آخر تحديث للموقع :

الأحد 14 ذو القعدة 1441هـ الموافق:5 يوليو 2020م 09:07:49 بتوقيت مكة
   شارك برأيك ..   موقف الشيعة من المخالفين (مئات الوثائق) ..   من روايات الغلو في الأئمة عند الشيعة ..   كتاب فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب للنوري الطبرسي وأقوال بعض العلماء فيه ..   أبو طالب عند الشيعة من الأنبياء ..   مصطلح النواصب عند الشيعة يطلق على أهل السنة ..   الإباحية الجنسية عند الشيعة - نعمة الله الجزائري (أنموذجاً) ..   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   ماذا قالوا في موقع فيصل نور؟ ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع

بحوث في حديث الطائر المشوي ..

أما الاستدلال بخبر الطائر، وأن علياً رضي الله عنه أحب الخلق إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن من كان أفضل من جميع الصحابة رضوان الله عليهم لا يجوز تقدم غيره عليه، فقبل الكلام فيه نورد طرقه، ونتكلم في أسانيده، ثم ننظر في متونه:

الرواية الأولى: الطوسي، أبوعمرو، عن ابن عقدة، عن محمد بن أحمد بن الحسن، عن يوسف بن عدي، عن حماد بن المختار، عن عبد الملك بن عمير، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم طائر فوضع بين يديه، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي، فجاء علي فدق الباب، فقلت: من ذا؟ فقال: أنا علي، فقلت: إن النبي على حاجة، حتى فعل ذلك ثلاثاً، فجاء الرابعة فضرب الباب برجله فدخل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما حبسك؟ قال: قد جئت ثلاث مرات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ماحملك على ذلك؟ قال: قلت: كنت أحب أن يكون رجلاً من قومي([1]).
أقول: أبوعمرو، هو عبد الواحد بن محمد بن عبدالله بن محمد بن خشام، وهو من مشايخ الطوسي من العامة عند من ذكره من القوم، ولم نقف على من ذكر حاله، وابن عقدة مرت ترجمته، ومحمد بن أحمد بن الحسن مجهول([2])،أما المختار فلم أجد له ترجمة.
الرواية الثانية: محمد بن علي بن عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن القاسم الفارسي، عن عبدالله بن أبي حامد، عن محمد بن إبراهيم بن أحمد، عن أحمد بن مدرك، عن إبراهيم بن سعد، عن حسين بن محمد، عن سليمان بن قرط، عن محمد بن شعيب، عن داود بن علي بن عبدالله بن عباس، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بطير، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك، فجاء علي، فقال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه([3]).
أقول: سند هذه الرواية ظلمات بعضها فوق بعض، فبين مجهول كابن سعد، وابن شعيب، وداود، وأبيه، وغير مترجم له كالفارسي، ومحمد بن أحمد، وابن مدرك، وابن قرط.
الرواية الثالثة: الطوسي، أخبرنا جماعة، عن أبي المفضل، قال: حدثنا محمد بن عبدالله بن مورويه الجندى سابوري من أصل كتابه، قال: حدثنا علي بن منصور الترجماني، قال: أخبرنا الحسن بن عنبثة النهشلي، قال: حدثنا شريك بن عبدالله النخعي القاضي، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي... فذكر حديثاً طويلاً فيه قصة الطير([4]).
أقول: أبوالمفضل ضعيف كما مر بك، وبقية السند بين مجاهيل كابن ميمون، ومن ليست له ترجمة كابن مورويه والترجماني والنهشلي، وقد تكلمنا في شريك وأبي اسحاق.
الرواية الرابعة: الصدوق، حدثنا أبي، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن أبي هدبة، عن أنس رضي الله عنه... فذكر القصة([5]).
أقول: قد تكلمنا فيما مضى عن بعض رجال السند، وحسب السند هذا أن فيه إبراهيم بن هدبة، فقد ضعفه وتركه كل من ترجم له.
الرواية الخامسة: الطوسي، أخبرنا أحمد بن محمد بن الصلت، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد إجازة، قال: حدثنا علي بن محمد بن حبيبة الكندي، قال: حدثنا حسن بن حسين، قال: حدثنا أبوغيلان سعد بن طالب الشيباني، عن إسحاق، عن أبي الطفيل، قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في حديث طويل: أنشدكم بالله هل فيكم أحد أُتيَ النبي صلى الله عليه وسلم بطير، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر، فدخلت عليه([6])؟
أقول: مضى الكلام في البعض، والشيباني مجهول الحال([7])، والكندي وحسن بن حسين لم أجد لهم تراجم.
الرواية السادسة: الطوسي: أخبرنا جماعة، عن أبي المفضل، قال: حدثنا الحسن بن علي بن زكريا العاصمي، قال: حدثنا أحمد بن عبيدالله العدلي، قال: حدثنا الربيع بن يسار، قال: حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، يرفعه إلى أبي ذر، أن علياً رضي الله عنه قال: فذكر الرواية([8]).
أقول: مر السند بتمامه، وكذا الكلام فيه عند حديثنا عن روايات التصدق بالخاتم في الرواية الثامنة عشرة.
الرواية السابعة: الصدوق: حدثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدثنا أحمد بن يحيى بن زكريا أبو العباس القطان، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البرمكي، قال: حدثنا عبدالله بن داهر، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن عمر، عن أبي عبدالله، في رواية طويلة ذكر فيها حديث الطير([9]).
أقول: مر الكلام في أكثر رجال السند، وابن داهر ضعيف([10])، ولم أجد ترجمة لأبيه.
الرواية الأخيرة: الكراجكي: عن علي بن الحسن بن مندة، عن الحسن بن يعقوب البزاز، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، قال:...فذكر حديثاً طويلاً فيه قصة الطير([11]).
أقول: ابن مندة لم يصرح بوثاقته أحد([12])، والبزاز لم أجد له ترجمة، ومر الكلام في الباقي.
هذه الروايات -جل ما وقفت عليه من خبر الطير- بأسانيدها من طرق الإمامية، وغيرها إما منقولة من طرق أهل السنة، وقد بينا القول فيها في مقدمة الباب، وإما إرسالها إرسال المسلمات دون سند، وحسبها هذا في فساد حجيتها فيما نحن فيه.
فإذا عرفت بأنه لم يصح شيء من طرق الرواية عند الفريقين، يكون الكلام في المتن.
الكلام في متن حديث الطائر:
أول ذلك الاضطراب غير الخافي في مجموع الروايات، سواء المسندة منها أو غير المسندة، منها مثلاً:
أن الطارق في بعض الروايات كان علياً كما مر بك.
وفي أخرى: عائشة([13]).
وأخرى: أبا رافع([14]).
ومن ذلك: اختلاف دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم، بين قولـه: اللهم يسر لي عبداً يحبك ويحبني([15])، وبين قولـه: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك، وفي لفظ: إليك وإلي، كما في معظم الروايات، وبين قولـه: ليت أمير المؤمنين وسيد المسلمين وإمام المتقين عندي يأكل معي([16])، وغيرها.
ومن ذلك: من الذي أهدى إليه الطائر؟ فمن لفظ مطلق دون تحديد، ومن كونه جبرئيل عليه السلام ([17])، ومن كونها امرأة من الأنصار([18]).
ومن ذلك: عدد الطير، من واحد كما في أكثر الروايات، وطيرين كما في البعض الآخر([19]).
وغيرها من اضطراب الروايات.
وقد رُد على هذا الاستدلال من وجوه:
أولاً: أن أكل الطير ليس فيه أمر عظيم يناسب أن يجيء أحب الخلق إلى الله ليأكل منه، فإن إطعام الطعام مشروع للبر والفاجر، وليس في ذلك زيادة وقربة عند الله لهذا الآكل ولا معونة على مصلحة دين ولا دنيا، فأي أمر عظيم هنا يناسب جعل أحب الخلق إلى الله يفعله.
ثانياً: أن هذا الحديث يناقض مذهب القوم، فإنهم يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن علياً أحب الخلق إلى الله، وأنه جعله خليفة من بعده، وهذا الحديث يدل على أنه ما كان يعرف أحب الخلق إلى الله.
ثالثاً: أنه لا يلزم أن يكون أحب الخلق إلى الله صاحب الرئاسة العامة، فكأين من أولياء وأنبياء كانوا أحب الخلق إلى الله في زمانهم ولم يكونوا ذوي رياسة عامة، كزكريا ويحيى وشمويل الذي كان طالوت في زمنه صاحب رياسة عامة بنص إلهي.
رابعاً: أن يقال: إما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف أن علياً أحب الخلق إلى الله أو لا يعرف، فإن كان يعرف ذلك فيمكنه أن يرسل في طلبه كما كان يطلب الواحد من الصحابة، أو يقول: اللهم ائتني بعلي فإنه أحب الخلق إليك، فأي حاجة إلى الدعاء والإبهام في ذلك؟ ولو سمى علياً رضي الله عنه لاستراح أنس رضي الله عنه من الرجاء الباطل، ولم يغلق الباب في وجه علي، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف ذلك بطل ما يدعونه من كونه يعرف ذلك.
ثم إن في لفظة: (أحب الخلق إليك وإلي) إشكال، فكيف لا يعرف أحب الخلق إليه.
أقول: والغريب أن في روايات القوم ما يفيد عدم معرفة الصحابة، وكذا أهل البيت رضي الله عنهم مَن أحب الناس إليه صلى الله عليه وسلم حتى لحظة وفاته، فمن تلك الروايات:
أ- عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرض موته: ادعوا لي حبيبي، فجعل يدعى له رجل بعد رجل، فيعرض عنه، فقيل لفاطمة: امضي إلى علي فما نرى رسول الله يريد غير علي، فبعثت فاطمة إلى علي([20]).
وروايات قولـه صلى الله عليه وسلم في مرض موته: ادعوا لي خليلي أو حبيبي، وجهل الناس به أو دعوةِ غيرِ علي رضي الله عنه -كما يزعم القوم- كثيرة([21]).
ب- ومن روايات عدم علمه رضي الله عنه عند القوم، أنه قال: يا رسول الله، أينا أحب إليك أنا أم فاطمة؟ قال: فاطمة أحب إلي منك([22]).
ج- وقال رضي الله عنه: كانت فاطمة من أحب أهله إليه([23]).
د- ورووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: اللهم هذه ابنتي وأحب الخلق إلي([24]).
هـ- وعن أسامة رضي الله عنه، أن علياً والعباس رضي الله عنهما سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أي أهلك أحب إليك؟ قال: فاطمة([25]).
و- واجتمع علي يوماً وجعفر وزيد بن حارثة رضي الله عنهم، فجعل كل واحد منهم يقول: أنا أحبكم إلى رسول الله، فانطلقوا إلى رسول الله، فقالوا: يا رسول الله، جئنا نسألك: من أحب الناس إليك؟ قال: فاطمة.. الحديث([26]).
ولا شك أن جعفراً -مثلاً- ما جعل نفسه إزاء الأمير رضي الله عنه لو علم بقصة الطير، حتى وإن علم، فكيف يصنع بقول الرسول صلى الله عليه وسلم له: يا جعفر، أشبهت خلقي وخلقي([27])؟
ز- وقال: خلق الناس شتى، وخلقت أنا وجعفر من شجرة واحدة، أو قال: من طينة واحدة([28]).
ح- وقال له لما قدم من الحبشة يوم فتح خيبر: أيها الناس: ما أدري بأيهما أنا أُسَرّ، أبافتتاحي خيبر أم بقدوم ابن عمي جعفر، وبكى فرحاً برؤيته([29]).
فنراه هنا جعل فتح خيبر وهو ما هو بإزاء مقدم جعفر رضي الله عنه.
ط- ويبدو أن أهل السماء أيضاً لم يعرفوا ذلك، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما يروي القوم- قال: من أحب أن ينظر إلى أحب أهل الأرض إلى أهل السماء فلينظر إلى الحسين([30]).
ولا أقل من كون معظم هذه الروايات في المدينة وبعد روايات الطير لمن تدبر وإن كان الأمران سيان، وقد رأيتَ أن هذه المحبة لم تخلص له.
_____________________________________
([1]) أمالي الطوسي: (259)، المناقب: (1/435)، البحار: (38/350، 352)(43/38).
([2]) معجم الخوئي: (14/324).
([3]) بشارة المصطفى: (202)، البحار: (38/355).
([4]) أمالي الطوسي: (568)، البرهان: (3/315).
([5]) أمالي الصدوق: (521)، البحار: (38/353)، إثبات الهداة: (2/70).
([6]) أمالي الطوسي: (342).
([7]) معجم الخوئي: (8/67).
([8]) أمالي الطوسي: (557).
([9]) علل الشرايع: (161)، مختصر البصائر: (216)، المحتضر: (69)، البحار: (39/194)، البرهان: (4/224)، تأويل الآيات: (2/790).
([10]) معجم الخوئي: (10/183)، النجاشي: (2/33).
([11]) البحار: (60/300).
([12]) معجم الخوئي: (11/367).
([13]) الاحتجاج: (197)، البحار: (32/277)(38/348).
([14]) اليقين: (13)، بشارة المصطفى: (203)، البحار: (38/351).
([15]) الاحتجاج: (104)، البحار: (38/349).
([16]) اليقين: (13)، بشارة المصطفى: (203)، البحار: (38/351).
([17]) الاحتجاج: (104)، البحار: (38/348).
([18]) الطرائف: (18)، البحار: (38/355).
([19]) الطرائف: (18)، البحار: (38/355).
([20]) أمالي الصدوق: (379)، الطرائف: (38)، البحار: (22/510)(38/308، 312).
([21]) انظرأيضاً: الخصال: (2/173، 186)، البصائر: (88، 90، 91)، الاختصاص: (285)، البحار: (22/461، 462، 463، 464، 473)(38/308، 312)(40/215)، إثبات الوصية: (18)، إعلام الورى: (142)، المناقب: (1/236).
([22]) كشف الغمة: (2/90)، البحار: (36/72)(43/38)، إعلام الورى: (156).
([23]) البحار: (43/82).
([24]) البحار: (43/96).
([25]) البحار: (43/68).
([26]) البحار: (38/307)(43/68).
([27]) البحار: (20/372)(21/64)(38/307، 328)(41/151).
([28]) البحار: (21/64).
([29]) عيون الأخبار: (1/231)، التهذيب: (1/175)، الخصال: (2/82)، إعلام الورى: (63)، نوادر الراوندي:(33)، البحار:(21/7،23، 24، 25، 63)(22/276)(38/294)(39/207)(76/282) (91/206، 211)، بشارة المصطفى: (177).
([30]) البحار: (43/297).
نقلاً عن كتاب الإمامة والنص لفيصل نور

احتجاجهم بحديث الطير


المروي عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عنده يوماً طير فقال: "اللهم ائتني بأحب الخلق إليك يأكل معي هذا الطير" فجاء علي رضي الله عنه فأكل معه. رواه الترمذي وقال: حديث غريب.

واستطابه وقال: "اللهم أدخل إليّ أحب خلقك إليك". وأنس رضي الله عنه بالباب فجاء علي بن أبي طالب فقال: يا أنس! استأذن لي علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه على حاجة فدفع، في صدره ودخل فقال: يوشك أن يحال بيننا وبين النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهم والِ من والاه". وفي الكامل لابن عدي في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي أن الطير المشوي كان حجلاً وفي ترجمة جعفر بن ميمون أنه كان حيارى. قال الحاكم: قد رواه عن أنس أكثر منه.
وجوابه:
قال الشيخ العلامة ابن قيم الجوزية في كتابه "الرد على الرافضة": أن هذا حديث لم يرد في الصحيح ولا صححه أحد من الأئمة، وهو من الكذب الموضوع عند أهل المعرفة بالنقل، قال الحافظ أبو موسى المديني: قد جمع غير واحد من الحفاظ طرق حديث الطير للاعتبار والمعرفة كالحاكم النيسابوري وأبى نعيم وابن مردويه وسئل عنه الحاكم فقال: لا يصح.
ثانياً: وهو معارض بالأحاديث الصحيحة مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً" الحديث.
وقوله عليه السلام لما سئل: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة"، قيل: فمن الرجال؟ قال: أبوها. الحديث.
وبقول الصحابة رضي الله عنهم: "أبو بكر خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن قاله عمر رضي الله عنه بين المهاجرين والأنصار ولم ينكره عليه أحد.
ثالثاً: نقول لا يخفى على البصير أن أكل الطير ليس فيه أمر عظيم يناسب أن يجيء أحب الخلق إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيأكل منه على أن إطعام الطعام مشروع مطلوب للبر والفاجر.
رابعاً: ما قاله الشيخ أبو محمد إبراهيم الفاروقي رحمه الله: وهو أنه لا شك أن في ذلك الوقت كانا اليأس والخضر عليهما السلام، كانا يأكلان الطعام وما حضرا وإنما المعنى بأحب خلقك إليك أن يأكل معي، ولا شك أن كل علوي وعلوية يأكل من طعمه النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من طعمه الصديقين والعمريين والعثمانيين فدل ذلك على أن مراده صلى الله عليه وسلم مراد الحق سبحانه وتعالى.
وهذا كما يقال: هذه الشربة أعذب الشراب، أي: عندي، وهذا الفاكهة ألذ الفاكهة، أي: في مساغي. وهذه الجمل التفضيلية كقولنا أحب وأفضل ما لم يكن مؤكدة فهي محتملة وإن أكدت أو أدخل في أولها ففي قوله: ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين أفضل من أبي بكر، فهذا لا احتمال فيه إذ النفي أزال الاحتمال إلى آخر ما قاله.
وقال الإمام العلامة خاتم المحققين سعد الدين التفتازاني رحمه الله في شرح المقاصد: قوله: "بأحب خلقك" يحتمل تخصيص أبي بكر رضي الله عنه عملاً بالأدلة على أفضليته. قال: ويحتمل أن يراد بأحب الخلق في أن يأكل الطير معي. وقيل: بأحب الخلق من ذوي القرابة القريبة. وإنما طلب ذلك لأن أبر البر ذي رحم. أو نقول: المراد: ائتني بمن هو من أحب الخلق إليك، كما يقال: أعقل الناس وأفضلهم، أي: من أعقلهم وأفضلهم.
وقال العلامة التوربشتي: ومما يبين لك عن حمله على العموم غير جائز إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حمله خلق الله عز وجل، ولا يجوز أن يكون علي رضي الله عنه أحب إليه منه. فإن قيل ذلك شيء عرف بأصل الشرع. قلنا: ما نحن فيه أيضاً شيء عرف بالنصوص الصريحة وإجماع الأمة فلا يتخذ الجاهل المبتدع هذا الحديث وسيلة إلى الطعن في خلافة أبي بكر رضي الله عنه التي هي أول حكم أجمع عليه المسلمون في هذه الأمة، وأقوم عماد أقيم به الدين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابي الذي نسب إليه رواية حديث الطير ممن دخل في هذا الإجماع واستقام عليه مدة عمره ولم ينقل عنه خلافه.
ثم قال ابن تيمية: اعلم أن كل ما يظن أن فيه دلالة على فضيلة غير أبي بكر رضي الله عنه، فإما أن يكون كذباً على النبي صلى الله عليه وسلم، وإما أن يكون لفظاً مجملاً لا دلالة فيه. وأما النصوص المفضلة لأبي بكر فصحيحة صريحة مع دلالات أخرى من القرآن والإجماع. والاعتبار والاستدلال كما ذكرنا. والله أعلم.
( المرجع : رسالة " الرد على الرافضة " لأبي حامد المقدسي ، ص 236 – 243 ) .
وقال شيخ الإسلام ردًا على هذه الشبهة :
قال الرافضي: الثامن: خبر الطائر. روى الجمهور كافة أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بطائر، فقال:" اللهم! ائتني بأحب خلقك إليك وإليّ، يأكل معي من هذا الطائر، فجاء عليّ، فدق الباب، فقال أنس: إن النبي صلى الله عليه وسلم على حاجة، فرجع. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم كما قال أولاً، فدق الباب، فقال أنس: ألم أقل لك إنه على حاجة؟ فانصرف، فعاد النبي صلى الله عليه وسلم، فعاد عليّ فدق الباب أشد من الأولين، فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم، فأذن له بالدخول، وقال: ما أبطأك عني؟ قال: جئت فردني أنس، ثم جئت فردني [أنس]، ثم جئت فردني الثالثة، فقال: يا أنس! ما حملك على هذا؟ فقال: رجوت أن يكون الدعاء لرجل من الأنصار، فقال: يا أنس! أو في الأنصار خير من عليّ؟ أو في الأنصار أفضل من عليّ؟ فإذا كان أحب الخلق إلى الله، وجب أن يكون هو الإمام».
والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بتصحيح النقل. وقوله: «روى الجمهور كافة» كذب عليهم؛ فإن حديث الطير لم يروه أحد من أصحاب الصحيح، ولا صححه أئمة الحديث، ولكن هو مما رواه بعض الناس، كما رووا أمثاله في فضل غير عليّ، بل قد رُوي في فضائل معاوية أحاديث كثيرة، وصُنِّف في ذلك مصنفات. وأهل العلم بالحديث لا يصححون لا هذا ولا هذا.
الثاني: أن حديث الطائر من المكذوبات الموضوعات عند أهل العلم والمعرفة بحقائق النقل. قال أبو موسى المديني: «قد جمع غير واحد من الحفَّاظ طرق أحاديث الطير للاعتبار والمعرفة، كالحاكم النيسابوري، وأبي نُعيم، وابن مروديه. وسئل الحاكم عن حديث الطير فقال: "لا يصح».
هذا مع أن الحاكم منسوب إلى التشيع، وقد طُلب منه أن يروي حديثاً في فضل معاوية فقال: ما يجئ من قلبي، ما يجيء من قلبي، وقد ضربوه على ذلك فلم يفعل.
وهو يروي في «الأربعين» أحاديث ضعيفة بل موضوعة عند أئمة الحديث، كقوله: بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، لكن تشيعه وتشيع أمثاله من أهل العلم بالحديث، كالنسائي وابن عبد البر وأمثالهما، لا يبلغ إلى تفضيله على أبي بكر وعمر، فلا يعرف في علماء الحديث من يفضِّله عليهما بل غاية المتشيع منهم أن يفضله على عثمان، أو يحصل منه كلام أو إعراض عن ذكر محاسن من قاتله ونحو ذلك، لأن علماء الحديث قد عصمهم وقيدهم ما يعرفون من الأحاديث الصحيحة الدالة على أفضلية الشيخين، ومن ترفّض ممن له نوع اشتغال بالحديث كابن عُقدة وأمثاله، فهذا غايته أن يجمع ما يُروى في فضائله من المكذوبات والموضوعات، لا يقدر أن يدفع ما تواتر من فضائل الشيخين، فإنها باتفاق أهل العلم بالحديث أكثر مما صح في فضائل عليّ وأصح وأصرح في الدلالة.
وأحمد بن حنبل لم يقل: إنه صحّ لعليّ من الفضائل ما لم يصح لغيره، بل أحمد أجلّ من أن يقول مثل هذا الكذب، بل نُقل عنه أنه قال: «رُوي له ما لم يُرو لغيره» مع أن في نقل هذا عن أحمد كلاماً ليس هذا موضعه.
الثالث: أن أكل الطير ليس فيه أمر عظيم يناسب أن يجيء أحب الخلق إلى الله ليأكل منه، فإن إطعام الطعام مشروع للبرّ والفاجر وليس في ذلك زيادة وقربة عند الله لهذا الآكل، ولا معونة على مصلحة دين ولا دنيا، فأي أمر عظيم هنا يناسب جعل أحب الخلق إلى الله يفعله؟!
الرابع: أن هذا الحديث يناقض مذهب الرافضة؛ فإنهم يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن عليًّا أحب الخلق إلى الله، وأنه جعله خليفة من بعده. وهذا الحديث يدل على أنه ما كان يعرف أحب الخلق إلى الله.
الخامس: أن يقال: إما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف أن عليًّا أحب الخلق إلى الله، أو ما كان يعرف. فإن كان يعرف ذلك، كان يمكنه أن يرسل يطلبه، كما كان يطلب الواحد من الصحابة، أو يقول: اللهم! ائتني بعليّ فإنه أحب الخلق إليك. فأي حاجة إلى الدعاء والإبهام في ذلك؟! ولو سَمَّى عليًّا لاستراح أنس من الرجاء الباطل، ولم يغلق الباب في وجه عليّ.
وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف ذلك، بطل ما يدَّعونه من كونه كان يعرف ذلك، ثم إن في لفظه: «أحب الخلق إليك وإليّ» فكيف لا يعرف أحب الخلق إليه؟!
السادس: أن الأحاديث الثابتة في الصحاح، التي أجمع أهل الحديث على صحتها وتلقّيها بالقبول، تناقض هذا، فكيف تعارض بهذا الحديث المكذوب الموضوع الذي لم يصححوه؟!
يبيّن هذا لكل متأملٍ ما في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من فضائل القوم، كما في الصحيحين أنه قال: «لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً». وهذا الحديث مستفيض، بل متواتر عند أهل العلم بالحديث؛ فإنه قد أُخرج في الصحاح من وجوه متعددة، من حديث ابن مسعود وأبي سعيد وابن عباس وابن الزبير، وهو صريح في أنه لم يكن عنده من أهل الأرض أحد أحب إليه من أبي بكر؛ فإنه الخلة هي كمال الحب، وهذا لا يصلح إلا لله، فإذا كانت ممكنة، ولم يصلح لها إلا أبو بكر، عُلم أنه أحب الناس إليه.
وقوله في الحديث الصحيح لما سئل: «أيّ الناس أحب إليك؟ قال: عائشة» قيل: من الرجال؟ قال: «أبوها».
وقول الصحابة: «أنت خيرنا وسيدنا وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم» يقوله عمر بين المهاجرين والأنصار، ولا ينكر ذلك منكر.
وأيضاً فالنبي صلى الله عليه وسلم محبته تابعة لمحبة الله، وأبو بكر أحبهم إلى الله تعالى، فهو أحبهم إلى رسوله.
وإنما كان كذلك لأنه أتقاهم [وأكرمهم]، وأكرم الخلق على الله تعالى أتقاهم بالكتاب والسنة. وإنما كان أتقاهم؛ لأن الله تعالى قال: { وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى* إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى } [سورة الليل: 17-21].
وأئمة التفسير يقولون: إنه أبو بكر.
ونحن نبيّن صحة قولهم بالدليل فنقول: الأتقى قد يكون نوعاً، وقد يكون شخصاً. وإذا كان نوعاً فهو يجمع أشخاصاً. فإن قيل: إنهم ليس فيهم شخص هو أتقى، كان هذا باطلاً؛ لأنه لا شك أن بعض الناس أتقى من بعض، مع أن هذا خلاف قول أهل السنة والشيعة، فإن هؤلاء يقولون: إن أتقى الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الأمة هو أبو بكر، وهؤلاء يقولون: هو عليّ. وقد قال بعض الناس: هو عمر. ويُحكى عن بعض الناس غير ذلك. ومن توقف أو شَكَّ لم يقل: إنهم مستوون في التقوى. فإذا قال: إنهم متساوون في الفضل، فقد خالف إجماع الطوائف. فتعين أن يكون هذا أتقى.
وإن كان الأتقى شخصًا، فإما أن يكون أبا بكر أو عليًّا، فإنه إذا كان اسم جنس يتناول من دخل فيه، وهو النوع، وهو القسم الأول، أو معيناً غيرهما. وهذا القسم منتفٍ باتفاق أهل السنة والشيعة، وكونه عليًّا باطل أيضًا؛ لأنه قال: { وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى } [سورة الليل: 17-21].
وهذا الوصف منتفٍ في عليّ لوجوه:
أحدها: أن هذه السورة مكية بالاتفاق، وكان عليٌّ فقيراً بمكة في عيال النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن له مالٌّ ينفق منه، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ضمّه إلى عياله لما أصابت أهل مكة سنة.
الثاني: أنه قال: { وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى } [سورة الليل: 19].
وعليّ كان للنبي صلى الله عليه وسلم عنده نعمة تجزى، وهو إحسانه إليه لما ضمه إلى عياله. بخلاف أبي بكر؛ فإنه لم يكن له عنده نعمة دنيوية، لكن كان له عنده نعمة الدين، وتلك لا تُجزى؛ فإن أجر النبي صلى الله عليه وسلم فيها على الله، لا يقدر أحد يجزيه. فنعمة النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي بكر دينية لا تجزى، ونعمته عند عليّ دنيوية تجزى، ودينية.
وهذا الأتقى ليس لأحد عنده نعمة تُجزى، وهذا الوصف لأبي بكر ثابت دون عليّ.
فإن قيل: المراد به أنه أنفق ماله لوجه الله، لا جزاء لمن أنعم عليه، وإذا قُدِّر أن شخصًا أعطى من أحسن إليه أجرًا، وأعطى شيئًا آخر لوجه الله، كان هذا مما ليس لأحد عنده من نعمة تجزى.
قيل: هب أن الأمر كذلك، لكن عليّ لو أنفق لم ينفق إلا فيما يأمره به النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي له عنده نعمة تجزى، فلا يخلص إنفاقه عن المجازاة، كما يخلص إنفاق أبي بكر.
وعليّ أتقى من غيره لكن أبا بكر أكمل في وصف التقوى، مع أن لفظ الآية أنه ليس عنده قط لمخلوق نعمة تُجزى، وهذا وصف من يجازي الناس على إحسانهم إليه، فلا يبقى لمخلوق عليه منّة، وهذا الوصف منطبق على أبي بكر انطباقاً لا يساويه فيه أحد من المهاجرين؛ فإنه لم يكن في المهاجرين: - عمر وعثمان وعليّ وغيرهم – رجل أكثر إحساناً إلى الناس، قبل الإسلام وبعده، بنفسه وماله من أبي بكر. كان مؤلفاً محبباً يعاون الناس على مصالحهم، كما قال فيه ابن الدُّغُنَّة سيد الفارة لما أراد أن يخرج من مكة: «مثلك يا أبا بكر لا يَخْرُج ولا يُخْرَج؛ فإنك تحمل الكلَّ، وتًقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق».
وفي صلح الحديبية لما قال لعروة بن مسعود: «امصص بظر اللات، نحن نفر عنه وندعه؟ قال لأبي بكر: لولا يَدٌ لك عندي لم أجزك بها أجبتك».
وما عُرف قط أن أحداً كانت له يدٌ على أبي بكر في الدنيا، لا قبل الإسلام ولا بعده، فهو أحق الصحابة: { وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى }، فكان أحق الناس بالدخول في الآية.
وأما عليّ – رضي الله عنه – فكان للنبي صلى الله عليه وسلم نعمة دنيوية. وفي المسند لأحمد أن أبا بكر – رضي الله عنه – كان يَسْقُط السوط من يده فلا يقول لأحد: ناولني إياه. ويقول: إن خليلي أمرني أن لا أسأل الناس شيئًا.
وفي المسند والترمذي وأبي داود حديث عمر، قال عمر: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدّق، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر، إن سبقته يوماً. فجئت بنصف مالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» فقلت: مثله. قال: وأتى أبو بكر بكل ما عنده. فقال: أبقيت لهم الله ورسوله. فقلت: لا أسابقك إلى شيءٍ أبدًا».
فأبو بكر – رضي الله عنه – جاء بماله كله، ومع هذا فلم يكن يأكل من أحد: لا صدقةً ولا صلةً ولا نذراً، بل كان يتّجر ويأكل من كسبه، ولما تولى الناس واشتغل عن التجارة أكل من مال الله ورسوله الذي جعله الله له، لم يأكل من مال مخلوق.
وأبو بكر لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يعطيه شيئاً من الدنيا يخصه به، بل كان في المغازي كواحد من الناس، بل يأخذ من ماله ما ينفقه على المسلمين، وقد استعمله النبي صلى الله عليه وسلم وما عُرف أنه أعطاه عمالة، وقد أعطي عمر عمالة وأعطي عليًّا من الفيء، وكان يعطى المؤلَّفة قلوبهم من الطلقاء وأهل نجد، والسابقون الأولون المهاجرين والأنصار لا يعطيهم، كما فعل في غنائم حُنين وغيرها، يقول: «إني لأعطي رجالاً وأدع رجالاً، والذي أدع أحب إليّ من الذي أعطي، أعطي رجالاً لما في قلوبهم من الجزع والهلع، وأَكِل رجالاً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير».
ولما بلغه عن الأنصار كلام سألهم عنه، فقالوا: يا رسول الله! أما ذوو الرأي منّا فلم يقولوا شيئًا، وأما أناس منا حديثة أسنانهم، فقالوا: يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر يألِّفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعوا إلى رحالكم برسول الله، فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به» قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا. قال: «فإنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض» قالوا: سنصبر».
وقوله تعالى: { وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى } [سورة الليل: 17-21] استثناء منقطع. والمعنى: لا يقتصر في العطاء على من له عنده يد يكافئه بذلك؛ فإن هذا من العدل الواجب للناس بعضهم على بعض، بمنزلة المعاوضة في المبايعة والمؤاجرة. وهذا واجب لكل أحد على كل أحد، فإذا لم يكن لأحد عنده نعمة تجزى لم يحتج إلى هذه المعادلة، فيكون عطاؤه خالصاً لوجه ربه الأعلى، بخلاف من كان عنده لغيره نعمة يحتاج أن يجزيه لها، فإنه يحتاج أن يعطيه مجازاة له على ذلك، وهذا الذي ما لأحد عنده من نعمة تجزى إذا أعطى ماله يتزكّى، فإنه في معاملته للناس يكافئهم دائماً ويعاونهم ويجازيهم، فحين أعطاه الله ماله يتزكى لم يكن لأحد عنده من نعمة تجزى.
وفيه أيضاً ما يبين أن التفضيل بالصدقة لا يكون إلا بعد أداء الواجبات من المعاوضات. كما قال تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ } [سورة البقرة: 219]، ومن تكون عليه ديون وفروض وغير ذلك أداها، ولا يقدّم الصدقة على قضاء هذه الواجبات، ولو فعل ذلك: فهل ترد صدقته؟ على قولين معروفين للفقهاء.
وهذه الآية يحتج بها من تُرد صدقته، لأن الله إنما أثنى على من آتى ماله يتزكّى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى، فإذا كان عنده نعمة تجزى فعليه أن يجزيها قبل أن يؤتى ماله يتزكّى، فأما إذا آتى ماله يتزكّى قبل أن يجزيها لم يكن ممدوحاً، فيكون عمله مردوداً، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ».
الثالث: أنه قد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما نفعني مال كمال أبي بكر»، وقال: «إن أمنّ الناس علينا في صحبته ذات يده أبو بكر»، بخلاف عليّ – رضي الله عنه – فإنه لم يذكر عنه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً من إنفاق المال، وقد عُرف أن أبا بكر اشترى سبعة من المعذَّبين في الله في أول الإسلام، وفعل ذلك ابتغاءً لوجه ربّه الأعلى، لم يفعل ذلك كما فعله أبو طالب، الذي أعان النبي صلى الله عليه وسلم لأجل نسبه وقرابته، لا لأجل الله تعالى ولا تقرباً إليه.
وإن كان «الأتقى» اسم جنس، فلا ريب أنه يجب أن يدخل فيه أتقى الأمة، والصحابة خير القرون، فأتقاها أتقى الأمة، وأتقى الأمة [إما] أبو بكر وإما عليّ وإما غيرهما. والثالث منتفٍٍ بالإجماع، وعليّ إن قيل: إنه يدخل في هذا النوع، لكونه بعد أن صار له مال آتى ماله يتزكّى، فيقال: أبو بكر فعل ذلك في أول الإسلام وقت الحاجة إليه، فيكون أكمل في الوصف، الذي يكون صاحبه هو الأتقى.
وأيضاً فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يقدّم الصديق في المواضع التي لا تحتمل المشاركة، كاستخلافه في الصلاة والحج، ومصاحبته وحده في سفر الهجرة، ومخاطبته وتمكينه من الخطاب، والحكم والإفتاء بحضرته ورضاه بذلك، إلى غير ذلك من الخصائص التي يطول وصفها.
ومن كان أكمل في هذا الوصف، كان أكرم عند الله، فيكون أحب إليه فقد ثبت بالدلائل الكثيرة أن أبا بكر هو أكرم الصحابة في الصدِّيقية. وأفضل الخلق بعد الأنبياء الصدِّيقون، ومن كان أكمل في ذلك كان أفضل.
وأيضاً فقد ثبت في النقل الصحيح عن عليّ أنه قال: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر» واستفاض ذلك وتواتر عنه، وتوعّد بجلد المفتري من يفضّله عليه، وروي عنه أنه سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ريب أن عليًّا لا يقطع بذلك إلا عن علم.
وأيضاً فإن الصحابة أجمعوا على تقديم عثمان الذي عمر أفضل منه وأبو بكر أفضل منهما. وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع، يقدّم بعض ذلك، ولكن ذُكر هذا لنبين أن حديث الطير من الموضوعات.
----------------------------
( المرجع : منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ، 7 / 369-385) .
عدد مرات القراءة:
4692
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :