من الذي يدعم الإرهابيين في العراق؟ ..   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

عائشة والفتنة ..

عائشة رضي الله عنها وفتنة الجمل


أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها شرفها الله سبحانه بأن تكون زوجة لخير خلق الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم نالت أشد الطعون من هؤلاء المفترين وسوف بسرد هذه المطاعن ونرد عليها ذابين عن خير نساء الأرض التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (( فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام )).

وقال لها (( إنه لَيُهوَّن عليَّ الموت أنْ أُريتُكِ زوجتي في الجنة، يعني عائشة ))
فأقول وبالله التوفيق:
الإدعاء على عائشة في الفتنة
يقول أحدهم (( ونتساءل عن حرب الجمل التي أشعلت نارها أم المؤمنين عائشة إذ كانت هي التي قادتها بنفسها، فكيف تخرج أم المؤمنين عائشة من بيتها التي أمرها الله بالإستقرار فيه بقوله تعالى { وقرن في بيوتكنّ ولا تبرّجن تبرّج الجاهلية الأولى }.
ونسأل بأي حق استباحت أم المؤمنين قتال خليفة المسلمين علي بن أبي طالب. وهو ولي كل مؤمن ومؤمنة. وكالعادة وبكل بساطة يجيبنا علماؤنا بأنها لا تحب الإمام علياً لأنه أشار على رسول الله بتطليقها في حادثة الفك، ويريد هؤلاء إقناعنا بأن هذه الحادثة ( إن صحّت ) وهي إشارة علي على النبي بتطليقها كافية بأن تعصي أمر ربّها وتهتك ستراً ضربه عليها رسول الله، وتركب جملاً نهاها رسول الله أن تركبه وحذّرها أن تنبحها كلاب الحواب، وتقطع المفاسات البعيدة من المدينة إلى مكة ومنها إلى البصرة، وتستبيح قتل الأبرياء ومحاربة أمير المؤمنين والصحابة الذين بايعوه، وتسبّب في قتل ألوف المسلمين كما ذكر ذلك المؤرخون كل ذلك لأنها لا تحبّ الإمام علياً الذي أشار بتطليقها ومع ذلك لم يطلقها النبي )).
أقول:
1 إن أهل السنة في هذا الباب وغيره قائمون بالقسط شهداء لله، وقولهم حق وعدل لا يتناقض. وأما هؤلاء ففي اقوالهم من التناقضات الشيء الكثير  وقد ذكرنا أمثلة كثيرة منها وذلك أن أهل السنة عندهم أن أهل بدر كلهم في الجنة، وكذلك أمهات المؤمنين: عائشة وغيرها، وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير هم سادات أهل الجنة بعد الأنبياء، وأهل السنة يقولون: إن أهل الجنة ليس من شرطهم سلامتهم عن الخطأ، بل ولا عن الذنب، بل يجوز أن يذنب الرجل منهم ذنباً صغيراً أو كبيراً ويتوب منه، وهذا متفق عليه بين المسلمين.وإذا كان هذا أصلهم فيقولون: ما يذكر عن الصحابة من السيئّات كثير منه كذب، وكثير منه كانوا مجتهدين فيه، ولكن لم يعرف كثير من الناس وجه اجتهادهم، وما قدّر أنه كان فيه ذنب من الذنوب لهم فهو مغفور لهم: إما بتوبة، وإما بحسنات ماحية، وإما بمصائب مكفّرة، وإما بغير ذلك، فإنه قد قام الدليل الذي يجب القول بموجبه: أنهم من أهل الجنة، فامتنع أن يفعلوا ما يوجب النار لا محالة، وإذا لم يمت أحد منهم على موجب النار لم يقدح ما سوى ذلك في استحقاقهم الجنة. ونحن قد علمنا أنهم من أهل الجنة، ولو لم يعلم أن أولئك المعينين في الجنة لم يجز لنا أن نقدح في استحقاقهم للجنة بأمور لا نعلم أنها توجب النار، فإن هذا لا يجوز في آحاد المؤمنين الذين لم يعلم أنهم يدخلون الجنة، ليس لنا أن نشهد لأحد منهم بالنار لأمور محتملة لا تدل على ذلك، فكيف يجوز مثل ذلك في خيار المؤمنين، والعلم بتفاصيل أحوال كل واحد منهم باطناً وظاهراً وحسناته وسيئاته واجنهاداته، أمر يتعذر علينا معرفته؟! فكان كلامنا في ذلك كلاماً فيما لا نعلمه، والكلام بلا علم حرام.
ولهذا كان الإمساك عما شجر بين الصحابة خيراً من الخوض في ذلك بغير علم بحقيقة الأحوال، إذ كان كثير من الخوض في ذلك  أو أكثره  كلاماً بلا علم، وهذا حرام لو لم يكن فيه هوىً ومعارضة الحق المعلوم، فكيف إذا كان كلاماً بهوىً يطلب فيه دفع الحق المعلوم؟! فمن تكلّم بهذا الباب بجهل أو بخلاف ما يعلم من الحق كان مستوجباً للوعيد، ولو تكلّم بحق لقصد إتباع الهوى لا لوجه الله تعالى، أو يعارض به حقاً آخر لكان أيضاً مستوجباً للذّم والعقاب، ومن علم ما دل عليه القرآن والسنة من الثناء على القوم، ورضى الله عنهم واستحقاقهم الجنة وأنهم خير هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، لم يعارض هذا المتيَقَّن المعلوم بأمور مشتبهه: منها مالا يعلم صحته ومنها ما يتبين كذبه، ومنها مالا يعلم كيف وقع ومنها ما يعلم عذر القوم فيه، ومنها ما يعلم توبتهم منه، ومنها ما يعلم أن لهم من الحسنات ما يغمره، فمن سلك سبيل أهل السنة استقام قوله وكان من أهل الحق والاستقامة والاعتدال، وإلا حصل في جهل وكذب وتناقض كحال هؤلاء الضلال )).
2 أما أن عائشة أشعلت حرب الجمل فهذا من أبين الكذب، لأن عائشة لم تخرج للقتال، بل خرجت للإصلاح بين المسلمين واعتقدت في خروجها مصلحة ثم ظهر لها أن عدم خروجها هو الأسلم لذلك ندمت على خروجها، وثبت عنها أنها قالت (( وددت أني كنت غصنا رطباً ولم أسر مسيري هذا )) وعلى فرض أن عائشة قاتلت عليّ مع طلحة والزبير، فهذا القتال يدخل في قوله تعالى { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداها على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين، إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويْكُم } ( الحجرات 9 10 ) فأثبت لهم الإيمان مع أنهم قاتلوا بعضهم بعضاً وإذا كانت هذه الآية يدخل فيها المؤمنين فالأولى دخول هؤلاء المؤمنون أيضاً.
3 أما قوله ( فكيف تخرج أم المؤمنين عائشة من بيتها التي أمرها الله بالاستقرار فيه بقوله تعالى { وقرن في بيوتكن ولا تبرّجْنَ تبرُّج الجاهليةِ الأُلى } ) فجواباً على ذلك أقول:
أ  أن عائشة رضي الله عنها بخروجها هذا لم تتبرج تبرّج الجاهلية الأولى!
ب  (( والأمر بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحة مأمور بها، كما لو خرجت للحج والعمرة أو خرجت مع زوجها في سفرة، فإن هذه الآية نزلة في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد سافر بهنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك، كما سافر في حجة الوداع بعائشة رضي الله عنها وغيرها، وأرسلها مع عبد الرحمن أخيها فأردفها خلفه، وأعمرها من التنعيم، وحجة الوداع كانت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأقل من ثلاثة أشهر بعد نزول هذه الآية، ولهذا كان أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحججن كما كنّ يحججن معه في خلافة عمر رضي الله عنه وغيره، وكان عمر يوكل بقطارهن عثمان أو عبد الرحمن بن عوف، وإذا كان سفرهن لمصلحة جائزاً فعائشة اعتقدت أن ذلك السفر مصلحة للمسلمين، فتأولت في ذلك )).
4 أما ادعاؤه أن عائشة استباحت قتال عليّ بن أبي طالب لأنها لا تحب علياً، والسبب أنه أشار على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتطليقها في الإفك وأن هذا هو جواب علماء أهل السنة! فأقول:
أ  إذا كان هذا هو جواب علماء اهل السنة فهلاّ سقت لنا أيها الطاعن قولاً لواحد منهم أم أن الكذب تجاوز معك أعلى الحدود، بحيث لا تذكر قضية إلا وتُطَعِّمَها بالباطل والبهتان.
ب  وأما حديث الإفك الذي برّأ الله فيه أم المؤمنين من فوق سبعة أعظم، ففي جزء منه يطلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم استشارة بعض أصحابه في فراق عائشة فيكون رأي عليّ بقوله (( لم يضيّق الله عليك والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك )) وعليّ بقوله هذا لم يشر عليه بترك عائشة لشيء فيها  معاذ الله  ولكنه لما رأى شدّة التأثر والقلق على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأحب راحته فأشار عليه بذلك وهو يعلم أنه يمكن مراجعتها بعد التحقق من براءتها، أو بسؤال الجارية لأن في ذلك راحة له أيضاً ولم يجزم عليه بفراقها وهذا واضح من كلام عليّ رضي الله عنه، لذلك يقول ابن حجر (( وهذا الكلام الذي قاله علي حمله عليه ترجيح جانب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما رأى عنده من القلق والغم بسبب القول الذي قيل، وكان صلى الله عليه وآله وسلم شديد الغيرة فرأى عليّ أنه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن يتحقق براءتها فيمكن رجعتها ويستفاد منه ارتكب أخف الضررين لذهاب أشدهما ))
ويقول النووي (( هذا الذي قاله عليّ رضي الله عنه هو الصواب في حقه، لأنه رآه مصلحة ونصيحة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في اعتقاده، ولم يكن ذلك في نفس الأمر لأنه رأى انزعاج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الأمر وتقلقه فأراد راحة خاطره وكان ذلك أهم من غيره ))
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة (( لم يجزم عليّ بالإشارة بفراقها لأنه عقب ذلك بقوله ( سل الجارية تصدقك ) ففوض الأمر في ذلك إلى نظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكأنه قال: إن أردت تعجيل الراحة ففارقها، وإن أردت خلاف ذلك فابحث عن حقيقة الأمر إلى أن تطلع براءتها، لأنه كان يتحقق أن بريرة لا تخبره إلا بما علمته، وهي لم تعلم من عائشة إلا البراءة المحضة))(11).
5 أما قوله ( ويريد هؤلاء إقناعنا بأن هذه الحادثة  إن صحت  وهي إشارة علي على النبي بتطليقها كافية بأن تعصي أمر ربها وتهتك ستراً ضربه عليها رسول الله، وتركب جملاً نهاها رسول الله ان تركبه وحذّرها ان تنبحها كلاب الحوأب، وتقطع المسافات البعيدة من المدينة إلى مكة ومنها إلى البصرة، وتستبيح قتل الأبرياء ومحاربة أمير المؤمنين والصحابة الذين بايعوه، وتسبب في قتل ألوف المسلمين كما ذكر ذلك المؤرخون ) ويشير بالهامش إلى هؤلاء المؤرخين ( الطبري وابن الأثير والمدائني وغيرهم من المؤرخين الذين أرّخوا حوادث سنة ست وثلاثين للهجرة)
وجواباً على ذلك أقول:
أ  لو راجعنا تاريخ الطبري الذي أرّخ حوادث سنة ست وثلاثين للهجرة لما وجدناه يروي عن هذه الحادثة مثل ما يقول هذا الطاعن، مع أنه يذكر الكثير من الروايات التي تتحدث عن وقعة الجمل فيروي خلاف ما يقوله هذا الطاعن ويثبت أن عائشة جاءت مع طلحة والزبير من أجل الإصلاح، فيذكر أن علياً يبعث القعقاع بن عمرو إلى أهل البصرة يستفسرهم عن سبب خروجهم ((... فخرج القعقاع حتى قدم البصرة، فبدأ بعائشة رضي الله عنها فسلم عليها، وقال: أي أُمّة، ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بنيّة إصلاحٌ بين الناس، قال: فابعثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما، فبعثت إليهما فجاءا، فقال: إني سألت أم المؤمنين: ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد؟ فقالت: إصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما؟ أمتبعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان ))(1)
ويثبت أن المتسببين بقتل الألوف من المسلمين هم قتلة عثمان فيقول (( فلما نزل الناس واطمأنوا خرج عليّ وخرج طلحة والزبير فتوافقوا وتكلموا فيما اختلفوا فيه، فلم يجدوا أمراً هو أمثل من الصّلح ووضع الحرب حين رأوا الأمر قد أخذ في الانقشاع، وأنه لا يُدرك، فافترقوا عن موقفهم على ذلك، ورجع علي إلى عسكره، وطلحة والزبير إلى عسكرهما، وبعث علي من العشيّ عبد الله بن عباس إلى طلحة والزبير، وبعثاهما من العشيّ محمد بن طلحة إلى عليّ، وأن يكلم كل واحد منهما أصحابه، فقالوا: نعم، فلما أمْسوا  وذلك في جمادة الآخرة أرسل طلحة والزبير إلى رؤساء أصحابهما، وأرسل عليّ إلى رؤساء أصحابه، ما خلا أولئك الذين هضُّموا عثمان، فباتوا على الصلح، وباتوا بليلةلم يبيتوا مثلها للعافية من الذي أشرفوا عليه، والنُّزوع عما اشتهى الذين اشتهوا، وركبوا ماركبوا، وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشرّ ليلة باتوها قطّ، قد أشرفوا على الهَلَكة، وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلّها، حتى اجتمعوا على إنشاب الحرب في السرّ، واستسرّوا بذلك خشية أن يفطن بما حاولوا من الشرّ، فغدوا مع الغلَس، وما يشعر بهم جيرانهم، انسلّوا إلى ذلك الأمر انسلالاً، وعليهم ظلمة، فخرج مُضَريُّهم إلى مُضرِيِّهم، ورَبعيَهم إلى رَبعيِّهم، ويمانيُّهم إلى يمانيِّهم، فوضعوا فيهم السلاح، فثار أهل البصرة، وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين بَهَتوهم. ...))(2)
وقال الطبري أيضاً (( وقالت عائشة: خلّ يا كعب عن البعير، وتقدّم بكتاب الله عزّ وجل فادعهم إليه، ودفعت إيه مصحفاً. وأقبل القوم وأمامهم السبئيّة يخافون أن يجري الصلح، فاستقبلهم كعب بالمصحف، وعليّ من خلفهم يَزَعُهم ويأْبون إلا إقداما، فلما دعاهم كعب رشَقوه رِشقاً واحداً، فقتلوه، ورمَوا عائشة في هودجها، فجعلت تنادي: يا بنيَّ، البقيَّة البقيَّة  ويعلو صوتها كثرة  الله الله، اذكروا الله عز وجلّ والحساب، فيأْبون إلا إقداماً، فكان أوّل شيء أحدثته حين أبوْا قالت: أيُّها الناس، العنوا قتلة عثمان وأشياعهم، وأقْبلت تدعو. وضجّ أهل البصرة بالدعاء، وسمع عليُّ بن أبي طالب الدعاة فقال: ما هذه الضجّة؟ فقالوا: عائشة تدعو ويدعون معها على قتلة عثمان وأشياعهم، فأقبل يدعو ويقول: اللهم العنْ قتلةَ عثمان وأشياعهم )) (3)
وهذا هو ما أرخه أيضاً ابن الأثير في تاريخه (4) ولم أجد كتاب المدائن، ويعضد هذه الحقيقة الروايات الصحيحة التي تثبت أن عائشة والزبير وطلحة وعليّ لم يكونوا يريدون قتال بعضهم بعضاً، ولذلك ندمت عائشة على مسيرها وقالت (( وددت أني غصناً رطباً ولم أسر مسيري هذا ))
وقالت أيضاً (( وددت أني كنت ثكلت عشرة مثل الحارث بن هشام وأني لم أسر مسيري مع ابن الزبير )) (5)
فلو كانت تريد القتال دون الإصلاح فلماذا الندم؟!

(1) تاريخ الأمم والملوك 3/ 29.
(2) المصدر السابق 3/ 39.
(3) المصدر السابق 3/ 43.
(4) الكامل في التاريخ 3/ 233، 245.
(5) رواه الحاكم في المستدرك 3/ 128 469.
ثم يقول (( فلماذا كل هذه الكراهية وقد سجّل المؤرخون لها مواقف عدائية للإمام عليّ لا يمكن تفسيرها، فقد كانت راجعة من مكة عندما أعلموها في الطريق بأن عثماناً قتل ففرحت فرحاً شديداً ولكنَّها عندما علمت أن الناس قد بايعوا علياًّ غضبت وقالت: وددت أن السماء انطبقت على الأرض قبل أن يليها ابن أبي طالب وقالت ردّوني وبدأت تشعل نار الفتنة للثورة على علي الذي لا تريد ذكر اسمه كما سجّله المؤرخون عليها، أفلم تسمع أم المؤمنين قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ( بأن حبّ علي إيمان وبغضه نفاق ) حتى قال بعض الصحابة ( كنا لا نعرف المنافقين إلا ببغضهم لعلي ) أولم تسمع أم المؤمنين قول النبي ( من كنت مولاه فعلي مولاه )... أنها لا شك سمعت كل ذلك ولكنها لا تحبه ولا تذكر اسمه بل إنها لما سمعت بموته سجدت شكراً لله ))
فأقول:
1 قوله بأن عائشة فرحت بقتل عثمان فرحاً شديداً لا يدل إلا كذبه كذباً أكيداً! فلم يقل أحد من أهل التاريخ ذلك بل أثبتوا جميعاً أن عائشة ما خرجت إلا للقصاص من قتلة عثمان، وأنا أتساءل؟ إذا كانت عائشة فرحت لمقتل عثمان فلماذا خرجت؟ هل خرجت من أجل منع علي بن أبي طالب من تولي الخلافة؟! هذا الطاعن يقول نعم! وإذا سئل عن السبب فسيقول بأنها تكرهه لأنه أشار على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتطليقها؟! فأقول له إذا كانت عائشة تكره علياًّ فكيف نفسّر خروج الآلاف معها؟! فهل هناك سبب منطقي عند هذا الطاعن يبين فيه سبب موافقة هؤلاء الناس لعائشة؟ أم هؤلاء يكرهونه أيضاً؟ فإذا أجاب بنعم، فأسأله.. هل من سبب لهذا الكره؟ فإن كان يملك جواباً فحيهلا، وإذا لم يملك لذلك جواباً فأُبشِّرُهُ أنه من أضل الناس!!
2 يدعي هذا الطاعن أن المؤرخين سجلوا على عائشة أنها لا تريد ذكر اسم علي، ونحن نسأله من هؤلاء المؤرخون؟ فهل تستطيع أن تحددهم لنا حتى نعرف الصادق من الكاذب؟ وما هي المراجع التي عوَّلت عليها؟
ولكن الصحيح المعلوم أن عائشة ذكرت علي بملأ فمها، فعن شريح بن هانئ قال (( سألت عائشة عن المسح فقالت: إئت علياً فهو أعلم مني قال: فأتيت عليا فسألته عن المسح على الخفين قال: فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمرنا أن نمسح على الخفين يوماً وليلة، وللمسافر ثلاثاً ))
كما أخرج مسلم بسنده إلى شريح بن هانئ قال (( أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين فقالت: عليك بابن أبي طالب فسله ...ألخ )).
3 ثم يذكر حديثان في فضل علي ويقول ( أولم تسمع أم المؤمنين قول النبي ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) .. أنها لا شك سمعت كل ذلك ولكنها لا تحبه ولا تذكر اسمه بل أنها لما سمعت بموته سجدت لله شكراً )!!
فأقول:
أ لقد قلت بأن عائشة لا تبغض علياً ولكنها خالفته لا لشيء إنما للطلب بدم عثمان ولم تذهب لقتاله بل ذهبت من أجل الإصلاح بين الناس لذلك ذهبت تحت رغبة الناس في محاولة للإصلاح ويذكر ابن العماد في ( شذرات الذهب ) (( وحين وصل علي إلى البصرة، جاء إلى عائشة وقال لها: غفر الله لك، قالت: ولك، ما أردت إلا الإصلاح ))
ويوضح ابن العربي ذلك بقوله (( وأما خروجها إلى حرب الجمل، فما خرجت لحرب ولكن تعلّق الناس بها وشكوا إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة، وتهارج الناس ورجوا بركتها في الإصلاح، وطمعوا في الاستحياء منها إذا وقفت إلى الخلق، وظنّت هي ذلك فخرجت عاملة بقول الله تعالى { لا خير في كثير من نجواهم }...الآية، { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } ))
ونقل ابن حبان (( أن عائشة كتبت إلى أبي موسى  وهو والي الكوفة من قبل عليّ  : إنه قد كان من أمر عثمان ما قد علمت، وقد خرجت مصلحة بين الناس، فمر من قبلكم بالقرار في منازلهم والرضا بالعافية حتى يأتيهم ما يحبّون من صلاح أمر المسلمين )).
فهذا هو سبب خروج عائشة وليس بسبب بغضها لعلي فهذا من الكذب المكشوف الذي لا يستند إلى أي دليل صحيح.
ب  أما قوله (( ... بل أنها لما سمعت بموته سجدت شكراًلله )) ثم يشير بالهامش إلى المراجع التي استقى منها ادعاؤه هذا وهي (( الطبري وابن الأثير والفتنة الكبرى وكل المؤرخين الذين أرخوا حوادث سنة أربعين للهجرة ))
فرجعت إلى الطبري وابن الأثير في حوادث سنة أربعين فلم أر لهذه الدعوى أثراً فلله أبوه ما أكذبه!
ثم يقول (( ونفس السؤال يعود دائماً ويتكرر أيهم علىالحق وأيهم على الباطل، فإما أن يكون علي ومن معه ظالمين وعلى غير الحق، وإما أن تكون عائشة ومن معها وطلحة والزبير ومن معهم ظالمين وعلى غير الحق وليس هناك احتمال ثالث، والباحث المنصف لا أراه إلا مائلاً لأحقّية علي الذي يدور الحق معه حيث دار، نابذاً فتنة ( أم المؤمنين عائشة ) وأتباعها الذين أوقدوا نارها وما أطفؤوها حتى أكلت الأخضر واليابس وبقيت آثارها إلى اليوم. ولمزيد البحث وليطمئن قلبي أقول أخرج البخاري في صحيحة من كتاب الفتن باب الفتنة التي تموج كموج البحر، قال: لمّا سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة بعث علي عمار بن ياسر والحسن بن علي فقدما علينا الكوفة فصعدا المنبر فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه وقام عمّار أسفل من الحسن فاجتمعنا إليه فسمعت عماراً يقول: أنّ عائشة قد سارت إلى البصرة ووالله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي ))
أقول:
أ  بل هناك احتمال ثالث وهو أن الطرفين قد اجتهدا للوصول للحق ولم يكن أي من الطرفين ظالماً لأن فتنة قتل عثمان فرقت الأمة إلى فرقتين فرقة ترى وجوب قتل قتلة عثمان على الفور وهم طلحة والزبير وعائشة وفرقة ترى وجوب قتل قتلة عثمان ولكن يجب التروي في ذلك حتى تتمكن الوصول لهذا الهدف لأن هؤلاء القتلة كانت لهم قبائل تدفع عنهم وهو رأي علي وأصحابه وهؤلاء القتلة هم المتسببون في وقعة الجمل وليس لكلا الفرقتين أي تسبب في إشعال المعركة كما بينت سابقا.ً
ب  أما رواية البخاري التي اطمأن بها قلب هذا الطاعن فهي من أعظم الدلائل على فضل عائشة ولكن ماذا نقول عن جاهل يحتج على أهل السنة بروايات هي حجة عليه وعلى شيعته من قبل أن تكون حجة على أهل السنة ففي الحديث يشهد عمار لأم المؤمنين رضي الله عنهما بأنها زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا والآخرة! أي في الجنة؟! فهل من فضل ومكرمة أعظم من ذلك وهل استحقت هذا الفضل العظيم إلا برضى الله سبحانه عنها ورسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، أما بالنسبة لقول عمار فإنه من أنصار علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأراد حث الناس للخروج مع علي ولكنهم ترددوا لأن أم المؤمنين كانت في الطرف المقابل لعلي، فبين لهم أنّ الحق مع علي لأنه الخليفة، ويجب أن يطاع كما أمركم الله سبحانه وذلك قبل المطالبة بالقصاص من قتلة عثمان كما ترى أم المؤمنين ولا شك أن أم المؤمنين وطلحة والزبير كانوا يرون أن المطالبة بالقصاص من قتلة عثمان قبل الخضوع لخلافة علي هو أمر الله سبحانه وتعالى أيضاً كما بينت ذلك لعثمان بن حنيف عندما بعث يسألها عن مسيرها فقالت (( والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم ولا يغطّي لبنيه الخبر، إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزّاع القبائل غزوا حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأحدثوا فيه الأحداث، وآووْا فيه المحدثين، واستوجبوا فيه لعنة الله ولعنة رسوله مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا تِرَة ولاعذر، فاستحلوا الدم الحرام فسفكوه، وانتهبوا المال الحرام وأحلّوا البلد الحرام والشهر الحرام، ومزّقوا الأعراض والجلود، وأقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقامهم ضارّين مضرّين، غير نافعين ولا متقين، لا يقدرون على امتناع ولا يأمنون، فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء القوم وما فيه الناس وراءنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا. وقرأت { لا خير في كثير من نجْواهُم إلا من أمَرَ بِصدقَةٍ أو معْرُوف أو إصلاحٍ بين النَّاس } ننهض في الإصلاح من أمر الله عز وجل وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصغير والكبير والذكر والأنثى، فهذا شأننا إلى معروفٍ نأمركم به، ومنكر ننهاكم عنه، ونحثّكم على تغييره ))
هذا وإذا أضفنا إلى ذلك أن أوّل من رشّح علياً للخلافة هم هؤلاء الغوغاء، وأنهم في جيش عليّ، ومن هنا يتضح أن كل طرف ظن أن الحق معه، وتأوّل خطأ الآخر وخرج الطرفان للإصلاح كما بينت، ولم يكونا يريدان القتال ولكنه وقع، فلله الأمر من قبل ومن بعد.
شبهة خروج أم المؤمنين لقتال علي رضي الله عنهما
 
يقول صاحب هذه الشبهة أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها جيشت الجيوش لقتال علي وخرجت على إمام زمانها مفروض الطاعة الذي اجتمعت الناس على مبايعته ...

نقول وبالله التوفيق ..

أولاًٍٍ " لم يكن خروج أم المؤمنين للقتال البتة وإنما خرجت للإصلاح والمطالبة بقتلة عثمان رضي الله عنه والأدلة على ذلك كثيرة منها لا للحصر ما ذكره الإمام أحمد في مسنده : فقال لها الزبير ترجعين عسى الله عز وجل أن يصلح بك بين الناس
.
وأيضا ما رواه ابن حبان عن أم المؤمنين رضي الله عنها قولها :

 ما أظنني الا أني راجعة فقال بعض من كان معها بل تقدمين فيراك المسلمون  فيصلح الله عز وجل ذات بينهم

ثانياً " نقول ليس عندنا شي في كتبنا أسمه إمام زمان أصلاً فلا يحق لأحد أن يلزمنا 
 في لفظة لا نؤمن بها .

ثالثاً " لم يكن علي رضي الله عنه في العراق وإنما كان في المدينة 
 وأم المؤمنين ذهبت للعراق حيث قتلة عثمان رضي الله عنه .


أخيراً نقول لصاحب الشبهة ان قلنا في خروج ام المؤمنين على الامام 
 فسيكون حكمها خارجية مثلها مثل الخوارج الذين خرجوا على الامام

فكيف الحكم عليها ؟

لماذا لم يقم الإمام عليها الحد والحكم الشرعي ؟

بل أعادها معززة مكرمة إلي مكة وأكرمها وكان يناديها ب ( يا أماه )

إذن نقول أن ما حصل فتنة والله يقول : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين


1- مسند أحمد الجزء 6 ص 97 حديث رقم 24698 عليق شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح

2-صحيح بن حبان الجزء 15 ص 126 حديث رقم 6732 ال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط الشيخين

===============
 
وملخصا لما وقع في حرب الجمل وخروج أم المؤمنين عائشة
 
الأولى أنه لما قتل عثمان  عنه صبراً توجع المسلمون ، فسار طلحة والزبير وعائشة – وكان قد لقيها الخبر وهي مقبلة من عمرتها – نحو البصرة ، فلما علم علي كرم الله وجهه بمخرجهم اعترضهم من المدينة لئلا يحدث ما يشق عصا الإسلام ، ففاتوه ، وأرسل ابنه الحسن وعماراً يستنفران أهل المدينة واهل الكوفة ، ولما قدموا البصرة أستعانوا باهلها وبيت مالها ، حتى إذا جاءهم الإمام كرم الله تعالى وجهه حاول الصلح واجتماع الكلمة وسعى الساعون بذلك ، فثار قتلة عثمان وكان ما كان ، وانتصر علي كرم الله تعالى وجهه ، وكان قتالهم من ارتفاع النهار يوم الخميس إلى صلاة العصر لعشر خلون من جمادى الآخرة .
ولما ظهر علي  جاء إلى أم المؤمنين  فقال (( غفر الله لك )) قالت (( ولك . وما أردت إلا الإصلاح )) ثم انزلها دار عبدالله بن خلف وهي أعظم دار في البصرة على سنيه بنت الحارث أم طلحة الطلحات ، وزارها بعد ثلاث ورحبت به وبايعته وجلس عندها فقال رجل : يا أمير المؤمنين إن بالباب رجلين ينالان من عائشة فامر القعقاع بن عمر ان يجلد كل واحد منهما مائة جلدة وان يجردهما من ثيابهما ففعل .
ولما ارادت الخروج من البصرة بعث إليها بكل ما ينبغى من مركب وزاد ومتاع واذن لمن نجا من الجيش ان يرجع إلا أن يحب المقام ، وأرسل معها أربعين امرأة وسير معها اخاها محمداً . ولما كان اليوم الذى ارتحلت فيه جاء علي فوقف على الباب في الهودج فودعت الناس ودعت لهم وقالت : (( يا بني لا يغتب بعضكم بعضاً ، إنه ما كان بيني وبين علي بن أبي طالب  في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها ، وإنه لمن الأخيار )) فقال علي (( صدقت ، والله ما كان بيني وبينها إلا ذلك ، وإنها زوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة )) وسار معها مودعاً أميالاً ، وسرح بنيه  معها بقية ذلك اليوم .
وكانت رضي الله تعالى عنها بعد ذلك إذا ذكرت ما وقع تبكي حتى تبل خمارها . ففي هذه المعاملة من الأمير رضي الله عنه دليل على خلاف ما تزعمه الشيعة من كفرها – وحاشاها رضي الله عنها – وفي ندمها وبكائها على ما كان دليل على أنها لم تذهب إلى ربها إلا وهي نقية من غبار المعركة ، على أن في كلامها ما يدل على أنها كانت حسنة النية في ذلك . وقال غير واحد إنها أجتهدت ولكنها أخطات في الاجتهاد ولا إثم على المجتهد المخطئ بل أجر على أجتهاده ( 1 ) وكونها رضي الله تعالى عنها من أهل الاجتهاد مما لا ريب فيه .
نعم قالت الشيعة إنه يبطل إجتهادها أنه صلى الله عليه وسلم قال يوماً لأزواجه كأني بإحداكن تنبحها كلاب الحوأب ، فإياك أن تكون يا حميراء والحوأب منزل بين البصرة ومكة قيل نزلته عائشة ونبحتها كلابه فتذكرت الحديث وهو صريح في النهي ولم ترجع .
والجواب عن ذلك أن الثابت عندنا أنها لما سمعت ذلك وتحقيقه من محمد بن طلحه همت بالرجوع إلا أنها لم توافق عليه ومع هذا شهد لها مروان بن الحكم مع ثمانين رجلاً من دهاقين تلك الناحية أن هذا المكان مكان آخر وليس الحوأب ، على أن (( إياك أن تكوني يا حميراء )) ليس موجوداً في الكتب المعول عليها عند أهل السنة فليس في الخبر نهي صريح ينافي الاجتهاد ، على أنه لو كان فلا يرد محذوراً أيضاً لأنها أجتهدت فسارت حين لم تعلم أن في طريقها هذا المكان ، لو أنها علمت لم يمكنها الرجوع لعدم الموافقة عليه . وليس في الحديث بعد هذا النهي امر بشئ لتفعله ، فلا جرم مرت على ما قصدته من إصلاح ذات البين المأمورة به بلا شبهة .
واما طلحة والزبير رضي الله عنهما فلم يموتا إلا على بيعة الإمام رضي الله عنه . وأما طلحة فقد روى الحكم عن ثور بن مجزأة أنه قال : مررت بطلحة يوم الجمل في آخر رمق فقال لي : من أنت ؟ قلت : من اصحاب أمير المؤمنين علي  ، فقال : أبسط يدك أبايعك ، فبسطت يدى فبايعني وقال : هذه بيعة علي ، وفاضت نفسه . فأتيت علياً  فأخبرته فقال : الله أكبر صدق الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ابي الله سبحانه أن يدخل طلحة الجنة إلا وبيعتي في عنقه .
وأما الزبير فقد ناداه علي كرم الله تعالى وجهه وخلا به وذكره قول النبي  له : لتقاتلن علياً وأنت له ظالم ، فقال : لقد اذكرتني شيئاً أنسانيه الدهر ، لا جرم لا أقاتلك ابداً ، فخرج من العسكرين نادماً وقتل بوادي السباع مظلوماً قتله عمرو بن جرموز . وقد ثبت عند الفريقين أنه جاء بسيفه واستاذن على الأمير فلم ياذن له ، فقال : أنا قاتل الزبير ، فقال : أبقتل أبن صفية تفتخر ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( بشر قاتل ابن صفية بالنار )) .
واما عدم قتله فلقيام الشبهة على ما قيل ، ونظيره ما أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي عن الحسن أن أناساً من الصحابة  ذهبوا يتطرقون ، فقتل واحد منهم رجلاً قد فر وهو يقول : إني مسلم ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً ولم يقتل القاتل . وكذا قتل أسامة  فيما أخرجه السدى رجلاً يقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فلامه رسول الله صلى الله عليه وسلم جداً ولم يقبل عذره وقال له : كيف أنت ولا إله إلا الله ؟ ونزل قوله تعالى ] ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً [ الآية وأجاب آخرون بأن العلماء أختلفوا في أنه هل يجب على الحاكم القصاص إذا لم يطلبه الولي أم لا ؟ ولعل الأمير كرم الله تعالى وجهه ممن لا يرى الوجوب بدون طلب ولم يقع . وروى أيضاً أن الأمير  قال لما جاءه عمر بن طلحة بعد موت أبيه (( مرحباً بابن أخي ، إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم : ] ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين [ )) وهذا ونحوه يدل على أنهما رضي الله تعالى عنهما لم يذهبا إلا طاهرين متطهرين .
----------------
(1)  إنها أجتهدت واصابت ، لأنها أرادت الإصلاح والتعاون مع أمير المؤمنين علي على إقامة حدود الله في القتلة المجرمين . والدماء التى سفكت في وقعة الجمل كانت جريمة اخرى من جرائم قتلة عثمان لا يلحق منها شئ بعلي ولا بعائشة ومن معها ، ولو توفقوا إلى إقامة الحدود على قتلة عثمان ، لتغيرت الحوادث بعد ذلك ، ولما وجدت الخوارج ولا الروافض ، ولما قتل علي كرم الله تعالى وجهه . ولكن لله في كل شئ حكمه قد يطلعنا عليها وقد تخفى عنا .

خروج عائشة وطلحة والزبير على علي
وأما قوله: ((الخلاف التاسع: في زمن أمير المؤمنين عليه السلام بعد الاتفاق عليه وعقد البيعة له، فأوّلا خروج طلحة والزبير إلى مكة، ثم حمل عائشة إلى البصرة، ثم نصب القتال معه، ويُعرف ذلك بحرب الجمل، والخلاف بينه وبين معاوية وحرب صفين، ومغادرة عمروبن العاص أبا موسى الأشعري، وكذا الخلاف بينه وبين الشرارة المارقين بالنهروان. وبالجملة كان عليّ مع الحق والحق معه، وظهر في زمانه الخوارج عليه، مثل الأشعث بن قيس، ومِسْعَر بن فَدَكى التميمي، وزيد بن حصين الطائي وغيرهم، وظهر في زمنه الغلاة كعبد الله بن سبأ. ومن الفرقتين ابتدأت الضلالة والبدع، وصدق فيه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: يهلك فيك اثنان: محبٌّ غالٍ، ومبغضٌ قالٍ.
فانظر بعين الإنصاف إلى كلام هذا الرجل، هل خرج موجب الفتنة عن المشايخ أوتعدّاهم؟)).
والجواب: أن يقال هذا الكلام مما يبين تحامل الشهرستاني في هذا الكتاب مع الشيعة كما تقدم، وإلا فقد ذكر أبا بكر وعثمان، ولم يذكر من أحوالهم أن الحقّ معهم دون من خالفهم، ولما ذكر عليًّا قال: ((وبالجملة كان الحق مع عليّ وعليّ مع الحق)) والناقل الذي لا غرض له: إما أن يحكى الأمور بالأمانة، وإما أن يعطى كل ذي حقٍ حقّه. فأما دعوى المدّعى أن الحق كان مع عليّ وعليّ مع الحق، وتخصيصه بهذا دون أبي بكر وعمر وعثمان، فهذا لا يقوله أحد من المسلمين غير الشيعة.
ومما يبين فساد هذا الكلام قوله: ((إن الاختلاف وقع في زمن عليّ بعد الاتفاق عليه وعقد البيعة له)). ومن المعلوم أن كثيراً من المسلمين لم يكونوا بايعوه، حتى كثير من أهل المدينة ومكة الذين رأوه لم يكونوا بايعوه، دع الذين كانوا بعيدين، كأهل الشام ومصر والمغرب والعراق وخراسان.
وكيف يقال مثل هذا في بيعة عليّ، ولا يقال في بيعة عثمان التي اجتمع عليها المسلمون كلهم ولم يتنازع فيها اثنان؟
وكذلك ما ذكره من التعريض بالطعن على طلحة والزبير وعائشة من غير أن يذكر لهم عذراً ولا رجوعا. وأهل العلم يعلمون أن طلحة والزبير لم يكونا قاصدين قتال عليّ ابتداءً. وكذلك أهل الشام لم يكن قصدهم قتاله، وكذلك عليّ لم يكن قصده قتال هؤلاء ولا هؤلاء.
ولكن حرب الجمل جرى بغير اختياره ولا اختيرهم فإنهم كانوا قد اتفقوا على المصالحة وإقامة الحدود على قتلة عثمان، فتواطأت القتلة على إقامة الفتنة آخرا كما أقاموها أولا، فحملوا على طلحة والزبير وأصحابهما، فحملوا دفعاً عنهم، وأشعروا عليًّا أنهما حملا عليه، فحمل عليٌّ دفعاً عن نفسه، وكان كل منهما قصده دفع الصيال لا ابتداء القتال. هكذا ذكر غير واحد من أهل العلم بالسير. فإن كان الأمر قد جرى على وجه لا ملام فيه فلا كلام، وإن كان قد وقع خطأٌ أوذنب من أحدهما أوكليهما فقد عرف أن هذا لا يمنع ما دل عليه الكتاب والسنة من أنهم من خيار أولياء الله المتقين، وحزبه المفلحين، وعباده الصالحين، وأنهم من أهل الجنة.
وقول هذا الرافضي: ((انظر بعين الإنصاف إلى كلام هذا الرجل هل خرج موجب الفتنة عن المشايخ أوتعدّاهم؟)).
فالجواب: أن يُقال: أمّا الفتنة فإنما ظهرت في الإسلام من الشيعة، فإنهم أساس كل فتنة وشر، وهم قطب رحى الفتن، فإن أول فتنة كانت في الإسلام قتل عثمان.
وقد روى الإمام أحمد في مسنده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((ثلاث من نجا منهن فقد نجا: موتى، وقتل خليفة مضطهد بغير حق، والدجَّال)). (1)
__________
(1) المسند ج4 ص 1.5، 1.9 وج5 ص 33، 288.
ومن استقرأ أخبار العالم في جميع الفرق تبين له أنه لم يكن قط طائفة أعظم اتفاقا على الهدى والرشد، وأبعد عن الفتنة والتفرق والاختلاف من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الذين هم خير الخلق بشهادة الله لهم بذلك، إذ يقول: {كُنتُم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}.
عائشة والفتنة

وبأسلوب خبيث جعل عائشة - رضي الله عنهما وحاشاها مما تقول الرافضة - مصدر الفتنة، إذ صرح بذلك أولا في متن كلامه ثم في الهامش (1/ 251) أحال الى لفظ حديث صحيح عند البخاري، جعل معناه الطعن في عائشة رضي الله عنهما، وكيف يمكن للبخاري أوغيره من أهل العلم فعل ذلك أوحتى التنويه به؟ وكيف يمكن ان يخطر ببال أحد مهما كان أن أحد أئمة أهل السنة وأهل العلم يفعل ذلك؟ وهذا لا يقبله إلا الحمقى أوالخبثاء أمثال المدعوعبد الحسين هذا.
وهذا الأمر كل ما فيه أن الإمام البخاري- رحمه الله - أخرج في (كتاب الجهاد والسير) في (باب ما جاء في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم) حديثا برقم (314) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا فأشار نحومسكن عائشة فقال: هاهنا الفتنة -ثلاثا- من حيث يطلع قرن الشيطان). فجعل هذا الرافضي الخبيث هذا الحديث طعنا في أم المؤمنين رضي الله عنهما، ونحن نرد ذلك بإذن الله رواية ودراية ..
أما من باب الرواية فنقول أن هذا الحديث له روايات أخرى كثيرة تبين المقصود الحقيقي منه قد أخرجها البخاري نفسه وغيره، والواجب علينا جمعها وضمها كلها فإنها كلها صحيحة ثم نفهم بعد ذلك مراد النبي صلى الله عليه وسلم من قوله، هذا إذا كان هناك إشكال في معناه، ولا يستقيم اعتراض الرافضة علينا بأن هذه الروايات لم تثبت أوتصح عندهم فإن الرواية الأولى كذلك وإنما ذكروها لتأييد باطلهم. وإن كانوا لا يقرّون بصحتها فأخواتها كذلك إذ هما من مخرج واحد، وإن كانوا لا يقرون بصحتها فلا حق لهم في تفسير معناها، بل الحق كله لصاحبها الذي رواها وصححها وهم أهل العلم من أهل السنة. ثم هم يحتجون بها علينا ومن حقنا إذا أن نبين لهم معناها عندنا وفق ما صحّ عندنا من روايات لهذا الحديث، وهذا هوغاية الإنصاف في المناظرة والمجادلة، والله الموفق للصواب.
ومن تلك الروايات ما أخرجه البخاري (3279) عن ابن عمر قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى المشرق فقال: ها إن الفتنة هاهنا، إن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان). وهذه الرواية أخرجها أيضا الإمام أحمد (2/ 143، 121، 73، 72، 5، 4)، ومسلم (4/ 2229) … وأخرج البخاري أيضا
(793، 3511) عن ابن عمر قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهومستقبل المشرق يقول: ألا إن الفتنة هاهنا - يشير إلى المشرق- من حيث يطلع قرن الشيطان). وهذه الرواية أخرجها أيضا الإمام مسلم (4/ 2228).
وأخرج البخاري (5296) عن ابن عمر قال: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الفتنة من هاهنا، وأشار إلى المشرق). وأخرج أيضا (792) عن ابن عمر قال: (قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى جانب المنبر فقال: الفتنة هاهنا، الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان، وقال: قرن الشمس). وقد أخرج البخاري الحديثين (792، 793) في (كتاب الفتن) في الباب السادس عشر (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: الفتنة من قبل المشرق). ونحوه عند مسلم في صحيحه (4/ 2228).
فيستفاد إذن من مجموع هذه الروايات الصحيحة بأن مقصود النبي صلى الله عليه وسلم بمطلع الفتنة إنما هوجهة المشرق وهي قرن الشيطان ولأن بيت عائشة رضي الله عنهما كان إلى شرقي مسجده صلى الله عليه وسلم أراد راوي الحديث وهوالصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن يحدد الجهة التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أنه أشار إلى هذه الناحية، حتى أنه لم يقل (أشار إلى مسكن عائشة) بل قال: (فأشار نحومسكن عائشة) مما يبين أنه عنى الجهة فقط بخلاف كل الروايات الأخرى والتي فيها قوله (وأشار إلى المشرق) لأن فيها تحديد المقصود تماما، وهذا لا يخفى على من له علم باللغة.
وأما من باب الدراية فالجواب من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: وهوما قلناه من كون بيت عائشة رضي الله عنهما كان إلى شرقي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، حتى قال الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية) (5/ 272): (قد علم بالتواتر أنه عليه الصلاة والسلام دفن في حجر عائشة التي كانت تختص بها شرقي مسجده في الزاوية الغربية القبلية من الحجرة .. )
فذكر بيت عائشة في تلك الرواية إنما هوبمعنى جهة المشرق التي فصلها قول الرسول صلى الله عليه وسلم (من حيث يطلع قرن الشمس) وليس هوكلام أحد رواة الحديث، فتعين إذا المراد منها.
الوجه الثاني: إن هذا المدعوعبد الحسين لا يعني كلامه إلا أحد شيئين: إما أن يقول أن النبي صلى الله عليه وسلم عنى بتلك الإشارة عائشة نفسها، أويقول أنه صلى الله عليه وسلم قصد مسكنها نفسه، فإن قال الأول فبطلانه واضح من معرفة التراكيب اللغوية التي في الحديث وإنها لا تستعمل إلا للإشارة لمكان معين لا لشخص، كقوله (من حيث …) وقوله (هاهنا الفتنة) يشير إلى مكان تستوطن فيه الفتنة، فضلا عن أنه نص الحديث الذي احتج به الموسوي.
وإن قال الثاني وهوأنه صلى الله عليه وسلم أراد مسكنها نفسه فلا يمكن أن يكون كذلك طيلة حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهومقّر السكن فيه ويتردد إليه كل يوم فيه نوبة عائشة رضي الله عنهما، بل كان يتردد إليه أكثر من بيوت زوجاته الأخريات بمقدار الضعف فإن لعائشة رضي الله عنهما في القسم يومان - كما تقدم في ذكر فضائلها - يومها ويوم سودة بنت زعمة التي وهبته لها لعلمها بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم لها. وأكثر من ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان في سكرات موته - بأبي هووأمي - يحب أن يمرّض في بيت عائشة دون بيوت سائر زوجاته عليهن السلام جميعا، حتى أنه طلب ذلك صريحا منهن كما ثبت ذلك في (صحيح البخاري) (1/ 61) عن عائشة رضي الله عنهما قالت: (لمّا ثقل النبي صلى الله عليه وسلم واشتد به وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فإذن له …) الحديث، وبقي هناك حتى توفي صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة رضي الله عنهما ودفن فيه رغم أنوف الرافضة.
ولم يبقى من القول مجال إلا أن يقول إنما عنى به مسكن عائشة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا إن قاله فإنما ينادي على نفسه بالويل والثبور، إذ أن مسكن عائشة رضي الله عنهما تحول بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبره الشريف ولم يعد بيتا لها حتى ينسب إليها، وكيف يستجيز عاقل على أن يرضى الله تعالى لحبيبه وعبده محمد صلى الله عليه وسلم أن يدفن في مكان هومطلع الفتنة على حدّ زعم الرافضة؟ فبطلت بذلك كل تعلقاته مهما حاول توجيه الحديث، ولله الحمد.
وإن المرء ليتعجب من آيات الله تعالى أن جعل مسكن عائشة رضي الله عنهما مكانا يمرض فيه عبده وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يجعله مدفنا له وقبرا، ثم يتم ذلك بأن دفن إلى جواره صاحباه ووزيراه أبوبكر وعمر رضي الله عنهما.
الوجه الثالث: أن هذا القول المفترى من قبل هذا الرافضي لوكان له أي وجه أواحتمال لعلمنا بأحد قاله أوذكره أواحتج به ممن خالف أم المؤمنين رضي الله عنهما ممن هومن طبقة التابعين أوبعدهم، أما الصحابة فلا يظن بأحد منهم اعتقاد مثل هذا قطعا. فلما لم نجد أحدا قاله علمنا بأنه محض افتراء وبهتان لأم المؤمنين رضي الله عنهما من قبل عبد الحسين هذا، نظير ما فعله أسلافه من أصحاب الإفك الذين علمنا الله كيف نقول حين نسمع قولهم فقال: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم. يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم).
ثم أشار هذا الرافضي إلى فتنة الجمل واتهم عائشة رضي الله عنهما بأنها هي التي أججتها وقادت الجيوش لقتال عليّ رضي الله عنه، وهذا كذب محض، فإن عائشة رضي الله عنهما لم تقاتل ولم تخرج للقتال وإنما خرجت بقصد الإصلاح بين المسلمين وظنت ان في خروجها مصلحة للمسلمين، وكل هذا ثابت ومحقق في كتب التاريخ التي تراعي - ولوقليلا - صحة السند والثبوت في عمومها، كتاريخ الطبري وابن الأثير والبداية والنهاية وغير ذلك. ولا يسعنا هنا تفصيل حوادث واقعة الجمل وأسبابها بل نكتفي بالإشارة الى ما جاء عنها في (تاريخ الطبري) مما يؤيد ما قلناه، ولا نقول أن كل من ورد عند الطبري صحيح وثابت بل يجب التحري بالنظر في سند كل رواية لكننا نختار رواية سيف بن عمر الضبي لاعتماد الطبري عليها كثيرا ولأنه عمدة في التاريخ كما قال عنهمابن حجر في (التقريب). ونحن بهذا نحتكم إلى تاريخ الطبري وهوعين ما أحال إليه هذا الرافضي في الهامش (2/ 251) حتى لا نبقي له حجة.
وبالرجوع إلى ذلك يتبين أول الأمر أن عائشة رضي الله عنهما خرجت ومن معها من الصحابة مطالبين بدم عثمان واتجهوا إلى البصرة ليثأروا لعثمان من قتلته الذين لجأوا إلى البصرة آنذاك، ولوأرادوا قتال عليّ كما تزعم الرافضة - ومنهم عبد الحسين هذا - لتوجهوا إلى عليّ رضي الله عنهمالذي كان آنذاك في المدينة، بل من مراجعة الرواية عند الطبري (4/ 455) يتبين أن علياً رضي الله عنه هوالذي خرج من المدينة بمن معه من الجيش ليعترض طلحة والزبير ومن معهما وبضمنهم عائشة رضي الله عنه أجمعين لكنهم فاتوه فلم يدركهم فلما وصلوا إلى مشارف البصرة أرسل أليهم عثمان بن حنيف بمن يأتيه بخبرهم فأعلمته عائشة رضي الله عنهما بكل صراحة ووضوح أنهم ما جاءوا إلا للإصلاح ولأخذ الثأر من قتلة عثمان رضي الله عنه، كما هوصريح الرواية عند الطبري (4/ 462) إذ فيها قول عائشة: (فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء القوم وما فيه الناس وراءنا وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا، وقرأت (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أومعروف أوإصلاح بين الناس) ننهض في الإصلاح ممن أمر الله عز وجل وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصغير والكبير والذكر والأنثى، فهذا شأننا؛ إلى معروف نأمر كم به ونحضّكم عليه ومنكر ننهاكم عنه ونحثكم على تغييره).
لكن الثوار الذين ثاروا على عثمان رضي الله عنه واشتركوا في قتله ممن هم بالبصرة لم يكن يرضيهم ذلك طبعا، وكان من ضمن من تزعّمهم من أهل البصرة حكيم بن جبلة العبدي وهومن أصحاب عثمان بن حنيف يومها، كما جاء ذلك صريحا عند الطبري (4/ 466): (… وأقبل حكيم بن جبلة وقد خرج وهوعلى الخيل فأنشب القتال وأشرع أصحاب عائشة رضي الله عنهما رماحهم وأمسكوا ليمسكوا فلم ينته ولم يثني فقاتلهم وأصحاب عائشة كافّون إلا ما دافعوا عن أنفسهم …). فإذن أصحاب عائشة لم يبتدؤا القتال مما يؤكد أنهم ما خرجوا إلاّ للصلح، وأن الذي ابتدأ القتال هوأحد أصحاب عثمان بن حنيف، وهوحكيم بن جبلة وكان - كما قلنا -أحد قواد الثوار الذين اشتركوا في مقتل عثمان كما جاء اسمه صريحا عند الطبري أيضا (4/ 349)، ويضاف إلى ذلك أن عثمان بن حنيف رضي الله عنه لم يخل بينهم وبين قتلة عثمان مما اضطرهم إلى قتاله بعد تأكد ابتداء أصحابه بالقتال لا أصحاب عائشة كما سبق. وهذا كله يبين كذب كلام عبد الحسين هذا وافتراءاته التي لا حصر لها، في الهامش (2/ 251) حين أظهر الأمر بأن عائشة ومن معها هم الذين ابتدؤا القتال وسمى ذلك فتنة الجمل الأصغر، وحاول الدفاع عن حكيم بن جبلة والثناء عليه، وهذا لأنه ممن اشتركوا بقتل عثمان والثورة عليه مما صادف هوى هذا الرافضي فارتضاه له سلفا، وفيما قررنا كفاية للرد عليه إن شاء الله، نقلا من المصدر الذي أحال هونفسه عليه، وهو(تاريخ الطبري) ومثله لإبن الأثير.
ومرة أخرى يسجل لنا الطبري في (تاريخه) عدم ابتداء عائشة وأصحابها القتال، وأنهم لم يطلبوا إلا قتلة عثمان فقال (4/ 47): (… وقالت عائشة: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم، ونادوا من لم يكن من قتلة عثمان رضي الله عنه فليكفف عنّا فإنا لا نريد إلا قتلة عثمان ولا نبدأ أحدا، فانشب حكيم القتال ولم يرع للمنادى …) وغير ذلك من المواضع الكثير.
ثم قدم عليّ رضي الله عنه ونزل بذي قار وابتدأت مساعي الإصلاح بين الفئتين وكان الواسطة بينهما الصحابي الجليل القعقاع بن عمروالتميمي، وبالفعل اتفق الطرفان على ذلك - انظر (الطبري) (4/ 488 - 489) - لكن رؤوس الفتنة لم يرق لهم ذلك فاجتمع نفر منهم ممن سار الى عثمان، علباء ابن الهيثم والأشتر وسالم بن ثعلبة ومعهم ابن السوداء - وهوعبد الله بن سبأ - وخالد بن ملجم - انظر (الطبري) (4/ 493) - واتفقوا على أنهم أن يصطلحوا مع علي فعلى دمائهم، كما هوصريح الرواية عند الطبري التي يتبين منها أن ابن سبأ هذا وهوابن السوداء كان هوالذي يدير الاجتماع ويقوم مقام إبليس في دار الندوة حتى قال لهم - (تاريخ الطبري) (4/ 494) -: (يا قوم إن عزّكم في خلطة الناس فصانعوهم، وإذا التقى الناس غدا فانشبوا القتال ولا تفرغوهم للنظر، فإذا من أنتم معه لا يجد بدا من أن يمتنع، ويشغل الله عليا وطلحة والزبير ومن رأى رأيهم عما يكرهون. فابصروا الرأي وتفرقوا عليه والناس لا يشعرون). ثم سجلت لنا رواية الطبري كيف وقع ذلك وتم، فقال (4/ 56): (فلما نزل الناس واطمئنوا خرج عليّ وخرج طلحة والزبير فتوافقوا وتكلموا فيما اختلفوا فيه، فلم يجدوا أمرا هوأمثل من الصلح ووضع الحرب حين رأوا الأمر قد أخذ في الانقشاع وأنه لا يدرك، فافترقوا عن موقفهم على ذلك، ورجع عليّ إلى عسكره وطلحة والزبير إلى عسكرهما، - ثم قال:- وبعث عليّ من العشي عبد الله بن عباس إلى طلحة والزبير، وبعثاهما من العشي محمد بن طلحة إلى عليّ، وأن يكلم كل واحد منهما أصحابه، فقالوا: نعم، فما أمسوا - وذلك في جمادى الأولى - أرسل طلحة والزبير إلى رؤساء أصحابهما، وأرسل عليّ الى رؤساء أصحابه ما خلا أؤلئك الذين هضّوا عثمان، فباتوا على الصلح، وباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية من الذي أشرفوا عليه، والنزوع عما اشتهى الذين اشتهوا وركبوا ما ركبوا، وبات الذين أثاروا أمر عثمان
بشر ليلة باتوها قط، قد أشرفوا على الهلكة وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها، حتى اجتمعوا على انشاب الحرب في السر، واستسروا بذلك خشية أن يفطن بما حاولوا من الشر، فغدومع الغلس، وما يشعر بهم جيرانهم انسلوا الى ذلك الأمر انسلالا، وعليهم ظلمة فخرج مضريهم إلى مضريهم وربيعهم الى ربيعهم ويمانيهم الى يمانيهم، فوضعوا فيهم السلاح فثار أهل البصرة، وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين بهتوهم …) وهكذا أنشب قتلة عثمان مؤيدوهم الحرب بين عليّ وأخويه طلحة والزبير ومعهما عائشة، والذين قاموا بهذه الخيانة والفتنة هم من أسلاف الرافضة أمثال عبد الله بن سبأ هذا الذي قدمنا موقف أئمة الرافضة منه في (ج1/ 349 - 35).
وفي تتمة الرواية تلك أيضا (4/ 57): (… وأقبل كعب بن سور حتى أتى عائشة رضي الله عنهما، فقال: أدركي، فقد أبى القوم إلا القتال، لعل الله يصح بك، فركبت …)، وهذا فيه الدلالة القوية على بغية عائشة رضي الله عنهما في الخروج وأنه أمر علمه الخاص والعام، وهوللإصلاح لا للقتال.
ثم انتهت تلك الفتنة بمقتل نحوعشرة آلاف، ومنهم طلحة والزبير رضي الله عنهما، وندم كلا الطرفين على ذلك أشد الندم، كما في رواية الطبري (4/ 537) أن القعقاع دخل على عائشة، فقالت: والله لوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة، فكان قولهما واحدا. وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة طلحة بن عبد الله رضي الله عنه قول الشعبي: رأى عليّ ابن أبي طالب طلحة مُلقى في بعض الأودية فمسح التراب عن وجهه وقال: (عزيز عليّ أبا محمد أن أراك مجدلاً في الأودية وتحت نجوم السماء، الى الله أشكوعجري وبجري - قال الأصمعي: أي سرائري وأحزاني التي تجول في جوفي - وقال: ليتني متّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة).
ونختم هذا بذكر الموقف النبيل من عليّ وعائشة كليهما تجاه بعضهما البعض رضي الله عنهما، هذا الأمر الذي يأباه هذا الرافضي وأشباهه بل يصرون على افتعال العداء بينهما مثل ما وصف عبد الحسين هذا عائشة رضي الله عنهما بأنها من ألد خصوم عليّ، وهوبكلامه هذا لا يبتعد كثيرا عن ما فعله أصحاب الفتنة بينهما في الجمل فله من الله ما يستحق. ولم يكتف بذلك بل زعم - زورا وبهتانا - بأن عائشة حين بلغها موت عليّ سجدت شكرا لله، وهذا من أبطل الباطل اعتمد فيه على رواية مكذوبة باطلة لا يعرف سندها ولا مخرجها ذكرها الأصفهاني في كتابه (مقاتل الطالبيين)، وليس هذا من طريق ثقات الأخبار، بل ثقات الأخبار رووا ذلك الموقف النبيل الذي نعنيه، وهوما أخرجه الطبري (4/ 544): ( .. وجهز علي عائشة بكل شيء ينبغي لها من مركب أوزاد أومتاع … فخرجت على الناس وودعوها وودعتهم وقالت: يا بني تعتب بعضنا على بعض استبطاءا واستزادة، فلا يعتدن أحدا منكم على أحد بشيء بلغه من ذلك، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها وإنه عندي على معتبتي من الأخيار. وقال علي: يا أيها الناس، صدقت والله وبرت، ما كان بيني وبينها إلا ذلك، وإنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة) إ. ه.
فلعمري هل بعد هذا البيان والتصريح من قول؟ وهل يمكن لأحد أن يحيص بشيء بعد كل هذا الوضوح في موقف كل من السيدة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما، وأمير المؤمنين أبي الحسن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه؟ لكن هؤلاء الرافضة لا ينتهون، بل حاولوا بعد إشعال الفتنة بينهما أن يجدوا لذلك أصلا من العداء والكراهية السابقة بينهما، كما حاول هذا الرافضي هنا بالاعتماد على أخبار واهية ساقطة لا يحتج بمثلها أهل العلم، أوزيادات واهية لأحاديث صحيحة، كما هي عادة الرافضة دوما.
خروج عائشة
ثم قال هذا الموسوي: (ولا خرجت من بيتها الذي أمرها الله عز وجل أن تقر فيه) وأشار في الهامش (9/ 265) إلى قوله تعالى (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) وهويعني أن عائشة خالفت أمر الله عز وجل، وهذا جهل فاضح تابع فيه سلفه ابن المطهر الرافضي الذي ردّ عليه شيخ الإسلام فقال: - (المنتقى) (ص237 - 238) - (فهي رضي الله عنهما لم تتبرج تبرج الجاهلية الأولى، والأمر بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحة مأمور بها كما لوخرجت للحج والعمرة، أوخرجت مع زوجها في سفر، فإن هذه الآية نزلت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وقد سافر النبي صلى الله عليه وسلم بهنّ بعد ذلك في حجة الوداع، وسافر بعائشة رضي الله عنهما وغيرها وأرسلها مع عبد الرحمن أخيها فأردفها خلفه، وأعمرها من التنعيم، وحجة الوداع كانت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأقل من ثلاثة أشهر، بعد نزول هذه الآية فما عساه يكون جواب الرافضة عن هذا؟ ثم قال شيخ الإسلام (وإذا كان سفرهن لمصلحة جائزا فعائشة اعتقدت أن ذلك السفر مصلحة للمسلمين فتأولت في هذا) وحتى لا يحيص الرافضة بشيء بعد هذا الجواب نذكر موقفا لعلي رضي الله عنه يشبه تماما موقف عائشة رضي الله عنهما إن لم يكن أصعب منه، وذلك ما ذكره شيخ الإسلام بعد كلامه السابق فقال: (وأيضا لوقال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن المدينة تنفي خبثها وتنصع طيبها، وقال: لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها الله خيرا منه، أخرجه في الموطأ، وقال إن عليا خرج منها ولم يقم بها كما أقام الخلفاء قبله ولهذا لم تجتمع عليه الكلمة، لكان الجواب: إن المجتهد إذا كان دون علي لم يتناوله الوعيد فعلي أولى أن لا يتناوله الوعيد لاجتهاده، وبهذا يجاب عن خروج عائشة رضي الله عنهما، وإذا كان المجتهد مخطئا فالخطأ مغفور بالكتاب والسنة) إ. ه.
ولإثبات أن عائشة رضي الله عنهما خرجت تريد الإصلاح وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين راجع ما نقلناه من تلك الحوادث في صفحة (138، 139) لينجلي الأمر بإذن الله.
تقاتلين عليًّا وأنت ظالمة له
قال شيخ الإسلام في رده على الرافضي:
وأما الحديث الذين رواه وهوقوله لها:"تقاتلين عليًّا وأنت ظالمة له"فهذا لا يُعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة، ولا له إسناد معروف، وهوبالموضوعات المكذوبات أشبه منه بالأحاديث الصحيحة، بل هوكذب قطعاً، فإن عائشة لم تقاتل ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أَوْلى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبل خمارها.
وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة والزبير وعليّ - رضي الله عنه - أجمعين، ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصد في الاقتتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم، فإنه لما تراسل عليّ وطلحة والزبير، وقصدوا الاتفاق على المصلحة، وأنهم إذا تمكّنوا طلبوا قتلة عثمان أهل الفتنة، وكان عليّ غير راض بقتل عثمان ولا مُعِيناً عليه، كما كان يحلف فيقول: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله، وهوالصادق البار في يمينه، فخشي القتلة أن يتفق عليٌّ معهم على إمساك القتلة، فحملوا على عسكر طلحة والزبير، فظن طلحة والزبير أن عليًّا حمل عليهم، فحملوا دفعاً عن أنفسهم، فظن عليّ أنهم حملوا عليه، فحمل دفعاً عن نفسه، فوقعت الفتنة بغير اختيارهم، وعائشة - رضي الله عنهما - راكبة: لا قاتلت، ولا أمرت بالقتال. هكذا ذكره غير واحد من أهل المعرفة بالأخبار.
وأما قوله:"وخالفت أمر الله في قوله تعالى:} وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى {[سورة الأحزاب: 33] "فهي - رضي الله عنهما - لم تتبرج تبرج الجاهلية الأولى. والأمر بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحة مأمور بها، كما لوخرجت للحج والعمرة، أوخرجت مع زوجها في سفرة، فإن هذه الآية قد نزلت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سافر بهن [رسول الله صلى الله عليه وسلم] بعد ذلك، [كما سافر] في حجة الوداع بعائشة - رضي الله عنهما - وغيرها، وأرسلها مع عبد الرحمن أخيها فأردفها خلفه، وأعمرها من التنعيم. وحجة الوداع كانت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأقل من ثلاثة أشهر بعد نزول هذه الآية، ولهذا كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يحججن كما كن يحججن معه في خلافة عمر - رضي الله عنه - وغيره، وكان عمر يوكّل بقطارهن عثمان أوعبد الرحمن بن عوف، وإذا كان سفرهن لمصلحة جائزاً فعائشة اعتقدت أن ذلك السفر مصلحة للمسلمين، فتأوّلت في ذلك.
وهذا كما أن قول الله تعالى:} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ {[سورة النساء: 29]، [وقوله]:} وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ {[سورة النساء: 29] يتضمن نهي المؤمنين عن قتل بعضهم بعضًا، كما في قوله:} وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ {[سورة الحجرات: 11]، وقوله:} لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا {[سورة النور: 12].
وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا"وقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال:"كان حريصاً على قتل صاحبه".
فلوقال قائل: [إن] عليًّا ومن قاتله قد التقيا بسيفيهما، وقد استحلّوا دماء المسلمين، فيجب أن يلحقهم الوعيد.
لكان جوابه: أن الوعيد لا يتناول المجتهد المتأوّل وإن كان مخطئاً، فإن الله تعالى يقول في دعاء المؤمنين:} رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا {[سورة البقرة: 286] قال:"قد فعلت". فقد عُفِيَ للمؤمنين عن النسيان والخطأ، والمجتهد المخطئ مغفور له خطؤه، وإذا غُفر خطأ هؤلاء في قتال المؤمنين فالمغفرة لعائشة لكونها لم تقرّ في بيتها إذا كانت مجتهدة أَوْلى.
وأيضاً فلوقال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن المدينة تنفي خَبَثَها وينصع طِيبُها". وقال:"لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها الله خيراً منه"أخرجه في الموطأ. [كما في الصحيحين عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إنها طَيْبة (يعني المدينة) وإنها تنفي الرجال كما تنفي النار خبث الحديد"، وفي لفظ:"تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الحديد، وفي لفظ:"تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة"]. وقال: إن عليًّا خرج عنها ولم يقم بها كما أقام الخلفاء قبله، ولهذا لم تجتمع عليه الكلمة. لكان الجواب: أن المجتهد إذا كان دون عليّ لم يتناوله الوعيد، فعليّ إلى أن لا يتناوله الوعيد لاجتهاده، وبهذا يجاب عن خروج عائشة - رضي الله عنهما -. وإذا كان المجتهد مخطئاً فالخطأ مغفور بالكتاب والسنة.
وأما قوله:"إنها خرجت في ملأ من الناس تقاتل عليًّا على غير ذنب".
فهذا أولاً: كذب عليها. فإنها لم تخرج لقصد القتال، ولا كان أيضاً طلحة والزبير قصدهما قتال عليّ، ولوقدر أنهم قصدوا القتال، فهذا هوالقتال المذكور في قوله تعالى:} وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ {[سورة الحجرات: 9، 1] فجعلهم مؤمنين إخوة مع الاقتتال، وإذا كان هذا ثابتًا لمن هودون أولئك المؤمنين فهم به أَوْلى وأحرى.
وأما قوله:"إن عائشة كانت في كل وقت تأمر بقتل عثمان، وتقول في كل وقت: اقتلوا نعثلاً، قتل الله نعثلاً، ولما بلغها قتله فرحت بذلك".
فيقال له: أولاً: أين النقل الثابت عن عائشة بذلك؟
ويقال: ثانياً: المنقول الثابت عنها يكذّب ذلك، ويبين أنها أنكرت قتله، وذمّت من قتله، ودعت على أخيها محمد وغيره لمشاركتهم في ذلك.
ويقال: ثالثاً: هب أن واحداً من الصحابة: عائشة أوغيرها قال ذلك على وجه الغضب، لإنكاره بعض ما ينكر، فليس قوله حجة، ولا يقدح ذلك لا في إيمان القائل ولا المقول له، بل قد يكون كلاهما وليَّا لله تعالى من أهل الجنة، ويظن أحدهما جواز قتل الآخر، بل يظن كفره، وهومخطئ في هذا الظن.
كما [ثبت] في الصحيحين عن عليّ وغيره في قصة حاطب بن أبي بلتعة، وكان من أهل بدر والحديبية. وقد ثبت في الصحيح أن غلامه قال: يا رسول الله، والله! ليدخلن حاطب النار. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"كذبت، إنه قد شهد بدراً والحديبية". وفي حديث عليّ أن حاطباً كتب إلى المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد غزوة الفتح فأطلع الله نبيه على ذلك، فقال لعليّ والزبير:"اذهبا حتى تأتيا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب". فلما أتيا بالكتاب، قال:"ما هذا يا حاطب؟ "فقال: والله يا رسول الله ما فعلت هذا ارتداداً ولا رضاً بالكفر، ولكن كنت امرئ ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم بمكة قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي. فقال عمر - رضي الله عنه -: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال:"إنه شهد بدراً، وما يدريك أن الله اطَّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". وأنزل الله تعالى أوّل سورة الممتحنة:} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ {الآية. [سورة الممتحنة: 1]. وهذه القصة مما اتفق أهل العلم على صحتها، وهي متواترة عندهم، معروفة عند علماء التفسير، وعلماء الحديث، وعلماء المغازي والسير والتواريخ، وعلماء الفقه، وغير هؤلاء. وكان عليّ - رضي الله عنه - يحدّث بهذا الحديث في خلافته بعد الفتنة، وروى ذلك عنه كاتبه عبد الله بن أبي رافع ليبيّن [لهم] أن السابقين مغفور لهم، ولوجرى منهم ما جرى.
فإن عثمان وعليًّا وطلحة والزبير أفضل باتفاق المسلمين من حاطب بن أبي بلتعة، وكان حاطب مسيئاً إلى مماليكه، وكان ذنبه في مكاتبة المشركين وإعانتهم على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أعظم من الذنوب التي تضاف إلى هؤلاء، ومع هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتله، وكذََََّب من قال: إنه يدخل النار، لأنه شهد بدراً والحديبية، وأخبر بمغفرة الله لأهل بدر. ومع هذا فقد قال عمر - رضي الله عنه -: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فسمَّاه منافقاً، واستحلَّ قتله، ولم يقدح ذلك في إيمان واحدٍ منهما، ولا في كونه من أهل الجنة.
وكذلك في الصحيحين [وغيرهما] في حديث الإفك لما قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً على المنبر يعتذر من رأس المنافقين عبد الله بن أُبَيّ فقال:"من يعذرني من رجل [قد] بلغني أذاه في أهلي، والله! ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً". فقام سعد بن معاذ سيد الأوس، وهوالذي اهتز لموته عرش الرحمن، وهوالذي كان لا تأخذه في الله لومة لائم، بل حكم في حلفائه من بني قريظة بأن يقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم وتغنم أموالهم، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة". فقال: يا رسول الله! نحن نعذرك منه. إن كان من إخواننا من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. فقام سعد بن عبادة فقال: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أُسَيْد بن حضير، فقال: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. وكادت تثور فتنة بين الأوس والخزرج، حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم وخفَّضهم.
وهؤلاء الثلاثة من خيار السابقين الأوَّلين، وقد قال أُسيد بن حضير لسعد بن عبادة:"إنك منافق تجادل عن المنافقين"وهذا مؤمن وليٌّ لله من أهل الجنة، وذلك مؤمن وليٌّ لله من أهل الجنة؛ فدل على أن الرجل قد يكفِّر آخر بالتأويل، ولا يكون واحداً منهما كافر.
وكذلك في الصحيحين حديث عتبان بن مالك لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم منزله في نفر من أصحابه، فقام يصلِّي وأصحابه يتحدثون بينهم، ثم أسندوا عظم ذلك إلى مالك ابن الدُّخْشُم، وودوا أن النبيصلى الله عليه وسلم دعا عليه فيهلك، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته وقال:"أليس يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ "قالوا: [بلى] وإنه يقول ذلك، وما هوفي قلبه. فقال:"لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله فيدخل النار أوتَطْعَمَهُ".
وإذا كان ذلك فإذا ثبت أن شخصاً من الصحابة: إمّا عائشة، وإمّا عمار بن ياسر، وإما غيرهما: كفّر آخر من الصحابة: عثمان أوغيره، أوأباح قتله على وجه التأويل - كان هذا من باب التأويل المذكور، ولم يقدح ذلك في إيمان واحد منهما، ولا في كونه من أهل الجنة؛ فإن عثمان وغيره أفضل من حاطب بن بلتعة، وعمر أفضل من عمَّار وعائشة وغيرهما، وذنب حاطب أعظم، فإذا غُفر لحاطب ذنبه، فالمغفرة لعثمان أَوْلى، وإذا جاز أن يجتهد مثل عمر وأُسيد بن حضير في التكفير أواستحلال القتل، ولا يكون ذلك مطابقاً، فصدور مثل ذلك من عائشة وعمّار أَوْلى.
ويقال: رابعاً: [إن] هذا المنقول عن عائشة من القدح في عثمان: إن كان صحيحاً فإما أن يكون صواباً أوخطأً، فإن كان صواباً لم يُذكر في مساوئ عائشة، وإن كان خطأ لم يذكر في مساوئ عثمان، والجمع بين نقص عائشة وعثمان باطل قطعاً. وأيضاً فعائشة ظهر منها من التألم لقتل عثمان، والذم لقتلته، وطلب الانتقام منهم ما يقتضي الندم على ما ينافي ذلك، كما ظهر منها الندم على مسيرها إلى الجمل؛ فإن كان ندمها على ذلك يدل على فضيلة عليّ واعترافها له بالحق، فكذلك هذا يدل على فضيلة عثمان واعترافها له بالحق، وإلا فلا.
وأيضاً فما ظهر من عائشة وجمهور الصحابة وجمهور المسلمين من الملام لعليّ أعظم مما ظهر منهم من الملام لعثمان؛ فإن كان هذا حجة في لوم عثمان فهوحجة في لوم عليّ، وإن لم يكن حجة في لوم عليّ، فليس حجة في لوم عثمان. وإن كان المقصود بذلك القدح في عائشة لمَّا لامت عثمان وعليًّا، فعائشة في ذلك مع جمهور الصحابة، لكن تختلف درجات الملام.
وإن كان المقصود القدح في الجميع: في عثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير، وعائشة، واللائم والملوم.
قيل: نحن لسنا ندّعي لواحد من هؤلاء العصمة من كل ذنب، بل ندَّعي أنهم من أولياء الله المتقين، وحزبه المفلحين، وعباده الصالحين، وأنهم من سادات أهل الجنة، ونقول: [إن] الذنوب جائزة على من هوأفضل منهم من الصدِّيقين، ومن هوأكبر من الصدِّيقين، ولكن الذنوب يُرفع عقابها بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب المكفِّرة، وغير ذلك، وهؤلاء لهم من التوبة والاستغفار والحسنات ما ليس لمن هودونهم، وابتلوا بمصائب يكفِّر الله بها خطاياهم، لم يبتل بها من دونهم، فلهم من السعي المشكور والعمل المبرور ما ليس لمن بعدهم، وهم بمغفرة الذنوب أحق من غيرهم ممن بعدهم.
والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم كحال أهل البدع؛ فإن الرافضة تعمد إلى أقوام متقاربين في الفضيلة، تريد أن تجعل أحدهم معصوماً من الذنوب والخطايا، والآخر مأثوماً فاسقاً أوكافراً، فيظهر جهلهم وتناقضهم، كاليهودي والنصراني إذا أراد أن يثبت نبوّة موسى أوعيسى، مع قدحه في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه يظهر عجزه وجهله وتناقضه، فإنه ما من طريق يثبت بها نبوّة موسى وعيسى إلا وتثبت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بمثلها أوبما هوأقوى منها، وما من شبهة تعرض في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا وتعرض في نبوة موسى وعيسى - عليهما السلام - بما هومثلها أوأقوى منها، وكل من عمد إلى التفريق بين المتماثلين، أومدح الشيء وذم ما هومن جنسه، أوأولى بالمدح منه أوبالعكس، أصابه مثل هذا التناقض والعجز والجهل. وهكذا أتباع العلماء والمشايخ إذا أراد أحدهم أن يمدح متبوعه ويذم نظيره، أويفضّل أحدهم على الآخر بمثل هذا الطريق.
(المرجع: منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية، 4/ 29 - 322)، (4/ 329 - 337).
عائشة رضي الله عنها ومشاركتها في حرب الجمل
يقول الرافضي طاعناً في أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها وأبيها- ص139 وما بعدها: «ونتساءل عن حرب الجمل التي أشعلت نارها أم المؤمنين عائشة، إذ كانت هي التي قادتها بنفسها، فكيف تخرج أم المؤمنين عائشة من بيتها التي أمرها الله بالاستقرار فيه بقوله تعالى: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى}. (1) ونسأل بأي حق استباحت أم المؤمنين قتال خليفة المسلمين علي ابن أبي طالب وهوولي كل مؤمن ومؤمنة ....
ولمزيد البحث وليطمئن قلبي أقول أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الفتن التي تموج كموج البحر قال: لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة بعث علي عمار بن ياسر والحسن بن علي فقدما علينا الكوفة، فصعدا المنبر فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه، وقام عمار أسفل من الحسن، فاجتمعنا إليه فسمعت عماراً يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة، ووالله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي.
كما أخرج البخاري أيضاً في كتاب الشروط، باب ما جاء في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً فأشار نحومسكن عائشة، فقال: ههنا الفتنة ههنا الفتنة ههنا الفتنة، من حيث يطلع قرن الشيطان .... وبعد كل هذا أتساءل كيف استحقت عائشة كل هذا التقدير والاحترام من أهل السنة والجماعة، ألأنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فزوجاته كثيرات، وفيهن من هي أفضل من عائشة بتصريح النبي صلى الله عليه وسلم نفسه».
وجوابه:
أن قوله إنها أشعلت نار حرب الجمل وقادتها بنفسها ... الخ كلامه.
فهذا من أظهر الكذب الذي يعلم فساده كل من له إطلاع على التأريخ وأحداث موقعة الجمل، وذلك أن هذه المعركة لم تقع بتدبير أحد من الصحابة لا علي ولا طلحة ولا الزبير ولا عائشة، بل إنما وقعت بغير اختيار منهم ولا إرادة لها، وإنما انشب الحرب بينهم قتلة عثمان لما رأوا أن الصحابة - رضي الله عنهم - أوشكوا على الصلح، كما نقل ذلك المؤرخون وصرح به العلماء المحققون للفتنة وأحداثها:
يقول الباقلاني: «وقال جلة من أهل العلم إن الوقعة بالبصرة بينهم كانت على غير عزيمة على الحرب بل فجأة، وعلى سبيل دفع
[438]
كل واحد من الفريقين عن أنفسهم لظنه أن الفريق الآخر قد غدر به، لأن الأمر كان قد انتظم بينهم وتم الصلح والتفرق على الرضا، فخاف قتلة عثمان من التمكن منهم والإحاطة بهم، فاجتمعوا وتشاوروا واختلفوا، ثم اتفقت أراؤهم على أن يفترقوا ويبدؤوا بالحرب سحرة في العسكرين، ويختلطوا ويصيح الفريق الذي في عسكر علي: غدر طلحة والزبير، ويصيح الفريق الآخر الذي في عسكر طلحة والزبير: غدر علي، فتم لهم ذلك على ما دبروه، ونشبت الحرب، فكان كل فريق منهم مدافعاً لمكروه عن نفسه، ومانعاً من الإشاطة بدمه، وهذا صواب من الفريقين وطاعة لله تعالى إذا وقع، والامتناع منهم على هذا السبيل، فهذا هوالصحيح المشهور، وإليه نميل وبه نقول». (1)
ويقول ابن العربي: «وقدم علي البصرة وتدانوا ليتراؤوا، فلم يتركهم أصحاب الأهواء، وبادروا بإراقة الدماء، واشتجر بينهم الحرب، وكثرت الغوغاء على البغواء، كل ذلك حتى لايقع برهان، ولا تقف الحال على بيان، ويخفى قتلة عثمان، وإن واحداً في الجيش يفسد تدبيره فكيف بألف». (2)
______________________________
(1) التمهيد في الرد على الملحدة ص233.
(2) العواصم من القواصم ص159.
[439]
ويقول ابن حزم: «وأما أم المؤمنين والزبير وطلحة - رضي الله عنهم - ومن كان معهم فما أبطلوا قط إمامة علي ولا طعنوا فيها ... فقد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها أنهم لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي ولا خلافاً عليه ولا نقضاً لبيعته ... وبرهان ذلك أنهم اجتمعوا ولم يقتتلوا ولا تحاربوا، فلما كان الليل عرف قتلة عثمان أن الإراغة والتدبير عليهم، فبيتوا عسكر طلحة والزبير، وبذلوا السيف فيهم فدفع القوم عن أنفسهم فرُدِعُوا حتى خالطوا عسكر علي، فدفع أهله عن أنفسهم، وكل طائفة تظن ولا تشك أن الأخرى بدأتها بالقتال، فاختلط الأمر اختلاطاً لم يقدر أحد على أكثر من الدفاع عن نفسه، والفسقة من قتلة عثمان، لعنهم الله لا يفترون من شب الحرب وإضرامها». (1)
ويقول ابن كثير واصفاً الليلة التي اصطلح فيها الفريقان من الصحابة: «وبات الناس بخير ليلة، وبات قتلة عثمان بشر ليلة، وباتوا يتشاورون، وأجمعوا على أن يثيروا الحرب من الغلس». (2)
ويقول ابن أبي العز الحنفي: «فجرت فتنة الجمل على غير اختيار من علي ولا من طلحة والزبير، وإنما أثارها المفسدون بغير
______________________________
(1) الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/ 238 - 239.
(2) البداية والنهاية 7/ 5.
[44]
اختيار السابقين". (1)
فهذه أقوال العلماء المحققين كلها متفقة على أن الحرب يوم الجمل نشأت بغير قصد من الصحابة ولا اختيار منهم، بل إنهم كانوا كارهين لها، مؤثرين الصلح على الحرب، ولم يكن لأي أحد من الصحابة أي دور في نشوبها ولا سعي في إثارتها، لا عائشة -رضي الله عنها- كما زعم هذا الرافضي ولا غيرها، وإنما أوقد جذوتها وأضرم نارها سلف هذا الرافضي الحاقد، وغيرهم من قتلة عثمان - رضي الله عنه - وهواليوم يرمي أم المؤمنين بذلك، فعليهم من الله ما يستحقون، ما أشد ابتلاء الأمة بهم، وأعظم جنايتهم عليها قديماً وحديثاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
وأما قوله: إنها خرجت من بيتها، وقد أمرها الله بالاستقرار فيه في قوله تعالى: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى}. (2)
فالرد عليه: أن عائشة -رضي الله عنها- إنما خرجت للصلح بين المسلمين، ولجمع كلمتهم، ولما كانت ترجومن أن يرفع الله بها الخلاف بين المسلمين لمكانتها عندهم، ولم يكن هذا رأيها وحدها،
______________________________
(1) شرح العقيدة الطحاوية ص723.
(2) سورة الأحزاب آيه 33.
[441]
بل كان رأي بعض من كان حولها من الصحابة الذين أشاروا عليها بذلك.
يقول ابن العربي: «وأما خروجها إلى حرب الجمل فما خرجت لحرب، ولكن تعلق الناس بها وشكوا إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة وتهارج الناس، ورجوا بركتها في الإصلاح وطمعوا في الاستحياء منها إذا وقفت للخلق، وظنت هي ذلك، فخرجت مقتدية بالله في قوله: {لاخير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أومعروف أوإصلاح بين الناس} (1) وبقوله: {وإن طائفتان من المؤمنين أقتتلوا فأصلحوا بينهما} (2) والأمر بالإصلاح، مخاطب به جميع الناس من ذكر أوأنثى حر أوعبد ... ». (3)
وقد صرحت عائشة نفسها بأن هذا هوسبب خروجها، كما ثبت ذلك عنها في أكثر من مناسبة وفي غيرما رواية.
فروى الطبري أن عثمان بن حنيف - رضي الله عنه - وهووالي البصرة من قبل علي بن أبي طالب أرسل إلى عائشة -رضي الله عنها- عند قدومها البصرة من يسألها عن سبب قدومها، فقالت: (والله ما مثلي
______________________________
(1) سورة النساء آيه 114.
(2) سورة الحجرات آيه 9.
(3) أحكام القرآن 3/ 569 - 57.
[442]
يسير بالأمر المكتوم، ولا يغطّي لبنيه الخبر، إن الغوغاء من أهل الأمصار، ونزاع القبائل، غزوا حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحدثوا فيه الأحداث، وآووا فيه المحدثين، واستوجبوا فيه لعنة الله ولعنة رسوله مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترة ولا عذر، فاستحلوا الدم الحرام فسفكوه، وانتهبوا المال الحرام، وأحلوا البلد الحرام، والشهر الحرام، ومزقوا الأعراض والجلود، وأقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقامهم، ضارين مضرين غير نافعين ولا متقين، ولا يقدرون على امتناع ولا يأمنون، فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء القوم وما فيه الناس وراءنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا، وقرأت: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أومعروف أوإصلاح بين الناس} (1) فنهض في الإصلاح ممن أمر الله عز وجل، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصغير والكبير والذكر والأنثى، فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به ونحضكم عليه، ومنكر ننهاكم عنه ونحثكم على تغييره). (2)
وروى ابن حبان أن عائشة -رضي الله عنها- كتبت إلى أبي موسى الأشعري والي علي على الكوفة: (فإنه قد كان من قتل عثمان
______________________________
(1) سورة النساء آيه 114.
(2) تاريخ الطبري 4/ 462.
[443]
ما قد علمت، وقد خرجت مصلحة بين الناس، فمر من قبلك بالقرار في منازلهم، والرضا بالعافية حتى يأتيهم ما يحبون من صلاح أمر المسلمين). (1)
ولما أرسل علي القعقاع بن عمرولعائشة ومن كان معها يسألها عن سبب قدومها، دخل عليها القعقاع فسلم عليها، وقال: (أي أُمة ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بنيّ إصلاح بين الناس). (2)
وبعد انتهاء الحرب يوم الجمل جاء علي إلى عائشة -رضي الله عنها- فقال لها: (غفر الله لك، قالت: ولك، ما أردت إلا الإصلاح). (3)
فتقرر أنها ما خرجت إلا للإصلاح بين المسلمين، وهذا سفر طاعة لا ينافي ما أمرت به من عدم الخروج من بيتها، كغيره من الأسفار الأخرى التي فيها طاعة لله ورسوله كالحج والعمرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الرد على الرافضة
______________________________
(1) الثقات لابن حبان 2/ 282.
(2) تاريخ الطبري 4/ 488، والبداية والنهاية لابن كثير 7/ 248.
(3) نقله ابن العماد في شذرات الذهب 1/ 42، وروى هذا الأثر بدون قولها: (ما أردت إلا الإصلاح) الطبري في تأريخه 4/ 534.
[444]
في هذه المسألة: (فهي -رضي الله عنها- لم تتبرج تبرج الجاهلية الأولى، والأمر بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحة مأمور بها، كما لوخرجت للحج والعمرة، أوخرجت مع زوجها في سفره، فإن هذه الآية قد نزلت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وقد سافر بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كما سافر في حجة الوداع بعائشة -رضي الله عنها- وغيرها وأرسلها مع عبد الرحمن أخيها فأردفها خلفه، وأعمرها من التنعيم، وحجة الوداع كانت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأقل من ثلاثة أشهر بعد نزول هذه الآية، ولهذا كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يحججن كما كن يحججن معه في خلافة عمر- رضي الله عنه - وغيره، وكان عمر يوكل بقطارهن عثمان، أوعبد الرحمن بن عوف، وإذا كان سفرهن لمصلحة جائزاً، فعائشة اعتقدت أن ذلك السفر مصلحة للمسلمين فتأولت في ذلك». (1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
وأما قول الرافضي: استباحت قتال خليفة المسلمين ...
فقد تقدم إنها ما خرجت لذلك، وما أرادت القتال، وقد نقل الزهري عنها أنها قالت بعد موقعة الجمل: (إنما أريد أن يحجز بين الناس مكاني، ولم أحسب أن يكون بين الناس قتال، ولوعلمت ذلك لم أقف ذلك الموقف أبداً). (2)
ولهذا ندمت -رضي الله عنها- بعد ذلك ندماً عظيماً على
______________________________
(1) منهاج السنة 4/ 317 - 318.
(2) المغازي للزهري ص154.
[445]
شهود موقعة الجمل، على ماروى ابن أبي شيبة عنها أنها قالت:
(وددت أني كنت غصناً رطباً، ولم أسر سيري هذا). (1)
وفي الكامل لابن الأثير أنها قالت للقعقاع بن عمرو: (والله لوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة). (2)
وموقف عائشة -رضي الله عنها- هذا هوموقف علي - رضي الله عنه - من الحرب بعد وقوعها.
فقد روى ابن أبي شيبة: أن علياً قال يوم الجمل: (اللهم ليس هذا أردت، اللهم ليس هذا أردت). (3)
وعنه - رضي الله عنه - أنه قال: (وددت أني كنت مت قبل هذا بعشرين سنة). (4)
فثبت بهذا أن عائشة -رضي الله عنها- ما أرادت القتال أولاً، وندمت أن شهدته بعد وقوعه، فلئن كان ذنباً فهومغفور لها من وجهين: بعدم القصد، وبالتوبة منه، هذا مع ما ثبت أنها خرجت لمقصد حسن وهوالصلح بين المسلمين، فهي بذلك مأجورة على
______________________________
(1) المصنف لابن أبي شيبة 7/ 543.
(2) الكامل في التاريخ 3/ 254.
(3) المصنف لابن أبي شيبة 7/ 541.
(4) المصدر نفسه 7/ 544، والكامل لابن الأثير 3/ 254.
[446]
قصدها مغفور لها خطؤها.
وموقف علي - رضي الله عنه - من الحرب دليل على أنه يرى أنها حرب فتنة، ولهذا تمنى لولم يدخلها، وأنه مات قبلها بعشرين سنة، وذلك لاشتباه الأمور فيها، ولكونه لم يظهر له أن في قتال مخالفيه يوم الجمل حقاً ظاهراً، ولوأنه كان يعتقد في مخالفيه ما يعتقده الرافضة فيهم من الكفر والردة عن الإسلام بحربهم لعلي - رضي الله عنه -، فإنه لوكان يعتقد فيهم هذا لما ندم على قتالهم ذلك الندم العظيم، ولفرح بقتلهم وقتالهم لما في ذلك من عز الإسلام وقمع أعدائه، ولما فيه من الأجر العظيم. كما حصل ذلك منه بعد قتال الخوارج -مع كونه لا يعتقد كفرهم- إلا أنه فرح بقتالهم فرحاً عظيماً، وكبر الله سروراً بقتلهم لمّا تأكد له وصفهم، الذي عهد به رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك وجود ذي الثدية فيهم، على ما جاء ذلك مخرجاً في الصحيحين. (1)
وفي هذا أكبر رد على هؤلاء الرافضة الطاعنين في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المتهمين لهم بالعظائم، فلوكان لهم عقول لما حادوا عن موقف علي من مخالفيه الذي لم يكن يتهمهم في دينهم، ولا يذمهم بشيء مما
______________________________
(1) انظر: صحيح البخاري: (كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام) فتح الباري 8/ 617 - 618، ح361، وصحيح مسلم: (كتاب الزكاة، باب التحريض على قتل الخوارج) 2/ 748 - 749.
[447]
يتشدق به هؤلاء الأفاكون المجرمون، بل ثبت ثناؤه عليهم، ووصفه لهم بالإيمان والتقوى، واستغفاره لهم، كما تقدم نقل ذلك مفصلاً فيما قد سبق من البحث (1) وكما مر قريباً استغفاره لعائشة واستغفارها له (2) فرضي الله عنهم جميعاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
وأما طعن الرافضي في أم المؤمنين عائشة بقول عمار: (والله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم بها ليعلم إياه تطيعون أم هي).
فالرد عليه: أن ليس في قول عمار هذا ما يطعن به على عائشة -رضي الله عنها- بل فيه أعظم فضيلة لها، وهي أنها زوجة نبينا صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، فأي فضل أعظم من هذا، وأي شرف أسمى من هذا، فإن غاية كل مؤمن رضا الله والجنة، وعائشة -رضي الله عنها- قد تحقق لها ذلك بشهادة عمار - رضي الله عنه - الذي كان مخالفاً لها في الرأي في تلك الفتنة، وأنها ستكون في أعلى الدرجات في الجنة بصحبة زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما شهد لها بذلك علي نفسه بعد انتهاء حرب الجمل على ما نقل الطبري أنه جاءها فأثنت عليه خيراً وأثنى عليها خيراً (3) وكان فيما قال: (أيها الناس صدقت والله
______________________________
(1) انظره ص 243 - 247.
(2) تقدم ص444.
(3) تقدم نقل ذلك ص 245.
[448]
وبرّت ... وإنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة). (1)
وبهذا قد جاء الحديث الصحيح المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم على ما روى الحاكم في المستدرك من حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (أما ترضين أن تكوني زوجتي في الدنيا والآخرة، قالت: بلى والله، قال: فأنت زوجتي في الدنيا والآخرة). (2)
فيكون هذا الحديث من أعظم فضائل عائشة -رضي الله عنها- ولذا أورد البخاري الأثر السابق عن عمار في مناقب عائشة -رضي الله عنها-. (3)
وطعن الرافضي به على عائشة دليل على ضعف عقله، وقلة فهمه، وهذا مصداق ما ذكره العلماء عنهم أن هؤلاء الرافضة هم أكذب الناس في النقليات وأجهل الناس في العقليات (4) وأنه ليس في
______________________________
(1) تاريخ الطبري 4/ 544.
(2) رواه الحاكم في المستدرك 4/ 1، وقال: «حديث صحيح ولم يخرجاه» وقال الذهبي في التلخيص المطبوع في حاشية المستدرك: «صحيح» كما أورد هذا الحديث مصطفى العدوي في كتابه الصحيح المسند من فضائل الصحابة وحكم بصحة الحديث ص356.
(3) انظر: صحيح البخاري: (كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عائشة -رضي الله عنها-)، فتح الباري 7/ 16، ح3772.
(4) من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وقد تقدم نقل النص كاملاً ص 139.
[449]
أهل الأهواء أضعف حجة ولا أحمق منهم. (1)
فتبين أن أثر عمار هذا حجة على الرافضي لا له، وأما قول عمار في الجزء الأخير من الأثر: (ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أوإياها) فليس بمطعن على عائشة -رضي الله عنها- وبيان ذلك من عدة وجوه:
الوجه الأول: أن قول عمار هذا يمثل رأيه. وعائشة -رضي الله عنها- ترى خلاف ذلك، وأن ما هي عليه هوالحق، وكل منهما صحابي جليل، عظيم القدر في الدين والعلم، فليس قول أحدهما حجة على الآخر.
الوجه الثاني: أن أثر عمار تضمن معنيين أولهما قوله: (إنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة) وهذا نص حديث صحيح كما تقدم. والآخر قوله: (ولكن الله ابتلاكم بها لتتبعوه أوإياها) وهذا قول عمار، فإن كان قول عمار غير معارض للحديث فلا مطعن حينئذ، وإن كان معارضاً للحديث فالحديث هوالمقدم.
الوجه الثالث: أن الشهادة بأنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، حكم عام باعتبار العاقبة والمآل. وقول عمار حكم خاص في حادثة خاصة، فرجع الحكم الخاص إلى العام وآل الأمر إلى تلك العاقبة السعيدة فانتفى الطعن.
______________________________
(1) ذكره أبوعبيد القاسم بن سلاّم وقد تقدم نقله وتخريجه ص 131.
[45]
الوجه الرابع: أن غاية ما في قول عمار هومخالفتها أمر الله في تلك الحالة الخاصة، وليس كل مخالف مذموماً حتى تقوم عليه الحجة بالمخالفة، ويعلم أنه مخالف، وإلا فهومعذور إن لم يتعمد المخالفة، فقد يكون ناسياً أومتأولاً فلا يؤاخذ بذاك.
الوجه الخامس: أن عماراً - رضي الله عنه - ما قصد بذلك ذم عائشة ولا انتقاصها، وإنما أراد أن يبين خطأها في الاجتهاد نصحاً للأمة، وهومع هذا يعرف لأم المؤمنين قدرها وفضلها وقد جاء في بعض روايات هذا الأثر عن عمار أن عماراً سمع رجلاً يسب عائشة، فقال: (اسكت مقبوحاً منبوحاً، والله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة ولكن الله ابتلاكم بها ليعلم أتطيعوه أوإياها). (1)
ونحن نقول لهذا الرافضي المتطاول على أم المؤمنين كما قال عمار: اسكت مقبوحاً منبوحاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
وأما قول الرافضي إن النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيباً فأشار نحومسكن عائشة فقال: ههنا الفتنة ههنا الفتنة من حيث يطلع قرن الشيطان، وطعنه على عائشة -رضي الله عنها- بذلك وزعمه أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن الفتنة تخرج من بيتها.
فجوابه: أنه لا يخفى ما في كلامه هذا من التضليل والتلبيس،
______________________________
(1) نقله ابن كثير في البداية والنهاية 7/ 248.
[451]
وقلب الحقائق والتدليس على من لا علم عنده من العامة وذلك بتفسيره قول الراوي: (فأشار نحومسكن عائشة) على أن الإشارة كانت لبيت عائشة وأنها سبب الفتنة، والحديث لا يدل على هذا بأي وجه من الوجوه، وهذه العبارة لا تحتمل هذا الفهم عند من له أدنى معرفة بمقاصد الكلام.
فان الراوي قال: (أشار نحومسكن عائشة) أي جهة مسكن عائشة، ومسكن عائشة -رضي الله عنها- يقع شرقي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فالإشارة إلى جهة المسكن وهو(المشرق) لا إلى المسكن، ولوكانت الإشارة إلى المسكن لقال: (أشار إلى مسكن عائشة) ولم يقل: (إلى جهة مسكن عائشة) والفرق بين التعبيرين واضح وجلي.
وهذه الرواية التي ذكرها أخرجها البخاري في كتاب فرض الخمس باب ما جاء في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم (1) وليس كما زعم الرافضي أنها في كتاب الشروط.
وهذا الحديث قد جاء مخرجاً في كتب السنة من الصحيحين وغيرهما من عدة طرق، وبأكثر من لفظ، وقد جاء التصريح في هذه الروايات بأن الإشارة كانت إلى المشرق، وجاء النص فيها على البلاد المشار إليها بما يدحض دعوى الرافضي ويغني عن التكلف في الرد عليه
______________________________
(1) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري 6/ 21، ح314.
[452]
بأي شيء آخر.
وها هي ذي بعض روايات الحديث من عدة طرق عن ابن عمر -رضي الله عنهما-.
فعن ليث عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهومستقبل المشرق يقول: (ألا أن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان). (1)
وعن عبيد بن عمر قال: حدثني نافع عن ابن عمر: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عند باب حفصة فقال بيده نحوالمشرق: الفتنة من حيث يطلع قرن الشيطان قالها مرتين أوثلاثاً). (2)
وعن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وهومستقبل المشرق، ها إن الفتنة ههنا، ها إن الفتنة ههنا، ها إن الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان). (3)
وفي هذه الروايات تحديد صريح للجهة المشار إليها وهي جهة المشرق، وفيها تفسير للمقصود بالإشارة في الرواية التي ذكرها الرافضي.
______________________________
(1) أخرجه البخاري في: (كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم الفتنة من قبل المشرق)، فتح الباري 13/ 45، ح793، ومسلم: (كتاب الفتن، باب الفتنة من المشرق ... ) 4/ 2228، ح295.
(2) أخرجه مسلم: (كتاب الفتن، باب الفتنة من المشرق ... ) 4/ 2229.
(3) أخرجه مسلم: (كتاب الفتن، باب الفتنة من المشرق ... ) 4/ 2229.
[453]
كما جاء في بعض الروايات الأخرى للحديث تحديد البلاد المشار إليها.
فعن نافع عن ابن عمر قال: (ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا: يارسول الله وفي نجدنا (1) فأظنه قال في الثالثة: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان). (2)
وعن سالم بن عبد الله بن عمر أنه قال: يا أهل العراق؟ ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الفتنة تجيء من ههنا وأوْمَأ بيده نحوالمشرق، من حيث يطلع قرنا الشيطان). (3)
وفي بعض الروايات جاء ذكر بعض من يقطن تلك البلاد من القبائل ووصف حال أهلها.
فعن أبي مسعود قال: (أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده نحواليمن فقال: ألا إن الإيمان ههنا، وإن القسوة وغلظ القلوب في
______________________________
(1) قال الخطابي: «نجد من جهة المشرق ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق، ونواحيها وهي مشرق أهل المدينة»، فتح الباري لابن حجر 13/ 47.
(2) أخرجه البخاري: (كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم الفتنة من قبل المشرق)، فتح الباري 13/ 45، ح794.
(3) أخرجه مسلم: (كتاب الفتن، باب الفتنة من المشرق ... ) 4/ 2229.
[454]
الفدادين. (1) عند أصول أذناب الإبل، حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر). (2)
فدلت هذه الروايات دلالة قطيعة على بيان مراد النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: (الفتنة هاهنا) وأن المقصود بذلك بلاد المشرق، حيث جاءت الروايات مصرحة بهذا، كما جاء في بعضها وصف أهل تلك البلاد وتعيين بعض قبائلها، مما يظهر به بطلان ما ادعى الرافضي من أن الإشارة كانت إلى بيت عائشة، فإن هذا قول باطل، ورأي ساقط، لم يفهمه أحد وما قال به أحد سوى هذا الرافضي الحاقد. والذي يحمله على هذا هوبغضه لأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- فعليه من الله ما يستحق وألبسه الله بطعنه في الصحابة لباس الذل والخزي في الدنيا والآخرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
وأما قوله: كيف استحقت عائشة كل هذا التقدير والاحترام من أهل السنة والجماعة، ألأنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم فزوجاته كثيرات وفيهن من هي أفضل من عائشة بتصريح النبي صلى الله عليه وسلم.
______________________________
(1) الفدّادون: الذين تعلوا أصواتهم في حروثهم ومواشيهم واحدهم: فدّاد وقيل هم المكثرون من الإبل. النهاية لابن الأثير 3/ 419.
(2) أخرجه البخاري في: (كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال) فتح الباري 6/ 35، ح332، ومسلم: (كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان فيه) 1/ 71، ح51.
[455]
وجوابه: أما كيف استحقت كل هذا التقدير فلما ثبت من فضائلها العظيمة الثابتة بالنصوص الصحيحة.
فمن ذلك تبرأة الله تعالى لها من فوق سبع سموات، في آيات من كتاب الله تتلى إلى أن يأذن الله برفع كتابه من الأرض، وذلك في قول الله تعالى من سورة النور: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هوخير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} (1) إلى قوله: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم} (2) فهذه الآيات من أكبر الأدلة على طهارتها، وشرفها، وعلوشأنها في الدين.
ومن الأدلة على فضلها من السنة.
ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً: (يا عائشة هذا جبريل يقرئك السلام، قلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى مالا أرى،
______________________________
(1) سورة النور آية 11.
(2) سورة النور آية 26.
[446]
تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم). (1)
وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام). (2)
وعن هشام بن عروة عن عائشة قالت إنْ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتفقد يقول: (أين أنا اليوم؟ أين أنا غداً؟ استبطاءً ليوم عائشة قالت: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري). (3)
______________________________
(1) رواه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عائشة -رضي الله عنها-)، فتح الباري 7/ 16، ح3768، ومسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل عائشة -رضي الله عنها-) 4/ 1896.
(2) رواه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عائشة -رضي الله عنها-)، فتح الباري 7/ 16، ح3769، والجزء الأخير من الحديث وهوقوله: (فضل عائشة على النساء ... ) أخرجه البخاري أيضاً من طريق أنس ابن مالك في الباب نفسه برقم 377، ومسلم في: (كتاب فضائل الصحابة، باب في فضائل عائشة -رضي الله عنها-) 4/ 1895، ح2446.
(3) رواه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عائشة)، فتح الباري 7/ 17، ح3774، ومسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب في فضائل عائشة) 4/ 1893، ح2443.
[457]
وعن هشام بن عروة قال: (كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة قالت: عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة فقلن: يا أم سلمة والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان أوحيث ما دار، قالت فذكرت ذلك أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم قالت: فأعرض عني، فلما عاد إليّ ذكرت له ذلك فأعرض عني، فلما كان الثالثة ذكرت له فقال: يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها). (1)
وعن عمروبن العاص - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحبّ إليك؟ قال: عائشة، فقلت من الرجال؟ قال: أبوها، قلت ثم من قال: ثم عمر بن الخطاب فعدّ رجالاً). (2)
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على فضلها، وسبقها،
______________________________
(1) رواه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عائشة)، فتح الباري 7/ 17، ح3775.
(2) رواه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لوكنت متخذاً خليلاً)، فتح الباري 7/ 18، ح3662، ومسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر) 4/ 1856، ح2384.
[458]
وعلوشأنها في الدين، وعظيم مكانتها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا أكبر رد على هذا الرافضي الذي يتساءل مكابراً: لأي شيء استحقت عائشة هذا التقدير! فنقول له: لما ثبت من فضلها على لسان
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفردها بتلك المناقب العظيمة التي لم يشاركها فيها أحد من أمهات المؤمنين عدا خديجة -رضي الله عنها- في تسليم جبريل عليها كما هوثابت في الصحيح. (1)
وأما قول الرافضي وفيهن (أي أمهات المؤمنين) من هي أفضل منها بتصريح رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعله يريد بذلك خديجة -رضي الله عنها- وهذا غير مسلم، فالمفاضلة بين خديجة وعائشة محل نزاع كبير بين العلماء المحققين، وذلك أن العلماء متفقون على أن أفضل نساء الأمة، خديجة وعائشة وفاطمة، ثم اختلفوا بعد ذلك في المفاضلة بينهن -رضي الله عنهن-.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأفضل نساء هذه الأمة خديجة، وعائشة، وفاطمة، وفي تفضيل بعضهن على بعض نزاع». (2)
______________________________
(1) انظر: صحيح البخاري: (كتاب فضائل الصحابة، باب تزوج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها)، فتح الباري 7/ 133 - 134، ح382، ومسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة) 4/ 1887، ح2432.
(2) مجموع الفتاوى 4/ 394.
[459]
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن خديجة وعائشة أميّ المؤمنين أيهما أفضل؟ فأجاب: «بأن سبق خديجة وتأثيرها في أول الإسلام ونصرها وقيامها في الدين لم تشاركها فيه عائشة ولا غيرها من أمهات المؤمنين، وتأثير عائشة في آخر الإسلام وحمل الدين وتبلغيه إلى الأمة وإدراكها من العلم مالم تشاركها فيه خديجة ولا غيرها مما تميزت به عن غيرها». (1)
وقال ابن حجر: «وقيل انعقد الإجماع على أفضلية فاطمة وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة». (2)
وقال في شرح حديث أبي هريرة وأن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن يقرأ خديجة السلام من ربها وفيه: «قال السهيلي: استدل بهذه القصة أبوبكر بن داود على أن خديجة أفضل من عائشة لأن عائشة سلم عليها جبريل من قبل نفسه، وخديجة أبلغها السلام من ربها، وزعم ابن العربي أنه لا خلاف في أن خديجة أفضل من عائشة، ورد بأن الخلاف ثابت قديماً، وإن كان الراجح أفضيلة خديجة بهذا وبما تقدم». (3)
______________________________
(1) مجموع الفتاوى 4/ 393.
(2) فتح الباري 7/ 19.
(3) فتح الباري 7/ 139.
[46]
والمقصود هنا أن الخلاف بين العلماء في المفاضلة بين خديجة وعائشة مشهور، وليس المقام هنا مقام تحرير الخلاف في ذلك، وإنما القصد هوبيان بطلان دعوى الرافضي في زعمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نص على تفضيل خديجة على عائشة وصرح بذلك إذ لوحصل ذلك لما اختلف العلماء هذا الاختلاف الكبير في المفاضلة بينهن.
وعلى كل حال فليس فضل إحداهما على الأخرى بمطعن على المفضولة، بل في هذا أكبر دليل على علومكانة هؤلاء النساء الثلاث (فاطمة وخديجة وعائشة) حيث إن الخلاف لم يخرج عنهن في أنهن أفضل نساء الأمة، وهذا نقيض ما قصده الرافضي الحاقد، فإنه إنما أراد بتفضيل خديجة على عائشة تنقص عائشة وهذا من جهله وقلة فهمه، فما الذي يضر عائشة لوكانت ثانية أوثالثة نساء الأمة في الفضل، وهل هذا مدعاة لاحترامها وتقديرها أم للنيل منها والطعن فيها!! الحكم في هذا لك أيها القاريء وبه تعرف مدى ضلال هؤلاء الرافضة وبلادة أفهامهم وسخف عقولهم.
قاتلت عليا والله يقول {وقرن في بيوتكن}
- الرد:
- أولاً: إن الكلام عما شجر بين الصحابة ليس هوالأصل، بل الأصل الاعتقادي عند أهل السنة والجماعة هوالكف والإمساك عما شجر بين الصحابة، وهذا من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:" وإذا أصحابي فأمسكوا ".
- ثانيا: إذا دعت الحاجة إلى ذكر ما شجر بينهم، فلابد من التحقيق والتثبت في الروايات المذكورة حول الفتن بين الصحابة، قال عز وجل: {يا أيها الذين امنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}. وهذه الآية تأمر المؤمنين بالتثبت في الأخبار المنقولة إليهم عن طريق الفساق، لكيلا يحكموا بموجبها على الناس فيندموا.
- فوجوب التثبت والتحقيق فيما نقل عن الصحابة، وهم سادة المؤمنين أولى وأحرى، خصوصا ونحن نعلم أن هذه الروايات دخلها الكذب والتحريف، أما من جهة اصل الرواية أوتحريف بالزيادة والنقص يخرج الرواية مخرج الذم واللعن.
- وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هومن هذا الباب، يرويها الكذابون المعروفون بالكذب، مثل ابي مخنف لوط بن يحيى، ومثل هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وأمثالهما. (منهاج السنة 5/ 72، وانظر دراسة نقدية " مرويات ابي مخنف في تاريخ الطبري / عصر الراشدين، ليحيى اليحيى).
- ثالثاً: قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:" أما أهل السنة فإنهم في هذا الباب وغيره قائمون بالقسط شهداء لله، وقولهم عدل لا يتناقض، وأما الرافضة وغيرهم من أهل البدع ففي أقوالهم من الباطل والتناقض ما ننبه إن شاء الله تعالى على بعضه، وذلك أن أهل السنة عندهم أن أهل بدر كلهم في الجنة، وكذلك أمهات المؤمنين: عائشة وغيرها، وأبوبكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير هم سادات أهل الجنة بعد الأنبياء ".
- رابعاً: أهل السنة يقولون: إن أهل الجنة ليس من شرطه سلامتهم عن الخطأ، بل ولا عن الذنب، بل يجوز أن يُذهب الرجل منهم ذنباً صغيراً أوكبيراً ويتوب منه، وهذا متفق عليه بين المسلمين، ولولم يتب منه فالصغائر مغفورة باجتناب الكبائر عند جماهيرهم، بل وعند الأكثرين منهم أن الكبائر قد تُمحى بالحسنات التي أعظم منها وبالمصائب المكفرة.
- فأهل السنة والجماعة لا يعتقدون أن الصحابي معصوم من كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، ثم إذا كان صدر من أحدهم ذنب فيكون إما قد تاب منه، أوأتى بحسنات تمحوه، أوغفر له بسابقته، أوبشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم أحق الناس بشفاعته، أوابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي هم مجتهدون فيها: إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور.
- ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نادر، مغفور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من إيمان وجهاد وهجرة ونصرة وعلم نافع وعمل صالح.
- يقول الذهبي رحمه الله: " فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع بينهم، وجهاد محّاءٌ، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلوفي أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة ". (سير أعلام النبلاء 1./ 93، في ترجمة الشافعي).
- خامساً: من أجل ذلك لا يجوز ان يدفع النقل المتواتر في محاسن الصحابة وفضائلهم بنقول بعضها منقطع وبعضها محرف، وبعضها يقدح فيما علم، فإن اليقين لا يزول بالشك، ونحن تيقنا ما ثبت في فضائلهم، فلا يقدح في هذا أمور مشكوك فيها، فكيف إذا علم بطلانها. (منهاج السنة 6/ 3.5).
- قال ابن دقيق العيد: " وما نقل عنهم فيما شجر بينهم واختلفوا فيه، فمنه ما هوباطل وكذب، فلا يلتفت إليه، وما كان صحيحا أولناه تأويلا حسنا، لأن الثناء عليهم من الله سابق، وما ذكر من الكلام اللاحق محتمل للتأويل، والمشكوك والموهوم لا يبطل الملحق المعلوم ".
- سادساً: فإن أهل الجمل وصفين لم يقاتلوا على نصب إمام غير علي، ولا كان معاوية يقول إنه الإمام دون علي، ولا قال ذلك طلحة والزبير، وإنما كان القتال فتنة عند كثير من العلماء، بسبب اجتهادهم في كيفية القصاص من قاتلي عثمان رضي الله عنه، وهومن باب قتال أهل البغي والعدل، وهوقتال بتأويل سائغ لطاعة غير الإمام، لا على قاعدة دينية، أي ليس بسبب خلاف في أصول الدين.
- ويقول عمر بن شبه: " إن أحدا لم ينقل ان عائشة ومن معها نازعوا عليا في الخلافة، ولا دعوا أحدا ليولوه الخلافة، وإنما أنكروا على علي منعه من قتال قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم ". (أخبار البصرة لعمر بن شبه نقلا عن فتح الباري 13/ 56).
- ويؤيد هذا ما ذكره الذهبي: " أن ابا مسلم الخولاني وأناسا معه، جاءوا إلى معاوية، وقالوا: أنت تنازع عليا أم أنت مثله؟. فقال: لا والله، إني لأعلم أنه أفضل مني، وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما، وأنا ابن عمته، والطالب بدمه، فائتوه فقولوا له، فليدفع إلي قتلة عثمان، وأسلم له. فأتوا عليا، فكلموه، فلم يدفعهم إليه ". (سير أعلام النبلاء للذهبي 3/ 14.، بسند رجاله ثقات كما قال الأرناؤوط).
- وأيضا فجمهور الصحابة وجمهور أفاضلهم ما دخلوا في فتنة.
- قال عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده إلى: " محمد بن سيرين، قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف، فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين ".
- قال ابن تيمية: " وهذا الإسناد من اصح إسناد على وجه الأرض، ومحمد بن سيرين من أورع الناس في منطقته، ومراسيله من أصح المراسيل ". (منهاج السنة 6/ 236).
- سابعاً: ما ينبغي أن يعلمه المسلم حول الفتن التي وقعت بين الصحابة - مع اجتهادهم فيها وتأولهم - حزنهم الشديد وندمهم لما جرى، بل لم يخطر ببالهم أن الأمر سيصل إلى ما وصل إليه، وتأثر بعضهم التأثر البالغ حين يبلغه مقتل أخيه، بل إن البعض لم يتصور أن الأمر سيصل إلى القتال، وإليك بعض من هذه النصوص:
- وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، يقول عنه الشعبي: " لما قتل طلحة ورآه علي مقتولا، جعل يمسح التراب عن وجهه، ويقول: عزيز علي أبا محمد أن أراك مجدلا تحت نجوم السماء " .. ثم قال:" إلى الله أشكوعجزي وبجري. - أي همومي وأحزاني -وبكى عليه هوواصحابه، وقال: ياليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة ".
- وكان يقول ليالي صفين: " لله در مقام عبد الله بن عمر وسعد بن مالك - وهما ممن اعتزل الفتنة - إن كان برا إن أجره لعظيم، وإن كان إثما إن خطره ليسير ". (منهاج السنة 6/ 2.9) فهذا قول أمير المؤمنين، رغم قول أهل السنة أن عليا ومن معه أقرب إلى الحق.
- وهذا الزبير بن العوام رضي الله عنه - وهوممن شارك في القتال بجانب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها - يقول: " إن هذه لهي الفتنة التي كنا نحدث عنها، فقال مولاه: أتسميها فتنة وتقاتل فيها؟! قال: " ويحك، إنا نبصر ولا نبصر، ماكان أمر قط إلا علمت موضع قدمي فيه، غير هذا الأمر، فإني لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر ". (فتح الباري 12/ 67).
- هذه عائشة أم المؤمنين، تقول فيما يروي الزهري عنها: " إنما أريد أن يحجر بين الناس مكاني، ولم أحسب أن يكون بين الناس قتال، ولوعلمت ذلك لم اقف ذلك الموقف أبدا ". (مغازي الزهري).
- ثامناً: كيف يلام الصحابة بأمور كانت متشابهة عليهم، فاجتهدوا، فأصاب بعضهم وأخطأ الآخرون، وجميعهم بين أجر وأجرين ثم بعد ذلك ندموا على ما حصل وجرى وما حصل بينهم من جنس المصائب التي يكفر الله عز وجل بها ذنوبهم، ويرفع بها درجاتهم ومنازلهم.
- قال صلى الله عليه وسلم: " لا يزال البلاء بالعبد، حتى يسير في الأرض وليس عليه خطيئة ".
- وعلى أقل الأحوال، لوكان ما حصل من بعضهم في ذلك ذنبا محققا، فإن الله عز وجل يكفره بأسباب كثيرة، من أعظمها الحسنات الماضية من سوابقهم ومناقبهم وجهادهم، والمصائب المكفرة، والاستغفار، والتوبة التي يبدل بها الله عز وجل السيئات حسنات، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذوالفضل العظيم. (للتوسع راجع منهاج السنة6/ 2.5 فقد ذكر عشر أسباب مكفرة)
- تاسعاً: فالمرء لا يعاب بزلة يسيرة حصلت منه في من فترات حياته وتاب منها، فالعبرة بكمال النهاية، لا ينقص البداية، سيما وإن كانت له حسنات ومناقب ولولم يزكه أحد، فكيف إذا زكاه خالقه العليم بذات الصدور {ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم}
- عاشراً: علي - رضي الله عنه - لم يكفر الذين قاتلوه، وهذا ثابت في كتب السنة وكتب الرافضة، فأما عند السنة فقد قال شيخ الإسلام إن الصحابة قاتلوا الخوارج بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولدفع شرهم عن المسلمين، إلا أنهم لم يكفروهم، بل حرم علي بن أبي طالب أموالهم وسبيهم، وبرهن شيخ الإسلام على أن علي بن أبي طالب لم يكفر الخوارج بالصريح من أقواله، فذكر طارق بن شهاب قال: " كنت مع علي حين فرغ من قتال أهل النهروان، فقيل له: أمشركون هم؟ قال: من الشرك فروا. قيل: فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل فما هم؟ قال: قوم بغوا علينا فقاتلناهم (رواه ابن أبي شيبة في المصنف 37942).
- وأما في كتب الرافضة فهوثابت أيضا وهوكما يلي:
- بحار الأنوار المجلسي ج 23 ص 324 عن ابن طريف عن ابن علوان عن جعفر عن أبيه عليه السلام:" كان يقول لأهل حربه انا لم نقاتلهم على التكفير لهم ولم نقاتلهم على التكفير لنا ولكنا رأينا انا على حق ورأوا أنهم على حق ".
- وسائل الشيعة ج 15 ص 83 عن جعفر ابن محمد عن ابيه عن علي عليه السلام انه قال:" القتل قتلان قتل كفارة وقتل درجة والقتال قتالان قتال الفئة الباغية حتى يفيؤا وقتال الفئة الكافرة حتى يسلموا ".
- وجاء في " جواهر الكلام الشيخ الجواهري " ج12 ص 338 عن جعفر عن ابيه عليه السلام:" أن عليا عليه السلام لم يكن ينسب أحدا من أهل البغي إلى الشرك ولا إلى النفاق ولكن كان يقول إخواننا بغوا علينا ".
- الحادي عشر: حديث النبي وقوله لعائشة:" تقاتلين علياً وأنت ظالمة له " قال شيخ الإسلام ابن تيمية:" فهذا لا يعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة، ولا له إسناد معروف، وهوبالموضوعات أشبه منه بالأحاديث الصحيحة، بل هوكذب قطعاً، فإن عائشة لم تقاتل ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت لقصد الإصلاح، وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبلَّ خمارها ".
- الثاني عشر: وليس في ذلك مخالفة لقوله تعالى {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى}، فهي رضي الله عنها لم تتبرج تبرج الجاهلية الأولى.
- والمراد بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحة مأمور بها، كما لوخرجت للعمرة أوللحج.
- فخروج المرأة إن كان لمصلحة شرعية فهوجائز، بل حتى يجوز للمرأة المتوفى عنها زوجها أن تخرج أثناء عدتها لمصلحة شرعية راجحة.
- فقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حديث جابر بن عبد الله قال:" طُلّقَتْ خَالَتُهُ فَأَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ إلَى نَخْلٍ لَهَا فَلَقِيَتْ رَجُلاً فَنَهَاهَا فَجَاءَتْ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "اخْرُجِي فَجُدّي نَخْلَكِ لَعَلّكِ أَنْ تَصَدّقِي وَتَفْعَلِي مَعْرُوفا". (النسائي 6/ 21.) وقال الألباني صحيح.
وقرن في بيوتكن ولا تبرّجْنَ تبرُّج الجاهليةِ الأُولى
وقرن في بيوتكن
القول بأن أم المؤمنين عائشة خالفت قوله تعالى:
{وقرن في بيوتكن ولا تبرّجْنَ تبرُّج الجاهليةِ الأُولى}
فجواباً على ذلك أقول:
1 - أن عائشة رضي الله عنها بخروجها هذا لم تتبرج تبرّج الجاهلية الأولى!
2 - الأمر بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحة مأمور بها،
كما لوخرجت للحج والعمرة أوخرجت مع زوجها في سفرة،
فإن هذه الآية نزلة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم
وقد سافر بهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك،
كما سافر في حجة الوداع بعائشة رضي الله عنها وغيرها،
وأرسلها مع عبد الرحمن أخيها فأردفها خلفه، وأعمرها من التنعيم،
وحجة الوداع كانت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأقل من ثلاثة أشهر
بعد نزول هذه الآية، ولهذا كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
يحججن كما كنّ يحججن معه في خلافة عمر رضي الله عنه وغيره،
وكان عمر يوكل بقطارهن عثمان أوعبد الرحمن بن عوف،
وإذا كان سفرهن لمصلحة جائزاً فعائشة اعتقدت أن ذلك السفر مصلحة للمسلمين (أي في حرب الجمل، لأن شبهتهم هذه طرحت لهذه المسألة)
عائشة -رضي الله عنها- إنما خرجت للصلح بين المسلمين، ولجمع كلمتهم، ولما كانت ترجومن أن يرفع الله بها الخلاف بين المسلمين لمكانتها عندهم، ولم يكن هذا رأيها وحدها، بل كان رأي بعض من كان حولها من الصحابة الذين أشاروا عليها بذلك.
قول ابن العربي: «وأما خروجها إلى حرب الجمل فما خرجت لحرب، ولكن تعلق الناس بها وشكوا إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة وتهارج الناس، ورجوا بركتها في الإصلاح وطمعوا في الإستحياء منها إذا وقفت للخلق، وظنت هي ذلك، فخرجت مقتدية بالله في قوله: {لاخير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أومعروف أوإصلاح بين الناس}.
وبقوله: {وإن طائفتان من المؤمنين أقتتلوا فأصلحوا بينهما} والأمر بالاصلاح، مخاطب به جميع الناس من ذكر أوأنثى حر أوعبد ... ».
وقد صرحت عائشة نفسها بأن هذا هوسبب خروجها، كما ثبت ذلك عنها في أكثر من مناسبة وفي غيرما روايه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الرد على الرافضة ي هذه المسألة: (فهي -رضي الله عنها- لم تتبرج تبرج الجاهلية الأولى، والأمر بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحة مأمور بها، كما لوخرجت للحج والعمرة، أوخرجت مع زوجها في سفره، فإن هذه الآية قد نزلت في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد سافر بهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك كما سافر في حجة الوداع بعائشة -رضي الله عنها- وغيرها وأرسلها مع عبد الرحمن أخيها فأردفها خلفه، وأعمرها من التنعيم، وحجة الوداع كانت قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأقل من ثلاثة أشهر بعد نزول هذه الآية، ولهذا كان أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يحججن كما كن يحججن معه في خلافة عمر-- رضي الله عنه -- وغيره، وكان عمر يوكل بقطارهن عثمان، أوعبدالرحمن بن عوف، وإذاكان سفرهن لمصلحة جائزاً، فعائشة اعتقدت أن ذلك السفر مصلحة للمسلمين فتأولت في ذلك).
ماهوحكمكم على خروج عائشه على امير المؤمنين عليا عليه السلام؟
يجب أن يعلم كل مسلم أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها شرفها الله سبحانه بأن تكون زوجة لخير خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم , وقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهوراضي عنها وهي زوجه في الدنيا والآخرة ولها من المناقب ما لا يعد ولا يحصى ويكفي بها منقبة أن برئها الله عزوجل من فوق سبع سماوات ووصفها مع باقي زوجات النبي بأنهن أمهات للمؤمنين رضوان الله عليهن جميعا.
وفي ردنا هذا) المتواضع (سنلقم الزنديق - القدس- ومن على شاكلته حجرا ونذب عن أمنا وزوجة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ,خير نساء الأرض التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم ((فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام)) (متفق عليه: البخاري 3411 ومسلم 2431)
وروى البخاري: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا يَا عَائِشَ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ فَقُلْتُ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ تَرَى مَا لَا أَرَى تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (البخاري 3484)
ويدافع عنها صلى الله عليه وسلم ويقول لأم سلمة رضي الله عنها: يَا أُمَّ سَلَمَةَ لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا نَزَلَ عَلَيَّ الْوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا (البخاري 3491).
روى الترمذي بسند صحيح وغيره: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا عَائِشَةُ هَذَا جِبْرِيلُ وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ قَالَتْ قُلْتُ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ تَرَى مَا لَا نَرَى (سنن الترمذي 3816).
وروى الترمذي بسند صحيح: عَنْ عَمْرِوبْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ قَالَ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ عَائِشَةُ قُلْتُ مِنْ الرِّجَالِ قَالَ أَبُوهَا (سنن الترمذي 382.)
وروى كذلك بسند صحيح: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْأَسَدِيِّ قَال سَمِعْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يَقُولُ هِيَ زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ يَعْنِي عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (سنن الترمذي:382. - وفي الباب عن علي -)
وأحاديث كثيرة في مناقب الصديقة بنت الصديق لن نستطيع جردها كلها لكثرتها. ومن خلال الروايات التي ذكرنا نستفيد الأتي:
1. أن عائشة رضي الله عنها أفضل النساء بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2. تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من إيذائه بإيذاء الطاهرة الصديقة بنت الصديق , والكل يعلم عاقبة من يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (الأحزاب:57).
3. أن عائشة رضي الله عنها أحب النساء لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
4. أنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدنيا والآخرة.
5. وغيرها من المناقب المعروفة عند القاصي والداني.
أما أنت أيها الرافضي فاعرف محلك من هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (الأحزاب:57). وهذا عمار بن ياسر رضي الله عنه يرد على رجلا نال من أم المؤمنين: عَنْ عَمْرِوبْنِ غَالِبٍ أَنَّ رَجُلًا نَالَ مِنْ عَائِشَةَ عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فَقَالَ أَغْرِبْ مَقْبُوحًا مَنْبُوحًا أَتُؤْذِي حَبِيبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الترمذي:3823. (
فأقول لك يا القدس أغرب مقبوحا منبوحا.
قال الرافضي:
لماذا السيدة عائشة خرجت على رأس الجيش لقتال الإمام علي عليه السلام وكان المفروض ان تطيعه وتسير تحت رايته وتطيعه وتعينه وخصوصا أنكم تقولون أنها سمعت من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم؟.
من أين جئت بهذا الكلام أيها الزنديق؟ هل أخبرك به المقبور في سردابه؟
أولا أيها الجاهل:
أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ماخرجت للقتال كما تزعم وتصور أيها الرافضي وإنما خرجت للإصلاح والمطالبة بالقصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه , وقد كانت رضي الله عنها في مكة المكرمة تؤدي مناسك الحج فلما سمعت بمقتل عثمان رضي الله عنه وسيطرة الغوغاء على المدينة انطلقت مع الزبير وطلحة رضوان الله عليهم إلى البصرة عند والي عثمان رضي الله عنه على البصرة عبد الله بن عامر ليحمسوا الناس على المطالبة بدم عثمان ولم ينقضوا بيعة علي رضي الله عنه ولم يخرجوا للمطالبة بخلافة ولا غيرها ولكن للإصلاح فقط.
ثم ظهر لها رضي الله عنها أن عدم خروجها هوالأسلم لذلك ندمت على خروجها، وثبت عنها أنها قالت ((وددت أني كنت غصنا رطباً ولم أسر مسيري هذا)) وفي رواية أخرى: ((قالت عائشة: إذا مر ابن عمر فأرونيه. فلما مر بها قيل لها هذا ابن عمر فقالت: يا أبا عبد الرحمن ما منعك أن تنهاني عن مسيري؟ قال رأيت رجلا قد غلب عليك يعني ابن الزبير)) (سير أعلام النبلاء2/ 93 و3/ 211 نصب الراية للزيلعي4/ 69).
قال أبوبكر بن العربي: فخرج طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم رجاء أن يرجع الناس إلي أمهم فيرعوا حرمة نبيهم. واحتجوا عليها بقول الله تعالي: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}، (النساء: 114). وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم في الصلح وأرسل فيه. فرجت المثوبة، واغتنمت القصة، وخرجت حتى بلغت الأقضية مقاديرها. .) العواصم من القواصم 1/ 128 (.
قال أبن تيمية رحمه الله: أما الحديث الذي رواه وهوقوله لها تقاتلين عليا وأنت ظالمة له فهذا لا يعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة ولا له إسناد معروف وهوبالموضوعات المكذوبات أشبه منه الأحاديث الصحيحة بل هوكذب قطعا فإن عائشة لم تقاتل ولم تخرج لقتال وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين ثم تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبل خمارها وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال فندم طلحة والزبير وعلي رضي الله عنهم أجمعين ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصد في الاقتتال ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم فإنه لما تراسل على وطلحة والزبير وقصدوا الاتفاق على المصلحة وأنهم إذا تمكنوا طلبوا قتلة عثمان أهل الفتنة وكان على غير راض بقتل عثمان ولا معينا عليه كما كان يحلف فيقول والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله وهوالصادق ابار في يمينه فخشى القتله أن يتفق على معهم على إمساك القتلة فحملوا على عسكر طلحة والزبير فظن طلحة والزبير أن عليا حمل عليهم فحملوا دفعا عن أنفسهم فظن على أنهم حملوا عليه فحمل دفعا عن نفسه فوقعت الفتنة بغير اختيارهم وعائشة رضي الله عنها راكبة لا قاتلت ولا أمرت بالقتال هكذا ذكره غير واحد من أهل المعرفة بالأخبار.) منهاج السنة3/ 317 - 318 (
قال الإمام الطحاوي رحمه الله: فَجَرَتْ فِتْنَةُ الْجَمَلِ عَلَى غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْ عَلِيٍّ، وَلَا مِنْ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، وَإِنَّمَا أَثَارَهَا الْمُفْسِدُونَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ السَّابِقِينَ.) شرح العقيدة الطحاوية ص472 (
قال ابن حزم رحمه الله: أما أم المؤمنين والزبير وطلحة رضي الله عنهم ومن كان معهم فما أبطلوا قط إمامة علي ولا طعنوا فيها ولا ذكروا فيه جرحة تحطه عن الإمامة ولا أحدثوا إمامة أخرى ولا جددوا بيعة لغيره هذا ما لا يقدر أن يدعيه أحد بوجه من الوجوه بل يقطع كل ذي علم على أن كل ذلك لم يكن فإذ لا شك في كل هذا فقد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها أنهم لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي ولا خلافاً عليه ولا نقضاً لبيعته ولوأرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته هذا ما لا شك فيه أحد ولا ينكره أحد فصح أنهم إنما نهضوا إلى البصرة لسد الفتق الحادث في الإسلام من قتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ظلماً.) الفصل في الملل والأهواء والنحل 3/ 83 (.
وهكذا يتضح أن الخروج لم يكن للقتال ولكن للإصلاح تأويلا لقوله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} (النساء: 114).
وعلى فرض وقوع قتال بين الجانبين كما يصور الرافضي فهذا سيدخل في قول تعالى: تعالى {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداها على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين، إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويْكُم} (الحجرات 9 1.) فأثبت لهم الإيمان مع أنهم قاتلوا بعضهم بعضاً وإذا كانت هذه الآية يدخل فيها المؤمنين فالأولى دخول هؤلاء المؤمنون أيضاً.
خلاصة لهذه الفتنة:
1) ذهاب عائشة رضي الله عنها ومن معها إلى البصرة كان لأجل الإصلاح بين المسلمين وهوأخذ القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه.
2) أن عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير لم يدعوا الخلافة لأحد منهم , ولم ينازعوا عليا في خلافته.
3) أن الصلح حصل بين الفريقين على أخذ القصاص من القتلة.
4) أن القتال دار بين علي ومن معه , وبين عائشة وطلحة والزبير دون علم منهم.
5) أن أصحاب الفتنة من الثوار والسبئيين هم الذين أنشبوا الحرب بين الفريقين هروبا من أخذ القصاص منهم.
6) أن القتال دار بين الفريقين ظنا منهما أن الواحد منهم يدفع عنه صولة الأخر.
7) أن الصحابة جميعا لم يشارك أحد منهم في قتال الجمل البتة.
8) أن الحرب ابتدأت وانتهت وقلوب الصحابة مؤتلفة متحابة في الله تعالى ومتراضية ومتراحمة فيما بينها.
قال الرافضي:
وفي المقابل نرى ان المرأة الوحيدة التي خرجت لقتال الإمام علي عليه السلام بالرغم من انها في بداية الأمر بايعته ثم خرجت لقتاله
متى بايعته؟ ومتى خرجت عليه؟
عائشة رضي الله عنها كانت بمكة المكرمة وعلي رضي الله عنه كان بالمدينة؟
قلت - ثم خرجت لقتاله - هل تظن أنها كانت بالمدينة فتلك مصيبة؟ وإن كنت تظن أن علي كان بمكة فالمصيبة عليك أعظم؟
حجة الرافضي فيما ذهب إليه:
1 - اخرج الحاكم بسند صحيح قال: أخبرنا أبوأحمد محمد بن محمد الشيباني من أصل كتابه ثنا علي بن سعيد بن بشير الرازي بمصر ثنا الحسن بن حماد الحضرمي ثنا يحيى بن يعلي ثنا بسام الصيرفي عن الحسن بن عمروالفقيمي عن معاوية بن ثعلبة عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصي الله ومن أطاع عليا فقد أطاعني ومن عصي عليا فقد عصاني هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه
تعليق الذهبي قي التلخيص: صحيح
قال الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة حديث: ضعيف «أنى له الصحة ويحيى بن يعلى - وهوالأسلمي - ضعيف؟ كما جزم به الذهبي نفسه.
قال ابن حجر: «يحيي بن يعلى الأسلمي شيعي ضعيف» (تقريب التهذيب7677)
2 - واخرج الحاكم في المستدرك في المستدرك بسند صحيح ((ان علي مع القرآن والقرآن مع علي))
رواه الهيثمي (مجمع الزوائد 9/ 134) وقال: فيه صالح بن أبي الأسود وهوضعيف. كذلك صرح الذهبي بضعفه (ميزان الاعتدال رقم3771) وضعفه الألباني (ضعيف الجامع رقم 38.6).
أسئلة تنتظر إجابة:
1. هل كان القرآن مع علي عندما تولى الخلفاء الثلاثة وبايعهم؟.
2. هل كان القرآن مع علي وكان وزيرا لهم وزوج ابنته من عمر وسمى أبناءه بأسماء الخلفاء الثلاثة: أبي بكر وعمر وعثمان؟
3. هل أنتم يا شيعة مع القرآن؟
يقول تعالى:] النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [(الأحزاب:6).
] وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [(التوبة:1..) وغيرها من الآيات ...
قال الرافضي:
إذن عائشة بعد كل هذه التوصيات للإمام علي عليه السلام لماذا قاتلت الإمام علي عليه السلام؟ وماهوحكمكم على خروجها على الامام؟ ومن يتحمل وزر العشرين الف من الصحابه الذين استشهدوا في معركة الجمل؟
1) كما رأينا عائشة رضي الله عنها لم تخرج للقتال ولكن خرجت للإصلاح والمطالبة بدم عثمان رضي الله عنه.
2) سبحان الله تقول عن الصحابة استشهدوا بينما علمائك يقولون ارتدوا إلا أربعة؟ هل هذا نفاق أم ماذا؟
3) هل تريد أيها الرافضي أن تقول أن أم المؤمنين خارجية كما قال سفهائكم وليس علمائكم قبحهم الله؟ طيب لماذا لم يطبق علي رضي الله عنه الحد عليها إن كانت خارجية ويعاملها كما عامل الخوارج؟ بالعكس نجده رضي الله عنه أكرمها وقال لها يا أماه فهل تستطيع قول هذه الكلمة أيها الزنديق المكنى بالقدس؟ قبحكم الله يا رافضة قاتلكم الله أنى تؤفكون.
4) لا يتحمل لا علي ولا عائشة ولا طلحة ولا الزبير رضوان الله عليهم وزر القتلى لأن الفتنة لم تكن عن اختيار منهم ولكن أثارها أجدادك وعلى رأسهم ابن سبأ اليهودي فماحكم أجدادك يا القدس؟
ختاما:
يعتقد أهل السنة والجماعة أن اجتهاد علي رضي الله عنه هوالصائب والحق إن شاء الله
يقول ابن العربي كما ينقل القرطبي في تفسيره لسورة الحجرات:
كان علي في ذلك أشد رأيا وأصوب قيلا، لان عليا لوتعاطى القود منهم لتعصبت لهم قبائل وصارت حربا ثالثة، فانتظر بهم أن يستوثق الامر (3) وتنعقد البيعة، ويقع الطلب من الأولياء في مجلس الحكم، فيجري القضاء بالحق.
ولا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدى ذلك إلى إثارة الفتنة أوتشتيت الكلمة.
وكذلك جرى لطلحة والزبير، فإنهما ما خلعا عليا من ولاية ولا اعترضا عليه في ديانة، وإنما رأيا أن البداءة بقتل أصحاب عثمان أولى. تفسير القرطبي 18/ 321
وعقب القرطبي بقوله:
قلت: فهذا قول في سبب الحرب الواقع بينهم.
وقال جلة من أهل العلم: إن الوقعة بالبصرة بينهم كانت على غير عزيمة منهم على الحرب بل فجأة، وعلى سبيل دفع كل واحد من الفريقين عن أنفسهم لظنه أن الفريق الآخر قد غدر به، لان الامر كان قد انتظم بينهم،
وتم الصلح والتفرق على الرضا. فخاف قتلة عثمان رضي الله عنه من التمكين منهم والاحاطة بهم، فاجتمعوا وتشاوروا واختلفوا، ثم اتفقت آراؤهم على أن يفترقوا فريقين، ويبدءوا بالحرب سحرة في العسكرين، وتختلف السهام بينهم، ويصيح الفريق الذي في عسكر علي: غدر طلحة والزبير، والفريق الذي في عسكر طلحة والزبير: غدر علي. فتم لهم ذلك على ما دبروه، ونشبت الحرب، فكان كل فريق دافعا لمكرته عند نفسه، ومانعا من الاشاطة بدمه. وهذا صواب من الفريقين وطاعة لله تعالى، إذ وقع القتال والامتناع منهما على هذه السبيل. وهذا هوالصحيح المشهور. والله أعلم. تفسير القرطبي 18/ 321
وهذا موقفنا مما وقع في الجمل وصفين ينقله القرطبي رحمه الله في نفس المصدر السابق:
لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله عز وجل، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر، لحرمة الصحبة ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سبهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم.
هذا مع ما قد ورد من الأخبار من طرق مختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض، فلوكان ما خرج إليه من الحرب عصيانا لم يكن بالقتل فيه شهيدا.
وكذلك لوكان ما خرج إليه خطأ في التأويل وتقصيرا في الواجب عليه، لان الشهادة لا تكون إلا بقتل في طاعة، فوجب حمل أمرهم على ما بيناه.
ومما يدل على ذلك ما قد صح وانتشر من أخبار علي بأن قاتل الزبير في النار.
وقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [بشر قاتل ابن صفية بالنار].
وإذا كان كذلك فقد ثبت أن طلحة والزبير
غير عاصيين ولا آثمين بالقتال، لان ذلك لوكان كذلك لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم في طلحة: [شهيد].
ولم يخبر أن قاتل الزبير في النار.
وكذلك من قعد غير مخطئ في التأويل.
بل صواب أراهم الله الاجتهاد.
وإذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم والبراءة منهم وتفسيقهم، وإبطال فضائلهم وجهادهم، وعظيم غنائهم في الدين، رضي الله عنهم.
وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون " [البقرة: 141].
وسئل بعضهم عنها أيضا فقال: تلك دماء طهر الله منها يدي، فلا أخضب بها لساني.
يعني في التحرز من الوقوع
في خطأ، والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيبا فيه.
قال ابن فورك: ومن أصحابنا من قال إن سبيل ما جرت بين الصحابة من المنازعات كسبيل ما جرى بين إخوة يوسف مع يوسف، ثم إنهم لم يخرجوا بذلك عن حد الولاية والنبوة، فكذلك الأمر فيما جرى بين الصحابة.
هذا والله أعلم
عائشة لم تَتُبْ من مُعاداتها لعَلِي - رضي الله عنه - وحربِها له، وبكائها بعد المعركة لم يكنْ دليلًا على الندم، بل لأنها فَشِلتْ في المعركة، ولم تحقِّقْ مأربَها في النَّيْل مِن عَلِيّ والانتقامِ منه.
الجواب:
لقد تقدَّم أنَّ أُمَّ المؤمنين - رضي الله عنها - ومَن خَرَجَ إلى البصرة لم يكنْ مُرادُهم قتالَ عَلِي، وإلاَّ لكانتْ وِجْهتُهم المدينة بدلًا من البصرة، بل كان مرادُهم الإصلاح، والطلبُ بدمِ عثمان - رضي الله عنه - وكانتْ عائشة تَرى أنَّ في خروجِها مصلحةً للمسلمين، ثم تبيَّنَ لها فيما بعد أنَّ ترْكَ الخروج كان أَوْلَى، فكانتْ إذا ذكَرَتْ خروجَها تبكي؛ حتى تبُلَّ خمارَها، وتقول: والله لوَدِدْتُ أنْ مِتُّ قبلَ هذا اليوم بعشرين سنة"؛ انظر: "الطبقات"، (8/ 18)، و"السِّيَر"، (2/ 177)، و"منهاج السُّنة"، (4/ 316).
وكانتْ - رضي الله عنها - تتذكَّرُ أحداثَ "الجَمَل" وتبكي؛ فقد أخرَجَ الطبري عن عبدالرحمن بن جُنْدَب عن أبيه عن جَدِّه: "كان عمروبن الأشرف قد أخَذَ بخُطام الجَمَل، لا يدنومنه أحدٌ إلا خبطه بسيفه، إذا أقْبَلَ الحارث بن زهير الأزدي وهويقول يَعني (عمروبن الأشرف):
يَا أُمَّنَا يَا خَيْرَ أُمٍّ نَعْلَمُ
أَمَا تَرَيْنَ كَمْ شُجَاعٍ يُكْلَمُ
وَتُخْتَلَى هَامَتُهُ وَالْمِعْصَمُ
فاختلفا ضرْبتين، فرأيتهما يفْحَصان الأرض بأرْجُلهما حتى ماتا، فدخلتُ على عائشة - رضي الله عنها - بالمدينة، فقالتْ: مَن أنت؟ قلتُ: رجلٌ من الأزد، أسْكُن الكوفة، قالتْ: أشَهِدْتَنا يومَ الجَمَل؟ قلتُ: نعم، قالتْ: ألَنَا أم عَلينا؟! قلتُ: بل عليكم؟ قالتْ: أتعرفُ الذي يقول:
يَا أُمَّنَا يَا خَيْرَ أُمٍّ نَعْلَمُ
قلتُ: نعم! ذاك ابنُ عمِّي، فبكتْ؛ حتى ظننْتُ أنَّها لا تَسْكُت؛ "تاريخ الطبري"، (5/ 211).
ومثلُ عائشة في اجتهادِها مثل عَلِي حين ترَكَ المدينة، وجعَلَ عاصمة خلافته الكوفة، ولم يقمْ فيها كما أقامَ الرسول والخلفاء مِن بعده، ولم يتركْ علي المدينة رغبةً عنها، بل اجتهدَ وأخطأ.
وإذا عَلِم هذا تبيَّنَ أنَّ عائشة كانتْ تبكي على ترْكِها الأَوْلَى، وعلى خطئِها المغفور لها في اجتهادها، لا على الهزيمة وفَوتِ النصر على عَلِي، كما زعَمَ الروافضُ.
"أمَّا ما زَعَمَ الروافض - قبَّحهم الله - من استمرار عَداوة عائشة - رضي الله عنها - لعَلِي، وعدم توْبَتها، واستدلاهم على ذلك بالكَذب والأباطيل وحكايات مَكْذوبة، فزعمٌ باطلٌ؛ لأنَّ كلَّ الأدلة التي استدلُّوا بها على استمرار العَدواة بين عائشة وعَلِي هم رُواتُها، ومعلوم أنَّ رواية المبْتَدِع لا تُقْبَل إذا رَوى ما يُوافق بِدْعَته، وما نسبوه إلى الطبري، فضعيفٌ، ورُوِي بصيغة التمريض.
ويَرُدُّ هذا الزعم أيضًا ما ثبَتَ عن أمير المؤمنين عَلِي - رضي الله عنه - من أنَّه أقرَّ عائشة على قولها إثْرَ معركة الجَمَل: "والله ما كان بيني وبين عَلِي في القديم، إلاَّ ما يكون بين المرأة وأحمائها" فقال علي - رضي الله عنه -: "صدقت والله وبَرَّتْ، ما كان بيني وبينها إلاَّ ذلك".
1 - إنَّ عائشة - رضي الله عنها - كانتْ علاقتُها بعَلِي علاقة طيِّبة فيها البرُّ والوفاء؛ إذ هي التي رَوت حديث الكِساء في فضْل عَلِي وفاطمة، والحسن والحسين، والحديث أخرجَه مسلم.
2 - وأخبرتْ عن مَحبَّة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - للحسن بن علي - رضي الله عنهما - والحديث أخرجَه مسلم.
3 - وكانتْ كثيرًا ما تُحيلُ السائل على عَلِي ليجيبَه، فقد أحالتْ "شُريح بن هانئ" - لَمَّا سألَها عن المسحِ على الخُفَّين - على عَلِي، وقالتْ له: "عليك بابن أبي طالب فسَلْه؛ فإنَّه كان يُسافر مع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم"؛ رواه مسلم.
4 - ولقد طلبتْ من الناس بعد مَقْتل عثمان أنْ يلزموا عليًّا ويبايعوه، وبعضُ الشيعة يعترف بذلك؛ انظر: "فتح الباري"، (13/ 29 - 48)، وكتاب "الجمل"؛ لمؤلِّفه الشيعي المفيد، ص (73)، "الصاعقة في نسْف أباطيل وافترات الشيعة على أُمِّ المؤمنين عائشة"، ص (236 - 24.).
اللهمَّ اعصمْنا بالتقوى، واحفظْ علينا حُبَّنا لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وصحابته، وأزواجِه، وآلِ بيته كما ترضى؛ إنَّك جَوَاد كريمٌ.
عبد الرحمن الطوخي

انظر أيضاً :
  1. أم المؤمنين أم سلمة تحمل قارورة فيها دم الحسين رضي الله عنه ..
  2. الرد على طعن الرافضة في قولهم أن عائشة خالفت أمر ربها وخرجت لقتال علي في حرب الجمل ..
  3. اعتراف عائشة بأن فاطمة (عليهاالسلام) ماتت وهي غاضبه على أبي بكر ..
  4. عائشه توصف بالحميراء ..
  5. وفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ومكان دفنها ..
  6. هل وصف "أمهات المؤمنين" خاصة بالرجال ..
  7. شبهة "إرضاع الكبير" ..
  8. لماذا كان مَن لعن عائشة رضي الله عنها كافراً ولم يكن كذلك مَن قاتلها يوم " الجمل "؟ ..
  9. رد شبهة أن أيات الإفك نزلت في مارية وليس في عائشة ..
  10. دفاعا عن عرض الطاهرة ام المؤمنين (وحديث لعلنا نصطاد بها شباب قريش) ..
  11. من لم تكن أمه عائشة فأمه هاوية ..
  12. قالت عائشة إنما أنا أم المؤمنين وأما الكافرين فلست لهم بأم ..
  13. السيدة عائشة أم المؤمنين وهل تستحق أن تكون زوجة لخاتم الانبياء؟ ..
  14. هل دعا الرسول صلى الله عليه وسلم على عائشة بقطع يدها؟ ..
  15. رد شبهة : عائشة تستحم أمام الرجال ..
  16. الرد المبين على قول القبورييِّن أين كانت تصلي عائشة أم المؤمنين ..
  17. موقف عائشة من آل البيت ..
  18. الزعم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ظلم زوجاته حين فضل السيدة عائشة عليهن ..
  19. الحكم الإسلامي على ساب أمهات المؤمنين الطاهرات ..
  20. أن عائشة أرت مولاها سالم كيف كان رسول الله يتوضأ ..
  21. عائشة تأتي من وراء "البحار" ..
  22. رد شبهة فرح ام المؤمنين عائشة بمقتل علي ..
  23. هل ذكر الألباني أن زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير محفوظات من الزنا؟
  24. شبهة أن الرسول طلق سودة لأنها أسنت ..
  25. شبهة معاتبة أم المؤمنين حفص لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ..
  26. ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها أَنْكَحَتْ حفصة بنت عبد الرحمن ..
  27. عدم ثبوت لعن ام المؤمنين عائشة لعمرو بن العاص ..
  28. سبب القتال في موقعة الجمل ..
  29. خيانة امرأة نوح وامرأة لوط ..
  30. ان عائشة رضي الله عنها اظهرت الشماته في علي بن ابي طالب ..
  31. ولكن عائشة لا تطيب له نفسا ..
  32. لماذا سمحت السيّدة عائشة بإرضاع الكبير طالما أنها أمٌّ لكلِّ المؤمنين؟ ..
  33. عائشة أوَّل مَن رَكِب السروج ..
  34. عائشة كانتْ مُتسلِّطة على مَن معها ومُسْتبدَّة بقولها ..
  35. زعَمَ بعضُ المؤرِّخين أنَّ الزبير بن العوَّام أكْرَه السيدة عائشة على الخروج في معركة "الجَمَل" ..
  36. إنْ كانت عائشة خرجتْ تقاتِلُ عَليًّا، فلماذا لم يسبها في معركة الجَمَل؟ ..
  37. عمر عائشة عند زواجها 18 سنة ..
  38. إنَّ عائشة وحَفْصة تآمَرَتا؛ لاغتيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ..
  39. مقارنة قرآنية بين أمهاتنا وأئمة الرافضة / فمن من الفريقين أحق بمسمى أهل البيت؟ ..
  40. هل كانت عائشة متزوجة قبل النبي؟ ..
  41. براءة أم المؤمنين ... من امرأتي نبي الله نوح ولوط ..
  42. الألباني: صح أن النبي قد طلق حفصة بنت عمر بن الخطاب ..
  43. كيف ترث عائشة وفاطمة لاترث ..
  44. شبهة أن الرسول كان مضطجعا في فراشه، لابساً مرط - ثوب - عائشة ..
  45. لماذا السيدة عائشه تستحي من عمر رضي الله عنه وتخرج لقتال على؟ ..
  46. إن حميراء إرم هذه أرادت أن تقتلني كما قتلت عثمان بن عفان ..
  47. شبهة ان الامام علي نام مع الرسول وعائشة في لحاف واحد ..
  48. عائشة: ما أنزل الله فينا من شيء ..
  49. إنكار فضائل عائشة رضي الله عنها ..
  50. عائشة تستجيز الطعن في كل واحد من الصحابة إلاّ عمارًا ..
  51. إبطال استدلال الرافضة بامرأتى - نوح ولوط - عليهما السلام ..
  52. أنت الذي تزعم أنك نبي (قول عائشة للنبي) ..
  53. أن عائشة أرت مولاها سالما كيف كان رسول الله يتوضأ؟ ..
  54. عائشة: خلال فيّ سبع لم تكن في أحد من الناس إلا ما أتى الله مريم بنت عمران ..
  55. عائشة ولعب السودان وغناء الجاريتين ..
  56. ضرب الله مثلا للذين كفروا ..
  57. صلاة النبي وعائشة نائمة أمامه ..
  58. عائشة وسورة التحريم ..
  59. أخطاء عائشة وحفصة ..
  60. حديث الإفك ..
  61. لابس مرط عائشة ..
  62. عداوة عائشة لعثمان وعلي وفاطمة ..
  63. هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة؟ ..
  64. المفاضلة بين عائشة وخديجه ..
  65. اقتلوا نعثلا فانه كفر ..
  66. هنا الفتنة من حيث قرن الشيطان ..
  67. لا تلدوني .. ألم أنهكم أن تلدوني ..
  68. أَلَا أَسْمَعُكِ تَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللهِ – والله لقد عرفت ان عليا احب اليك من ابي ..
  69. كنت نازلا على عائشة ..
  70. ما تركت بعد نفقة نسائي فهوصدقة ..
  71. إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ..
  72. حديث تعليم الغسل لأمنا عائشة رضي الله عنها ..
  73. عائشة وإنكار وصية النبي لعلي ..
  74. ماذا فعلت عائشة رضي الله عنها عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ؟؟
  75. أن عائشة تبغض عليا ..
  76. أحاديث في غيرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها ..
  77. براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها من القول بتحريف القرآن ..
  78. قال المخذول [طعن محققي المخالفين في زوجات الأنبياء وأمهات المؤمنين] ..
  79. الرد على الزنديقة الطاعن في الصديقة ..
  80. حوار في كفر عائشة رضي الله عنها ..
  81. الرد على شبهة [طعن آحاد رجال السنة في زوجات الأنبياء بالزنا أو الريب فيهن] ..
  82. اقتلوا نعثلا فقد كفر ..
  83. حوار في عائشة رضي الله عنها
  84. إسكاتُ الملاعين القائلين بمحاولة إنتحار أم المؤمنين ..
  85. دعم عائشة لأبيها رضي الله عنهما ولو بأحاديث موضوعة ..
  86. تسمية عائشة بأم المؤمنين دون غيرها ..
  87. الكلام في تعظيم منزلة عائشة على سائر نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ..
  88. رواية أن عائشة شوفت جارية وطافت بها ..
  89. كلاب الحوأب - وقرن في بيوتكن ..
  90. لا تكوني فاحشة ..
  91. شبهة إذاعتها لسر رسول الله صلى لله عليه وسلم ..
  92. مقاتلة عائشة لعلي رضي الله عنهما وهي ظالمة (تقاتلين عليًّا وأنت ظالمة له) ..
  93. إذا كان قولنا بعدم محبة عائشة ومودتها موجب للكفر ، فما هو قولكم في من حاربها وأراد قتلها؟ ..
  94. منع عائشة لدفن الحسن رضي الله عنه قرب قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ..
  95. سوء خلق عائشة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ..
  96. موقف أم المؤمنين عائشة من مقتل عثمان بن عفان ..
  97. عائشة والفتنة ..
  98. دخلت انا واخو عائشة على عائشة ..
  99. انْظُرِي يَا حُمَيْرَاءُ، أَنْ لَا تَكُونِي أَنْتِ ..
  100. الا نعثلا وشقيا ..
  101. اتتكم الحميراء في كتيبة يسوقها اعلاجها ..
  102. حديث أرضعيه تحرمي عليه ..
  103. حديث إكشفي فخذيك. فَقُلْتُ: إنّي حَائِضُ، فقالَ: وَإنْ اكْشِفِي فَخْذَيْكِ، فَكَشَفَتُ فَخِذَيّ، فَوَضَعَ خَدّهُ وَصَدْرَهُ عَلَى فَخِذَي ..
  104. أخذك (وفي رواية ألبسك) شيطانك يا عائشة؟ ..
    للمزيد ..
عدد مرات القراءة:
5366
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :