آخر تحديث للموقع :

الخميس 29 محرم 1442هـ الموافق:17 سبتمبر 2020م 11:09:31 بتوقيت مكة
   شارك برأيك ..   موقف الشيعة من المخالفين (مئات الوثائق) ..   من روايات الغلو في الأئمة ..   كتاب فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب للنوري الطبرسي وأقوال بعض العلماء فيه ..   أبو طالب عند الشيعة من الأنبياء ..   على من يطلق الشيعة مصطلح النواصب؟ ..   الإباحية الجنسية عند الشيعة - نعمة الله الجزائري (أنموذجاً) ..   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   الله عزوجل يزور الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   ماذا قالوا في موقع فيصل نور؟ ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع

الألهيات عند الشيعة ..
في الألهيات – وفيها مطالب
الأول أن النظر في معرفة الله تعالى واجب بالاتفاق ، ولكنه قد وقع الاختلاف في ان هذا الوجوب الوجوب هل هو عقلى أو شرعي ، فذهب الإمامية إلى الأول قائلين ما معناه : إنه فرض على كل مكلف بحكم العقل مع قطع النظر عن حكم الله تعالى ، وذلك بان يحكم العقل على كل مكلف أن يتفكر في صفات الله تعالى ويعرفه بتلك الصفات وجوباً . وذهب إلى الثاني أهل السنة قائلين : إن الوجوب شرعي ، بمعنى أن النظر في المقدمة غير واجب بدون حكم الله تعالى ، وليس للعقل حكم في امر من أمور الدين .
ومذهب الإمامية مخالف أيضاً للكتاب والعترة : أما مخالفته للكتاب فلأنه قال : سبحانه
 إن الحكم إلا لله  وقال  ألا له الحكم  وقال  لا معقب لحكمه  وقال تعالى  يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد  وقال تعالى  وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً  إذ لو كان أمراً واجباً بحكم العقل لوقع العذاب بترك ذلك الواجب قبل بعثة الرسل ، واللازم باطل فكذا الملزوم . وأما مخالفته للعترة فلأنه قد روى الكلينى في الكافى عن الإمام أبي عبدالله  أنه قال : ليس لله على خلقه أن يعرفوه ، ولا للخلق على الله تعالى أن يعرفهم . فلو كانت المعرفة واجبة بحكم العقل لكانت معرفته تعالى واجبة على الخلق قبل تعريفه جل شأنه وهو خلاف قول الصادق .
واعلم أن تحقيق هذه المسالة وبيان الاختلاف الواقع فيها يتوقف على تحقيق مسألة الحسن والقبح والاختلاف الواقع فيها ، فلابد حينئذ من بيان ذلك .
فكل من الحسن والقبح يطلقان على ثلاثة معان : أحدهما كمال الشيء كالعلم ونقصانه الجهل .
وثانيهما ملائمة الطبع كالعدل والعطاء ومنافرته كالظلم والمنع ويقال لهما بهذا المعنى مصلحة ومفسدة .
وثالثهما أستحقاق المدح والثواب والذم والعقاب عاجلاً وأجلاً . ولا نزاع لأحد في كونهما عقليين بالمعنيين الأولين ، وإنما النزاع في كونهما عقليين أو شرعيين بالمعنى الثالث فقط ، فقالت الأشاعرة : إن الحسن والقبح بهذا المعنى لا غير ، بمعنى أن الشرع مالم يرد بأن هذا الفعل حسن أى مستحق فاعله للمدح والثواب ، وذلك الفعل قبيح مستبدأ فاعله للذم والعقاب عاجلاً أو أجلاً ، لا يوصفان بالحسن والقبح ، إذ يحكم العقل مستبدأ على الأفعال بهما بهذا المعنى في خطاب الله ، لعدم كون الجهة المحسنة والمقبحة في افعال العباد عندهم مطلقاً ، لا لذاتها ولا لصفاتها ولا لاعتبارات فيها ، بل كل ما أمر به الشارع فهو حسن وكل ما نهى عنه فهو قبيح ، حتى لو أنعكس الحكم لا نعكس الحال كما في النسخ من الوجوب إلى الحرمة ، فليس للعقل حكم في حسن الفعال وقبحها ، وفي كون الفعل سبباً للثواب والعقاب ، بل إنما الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع فالأمر والنهي أمارة موجبة للحسن والقبح لا غير ، وتمسكوا على ذلك بوجوه .
الأول أن الأفعال كلها سواء ليس شئ منها في نفسه يقتضى مدح فاعله وثوابه ولا ذم فاعله وعقابه ، لأن أقتضاءها لما ذكر إما أن يكون لذواتها ، أو لصفاتها ، أو لأعتبارات فيها انفراد وأجثماعاً ، تعيناً أو إطلاقاً . فهذه ثمانية أحتمالات حاضرة كلها باطلة : أما بطلان الأول فلأن فعلاً واحداً قد يتصف بالحسن والقبح معاً باعتبارين كلطم اليتيم ظلماً أو تأديباً والقتل حداً أو سفكاً . فلو كان هذا الاتصاف لذات الفعل فقط – كما هو المفروض في هذا الاحتمال – فإن كانت الذات مقتضية لهما معاً لزم صدور الأثرين المتضادين من مؤثر واحد واجتماع النقيضين ، أو لأحدهما مطلقاً لزم تخلف المعلول عن العلة الموجبة في الآخر ، وبالاطلاق تخلفهما جميعاً ورجحان بلا مرجح في الأقتضاء ، واللوازم كلها باطلة . وأما بطلان الثاني فلأنه إن كانت تلك الصفات لازمة للذات لزم إجتماع النقيضين مطلقاً ، والصدور والتخلف إن كانت العلة الموجبة لهما صفة واحدة فهو ظاهر ، وإن كانت من العرض المفارق فلأن عروضها إما لذات الفعل أو لصفة أخرى لها ، ولا سبيل إلى الثاني لبطلان الشبه ، وكذا إلى الأول لبطلان قيام العرض بالعرض ، أو لمجموعهما فينقل الكلام إلى عروض تلك الصفة الآخرى ، فحينئذ يلزم هاهنا ما يلزم ثمة . وأما بطلان الثالث فلأن الاعتبارات أمر عدمى ولا يكفى في العلية وجود المنشأ ، والحسن والقبح بالمعنى فيه من الوجوديات ، ولا يكون علة الوجودى اللاوجودى ، مع أن تضاف إليه تلك الإعتبارات أفعال أيضاً فحسنها وقبحها إن كان بالمعنى المتنازع فيه لزم الدور والتسلسل ، أو بمعنى غيره فلا يلزم سراية الحسن والقبح بالمعنى المتنازع فيه باعتباره في المضاف للتباين . وأما بطلان الاحتمالات الباقية فظاهر ، إذ فساد أجزاء المجموع كلها يستلزم فساده وفساد المعينات طرأ فساد المطلق ولا محالة بالضرورة . فقد تبين من هذا البيان أن الأفعال في نفسها لا أقتضاء لها ما ذكر مطلقاً ( 1 ) وإنما صارت كذلك بواسطة أمر الشارع بها ونهيه عنها ، كما أن الأعيان كانت في العدم فأختصاصها وتشخصاتها في الوجود بانحاء الحقائق والعوارض لا لذواتها ولا لعوارضها ولا لاعتبارات فيها بل لجاعلها وإرادته الأزلية المرجحة فقط ، على أن تعلق الثواب والعقاب بالأفعال أمر مجهول غير معقول المعنى .
الثاني : أن الثواب والعقاب ليسا بواجبين على الله تعالى ، بل هما تفضل ورحمة وعدل
----------------------------
( 1 ) أى لا تقتضى مدح فاعلها أو ذمه مطلقاً .
وحكمة ، فلو كانت الافعال تقتضى الحسن والقبح لذاتها أو لجهة واتعبار فيها لكانا واجبين وقد بين بطلان اللازم .
الثالث : أن العبد غير مستبد في إيجاد فعله ، بل أفعاله مخلوقة لله تعالى كما بينت ، فلا يحكم العقل بالاستقلال على ترتب الثواب والعقاب عليها .
الرابع : أنه لو كان حسن الفعل وقبحه عقليين للزم تعذيب تارك الواجب ومرتكب الحرام سواء ورد به الشرع أم لا ، واللازم باطل لقوله تعالى  وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا  ولقوله تعالى  وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في امها رسولاً يتلو عليهم آياتنا  وكذا عدم الحجة للناس على الله تعالى ، وكذا لزم عدم بقاء العذر قبل بعث الأنبياء ، ولزم اللغو أيضاً في سؤال الرب والملائكة عبادة الكفار في الاخرة تبكيتا وإفحاماً عن مجئ الرسل . واللوازم كلها باطلة بقوله تعالى  رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل  ،
 ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى   ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين  ،  يا معشر الجن والإنس ألو يأتكم رسل منكم يقضون عليكم آياتى وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا  الآية  كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم ياتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير  الآية  وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى  الآية . على أن قوله تعالى  ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها
غافلون  بعد قوله  يا معشر الجن والإنس  الآية يدل بالصراحة على ان أهل القرى قبل إرسال الرسل يكونون غافلين وإهلاكهم تعذيباً يكون ظلماً ، فلو كان حسن الأفعال وقبحها عقليين وكان النظر في معرفته واجباً عقلاً لما صح ذلك القول أصلاً كما لا يخفى . ولا يمكن تعميم الرسل في هذه الآية حتى يشمل العقل ايضاً بالضرورة ، ألا ترى أن التلاوة والقصة لأيات الله لا يصح إسنادها إلى العقل أصلاً ومع هذا فإن (( الرسول )) في اللغة هو المبلغ لكلام أو كتاب من أحد إلى آخر ، وفي الشرع هو إنسان بعثه الله تعالى إلى الخلق ليدعوهم إليه بشريعة مجددة ، وهما معناه الحقيقى – اللغوى والمفهوم الشرعي – ولم يثبت أصلاً استعماله في العقل لا لغة ولا شرعاً حتى يقال بعموم المجاز ، وإنما هو أختراع بعض المتكلمين من المعتزلة لتأييد مذهبهم . وأيضاً كان العقل للكفار حاصلاً في الدنيا ، فكيف يصح أعتذارهم بعدم إرسال الرسل في الآخرة .
فثبت بهذه الوجوه أن الحسن والقبح ليسا إلا شرعيين ، ولا يستقبل العقل في إدراكهما بدون الشرع قطعاً . قالت المعتزلة ومن تبعهم : إن الحسن والقبح عقليان بمعنى أن الأفعال في نفسها – مع قطع النظر عن الشرع – فيها جهة حسن أو قبح تقتضى مدح فاعله وثوابه أو ذمه وعقابه ، لكن تلك الجهة قد تدرك بالضرورة كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار ، وقد تدرك بالنظر كسحن الصدق الضار وقبح الكذب النافع مثلاً ، وقد لا يدركها العقل بنفسه – لا بالضرورة – بالنظر إلا إذا ورد الشرع به ، فإذن يعلم أن فيها جهة محسنة أو مقبحة كما في صوم اليوم الآخر من رمضان وصوم يوم العيد فإدراك الحسن والقبح في هذا القسم موقوف على كشف الشرع عنهما بالأمر والنهي ، وأما انكشافهما بالقسمين الأولين فهو محض حكم العقل بدون توقفه على الشرع . ثم أختلفوا بينهم فقال المتقدمون منهم : إن حسن الأفعال وقبحها لذواتها فقط ، وقال بعض المتأخرين منهم : إنما لصفة زائدة على الذات دونها ، وبعضهم قالوا : إن جهة القبح في القبيح مقتضية لقبحه دون الحسن ، إذ لا حاجة إلى صفة توجب الحسن بل يكفيه أنتفاء صفة موجبة للقبح ، وقال الجبائي وأتباعه : ليس حسن الأفعال وقبحها لذواتها ولا لصفات حقيقية بل لاعتبارات وأوصاف إضافية تختلف بحسب الاعتبار كما في لطم اليتيم للتأديب أو الظلم . وقال بعض اتباع المعتزلة إنهما للمطلق الأعم ، وأستدلوا على ذلك بوجوه : ( الأول ) أن حسن مثل العدل والإحسان وقبح مثل الظلم والكفران مما اتفق عليه العقلاء حتى الكفار كالبراهمة والدهرية وغيرهما حتى أنهم يستقبحون ذبح الحيوانات بانه إيلام ، فلولا أنه ذاتى للفعل بحيث يعلم بالعقل لما كان كذلك . وأجيب عنه بأن هذا غير متنازع فيه ، لأنه من قسم الحسن والقبح اللذين هما بمعنى ملائمة الطبع ومنافرته وهو ليس بمتنازع فيه ، والمتنازع فيه هو بمعنى تعلق الثواب والمدح والعقاب والذم وهو غير لازم من الدليل ، فالتقريب غير تام .
( الثاني ) أن من تساوى في تحصيل غرضه الصدق والكذب بحيث لا مرجح بينهما ولا علم باستقرار الشرع على تحسين الصدق وتقبيح الكذب فإنه يؤثر الصدق قطعاً بلا تردد وتوقف ، فلولا أن حسنه مركوز في عقله لما أختاره كذلك . وكذا إنقاذ من اشرف على الهلاك حيث لا يتصور للمنقذ نفع ولا غرض ولو مدحاً وثناء كالمجنون والصبي وليس ثمة من يراه . والجواب عنه بأن إيثار الصدق فيه لتقرر كونه ملائماً في النفوس لغرضه العامة ومصلحة العالم وكون الكذب عكس ذلك ، ولا يلزم من فرض التساوى تحققه ، فإيثاره الصدق لملائمته تلك المصلحة لا لكونه حسنا في نفسه ، فلو فرضنا الاستواء من كل وجه فإيثار الصدق قطعا ممنوع ، وإنما القطع بذلك عند الفرض والتقدير بتوهم أنه قطع عند وقوع المقدر المفروض ، والفرق بينهما بين . وأما إنقاذ الهالك فلرقة الجنسية المجبولة في الطبيعة ، فكأنه يتصور تلك الحالة لنفسه فيجره استحسان ذلك الفعل من غيره في حق نفسه إلى أستحسانه من نفسه في حق غيره ، وبالجملة لا نسلم أن إيثار الصدق عند من لم يعلم استقرار الشرائع على حسنها إنما هو لحسنهما عند الله تعالى على ما هو المتنازع فيه بل لأمر آخر .
( الثالث ) أنه لو كانا شرعيين لكانت الصلاة والزنا متساويين في نفس الأمر قبل بعثة الرسول فجعل أحدهما واجباً والآخر حراماً ليس أولى من العكس ، بل ترجيح من غير مرجح ومناف لحكمه الآمر وهو حكيم قطعاً . والجواب عنه بان الأفعال قد بين سابقاً تساويها في نفس الأمر بعدم الأقتضاء قبل ورود الشرع بدليل واضح ، فبطلان اللازم ممنوع ، ثم جعل بعضها واجب وبعضها حرام لحكم ومصالح من الآمر الحكيم ، فالأولوية ترجع إلى تلك الحكم والمصالح بعد ورود الشرع بالوجوب ، لا للأفعال مطلقاً من عدم أقتضائها تلك الأولوية ، والإرادة الأزلية مرجحة بعض الأفعال ببعض الصفات وبعضها ببعض ، كما أنها مرجحة لتخصيص الأعيان بالحقائق والعوارض المخصوصة من غير أقتضاء ذواتها لها ، وإنما يلزم المنافاة لحكمة الآمر الحكيم إذا لم يكن في ذلك التخصيص مراعاة للمصلحة والحكمة وهو باطل بالاتفاق ، فالترجيح بعير مرجح ، والمنافاة للحكمة ممنوع ايضاً لما ذكرنا .
( الرابع ) أنه لو كانا شرعيين لكان إرسال الرسل بلاء وفتنة لا رحمة ، لأنهم كانوا قبل ذلك في رفاهية لعدم صحة المؤاخذة بشئ مما يستلذه الإنسان ، ثم بعد مجئ الرسل صاروا ببعض تلك الأفاعيل في عذاب ابدى ، فأية فائدة في إرسال الرسل إلى التضييق وعذاب عبادة فصار بلاء ، هذا خلف ، لأنه رحمة يمن الله به على عباده في كثير من مواضع تنزيله . والجواب عنه اولا بالنقض بأنه لو تم دليلكم فكانا عقليين لكان العقل ايضاً بلاء وقتنة لا نعمة ورحمة ولو باعتبار بعض الأفعال كالشرك وكفران النعمة ، لأن المجنون والصبي في رفاهية لعدم صحة مؤاخذتهم بشئ مما يفعلونه ، ثم بعد حصول العقل لهم يصيرون في عذاب أبدى ببعض تلك الافاعيل ، فأية فائدة في إعطائهم إلا افهلاك والتعذيب ، فصار العقل بلاء على الإنسان ، هذا خلف ، لأن الله تعالى يمن بإعطائه على عباده في تنزيله حيث قال  والله أخرجكم من بطون امهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون  و  قل هو الذى أنشاكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون  و  علم الإنسان مالم يعلم  وغيرها من الأيات ، فما هو جوابكم عن هذا فهو جوابنا عن ذلك .
ثانياً بالمعارضة بأنه لو لم يكونا شرعيين لكان إرسال الرسل عبثاً باعتبار بعض الأفعال الذى هو أعظم قدراً وأشد خطرا ، وكان الأنبياء يدعون الناس أولاً إلى فعله وتركه لأن العقل مستبداص في إدراك حسن بعض الأفعال كالإيمان وقبح بعضها كالكفر بالضرورة أو بالنظر على هذا التقدير لا محالة ، والعاقل يمكنه العمل بما يقتصيه عقله بل يجب فلا فائدة معتداً بها في إرسال الرسل إلا في بعض الأفعال التعبدية .
ثالثاً : بمنع بطلان اللازم كو إرسال الرسل بلاء وفتنة وهو باعتبار مشاق التكاليف لا ينافى كونه رحمة من وجه آخر باعتبار تهذيب النفس وإصلاح المعاد والمعاش بما قال الله تعالى  وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن  لأن تلك الكلمات وهي الخصال الثلاثون المحمودة المذكورة في سورة براءة والمؤمنين والأحزاب مع كونها رحمة وقع البلاء بها وبما قال الله تعالى  وبلوناهم بالحسنات والسيئات  أى بالنعم والنقم  لعلهم يرجعون  إذ لو كان المنافاة بين البلاء والحسن لما صح أبتلاؤهم بالحسنات .
ورابعاً بمنع الملازمة لأن ماذكر من صيرورة بعض العباد بعذاب أبدى بعد مجئ الرسل إنما هو لتركهم اتباعهم دون الإرسال وهو شرط لتحقيق نفس الترك لا موجب له ، وإذا وجد الترك صار نقمة وبلاء عليهم لا الإرسال ، إذ لا يلزم أن يتصف الإرسال بصفة مشروطة بل هو باق على صفة الرحمة التى هي محط أمتنانه تعالى به على عباده ، ومع هذا يرد عليهم قوله تعالى لنبيه   وكذلك أوحينا إليك روحاً من امرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان  يعنى قبل الوحي ، ولو كان الأفعال وقبحها بالمعنى المتنازع فيه مدركا بالعقل قبل ورود الشرع لكان الرسول أحق وأولى بإدراكه ، وما كان يصح نفى درايته عنه بالعقل قبل الوحي لأنه أعقل الناس ، إذ الإيمان بمعنى الشرائع وهي مستلزمة للحسن والقبح المتنازع فيه بحيث لا يوجدان بذلك إلا معها بالضرورة ، ونفي دراية الملزوم مستلزمة لنفي دراية اللازم المساوى ، فقد تبين للمنصف مما ذكرنا فساد شبهاتهم التى اتخذوها دلائل ، وأن الحسن والقبح بذلك المعنى ليسا إلا شرعيين وهو المطلوب .
ولما ثبت كون الأفعال وقبحها شرعيا وكان شكر المنعم من جملة تلك الأفعال ولا يمكن شكره إلا بمعرفته ولا تحصل المعرفة إلا بالنظر صار في معرفة المنعم واجباً شرعياً عند من قال بشرعية الحسن والقبح وهو الحق  أو عقلياً عند من قال بعقلية الحسن والقبح .
واعلم أن علماء الأصول أختلفوا في اول ما يجب على المكلف . فقال الإمام الأشعري : هي معرفة الله تعالى إذ يتفرغ وجوب الواجبات وحرمة المنهيات . وقال المعتزلة والأستاذ منا : هو النظر فيها إذ هي موقوفة عليه ، ومقدمة الواجب المطلق أيضاً واجبة ، وقيل هي الجزء الأول من النظر أى الحركة من المطالب إلى المبادئ . وقال إمام الحرمين والقاضي أبو بكر وابن فورك : هو المقصد إلى النظر لتوقف الأفعال الاختيارية وأجزائها على القصد ، والنظر فعل اختياري .
ثم أعلم أن النظر في معرفة الله تعالى واجب شرعاً عند الأشاعرة لقوله تعالى  فأنظروا إلى آثار رحمة الله  و  قل أنظروا ماذا في السماوات والأرض  ولقوله  (( تفكروا في آلاء الله )) والأمر هاهنا للوجوب لقوله  حين نزلت آية  إن في خلق السماوات والأرض وأختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب  الآية : (( ويل لمن لاكها بين لحييه ولم يتفكر فيها )) فإنه  أوعد بترك الفكر في دلائل معرفة الله تعالى ، ولا وعيد على ترك غير الواجب . وأيضاً أن معرفة الله تعالى واجبة إجماعاً ، وهي لا تتم إلا بالنظر وما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب أيضاً كوجوبه . وعند المعتزلة واجب عقلا لأن شكر المنعم واجب عقلاً عندهم وهو موقوف على معرفة الله المنعم ، ومقدمة الواجب المطلق واجبة أيضاً هذا بناء على قولهم بكون الحسن والقبح عقليين كما عرفت آنفاً .
وأحتجت المعتزلة على كونه واجباً عقلاً بانه لو لم يجب النظر إلا بالشرع يلزم منه إفحام الأنبياء وعجزهم عن إثبات نبوتهم في مقام المناظرة ، إذ يجوز للمكلف حينئذ أن يقول إذا أمره النبي بالنظر في معجزة وغيرها مما تتوقف عليه نبوته ليظهر له صدق دعواه : لا أنظر مالم يجب النظر على ، ولا يجب النظر على ما لم يثبت الشرع عندى ، إذ المفروض عدم الوجوب غلا به ، ولا يثبت الشرع على الآخر وهو دور محال ، ويكون كلامه هذا حقا لا قدرة للنبي على دفعه ، وهو معنى إفحامه . وأجيب عنه أولاً بالنقض بان ما ذكرتم مشترك بين الوجوب الشرعي والعقلي معاً ، فما هو جوابكم فهو جوابنا . وبيان الآشتراك أن النظر لو وجب بالعقل لوجب بالنظر لأن وجوبه ليس معلوماً بالضرورة بل بالنظر فيه والاستدلال عليه بمقدمات مفتقرة إلى أنظار دقيقة من ان المعرفة واجبة وأنها لا تتم إلا بالنظر وان مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فيصح للمكلف ان يقول حيئذ أيضاً : لا أنظر اصلا مالم يجب على النظر ، ولا يجب مالم انظر فيلزم الدور المحذور . لا يقال قد يكون وجوب النظر فطرى القياس بأن يضع النبي للمكلف مقدمات ينساق ذهنه إليها بلا تكليف وتفيده العلم بذلك ضرورة ، لأنا نقول : كونه فطرى القياس مع توقفه على ما ذكرتموه من المقدمات الدقيقة الأنظار باطل قطعا ، ولو سلمناه بأن يكون هناك دليل آخر ولكن لا يجوز للمكلف أن لا يصغي إلى كلام النبي الذى أراد به التنبيه ولا يستمع به ولا ياثم بترك النظر والاستماع ، إذ لم يثبت بعد وجوب شئ أصلاً فلا يمكن الدعوة وإثبات النبوة وهو المراد بالإفحام . وثانياً بالحل بأن قوله (( لا يجب النظر على مالم يثبت الشرع عندى )) إنما يصح إذا كان الوجوب المستفاد من العلم بثبوت الشرع ولكنه لا يتوقف ، كذلك العلم بالوجوب متوقف على نفس الوجوب ، لأن العلم بثبوت شئ فرع لثبوته في نفسه فإنه إذا لم يثبت في نفسه كان اعتقاد ثبوته جهلاً مركباً لا علماً ، قد توقف الوجوب على العلم بالوجوب لزم الدور ، وأن لا يجب شئ على الكافر أيضاً ، فليس الوجوب في نفس الأمر موقوفاً على العلم بالوجوب بل تقول : الوجوب في نفس الأمر يتوقف على ثبوت الشرع في نفس الآمر ،و الشرع ثابت في نفس الامر علم مكلف ثبوته ونظر فيه اولاً ، وكذلك الوجوب ، ولا يلزم من هذا تكليف الغافل لأن الغافل إنما هو من لم يتصور التكليف لا من لم يصدق به ، فإن قال المكلف : وما أعرف الوجوب في نفس الأمر ، وما لم أعرفه لم أنظر ، قلنا : ماذا تريد بالوجوب ؟ فإن قال : أريد به ما يكون ترك ما اتصف به إثماً وفعله ثواباً ، قلنا له : فقد ثبت الشرع حيث قلت بالثواب و الإثم فبطل قولك ما أعرف الوجوب بقولك ، فأندفع الإفحام . وإن قال : أردت به ما يكون ترك ما أتصف به قبيحاً لا يستحسنه العقلاء ، ويترتب عليه المفسدة ، قلنا له : فأنت تعرف الوجوب إذا رجعت إلى عقلك وتأملت فيه به ، إذ يعرف كل عاقل قبح ترك ما اتصف به ومفسدته ، فبطل قولك (( لم أنظر مالم أعرف الوجوب )) وأندفع الإفحام . وليس فيه لزوم القول بالحسن والقبح العقليين لأنهما ليسا هاهنا بالمعنى المتنازع فيه بل بالمعنى المتفق عليه كما لا يخفى ، وإذا عرفت ما حققنا عرفت أن ما قال الأشاعرة هو الحق .
ثم أعلم ان الماتريدية من اهل السنة وافقوا أهل الأعتزال في هاتين المسألتين ، وكذا الروافض مقتفون على آثارهم في ذلك ، ولكن الفرق بين الماتريدية وبين هاتين الفرقتين الضالتين أن الماتريدية لا يستلزم عندهم كون الحسن والقبح عقلياً حكماً من الله تعالى في العبد ، بل يصير موجبا لاستحقاق الحكم من الحكيم الذى لا يرجح المرجوح ، فالحاكم هو الله تعالى فقط ، والكاشف هو الشرع ، فما لم يحكم الله تعالى بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ليس هناك حكم أصلاً فلا يعاقب أهل زمان الفترة لترك الأحكام ، بخلاف المعتزلة والإمامية خذلهم الله تعالى ، فإن كلا من الحسن والقبح يوجب الحكم عندهم من الله تعالى ، فلولا الشرع وكانت الأفعال بإيجاد الله تعالى لوجبت كما فصلت في الشريعة .
الثاني منها ( 1 ) أن الله تعالى حي بالحياة وعالم بالعلم وقادر بالقدرة ، وعلى هذا القياس صفته ثابتة له كما تطلق الأسماء على الذات . وقال الإمامية كلهم : ليس لله تعالى صفات أصلاً ، ولكن تطلق على ذاته تعالى الأسماء المشتقة من تلك الصفات فيجوز أن يقال إن الله تعالى حي وسميع وبصير وقدير وقوى ونحو ذلك ، ويمتنع أن يقال أن له حياة وعلماً وقدرة وسمعاً وبصراً ونحوها ، وأنت خبير أن عقيدتهم هذه مع كونها خلاف المعقول لأن إطلاق المشتق على ذات لا يصح بدون قيام مبدئه بها ، إذ الضارب إنما يطلق على ذات قام الضرب بها ، وبدون قيامه لا
-----------------------
( 1 ) أى من مطالب الإلهيات التى تقدم أولها في ص 70 .
يحمل المشتق ولا يطلق مخالفة للثقلين أيضاً ( 1 ) أما الكتاب فيثبت في آياته الكثيرة هذه الصفات له تعالى كقوله تعالى  ولا يحيطون بشئ من علمه  وقوله تعالى  أنزله بعلمه  وقوله تعالى  وسعت كل شئ رحمة وعلماً  وقوله تعالى  يريدن أن يبدلوا كلام الله  - وأما المعتزلة فلما ذكر في نهج البلاغة في خطب الأمير في اكثر المواضع من هذه الصفات مثل (( عزت قدرته ، ووسع سمعه الأصوات )) وعن الأئمة الآخرين مروى بالتواتر إثبات هذه الصفات له تعالى.
           الثالث منها صفاته تعالى الذاتية قديمة لم يزل موصوفاً بها ، قال زرارة بن أعين وبكير ابن أعين وسليمان ومحمد بن مسلم الذين هم كانوا قدوة الإمامية ورواة أخبارهم : إن الله تعالى لم يكن عالماً في الأزل ولا سميعاً ولا بصيراً حتى خلق لنفسه علماً وسمعاً وبصراً كما خلقها لبعض المخلوقات فصار عالماً وسميعاً وبصيراً ، ومخالفة هذه العقيدة لكتاب الله أظهر من الشمس ، فإنه وقع في كثير من مواضعه  وكان الله عليماً حكيماً – وعزيزاً حكيماً – وسميعاً بصيراً  ونحوها.
وأما مخالفتها للعترة الطاهرة فلما رواه الكلينى عن أبي جعفر  أنه قال : كان الله ولم يكن شئ غيره ولم يزل عالماً .
وروى الكلينى وجمع آخرون من الإمامية عليهم السلام أنهم كانوا يقولون : إن الله سبحانه لم يزل عالماً سميعاً بصيراً .
ومع هذا يرد عليهم أن يكون الله محلاً للحوادث وهو باطل بالضرورة .
الرابع منها أن الله تعالى قادر على كل شئ ، خالف الشيخ أبو جعفر الطوسى والشريف المرتضى وجمع كثير من الإمامية في ذلك ، فإنهم قالوا : إن الله لا يقدر على عين مقدور العبد . ويكذبهم قوله تعالى  والله على كل شئ قدير  وهو كاف لتكذيبهم .
الخامس منها أن الله تعالى عالم بكل شئ قبل وجوده ، وهذا هو معنى التقدير ، يعنى أن كل شئ في علمه مقدر وكل شئ عنده بمقدار ، بأن يكون كذا وكذا ويوجد في وقته على وقفه . قالت الشيطانية – وهم أتباع شيطان الطاق ( 2 ) - : إنه تعالى لا يعلم الأشياء قبل كونها ، وجماعة من الأثني عشرية من متقدميهم ومتأخريهم منهم المقداد ( 3 ) صاحب ( كنز العرفان ) قالوا : إن الله لا يعرف الجزئيات قبل وقوعها . وهذه العقيدة مخالفة للقرآن ، قال تعالى  لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين  وقال  والله بكل
---------------------------
( 1 ) أى كتاب الله وما عليه أهل بيت رسوله .
( 2 ) أنظر ص 16 .
( 3 ) ابن عبدالله السيورى من القرن التاسع مترجم في روضات الجنات .
شئ عليم  وقال  قد أحاط بكل شئ علماً  وقال  ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها  وقال  إنا كل شئ خلقناه  وقال  جعل الله الكعبة البيت الحرام – إلى قوله – ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض  يعنى أن الله جعل الكعبة والشهر الحرام والهدى والقلائد شعائره ليجلب إليكم مصالحكم ويدفع عنكم مضاربكم ، وتلك المصالح معلومة له قبل وقوعها . وقال  ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلا في كتاب مبين  وأخبر بوقعة الروم وفارس قبل وقوعها بقوله :  آلم غلبت الروم في ادنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون  وقد أخبر الله رسوله بالوقائع الجزئية الماضية والآتية والحاضرة في زمن الوحى وأخباراً كثيرة في التنزيل ، ومن يطلع عليها لا يشك فيها أصلاً ، وفيه كثير من الإخبار بأحوال الجنة والنار ومكالمتهم كقوله تعالى  ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار – إلى قوله – ونادى أصحاب النار أصحاب الحنة  وقد وصل بالتواتر عن النبي  وأهل البيت أنهم أخبروا بالوقائع والفتن الأتية ، وظاهر أن علمهم كان مأخوذاً من وحي الله وإلهامه .
وما يتمسك هؤلاء القائلون من القرآن المجيد بالآيات الدالة على حدوث علم الله عند حدوث الأشياء كقوله  ويعلم الصابرين  وأمثال ذلك ، أ, الدالة على الأختيار كقوله  وليبلوكم قبل آتكم – ليبلوكم أيكم أحسن عملاً  ففاسد ، إذ المراد من هذا العلم كشف حالهم وتمييزها في الخارج لا المعنى الحقيقى .
وأما المخالفة للعترة فلما روى أهل السنة والشيعة عن أمير المؤمنين أنه قال (( والله لم يجهل ولم يتعلم ، أحاط بالأشياء علماً فلم يزدد بكونها علماً ، علمه بها قبل أن يكونها كعلمه بها بعد تكوينها )) وروى على ابن إبراهيم ( 1 ) القمى من الأثنى عشرية عن منصور بن حازم عن ابي عبد الله  قال : سألته هل يكون شئ اليوم لم يكن في علم الله بالأمس ؟ قال : لا ، من قال هذا فأخزاه الله . قلت : أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس في علم الله بالأمس ؟ قال : بلى ، قبل أن يخلق الخلق . إلى غير ذلك من صحاح الأخبار .
السادس منها أن القرآن المجيد هو كلام الله ولم يتطرق إليه تحريف ولا تبديل ولا تغيير ولا زيادة ولا نقصان قط ولم يكن لهذه الأمور إليه من سبيل أبداً . وقالت الأثنا عشرية ما هو موجود اليوم في أيدى المسلمين محرف ومبدل ومزاد فيه ومحذوف منه ، وقد تقدم في ذلك ( 2 ) وقد خالفوا في عقيدتهم هذه قول الله تعالى  لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد  وقال تعالى  إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون  وكل ما يكون الله حافظاً له كيف
-----------------------
( 1 ) ابن هاشم . له ترجمة في تنقيح المقال .
( 2 ) في ص 30 .
يمكن تبديله وتغييره ؟ أيضاً تبليغ القرآن كما كان ينزل كان واجباً على النبي  لقوله تعالى  يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته  ومعلوم باليقين أن من كان أسلم في عهده  أشتغل أولاً بتعليم القرآن ثم بتعليمه حتى حفظه في عهده ألوف من الرجال ، ثم من بعد ذلك المسلمون في جميع البلاد والقرى مشغولون بتلاوته آناء الليل وأطراف النهار في الصلاة وخارجها ، لعلمهم بأنها أعظم القربات ، ويعلمونه للأطفال قبل تعليم كل شئ ، فإذا كان كذلك فكيف يتصور في القرآن تغيير وتبديل لا يشعر به المشتغلون فيه ! أما مخالفة هذه العقيدة للعترة ففي كل روايات الإمامية مذكور أن أئمة أهل البيت كلهم يقرأون هذا القرآن ويتمسكون بعامه وخاصه ويوردونه أستشهاداً ويفسرونه والتفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكرى إنما هو لهذا القرآن ، ويعلمونه أولادهم وخدامهم وأهلهم ويأمرونهم بتلاوته في الصلاة ، ومن ثمة قد أنكر شيخهم ابن بابويه في كتاب أعتقاداته هذه العقيدة وتبرأ منها .
           السابع : منها أن الله تعالى مريد وإرادته أزلية ، وما أراد وجوده في الأزل وجعله معيناً في وقته فيما لا يزال لا يمكن التقدم والتأخر فيه أبداً ، فكل شئ يوجد البتة في وقته بوفق تلك الإرادة ، ويعتقد الإمامية أن إرادته تعالى حادثة . وأيضاً يقولون إن إرادته ليست عامة لجميع الكائنات ، فإن كثيراً من الموجودات يوجد بلا إرادته كالشرور والمعاصي والفسوق والكفر ونحوها ، وهذه العقدية يردها آيات كثيرة من الكتاب ، منها قوله تعالى  ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم  أى فلو أراد إيمانهم لزم التناقض ، وقوله  ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً  الآية . وقوله  إن كان الله يريد أن يغويكم  وقوله  إنما يريد الله أن يعذبهم في الدنيا  وقوله  وإذا أردنا أن نهلك قرية  الآية وقوله  من يشإ الله يضلله  وقوله  وأعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه  وغيرها من الآيات . وكذلك يكذب هذه العقيدة أقوال العترة أيضاً : روى الكلينى عن محمد بن أبي بصير قال : قلت لأبي الحسن الرضا إن بعض أصحابنا يقول بالجبر وبعضهم يقول بالاستطاعة ، فقال لى : أكتب (( بسم الله الرحمن الرحيم . قال على بن الحسين قال الله تعالى بمشيئتى كنت أنت )) إلى آخر الحديث . وروى الكلينى عن سليمان بن خالد عن أبي عبدالله  : إن الله تعالى إذا أراد بعبد خيراً نكت في قلبه نكتة من نور وفتح مسامع قلبه ، ووكل به ملكاً يسدده ، وإذا أراد الله بعبد سوءاً نكت في قلبه نكتة سوداء وسد مسامع قلبه ووكل به شيطاناً يضله ، ثم تلا قوله تعالى  فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً  وروى الكلينى وصاحب المحاسن ( 1 ) عن على إبراهيم الهاشمي قال : سمعت أبا الحسن موسى  يقول : لا يكون شئ إلا ما شاء اله وأراد العبد . وروى الكلينى عن الفتح بن يزيد الجرجانى ( 2 ) عن أبي الحسن ما ينص على أن إرادة العبد لا تغلب إرادة الله سواء كانت إرادة عزم أو إرادة حتم .
وأيضاً روى الكلينى عن ثابت بن عبد الله عن أبي عبد الله  ما ينص على أن الله تعالى يريد صلالة بعض عباده إرداة حتم ، وروى عن ثابت عن سعيد مثل ذلك . ولهذا الأصل فروع كثيرة : منها ما يقول الإمامية قاطبة أن البارى لا يأمر إلا بما يريده ولا ينهي إلا عما لا يريده .
           وهذا أيضاً مخالف للثقلين : أما الكتاب فقوله تعالى  ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله أنبعاثهم فثبطهم وقيل أقعدوا مع القاعدين  فعلم أن إرادة خروج هذه الجماعة لم تكن له تعالى لأن الكراهة ضد الإرادة وهم كانوا مأمورين بالخروج بلا شبهة وإلا فلا وجه للملائمة والعتاب عليهم ، وقوله تعالى  يريد الله أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة  وقد كانوا مأمورين بالإيمان . ويوجد في القرآن ما يدل على عدم مشيئته تعالى بإيمان الكفار من الآيات قدر مائة أو أزيد ، ومع ذلك كانوا مأمورين بالإيمان . وأما العترة فقد تواتر عنهم بروايات الشيعة ما يضاد ذلك بحيث لا مجال فيه للتأويل ولا للإنكار ، فمن ذلك ما روى البرقى في المحاسن والكلينى في الكافى عن على بن إبراهيم وقد سبق نقله قريباً ( 3 ) .
           ومنها ما رواه الكلينى عن الحسن بن عبد الرحمن الحمانى عن أبي الحسن موسى بن جعفر أنه قال : إنما تكون الأشياء بإرادته ومشيئته .
ومنها ما رواه الكلينى وغيره عن عبدالله بن سنان عن أبي عبد الله أنه قال : أمر الله ولم يشأ وشاه ولم يأمر ، أمر إبليس بالسجود لآدم وشاء أن لا يسجد ولو شاء لسجد ، ونهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل ولو لم يشأ لم يأكل .
ومن تلك الفروع قول الإمامية ، إنه لا يقع بعض مراد الله تعالى ويقع مرادات الشيطان وغيره من الكفار ، وأهل السنة يقولون : لا تتحرك ذرة إلا بإذن الله ولا تتقدم إرادة احد مخالفة لإرادة الله تعالى ، ولا يقع مراد غيره بدون إرادته أصلاً بل ما يشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن  وما تشائون إلا أن يشاء الله  . ومذهب الإمامية مأخوذ من زندقة المجوس ، فإنهم قائلون بالأثنين أحدهما خالق الشرور ويسمونه أهرمن والآخر خالق الخيرات ويسمونه يزدان ، ويسندون إليهما توزيعاُ وقائع العالم ، وقد يعتقدون ان أحدهما غالب على الآخر مغلوب ، تعالى الله عن ذلك
-----------------------------
( 1 ) هو البرقى . أنظر ص 94 .
( 2 ) له ترجمة في تنقيح المقال وكتبهم الأخرى في الرجال .
( 3 ) في ص 84 . وأنظر ص 94 .
علواً كبيراً . ومنها ما يقول هؤلاء المذكورون أن الله تعالى يردي شيئاً يعلم أنه لا يقع . وهذا الاعتقاد الشنيع مستلزم للسفه في حضرته تعالى عما يقول الظالمون . ومنها ما يقولون : إن الله تعالى يريد أن يهدى بعض عباده ويضله الشيطان واعوانه من أشرار بنى آدم ، ولا تتقدم إرادة الله بإزاء أولئك الملاعين ! ويكذبهم في هذا نص القرآن  من يهد الله فما له من مضل  .
ومن اقوال العترة رواية الكلينى عن ثابت بن سعيد عن أبي عبدالله  قال : يا ثابت مالكم والناس ، كفوا عن الناس ولا تدعوا أحداً إلى أمركم ، والله لو أن أهل السماوات وأهل الأرض أجتمعوا على أن يهدوا عبدا يريد الله ضلاله ما أستطاعوا أن يهدوه ، ولو أن أهل السماوات والأرض أجتمعوا على أن يضلوا عبداً يريد الله هدايته ما أستطاعوا أن يضلوه .
           الثامن : منها ان الله تعالى لن يرضى بكفر أحد من عباده وضلالته ، لقوله تعالى  ولا يرضى لعباده الكفر  قال الأثنا عشرية : يرضى الله عن ضلالة غير الشيعة ، وكان الأئمة راضين بضلالة غيرهم أيضاً . وروى صاحب ( المحاسن ) عن الإمام موسى الكاظم أنه قال لأصحابه : لا تعلموا هذا الخلق أصول دينهم وراضوا لهم بما رضى الله لهم من الضلال ! ولو صحت هذه الرواية لكانت لأهل السنة بشارة عظيمة حاصلة في أيديهم ، فإنهم يعيشون بحسب ما رضى الله والحمد لله على ذلك وثبت لهم رضوان الله تعالى الذى هو غاية المنى لأهل الدين بشهادة الأئمة . أما علماء الشيعة ، فلابد لهم أن يكذبوا هذه الرواية لأنها مخالفة لأدلتهم القطعية واصولهم الشرعية ، إذ هي مناقصة لغرض الإمامة لوجوب الأصلح واللطف وهادمه لأساس بنيان قاعدتهم المقررة أن الله تعالى لا يريد الشرور والقبائح والكفر والمعاصى إذ الرضا فرع الإرادة وأخص منها ، فنفيها نفية .
           التاسع : منها أن الله تعالى لا يجب عليه شئ كما هو مذهب أهل السنة ، خلافاً للشيعة فإنهم قاطبة متفقة كلمتهم بوجوب كثير من الأشياء عليه تعالى بحكم عقولهم ، وليس هذا بملائم لمرتبة الربوبية والألوهية اصلاً ، وأية قدرة للعبد أن يوجب على مالكه الحقيقى شيئاً ، فكل ما اعطى فهو من فضله ورحمته وكل ما منع فهو من عدله وحكمته وهو المحمود في كل أفعاله ، قال في نهج البلاغة : ومن خطبة له خطبها بصفين (( أما بعد فقد جعل الله لى عليكم حقاً بولاية أمركم ، وجعل لكم على من الحق مثل الذى عليكم ، والحق أوسع الأشياء في التواصف ، وأضيقا في التناصف ، لا يجرى لأحد إلا جرى عليه خالصاً على أحد إلا جرى له ، ولو كان لأحد أن يجرى له ولا يجرى عليه لكان ذلك خالصاً لله تعالى سبحانه دون خلقه ، لقدرته على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه . ولكنه سبحانه جعل حقه على العباد أن يطيعوه ، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلاً وتوسعاً بما هو على المزيد أهله )) أنتهى بلفظه . قال جميع الإمامية بوجوب التكليف عليه تعالى ، يعنى يجب عليه تعالى أن يكلف المكلفين بان يأمرهم وينهاهم وأن يقرر لهم واجبات ومحرمات ، وأن يخبرهم بذلك بواسطة الرسل . ولا يقتضى العقل أصلاً أن يكلف الكافر بالإيمان . والفاجر بالطاعة وترك العصيان ، لأنه تعالى لا فائدة له في هذا التكليف اصلاً ، بل هو منزه عن الفوائد والأغراض وغنى عن العالمين ، وهو في حق العبد محض الخسران والضرر وموجب لهلاكه الأبدى ، والله سبحانه يعلم عاقبة الأمر لكل أحدٍ هل يقبل أولاً وهل يمتثل أم لا ، فالقاء العبد في معرض التلف والهلاك عامداً من غير ان يعود إليه نفع ليس مقتضى العقل أصلاً ، نعم لا يفعل عاقل أمراً يضر غيره وهو لا ينفع به خصوصاً في حق الدين .
           وأيضاً لو وجب التكليف لكان لابد ان برسل في كل قرية وبلدة الرسل متوالياً ، ولم يقع زمن الفترة ، ولم يخل قطر وناحية عن رسول ، لأن العقل لا يكفى في معرفة التكاليف بالإجماع ، والحاجة للرسول ماسة بالضرورة .
           وأيضاً كان على الله تعالى أن ينصب بعد موت النبي إماماً غالباً غير خائف ، ويويده بالآيات والمعجزات حتى يبلغ الأحكام بلا خوف وهيبة ، ولم يدع المكلفين غافلين عن أحكام الشرع ويدعون سكان شواهق الجبال ، ولم يفوض إمامه بأيدى جماعة لم يكن لهم قدرة على إظهار الأحكام الشرعية ! بل هم أيضاً كانوا يمضون بالتقية في لباس غيرهم من الكفرة والظلمة ! .
           وأيضاً يعتقدون ان ( اللطف واجب على الله تعالى ) ويبينون معنى اللطف انه هو ما يقرب العبد إلا الطاعة ويبعده عن المعصية بحيث لا يؤدى إلى الإلجاء . وهذا أيضاً باطل لأن اللطف لو كان واجباً لم يكن لعاص أن تتيسر استبيان عضيانه ، وأجتمع لكل موجبات طاعاته ، وشاهده محسوس في العالم أن أكثر الأغنياء والموسرين يظمون ويعصون ويبغون في الأرض بكثرة أموالهم وقوة عساكرهم ، وأكثر الفقراء يبغون بسبب أفلاسهم ويحرمون من العبادات . وكثير من اصحاب العلم لا يحصل لهم معلم يعلمهم ولا تتأبي لهم الفراغة ولا تتيسر لهم القوة ، وكثير من أصحاب الشهوات والمفسدين يصل إليهم من كل جانب أسباب فسقهم بلا كلفة وقصور ، فلو كان اللطف واجباً لكان الأمر منعكساً . ومخالفة هذه العقيدة للكتاب والعترة والعقل السليم أجلى من النهار : أما الكتاب فقوله تعالى  ولو شاء لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول منى لأملان جهنم من الجنة والناس أجمعين  ، و ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدى من يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون  ،  ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ابصارهم غشاوة  والآيات الدالة على الأستدراج ومكر الله تعالى والإبعاد عن الإيمان والطاعة مثل  فكره الله أنبعاثهم فثبطهم وقيل أقعدوا مع القاعدين  ،  والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون  ،  فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ابواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون  وأمثال ذلك أزيد من أن يحصى . وأما العترة فقد سبق ( 1 ) ما في الكلينى عن الصادق قال : إذا أراد الله بعبد سوءاً نكت في قلبه نكتى سوداء ، الحديث المتقدم .
           وايضا ًيعتقدون ( وجوب الأصلح عليه تعالى ) ، وهذا باطل بمثل ما مضى ، وأيضاً لو كان الأصلح واجباً لم يسلط الشيطان على بنى آدم الذى هو عدو قوى من غير جنسهم وهم لا يرونه حتى يحترزوا منمه ويدفعوه عن أنفسهم وهو يراهم ويتمكن من وسوستهم وقادر على إضلالهم بالإغواء ويصيبهم تصرفه في قلوبهم فضلاً عن الأعضاء الأخر ، فإنه يجرى منهم مجرى الدم . نعم خلق الشيطان ثم إلقاء العداوة بينه وبين الإنسان ثم إبقاؤه وإنظاره القدرة على إغواء بنى آدم بالتصرف كل منهم ، يقلع أصل الأصلح ومارنه .
           وأيضاً كان الأصلح في حق بنى إسرائيل أن السامرى لم يكن يقدر جبريل . ولم يعلم اصلاً خاصة ما مس حافر فرسه . وإذ رآه وعلم خاصته فهو لم يكن يقدر على قبضه من ذلك التراب ، وإذ أخذه فقد كان ضاع منه ، ولما وقع هذا كله خلافاً لذلك ، فأين بقى الأصلح ؟ وأيضاً كان الأصلح في حق الكافر المسكين المبتلى بالفقر والأحزان والآلام والأمراض أن لا يخلق أصلاً ، وإن خلق مات صغيراص ليخلص من العذاب الأبدى الأخروى . وكان الأصلح في حق أصحاب الرسول  وأمته أن ينص على خلافه أبي بكر صريحاً لا على خلافة الأمير حتى يعلموا بوفقه ولا يذهبوا إلى خلافه . وأيضاً يقول الله تعالى في كتابه  بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان  فلو كانت الهداية إلى الإيمان واجبة عليه تعالى لم يمن بها على عباده ، إذ لا منة في أداء الواجب .
           ويعتقدون أيضاً أن ( الأعواض واجبة عليه تعالى ) يعنى إذا أصاب الله عبداً بألم أو نقصان في ماله وبدنه وجب عليه تعالى أن يعطيه نفعاً يستحقه ذلك العبد . وعقيدتهم هذه بعد دراية ما بين العبد والرب من علاقة المالكية والمملوكية باطلة ، إذ العوض يجب إذا تصرف في ملك المالك ، ولا ملك في العالم لغيره تعالى ، ونعيم الجنة في الحقيقة محض تفضل منه ، لأن العبد لو صرف جميع عمره في الطاعة والعبادة لا يمكن أن يؤدى شكر نعمة واحدة من نعمة الخفية الدقيقة فضلاً عن أن يستحق عليه عوضاً به ، فإن كل ما يفعله الإنسان لا يكافئ نعمة الوجود وحدها ، فكيف يكون حال ما يقتضى غيره من النعم الكثيرة  وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  ولذلك قال 
(( ما أحد يدخل الجنة بعمله إلا برحمة الله . قيل ولا أنت ؟ قال : ولا أنا )) . وقد صح عند الشيعة ثبوت هذا المعنى بالتواتر من أحاديث الأئمة : روى ابن بابويه القمى في ( الأمالى ) من طريق صحيح عن على بن الحسين أنه كان يدعو بهذا الدعاء (( إلهى وعزتك وجلالك لو أنى منذ أبدعت ---------------------------
( 1 ) في ص 84 .
فطرتى من أول الدهر عبدتك دوام خلود ربوبيتك لكل شعرة في طرفه عين سرمدا لابد بتحميد الخلائق وشكرهم أجمعين لكنت مصراً في بلوغ شكر أخفى نعمة من نعمك . ولو أنى كربت معاول حديد الدنيا بأنيابي وحرثت ارضها بأشفار عيني وبكيت من خشيتك مثل بحور السماوات والأرض دماً وصديداً لكان ذلك قليلاً من كثير من وفاء حقك على ولو أنك إلهى عذبنتى بعد ذلك بعذاب الخلائق أجمعين ، وعظمت للنار خلقى وجسمى وملآت جهنم منى حتى لا يكون في النار معذب غيرى ولا يكون لجهنم حطب سواى لكان هذا لك على قليلاً من كثير ما أستوجبت من عقوبتك )) . وفي ( نهج البلاغة ) عن أمير المؤمنين قال (( لا يأمن خير هذه الأمة من عذاب الله )) .
 العاشر : منها كل ما يصدر من الإنسان أو الجنة أو الشياطين أو غيرهم من المخلوقات من خير وشر وكفر وإيمان وطاعة ومعصية وحسن وقبح كلها من خلق الله تعالى بإيجاده وليس للعبد قدرة على خلقه ، نعم له كسبه والعمل به ، وبهذا الكسب والعمل سيجزى إن شراً فشر وإن خيراً فخير ، هذا هو مذهب أهل السنة .
           وقال الإمامية : إن العبد يخلق أفعاله ولا دخل لله تعالى في أقوالهم وأفعالهم الإرادية ، بل في جميع أفعال الطيور والبهائم والوحوش وسائر الحيوانات التى تفعل بالإرادة . وعقيدتهم هذه مخالفة للكتاب والعترة : أما الكتاب فقوله تعالى  والله يخلقكم وما تعلمون  وقوله  خالق كل شئ لا إله إلا هو  وقوله  ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله  وقوله ألم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن  وغيرها من الآيات .
           وأما العترة فقد روت الإمامية بأجمعهم عن الأئمة أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ، ذكر تلك الروايات شارح العدة . ومع هذا يعتقدون أن هذه المسألة كذلك بزعمهم مخالفين للأئمة صريحاً ، ولا تمسك لهم في ذلك إلا بعده شبهات أتخذوها ملجأ بأتباع المعتزلة ، قالوا لو كان الله تعالى لأفعال عباده يلزم بطلان أمر الثواب والعقاب والجزاء كلها ، لأنهم لا يكون لهم دخل في أفعالهم ، وتعذيب من لا دخل له في فعله ظلم صريح .
           واجاب أهل السنة بمنع الملائمة ، وذلك أنهم قالوا : إنا نثبت أمر الثواب والعقاب والجزاء على أصول الشيعة وعلى وفق رواياتهم عن الأئمة ، مع كونه تعالى خالقاً لأفعال عبداه بطريقين : ( الأول ) أن جزاء أفعال كل واحد مطابق لعلمه وتقديره تعالى في حق كل واحد ، مثلاً ثبت في علم الله أن أفعالهم وأعمالهم لو أحالها وفوض عملها إليهم يطيع فلان ويعصى فلان ، يعنى يخلق في المطيع طاعته والعاصى معصيته والكافر كفره والمؤمن إيمانه وقد قام شاهد هذا التقرير والعلم في العباد ايضاً وذلك ميلهم وهوى أنفسهم ، فميل المؤمنين إلى الإيمان وميل الكافرين إلى كفر وميل أهل الطاعة وميل أهل الفسق إليه كل يرجح في قلبه ماله ميل إليه ويخلقه الله تعالى على يده ، فجزاء الخير والشر بناء على علمه تعالى في إيجادهم لو فرض إليهم ، فهم وإن لم يكونوا خالقين لأفعالهم حقيقة ولكن لا شبه في خلقهم تقديراً فلو جعل الكافر قادراً على خلق أفعاله لخلق الكفر . وكذا لو كان المؤمن يعطى القدرة على هذا الآمر لخلق الإيمان ، وعلى هذا القياس في جميع الأفعال والأقوال . والجزاء المبنى على علمه في حق كل ليس ظلماً عند الشيعة لأن جزاء أطفال المشركين بهذه الوتيرة عندهم بلا تفاوت ، روى ابن بابويه عن عبد الملك بن سنان قال : سألت أبا عبدالله  عن أطفال المشركين يموتون قبل أن يبلغوا الحنث ، قال : الله اعلم بما كانوا عاملين يدخلون مداخل آبائهم .
 وروى عن وهب بن وهب عن أبيه عن ابي عبدالله أيضاً أنه قال : أولاد الكفار في النار . فإذا لم يكن عذاب الصبي غير المكلف لكونه كافراً وعاصياً في علم الله تعالى من غير أن يوجد فيه شاهد هذا العلم من ميل النفس وهواها ظلماً ، لم يكن ظلماً تعذيب المكلف على فعله الذى يوجده ويخلقه بوفق إرادته وهوى نفسه لأجل أنه يفعل هذا الفعل ويخلقه لو قدر عليه . وهذا الوجه مصرح به ومبين في روايات الأئمة في كتب الشيعة : روى الكلينى وابن بابويه وآخرون منهم عن الأئمة أن الله خلق بعض عباده سعيداً وبعض عباده شقياً لعلمه بما (( كانوا )) يعملون . ليتأمل في لفظ (( كانوا )) فإنه يفيد صريحاً معنى الفرض والتقدير . وروى الكلينى وغيره من الإمامية عن أبي بصير أنه قال : كنت بين يدى ابي عبدالله  جالساً فسأله سائل فقال : جعلت فداك با ابن رسول الله ، من أين لحق الشقاء بأهل المعصية حتى حكم لهم بالعذاب على عملهم في علمه ؟ فقال أبو عبدالله : أيها السائل ، علم الله عز وجل لا يقوم له احد من خلقه بحقه ، فلما حكم بذلك وهب لأهل المحبة القوة على طاعته ووضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ماهم أهله ووهب لأهل المعصية القوة على معصيتهم بسبق علمه فيهم ومنعهم إطاقة القبول منه فوافقوا ما سبق لهم من علمه تعالى ولم يقدروا أن يأتوا حالاً تنجيهم من عذابه لأن علمه أولى بحقيقة التصديق وهو معنى شاء ما شاء وهو سره وروى الكليفي عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله  أن قال : إن الله خلق السعادة والشقاوة قبل أن يخلق خلقه فمن خلقه سعيداً لم يبغضه أبداً وإن عمل سوءاً أبغض عمله وإن خلقه شقياً لم يحبه أبداً وإن عمل صالحاً أحب عمله ولو كان الجزاء على خلق عمله من عنده الواقع موافقاً لهوى العبد ظلماً يلزم أن يكون خلق نفسه وقواه مع تسليط الشيطان عليه ومنع الألطاف وإطاقة القبول في حقه ظلماً أيضاً . وقد وقع صريحاً في الروايات المذكورة هذه الجمل : ووهب له قوة المعصية ومنع عنه إطاقة القبول ولم يقدروا أن يأتوا حالا تنجيهم . وقد ورد أيضاً في الروايات السابقة عن أبي عبد الله أنه قال : إذا أراد الله بعبد سوءاً نكت في قلبه نكنة سوداء الحديث المتقدم (1) . وظاهر أن العبد يكون على هذا مضطراً وملجئاً بفعل المعصية لعدم قدرته على الطاعة والعبادة بهذه المعاملة التي عامل الله بها في حق عبده .
( الطريق الثاني ) أن الجزاء ليس على العمل حتى يكون دخل العبد ضرورة بل على ميل قلبه وهو نفسه الذي يقارن كل عمل من الخير والشر ولهذا رفع عن العباد السهو والنسيان والخطأ والإلزام مع أن صدور سوء الفعل يكون من العبد في هذه الحالات أيضاً ولكن لما لم يكن قلبه وهوى نفسه بذلك الفعل يعفى عنه ذلك الصدور ولهذا يجزي على نية الخير والشر وإن لم يعمل ففي الكافي للكليبي عن السكونى عن أبي عبدالله  قال : قال رسول الله  (( نية المؤمن خير من عمله ونية الكافر شر من عمله )) ووجه كونها خيراً و شراً إنما هو مدار الجزاء عليها .
وفيه أيضاً عن أبي بصير عن أبي عبدالله قال : إن العبد المؤمن الفقير ليقول يارب ارزقني حتى أفعل كذا وكذا من البر ووجوه الخير فإذا علم الله عز وجل ذلك منه بصدق نيته كتب الله له من الأجر مثل ما يكتب لو عمله ولهذا جعل الرياء والسمعة محبطين لثواب العمل كما ذكره مفصلاً في باب الرياء في الكافي (2) من ذلك ما روى عن يزيد بن خليفة قال : قال أبو عبد الله : كل رياء شرك ، إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس ومن عمل لله كان ثوابه على الله أيضاً قد ورد في الحديث المتفق عليه أن الندامة هي التوبة . فقد علم أن مدار تأثير العمل على ميل القلب وهوى النفس ولما ذهبت شهوة العمل في حالة الندامة ذهب أثرها أيضاً ولو بعد مدة وزمان طويل . وفي الكافي عن أبي جعفر عليه السلام قال : كفى الندم توبة . وأيضاً عن أبي عبد الله قال : إن الرجل ليذنب فيدخله الله به الجنة . قالت : يدخله الله بالذنب الجنة ؟ قال : إنه يذنب فلا يزال منه خائفاً ماقتاً لنفسه فيرحمه الله ويدخله الجنة . وإذا كان مدار الجزاء على النية وميل النفس واستحسان القلب فإن خلق الله أفعالاً على وفق إرادة العبد وميله وهوى نفسه وجازى العبد على ذلك فلم يكن ظلماً ، نعم يتصور الظلم لو كان خلق أفعال العبد ابتداء من دون تخلل إرادته وميله كأفعال الجمادات من نحو إحراق النار وقتل السم وقطع السيف وكسر الحجر ، وإذا كانت أفعال العباد تابعة لإرادتهم وأهواء أنفسهم كان لهم دخل في تلك الأعمال فوجدوا منها حظاً فذاقوا جزاءها بحسب ذلك ، وهذا هو معنى الكسب والاختيار عند التحقيق . هذا وإذا قيل إن ذلك الميل وهوى النفس من خلقه وإيجاده إذ ظاهر أن العبد لا قدرة له على إيجاده والله سبحانه إذا خلق الميل والهوى فلم يؤاخذ العبد على ذلك ويجازيه ؟ فجوابه أن هذه الشبهة مع اعتقاد أن العباد خالقون لأفعالهم أيضاً واردة على الشيعة ، لأن الدواعي الواردة على جميع الأسباب والمبادئ
-----------------
(1) في ص 84 و85                                                            (2) ص 221 طبعة 1278 .
لصدور الفعل من القدرة والقوة والحواس والجوارح بل وجود العبد الذي هو أصل الأصول للأفعال كلها مخلوقة لله تعالى بالبداهة والإجماع ولا دخل فيها للعبد أصلاً . وتحقيق المقام أن الاختيار لا قارن الفعل وتوسط معه صار ذلك الفعل اختيارياً وخارجاً من حريم الاضطرار ومورداً للمدح والذم ومحلاً للثواب والعقاب وكون الاختيار باختياره ليس ضرورياً بل هو محال للزوم التسلل إذ ليس لأحد في المشاهدة قدرة على خلق الاختيار أصلاً في غيره وصعب على العقل فهم هذا المعنى بالقياس لفقدان النظر الجزئي ، ولكنه إذا خلى نفسه حتى يبعد عن شوائب الأوهام ومأخوذية المألوفات ، ويحصل له الصفوة بعد ذلك ، يجزم بأن مدار كون العقل أختيارياً على وجود الاختيار لا على إيجاد الفعل ولا على إيجاد الاختيار . مثلا لو أراد عبد أحد أن يأبق ، وأبلغه الآخر إلى مقصده بعد ما أطلع على إرادة قلبه وميله بأظهاره أو بوجه آخر ، يكون هذا الإباق منسوباً إلى ذلك العبد عند العقل البته ، وإن كانت مباشرة الفعل حاصلة من الغير ومبنى قلب العبد حاضر له من نفسه . فإذن ظهر لك أن ليس الفرق في اعتقاد أهل السنة والشيعة بذلك إلا هذا القدر : إن أهل السنة يعتقدون أن اختيار العبد محفوف من كلا الجانبين بفعل الله تعالى : من الجانب الفوقاني بخلق الاختيار والإرادة والهوى وميل النفس ومن الجانب التحتاني بخلق الفعل . والشيعة يعتقدون أن اختياره من الجانب الفوقاني بفعل الله تعالى لا من الجانب التحتاني وهو خلق الفعل فإنهم يقولون إن خلق الفعل وظيفة العبد . وعلى العاقل هنا أن يتأمل ، فإن الجانب الفوقاني للاختيار إذا كان في يد الغير لزم الجبر ونشأ الإشكال في أمر الجزاء والثواب والعقاب فترك البديهة العقلية التي هي قاضية باستحالة صدور الإيجاد من الممكن عن اليد مجاناً ثم الانغماس في الدخل الشيطاني أي لطف يكون له (1) وقد نقل سابقاً برواية صاحب المحاسن وهو البرقي (2) وبرواية الكليني عن أبي الحسن الكاظم أنه قال لا يكون شيء إلا ماشاء الله وأراد . وقد روى عن رئيس فقهاء أهل السنة أبي حنيفة الكوفي أنه قال : قلت لأبي جعفر بن محمد الصادق : يا ابن رسول الله هل فوض الله الأمر إلى العباد ؟ فقال : الله أجل من أن يفوض الربوبية إلى العباد . فقلت : هل أجبرهم على ذلك ؟ فقال : الله أعدل كمن أن يجبرهم على ذلك . فقلت : وكيف ذلك ؟ فقال : الله أعدل من أن يجبرهم على ذلك . فقلت : كيف ذلك ؟ فقال : بين بين ، لا جبر ولا تفويض ولا إكراه ولا تسليط . وضع أهل السنة بناء مذهبهم على هذه الرواية في مسألة خلق الأفعال حيث يعتقدون نفي الخلق عن العباد ولا خلق إلا لله ، ويثبتون الكسب لهم مطابقاً لإرشاد الإمام الصادق . وهذه
------------------------
(1)   في العبارة غموض ولعل فيها تحريفاً من الطبعة الهندية .
(2)   انظر ص 84و85 والبرقي هو أحمد بن محمد بن خالد المتوفى سنة 274 . له ترجمة في ( روضات الجنات ) ص13/14 من الطبعة الثانية ، وفي ( هدية الأحباب ) ص 105 .
الرواية بعينها في كتب الإمامية فقد روى محمد بن يعقوب الكليني عن أبي عبدالله أنه قال : لا جبر ولا تفويض ولكن بين أمرين . وروى الكليني أيضاً عن إبراهيم عن أبي عبدالله مثل ذلك .أيضاً عن أبي الحسن محمد بن الرضا نحوه . وأول علماء الشيعة هذه الروايات المذكورة الموافقة لأهلب السنة صريخاً فقالوا المراد من أمر بين أمرين خلق القوة والقدرة والتمكين على الفعل لا الدخل في إيجاد الفعل . ولا يفهمون أن سؤال السائل عما إذا كان وأين يذهبون بجواب الإمام مجرداً وأي عاقل سأل عن تفويض خلق القوة والقدرة على العمل فإنه بديهي البطلان وإنما البحث والنزاع إن كان ففي خلق الفعل فجواب الإمام يجعلونه لغواً مهملاً بتوجيههم هذا معاذ الله من ذلك . ومع هذا لايجدى هذا التوجيه نفعاً لأن هذا التفويض يوجد في نفيه أيضاً علة البحث والاعتراض ومع قطع النظر عن ذلك فإن أهل السنة في أيديهم روايات صريحة مستخرجة من كتب الشيعة تحسم مادة التأويل : منها الرواية التي أوردها صاحب ( الفصول ) من الامامية فيه وصححها عن إبراهيم بن عياش أنه قال : سأل رجل الرضا أيكلف الله العباد مالاً يطيقون ؟ فقال : هو أعدل من ذلك . قال : فيقدرون على الفعل كما يريدون ؟ قال : هم أعجز من ذلك . فقد نفى الإمام القدرة صريحاً في هذا الحديث الصحيح . ومنها ما في ( نثر الدرر ) : سأل الفضل بن سهل بن موسى الرضا في مجلس المأمون فقال : يا أبا الحسن الخلق يجبرون ؟ قال : الله أعدل أن يجبر ثم يعذب . قال فمطلقون ؟ قال : الله أحكم من أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه . وإذ اتضح مخالفة علمائهم في عقيدتهم للأئمة فاستمع مالقبهم به الأئمة من الألقاب السيئة فقد روى محمد بن بابويه في كتاب التوحيد عن أبي عبدالله أنه قال : القدرية مجوس هذه الأمة أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه عن سلطانه . وفيهم نزلت هذه الآية  يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس صقر إنا كل شيء خلقناه بقدر  وروى الكليني عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبدالله : شاء وأراد وقدر وقضى ؟ قال : نعم . قلت : وأحب ؟ قال : لا .
الحادي عشر منها أن العبد ليس له اتصال مكاني وقرب جسماني بالله تعالى ممكناً وما يتصور في حقه من القرب فإنما هو بالدرجة والمنزلة عنده تعالى ورضوانه عنه فقط . وهذا هو مذهب أهل السنة وقد ثبت في الأخبار الصحيحة المروية عن العترة الطاهرة بروايات الشيعة أن الأسمة قد نفوا عن الله تعالى المكان والاتصال والأين وغيرها . وقال أكثر فرق الإمامية بالقرب المكاني والصورى ، ويحملون المعراج على الملاقاة المتعارفة الجسمانية روى ابن بابويه في كتاب ( المعراج ) عن حمران بن أعين عن أبي جعفر  أنه قال في تفسير قوله تعالى  ثم دنى فتدلى  أدنى الله عز وجل نبيه  فلم يكتن بينه وبينه إلا قفص من لؤلؤ فيه فراش يتلألأ من ذهب فأراه صورة فقيل : يا محمد أتعرف هذه الصورة ؟ قال : نعم هذه صورة على بن أبي طالب .
الثاني عشر  منها أن رؤية الله تعالى ممكنة عقلاً وسيراه المؤمنون بعيون رءوسهم جزماً ويتشرفون في الجنة بهذه النعمة بحسب مراتبهم والكافرون والمنافقون محرومون منها . وهذا هو مذهب أهل السنة وتمسكهم على هذا المطلب بالنقل والعقل : أما النقل فقوله تعالى حكاية عن موسى  رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني  ووجه الاستدلال به أمران : الأول أن سؤال موسى الرؤية يدل على إمكانها لأن العاقل – فضلاً عن النبي – لا يطلب المحال ولو بتكليف الغير ولا مجال للقول بجهل موسى  بالاستحالة ، فإن الجاهل بما لا يجوز على الله تعالى لا يصلح من النبوة هداية الخلق إلى العقائد الحقة والأعمال الصالحة ولا ريب في نبوة موسى وأنه كبار الأنبياء وأولى العزم وأيضاً أن يقال إنما سأل موسى الرؤية بتكليف القوم حيث قالوا  لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة  وقالوا  أرنا الله جهرة  ولتبكميتهم إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب عليه أن يجهلهم ويزيح شبهتهم كما فعل بهم لما قالوا  اجعل لنا إلهاً  الآية . وأيضاً لو كان سألها بتكليفهم لقال (( رب أرهم ينظروا إليك )) . والثاني أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل ، وهو أمر ممكن في نفسه والمعلق على الممكن ممكن لأن معنى التعليق الإخبار بوقوع المعلق عند وقوع المعلق به والمحال لا يثبت على شيء من التقادير الممكنة . وأيضاً ما صح عن النبي  أنه قال (( إنكم سترون ربكم عياناً يوم القيامة كما ترون هذا القمر لا تضامون )) وهذه الرؤية متعدية إلى مفعول واحد فهى من رأى العين لا من رأى القلب . ووجه الاستدلال به أن الرؤية لو كانت محالاً لما بشر النبي بها المؤمنين لأن بشارته متحتمة الوقوع والمحال لا يمكن وقوعه والتشبيه المذكور في الحديث تشبيه الرأى بالرأى في الحالتين دون المرئى بالمرئى . وقوله تعالى  وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة  والنظر المتعدي بغلى هو بمعنى الرؤية و (( إلى )) ههنا حرف جر لا اسم مفرد ، وليس النظر متعدياً إليه بنفسه فإن النظر يكون حينئذ بمعنى الانتظار وهو غم ونقمة كما قيل (( الانتظار موت أحمر )) لا نغمة ومسرة ، وقد سبقت الآية في بشارة المؤمنين بنعيم الجنة وسرورها والانتظار يوجب الغم ولا يناسب سياق الآية . وأما العقل فهو أنا نرى الأعراض – كالألوان والأضواء وغيرهما – والجواهر – كالطول والعرض – في الجسم فلا بد له من علة مشتركة بينهما بل من شيء مشترك بينهما يكون المتعلق الأول للرؤية وذلك الأمر إما الوجود أو الحدوث أو الإمكان ، والأخيران عدميان لا يصلحان لتعلق الرؤية بهما فلم يبق إلا الوجود وهو مشترك بين الواجب والممكنات فيجوز رؤيته عقلاً ، والمراد بالوجود مفهوم مطلق الوجود الحقيقى وما به الموجودية ، وبالجملة إن المعتمد في مسالة الرؤية إجماع الأمة – قبل حدوث المبتدعين – على وقوعها ، وهو مستلزم لجوازها ، وعلى كون الآية الكريمة محمولة على الظاهر المتبادر منها .
وقد أنكر الرؤية جميع فرق الشيعة – إلا المجسمة منهم – وقالوا يستحيل رؤيته تعالى . وعقيدتهم هذه مخالفة للكتاب والعترة . أما الكتاب فقوله تعالى  وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة  وقوله تعالى في الكفار  كلا إنهم عن ربهم يؤمئذ لمحجوبون  فعلم ان المؤمنين لا يكون لهم حجاب عن ربهم ، وقوله تعالى  إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم  فقد علم أن المؤمنين والصلحاء هؤلاء سيكن لهم نظر وكلام من الله تعالى إلى غير ذلك من الآيات.
الثاني أن متمسك هؤلاء المنكرين في نفي الرؤية ليس إلا الاستبعاد وقياس الغائب على الشاهد واشتباه العاديات بالبديهيات  وغاية سوء الأدب ممن يؤول آيات الكتاب بمجرد استبعاد عقله الناقص ، ويصرفها عن الظاهر ، ولا يتفكر ولا يتأمل في معانيها .
وفي آية  لاتدركه الأبصار  نفي للإدراك الذى هو بمعنى الإحاطة لا نفى الرؤية ، ولا يستلزم نفيه نفيها ، لأن الإدراك والرؤية متباينان في الحقيقة ، وبملاحظة إسناده إلى الأبصار بوجه أخص منها فإنه إبصار وإنكشاف المرئي التام بالبصر . والإدراك في اللغة الإحاطة بدليل قوله تعالى  حتى إذا ادركه الغرق  وقوله  قال اصحاب موسى إنا لمدركون  ونفى أحد المتباينين لا يستلزم نفى الآخر ، وكذا نفى الأخص لا يستلزم نفى الأعم ، وأما ما يرادف العلم فهو المصطلح لا غير ، لأن الإدراك بمعنى العلم والإحساس ليس في اللغة أصلاً ، ولا شك أن الإحاطة نقص له تعالى فنفيها مدح ، والرؤية ليست كذلك . فعلى هذا معنى الآية : إن الله تعالى لا تحاط ذاته المقدسة بحاسة البصر . ولو فرضنا كون الإدراك بمعنى الرؤية لكان نفيها في الآية بناء على العادة ، وظاهر أن رؤيته تعالى بحيث كل ما أراد فيراه ، ولا يمكن لأحد أن يراه مالم يره الله ذاته تعالى ، وقد وقع في كلامه تعالى نفى العادة بالإطلاق كقوله تعالى  إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم  وبالإجماع يجوز رؤية الجن والشياطين بطريق خرق العادة ، ولهذا أستعظم وأستبعد سؤال الكفار رؤية الملائكة مع أنهم يراهم الأنبياء والصلحاء والمؤمنون ، وأيضاً ليس النفي في الآية عاماً في الأوقات ، فلعله مخصوص ببعض الحالات ، ولا في الأشخاص فإنه في قوة قولنا لا كل بصر يدركه ، مع ان النفي لا يوجب الامتناع .
أما العترة فقد روى أبن بابويه عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد الله فقلت : أخبرني عن الله عز وجل هل يراه المؤمنون يوم القيامة ؟ قال : نعم . إلى غير ذلك من الأخبار .
عدد مرات القراءة:
2956
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :