آخر تحديث للموقع :

السبت 14 شوال 1441هـ الموافق:6 يونيو 2020م 11:06:14 بتوقيت مكة
   من روايات الغلو في الأئمة عند الشيعة (مئات الوثائق) ..   باب كفر الثلاثة ونفاقهم وفضائح أعمالهم وقبائح آثارهم وفضل التبري منهم ولعنهم ..   كتاب فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب للنوري الطبرسي وأقوال بعض العلماء فيه ..   أبو طالب عند الشيعة من الأنبياء ..   مصطلح النواصب عند الشيعة يطلق على أهل السنة ..   الإباحية الجنسية عند الشيعة - نعمة الله الجزائري (أنموذجاً) ..   من الذي يدعم الإرهابيين في العراق؟ ..   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   أحاديث يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية - ( بين المؤيدين والمعارضين ) ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

في ذكر ما أختص بهم ولم يوجد في غيرهم من فرق الإسلام ..
تاريخ الإضافة 11/6/2012 1:17:54 PM
فمن ذلك إنكارهم كرامات الأولياء ، وإقامتهم حفلات العزاء والنياحة والجزع ، وتصوير الصور ، وضرب الصدور وما أشبه ذلك مما يصدر في العشرة الأولى من المحرم ، ويعتقدون أن ذلك مما يقرب به إلى الله تعالى وتكفر به سيئاتهم وما يصدر عنهم من الذنوب في السنة كلها ، وما دروا أن ذلك موجب لطردهم من رحمة الله تعالى ، كيف لا وفيه هتك لبيت النبوة وأستهزاء بهم ، ولله تعالى در من قال :
وتمثلوا بعداوة وتصوروا
تطوى ، وفي أيدى الروافض تنشر

 
 
هتكوا الحسين بكل عام مرة
ويلاه من تلك الفضيحة إنها

 
ومن ذلك أنهم يجعلون من الدقيق شبح إنسان ، ويملآون جوفه دبساً أو عسلاً ، ويسمونه باسم عمر ، ثم يمثلون حادث قتله ويشربون ما فيه من عسل بزعم انه دم عمر . ويتشاءمون من يوم الأثنين ( 1 ) ، وكذا من عدد الأربعة لئلا يذهب الوهم إلى أن الخلفاء اربعة . ويتفاءلون بعدد الأثني عشر . ولكن خواصهم يظهرون عدم الإستحسان لمثل هذه الأمور فلا حاجة بنا إلى صرف المداد في ردها .
ومن ذلك مزيد أوهامهم وكثرة خطإهم باعتقاد أن كل مخالف عدو مع ان المخالف أعم من العدو مطلقاً ، فإنه إذا قصد شخصان مقصداً واحداً واختلفا في الطريق إليه كيف يحكم بكون أحدهما عدواً للآخر . وأيضاً قد ثبت في كتب الشيعة أن أبا مخنف يروى عن الإمام الحسين في باب صلح الإمام الحسن مع معاوية أنه كان ينكر على هذا الصلح ، وكان يقول لو جدع أنفى كان أحب إلى مما فعله أخي . فلو كانت المخالفة موجبة للعداوة يلزم أن يكون الإمام الحسين عدواً للإمام الحسن ، معاذ الله من ذلك الاعتقاد الفاسد والكفر الصريح .
وكأعتقادهم عدم وجود المتنافيين في شئ في وقتين ، ولذا قالوا إن الخلفاء الثلاثة ليسوا بمؤمنين ، بناء على انهم كانوا كافرين فلا يليقون للإمامة . وهذا غلط ظاهر ، إذ عدم اجتماع المتنافيين مشروط باتحاد الزمان وغير ذلك من الوحدات الثماني المذكورة في المنطق . وكاعتقادهم ان الفرع مشارك للأصل في الأحكام ، ولذا اعتقدوا العصمة في الأئمة بناء على أنهم خلفاء المعصوم ، واعتقدوا ان الأئمة أفضل من الأنبياء بناء على أنهم نواب افضل الأنبياء ، مع ان النبي مبلغ بالذات ، والعصمة من خواص المبلغ ، ولا يلزم أن يكون نائب شخص مثله في
-----------------------------

( 1 ) لأنه يذكرهم بقول الله عز وجل ( ثاني أثنين ) .
جميع صفاته ، وإلا لزم مساواة التابع للمتبوع .
           وكأعتقادهم أن من سمى بغيره فه مثله في الحكم ، ولذا تراهم يسمون شخصاً بيزيد أو شمر فيهينونه ويظهرون له العداوة ، قال تعالى ] إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلكان [ والنار حارة وليس لفظها كذلك ، وهو يتحاشون من التسمية بعبد الله وعبد الرحمن ، ويستحسنون التسمية بكلب علي وكلب حسين وما اشبه ذلك وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( إن أحسن الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن )) .
وكتوهم بطلان مالا دليل عليه ، كما أنكروا فضائل الصحابة بناء على عدم ثبوتها في كتبهم ، مع ان نفس الأمر غير تابع للعلم والجهل ، ولو تليت عليهم آيات الله لولوا ] وقالوا قلوبنا غلف ، بل لعنهم الله بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون [
ومن ذلك مزيد تعصبهم كترجيحهم الرواية لضعيفة على القوية التى توافق مخالفهم .
وكزعمهم أن من في قلبه حب علي يدخل الجنة ولو كان يهودياً او نصرانياً أو مشركاً ، وان من يحب الصحابة يدخل النار ولو كان صالحاً وفي قلبه محبة أهل البيت ولذا حكم رضي الدين اللغوى أحد كبار الشيعة بكون زنينا بن إسحاق النصراني من اهل الجنة بسبب مدحه الأمير وأهل البيت بقوله :
بسوء  ولكني محب لهاشم
إذا ذكروا في الله لومة لائم
وأهل البهي من عربهم الأعاجم
سرى في قلوب الخلق حتى البهائم

 
 
عدى وتيم لا أحاول ذكرهم
وما تعتريني في علي وأهله
يقولون ما بال النصارى تحبهم
فقلت لهم إنى لأحسب حبهم

 
وجميع فرق الشيعة على أبن فضلون اليهودي لقوله :
واعف عني بحق آل الرسول
سيد ( الأوصياء ) بعل البتول ( 1 )

 
 
رب هب لي من المعيشة سؤلى
واسقني شربة بكف علي

 
مع أن حب ىل البيت غاية الآمر أنه عبادة ، وقد اشترط لقبولها الإيمان لقوله تعالى
 ] ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو انثى – وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له لكاتبون [

-------------------------

( 1 ) وابن فضلون اليهودي يعلم أن شيخه الأول ابن سبا ه الذى اخترع عقيدة (( لكل نبي وصي ، وان علياً وصي محمد صلى الله عليه وآله وسلم )) ، ليبتدع في الإسلام ما ليس مننه توطئه لأدخال الفساد على هذا الدين ومحاولة تغييره . ولو صدق ابن فضلون في دعواه حب علي كرم الله وجهه لدخل في الإسلام ولما بقى يهودياً ، أما أن يمدح علياً ويبقى يهودياً فذلك لأنه تلميذ ابن سبأ وحامل رسالته .
وأيضاً إن نجاة الكفار ودخولهم الجنة عند الشيعة محال كما سبق في العقائد ولقوله تعالى
] ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره [ .

وكتعصبهم في تسمية أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم (( الأمة الملعونة )) ولم يلتفتوا إلى قوله تعالى ] كنتم خير أمة أخرجت للناس [ ويلزمهم من ذلك أنهم ليسوا من أمة محمد ، وإلا يلزمهم لعن أنفسهم وإخراج أهل البيت من الأمة .
وكترجيحهم لعن عمر وسائر الصحابة والعياذ بالله على ذكر الله وسائر العبادات ، وقد ثبت في كتبهم أن لعن الشيخين – في كل صباح ومساء – موجب لسبعين حسنة ( 1 ) ، وقد قال تعالى ] ولذكر الله أكبر [ .
وكإنكارهم كون رقية وأم كلثوم زوجتى عثمان بنتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن خديجة أمها مع انه مخالف لقوله تعالى ] يأيها قل لأزواجك وبناتك [ ولما ذكر في ( نهج البلاغة ) من معاتبة الأمير لعثمان على تغييره سيرة الشيخين بقوله (( قد بلغت من صهره ما لم ينالا )) أي الشيخين ، وروى أبو جعفر الطوسي في ( التهذيب ) عن الإمام جعفر الصادق أنه كان يقول في دعائه
(( اللهم صلى الله عليه وآله وسلم على رقية بنت نبيك ، اللهم صلى الله عليه وآله وسلم على ام كلثوم بنت نبيك )) ، وروى الكليني ايضاً أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوج خديجة وهو ابن بضع وعشرين سنة فولد منها قبل مبعثه صلى الله عليه وآله وسلم القاسم ورقية وزينب وأم كلثوم ، وبعد المبعث الطيب والطاهر وفاطمة ، وأورد في رواية أخرى أنه لم يولد له بعد المبعث إلا فاطمة وان الطيب والطاهر ولدا قبل المبعث .

وكقولهم إن أبا بكر وعمر وعثمان منافقون ، مع أن الأمير أقتدى بهم في الأوقات الخمسة زمن خلافتهم ، وقال تعالى ] ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب [ .
وكقولهم إن الآيات المشعرة بمدح الصحابة من المهاجرين والأنصار وأم المؤمنين متشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله .
وكقولهم إن أهل السنة شر من اليهود والنصارى ، ذكر ذلك ابن المعلم ( 2 ) وغيره
] وهو اعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين [ فياليت شعري أين ذهب إيمان أهل
--------------------------

( 1 ) وللشيعة كتاب اسمه ( مفتاح الجنان ) يشبه كتاب ( دلائل الخيرات ) عند أهل السنة ، فيه أدعية كثيرة لهم ومنها دعاء يسمونه (( دعاء صنمي قريش )) يريدون بهما خليفتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر وعمر ، ويزعمون أن هذا الدعاء من كلام أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ، واول الدعاء (( اللهم صلى الله عليه وآله وسلم على محمد وآل محمد ، والعن صنمي قريش وجبتيهما وظاغوتيهما وإفكيهما وابنتيهما ……… إلخ )) .
( 2 ) ويسمونه الشيخ المفيد ، وهو محمد بن محمد بن النعمان ( 336 – 413 ) ، شيخ مشايخهم ورئيس رؤساء ملتهم .
 السنة بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر ، ومحبتهم لأهل البيت الطاهرين والأئمة الزاكين وصلاتهم وزكاتهم حجهم وجهادهم ، وكيف يكون من اشرك بالله تعالى وكفر برسوله صلى الله عليه وآله وسلم أرجح من هؤلاء ؟ ! وما أشبه قولهم بقول اليهود في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الكافرين أهدى من المؤمنين قال تعالى ] ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً [ .
ومن تعصباتهم أن أهل السنة عندهم أنجس من اليهود والنصارى ، حتى لو اصاب البدن شئ منهم غسلوه ، مع أن المتلطخ بالغائط والعذرة عندهم ليس بنجس ( 1 ) .
ومن تعصباتهم أنهم يرون أن الإبتداء بلعن أبي بكر وعمر بدل التسمية في كل أمر ذي بال أحب وأولى ، ويقولون : كل طعام لعن عليه الشيخان سبعين مرة كان فيه زيادة البركة . ولا يخفى على من له بصيرة أن هؤلاء لا إيمان لهم ولا دين ، بل هم من زمرة الشياطين ، وكذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار .
ومن خصائصهم القول بالتقية بالمعنى الذى لا يريده أهل السنة من قوله تعالى ] لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة [ وتحقيق ذلك على وجه البسط أن التقية محافظة النفس أو العرض أو المال من شر الأعداء . والعدو قسمان : الأول من كانت مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمتاع والملك والإمارة ، ومن هنا صارت ( التقية ) قسمين : أما القسم الأول في العداوة المبنية على إختلاف الدين فالحكم الشرعي فيه أن كل مؤمن وقع في محل لا يمكن له أن يظهر دينه لتعرض المخالفين وجب عليه الهجرة إلى محل يقدر فيه على إظهار دينه ، ولا يجوز له أصلاً أن يبقى هناك ويخفى دينه ويتشبث بعذر الاستضعاف ، فإن أرض الله واسعة . نعم إن كان ممن له عذر شرعي في ترك الهجرة كالصبيان والنساء والعميان والمحبوسين والذين يخوفهم المخالفون بالقتل أو قتل الأولاد أو الآباء أو الأمهات تخويفاً يظن معه غيقاع ما خوفوا غالباً ، سواء كان هذا القتل بضرب العنق أو بحبس القوت أو بنحو ذلك ، فإنه يجوز له المكث مع المخالف والموافقة بقدر الضرورة ، ويجب على أن يسعى في الحيلة للخروج والفرار بدينه . وإن كان التخويف بفوات المنفعة أو بلحوق المشقة التى يمكنه تحملها كالحبس مع القوت والضرب غير المهلك فإنه لا يجوز له موافقتهم ، وفي صورة الجواز أيضاً فإن موافقتهم رخصة ، وإظهار مذهبه عزيمة ، فلو تلفت
-----------------------------

( 1 ) أنظر المسائل الفقهية في ص 211 وما بعدها خصوصاً ص 215 .
بذلك فإنه شهيد قطعاً . ومما يدل على أنها رخصة ما روى عن الحسن أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لأحدهما : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم ، فقال : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : نعم . ثم دعا الآخر فقال له أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم . قال : أتشهد أنى رسول الله ؟ قال : إنى أصم ، قالها ثلاثاً وفي كل يجيبه باني أصم ، فضرب عنقه . فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه ، وأخذ بفضله ، فهنيئاً له ، وأما الأخر فقد رحمه الله تعالى فلا تبعة عليه . وأما القسم الثاني في العداوة المبينة على الأغراض الدنيوية فقد أختلف العلماء في وجوب الهجرة وعدمه ، فقال بعضهم : تجب لقوله تعالى ] ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [ وبدليل النهي عن إضاعة المال . وقال قوم : لا تجب إذ الهجرة عن ذلك المقام مصلحة من المصالح الدنيوية . ولا يعود من تركها نقصان في الدين لاتحاد الملة ، وعدوه القوى المؤمن لا يتعرض له بالسوء من حيث هو مؤمن . وقال بعضهم : الحق أن الهجرة هنا قد تجب أيضاً إذا خاف هلاك نفسه أو اقاربه أو هتك حرمته بالإفراط ، ولكن ليست عبادة وقربة حتى يترتب عليها الثواب ، فإن وجوبها محض مصلحة دنيوية لذلك المهاجر لا لإصلاح الدين فيترتب عليها الثواب ، وليس كل واجب يثاب عليه ان التحقيق أن كل واجب لا يكون عبادة، بل كثير من الواجبات لا يترتب عليه ثواب كالأكل عند شدة الجوع والاحتراز عن المضرات المعلومة أو المظنونة في المرض ، فهذه الهجرة في مصالح الدنيا ليست كالهجرة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فتكون مستوجبة لفضل الله تعالى وثواب الآخرة . وعد قوم من باب التقية مداره الكفار والفسقة والظلمة والإ نة الكلام والتبسم في وجوههم والانبساط معهم وإعطائهم لكف أذاهم وقطع لسانهم وصيانة العرض منهم ، ولا يعد ذل من باب الموالاة المنهي عنها ، بل هي سنة وأمر مشروع ، فقد روى الديلمي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (( إن الله أمرني بمداراة الناس ، كما امرني بإقامة الفرائض )) وفي رواية (( بعثت بالمداراة )) وفي الجامع (( سيأتيكم ركب مبغضون ، فإذا جاءوكم فرحبوا بهم )) وروى ابن أبي الدنيا (( راس العقل بعد الإيمان بالله تعالى مداراة الناس )) وفي رواية البيهقي (( رأس العقل المداراة )) وأخرج الطبراني (( مداراة الناس صدقة )) وفي رواية له (( ما وقي به المؤمن عرضه فهو صدقة )) وأخرج ابن عدي وابن عساكر (( من عاش مدارياً مات شهيداً ، قوا باموالكم أعراضكم ، وليصانع أحدكم بلسانه عن دينه )) وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : أستأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا عنده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( بئس ابن العشيرة – او أخو العشيرة )) ثم اذن له فألان له القول ، فلما خرج قلت : يا رسول الله قلت ما قلت ثم النت له القول ، فقال : (( يا عائشة إن من شر الناس من يتركه الناس – أو يدعه الناس – إتقاء فحشه )) وفي البخاري عن ابي الدراداء (( إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم )) وفي رواية الكشميهني (( وإن قلوبنا لتقليهم ))  وفي رواية أبن ابي الدنيا وإبراهيم الحرمي بزيادة (( ونضحك إليهم )) إلى غير ذلك من الأحاديث . ولكن لا ينبغي المداراة إلى حيث يخدش الدين ويرتكب المنكر ويسئ الظنون . هذا كله على مذهب أهل السنة ، وبقى قولان لفئتين متباينتين من الناس وهم الخوارج والشيعة : أما الخوارج فذهبوا إلى أنه لا تجوز التقية بحال ، ولا يراعى المال وحفظ النفس والعرض في مقابلة الدين اصلاً . ولهم تشديدات في هذا الباب عجيبة ، منها ان احداً لو كان يصلى وداء سارق أو غاصب ليسرق أو يغصب ماله الخطير لا يقطع الصلاة بل يحرم عليه قطعها ، وطعنوا على بريدة الأسلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يحافظ على فرسه في صلاته كيلا يهرب ، ولا يخفى أن هذا المذهب من التقريط بمكان . وأما الشيعة فكلامهم مضطرب في هذا المقام ، فقال بعضهم إنها جائزة في الأقوال كلها عند الضرورة ، وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح ، ولا تجوز في الأفعال كقتل المؤمن ولا يكون فيما يعلم او يغلب على الظن أنه فساد في الدين . وقال المفيد : إنها قد تجب أحياناً ، وقد يكون فعلها في وقت افضل من تركها ، وقد يكون تركها افضل من فعلها . وقال أبو جعفر الطوسي : إن ظاهر الروايات يدل على انها واجبة عند الخوف على النفس . وقال غيره : إنها واجبة عند الخوف على المال أيضاً ، ومستحبة لصيانة العرض حتى يسن لمن أجتمع مع أهل السنة أن يوافقهم في صلاتهم وصيامهم وسائر ما يدينون به ، ورووا عن بعض ائمة أهل البيت (( من صلى الله عليه وآله وسلم وراء سني تقية فكأنما صلى وراء نبي )) ، وفي وجوب قضاء تلك الصلاة عندهم خلاف . وكذا في وجوب قضاء الصوم على من افطر تقية حيث لا يحل الإفطار قولان أيضاً ، وفي أفضلية التقية من سني واحد صيانة لمذهب الشيعة عن الطعن خلاف ايضاً ، وافتى كثير منهم بالأفضلية ، ومنهم من ذهب إلى جواز – بل وجوب – إظهار الكفر لأدنى مخافة أو طمع ، ولا يخفى انه من الإفراط بمكان  وحملوا اكثر أفعال الأئمة – مما يوافق مذهب اهل السنة ويقوم به الدليل على رد مذهب الشيعة – على التقية ، وجعلوا هذا أصلاً عنهم واستوى عليه دينهم وهو الشائع الآن فيما بينهم ( 1 ) حتى نسبوا ذلك للأنبياء عليهم السلام ، وجل غرضهم من ذلك إبطال خلافة الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم ، ويأبى الله تعالى ذلك ، ففى كتبهم ما يبطل كون امير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه ونبيه t ذوى تقية ، بل
----------------------------

( 1 ) ومن الأسماء الشائعة عندهم اسم ( تقى ) وهو مشتق من (( التقية )) لا من (( التقوى )) ، فكأن الأبوين توسما في مولودهما انه سيكون بارعاً في لإظهار غير ما يضمر فاختار له هذا الاسم .
ويبطل أيضاً فضلها الذى زعموه . ففي كتاب ( نهج البلاغة ) الذى هو في زعمهم أصح الكتب
بعد كتاب الله أن الأمير كرم الله تعالى وجهه قال (( علامة الإيمان إيثارك الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك )) وأين هذا من تفسيرهم قوله تعالى ] إن أكرمكم عند الله أتقاكم [ باكثركم تقية ! ؟ وفيه أيضاً أنه كرم الله تعالى وجهه قال (( غنى والله لو لقيتهم واحداً وهم طلاع الأرض كلها ما بليت ولا استوحشت ، وغنى من ضلالتهم التى هم فيها والهدي الذى أنا عليه لعلى بصيرة من نفسي ويقين من ربي ، وإلى لقاء الله وحسن ثوابه لمنتظر راج )) وفي هذا دلالة على ان الأمير لم يخف وهو منفرد من حرب الأعداء وهم جموع ومثله لا يتصور أن يتأتى منه ما فيه هدم الدين . وروى العياشى ( 1 ) عن زرارة ابن أعين ( 2 ) عن ابي بكر بن حزم انه قال توضا رجل ومسح على خفيه فدخل المسجد فجاء علي كرم الله تعالى وجهه فوجأه على رقبته فقال : ويلك تصلى وانت على غير وضوء ؟ فقال : امرني عمر ، فأخذ بيده فانتهى إليه ثم قال : أنظر ما يقول هذا عنك – ورفع صوته على عمر – فقال عمر : أنا امرته بذلك . فأنظر كيف رفع الصوت ولم يتاقه ( 3 ) وروى الراوندي ( 4 ) شارح نهج البلاغة ومعتقد الشيعة في كتاب خرائج الجرائح عن سلمان الفارسي أن علياً بلغه عن عمر أنه ذكر شيعته فاستقبله في بعض طرق بساتين المدينة وفي يد على قوس فقال يا عمر بلغني عنك ذكرك لشيعتى ، فقال : أربع على صلعتك . فقال علي : إنك ههنا ؟ ثم رمى بالقوس على الأرض فإذا هي ثعبان كالبعير فاغراً فاه وقد اقبل نحو عمر ليبتلعه ! فقال عمر : الله الله يا أبا الحسن ، لا عدت بعدها في شئ ، فجعل يتضرع ، ضرب بيده على الثعبان فعادت القوس كما كانت ، فمضى عمر إلى بيته . قال سلمان : فلما كان الليل دعاني علي فقال : سر إلى عمر ، فإنه حمل إليه مال من ناحية المشرق ، وقد عزم أن يخبئه فقل له : يقول لك علي : أخرج ما حمل إليك من المشرق ففرقه على من هو لهم ولا تخبئه فافضحك . قال سليمان : فمضيت إليه وأديت الرسالة ، فقال : أخبرني عن امر صاحبك من اين علم به ؟ فقلت : وهل يخفى عليه مثل هذا ؟ فقال : يا سليمان أقبل عني ما أقول لك ما علي إلا ساحر ، والصواب أن تفارقه وتصير من جملتنا . قلت : ليس كما قلت ، لكنه ورث من اسرار النبوة ما قد رايت منه ، وعنده أكثر من هذا . قال : أرجع إليه فقل : السمع والطاعة لأمرك .
-------------------------

( 1 ) هو محمد بن مسعود أحد أعلام الشيعة ، معاصر للكليني ، ومن تلاميذه محمد ابن عمر بن عبد العزيز الكشى سلف رجالهم في الحرج والتعديل .
( 2 ) من قدماء صناديد الشيعة ، وتنسب إليه فرقة منهم في القرن الثاني تسنى الزرارية تقدم ذكرها ص 16 ، وقد اشرنا في تعليقات ص 63 إلى أنه حفيد قسيس نصراني اسمه سنسن في بلاد الروم .
( 3 ) اى لم يستعمل التقية مع عمر . والخبر وغن كان رواته كذابين إلا انه يتضمن اعترافهم بان علياً لم يكن في ذلك العصر – المبارك بخليفته واهله – يحتاج إلى التقية في شئ .
( 4 ) هوقطبهم واسمه سعيد بن هبة الله الراوندي . وفاته سنة 573 .
فرجعت إلى علي ، فقال : أحدثك عما جرى بينكما ؟ فقلت : أنت أعلم مني . فتكلم بما جرى بيننا ثم قال : إن رعب الثعبان في قلبه إلى ان يموت . وفي هذه الرواية ضرب عنق التقية ايضاً ، إذ صاحب هذه القوس تغنيه قوسه عنها ولا تحوجه أن يزوج ابنته أم كلثوم من عمر خوفاُ منه وتقية ( 1 ) . وروى الكليني عن معاذ بن كثير ( 2 ) عن أبي عبد الله أنه قال : إن الله عز وجل انزل على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً ، فقال جبريل : يا محمد هذه وصيتك إلى النجباء فقال : ومن النجباء يا جبريل ؟ فقال : علي بن ابي طالب وولده . وكان على الكتاب خواتم من ذهب ، فدفعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي وأمره أن يفك خاتماً منه فيعمل بما فيه ، ثم دفعه إلى الحسن ففك منه خاتماً فعمل بما فيه ، ثم دفعه إلى الحسين ففك خاتماً فوجد فيه ان أخرج قومك إلى الشهادة فلا شهادة لهم إلا معك ( 3 ) واشتر نفسك من الله تعالى ، ففعل . ثم دفعه إلى علي بن الحسين ففك خاتماً فوجد فيه أن اطرق واصمت والزم منزلك واعبد ربك حتى ياتيك اليقين ، ففعل . ثم دفعه إلى أبنه محمد بن علي ففك خاتماً فوجد فيه : حدث الناس وافتهم وانشر علوم أهل بيتك وصدق ىباءك الصالحين ولا تخافن أحداً إلا الله تعالى فإنه لا سبيل لأحد عليك . ثم دفعه إلى جعفر الصادق ففك خاتماً فوجد فيه : حدث الناس وأفتهم ولا تخافن إلا الله تعالى وانشر علوم أهل بيتك وصدق آباءك الصالحين فإنك في حرز وامان ، ففعل . ثم دفعه إلى موسى وهكذا إلى المهدي . رواه من طريق آخر عن معاذ ايضاً عن أبي عبدالله وفي الخاتم الخامس : وقل الحق في الأمن والخوف ، ولا تخش إلا الله تعالى . وهذه الرواية ايضاً صريحة بأن أولئك ليس دينهم كما تزعمه الشيعة . وروى سليم بن قيس الهلالي الشيعي من خبر طويل أن أمير المؤمنين قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومال الناس إلى أبي بكر فبايعوه حملت فاطمة وأخذت بيد الحسن والحسين ولم ندع أحداً من أهل بدر وأهل السابقة من المهاجرين والأنصار إلا ناشدتهم الله تعالى حقى ، ودعوتهم إلى نصرتي ، فلم يستجب لي من جميع الناس إلا أربعة : الزبير وسلمان وأبو ذر والمقداد . وهذه تدل على أن التقية لم تكن واجبة على الإمام ، لأن هذا الفعل عند من بايع أبا بكر t فيه ما فيه . وفي كتاب أبان بن عياش أن أبا بكر بعث قنفداً ( 4 ) إلى على حين بايعه الناس ولم يبايعه علي وقال : أنطلق إلى علي وقل له أجب خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فأنطلق فبلغه ، فقال له : ما أسرع ما
------------------------------
( 1 ) بل زاد على ذلك فسمى احد أبنائه باسم عمر حباً بصاحب هذا الاسم واحتفاظاً بذكرى أخوتهما في الله عز وجل ، وأين عمر وعلي من هؤلاء الكذابين المفسدين ؟ ! .
( 2 ) تاجر شيعي معروف ببائع الكرابيس وبائع الأكسية .
( 3 ) ترى هل معنى ذلك أن الذين أستشهدوا من آل البيت بعد الحسين ليسوا شهداء ؟ هذا عجيب ! .
( 4 ) هو قنفد بن عمير بن جدعان التيمي .
كذبتم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وارتددتم والله ما أستخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غيري ( 1 ) . وفيه أنه لما لم يجب علي غضب عمر النار بباب علي وأحرقه ودخل فاستقبلته فاطمة وصاحت : يا أبتاه ، يا رسول الله . فرفع عمر السيف وهو في غمده فوجأ به جنبها المبارك ورفع السوط فضرب به درعها فصاحت : يا أبتاه . فأخذ علي بتلابيب عمر وهزه ووجأ أنفه ورقبته . وفيه ايضاً أن عمر قال لعلي : بايع أبا بكر ، قال : إن لم أفعل ذلك ؟ قال : إذا لأضربن عنقك . قال : كذبت والله يا ابن صهاك ( 2 ) لا تقدر على ذلك ، أنت ألأم وأضعف من ذلك . فهذه الروايات تدل صريحاً أن التقية بمراحل من ذلك الإمام ، إذ لا معنى لهذه المناقشة والمسابة مع وجوب التقية . وروى محمد بن سنان أن أمير المؤمنين قال لعمر : يا مغرور ، إنى أراك في الدنيا قتيلاً بجراحه من عبد أم معمر ، تحكم عليه جوراً فيقتلك ، ويدخل بذلك الجنان على رغم منك ( 3 ) ورورى أيضاً أنه قال مرة لعمر : إن لك ولصاحبك الذى قمت مقامه هتكاً وصلباً ، وتخرجان من جوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتصلبان على شجرة يابسة فتورق فيفتتن بذلك من ولا كما ( 4 ) ، ثم يؤتى بالنار التى أضرمت لإبراهيم ويأتى جرجيس ودانيال وكل نبي وصديق فتصلبان فيها فتحرقان وتصيران رماداً ، ثم تأتى ريح فتنسفكما في أليم نسفاً . فأنظر بالله عليك من يروى هذه الأكاذيب عن الإمام كرم الله تعالى وجهه ، هل ينبغي له أن يقول بنسبة التقية إليه ؟ سبحان الله ! إن هذا لهو العجب العجاب ، الداء العضال .
           ومما يرد قولهم أن زكريا ويحيى والحسين ليس لهم عند الله كرامة وفضل ، لأنهم لم يفعلوا التقية ، ويلزم أن يكون جميع المنافقين في عهده صلى الله عليه وآله وسلم في أعلى المراتب من الكرامة . سبحانك هذا بهتان عظيم . ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل ، قاتلهم الله
---------------------------

( 1 ) إن الشيعة الذين يروون هذه الأكذوبة يكذبون بها أنفسهم مرتين : الأولى في رواياتهم السخيفة عن علي في زمن الخلفاء الثلاثة بما يخالف عقائدهم أنه صدر عنه تقية ، والذى يقول لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذبتم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وارتددتم ولا يخشى أى سوء منهم عليه لا حاجة به إلى التقية . والثانية أنهم نسوا كيف يجمعون بين هذا الموقف لعلى من ابي بكر والصحابة وبين بيعته له ولعمر وعثمان . إن الذين ذبوا على سليم بن قيس الهلالي ورووا عنه هذه الخرافة رووا عنه خرافة أخرى وهي ان أبا بكر سلامة الله عليه لما حضرته الوفاة جاءه ابنه محمد ووعظه بما يلائم سخافات ، والحكماء يقولون (( إذا كنت كذوباً فكن ذكوراً )) وهؤلاء الكذابون لما كذبوا هذه الكذبة على محمد بن أبي بكر الصديق نسوا أنه مولود في حجة الوداع وأنه كان عند وفاة أبيه طفلاً سنه دون الثلاث ! ولكن التشيع تعصب ، والتعصب يحمل على الكذب ، والكذب يهدي إلى النار .
( 2 ) في مستدرك تاج العروس : قال الصاغاني (( صهاك – كغراب – من أعلام النساء )) .
( 3 ) ولكن قاتل عمر مجوسي ، فهل كان عمر أعرق في الكفر من المجوسي حتى يكافأ هذا المجوسي بالجنة على إعدامه الحياة ؟ ! الآن علم الناس أن رواة هذا الخبر كافرون بما آمن به عمر ، ويؤمنون بما آمن به ابو لؤلؤة . وأنظر ص 208 – 209 .
( 4 ) خرافة أن أبا بكر وعمر سيصلبان على شجرة في الدنيا قبل يوم القيامة تقدم نقلها في ص 201 عن كتاب ( المسائل الناصرية ) للسيد المرتضى ، وهذه الخرافة السخيفة متفرعة عن عقيدة أساسية من أصول الدين للشيعة وهم يسمونها ( الرجعة ) وان ذلك يكون عند خروج الصبي من السرداب فيقطع رءوس المسلمين وسائر المخالفين لدين الشيعة ، ثم يخرج غاصبو الإمامة من قبورهم أحياء فيقتص منهم ثم يموتون . وبعد ذلك تقوم القيامة فيبعثون مرة أخرى .
أنى يؤفكون .
وايضاً أن التقية لا تكون إلا لخوف ، والخوف قسمان : الأول الخوف على النفس وهو منتف في حضرات الأئمة بوجهين : أحدهما أن موتهم الطبيعي باختيارهم كما أثبت هذه المسألة الكليني في ( الكافي ) وعقد لها باباً ( 1 ) وأجمع عليها سائر الإمامية . وثانيهما أن الأئمة يكون لهم علم بما كان ويكون ( 2 ) فهم يعلمون آجالهم وكيفيات موتهم وأوقاته بالتفصيل والتخصيص ، فقبل وقته لا يخافون على أنفسهم ، ولا حاجة بهو إلى أن ينافقوا في دينهم ويغروا عوام المؤمنين ! القسم الثاني خوف المشقة والإيذاء البدني والسب والشتم وهتك الحرمة ، ولا شك أن تحمل هذه الأمور والصبر عليها وظيفة الصلحاء ، فقد كانوا يتحملون البلاء دائماً في أمتثال أوامر الله تعالى ، وربما قابلوا السلاطين الجبابرة ، واهل البيت النبوي أولى بتحمل الشدائد في نصرة دين جدهم صلى الله عليه وآله وسلم . وأيضاً لو كانت التقية واجبة فلم توقف إمام الأئمة كرم الله تعالى وجهه عن بيعة خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ستة اشهر ؟ وماذا منعه من أداء الواجب أول وهلة ؟ .
ومما يرد قولهم في نسبة التقية إلى الأنبياء عليهم السلام بالمعني الذى أرادوه قوله تعالى في حقهم ] الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله ، وكفى بالله حسيباً [ وقوله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ] يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وغن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس [ وقوله تعالى ] وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما أستكانوا ، والله يجب الصابرين [ إلى غير ذلك من الآيات . نعم لو أرادوا بالتقية المداراة التى أشرنا إليها لكان لنسبتها إلى الأنبياء والأئمة وجه ، وهذا أحد محملين لما أخرجه عند بن حميد عن الحسن أنه قال : التقية جائزة إلى يوم القيامة . والثاني حمل التقية على ظاهرها وكونها جائزة إنما هو على التفصيل الذى ذكرناه . وإنما ذكرت لك ما ذكرت ، وحررت في هذا المقام ما حررت ، من الدلائل القطعية والبراهين الجلية ، لينقطع عرق التقية التى هي اساس مذهب الشيعة وعماد كل قبيحة وشنيعة .
ومن تعصباتهم انهم يقولون إن الله تعالى أرسل جميع الأنبياء والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام لولاية علي ، وكان علي من جميع الأنبياء سراً ، ومع نبينا صلى الله عليه وآله وسلم جهراً ، كما رواه ابن طاوس وغيره ، وانه لولا علي لم تخلق الأنبياء كما رواه ابن المعلم عن محمد ابن الحنفية ( 3 ) ، وأن درجة على فوق درجة الأنبياء والرسل يوم القيامة وأنهم يحشرون مع شيعته ، وانهم
---------------------------

( 1 ) وهو في ص 62 من ( الكافي ) طبعة سنة 1278 وعنوانه ( باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون ، وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم ) .
( 2 ) في ص 63 من ( الكافي ) للكليني ( باب في أن الأئمة يعلمون علم ما كان ، وما يكون ، وانه لا يخفى عليهم شئ ) .
( 3 ) كان ابن الحنفية أتقى لله وأعقل من ان يصدر عنه مثل هذا للسخف الذى لا يصدر إلا عن رواة شيخهم المفيد وأضرابه .
متدينون بمحبته كما رواه ابن طاوس أيضاً ، ومن اعتقد لاف ذلك فهو كافر بزعمهم ( 1 ) . وأنت تعلم أن هذا مخالف لجميع الشرائع ، وبداهة العقل ، وآيات الكتاب . نسأل الله تعالى السلامة من مثل هذه العقائد الباطلة لدى أولى الألباب .
ومن تعصباتهم أنهم يقولون : إن الله تعالى قد امر الكرام الكاتبين يوم قتل عمر أن يرفعوا الأقلام ثلاثة ايام عن جميع الخلائق فلا يكتبون ذنباً على أحد كما رواه علي ابن مظاهر الواسطي عن احمد بن إسحاق القمي ( 2 ) عن العسكرى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما حكاه عن ربه جل جلاله . ولا يخفى كذب هذه الرواية وبطلانها ، إذ يلزم أن من زنى بأمه أو سب الأمير أو عبد الأوثان في تلك الأيام ومات فيها دخل الجنة بلا حساب وفاز بالنعيم  من غير عقاب وقد قال تعالى ] ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره [ وكثير من روايات الأئمة توافق هذه الآية ، ولكن من اضله الله تعالى لا تنفعه الهداية .
ومن تعصباتهم أنهم يقولون : إنما أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر معه حين هاجر من مكة لئلا يعلم كفار قريش بخروجه وطريق ذهابه ( 3 ) . ويرده قوله تعالى ] إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا [ فقد حكى الله تعالى حزنه على الرسول وتسلية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم له ( 4 ) وقال عبد الله المشهدي أحد روساء الشيعة ( 5 ) : الحق أن هذا الاحتمال ، أى إخراج الرسول له لئلا يعلم كفار قريش بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعيد جداً ولعل النبي ألف صحبته لسبقه في الإسلام وملازمته للرسول صلى الله عليه وآله وسلم . وقال المفسر النيسابورى : ثم إننا لا ننسى أن أضطجاع علي على فراشه صلى الله عليه وآله وسلم طاعة وفضيلة ، إلا أن صحبة ابي بكر أعظم ، لأن الحاضر أعلى من الغائب ، ولأن علياً ما تحمل المحنة إلا ليلة واحدة وأبو بكر مكث في الغار أياماً ، وغنما أختار علياً للنوم في فراشه لأنه كان صغيراً لم تظهر منه دعوة بالدليل والحجة وجهاد بالسيف والسنان ، بخلاف أبي بكر فإنه دعا في جماعة إلى الدين ، وقد ذب عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالنفس والمال ، وكان غضب الكفار على أبي بكر أشد من غضبهم على علي ، ولهذا لم يقصدوا علياً بضرب وألم لما عرفوا أنه مضطجع . أنتهى .
-----------------------
( 1 ) إذا كان عمر بزعمهم كافراً وقاتله امجوسي يدخل الجنة جزاء قتله ، فمن من المسلمين غير كافر بما كفر به عمر ؟ .
( 2 ) هو الأحوص شيخ الشيعة القميين ووافدهم الذى تقدم ذكره في ص 209 وانه مبتدع ( عيد بابا شجاع الدين ) وهي كنية ابي لؤلؤة قاتل أمير المؤمنين عمر .
( 3 ) ولكن أسماء دات النطاقين بنت أبي بكر وأخاها وأهل بيتهم يعلمون ذلك وكانوا على صلة بأبي بكر ومجاورين لكفار قريش . فهل الشيعة ضعاف العقول إلى هذا الحد ، أم التشيع من طبيعته أن يسلب عقول أهله ؟ الحمد لله الذى عافانا من هذا البلاء والخزي .
( 4 ) ومن كرامة أبي بكر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لما نزلت سورة التوبة وفيها هذه الآية كان أبو بكر نائباً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إمارة الحج ، فأسرع صلى الله عليه وآله وسلم بإرسال علي كرم الله تعالى وجهه إلى مكة وعرفات ومنى ليتلو على حجاج بيت الله الحرام في جميع المشاعر هذه السورة وآية ] ثاني أثنين إذ هما في الغار [ .
( 5 ) الذى تقدم النقل عنه في ص 126 و 130 و 144 .
        ومن هذيانتهم أنهم يقولون : المراد من دابة الأرض في القرآن أمير المؤمنين ، وقد فسر الكليني قوله تعالى ] وإذا وقع القول عليهم اخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون [ ، ويزعم أنه روى ذلك عن أبي جعفر عن امير المؤمنين أنه قال (( أنا الدابة التى تكلم الناس )) مع ان الدابة حسبما تدل عليه الآية ستخرج قبل قيام الساعة ، ورجعة الأمير التى يزعمونها في عهد الإمام المهدي ، وبينه وبين قيام الساعة أمد بعيد وزمان مديد ، وبالله تعالى العجب ، وما أجرأ هؤلاء الكفرة على سوء الأدب ! .
ولنذكر لك ههنا فائدة تتعلق بحالهم وتزيد بصيرة في ضلالهم .
إن مذهب الشيعة له مشابهة تامة ومناسبة عامة مع فرق الكفرة والفسقة الفجرة أعنى اليهود والنصارى والصابئين والمشركين والمجوس .
أما متشابهتهم لليهود فلأن اليهود قالت : لا تصلح الإمامة إلا لرجل من آل داود عليه السلام ، وقالت الرافضة : لا تصلح الإمامة إلا لردل من ولد علي بن أبي طالب t . وقالت اليهود : لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال وينزل بسبب من السماء ، وقالت الرافضة : لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي وينادي مناد من السماء . واليهود تؤخر صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم ، وكذلك الرافضة يؤخرونها . واليهود تنود في الصلاة ( 1 ) ، وكذلك الرافضة ( 2 ) . واليهود لا ترى على النساء عدة ، وكذلك الرافضة . واليهود حرفوا التوراة ، وكذلك الرافضة حرفوا القرآن ( 3 ) . واليهود يبغضون جبريل u ويقولون هو عدونا من الملائكة ، وكذلك صنف م الروافضة يقولون : غلط جبريل u بالوحي إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وإنما بعث علي كرم الله تعالى وجهه . واليهود كانوا يبغضون الصحابة ، وكذلك الرافضة ( 4 ) إلى
------------------------------

( 1 ) أى تتحرك كما يتحرك الغصن . قال في لسان العرب : ونودان اليهود في مدراسهم ماخوذ من هذا .
( 2 ) قال في لسان العرب : وفي الحديث (( لا تكونوا مثل اليهود إذا نشروا التوراة نادوا . يقال ناد ينود ، إذا حرك راسه وأكتافه .
( 3 ) وزعموا في ذلك المزاعم التى جمعها عدو الله حسين بن محمد تقى النورى الطبرسي في كتابه ( فصل الخطاب ) الذى ألفه في المشهد المنسوب إلى أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه في النجف ، وهو مطبوع في إيران سنة 1298 وعندي نسخة منه ، ومن الشيعة من دفعه التقية إلى التظاهر بالبراءة من مؤلف هذا الكتاب ، ولكن ماذا يصنعون بما تضمنه كتابه من مئات النصوص المنقولة عن علمائهم ومجتهديهم في تحريف القرآن والزيادة فيه والنقص منه . وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في ص 30 – 32 وص 50 و 52 و 53 و 82 و 83 . هذا موقفهم من نظم القرآن ودعوى تحريفه بالكلم والزيادة والنقصان ، ومن اقرب الأمثلة عليه زعمهم أن المؤءودة محرفة عن (( المودة )) المذكورة في آية ] إلا المودة في القربى [ أما تحريفهم لمقاصده ومعانيه فمذهبهم كله مبني على هذا التحريف . ولو رجعوا عن ذلك إلى فهم القرآن كما كان يفهمه علي كرم الله تعالى وجهه لزال التشيع وأضمحل .
( 4 ) نقل المامقاني في ترجمة عبدالله بن سبأ من كتابه تنقسيح المقال في أحوال الرجال ( 2 : 184 ) وهو ابسط كتبهم وأهمها في الحرج والتعديل أن الكشى قال ما نصه (( وذكر أهل العلم أن عبدالله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالي علياً ، وكان يقول – وهو على يهوديته – في يوسع بن نون ( وصي موسى ) ، فقال في إسلامه – بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - في علي مثل ذلك ( أى أن دعوى كون على وصى محمد صلى الله عليه وآله وسلم يهودي حدث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ) وكان ( أى عبد الله بن سبأ ) أول من شهر القول بإمامة علي وأظهر علي واظهر البراءة من اعدائه وكاشف مخالفيه وكفرهم ، فمن هنا قال من خالف الشيعة : إن أصل التشيع والروافض مأخوذ من اليهود )) انتهى بنصه عن إمامهم الكشى .
غير ذلك .
واما مشابهتهم للنصارى فلأن النصارى أحدثوا كثيراً من الأعياد ، وكذا الرافضة كثوم مقتل عمر وعثمان وما أشبه ذلك ( 1 ) . والنصارى يصورون صورة عيسى ومريم ويضعون ذلك في كنائسهم ويعظمونها ويسجدون لها ، فكذلك الرافضة فإنهم يصورون صور الأئمة ويعظمونها بل يسجدون لها ولقبورهم وما جرى مجرى ذلك .
وأما متشابهتهم للصابئين فلن الصابئين كانوا يحترزون عن ايام يكون القمر بها في العقرب أو الطرف أو المحاق ، وكذلك الرافضة . وكانت الصابئة يعتقدون ان جميع الكواكب فاعلة مختارة ، وانها هي المدبرة للعالم السفلي ، وكذلك الرافضة .
وأما متشابهتهم للمشركين فلأنهم يعظمون قبور الأئمة ويطوفون حولها ، بل ويصلون إليها مستدبرين القبلة ، إلى غير ذلك من الأمور التى يستقل تديها فعل المشركين مع أصنامهم وإن حصل لك ريب من ذلك فاذهب يوم السبت إلى مرقدي موسى الكاظم ومحمد الجواد t فأنظر ماذا ترى ، ومع ذلك فهذا معشار ما يصنعون عند قبر الأمير كرم الله تعالى وجهه ومرقد الإمام الحسين t ، ومما لا يشك ذو عقل في إشراكهم والعياذ بالله تعالى .
واما متشابهتهم للمجوس فلأن المجوس يزعمون ان خالق الخير يزدان وخالق الشر أهرمن وكذلك الروافض يزعمون الله تعالى خالق الخير فقط ، والإنسان والشيطان خلقان الشر . ولهذا قال الأئمة في حقهم (( إنهم مجوس هذه الأمة )) كما مر في الإلهيات ( 2 ) . وكذلك تعظيمهم للنيروز وغير ذلك ، اعاذنا الله تعالى من سلوك هاتيك المسالك .
زومن أستكشف عن عقائدهم الخبيثة ، وما أنطووا عليه ، علم أن ليس لهم في الإسلام نصيب ( 3 ) وتحقق كفرهم لديه ورأى منهم كل أمر عجيب ، واطلع على كل امر غريب ، وتيقن أنهم قد انكروا الحسى ، وخالفوا البديهى الأولى . ولا يخطر بالهم عتاب ولا يمر على أذهانهم عذاب أو عقاب . فإن جاءهم الباطل احبوه ورضوه ، وغذا جاءهم الحق كذبوه وردوه : ] مثلهم كمثل الذى استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ، صم بكم عمي فهم لا يرجعون [ ولقد غشى على قلوبهم الران فلا يعون ولا يسمعون ، فإنا لله
--------------------------

( 1 ) أنظر ص 208 – 210 .
( 2 ) والكلمة قول أبي عبدالله جعفر الصادق رواها عنه محمد بن بابويه القمي في كتاب التوحيد كما تقدم في ص 95 . وهذا البحث مبسوط في باب الإلهيات من هذا الكتاب ص 90 – 95 .
( 3 ) ولما كان ابن حزم يناظر قسس إسبانيا في صحة الإنجيل وأسفار التوراة ويفتخر بأن القرآن لا يتطرق أى شك إلى صحته ، وتواتر كل حرف من حروفه ، أحتجوا عليه بان الشيعة تعلن تحريف القرآن وان فيه زيادة ونقصاً ، فقال لهم ابن حزم (( إن الروافض ليسوا من المسلمين )) . وأنظر كتابه الفصل ( 2 : 78 ) و ( 4 : 181 و 182 ) .
وإنا إليه راجعون . ولقد تعنتوا بالفسق والعصيان في فروع الدين وأصوله ، فصدق ظن إبليس فاتبعوه من دون الله ورسوله . فياويلهم من تضييعهم الإسلام ويا خسارتهم مما وقعوا فيه من حيرة الشبه والأوهام . فلو التفت إلى ماهم عليه في هذا الزمان ، لوجدتهم في صريح من الضلال والخسران . لأنهم إلى الحق لا يلتفتون ، ولا بمثل ذلك يعبأون ، بل هم بالدين يستهزئون . ولو أنك ذكرت لهم شيئاً من مثالبهم ، وصرحت بشئ من عيوبهم ، أخذتهم العزة بالإثم ، وصار ذلك عندهم من أنكر المناكر ، حيث إنهم قد فرحوا بما عندهم من الجهل ، وما أنطووا عليه من خبث السرائر ، حتى كانهم للدنيا خلقوا فهم لها في جميع أحوالهم يعملون ، وعلى دقائق شئونها بأفكارهم يغوصون ، وبالمتاعب وتحمل المشاق فيها إلى الموت يترددون ، لبئس ما كانوا يصنعون . فالاشتغال بعلومهم ، ورد ما أدعوه في كتبهم من اصولهم وفروعهم ، أولى من خالف أهل الحق بإعداد العدد ، أحق من هؤلاء بما نستمده من كل برهان وسند . كيف لا وهم قد وافقونا في لباسنا ، وزاحمونا في أملاكنا ، ونفثوا بسحرهم في اسلاكنا ، بحيث ما ألقوه من الدسائس في عباراتهم ، ويذهب على كثير من الناس ما يصدر عنهم من لحن القول في محاوراتهم ، حتى ان كثيراً منهم يبرأ من بدعته ، ويلتزم ما ألتزمه أهل السنة في طريقته ، بحيث تخفى حاله على كل أحد ، ولا يتبين أمره إلا لمن عرف ونفذ ، فيتوصل بذلك إلى شبه ودسائس يلقيها في كلامه لجل إضلال مخاطبة من حيث لا يشعر بمقصوده ولا يدرى بمرامه ، فمنهم من الف كتاباً في مناقب الإمام الشافعي وأودع فيه من الدسائس الرافضية ما يخفى إلا على المتبحر . ومنهم من الف في مذاهب المجتهدين وذكر فيا ما يخالف مذهبهم قصداً إلى ترويج مذهبه وإبطال مذهب ائمة الدين . فهم أعداء أنبياء الله تعالى ورسله ، والمحرفون لكلام الشريعة عن موضعه ومحله . ولعمر الله إن هؤلاء الطغام الحيارى اضر على عوام المسلمين من اليهود والنصارى . فالحذر الحذر منهم ، والفرار الفرار منهم . والزم أيها الأخ الطالب للنجاة من الارتباك في ورطة الشبه والتمويه وعليك بالسلوك في طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين ، وإياك وطرق الضلال وشبه المبتدعين ولا تغتر بتوافر الملحدين ، وكثرة الهالكين . وكن حريصاً على التفتيش عما كان عليه الصحابة من الأحوال متبعاً ما كانوا يتحرونه من الأعمال ، فهم السواد الأعظم ، الواقفون من الهداية المحمدية على ما لم نعلم . ومنهم يعرف الحسن من القبيح ، والمرجوح من الرجيح . فمن اتبع غير سبيل المؤمنين ، فهو الحقيق بوعيد رب العالمين .. قال تعالى تعليماً لعباده وتذكيراً ] ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً [ . ومن نظر بعين بصيرته ، وامعن الفكر في طريق الاتباع وحقيقته ، فحاد وابتدع وللهوى والأطماع اتبع ، كان كحاطب ليل أو متحير يدعو على نفسه بالثبور والويل ، وقال تعالى في بيان طريق الهدى وتفضيله ] وإن هذا صراطى مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله 0 فحث سبحانه على أتباع سبيله الذى هو الكتاب والسنة ، ونهى جل شانه عن اتباع السبل مبيناً بأن ذلك سبب للتفرق والمحنة . ولذلك ترى أهل السنة قد لزموا سبيلاً واحداً ، ولم تر منهم زائغاً عما به وحائداً . وأما أهل البدع والأهواء وذوو الضلال والأفتراء فقد أفترقوا في سبلهم على حسب معتقداتهم الفاسدة ، وتشتتوا على مقتضى آرائهم الكاسدة ، فهم على ما زعموه مصرون ، وكل حزب بما لديهم فرحون . فإذا الواجب علينا معاشر أهل السنة أتباعه صلى الله عليه وآله وسلم في جميع اقواله ، والتأس به في سائر أفعاله وأحواله ، والإقتداء بما كان عليه أصحابه فإنهم المبلغون عنه صلى الله عليه وآله وسلم وأحبابه ، لأن من أقتدى بأولئك الأعلام ، فقد أقتدى به صلى الله عليه وآله وسلم . وما أخبث رجلاً ترك سبيل السنة الشارحة للكتاب ، واستبدل بالنعيم المقيم العذاب ] فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة في الدنيا أو يصيبهم عذاب أليم [ . روى البخاري في صحيحه ( 1 ) عن حذيفة بن اليمان t أنه قال : (( كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الخير ، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني ، فقلت يا رسول الله ، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : نعم . قلت : وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال نعم ، وفيه دخن . قلت : وما دخنه ؟ قال : قوم يهدون بغير هديي ، وتعرف منهم وتنكر قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال : نعم ، دعاة على أبواب جهنم ، من اجابهم إليها قذفوه فيها . قلت : يا رسول الله صفهم لنا . قال : هم من جلدتنا ويتكلمون بالسنتنا . قلت : فما تأمرني إن ادركني ذلك ؟ قال : تلزم جماعة المسلمين وإمامهم . قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال : فأعتزل تلك الفرق كلها ، ولو أن تعض باصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك )) . فياله من حديث أشتمل على علوم اخبر بها الصادق الأمين ، وابان عن فوائد جليلة تفيد العلم اليقين : منها حرص الصحابة t على علم ما يستقيم به دينهم المتين ، ومنها أن أول خير يقع في أمته فيه كدورة تذهب بصفائه ، وفيه تغيير يغاير ما أمروا باقتفائه . ومنها أن يكون بعد ذلك دعاة من الأشرار ، من أجابهم قذفوه والعياذ بالله تعالى في النار ، فهم كذابون دجالون ، ضالون مضلون . روى أبو هريرة t عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (( يكون في آخر الزمان دجالون كذابون ياتوكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم ، فإياكم وإياهم لا
 -----------------------

( 1 ) في كتاب الفتن : باب كيف الآمر إذا لم تكن جماعة .
يضلونكم )) أخرجه الإمام مسلم وغيره . ولقد صدق عليهم قوله تعالى ] افرأيت من أتخذ إلهه
هواه واضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون [ ومنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر من أدرك الزمان أن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم ، وهم الذين أتبعوا سنته ولازموا طريقته ، فإن لم يكن لهم جماعة وكانوا غرباء فالواجب عليهم العزلة عن تلك الفرق كلها . ثم حرض صلى الله عليه وآله وسلم على هذا الاعتزال الذى فيه سلامة الدين بقوله على سبيل المبالغة (( ولو أن تعض باصل شجرة حتى يأتيك الموت )) وأنت على هذا العمل ، معرض عن كل ما يفسد عليك دينك الذى هو رأس مالك ، صابر على تلك المعاطب والمهالك . وروى أبو داود والترمذى وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن العرباض ابن سارية
t قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موعظة وجلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون . فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع ، فأوصنا . قال (( أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد ، ومن يغش منكم فسيرى أختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الإمور ، فإن كل بدعة ضلاله )) فقد أوصانا صلى الله عليه وآله وسلم بلزوم سنته وسنة الخلفاء الراشدين من هم على طريقته . إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة والأخبار الرجيحة التى تحث على أتباع الكتاب وسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنهما إلى سبيل العليم العلام .
           ] ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطانا ، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وأعف عنا وأغفر لنا وأرحمنا ، أنت مولانا فأنصرنا على القوم الكافرين [
           وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد النبي الأمي وآله وصحبه أجمعين ،،،
تم بحمد الله هذا المختصر
وقد سماه علامة العراق السيد محمود شكري الألوسي رحمه الله
المنحة الإلهية
تلخيص ترجمة التحفة الأثني عشرية
والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات
خاتمة
بقلم
محب الدين الخطيب
حملة رسالة الإسلام الأولون
وما كانوا عليه من المحبة والتعاون
على الحق والخير
وكيف شوه المغرضون جمال سيرتهم
روى الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه ( ك 62 ب 1 عن عمران ابن حصين رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : (( خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ( قال عمران بن حصين : فلا أدرى أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثاً ( 1 ) ) ثم إن بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون ، ويخونون ولا يؤتمنون ، وينذرون ولا يفون ، ويظهر فيهم السمن )) .
وروى البخاري مثله بعده عن عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  . وحديث هذا عند الإمام أحمد أيضاً في مسنده ، وفي صحيح مسلم ، وفي سنن الترمذي . وروى مسلم مثله في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها .
فالهدى كل الهدى ، مما لم تر الإنسانية مثله – قبله ولا بعده – هو الذى تلقاه الصحابة عن معلم الناس الخير . وكان الصحابة به خير أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشهادته هو لهم وصدق رسول الله . أما الذين يدعون خلاف ذلك فهم الكاذبون .
إن الخير كل الخير فيما كان عليه اصحاب رسول الله ، وإن الدين كل الدين ما أتبعهم عليه صالحو التابعين ، ثم مشى على أثارهم فيه التابعون لهم بإحسان .
ومن أحط اكاذيب التاريخ زعم الزاعمين أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يضمر العداوة
-------------------------

( 1 ) وتحديد ذلك إلى نهاية الدولة الأموية . وقد يلتحق به زمن الخلفاء الأولين من بني العباس . قال الحافظ ابن حجر في تفسير هذا الحديث من ( فتح البارى ) ج 7 ص 4 : (( اتفقوا أن آخر من كان من اتباع التابعين – من يقبل قوله – من عاش إلى حدود سنة 220 . وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهوراً فاشياً ، وأطلقت المعتزلة ألسنتها ، ورفعت الفلاسفة رءوسها ، وأمتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن . وتغيرت الأحوال تغيراً شديداً ، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن ( أى إلى زمن الحافظ ابن  حجر 773 – 852 ) وظهر قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( ثم يفشو الكذب )) ظهوراً بينا حتى يشمل الأقوال والأفعال والمعتقدات .
بعضهم لبعض . بل هم كما قال الله سبحانه في سورة الفتح – 29 : ] أشداء على الكفار رحماء بينهم [ . وكما خاطبهم ربنا في سورة الحديد 10 : ] ولله ميراث السماوات والأرض * لا يستوى منكم من انفق من قبل الفتح وقاتل ، أولئك أعظم درجة من الذين انفقوا من بعد وقاتلوا ، وكلا وعد الله الحسنى [ ولا يخلف الله وعده . وهل بعد قول الله عز وجل في سورة آل عمران 110 : ] كنتم خير أمة اخرجت للناس [ يبقى مسلماً من يكذب ربه في هذا ، ثم يكذب رسوله في قوله : (( خير امتى قرني ، ثم الذين يلونهم …… )) ؟ ! . في صدر هذه الأمة حفظ الله كتابه بحفظته أميناً عن امين ، حتى ادوا أمانة ربهم بعناية لم يسبق لها نظير في أمة من الأمم ، فلم يفرطوا في شئ من الفاظ الكتاب على أختلاف الألسنة العربية في تلاوتها ونبرات حروفها ، تنوع مدودها وإمالاتها ، إلى ادق ما يمكن أن يتصوره المتصور . فتم بذلك وعد الله عز وجل في سورة الحجر 9 : ] إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [ .
ومن صدر هذه الأمة تفرغ فريق من الصحابة فالتابعين وتلاميذهم لحمل أمانة السنة فكانوا يمحصون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ويذرعون أقطار الأرض ليدركوا الذين سمعوها من فم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيتلقوها عنهم كما يتلقون اثمن كنوز الدنيا . بل كانت دار الإمارة في المدينة المنورة منتدى الفقهاء الأولين في صدر الإسلام يجتمعون إلى إميرهم مروان ابن الحكم ، فغذا عزيت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنة غير الذى كان معروفاً عندهم ارسل مروان في تحقيق ذلك إلى من نسبت تلك السنة إليه من اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أزواجه ، حتى يرد الحق إلى نصابه ( أنظر مسند الإمام أحمد : الطبعة الأولى 6 : 299 و 306 ) .
وبينما كان حفظه القرآن وحملة السنة المحمدية يجاهدون في حفظ أصول الشريعة الكاملة ، كان أخرون من ابناء الصحابة وأبطال التابعين يحملون امانة الإمامة والرعاية والجهاد والفتوح ، ويعملون على نقل الأمم إلى الإسلام : يعربون ألسنتها ، ويطهرون نفوسها ، ويسلكونها في سلك الأخوة الإسلامية لتتعاون معهم على توحيد الإنسانية تحت راية الهدي  وتوجيهها إلى أهداف السعادة .
وقد بارك الله لهؤلاء واولئك في أوقاتهم ، وأتم على أيديهم في مائة سنة ما يستحيل على غيرهم – من اهل الطرائق والأساليب الأخرى – أن يعملوه في آلاف السنين .
هؤلاء هم الذين أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم خير امته ، وقد صح ما اخبر به قبل الإسلام إنما رأى الخير على أيديهم ، فبهم حفظ الله أصوله ، وبهم هدى الله الأمم . والبلاد التى دخلت في الإسلام على أيديهم نبغ منها في ظل طريقتهم وعلى اساليبهم كبار الأئمة كالإمام البخاري والإمام ابي حنيفة والليث بن سعد وعبد الله بن المبارك ، فكانت الأمم تقبل على هذه الهداية بشفغ وتقدير وإخلاص – لما ترى من إخلاص دعاتها وصدقهم وإيثار الآجلة على العاجلة – والأمة التى تولت الدعاية لهذه الهداية تستقبل نوابغ المهتدين بصدر رحب ، وتبوى المستأهلين منهم المكانة التى هم اهل لها .
هكذا كانت الحال في البطون الثلاثة الأولى التى أمتدحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصفها بأنها خير أمته . أما العصور التى أتت بعدهم فإن المسلمين يتميزون فيها بمقدار أتباعهم للصدر الأول فيما كان عليه من حق وخير . وهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم : (( مثل أمتى مثل المطر: لا يدرى أوله خير أم آخره )) رواه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه عن انس ، ورواه ابن حبان والإمام أحمد في مسنده أيضاً من حديث عمار ، ورواه أبو ليلى في مسنده عن علي بن ابي طالب ، ورواه الطبراني في معجمه الكبير عن عبد الله بن عمر ابن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص ، كل هؤلاء الصحابة رووه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فأمة محمد إلى خير في كل زمان ومكان ما تحرت الطريق الذى مشى فيه هداة القرون الثلاثة الأولى وتابعوهم فيه . بل يرجى لمن يقيم الحق في ازماننا كما أقامه الصحابة والتابعون في أزمنتهم أن يبلغوا منزلتهم عند الله ويعدوا في طبقتهم ، ولعلهم المعنيون بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه الإمام احمد والدارمى والطبراني من حديث ابي جمعة قال : قال ابو عبيدة (( يا رسول الله أأحد خير منا ؟ أسلمنا معك ، وجاهدنا معك )) فقال صلى الله عليه وآله وسلم : (( قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني )) وإسناده حسن ، وصححه الحاكم . وأحتج الحافظ الأندلسي أبو عمر بن عبد البر بأن السبب في كون القرن الأول خير القرون أنهم كانوا غرباء في إيمانهم لكثرة الكفار في الأرض  وصبرهم على الهدي وتمسكهم به ، إلى أن عم بهم في أرجائها . قال ابن عبد البر : فكذلك اواخرهم إذا اقاموا الدين وتمسكوا به وصبروا على الطاعة حين ظهور المعاصي والفتن ، كانوا أيضاً عند ذلك غرباء ، وزكت اعمالهم في ذلك الزمان كما زكت أعمال أولئك . ويشهد له ما رواه مسلم عن ابي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : (( بدأ الإسلام غريباً ، وسيعود غريباً كما بدأ ، فطوبى للغرباء )) .
ومن غرابة الإسلام بعد البطون الثلاثة الأولى مؤلفين شوهوا التاريخ تقرباً للشيطان أو الحكام ، فزعموا أن اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكونوا إخواناً في الله ، ولم يكونوا رحماء بينهم ، وإنما كانوا أعداء يلعن بعضهم بعضاً ، ويمكر بعضهم ببعض ، وينافق بعضهم لبعض ، يتآمر بعضهم على بعض ، بغياً وعدواناً .
لقد كذبوا . وكان ابو بكر وعمر وعثمان وعلي أسمى من ذلك وانبل  ، وكانت بنو هاشم وبنو أمية اوفى من ذلك لإسلامها ورحمها وقرابتها واوثق صلة واعظم تعاوناً على الحق والخير.
حدثني بعض الذين لقيتهم في ثغر البصرة لما كنت معتقلاً في سجن الإنجليز سنة 1332ه أن رجلاً من العرب كان ينتقل بين بعض قرى إيران فقتله القرويون لما علموا اسمه ( عمر ) . قلت : واى باس يرونه باسم ( عمر ) ؟ قالوا : حباً بأمير المؤمنين علي . قلت : وكيف يكونون من شيعة علي وهم يجهلون أن علياً سمى أبناءه – بعد الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية – بأسماء أصدقائه وإخوانه في الله ( أبي بكر ) و ( عمر ) و ( عثمان ) رضوان الله عليهم اجمعين ، وأم كلثوم الكبرى بنت علي بن أبي طالب كانت زوجة لعمر ابن الخطاب ولدت له زيداً ورقية ، وبعد مقتل عمر تزوجها ابن عمها محمد بن جعفر ابن ابي طالب ومات عنها فتزوجها بعده أخوه عون بن جعفر فماتت عنده . وعبد الله بن جعفر ذى الجناحين ابن ابي طالب سمى أحد بنيه باسم ( أبي بكر ) وسمى أبناً آخر له باسم ( معاوية ) ، ومعاوية هذا – أى بن أبي طالب كان من نسله عيسى بن عبدالله بن محمد بن عمر بنعلي أبن أبي طالب أشتهر بالمبارك العلوى وكان يكنب ( أبا بكر ) . والحسن السبط بن علي أبن ابي طالب سمى أحد بنيه ( أبا بكر ) وآخر باسم ( عمر ) وثالثاً باسم ( طلحة ) . وزين العابدين علي بن الحسين سمى أحد أولاده أمير المؤمنين ( عمر ) تيمناً وتبركاً . ولعمر هذا ذرية مباركة منهم العلماء والشعراء والشرفاء . والحسن السبط كان مصاهراً لطلحة بن عبيد الله . وإن أم إسحاق بنت طلحة هي ام فاطمة بنت الحسين بن علي . وسكينة بنت الحسين السبط كانت زوجاً لزيد بن عمر بن عثمان بن عفان الأموى . وأختها فاطمة بنت الحسين السبط بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموى . واختها فاطمة بنت الحسين السبط بن علي بن ابي طالب كات زوجة عبد الله الأكبر بن عمرو بن عثمان بن عفان . وكانت قبل ذلك زوجة الحسن المثني ، وله منها جدنا عبدالله المحض . وأم ابيها بنت عبد الله بن جعفر ذى الجناحين بن ابي طالب كانت زوجة لأمير المؤمنين عبد الملك ابن مروان ثم تزوجها علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب . وأم كلثوم بنت جعفر ذى اجناحين كانت زوجة الحجاج بن يوسف وتزوجها بعد ذلك أبان بن عثمان بن عفان . والسيدة نفيسة المدفونة في مصر ( وهي بنت حسن الأنوار زيد بن الحسن السبط ) كانت زوجة لأمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك وولدت له . وعلي الأكبر ابن الحسين السبط ابن علي بن ابي طالب أمه ليلى بنت مرة بن مسعود الثقفى وامها ميمونة بنت ابي سفيان ابن حرب الأموى . والحسن المثني ابن الحسن السبط أمه خولة بنت منظور الفزارية وكانت زوجة لمحمد بن طلحة بن عبيد الله ، فلما قتل عنها يوم الجمل ولها منه اولاد تزوجها الحسن السبط فولدت له الحسن المثني . وميمونة بنت ابي سفيان بن حرب جدة علي الأكبر ابن الحسين بن علي لأمه . ولما توفيت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج علي بعدها أماة بنت ابي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن اميه .
فهل يعقل أن هؤلاء الأقارب المتلاحمين المتراحمين الذين يتخيرون مثل هذه الأمهات لأنسالهم ، ومثل هذه الأسماء لفلذات اكبادهم ، كانوا على غير ما أراده الله لهم من الأخوة في الإسلام ، والمحبة في الله ، والتعاون على البر والتقوى ؟ ! .
لقد تواتر عن أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه أنه كان يقول على منبر الكوفة (( خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر )) روى هذا عنه من اكثر من ثمانين وجهاً ، ورواه البخاري وغيره ، ولا يوجد تاريخ في الدنيا ، لا تاريخ الإسكندر المقدوني ، لا تاريخ نابليون ، صحت أخباره كصحة هذا القول – من الوجهة العلمية التاريخية 0 عن علي ابن أبي طالب . وكان كرم الله وجهه يقول : (( لا أوتى باحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفترى )) أي أن هذه الفرية توجب على صاحبها الحد الشرعي ، ولهذا كان الشيعة المتقدمون متفقين على تفضيل ابي بكر وعمر . نقل عبد الجبار الهمداني في كتاب ( تثبيت النبوة ) أن أبا القاسم نصر بن الصباح البلخي قال في ( كتاب النقض على ابن الراوندي ) : سأل سائل شريك بن عبد الله فقال له : أيهما أفضل : أبو بكر او علي ؟ فقال له : أبو بكر . فقال السائل : تقول هذا وأنت شيعي ؟ فقال له : نعم : من لم يقل هذا فليس شيعياً . والله لقد رقى هذه الأعواد علي فقال : (( الا إن خير هذه الأمة بعد نبيها ابو بكر ثم عمر )) فكيف نرد قوله ؟ وكيف نكذبه ؟ والله ما كان كذاباً وفي ترجمة يحيى بن يعمر العدواني من ( وفيات الأعيان ) للقاضى ابن خلكان أن يحيى ابن يعمر كان عداده في بني ليث لأنه حليف لهم ، وكان شيعياً من الشيعة الأولى القائلين بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص لذى فضل من غيرهم . ثم ذكر قصة له في الحجاج وإقامته الحجة على أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله بآية ] ووهبنا له – أى لإبراهيم – إسحاق ويعقوب [ إلى قوله : ] وزكريا ويحيى وعيسى [ . قال يحيى بن يعمر : وما بين عيسى وإبراهيم أكثر مما بين الحسن والحسين ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فأقره الحجاج على ذلك وكبر في نظره وولاه القضاء على خراسان مع علمه بتشيعه . وأنت تعلم ان الحجاج هو ما هم ، ومع ذلك فقد كان – مع فاضل متجاهر بشيعيته المعتدلة محتج للحق بالحق – أكثر إنصافاً من هؤلاء الكذبة الفجرة الذين جاءوا في زمن السوء فصاروا كلما تعرضوا لأهل السابقة والخير في الإسلام ، ومن فتحت اقطار الأرض على أيديهم ، ودخلت الأمم في الإسلام بسعيهم ودعوتهم وبركتهم وكلهم من أهل خير القرون بشهادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم ، وما منهم إلا من يتصل ببني هاشم وال البيت بالخؤولة أو الرحم أو المصاهرة ، وبالرغم من كل ذلك يتعرضون لسيرتهم بالمساءة كذباً وعدواناً ، ويرضون لأنفسهم بأن يكونوا أقل إنصافاً وإذعاناً للحق حتى من الحجاج بن يوسف . وإنى أخشى عليهم لو انهم كانوا في مثل مركز الحجاج بن يوسف لكانت فيهم كل مآخذ الصالحين عليه ، مع التجرد من كل مزاياه وفضائله وفتوحه التى بلغت تحت رايات كبار قواده وضغائر إلى أقصى أقطار السند ، وغشيت جبال الهند وما صاقبها .
وإن خطبة الأمير علي بن ابي طالب في نعت صديقه وإمامه خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابي بكر يوم وفاته من بليغ ما كان يستظهره الناس في الأجيال الماضية . وفي خلافة عمر دخل على في بيعته ايضاً وكان من أعظم أعوانه على الحق ، وكان يذكره بالخير ويثني عليه في كل مناسبة ، وقد علمت انه بعد أخيه وصهره عمر سمى ولدين من اولاده باسميهما ثم سمي ثالثاً باسم عثمان لعظيم مكانته عنده ، ولأنه كان إمامة ما عاش ، ولولا ان عثمان – بعد أن قام الحجة على الذين ثاروا عليه بتحريض أعداء الله رجال عبد الله بن سبأ اليهودي – منع الصحابة من الدفاع عنه حقناً لدماء المسلمين ، وتضييقاً لدائرة الفتنة ، ولما يعلمه من بشارة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له بالشهادة والجنة ، لولا كان ذلك لكان علي في مقدمة من في المدينة من المهاجرين والأنصار الذين كانوا عل استعداد للدفاع عنه ولو ماتوا في سبيل ذلك جميعاً . ومع ذلك فإن علياً جعل ولديه الحسن والحسين على باب عثمان ، وامرهما بأن يكونا كوع إشارته في كل ما يامرهما به ولو أدى إلى سفك دمهما ، وأوعز إليهما يخبرا اباهما بكل ما يحب عثمان أن يقوم له به . وكذب على الله وعلى التاريخ كل ما أخترعه الكاذبون مما يخالف ذلك ويناقض وقوف الحسن والحسين في بابه وأستعدادهما لطاعته في كل ما يامر . وقد كان من عادة سلفنا أن يدونوا أخبار تلك الأزمان منسوبة إلى رواتها ، ومن أراد معرفة قيمة كل خبر على طريقة ( انى لك هذا ؟ ) فرجع إلى ترجمة كل راو فيكل سند لتمحصت له الأخبار ، وعلم أن الأخبار الصحيحة التى يرويها أهل الصدق والعدالة هي التى تثبت أن أصحاب رسول الله كانوا كلهم من خبرة من عرفت الإنسانية من صفوة أهلها ، وأن الأخبار التى تشوه سيرة الصحابة وتوهم انهم كانوا صغار النفوس هي التى رواها الكذبة من المجوس الذين تسموا بأسماء المسلمين .
ولعلك تسألنى : إذن ما هو اصل التشيع ، وهل لم يكن لعلى شيعة في الصدر الأول ؟ وما هي قصة وقعة الجمل ، وما الباعث على وقوعها ؟ وما هي حقيقة التحكيم ؟ .
إن الجواب على هذه الأسئلة بالأسانيد الى ترتاح إليها قلوب المنصفين مهما أختلفت مشاربهم ومذاهبهم ، يحتاج إلى كتابه تاريخ المسلمين من جديد ، وإلى أخذه – عند كتابته – من ينابيعه الصافية ، ولا سيما في المواطن التى شوهها اهل الذمم الخربة من ملفقى الأخبار . وأعيد هنا ما قلته غير مرة ، وهو ان الأمة الإسلامية أغنى أمم الأرض بالمادة السليمة التى تستطيع أن تبني كيان تاريخها ، إلا أنها لا تزال أقل أمم الأرض عناية ببناء تاريخها من تلك المواد السليمة ، والناس الآن بين قارئ لكتب قديمة أراد مؤلفوها أن يتداركوا الأخبار قبل ضياعها فيها كل ما وصلت إليه أيديهم من عث وسمين ، ومنبهين على مصادر هذه الأخبار وأسماء رواتها ليكون القارئ على بينة من صحيحها وسقيها ، ولكن لبعد الزمن وجهل أكثر القراء بمراتب هؤلاء الرواة ودرجاتهم في الصدق والكذب ، وفي الوفاء للحق أو الميل مع الهوى ، تراهم لا يستفيدون من هذه المصادر ولا من الكتب التى أعتمدت عليها بلا تمحيص وتحقيق ( 1 ) . وهنالك كتب قديمة أيضاً ولكنها دون هذه الكتب ، لأن أصحابها من اهل الهوى ، وممن لهم صبغات حزينة يصبغون أخبارهم بألوانها ، فهي أعظم ضرراً ، ولعلها أوسع من تلك أنتشاراً . أما الكتب الحديثة كمؤلفات جرجى زيدان ، والبحوث التى يستقيها حملة الأقلام من مؤلفات المستشرقين على غير بصيرة بدسائسهم ، فإنها ثالثة الأثافى والعظائم ، ولذلك باتت هذه الأمة محرومة أغزر ينابيع قوتها وه الإيمان بعظمة ماضيها ، في حين أنها سليلة سلف لم ير التاريخ سيرة أطهر ولا أبهر ولا أزهر من سيرته .
إلا ان من نعم الله علينا عناية علماء الحديث بتحقيق أحوال رواة الأخبار ومبلغ أمانتهم في حملها وقد صنفوا في ذلك كتباً ومعاجم عظيمة النفع لمن يراجعها عند التأليف ، ولهم تحقيقات جليلة في جميع المسائل التى يترتب عليها اتجاه الحق في الحكم على الأحداث الكبرى في تاريخ الإسلام .
ومع أن كثيراً من أمهات الكتب النفيسة فقدت في كارثة هولاكو ( 2 ) ، ثم في الحروب الصليبية وأكتساح الأندلس ، وما تلا ذلك كله من أنحطاط المستوى العلمى في القرون الأخيرة ، إلا أن كثيراً من تحقيقات المحققين لا تزال منبثة في مطاوى الكتب الإسلامية . والأمل عظيم في قيام نهضة جديدة لبعث ماضى هذه الأمة المجيد على ضوء ما تركه علماؤها من نصوص وتوجيهات .
--------------------------
( 1 ) ومن اهم هذه المصادر تاريخ ابن جرير الطبري ، وقد كتبت في وصفه وتحليله مقاله في المجلد 24 من ( مجلة الأزهر ) ص 210 – 215 فارجع إليها لتستفيد من هذه المصادر ولتعرف ما تأخذ منها وما تدع .
( 2 ) الذى كان ابن أبي الحديد من أعوان الخائن ابن العلقمي على تمهيد السبيل بين يديه لتقويض دولة الإسلام . 
وأعود بعد هذه الأسئلة التى تقدمت آنفاً عن أصل الفتن والتشيع ، فقد زعم الزاعمون لعلي – كرم الله وجهه – ما لم يكن له علم به : زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عينه للخلافة بعده يوم استخلفه على المدينة وهو متجه إلى الشام في غزوة تبوك ، وقال له يومئذ (( أنت منى بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي )) . ورجال الحديث مختلفون في درجة هذا الخبر من الصحة ، فبعضهم يراه صحيحاً ، وبعضهم يراه ضعيفاً ، وذهب الإمام أبو الفرج بن الجوزي إلى أمنه موضوع مكذوب ، ونحن إذا رجعنا إلى الظروف التى قالوا إنها لابست هذا الحديث نرى ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم - لما أراد الله له أن يتوجه نحو تبوك – أمر علياً بأن يتخلف في المدينة ، وكان رجالها والقادرون عل الحرب من الصحابة قد خرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فوجد علي في نفسه وقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : (( أتجعلني مع النساء والأطفال والضعفة ! )) فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم تطيباً لنفسه : (( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ )) أى في أستخلاف موسى أخاه هارون لما ذهب إلى الجبل ليعود بالألواح فهذا استخلاف لم يكن له في نظر سيدنا علي كرم الله تعالى وجهه هذا المعنى الوهمي الذى اخترعه المتحزبون فيما بعد ، بل هو على عكس ذلك كان يراه حرماناً له من مكانة أعلى وهي مشاركة إخوانه الصحابة في ثوب الجهاد لتكوين الكيان الإسلامي المنشود . زد على ذلك أن هذا النوع من الاستخلاف لم ينفرد به علي كرم الله وجهه ، بل تكرر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إستخلاف ابن أم مكتوم على المدينة نفسها ، وكان ابن أم مكتوم يتولى الإمامة بالناس في المدينة مدة خلافته عليها ، وقد ناظر كبار الشيعة في هذا الحديث علامة العراق السيد عبد الله السويدي عندما جمعه بهم نادر شاه في النجف سنة 1156ه فأفحمهم السويدي وخذل باطلهم كما ترى ذلك فيما دونه رحمه الله بقلمه عن هذه الواقعة وأثبتناه في رسالة طبعناها بعنوان ( مؤتمر النجف ) .
فالإمام علي كرم الله تعالى وجهه كان يعلم أن الخلافة الحقة هي التى أنضوى فيها إلى جماع إخوانه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم قدر الله لها بحكمته ما شاء ، وقضى فيها بعدله ما اراد وما كان لمسلم من عامة المسلمين – فضلاً عن مثل علي في تعظيم مكانته في الأولين والآخرين – ان يسخط قدر الله ، أو يتمرد على قضائه ، أو يرضى غير الذى أرتضاه إخوانه من الصحابة ، أو يداجي معهم على ما فيه صلاح المسلمين . ومن الآفتئات عليه والإنتقاص من قدره والتشويه لجمال الإسلام وتاريخه الشك في إخلاص علي أو في أغتباطه بما بايع عليه خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر الصديق وصاحبيه بعده عمر وعثمان رضوان الله عليهم اجمعين .
           ومن المزايا التى تنفرد بها على وطبقته ممن ولي الخلافة أو دخل في بيعتها في الصدر الأول أنهم كانوا يرون ولاية هذا الآمر ( واجباً ) يقوم به الواحد إذا وجب عليه كما يقوم بسائر واجباته ، ولا يرونها ( حقاً ) لأحدهم يعادي عليه المسلمين ، ويعرض دماءهم للخطر والشر ، ليستاثر بها على غيره .
وجميع الوقائع – إذا جردت من زيادات أهل الأهواء – تدل على هذه المكانة السامية لعلي وإخوانه ، فلما شوهت الوقائع وأخبارها بما دسه فيها المتزايدون من أكاذيب لا مصلحة فيها لعلي وآله وبنيه صورة قبيحة لا تنطبق على الحقيقة والواقع وظن المخدوعون بها ان تلك الطبقة – الممتازة على جميع أمم الأرض بعفتها وطهارة نفوسها وترفعها عن الصغائر – إنما كانت على عكس ذلك : تنازع كالأطفال والرعاع على توافه الدنيا وسفاف العاجلة . فالخلافة كانت في نظر الراشدين ( عبثاً ) يتولى الواحد منهم حملة بتكليف من المسلمين أداء الواجب ، ولم تكن عند أحد منهم ( متاعاً ) ولا ( مأكله ) حتى ينازع غيره عليها . ولما تآمرت المجوسية واليهودية على سفك دم أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب ، أبقى الله من حياته بقية يدبر فيها للمسلمين أمرهم بعده ، جعل الآمر شورى ، وأقترح عليه بعض لصحابة أن يريح المسلمين من ذلك فيعهد إلى أبنه عبد الله بن عمر – ولم يكن عبد الله بن عمر دون ابيه في علم او حزم أو بعد نظر أو إخلاص لله ورسوله والمؤمنين – رفض عمر ذلك وقال : (( بحسب آل الخطاب أن يليها واحد منهم ، فإن كان خيراً قد أصبنا منه وإن كان زرءاً فقد قمنا بنصيبنا فيه )) . وعبد الله بن عمر نفسه عرضت عليه الإمامة فيمن عرضت عليهم عند مقتل عثمان في ذي الحجة سنة 35 فهرب منها كما كان يهرب منها طلحة والزبير وعلي ، ولم يتولها علي إلا قياماً بواجب ، ولم يستمدها من خرافات المنحرفين وسخافاتهم ، بل من إرادة الأمة في ذينك اليومين ( الخميس 24 ذي الحجة ، والجمعة 25 منه ) كما أعلن ذلك على رءوس الأشهاد وهو واقف على أعواد منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فعلي إلى تلك الساعة لم تكن له شيعة خاصة به يعرفها وتتصل به ، ولم يخطر قط على باله أن يجعل أحداً من الناس شيعة له ، لأنه هو نفسه وسائر إخوانه من الصحابة كانوا شيعة الإسلام الملتفة حول خلفاء نبيها صلى الله عليه وآله وسلم أبي بكر ثم عمر ثم عثمان . ولو حدثته نفسه باتخاذ شيعة خاصة به عند جمهور الأمة الذى يتشيع للبيعة العامة لكان ذلك نقصاً منه لما عقد عليه صفقة يمينه لإمامه ، وما طوق به من بيعة الإسلام لأصحابها ، ولا شك أنه أستمر على ذلك إلى عشية الخميس 24 من ذي الحجة سنة 35 للهجرة ، كان أهلاً لأن يستمر علي ذلك بأمانة وإخلاص . ولو لم يكن علي كذلك لما كان في هذه المنزلة السامية عند الله والناس . ومن الثابت عنه في عشية ذلك اليوم أنه كان يدافع الخلافة عن نفسه ، ويحاول ان يقنع أخاه طلحة بن عبيد الله – احد العشرة المبشرين بالجنة – بأن يتولى هو هذا الامر عن المسلمين ، بينما طلحة أيضاً كان يدافعها عن نفسه ويحاول إقناع علي بان يكون هو حامل هذا العبء ، القائم عن المسلمين بهذا الواجب . وأنظر الحوار بينهما في ذلك كما رواه عالم من كبار علماء التابعين وهو الإمام محمد بن سيرين على ما اورده ابو جعفر الطبري في تاريخه ( 6 : 156 طبعة مصر و 1 : 3075 طبعة هولندا ) فيقول علي لطلحة (( أبسط يدك يا طلحة لأبايعك )) فيقول له طلحة (( أنت أحق ، فانت امير المؤمنين ، فابسط يدك )) . وكاد الثائرون من جماعة الفسطاط والكوفة والبصرة يثبتون بعلي وطلحة والزبير فيقتلونهم لهربهم من ولاية الأمر وتعففهم جميعاً عن قبول الخلافة ، فأنتهى الأمر بقبول على ، وأرتقى منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم التالي ( الجمعة 25 من ذي الحجة سنة 35 ) فخطب خطبة حفظ لنا الطبري نصها ( 6 : 157 و 1 : 3077 ) فقال : (( أيها الناس عن ملأ واذن إن هذا أمركم ، وليس لأحد فيه حق إلا من امرتم . وقد أفترقنا بالأمس على أمر ( أى على البيعة له ) فإن شئتم قعدت لكم ، وإلا فلا أجد على أحد )) وبذلك أعلن لا يستمد الخلافة من شئ سبق ، بل يستمدها من البيعة إذا أرتضتها الأمة .
ومن مزايا الطبقة الاولى التى صحبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتأدبت بادبه وتشبعت بسنته أنها كانت ترى ( الإعتدال ) ميزان الدين ، ( والرفق ) جمال الإسلام ، لأن نبيها صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول لها : (( إن الرفق ما كان في شئ إلا زانه ، ولا نزع من شئ إلا شانه )) وكان يقول لها : (( من يحرم الرفق يحرم الخير كله )) ويقول : (( إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق )) ويقول : (( إياكم والغلو في الدين ، فغنما هلك من كان قبلكم بالغلو فيه )) . فلما نشأت الطبقة الثانية في حياة الطبقة الأولى أدب الأباء بينهم بهذا الأدب . ولكن أكثر ما كانت هذه الطريقة ناجحة في الحجاز ونجد والشام . وكان في ناشئة الكوفة والبصرة والفسطاط من أخذ بهذه الطريقة ، كما أن فيهم من شب على العفو في الدين . ومن اكبر المصائب في الإسلام في ذلك الحين تسلط إبليس من أبالسة اليهود على الطبقة الثانية من المسلمين فتظاهر لها بالإسلام وأدعى الغيرة على الدين والمحبة لأهله ، وبدأ برمي شبكته في الحجاز والشام فلم تعلق بشئ بسبب تشيعهم بفطرة الإسلام في أعتداله ورفقه ، وحذرهم من طرفي الإفراط والتفريط . فذهب الملعون يتنقل بين الكوفة والبصرة والفسطاط ويقول لحديثى السن وقليلى التجربة من شبابها : عجباً لمن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمداً يرجع . وقد قال عز وجل ] إن الذى فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد [ فمحمد أحق بالرجوع من عيسى . وكان يقول لهؤلاء الشبان (( كان فيما مضى ألف نبي ، ولكل نبي وصي ، وإن علياً وصي محمد )) ويقول لهم : (( محمد خاتم الأنيباء ، وعلى خاتم الأوصياء
( 1 ) )) ثم يقول لهم محرضاً على عثمان ، وكان ذلك في أواخر خلافة عثمان سنة 30 : (( ومن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ، وممن يثب على علي وصي رسول الله وينزع منه أمر الأمة )) ويقول لهم (( إن عثمان أخذ الخلافة بغير حق ، وهنالك علي وصي رسول الله فأنهضوا فحركوه وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس )) …..

إن هذا الشيطان هو عبد الله بن سبأ من يهود صنعاء ، وكان يسمى ابن السوداء وكان يبث دعوته بخبث وتدرج ودهاء . وأستجاب له ناس من مختلف الطبقات ، فأتخذ بعضهم دعاة فهموا أغراضه وعولوا على تحقيقها . وأستنكر أتباعه بآخرين من البلهاء الصالحين المتشددين في الدين المتنطعين في العبادة ممن يظنون الغلو فضيلة والاعتدال تقصيراً . فلما أنتهى ابن سبأ من تربية نفر من الدعاة الذين يحسنون الخداع ويتقنون تزوير الرسائل وأختراع الأكاذيب ومخاطبة الناس من ناحية أهوائهم ، بث هؤلاء الدعاة في الأمصار – ولا سيما الفسطاط والكوفة والبصرة – وعنى بالتأثير على أبناء الزعماء من قادة القبائل واعيان المدن الذين أشترك آباؤهم في الجهاد والفتح ، فاستجاب له من بلهاء الصالحين وأهل الغلو من المتنطعين جماعات كان على رأسهم في الفسطاط الغافقى بن حرب العكي وعبد الرحمن بن عديس البلوى التجيبى الشاعر وكنانة بن بشر بن عتاب التجيبى وسودان ابن حمران السكوني وعبد الله بن زيد بن ورقاء الخزاعي وعمرو بن الحمق الخزاعي وعروة ابن النباع الليثى وقتيرة السكوني . وكان على رأس من أستغواهم أبن سبأ في الكوفة عمرو أبن الأصم وزيد بن صوحان العبدي والأشتر مالك بن الحارث النخعي وزياد بن النضر الحارثي وعبد الله بن الأصم . ومن البصرة حرقوص بن زهير السعدي وحكيم بن جبلة العبدي وذريح بن عباد العبدي وبشر بن شريح الحطم بن ضبيعة القيسى وأبن المحرش ابن عبد عمرو الحنفى . أما المدينة فلم يندفع في هذا الآمر من أهلها إلا ثلاثة نفر وهم : محمد بن ابي بكر ومحمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وعمار بن ياسر . ومن دهاء أبن سبأ ومكره أنه كان يبث في جماعة الفسطاط الدعوة لعلي ( وعلي لا يعلم ذلك ) ، وفي جماعة الكوفة الدعوة لطلحة ، وفي جماعة البصرة الدعوة للزبير . وليس هنا موضع تحليل نفسيات المخدوعين بدعوة هذا الشيطان ، ولا نريد أن ننقل ذم علي وطلحة والزبير لهم وما قالوه فيهم يوم نزل الثائرون في ذى خشب والأعوص وذي المروة ، وكيف زور أبن سبأ
---------------------------

( 1 ) ورواية هذه الحقائق عن الملعون أبن سبأ اتفق عليها أهل السنة والشيعة ، وقد نقلنا مثل هذا في هامش ص 299 عن تنقيح المقال للمامقاني كما نقلها المامقاني عن الكشي من كبار أئمتهم . وقد أعترفوا بذلك أن وصف علي بانه (( وصي )) من اختراع ابن سبا ولا علم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الوصف لعلى لأنه أختراع في خلافة عثمان .
وشياطينه رسالة على لسان علي بدعوة جماعة الفسطاط إلى الثورة في المدينة ، فلما واجهوا علياً بذلك قالوا له : أنت الذى كتبت إلينا تدعونا ، فأنكر عليهم أنه كتب لهم ، وكان ينبغي أن يكون ذلك سبباً ليقظتهم علي أيضاً إلى أن بين المسلمين شيطاناً يزور عليهم الفساد لخطة مرسومة تنطوي على الشر الدائم والشر المستطير ، وكان ذلك كافياً لإيقاظهم إلى أن هذه اليد الشريرة هي التى زورت الكتاب على عثمان إلى عامله بمصر بدليل أن حامله ان يتراءى لهم متعمداً ثم يتظاهر بأنه يتكتم عنهم ليثير فيه ، فراح المسلمون إلى يومنا هذا ضحية سلامة قلوبهم في ذلك الحين . إن دراسة هذا الموضوع الآن على ضوء القرائن القليلة التى بقيت لنا بعد مضي ثلاثة عشر قرناً تحتاج إلى من يتفرغ لها من شباب المسلمين ، وسيجدون مستندات الحق في تاريخهم كافية لوضع كل شئ في موضعه إن شاء الله .
فتأول فتنة وقعت في الإسلام هي فتنة المسلمين بمقتل خليفتهم وصهر نبيهم الإمام العادل الكريم الشهيد ذى النورين عثمان بن عفان رضوان الله عليه . وقد علمت أن الذين قاموا بها وجنوا جنايتها فريقان : خادعون ومخدوعون . وقد وقعت هذه الكارثة في شهر الحج ، وكانت عائشة أم المؤمنين قد خرجت إلى مكة مع حجاج بيت الله ذلك العام ، فلما علمت بما حدث في مدينة الرسول أحزنها بغي البغاة على خليفة نبيهم . وعلمت أن عثمان كان حريصاً على تضييق دائرة الفتنة ، فمنع الصحابة من الدفاع عنه ، بعد أن أقام الحجة على الثائرين في كل ما دعوه عليه وعلى عماله ، وكان الحق معه في كل ذلك وهم على الباطل ، وكان هو المثل الإنساني الأعلى في العدل وكرم النفس والنزول على قواعد الإسلام وأتباع سننه وكان في مدة خلافته أكرم وأصلح وأكثر إنصافاً وقياماً بالحق وأتباعاً للخير مما كان هو عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وأجتمعت عائشة بكبار الصحابة ، وتداولت الرأى معهم فيما ينبغي عمله – وقد عرف القراء ما كانوا عليه من نزاهة ، وفرار من الولاية ، وترفع عن شهوات النفس – فرأوا أن يسيروا مع عائشة إلى العراق ليتفقوا مع امير المؤمنين علي على الاقتصاص من السبإيين الذين أشتركوا في دم عثمان وأوجب الإسلام عليهم الحد فيه ، ولم يكن يخطر على بال عائشة وكل الذين كانوا معها – وفي مقدمتهم طلحة والزبير المشهود لهما من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة – انهم سائرون ليحاربوا علياً ، ولم يكن يخطر ببال علي ان هؤلاء أعداء له وأنهم حرب عليه . وكل ما في الآمر أن أولئك المتنطعين الغلاة لاذين انخدعوا بدعوة عبد الله بن سبا وأشتركوا في قتل عثمان أنغمروا في جماعة على ، وكان فيهم الذين تلقنوا الدعوة له وتتلمذوا على ذلك الشيطان اليهودي في دسيسة أوصياء الأنبياء ودعوى خاتم الأوصياء ، فجاءت عائشة ومن معها للمطالبة بإقامة الحد على الذين أشتركوا في جناية قتل عثمان ، وما كان علي – وهو ما هو في دينه وخلقه – ليتأخر عن ذلك ، إلا أنه كان ينتظر أن يتحاكم إليه أولياء عثمان . وقبل أن يتفق الفريقان على ذلك شعر قتلة عثمان بان الدائرة ستدور عليهم ، وهم على يقين بأن علياً لن يحميهم من الحق عند ظهوره ، فأنشب هؤلاء حرب الجمل ، فكانت الفتنة الثانية بعد الفتنة الأولى . قال الحافظ لن حجر في فتح الباري ( 13 : 41 – 42 و 44 ) معتمداً على كتاب ( أخبار البصرة ) لعمر بن شبة ، وعلى غيره من الوثائق القديمة الىت جاء فيها عن أبن بطال قول الملهب : (( ….. إن أحداً لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا علياً في الخلافة ، ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة وإنما أنكرت هي ومن معها على علي منعه من قتل قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم . وكان علي ينتظر من أولياء عثمان أن يتحاكموا إليه ، فإذا ثبت على أحد بعينه أنه ممن قتل عثمان أقتص منه . فأختلفوا بحسب ذلك وخشى من نسب إليهم القتل أن يصطلحوا على قتلهم ، فأنشبوا الحرب بينهم ( أى بين فريقى عائشة وعلي ) إلى أن كان ما كان )).
ونجح قتلة عثمان في إثارة الفتنة بوقعة الجمل ، فترتب عليها نجاتهم وسفك دماء المسلمين من الفريقين ، وإنك لتجد الأسماء التى سجلها التاريخ في فتنة عثمان بقى يتردد كثير منها في وقعة الجمل ، فيما بين الجمل وصفين ، ثم في وقعة صفين وحادثة التحكيم ، وفي هذه الحادثة الأخيرة أتسعت دائرة الغلو في الدين ، فكثر المصابون بوبائه ، وتفتننوا في مذهبه ، إلى أن أنتهى أمرهم بانشقاق ( الخوارج ) عن على ، وتميز فريق من المتخلفين مع علي باسم ( الشيعة ) ، ولم يقع نظري على اسم للشيعة في حياة علي كلها إلا في هذا الوقت سنة 37ه . ومن الظواهر التى تسترعي الأنظار في تاريخ هذه الفترة أن الغلاة من الفريقين – فريق الشيعة وفريق الخوارج – كانوا سواء في الحرمة للشيخين أبي بكر وعمر t ، تبعاً لما كان عليه أمير المؤمنين علي نفسه ، وما كان يعلنه على منبر الكوفة من الثناء عليهما والتنويه بفضلهما . أما الخوارج فإنهم والإباضية ظلموا على ذلك لم يعتبروا أبداً ، فأبوا بكر وعمر كانا عندهم أفضل الأمة بعد نبيها ، أسترسالا منهم فيما كانوا عليه مع علي قبل أن يفارقوه . واما الشيعة فإنهم عند ما جددوا بيعتهم لعلي بعد خروج الخوارج إلى حروراء والنهروان قالوا له أولاً : (( نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت )) . فشرط لهم كرم الله تعالى وجهه سنة رسول اله صلى الله عليه وآله وسلم : أى أن بوالوا من والى على سنة رسول الله ويعادوا من عادى على سنته صلى الله عليه وآله وسلم . فجاءه ربيعة بن ابي شداد الخثعمي – وكان صاحب راية خثعم في جيش علي أيام الجمل وصفين – فقال له علي : (( بايع على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم )) فقال ربيعة : (( وعلى سنة أبي بكر وعمر )) فقال علي : (( ولو أن أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكونا على شئ من الحق )) أى أن سنة ابي بكر وعمر إنما كانت محمودة ومرغوباً فيها لأنها قائمة على العمل بكتاب الله وسنة رسوله ، فبيعتكم الآن على كتاب الله وسنة رسوله تدخل فيها سنة أبي بكر وعمر .
هكذا كان أمير المؤمنين علي من أخويه وحبيبه خليفتى رسول الله ابي بكر وعمر في حياته كلها ، وهكذا كانت شيعته الأولى : من خرج منهم عليه ، ومن جدد البيعة له بعد التحكيم .
وحكاية التحكيم هذه كانت مادة دسمة للمغرضين من مجوس هذه الأمة أتاحت لهم دس السموم في تاريخنا على أختلاف العصور ، وأول من شمر عن ساعديه للعبث بها وتشويه وقائعها أبو مخنف لوط بن يحيى ، ثم خلف خلف بعد أبي مخنف بلغوا من الكذب ما جعل أبا مخنف في منزلة الملائكة بالنسبة إلى هؤلاء الأبالسة ، وأبو مخنف معروف عند ممحصى الأخبار وصيارفة ارجال بانه اخبارى تالف لا يوثق به . نقل الحافظ الذهبي في ( ميزان الاعتدال ) عن حافظ إيران ورأس المحققين من رجالها ابي حاتم الرازي رحمه الله ان تركه وحذر الأمة من أخباره ، وأن الدار قطني أعلن ضعفه ، وأن أبن معين حكم عليه بأنه ليس بثقة ، وان ابن عدي وصفه بأنه (( شيعي محترق )).
ومن براعة هؤلاء المغرضين في تحريف الوقائع ودس أغراضهم فيها ، وتوجيهها بحسب أهؤائهم ، لا كما وقعت بالفعل ، أنهم كانوا يعمدون إلى حادثة وقعت بالفعل فيرددون منها ما كان يعرفه الناس ، ثم يلصقون بها لصيقاً من الكذب والإفك يوهمون أنه من أصل الخبر ومن جملة عناصره ، فيأتى الذين بعدهم فيجدون الخبر القديم مختصراً فيحكمون عليه أنه ناقص ، ويقولون (( من حفظ حجة على من لم يحفظ )) ويتناولون الخبر ما لصق به من لصيق مفترى ، حتى تكون الرواية الجديدة وما في بطنها من جنين الإثم هي المتداولة بين الناس . وقد يعمد هؤلاء المغرضون إلى موهبة من مواهب النبوغ عرف بها احد أبطال التاريخ الإسلامي وعظماء الدعاة الفاتحين ، لم يعرف عنه أستعمالها إلا في سبيل الحق والخير ، فيطلعون على الناس باكاذيب يرتبونها على تلك الوهبة ، ويوهمون أن رجل الحق والخير الذى حلاه الله بتلك الموهبة ولم يستعملها إلا في نشر دين الله وتوسيع نطاق الوطن الإسلامي ، وقد أنقلب بزعمهم مع الزمن ، وسخر نبوغه للباطل والشر ، فإذا أخذ المحققون في تمحيص ذلك وتحرى مصادر هذه التهم التى لا تلتئم مع ما تقدمها من سيرة ذلك البطل المجاهد ، وجدوها من بضاعة الكذابين ومفترياتهم ، ولكن قلما يجدى ذلك بعد أن يكون (( قد قيل ما قيل إن صدقا وإن كذبا )) .
هذا أبو عبد الله عمرو بن العاص بن وائل السهمي بطل أجنادين ، وفاتح مصر ، وأول حاكم ألغى نظام الطبقات فيها ، وكان السبب الأول في عروبتها وإسلام أهلها وشريك مسلميها في حسناتهم من زمنه إلى الآن لأنه الساعي في دخولهم في الإسلام – هذا الرجل العظيم عرفه التاريخ بالدهاء ونضوج العقل وسرعة البادرة ، وكان نضوج عقله سبب أنصرافه عن الشرك ترجيحاً لجانب الحق وأختياراً لما دله عليه دهاؤه من سبيل الخير ، فجاء مزيفو الأخبار من مجوس هذه الأمة وضحاياهم من البلهاء فأستغلوا ما أشتهر به عمرو من الدهاء أستغلالاً تقر به عين عبد الله بن سبأ في طبقات الجحيم .
يقول قاضي قضاه إشبيلية بالأندلس الإمام أبو بكر محمدبن عبدالله بن العربي المعافري ( المولود في أشبيلية سنة 468 والمتوفى بالمغرب سنة 543 ) في كتتابه ( العواصم من القواصم ) ص 177 بعد أن ذكر ما شاع بين الناس في مسالة تحكيم عمرو وأبي موسى ، وما زعموه من أن أبا موسى كان ابله وأن عمراً كان محتالاً : (( هذا كله كذب صراح ، ما جرى منه حرف قط ، وغنما هو شئ أخبر عنه المبتدعة ، ووضعته التاريخية للملوك ، فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاص الله والبدع ، وإنما الذى روى الأئمة الثقات الأثبات أنهما – يعني عمراً وابا موسى – لما أجتمعوا للنظر في الأمر ، في عصبة كريمة من الناس منهم أبن عمر ، عزل عمرو معاوية . ذكر الدارقطني بسنده عن حضين بن المنذر أنه لما عزل عمرو معاوية جاء ( أى حضين ) فضرب فسطاطه قريباًمن فسطاط معاوية ، فبلغ نبأه معاوية فارسل إليه فقال : إنه بلغني عن هذا ( يعني عمرو بن العاص ) كذا وكذا ( يعني أتفاقه مع ابي موسى على عزل الأميرين المتنازعين حقناً لدماء المسلمين ورداً للأمر إليهم يختارون من يكون به صلاح أمرهم ) . فأذهب فأنظر ما هذا الذى بلغني عنه – فقال حضين - : فأتيته فقلت : أخبرني عن الأمر الذى وليت أنت وأبو موسى كيف صنعتما فيه ؟ قال : قد قال الناس في ذلك ما قالوا ، والله ما كان الأمر على ما قالوا ، ولقد قلت لأبي موسى : ما ترى في هذا الأمر ؟ قال : أرى أنه في النفر الذى توفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنهم راض . قلت : فأين تجعلني أنا ومعاوية ؟ فقال : إن يستعن بكما ففيكما معونة ، وإن يستعن عنكما فطالما أستغنى امر الله عنكما . قالت : فكانت هي التى قتل معاوية منها نفسه . فأتيته ( أى أن حضيناً أتى معاوية ) فأخبرته أن الذى بلغه عنه كما بلغه . أى أن الذى بلغ معاوية من أن عمراً وأبا موسى عزلاه هو كما بلغه ، وانهما رأيا أن يرجع في الاختيار من جديد إلى النفر الذى توفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنهم راض . ثم ذكر القاضى ابو بكر بن العربي بقية خبر الدارقطني عن إرسال معاوية رسولاً – وهو أبو الأعور الذاكواني – إلى عمرو ابن العاص يعاتبه ، وان عمراً أتى معاوية وجرى بينهما حوار وعتاب ، فقال عمرو لمعاوية : (( عن الضجور قد تحليت العلبة )) وهو مثل معناه أن الناقة الضجور التى لا تسكن للحالب قد ينال الحالب من لبنها ما يملا العلبة . فقال له معاوية (( ونربذ الحالب فتدق أنفه وتكفأ إناءه )) .
فرواية الدارقطني هذه – وهو من اعلام الحديث – عن رجال عدول معروفين بالتثبت ويقدرون مسئولية النقل ، هي التى تتناسب مع ماضى عمرو وأبي موسى وايامهما في الإسلام ومكانتهما من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وموضوعهما من ثقة الفريقين بهما وأختيارهما من بين السادة القادة المجربين . وأما الافتئات على ابي موسى والإبهام بانه كان أبله فهو أشبه بالرقعة الغربية في ردائه السابغ الجميل . يقول القاضى أبو بكر بن العربي ( ص 174 ) : (( وكان أبو موسى رجلاً تقياً ثقفاً فقيهاً عالماً أرسله النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن مع معاذ ، وقدمه عمر ابن الخطاب وأثني عليه بالفهم ( 1 ) . وزعمت الطائفة التاريخية أنه كان أبله ضعيف الرأى مخدوعاً في القول )) ثم رد هذه الأكاذيب وأحال في تفصيل الرد على كتاب له اسمه ( سراج الدين ) .
وبعدفإن صحائف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت كقلوبهم نقاء وسلامة وطهراً . وما نتمناه من تمحيص التاريخ أول ما يشترط له فيمن يتولاه أن يكون سليم الطوية لأهل احق والخير ، عارفاً بهم كما كان اول معاصراً لهم ، بارعاً في التمييز بين حملة الأخبار : من عاش منهم بالكذب والدس والهوى ، ومن كان منهم يدين لله بالصدق والأمانة والتحرز عن تشويه صحائف المجاهدين الفاتحين الذين لولاهم لكنا نحن وأهل أوطاننا جميعاً لا نزال كفرة ضالين ( 2 ) .
 ---------------------------
( 1 ) واختصه بكتابه الشهير في القضاء وآدابه وقواعده .
( 2 ) وقد أقترح كاتب هذه الخاتمة على مشيخة الأزهر إعادة النظر في دراسة التاريخ الإسلامي . ولعل الله بوفق إلى ذلك فتعود الأمة إلى مواطن الأسوة الصالحة من ماضيها النقى الطاهر ، والله المستعان
عدد مرات القراءة:
2278
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :