آخر تحديث للموقع :

الأربعاء 11 شوال 1441هـ الموافق:3 يونيو 2020م 07:06:54 بتوقيت مكة
   الإباحية الجنسية عند الشيعة - نعمة الله الجزائري (أنموذجاً) ..   من الذي يدعم الإرهابيين في العراق؟ ..   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   أحاديث يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية - ( بين المؤيدين والمعارضين ) ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

إن شئت دعوت لك وإن شئت صبرت ولك الجنة (حديث الأعمى) ..
تاريخ الإضافة 7/11/2019 10:14:09 AM

الحديث صحيح دون القصة الملصقة به والمتعلقة بحاجة رجل عند عثمان ابن عفان. لأنها من طريق ابن وهب وهو ضعيف.

ورواية أحمد (4/ 138) ليست من طريق ابن وهب وليس فيها حكاية صاحب الحاجة مع عثمان بن عفان

وبالرغم من صحة الحديث فإن مشكلة الشيعة وغيرهم هو في فهم هذ الحديث.

فقد قالوا: قد توسل الأعمى بالنبي فقال «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد» ثم نشأت الشبهة عندهم فقالوا: لو كان التوسل بالدعاء لما قال الأعمى «أسألك اللهم بنبيك» ولقال (أسألك اللهم بدعاء نبيك) فلماذا تضيفون ما لم ترد إضافته؟

والجواب:

أنه إذا كان الثابت توسلهم بدعاء النبي حين كان حياً وتوقفهم عن التوسل به إلى التوسل بدعاء غيره من بعده: فلا يعود ثم حاجة إلى تقدير مضاف لأن معنى التوسل والاستشفاع في عرف الصحابة ولسانهم هو التوسل بالدعاء لا بالذات والجاه، ومن كان عنده ما يثبت توسلهم بالذات فليأت به.

أن النبي هو الذي تعلمنا منه هذه الإضافة حين قال «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها: بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم» (رواه البخاري (2896) والزيادة عند النسائي 6/ 48).

علّمنا بذلك أن الدعاء مناط التوسل حين قال له «إن شئت دعوتُ لك». فقال الرجل (بل أدعه) ولكن المصرين على أن التوسل إنما يكون بالذوات لا يتعلمون وإنما يتجاهلون.

وتوسل الأعمى بدعاء النبي هو أمرٌ مشروع لتوافر الأدلة عليه. ولابد من الوقوف في قصة الأعمى على فوائد مهمة:

أن الأعمى ذهب إلى النبي ليطلب منه الدعاء ولو كان التوسل بالذات مشروعاً لم يكن ثمة حاجة للذهاب إليه إذ كان يكفيه أن يتوسل به من غير أن يذهب إليه. فيقول (اللهم أسألك بنبيك) لكنه ذهب وطلب منه أن يدعو له.

أن النبي وعده بالدعاء له فقال «إن شئتَ دعوتُ لك» فألحّ عليه الأعمى بالدعاء قائلاً «بل أدعُه». وهذا وعد من الرسول بالدعاء للأعمى، علّقه على مشيئته، وقد شاءه الأعمى بقوله (بل أدعه) ويقتضي أنه دعا له، وهو خير من وفّى بما وعد، يؤكد ذلك أيضاً قول الأعمى في دعائه الذي علمه الرسول أن يدعو به «اللهم فشفعه فِيّ» أي اقبل دعاءه فيّ.

والشفاعة معناها الدعاء كما قال في لسان العرب «الشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، والشافع: الطالب لغيره، يتشفع به إلى المطلوب، يقال: تشفعتُ بفلان إلى فلان. وبهذا يثبت أن الأمر كان يدور على دعائه أو جاهه.

أن النبي أمره أن يتقرب إلى الله بعدة وسائل منها التوسل إليه بالعمل الصالح وهو إحسان الوضوء وإتيان ركعتين يدعو الله عقبهما أن يستجيب دعاءه في أن يقبل دعاء النبي له. وهذا هو معنى قوله «وشفعني فيه» أي أدعوك أن تتقبل دعاء النبي لي.

وهذه العبارة لا يفقهها هؤلاء، بل لا يريدون أن يفقهوها، لأنها تنسف بنيانهم من القواعد وتكشف أن التوسل إنما كان بدعاء النبي وبالعمل الصالح لا بذات النبي. فإن شفاعة النبي للأعمى مفهومة عندهم ولكن ما معنى شفاعة الأعمى للنبي كما قال «وشفعني فيه»؟

علما بأن معنى الشفاعة في اللغة: الدعاء. إن معناها اللهم اقبل دعائي في استجابة دعاء نبيك لي. ولا يمكن لأحد بعد موت النبي أن يقول اللهم اقبل شفاعته في. فهذا مذهب باطل لا يزعم أحد أن دعاء النبي حصل له وهو في قبره.

فاللغة والشرع يشهدان بصحة ذلك. ولكن ماذا نفعل في أناس تجنوا على اللغة والشرع؟

ولنتأمل هذين الحديثين: فعن أنس وعائشة عن النبي قال «ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شُفّعوا فيه». وفي رواية ابن عباس «ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه) فمعنى شفعهم الله فيه أي قبل دعاءهم له. فيصير معنى (شفعني فيه) أي اقبل دعائي بأن تستجيب دعاءه.

أن علماء الحديث كالبيهقي ذكروا هذه الحادثة ضمن معجزات النبي وهو السر في حصول هذه المعجزة التي لم نسمع بعد موته مثلها بين الصحابة ولا بعدهم إلى يومنا هذا. السر هو دعاءه.

أن من الصحابة من أصيبوا بالعمى بعد مماته كابن عباس وابن عمر، ولم يُعهد أنهم استعملوا هذا الدعاء، بل تركوا التوسل به بعد موته وتوسلوا بدعاء العباس وغيره. وليس ثمة تفسير لذلك إلا افتقاد شرط دعائه وإلا فجاهه عند الله عظيم حيا وميتا.

هكذا فهم الصحابة التوسل: تركوا التوسل به إجماعا كما في قصة عمر يوم أجدبوا وسألوا الله بدعاء عمه العباس. فالثابت المروي عن جماعتهم في ترك التوسل به بعد موته أصح سندا مما نقل عن فعل أحد أفرادهم مما يعارض ذلك.

وكل هذه المعاني التي ذكرت دالة على وجود شفاعته بذلك، وهو دعاؤه له أن يكشف عاهته، وليس ذلك بمحظور، غاية الأمر أنه توسل من غير دعاء بل هو نداء، والدعاء أخص من النداء، إذ هو نداء عبادة شاملة للسؤال بما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وإنما المحظور السؤال بالذوات لا مطلقا بل على معنى أنهم وسائل لله سبحانه بذواتهم، وأما كونهم وسائل بدعائهم فغير محظور، وإذا اعتقد أنهم وسائل لله عز وجل بذواتهم فسأل منهم الشفاعة للتقريب إليهم، فذلك عين ما كان عليه المشركون الأولون (جلاء العينين 455).

أن قوله (يا محمد إني توجهت بك إلى ربي) أي أتوجه بدعائك الذي وعدتني به حين قلت إن شئت دعوت لك. وهذا ما فعله الرجل فإنه توجه إلى النبي وطلب منه أن يدعو له.

فهو يُشهِد الله أنه توجه إلى نبيه وذهب إليه ليسأل الله له وكأنه يقدم هذه الشهادةَ بين يدي سؤاله ربه ومثل هذا كثير في الدعاء كقوله تعالى (رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا) وتقديم أصحاب الغار عملهم الصالح بين يدي دعائهم لله.

وهذا التوجه هو حكاية حال، يحكي فيه أنه توجه وذهب إلى النبي فطلب منه أن يدعو ربه. ولم يسأله في غيابه كما يفعل أهل البدع.

وهؤلاء يفهمون من قوله «إئت الميضأة» وكأن معناه عندهم، اذهب إلى بيتك. ولم لا تكون الميضأة قريبة منه كما يفهم من سياق الرواية، وليس هناك دليل على أن الأعمى ذهب إلى مكان آخر وصلى ثم دعا بهذا الدعاء؟!

وبتقدير أن يكون كلامه من بعيد. فيكون التوجه خطاباً لحاضر في قلبه وليس استغاثة كما نقول في صلواتنا (السلام عليك أيها النبي) وكما يقول أحدنا اليوم (بأبي أنت وأمي يا رسول الله). وكما قالت فاطمة حين مات (واأبتاه: أجاب رباً دعاه). ودليل ذلك قوله في نهاية الدعاء (اللهم فشفّعه فِيّ) أي اقبل دعاءه في.

وقوله يا محمد: ليس دعاء وإنما هو تكلم مع حي حاضر. بدليل أن الأعمى لم يستغث بالنبي من بعد. وبدليل أن الصحابة لم يفعلوا لم يكونوا يخاطبون النبي بقولهم (يا محمد). بل الثابت عدول عمر عن قبر النبي وتوسله بابن عباس.

فأما التوجه الذي يفهمه الأحباش أي التوجه إلى النبي إلى جهة قبره بعد موته كما علمهم محمد بن حسن الصيادي الرفاعي أن من أصابته ضراء فليتوجه نحو قبر الرفاعي ويخطو ثلاث خطوات ويسأله حاجته (قلادة الجواهر 434 و 239). فهذا من سنن النصارى.

أما سنة نبينا فقد كان يستقبل القبلة في دعائه ويسأل الله وحده، وكان يقول في دعاء الاستفتاح في الصلاة «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي (والدعاء صلاة) ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين». فالتوجه إلى الله بالدعاء هو الملة الحنيفية، ودعوتكم الناس إلى التوجه إلى مقابر الأنبياء والأولياء هو ملة الشرك.

فإنه توجه بدعاء النبي وهذا ما حدث حقاً فقد توجه إلى النبي ليدعو له فوعده بذلك. ولذلك قال في آخر دعائه «اللهم فشفعه في» أي اللهم اقبل دعاءه فِيّ.

والرجل يحكي ما فعله وليس في صيغة كلامه ما يستدل به على جواز قول المشركين (شيء لله يا رسول الله) وقول المالكي:

فبالذي خصك بين الورى برتبة عنها العلا تنزل

عجل بإذهاب الذي أشتكي فإن توقفت فمن ذا أسأل

والدليل على ذلك أن ننظر: ماذا قال الأعمى بعد قوله (يا محمد)؟ هل قال: أغثني أعد إلي بصري؟

نعم, لقد قال (يا محمد) لكنه لم يسأله، وأنتم إذا قلتم (يا محمد) تقولون: أغثنا أمدنا بإمدادك، تعطف تكرم تحنن علينا بنظرة…

فإن كان سأله بعد قوله (يا محمد) فقد قامت حجتكم، وإن كان لم يسأله فقد قامت الحجة عليكم. فالحديث حجة عليكم لا لكم.

وليس كل خطاب لغير الحاضر استغاثة به، وإلا فقد خاطب عمر بن الخطاب الحجر الأسود قائلاً «والله إني لأعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك» رواه البخاري 1597 ومسلم (1270).


الشبهة
 من الأدلّةِ على جوازِ التوسُّلِ الحديثُ الذي رواهُ الطبرانيُّ وصحَّحَهُ والذي فيه أن الرسولَ صلى الله عليه وسلم عَلَّم الأعمَى أن يتوسلَ به فذهَبَ فتوسَّل به في حالة غيبتِهِ وعادَ إلى مجلسِ النبي وقد أَبصَرَ، وكانَ مما علّمَهُ رسولُ الله أن يقول: "اللهم إني أسألكَ وأتوجَّهُ إليك بنبيّكَ محمَّدٍ نبيّ الرّحمةِ يا محمَّدُ إنّي أتوجَّهُ بكَ إلى ربّي في حاجتي (ويسمّي حاجته) لِتُقضَى لي
 
 
الجواب:

أتى الضرير إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه أن يدعو. ولو كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم من مسافة بعيدة جائزا لكان أول من عمل به الضرير. والرسول دعا له. فيكون الأعمى قد توسل بعمل النبي صلى الله عليه وسلم وهو الدعاء. وهو جائز كما حكى الله قول إخوة يوسف لأبيهم (يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا) وكان ذلك بحضرة أبيهم ولم يصح عن أحد أنه عمل بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الدعاء الذي علمه للضرير مما يدل على أن طلب الدعاء مقيد بالحياة والحضور
 
بنبيك أي بدعاء نبيك

وأما قول الأعمى ) اللهم إني أسألك بنبيك)  أي بدعاء نبيك. بدليل قوله للنبي ( أدع الله أن يرد علي بصري) وقول النبي صلى الله عليه وسلم له (إن شئت دعوت لك).

وإليك أدلة أخرى:
قال صلى الله عليه وسلم " إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها : بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم
 " (رواه البخاري (2896) والزيادة عند النسائي 6/48 ).

قال الحافظ « فإن كان القوي يترجح بفضل شجاعته، فإن الضعيف يترجح بفضل دعائه وإخلاصه»
(فتح الباري6/89).
وأدرج البيهقي رواية توسل عمر بالعباس تحت باب (الاستسقاء بمن ترجى بركة دعائه). ولم يقل البيهقي (بركة ذاته).
وعمر لما توسل بالعباس طلب من العباس أن يدعو.

الأدلة على بطلان التوسل بالغائب

1 - روى مسلم حديث أبي عامر الذي أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم على جيش إلى أوطاس وفيه قال « يا بن أخي انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقرئه مني السلام وقل له يقول لك أبو عامر استغفر لي قال واستعملني أبو عامر على الناس ومكث يسيرا ثم انه مات فلما رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم دخلت عليه وهو في بيت على سرير مرمل وعليه فراش وقد أثر رمال السرير بظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجنبيه فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر رجاء له قال قل له يستغفر لي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ منه ثم رفع يديه ثم قال اللهم اغفر لعبيد أبي عامر حتى رأيت بياض إبطيه ثم قال اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك»
(رواه مسلم2948).
2 -
حديث الأعمى الذي علمنا عقيدة بذهابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليطلب منه ولم يطلب منه وهو في بيته.
أويس القرني: فمن لقيه منكم فلسيتغفر لكم (رواه مسلم384(.
3 -
حديث السبعين صحابيا من القراء الذين غدر بهم الكفار واعتقلوهم حيث قالوا « اللهم أبلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا
» (رواه مسلم).


حديث الأعمى الذي يحتج به من يتوسل بالأموات


   بعد أن فرغنا من تحقيق الكلام في حديث توسل عمر بالعباس رضي الله عنه، وبينا أنه ليس حجة للمخالفين بل هو عليهم، نشرع الآن في تحقيق القول في حديث الضرير، والنظر في معناه: هل هو حجة لهم أم عليهم أيضاً؟ فنقول:
   أخرج أحمد وغيره بسند صحيح عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: صلى الله عليه وآله وسلم إن شئت دعوت لك، وإن شئت أخّرتُ ذاك، فهو خير i، (وفي رواية: صلى الله عليه وآله وسلم وإن شئتَ صبرتَ فهو خير لك i)، فقال: ادعهُ. فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه، فتقضى لي، اللهم فشفّعه فيَّ ]وشفّعني فيه[. قال: ففعل الرجل فبرأ.
   يرى المخالفون: أن هذا الحديث يدل على جواز التوسل في الدعاء بجاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو غيره من الصالحين، إذ فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم الأعمى أن يتوسل به في دعائه، وقد فعل الأعمى ذلك فعاد بصيراً.
   وأما نحن فنرى ان هذا الحديث لا حجة لهم فيه على التوسل المختلف فيه، وهو التوسل بالذات، بل هو دليل آخر على النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع الذي أسلفناه، لأن توسل الأعمى إنما كان بدعائه. والأدلة على ما نقول من الحديث نفسه كثيرة، وأهمها:
   أولاً: أن الأعمى إنما جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليدعو له، وذلك قوله: (أدعُ الله أن يعافيني) فهو توسل إلى الله تعالى بدعائه صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه يعلم أن دعاءه صلى الله عليه وآله وسلم أرجى للقبول عند الله بخلاف دعاء غيره، ولو كان قصد الأعمى التوسل بذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو جاهه أو حقه لما كان ثمة حاجة به إلى أن يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويطلب منه الدعاء له، بل كان يقعد في بيته، ويدعو ربه بأن يقول مثلاً:
(اللهم إني أسألك بجاه نبيك ومنزلته عندك أن يشفيني، وتجعلني بصيراً). ولكنه لم يفعل، لماذا؟ لأنه عربي يفهم معنى التوسل في لغة العرب حق الفهم، ويعرف أنه ليس كلمة يقولها صاحب الحاجة، يذكر فيها اسم الموسَّل به، بل لابد أن يشتمل على المجيء إلى من يعتقد فيه الصلاح والعلم بالكتاب والسنة، وطلب الدعاء منه له.
   ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعده بالدعاء مع نصحه له ببيان ما هو الأفضل له، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم:
صلى الله عليه وآله وسلم إن شئت دعوتُ، وإن شئت صبرت فهو خير لك i. وهذا الأمر الثاني هو ما أشار إليه صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي رواه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: صلى الله عليه وآله وسلم إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه – أي عينيه – فصبر، عوضته منهما الجنة i.
   ثالثاً: إصرار الأعمى على الدعاء وهو قوله: (فادع) فهذا يقتضي أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دعا له، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم خير من وفى بما وعد، وقد وعده بالدعاء له إن شاء كما سبق، فقد شاء الدعاء وأصر عليه، فإذن لا بد أنه صلى الله عليه وآله وسلم دعا له، فثبت المراد، وقد وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأعمى بدافع من رحمته، وبحرص منه أن يستجيب الله تعالى دعاءه فيه، وجهه إلى النوع الثاني من التوسل المشروع، وهو التوسل بالعمل الصالح، ليجمع له الخير من أطرافه، فأمرهأن يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يدعو لنفسه وهذه الأعمال طاعة لله سبحانه وتعالى يقدمها بين يدي دعاء
النبي صلى الله عليه وآله وسلم له، وهي تدخل في قوله تعالى: }وابتغوا إليه الوسيلة{ كما سبق.
   وهكذا فلم يكتف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بدعائه للأعمى الذي وعده به، بل شغله بأعمال فيها
طاعة لله سبحانه وتعالى وقربة إليه، ليكون الأمر مكتملاً من جميع نواحيه، وأقرب إلى القبول والرضا من الله سبحانه وتعالى، وعلى هذا، فالحادثة كلها تدور حول الدعاء – كما هو ظاهر – وليس فيها ذكر شيء مما يزعمون.
   وقد غفل عن هذا الشيخ الغماري أو تغافل، فقال في "المصباح" (24): (صلى الله عليه وآله وسلم وإن شئتَ دعوتُ i. أي وإن شئت علمتك دعاء تدعو به، ولقنتك إياه، وهذا التأويل واجب ليتفق أول الحديث مع آخره).
   قلت: هذا التأويل باطل لوجوه كثيرة منها: أن الأعمى إنما طلب منه صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو له،
لا أن يعلمه دعاء، فإذا كان قوله صلى الله عليه وآله وسلم له: صلى الله عليه وآله وسلم وإن شئت دعوت i جواباً على طلبه تعين أنه الدعاء له، ولابد، وهذا المعنى هو الذي يتفق مع آخر الحديث، ولذلك رأينا الغماري
لم يتعرض لتفسير قوله في آخره: صلى الله عليه وآله وسلم اللهم فشفعه في، وشفعني فيه i لأنه صريح في أن التوسل كان بدعائه صلى الله عليه وآله وسلم كما بيناه فيما سلف.
   ثم قال: (ثم لو سلمنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا للضرير فذلك لا يمنع من تعميم الحديث في غيره).    
   قلت: وهذه مغالطة مكشوفة، لأنه لا أحد ينكر تعميم الحديث في غير الأعمى في حالة دعائه صلى الله عليه وآله وسلم لغيره، ولكن لما كان الدعاء منه صلى الله عليه وآله وسلم بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى غير معلوم بالنسبة للمتوسلين في شتى الحوائج والرغبات، وكانوا هم أنفسهم لا يتوسلون بدعائهصلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته، لذلك اختلف الحكم، وكان هذا التسليم من الغماري حجة عليه.
   رابعاً: أن في الدعاء الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إياه أن يقول: صلى الله عليه وآله وسلم اللهم فشفعه في i وهذا
يستحيل حمله على التوسل بذاته صلى الله عليه وآله وسلم، أو جاهه، أو حقه، إذ أن المعنى: اللهم اقبل شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم في، أي اقبل دعائه في أن ترد عليَّ بصري، والشفاعة لغة الدعاء، وهو المراد بالشفاعة الثابتة له صلى الله عليه وآله وسلم ولغيره من الأنبياء والصالحين يوم القيامة، وهذا يبين أن الشفاعة أخص من الدعاء، إذ لا تكون إلا إذا كان هناك اثنان يطلبان أمراً، فيكون أحدهما شفيعاً للآخر، بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره، قال في "لسان العرب": (الشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، والشافع الطالب لغيره، يتشفع به إلى المطلوب، يقال بشفعت بفلان إلى فلان، فشفعني فيه).
   فثبت بهذا الوجه أيضاً أن توسل الأعمى إنما كان بدعائه صلى الله عليه وآله وسلم لا بذاته.
   خامساً: إن مما علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأعمى أن يقوله: صلى الله عليه وآله وسلم وشفعني فيه i أي اقبل شفاعتي، أي دعائي في أن تقبل شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم، أي دعاءه في أن ترد علي بصري. هذا الذي لا يمكن أن يفهم من هذه الجملة سواه.
   ولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها ولا يتعرضون لها من قريب أو من بعيد، لأنها تنسف بنيانهم من القواعد، وتجتثه من الجذور، وإذا سمعوها رأيتهم ينظرون إليك نظر المغشي عليه.ذلك أن شفاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الأعمى مفهمومة، ولكن شفاعة الأعمى في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كيف تكون؟ لا جواب لذلك عندهم البتة. ومما يدل على شعورهم بأن هذه الجملة تبطل تأويلاتهم أنك لا ترى واحداً منهم يستعملها، فيقول في دعائه مثلاً: اللهم شفع فيَّ نبيك، وشفعني فيه.
   سادساً: إن هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودعائه المستجاب،
وما أظهره الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه بدعائه صلى الله عليه وآله وسلم لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره، ولذلك رواه المصنفون في "دلائل النبوة" كالبيهقي وغيره، فهذا يدل على ان السر في شفاء الأعمى إنما هو دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ويؤيده كل من دعا به من العميان مخلصاً إليه تعالى، منيباً إليه قد عوفي، بل على الأقل لعوفي واحد منهم، وهذا ما لم يكن ولعله
لا يكون أبداً.
   كما أنه لو كان السر في شفاء الأعمى أنه توسل بجاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقدره وحقه، كما يفهم عامة المتأخرين، لكان من المفروض أن يحصل هذا الشفاء لغيره من العميان الذين يتوسلون بجاهه صلى الله عليه وآله وسلم، بل ويضمون إليه أحياناً جاه جميع الأنبياء المرسلين، وكل الأولياء والشهداء والصالحين، وجاه كل من له جاه عند الله من الملائكة، والإنس والجن أجمعين! ولم نعلم
ولا نظن أحداً قد علم حصول مثل هذا خلال القرون الطويلة بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليوم.
   إذا تبين للقارىء الكريم ما أوردناه من الوجوه الدالة على أن حديث الأعمى إنما يدور حول التوسل بدعائه صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه لا علاقة له بالتوسل بالذات، فحينئذ يتبين له أن قول الأعمى في دعائه: (اللهم إني أسألك، وأتوسل إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم) إنما المراد به: أتوسل إليك بدعاء نبيك، أي على حذف المضاف، وهذا أمر معروف في اللغة، كقوله تعالى: }واسأل القرية التي كنا فيها، والعير التي اقبلنا فيها{ أي أهل القرية وأصحاب العير. ونحن والمخالفون متفقون على ذلك، أي على تقدير مضاف محذوف، وهو مثل ما رأينا في دعاء عمر وتوسله بالعباس، فإما أن يكون التقدير: إني أتوجه إليك ب (جاه) نبيك، ويا محمد إني توجهت
ب (ذات) ك أو (مكانت) ك إلى ربي كما يزعمون، وإما أن يكون التقدير: إني أتوجه إليك
ب (دعاء) نبيك، ويا محمد إني توجهت ب (دعاء) ك إلى ربي كما هو قولنا. ولا بد لترجيح احد التقديرين من دليل يدل عليه. فأما تقديرهم (بجاهه) فليس لهم عليه دليل لا من هذه الحديث ولا من غيره، إذ ليس في سياق الكلام ولا سباقه تصريح أو إشارة لذكر الجاه أو
ما يدل عليه إطلاقاً، كما أنه ليس عندهم شيء من القرآن أو من السنة أو من فعل الصحابة يدل على التوسل بالجاه، فيبقى تقديرهم من غير مرجح، فسقط من الاعتبار، والحمد لله.
   أما تقديرنافيقوم عليه أدلة كثيرة، تقدمت في الوجوه السابقة.
   وثمة أمر آخر جدير بالذكر، وهو أنه لو حمل حديث الضرير على ظاهره، وهو التوسل بالذات لكان معطلاً لقوله فيما بعد: (اللهم فشفعه في، وشفعني فيه) وهذا لا يجوز كما
لا يخفى، فوجب التوفيق بين هذه الجملة والتي قبلها. وليس ذلك إلا على ما حملناه من أن التوسل كان بالدعاء، فثبت المراد، وبطل الاستدلال به على التوسل بالذات، والحمد لله.
   على أنني أقول: لو صح أن الأعمى إنما توسل بذاته صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون حكماً خاصاً به صلى الله عليه وآله وسلم،
لا يشاركه فيه غيره من الأنبياء والصالحين، وإلحاقهم به مما لا يقبله النظر الصحيح، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم سيدهم وأفضلهم جميعاً، فيمكن أن يكون هذا مما خصه الله به عليهم ككثير مما صح به الخبر، وباب الخصوصيات لا تدخل فيه القياسات، فمن رأى أن توسل الأعمى كان بذاته لله، فعليه أن يقف عنده، ولا يزيد عليه كما نقل عن الإمام أحمد والشيخ العز بن عبد السلام رحمهما الله تعالى. هذا هو الذي يقتضيه البحث العلمي مع الإنصاف، والله الموفق للصواب.
    دفع توهم:
   هذا ولا بد من بيان ناحية هامة تتعلق بهذا الموضوع، وهي أننا حينما ننفي التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وجاه غيره من الأنبياء والصالحين فليس ذلك لأننا ننكر أن يكون لهم جاه، أو قدر أو مكانة عند الله، كما أنه ليس ذلك لأننا نبغضهم، وننكر قدرهم ومنزلتهم عند الله،
ولا تشعر أفئدتنا بمحبتهم، كما افترى علينا الدكتور البوطي في كتابه "فقه السيرة" (ص354) فقال ما نصه: (فقد ضل أقوام لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وراحوا يستنكرون التوسل بذاته صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته...) كلا ثم كلا، فنحن ولله الحمد من أشد الناس تقديراً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأكثرهم حباً له، واعترافاً بفضله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن دل هذا الكلام على شيء فإنما يدل على الحقد الأعمى الذي يملأ قلوب أعداء الدعوة السلفية على هذه الدعوة وعلى أصحابها، حتى يحملهم على أن يركبوا هذا المركب الخطر الصعب، ويقترفوا هذه الجريمة البشعة النكراء، ويأكلوا لحوم إخوانهم المسلمين، ويكفروهم دونما دليل، اللهم إلا الظن الذي هو أكذب الحديث، كما قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
   ولا أدري كيف سمح هذا المؤلف الظالم لنفسه أن يصدر مثل هذا الحكم الذي لا يستطيع إصداره إلا الله عز وجل، المطلع وحده على خفايا القلوب ومكنونات الصدور، ولا تخفى عليه خافية.
   أتراه لا يعلم جزاء من يفعل ذلك، أم إنه يعلم، ولكنه أعماه الحقد الأسود والتحامل الدفين على دعاة السنة؟ أي الأمرين كان فإننا نذكره بهذين الحديثين الشريفين لعله ينزجر عن غيه، ويفيق من غفلته، ويتوب من فعلته.
   قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:صلى الله عليه وآله وسلم إيما رجل أكفر رجلاً مسلماً، فإن كان كافراً وإلا كان هو الكافر i وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: صلى الله عليه وآله وسلم إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير
حق i .
   كما نقول له أخيراً: ترى هل دريت يا هذا بأنك حينما تقول ذاك الكلام فإنك ترد على سلف هذه الأمة الصالح، وتكفر أئمتها المجتهدين ممن لا يجيز التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره بعد وفاتهم كالإمام أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى، وقد قال أبو حنيفة: (أكره أن يتوسل إلى الله إلا بالله) كما تقدم.
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة   وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ
   ونعود لنقول: إن كل مخلص منصف ليعلم علم اليقين بأننا والحمد لله من أشد الناس حباً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أعرفهم بقدره وحقه وفضله صلى الله عليه وآله وسلم، وبأنه أفضل النبيين، وسيد المرسلين، وخاتمهم وخيرهم، وصاحب اللواء المحمود، والحوض المورود، والشفاعة العظمى، والوسيلة والفضيلة، والمعجزات الباهرات، وبأن الله تعالى نسخ بدينه كل دين، وأنزل عليه سبعاً من المثاني والقرآن العظيم، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس. إلى آخر ما هنالك من فضائله صلى الله عليه وآله وسلم ومناقبه التي تبين قدره العظيم، وجاهه المنيف صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً.
   أقول: إننا – والحمد لله – من أول الناس اعترافاً بذلك كله، ولعل منزلته صلى الله عليه وآله وسلم عندنا محفوظة أكثر بكثير مما هي محفوظة لدى الآخرين، الذين يدعون محبته، ويتظاهرون بمعرفة قدره، لأن العبرة في ذلك كله إنما هي في الاتباع له صلى الله عليه وآله وسلم، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، كما قال سبحانه وتعالى: }قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، ويغفر لكم ذنوبكم{، ونحن بفضل الله من أحرص الناس على طاعة الله عز وجل، واتباع نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وهما أصدق الأدلة على المودة والمحبة الخالصة بخلاف الغلو في التعظيم، والإفراط في الوصف اللذين نهى الله تعالى عنهما، فقال سبحانه: }يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم، ولا تقولوا على الله
إلا الحق{ كما نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنهما فقال: صلى الله عليه وآله وسلم لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله i.
   ومن الجدير بالذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل من الغلو في الدين أن يختار الحاج إذا أراد رمي الجمرات بمنى الحصوات الكبيرة وأمر أن تكون مثل حصى الخذف، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غداة العقبة: صلى الله عليه وآله وسلم هات ألْقِطْ لي i. قال: فلقطت له نحو حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده قال: صلى الله عليه وآله وسلم مثل هؤلاء – ثلاث مرات – وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين i ذلك لأنه صلى الله عليه وآله وسلم يعد مسألة رمي الجمار مسألة رمزية الغرض منها نبذ الشيطان ومحاربته، وليس حقيقية يراد بها قتله وإماتته، فعلى المسلم تحقيق الأمر، ومنابذة الشيطان عدو الإنسان اللدود بالعداء ليس غير، ومع هذا التحذير الشديد من الغلو في الدين، وقع المسلمون فيه مع الأسف، واتبعوا سنن أهل الكتاب، فقال قائلهم:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم     واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
فهذا الشاعر الذي يعظمه كثير من المسلمين، ويترنمون بقصيدته هذه، المشهورة بالبردة، ويتبركون بها، وينشدونها في الموالد وبعض مجالس الوعظ والعلم، ويعدون ذلك قربة إلى الله تبارك وتعالى، ودليلاً على محبتهم نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، أقول: هذا الشاعر قد ظن النهي الوارد في الحديث السابق منصباً فقط على الادعاء بأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ابن الله، فنهى عن هذه القولة، ودعا إلى القول بأي شيء آخر مهما كان. وهذا غلط بالغ وضلال مبين، ذلك لأن للاطراء المنهي عنه في الحديث معنيين اثنين أولهما مطلق المدح، وثانيهما المدح المجاوز للحد. وعلى هذا فيمكن أن يكون المراد الحديث النهي عن مدحه صلى الله عليه وآله وسلم مطلقاً، من باب سد الذريعة، واكتفاءً باصطفاء الله تعالى له نبياً ورسولاً، وحبيباً وخليلاً، ومما أثنى سبحانه عليه في قوله: }وإنك لعلى خلق عظيم{، إذ ماذا يمكن للبشر أن يقولوا فيه بعد قول الله تبارك وتعالى هذا؟ وما قيمة أي كلام يقولونه أمام شهادة الله تعالى هذه؟ وإن أعظم مدح له صلى الله عليه وآله وسلم أن تقول فيه ما قال ربنا عز وجل: إنه عبد له ورسوله، فتلك أكبر تزكية له صلى الله عليه وآله وسلم، وليس فيها إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا تقصير. وقد وصفه ربنا سبحانه وتعالى وهو في أعلى درجاته، وأرفع تكريم من الله تعالى له، وذلك حينما أسرى وعرج به إلى السماوات العلى، حيث أراه من آيات ربه الكبرى، وصفه حينذاك بالعبودية فقال: }سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى{ ]الإسراء:1[.
   ويمكن أن يكون المراد: لا تبالغوا في مدحي، فتصفوني بأكثر مما أستحقه، وتصبغوا علي بعض خصائص الله تبارك وتعالى.
   ولعل الأرجح في الحديث المعنى الأول لأمرين اثنين: أولهما تمام الحديث، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم:
صلى الله عليه وآله وسلم فقولوا عبد الله ورسوله i أي اكتفوا بما وصفني به الله عز وجل من اختياري عبداً له ورسولاً، وثانيهما ما عقد بعض أئمة الحديث له من الترجمة، فأورده الإمام الترمذي مثلاً تحت عنوان: "باب تواضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم" فحمل الحديث على النهي عن المدح المطلق وهو الذي ينسجم مع معنى التواضع ويأتلف معه.
   تنبيه:
   واعلم انه وقع في بعض الطرق الأخرى لحديث الضرير السابق زيادتان لا بد من بيان شذوذهما وضعفهما، حتى يكون القارىء على بينة من أمرهما، فلا يغتر بقول من احتج بهما على خلاف الحق والصواب.
   الزيادة الأولى:
   زيادة حماد بن سلمة قال: حدثنا أبو جعفر الخطمي.. فساق إسناده مثل رواية شعبة، وكذلك المتن إلا أنه اختصره بعض الشيء، وزاد في آخره بعد قوله: وشفع نبيي في رد بصري: صلى الله عليه وآله وسلم وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك i رواه أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه، فقال: حدثنا مسلم بن إبراهيم: حدثنا حماد بن سلمه به.
   وقد أعلَّ هذه الزيادة شيخ الإسلام ابن تيمية في "القاعدة الجليلة" (ص102) بتفرد حماد بن سلمة بها، ومخالفته لرواية شعبة، وهو أجلّ من روى هذا الحديث وهذا إعلال يتفق مع القواعد الحديثية، ولا يخالفها البتة، وقول الغماري في "المصباح" (ص30) بأن حماداً ثقة من رجال الصحيح، وزيادة الثقة مقبولة، غفلة منه أو تغافل عما تقرر في المصطلح، أن القبول مشروط بما إذا لم يخالف الراوي من هو أوثق منه، قال الحافظ في "نخبة الفكر": (والزيادة مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أوثق، فإن خولف بأرجح، فالراجح المحفوظ، ومقابله الشاذ).
   قلت: وهذا الشرط مفقود هنا، فإن حماد بن سلمة، وإن كان من رجال مسلم، فهو
بلا شك دون شعبة في الحفظ، ويتبين لك ذلك بمراجعة ترجمة الرجلين في كتب القوم، فالأول أورده الذهبي في "الميزان" وهو إنما يورد فيه من تُكُلَّم فيه، ووصفه بأنه (ثقة له أوهام) بينما
لم يورد فيه شعبة مطلقاً، ويظهر لك الفرق بينهما بالتأمل في ترجمة الحافظ لهما، فقد قال في "التقريب": (حماد بن سلمة ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره) ثم قال: (شعبة بن الحجاج ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال، وذب عن السنة، وكان عابداً).
   قلت: إذا تبين لك هذا عرفت أن مخالفة حماد لشعبة في هذا الحديث وزيادته عليه تلك الزيادة غير مقبولة، لأنها منافية لمن هو أوثق منه فهي زيادة شاذة كما يشير إليه كلام الحافظ السابق في "النخبة" ولعل حماداً روى هذا الحديث حين تغير حفظه، فوقع في الخطأ، وكأن الإمام أحمد أشار إلى شذوذ هذه الزيادة، فإنه أخرج الحديث من طريق مؤمَّل (وهو ابن اسماعيل) عن حماد – عقب رواية شعبة المتقدمة – إلا أنه لم يسق لفظ الحديث، بل أحال به على لفظ حديث شعبة، فقال: (فذكر الحديث) ويحتمل أن الزيادة لم تقع في رواية مؤمل عن حماد، لذلك لم يشر إليها الإمام أحمد كما هي عادة الحفاظ إذا أحالوا في رواية على أخرى بينوا ما في الرواية المحالة من الزيادة على الأولى.
   وخلاصة القول: إن الزيادة لا تصح لشذوذها، ولو صحت لم تكن دليلاً على جواز التوسل بذاته صلى الله عليه وآله وسلم، لاحتمال أن يكون معنى قوله: صلى الله عليه وآله وسلم فافعل مثل ذلك i يعني من إتيانه صلى الله عليه وآله وسلم في حال حياته، وطلب الدعاء منه والتوسل به، والتوضؤ والصلاة، والدعاء الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو به. والله أعلم.
   الزيادة الثانية:
   قصة الرجل مع عثمان بن عفان، وتوسله به صلى الله عليه وآله وسلم حتى قضى له حاجته، وأخرجها الطبراني في "المعجم الصغير" (ص103-104) وفي "الكبير" (3/2/1/1-2) من طريق عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف، فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان: إئت الميضأة، فتوضأ، ثم ائت المسجد، فصل فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمدصلى الله عليه وآله وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك عز وجل، فقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح إليَّ حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال، ثم أتى باب عثمان رضي الله عنه  فجاء البواب حتى أخذ بيده، فأدخله عليه، فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته، فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال:
ما كانت لك من حاجة ففأتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيراً، ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إلي حتى كامته في، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأتاه ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبيصلى الله عليه وآله وسلم: فتصبر، فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد، وقد شق علي، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ائت الميضأة، فتوضأ ثم صلي ركعتين، ثم ادعُ بهذه الدعوات i قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا، وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط. قال الطبراني: (لم يرواه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد أبو سعيد المكي وهو ثقة، وهو الذي يحدث عنه أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأيلي، وقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي – واسمه عمير بن يزيد – وهو ثقة تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة، والحديث صحيح).
   قلت: لا شك في صحة الحديث، وإنما البحث الآن في هذه القصة التي تفرد بها شبيب بن سعيد كما قال الطبراني، وشبيب هذا متكلم فيه، وخاصة في رواية ابن وهب عنه، لكن تابعه عنه إسماعيل وأحمد ابنا شبيب بن سعيد هذا، أما اسماعيل فلا أعرفه، ولم أجد من ذكره، ولقد أغفلوه حتى لم يذكروه في الرواة عن أبيه، بخلاف أخيه أحمد فإنه صدوق، وأما أبوه شبيب فملخص كلامهم فيه: أنه ثقة في حفظه ضعف، إلا في رواية ابنه أحمد هذا عنه عن يونس خاصة فهو حجة، فقال الذهبي في "الميزان": (صدوق يغرب، ذكره ابن عدي في "كامله" فقال..له نسخة عن يونس بن يزيد مستقيمة، حدث عنه ابن وهب بمناكير، قال ابن المديني: كان يختلف في تجارة إلى مصر، وكتابه صحيح قد كتبته عن ابنه أحمد. قال ابن عدي: كان شبيب لعله يغلط ويهم إذ حدث من حفظه، وأرجو أنه لا يتعمد، فإذا حدث عنه ابنه أحمد بأحاديث يونس فكأنه يونس آخر. يعني يجوَّد).
   فهذا الكلام يفيد أن شبيباً هذا لا بأس بحديثه بشرطين اثنين: الأول: ان يكون من رواية ابنه أحمد عنه، والثاني: أن يكون من رواية شبيب عن يونس، والسبب في ذلك أنه كان عنده كتب يونس بن يزيد، كما قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" عن أبيه (2/1/359)، فهو إذا حدث من كتبه هذه أجاد، وإذا حدث من حفظه وهو كما قال ابن عدي، وعلى هذا فقول الحافظ في ترجمته من "التقريب": (لا بأس بحديثه من رواية ابنه أحمد عنه، لا من رواية ابن وهب) فيه نظر، لأنه أوهم أنه لا بأس بحديثه من رواية أحمد مطلقاً، وليس كذلك، بل هذا مقيد بأن يكون من روايته هو عن يونس لما سبق، ويؤيده أن الحافظ نفسه أشار لهذا القيد، فإنه أورد شبيباً هذا في "من طعن فيه من رجال البخاري" من "مقدمة فتح الباري" (ص133) ثم دفع الطعن عنه – بعد أن ذكر من وثقه وقول ابن عدي فيه – بقوله: (قلت: أخرج البخاري من رواية ابنه عنه عن يونس أحاديث، ولم يخرج من روايته عن غير يونس، ولا من رواية ابن وهب عنه شيئاً).
   فقد أشار رحمه الله بهذا الكلام إلى أن الطعن قائم في شبيب إذا كانت روايته عن غير يونس، ولو من رواية ابنه أحمد عنه، وهذا هو الصواب كما بينته آنفاً، وعليه يجب أن يحمل كلامه في "التقريب" توفيقاً بين كلاميه، ورفعاً للتعارض بينهما.
   إذا تبين هذا يظهر لك ضعف هذه القصة، وعدم صلاحية الاحتجاج بها. ثم ظهر لي فيها علة أخرى وهي الاختلاف على أحمد فيها، فقد أخرج الحديث ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (ص202) والحاكم (1/526) من ثلاثة طرق عن أحمد بن شبيب بدون القصة، وكذلك رواه عون بن عمارة البصري ثنا روح ابن القاسم به، أخرجه الحاكم، وعون هذا وإن كان ضعيفاًً، فروايته أولى من رواية شبيب، لموافقتها لرواية شعبة وحماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي.
   وخلاصة القول: إن هذه القصة ضعيفة منكرة، لأمور ثلاثة:
   ضعف حفظ المتفرد بها، والاختلاف عليه فيها، ومخالفته للثقات الذين لم يذكروها في
الحديث، وأمر واحد من هذه الأمور كاف لإسقاط هذه القصة، فكيف بها مجتمعة؟
   ومن عجائب التعصب واتباع الهوى أن الشيخ الغماري أورد روايات هذه القصة في "المصباح" (ص12و17) من طريق البيهقي في "الدلائل" والطبراني، ثم لم يتكلم عليها مطلقاً
لا تصحيحاً ولا تضعيفاً، والسبب واضح، أما التصحيح فغير ممكن صناعة، وأما التضعيف فهو الحق ولكن...
   ونحو ذلك فعل من لم يوفق في "الإصابة"، فإنهم أوردوا (ص21-22) الحديث بهذه القصة، ثم قالوا: (وهذا الحديث صححه الطبراني في "الصغير" و"الكبير")!
   وفي هذا القول على صغره جهالات:
   أولاً: أن الطبراني لم يصحح الحديث في "الكبير" بل في "الصغير" فقط، وأنا نقلت الحديث عنه للقارئين مباشرة، لا بالواسطة كما يفعل أولئك، لقصر باعهم في هذا العلم الشريف (ومن ورد البحر استقل السواقيا).
   ثانياً: أن الطبراني إنما صحح الحديث فقط دون القصة، بدليل قوله وقد سبق: (قد روى الحديث شعبة...والحديث صحيح) فهذا نص على أنه أراد حديث شعبة، وشعبة لم يرو هذه القصة، فلم يصححها إذن الطبراني، فلا حجة لهم في كلامه.
   ثالتاً: أن عثمان بن حنيف لو ثبتت عنه القصة لم يُعَلَّم ذلك الرجل فيها دعاء الضرير بتمامه، فإنه أسقط منه جملة صلى الله عليه وآله وسلم اللهم شفعه في وشفعني فيه i لانه يفهم بسليقته العربية أن هذا القول يستلزم أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم داعياً لذلك الرجل، كما كان داعياً للأعمى، ولما كان هذا منفياً بالنسبة للرجل، لم يذكر هذه الجملة؟ قال شيخ الإسلام (ص104): (ومعلوم أن الواحد بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم إذا قال: اللهم فشفعه في وشفعني فيه – مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يدعُ له – كان هذا كلاماً باطلاً، مع أن عثمان بن حنيف لم يأمره ان يسأل النبيصلى الله عليه وآله وسلم شيئاً، ولا أن يقول: (فشفعه في)، ولم يأمره بالدعاء المأثور على وجهه، وإنما أمره ببعضه، وليس هناك من
النبي صلى الله عليه وآله وسلم شفاعة، ولا ما يظن أنه شفاعة، فلو قال بعد موته: (فشفعه في) لكان كلاماً
لا معنى له، ولهذا لم يأمر به عثمان، والدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر به، والذي أمر به ليس مأثوراً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومثل هذا لا تثبت به شريعة، كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في حسن العبادات أو الإباحات أو الايجابات أو التحريمات، إذ لم يوافقه غيره من الصحابة عليه، وكان ما يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخالفه ولا يوافقه، لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها، بل غايته ان يكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، ومما تنازعت فيه الأمة، فيجب رده إلى الله والرسول).
   ثم ذكر أمثلة كثيرة مما تفرد به بعض الصحابة، ولم يتبع عليه مثل إدخال ابن عمر الماء في عينيه في الوضوء، ونحو ذلك فراجعه.
   ثم قال: وإذا كان في ذلك كذلك، فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد موته من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم داعياً له، ولا شافعاً فيه فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعاً بعد مماته كما كان يشرع في حياته، بل كانوا في الاستسقاء في حياته صلى الله عليه وآله وسلم يتوسلون فلما مات لم يتوسلوا به، بل قال عمر في دعائه الصحيح المشهور الثابت باتفاق أهل العلم بمحضر من المهاجرين والأنصار في عام الرمادة المشهور، لما اشتد بهم الجدب حتى حلف عمر: لا يأكل سميناً حتى يخصب الناس، ثم لما استسقى بالناس قال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. فيسقون. وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة، ولم ينكره أحد مع شهرته، وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية، ودعا بمثله معاوية بن أبي سفيان في خلافته، فلو كان توسلهم بالنبيصلى الله عليه وآله وسلم بعد مماته كتوسلهم في حياته لقالوا: كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما، ونعدل عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو أفضل الخلائق، وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله؟ فلما لم يقل ذلك أحد منهم، وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته، وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره، وشفاعة غيره، علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به، لا بذاته).
   هذا، وفي القصة جملة إذا تأمل فيها العاقل العارف بفضائل الصحابة وجدها من الأدلة الأخرى على نكارتها وضعفها، وهي أن الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه كان لا ينظر في حاجة ذلك الرجل، ولا يلتفت إليه! فكيف يتفق هذا مع ما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الملائكة تستحي من عثمان، ومع ما عرف به رضي الله عنه من رفقه بالناس، وبره بهم، ولينه معهم؟ هذا كله يجعلنا نستبعد وقوع ذلك منه، لأنه ظلم يتنافى مع شمائه رضي الله عنه وأرضاه.
   (تنبيه): اطلعنا بعد صف هذه الملزمة على كتاب "التوصل إلى حقيقة التوسل" للشيخ محمد نسيب الرفاعي، الذي ذيل اسمه عليه بلقب "مؤسس الدعوة السلفية وخادمها"، وتقتضينا الأمانة العلمية، والنصيحة الدينية وقول كلمة الحق أن نبين حكم الله كما نفهمه، وندين الله تعالى به في هذا اللقب فنقول:
   إن من نافلة القول أن نبين ان الدعوة إنما هي دعوة الإسلام الحق كما أنزله الله تعالى على خاتم رسله وأنبيائه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالله وحده سبحانه هو مؤسسها ومشرعها، وليس لأحد من البشر كائناً من كان أن يدعي تأسيسها وتشريعها، وحتى النبي الأكرم محمد صلوات الله وسلامه عليه إنما كان دوره فيها التلقي الواعي الأمين، والتبليغ الكامل الدقيق، ولم يكن مسموحاً له التصرف في شيء من شرع الله تعالى ووحيه، ولهذا فادعاه إنسان مهما علا وسما تأسيس هذه الدعوة الإلهية المباركة إنما هو في الحقيقة خطأ جسيم وجرح بليغ، هذا إن لم يكن شركاً أكبر، والعياذ بالله.
   فلا ندري كيف وقع هذا من رجل عاش دهراً طويلاً مع إخوانه في حلب وغيرها من البلاد الشامية في الدعوة السلفية التي هي أخص خصائصها وأهم اهتماماتها محاربة الشركيات والوثنيات اللفظية، فضلاً عن الشركيات الاعتقادية، ثم اعتزلهم جميعاً، هدانا الله تعالى وإياه، وجنبنا الزلل والفتن ومضلات الأهواء.
   ولعل أحداً يحاول التماس عذر للمؤلف بأنه إنما قصد من ذاك اللقب أنه مجدد الدعوة السلفية، وليس أنه منشئها وصائغ تعاليمها، وقد كان في المسلمين قديماً وحديثاً مجددون، والمؤلف واحد من هؤلاء في ظنه.
   ونقول: نعم، إن هناك مجددين لدعوة الإسلام الحق على تتالي الزمان، ولكن شتان بين المؤلف وأولئك المجددين، وحسبه أن يكون تابعاً لأحدهم، ولو وافقناه جدلاً على حشر نفسه معهم لكان من الواجب عليه ان يحدد دائرة لتجديده المزعوم كبلد أو قطر، أما إطلاقه ذاك اللقب الفضفاض فإنه يوحي إلى القراء بأنه المجدد للإسلام في العالم الإسلامي كله في هذا العصر، وأين هو من هذا؟
   أضف إلى ذلك أن من الأخلاق الأساسية التي يجب أن يتصف بها الداعية المسلم المتواضع، والبعد عن حب الظهور والتفاخر والادعاء، فإن هذه أدواء قاتلة تجرد الساعي اليها، والحريص عليها من أهلية الدعوة، وتفقده سلاحاً ماضياً للنصرعلى أعدائها، وتجعل عمله هباءً منثوراً، والعياذ بالله، فاللهم عصمتك وهداك.
   هذا وقدتصفحنا الكتاب المشار إليه على عجل، فوجدنا فيه بعض الأخطاء، ننبه على بعضها في محله، ومنها أنه قال في (ص237) في صدد الحديث عن إسناد القصة السابقة
ما نصه: (إن في سند هذا الحديث رجلاً اسمه روح بن صلاح، وقد ضعفه الجمهور وابن عدي وقال ابن يونس: يروي أحاديث منكرة). وهذا خطأ محض لا ندري وجهه، وهذا الرجل (أي روح بن صلاح) إنما هو علة الحديث الثالث كما سيأتي.


حديث الأعمى الذي يحتج به من يتوسل بالأموات

السؤال: مر بي وأنا أقرأ في صحيح الجامع الصغير حديث (1279) (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه في) وقد أشكل علي فهم الحديث، فهل يكون فيه دليل لمن يتوسلون بالأموات من عبّاد القبور ونحوهم؟ وكيف يجاب عن هذا الحديث؟
الجواب:
الحمد لله
أخرج الإمام أحمد وغيره بسند صحيح عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ادع الله أن يعافيني. فقال صلى الله عليه وسلم: (إن شئت دعوت لك، وإن شئت أخّرتُ ذاك، فهوخير لك. [وفي رواية: (وإن شئتَ صبرتَ فهوخير لك)]، فقال: ادعهُ. فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، فيصلي ركعتين، ويدعوبهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه، فتقضى لي، اللهم فشفّعه فيَّ وشفّعني فيه). قال: ففعل الرجل فبرأ.
وقد أشكل هذا الحديث على بعض الناس وظنوا أن فيه حجة على بعض أنواع التوسل البدعي، وليس الأمر كذلك.
وقد أجاب عن الإشكال الذي قد يفهم من هذا الحديث كثير من أهل العلم، وبينوا أنه لا حجة فيه لأحد ممن يرى التوسل البدعي، سواء كان بالذات أوبالجاه، فضلا عن التوسل بالأموات ودعائهم من دون الله، ومن أحسن الردود العلمية المحكمة ما سطره العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في كتابه "التوسل أنواعه وأحكامه" فكان مما قاله رحمه الله تعليقا على هذا الحديث:
"وأما نحن فنرى أن هذا الحديث لا حجة لهم فيه على التوسل بالذات، بل هودليل آخر على النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع ـ وهوالتوسل بدعاء الرجل الصالح ـ لأن توسل الأعمى إنما كان بدعائه صلى الله عليه وسلم؛ والأدلة على ما نقول من الحديث نفسه كثيرة، وأهمها:
أولاً: أن الأعمى إنما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليدعوله، وذلك قوله: (ادعُ الله أن يعافيني) فهوتوسل إلى الله تعالى بدعائه، لأنه يعلم أن دعاءه صلى الله عليه وسلم أرجى للقبول عند الله بخلاف دعاء غيره، ولوكان قصد الأعمى التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم أوجاهه أوحقه لما كان ثمة حاجة به إلى أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، ويطلب منه الدعاء له، بل كان يقعد في بيته، ويدعوربه بأن يقول مثلاً: (اللهم إني أسألك بجاه نبيك ومنزلته عندك أن تشفيني، وتجعلني بصيراً). ولكنه لم يفعل.
ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وسلم وعده بالدعاء مع نصحه له ببيان ما هوالأفضل له، وهوقوله صلى الله عليه وسلم: (إن شئت دعوتُ، وإن شئت صبرت فهوخير لك).
ثالثاً: إصرار الأعمى على الدعاء وهوقوله: (فادع) فهذا يقتضي أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا له، لأنه صلى الله عليه وسلم خيرُ من وَفَى بما وعد، وقد وعده بالدعاء له إن شاء كما سبق، فلا بد أنه صلى الله عليه وسلم دعا له، فثبت المراد، وقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم الأعمى بدافع من رحمته، وبحرص منه أن يستجيب الله تعالى دعاءه فيه، وجهه إلى النوع الثاني من التوسل المشروع، وهوالتوسل بالعمل الصالح، ليجمع له الخير من أطرافه، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يدعولنفسه، وهذه الأعمال طاعة لله سبحانه وتعالى يقدمها بين يدي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له، وهي تدخل في قوله تعالى: (وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ) كما سبق.
وعلى هذا، فالحادثة كلها تدور حول الدعاء - كما هوظاهر - وليس فيها ذكر شيء مما يزعمون.
رابعاً: أن في الدعاء الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه أن يقول: (اللهم فشفعه في) وهذا يستحيل حمله على التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم، أوجاهه، أوحقه، إذ إن المعنى: اللهم اقبل شفاعته صلى الله عليه وسلم فيّ، أي: اقبل دعاءه في أن ترد عليَّ بصري، والشفاعة لغةً الدعاء، قال في "لسان العرب" (8/ 184): "الشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، والشافع الطالب لغيره، يتشفع به إلى المطلوب، يقال تشفعت بفلان إلى فلان، فشفعني فيه" انتهى.
فثبت بهذا الوجه أيضاً أن توسل الأعمى إنما كان بدعائه صلى الله عليه وسلم لا بذاته.
خامساً: أن مما علم النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأعمى أن يقوله: (وشفعني فيه) أي: اقبل شفاعتي، أي دعائي في أن تقبل شفاعته صلى الله عليه وسلم، أي دعاءه في أن ترد علي بصري. هذا المعنى الذي لا يمكن أن يفهم من هذه الجملة سواه.
ولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها، ولا يتعرضون لها من قريب أومن بعيد، لأنها تنسف بنيانهم من القواعد، وتجتثه من الجذور.
سادساً: إن هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه المستجاب، وما أظهره الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه بدعائه صلى الله عليه وسلم لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره، ولذلك رواه المصنفون في "دلائل النبوة" كالبيهقي وغيره، فهذا يدل على أن السر في شفاء الأعمى إنما هودعاء النبي صلى الله عليه وسلم.
فلوكان السر في شفاء الأعمى أنه توسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم وقدره وحقه، كما يفهم عامة المتأخرين، لكان من المفروض أن يحصل هذا الشفاء لغيره من العميان الذين يتوسلون بجاهه صلى الله عليه وسلم، بل ويضمون إليه أحياناً جاه جميع الأنبياء المرسلين، وكل الأولياء والشهداء والصالحين، وجاه كل من له جاه عند الله من الملائكة، والإنس والجن أجمعين! ولم نعلم ولا نظن أحداً قد علم حصول مثل هذا خلال القرون الطويلة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم إلى اليوم.
وبهذا التوضيح يتبين أن قول الأعمى في دعائه: (اللهم إني أسألك، وأتوسل إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم) إنما المراد به: أتوسل إليك بدعاء نبيك، أي على حذف المضاف، وهذا أمر معروف في اللغة، كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) يوسف/82، أي: أهل القرية وأصحاب العير.
على أنني أقول: لوصح أن الأعمى إنما توسل بذاته صلى الله عليه وسلم، فيكون حكماً خاصاً به صلى الله عليه وسلم، لا يشاركه فيه غيره من الأنبياء والصالحين، وإلحاقهم به مما لا يقبله النظر الصحيح، لأنه صلى الله عليه وسلم سيدهم وأفضلهم جميعاً، فيمكن أن يكون هذا مما خصه الله به عليهم ككثير مما صح به الخبر، وباب الخصوصيات لا تدخل فيه القياسات، فمن رأى أن توسل الأعمى كان بذاته لله، فعليه أن يقف عنده، ولا يزيد عليه كما نقل عن الإمام أحمد والشيخ العز بن عبد السلام رحمهما الله تعالى. هذا هوالذي يقتضيه البحث العلمي مع الإنصاف، والله الموفق للصواب " انتهى باختصار من "التوسل" (ص 75 وما بعدها).
والله أعلم
الإسلام سؤال وجواب.
التوسل بالنَّبِي صلى الله عليه وآله وسلم جائز بدليل ما جاء عن عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قَالَ: "إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قَالَ: فَادْعُهْ قَالَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِيَ اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ".
الرد على الشبهة وتفنيدها
__________
(1) الصوفية: حركة دينية انتشرت في العالم الإسلامي في القرن الثالث الهجري كنزعات فردية تدعوإلى الزهد وشدة العبادة كرد فعل مضاد للانغماس في الترف الحضاري، ثم تطورت تلك النزعات بعد ذلك حتى صارت طرقًا مميزة معروفة باسم الصوفية، ويتوخى المتصوفة تربية النفس والسموبها بغية الوصول إلى معرفة الله تعالى بالكشف والمشاهدة لا عن طريق أتباع الوسائل الشرعية، ولذا جنحوا في المسار حتى تداخلت طريقتهم مع الفلسفات الوثنية: الهندية والفارسية واليونانية المختلفة. ويلاحظ أن هناك فروقًا جوهرية بين مفهومي الزهد والتصوف أهمها: إن الزهد مأمور به، والتصوف جنوح عن طريق الحق الذي اختطه أهل السُنَّة والجماعة.
مصادر التلقي: الكشف، الإلهام، الفراسة، الهواتف، الإسراءات والمعاريج، الكشف الحسي، الرؤى والمنامات.
الطرق الصوفية: مدرسة الزهد: وأصحابها: من النساك والزهاد والعباد والبكائين، مدرسة الكشف والمعرفة، مدرسة وحدة الوجود، مدرسة الاتحاد والحلول.
هذا الحديث صحيح (1) إلا أن هذا الحديث حجة عليهم فيما يدَّعونه من جواز التوسل بالنَّبِي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا ظاهر جدًا من قول النَّبِي صلى الله عليه وآله وسلم:"إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهوخير لك"، ومن جواب الرجل عليه:"فادعه".
فإن التوسل هنا مختص بالدعاء، ويؤيده قول الرجل في دعائه: "اللهم! فشفعه فيَّ"، وهذا مقتضاه حصول الدعاء من النَّبِي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ربه لأجل هذا الرجل في محنته؛ لأن مقتضى الشفاعة ومعناها: الدعاء والطلب للغير.
قال ابن منظور (2): "وروي عن المبرد وثعلب أنهما قالا في قوله تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة255] قالا: الشفاعة: الدعاء ها هنا، والشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، وشفع إليه: في معنى طلب إليه ... ".
وهذا يؤيده ما رواه أنس بن مالك أن النَّبِي صلى الله عليه وآله وسلم قال (3): "يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَهْتَمُّونَ لِذَلِكَ وقَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ فَيُلْهَمُونَ لِذَلِكَ فَيَقُولُونَ لَوْ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا قَالَ فَيَأْتُونَ آدَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُونَ أَنْتَ آدَمُ أَبُوالْخَلْقِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا فَيَقُولُ لَسْتُ ... ".
__________
(1) رواه أحمد 16789، الترمذى 3578، ابن ماجة 1385، صحيح الجامع 1279.
(2) لسان العرب، مادة (شفع).
(3) صحيح): البخارى 44، مسلم 193، الترمذى 2593، ابن ماجة 4312، أحمد 11743.
فهذا ظاهر جدًا على أن الاستشفاع لا يكون توسلًا بالجاه، وإنما هوبالدعاء، فلوكان بالجاه لكفاهم أن يتوسلوا بجاه أحد الأنبياء دون الحاجة إلى التردد بين الأنبياء جميعًا، كما ورد في متن الحديث، وهذا لم يقع منهم، ومن ثَمَّ فلا شفاعة بغير دعاء أوطلب أوسؤال.
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفلِحون} [المائدة35] فالوسيلة شرعًا: ما يُتقربُ به إلى الله ِممَّا شرعه، والتقرب إلى الله بدعائه عبادة، ومبنى العبادات على التوقيف؛ لا زيادة فيها ولا نقصان، فما هوالمشروع إذن من التوسل (1)
الأول: التوسل بأسماء الله وصفاته، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف18.]، وقال تعالى: {قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء11.] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ (2): "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّة".
قال ابن العَرَبِي (3): "أي: اطلبوا منه بأسمائه؛ فيطلب بكل اسم ما يليق له تقول: يا رحيم ارحمني يا حكيم احكم لي، يا رازق ارزقني، يا هاد اهدني، يا فتاح افتح لي، يا تواب تُب علىَّ، وهكذا، فإن دعوت باسم عام قلت: يا مالك ارحمني، يا عزيز احكم لى، يا لطيف ارزقنى، وإن دعوت بالاسم الأعظم قلت: يا الله فهومتضمن لكل اسم ولا تقل: يا رزاق اهدني، إلا أن تريد يا رزاق اُرزقنى الخير، وكذا رتب دعاءك تكن من المخلصين".
__________
(1) راجع رسالة الشيخ الألباني-رحمه الله- في التوسل جمع أحمد عباس.
(2) صحيح): البخاري 641.، مسلم 675.، الترمذي 35.6، ابن ماجة 386، أحمد 2/ 258.
(3) كما فى تفسير القُرطُبيّ 7/ 2.7.
الثانى: التوسل بالعمل الصالح، وهوأن يتقرب العبد إلى الله تعالى بعمل صالح، يظن أنه أخلص فيه لله فيدعوبه فالمؤمنون يقولون: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة5] وهذا عمل صالح -أي: العبادة- ثم قالوا: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} [آل عمران193] وهذا عمل صالح -أي: الإيمان-، ثم قالوا: {رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ} [آل عمران193]، وهذا دعاء.
وحديث الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فانطبقت عليهم صخرة، فلم يخرجوا من الغار، ولم ينجوا إلا بدعائهم بصالح أعمالهم.
الثالث: التوسل بدعاء الصالحين؛ وهوأن يطلب دعاء من يظن أنه من أهل الصلاح والتقوى، فقد كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يتوسلون إلى الله بنبيهم ليسقيهم الله الغيث، فيدعوالنَّبِىّ فيُسقوا الغيث بإذن الله، وحديث الأعرايى الذي قال: يا رسول الله اُدع الله أن يسقينا الغيث وكان النَّبِىّ صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر فدعا الله فسُقوا بإذن الله والحديث فى الصحيحين.
ولما مات النَّبِىّ صلى الله عليه وآله وسلم وأصابهم قحط على عهد عمر بن الخطاب (عام الرمادة)، كان عمر يتوسل إلى الله بالعباس بن عبد المطلب، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ (1): "اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا قَالَ فَيُسْقَوْنَ"، وكذا كان معاوية - رضي الله عنه - يستسقى بيزيد بن الأسود الجرشي والضحاك، فكان معاوية يُجلس يزيد معه على المنبر ويقول (2): قم يا يزيد، اللهم إن كنا نتوسل إليك بخيارنا وصلحائنا فيستسقي الله فيُسقون، وكذا توسل معاوية بأبي مسلم الخراسانى (3) وهذا معناه؛ أن التوسل بدعاء الصالحين الذين هم على قيد الحياة أمَّا بعد موتهم فلا يجوز البتة، وإلا لعدل عمر بن الخطاب عن دعاء العباس لهم، وتوسل بالنَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعد مماته، وهذا ما لم يفعله - رضي الله عنه -، ولولم يكن في النصوص على عدم جواز التوسل بذوات الأنبياء والصالحين، غير توسل عمر بدعاء العباس، وتركه التوسل بذات النَّبِىّ صلى الله عليه وآله وسلم لكفى، وما أحسن ما قاله الإمام أبوحنيفة: "وأكره أن يُسأل الله إلا بالله" كما فى الدر المختار وغيره من كتب الحنفية.
__________
(1) صحيح): البخاري1.1.، المجموع للنووي5/ 65، الحاوي للمواردي 4/ 144، وانظر المغني لابن قدامة3/ 346، شرح السُنَّة للبغوي 2/ 655.
(2) القصة صححها ابن حجر في تلخيص الحبير 2/ 2.6، وانظر البداية والنهاية 8/ 328.
(3) انظر الزهد لأحمد بن حنبل 469.
هذه هي أنواع التوسل الثلاثة، وأدلتها من الكتاب والسُنَّة، فليتق الله الذين يدْعُون أصحاب القبور، وليعلموا أنه تعالى النافع الضار الذى يُجيب دعوة الداع إذا دعاه، وإذا قال قائل: والله لقد دعوت عند قبر الشيخ الفلاني واستُجيب لي، أقول له: "كثيرًا ما نجد أدعية دعا بها قوم فاستُجيب لهم، ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورة مصاحبة، وإقبال على الله، أوحسنة تقدمت منه، فجعل الله - سبحانه وتعالى - إجابة دعوته شكرًا لحسنته، أوصادف وقت إجابة ونحوذلك، فأُجيبت دعوته، فيظن الظان أن السر فى لفظ الدعاء؛ فيأخذه مجردًا عن تلك الأمور التى قارنته من ذلك الداعي.
"وهذا كما إذا استعمل رَجُل دواءً نافعًا، في الوقت الذي ينبغي استعماله على الوجه الذي ينبغي، فانتفع به، فظن غيره أن استعمال هذا الدواء بمجرده كافٍ فى حصول المطلوب كان غالطًا، وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس، ومن هذا أنه قد يتفق دعاؤه باضطرار عند قبر، فيظن الجاهل أن السر للقبر، ولم يعلم أن السر للاضطرار وصدق اللجوء إلى الله، فإذا حصل ذلك فى بيت من بيوت الله كان أفضل وأحب إلى الله" (1).
شبهات الموسوعات العالمية
(1) الداء والدواء 1/ 16.

شبهة التوسل بالنبي
أخرج الطبراني في في المعجم الكبير (9\ 3.): «حدثنا طاهر بن عيسى بن قيرس المصري المقرىء ثنا أصبغ بن الفرج ثنا بن وهب عن أبي سعيد المكي (شبيب بن سعيد، صدوق يغرب) عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني (عمير بن يزيد) عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف» ... ثم سرد قصة طويلة في جواز التوسل برسول الله (ص) بعد موته.
ثم قال الطبراني: «حدثنا إدريس بن جعفر العطار ثنا عثمان بن عمر بن فارس ثنا شعبة عن أبي جعفر الخطمي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف عن النبي (ص)، نحوه».
وسرد هذا في المعجم الصغير (1\ 3.6) (وهوكتاب مخصص أصلاً لبيان التفرد في الحديث)، ثم قال: «لم يروه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد أبوسعيد المكي وهوثقة. وهوالذي يحدث عن بن أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأبلي. وقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي واسمه عمير بن يزيد وهوثقة. تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة. والحديث صحيح. وروى هذا الحديث عون بن عمارة عن روح بن القاسم عن محمد بن النكدر عن جابر رضي الله عنه. وَهِمَ فيه عون بن عمارة. والصواب حديث شبيب بن سعيد». قلت: عون بن عمارة، كان ضعيفاً. ذكره ابن حبان في المجروحين (2\ 197) ثم ذكر له هذا الحديث.
هذا حديثٌ باطلٌ بلا ريب (أي بهذه الصيغة مع القصة). فأول علامات بطلانه أن لا تجده في الصحيحين ولا تجده في السنن ولا في تجده في مسند أحمد. فهذه علامة نكارة شديدة فيه. ثم تنظر فتجده مروياً في معجم الطبراني الصغير وهوالمخصص لبيان الروايات التي فيها تفرد. وهذا الحديث له طريقين: الطريق الأول لم يروه إلا ابن وهب عن شبيب بن سعيد عن روح عن الخطمي عن أبي أمامة عن ابن حنيف.
شبيب بن سعيد هذا قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال (3\ 361): «صدوقٌ يُغرِب». وقال عنه ابن عدي في الكامل (4\ 31): «يُحَدّث عنه ابن وهب بالمناكير». وقال ابن المديني قريباً من هذا. ثم قال ابن عدي: «ولعل شبيب بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب من حفظه، فيغلط ويهِم. وأرجوأن لا يتعمد شبيب هذا الكذب». وكانت رواية ابنه عنه من كتابه لا من حفظه، فإنه سيئ الحفظ. ولذلك قال ابن حجر في تقريب التهذيب (1\ 263): «لا بأس بحديثه من رواية ابنه أحمد عنه، لا من رواية ابن وهب».
الطريق الثاني: تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة عن الخطمي عن أبي أمامة عن ابن حنيف. فهل يُعقل أن حديثاً عند قتادة لا يروه أحدٌ من أصحابه إلا عثمان، ثم لا يسمع أحدٌ من الأئمة (الحريصين على جمع حديث شعبة) هذا الحديث إلا الطبراني نقلاً عن شيخ متهم؟ فهذا من أعظم الأدلة على وضعه. والحديث طبعاً موجود عندهم لكن القصة التي معه غير موجودة. وهذا دليلٌ على وضعها. ولكن الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن شعبة كان فيه عمارة بن خزيمة بن ثابت بدلاً من أبي أمامة. فهذا دليلٌ على أن السند تمت سرقته. ثم ننظر لحال إدريس بن جعفر العطار، فإذا هوضعيف متهمٌ بالكذب. قال عنه الدراقطني (كما في سؤالات الحاكم ص1.6): «متروك»! وذكر له الذهبي في ميزان الاعتدال (1\ 317)، حديثاً وَضَعَه. وتبعه ابن حجر في لسان الميزان (1\ 332).
سنن الترمذي (5\ 569): حدثنا محمود بن غيلان حدثنا عثمان بن عمر حدثنا شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي (ص) فقال: «ادع الله أن يعافيني». قال: «إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهوخير لك». قال: «فادعه». قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن الدفع، ويدعوبهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة. إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي. اللهم فشفعه في». قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهوالخطمي. وعثمان بن حنيف هوأخوسهل بن حنيف».
وهذا حديثٌ فيه بعض الاضطراب. وقد أشار البخاري في تاريخه الكبير (6\ 2.9) إلى بعض الاختلاف على هذا الحديث. ورجح النسائي في السنن الكبرى (6\ 169) رواية هشام الدستوائي وروح بن القاسم، على رواية شعبة.
وإجمالاً فالحديث صححه بعض الحفاظ. ولذلك فإن الطبراني في معجمه الصغير، بعد أن أعلّ سندي القصة بالتفرد، قال: «والحديث صحيح». أي وأصل الحديث صحيح، وقد أخرجه الترمذي وغيره من أسانيد مختلفة. ولذلك فإن الحديث المرفوع صحيح، ولكن القصة التي أخرجها الطبراني موضوعة لا تصح. ولا يصح أي دليل على جواز التوسل بالرسول (ص) بعد وفاته. ويكفيك أن الصحابة -كما في صحيح البخاري- لما أجدبوا توسّلوا بالعباس (ر) ولم يتوسلوا برسول الله (ص). فهذا إجماعٌ من الصحابة كلهم على بطلان التوسل بغير الأحياء.
الإمام أبوحنيفة رضي الله عنه وأصحابه كانوا متشددين في تحريم التوسل بكل أنواعه.
قال الإمام أبوحنيفة: (لا ينبغي لاحد أن يدعوالله إلا به، والدعاء المأذون فيه، المأمور به، ما استفيد من قوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون) [الدر المختار من حاشية المختار 6/ 396 - 397].
وقال كذلك: (لا ينبغي لأحد أن يدعوا الله إلا به، وأكره أن يقول بمقاعد العز من عرشك، أوبحق خلقك)
لا شك في صحة الحديث، وإنما البحث الآن في هذه القصة التي تفرد بها شبيب بن سعيد كما قال الطبراني، وشبيب هذا متكلم فيه، وخاصة في رواية ابن وهب عنه، لكن تابعه عنه إسماعيل وأحمد ابنا شبيب بن سعيد هذا، أما اسماعيل فلا أعرفه، ولم أجد من ذكره، ولقد أغفلوه حتى لم يذكروه في الرواة عن أبيه، بخلاف أخيه أحمد فإنه صدوق، وأما أبوه شبيب فملخص كلامهم فيه: أنه ثقة في حفظه ضعف، إلا في رواية ابنه أحمد هذا عنه عن يونس خاصة فهوحجة، فقال الذهبي في "الميزان": (صدوق يغرب، ذكره ابن عدي في "كامله" فقال .. له نسخة عن يونس بن يزيد مستقيمة، حدث عنه ابن وهب بمناكير، قال ابن المديني: كان يختلف في تجارة إلى مصر، وكتابه صحيح قد كتبته عن ابنه أحمد. قال ابن عدي: كان شبيب لعله يغلط ويهم إذ حدث من حفظه، وأرجوأنه لا يتعمد، فإذا حدث عنه ابنه أحمد بأحاديث يونس فكأنه يونس آخر. يعني يجوَّد).
فهذا الكلام يفيد أن شبيباً هذا لا بأس بحديثه بشرطين اثنين: الأول: ان يكون من رواية ابنه أحمد عنه، والثاني: أن يكون من رواية شبيب عن يونس، والسبب في ذلك أنه كان عنده كتب يونس بن يزيد، كما قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" عن أبيه (2/ 1/359)، فهوإذا حدث من كتبه هذه أجاد، وإذا حدث من حفظه وهوكما قال ابن عدي، وعلى هذا فقول الحافظ في ترجمته من "التقريب": (لا بأس بحديثه من رواية ابنه أحمد عنه، لا من رواية ابن وهب) فيه نظر، لأنه أوهم أنه لا بأس بحديثه من رواية أحمد مطلقاً، وليس كذلك، بل هذا مقيد بأن يكون من روايته هوعن يونس لما سبق، ويؤيده أن الحافظ نفسه أشار لهذا القيد، فإنه أورد شبيباً هذا في "من طعن فيه من رجال البخاري" من "مقدمة فتح الباري" (ص133) ثم دفع الطعن عنه - بعد أن ذكر من وثقه وقول ابن عدي فيه - بقوله: (قلت: أخرج البخاري من رواية ابنه عنه عن يونس أحاديث، ولم يخرج من روايته عن غير يونس، ولا من رواية ابن وهب عنه شيئاً).
فقد أشار رحمه الله بهذا الكلام إلى أن الطعن قائم في شبيب إذا كانت روايته عن غير يونس، ولومن رواية ابنه أحمد عنه، وهذا هوالصواب كما بينته آنفاً، وعليه يجب أن يحمل كلامه في "التقريب" توفيقاً بين كلاميه، ورفعاً للتعارض بينهما.
إذا تبين هذا يظهر لك ضعف هذه القصة، وعدم صلاحية الاحتجاج بها. ثم ظهر لي فيها علة أخرى وهي الاختلاف على أحمد فيها، فقد أخرج الحديث ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (ص2.2) والحاكم (1/ 526) من ثلاثة طرق عن أحمد بن شبيب بدون القصة، وكذلك رواه عون بن عمارة البصري ثنا روح ابن القاسم به، أخرجه الحاكم، وعون هذا وإن كان ضعيفاًً، فروايته أولى من رواية شبيب، لموافقتها لرواية شعبة وحماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي.
إسماعيل بن شبيب وقيل بن شيبة الطائفي: واه روى عن ابن جريج عن عطاء بن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: "الحجامة من الجنون والجذاب والبرص والأضراس والنعاس". وقال صلى الله عليه وسلم: "من سنن المرسلين الحياء والحلم والحجامة والسواك والتعطر وكثرة الأزواج". وقال: "للنار باب لا يدخل منه إلا من شفى غيظه بسخط الله". رواها عنه قدامة بن محمد الأشجعي قال النسائي منكر الحديث انتهى وقال العقيلي إسماعيل بن شبيب الطائفي أحاديثه مناكير غير محفوظة من حديث ابن جريج وساق الأحاديث الثلاثة وزاد رابعاً وهو: "أيما رجل ولي من أمر المسلمين". وخامساً: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه". ساق الجميع بإسناد واحد. وذكره ابن حبان في الثقات وقال يتقي حديثه من رواية قدامة عنه وقال العقيلي: روى عن ابن جريج أحاديث مناكير لا تحفظ من وجه يثبت ورجح النباتي في الحافل أنه إسماعيل بن إبراهيم بن شيبة الذي تقدم ذكره وأن العقيلي صحفه ونسبه إلى جده وذكره بن عدي فقال إسماعيل بن شيبة الطائفي يروي عن ابن جريج ما لا يرويه غيره ثم ساق الحديث الرابع الذي ساقه العقيلي من رواية قدامة عنه ثم قال هذا غير محفوظ ثم ساق بسند آخر إلى قدامة بهذا السند. قال فذكر خمسة أحاديث غير محفوظة وأخرج في ترجمته أيضاً من طريق هارون بن موسى بن هارون عن أبيه عن إسماعيل بن إبراهيم بن شيبة الطائفي بالسند المذكور "لا وصية لوارث". ثم قال: وإسماعيل بن إبراهيم هذا لا أعلم له رواية عن غير ابن جريج فقوي قول صاحب الحافل والله أعلم.
لسان الميزان لابن حجر
حدث الاعمى
فعن عثمان بن حنيف، أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ادع الله أن يعافيني.
قال: " إن شئتَ دعوتُ، وإن شئت صبرت فهوخير لك ".
قال: فادعه.
قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويدعوبهذا الدعاء:
" اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتُقضى لي، اللهم فشفعه في ".
الحديث أخرجه أحمد في " مسنده " (4/ 138)، والبخاري في " التاريخ الكبير " (6/ 21.)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (659)، والترمذي في " سننه " (5/ 569 / 3578)، وابن ماجه في " سننه " (1/ 441 / 1385)، وابن خزيمة في " صحيحه " (2/ 225 - 226/ 1219)، وعبد بن حميد في " المنتخب " (1/ 341 / 379)، وابن أبي حاتم في " العلل " (2/ 189 - 19./ 2.64)، والطبراني في " المعجم الكبير " (9/ 31 - 23/ 8311)، و" الدعاء " (2/ 1289 - 129./ 1.51)، وأبونعيم في " معرفة الصحابة " (4/ 1958 / 4926)، والحاكم في " المستدرك " (1/ 313)، وابن قانع في " معجم الصحابة " (2/ 257 - 258)، والبيهقي في " دلائل النبوة " (6/ 166)، والمزي في " تهذيب الكمال " (19/ 359).
من طريق شعبة، عن أبي جعفر الخطمي، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن عثمان بن حنيف، به.
قال الترمذي: " حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه ".
وقال الطبراني في " المعجم الصغير " (1/ 3.7 - الروض الداني): " تفرد به عثمان بن عمر بن فارس بن شعبة، والحديث صحيح ".
قلت: لم يتفرد به، بل تابعه روح بن عبادة، عن شعبة، به.
أخرجه أحمد في " مسنده " (4/ 138)، وأبونعيم في " معرفة الصحابة " (4/ 1959 / 4927).
ولذلك قال ابن تيمية في " التوسل والوسيلة " (ص 113): "والطبراني ذكر تفرده بمبلغ علمه، ولم تبلغه رواية روح بن عبادة عن شعبة، وذلك إسناد صحيح ".
والحديث صحح إسناده أيضاً الشوكاني في " تحفة الذاكرين " (ص 231)، والألباني في " التوسل " (ص 9.).
قلت: وهوكما قالوا؛ عمارة بن خزيمة وثقه النسائي وابن حبان (تهذيب التهذيب 4/ 261).
وأبي جعفر الخطمي وثقه ابن معين والنسائي وابن حبان والعجلي والطبراني وابن نمير (تهذيب التهذيب 4/ 412 - 413).
وخالفه حماد بن زيد فرواه عن أبي جعفر الخطمي، به، وزاد: "وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك ".
أخرجه أحمد في " مسنده " (4/ 138)، والبخاري في " التاريخ الكبير " (6/ 2.9 - 21.)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (658)، وابن أبي خيثمة في " تاريخه " كما في " التوسل والوسيلة " لابن تيمية (ص 113).
وهذه الزيادة شاذة؛ فإن شعبة أوثق من حماد بن سلمة، وقد أعل هذه الزيادة ابن تيمية في " التوسل والوسيلة " (ص 113 - 114)، وأقره الألباني في " التوسل " (ص 9.).
وهذه الزيادة لم تصح وعلى فرض ثبوتها فإنها لا تدل على جواز بذات النبي - صلى الله عليه وسلّم - لاحتمال أن يكون المراد فافعل مثل ذلك من التوضؤ والدعاء وغير ذلك.
أوأن هذه اللفظ مدرجة من عثمان بن حنيف على ما فهم، وقد خالفه من هوأعلم منه من الصحابة وهم عمر ومن معه من الصحابة عندما استسقوا بالعباس والحديث رواه البخاري (2/ 574 و7/ 96 - فتح).
وخالف شعبة وحماد، هشام الدستوائي، فرواه: عن أبي جعفر، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عمه، به.
أخرجه البخاري في " التاريخ الكبير " (6/ 21.)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (66.).
وهذا الإسناد صحيح.
وتابع هشام الدستوائي، روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي به.
أخرجه ابن حبان في " المجروحين " (2/ 197)، والحاكم في " المستدرك " (1/ 526)، وأبونعيم في " معرفة الصحابة " (4/ 169. / 4929).
من طريق عون بن عمارة، عن روح بن القاسم، به.
وإسناده ضعيف؛ عون بن عمارة قال البخاري: " يعرف وينكر "، وقال أبوزرعة: " منكر الحديث "، وضعفه أبوداود (تهذيب التهذيب 4/ 427).
وتابع عوناً، شبيب بن سعيد، عن روح بن القاسم، به.
أخرجه الحاكم في " المستدرك " (1/ 526 - 527)، وابن السني في " عمل اليوم والليلة " (628)، والبيهقي في " دلائل النبوة " (6/ 167 و168)، وعبدالغني المقدسي في " الترغيب في الدعاء " (62).
من طريق أحمد بن شبيب بن سعيد، عن أبيه، عن روح بن القاسم، به.
أحمد بن شبيب، قال أبوحاتم: " صدوق "، ووثقه ابن حبان (تهذيب التهذيب 1/ 27).
وتابعه إسماعيل بن شبيب، عن أبيه، به.
أخرجه البيهقي في " دلائل النبوة " (1/ 167 - 168).
وإسماعيل هذا لم أقف على ترجمته، وكنت أظن أنه تحريف في المطبوع من " الدلائل "، ولكن وجدت ابن تيمية نقله هكذا في " التوسل والوسيلة " (ص 1.9).
وشبيب بن سعيد ضعيف إلا في حديث ابنه عنه عن يونس - كما بيّن الألباني في " التوسل " (ص 94 - 95) -، وهذا ليس من حديثه عن يونس.
وخالف أحمد وإسماعيل ابنا شبيب، ابن وهب، عن شبيب بن سعيد، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر الخطمي، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عمه عثمان بن حنيف:
أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصلي فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك - جل وعز -، فيقضي لي حاجتي، فصنع ما قال له عثمان، ثم أتى باب عثمان، فجاء البواب حتى أخذ بيده، فأدخله عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته، فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فأتنا، ثم أن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيراً! ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: والله! ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأتاه ضرير، فشكا عليه ذهاب بصره، فقال له النبي - صلى الله عيه وآله وسلم -: " أفتصبر؟ "، فقال: يا رسول الله! إنه ليس لي قائد، وقد شق علي، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إيت الميضأة، فتوضأ، ثم صل ركعتين، ثم ادع بهذه الدعوات ".
قال عثمان: فوالله! ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط.
أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير " (6/ 21.)، وابن أبي حاتم في " العلل " (2/ 19. / 2.64)، والطبراني في " المعجم الكبير " (9/ 3. - 31/ 8311)، و" المعجم الصغير " (1/ 3.6 - 3.7/ 5.8 - الروض الداني)، و" الدعاء "، وأبونعيم في " معرفة الصحابة " (4/ 1959 - 196./ 4928)، وابن قانع في "معجم الصحابة " (2/ 258).
قال الطبراني: " لم يروه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد أبوسعيد المكي وهوثقة، وهوالذي يحدث [عنه] أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأبلي ".
وهذا منكر، فإن ابن وهب حدّث عن شبيب بمناكير كما قال ابن عدي في " الكامل " (4/ 3.).
وأيضاً فإن طرق الحديث الأخرى ليس فيها ذكر لهذه القصة.
وحكم بنكارة هذه القصة الألباني في " التوسل " (ص 95)، وأعلها ابن تيمية في " التوسل والوسيلة " (ص 11. - 112).
الخلاصة: أن الحديث صحيح، وقد صحح أبوزرعة حديث شعبة، وخالفه ابن المديني (الدعاء للطبراني 2/ 129.) وابن أبي حاتم فصحح حديث هشام الدستوائي وروح بن القاسم (العلل 2/ 189 - 19.)، وعندي أن الحديث محفوظ على الوجهين.
ومعنى قوله: " أتوجه إليك بنبيك - صلى الله عليه وسلّم - " أي بدعائه، كما في قول عمر الذي رواه البخاري: " كنا نتوسل إليك بنبينا "، أي: بدعائه، وليس بذاته وإلا لما عدل عنه وتوسل بدعاء العباس.

السؤال : مر بي وأنا أقرأ في صحيح الجامع الصغير حديث (1279) (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة ، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي ، اللهم فشفعه في) وقد أشكل علي فهم الحديث ، فهل يكون فيه دليل لمن يتوسلون بالأموات من عبّاد القبور ونحوهم ؟ وكيف يجاب عن هذا الحديث ؟

الجواب : 
الحمد لله 
أخرج الإمام أحمد وغيره بسند صحيح عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ادع الله أن يعافيني . فقال صلى الله عليه وسلم : (إن شئت دعوت لك ، وإن شئت أخّرتُ ذاك ، فهو خير لك. [وفي رواية : (وإن شئتَ صبرتَ فهو خير لك)] ، فقال : ادعهُ. فأمره أن يتوضأ ، فيحسن وضوءه ، فيصلي ركعتين ، ويدعو بهذا الدعاء : اللهم إني أسألك ، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة ، يا محمد إني توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه ، فتقضى لي ، اللهم فشفّعه فيَّ وشفّعني فيه) . قال : ففعل الرجل فبرأ .
وقد أشكل هذا الحديث على بعض الناس وظنوا أن فيه حجة على بعض أنواع التوسل البدعي ، وليس الأمر كذلك .
وقد أجاب عن الإشكال الذي قد يفهم من هذا الحديث كثير من أهل العلم ، وبينوا أنه لا حجة فيه لأحد ممن يرى التوسل البدعي ، سواء كان بالذات أو بالجاه ، فضلا عن التوسل بالأموات ودعائهم من دون الله ، ومن أحسن الردود العلمية المحكمة ما سطره العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في كتابه "التوسل أنواعه وأحكامه" فكان مما قاله رحمه الله تعليقا على هذا الحديث :
"وأما نحن فنرى أن هذا الحديث لا حجة لهم فيه على التوسل بالذات ، بل هو دليل آخر على النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع ـ وهو التوسل بدعاء الرجل الصالح ـ لأن توسل الأعمى إنما كان بدعائه صلى الله عليه وسلم ؛ والأدلة على ما نقول من الحديث نفسه كثيرة ، وأهمها : 
أولاً: أن الأعمى إنما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليدعو له ، وذلك قوله : ( ادعُ الله أن يعافيني ) فهو توسل إلى الله تعالى بدعائه ، لأنه يعلم أن دعاءه صلى الله عليه وسلم أرجى للقبول عند الله بخلاف دعاء غيره ، ولو كان قصد الأعمى التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم أو جاهه أو حقه لما كان ثمة حاجة به إلى أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ، ويطلب منه الدعاء له ، بل كان يقعد في بيته ، ويدعو ربه بأن يقول مثلاً : ( اللهم إني أسألك بجاه نبيك ومنزلته عندك أن تشفيني، وتجعلني بصيراً). ولكنه لم يفعل .
ثانياً : أن النبي صلى الله عليه وسلم وعده بالدعاء مع نصحه له ببيان ما هو الأفضل له ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : (إن شئت دعوتُ ، وإن شئت صبرت فهو خير لك). 
ثالثاً : إصرار الأعمى على الدعاء وهو قوله : (فادع) فهذا يقتضي أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا له ، لأنه صلى الله عليه وسلم خيرُ من وَفَى بما وعد ، وقد وعده بالدعاء له إن شاء كما سبق ، فلا بد أنه صلى الله عليه وسلم دعا له ، فثبت المراد ، وقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم الأعمى بدافع من رحمته ، وبحرص منه أن يستجيب الله تعالى دعاءه فيه ، وجهه إلى النوع الثاني من التوسل المشروع ، وهو التوسل بالعمل الصالح ، ليجمع له الخير من أطرافه ، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يدعو لنفسه ، وهذه الأعمال طاعة لله سبحانه وتعالى يقدمها بين يدي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له ، وهي تدخل في قوله تعالى : (وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ ) كما سبق .
وعلى هذا ، فالحادثة كلها تدور حول الدعاء – كما هو ظاهر – وليس فيها ذكر شيء مما يزعمون .
رابعاً : أن في الدعاء الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه أن يقول : ( اللهم فشفعه في ) وهذا يستحيل حمله على التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم ، أو جاهه ، أو حقه ، إذ إن المعنى : اللهم اقبل شفاعته صلى الله عليه وسلم فيّ ، أي : اقبل دعاءه في أن ترد عليَّ بصري ، والشفاعة لغةً الدعاء ، قال في "لسان العرب" (8/184) : "الشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره ، والشافع الطالب لغيره ، يتشفع به إلى المطلوب ، يقال تشفعت بفلان إلى فلان ، فشفعني فيه" انتهى .
فثبت بهذا الوجه أيضاً أن توسل الأعمى إنما كان بدعائه صلى الله عليه وسلم لا بذاته .
خامساً : أن مما علم النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأعمى أن يقوله : ( وشفعني فيه ) أي : اقبل شفاعتي ، أي دعائي في أن تقبل شفاعته صلى الله عليه وسلم ، أي دعاءه في أن ترد علي بصري . هذا المعنى الذي لا يمكن أن يفهم من هذه الجملة سواه .
ولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها ، ولا يتعرضون لها من قريب أو من بعيد ، لأنها تنسف بنيانهم من القواعد ، وتجتثه من الجذور .
سادساً : إن هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه المستجاب ، وما أظهره الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات ، فإنه بدعائه صلى الله عليه وسلم لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره ، ولذلك رواه المصنفون في "دلائل النبوة" كالبيهقي وغيره ، فهذا يدل على أن السر في شفاء الأعمى إنما هو دعاء النبي صلى الله عليه وسلم .
فلو كان السر في شفاء الأعمى أنه توسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم وقدره وحقه ، كما يفهم عامة المتأخرين ، لكان من المفروض أن يحصل هذا الشفاء لغيره من العميان الذين يتوسلون بجاهه صلى الله عليه وسلم ، بل ويضمون إليه أحياناً جاه جميع الأنبياء المرسلين ، وكل الأولياء والشهداء والصالحين ، وجاه كل من له جاه عند الله من الملائكة ، والإنس والجن أجمعين ! ولم نعلم ولا نظن أحداً قد علم حصول مثل هذا خلال القرون الطويلة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم إلى اليوم .
وبهذا التوضيح يتبين أن قول الأعمى في دعائه : (اللهم إني أسألك ، وأتوسل إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم) إنما المراد به : أتوسل إليك بدعاء نبيك ، أي على حذف المضاف ، وهذا أمر معروف في اللغة ، كقوله تعالى : (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) يوسف/82 ، أي : أهل القرية وأصحاب العير . 
على أنني أقول : لو صح أن الأعمى إنما توسل بذاته صلى الله عليه وسلم ، فيكون حكماً خاصاً به صلى الله عليه وسلم ، لا يشاركه فيه غيره من الأنبياء والصالحين ، وإلحاقهم به مما لا يقبله النظر الصحيح ، لأنه صلى الله عليه وسلم سيدهم وأفضلهم جميعاً ، فيمكن أن يكون هذا مما خصه الله به عليهم ككثير مما صح به الخبر ، وباب الخصوصيات لا تدخل فيه القياسات ، فمن رأى أن توسل الأعمى كان بذاته لله ، فعليه أن يقف عنده ، ولا يزيد عليه كما نقل عن الإمام أحمد والشيخ العز بن عبد السلام رحمهما الله تعالى . هذا هو الذي يقتضيه البحث العلمي مع الإنصاف ، والله الموفق للصواب " انتهى باختصار من "التوسل" ( ص 75 وما بعدها) .
والله أعلم


عدد مرات القراءة:
232
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :