمنين: فماذا تقول أنت؟. قال: أقول إن هذا الأمر الذي وقع دواؤه التسكين، فإذا سكن اختلجوا، فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خير وتباشير رحمة، وإدراك الثأر، وإن أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واثتنافه كانت علامة شر وذهاب هذا الملك، فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح خير كما كنتم أولاً، ولا تعرضونا للبلاء فتتعرضوا له، فيصرعنا الله وإياكم، وأيم الله إني لأقول قولي هذا وأدعوكم إليه، وإني لخائف أن لا يتم حتى يأخذ الله حاجته من هذه الأمة التي قل متاعها، ونزل بها ما نزل، فإن هذا الأمر الذي قد حدث أمر عظيم، وليس كقتل الرجل
الرجل، ولا النفر الرجل، ولا القبيلة القبيلة. فقالوا: قد أصبت وأحسنت فارجع، فإن قدم علي وهوعلى مثل رأيك صلح الأمر، قال: فرجع إلى علي فأخبره فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح، كره ذلك من كرهه ورضيه من رضيه، وأرسلت عائشة إلى علي تعلمه أنها إنما جاءت للصلح، ففرح هؤلاء وهؤلاء، وقام علي في الناس خطيبًا فذكر الجاهلية وشقاءها وأعمالها، وذكر الإسلام وسعادة أهله بالألفة والجماعة، وأن الله جمعهم بعد نبيه صلى الله عليه وسلم على الخليفة أبي بكر الصديق، ثم بعده على عمر بن الخطاب، ثم على عثمان ثم حدث هذا الحدث الذي جرى على الأمة، أقوام طلبوا الدنيا وحسدوا من أنعم الله عليه بها، وعلى الفضيلة التي منّ الله بها، وأرادوا ردّ الإسلام على أدبارها، والله بالغ أمره" (1) ".
وكان مع أم المؤمنين ثلاثون ألف، كما كان مع عليّ - رضي الله عنهما - عشرون ألف " (2) ".
هذا والسبئية وعلى رأسهم عبد الله بن سبأ وقتلة عثمان مترقبون كل صغيرة وكبيرة بكل دقة وما يجري بين الفريقين من السعي إلى الصلح والإصلاح والوفاق والاتحاد، وينظرون كيف تفشل خطتهم ومؤامرتهم للفتنة والفساد وإقامة الحروب بين المسلمين إلى أن وصل الأمر حدًّا لم يكن في تصورهم أن يصل إليه، وخاصة عندما قام أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - خطيبًا في معسكره وقال:
"ألا إني مرتحل غدًا فارتحلوا، ولا يرتحلن أحد معي أعان على قتل عثمان بشيء من أمر الناس" (3) ".
__________
(1) ابن كثير: ج7 ص237 - 238. الطبري: ج5 ص191 - 192، ابن خلدون: ج2 ص162.
(2) - الطبري: ج5 ص202 - 
(3) - البداية والنهاية: ج7 ص238، الطبري: ج5 ص194، ابن الأثير: ج3 ص120
فما أن سمعت السبئية بهذا القول إلا وعرفوا مصيرهم. وهنا نرجع إلى ما سطر في التاريخ، والألفاظ لابن كثير: "فلما قال هذا اجتمع من رؤوسهم - أي قتلة عثمان - جماعة كالأشتر النخعي، وشريح بن أوفى، وعبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء، وسالم بن ثعلبة، وغلاب بن الهيثم، وغيرهم في ألفين وخمسمائة، وليس فيهم صحابي ولله الحمد، فقالوا: ما هذا الرأي وعلي والله أعلم بكتاب الله ممن يطلب قتلة عثمان، وأقرب العمل بذلك، وقد قال ما سمعتم، غدًا يجمع عليكم الناس، وإنما يريد القوم كلهم أنتم، فكيف بكم وعددكم قليل في كثرتهم؟ فقال الأشتر: قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا، وأما رأي علي فلم نعرفه إلى اليوم، فإن كان قد اصطلح معهم فإنما اصطلحوا على دمائنا، فإن كان الأمر هكذا أحلقنا عليًّا بعثمان، فرضي القوم منا بالسكوت، فقال ابن السوداء: بئس ما رأيت، لوقتلناه قتلنا، فإنا يا معشر قتلة عثمان في ألفين وخمسمائة، وطلحة والزبير وأصحابهما في خمسة آلاف، لا طاقة لكم بهم، وهم إنما يريدونكم، فقال غلاب بن الهيثم: دعوهم وارجعوا بنا حتى نتعلق ببعض البلاد فنمتنع بها، فقال ابن السوداء: بئس ما قلت، إذًا والله يتخطفكم الناس، ثم قال ابن السوداء قبحه الله: يا قوم إن عيركم في خلطة لناس فإذا اتقى الناس فانشبوا الحرب والقتال بين الناس ولا تدعوهم يجتمعون فمن أنتم معه لا يجد بدًّا من أن يمتنع، ويشغل الله طلحة والزبير ومن معهما عما يحبون، ويأتيهم ما يكرهون، فأبصروا الرأي وتفرقوا عليه، وأصبح علي مرتحلاً ومر بعبد القيس فسار ومن معه حتى نزلوا بالزاوية، وسار منها يريد البصرة، وسار طلحة والزبير ومن معهما للقائه، فاجتمعوا عند قصر عبيد الله بن زياد، ونزل الناس كل في ناحية. وقد سبق علي جيشه وهم يتلاحقون به، فمكثوا ثلاثة أيام والرسل بينهم، فكان ذلك للنصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، فأشار بعض الناس على طلحة والزبير بانتهاز الفرصة، من قتلة
عثمان، فقالا: إن عليًّا أشار بتسكين هذا الأمر، وقد بعثنا إليه بالمصالحة على ذلك، وقام علي في الناس خطيبًا، فقام إليه الأعور بن نيار المنقري، فسأله عن إقدامه على أهل البصرة، فقال: الإصلاح وإطفاء الثائرة ليجتمع الناس على الخير، ويلتئم شمل هذه الأمة، قال: فإن لم يجيبونا؟ قال: تركناهم ما تركونا، قال فإن لم يتركونا؟. قال: دفعناهم عن أنفسنا، قال فهل لهم في هذا الأمر مثل الذي لنا، قال: نعم! وقام إليه أبوسلام الدالاني فقال: هل لهؤلاء القوم حجة فيما طلبوا من هذا الدم، إن كانوا أرادوا الله في ذلك؟ قال: نعم! قال: فهل لك من حجة فيما طلبوا من هذا الدم، إن كانوا أرادوا الله في ذلك؟ قال: نعم! قال: فهل لك من حجة في تأخيرك ذلك؟ قال: نعم! قال فما حالنا وحالهم إن ابتلينا غدًا؟ قال: إني لأرجوأن لا يقتل منا ومنهم أحد نقي قلبه لله أدخله الجنة" (1) "
فهكذا جرت الأمور، وهكذا تقدم كل من الطرفين إلى الإصلاح وتخطى إلى الصلح بخطوات سريعة، وكذلك بدأ عبد الله بن سبأ وأعوانه يخططون خطوط المؤامرة ويحكمون نسيجها وإن المؤمنين المخلصين من شيعة عثمان ومن شيعة علي كانوا في الخفاء عما يجري وراء الأستار، وكان المتآمرون في يقظة تامة عما يجري أمامهم مكشوفًا ظاهرًا، فنزل الفريقان وتراسلوا ما بينهم، فبعث عليّ إلى طلحة والزبير يقول:
"إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمروفكفوا حتى ننزل فننظر في هذا الأمر، فأرسلا إليه في جواب رسالته: إنا على ما فارقنا القعقاع بن عمرومن الصلح بين الناس، فاطمأنت النفوس وسكنت. واجتمع كل فريق بأصحاب من الجيش" (2) "
فلم يجدوا أمرًا هوأمثل من الصلح، ووضع الحرب حين رأوا الأمر أخذ في الانقشاع " (3) ". وبات الناس على الصلح كما قال الطبري:
__________
(1) - ابن كثير: ج7 ص238، الطبري: ج5 ص195، ابن الأثير: ج3 ص130، ابن خلدون: ج3 ص160 - 161.
(2) - ابن كثير: ج7 ص241.
(3) - الطبري: ج5 ص203
"فباتوا على الصلح وباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية من الذي أشرفوا عليه والنزوع عما اشتهى الذين اشتهوا وركبوا ما ركبوا، وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة باتوها قط قد أشرفوا على الهلكة وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها" (1) ".
وقال ابن كثير:
وبات الناس بخير ليلة وبات قتلة عثمان بشر ليلة " (2) "
فكانت الليلة هذه حاسمة لم ينم فيها عيون اليهودية البغضاء وعيون أبنائها الحاقدين على الإسلام وعلى الملة الإسلامية، والمخدوعين بهم، لم تنم ولا للحظة، وإليك ألفاظ التاريخ:
__________
(1) الطبري: ج5 ص202، الكامل: ج3 ص123 - 
(2) - البداية والنهاية: ج7 ص239، ابن خلدون: ج2 ص162.
"وبات الناس بخير ليلة، وبات قتلة عثمان بشر ليلة، وباتوا يتشاورون وأجمعوا على أن يثيروا الحرب من الغلس، فنهضوا من قبل طلوع الفجر وهم قريب من ألفي رجل فانصرف كل فريق إلى قراباتهم فهجموا عليهم بالسيوف، فثارت كل طائفة إلى قومهم يمنعوهم، وقام الناس من منامهم إلى السلاح، فقالوا طرقتنا أهل الكوفة ليلاً، وبيّتونا وغدروا بنا، وظنوا أن هذا عن ملأ من أصحاب عليّ فبلغ الأمر عليًّا فقال: ما للناس؟ فقالوا، بيتنا أهل البصرة، فثار كل فريق إلى سلاحه ولبسوا للأمة وركبوا الخيول، ولا يشعر أحد منهم بما وقع الأمر عليه في نفس الأمر، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا وقامت الحرب على ساق وقدم، وتبارز الفرسان، وجالت الشجعان، فنشبت الحرب، وتواقف الفريقان وقد اجتمع مع علي عشرون ألفًا، والتف على عائشة ومن معها نحومن ثلاثين ألفًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والسبئية أصحاب ابن السوداء قبحها الله لا يفترون عن القتل، ومنادي علي ينادي: ألا كفوا ألا كفوا، فلا يسمع أحد، وجاء كعب بن سوار قاضي البصرة فقال: يا أم المؤمنين أدركي الناس لعل الله يصلح بك بين الناس، فجلست في هودجها فوق بعيرها وستروا الهودج بالدروع، وجاءت فوقفت بحيث تنظر إلى الناس عند حركتهم، فتصاولوا وتجاولوا. وقد كان من سنتهم في هذا اليوم أنه لا يـ[جهز] على جريح، ولا يتبع مدبر، وقد قتل مع هذا خلق كثير جدًّا" (1) ".
وقد زاد الطبري وابن الأثير في روايتهما:
"وقد وضع السبئية رجلاً قريبًا من عليّ يخبرهم بما يريد، فقال علي: ما هذا؟. قال ذلك الرجل: ما فجئنا إلا وقوم منهم بيّتونا، فرددناهم فركبونا وثار الناس" (2) "
فهكذا وقعت تلك الكارثة التي ذهب ضحيتها آلاف من الناس حتى جعل علي - رضي الله عنه - يقول لابنه الحسن:
__________
(1) - البداية والنهاية: ج7 ص239 - 240، الطبري: ج5 ص202 - 203، الكامل: ج3 ص123 - 124
(2) - ابن الأثير: ج3 ص124، الطبري: ج5 ص203.
"يا بنيّ ليت أباك مات قبل هذا اليوم بعشرين عامًا، فقال له: يا أبت قد كنت أنهاك عن هذا. قال سعيد بن أبي عجرة عن قتادة عن الحسن عن قيس بن عبادة قال: قال علي يوم الجمل: يا حسن ليت أباك مات منذ عشرين سنة، فقال له: يا أبت قد كنت أنهاك عن هذا، قال: يا بنيّ إني لم أر أن الأمر يبلغ هذا" (1) "
وانتهى الحرب بسقوط الجمل الذي كان عليه هودج أم المؤمنين بعدما قتل ممن أخذ خطامه سبعون رجلاً. ونسرد آخر ما في هذا من (الكامل لابن الأثير):
__________
(1) - البداية والنهاية: ج3 ص240.
"لما سقط الجمل أقبل محمد بن أبي بكر إليه ومعه عمار فاحتملا الهودج فنحياه فأدخل محمد يده فيه فقالت: من هذا؟. فقال: أخوك البر. قالت: عقق، قال: يا أخية هل أصابك شيء؟ قالت: ما أنت وذاك. قال: فمن إذا الضلال. قالت: بل الهداة، وقال لها عمار: كيف رأيت ضرب بنيك اليوم يا أمه؟. قالت: لست لك بأم. قال: بلى وإن كرهت. قالت: فخرتم أن ظفرتم وأتيتم مثل الذي نقمتم هيهات والله لن يظفر من كان هذا دأبه فأبرزوا هودجها فوضعوها ليس قربها أحد، وأتاها علي فقال: كيف أنت يا أمه؟. قالت: بخير. قال: يغفر الله لك. قالت: ولك، وجاء أعين بن ضبيعة بن أعين المجاشعي حتى اطلع في الهودج فقالت: إليك لعنك الله. فقال: والله ما أرى إلا حميراء. فقالت له: هتك الله سترك وقطع يدك وأبدى عورتك فقتل بالبصرة وسلب وقطعت يده ورمي عريانًا في خربة من خرابات الأزد، ثم أتى وجوه الناس عائشة وفيهم القعقاع بن عمروفسلم عليها فقالت: إني رأيت بالأمس رجلين اجتلدا وارتجزا بكذا فهل تعرف كوفيك؟ قال: نعم ذاك الذي قال: أعقُ أمٍ نعلم، وكذب، إنك لأبر أم نعلما ولكن لم تطاعي. قالت: والله لوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة ... فأقام علي بظاهر البصرة ثلاثًا وأذن للناس في دفن موتاهم فخرجوا إليهم فدفنوهم وطاف علي في القتلى فلما أتى علي كعب بن سور قال: أزعمتم أنه خرج معهم السفهاء وهذا الخبر قد ترون، وأتى على عبد الرحمن بن عتاب فقال: هذا يعسوب القوم - يعني أنهم كانوا يطيفون به - واجتمعوا على الرصافة لصلاتهم، ومرّ على طلحة بن عبيد الله وهوصريع فقال: لهفي عليك يا أبا محمد! إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لقد كنت أكره أن أرى قريشًا صرعى، أنت والله كما قال الشاعر:
إذا ما هواستغنى ويبعده الفقر
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه
وجعل كلما مرّ برجل فيه خير قال: زعم من زعم أنه لم يخرج إلينا إلا الغوغاء وهذا العابد المجتهد فيهم، وصلى عليٌّ على القتلى من أهل البصرة والكوفة، وصلى على قريش من هؤلاء وهؤلاء، وأمر فدفنت الأطراف في قبر عظيم، وجمع ما كان في العسكر شيء وبعث به إلى مسجد البصرة" (1) ".
"ثم جهز علي عائشة بكل شيء ينبغي لها من مركب أوزاد أومتاع وأخرج معها كل من نجا ممن خرج معها إلا من أحب المقام واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات وقال: تجهز يا محمد فبلغها، فلما كان اليوم الذي ترتحل فيه جاءها حتى وقف لها، وحضر الناس فخرجت على الناس وودّعوها وودّعتهم، وقالت: يا بني تعتب بعضنا على بعض استبطاء واستزادة فلا يعتدين أحد منكم على أحد بشيء بلغه من ذلك، إنه والله ما كان بيني وبين عليّ في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه عندي على معتبتي من الأخيار. وقال عليّ: يا أيها الناس صدقت والله وبرّت، ما كان بيني وبينها إلا ذلك، وإنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة. وخرجت يوم السبت لغرة رجب سنة 36 وشيعها عليّ أميالاً وسرح بنيه معها يومًا" (2) "
هذا آخر ما أردنا ذكره من مؤامرات السبئية ومن مخططاتها ولأجل ذلك دخل اليهودي الملعون في الإسلام وتستر بالكفر وتظاهر بالحب لعليّ وآل بيته، وفعل هووجماعته السبئيون هذه الشناعات المنكرة التي جرّت إلى أن تتمنى أم المؤمنين حبيبة رسول الله عائشة وأمير المؤمنين ربيب رسول الله عليّ أن كانا أمواتًا قبل وقوع هذه الحوادث.
وقبل أن نأتي إلى خاتمة هذا الكلام في الحرب نريد أن نذكر أن عليًّا - رضي الله عنه - لم يكن يعد محاربيه كفارًا كما نقلنا الكلام عن جميع المؤرخين آنفًا، ولقد أقرّ بذلك الشيعة أنفسهم حيث أوردوا نفس الرواية التي أوردها أهل السنة في كتبهم:
__________
(1) - ابن الأثير: ج3 ص130 - 131
(2) - الطبري: ج5 ص225، تحت تجهيز علي عائشة من البصرة.
"عن جعفر عن أبيه أن عليًّا عليه السلام كان يقول لأهل حربه: إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم ولم يقاتلونا على التكفير لنا، ولكنا رأينا أنّا على حق ورأوا أنهم على حق" (1) ".
وروى الحيري الشيعي رواية أخرى عن جعفر عن أبيه محمد الباقر:
"إن عليًا عليه السلام لم يكن ينسب أحدًا من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق ولكن يقول: هم إخواننا بغوا علينا" [قرب الإسناد للحميري الشيعي: ص45 ط. إيران].
وهذه نفس الرواية التي رواها شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي وابن عساكر وغيرهم عن جعفر بن محمد عن أبيه الباقر قال:
"سمع عليّ يوم الجمل ويوم صفين رجلاً يغلوفي القول فقال: لا تقولوا إلا خيرًا، إنما هم قوم زعموا أنا بغينا عليهم وزعمنا أنهم بغوا علينا فقاتلناهم" (2) ".
وأخيرًا: فلما انتهى عليّ - رضي الله عنه - من حرب الجمل لم تمتنع السبئية عن إظهار خبثهم وسريرتهم وما يكنّونه في صدورهم، فلقد نقل الإمام ابن كثير بعد ذكر مجموع من قتل يوم الجمل:
"وكان مجموع من قتل يوم الجمل من الفريقين عشرة آلاف، خمسة من هؤلاء وخمسة من هؤلاء، رحمهم الله ورضي عن الصحابة منهم، وقد سأل بعض أصحاب عليّ عليًّا أن يقسم فيهم أموال أصحاب طلحة والزبير، فأبى عليهم، فطعن فيه السبئية وقالوا: كيف يحل لنا دماؤهم ولا تحل لنا أموالهم؟. فبلغ ذلك عليًّا فقال: أيكم يحب أن تصير أم المؤمنين في سهمه؟ فسكت القوم، ولهذا لما دخل البصرة فض في أصحابه أموال بيت المال، فنال كل رجل منهم خمسمائة، وقال: لكم مثلها من الشام، فتكلم فيه السبئية أيضًا ونالوا منه وراء وراء" (3) "
__________
(1) - قرب الإسناد للحميري الشيعي: ص45 ط. إيران
(2) - انظر منهاج السنة لابن تيمية: ج3 ص61، المنتقى: ص135، تهذيب ابن عساكر: ج1 ص73، ومثله في السنن الكبرى: ج8 ص173 - 
(3) - البداية والنهاية لابن كثير: ج7 ص244، الطبري: ج5 ص223.
وأما حرب صفين فلم يكن سعي السبئية فيها أقل من حرب الجمل لإثارة الفتن والقلاقل والاضطرابات، ولا زالوا على دأبهم هذا طيلة أيام عليّ - رضي الله عنه - يؤذونه بآرائهم الشاذة وأفكارهم الغريبة وعقائدهم الأجنبية، وبتجميعهم المجرمين وتحزبهم وتكتلهم وتجمعهم وإيقاع الفرقة بين المسلمين حتى لم يمتنعوا من إيقاعها بين علي وأصحابه، وإبعاد المخلصين عنه، لأنهم لم يكن قصدهم من إظهار الولاء لعليّ والبراءة من أصحاب رسول الله حب عليّ وأولاده، بل جعلوا هذا التظاهر بالحب والولاء سترًا على مقاصدهم الخبيثة ومطامعهم الحقيقية للنيل في الإسلام والمسلمين حتى حالوا بين علي - رضي الله عنه - وبين أخلص المخلصين له كرئيس عساكره وكبير مستشاريه وابن عمه عبد الله بن عباس لاتهامهم إياه بغصب الأموال وأخذها بغير حق" (1) ".
وكذلك زياد أمير فارس وغيرهم الكثيرين الكثيرين.
فهذه كانت أحوال السبئية في أيام علي - رضي الله عنه - وهذه مساعيهم غير المحمودة. وقبل ذلك ذكرنا سعيهم بالفتنة والفساد أيام عثمان - رضي الله عنه - مزحزحة أركان الإسلام والدولة الإسلامية ببعض الإيجاز والاختصار من كتب التاريخ اعتمادًا على أصح الروايات وموقفنا من الشيعة أنفسهم أيضًا.
__________
(1) - انظر لذلك كتب التاريخ ابن خلدون: ج2 ص183 - 184، وغيره
ونريد أن نلفت الأنظار أن شيعة عليّ - رضي الله عنه - العامة منهم كانوا على جانب عن هؤلاء كما يلاحظ من خلال الروايات التي سردناها لذكر هذه الوقائع، وعلى ذلك كانوا دائمًا يسعون إلى الصلح واجتناب القتال والجدال، قدر الاستطاعة وحسب المقدور، ولوأن قليلاً منهم تأثروا بأفكار هؤلاء المخبثين، وانخدعوا بأباطيلهم وأكاذيبهم ووقعوا في شراكهم وحبائلهم. ولذلك لم يكن شيعة عليّ الأولى يطعنون في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا يسبونهم ولا يشتمونهم سواء نازعوا عليًّا في خلافته أوحاربوه في مطالبة القصاص للإمام المظلوم عثمان بن عفان - رضي الله عنه - بل أكثر من ذلك كانوا يقدمون أبا بكر وعمر على عليّ - رضي الله عنه - كما نقل شيخ الإسلام ابن تيمية:
"كانت الشيعة المتقدمون الذين صحبوا عليًّا أوكانوا في ذلك الزمان لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكر وعمر، وإنما كان نزاعهم في تفضيل علي وعثمان، وهذا مما يعترف به علماء الشيعة الأكابر من الأوائل والأواخر" (1) "
ثم نقل عن واحد من الشيعة الأولى شريك بن عبد الله أنه سأله سائل:
"أيها أفضل؟. أبوبكر أم علي؟ فقال له: أبوبكر، فقال له السائل: تقول هذا وأنت شيعي؟ فقال له: نعم، من لم يقل هذا فليس شيعيًّا، والله لقد رقي هذه الأعواد عليّ، فقال: ألا خير هذه الأمة بعد نبيها أبوبكر ثم عمر، فكيف نردّ قوله وكيف نكذبه؟. والله ما كان كذابًا" (2) ".
ثم يقول:
"وكيف لا تقدم الشيعة الأولى أبا بكر وعمر وقد تواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبوبكر ثم عمر، وقد روي هذا عنه من طرق كثيرة قيل إنها تبلغ ثمانين طريقًا" [منهاج السنة لابن تيمية: ج1 ص3 - 4].
__________
(1) - منهاج السنة لابن تيمية: ج1 ص3 - 4.
(2) - منهاج السنة لابن تيمية: ج1 ص3 - 4
وكذلك كان أولاد علي وأهل بيته وكانوا على نفس هذا الاعتقاد، وهذه وجهة كانوا يحملونها تجاه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين الثلاثة، وأكثر من ذلك لم يكونوا يعتقدون محاربة معاوية وأصحابه خروجًا عن الإسلام وطغيانًا وظلمًا وعدوانًا، ولأجل ذلك بايع معاوية أكبر أبناء علي سبط رسول الله - الإمام المعصوم حسب زعم الشيعة - ووافقه على ذلك أبناؤه الآخرون مع ما فيهم الحسين ومحمد بن الحنفية وعبد الله بن عباس وغيرهم كما سيأتي بيانه، وصاهروه وأسرته وعاونوه على أمور الخير والبر، وقبلوا منه الهدايا والصلات كما ذكرنا قريبًا، إلا من تأثر من السبئية أودخل في ذلك الحزب الملعون على لسان عليّ - رضي الله عنه - وأبنائه.
ثم ولم يكن الشيعة عامة آنذاك يشتمون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء الراشدين الثلاثة ولا يطعنون فيهم ولا ينقصونهم، فلقد ذكر ابن خلكان في ترجمة يحيى بن معمر: كان شيعيًّا من القائلين بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص لغيرهم" (1) ".
ولقد أقر بذلك شيعي معاصر حيث قال:
"إني خلال مراجعتي تب التاريخ لم أر في الفترة التي تمتد من بعد وفاة النبي حتى نهاية خلافة الخلفاء من عمد إلى الشتم من أصحاب الإمام، وإنما هناك من قيّم الخلفاء وقيّم الإمام وحتى في أشد جمحات عاطفة الولاء لم نجد من يشتم أحدًا ممن تقدم الإمام بالخلافة ... يضاف لذلك أنه حتى في الفترة الثانية أي في عهود الأمويين كان معظم الشيعة يتورعون عن شتم أحد من الصحابة أوالتابعين" (2) "
__________
(1) - وفيات الأعيان: ج2 ص269
(2) - هوية التشيع لأحمد الوائلي: ص41.

عدد مرات القراءة:
1250
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :