آخر تحديث للموقع :

الثلاثاء 16 صفر 1441هـ الموافق:15 أكتوبر 2019م 10:10:56 بتوقيت مكة
   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

الانتصار للصحب والآل من افتراءات السماوي الضال ..
الكاتب : إبراهيم الرحيلي
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الانتصار للصحب والآل
من افتراءات السماوي الضال
 
القسم الأول
الرد عليه في كتابه ثم اهتديت
 
 
الدكتور/ إبراهيم بن عامر الرحيلي
 
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله ربه بالرحمة والخير والهدى، وأظهر دينه على سائر أديان الورى، وأيده بصحابته، أولي الأحلام والنهى، ومصابيح الدّجى، فجعلهم رحمة للمؤمنين وغيظاً للكافرين، لا يحبهم إلا مؤمن تقي، ولا يبغضهم إلا منافق غوي.
أما بعد:
[مكائد الأعداء ضد الإسلام]:-
فلا زال أعداء الإسلام على مختلف أديانهم ومشاربهم، يكيدون للإسلام وأهله، منذ أن أظهر الله هذا الدين، وأعز أتباعه. يحملهم على ذلك الحسد والغيرة، والحقد والضغينة، التي امتلأت بها قلوبهم على أهل هذا الدين، فتنوعت أساليبهم في حرب هذا الدين، وتعددت مكايدهم؛ وذلك بعد أن فشلوا في المواجهة العسكرية، واندحروا خائبين أمام الجيوش الإسلامية، فكان من بين تلك المكايد:ما استهدف الخلفاء والأمراء بالقتل غيلة وغدراً؛ حيث كان أول الضحايا: ثلاثة من الخلفاء الراشدين هم: عمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم فعمر قتله مجوسي حاقد. وعثمان قُتل على إثر مؤامرة يهودية تولى كبرها عبد الله بن سبأ اليهودي. وعلي قتله مبتدع مارق، من أتباع ذي الخويصرة، الذي طعن في النبي صلى الله عليه وسلم واتهمه بعدم العدل في القسم يوم حنين([1])
ومن صور تلك المكايد: السعي في الوقيعة بين المسلمين، وبث الفرقة والاختلاف بين صفوفهم بالكذب والتزوير على الخلفاء والأمراء، وإيغار صدور العامة عليهم؛ وبالتلبيس على الناس بشتى أنواع الحيل وأصناف المكر، كما فعل ابن سبأ الذي أخذ يجوب الأقطار في عهد عثمان، مؤلباً الناس على الخليفة، مظهراً الطعن عليه، وعلى أمرائه باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان مقتل عثمان رضي الله عنه أولى جذوات هذه الفتنة، ثم ما نتج عنه من اختلاف في الأمة وتفرق، واقتتال وتمزق.
لكن الجانب الأخطر لهذه الفتنة والمكيدة العظمى لأعداء الدين: هو زعزعة العقيدة الصحيحة في نفوس المسلمين، وذلك بما أظهره هذا اليهودي الماكر في الأمة من الدعوة إلى موالاة أهل البيت ومحبتهم، مدعياً أنهم أولى الناس بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فهم أهل بيته، وقرابته، وأحق الناس بتصريف أمر الأمة من بعده. ثم ما لبث أن دعا إلى القول بالوصية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى علي بالخلافة ونص عليه نصاً جلياً، وأن الصحابة قد اغتصبوا الخلافة وظلموا علياً بإقصائه عنها، فأظهر البراءة من الخلفاء الثلاثة السابقين لعلي في الخلافة ودعا الناس إلى ذلك.
ثم بعد موت علي رضي الله عنه أظهر القول بالرجعة وزعم أن علياً لم يمت وأنه سيعود قبل قيام الساعة وينتقم من أعدائه([2]).
فكانت هذه الدعوة اليهودية المغلفة بستار محبة أهل البيت وموالاتهم هي الأساس الذي انبنت عليه عقيدة الرافضة.
[أقوال العلماء في نشأة الرافضة]:-
ولهذا نص العلماء المحققون في الفرق والمقالات: أن الرافضة ترجع في نشأتها إلى اليهود وأن أول من ابتدع الرفض في الإسلام هو عبد الله بن سبأ اليهودي.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وقد ذكر أهل العلم: أن مبدأ الرفض إنما كان من الزنديق عبد الله بن سبأ؛ فإنه أظهر الإسلام، وأبطن اليهودية، وطلب أن يفسد الإسلام كما فعل بولس النصراني الذي كان يهودياً في إفساد دين النصارى).([3]).
وهذه الحقيقة قد اعترف بها كبار علماء الرافضة المتقدمين كالأشعري القمي، والكشي، والنوبختي، ومن المتأخرين المامقاني، حيث أوردوا في كتبهم هذا النص: (وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي عليه السلام: أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم، ووالى علياً عليه السلام. وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى عليه السلام بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك، وهو أول من أظهر القول بفرض إمامة علي عليه السلام وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه فمن هناك قال من خالف الشيعة: إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية).([4])
والأثر اليهودي في عقيدة الرافضة ظاهر من خلال التشابه الكبير بينهما في العقيدة، فما عقيدة الوصية، والرجعة، والبداء، والتقية، التي هي أصول عقيدة الرافضة، إلا أمثلة واقعية لصلة عقيدة الرافضة باليهود.
وما جرأة الرافضة على كتاب الله بالتحريف، وكثرة الكذب فيهم، والنفاق، والطعن في خيار الأمة بالظلم والعدوان، وعدم اعتدال الرافضة في حب ولا بغض، إلا أخلاق يهودية موروثة.
وقد نبه العلماء على ذلك قديماً وحديثاً في نصوص كثيرة ليس هذا موضع ذكرها([5]) ولكن المقصود هنا: بيان أن هذه الطائفة هي من أشد الفرق المنتسبة للإسلام: بدعة وضلالاً، لنشأتها الغريبة عن الإسلام، وبعد عقيدتها عن حقائق الإيمان.
ولذا حذر علماء الإسلام من الرافضة أشد ما يكون التحذير، وذموهم بما لم يذموا به طائفة أخرى، وما ذلك إلا لما اطّلعوا عليه من عظيم خطرهم على الأمة، وبعدهم عن الدين.
فعن عامر الشعبي أنه قال: (أحذركم الأهواء المضلة، وشرّها الرافضة. وذلك أن منهم يهوداً يغمصون الإسلام لتحيا ضلالتهم، كما يغمص بولس بن شاول ملك اليهود النصرانية لتحيا ضلالتهم...لم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله، ولكن مقتاً لأهل الإسلام).([6])
وعن طلحة بن مصرّف أنه قال: (الرافضة لا تنكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم؛ لأنهم أهل ردة).([7])
وسئل الإمام مالك عن الرافضة فقال: (لا تكلمهم ولا ترو عنهم فإنهم يكذبون).([8])
وعن أبي يوسف أنه قال: (لا أصلي خلف جهمي، ولا رافضي، ولا قدري).([9])
وعن الإمام الشافعي أنه قال: (لم أر أحداً من أصحاب الأهواء أكذب في الدعوى، ولا أشهد بالزور من الرافضة).([10])
وقال القاسم بن سلام: (عاشرت الناس، وكلمت أهل الكلام، وكذا، فما رأيت أوسخ وسخاً، ولا أقذر قذراً، ولا أضعف حجة، ولا أحمق من الرافضة).([11])
وعن الإمام أحمد أنه سئل عمن يشتم أبا بكر وعمر وعائشة قال: (ما أراه على الإسلام).([12])
وعن الإمام البخاري أنه قال: (ما أبالي صليت خلف الجهمي والرافضي، أم صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يُسلم عليهم، ولا يُعادون، ولا يُناكحون، ولا يُشهدون، ولا تُؤكل ذبائحهم).([13])
ويقول شيخ الإسلام في معرض حديثه عن الرافضة في منهاج السنة: (والله يعلم، وكفى بالله عليماً، ليس في جميع الطوائف المنتسبة إلى الإسلام مع بدعة وضلالة، شر منهم.. لا أجهل، ولا أكذب، ولا أظلم، ولا أقرب إلى الكفر والفسوق والعصيان، وأبعد عن حقائق الإيمان منهم).([14])
وأقوال العلماء في ذمهم كثيرة مشهورة، وإنما ذكرت هنا أمثلة. وقد جمعت طائفة كبيرة منها في مبحث مستقل من هذا الكتاب، مراعياً التنويع في النقل، بحسب اختلاف الأعصار والأمصار ليعلم إجماع الأمة قاطبة على ذم الرافضة والتحذير منهم.([15])
[مكامن خطر الرافضة]:-
ويكمن خطر الرافضة على الأمة في عدة أمور:
الأول: أنهم أصحاب دعوة لعقيدتهم، وهذه الدعوة تتستر بمحبة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فيستغلون عاطفة المسلمين تجاه أهل البيت في بث أفكارهم وعقيدتهم الفاسدة.
الثاني: أنهم يدينون بالتقية، التي هي النفاق المحض، فيخدعون المسلمين بما يظهرون لهم من الموافقة، والمحبة، والمناصرة، ولا يصرحون بعقيدتهم الحقيقية، فانخدع بهم من انخدع من أهل السنة، وخالطوهم في المجالس والمساكن، ومالت نفوسهم إليهم، حتى وصل الحال ببعضهم إلى موالاتهم ومحبتهم، بل الارتكاس في عقيدتهم.
الثالث: أنهم يكذبون في نقلهم وأخبارهم، يستحلون الكذب انتصاراً لمعتقدهم؛ ولهذا جاءت كتبهم مليئة بالروايات الموضوعة على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى ألسنة أئمة أهل البيت، بل تطاولوا على كتاب الله بالتحريف والتبديل، استدلالاً لباطلهم وترويجاً لبدعتهم، فخدعوا بعض العامة بذلك ولبسوا عليهم في أصل دينهم.
الرابع: أن للرافضة في دعوتهم أساليب ماكرة، يلبسون بها على الناس، ويخدعونهم بها، وهذه الأساليب كثيرة جداً، تتلون في كل عصر بما يناسبه، وكلما ظهر الناس على شيء منها وفضحوهم بها، انتقلوا إلى أسلوب آخر، وحيلة جديدة شأنهم في ذلك شأن اليهود.
فمن أساليبهم الماكرة: إطلاقهم الألقاب أو الكنى التي اشتهر بها علماء أهل السنة، على بعض علمائهم تلبيساً على الناس. وبالتالي قد ينسب الناس لذلك الإمام المشهور أقوال ذلك الرافضي.
مثل: إطلاقهم السدّي على أحد علمائهم وهو: محمد بن مروان موافقة للإمام المشهور وهو: إسماعيل بن عبد الرحمن السدي ففرّق العلماء بينهم بإطلاق (السدّي الكبير): على الإمام السني. وإطلاق (السدّي الصغير) على الرافضي، وإن كان حصل لبعض الناس لبس في ذلك، فنسب ذلك الإمام الجليل للتشيع وهو منه بريئ.([16])
وكإطلاقهم الطبري على محمد بن رستم أحد علمائهم وتكنيته بأبي جعفر مضاهاةً للإمام الجليل: محمد بن جرير الطبري فاجتمع معه في الاسم، والكنية، واللقب، فلبسوا بذلك تلبيساً عظيماً، حتى إن الإمام الحافظ: أحمد بن علي السليماني نسب الإمام الطبري للرفض وهو من أبعد الناس عن ذلك، لكن السليماني اختلط عليه الإمام بالرافضي وقد أشار إلى ذلك الذهبي رحمه الله.([17])
وكذلك إطلاقهم على أحد علمائهم المسمى بعبد الله بن قتيبة مشابهة بعبد الله بن مسلم بن قتيبة، من كبار علماء أهل السنة وثقاتهم. وزيادة في التلبيس قام هذا الرافضي بتأليف كتاب سماه المعارف على غرار كتاب المعارف لابن قتيبة رحمه الله.([18])
ومن أساليبهم أيضاً: أنهم يؤلفون بعض الكتب وينسبونها إلى أحد أئمة أهل السنة، ويذكرون فيها بعض المفتريات مما يوجب الطعن على أهل السنة، كالمختصر المنسوب إلى الإمام مالك، الذي صنفه أحد الشيعة فذكر فيه أن مالك العبد يجوز له أن يلوط به.([19])
ومن مكايدهم: أنهم يزيدون بعض الأبيات في شعر أحد أئمة أهل السنة، مما يؤذن بتشيعه، كما ألحق بعض الرافضة المتقدمين بما نسب إلى الإمام الشافعي من أبيات فيها:
يا راكباً قف بالمحصب من منى        واهتف بساكن خيفها والناهض
فألحق الرافضي بها:
قف ثم ناد بأنني لمحمد        ووصيه ونبيه لست بباغض
أخبرهم أني من النفر الذي   لولاء أهل البيت لست بناقض
وقل ابن إدريس بتقديم الذي قدّمتموه على علي مارضي
([20])
ولا يخفى ما في هذه الأبيات من الركاكة التي تقطع ببطلان نسبتها إلى الإمام الشافعي رحمه الله.
فلهذه الأوجه وغيرها تعد الرافضة من أخطر الفرق على الأمة، وأشدها فتنة وتضليلاً، خصوصاً على العامة الذين لم يقفوا على حقيقة أمرهم، وفساد معتقدهم.
والرافضة في هذا العصر، قد أحدثوا حيلاً جديدة لاصطياد من لا علم عنده من أهل السنة، والتأثير عليه بعقيدتهم الفاسدة الكاسدة.
فمن ذلك ما أحدثوه من دعوة التقريب بين السنة والشيعة، والدعوة إلى تناسي الخلافات بين الطائفتين. وما هذه الدعوة إلا ستار جديد للدعوة للرفض، ونشر هذه العقيدة الفاسدة بين صفوف أهل السنة، وإلا فالرافضة لا يقبلون التنازل عن شيء من عقيدتهم. لكن هذه الدعوة ما لبثت أن باءت بالفشل بحمد الله وتوفيقه، ثم بجهود العلماء المخلصين الذين حذروا من هذه المكيدة وأفسدوها.
[حقيقة التيجاني السماوي وكتبه]:-
ثم إنه في السنوات الأخيرة وبعد فشل دعوة التقريب، رأينا الرافضة تظهر بوجهها الحقيقي، في أسلوب ماكر جديد، ممثلة في رجل مجهول لا يعرف له ذكر في العلم، فادّعى أنه كان سنياً وأن الله هداه إلى عقيدة الرفض ثم أخذ يصحح عقيدة الرافضة، ويدعو لها، ويطعن في عقيدة أهل السنة وينفر الناس منها، هذا مع القدح العظيم في الصحابة الكرام، ورميهم بالكفر والردة عن الإسلام، وذلك عن طريق تأليفه جمعاً من الكتب بثها في الناس بعد أن شحنها بالأكاذيب والأباطيل والدس والتضليل.
هذا الرجل هو من يعرف باسم الدكتور محمد التيجاني السماوي وقد ذكر هو في حديثه عن نفسه أنه من تونس. وقد جاء على أغلفة كتبه تحت ذكر اسمه عبارة (دكتوراه في الفلسفة من جامعة السربون بباريس) وبلغني أنه الآن يعيش في بلجيكا بعد أن طُرد من تونس وكتبه هي:
1- ثم اهتديت.
2- لأكون مع الصادقين.
3- فاسألوا أهل الذكر.
4- الشيعة هم أهل السنة.
الأول منها يقع في (223) صفحة، والثاني في (348) صفحة، والثالث في (354)، والرابع في (327) صفحة. كلها من الحجم المتوسط، وهي من نشر مؤسسة الفجر بلندن.
وقد قرأت هذه الكتب فتبين لي من خلال قراءتها ما يلي:
1- أن المؤلف ليس من أهل العلم، بل هو جاهل بالشرع وعلومه وغاية ما يكون عليه حاله -مع حسن الظن- أنه ممن تربى على المدارس الفكرية المعاصرة، وهذا ظاهر من خلال أسلوبه في عرض المسائل، وتعامله مع النصوص وطريقته في الاستدلال، وعدم تمييزه بين الأحاديث الصحيحة من الضعيفة، حيث يصحح الأحاديث أحياناً، إما عن طريق العقل، أو لمجرد ورودها في كتب السنة.
ومما يؤكد جهله ما صرح به ضمن حديثه عن نفسه من أنه لم يشتر صحيح البخاري ومسلم، وأشهر كتب الأحاديث الأخرى، ولم يعرفها إلا بعد رجوعه من العراق واتصاله ببعض علماء الرافضة الذين ذكروا له -بزعمه- بعض المطاعن في الصحابة من الصحيحين فاشترى هذه الكتب للتأكد من ذلك. يقول: (سافرت إلى العاصمة، ومنها اشتريت صحيح البخاري وصحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد، وصحيح الترمذي، وموطأ مالك، وغيرها من الكتب الأخرى المشهورة، ولم أنتظر الرجوع إلى البيت، فكنت طوال الطريق بين تونس وقفصة وأنا راكب في حافلة النقل العمومية أتصفح كتاب البخاري وأبحث عن رزية الخميس).([21])
2- المؤلف في عقيدته الجديدة -التي يزعم أنه اهتدى إليها- رافضي جلد، يقرر عقيدة الرافضة بكل صراحة، وينتصر لها، ويعلن انتسابه إليها، والبراءة من السنة والصحابة، الذين يصرح باعتقاده ردتهم إلا القليل منهم.
حيث يقول: (قرأت الكثير حتى اقتنعت بأن الشيعة الإمامية على حق، فتشيعت، وركبت على بركة الله سفينة أهل البيت، وتمسكت بحبل ولائهم، لأني وجدت بحمد الله البديل عن بعض الصحابة الذين ثبت عندي أنهم ارتدوا على أعقابهم، ولم ينج منهم إلا القليل).([22])
3- لم يلتزم المؤلف في كتبه بالمنهج العلمي في التأليف، لا من حيث توثيق المعلومات من مصادرها، ولا من حيث طريقة عرض المسائل وترتيبها تحت أبواب أو فصول مراعياً وحدة الموضوعات وترابطها، بل جاءت كتبه خالية من أي توثيق للمعلومات والإحالة على المصادر إلا ما ندر، وإذا ما أحال تكون الإحالة في الغالب ناقصة لا تفي بالغرض. وأما طريقته في عرض المسائل فإنه يبحثها تحت عناوين مستقلة لا ارتباط لها بما قبلها أو بعدها، بل إنه قد يعقد العنوان لبحث مسألة ويبحث تحته مسألة أخرى، فجاءت كتبه أشبه ما تكون بمقالات منوعة، جمعت من غير ترتيب ولا تهذيب، وقد ذكرت لذلك أمثلة عند نقد المؤلف ومنهجه.
4- تركزت مادة هذه الكتب حول مسألة الصحابة بشقيها الذي سارت عليه كتب الرافضة وهما: الغلو المفرط في علي وأبنائه والاستدلال على ذلك بالموضوعات والمنكرات التي ليس لها حظ من الصحة والثبوت، والقدح المقذع في سائر الصحابة استدلالاً بما جاء في كتب التاريخ من أخبار، عامتها مكذوبة على الصحابة هي من وضع الرافضة والزنادقة، وقليل منها صحيح لكنه لا مطعن فيه على الصحابة.
والمؤلف لم يأت بجديد في هذا الباب، بل هو معتمد على ما جاء في كتب الرافضة من مطاعن، مع ادعائه أنه قد توصل لهذه المسائل عن طريق البحث العلمي الجاد وهو في ذلك كاذب. بل إني أشك في استقلاله بتأليف هذه الكتب، للتناقض الكبير الحاصل فيها -والذي ستأتي له أمثلة مفصلة عند نقد المؤلف ومنهجه- ولعدم ترابط موضوعاتها وتناسقها مما يبعد معه أن تكون لمؤلف واحد ولا أستبعد أن يكون للخوئي والصدر وغيرهما من علماء الرافضة المعاصرين اليد الطولى في أصل فكرة وضع هذه الكتب، والمشاركة في تأليفها، خصوصاً وأن المؤلف صرح بأنه إنما شرع في البحث بعد اتصاله بهم في العراق وتزويدهم له بكمية كبيرة من كتب الرافضة.
ثم إني بعد تأمل هذه الكتب وما حوته من تضليل وتلبيس، وما بلغني أيضاً من سعي الرافضة في طباعتها وترجمتها إلى عدة لغات، وتوزيعها على كل نطاق، وتلقف العوام لها في بلاد كثيرة خلت من العلماء الذين يحذرون من هذه الكتب وخطرها، وينبهون الناس على زيفها وباطلها: عقدت العزم على الرد عليها، وكشف زيفها وتهافتها نصحاً للأمة ودفاعاً عن السنة.
وإن كنت مؤثراً أن يتولى هذا الرد عالم من علماء الأمة، إلا أن معرفتي بانشغال العلماء بما هو أعظم حملني على تجشم هذا الأمر -على ضعف مني وتقصير- رغبة في الأجر والذب عن السنة، متشبهاً بالعلماء في ذلك، غير متطاول على مقامهم.
فبدأت بجرد تلك الكتب الأربعة وحصر المسائل الواردة فيها، والتي تحتاج إلى رد، ثم جمعت من الأدلة وكلام أهل العلم حول كل مسألة ما يفي بالغرض في الرد عليها، وكنت قد صنفتها حسب الموضوعات من غير نظر إلى الكتاب الواردة فيه، تمهيداً للرد عليها في كتاب واحد بحسب ذلك الترتيب الموضوعي.
ثم رأيت من المصلحة إفراد الرد على كل كتاب بكتاب مستقل، لما بلغني من انتشار بعض تلك الكتب في بعض الأماكن دون بعض فما أردت أن أعين على نشر ما لم يعرف منها عن طريق عرض المسائل عند الرد عليها، ولما في هذه الطريقة المختارة من سهولة على القارئ في مراجعة مسائل كل كتاب على حدة.
وها هو ذا الرد على الكتاب الأول من هذه الكتب، وهو كتاب ثم اهتديت الذي يعد من أكثر تلك الكتب تلبيساً وتضليلاً، حيث تتبعت كل مسائله وفندت كل شبهه، بالدليل الصحيح، والخبر الموثق، والحجة المقنعة، حتى ظهر الحق، وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً. والمنة فيها والفضل لله وحده. فله الحمد على ما أنعم ويسر أولاً وآخراً.
وقبل الشروع في تفصيل الرد جعلت له مدخلاً تضمن مباحث نافعة ومفيدة -إن شاء الله- جاءت مقسمة على ستة مباحث:
المبحث الأول: في التعريف بالرافضة.
المبحث الثاني: نشأة الرافضة وبيان دور اليهود في نشأتهم.
المبحث الثالث: تعريف موجز بأهم عقائد الرافضة.
المبحث الرابع: مطاعن الرافضة على أئمة أهل السنة وعلمائهم.
المبحث الخامس: موقف أهل السنة من الرافضة ومن عقيدتهم.
المبحث السادس: نقد عام للمؤلف ومنهجه في كتبه الأربعة.
وقد سميت كتابي هذا الانتصار للصحب والآل من افتراءات السماوي الضال.
هذا وأسأل الله عز وجل كما وفق لهذا العمل بلطفه وكرمه، أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يمن علىّ فيه بالقبول، وأن ينفع به من يراه من المسلمين، وأن يدحض به كيد الكائدين، وشبه المبتدعين إنه سميع قريب مجيب، وبالإجابة جدير.
مدخل
ويشتمل على ستة مباحث:
المبحث الأول: التعريف بالرافضة.
المبحث الثاني: نشأة الرافضة وبيان دور اليهود في نشأتهم.
المبحث الثالث: تعريف موجز بأهم عقائد الرافضة.
المبحث الرابع: مطاعن الرافضة على أئمة أهل السنة وعلمائهم.
المبحث الخامس: موقف أهل السنة من الرافضة ومن عقيدتهم.
المبحث السادس: نقد عام للمؤلف ومنهجه في كتبه الأربعة.

 
المبحث الأول: تعريف الرافضة
الرفض في اللغة هو: الترك، يقال: رفضت الشيء، أي: تركته.([23])
والرافضة في الاصطلاح: هي إحدى الفرق المنتسبة للتشيع لآل البيت، مع البراءة من أبي بكر وعمر، وسائر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا القليل منهم، وتكفيرهم لهم، وسبهم إياهم.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: (والرافضة: هم الذين يتبرؤون من أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسبونهم وينتقصونهم).([24])
وقال عبد الله بن أحمد رحمهما الله تعالى: (سألت أبي: من الرافضة؟ فقال: الذين يشتمون -أو يسبون- أبا بكر وعمر رضي الله عنهما).([25])
وقال الإمام أبو القاسم التيمي الملقب (بقوام السنة) في تعريفهم: (وهم الذين يشتمون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ورضي عن محبهما).([26])
وقد انفردت الرافضة من بين الفرق المنتسبة للإسلام بمسبة الشيخين أبي بكر وعمر، دون غيرها من الفرق الأخرى، وهذا من عظم خذلانهم قاتلهم الله.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فأبو بكر وعمر أبغضتهما الرافضة ولعنتهما، دون غيرهم من الطوائف).([27])
وقد جاء في كتب الرافضة ما يشهد لهذا: وهو جعلهم محبة الشيخين وتوليهما من عدمها هي الفارق بينهم وبين غيرهم ممن يطلقون عليهم النواصب فقد روى الدرازي عن محمد بن علي بن موسى قال: [[كتبت إلى علي بن محمد عليه السلام([28]) عن الناصب هل يحتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت([29]) واعتقاد إمامتهما؟ فرجع الجواب من كان على هذا فهو ناصب]]([30])
سبب تسميتهم رافضة:-
يرى جمهور المحققين أن سبب إطلاق هذه التسمية على الرافضة: هو رفضهم زيد بن علي وتفرقهم عنه بعد أن كانوا في جيشه، حين خروجه على هشام بن عبد الملك، في سنة إحدى وعشرين ومائة وذلك بعد أن أظهروا البراءة من الشيخين فنهاهم عن ذلك.
يقول أبو الحسن الأشعرى: (وكان زيد بن علي يفضل علي بن أبي طالب على سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولى أبا بكر وعمر، ويرى الخروج على أئمة الجور، فلما ظهر في الكوفة في أصحابه الذين بايعوه سمع من بعضهم الطعن على أبي بكر وعمر فأنكر ذلك على من سمعه منه، فتفرق عنه الذين بايعوه، فقال لهم: رفضتموني، فيقال: إنهم سموا رافضة لقول زيد لهم رفضتموني).([31])
وبهذا القول قال قوام السنة([32])، والرازي([33])، والشهرستاني([34])، وشيخ الإسلام ابن تيمية([35]) رحمهم الله.
وذهب الأشعري في قول آخر: إلى أنهم سموا بالرافضة لرفضهم إمامة الشيخين، قال: (وإنما سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر).([36]).
والرافضة اليوم يغضبون من هذه التسمية ولا يرضونها، ويرون أنها من الألقاب التي ألصقها بهم مخالفوهم، يقول محسن الأمين: (الرافضة لقب ينبز به من يقدم علياً رضي الله عنه في الخلافة، وأكثر مايستعمل للتشفي والانتقام).([37]).
ولهذا يتسمون اليوم بالشيعة وقد اشتهروا بهذه التسمية عند العامة، وقد تأثر بذلك بعض الكتاب والمثقفين، فنجدهم يطلقون عليهم هذه التسمية. وفي الحقيقة أن الشيعة مصطلح عام يشمل كل من شايع علياً رضي الله عنه([38]).
وقد ذكر أصحاب الفرق والمقالات أنهم ثلاثة أصناف:
غالية: وهم الذين غلوا في علي رضي الله عنه، ولربما ادعوا فيه الألوهية أو النبوة.
ورافضة: وهم الذين يدعون النص على استخلاف علي ويتبرؤون من الخلفاء قبله وعامة الصحابة.
وزيدية: وهم أتباع زيد بن علي، الذين كانوا يفضلون علياً على سائر الصحابة ويتولون أبا بكر وعمر([39]).
فإطلاق الشيعة على الرافضة من غير تقييد لهذا المصطلح غير صحيح، لأن هذا المصطلح يدخل فيه الزيدية، وهم دونهم في المخالفة وأقرب إلى الحق منهم.
بل إن تسميتهم بالشيعة يوهم التباسهم بالشيعة القدماء الذين كانوا في عهد علي رضي الله عنه ومن بعدهم؛ فإن هؤلاء مجمعون على تفضيل الشيخين على علي رضي الله عنه وإنما كانوا يرون تفضيل علي على عثمان وهؤلاء وإن كانوا مخطئين في ذلك إلا أن فيهم كثيراً من أهل العلم ومن هو منسوب إلى الخير والفضل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ولهذا كانت الشيعة المتقدمون، الذين صحبوا علياً، أو كانوا في ذلك الزمان، لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكر وعمر، وإنما كان نزاعهم في تفضيل علي وعثمان).([40])
لذا فإن تسمية الرافضة بالشيعة من الأخطاء البينة الواضحة التي وقع فيها بعض المعاصرين تقليداً للرافضة في سعيهم للتخلص من هذا الاسم، لما رأوا من كثرة ذم السلف لهم، ومقتهم إياهم، فأرادوا التخلص من ذلك الاسم تمويهاً وتدليساً على من لا يعرفهم بالانتساب إلى الشيعة على وجه العموم. فكان من آثار ذلك ما وقع فيه بعض الطلبة المبتدئين ممن لم يعرفوا حقيقة هذه المصطلحات من الخلط الكبير بين أحكام الرافضة وأحكام الشيعة، لما تقرر عندهم إطلاق مصطلح التشيع على الرافضة، فظنوا أن ما ورد في كلام أهل العلم المتقدمين في حق الشيعة أنه يتنزل على الرافضة، في حين أن أهل العلم يفرقون بينهما في كافة أحكامهم.
يقول الإمام الذهبي في ترجمة أبان بن تغلب بعد أن ذكر توثيق الأئمة له مع أنه شيعي: (فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع وحدّ الثقة العدالة والإتقان، فكيف يكون عدلاً من هو صاحب بدعة؟.
وجوابه: أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرّف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رُدّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية وهذه مفسدة بينة، ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لايحتج به ولا كرامة...
إلى أن قال: فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم: هو من تكلم في عثمان، والزبير، وطلحة، ومعاوية، وطائفة ممن حارب علياً رضي الله عنه وتعرض لسبهم.
والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفّر هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين أيضاً، فهذا ضال مفتر، ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلاً، بل قد يعتقد علياً أفضل منهما).([41])
وعليه فإن من الواجب: أن يسمى هؤلاء الروافض بمسماهم الحقيقي الذي اصطلح عليه أهل العلم وعدم تسميتهم بالشيعة على وجه الاطلاق، لما في ذلك من اللبس والإيهام، وإذا ما اطلق عليهم مصطلح (التشيع) فينبغي أن يقيد بما يدل عليهم خاصة كأن يقال الشيعة الإمامية أو الشيعة الإثنا عشرية على ما جرت به عادة العلماء عند ذكرهم والله تعالى أعلم.

 
المبحث الثاني: نشأة الرافضة وبيان دور اليهود في نشأتهم
أول من يعرف أنه دعا إلى أصول عقائد الرافضة التي أنبنت عليها عقائدهم الأخرى: رجل يهودي اسمه عبد الله بن سبأ من يهود اليمن، أسلم في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأخذ يتنقل بين أمصار المسلمين للدعوة لهذا المعتقد الفاسد.
وهذا نص ما ذكره الإمام الطبري في تاريخه في شأن الرجل ضمن حوادث سنة خمس وثلاثين من الهجرة النبوية الشريفة.
قال: كان عبد الله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء، أمه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتى أتى مصر، فاعتمر فيهم فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمداً يرجع وقد قال الله: ((إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ)) [القصص:85]، فمحمد أحق بالرجوع من عيسى، قال: فقبل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها، ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان ألف نبي ولكل نبي وصيّ، وكان علي وصيّ محمد؛ ثم قال: محمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء.
ثم قال لهم بعد ذلك: من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثب على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناول أمر الأمة.
ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدؤوا الطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الأمر، فبث دعاته وكاتب من كان استفسده في الأمصار وكاتبوه، ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم).([42])
هكذا كانت بداية الرفض. وما زالت تلك العقائد التي دعا إليها ابن سبأ تسير في نفوس أناس من أهل الزيغ والضلال، وتتشربها قلوبهم وعقولهم حتى كان من ثمارها مقتل الخليفة الراشد ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه على يد هذه الشرذمة الفاسدة.
حتى إذا ما جاء عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه بدأت تلك العقائد تظهر إلى الوجود أكثر من ذي قبل إلى أن بلغت علياً رضي الله عنه، فأنكرها أشد ما يكون الإنكار وتبرأ منها ومن أهلها.
ومما صح في ذلك عن علي رضي الله عنه مارواه ابن عساكر عن عمار الدهني قال: (سمعت أبا الطفيل يقول: رأيت المسيب بن نجبة أتى به ملببه يعني - ابن السوداء - وعلي على المنبر فقال علي: ما شأنه؟ فقال: يكذب على الله ورسوله).([43])
وعن يزيد بن وهب عن علي قال: (مالي ولهذا الحَمِيت([44]) الأسود).([45])
ومن طريق يزيد بن وهب أيضاً عن سلمة عن شعبة قال علي بن أبي طالب: (مالي ولهذا الحَمِيت الأسود -يعني عبد الله بن سبأ - وكان يقع في أبي بكر وعمر).([46])
وهذه الروايات ثابتة عن علي رضي الله عنه بأسانيد صحيحة([47]) وحكى المؤرخون وأصحاب الفرق والمقالات: أن ابن سبأ ادّعى الربوبية في علي رضي الله عنه، فأحرقه علي رضي الله عنه هو وأصحابه بالنار.
يقول الجرجاني: (السبئية من الرافضة ينسبون إلى عبد الله بن سبأ، وكان أول من كفر من الرافضة، وقال: علي رب العالمين، فأحرقه علي وأصحابه بالنار).([48])
ويقول الملطي في معرض حديثه عن السبئية: (هم أصحاب عبد الله بن سبأ، قالوا لعلي عليه السلام: أنت أنت، قال: ومن أنا؟ قالوا: الخالق البارئ. فاستتابهم فلم يرجعوا، فأوقدلهم ناراً ضخمة وأحرقهم وقال مرتجزاً:
لما رأيتُ الأمرَ أمراً منكراً    أجَجْتُ ناري ودعوتُ قنبرا)
([49])
وذهب بعض المؤرخين إلى أن علياً رضي الله عنه لم يحرق ابن سبأ وإنما نفاه إلى المدائن، ثم ادّعى بعد موت علي رضي الله عنه أن علياً لم يمت، وقال لمن نعاه: (لو جئتمونا بدماغه في سبعين صُرّة ما صدقنا موته).([50])
ولعل القول الأول هو الصحيح ويشهد له ما جاء في صحيح البخاري: عن عكرمة رضي الله عنه قال: [[أُتي علي رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لوكنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تعذبوا بعذاب الله، ولقتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بدل دينه فاقتلوه]]([51])
قال ابن حجر في شرح الحديث بعد أن ذكر بعض الروايات في هؤلاء المحَرَّقين وفيها: أنهم ناس كانوا يعبدون الأصنام، وفي بعضها أنهم قوم ارتدوا عن الإسلام، على اختلاف بين الروايات في تعيينهم قال بعد ذلك: (وزعم أبو المظفر الإسفراييني في الملل والنحل أن الذين أحرقهم علي طائفة من الروافض ادعوا فيه الالهية وهم السبئية.
وكان كبيرهم عبد الله بن سبأ يهودياً أظهر الإسلام، وابتدع هذه المقالة. وهذا يمكن أن يكون أصله: ما رويناه في الجزء الثالث من حديث أبي طاهر المخلص من طريق عبد الله بن شريك العامري قال: [[قيل لعلي: إن هنا قوماً على باب المسجد يدعون أنك ربهم، فدعاهم فقال: ويلكم ماتقولون؟ قالوا: أنت ربنا وخالقنا ورازقنا...).([52])
ثم ساق بقية الرواية وفيها: أن علياً رضي الله عنه استتابهم ثلاثاً فلم يرجعوا، فحرقهم بالنار في أخاديد قد حُفِرت لهم وقال:
إني إذا رأيت أمراً منكراً أوقدت ناري ودعوت قنبرا]].
قال ابن حجر: (وهذا سند حسن).([53])
فعلى هذا يكون تحريق علي رضي الله عنه للسبئية ثابتاً، وسواء أكان ذلك بأثر عكرمة في البخاري أم بهذا الأثر على رأي ابن حجر رحمه الله تعالى.
وسيأتي في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ما يشعر بميله للرأي الأول والله تعالى أعلم.
والمقصود هنا هو ظهور عقائد الرافضة المتمثلة في الغلو في علي رضي الله عنه في تلك الفترة الزمنية المتقدمة، وإمعان علي رضي الله عنه في عقوبتهم حتى قال ابن عباس في ذلك ما قال.
كما ثبت إنكار علي رضي الله عنه لكل العقائد الأخرى التي ظهرت في عهده وانتظمت في سلك التشيع له: كتفضيله على عامة الصحابة، وتقديمه على الشيخين، وكانتشار سب الصحابة والازراء عليهم بين أولئك الضلاّل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ولما أحدثت البدع الشيعية في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ردها، وكانت (ثلاث طوائف) غالية، وسبابة ومفضِّلة. فأما الغالية فإنه حرقهم بالنار، فإنه خرج ذات يوم من باب كندة فسجد له أقوام، فقال: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو الله فاستتابهم ثلاثاً فلم يرجعوا فأمر في الثالث بأخاديد فخُدّت وأضرم فيها النار، ثم قذفهم فيها وقال:
لما رأيت الأمر أمراً منكراً    أججت ناري ودعوت قنبرا
وفي صحيح البخاري: [[أن علياً أتي بزنادقة فحرّقهم، وبلغ ذلك ابن عباس فقال: أما أنا فلو كنت لم أحرقهم لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يُعَذّب بعذاب الله، ولضربت أعناقهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه]]([54])
وأما السبابة: فإنه لما بلغه من سب أبا بكر وعمر طلب قتله، فهرب منه إلي قرقيسيا وكلمه فيه، وكان علي يداري أمراءه، لأنه لم يكن متمكناً، ولم يكن يطيعونه في كل ما يأمرهم به.
وأما المفضلة: فقال: [[لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفترين]]. وروي عنه من أكثر من ثمانين وجهاً أنه قال: [[خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر...]].([55])
وعلى كل حال فعقائد الرافضة مع ظهورها في عهد علي رضي الله عنه إلا أنها بقيت محصورة في أفراد لا تمثلها طائفة أو فرقة، حتى انقضى عهد علي رضي الله عنه وهي على تلك الحال.
يقول شيخ الإسلام واصفاً ذلك الواقع وما حصل بعد ذلك من تطور في نشأة الرافضة:
(ثم ظهر في زمن علي من تكلم بالرفض؛ لكن لم يجتمعوا ويصير لهم قوة إلا بعد مقتل الحسين رضي الله عنه، بل لم يظهر اسم الرفض إلا حين خروج زيد بن علي بن الحسين بعد المائة الأولى، لما أظهر الترحم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما رفضته الرافضة، فسموا الرافضة واعتقدوا أن أبا جعفر هو الإمام المعصوم، واتبعه آخرون فسموا زيدية نسبة إليه).([56])
وخلاصة القول أن الرافضة مرت في نشأتها بعدة مراحل حتى أصبحت فرقة مستقلة متميزة بعقيدتها واسمها عن سائر فرق الأمة. ويمكن إبراز ذلك من خلال أربع مراحل رئيسة:
المرحلة الأولى: دعوة عبد الله بن سبأ إلى ما دعى إليه من الأصول التي أنبنت عليها عقيدة الرافضة: كدعوته لعقيدة الرجعة، وإحداثه القول بالوصية لعلي رضي الله عنه، والطعن في الخلفاء السابقين لعلي في الخلافة.
وقد ساعد ابن سبأ في ترويج فكره الضال البعيد عن روح الإسلام أمران:
الأمر الأول: اختيار ابن سبأ البيئة المناسبة لدعوته، حيث بث دعوته في بلدان: الشام، ومصر، والعراق، بعد أن أكثر التنقل بين هذه الأمصار كما مر في كلام الطبري.([57])
فنشأت هذه الدعوة في مجتمعات لم تتمكن من فهم الإسلام الفهم الصحيح، وتترسخ أقدامها في العلم الشرعي والفقه بدين الله تعالى، وذلك لقرب عهدها بالإسلام فإن تلك الأمصار إنما فتحت في عهد عمر رضي الله عنه. هذا بالإضافة إلى بعدها عن مجتمع الصحابة في الحجاز وعدم التفقه عليهم.
الأمر الثاني: أن ابن سبأ مع اختياره لدعوته تلك المجتمعات فإنه زيادة في المكر والخديعة: أحاط دعوته بستار من التكتم والسرية، فلم تكن دعوته موجهة لكل أحد، وإنما لمن علم أنهم أهل لقبولها من جهلة الناس، وأصحاب الأغراض الخبيثة، ممن لم يدخلوا في الإسلام إلا كيداً لأهله بعد أن قوضت جيوش الإسلام عروش ملوكهم، ومزقت ممالكهم، وقد تقدم كلام الطبري السابق عن ابن سبأ: (فبث دعاته، وكاتب من كان استفسده في الأمصار، وكاتبوه، ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم).([58])
ويقول في سياق وصفهم: (وأوسعوا الأرض إذاعة وهم يريدون غير ما يظهرون).([59])
المرحلة الثانية: إظهار هذا المعتقد، والتصريح به، وذلك بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، وانشغال الصحابة رضوان الله عليهم بإخماد الفتنة التي حصلت بمقتله، فوجد هؤلاء الضلال متنفساً في تلك الظروف، وقويت تلك العقائد الفاسدة في نفوسهم، إلا أنه مع كل ذلك بقيت هذه العقائد محصورة في طائفة مخصوصة ممن أضلهم ابن سبأ، وليست لهم شوكة ولا كلمة مسموعة عند أحد سوى من ابتلي بمصيبتهم في مقتل عثمان رضي الله عنه، وشاركهم في دمه من الخوارج المارقين، ومما يدل على ذلك ما نقله المؤرخون في الحوار الدائر بين هؤلاء قُبيل موقعة الجمل، ومما جاء فيه كما ذكر الطبري: (قال ابن السوداء... ودّ والله الناس أنكم على جديلة([60]) ولم تكونوا مع أقوام برآء، ولو كان ذلك الذي تقول لتخطفكم كل شئ).([61])
وفي موطن آخر: (وتكلم ابن السوداء فقال: يا قوم! إن عزكم في خلطة الناس فصانعوهم).([62])
وهذا القول لا يقوله صاحب شوكة ومنعة. ومع هذا فإنه لا ينكر دور هؤلاء السبئية، وقتلة عثمان في إشعال نار الحرب بين الصحابة، بل ذلك مقرر عند أهل التحقيق للفتنة وأحداثها.
يقول ابن حزم مقرراً ذلك: (...وبرهان ذلك أنهم اجتمعوا ولم يقتتلوا ولا تحاربوا، فلما كان الليل عرف قتلة عثمان أن الإراعة والتدبير عليهم، فبيتوا عسكر طلحة والزبير، وبذلوا السيوف فيهم فدفع القوم عن أنفسهم).([63])
ويقول ابن كثير: (وبات قتلة عثمان بشر ليلة، وباتوا يتشاورون وأجمعوا على أن يثيروا الحرب من الغلس).([64])
المرحلة الثالثة: اشتداد أمرهم وقوتهم، واجتماعهم تحت قيادة واحدة -وذلك بعد مقتل الحسين رضي الله عنه- للأخذ بثأر الحسين والانتقام له من أعدائه.
يقول الطبري ضمن حوادث سنة أربع وستين للهجرة: (وفي هذه السنة تحركت الشيعة بالكوفة، واتّعدوا الاجتماع بالنخيلة سنة خمس وستين للمسير لأهل الشام للطلب بدم الحسين بن علي، وتكاتبوا في ذلك).([65])
وكان مبدأ أمرهم ما ذكره الطبري أيضاً من رواية عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزدي أنه قال: (لما قتل الحسين بن علي ورجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة، فدخل الكوفة، تلاقت الشيعة بالتلاوم والتندم، ورأت أنها قد أخطأت خطأ كبيراً بدعائهم الحسين إلى النصرة وتركهم إجابته، ومقتله إلى جانبهم لم ينصروه، ورأوا أنه لا يغسل عارهم والإثم عنهم في مقتله إلا بقتل من قتله، أو القتل فيه، ففزعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من رؤوس الشيعة: إلى سليمان بن صُرَد الخزاعي، وكانت له صحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى المُسَيّب بن نجَبَة الفزاري، وكان من أصحاب علي وخيارهم، وإلى عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، وإلى عبد الله بن وال التَّيمى، وإلى رفاعة بن شداد البَجَلي. ثم إن هؤلاء النفر الخمسة اجتمعوا في منزل سليمان بن صُرَد وكانوا من خيار أصحاب علي، ومعهم أناس من الشيعة وخيارهم ووجوههم).([66])
وكان هذا الاجتماع عاماً يشمل كافة الشيعة، وقد اجتمع إلى سليمان بن صُرَد نحو من سبعة عشر ألفاً، ثم لما تعجب سليمان قلتهم فأرسل حكيم بن منقذ فنادى في الكوفة بأعلى صوته: (يا ثأرات الحسين!) فلم يزل ينادي حتى خرج إلى النخيلة أشراف أهل الكوفة وخرج الناس معهم فكانوا قريباً من عشرين ألفاً.([67])
ثم إنه في هذه الأثناء قدم المختار بن أبي عبيد الثقفي إلى الكوفة فوجد الشيعة قد التفت على سليمان بن صُرَد وعظموه تعظيماً زائداً، وهم معدون للحرب، فلما استقر المختار عندهم بالكوفة دعا إلى إمامة المهدي محمد بن علي بن أبي طالب وهو محمد بن الحنفية، ولقبه بالمهدي فاتبعه على ذلك كثير من الشيعة، وفارقوا سليمان بن صُرَد، وصارت الشيعة فرقتين: الجمهور منهم مع سليمان، يريدون الخروج على الناس ليأخذوا بثأر الحسين، وفرقة أخرى مع المختار يريدون الخروج للدعوة إلى إمامة محمد بن الحنفية، وذلك عن غير أمر ابن الحنفية ورضاه، وإنما يتقولون عليه ليروجوا على الناس به، وليتوصلوا إلى أغراضهم الفاسدة.([68])
فكان هذا بداية اجتماع الشيعة. ثم يذكر المؤرخون خروج سليمان بن صُرَد بمن كان معه من الشيعة إلى الشام، فالتقوا مع أهل الشام عند عين تسمى (عين الوردة) واقتتلوا اقتتالاً عظيماً لمدة ثلاثة أيام، يقول ابن كثير في وصفه: (لم ير الشيب والمرد مثله، لا يحجز بينهم إلا أوقات الصلوات إلى الليل)([69])، ثم انتهى القتال بينهم بقتل سليمان بن صُرَد رحمه الله وكثير من أصحابه، وهزيمتهم، وعودة من بقي من أصحابه إلى الكوفة.([70])
وأما المختار بن أبي عبيد: فلما رجع من بقي من جيش سليمان إلى الكوفة وأخبروه بما كان من أمرهم، وما حل بهم فترحم على سليمان ومن كان قتل معه، وقال: (وبعد فأنا الأمير المأمون قاتل الجبارين والمفسدين إن شاء الله، فأعدّوا واستعدوا وأبشروا).([71])
يقول ابن كثير: (وقد كان قبل قدومهم أخبر الناس بهلاكهم عن ربه([72])، الذي كان يأتي إليه من الشيطان، فإنه قد كان يأتي إليه شيطان فيوحي إليه قريباً مما كان يوحي شيطان مسيلمة له).([73])
(ثم إن المختار بعث الأمراء إلى النواحي والبلدان والرساتيق، من أرض العراق وخراسان، وعقد الألوية والرايات... ثم شرع المختار يتتبع قتلة الحسين من شريف ووضيع فيقتله).([74])
المرحلة الرابعة: انشقاق الرافضة عن الزيدية، وباقي فرق الشيعة، وتميزها بمسماها وعقيدتها. وكان ذلك على وجه التحديد في سنة إحدى وعشرين ومائة عندما خرج زيد بن علي بن الحسين على هشام بن عبد الملك([75]) فأظهر بعض من كان في جيشه من الشيعة الطعن على أبي بكر وعمر فمنعهم من ذلك، وأنكر عليهم فرفضوه، فسموا بالرافضة، وسميت الطائفة الباقية معه بالزيدية.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن أول ما عرف لفظ الرافضة في الإسلام: عند خروج زيد بن علي في أوائل المائة الثانية، فسئل عن أبي بكر وعمر، فتولاهما، فرفضه قوم فسموا رافضة).([76])
وقال: (ومن زمن خروج زيد افترقت الشيعة إلى رافضة وزيدية، فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما رفضه قوم فقال لهم: رفضتموني، فسموا رافضة لرفضهم إياه، وسمي من لم يرفضه من الشيعة زيدياً لانتسابهم إليه).([77])
ومنذ ذلك التاريخ، تميزت الرافضة عن باقي فرق الشيعة، فأصبحت فرقه مستقلة باسمها ومعتقدها والله تعالى أعلم.

 
المبحث الثالث: تعريف موجز بأهم عقائد الرافضة
تعتبر الرافضة بعقائدها المغدقة في الكفر والضلال، والموغلة في الشر والفساد، من أبعد الفرق المنتسبة للإسلام عن العقيدة الإسلامية الصحيحة بل إن عقائد الرافضة التي انفردت بها مناقضة جملة وتفصيلاً لحقائق الإسلام، وأصول الإيمان، كما هو معلوم ومقرر عند أهل العلم والتحقيق.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى -وهو الخبير بهم- في كتابه العظيم منهاج السنة الذي ألفه للرد على الرافضة: (فما أذكره في هذا الكتاب، من ذم الرافضة، وبيان كذبهم وجهلهم، قليل من كثير مما أعرفه منهم، ولهم شر كثير لا أعرف تفصيله... إلى أن قال: والله يعلم وكفى بالله عليماً ليس في جميع الطوائف المنتسبة إلى الإسلام مع بدعة وضلالة شرّ منهم.. لا أجهل، ولا أكذب، ولا أظلم، ولا أقرب إلى الكفر والفسوق والعصيان، وأبعد عن حقائق الإيمان منهم).([78])
وسأذكر هنا بعض عقائد الرافضة التي خالفوا فيها الكتاب والسنة وسائر الأمة، مستدلاً على كل ما أقول بما جاء في كتبهم المعتمدة والموثقة، وبأقوال علمائهم المشهورين المعظمين عندهم، وذلك حتى يقف القارئ الكريم على ما عند القوم من كفر وضلال، وزيغ وفساد، مراعياً أن يكون العرض على سبيل الإيجاز.
فمن عقائد الرافضة:
عقيدة البداء لله تعالى:- [عقيدة البداء لله تعالى عند الرافضة]:=
يطلق البداء في اللغة على معنيين:
المعنى الأول: (الظهور بعد الخفاء).
يقال: بدا الشيء بُدوَّاً وبداءً أي: ظهر ظهوراً بيناً([79]) ومنه قوله تعالى: ((وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ)) [الزمر:47] أي: ظهر لهم من الله من العذاب مالم يكن في حسابهم.([80])
المعنى الثاني: (تغير الرأي عما كان عليه).
قال ابن فارس: (تقول: بَدَا لي في هذا الامر بَدَاءٌ، أي تغير رأيي عما كان عليه).([81])
وقال الجوهري: (بدا له في الأمر بَدَاءً، أي: نشأ له فيه رأي).([82])
والبداء بمعنييه المتقدمين غير جائز على الله تعالى؛ لأنه يستلزم الجهل بالعواقب، وحدوث العلم. والله تعالى منزه عن ذلك.
قال ابن الأثير: (والبداء استصواب شيء علم بعد أن لم يعلم، وذلك على الله غير جائز).([83])
والرافضة يجيزون إطلاق البداء على الله تعالى، بل لهم في ذلك مبالغات عظيمة تفوق حد الوصف، حتى أصبحت هذه العقيدة الفاسدة من أقوى العقائد عندهم جاء في الكافي([84]) الذي يعد من أصح الأصول عندهم تحت باب (البداء) من كتاب التوحيد عن زرارة بن أعين عن بعض الأئمة: [[ما عبد الله بشيء مثل البَدَاء]].([85])
وفيه عن أبي عبد الله: [[ما عُظِّمَ اللهُ بمثل البَدَاء]].([86])
وعنه أيضاً: [[لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه]].([87])
وعقيدة البداء هي محل إجماع الرافضة، كما نقل إجماعهم عليها إمامهم المفيد([88]) وصرح بمخالفة الرافضة فيها لسائر الفرق الإسلامية: يقول: (واتفقوا -أي الإمامية - على إطلاق لفظ البداء في وصف الله تعالى، وإن كان ذلك من جهة السمع دون القياس... وأجمعت المعتزلة، والخوارج، والزيدية، والمرجئة، وأصحاب الحديث، على خلاف الإمامية في جميع ما عددناه).([89])
وعقيدة البداء عند الرافضة، من أعظم ما شنع به الناس عليهم، ولذا حاول بعضهم التخلص من هذه الفضيحة بتأول معنى البداء على الله بأنه لا يستلزم الجهل، وأنه نسخ في التكوين كالنسخ في التشريع([90]) لكن أنى لهم ذلك وقد جاء في كتبهم، وعلى ألسنة علمائهم، نسبة الجهل وحدوث العلم صراحة لله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
جاء في تفسير العياشي([91]) -من أشهر كتب التفسير عندهم- عن أبي جعفر أنه قال في تفسير قوله تعالى: ((وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)) [البقرة:51] قال: [[كان في العلم والتقدير ثلاثين ليلة، ثم بدا لله فزاد عشراً؛ فتم ميقات ربه الأول والآخر أربعين ليلة]].([92]).
فتأمل أيها القارئ قولهم: (كان في العلم والتقدير) لتعلم نسبتهم حدوث العلم صراحة لله تعالى.
ومن الروايات الصريحة أيضاً في ذلك مارواه إمامهم الملقب بالصدوق([93]) ونسبه إلى جعفر الصادق -وهو من ذلك بريء-، أنه قال: [[مابدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني]].([94])
قال الصدوق في تفسيره: [[يقول ما ظهر لله أمر كما ظهر له في إسماعيل ابني إذ اخترمه في حياتي]].([95])
وكما دلت هذه الروايات في كتبهم على نسبة الجهل لله تعالى، فقد دلت على ذلك أقوال علمائهم المتقدمين والمعاصرين.
يقول الطوسي([96]) الملقب عندهم بشيخ الطائفة معللاً ما جاء في كتبهم من الروايات التي وقتت خروج المهدي عندهم، ثم افتضاح كذبهم بعدم خروجه في الزمن الذي حددوه: (فالوجه في هذه الأخبار أن تقول إن صحت: أنه لا يمتنع أن يكون الله تعالى قد وقّت هذا الأمر في الأوقات التي ذكرت، فلما تجدد ما تجدد، تغيرت المصلحة واقتضت تأخيره إلى وقت آخر، وكذلك فيما بعد).([97])
ويقول الطوسي أيضاً مصرحاً بما هو أظهر من هذا في نسبته الجهل لله، تعالى الله عن ذلك: (وذكر سيدنا المرتضى -قدس الله روحه- وجهاً آخر في ذلك (البداء) وهو أن قال: يمكن حمل ذلك على حقيقته بأن يقال: بدا بمعنى أنه ظهر له من الأمر ما لم يكن ظاهراً له، وبدا له من النهي مالم يكن ظاهراً له؛ لأنه قبل وجود الأمر والنهي لا يكونان ظاهرين مدركين، وإنما يعلم أنه يأمر أو ينهى في المستقبل، وأما كونه آمراً وناهياً فلا يصح أن يعلمه إلا إذا وجد الأمر والنهي، وجرى ذلك مجرى الوجهين المذكورين في قوله تعالى: ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ)) [محمد:31] بأن تحمله على أن المراد: حتى نعلم جهادكم موجوداً، وإنما يعلم ذلك بعد حصوله، فكذلك القول في البداء، وهذا وجه حسن جداً).([98])
فتبين بهذا بيان معتقد الرافضة في الله عز وجل، ونسبتهم الجهل له وعدم علمه بالعواقب والمصالح إلا بعد وقوعها. ولا أظن أن أحداً من أهل العقل والفهم، بعد هذه النقول الموثقة من كتب القوم يصدق دعوى الرافضة في براءتهم من هذه الفضيحة.
وقد قال الشاعر:
خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به       في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل
عقيدة تحريف القرآن عند الرافضة:-
يعتقد الرافضة أن القرآن الكريم الموجود اليوم بين دفتي المصحف: محرّف ومبدّل. وأن هذا المصحف لا يمثل إلا جزءاً يسيراً من القرآن المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الذي حرّف القرآن هم الصحابة، وذلك بحذف فضائحهم الواردة في القرآن وفضائل علي رضي الله عنه وآل البيت التي جاءت منصوصاً عليها في القرآن الكريم.
وقد دل على اعتقادهم هذه العقيدة الفاسدة روايات كثيرة امتلأت بها كتبهم المشهورة والموثقة عندهم منها:
ما جاء في كتاب بصائر الدرجات للصفّار([99]) بسنده عن أبي جعفر أنه قال: [[ما يستطيع أحد أن يدعي أنه جمع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء]].([100])
وعنه أيضاً: [[ما من أحد من الناس يقول إنه جمع القرآن كله كما أنزل الله إلا كذاب، وما جمعه وما حفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده]].([101])
وفي تفسير العياشي عن أبي عبد الله: [[لو قُرئ القرآن كما أنزل لألفيتنا فيه مسمين]].([102])
وفيه عن أبي جعفر: [[لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفي حقنا على ذي حجى...]].([103])
وجاء في الكافي بيان مقدار ما أُسقط من القرآن -بزعمهم- فعن أبي عبد الله: [[إن القرآن الذي جاء به جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم سبعة عشر ألف آية]].([104])
وهذا يعنى أن ثلثي القرآن قد أُسقطا، حيث إن عدد آيات القرآن الموجود الآن لا تتجاوز (6236) آية.([105])
وجاء في كتاب سليم بن قيس([106]) الذي يسمى عندهم (أبجد الشيعة): (إن الأحزاب تعدل سورة البقرة، والنور ستون ومائة آية، والحجرات ستون آية، والحجر تسعون آية...).([107])
والروايات في كتب الرافضة المصرحة بتحريف القرآن كثيرة جداً، وإنما سقت هنا أمثلة يستدل بها وقد أخبر عن استفاضتها وتواترها عندهم كبار علمائهم ومحققيهم.
يقول المفيد: (إن الأخبار جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان).([108])
ويقول هاشم البحراني([109]) -أحد كبار مفسريهم-: (اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها، أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من التغييرات، وأسقط الذين جمعوه بعده كثيراً من الكلمات والآيات).([110])
ويقول أيضاً: (وعندي في وضوح صحة هذا القول (أي تحريف القرآن) بعد تتبع الأخبار وتفحص الآثار بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع، وأنه من أكبر مقاصد الخلافة).([111])
ويقول نعمة الله الجزائري([112]): (إن الأخبار الدالة على هذا (التحريف) تزيد على ألفي حديث، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد، والمحقق الداماد، والعلامة المجلسي...).([113])
فهذه أقوال أئمتهم ومحققيهم الكبار تقطع بتواتر واستفاضة الروايات في كتبهم بدعوى تحريف القرآن وتبديله، وأنها تبلغ الآلاف؛ مما جعل بعض هؤلاء العلماء يقطع بأن هذه العقيدة من ضروريات المذهب عندهم وأكبر مقاصد الإمامة.
وزيادة على ما جاء في كتبهم من آلاف الروايات الدالة على دعوى تحريف القرآن، فإن أقوال علمائهم ومنظريهم، وأهل الاجتهاد فيهم، جاءت مؤكدة لتلك العقيدة الفاسدة.ولعل المقام هنا لا يتسع لنقل كلامهم هنا وإنما أذكرمن نقل إجماعهم على ذلك من كبار علمائهم.
يقول المفيد ناقلاً إجماعهم على ذلك، وخلافهم لسائر فرق الأمة في هذه العقيدة: (واتفقوا (أي: الإمامية) أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن، وعدلوا فيه عن موجب التنزيل، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وأجمعت المعتزلة، والخوارج، والمرجئة، وأصحاب الحديث، على خلاف الإمامية في جميع ما عددناه).([114])
وإن من الأدلة القوية، والبراهين الجلية، والأمثلة الحية التي تقطع برسوخ هذه العقيدة في نفوس الرافضة، وتوهن حجة كل مراوغ ومخادع منهم في التنصل من شؤم هذه العقيدة في الظاهر، ما قام به النوري الطبرسي، أحد كبار علمائهم المتأخرين الهالك في سنة (1320هـ)([115])، عندما ألف كتاباً ضخماً في إثبات دعوى تحريف القرآن عند الرافضة، سماه: فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب صدره بثلاث مقدمات يتبعها بابان:
الأول: في الأدلة على تحريف القرآن بزعمه.
والثاني: في الرد على القائلين بصحة القرآن من الأمة.
وقد أودع الطبرسي في كتابه هذا آلاف الروايات الدالة على تحريف القرآن بزعمهم، حيث أورد في الفصلين الأخيرين فقط من الباب الأول المكون من اثني عشرفصلاً (1602) رواية، هذا غير ما أورده في الفصول الأخرى من هذا الباب، والمقدمات الثلاث، والباب الثاني.
وقال معتذراً عن قلة ما جمعه: (ونحن نذكر منها ما يصدق به دعواهم مع قلة البضاعة).([116])
وقال موثقاً هذه الروايات: (واعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معوّل أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية، والآثار النبوية).([117])
وقد قرر الطبرسي في كتابه هذا في بحث مستفيض وتتبع دقيق لأقوال علمائهم مدعماً بحثه بالنقول الموثقة، أن القول بتحريف القرآن وتغييره، واعتقاد نقصه وتبديله، هي عقيدة أجلة علمائهم ومحققيهم الذين هم قدوتهم في الدين، ومحل الثقة منهم فيه.
وقال بعد أن سرد حشداً هائلاً من أسماء علمائهم القائلين بالتحريف استغرقت خمس صفحات من كتابه([118]): (ومن جميع ما ذكرنا ونقلنا، بتتبعي القاصر، يمكن دعوى الشهرة العظيمة بين المتقدمين، وانحصار المخالفين فيهم بأشخاص معينين يأتي ذكرهم).([119])
ثم ذكر أن هؤلاء المخالفين هم: الصدوق، والمرتضى، وشيخ الطائفة الطوسي، قال: (ولم يعرف من القدماء موافق لهم)([120])، وذكر أنه تبعهم الطبرسي صاحب كتاب مجمع البيان، وقال: (وإلى طبقته لم يعرف الخلاف صريحاً إلا من هؤلاء المشايخ الأربعة).([121])
ثم اعتذر بعد ذلك عن بعض هؤلاء العلماء في عدم قولهم بتحريف القرآن بأن الذي حملهم على ذلك التقية والمداراة للمخالفين.
قال معتذراً عن الطوسي عما أورده في كتابه التبيان من القول بعدم التحريف: (ثم لا يخفى على المتأمل في كتاب التبيان أن طريقته فيه على نهاية المداراة والمماشاة مع المخالفين... وهو بمكان من الغرابة لو لم يكن على وجه المماشاة...).([122])
وبمثل ذلك ألمح في توجيه قول الطبرسي فقال بعد أن ذكر قوله: (لكنه اعتمد في سورة النساء على أخبار تضمنت نقصان كلمه: (إلى أجل مسمى) من آية المتعة).([123])
وقد سبق النوري الطبرسي في الاعتذار لهؤلاء العلماء: نعمة الله الجزائري حيث قال بعد أن نقل إجماع علماء الإمامية على عقيدة التحريف: (نعم قد خالف فيها المرتضى والصدوق والشيخ الطبرسي، وحكوا أن ما بين دفتي هذا المصحف هو القرآن لا غير، ولم يقع فيه تحريف ولا تبديل... والظاهر أن هذا القول صدر منهم لأجل مصالح كثيرة: منها سد باب الطعن عليها، بأنه إذا جاز هذا في القرآن، فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه، مع جواز لحوق التحريف لها -وسيأتي الجواب عن هذا- كيف وهؤلاء الأعلام رووا في مؤلفاتهم أخباراً كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن، وأن الآية هكذا أنزلت ثم غُيرت إلى هذا).([124])
وبهذا يظهر أن القول بتحريف القرآن واعتقاد تغييره وتبديله هو محل إجماع علماء الرافضة قاطبة، كما حقق ذلك الطبرسي في فصل الخطاب، ودلت عليه النقول السابقة عن كبار علمائهم، وأنه لم يخالف في هذه العقيدة أحد من علمائهم، حتى وقت تأليف فصل الخطاب إلا أربعة منهم، حملهم على ذلك التقية والمداراة للمخالفين، على ما نص على ذلك الطبرسي، ومن قبله نعمة الله الجزائري، وكما أثبتت ذلك البحوث المعاصرة التي بحثت هذه المسألة وأيدت ذلك بذكر شواهد كثيرة من الروايات الدالة على التحريف الواردة في كتب هؤلاء المشايخ الأربعة([125])، مما يدل على اعتقادهم مضمونها وموافقتهم لسائر علماء الرافضة فيما ذهبوا إليه، من اعتقاد تحريف القرآن وتبديله، وإن أظهروا خلافه تقيّة ونفاقاً، وخداعاً لأهل السنة.
وهذا المسلك هو الذي سلكه بعض الرافضة اليوم، لما رأوا من تشنيع الناس عليهم في هذه العقيدة، وهو إظهار القول بصحة القرآن وتمامه، وإبطان تلك العقيدة الفاسدة، الراسخة الجذور في نفوسهم، والتي عليها أسلافهم، وهي: اعتقاد تحريف القرآن وتبديله على أيدي الصحابة، وهذا ما اعترف به أحد كبار علمائهم المعاصرين([126]) عندما قال: (إن علماء الشيعة الذين أنكروا التحريف في القرآن لا يحمل إنكارهم إلا على التقيّة).([127])
فظهر بهذا اتفاق علماء الرافضة قدماء ومعاصرين على هذه العقيدة الفاسدة. ولا ينبغى لمسلم بعد ذلك أن ينخدع ببعض أقوال المعاصرين منهم، فيما يظهرون من البراءة من هذه العقيدة نفاقاً وخداعاً للمسلمين، على ما يبيح لهم دينهم ذلك باسم (التقيّة) التي هي تسعة أعشار دينهم، ولا يقوم دينهم إلا عليها.
فهل يعي المغرورون المخدوعون بهم أم أن على قلوب أقفالها!!
عقيدتهم في الإمامة والأئمة:- [عقيدة الرافضة في الإمامة والأئمة]:=
يعتقد الرافضة أن الإمامة ركن عظيم من أركان الإسلام، وأصل أصيل من أصول الإيمان، لا يتم إيمان المرء إلا باعتقادها، ولا يقبل منه عمل إلا بتحقيقها.
روى الكليني عن أبي جعفر أنه قال: [[بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية، قال زرارة: فقلت: وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية]]([128])
ويقول هاشم البحراني: (فبحسب الأخبار الواردة في أن الولاية أي: الإقرار بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم إمامة الأئمة، والتزام حبهم، وبغض أعدائهم ومخالفيهم، أصل الإيمان مع توحيد الله عز وجل بحيث لا يصح الدين إلا بذلك كله، بل إنها سبب إيجاد العالم، وبناء حكم التكليف، وشرط قبول الأعمال).([129])
ويقول المجلسي([130]): (ولا ريب في أن الولاية والاعتقاد بإمامة الأئمة عليهم السلام، والإذعان لهم، من جملة أصول الدين، وأفضل من جميع الأعمال البدنية لأنها مفتاحهن).([131])
ويقول المظفر([132]) -وهو من علمائهم المعاصرين-: (نعتقد أن الإمامة أصل من أصول الدين، لا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها، ولا يجوز فيها تقليد الآباء والأهل والمربين، مهما عظموا، بل يجب النظر فيها، كما يجب النظر في التوحيد والنبوة).([133])
ولا يكتفى الرافضة بإضفاء هذه القداسة الشرعية على عقيدة الإمامة في دينهم، حتى جعلوها بمنزلة التوحيد، وعليها مدار الإيمان، وقبول الأعمال، بل ذهبوا مذهباً بعيداً في غلوهم في الإمامة ومكانتها، فجعلوها ضرورة كونية لثبات الأرض، وأن الأرض لو بقيت بغير إمام لمادت وساخت بأهلها. يوضح ذلك جملة من الروايات أوردها الصفار في كتابه بصائر الدرجات في باب مستقل بعنوان (باب أن الأرض لا تبقى بغير إمام ولو بقيت لساخت) ومما أورده تحت هذا الباب ما نسبوه إلى أبي جعفر أنه قال: [[لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لساخت بأهلها كما يموج البحر بأهله]].([134])
وعن أبي عبد الله [[أنه سئل: أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لو بقيت بغير إمام لساخت]].([135])
ويعتقد الرافضة أن الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم اثنا عشر إماماً، اختارهم الله تعالى واصطفاهم للإمامة جاء في كتاب كشف الغمة للأربلي([136])، نسبه إلى علي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الأئمة من بعدي اثنا عشر، أولهم أنت يا علي، وآخرهم القائم الذي يفتح على يديه مشارق الأرض ومغاربها}.([137])
وعن زرارة بن أعين قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: [[نحن اثنا عشر إماماً، منهم: حسن، وحسين، ثم الأئمة من ولد الحسين]].([138])
ويزعم الرافضة أن إمامة هؤلاء الأئمة ثابتة بالنص عليهم من الله، وأن النبي صلى الله عليه وسلم عُرج به إلى السماء مائة وعشرين في كل مرة يوصى بولاية علي.
جاء في كتاب بصائر الدرجات عن أبي عبد الله أنه قال: [[عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء مائة وعشرين مرة، ما من مرة إلا وقد أوصى الله النبي صلى الله عليه وسلم بولاية علي والأئمة من بعده أكثر مما أوصاه بالفرائض]].([139])
وللرافضة في الأئمة غلو يفوق الوصف، ويتجاوز كل حد، في صور متعددة وأمثلة متنوعة، تمجها النفوس، وتأباها العقول والفطرة السليمة، وتعارضها النصوص الشرعية.
فمن ذلك وصفهم لهم بصفات الربوبية وإخراجهم عن طبائعهم البشرية إلى منزلة رب البرية، جاء في بصائر الدرجات فيما نسبوه إلى علي رضي الله عنه أنه قال: [[أنا عين الله، وأنا يد الله، وأنا جنب الله، وأنا باب الله]].([140])
وفي روايه أخرى أنه قال: [[أنا علم الله، وأنا قلب الله الواعي، ولسان الله الناطق، وعين الله الناظر، وأنا جنب الله، وأنا يد الله]].([141])
وفي كتاب علم اليقين لعبد الله شبّر([142]) عن ابن عباس -وهو من ذلك بريء-: [[إن الله تعالى يوم القيامة يولي محمداً حساب النبيين، ويولى علياً حساب الخلق أجمعين]].([143])
وروى سليم بن قيس افتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي: {يا علي! أنت مني وأنا منك، سيط لحمك بلحمي، ودمك بدمي... من جحد ولايتك جحد الله ربوبيته، يا علي! أنت عَلَم الله بعدي الأكبر في الأرض، وأنت الركن الأكبر في القيامة، فمن استظل بفيئك كان فائزاً؛ لأن حساب الخلائق إليك، ومآبهم إليك، والميزان ميزانك، والصراط صراطك، والموقف موقفك، والحساب حسابك، فمن ركن إليك نجا، ومن خالفك هوى وهلك، اللهم اشهد! اللهم اشهد!}.([144])
ويدعي الرافضة في أئمتهم أنهم يعلمون الغيب، وأنهم لا يحجب عنهم شيء من أمر السماء والأرض جاء في الكافي -أصح الكتب عندهم- تحت باب: (إن الأئمة عليهم السلام يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم شيء صلوات الله عليهم).
عن أبي عبد الله أنه قال: ورب الكعبة ورب البنيِّة([145]) -ثلاث مرات- لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما؛ لأن موسى والخضر عليهما السلام أعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وراثة).([146])
وعن أبي عبد الله أيضاً: [[... الله أكرم وأرحم وأرأف بعباده، من أن يفرض طاعة عبد على العباد، ثم يحجب عنه خبر السماء صباحاً ومساءً]].([147])
ويقول المفيد في كتاب أوائل المقالات: (إن الأئمة من آل محمد صلى الله عليه وسلم قد كانوا يعرفون ضمائر بعض العباد، ويعرفون ما يكون قبل كونه).([148])
ومن مظاهر غلو الرافضة في الأئمة تفضيلهم على سائر الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين.
جاء في كتاب علل الشرائع للصدوق فيما نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي: {إن الله تبارك وتعالى فضل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقربين، وفضلني على جميع النبيين والمرسلين، والفضل بعدي لك يا علي! وللأئمة من بعدك}([149])
ويقول عبد الله شبّر: (يجب الإيمان بأن نبينا وآله المعصومين أفضل من الأنبياء والمرسلين ومن الملائكة المقربين، لتضافر الأخبار بذلك وتواترها).([150])
ويقول الخميني: (فإن للإمام مقاماً محموداً، ودرجة سامية، وخلافة تكوينية، تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون، وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل).([151])
ومن صور غلو الرافضة في أئمتهم ادعاؤهم نزول الوحي عليهم.
جاء في بحار الأنوار عن أبي عبد الله أنه قال: [[إنا نُزاد في الليل والنهار، ولولا أنا نُزاد لنفد ما عندنا، فقال أبو بصير: جعلت فداك من يأتيكم؟ قال: إن منا لمن يعاين معاينة، ومنا من ينقر في قلبه كيت وكيت، ومنا من يسمع بأذنه وقعاً كوقع السلسلة في الطست، قال: قلت: جعلت فداك من يأتيكم بذلك؟ قال: هو خلق أكبر من جبريل وميكائيل]].([152])
وفي بصائر الدرجات عن أبي عبد الله أنه قال: [[إن الروح خلق أعظم من جبريل وميكائيل، كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله يسدده ويرشده، وهو مع الأوصياء من بعده]].([153])
ومن غلوهم في أئمتهم: اعتقادهم عصمتهم من كل الذنوب والخطايا، صغيرها، وكبيرها، وأنه لا يجوز عليهم سهو، ولا غفلة، ولا نسيان.
يقول المفيد ناقلاً إجماعهم على ذلك: (إن الأئمة القائمين مقام الأنبياء في تنفيذ الأحكام، وإقامة الحدود، وحفظ الشرائع، وتأديب الأنام، معصومون كعصمة الأنبياء، وإنهم لا يجوز منهم صغيرة إلا ما قدمت ذكر جوازه على الأنبياء، وإنه لا يجوز منهم سهو في شيء في الدين، ولا ينسون شيئاً من الأحكام، وعلى هذا مذهب سائر الإمامية إلا من شذ منهم، وتعلق بظاهر روايات لها تأويلات على خلاف ظنه الفاسد من هذا الباب).([154])
ويقول الصدوق: اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة أنهم معصومون مطهرون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون لا صغيراً ولا كبيراً، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم، ومن جهلهم فهو كافر).([155])
ومن المعاصرين يقول محمد رضا المظفر: (ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن، من سن الطفولة إلى الموت، عمداً، وسهواً، كما يجب أن يكون معصوماً من السهو، والخطأ، والنسيان).([156])
ويقول الخميني: (نحن نعتقد أن المنصب الذي منحه الأئمة للفقهاء لا يزال محفوظاً لهم؛ لأن الأئمة الذين لا نتصور فيهم السهو، أو الغفلة، ونعتقد فيهم الإحاطة بكل ما فيه مصلحة للمسلمين، كانوا على علم بأن هذا المنصب لا يزول عن الفقهاء من بعدهم بمجرد وفاتهم).([157])
وهكذا يتمادى الرافضة في غيهم وضلالهم، ولا يزال الشيطان ينقلهم من ضلالة إلى أخرى، في جوانب كثيرة متعددة، تمثل معتقدهم الفاسد في الأئمة حتى رفعوهم فوق منازل الأنبياء والمرسلين، وملائكة الله المقربين، بل أخرجوهم بذلك الغلو المفرط الذي لا يهتدي بشرع، ولا يحكمه عقل، عن طبائعهم البشرية إلى مقام الربوبية، ولذا كان أئمة أهل البيت الطاهرين المطهرين من عقيدة الرافضة أعظم الناس تأذياً بهم لكثرة كذبهم عليهم ونسبتهم تلك العظائم لهم على ماسيأتي نقل كلامهم في ذلك مفصلاً إن شاء الله تعالى.
عقيدتهم في الصحابة:- [عقيدة الرافضة في الصحابة]:=
يقف الرافضة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم موقف العداوة والبغضاء، والحقد والضغينة، يبرز ذلك من خلال مطاعنهم الكبيرة على الصحابة، التي تزخر بها كتبهم القديمة والحديثة.
فمن ذلك: اعتقادهم كفرهم وردتهم إلا نفراً يسيراً منهم، على ماجاء مصرحاً به في بعض الروايات الواردة في أصح كتبهم، وأوثقها عندهم.
فقد روى الكليني عن أبي جعفر أنه قال: [[كان الناس أهل ردة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، رحمة الله وبركاته عليهم، ثم عرف أناس بعد يسير، وقال: هؤلاء الذين دارت عليهم الرحا وأبوا أن يبايعوا حتى جاءوا بأمير المؤمنين مكرهاً فبايع]]([158])
وفي كتاب الاختصاص للمفيد عن عبد الملك بن أعين أنه: [[سأل أبا عبد الله فلم يزل يسأله حتى قال فهلك الناس إذاً، فقال: أي والله يا ابن أعين! هلك الناس أجمعون أهل الشرق والغرب، قال: إنها فتحت على الضلال، أي والله هلكوا إلا ثلاثة نفر سلمان الفارسي، وأبو ذر، والمقداد ولحقهم عمار، وأبو ساسان الأنصاري، وحذيفة، وأبو عمرة فصاروا سبعة]].([159])
وقد نقل إجماعهم على تكفير الصحابة علماؤهم المحققون.
قال المفيد: (واتفقت الإمامية، والزيدية، والخوارج، على أن الناكثين والقاسطين من أهل البصرة، والشام، أجمعين كفار ضلال ملعونون بحربهم أمير المؤمنين، وأنهم بذلك في النار مخلدون).([160])
ويقول نعمة الله الجزائري: (الإمامية قالوا بالنص الجلي على إمامة علي، وكفروا الصحابة، ووقعوا فيهم، وساقوا الإمامة إلى جعفر الصادق، وبعده إلى أولاده المعصومين عليهم السلام، ومؤلف هذا الكتاب من هذه الفرقة وهي الناجية إن شاء الله).([161])
وقدح الرافضة في الصحابة لا يقف عند هذا الحد من اعتقاد تكفيرهم وردتهم، بل يعتقدون أنهم شر خلق الله، وأن الإيمان بالله ورسوله لا يكون إلا بالتبرؤ منهم، وخاصة الخلفاء الثلاثة: أبا بكر وعمر، وعثمان، وأمهات المؤمنين.
يقول محمد باقر المجلسي: (وعقيدتنا في التبرؤ: أننا نتبرأ من الأصنام الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية، والنساء الأربع: عائشة وحفصة، وهند، وأم الحكم، ومن جميع أشياعهم وأتباعهم، وأنهم شر خلق الله على وجه الأرض، وأنه لا يتم الإيمان بالله ورسوله والأئمة إلا بعد التبرؤ من أعدائهم).([162])
وبناء على هذا فالرافضة يعتقدون في الخلفاء الثلاثة السابقين لعلي في الخلافة، وفي أمهات المؤمنين: أنهم يعذبون أشد العذاب يوم القيامة مع شرار الخلق وطواغيت البشر.
جاء في تفسير القمي([163]) في تفسير سورة الفلق: (الفلق: جب في نار جهنم، يتعوذ أهل النار من شدة حره، فسأل الله من شدة حره أن يتنفس فتنفس فأحرق جهنم، وفي ذلك الجب صندوق من نار، يتعوذ أهل الجب من حر ذلك الصندوق، وهو التابوت، وفي ذلك التابوت سته من الأولين، وستة من الآخرين، فأما الستة الذين من الأولين: فابن آدم الذي قتل أخاه، ونمرود إبراهيم الذي ألقى إبراهيم في النار، وفرعون موسى، والسامري الذي اتخذ العجل، والذي هوّد اليهود، والذي نصّر النصارى. أما الستة الذين من الآخرين: فهو الأول والثاني، والثالث، والرابع، وصاحب الخوارج، وابن ملجم لعنهم الله).([164])
ويعنون بالأول والثاني والثالث: الخلفاء الثلاثة السابقين لعلي رضي الله عنه في الخلافة، وبالرابع معاوية رضي الله عنه وهذه من الرموز التي يستخدمها الرافضة في كتبهم عند الطعن في الصحابة. وقد جاء توضيح أكبر لهذه الرموز في رواية العياشي، التي ينسبها كذباً وزوراً لجعفر الصادق أنه قال: [[يؤتى بجهنم لها سبعة أبواب: بابها الأول: للظالم وهو زريق، وبابها الثاني: لحبتر([165])، والباب الثالث: للثالث، والرابع: لمعاوية، والباب الخامس: لعبد الملك، والسادس: لعسكر بن هوسر، والباب السابع لأبي سلامة([166]) فهم أبواب لمن تبعهم]]([167])
ويتمادى الرافضة في حقدهم على خيار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه إلى أشد من هذا، فيروي من يلقب عندهم بالصدوق وهو من أكبر الكذابين الأفاكين. عن أبي الجارود قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: [[أخبرني بأول من يدخل النار؟ قال: إبليس ورجل عن يمينه، ورجل عن يساره]].([168])، وظاهر أنهم يعنون بالرجلين أبا بكر وعمر رضي الله عنهما.
ويذهب نعمة الله الجزائري إلى أن عمر يعذب يوم القيامة في النار أشد من إبليس يقول: (وإنما الإشكال في تزويج علي عليه السلام أم كلثوم لعمر بن الخطاب وقت تخلفه، لأنه قد ظهرت منه المناكير وارتد عن الدين ارتداداً أعظم من كل من ارتد، حتى إنه قد وردت روايات الخاصة أن الشيطان يغل بسبعين غلاً من حديد جهنم، ويساق إلى المحشر، فينظر ويرى رجلاً أمامه تقوده ملائكة العذاب، وفي عنقه مائة وعشرون غلاً من أغلال جهنم، فيدنو الشيطان إليه ويقول: ما فعل الشقي حتى زاد علي في العذاب، وإنما أغويت الخلق، وأوردتهم موارد الهلاك؟ فيقول عمر للشيطان: ما فعلت شيئاً سوى أني غصبت خلافة علي بن أبي طالب. والظاهر أنه استقل سبب شقاوته ومزيد عذابه، ولم يعلم أن كل ما وقع في الدنيا إلى يوم القيامة من الكفر والطغيان، واستيلاء أهل الجور والظلم، إنما هو من فعلته هذه).([169])
وقد بلغ من حقد هؤلاء على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: استباحة لعنهم، بل تقربهم إلى الله بذلك، وخاصة الشيخين: أبا بكر وعمر، فإن لهم في لعنهما والمبالغة في ذلك أمراً يفوق الوصف.
فقد روى الملا كاظم عن أبي حمزة الثمالي -افتراء على زين العابدين رحمه الله- أنه قال: [[من لعن الجبت والطاغوت لعنة واحدة كتب الله له سبعين ألف ألف حسنة، ومحي عنه ألف ألف سيئة، ورفع له سبعون ألف ألف درجة، ومن أمسى يلعنهما لعنة واحدة كتب له مثل ذلك، قال: فمضى مولانا علي بن الحسين، فدخلت على مولانا أبي جعفر محمد الباقر. فقلت: يامولاي حديث سمعته من أبيك قال: هات يا ثمالي! فأعدت عليه الحديث. فقال: نعم يا ثمالى! أتحب أن أزيدك؟ فقلت: بلى يا مولاي. فقال: من لعنهما لعنة واحدة في كل غداة لم يكتب عليه ذنب في ذلك اليوم حتى يمسي، ومن أمسى لعنهما لعنة واحدة لم يكتب عليه ذنب في ليلة حتى يصبح]].([170])
ومن الأدعية المشهورة عندهم الواردة في كتب الأذكار: دعاء يسمونه دعاء صنمي قريش (يعنون بهما أبا بكر وعمر) وينسبون هذا الدعاء ظلماً وزوراً لعلي رضي الله عنه وهو يتجاوز صفحة ونصف وفيه: اللهم صل على محمد وآل محمد، والعن صنمي قريش وجبتيها وطاغوتيها، وأفكيها، وابنتيهما اللذين خالفا أمرك، وأنكرا وحيك، وجحدا إنعامك، وعصيا رسولك، وقلبا دينك، وحرّفا كتابك... [إلى أن جاء في آخره]: اللهم العنهما في مكنون السر، وظاهرالعلانية، لعناً كثيراً أبداً، دائماً سرمداً، لا انقطاع لأمده ولا نفاد لعدده، لعناً يعود أوله ولايروح آخره، لهم ولأعوانهم، وأنصارهم، ومحبيهم، ومواليهم، والمسلمين لهم، والمائلين إليهم، والناهضين باحتجاجهم، والمقتدين بكلامهم، والمصدقين بأحكامهم، (قل أربع مرات): اللهم عذبهم عذاباً يستغيث منه أهل النار، آمين رب العالمين).([171])
وهذا الدعاء مرغب فيه عندهم، حتى إنهم رووا في فضله نسبةً إلى ابن عباس أنه قال: [[إن علياً عليه السلام كان يقنت بهذا الدعاء في صلواته، وقال: إن الداعي به كالرامي مع النبي صلى الله عليه وسلم في بدر، وأُحد، وحنين، بألف ألف سهم]].([172])
ولهذا كان هذا الدعاء محل عناية علمائهم، حتى إن آغا بزرك الطهراني ذكر أن شروحه بلغت العشرة.([173])
فهذا ما جاء في كتبهم القديمة وعلى ألسنة علمائهم المتقدمين. أما المعاصرون منهم فهم على عقيدة سلفهم سائرون وبها متمسكون، وسأكتفي للدلالة على هذا بما جاء عن إمامهم المقدس وآيتهم العظمى الخميني -وذلك خشية الإطالة-.
حيث يقول في كتابه كشف الأسرار: (إننا هنا لا شأن لنا بالشيخين، وما قاما به من مخالفات للقرآن، ومن تلاعب بأحكام الإله، وماحللاه وحرماه من عندهما، وما مارساه من ظلم ضد فاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وسلم وضد أولاده، ولكننا نشير إلى جهلهما بأحكام الإله والدين).([174])
ويقول عن الشيخين رضي الله عنهما: (وهنا نجد أنفسنا مضطرين على إيراد شواهد من مخالفتهما الصريحة للقرآن لنثبت بأنهما كانا يخالفان ذلك).([175])
ويقول متهمهما بتحريف القرآن: (لقد ذكر الله ثمان فئات تستحق سهماً من الزكاة، لكن أبا بكر أسقط واحدة من هذه الفئات، بإيعاز من عمر، ولم يقل المسلمون شيئاً).([176])
ويقول أيضاً: (الواقع أنهم أعطوا الرسول حق قدره... الرسول الذي كدّ وجد وتحمل المصائب من أجل إرشادهم وهدايتهم، وأغمض عينيه وفي أذنيه كلمات ابن الخطاب القائمة على الفرية، والنابعة من أعمال الكفر والزندقة).([177])
فهذه عقيدة الرافضة في الصحابة، وليعلم أن ما أوردته هنا غيض من فيض مما هو موجود في كتبهم من مطاعن، وسباب، وشتائم بذيئة، يتنزه أصحاب المروءة والدين عن إطلاقها على أكفر الناس، بينما تنشرح بها صدور الرافضة، وتسارع بها ألسنتهم في حق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلفائه، ووزرائه، وأصهاره، بل ويعدون ذلك ديناً يرجون عليه من الله أعظم الأجر والمثوبة، وفي الحقيقة إن المسلم إذا ما تأمل حال هؤلاء الناس وما هم عليه من بعد وضلال؛ فإنه لابد له من موقفين:
الموقف الأول: موقف استشعار نعمة الله، وعظم لطفه، وسابغ كرمه أن أنقذه من هذا الضلال. الأمر الذي يستوجب شكر الله على ذلك.
والموقف الثاني: موقف الاتعاظ والاعتبار، بما بلغ بهؤلاء القوم من زيغ وانحراف، يعلمه من له أدنى ذرة من عقل، كتقربهم إلى الله بلعن أبي بكر وعمر صباحاً ومساءً، وزعمهم أن من لعنهما لعنة واحدة لم تكتب عليه خطيئة في يومه هذا.
وذلك أن عامة العقلاء من هذه الأمة، بل ومن أصحاب الملل السماوية يدركون إدراكاً ضرورياً من دين الله، أن الله ما تعبد أمة من الأمم بلعن أحد من الكفار، ولو كان من أكفر الناس، بل ما تعبدهم بلعن إبليس اللعين المطرود من رحمة الله صباحاً ومساءً، في أوراد مخصوصه تقرباً إلى الله كما تتقرب الرافضة بلعن أبي بكر وعمر. بل إني لا أعلم فيما اطلعت عليه من كتب الرافضة أنفسهم -مع اطلاعي على الكثير منها- أنها تضمنت دعاءً مخصوصاً أو غير مخصوص في لعن أبي جهل، أو أمية بن خلف، أو الوليد بن المغيرة الذين هم أشد الناس كفراً بالله، وتكذيباً لرسوله صلى الله عليه وسلم، بل ولا في لعن إبليس في حين أن كتبهم تمتلئ بالروايات في لعن أبي بكر وعمر، كما في دعاء صنمي قريش وغيره.
ففي هذا عبرة لكل معتبر فيما يبلغ بالعبد من الضلال إن هو أعرض عن شرع الله، واتبع الأهواء والبدع، كيف يزين له سوء عمله، وقبيح أفعاله حتى يصبح لا يعرف معروفاً من منكر، ولا يميز حقاً من باطل، بل يتخبط في الظلمات، ويعيش في سكرة الشهوات، وهذا ما أخبر الله عنه في كتابه وبين حال أصحابه في قوله: ((أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)) [فاطر:8]، وقال: ((الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)) [الكهف:104]، وقال: ((قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً)) [مريم:75].
عقيدة الرجعة:-
يعتقد الرافضة رجعة بعض الأموات بعد موتهم إلى الحياة الدنيا، وذلك في زمن خروج المهدي -المزعوم عندهم-.
يقول أحمد الأحسائي([178]) في كتاب الرجعة: (اعلم أن الرجعة في الأصل يراد بها رجوع الأموات إلى الدنيا، كأنهم خرجوا منها ورجعوا إليها).([179])
ويقول الزنجاني -وهو من علمائهم المعاصرين-: (الرجعة عبارة عن حشر قوم عند قيام القائم الحجة عليه السلام، ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته؛ ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته، بظهور دولته، وقوم من أعدائه ينتقم منهم، وينالوا بعض ما يستحقونه من العذاب والقتل على أيدي شيعته؛ وليبتلوا بالذل والخزي بما يشاهدونه من علو كلمته، وهي عندنا الإمامية الإثني عشرية تختص بمن محّض الإيمان، ومحّض الكفر والباقون سكوت عنهم).([180])
فالرجعة عندهم هي للأئمة، ومن محّض الإيمان من أوليائهم، ومن محّض الكفر من أعدائهم -وهم يعنون بذلك الصحابة رضي الله عنهم- والقصد من ذلك هو إظهار العز والنصر للأئمة ومواليهم، والانتقام من أعدائهم، كما نص على هذا الزنجاني في كلامه المتقدم، وقد دلت على هذا رواياتهم وأقوال علمائهم المتقدمين.
جاء في تفسير القمي نسبة إلى علي بن الحسين رحمه الله: أنه قال في تفسير قوله تعالى: [[((إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ)) [القصص:85] قال: (يرجع نبيكم صلى الله عليه وآله، وأمير المؤمنين، والأئمة عليهم السلام]].([181])
وممن يرجع عندهم للعذاب بزعمهم -أبو بكر وعمر.
يقول نعمة الله الجزائري بعد أن ذكر لعن الشيخين، وأنه من ضروريات المذهب عندهم: (وفي الأخبار ما هو أغرب من هذا: وهو أن مولانا صاحب الزمان عليه السلام، إذا ظهر وأتى المدينة أخرجهما من قبريهما، فيعذبهما على كل ما وقع في العالم من الظلم المتقدم على زمانيهما: كقتل قابيل هابيل، وطرح إخوة يوسف له في الجبّ، ورمي إبراهيم في نار نمرود، وإخراج موسى خائفاً يترقب، وعقر ناقة صالح، وعبادة من عبد النيران، فيكون لهما الحظ الأوفر من أنواع ذلك العذاب)([182])، وهذه الرواية كافية الدلالة على سخف عقول القوم، وشدة حقدهم وبغضهم لخيري هذه الأمة بعد نبيها أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
وقد جاءت أقوال علمائهم موضحة ومفصلة لبيان من يرجع من الأموات:
يقول المرتضى: (اعلم أن الذي قد ذهب الشيعة الإمامية إليه: أن الله تعالى يعيد عند ظهور إمام الزمان المهدي صلوات الله عليه قوماً ممن كان تقدم موته من شيعته، ليفوز بثواب نصرته ومعونته، ومشاهدة دولته، ويعيد أيضاً قوماً من أعدائه لينتقم منهم، فيلتذون بما يشاهدون من ظهور الحق، وعلو كلمة أهله).([183])
ويقول الأحسائي في بيان معنى الرجعة: (والمراد بها رجوع الأئمة عليهم السلام وشيعتهم وأعدائهم، ممن محّض من الفريقين الإيمان أو الكفر محضاً).([184])
ولعقيدة الرجعة عند الرافضة أهمية بالغة، ومكانة عالية، دلت عليها رواياتهم وأقوال علمائهم.
جاء في كتاب علم اليقين([185]) عن الصادق أنه قال: [[ليس منا من لا يؤمن برجعتنا، ويقر بمتعتنا]].([186])
ويقول أحمد الأحسائي: (اعلم أن الرجعة سرٌّ من الله، والقول بها ثمرة الإيمان بالغيب).([187])
ويقول أيضاً في معرض استدلاله للرجعة: (فقد تكررت في أحاديثهم، وأدعيتهم، وزياراتهم، حتى إن من تتبع آثارهم حصل له العلم القطعي بأن الرجعة من متمات الإيمان عندهم، والقول بها شعارهم).([188])
ولهذا كان القول بالرجعة وتقريرها، محل إجماع الرافضة، كما نقل ذلك غير واحد من أئمتهم.
يقول المفيد: (واتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة، وإن كان بينهم في معنى الرجعة اختلاف).([189])
ويقول المرتضى: وإذا ثبت جواز الرجعة، ودخولها تحت المقدور، فالطريق إلى إثباتها إجماع الإمامية على وقوعها، فإنهم لا يختلفون في ذلك).([190])
ويقول الحر العاملي ضمن ذكره الأدلة على إثبات الرجعة: (الضرورة: فإن ثبوت الرجعة من ضروريات مذهب الإمامية عند جميع العلماء المعروفين المشهورين، بل يعلم العامة أن ذلك من مذهب الشيعة، فلا ترى أحداً يعرف اسمه، ويعلم له تصنيف من الإمامية يصرح بإنكار الرجعة ولا تأويلها).([191])
ويقول الأحسائي: (وقد نقل الإجماع على ثبوتها العلماء، وهو عندنا حجة لكشفه عن قول المعصوم عليه السلام).([192])
ويقول أيضاً: (إن الرجعة لم تثبت بخصوص أخبار آحاد ليمكن تأويلها أوطرحها، وإنما ثبتت بأخبار متواترة مضى عليها عمل العلماء واعتقادهم، على أن أكثرهم إنما عوّل على الإجماع الذي هو مقطوع به، ولا يحتمل التأويل بأن الله يحي أمواتاً عند قيام القائم عليه السلام من أوليائه وأعدائه).([193])
ويقول أيضاً: (فإذا عرفت هذا فاعلم يا أخي: أني لا أظنك ترتاب بعدما مهدت وأوضحت لك في القول بالرجعة، التي أجمعت الشيعة عليها في جميع الأعصار، واشتهرت بينهم كالشمس في رابعة النهار، حتى نظموها في أشعارهم، واحتجوا بها على جميع المخالفين في جميع أعصارهم، وشنّع المخالفون عليهم في ذلك).([194])
ويقول عبد الله شبّر: (اعلم أن ثبوت الرجعة مما أجمعت عليه الشيعة الحقة، والفرقة المحقة، بل هي من ضروريات مذهبهم).([195])
وأقوالهم في تقرير هذه العقيدة الفاسدة التي نَقلَتْ إجماع علمائهم عليها كثيرة جداً، وإنما سقت هنا بعضها.
وقد أفرد (عقيدة الرجعة) بالتأليف بعض علمائهم الكبار كالحر العاملي الذي ألف كتاب الإيقاظ من الهجعة في إثبات الرجعة. والأحسائي الذي ألف كتاب الرجعة، وغيرها من المؤلفات الخاصة التي تنتصر لهذه العقيدة الفاسدة، بمئات الروايات المكذوبة على الأئمة، وتدعي تواترها عنهم. وأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها ومنهم برآء.
عقيدة التقيّة:- [عقيدة الرافضة في التقية]:=
التقيّة من عقائد الرافضة المشهورة، التي تحتل مكانة كبيرة، ومنزلة رفيعة من دينهم، ولهم في فضلها مبالغات كبيرة.
ففي الكافي والمحاسن أن أبا جعفر قال -بزعمهم-: [[التقيّة من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقيّة له]].([196])
وفيهما أيضاً عن أبي عبد الله: [[إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له]].([197])
وعن أبي جعفر أنه قال: [[لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إلى الله من التقية، ياحبيب! إنه من كانت له تقيّة رفعه الله، ياحبيب! من لم تكن له تقيّة وضعه الله]].([198])
وعن أبي عبد الله أنه قال: [[... ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخَبْءِ، قلت: وما الخَبْء؟ قال: التقيّة]].([199])
والرافضة يحتجون لهذه العقيدة الفاسدة بقوله تعالى: ((لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)) [آل عمران:28]([200]) ولا حجة لهم في هذه الآية ولا غيرها من النصوص.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وهذه الآية حجة عليهم، فإن هذه الآية خوطب بها أولاً من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم من المؤمنين. فقيل لهم: ((لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)) [آل عمران:28]، وهذه الآية مدنية باتفاق العلماء، فإن سورة آل عمران كلها مدنية، وكذلك البقرة، والنساء، والمائدة، ومعلوم أن المؤمنين بالمدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أحد منهم يكتم إيمانه، ولا يظهر للكفار أنه منهم كما تفعله الرافضة مع الجمهور... والرافضة من أعظم الناس إظهاراً لمودة أهل السنة، ولا يظهر أحدهم دينه حتى إنهم يحفظون من فضائل الصحابة والقصائد التي في مدحهم وهجاء الرافضة، ما يتوددون به إلى أهل السنة، ولا يظهر أحدهم دينه كما كان المؤمنون يظهرون دينهم للمشركين وأهل الكتاب، فعلم أنهم من أبعد الناس عن العمل بهذه الآية. وأما قوله تعالى: ((إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)) [آل عمران:28]، قال مجاهد: إلا مصانعة.
والتقاة ليست بأن أكذب وأقول بلساني ما ليس في قلبي، فإن هذا نفاق، ولكن أفعل ما أقدر عليه، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان}.([201])
فالمؤمن إذا كان بين الكفار والفجار، ولم يكن عليه أن يجاهدهم بيده مع عجزه، ولكن إن أمكنه بلسانه وإلا فبقلبه، مع أنه لا يكذب ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، إما أن يظهر دينه، وإما أن يكتمه، وهو مع هذا لا يوافقهم على دينهم كله، بل غايته أن يكون كمؤمن آل فرعون وامرأة فرعون، وهو لم يكن موافقاً لهم على جميع دينهم، ولا كان يكذب، ولا يقول بلسانه ما ليس في قلبه، بل كان يكتم إيمانه، وكتمان الدين شيء، وإظهار الدين الباطل شيء آخر).([202])
فتبين أنه لا حجة للرافضة في هذه الآية، بل إن عقيدة التقيّة عندهم مناقضة لأصل الإسلام وقواعد الشريعة.
فالتقية الواردة في الآية هي: كتم ما لا يستطيع أن يظهره المسلم من دينه عند الكفار، دون إظهار دينهم وموافقتهم فيه، والرافضة يظهرون من عقائد مخالفيهم غير ما يعتقدون. فقد رووا عن أبي جعفر أنه قال: [[خالطوهم بالبرانية، وخالفوهم بالجوانية، إذا كانت الإمرة صبيانية]].([203])
ويقول البحراني مبيناً معنى التقية عندهم: (المراد بها إظهار موافقة أهل الخلاف فيما يدينون به خوفاً).([204])
ويقول الخميني: (التقية معناها: أن يقول الإنسان قولاً مغايراً للواقع، أو يأتي بعمل مناقض لموازين الشريعة، وذلك حفاظاً لدمه، أو عرضه، أو ماله).([205])
والتقية الواردة في الآية إنما هي في حال الخوف، والرافضة يبيحون التقية على كل حال.
روى الطوسي عن الصادق أنه قال: [[ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه؛ ليكون سجيته مع من يحذره]].([206])
وما دلت عليه الآية من جواز كتم شيء من الدين عند الإكراه، لا يعدو أن يكون رخصة، وترك الرخصة والأخذ بالعزيمة جائز في الشرع، بل إنه من أعظم الجهاد في سبيل الله.
وأما الرافضة: فالأخذ بالتقية عندهم واجب، بل إنه لا دين لمن لا تقية له، والتقية هي تسعة أعشار الدين عندهم، كما تقدم في رواياتهم.
وقد رووا عن علي بن محمد من مسائل داود الصرمي عنه أنه قال له: [[يا داود! لو قلت لك: إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً]].([207])
وعن الباقر أنه قال: [[أشرف أخلاق الأئمة، والفاضلين من شيعتنا استعمال التقية]].([208])
والرافضة يجيزون التقية في كل شيء حتى في العبادات.
روى الصدوق عن أبي عبد الله أنه قال: [[ما منكم أحد يصلي صلاة فريضة في وقتها، ثم يصلي معهم صلاة تقية وهو متوضئ إلا كتب الله له بها خمساً وعشرين درجة، فارغبوا في ذلك]].([209])
ويقول الصدوق: [[وقال لي أبي في رسالته إليّ: لا تصل خلف أحد إلا خلف رجلين: أحدهما من تثق بدينه وورعه، وآخر تتقي سيفه وسطوته، وشناعته على الدين، وصل خلفه على سبيل التقية والمداراة]].([210])
ورووا عن الصادق: [[أنه دخل على أبي العباس في يوم شك وهو يتغذى، فقال: ليس هذا من أيامك، فقال الصادق: ما صومي إلا صومك، ولا فطري إلا فطرك، فقال: ادن، فدنوت وأكلت، وأنا والله أعلم أنه من رمضان]].([211])
ومعلوم لدى الخاص والعام من المسلمين، مناقضة هذا لأصل دين الإسلام القائم على وجوب الإخلاص لله في الأعمال، والمتابعة لنبيه صلى الله عليه وسلم فيها وأن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً لوجهه، على وفق سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
ومن خلال هذا العرض يتبين أن عقيدة التقية عند الرافضة، إنما هي نفاق محض، بكل صورها وأشكالها، وأن الإسلام بريء منها ومن أهلها، وأن ما يقرره الرافضة ويدينون به، ويتعاملون به مع المسلمين باسم التقية هو حقيقة ما كان عليه المنافقون في عهد البعثة الذين فضحهم الله وبين حالهم بقوله: ((وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)) [البقرة:14].
وبقوله: ((إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً)) [النساء:142].
فعلى المسلمين اليوم أن يكونوا على حذر ويقظة من حيل الرافضة ومكرهم، وألا ينخدعوا بما يظهرون لهم من الموافقة، وإخفاء تلك العقائد الفاسدة، التي يقوم عليها دينهم، وتبنى عليها عقيدتهم، كعقيدة تحريف القرآن، وتكفير الصحابة، وحقدهم الدفين على الأمة وعلمائها، وغيرها من عقائدهم المقررة في كتبهم، وليعلم أولئك المخدوعون بهم من أهل السنة وبما يظهرون لهم من الموافقة في الدين أن دينهم يقوم على ذلك النفاق والخداع، من يوم أن عرفت الرافضة إلى اليوم، وأن هذا المسلك يمثل عقيدة أصيلة عندهم هي تسعة أعشار دينهم، ولا إيمان لمن لم يحققها، على ما صرحت بذلك كتبهم القديمة والحديثة، فهل يعي المغرورون ويتنبه الغافلون؟!

 
المبحث الرابع: مطاعن الرافضة على أئمة أهل السنة وعلمائهم
انفرد الرافضة من بين طوائف الأمة بحقدهم العظيم، وطعنهم الشديد، على سائر سلف الأمة وعلمائها ابتداء من الصحابة إلى علماء السنة المعاصرين، على ما هو معلوم لدى المطلع على كتبهم.
وفي الحقيقة إن المتأمل لعداوة الرافضة لسلف الأمة وعلمائها يدرك أن هذه العداوة نابعة من بغض مؤسسي هذا المذهب الخبيث لهذا الدين وأهله، حيث وضعوا لأتباعهم الطعن في نقلة هذا الدين وعلمائه بقصد هدمه من أساسه.
وإن من الأدلة الظاهرة، والبراهين الساطعة، على صحة هذا أن عداوة الرافضة تزداد بحسب مكانة الرجل في الإسلام، وسبقه إليه، وبلائه فيه. ولهذا يجد المطلع على أقوالهم وكتبهم، أنه قد ورد فيها من المطاعن في حق أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ما لم يرد في حق غيرهما من الصحابة حتى من الذين اختلفوا مع علي رضي الله عنه وذلك لمكانتهما العالية في الدين وحسن بلائهما فيه، كما أن لهم من المطاعن في الصحابة عموماً ما ليس في من بعدهم من السلف، وكذلك لهم من المطاعن في أئمة الإسلام وعلمائه ما ليس في من هم دونهم في الفضل.
وأغرب من هذا كله: أن هؤلاء الرافضة في الوقت الذي يطعنون فيه في خيار أئمة أهل السنة -الذين هم أعظم الناس تحقيقاً لموالاة علي رضي الله عنه ومحبته المحبة الشرعية الصحيحة- ويرمونهم بما يرمونهم به من الكفر، والنفاق، يغضون الطرف عن الخوارج الذين يكفرونه، والنواصب الذين يفسقونه، وإذا ما ذكروهم، فإنهم لا يذكرونهم بما يذكرون به أئمة أهل السنة من الذم والقدح.
وإن كان الحديث قد سبق بذكر بعض مطاعنهم على الصحابة، فإني أذكر هنا بعض مطاعنهم على أئمة أهل السنة وعلمائهم، الذين هم خيار الأمة بعد الصحابة:
فمن ذلك ما أورده النباطي([212]) في كتابه الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم حيث أورد في المجلد الثالث من هذا الكتاب فصلاً خاصاً بالطعن على رواة أهل السنة وعلمائهم عنون له بقوله: (في ذكر رواتهم والطعن فيهم).
قال بعد الطعن في طائفة كبيرة من فقهاء الصحابة وفي سياق طعنه في أئمة أهل السنة من بعد الصحابة: (ومنهم: مقاتل، قال الجزري: كان كذاباً بإجماع المحدثين، وقال وكيع: كذاب، وقال السعدي: كان حسوداً...
ومنهم: محمد بن سيرين كان مؤدِّباً للحجاج على ولده، وكان يسمعه يلعن علياً فلا ينكر عليه، فلما لعن الناس الحجاج خرج من المسجد وقال: لا أطيق أسمع شتمه.
ومنهم: سفيان الثوري كان في شرطة هشام بن عبد الملك.
ومنهم: الزهري، قال سفيان بن وكيع: إنه كان يضع الأحاديث لبني مروان وكان مع عبد الملك يلعن علياً. وروى الشاذكوني([213]) بطريقين أنه قتل غلاماً له.
ومنهم: سعيد بن المسيب، فقيه الحجاز، روى أبو معشر أنه تأبىّ من حضور جنازة علي بن الحسين، وهو ابن ناقل هذا الدين، ومحمود عند سائر المسلمين، وقال: ركعتين أحب إليَّ من حضور علي بن الحسين.
ومنهم: خالد الواسطي، روى: الجنة والنار يخربان.
ومنهم: منصور بن المعتمر كان شرطياً لهشام بن عبد الملك.
ومنهم: سعيد بن جبير، كان على عطاء الخيل في زمرة الحجاج وتخلف عن الحسين.
ومنهم: الحسن البصري، خرج مع ابن الأشعث، وتخلف عن الحسين، وخرج في جند الحجاج إلى خراسان، وقال في عثمان: قتله الكفار، وخذله المنافقون، فنسب جمع المهاجرين والأنصار إلى النفاق.
ومنهم: مسروق بن الأجدع، ومرّة الهمدانيان: لم يخرجا مع علي إلى صفين، بل أخذا عطاءهما منه وهربا إلى قزوين، وكان مسروق يلي الجسر بالبصرة لعبيد الله بن زياد يأخذ له المكس...
ومنهم: كعب الأحبار، ضربه أبو ذر بمحجنه فشجه، فقال له: ما خرجت اليهودية من قبلك.
ومنهم: إبراهيم النخعي، تخلف عن الحسين، وخرج مع ابن الأشعث، وفي جيش عبيد الله بن زياد إلى خراسان.
ومنهم: أبو إسحاق السبيعي، خرج إلى قتال الحسين عليه السلام.
ومنهم: الشعبي، خرج مع ابن الأشعث، وتخلف عن الحسين، وأسند الشاذكوني أنه سرق من بيت المال مائة درهم في خفية، وأن شريحاً، ومسروقاً، ومرّة، كانوا لايؤمّنون على دعائه.
وأسند العطار إلى بهلول إلى أبي حنيفة قال: دخلت على الشعبي وبين يديه شطرنج، وروى أبو بكر الكوفي عن المغيرة أن الشعبي كان لا يهون عليه أن تقوم الصلاة وهو يلعب بالشطرنج والنرد، وروى الفضل بن سليمان عن النضر بن محارب أنه رأى الشعبي يلعب بالشطرنج، فإذا مر عليه من يعرفه أدخل رأسه في قطيفته.
ومنهم: خالد الحذّاء، روى عنه أبو عاصم النيلي أنه أول من وضع العشور، وروى فقهاؤهم مثل: حماد بن زيد، وغيره: إنا لنرى علياً بمنزلة العجل الذي اتخذه بنو إسرائيل.
فهذا اختلاف من أخذوا عنهم أمر دينهم واعتمدوا في الاحتجاج على قولهم. وقد ذكر علماؤهم أن عامة من تعلق بهم علم الحديث مبتدعة).([214])
هذا ما ذكره النباطي في الطعن على أئمة أهل السنة والنيل منهم وبعض ما ذكره منقول بنصه من كتاب الإيضاح لابن شاذان.([215])
ويقول نعمة الله الجزائري في كتابه الأنوار النعمانية تحت عنوان: (ظلمة حالكة في بيان أحوال الصوفية والنواصب): (اعلم أن هذا الاسم وهو التصوف كان مستعملاً في فرقة من الحكماء الزائغين عن طريق الحق، ثم قد استعمل بعده في جماعة من الزنادقة، وبعد مجئ الإسلام استعمل في جماعة من أهل الخلاف كالحسن البصري، وسفيان الثوري، وأبي هشام الكوفي، ونحوهم، وقد كانوا في طرق من الخلاف مع الأئمة عليهم السلام، فإن هؤلاء المذكورين قد عارضوا الأئمة عليهم السلام في أعصارهم، وباحثوهم وأرادوا إطفاء نور الله، والله متم نوره ولو كره الكافرون، والذي وجد منهم في أعصار علمائنا رضوان الله عليهم، قد عارضهم ورد عليهم، وصنف علماؤنا كتباً في ذمهم والرد عليهم).([216])
فهذا هو موقف الرافضة من خيار الأمة بعد الصحابة وهم التابعون وأتباعهم، الذين هم حملة العلم، وقدوة الناس في الخير والفضل. وإنما ذكرت هنا نماذج من طعنهم فيهم، بغية الاختصار، وإلا فكتبهم تزخر بالكثير من المطاعن والشتائم على أولئك الأخيار.
وأما أئمة المذاهب الفقهية الأربعة عند أهل السنة فقد بالغوا في الطعن عليهم بحسب مقامهم في الأمة وانتفاع الناس بعلومهم.
وها هي ذي نماذج من مطاعنهم عليهم:
طعنهم في الإمام أبي حنيفة رحمه الله:-
يقول النباطي ضمن فصل خاص عقده للطعن في الأئمة الأربعة بعنوان: (في تخطئة كل واحد من الأئمة الأربعة): (الأول أبو حنيفة، وفيه أمور:...
قال الغزالي: أجاز أبو حنيفة وضع الحديث على وفق مذهبه.
وعن يوسف بن أسباط، قال أبو حنيفة: لو أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخذ بكثير من أقوالي...
وفي مجالس ابن مهدي: كان أبو حنيفة يشرب مع مساور فلما تنسك عاب مساوراً فكتب إليه شعراً:
إن كان فقهك لا يتم        بغير شتمي وانتقاصي
فاقعد وقم بي حيث شئت   من الأداني والأقاصي
فلطال ما زكّيتني    وأنا مقيم على المعاصي
أيام تعطينى وتأخذ  في أباريق الرصاص
فأنفذ إليه أبو حنيفة بمال وكف عنه...)([217]) إلخ ماذكره من مطاعن وأكاذيب على هذا الإمام الجليل، عليه من الله ما يستحق.
ويقول البحراني: (وأما أبو حنيفة فكان يقول: قال علي عليه السلام وأنا أقول خلافاً لقوله، وحُكي عنه أنه كان يقول خالفت جعفر بن محمد في جميع أقواله وفتاواه، ولم يبق إلا حالة السجود، فما أدري أنه يغمض عينيه أو يفتحها حتى أذهب إلى خلافه، وأفتي الناس بنقيض فعله).([218])
طعنهم في الإمام مالك رحمه الله:-
يقول النباطي ضمن طعنه عليه: (كان مالكاً يذكر علياً وعثمان وطلحة والزبير، ويقول: والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر.
ودخل محمد بن الحسن على مالك ليسمع منه الحديث فسمع في داره المزمار والأوتار فأنكر عليه فقال: إنا لا نرى به بأساً.
وفي حلية الأولياء وغيرها عن ابن حنبل وأبي داود أن جعفر بن سليمان ضرب مالكاً وحلقه وحمله على بعير، وروي أنه كان على رأي الخوارج فسئل عنهم فقال: ما أقول في قوم ولونا فعدلوا فينا).([219])
طعنهم في الإمام الشافعي رحمه الله:-
يقول النباطي في معرض طعنه عليه: (عن أبي بكر بن عياش أنه قال: سوّد الله وجه ابن إدريس.
وقال عمار بن زريق: ذكر الشافعي عند الثوري فقال: غير فقيه ولا مأمون.
وقال القاضي بن شهري: كان الشافعي لا يحدث إلا ولجانبه غلام أمرد حسن الوجه...
وقال النباطي: ونسب نبينا إلى الرغبة في الحرام حيث قال: إذا أبصر امرأة وأعجبته وجب على زوجها طلاقها).([220])
طعنهم في الإمام أحمد رحمه الله:-
يقول الكشي في ترجمته: (هو من أولاد ذي الثدية، جاهل، شديد النصب، يستعمل الحياكة، لا يعد من الفقهاء).([221])
ويقول النباطي: (في مسند جعفر قال أحمد: لا يكون الرجل سنياً حتى يبغض علياً ولو قليلاً).([222])
ويقول أيضاً: (ووقع الراضي بالله نسخة للحنابلة فيها: وقد تأمل أمير المؤمنين جماعتكم، وكشفت له الخبرة عن مذهب صاحبكم، فوجده كاللعين إبليس يزين لحزبه المحظور، ويركب بهم صعاب الأمور، ويدلي لهم حبل الغرور).([223])
وأما الإمامان المحدثان البخاري ومسلم:-
فيقول النباطي في الطعن عليهما: (كتم البخاري ومسلم أخباراً جمة في فضائل أهل البيت صحيحة على شرطهما).([224])
ويقول بعد أن ذكر جملة من الأحاديث الموضوعة والضعيفة زعم أن الشيخين قد أسقطاها من كتابيهما-: (فهذه الأحاديث إن كانت لم تصل إلى الشيخين مع شهرتها، فهو دليل قصورهما فكيف يرجحون كتابيهما ويلهجون بذكرهما على غيرهما، وإن وصلت إليهما فتركا روايتها ونقلها كان ذلك من أكبر التهمة والانحراف، والرجوع عن السبيل الواضح إلى الاعتساف).([225])
ويقول أيضاً في طعنه على الإمام البخاري: (ما رأينا عند العامة أكثر صيتاً منه، ولا أكثر درجة منه، فكأنه جيفة علت، أو كلفة([226]) غشت بدراً، كتم الحق وأقصاه، وأظهر الباطل وأدناه).([227])
فهذه نماذج مما جاء في كتب الرافضة في حق أئمة أهل السنة وعلمائهم، توضح مدى حقدهم وبغضهم، وشدة عدائهم لهم.
وليعلم القارئ أني إنما سقت هنا أمثلة فقط وإلا فقد تركت نصوصاً أخرى لهم في الطعن في السلف، فيها قدح شنيع، ونيل عظيم من أعراضهم ودينهم؛ تنزهاً عن نقلها، وتأثماً من نشرها بين الناس.
وأختم الحديث هنا بنقل مهم عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان موقف الرافضة من سلف الأمة وأئمتها تأكيداً لما تقدم نقله من كتبهم.
يقول رحمه الله: (الرافضة كفّرت أبا بكر، و عمر، و عثمان، وعامة المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكفروا جماهير أمة محمد صلى الله عليه وسلم من المتقدمين والمتأخرين.
فيكفرون كل من اعتقد في أبي بكر، وعمر، والمهاجرين، والأنصار؛ العدالة، أو ترضى عنهم كما رضي الله عنهم، أو يستغفر لهم كما أمر الله بالاستغفار لهم، ولهذا يكفرون أعلام الملة: مثل سعيد بن المسيب، وأبي مسلم الخولاني، وأويس القرني، وعطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، ومثل: مالك، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، والثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وغير هؤلاء.
ويرون أن كفرهم أغلظ من كفر اليهود والنصارى، لأن أولئك عندهم كفار أصليون، وهؤلاء مرتدون، وكفر الردة أغلظ بالإجماع من الكفر الأصلي.
إلى أن قال: وأكثر محققيهم -عندهم- يرون أبا بكر وعمر وأكثر المهاجرين والأنصار، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل: عائشة، وحفصة، وسائر أئمة المسلمين وعامتهم ما آمنوا بالله طرفة عين قط، لأن الإيمان الذي يتعقبه الكفر عندهم يكون باطلاً من أصله كما يقوله بعض علماء السنة، ومنهم من يرى أن فرج النبي صلى الله عليه وسلم الذي جامع به عائشة وحفصة لابد أن تمسه النار ليطهر بذلك من وطء الكوافر على زعمهم؛ لأن وطء الكوافر حرام عندهم).([228])

 
المبحث الخامس: موقف أهل السنة من الرافضة ومن عقيدتهم
أولاً: موقف أهل البيت من الرافضة ومن عقائدهم:-
أئمة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم كسائر أهل السنة في موقفهم من الرافضة ومن عقائدهم، فهم يعتقدون ضلالهم وانحرافهم عن السنة، وبعدهم عن الحق. وهم من أشد الناس ذماً ومقتاً لهم وذلك لنسبتهم تلك العقائد الفاسدة إليهم، وكثرة كذبهم عليهم، وقد تعددت عبارات أهل البيت وتنوعت في ذم الرافضة وبراءتهم من عقيدتهم.
فمما جاء عنهم في براءتهم من عقائد الرافضة وتأصيلهم عقيدة أهل السنة:-
ما ثبت عن علي رضي الله عنه وتواتر عنه أنه قال وهو على منبر الكوفة: [[خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما]].([229])
وعنه رضي الله عنه أنه قال: [[لا يفضلني أحد على الشيخين إلا جلدته حد المفتري]].([230])
وفي الصحيحين أنه قال في حق عمر عند تشييعه: [[ما خلفت أحداً أحب إلي من أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذلك أني كنت أسمع كثيراً رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، وإن كنت لأظن أن يجعلك الله معهما]].([231])
وهذه الآثار الثابتة عن علي رضي الله عنه تناقض عقيدة الرافضة في الشيخين كما تقدم، وتدل على براءة علي رضي الله عنه من الرافضة ومن عقيدتهم، وتوليه للشيخين وسائر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وحبه لهم، وإقراره للشيخين بالفضل عليه، وعقوبته من فضله عليهما، وتمنيه أن يلقى الله بمثل عمل عمر. فرضي الله عنه وعن سائر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الطيبين المطهرين من كل ما ينسبه إليهم أهل البدع من الرافضة، والخوارج المارقين.
ثم من بعد علي رضي الله عنه جاءت أقوال أبنائه، وأهل بيته، في البراءة من الرافضة ومن عقيدتهم، وانتصارهم لعقيدة أهل السنة. وإليك طرفاً من أقوالهم في ذلك:
قول الحسن بن علي رضي الله عنهما:-
عن عمرو بن الأصم قال: قلت للحسن: إن الشيعة تزعم أن علياً مبعوث قبل يوم القيامة، قال: [[كذبوا والله ما هؤلاء بالشيعة؛ لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه، ولا اقتسمنا ماله]].([232])
وروى أبو نعيم قيل للحسن بن علي رضي الله عنهما: إن الناس يقولون: إنك تريد الخلافة، قال: [[كانت جماجم العرب في يدي، يحاربون من حاربت، ويسالمون من سالمت، فتركتها ابتغاء وجه الله، وحقن دماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم]].([233])
قول الحسين بن علي رضي الله عنهما:-
كان يقول في شيعة العراق -الذين كاتبوه ووعدوه بالنصر، ثم تفرقوا عنه وأسلموه إلى أعدائه-: (اللهم إن أهل العراق غرّوني، وخدعوني، وصنعوا بأخي ما صنعوا، اللهم شتت عليهم أمرهم، وأحصهم عدداً).([234])
ثم كان نتيجة غدرهم وخذلانهم له استشهاده رضي الله عنه هو وعامة من كان معه من أهل بيته، بعد أن تفرق عنه هؤلاء الخونة. فكان مقتله رضي الله عنه مصيبة عظيمة، ومأساة جسيمة، يتفطر لها قلب كل مسلم، تولى كبرها هؤلاء الشيعة، الذين يظهرون اليوم تحسرهم وندمهم على مقتل الحسين بإقامة تلك المآتم المبتدعة في يوم عاشوراء من كل سنة، فقبحهم الله ما أكذب دعواهم في ولاية أهل البيت! وأعظم غدرهم وخذلانهم لهم!!
قول علي بن الحسين رحمه الله:-
ثبت عنه أنه قال: [[يا أهل العراق! أحبونا حب الإسلام، ولا تحبونا حب الأصنام، فما زال بنا حبكم حتى صار علينا شيناً]]([235])
وعنه رحمه الله: أنه جاءه نفر من أهل العراق، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلما فرغوا قال لهم: [[ألا تخبروني أنتم المهاجرون الأولون الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، وينصرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون؟ قالوا: لا‍‍! قال: فأنتم الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم، يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون؟ قالوا: لا‍! قال: أشهد أنكم لستم من الذين قال الله عز وجل: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10] اخرجوا فعل الله بكم]].([236])
قول محمد بن علي الباقر:-
عن محمد بن علي أنه قال: [[أجمع بنو فاطمة على أن يقولوا في أبي بكر وعمر أحسن ما يكون من القول]].([237])
وعنه رحمه الله أنه قال لجابر الجعفي: [[إن قوماً بالعراق يزعمون أنهم يحبوننا، ويتناولون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، ويزعمون أني أمرتهم بذلك؛ فأخبرهم أني أبرأ إلى الله تعالى منهم، والله بريء منهم، والذي نفس محمد بيده لو وليت؛ لتقربت إلى الله بدمائهم، لا نالتني شفاعة محمد، إن لم أكن أستغفر لهما، وأترحم عليهما، إن أعداء الله غافلون عنهما]].([238])
وعن بسام الصيرفي قال: سألت أبا جعفر عن أبي بكر وعمر فقال: [[والله إني لأتولاهما، وأستغفر لهما، وما أدركت أحداً من أهل بيتي إلا هو يتولاهما]].([239])
قول زيد بن علي رحمه الله:-
عن زيد بن علي أنه قال: [[كان أبو بكر إمام الشاكرين، ثم تلا ((وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) [آل عمران:144] ثم قال: البراءة من أبي بكر هي البراءة من علي]].([240])
وعنه رحمه الله أنه قال: [[البراءة من أبي بكر وعمر، البراءة من علي رضي الله عنهم، فإن شئت فتقدم، وإن شئت فتأخر]].([241])
قول جعفر بن محمد الصادق:-
عن عبد الجبار بن عباس الهمداني: أن جعفر بن محمد أتاهم وهم يريدون أن يرتحلوا من المدينة. فقال: [[إنكم إن شاء الله من صالحي أهل مصركم، فأبلغوهم عني: من زعم أني إمام معصوم مفترض الطاعة؛ فأنا منه بريء، ومن زعم أني أبرأ من أبي بكر وعمر؛ فأنا منه بريء]].([242])
وعن سالم بن أبي حفصة قال: سألت أبا جعفر وابنه جعفر عن أبي بكر وعمر فقال: يا سالم! تولهما وابرأ من عدوهما؛ فإنهما كانا إمامي هدى، ثم قال جعفر: يا سالم! أيسب رجل جده؟ أبو بكر جدي، لا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة إن لم أكن أتولاهما وأبرأ من عدوهما).([243])
وعن جعفر بن محمد أنه كان يقول: [[ما أرجوا من شفاعة علي شيئاً، إلا وأنا أرجوا من شفاعة أبي بكر مثله، لقد ولدني مرتين([244])]].([245])
وعنه رحمه الله أنه سئل عن أبي بكر وعمر فقال: [[إنك تسألني عن رجلين قد أكلا من ثمار الجنة]].
وعنه أنه قال: [[برئ الله ممن تبرأ من أبي بكر وعمر]]([246])
قال الذهبي معقباً على هذا الأثر: (قلت هذا القول متواتر عن جعفر الصادق، وأشهد بالله إنه لبار في قوله، غير منافق لأحد، فقبح الله الرافضة).([247])
فهذه هي أقوال أئمة أهل البيت، الطيبين، الطاهرين، الذين تدعي الرافضة إمامتهم وولايتهم، وينسبون إليهم عقيدتهم؛ جاءت موضحة ومبينة موقفهم من الرافضة، ومن دينهم، وبراءتهم منهم ومن كل ما يلصقونه بهم من عقائدهم المكفرة، ومطاعنهم على خيار الصحابة، وأمهات المؤمنين، وأن هؤلاء الأئمة من أهل البيت على عقيدة أهل السنة، ظاهراً وباطناً، في كل كبير وصغير، فهي عقيدتهم التي بها يدينون، وعليها يوالون ويعادون، وأن من نسب لهم غير ذلك فهو كاذب عليهم، ظالم لهم، فرحمهم الله رحمة واسعة، وقبح الله الرافضة ما أعظم فريتهم عليهم وأشد أذيتهم لهم.
ثانيا: أقوال المنسوبين للتشيع من الأئمة المتقدمين:-
([248])
روى اللالكائي عن ليث بن أبي سليم قال: (أدركت الشيعة الأولى ما يفضلون على أبي بكر وعمر أحداً).([249])
وعن سلمة بن كهيل أنه قال: (جالست المسيب بن نجبة الفزاري في هذا المسجد عشرين سنة، وناساً من الشيعة كثيراً، فما سمعت أحداً منهم تكلم في أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بخير، وما كان الكلام إلا في علي وعثمان([250])).([251])
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولهذا كانت الشيعة المتقدمون، الذين صحبوا علياً، أو كانوا في ذلك الزمان، لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكر وعمر، وإنما كان نزاعهم في تفضيل علي وعثمان، وهذا مما يعترف به علماء الشيعة الأكابر من الآوائل والأواخر).([252])
وروى اللالكائي عن إبراهيم بن أعين قال: قلت لشريك([253]): (أرأيت من قال: لا أفضل أحداً، قال: هذا أحمق أليس قد فُضِّل أبو بكر وعمر؟).([254])
وعن سليمان بن أبي شيخ قال: لقي عبد الله بن مصعب الزبيري شريكاً فقال: بلغني أنك تنال من أبي بكر وعمر؟ فقال شريك: (والله ما أنتقص الزبير، فكيف أنال من أبي بكر وعمر!!).([255])
وعن حفص بن غياث قال: سمعت شريكاً يقول: (قُبض النبي صلى الله عليه وسلم، واستخار المسلمون أبا بكر، فلو علموا أن فيهم أحداً أفضل منه كانوا قد غَشُّونا، ثم استخلف أبو بكر عمر، فقام بما قام به من الحق والعدل؛ فلما حضرته الوفاة جعل الأمر شورى بين ستة فاجتمعوا على عثمان، فلو علموا أن فيهم أفضل منه كانوا قد غَشُّونا).([256])
قال علي بن خشرم: (فأخبرني بعض أصحابنا من أهل الحديث أنه عرض هذا على عبد الله بن إدريس، فقال ابن إدريس: أنت سمعت هذا من حفص؟ قلت: نعم، قال: الحمد لله الذي أنطق بهذا لسانه، فوالله إنه لشيعي، وإن كان شريكاً لشيعي).([257])
قال الذهبي معقباً: (قلت: هذا التشيع الذي لا محذور فيه -إن شاء الله- إلا من قبيل الكلام فيمن حارب علياً رضي الله عنه من الصحابة، فإنه قبيح يؤدب فاعله...).([258])
وعن سلمة بن شبيب قال: سمعت عبد الرزاق([259]) يقول: (ما انشرح صدري قط أن أفضل علياً على أبي بكر -فرحمهما الله-، ورحم الله عثمان وعلياً، من لم يحبهم فما هو بمؤمن أوثق عملي حبي إياهم).([260])
وعن عبد الرزاق أيضاً أنه قال: (أفضل الشيخين بتفضيل علي إياهما على نفسه، كفى بي إزراء أن أخالف علياً رضي الله عنه).([261])
وروى اللالكائي عن أبي السائب عتبة بن عبد الله الهمداني قال: (كنت يوماً بحضرة الحسن بن زيد الداعي بطبرستان... وكان بحضرته رجل ذكر عائشة بذكر قبيح من الفاحشة، فقال: يا غلام! اضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا، فقال: معاذ الله هذا رجل طعن على النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: ((الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [النور:26] فإن كانت عائشة خبيثة فالنبي صلى الله عليه وسلم خبيث، فهو كافر فاضربوا عنقه. فضربوا عنقه وأنا حاضر).([262])
ثالثاً: أقوال أئمة السلف وأهل العلم من بعدهم:- [أقوال أئمة السلف وأهل العلم من بعدهم في الرافضة الإمامية]:=
اتفق سائر أئمة الدين، وعلماء المسلمين، المعتد بأقوالهم في الأمة، والمقتدى بأفعالهم فيها، جيلاً بعد جيل، وعصراً بعد عصر، منذ عصر الصحابة حتى هذا العصر الذي نعيش فيه على اختلاف أزمانهم وبلدانهم، وعلى تنوع مذاهبهم وعلومهم، من محدثين، ومفسرين، وفقهاء، ومؤرخين، ومحققين في الفرق والمقالات؛ على ذم الرافضة وتضليلهم، والتحذير منهم، وكونهم أبعد الناس عن الحق، وأشدهم زيغاً وانحرافاً، وأقربهم للكفر والإلحاد، وأخطرهم على الدين والعباد.
كما تضافرت كلمة المحققين منهم في أقوال الرافضة وعقيدتهم أنه ليس في الفرق المنتسبة للأمة أجهل، ولا أكذب، ولا أسخف، ولا أسفه، ولا أظلم، ولا أجرأ على حدود الله، ولا أعظم خذلاناً، ولا أكبر خسراناً في الدنيا والآخرة منهم، وما ابتليت الأمة بمثلهم.
وفيمايلي طائفة من أقوالهم في ذلك:
قول علقمة بن قيس النخعي رحمه الله (62هـ):-
روى عبد الله بن أحمد بسنده عن الشعبي عن علقمة قال: (لقد غلت هذه الشيعة في علي رضي الله عنه كما غلت النصارى في عيسى بن مريم).([263])
قول عامر الشعبي رحمه الله (105هـ):-
نقلت عنه آثار كثيرة في ذم الرافضة -وكان من أعرف الناس بهم-([264]) ومن هذه الآثار ما رواه عبد الله بن أحمد وغيره عنه أنه قال: (مارأيت قوماً أحمق من الشيعة).([265])
وعنه رحمه الله أنه قال: (لوكانت الشيعة من الطير لكانوا رخماً).
وقال: (نظرت في هذه الأهواء وكلمت أهلها فلم أر قوماً أقل عقولاً من الخشبية)([266])([267]).
وعنه أنه قال: (لو شئت أن يملؤا هذا البيت ذهباً وفضة، على أن أكذب لهم على علي لفعلوا. وكان يقول: لو كانت الشيعة من الطير لكانوا رخماً، ولو كانوا من الدواب لكانوا حمراً).([268])
وقال: (أحذركم الأهواء المضلة وشرّها الرافضة، وذلك أن منهم يهوداً يغمصون الإسلام لتحيا ضلالتهم، كما يغمص بولس بن شاول ملك اليهود النصرانية لتحيا ضلالتهم. ثم قال: لم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله، ولكن مقتاً لأهل الإسلام).([269])
قول طلحة بن مصرّف رحمه الله (112هـ):-
روى ابن بطة بسنده عنه أنه قال: (الرافضة لا تنكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم، لأنهم أهل ردة).([270])
وعن الحسن بن عمرو قال: قال طلحة بن مصرّف: (لولا أني على وضوء، لأخبرتك بما تقول الرافضة).([271])
قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله (150هـ):-
روى ابن عبد البر عن حماد بن أبي حنيفة أنه قال: سمعت أبا حنيفة يقول: [[الجماعة أن تفضل أبا بكر وعمر وعلياً وعثمان ولا تنتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم]].([272])
قول مسعر بن كدام رحمه الله (155هـ):-
روى اللالكائي: (أن مسعر بن كدام لقيه رجل من الرافضة فكلمه بشيء... فقال له مسعر: تنح عني فإنك شيطان).([273])
قول سفيان الثوري رحمه الله (161هـ):-
روى مؤمل بن إسماعيل عن سفيان قال: (تركتني الروافض وأنا أبغض أن أذكر فضائل علي([274])).([275])
وعن محمد بن يوسف الفريابي قال: (سمعت سفيان ورجل يسأله عن من يشتم أبا بكر وعمر؟ فقال: كافر بالله العظيم، قال: نصلي عليه؟ قال: لا، ولا كرامة، قال: فزاحمه الناس حتى حالوا بيني وبينه، فقلت للذي قريباً منه: ما قال؟ قلنا هو يقول: لا إله إلا الله مانصنع به؟ قال: لا تمسوه بأيديكم، ارفعوه بالخشب حتى تواروه في قبره).([276]).
قول الإمام مالك بن أنس رحمه الله (179هـ):-
روى الخلال بسنده عن الإمام مالك أنه قال: (الذي يشتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ليس لهم سهم، أوقال نصيب في الإسلام).([277])
وروى اللالكائي عنه أنه قال: (من سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس له في الفيء حق يقول الله عز وجل: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً)) [الحشر:8] الآية. هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هاجروا معه ثم قال: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ)) [الحشر:9] الآية. هؤلاء الأنصار، ثم قال: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)) [الحشر:10] فالفيء لهؤلاء الثلاثة، فمن سب أصحاب رسول لله صلى الله عليه وسلم فليس من هؤلاء الثلاثة، ولا حق له في الفيء).([278])
وقال أشهب بن عبد العزيز سئل مالك عن الرافضة فقال: (لا تكلمهم ولا تروِ عنهم فإنهم يكذبون).([279])
قول القاضي أبي يوسف رحمه الله (182هـ):-
روى اللالكائي بسنده عن أبي يوسف أنه قال: (لا أصلي خلف جهمي، ولا رافضي، ولا قدري).([280])
قول عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله (198هـ):-
قال البخاري: قال عبد الرحمن بن مهدي: (هما ملتان: الجهمية، والرافضة).([281])
قول الإمام الشافعي رحمه الله (204هـ):-
ثبت بنقل الأئمة عنه أنه قال: [[لم أر أحداً من أصحاب الأهواء، أكذب في الدعوى، ولا أشهد بالزور من الرافضة]].([282])
قول يزيد بن هارون رحمه الله (206هـ):-
قال مؤمل بن إهاب: سمعت يزيد بن هارون يقول: (يكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية إلا الرافضة فإنهم يكذبون).([283])
قول محمد بن يوسف الفريابي رحمه الله (212هـ):-
روى اللالكائي عنه أنه قال: (ما أرى الرافضة والجهمية إلا زنادقة).([284])
وعن موسى بن هارون قال: سمعت الفريابي ورجل يسأله عمن شتم أبا بكر وعمر؟ قال: كافر...، قال: فيصلى عليه؟ قال: لا، وسألته كيف يصنع به وهو يقول: لا إله إلا الله؟ قال: لا تمسوه بأيديكم ارفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته).([285])
قول أبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي رحمه الله (219هـ):-
قال في كتابه أصول السنة بعد أن ذكر الصحابة ووجوب الترحم عليهم: (فلم نؤمر إلا بالاستغفار لهم، فمن يسبهم، أو ينتقصهم أو أحداً منهم، فليس على السنة، وليس له في الفئ حق).([286])
قول القاسم بن سلام رحمه الله (224هـ):-
روى الخلال عن عباس الدوري قال: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول: (عاشرت الناس، وكلمت أهل الكلام، وكذا، فما رأيت أوسخ وسخاً، ولا أقذر قذراً، ولا أضعف حجة، ولا أحمق من الرافضة، ولقد وليت قضاء الثغور فنفيت منهم ثلاثة رجال: جهميين، ورافضي، أو رافضيين وجهمي، وقلت: مثلكم لا يساكن أهل الثغور فأخرجتهم).([287])
قول أحمد بن يونس رحمه الله (227هـ):-
روى اللالكائي عن عباس الدوري قال: سمعت أحمد بن يونس يقول: (إنا لا نأكل ذبيحة رجل رافضي، فإنه عندي مرتد).([288])
قول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله (241هـ):-
روى الخلال عدة روايات عنه في ذم الرافضة منها:
عن عبد الملك بن عبد الحميد قال: سمعت أبا عبد الله قال: [[من شتم أخاف عليه الكفر مثل: الروافض، ثم قال: من شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ لا نأمن عليه أن يكون مرق من الدين]].([289])
وعن عبد الله بن أحمد قال: [[سألت أبي عن رجل شتم رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما أراه على الإسلام]].([290])
وعن أبي بكر المروذي قال: [[سألت أبا عبد الله عن من يشتم أبا بكر وعمر وعائشة؟ قال: ما أراه على الإسلام]].([291])
وعن إسماعيل بن إسحاق أن أبا عبد الله سُئل عن رجل له جار رافضي يسلم عليه؟ قال: (لا، وإذا سلم عليه لا يرد عليه).([292])
قول الإمام البخاري رحمه الله (256هـ):-
قال في كتاب خلق أفعال العباد: (ما أبالي صليت خلف الجهمي والرافضي، أم صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يسلم عليهم، ولا يعادون، ولا يناكحون، ولا يشهدون، ولا تؤكل ذبائحهم).([293])
قول أبي زرعة الرازي رحمه الله (264هـ):-
روى الخطيب بسنده عنه أنه قال: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة).([294])
وروى اللالكائي من طريق عبد الرحمن بن أبي حاتم: أنه سأل أباه وأبا زرعة عن مذاهب السنة، واعتقادهما الذي أدركا عليه أهل العلم في جميع الأمصار، ومما جاء في كلامهما: (وإن الجهمية كفار، وإن الرافضة، رفضوا الإسلام).([295])
قول عبد الله بن قتيبة رحمه الله (276هـ):-
قال في كتابه: تأويل مختلف الحديث بعد حديثه عن أهل الكلام وأساليبهم في تفسير القرآن الدالة على جهلهم: (وأعجب من هذا التفسير، تفسير الروافض للقرآن، وما يدعونه من علم باطنه، بما وقع إليهم من الجفر... وهو جلد جفر ادعوا أنه كَتَبَ فيه لهم الإمام، كل ما يحتاجون إلى علمه، وكل ما يكون إلى يوم القيامة....
إلى أن قال: وهم أكثر أهل البدع افتراقاً ونحلاً... ولا نعلم في أهل البدع والأهواء، أحداً ادعى الربوبية لبشر غيرهم، فإن عبد الله بن سبأ ادعى الربوبية لعلي فأحرق علي أصحابه بالنار وقال في ذلك:
لما رأيت الأمر أمراً منكراً    أججت ناري ودعوت قنبرا
ولا نعلم أحداً ادعى النبوة لنفسه غيرهم، فإن المختار بن أبي عبيد ادعى النبوة لنفسه...).([296])
قول الإمام الطحاوي رحمه الله (321هـ):-
قال في عقيدته: (ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم: دين، وإيمان، وإحسان، وبغضهم: كفر، ونفاق، وطغيان).([297])
قول الحسن بن علي بن خلف البربهاري رحمه الله (329هـ):-
قال: (واعلم أن الأهواء كلها ردية، تدعوا إلى السيف، وأردؤها وأكفرها الرافضة، والمعتزلة، والجهمية؛ فإنهم يريدون الناس على التعطيل والزندقة).([298])
قول أبي حفص عمر بن شاهين (385هـ):-
قال في كتاب اللطيف: (وإن أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي عليهم السلام، وإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم أخيار أبرار، وإني أدين الله بمحبتهم كلهم، وأبرأ ممن سبهم، أو لعنهم، أو ضلّلهم، أو خوّنهم، أو كفّرهم...، وإني بريء من كل بدعة: من قدر، وإرجاء، ورفض، ونصب، واعتزال).([299])
قول ابن بطة رحمه الله (387هـ):-
قال في الإبانة الكبرى: (وأما الرافضة: فأشد الناس اختلافاً، وتبايناً، وتطاعناً، فكل واحد منهم يختار مذهباً لنفسه يلعن من خالفه عليه، ويكفر من لم يتبعه، وكلهم يقول: إنه لا صلاة، ولا صيام، ولا جهاد، ولا جمعة، ولا عيدين، ولا نكاح، ولا طلاق، ولا بيع، ولا شراء، إلا بإمام، وإنه من لا إمام له؛ فلا دين له، ومن لم يعرف إمامه؛ فلا دين له...
ولولا ما نؤثره من صيانة العلم، الذي أعلى الله أمره وشرّف قدره، ونزهه أن يخلط به نجاسات أهل الزيغ، وقبيح أقوالهم، ومذاهبهم، التي تقشعر الجلود من ذكرها، وتجزع النفوس من استماعها، وينزه العقلاء ألفاظهم وأسماعهم عن لفظها، لذكرت من ذلك ما فيه عبرة للمعتبرين).([300])
قول الإمام القحطاني رحمه الله (387هـ):-
قال في نونيته:
إن الروافضَ شرُّ من وطئ الحَصَى    من كلِّ إنسٍ ناطقٍ أو جانِ
مدحوا النّبيَ وخونوا أصحابه ورموُهمُ بالظلمِ والعدوانِ
حبّوا قرابتهَ وسبَّوا صحبه    جدلان عند الله منتقضانِ
([301])
قول (قوام السنة) أبي القاسم إسماعيل بن محمد الأصبهاني رحمه الله (535هـ):-
قال: (ومن بلغ من الخوارج والروافض في المذهب أن يكفر الصحابة، ومن القدرية أن يكفر من خالفه من المسلمين، ولا نرى الصلاة خلفهم، ولا نرى أحكام قُضاتهم وقضائهم جائزة، ورأى السيف واستباح الدم؛ فهؤلاء لا شهادة لهم).([302])
قول أبي بكر بن العربي رحمه الله (543هـ):-
قال في العواصم: (ما رضيت النصارى واليهود، في أصحاب موسى وعيسى، ما رضيت الروافض في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، حين حكموا عليهم بأنهم قد اتفقوا على الكفر والباطل).([303])
قول القاضي عياض رحمه الله (544هـ):-
قال: (وكذلك نقطع بتكفير غلاة الرافضة في قولهم: إن الأئمة أفضل من الأنبياء).([304])
قول ابن الجوزي رحمه الله (597هـ):-
قال: (وغلو الرافضة في حب علي رضي الله عنه، حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله، أكثرها تشينه وتؤذيه... ولهم مذاهب في الفقه ابتدعوها، وخرافات تُخالف الإجماع... في مسائل كثيرة يطول ذكرها خرقوا فيها الإجماع، وسوّل لهم إبليس وضعها على وجه لا يستندون فيه إلى أثر ولا قياس، بل إلى الواقعات، ومقابح الرافضة أكثر من أن تحصى).([305])
أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (728هـ):-
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أخبر الناس بالرافضة، وبعقيدتهم، وله في الرد عليهم كتابه العظيم: منهاج السنة الذي لم يُؤَلف في بابه مثله، والناس من بعده عالة عليه في الرد على الرافضة، كما له رسائل أخرى عظيمة النفع في دحض شُبه الرافضة، ورد باطلهم، فجزاه الله عن الإسلام خير ما جزى به علماء الأمة، الذابين عن السنة، والمجاهدين أعداءها.
وإليك أيها القارئ: نبذاً من كلامه في ذم الرافضة وفضحهم -حقها أن تكتب بماء الذهب- هي لك أيها السني درر وضيئة، تعرف بها حقيقة الرافضة، وشدة خطرهم، وللرافضة درة عُمَرِيّة تُقْمع بها رؤوسهم وأنوفهم.
قال رحمه الله ضمن حديثه عن الرافضة في منهاج السنة: (والله يعلم وكفى بالله عليماً، ليس في جميع الطوائف المنتسبة إلى الإسلام مع بدعة وضلالة شر منهم: لا أجهل، ولا أكذب، ولا أظلم، ولا أقرب إلى الكفر والفسوق والعصيان، وأبعد عن حقائق الإيمان منهم).([306])
ويقول: (وهؤلاء الرافضة: إما منافق، وإما جاهل، فلا يكون رافضي، ولا جهمي؛ إلا منافقاً، أو جاهلاً بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، لا يكون فيهم أحد عالماً بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مع الإيمان به. فإن مخالفتهم لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذبهم عليه لا يخفى قط إلا على مفرط في الجهل والهوى).([307])
ويقول: (والنفاق والزندقة في الرافضة أكثر منه في سائر الطوائف، بل لابد لكل منهم من شعبة من النفاق).([308])
وقال: (فبهذا يتبين أنهم شر من عامة أهل الأهواء... وأيضاً فغالب أئمتهم زنادقة إنما يظهرون الرفض لأنه طريق إلى هدم الإسلام).([309])
ويقول عن جهلهم وضلالهم: (القوم من أضل الناس عن سواء السبيل؛ فإن الأدلة إما نقلية، وإما عقلية، والقوم من أضل الناس في المنقول والمعقول في المذاهب والتقرير، وهم من أشبه الناس بمن قال الله فيهم: ((وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ)) [الملك:10] والقوم من أكذب الناس في النقليات، ومن أجهل الناس في العقليات، يصدقون من المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل، ويكذبون بالمعلوم من الاضطرار المتواتر أعظم تواتر في الأمة جيلاً بعد جيل).([310])
ويقول أيضاً: (إن الرافضة في الأصل ليسوا أهل علم وخبرة بطريق النظر والمناظرة، ومعرفة الأدلة، وما يدخل فيها من المنع والمعارضة، كما أنهم من أجهل الناس بمعرفة المنقولات والأحاديث والآثار والتمييز بين صحيحها وضعيفها).([311])
ويقول: (ثم من المعلوم لكل عاقل أنه ليس في علماء المسلمين المشهورين أحد رافضي، بل كلهم متفقون على تجهيل الرافضة وتضليلهم، وكتبهم كلها شاهدة بذلك، وهذه كتب الطوائف كلها تنطق بذلك مع أنه لا أحد يلجئهم إلى ذكر الرافضة وذكر جهلهم وضلالهم...
والله يعلم أني مع كثرة بحثي وتطلعي إلى معرفة أقوال الناس ومذاهبهم ما علمت رجلاً له في الأمة لسان صدق يتهم بمذهب الإمامية فضلاً عن أن يقال: إنه يعتقده في الباطن).([312])
ويضيف قائلاً: (فهل عرف أحد من فضلاء أصحاب الشافعي وأحمد وأصحاب مالك كان رافضياً؟ أم يعلم بالاضطرار أن كل فاضل منهم؛ فإنه من أشد الناس إنكاراً للرفض، وقد اتهم طائفة من أتباع الأئمة بالميل إلى نوع من الاعتزال، ولم يعلم عن أحد منهم أنه اتهم بالرفض لبعد الرفض عن طريق أهل العلم).([313])
ويقول عن اشتهارهم بالكذب: (وقد اتفق أهل العلم بالنقل والرواية والإسناد على أن الرافضة أكذب الطوائف، والكذب فيهم قديم، ولهذا كان أئمة الإسلام يعلمون امتيازهم بكثرة الكذب).([314])
... ثم ساق الآثار في ذلك عن السلف.
ويقول: (والمقصود أن العلماء كلهم متفقون على أن الكذب في الرافضة أظهر منه في سائر طوائف أهل القبلة).([315])
ويقول: (وليس في الطوائف المنتسبة للقبلة أعظم افتراء للكذب على الله، وتكذيباً بالحق، من المنتسبين إلى التشيع؛ ولهذا لا يوجد الغلو في طائفة أكثر مما يوجد فيهم).([316])
ويقول: (وفي الجملة: فمن جرّب الرافضة في كتابهم وخطابهم علم أنهم من أكذب خلق الله).([317])
ويقول عن عدائهم للمسلمين ومناصرتهم الكفرة والمشركين: (وقد عرف العارفون بالإسلام أن الرافضة تميل مع أعداء الدين، ولما كانوا ملوك القاهرة كان وزيرهم مرة يهودياً، ومرة نصرانياً أرمينياً، وقويت النصارى بسبب ذلك النصراني الأرميني، وبنوا كنائس كثيرة بأرض مصر في دولة أولئك الرافضة المنافقين، وكانوا ينادون بين القصرين: من لعن وسب فله دينار وأردب).([318])
ويقول: (والرافضة تحب التتار ودولتهم؛ لأنه يحصل لهم بها من العز ما لا يحصل بدولة المسلمين، والرافضة هم معاونون للمشركين واليهود والنصارى على قتال المسلمين، وهم كانوا من أعظم الأسباب في دخول التتار قبل إسلامهم إلى أرض المشرق بخراسان والعراق والشام، وكانوا من أعظم الناس معاونة لهم على أخذهم لبلاد الإسلام، وقتل المسلمين، وسبي حريمهم، وقضية ابن العلقمي وأمثاله مع الخليفة، وقضيتهم في حلب مع صاحب حلب مشهورة يعرفها عموم الناس).([319])
ويقول: (وهؤلاء يعاونون اليهود والنصارى والمشركين على أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأمته المؤمنين، كما أعانوا المشركين من الترك والتتار على ما فعلوه ببغداد وغيرها بأهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة ولد العباس، وغيرهم من أهل البيت المؤمنين من القتل والسبي وخراب الديار.
وشر هؤلاء وضررهم على أهل الإسلام لا يحصيه الرجل الفصيح في الكلام).([320])
ويقول رحمه الله ذاكراً بعض حماقاتهم الدالة على سخف عقولهم مع شدة الضلال: (ومن حماقاتهم تمثيلهم لمن يبغضونهم بالجماد أو الحيوان، ثم يفعلون بذلك الجماد أو الحيوان ما يرونه عقوبة لمن يبغضونه، مثل: اتخاذهم نعجة -وقد تكون نعجة حمراء- لكون عائشة تسمى الحميراء، يجعلونها عائشة ويعذبونها بنتف شعرها وغير ذلك، ويرون أن ذلك عقوبة لعائشة.
ومثل: اتخاذهم حلساً مملوءاً سمناً، ثم يبعجون بطنه فيخرج السمن فيشربونه، ويقولون: هذا مثل ضرب عمر وشرب دمه.
ومثل: تسمية بعضهم لحمارين من حمر الرحا أحدهما بأبي بكر، والآخر بعمر، ثم يعاقبون الحمارين جعلاً منهم تلك العقوبة عقوبة لأبي بكر وعمر.
وتارة يكتبون أسماءهم على أسفل أرجلهم، حتى إن بعض الولاة جعل يضرب رجلي من فعل ذلك، ويقول: إنما ضربت أبا بكر وعمر ولا أزال أضربهما حتى أعدمهما.
ومنهم: من يسمي كلابه باسم أبي بكر وعمر ويلعنهما.
ومنهم: من إذا سمى كلبه فقيل له: (بكير) يضارب من يفعل ذلك، ويقول: تسمى كلبي باسم أصحاب النار.
ومنهم: من يعظم أبا لؤلؤة المجوسي الكافر الذي كان غلاماً للمغيرة بن شعبة لما قتل عمر، ويقولون: واثارات أبي لؤلؤة! فيعظمون كافراً مجوسياً باتفاق المسلمين لكونه قتل عمر رضي الله عنه).([321])
ويقول أيضاً: (ومنهم من يرى أن فرج النبي صلى الله عليه وسلم الذي جامع به عائشة وحفصة لابد أن تمسه النار ليطهر بذلك من وطء الكوافر على زعمهم).([322])
ومع هذا كله يقول شيخ الإسلام في منهاج السنة: (فما أذكره في هذا الكتاب من ذم الرافضة، وبيان كذبهم وجهلهم قليل من كثير مما أعرفه منهم، ولهم شر كثير لا أعرف تفصيله).([323])
فرحم الله شيخ الإسلام رحمة واسعة فإنه قد نصح للأمة، وفضح الرافضة، وأمعن في ذلك بما لم يترك لأحد من بعده مقالاً، ولا تفصيلاً، ولا بياناً في ذم هذه الطائفة ودحض شبههم، ولولا ما التزمت به من المنهج في سرد أقوال العلماء في ذم الرافضة إلى هذا العصر لاكتفيت بكلامه رحمه الله عن نقل كلام غيره من العلماء رحمهم الله أجمعين.
قول الذهبي رحمه الله (748هـ):-
قال معلقاً على بعض الأحاديث الموضوعة في فضل علي رضي الله عنه: (وعلي رضي الله عنه سيد كبير الشأن، قد أغناه الله تعالى عن أن يثبت مناقبه بالأكاذيب، ولكن الرافضة لا يرضون إلا أن يحتجوا له بالباطل، وأن يردوا ما صح لغيره من المناقب، فتراهم دائماً يحتجون بالموضوعات، ويكذبون بالصحاح، وإذا استشعروا أدنى خوف لزموا التقية، وعظموا الصحيحين، وعظموا السنة، ولعنوا الرفض، وأنكروا، فيعلنون بلعن أنفسهم شيئاً ما يفعله اليهود ولا المجوس بأنفسهم، والجهل بفنونه غالب على مشايخهم وفضلائهم، فما الظن بعامتهم، فما الظن بأهل البر والحَيْل منهم، فإنهم جاهلية جهلاء، وحمر مستنفرة، فالحمد لله على الهداية، فتعليمهم ونصحهم وجرّهم إلى الحق بحسب الإمكان من أفضل الأعمال).([324])
قول ابن القيم رحمه الله (751هـ):-
قال في إغاثة اللهفان: (وأخرج الروافض الإلحاد والكفر، والقدح في سادات الصحابة، وحزب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأوليائه، وأنصاره، في قالب محبة أهل البيت، والتعصب لهم، وموالاتهم).([325])
ويقول في المنار المنيف: (وأما ما وضعه الرافضة في فضائل علي: فأكثر من أن يعد. قال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب الإرشاد: وضعت الرافضة في فضائل علي رضي الله عنه وأهل البيت نحو ثلاثمائة ألف حديث، ولا تستبعد هذا فإنك لو تتبعت ما عندهم من ذلك؛ لوجدت الأمر كما قال).([326])
وقال في الكتاب نفسه بعد أن ذكر عقيدة الرافضة في المهدي: (ولقد أصبح هؤلاء عاراً على بني آدم، وضحكة يسخر منهم كل عاقل).([327])
قول ابن كثير رحمه الله (774هـ):-
يقول في وصف حال الرافضة: (ولكنهم طائفة مخذولة، وفرقة مرذولة، يتمسكون بالمتشابه، ويتركون الأمور المحكمة المقدرة([328]) عند أئمة الإسلام).([329])
ويقول ضمن حديثه عن المهدي عند أهل السنة: (فيخرج المهدي، ويكون ظهوره من بلاد المشرق، لامن سرداب سامراء، كما يزعمه جهلة الرافضة: من أنه موجود فيه الآن، وهم ينتظرون خروجه في آخر الزمان، فإن هذا نوع من الهذيان، وقسط كبير من الخذلان، شديد من الشيطان، إذ لا دليل على ذلك، ولا برهان، لا من كتاب، ولا سنة، ولا معقول صحيح، ولا استحسان).([330])
قول أبي حامد المقدسي رحمه الله (888هـ):-
قال في كتابه الرد على الرافضة بعد أن ذكر جملة من عقائدهم: (لا يخفى على كل ذي بصيرة وفهم من المسلمين، أن أكثر ما قدمناه في الباب، قبله من عقائد هذه الطائفة الرافضة على اختلاف أصنافها كفر صريح، وعناد مع جهل قبيح، لا يتوقف الواقف مع تكفيرهم، والحكم عليهم بالمروق من دين الإسلام وضلالهم).([331])
قول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله (1206هـ):-
قال في رسالة الرد على الرافضة معلقاً على عقيدة الرجعة عندهم: (فانظر أيها المؤمن إلى سخافة رأي هؤلاء الأغبياء، يختلقون ما يرده بديهة العقل، وصراحة النقل، وقولهم هذا مستلزم تكذيب ما ثبت قطعاً في الآيات والأحاديث من عدم رجوع الموتى إلى الدنيا فالمجادلة مع هؤلاء الحمر تُضَيّع الوقت، لو كان لهم عقل لما تكلموا أي شيء يجعلهم مسخرة للصبيان ويمج كلامهم أسماع أهل الإيقان. لكن الله سلب عقولهم، وخذلهم في الوقيعة في خلص أوليائه؛ لشقاوة سبقت لهم).([332])
وقال بعد أن ذكر قولهم بتجويز الجمع بين المرأة وعمتها: (وبهذا وأمثاله تعرف أن الرافضة أكثر الناس تركاً لما أمر الله به، وإتياناً لما حرمه الله، وأن كثيراً منهم ناشئ عن نطفة خبيثة، موضوعة في رحم حرام، ولذا لا ترى منهم إلا الخبيث اعتقاداً وعملاً، وقد قيل كل شيء يرجع إلى أصله).([333])
وقال رحمه الله: (فهؤلاء الإمامية خارجون عن السنة، بل عن الملة، واقعون في الزنا وما أكثر ما فتحوا على أنفسهم أبواب الزنا في القبل والدبر، فما أحقهم بأن يكونوا أولاد زنا).([334])
قول الإمام الشوكاني رحمه الله (1250هـ):-
قال رحمه الله: (واعلم أن لهذه الشنعة الرافضية، والبدعة الخبيثة ذيلاً هو أشر ذيل، وويلاً هو أقبح ويل، وهو أنهم لما علموا أن الكتاب والسنة يناديان عليهم بالخسارة والبوار بأعلى صوت، عادوا السنة المطهرة، وقدحوا فيها وفي أهلها بعد قدحهم في الصحابة رضي الله عنهم، وجعلوا المتمسك بها من أعداء أهل البيت، ومن المخالفين للشيعة لأهل البيت، فأبطلوا السنة بأسرها، وتمسكوا في مقابلها، وتعوضوا عنها بأكاذيب مفتراة، مشتملة على القدح المكذوب المفترى في الصحابة، وفي جميع الحاملين للسنة، المهتدين بهديها، العاملين بما فيها، الناشرين لها في الناس؛ من التابعين وتابعيهم إلى هذه الغاية، وسَمُوْهم بالنصب، والبغض لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأولاده، فأبعد الله الرافضة وأقمأهم).([335])
قول عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي رحمه الله (1239هـ):-
قال عن الرافضة في آخر كتابه العظيم التحفة الإثني عشرية الذي ألفه في الرد عليهم واختصره الألوسي، واشتهر من خلاله: (ومن استكشف عن عقائدهم الخبيثة، وما انطووا عليه؛ علم أن ليس لهم في الإسلام نصيب، وتحقق كفرهم لديه، ورأى منهم كل أمر عجيب، واطلع على كل أمر غريب، وتيقن أنهم قد أنكروا الحسي، وخالفوا البديهي الأوّلي، ولا يخطر ببالهم عتاب، ولا يمر على أذهانهم عذاب أو عقاب، فإن جاءهم الباطل أحبوه ورضوه، وإذا جاءهم الحق كذبوه وردوه ((مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ)) [البقرة:17] * ((صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ)) [البقرة:18] ولقد غشى على قلوبهم الران، فلا يعون ولا يسمعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولقد تعنّتوا بالفسق والعصيان في فروع الدين وأصوله، فصدق ظن إبليس فاتبعوه من دون الله ورسوله، فيا ويلهم من تضييعهم الإسلام! ويا خسارتهم مما وقعوا فيه من حيرة الشبه والأوهام!...).([336])
أقوال بعض هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية (حرسها الله):-
جاء في إحدى فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ضمن الإجابة عن سؤال عن معتقد الرافضة: (مذهب الشيعة الإمامية مذهب مبتدع في الإسلام أصوله وفروعه...).([337])
وفي فتوى أخرى: (... إن الشيعة الإمامية الإثني عشرية قد نقلوا في كتبهم عن أئمتهم: أن القرآن الذي جمعه عثمان بن عفان رضي الله عنه عن طريق حفاظ القرآن من الصحابة محرف بالزيادة فيه، والنقص منه، وتبديل بعض كلماته وجمله، وبحذف بعض آيات وسور منه يعرف ذلك من قرأ كتاب فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب الذي ألفه حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي في تحريف القرآن، وأمثاله مما ألف انتصاراً للرافضة ودعماً لمذهبهم كمنهاج الكرامة لابن المطهر، كما أنهم يعرضون عن دواوين السنة الصحيحة كصحيحي البخاري ومسلم فلا يعتبرونها مرجعاً لهم في الاستدلال على الأحكام عقيدة وفقهاً، ولا يعتمدون عليها في تفسير القرآن وبيانه، بل استحدثوا كتباً في الحديث، وأصلوا لأنفسهم أصولاً غير سليمة يرجعون إليها في تمييز الضعيف في زعمهم من الصحيح، وجعلوا من أصولهم الرجوع إلى أقوال الأئمة الاثني عشر المعصومين في زعمهم...)([338]) إلخ الفتوى.
فهذه بعض أقوال أئمة السلف، وأهل العلم من بعدهم، مضافة إلى ما سبق أن تقدم من أقوال أئمة أهل البيت رضي الله عنهم جاءت كلها مقررة ومرسخة موقفهم الموحد من الرافضة، من خلال تلك النصوص المتواترة عنهم والمتضافرة في ذمهم للرافضة، ووصفهم لهم بكل شر ورذيلة وأنهم أبعد الناس عن كل خير وفضيلة، في سياقات متعددة، وعبارات متنوعة، إمعاناً منهم في التحذير من شرهم، وبيان شدة خطرهم، حتى قال الرجل المتبحر في أمرهم، الخبير بأحوالهم بعد أن بلغ الغاية في ذمهم -وهو شيخ الإسلام ابن تيمية-: (وشر هؤلاء وضررهم على أهل الإسلام لايحصيه الرجل الفصيح في الكلام) على ما تقدم بذلك النقل عنه موثقاً.([339])
فجزى الله هؤلاء الأئمة وسائر العلماء المحذرين من الرافضة خيراً، فإنهم قد أدوا للأمة حق النصيحة، واجتهدوا في ذلك حتى قامت بأقوالهم وتحذيراتهم الحجة على الخلق، وظهر لكل من له أدنى حظ من فهم، ومعرفة بالشرع: أن الرافضة أبعد ما تكون عن الحق، وأقرب ما تكون للظلم والجور، وأنهم أشد الناس مشاقة للشرع، وبغضاً لأهل الخير والفضل، وأنه ما ابتلي المسلمون في سالف عصورهم وحاضرها بشر منهم ولا أخوف على الدين منهم.
فنسأل الله الكريم أن يقي المسلمين شرهم، وأن يجعل كيدهم ومكرهم عليهم، وأن يجعل هلاكهم بأيديهم إنه سميع مجيب.

 
المبحث السادس: نقد عام للمؤلِّف ومنهجه في كتبه
قبل الدخول في الرد المفصل على المسائل التي ذكرها المؤلف في كتابه الأول ثم اهتديت لابد لي من وقفة معه لبيان حاله، ومنهجه الذي سار عليه في تأليف كتبه، ومدى صدقه، وأمانته، ومبلغه من العلم، ليقف القارئ على ذلك بنفسه قبل الشروع في قراءة الرد عليه.
وذلك ببيان جهل المؤلف، وغروره، وكذبه، وتدليسه، وتناقضه في كلامه، واتباعه الظن في أحكامه، وعدم توثيقه للنقول، ومخالفته في كتبه لأصول التأليف التي درج عليها أهله، وكذلك للمنهج الذي ألزم به نفسه في التأليف، ومخالفته أيضاً لعقيدة الرافضة المعروفة عندهم.
وسيكون تقرير هذا كله بالاستدلال على كل جزئية من كلامه، والمقارنة بين أقواله، والمناظرة بين مسائله التي يقررها من خلال كتبه الأربعة السالفة الذكر.
وها هو ذا تفصيل ذلك:
أولاً: جهله:-
ويدل على ذلك ما ذكره المؤلف عن نفسه واعترافه بأنه ليست عنده مكتبة خاصة إلا بعد أن أهدى له الرافضة في العراق مجموعة من كتبهم، يقول: (وفوجئت عند دخولي إلى منزلي بكثرة الكتب التي وصلت قبلي، وعرفت مصدرها........فرحت كثيراً، ونظمت الكتب في بيت خاص سميته المكتبة).([340])
ثم يقول بعد ذلك: (سافرت إلى العاصمة، ومنها اشتريت صحيح البخاري، وصحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد، وصحيح الترمذي، وموطأ مالك، وغيرها من الكتب الأخرى المشهورة، ولم أنتظر الرجوع إلى البيت فكنت طوال الطريق بين تونس وقفصة وأنا راكب في حافلة النقل العمومية أتصفح كتاب البخاري، وأبحث عن رزية الخميس متمنياً أن لا أعثر عليها، ورغم أنفي وجدتها...).([341])
فليتأمل القارئ قوله: (ثم وضعت الكتب في مكان سميته المكتبة) وكأنه أول من ابتكر المكتبات في البيوت ثم وضع لها هذا الاسم الذي ظن أنه لم يسبق إليه، ثم شراءه من بعد ذلك الصحيحين، والكتب المشهورة في الحديث بعد أن لم تكن عنده ولا يعرفها.
في حين أن هذه الكتب لا تكاد تخلو منها مكتبة طالب علم صغير، فضلاً عمن يعد نفسه من العلماء، ويتصدى للبحث والتأليف في أخطر المسائل وأدقها في باب الاعتقاد.
هذا وقد اعترف المؤلف في موطن آخر من كتابه ثم اهتديت بأنه ليست عنده معرفة بعلوم الشريعة، زاعماً -لفرط جهله- أنه لا يحتاج إليها في بحثه عن أحوال الصحابة.
يقول ضمن نقله لحوار دار بينه وبين عالم سني: (فقال: لايمكنك الاجتهاد إلا إذا عرفت سبعة عشر علماً، منها علم التفسير، واللغة، والنحو، والصرف، والبلاغة، والأحاديث، والتاريخ، وغير ذلك.
وقاطعته قائلاً: أنا لن أجتهد لأبين للناس أحكام القرآن والسنة، أو لأكون صاحب مذهب في الإسلام كلا، ولكن لأعرف من على الحق، ومن على الباطل، ولمعرفة أن الإمام علي على الحق أو معاوية مثلاً، ولا يتطلب ذلك الإحاطة بسبعة عشر علماً، ويكفي أن أدرس حياة كل منهما، وما فعلاه حتى أتبين الحقيقة).([342])
قلت: ولهذا وقع المؤلف في أخطاء وجهالات لا تخفى على طالب في المراحل الدنيا من التعليم.
كقوله في كتابه فاسألوا أهل الذكر: (وإذا ما سألتهم -أي أهل السنة - من هؤلاء المنافقون الذين نزلت فيهم أكثر من مائة وخمسين آية في سورتي التوبة والمنافقون فسيجيبون هو عبد الله بن أبيّ، وعبد الله بن أبي سلول، وبعد هذين الرجلين لا يجدون اسماً آخر).([343])
وقوله أيضاً: (فكيف يحصر النفاق بابن أبيّ، وابن أبي سلول المعلومين لدى عامة المسلمين).([344])
فقد وقع في أخطاء شنيعة:
الأول: قوله: إنه نزلت في المنافقين أكثر من مائة وخمسين آية في سورتي (التوبة) (والمنافقون)، فسورتا (التوبة) و(المنافقون) لم تبلغا مائة وخمسين آيه في مجموعها، فالتوبة (129) آيه، والمنافقون (11) آية، هذا مع أنه ليس كل آيات السورتين في المنافقين، فالثلاث الآيات الأخيرة من سورة (المنافقون) ليست في المنافقين، وكذلك التوبة فيها آيات كثيرة ليست في المنافقين.
ومفهوم كلامه هنا أن الآيات التي نزلت في المنافقين محصورة في السورتين، وهذا خطأ آخر، فقد نزلت آيات كثيرة في المنافقين ليست في السورتين المذكورتين، كما وردت بذلك آيات في البقرة وآل عمران والنساء والمائدة([345]) وغيرها من سور القرآن.
الثاني: ظنه أن ابن أبيّ غير ابن سلول وأنهما رجلان، وإنما هو رجل واحد فهو عبد الله بن أبيّ بن سلول، زعيم المنافقين ورأسهم في المدينة.([346])
الثالث: قوله: (وبعد هذين الرجلين لا يجدون اسماً آخر)، فهذا من جهله المركب، وعظيم جرأته على الكلام بدون علم، ولا تثبت، فلو رجع هذا المجازف في الكلام إلى أشهر كتاب متداول في السيرة، وهو سيرة ابن هشام، لوجد أن المؤلف سرد في الجزء الثاني من هذا الكتاب أسماء طائفة كبيرة من المنافقين في أكثر من عشر صفحات يذكرهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، مبيناً بعض ما نزل في كل واحد منهم من القرآن([347])، هذا غير ما ذكره المؤرخون الآخرون، والمفسرون في كتب التفسير.
ومن جهالات المؤلف الكبيرة قوله: (وأبدلت الصحابة المنقلبين على أعقابهم أمثال معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وأبي هريرة وعكرمة، وكعب الأحبار، وغيرهم بالصحابة الشاكرين...)([348]) وهذا الكلام مع ما فيه من زيغ وضلال بعيد، سيأتي الرد عليه في موضعه، فإنه متضمن لخطأ شنيع حيث عدّ كعب الأحبار من الصحابة وإنما هو من التابعين، فقد أسلم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وقدم المدينة في عهد عمر رضي الله عنه([349])، وهذا مشهور عند أهل العلم، لكن المؤلف بجهله وقع في مثل هذا الخطأ الفادح الفاضح.
وعموماً فأخطاء المؤلف الدالة على جهله، وقلة بضاعته في العلم كثيرة، وإنما سقت هنا أمثلة يستدل بها، قبل تفصيل الرد عليه، وسيأتي في أثناء الرد المزيد من ذلك إن شاء الله تعالى.
ثانياً: غروره وإعجابه بنفسه:-
اتسمت شخصية المؤلف بالغرور المفرط، والإعجاب بالنفس، يظهر ذلك من خلال حديثه عن نفسه، وتزكيته لنفسه في مواطن كثيرة من كتبه ومن أمثلة ذلك:
قوله متحدثاً عن رحلته للحج: (لذلك ظننت أن الله هو الذي ناداني، وأحاطني بعنايته، وأوصلني إلى ذلك المقام الذي تموت الأنفس دون الوصول إليه حسرة ورجاء).([350])
ويقول أيضاً: (عناية ربانية أخرى، جعلت كل من يراني من الوفود يحبني، ويطلب عنواني للمراسلة).([351])
ويقول متحدثاً عن وضعه في بلده: (وتعدت شهرتي حدود مدينتي إلى مدن أخرى مجاورة، فقد يمر المسافر فيصلي الجمعة، ويحضر تلك الدروس، ويتحدث بها في مجتمعه).([352])
ويقول: (وبشّروني بأن صاحب الزمان -ويقصدون به الشيخ إسماعيل - قد اصطفاني من بين الناس لأكون من خاصة الخاصة، وطار قلبي فرحاً بهذا الخبر، وبكيت تأثراً بهذه العناية الربانية التي ما زالت ترفعني من مقام سام، إلى ما هو أسمى، ومن حسن إلى ما هو أحسن...).([353])
فهذه بعض أقوال المؤلف في حديثه عن نفسه، وتزكيته لها، وكفى بذلك قدحاً في الرجل، ونقصاً في دينه وعلمه وعقله، يقول الله عز وجل: ((فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى)) [النجم:32]، ويقول: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً)) [النساء:49] * ((انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً)) [النساء:50].
ومع وقوع هذا المسكين في هذا المحذور العظيم، فإنه قد جمع إليه جرماً آخر، وهو افتخاره بالمعاصي كالغناء وكثرة السفر إلى بلاد الكفر، ومعرفته بتلك البلاد، حيث يقول ضمن حديثه عن زيارته لمصر: (... وكانوا يعجبون لحماسي وصراحتي وكثرة اطلاعي، فإذا تحدثوا عن الفن غنيت، وإذا تحدثوا عن الزهد والتصوف ذكرت لهم أني من الطريقة التيجانية والمدنية أيضاً، وإذا تحدثوا عن الغرب حكيت لهم عن باريس، ولندن، وبلجيكا، وهولندا، وإيطاليا، وأسبانيا التي زرتها خلال العطل الصيفية، وإذا تحدثوا عن الحج فاجأتهم بأني حججت وأني ذاهب إلى العمرة، وحكيت لهم عن أماكن لا يعرفها حتى الذي حج سبع مرات: كغار حراء، وغار ثور، ومذبح إسماعيل، وإذا تحدثوا عن العلوم والاختراعات شفيت غليلهم بالأرقام والمصطلحات، وإذا تحدثوا عن السياسة أفحمتهم بما عندي من آراء).([354])
إلى أن يقول: (والمهم من كل ما حكيته في هذا الفصل هو أن شعوري بدأ يكبر، وركبني بعض الغرور، وظننت فعلاً بأني أصبحت عالماً، كيف لا وقد شهد لي بذلك علماء الأزهر الشريف، ومنهم من قال لي: يجب أن يكون مكانك هنا في الأزهر، ومما زادني فخراً واعتزازاً بالنفس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لي في الدخول لرؤية مخلّفاته حسب ما ادعاه المسؤول عن مسجد سيدنا الحسين بالقاهرة...).([355])
فهنيئاً للمؤلف بهذا الشرف، وهذه الكرامات التي أهلته بكل جدارة لاعتناق عقيدة الرافضة، والدخول مع زمرة ابن سبأ، وابن العلقمي، ونصير (الشرك) الطوسي، وابن مطهر والخميني وغيرهم. فنسأل الله بكرمه وجوده السلامة والعافية وحسن العاقبة، وأن يجنبنا والمسلمين طريق الضلال والغواية.
ثالثاً: كذبه وتدليسه:-
هناك أمثلة كثيرة تدل على كذب المؤلف، وتدليسه، وتزويره في كتبه ومن ذلك:
قوله في كتابه: الشيعة هم أهل السنة: (وكما قدمنا فيما سبق بأن المتسمين بأهل السنة والجماعة هم القائلون بخلافة الخلفاء الراشدين الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، هذا ما يعرفه الناس اليوم، ولكن الحقيقة المؤلمة هي أن علي بن أبي طالب لم يكن معدوداً عند أهل السنة من الخلفاء الراشدين، لا ولم يعترفوا حتى بشرعية خلافته، وإنما أُلحق علي بالخلفاء الثلاثة في زمن متأخر جداً، وذلك في سنة ثلاثين ومائتين للهجرة، في زمن أحمد بن حنبل. أما الصحابة من غير الشيعة، والخلفاء والملوك والأمراء الذين حكموا المسلمين من عهد أبي بكر وحتى عهد الخليفة العباسي محمد بن الرشيد المعتصم، لم يكونوا يعترفون بخلافة علي بن أبي طالب أبداً، بل منهم من كان يلعنه، ولا يعتبره حتى من المسلمين، وإلا كيف يجوز لهم سبه ولعنه على المنابر).([356])
ويقول أيضاً: (ولكل ذلك قلنا بأن أهل السنة والجماعة، لم يقبلوا بخلافة علي إلا بعد زمن أحمد بن حنبل بكثير، صحيح أن أحمد بن حنبل هو أول من قال بها، ولكنه لم يقنع بها أهل الحديث، كما قدمنا، لاقتدائهم بعبد الله بن عمر).([357])
فزعمه أن أهل السنة لم يعترفوا بخلافة علي ولا يرون شرعيتها إلا بعد زمن أحمد بن حنبل بكثير، وأن الصحابة على ذلك بل منهم من يكفر علياً، افتراء عظيم وكذب مشين على أهل السنة والجماعة، إذ أن محبة علي رضي الله عنه وموالاته، واعتقاد صحة خلافته بعد الخلفاء الراشدين الثلاثة، الذين هو رابعهم، محل اتفاق بين أهل السنة على مختلف العصور والأمصار، من عصر الصحابة إلى اليوم، وقد بلغ من شهرة هذه المسألة وتواترها بين الخاصة والعامة من أهل السنة ما أصبحت به من الضروريات المسلمات عندهم، التي لا ينازع في تقريرهم لها إلاّ مفرط في الجهل، أو مغرق في الإفك والكذب.
ولذا فإن دعوى الرافضي فيها من أظهر الأدلة وأقوى الشواهد على شدة كذبه، وعظيم افترائه وإفكه.
ومن أمثلة كذبه وتدليسه أيضاً قوله في كتابه ثم اهتديت: (من الأحاديث التي أخذت بها فدفعتني للاقتداء بالإمام علي، تلك التي أخرجتها صحاح أهل السنة والجماعة، وأكدت صحتها، والشيعة عندهم أضعافها ولكن -وكالعادة- سوف لا أستدل ولا أعتمد إلا الأحاديث المتفق عليها من الفريقين).([358])
ثم ذكر عدة أحاديث منها:
- حديث: (أنا مدينة العلم وعلي بابها).
- حديث: (إن هذا أخي، ووصيي، وخليفتي من بعدي؛ فاسمعوا له وأطيعوا).
- حديث: (من سره أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن غرسها ربي فليوال علياً من بعدي، وليوال وليه...).([359])
وهذا كذب وتدليس، فإن هذه الأحاديث المذكورة لم ترد في صحاح أهل السنة المعتمدة عندهم، ولم يحكموا بصحتها، بل حكموا ببطلانها ووضعها([360]) وسيأتي الكلام في الرد على المؤلف في ذلك، وإنما أردت هنا بيان كذبه فيما ادعاه.([361])
ومن صور كذبه أيضاً ما زعمه من اعتداء الجنود في المدينة المنورة على الحجاج بالضرب يقول: (زرت البقيع وكنت واقفاً أترحم على أرواح أهل البيت، وكان بالقرب مني شيخ طاعن في السن يبكي، وعرفت من بكائه أنه شيعي، واستقبل القبلة وبدأ يصلي، وإذا بالجندي يأتي إليه بسرعة، وكأنه كان يراقب حركاته وركله بحذائه ركلة وهو في حالة سجود، فقلبه على ظهره وبقي المسكين فاقداً للوعي بضع دقائق، وانهال عليه الجندي ضرباً وسباً وشتماً، ورق قلبي لذلك الشيخ وظننت أنه مات، ودفعني فضولي، وأخذتني الحمية، وقلت للجندي: حرام عليك لماذا تضربه وهو يصلي؟ فانتهرني قائلاً: اسكت أنت ولاتتدخل حتى لا أصنع بك مثله...).([362])
فلا يخفى ما في كلامه هذا من الكذب والافتراء، الذي يعلمه كل من زار هذه البلاد من المسلمين، حجاجاً، أو معتمرين، أو غيرهم من أصحاب الأعمال والحاجات، وما أكثرهم، حيث يُقدّرون في كل سنة بالملايين، وكلهم يشهد ويلمس ما يعيشه الحجاج والزائرون من أمن وأمان، وراحة بدنية ونفسية، عن طريق ما توفره الدولة السعودية السنية السلفية من مرافق ومنشآت، ووسائل حديثة في مختلف المجالات، لخدمة الحجاج والزائرين، ثم تجنيد القوة البشرية في الدولة للسهر على تقديم كافة التسهيلات لهم، مع حسن المعاملة والرفق بهم، حتى أصبحت رحلة الحج والعمرة أشبه ما تكون بنزه سياحية لما يلاقيه الحجاج والمعتمرون، من راحة وطمأنينة، بفضل الله ثم بما تقدمه الدولة من خدمات.
أما الرافضة فالكل يعلم أنهم أهل شغب وإثارة للفتن، خصوصاً في مواسم الحج، ومع هذا فالدولة وفقها الله تدفع شرهم بأيسر السبل، وتقابل السيئة بالحسنة، مع حفظها ومحافظتها على أمن هذه البلاد الذي هو واجبها أمام الله ثم المسلمين.
وهذا أمر لايخفى بحمد الله على كل مطلع على الأحداث، ويعلمه على وجه الخصوص ملايين الحجاج والمعتمرين، الذين يقصدون هذه البلاد في كل سنة، فعلى من يلبس هذا الأفاك الأثيم، صنيعة الرافضة ودسيستهم على المسلمين؟؟!
رابعاً: تناقضه في كلامه:-
المؤلف متناقض في كلامه وأحكامه التي يقررها، فما يكاد يذكر مسألة ويقررها إلا وينقضها في موطن آخر، حتى أصبح هذا الأمر سمة بارزة في كتبه، ولا عجب فهذه من أبرز سمات أهل الأهواء والبدع، لأن أقوالهم وأحكامهم إنما تبنى على آراء الرجال وأهوائهم، يقول الله تعالى: ((وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)) [النساء:82].
ومن هذه التناقضات:
1- قوله في كتابه الشيعة هم أهل السنة: (يكفينا على ذلك دليل واحد يعطينا الحجة البالغة، وكما قدمنا بأن أهل السنة والجماعة لم يعرفوا إلا في القرن الثاني للهجرة كرد فعل على الشيعة الذين والوا أهل البيت وانقطعوا إليهم، فإننا لا نجد شيئاً في فقههم، وعباداتهم، وكل معتقداتهم؛ يرجعون فيه إلى السنة النبوية المروية عن أهل البيت).([363])
يعارض هذا قوله في الكتاب نفسه: (وإذا شئنا التوسع في البحث لقلنا: بأن أهل السنة والجماعة هم الذين حاربوا أهل البيت النبوي، بقيادة الحكام الأمويين والعباسيين، ولذلك لو فتشت في عقائدهم وكتب الحديث عندهم فسوف لا تجد لفقه أهل البيت شيئاً عندهم يذكر، وسوف تجد كل فقههم وأحاديثهم منسوبة لأعداء أهل البيت).([364])
ففي النص الأول يدعي أن كل معتقدات أهل السنة وفقههم ترجع إلى أهل البيت، وفي النص الثاني يناقض ذلك تماماً، ويزعم أن أهل السنة أخذوا كل معتقداتهم وفقههم من أعداء أهل البيت وليس لفقه أهل البيت عندهم أي ذكر.
2- قوله: (وتجدر الإشارة إلى أن الشيعة تقيدوا بمصادر التشريع من الكتاب والسنة، ولم يزيدوا عليها شيئاً، وذلك لوجود النصوص الكافية عند أئمتهم لكل مسألة من المسائل التي يحتاج الناس إليها).([365])
يعارضه قوله: (وبدأت سلسلة الفقهاء المجتهدين منذ ذلك العهد الى اليوم تتوالى بدون انقطاع، وفي كل عهد يبرز مرجع واحد أو عدة مراجع للشيعة، يقلدونهم في أعمالهم، حسب الرسائل العلمية التي يستنبطها كل مرجع من الكتاب والسنة، ولا يجتهد إلا في الأمور المستحدثة التي عرفها هذا القرن، بسبب التقدم العلمي والتكنولوجي).([366])
ففي النص الأول: يثبت أن الشيعة تقيدوا بنصوص الكتاب والسنة، ولم يزيدوا عليها، لوجود النصوص الكافية عندهم لكل مسألة.
وفي النص الثاني: يقرر أن سلسلة الفقهاء المجتهدين من الشيعة تتوالى في كل عصر، وأنهم يستنبطون من النصوص ما يحتاجون إليه من الأحكام في المسائل المستحدثة.
3- قوله (أما الصحابة من غير الشيعة، والخلفاء، والملوك، والأمراء، الذين حكموا المسلمين من عهد أبي بكر، وحتى عهد الخليفة العباسي محمد بن الرشيد المعتصم، لم يكونوا يعترفون بخلافة علي بن أبي طالب أبداً، بل منهم من كان يلعنه، ولا يعتبره حتى من المسلمين).([367])
وقوله: (ولكل ذلك قلنا بأن أهل السنة والجماعة لم يقبلوا بخلافة علي إلا بعد زمن أحمد بن حنبل بكثير).([368])
ونصوص أخرى كثيرة في هذا المعنى.([369])
ثم يعارض هذا كله بقوله: (أما خلافة علي فكانت ببيعة المهاجرين والأنصار له، بدون فرض ولا إكراه وكُتب ببيعته إلى الآفاق، فأذعنوا كلهم إلا معاوية من الشام).([370])
وبقوله: (وهل من سائل يسأل ابن عمر ومن يقول بمقالته من أهل السنة والجماعة، متى حصل الإجماع على خليفة في التاريخ كالذي حصل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب؟).([371])
وكذلك قوله في حق ابن عمر رضي الله عنهما: (نراه يمتنع عن بيعة علي التي أجمع عليها المسلمون).([372])
ونحن لا نعلم أي أقواله نصدق: دعواه بأن أهل السنة لم يعترفوا بخلافة علي حتى زمن أحمد بن حنبل؟! أم القول بأنهم أجمعوا على خلافته وأذعنوا لها من أول يوم بدون فرض ولا إكراه؟!
4- قوله: (وفي هذا الصدد سجل لنا التاريخ أن الإمام علياً هو أعلم الصحابة على الإطلاق، وكانوا يرجعون إليه في أمهات المسائل، ولم نعلم أنه رجع إلى واحد منهم قط. فهذا أبو بكر يقول: (لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن)، وهذا عمر يقول: (لولا علي لهلك عمر).([373])
وهذا يتعارض تماماً مع قوله: (إنهم أبعدوا علي بن أبي طالب فنبذوه وتركوه حبيس داره، ولم يشركوه في شيء من أمرهم طيلة ربع قرن، ليذلوه ويحقروه، ويبعدوا الناس عنه... وفعلاً فقد بقي علي سلام الله عليه على تلك الحالة مدة خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان رهين البيت، يعمل الجميع على تحقيره، وإطفاء نوره، وإخفاء فضائله ومناقبه).([374])
5- قوله: (وهذا لم يعجب قريش فثارت ثائرتها بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم وحاولت القضاء على عترته كلها، فأحاطوا بيت فاطمة بالحطب ولولا استسلام علي وتضحيته بحقه في الخلافة، ومسالمته لهم، لقضي عليهم، وانتهى أمر الإسلام من ذلك اليوم).([375])
وهذا الكلام يعارضه بالكلية وينقضه من أساسه في جواب سؤال زعم أنه ورد عليه وهو: هل رضي الإمام علي بالأمر الواقع، وبايع الجماعة؟ فيجيب قائلاً: (لا لم يرض الإمام علي بالأمر الواقع، ولم يسكت، بل احتج عليهم بكل شيء، ولم يقبل أن يبايعهم رغم التهديد والوعيد... فعلي لم يسكت، وبقي طيلة حياته كلما وجد فرصة إلا وآثار مظلمته، واغتصاب حقه، ويكفي دليلاً على ذلك ما قاله في خطبته المعروفة بالشقشقية).([376])
6- قوله: (وقد اتفق المسلمون بلا خلاف على مودة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، واختلفوا في غيرهم).([377])
يعارض هذا قوله ضمن حديثه عن أهل البيت: (ولذلك فإنك لا ترى لهم وجوداً عند أهل السنة والجماعة، ولا يوجد في قائمة أئمتهم وخلفائهم الذين يقتدون بهم واحد من أئمة أهل البيت عليهم السلام).([378])
7- قوله: (أضف إلى ذلك أن الإمام علياً عندما تولى الخلافة بادر بإرجاع الناس إلى السنة النبوية. وأول شيء فعله هو توزيع بيت المال...).([379])
وقوله: (ويكفي علي بن أبي طالب أن يعود بالناس إلى السنة النبوية، حتى يثور عليه الصحابة، الذين أُعجبوا بما ابتدعه عمر).([380])
وقوله: (إن أمير المؤمنين علياً لم يجبر الناس على البيعة بالقوة والإكراه، كما فعل الخلفاء من قبله، ولكنه تقيد -سلام الله عليه- بأحكام القرآن والسنة، ولم يغير، ولم يبدل).([381])
وهذا كله تعارضه أقوال له آخرى كقوله: (وإذا كان علي بن أبي طالب عليه السلام هو المعارض الوحيد، الذي حاول كل جهوده في أيام خلافته، إرجاع الناس للسنة النبوية بأقواله وأفعاله وقضائه، ولكن بدون جدوى، لأنهم شغلوه بالحروب الطاحنة...).([382])
وقوله: (وهذه كتبهم وصحاحهم تشهد على صدق ما ذهبنا إليه، من أنه -سلام الله عليه- قد حاول بكل جهوده إحياء السنة النبوية، وإرجاع الناس إلى أحضانها، ولكن لا رأي لمن لا يطاع، كما قال هو بنفسه).([383])
وقوله أيضاً: (وقضى خلافته في حروب دامية، فرضت عليه فرضاً، من الناكثين، والقاسطين، والمارقين، ولم يخرج منها إلا باستشهاده سلام الله عليه، وهو يتحسر على أمة محمد).([384])
فهذه أمثلة لما جاء في كتبه من تناقضات وتعارضات، ولو أردت الاسترسال في ذكر ما وقع فيه المؤلف من هذه التناقضات لذكرت الكثير منها، إذ أن كتبه مليئة بذلك، غير أني أكتفي بما تقدم، حرصاً على عدم الإطالة ولتحقق المقصود بما ذكر حيث تبين من خلال هذا العرض تناقض الرجل واضطرابه، وشكه وارتيابه، مما يسقط الثقة بنقله، أو الاعتداد بحكمه.
خامساً: اتباعه الهوى والظن في أحكامه:-
المؤلف لا يبني أحكامه وما يقرره من مسائل على منهج صحيح، كالاستدلال بالنصوص، والاستعانة بكلام أهل العلم في بحث المسائل وتحقيقها. وإنما له طريقة غريبة في ذلك، وهي تأصيل المسائل وتقريرها بمجرد الهوى والظن، بل امتدت طريقته هذه لتشمل الأحاديث النبوية والروايات التاريخية التي ينفيها أو يقررها بغلبة الظن والهوى والرأي المجرد الذي لا يستند لمبرر معقول، أو نقل مقبول، وهذه الطريقة سائدة في كتبه، وإنما أذكر لها أمثله. فمن ذلك:
قوله في كتابه فاسألوا أهل الذكر: (إن أولئك الذين حكموا المسلمين في عهد الدولة الأموية وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان، لم يعتقدوا يوماً من الأيام بأن محمد بن عبد الله هو مبعوث برسالة من عند الله، و هو نبي الله حقاً، وأغلب الظن أنهم كانوا يعتقدون بأنه كان ساحراً).([385])
فهذا حكم خطير على حكام المسلمين الذين جاءوا بعد عهد الخلفاء الراشدين واستغرق حكمهم جل قرن النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو خير القرون، والثلث الأول من القرن المفضل الثاني، وحصل في عهدهم من الفتوح وعز الإسلام والمسلمين، والقيام بالسنة ونصرة أهلها ما دل على صدق إيمانهم وتدينهم، واشتهر من أخبارهم في العدل والتقوى والصلاح بين الأمة خاصها وعامها، على مر العصور، وكرّ الدهور، ما بلغ حد التواتر، خصوصاً ما ثبت من ذلك في حق الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان، والتابعي الكبير عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما حتى إذا ما جاء هذا الأفاك الأثيم في هذا العصر المتأخر، أطلق هذا الحكم الجريء، بأن هؤلاء الحكام لم يصدقوا يوماً ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعتقدوا صدق رسالته، حكماً مجرداً من أي دليل ولا يعتضد لأي نقل، وإن كان زوراً وبهتاناً. بل لم يكتف بهذا حتى أعقب هذا الحكم بحكم آخر مصرحاً أن مستنده فيه غلبة الظن حيث يقول: وأغلب الظن أنهم يعتقدون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ساحراً... هكذا يصدر هذا المجرم الأحكام في حق خيار الأمة، ومستنده فيها غلبة الظن عنده، فعليه من الله ما يستحق.
ونظير هذا قوله: (وأغلب الظن أن القائلين بمبدأ الشورى في الخلافة، ومؤسسي هذه النظرية، هم الذين صرفوا نزولها عن حقيقتها يوم غدير خم).([386])
وقوله عن عبد الرحمن بن عوف: (وأغلب الظن أنه اشترط على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بأن يحكم فيهم بكتاب الله وسنة الشيخين فرفض علي هذا العرض...).([387])
وقوله أيضاً: (ولذلك أعتقد شخصياً بأن بعض الصحابة نسب النهي عن المتعة وتحريمها إلى النبي صلى الله عليه وسلم لتبرير موقف عمر بن الخطاب، وتصويب رأيه).([388])
وفي مقابل هذا الطعن والتهم الباطلة في حق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وخيار سلف الأمة من أئمة المسلمين وعلمائهم، القائمة على الهوى والظن، والمجردة من أي دليل، نجده في الوقت نفسه يمجد الرافضة، ويعظمهم، ويثني على دينهم.
فيقول ضمن حديثه عن زيارته للعراق، ورؤيته للرافضة وهم يطوفون بالقبور ويتمسحون بها: (كنت أنظر إلى الشيوخ الطاعنين في السن، وعلى رؤوسهم عمائم بيض وسود، وفي جباههم آثار السجود، وزاد في هيبتهم تلك اللحى التي أعفوها، وتنطلق منها روائح طيبة، ولهم نظرات حادة مهيبة، وما أن يدخل الواحد منهم حتى يجهش بالبكاء، وتساءلت في داخلي أيمكن أن تكون هذه الدموع كاذبة؟؟ أيمكن أن يكون هؤلاء الطاعنون في السن مخطئين؟؟).([389])
ويقول في موطن آخر: (بل قد استهوتني عباداتهم، وصلاتهم ودعاؤهم، وأخلاقهم، واحترامهم لعلمائهم، حتى تمنيت أن أكون مثلهم).([390])
أما طريقته في الحكم على الأحاديث من حيث الصحة والضعف، فله في ذلك طريقة غريبة لا أظن أن أحداً سبقه إليها، حتى من أصحاب المنهج العقلي الذين يخضعون الآحاديث لعقولهم فما وافقها أخذوا به، وما خالفها ضعفوه وتركوه، وأما هذا الرجل فإنه يخضع الأحاديث لهواه، فتراه يصحح ويضعّف، ويحذف ويزيد في الآحاديث، بل قد يصحح جزءاً من الحديث، ويضعف الجزء الآخر، كل ذلك بمجرد الهوى والظن غير مستدل لكلامه، ولا موثق لأحكامه، ومن ذلك:
إيراده الحديث الذي رواه مسلم من حديث ابن عمر قال: {خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيت عائشة فقال: رأس الكفر من هنا من حيث يطلع قرن الشيطان، يعني المشرق}.([391])
قال بعد إيراده هذا الحديث وقد حذف منه العبارة الأخيرة -يعني المشرق-: (ولا عبرة بالزيادة التي أضافوها بقولهم: يعني المشرق، فهي واضحة الوضع ليخففوا بها عن أم المؤمنين، ويبعدوا هذه التهمة عنها).([392])
ومن الأحاديث التي طعن فيها، الحديث الصحيح الذي رواه البخاري {عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية فأراد النبي صلى الله عليه وسلم منها ما يريد الرجل من أهله فقلت: يارسول الله! إنها حائض}.([393])
قال: حسبه الله: (عجباً لهذا النبي الذي يحب مجامعة زوجه، على مشهد وعلم من زوجته الأخرى، فتعلمه بأنها حائض، بينما لا تعلم المعنية بالأمر من ذاك شيئاً).([394])
وبهذا الأسلوب نفسه يطعن في حديث عائشة وعثمان الذي رواه مسلم في صحيحه: {أن أبا بكر استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس وقال: لعائشة اجمعي عليك ثيابك، فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت...}([395]) الحديث.
قال بعد إيراده الحديث متهكما غامزاً الحديث بالوضع: (أي نبي هذا الذي يستقبل أصحابه وهو مضطجع في مرط زوجته على فراشه، وبجانبه زوجته في لباس مبتذل، حتى إذا جاء عثمان جلس، وأمر زوجته بأن تجمع عليها ثيابها)([396]) - على هذا المفتري من الله ما يستحق-.
وكلامه عن هذين الحديثين وعن أحاديث أخرى تتعلق بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم أعرضت عن نقل كلامه فيها لبشاعته-مع ما فيه من تكذيب بالأحاديث الصحيحة، واتهام للصحابة بوضعها؛ فإن فيه طعناً في ذات النبي صلى الله عليه وسلم، ونيلاً من مقامه الشريف، وأخلاقه السامية الرفيعة، وتعريضاً بزوجاته الطاهرات العفيفات، وهذا كفر صريح بإجماع المسلمين. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إجماع العلماء على كفر من سب النبي صلى الله عليه وسلم، أو عابه، أو تنقّصه، ونقل عباراتهم في ذلك.
قال الإمام أحمد: [[كل من شتم النبي عليه الصلاة والسلام، أو تنقّصه، مسلماً كان أو كافراً، فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يستتاب]].
وقال ابن القاسم عن مالك: [[من سب النبي صلى الله عليه وسلم قُتل ولم يستتب]]، قال ابن القاسم: (أو شتمه، أو عابه، أو تنقّصه، فإنه يقتل كالزنديق، وقد فرض الله توقيره).
وروى ابن وهب عن مالك [[من قال: إن رداء النبي صلى الله عليه وسلم -ورُوي بُرْده- وسخ وأراد به عيبه قتل]].
وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه فيمن تنقصه، أو برئ منه، أو كذبه: إنه مرتد.
وكذلك قال أصحاب الشافعي: كل من تعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما فيه استهانة؛ فهو كالسب الصريح؛ فإن الاستهانة بالنبي كفر.
قال شيخ الإسلام بعد ذكره هذه النقول: (فقد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف على أن التنقص له كفر مبيح للدم، وهم في استتابته على ما تقدم من الخلاف، ولا فرق في ذلك بين أن يقصد عيبه، لكن المقصود شيء آخر حصل السبُّ تبعاً له، أو لا يقصد شيئاً من ذلك؛ بل يهزل، ويمزح، أو يفعل غير ذلك).([397])
كما نقل الإجماع على ذلك أيضاً القاضي عياض قال: (جميع من سب النبي صلى الله عليه وسلم، أو عابه، أو ألحق به نقصاً في نفسه، أو نسبه، أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرّضَ به، أو شبهه بشيء على طريق السب له، والإزراء عليه، أو التصغير لشأنه، أوالغضّ منه، والعيب له؛ فهو ساب له، والحكم فيه حكم الساب يقتل، ولا نستثني فصلاً من فصول هذا الباب عن هذا المقصد، ولا نمتري فيه، تصريحاً كان أو تلويحاً، وكذلك من لعنه، أو دعا عليه، أو تمنى مضرة له، أونسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر، ومنكر من القول وزور، أو عيّره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه. وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلمّ جرا).([398])
سادساً: مخالفة المؤلف لأصول التأليف التي درج عليها أهله:-
لم يلتزم المؤلف في كتبه بالمنهج العلمي المتعارف عليه بين الباحثين والمؤلفين، لا من حيث الطريقة في عرض المسائل وترتيبها، ولا من حيث توثيق المعلومات من مصادرها. كما أنه لم يلتزم التحقيق العلمي الصحيح المبني على الاستدلال لما يعرضه من مسائل وموضوعات، بل جاءت كتبه خالية من كل ذلك.
أما طريقته في عرض المسائل فإنه لم يلتزم منهجاً واضحاً في عرضها، كتقسيم مسائل البحث على مباحث تجمعها فصول، أو أبواب متناسبة -كما هو معروف في مناهج البحث الحديثة-([399]) أو الأخذ بطريقة المتقدمين القائمة على عرض المسائل تحت فصول، أو أبواب مستقلة، مع الدقة في العرض والترتيب، بل كانت طريقته قائمة على وضعه عناوين لا ارتباط لها بما قبلها أو بعدها من عناوين آخرى، هذا مع تكراره للعناوين في الموضوع الواحد في أكثر من موطن في كتاب واحد، مما جعل كتبه أشبه ما تكون بمقالات صُحُفِية جمعت من غير تهذيب ولا ترتيب.
فمن الأمثلة لعدم ترابط الموضوعات وترتيبها ترتيباً موضوعياً حديثه في كتابه لأكون مع الصادقين عن مسألة الشورى تحت عنوان: (تعليق على الشورى) وهذا العنوان يشعر بأنه سبق أن بحث المسألة، وإنما جاء دور التعليق عليها، في حين أن هذا لم يحصل، وإنما جاء هذا العنوان بعد مبحث بعنوان: (شواهد آخرى على ولاية علي) ثم ما يلبث أن يضع عنواناً آخر بعد التعليق على الشورى فيقول: (الاختلاف في الثقلين).
وبعد هذا بمبحث يعقد عنواناً جديداً بعنوان: (اختلاف المذاهب السنية في السنة النبوية) ثم ينتقل لموضوع جديد بعد هذا بمبحث فيقول: (القضاء والقدر عند أهل السنة) وبعده بمبحثين -يبحث مسألة الخمس ثم التقليد([400])، وهكذا فالمؤلف لا يسير في بحثه على منهج علمي، وإنما يعقد عناوين مختلفة في موضوعاتها، ثم يتحدث تحتها بما لا يتجاوز ثلاث إلى أربع صفحات في الغالب كلاماً مجرداً من أي تحقيق علمي، ثم ما يلبث أن ينتقل إلى موضوع آخر بالطريقة نفسها.
وزيادة في التمثيل على ما تقدم، أنقل جملة من بعض عناوين كتابه: الشيعة هم أهل السنة التي جاءت متتابعة مع اختلاف موضوعاتها.
وهي بحسب ترتيبها: (التقليد والمرجعية عند أهل السنة)، (الخلفاء الراشدون عند الشيعة)، (الخلفاء الراشدون عند أهل السنة)، (النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل تشريع أهل السنة والجماعة)، (تنبيه لابد منه)، (عداوة أهل السنة لأهل البيت تكشف عن هويتهم).
وهذه العناوين تحدث عنها كلها في ثلاث عشرة صفحة فقط دون ربط لموضوعاتها.([401])
ومن الأمثلة أيضاً لذلك: عقده هذه العناوين بهذا الترتيب (فصل الخطاب في تقييم الأصحاب)، (مخالفة أهل السنة والجماعة للسنن النبوية)، (نظام الحكم في الإسلام)، (القول بعدالة الصحابة يخالف صريح السنة).([402])
ومع هذا الاضطراب الكبير في عرض المسائل فليت أن المؤلف اقتصر في بحث كل مسألة على موطن واحد، بل نجد أنه يعرض المسألة في أكثر من موطن، من كل كتاب من كتبه في تكرار ممل للنفوس، وحشو للكلام بما لا طائل تحته.
مثل بحثه لمسألة موقف أهل السنة من السنة النبوية، ودعواه مخالفتهم لها، بحثها في أكثر من موضع من كتابه: الشيعة هم أهل السنة.
الأول: في (ص29) تحت عنوان: (في مخالفتهم للسنة).
الثاني: في (ص45) تحت عنوان: (أهل السنة لا يعرفون السنة النبوية).
الثالث: في (ص52) تحت عنوان: (أهل السنة ومحق السنة).
الرابع: في (ص287) تحت عنوان: (مخالفة أهل السنة والجماعة للسنن النبوية).
الخامس: في (ص295) تحت عنوان: (النبي صلى الله عليه وسلم يأمر المسلمين بالاقتداء بعترته، وأهل السنة يخالفونه).
ومثل مسألة التعريف بأهل السنة، بحثها في موطنين من كتاب الشيعة هم أهل السنة:
الأول: في (ص75) تحت عنوان: (التعريف بأئمة أهل السنة).
الثاني: في (ص170) تحت عنوان: (أئمة أهل السنة وأقطابهم).
وكذلك مسألة موقف أهل السنة من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بحثها في موطنين متباعدين من الكتاب نفسه:
الأول: (ص164) تحت عنوان: (تحريف أهل السنة والجماعة كيفية الصلاة على محمد وآله).
والثاني: (ص303) تحت عنوان: (أهل السنة والصلاة البتراء).
وهذه أمثلة من كتاب واحد فقط، وأما بالنظر إلى مجموع كتبه فحدث ولا حرج.
وأما عدم توثيقه للمعلومات من مصادرها، فهذا ظاهر لكل من اطلع على كتبه، بل هو الغالب عليها وسأكتفي هنا بذكر أمثلة فقط.
فمن ذلك إيراده بعض الأحاديث المنكرة والموضوعة، وادعاؤه صحتها مع عدم عزوه إلى مصادرها من كتب السنة مثل:
حديث: {كم قارئ للقرآن والقرآن يلعنه}.([403])
حديث: {اختلاف أمتي رحمة}.([404])
حديث: {علي قائد البررة وقاتل الكفرة}.([405])
حديث: {أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم}.([406])
حديث: {علي مني بمنزلتي من ربي}.([407])
حديث: {حلال محمد حلال إلى يوم القيامة}.([408])
حديث: {الغيرة للرجل إيمان، وللمرأة كفر}.([409])
وكذلك نسبته بعض الأقوال والأفعال للصحابة مما لا تليق بمكانتهم من غير الإحالة على مصدر كنسبته لعائشة رضي الله عنها أنها منعت من دفن فاطمة رضي الله عنها بجوار أبيها. ومنعت الحسين بعد ذلك من دفن الحسن بجوار جده صلى الله عليه وسلم. وأنها ركبت بغلة وخرجت تنادي وتقول: [[لا تدفنوا في بيتي من لا أحب]].([410])
وزعمه أن الحسين رضي الله عنه طاف بأخيه الحسن رضي الله عنه بعد موته على قبر جده.([411]) وكذلك رميه عموم الصحابة بالتهم العظيمة، والجرائم الشنيعة، حيث يقول: (ويذكر المؤرخون أشياء عجيبة وغريبة، وقعت في تلك الأيام، من أولئك الصحابة الذين أصبحوا فيما بعد خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأمراء المؤمنين.
كحملهم الناس على البيعة بالضرب، والتهديد بالقوة.
وكالهجوم على بيت فاطمة، وكشف وعصر بطنها بالباب الذي كانت وراءه، حتى أسقطت جنينها.
وإخراج علي مكتفاً، وتهديده بالقتل إن رفض البيعة.
وغصب الزهراء حقوقها من النحلة، والإرث، وسهم ذوي القربى، حتى ماتت غاضبة عليهم، وهي تدعو عليهم في كل صلاة.
وكهتكهم للمحارم، وتعدي حدود الله في قتل الأبرياء من المسلمين، والدخول بنسائهم من غير احترام للعدة.
وكتغييرهم أحكام الله ورسوله المبينة في الكتاب والسنة، وإبدالها بأحكام اجتهادية تخدم مصالحهم الشخصية.
وكنفي أبي ذر وطرده من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكسب ولعن أهل البيت، الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً...).([412])
إلى غير ذلك من التهم الملفقة، التي لم يقدم عليها دليلاً، أو يسندها لمصدر موثوق.
وأما عدم تحقيقه للمسائل تحقيقاً علمياً صحيحاً، وإنما بناؤه الأحكام على آرائه الشخصية المجردة من كل دليل، فهذا كثير في كتبه، ومن أمثلة ذلك:
قوله في كتاب ثم اهتديت: (ولما استشهد الإمام علي، واستولى معاوية على الحكم بعد الصلح الذي أبرمه مع الإمام الحسن، وأصبح معاوية هو أمير المؤمنين، سمي ذلك العام (عام الجماعة) إذاً فتسمية أهل السنة والجماعة، دالة على اتباع سنة معاوية والاجتماع عليه، وليست تعني اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم).([413])
وقوله: (وبمجرد اطلاعك على عقيدة الشيعة الإمامية في هذا الصدد يرتاح ضميرك، ويسلم عقلك بقبول تأويل الآيات القرآنية، التي فيها تجسيم، أو تشبيه لله تعالى، وحملها على المجاز والاستعارة، لا على الحقيقة، ولا على ظواهر الألفاظ كما توهمه البعض).([414])
ويقول: (والمهم أن تعرف لماذا غير عمر رأيه في البيعة؟ أكاد أعتقد بأنه سمع بأن بعض الصحابة يريد بيعة علي بن أبي طالب بعد موت عمر، وهذا ما لا يرضاه عمر أبداً).([415])
ويقول منتقداً مقدار ما يُخْرج من المال للزكاة في الشرع، وأخذ الجزية من الكفار راداً بذلك على الله في حكمه وشرعه: (فلا يمكن لدولة الإسلام أن تعتمد على ما يخرجه أهل السنة والجماعة من الزكاة، وهي تمثل في أحسن الأحوال اثنين ونصف بالمائة، وهي نسبة ضعيفة لا تقوم بحاجة الدولة من إعداد القوة، ومن بناء المدارس، والمستشفيات، وتعبيد الطرقات، فضلاً عن أن تضمن لكل فرد دخلاً يكفي معاشه، ويضمن حياته، كما لا يمكن لدولة الإسلام أن تعتمد على الحروب الدامية، وقتال الناس لتضمن بقاءها، وتطوّر مؤسساتها على حساب المقتولين الذين لم يرغبوا في الإسلام).([416])
فهذه نماذج لبعض المسائل والأحكام، التي يقررها المؤلف من غير تحقيق علمي يستند لدليل شرعي، أو لقول أحد من العلماء، وإنما يبني تلك الأحكام على اعتقاداته الشخصية، وآرائه الضالة المنحرفة، فيكذب بالنصوص، ويرد أحكام الله، ويقرر أحداثاً تأريخية بظنون كاذبة، وهوى دفين في النفس، يحمله على كل ذلك حقده العظيم على سلف الأمة وخيارها، وحبه وانتصاره للرافضة وعقيدتها، فعليه من الله ما يستحق.
سابعاً: مخالفة المؤلف للمنهج الذي ألزم به نفسه:-
المؤلف لم يخالف أصول التأليف وقواعده المتعارف عليها عند أهل العلم فحسب، بل خالف حتى المنهج الذي ألزم به نفسه في كتبه. وسأبين فيما يلي بعض القواعد والأصول، التي وعد المؤلف أن يلتزمها في كتبه وبحثه للمسائل، ثم مخالفته لها بعد ذلك، مستدلاً على كل ذلك بنماذج من كلامه:
1- وعده بتجرده من العاطفة، والهوى، والتعصب، والتزامه الإنصاف، والتجرد، والعدل.
يقول في كتابه ثم اهتديت: (وقد عاهدت ربي -إن هداني- أن أتجرد من العاطفة لأكون حيادياً موضوعياً، ولأسمع القول من الطرفين؛ فأتبع أحسنه).([417])
ويقول في الكتاب نفسه: (وقد عاهدت ربي أن أكون منصفاً فلا أتعصب لمذهبي، ولا أقيم وزناً لغير الحق).([418])
ويقول في كتابه فاسألوا أهل الذكر: (فعلى الباحث هنا أن يتقي الله في بحثه، ولا تأخذه العاطفة فيميل عن الحق، ويتبع الهوى؛ فيضل عن سبيل الله، إنما واجبه أن يخضع للحق، ولو كان الحق مع غيره، ويحرر نفسه من الرواسب، والعواطف، والأنانية).([419])
هذا ما ذكره المؤلف عن منهجه في البحث، فهل التزم بهذا؟ إليك أيها القارئ الإجابة على هذا من كلامه:
يقول مثنياً على الرافضة: (بل قد استهوتني عباداتهم، وصلاتهم، ودعاؤهم، وأخلاقهم، واحترامهم لعلمائهم، حتى تمنيت أن أكون منهم).([420])
ويقول: (ثم قرأت كتاب المراجعات للسيد شرف الدين الموسوي، وما إن قرأت فيه بضع صفحات، حتى استهواني الكتاب، وشدنى إليه شداً، فكنت لا أتركه إلا غصباً، وكنت أحمله في بعض الأحيان إلى المعهد).([421])
ويقول: (ولست أدري كيف أقنع نفسي، أو غيري، بآراء أهل السنة التي اعتمدت -على ما أظن- أقوال الحكام من بني أمية).([422])
ويقول: (ولذلك أعتقد شخصياً بأن بعض الصحابة نسب النهي عن المتعة وتحريمها إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لتبرير موقف عمر بن الخطاب، وتصويب رأيه).([423])
ويقول: (ويدفعني هذا الاحتمال بأن عمر بن الخطاب هو الذي أثار بقية الحاضرين، ودفعهم إلى التردد والتخلف عن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم).([424])
فهذه أمثلة لما جاء في كلام المؤلف من اتباعه الهوى في أحكامه.
ولك أن تتأمل أيها القارئ عباراته المتقدمة التي صدّر بها أحكامه كقوله: (استهوتني) و(استهواني) (على ما أظن) (اعتقد شخصياً) (دفعني الاحتمال).... لتعلم مدى التزامه بما وعد به من التجرد من العاطفة والهوى.
وأما ما وعد به من نبذ التعصب والتزامه الإنصاف والحيادية، فيكذّب ذلك تعصبه الشديد للرافضة، ولعقيدتهم الفاسدة، وثناؤه عليهم، وعلى عقيدتهم، في مقابل طعنه في أهل السنة، وعقيدتهم، وأئمتهم.
يقول معبراً عن رأيه في الخلافة عند أهل السنة: (أما الخلافة عند أهل السنة والجماعة، فهي بالاختيار والشورى، وبذلك فتحوا الباب الذي لا يمكن غلقه على أي واحد من الأمة، وأطمعوا فيها كل قاص ودان، وكل غث وسمين، وحتى تحولت من قريش إلى الموالي والعبيد، وإلى الفرس والمماليك، وإلى الأتراك والمغول).([425])
ويقول عن عقيدة الشيعة في الخلافة: (فما أعظم عقيدة الشيعة في القول بأن الخلافة أصل من أصول الدين، وما أعظم قولهم بأن هذا منصب هو باختيار الله سبحانه، فهو قول سديد، ورأي رشيد، يقبله العقل، ويرتاح إليه الضمير، وتؤيده النصوص من القرآن والسنة، ويرغم أنوف الجبابرة المتسلطين، والملوك والسلاطين، ويفيض على المجتمع السكينة والاستقرار).([426])
ويقول ضمن حديثه عن عقيدة تحريف القرآن عند الرافضة: (وما ينسب إلى الشيعة من القول بالتحريف، هو مجرد تشنيع وتهويل، وليس له في معتقدات الشيعة وجود، وإذا ما قرأنا عقيدة الشيعة في القرآن الكريم؛ فسوف نجد إجماعهم على تنزيه كتاب الله من كل تحريف...
[إلى أن قال]:... إن هذه التهمة (نقص القرآن والزيادة فيه) هي أقرب لأهل السنة منها إلى الشيعة، وذلك من الدواعي التي دعتني إلى أن أراجع كل معتقداتي، لأني كلما حاولت انتقاد الشيعة في شيء، والاستنكارعليهم، إلا وأثبتوا براءتهم منه وإلصاقه بي، وعرفت أنهم يقولون صدقاً. وعلى مر الأيام، ومن خلال البحث اقتنعت والحمد لله).([427])
ويقول مثنياً على عقيدة الرافضة، ومصرحاً باعتناقه لها مع تبرئه من الصحابة، وولايتهم، واتهامه لهم بالردة: (وقرأت الكثير حتى اقتنعت بأن الشيعة الإمامية على حق، فتشيعت، وركبت على بركة الله سفينة أهل البيت، وتمسكت بحبل ولائهم، لأني وجدت بحمد الله البديل عن بعض الصحابة، الذين ثبت عندي أنهم ارتدوا على أعقابهم، ولم ينج منهم إلا القليل، وأبدلتهم بأئمة أهل البيت النبوي، الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيراً...).([428])
فهذه نماذج من أقوال المؤلف، الدالة على بعده عن العدل والإنصاف في أحكامه، بل ظلمه وكذبه في أقواله، وذلك بثنائه على بعض عقائد الرافضة وتصحيحها، وتخطئة أهل السنة فيما عندهم من الحق، كحديثه عن الخلافة وموقف الفريقين منها، أو إنكاره أن تكون بعض عقائد الرافضة الشنيعة من عقائدهم، كزعمه براءتهم من عقيدة التحريف المشتهرة في كتبهم القديمة والحديثة، والمجمع عليها بين علمائهم، ونسبة تلك العقيدة لأهل السنة ظلماً، وزوراً، وبهتاناً.
ثم تصريحه باعتناقه عقيدة الرافضة وبراءته من عقيدة أهل السنة، ومن الصحابة، ورميه لهم بالردة، مدعياً أنه توصل لذلك بعد بحث ودراسة، ليلبس بذلك على أهل الجهل والغفلة، ودعوتهم لعقيدة الرافضة المقيتة، مما يدل على عدم حياديته وإنصافه كما زعم. بل هو رافضي يدعو لما هو عليه من كفر وضلال، كغيره من زنادقة الرافضة.
2- زعمه أن ما في كتبه لا يخرج عن الحق، وأنه لا يذكر من المسائل إلا ما اتفق عليه السنة والشيعة.
يقول: (فكتابي الأول والثاني يحملان عناوين من القرآن الكريم، وهو أصدق الكلام وأحسنه، وكل ما جمعته في الكتابين إن لم يكن الحق، فهو أقرب ما يكون إليه، لأنه مما اتفق عليه المسلمون: سنة، وشيعة، وما ثبت عند الفريقين أنه صحيح).([429])
ويقول: (ولكن ما اتفق عليه أهل السنة والشيعة فهو صحيح؛ لأنه ثبتت صحته عند الطرفين، ونلزمهم به كما ألزموا أنفسهم، وما اختلفوا فيه حتى لو كان صحيحاً عند أحدهم فلا يلزم الطرف الثاني بقبوله، كما لا يلزم الباحث الحيادي قبوله والاحتجاج به).([430])
فدعواه أن ما في كتبه إن لم يكن الحق فهو أقرب ما يكون إليه، دعوى باطلة، مجردة من أي دليل، وما من مبتدع إلا وهو يدعي هذا، والحق الذي لا مرية فيه؛ أن كتبه أبعد ما تكون عن الحق، ويكفي على ذلك دليلاً أنه إنما ألّفها للانتصار والدعوة لعقيدة الرافضة التي هي أغرق عقائد الفرق في الكفر والضلال، وأبعدها عن حقائق الإيمان.. هذا من حيث الإجمال، وسيأتي بيان ذلك مفصلاً عند الرد عليه إن شاء الله تعالى.
وأما زعمه أنه لا يذكر من المسائل إلا ما اتفق عليه السنة والشيعة ويلزمهم بذلك: فهذا كذب محض، وها هي ذي أمثلة من أقواله تدل على نقيض ادعائه، يقول: (والمعروف عند العلماء قديماً بأن علي بن أبي طالب، هو المرشح للخلافة من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم).([431])
وضمن أجوبته عن بعض الأسئلة التي زعم أنها وجهت إليه:
يقول في جواب سؤال... لماذا لم يعين الرسول صلى الله عليه وسلم له خليفة؟ (لقد عين صلى الله عليه وآله وسلم خليفة له بعد حجة الوداع، وهو علي بن أبي طالب، وأشهد على ذلك صحابته الذين حجوا معه، وكان يعلم بأن الأمة ستغدر به وتنقلب على أعقابها).([432])
وإجابة عن سؤال: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم بموعد موته؟ قال: (لا شك بأنه كان يعلم مسبقاً بموعد وفاته، في الوقت المعلوم، وقد علم بذلك قبل خروجه لحجة الوداع، ومن أجل ذلك سماها حجة الوداع، وبذلك علم أكثر الصحابة دنو أجله).([433])
وجواباً عن سؤال: هل عين الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر ليصلي بالناس؟ يقول: (من خلال الروايات المتناقضة نفهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعين أبا بكر ليصلي بالناس، اللهم إلا إذا اعتقدنا ما قاله عمر بن الخطاب في هجرانه، ومن اعتقد بذلك فقد كفر).([434])
ويقول مجيباً عن سؤال: لماذا حاربوا مانعي الزكاة، رغم تحريم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؟ (لأن بعض الصحابة الذين حضروا بيعة الإمام علي في غدير خم وهم راجعون من حجة الوداع وصحبة النبي صلى الله عليه وسلم، امتنعوا عن أداء الزكاة لأبي بكر... ولا شك بأن بعض الأخبار وصلت إليهم بأن فاطمة تخاصمت معهم، وغضبت عليهم، وبأن علياً امتنع عن بيعتهم؛ لكل ذلك رفضوا إعطاء الزكاة لأبي بكر حتى يتبينوا الأمر).([435])
وأمثلة كثيرة من هذا الهراء في كتبه -اعرضت عنها اختصاراً- وفيما تقدم دليل على كذبه فيما ادعاه. وأن ما يقرره في كتبه لا يخرج في الحقيقة عما هو موجود عند الرافضة، ولا يعدو أن يكون تكراراً لشبههم وأقوالهم. وإلا فأين ماذكره في أجوبته السابقة من عقيدة أهل السنة! بل من قال به من أهل السنة!... فلعنة الله على الكاذبين.
3- زعمه أنه لا يستدل من الأحاديث إلا بما صح عند أهل السنة.
يقول: (ولمَّا آليت على نفسي، فإني لا أستدل إلا بما يحتج به الشيعة من صحاح أهل السنة والجماعة، فإني اقتصرت على ذلك).([436])
ويقول: (وأنا بدوري وكالعادة، حسبما تعهدت به في كل أبحاث الكتاب لا أستدل إلا بما هو ثابت وصحيح عند أهل السنة والجماعة).([437])
ويقول أيضاً: (وأخذت على نفسي عهداً وأنا أدخل هذا البحث الطويل العسير أن أعتمد الأحاديث الصحيحة، التي اتفق عليها أهل السنة والشيعة).([438])
وهذه أيضاً دعوى كاذبة يشهد لبطلانها ما امتلأت به كتبه من الأحاديث المنكرة والموضوعة، كما سبق أن تقدم لها أمثلة فيما مضى مما يغني عن إعادتها هنا.([439])
وبعد هذا النقد العام للمؤلف ومنهجه في كتبه، الذي ظهر من خلاله: جهله، وقلة علمه، مع اتباعه للهوى والظنون، وبعده عن التحقيق العلمي، القائم على الصدق في النقل، والعدل في الحكم؛ أنتقل من الإجمال إلى التفصيل وذلك بالرد عليه مفصلاً في كتابه الأول ثم اهتديت.
وهذا هو أوان الشروع في ذلك، سائلاً الله الكريم العون والتوفيق، والإصابة والتسديد.

 
الرد على المؤلف في كتابه ثم اهتديت:- [الرد على التيجاني الضال في كتابه ثم اهتديت
على المؤلف في مسمى الكتاب وبيان مخالفته للحق والصواب:-
سمى المؤلف كتابه: ثم اهتديت، ويعني بذلك: انتقاله من عقيدته السابقة، وهي الطريقة التيجانية، التي صرح باعتناقه إياها هو وسائر أسرته([440]) في صدر الكتاب، ثم انتقاله إلى عقيدة الرافضة، التي زعم أنه اهتدى إليها. حيث يقول: (وقرأت الكثير حتى اقتنعت بأن الشيعة الإمامية على حق، فتشيعت، وركبت على بركة الله سفينة أهل البيت، وتمسكت بحبل ولائهم...).([441])
قلت: ما زعمه من الهداية دعوى تحتاج إلى بينة وبرهان: ((قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)) [البقرة:111]، وإلا فكم من كافر عتيد، جبار عنيد، يدّعي الإيمان والهداية، وهو رأس في الكفر والضلالة! كما أخبر الله عن اليهود والنصارى في قوله: ((وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ)) [البقرة:135]، وعن فرعون في قوله: ((قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ)) [غافر:29]، وقوله في وصف أهل الضلال: ((وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ)) [الزخرف:37]، وقوله: ((فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلالَةُ إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ)) [الأعراف:30].
وإذا ثبت هذا فليعلم أن عقيدة الرافضة التي يزعم أنه اهتدى باعتناقها؛ هي أفسد عقيدة، والرافضة هم أضل فرقة انتسبت إلى الإسلام، وأبعد طائفة عن الحق، وأجهلها به، وأقرب طائفة إلى الكفر واعرقها فيه، وهذا باتفاق أئمة الإسلام -على ما تقدم نقل كلامهم مفصلاً في ذم الرافضة -([442])، وباتفاق المحققين في الفرق، الذين هم أعرف الناس بمذاهب الناس، ومقالاتهم، حيث صرحوا بأن الرافضة أبعد الفرق عن الدين، وأعرقها في الضلالة.
قال ابن حزم: (وما نعلم أهل فرية أشد سعياً في إفساد الإسلام وكيده من الرافضة).([443])
وقال البغدادي: (وقال المحققون من أهل السنة: إن ابن السوداء كان على هوى دين اليهود، وأراد أن يفسد على المسلمين دينهم بتأويلاته في علي وأولاده، لكي يعتقدوا فيه ما اعتقدت النصارى في عيسى عليه السلام، فانتسب إلى الرافضة السبئية حين وجدهم أعرق أهل الأهواء في الكفر).([444])
ويقول الإسفراييني بعد أن ذكر الرافضة وبعض معتقداتهم: (وليسوا في الحال على شيء من الدين، وليس مقصودهم من هذا الكلام تحقيق الكلام في الإمامة، ولكن مقصودهم إسقاط كلفة تكليف الشريعة عن أنفسهم).([445])
فأي هدى في الانتساب إلى هؤلاء الرافضة!! وإنما هو الكفر، والزندقة والإلحاد، الذي تشربته قلوبهم، وعقولهم.
وأما هذا الأفاك: فزيادة على انتسابه للرافضة، وإعلانه اعتناق عقيدتهم الفاسدة، -وحسبه ذماً، أن يكون رافضياً- فإني أورد هنا من كلامه على وجه الخصوص، ما يدل على زيف ما ادعاه من الهداية، وانغماسه في الكفر والغواية، فإني أخشى أن يظن ظان أن الرجل قد لُبِّسَ عليه، وما عرف حقيقة ما عليه القوم، وإلا ما انتسب لهم، فإليك أيها القارئ أمثلة من كلامه تنبئك عن حقيقة حاله.
يقول عن القرآن الكريم: (... لأن كتاب الله وحده لا يكفي للهداية، فكم من فرقة تحتج بكتاب الله وهي في الضلالة، كما ورد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: (كم من قارئ للقرآن، والقرآن يلعنه)، فكتاب الله صامت، وحمال أوجه، وفيه المحكم والمتشابه، ولابد لفهمه من الرجوع إلى الراسخين في العلم، حسب التعبير القرآني، وإلى أهل البيت حسب التفسير النبوي).([446])
فهل من يعتقد هذا الاعتقاد في كتاب الله من المهتدين!! أم من الضالين المكذبين، الذين يكذبون بما أخبر الله عنه في صريح كلامه وصفاً لكتابه، من أنه جعله هدى يهدي للتي هي أقوم، كما في قوله: ((ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)) [البقرة:2]، وقوله: ((إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)) [الإسراء:9]، وقوله تعالى: ((وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) [النحل:64]، وقوله تعالى: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)) [النحل:89] إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.
وإذا كان هذا الرجل يصرح بأن القرآن لا يكفي لهداية الخلق، فهذا أكبر دليل على ضلاله، بل كفره وإلحاده، لتكذيبه لصريح القرآن، مما لا يسع جهله العوام، فكيف بمن يدعي العلم والتحقيق.
ووجه آخر يدل على ضلاله: وهو أن الله أخبر في هذه الآيات أن هذا القرآن هدى للمتقين والمؤمنين، فإذا كان المؤلف يرى أن هذا الكتاب لا يكفي في الهداية-وهو بطبيعة الحال إنما يعبر عن حاله، وما يجد من نفسه- فليُعلم أن الله قال في وصف كتابه: ((قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ)) [فصلت:44].
وقال عز وجل: ((وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً)) [الإسراء:82].
ويقول تعالى في وصف المنافقين: ((وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)) [التوبة:124] * ((وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ)) [التوبة:125].
ومن خلال هذه الآيات، مع دعوى المؤلف أن القرآن لا يكفي في هداية الخلق، يتبين لك أيها القارئ حال الرجل، ومن أي الفريقين هو، أهو من أهل الإيمان الذين زادهم القرآن إيماناً وهدى؟! أم من المنافقين الذين زادهم رجساً إلى رجسهم وهو عليهم عمى؟!
وإذا كان هذا هو موقفه من القرآن، فإن موقفه من السنة لا يختلف عن ذلك بل أشد، يقول: (فإذا كان القرآن وهو كتاب الله العزيز يتطلب من يقاتل في سبيل تفسيره، وتوضيحه، لأنه كتاب صامت لا ينطق، وهو حمال أوجه متعددة، وفيه الظاهر والباطن، فكيف بالأحاديث النبوية).([447])
ويقول أيضاً زاعماً أن السنة ليست الحل لقضايا المسلمين؛ وإنما تزيد الأمر تعقيداً: (فقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنه ترك كتاب الله وسنة نبيه، ليس هو الحل المعقول لقضيتنا بل يزيدنا تعقيداً وتأويلاً، ولايقطع دابر المشاغبين والمنحرفين).([448])
وقوله هذا وموقفه من السنة غني عن كل توضيح في براءته من الدين ومروقه منه، يقول تعالى: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)) [الأحزاب:36]، ويقول: ((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [النساء:65].
وأما أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيقول في حقهم: (فالمتمعن في هذه الأحاديث العديدة، التي أخرجها علماء أهل السنة في صحاحهم ومسانيدهم، لا يتطرق إليه الشك في أن أكثر الصحابة قد بدلوا وغيروا، بل ارتدوا على أدبارهم بعده صلى الله عليه وسلم، إلا القليل الذي عبر عنه بهمل النعم).([449])
ويقول: (وجدت بحمد الله البديل عن بعض الصحابة، الذين ثبت عندي أنهم ارتدوا على أعقابهم القهقرى، ولم ينج منهم إلا القليل، وأبدلتهم بأئمة أهل البيت النبوي، الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً).([450])
ويقول أيضاً: (مرحى لهؤلاء الصحابة، الذين لا يتورعون عن تغيير سنة الرسول، وحتى أحكام الله، للوصول إلى أغراضهم الدنيئة، وأحقادهم الدفينة، ومطامعهم الخسيسة).([451])
ويقول أيضاً: (فهذه من الأسباب القوية التي جعلتني أنفر من أمثال هؤلاء الصحابة، ومن تابعيهم الذين يتأولون النصوص، ويختلقون الروايات الخيالية لتبرير أعمال أبي بكر، وعمر، وعثمان، وخالد بن الوليد، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وإخوانهم، اللهم إني استغفرك وأتوب إليك، اللهم إني أبرأ إليك من أفعال هؤلاء وأقوالهم التي خالفت أحكامك، واستباحت حرماتك، وتعدت حدودك، واغفر لي ما سبق من موالاتهم، إذ كنت من الجاهلين).([452])
إلى غير ذلك من مطاعنه على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتكفيره إياهم، هم وسائر سلف الأمة، مما يدل على ما تنطوي عليه نفس الرجل من حقد وضغينة على الإسلام وأهله، ونفاق باطن يحمله على الوقيعة في خيار الأمة وأصفيائها من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين.
بل إن قوله بردة الصحابة إلا القليل منهم كفر ظاهر وصريح، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، حيث قال في تفصيل حكم من سب الصحابة: (وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله -عليه الصلاة والسلام- إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفساً، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضاً في كفره، لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع: من الرضى عنهم، والثناء عليهم، بل من شك في كفر مثل هذا، فإن كفره متعين، فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فُسَّاق، وأن هذه الآية التي هي ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:110] وخيرها: هو القرن الأول، كان عامتهم كفاراً أو فساقاً، ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم، وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام).([453])
وأخيراً أختم النقل عن هذا الرجل، بنص مهم يتبرأ فيه من أهل السنة ويتمنى أن يموت على عقيدة الرفض حيث يقول: (وإذا كانت السنة والجماعة من ابتكار معاوية بن أبي سفيان فنسأله سبحانه أن يميتنا على بدعة الرفض، التي أسسها علي بن أبي طالب وأهل البيت عليهم السلام).([454])
وبهذه النصوص الصريحة من كلامه يظهر للقارئ موضع هذا الرجل من الدين، ومدى صدق ما يدعيه من الهداية. على أني قبل أن أختم الحديث عن هذه الجزئية أشير الى نقطة مهمة وهي: أن هذا الرجل مع ما يدعيه من أنه لم يكن رافضياً ثم اهتدى لعقيدة الرفض، إلا أنه صرح في بعض كلامه بانتمائه في الأصل لأسرة تنتسب الى السادة، قد فرت من العراق، وأنه بهذا يكون قد رجع الى أصله حيث يقول: (وبذلك أكون قد رجعت إلى أصلي، فقد كان أبي وأعمامي يحدثوننا حسب الشجرة التي يعرفونها أنهم من السادة الذين هربوا من العراق، تحت الضغط العباسي، ولجأوا إلى شمال أفريقيا حيث أقاموا في تونس وبقيت آثارهم حتى اليوم).([455])
وهذا مما يشير الى أصله الرافضي، وتلطخ أسرته بهذه العقيدة قديماً، ثم إدراكه شؤمها بعد تلك السنين الطويلة، مما فيه عبرة لكل معتبر، فنسأل الله بمنه وكرمه العافية والسلامة.
قول المؤلف: إن البحث عن أحوال الصحابة من أهم البحوث التي تقود إلى الحقيقة، والرد عليه:-
قال المؤلف (ص89) من كتابه ثم اهتديت: (من أهم الأبحاث التي اعتبرها الحجر الأساسي في كل البحوث التي تقود إلى الحقيقه، هو البحث في حياة الصحابة، وشؤونهم، وما فعلوه، وما اعتقدوه، لأنهم عماد كل شيء، وعنهم أخذنا ديننا، وبهم نستضيء في الظلمات لمعرفة أحكام الله، ولقد سبق لعلماء الإسلام -لقناعتهم بذلك- البحث عنهم وعن سيرتهم، فألفوا في ذلك كتباً عديدة أمثال: أُسد الغابة في تمييز الصحابة، وكتاب الإصابة في معرفة الصحابة، وكتاب ميزان الاعتدال، وغيرها من الكتب التي تناولت حياة الصحابة بالنقد والتحليل، ولكنها من وجهة نظر أهل السنة والجماعة).
قلت: قوله: إن البحث في حياة الصحابة من أهم الأبحاث التي تقود الى الحقيقة... الخ كلامه، هذا كلام مجمل، فإن كان القصد منه دراسة أحوالهم، ومعرفة أخبارهم؛ للتأسي بهم في العلم والعمل؛ فهذا حق، فهم حملة العلم إلينا، وعن طريقهم تلقينا الكتاب والسنة، وتفقه أهل العلم فيهما على أيديهم، فمن تمسلك بهديهم، واقتفى أثرهم؛ فهو على سبيل نجاة وفلاح، ومن انحرف عن طريقهم، واتبع غير سبيلهم؛ فهو من الهالكين الخاسرين، كما أخبر الله عن ذلك بقوله: ((وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً)) [النساء:115].
فالصحابة: هم خيار المؤمنين الذين من خالف هديهم استحق ذلك الوعيد.
وإن كان يقصد البحث عن أحوال الصحابة من حيث العدالة، والنظر في قبول رواياتهم وأخبارهم، مما هو ذريعة للقدح فيهم، والنيل من أعراضهم، والحط من شأنهم ومقاماتهم العالية الرفيعة في الدين، -ولا آراه إلا يقصد ذلك- لزعمه بعد ذلك أن تلك الكتب التي ذكر قد تناولت حياة الصحابة بالنقد والتحليل. فنقول له: يا مسكين! لقد ارتقيت مرتقى صعباً، وتجشمت خطراً، وعرضت نفسك لما لا حول لك به ولا قدرة.
كناطحٍ صَخْرةً يوماً ليُوهِنَهَا  فَلَمْ يَضِرْهَا وأَوْهَى قَرَنة الوَعِلُ
([456])
ومن سعادة العبد أن يعرف قدر نفسه، فلو كان البحث في أحوال الصحابة بالنقد والتعديل منهجاً متبعاً في أهل العلم ونقّاد الرجال؛ فلست من فرسان ميدانه، ولا ممن يسابق في مضماره، فكيف به وقد أغلق العلماء باب بحثه، وانصرفت ههمهم عن دراسته، وذلك لتعديل الله تعالى لهؤلاء الصحابة، وثنائه عليهم أجمل الثناء، ووصفه لهم بالإيمان والهدى، والبر والتقوى، في محكم كتابه، وتزكية الرسول صلى الله عليه وسلم لهم في صريح سنته، وذكره الكثير من فضائلهم، ونهيه الأمة عن التعرض لهم وسبهم.
فمن ذلك قوله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100].
وقوله تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:18].
وقوله سبحانه: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)) [الحديد:10].
وقوله عز وجل: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً)) [الفتح:29].
إلى غير ذلك من الآيات في فضل الصحابة وهي كثيرة.
وأما ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضلهم والثناء عليهم:
فمن ذلك ما رواه الشيخان من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم}([457])، قال عمران: فلا أدري ذكر بعده قرنين أو ثلاثة.
ورويا أيضاً عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا تسبوا أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه}.([458])
وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون}.([459])
ففي هذه الأدلة الصحيحة الصريحة، وما في معناها من النصوص الأخرى، المتضمنة حسن الثناء من الله ورسوله على هؤلاء الصحابة، أكبر دليل على عدالتهم وطهارتهم ونزاهتهم، وأنه لا يُبْحث عن عدالتهم، ولهذا كان أئمة الإسلام متفقين على عدالتهم.
يقول الخطيب البغدادي بعد أن ذكر الأدلة على عدالة الصحابة: (والأخبار في هذا المعنى تتسع، وكلها مطابقة لما ورد في نص القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج واحد منهم مع تعديل الله تعالى -لهم المطلع على بواطنهم- إلى تعديل أحد من الخلق....
إلى أن قال: هذا مذهب كافة العلماء، ومن يعتد بقوله من الفقهاء).([460])
وقال النووي: (الصحابة كلهم عدول، من لابس الفتن وغيرهم، بإجماع من يعتد به).([461])
وقال ابن كثير: (والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل، والجزاء الجميل).([462])
وقال ابن الملقن: (للصحابة بأسرهم خصيصة وهي: أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم بل ذلك أمر مفروغ منه؛ لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة، وإجماع من يعتد به.
-إلى أن قال بعد أن ساق بعض النصوص في الثناء عليهم- ثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم كذلك بإجماع العلماء الذين يعتدّ بهم في الإجماع إحساناً للظن بهم، ونظراً إلى ما تمهّدَ لهم من المآثر، وكأن الله تعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة).([463])
فظهر بهذا اتفاق العلماء المعنيين بنقد الرجال، والنظر في أحوالهم على عدالة الصحابة، وأنه لا يسأل عن عدالتهم ولم يخالف في ذلك أحد ممن يعتد بقوله، بل لم يخالف في ذلك إلا متهم في دينه من أهل البدع والزندقة.
ولهذا عد العلماء قديماً أن الطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم علامة أهل البدع والزنادقة، الذين يريدون إبطال الشريعة بجرح رواتها.
قال أبو زرعة: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقه).([464])
وعن الإمام أحمد أنه قال: [[إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء؛ فاتهمه على الإسلام]].([465])
وقال الإمام البربهاري: (واعلم أن من تناول أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه إنما أراد محمداً، وقد آذاه في قبره).([466])
فتبين بهذا أن قول المؤلف -الذي بنى عليه بحثه (وهو أن البحث في حياة الصحابة وشؤونهم بحثاً عن عدالتهم من البحوث التي يقود إلى الحقيقة) قول باطل من أصله، وهو طريق كل زنديق وملحد إلى الطعن في الإسلام، كما نص على ذلك العلماء، وذلك ظاهر من وجهين:
الوجه الأول: أنه تكذيب لما ثبت في الكتاب والسنة في مواطن متعددة من الثناء عليهم بالخير والفضل، والشهادة لهم بالإيمان والصدق، وما تواتر في الأمة بالنقل الصحيح من عظيم جهادهم في سبيل الله، وحسن بلائهم في الدين، وإيثارهم ما عند الله والدار الآخرة على هذه الحياة العاجلة، مما أصبحوا به مضرب الأمثال في الزهد والورع، وقدوة الناس في العلم والعمل.
الوجه الثاني: أن الطعن في عدالتهم قدح في الشرع كله، فهم حملته إلى الأمة، ولهذا لا يوجد أحد يطعن في عدالتهم إلا ويضعف إيمانه، وتصديقه بالنصوص بقدر ما يطعن في الصحابة، وهذا أمر ظاهر لكل من تأمل حال من ابتلي بالطعن في الصحابة.
وهذا ما اعترف به المؤلف نفسه عندما خاض البحث في حياة الصحابة بقوله: (بقيت متحيراً ثلاثة أشهر، مضطرباً في نومي، تتجاذبني الأفكار، وتموج بي الظنون والأوهام، خائفاً على نفسي من بعض الصحابة الذين أحقق في تأريخهم فأقف على بعض المفارقات المذهلة في سلوكهم... وعلى هذا خشيت على نفسي، واستغفرت ربي مرات عديدة، أردت فيها الانقطاع عن البحث في مثل هذه الأمور التي تشككني في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالتالي تشككني في ديني...).([467])
وأما قوله: (إن العلماء ألفوا في ذلك كتباً تناولت حياة الصحابة بالنقد والتحليل، وذكر منها أُسد الغابة، والإصابة، وميزان الاعتدال.
فهذا غير صحيح، بل افتراء عظيم على العلماء بما هم منه برآء، ولا أدري ما الذي يحمل هذا الرجل على هذا، أهو الجهل؟! أم الكذب والتلبيس على الناس؟!
أما الكتابان الأول والثاني وهما: أُسد الغابة والإصابة فهما في تراجم الصحابة وتمييزهم عن غيرهم، دون التعرض لهم بجرح ولا تعديل كما زعم، وهذا أمر معلوم لدى صغار طلاب العلم، ولا يحتاج في إثباته إلى دليل، وإنما أشير هنا إلى ما يدفع كذبه وتلبيسه على بعض من لا يعلم ذلك من العامة الذين قد يطلعون على كتبه، فأقول: إن ما زعمه من أن هذين الكتابين قد تناولا حياة الصحابة بالنقد والتحليل، قول باطل لا أساس له من الصحة. وبيان بطلانه وكذبه من عدة وجوه:
أولاً: أن هذين الكتابين لإمامين جليلين من أئمة أهل السنة، يدينان لله بعدالة الصحابة، ويعرفان لهم فضلهم ومكانتهم، فأُسد الغابة للإمام ابن الأثير، والإصابة للحافظ ابن حجر رحمهما الله تعالى، وقد نص كل منهما على عدالة الصحابة في مقدمة كتابه، وبينا أن الصحابة كلهم عدول لا يُبحث عن عدالتهم، ولا يتطرق إليهم الجرح بحال.
قال ابن الأثير رحمه الله: (والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك، إلا في الجرح والتعديل، فإنهم كلهم عدول، لا يتطرق إليهم الجرح، لأن الله ورسوله زكياهم وعدلاهم، وذلك مشهور لا يحتاج لذكره، ويجيء كثير منه في كتابنا هذا).([468])
وقال ابن حجر رحمه الله ضمن حديثه عن حال الصحابة من العدالة: (اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة، وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلاً نفيساً في ذلك، فقال: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم)([469])، ثم ساق كلام الخطيب بتمامه، وساق بعده بعض الأدلة الدالة على عدالة الصحابة وفضلهم.
فكيف يسوغ في عقل أن يقرر كل واحد من هذين الإمامين القول بعدالة الصحابة، وأنه لا يبحث في عدالتهم، ولا يتعرض لهم بنقد ولا بتجريح في مقدمة كتاب، ثم ينقض ذلك في الكتاب نفسه بتجريح الصحابة، والطعن فيهم.
ثانياً: أن هذين الكتابين قد ألفا للتعريف بالصحابة، وجمع أكبر قدر من أسمائهم، حتى يتميز الصحابة عن غيرهم كما صرح بذلك المؤلفان:
قال ابن الأثير بعد أن ذكر بعض الكتب التي ألفت في جمع أسماء الصحابة والتعريف بهم: (فرأيت أن أجمع بين هذه الكتب، وأضيف إليها ما شذ عنها).([470])
وقال ابن حجر معرفاً بكتابه في مقدمته: (فجمعت كتاباً كبيراً في ذلك، ميزت فيه الصحابة من غيرهم).([471])
هذا مع أن عنواني الكتابين ينبئان عنهما فقد سمى ابن الأثير كتابه: أسد الغابة في معرفة الصحابة وسمى ابن حجر كتابه: الإصابة في تمييز الصحابة، ولو أرادا الجرح والتعديل لقالا: في نقد الصحابة)، أو عبارة قريبة منها، كما هو الحال في الكتب التي ألفت في نقد الرواة من بعد الصحابة.
على أن المؤلف أخطأ في اسمي الكتابين فزعم أن كتاب ابن الأثير: أُسد الغابة في تمييز الصحابة وكتاب ابن حجر: الإصابة في معرفة الصحابة فخلط بين عنواني الكتابين وهذا مما يدل على جهله بهما.
ثالثاً: واقع الكتابين يشهد بكذب ما ادعى هذا المفتري من نقدهما للصحابة، فما على القارئ إلا أن يتصفح هذين الكتابين فهما موجودان منتشران، ليعلم حظ هذا الرجل من الصدق، وموقعه من العلم.
وأما كتاب ميزان الاعتدال للإمام الذهبي فإن مؤلفه لم يتعرض فيه للصحابة بذكر لا من قريب أو من بعيد، بل ولم يتعرض فيه لذكر أحد من الأئمة الموثقين المتفق على عدالتهم، لأن أصل موضوع الكتاب في نقد الضعفاء والمجروحين من الرواة.
قال الذهبي في مقدمة الكتاب: (وقد احتوى كتابي هذا على ذكر الكذابين الوضاعين المتعمدين قاتلهم الله، وعلى الكذابين في أنهم سمعوا؛ ولم يكونوا سمعوا، ثم على المتهمين بالوضع والتزوير).([472])
ثم ذكر بقية طبقات المجروحين عند أهل العلم، وذكر أنه ذكر في كتابه من تكلم فيه مع ثقته، بأدنى لين، وبأقل جرح.
ثم قال: (إلا ما كان في كتاب البخاري، وابن عدي وغيرهما من الصحابة فإني أسقطهم لجلالة الصحابة، ولا أذكرهم في هذا المصنف، فإن الضعف إنما جاء من جهة الرواة إليهم، وكذا لا أذكر في كتابي من الأئمة المتبوعين في الفروع أحداً لجلالتهم في الإسلام وعظمتهم في النفوس، مثل أبي حنيفة، والشافعي، والبخاري، فإن ذكرت أحداً منهم فأذكره على الإنصاف، وما يضره ذلك عند الله، ولا عند الناس).([473])
وبهذا يظهر لك أيها القارئ أن دعوى هذا الرافضي في هذا الكتاب من أنه تعرض لنقد الصحابة وتجريحهم دعوى باطلة، تدل على فرط جهل صاحبها، وعدم معرفته بأمهات المصادر في الرجال، مع ادعائه التحقيق العلمي المبني على التوثيق والتدقيق.
زعم المؤلف أن اختلاف الصحابة هو الذي حرم الأمة العصمة، وأدى إلى تفرقها، وتمزقها، والرد عليه:-
قال المؤلف (ص89-90): (والمشكل الأساسي في كل ذلك هو الصحابة، فهم الذين اختلفوا في أن يكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الكتاب، الذي يعصمهم من الضلالة إلى قيام الساعة، واختلافهم هذا هو الذي حرم الأمة الإسلامية من هذه الفضيلة، ورماها في الضلالة، حتى انقسمت، وتفرقت، وتنازعت، وفشلت، وذهبت ريحها، وهم الذين اختلفوا في الخلافة، فتوزعوا بين حزب حاكم، وحزب معارض، وسبب ذلك تخلف الأمة، وانقسامها إلى: شيعة علي، وشيعة معاوية، وهم الذين اختلفوا في تفسير كتاب الله، وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، فكانت المذاهب والفرق، والملل والنحل، ونشأت من ذلك المدارس الكلامية والفكرية المختلفة، وبرزت فلسفات متنوعة، أملتها دوافع سياسية محضة، تتصل بطموحات الهيمنة على السلطة والحكم.
فالمسلمون لم ينقسموا، ولم يختلفوا في شيء لولا الصحابة، وكل خلاف نشأ وينشأ إنما يعود إلى اختلافهم في الصحابة).
قلت: قوله: (فهم الذين اختلفوا في أن يكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الكتاب، الذي يعصمهم من الضلالة إلى قيام الساعة، وأن هذا الاختلاف هو الذي حرم الأمة من هذه الفضيلة).
يشير بذلك إلى ما رواه الشيخان من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه، قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، قال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا، وكثر اللغط، قال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع).([474])
وقد ذكره الرافضي بنصه في موضع آخر سيأتي قريباً مستدلاً به على طعنه في الصحابة، ولذا أؤجل الرد عليه في ذلك، وتوجيه الحديث إلى موطنه الذي ذكره فيه، واقتصر الآن في الرد على الشبهة التي أثارها هنا، وهو زعمه أن اختلافهم هذا هو الذي حرم الأمة الإسلامية من العصمة، ورماها في الضلالة والتفرق إلى قيام الساعة.
والجواب على هذا: إن قوله هذا باطل، وهو يعني أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ترك تبليغ أمته ما فيه عصمتها من الضلال، ولم يبلغ شرع ربه لمجرد اختلاف أصحابه عنده حتى مات على ذلك، وأنه بهذا مخالف لأمر ربه في قوله: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ)) [المائدة:67].
وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم مبرأً من ذلك، ومنزهاً بتزكية ربه له في قوله: ((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة:128]
فوصفه بالحرص على أمته: أي على هدايتهم، ووصول النفع الدنيوي والأخروي لهم، ذكره ابن كثير في تفسيره([475]).
وإذا كان هذا الأمر معلوماً بالاضطرار من دين الإسلام عند الخاص والعام، لا يشك فيه من في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، أن هذا الرسول الكريم قد بلغ كل ما أُمر به، وكان أحرص ما يكون على أمته، بما هو متواتر من جهاده وتضحيته، وأخباره الدالة على ذلك، علمنا علماً يقينياً لا يشوبه أدنى شك، أنه لو كان الأمر كما يذكر هذا الرافضي من الوصف لهذا الكتاب من أن به عصمة الأمة من الضلال في دينها، ورفع الفرقة والاختلاف فيما بينها، إلى أن تقوم الساعة، لما ساغ في دين ولا عقل أن يؤخر رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابته إلى ذلك الوقت الضيق، ولو أخره ما كان ليتركه لمجرد اختلاف أصحابه عنده([476]) وقد ثبت من سيرته أنه لربما راجعوه أحياناً في بعض المسائل مجتهدين، فما كان يترك أمر ربه لقولهم، كمراجعة بعضهم له في فسخ الحج إلى عمرة في حق من لم يسق الهدي، وذلك في حجة الوداع، وكذلك مراجعة بعضهم له يوم الحديبية، وفي تأمير أسامة([477]) رضي الله عنه، فهل يتصور بعد هذا أن يترك أمر ربه فيما هو أعظم من هذا لخلافهم، ولو قدر أنه تركه في ذلك الوقت لتنازعهم عنده لمصلحة رآها فما الذي يمنعه من أنه يكتبه بعد ذلك، وقد ثبت أنه عاش بعد ذلك عدة أيام، فقد كانت وفاته -عليه الصلاة والسلام- يوم الإثنين على ما جاء مصرحاً به في رواية أنس في الصحيحين([478]) وحادثة الكتاب يوم الخميس بالاتفاق.
فإن أبى الرافضي إلا جدالاً، وقال: خشي أن لا يقبلوه منه، ويعارضوه فيه، كما تنازعوا عنده أول مرة، قلنا: لا يضره ذلك وإنما عليه البلاغ كما قال تعالى: ((مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً)) [النساء:80].
فإذا ثبت هذا باتفاق السنة والرافضة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكتب ذلك الكتاب حتى مات، علمنا أنه ليس من الدين الذي أمر بتبليغه، ولا على ما يصفه هذا الرافضي من المبالغة؛ لاستحالة ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولِمَا دل عليه القرآن من أن الله قد أكمل له ولأمته الدين، فأنزل عليه قبل ذلك في حجة الوداع: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً)) [المائدة:3].
وكما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله: {إني تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك}.([479])
فإذا تقرر بطلان ما يدعي هذا الرافضي من أن الأمة وقعت في الضلالة، وحرمت العصمة بسبب عدم كتابة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم ذلك الكتاب لاختلاف الصحابة عنده.
فليعلم بعد هذا أن الذي أراده الرسول صلى الله عليه وسلم من كتابة ذلك الكتاب هو أن يكتب لهم كتاباً يبين فيه فيمن تكون الخلافة من بعده كما ذكر ذلك العلماء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ولم تكن كتابة الكتاب مما أوجبه الله عليه أن يكتبه أو يبلغه في ذلك الوقت، إذ لو كان كذلك لما ترك صلى الله عليه وسلم ما أمره الله به، لكن ذلك مما رآه مصلحة لدفع النزاع في خلافة أبي بكر، ورأى أن الخلاف لابد أن يقع).([480])
وقال في موضع آخر: (وأما قصة الكتاب الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يكتبه، فقد جاء مبيناً كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه: ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر}([481])....
[إلى أن قال بعد ذكر روايات الحديث]: والنبي صلى الله عليه وسلم قد عزم على أن يكتب الكتاب الذي ذكره لعائشة، فلما رأى أن الشك قد وقع، علم أن الكتاب لا يرفع الشك، فلم يبق فيه فائدة، وعلم أن الله يجمعهم على ما عزم عليه كما قال: (ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر).([482])
وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (لن تضلوا بعدي) فيقول الدهلوي في توجيهه: (فإن قيل: لو لم يكن ما يكتب أمراً دينياً فلم قال: (لن تضلوا بعدي؟) قلنا: للضلال معان، والمراد به ههنا عدم الخطأ في تدبير الملك، وهو إخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزه، وتجهيز جيش أسامة منه، لا الضلالة والغواية عن الدين).([483])
وأما قوله: (وهم الذين اختلفوا في الخلافة فتوزعوا بين حزب حاكم، وحزب معارض، وسبب ذلك تخلف الأمة وانقسامها إلى شيعة علي، وشيعة معاوية...)
فالجواب على هذا: أن الخلاف بين الصحابة رضي الله عنهم في عهد علي رضي الله عنه لم يكن في الخلافة، فإن الذين اختلفوا مع علي رضي الله عنه هم: طلحة، والزبير، وعائشة، ومعاوية رضي الله عنهم، ولم يكن هؤلاء ينازعونه في الخلافة بل لم يَدَّعِ أحد لامن هؤلاء ولا من غيرهم، أنه أولى بالخلافة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه من علي؛ لأنه أفضل من بقي، وقد كانوا يقرون له بالفضل، وإنما أصل الخلاف بين هؤلاء الصحابة المذكورين وعلي هو في المطالبة بدم عثمان وقتل قتلته، فقد كانوا يرون تعجيل ذلك والمبادرة بالاقتصاص منهم، وقد كان علي رضي الله عنه لا ينازعهم في أن عثمان رضي الله عنه قُتل مظلوماً، وعلى وجوب الاقتصاص من قتلته، وإنما كان يرى تأجيل ذلك حتى تهدأ الأوضاع، ويستتب له الأمر، لأن قتلة عثمان كثير وقد تفرقوا في الأمصار كما كانت طائفة كبيرة منهم في المدينة بين الصحابة.
ومع هذا كله فإن اختلافهم رضي الله عنهم لم يصل بهم إلى الطعن في الدين، واتهام بعضهم لبعض، وإنما كان كل فريق يرى لمخالفه مكانته في الفضل والصحبة، ويرى أنه مجتهد في رأيه؛ وإن كان يخطئه فيه.
فههنا ثلاث مسائل مقررة عند أهل العلم والتحقيق من أهل السنة، يندفع بها ما يثيره هؤلاء المغرضون من شبه حول الفتنة التي حصلت في زمن الصحابة رضي الله عنهم في خلافة علي وهي:
المسألة الأولى: أن الخلاف الذي حصل بينهم لم يكن حول الخلافة، ولم ينازع علياً رضي الله عنه أحد من مخالفيه فيها، ولم يَدَّعِ أحد منهم على الإطلاق أنه أولى بالخلافة من علي.
المسألة الثانية: أن الخلاف بينهم إنما هو في تعجيل قتل قتلة عثمان أو تأخيره، مع اتفاقهم على وجوب تنفيذ ذلك.
المسألة الثالثة: أنهم مع اختلافهم لم يتهم بعضهم بعضاً في الدين، وإنما يرى كل فريق منهم أن مخالفه مجتهد متأول، يعترف له بالفضل في الإسلام، والصحبة للرسول صلى الله عليه وسلم.
وهذه مسائل عظيمة، دلت عليها الأخبار الصحيحة، وفيها توضيح لحقيقة الخلاف بين الصحابة وتبرئة لساحتهم من كل مايرميهم به الرافضة والزنادقة، وهي أصل كبير في الرد على هؤلاء ينبغي لطالب العلم أن يتعلمها بأدلتها، وإليك أيها القارئ بسط الأدلة على تقريرها:
المسألة الأولى: أن الخلاف الذي حصل بينهم لم يكن في الخلافة، ولم ينازع علياً أحد من مخالفيه فيها، ولم يدع أحد منهم أنه أولى بها من علي رضي الله عنه.
ومن أقوى الأدلة، وأكبر الشواهد على هذا: اجتماع الصحابة رضي الله عنهم على مبايعته بالخلافة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه بما فيهم طلحة والزبير رضي الله عنهما، وقد دلت على ذلك الروايات الصحيحة المنقولة عنهم في ذلك.
منها مارواه الطبري في تاريخه بسنده إلى محمد بن الحنفية، قال: [[كنت مع أبي حين قتل عثمان رضي الله عنه فقام فدخل منزله، فأتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولابد للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحداً أحق بهذا الأمر منك، لا أقدم سابقة، ولا أقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا تفعلوا، فإني أكون وزيراً، خيرٌ من أن أكون أميراً، فقالوا: لا والله! ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، قال: ففي المسجد فإن بيعتي لا تكون خَفِيّاً، ولا تكون إلا عن رضا المسلمين]].
قال سالم بن الجعد، فقال عبد الله بن عباس: [[فلقد كرهت أن يأتي المسجد مخافة أن يُشْغَب عليه، وأبى هو إلا المسجد، فلما دخل دخل المهاجرون والأنصار، فبايعوه ثم بايعه الناس]].([484])
وعن أبي بشير العابدي قال: [[كنت بالمدينة حين قتل عثمان رضي الله عنه واجتمع المهاجرون والأنصار فيهم طلحة والزبير فأتوا علياً، فقالوا: يا أبا الحسن هلم نبايعك، فقال: لا حاجة لي في أمركم أنا معكم، فمن اخترتم فقد رضيت به، فاختاروا والله، فقالوا: ما نختار غيرك....]]([485]) إلخ الرواية، وفيها تمام البيعة لعلي رضي الله عنه.
والروايات في هذا كثيرة ذكر بعضها ابن جرير في تاريخه([486])
وهي دالة على مبايعة الصحابة رضي الله عنهم لعلي رضي الله عنه، واتفاقهم على بيعته بما فيهم طلحة والزبير، كما جاء مصرحاً به في الرواية السابقة.
وأما ما جاء في بعض الروايات من أن طلحة، والزبير بايعا مكرهين فهذا لا يثبت بنقل صحيح، والروايات الصحيحة على خلافه.
فقد روى الطبري عن عوف بن أبي جميلة قال: [[أما أنا فأشهد أني سمعت محمد بن سيرين، يقول: إن علياً جاء فقال لطلحة: ابسط يدك يا طلحة! لأبايعك. فقال طلحة: أنت أحق، وأنت أمير المؤمنين، فابسط يدك، فبسط علي يده فبايعه]].([487])
وعن عبد خير الخَيْوانيّ [[أنه قام إلى أبي موسى فقال: يا أبا موسى، هل كان هذان الرجلان -يعني طلحة والزبير - ممن بايع علياً قال: نعم...]].([488])
كما نص على بطلان ما يُدَّعَى من أنهما بايعا مكرهين، الإمام المحقق ابن العربي وذكر أن هذا مما لا يليق بهما، ولا بعلي قال رحمه الله: (فإن قيل بايعا مكرهين [أي طلحة والزبير]، قلنا: حاشا لله أن يكرها، لهما ولمن بايعهما، ولو كانا مكرهين ما أثر ذلك، لأن واحداً أو اثنين تنعقد البيعة بهما وتتم، ومن بايع بعد ذلك فهو لازم له، وهو مكره على ذلك شرعاً، ولو لم يبايعا ما أثر ذلك فيهما، ولا في بيعة الإمام.
وأما من قال: يد شلاء، وأمر لا يتم([489])، فذلك ظن من القائل أن طلحة أول من بايع، ولم يكن كذلك.
فإن قيل فقد قال طلحة: [[بايعت واللُّجّ علي قَفَيّ]] قلنا: اخترع هذا الحديث من أراد أن يجعل في (القفا) لغة (قفى)، كما يجعل في (الهوى) (هوي)، وتلك لغة هذيل لا قريش([490])، فكانت كذبة لم تدبر.
وأما قولهم: (يد شلاء) لو صح فلا متعلق لهم فيه، فإن يداً شُلّت في وقاية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتم لها كل أمر، ويتوقى بها من كل مكروه، وقد تم الأمر على وجهه، ونفذ القدر بعد ذلك على حكمه).([491])
وكذلك معاوية رضي الله عنه فقد ثبت بالروايات الصحيحة أن خلافه مع علي رضي الله عنه كان في قتل قتلة عثمان رضي الله عنه، ولم ينازعه في الخلافة، بل كان يقر له بذلك.
[[فعن أبي مسلم الخولاني أنه جاء وأناس معه إلى معاوية وقالوا: أنت تنازع علياً أم أنت مثله؟ فقال: لا والله إني لأعلم أنه أفضل مني، وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قُتل مظلوماً، وأنا ابن عمه، والطالب بدمه فأتوه، فقولوا له: فليدفع إليّ قتلة عثمان؛ وأسلم له، فأتوا علياً فكلموه، فلم يدفعهم إليه([492])]].([493])
ويروي ابن كثير من طرق ابن ديزيل بسنده إلى أبي الدرداء وأبي أمامة رضي الله عنهما [[أنهما دخلا على معاوية فقالا له: يا معاوية! علام تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلاماً، وأقرب منك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحق بهذا الأمر منك، فقال: أقاتله على دم عثمان، وإنه آوى قتلته، فاذهبا إليه فقولا له: فليقدنا من قتلة عثمان؛ ثم أنا أول من أبايعه من أهل الشام]].([494])
والروايات في هذا كثيرة مشهورة بين العلماء([495]) وهي دالة على عدم منازعة معاوية لعلي رضي الله عنهما في الخلافة؛ ولهذا نص المحققون من أهل العلم على هذه المسألة وقرروها.
يقول إمام الحرمين الجويني: (إن معاوية وإن قاتل علياً فإنه لا ينكر إمامته، ولا يدعيها لنفسه، وإنما كان يطلب قتلة عثمان ظاناً منه أنه مصيب وكان مخطئاً).([496])
ويقول ابن حجر الهيتمي: (ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن ما جرى بين علي ومعاوية رضي الله عنهما من الحروب فلم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة للإجماع على أحقيتها لعلي كما مر فلم تهج الفتنة بسببها، وإنما هاجت بسبب أن معاوية ومن معه طلبوا من علي تسليم قتلة عثمان إليهم، لكون معاوية ابن عمه فامتنع علي).([497])
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ومعاوية لم يدَّعِ الخلافة، ولم يبايع له بها حين قاتل علياً، ولم يقاتل على أنه خليفة، ولا أنه يستحق الخلافة، ويقرون له بذلك، وقد كان معاوية يقر بذلك لمن سأله عنه... وكل فرقة من المتشيعين([498]) مقرة مع ذلك بأنه ليس معاوية كفئاً لعلي بالخلافة، ولا يجوز أن يكون خليفة مع إمكان استخلاف علي رضي الله عنه؛ فإن فضل علي، وسابقيته، وعلمه، ودينه، وشجاعته، وسائر فضائله؛ كانت عندهم ظاهرة معروفة).([499])
فثبت بهذا أنه لم ينازع علياً رضي الله عنه أحدٌ في الخلافة لا من الذين خالفوه ولا من غيرهم، وبهذا يبطل ما ادعاه هذا الرافضي من أن الصحابة تنازعوا في الخلافة، وترتب على ذلك تفرق الأمة وانقسامها.
المسألة الثانية: أن الخلاف بين علي ومخالفيه رضي الله عنهم إنما هو في تقديم الاقتصاص من قتلة عثمان، أو تأخيره؛ مع اتفاقهم على وجوب تنفيذه.
وهذه المسألة مقررة أيضاً عند أهل العلم من أهل السنة بما ثبت في ذلك من الأخبار، والآثار الدالة على أن علياً رضي الله عنه لا ينازع مخالفيه في وجوب الاقتصاص من قتلة عثمان، وإنما كان يرى تأجيل ذلك حتى يستتب له الأمر. وذلك أن قتلة عثمان رضي الله عنه كانوا قد تمكنوا من المدينة، ثم قام في أمرهم من الأعراب وبعض أصحاب الأغراض الخبيثة ما أصبح قتلهم في أول عهد علي رضي الله عنه متعذراً.
يشهد لهذا ما ذكره الطبري حيث يقول: [[واجتمع إلى علي بعدما دخل طلحة والزبير في عدة من الصحابة، فقالوا: يا علي! إنا قد اشترطنا إقامة الحدود، وإن هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم هذا الرجل وأحلّوا بأنفسهم، فقال لهم: يا إخوتاه! إني لست أجهل ما تعلمون، ولكني كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم! هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، وثابت إليهم أعرابكم، وهم خلالكم يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعاً لقدرة على شيء مما تريدون؟ قالوا: لا، قال: فلا والله لا أرى إلا رأياً ترونه إن شاء الله]].([500])
ويقول ابن كثير: (ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة رضي الله عنهم وطلبوا منه إقامة الحدود، والأخذ بدم عثمان، فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا).([501])
فكان هذا هو عذر علي رضي الله عنه في بداية الأمر، أما بعد ذلك فإن الأمور أصبحت أكثر تعقيداً، وأشدّ اشتباهاً، خصوصاً بعدما اقتتل الصحابة رضي الله عنهم في معركة الجمل بغير اختيار منهم، وإنما بسبب المكيدة التي دبرها قتلة عثمان للوقيعة بينهم، كما تقدم بيان ذلك، فلم يكن أمر الاقتصاص مقدوراً عليه بعد هذه الأحداث لا لعلي، ولا لغيره من مخالفيه، وذلك لتفرق الأمة وانشغالها بما هو أولى منه من تسكين الفتنة، ورأب الصدع.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (لم يكن علي مع تفرق الناس عليه متمكناً من قتل قتلة عثمان، إلا بفتنة تزيد الأمر شرّاً وبلاءً. ودفع أفسد الفاسدين بالتزام أدناهما أولى من العكس؛ لأنهم كانوا عسكراً، وكان لهم قبائل تغضب لهم، والمباشر منهم للقتل -وإن كان قليلاً- فكان ردؤهم أهل الشوكة، ولولا ذلك لم يتمكنوا، ولما سار طلحة والزبير إلى البصرة ليقتلوا قتلة عثمان؛ قام بسبب ذلك حرب قتل فيها خلق.
ومما يبين ذلك أن معاوية قد أجمع الناس عليه بعد موت علي، وصار أميراً على جميع المسلمين، ومع هذا فلم يقتل قتلة عثمان الذين كانوا قد بقوا).([502])
وعلى كل حال فأياً كان عذر علي رضي الله عنه فالمقصود هنا أنه لا يخالف بقية الصحابة المطالبين بدم عثمان رضي الله عنه في وجوب الاقتصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه على ما تقدم تصريحه بذلك في إجابته لطلحة والزبير لما طالباه بقتل قتلة عثمان حيث قال: [[يا إخوتاه! إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم]]، ثم أقسم بعد ذلك وهو الصادق البار: أنه لا يرى إلا ما يرون في هذا الأمر، وهذا مما يدل على إجماع الصحابة رضي الله عنهم على هذه المسألة، والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: أن الصحابة رضي الله عنهم الذين اختلفوا في الفتنة لم يتهم بعضهم بعضاً في الدين، وإنما كان يرى كل فريق منهم أن مخالفه وإن كان مخطئاً، فهو مجتهد متأول، يعترف له بالفضل في الإسلام، وحسن الصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذه مسألة مقررة عند أهل العلم أيضاً بما ثبت من ثناء الصحابة بعضهم على بعض رضي الله عنهم أجمعين، فمن ذلك: [[ما جاء عن علي رضي الله عنه بعد معركة الجمل أنه كان يتفقد القتلى فرأى طلحة بن عبيد الله مقتولاً فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: رحمة الله عليك أبا محمد! يعزّ عليّ أن أراك مجدولاً([503]) تحت نجوم السماء، ثم قال: إلى الله أشكو عُجَري وبُجَري([504])]].([505])
ولما جاءه ابن جرموز قاتل الزبير ومعه سيفه لعله يجد عنده حظوة فاستأذن عليه فقال علي رضي الله عنه: [[لا تأذنوا له وبشروه بالنار]] وفي رواية أن علياً قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {بشر قاتل ابن صفية بالنار}.
وقال لما رأى سيف الزبير: [[طال ما فرج الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم]].([506])
[[وبعد انتهاء معركة الجمل ذهب علي إلى عائشة رضي الله عنهما فقال: كيف أنت يا أُمّه؟ قالت: بخير، قال: يغفر الله لكِ، قالت: ولك]].([507])
وذكر الطبري: [[أن علياً رضي الله عنه بلغه أن رجلين شتما عائشة رضي الله عنها فبعث القعقاع بن عمرو فأتى بهما، فقال: اضرب أعناقهما، ثم قال: لأنهكنهما عقوبة، فضربهما مائة مائة وأخرجهما من ثيابهما]].([508])
وروى الطبري من طريق محمد بن عبد الله بن سواد وطلحة بن الأعلم في تجهيز علي لعائشة رضي الله عنهما لما أرادت أن ترتحل من البصرة قالا: [[جهز علي عائشة بكل شيء ينبغي لها من مركب، أو زاد، أو متاع، وأخرج معها كل من نجا ممن خرج معها إلا من أحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، وقال: تجهز يا محمد فبلَّغها.
فلما كان اليوم الذي ترتحل فيه، جاءها حتى وقف لها، وحضر الناس، فخرجت على الناس وودعوها، وقالت: يابَنيّ! تعتب بعضنا على بعض استبطاءً واستزادة فلا يعتدّن أحد منكم على أحد بشيء بلغه من ذلك، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه عندي على معتبتي من الأخيار. وقال علي: يا أيها الناس، صدقت والله وبرت، ما كان بيني وبينها إلا ذلك، وإنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة]].([509])
ومما ثبت من ذلك عن عمار رضي الله عنه وكان في جيش علي يوم الجمل ما رواه الطبري من رواية مالك بن دينار قال: [[حمل عمار على الزبير يوم الجمل فجعل يحوزه([510]) بالرمح فقال: أتريد أن تقتلني؟ قال: لا انصرف]].([511])
وروى الطبري أيضاً عن عامر بن حفص قال: [[أقبل عمار حتى حاز الزبير يوم الجمل بالرمح فقال: أتقتلني يا أبا اليقظان! قال: لا يا أبا عبد الله]].([512])
وهذا كله فيما دار بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في معركة الجمل، أما في موقعة صفين التي دارت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما.
فقد ثبت عن علي رضي الله عنه على ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن إسحاق بن راهويه بسنده إلى جعفر بن محمد عن أبيه قال: [[سمع علي يوم الجمل أو يوم صفين رجلاً يغلو في القول فقال: لا تقولوا إلا خيراً إنما هم قوم زعموا أنا بغينا عليهم، وزعمنا أنهم بغوا علينا فقاتلناهم]].([513])
وعن محمد بن نصر بسنده عن مكحول: [[أن أصحاب علي سألوه عمن قُتِل من أصحاب معاوية ما هم؟ قال: هم مؤمنون]].([514])
وعن عبد الواحد بن أبي عون قال: [[مر علي -وهو متوكئ على الأشتر - على قتلى صفين، فإذا حابس اليماني مقتول فقال الأشتر: إنا لله وإنا إليه راجعون هذا حابس اليماني معهم يا أمير المؤمنين عليه علامة معاوية، أما والله لقد عهدته مؤمناً، قال علي: والآن هو مؤمن]].([515])
وأما معاوية رضي الله عنه فقد تقدم ثناؤه على علي رضي الله عنه واعترافه بفضله كما جاء في حواره مع أبي مسلم الخولاني لما قال له: [[أنت تنازع علياً أم أنت مثله؟ فقال: لا والله إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني...]].([516]) إلخ كلامه.
وقد روى أبو نعيم في حلية الأولياء أن [[ضرارة بن ضمرة الصُّدَائي دخل على معاوية فقال له: صف لي علياً، فقال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين، قال: لا أعفيك، قال: أما إذ لابد فإنه كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فضلاً، ويحكم عدلاً...]]. وذكر كلاماً طويلاً في وصف علمه وشجاعته وزهده.
إلى أن قال: فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها، وجعل ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال: كذا كان أبو الحسن رحمه الله.([517])
فهذه بعض الآثار المنقولة عن الصحابة رضي الله عنهم ممن وقع بينهم الخلاف، في ثناء بعضهم على بعض وتعظيم بعضهم لبعض، وتحابهم في الله، رغم ما حصل بينهم من اختلاف وحروب نشأت عن اجتهاد كل منهم فيما يرى أنه فيه مصلحة الأمة، وإقامة دين الله وشرعه، ومع هذا فقد كان كل منهم ينصف صاحبه، ولا يحمله خلافه له في الاجتهاد على الطعن عليه في الدين، والاعتداء والظلم، بل كان يشهد كل منهم لأخيه بما هو عليه من الفضل والسبق إلى الإسلام، وهذا لعمر الله هو الفضل، فإن الإنصاف عند الخصومة عزيز، وهو في الناس قليل، إلا لمن علت درجاتهم في الإيمان، وزكى الله نفوسهم وطهرها من الشهوات، أمثال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اصطفاهم الله بعلمه لصحبة نبيه، فنسأل الله أن يرزقنا محبتهم جميعاً، وحسن الأدب معهم، وأن يجعلنا ممن قال فيهم: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10].
وأما قول المؤلف في حق الصحابة: (وهم الذين اختلفوا في تفسير كتاب الله، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت المذاهب والفرق، والملل والنحل، ونشأت من ذلك المدارس الكلامية والفكرية المختلفة، وبرزت فلسفات متنوعة....
إلى أن قال: فالمسلمون لم ينقسموا، ولم يختلفوا في شيء لولا الصحابة، وكل خلاف نشأ وينشأ إنما يعود إلى اختلافهم في الصحابة).
فجوابه: أن هذا من أكبر التلبيس والتمويه، والطعن على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بما هم منه برآء، فما ينقل عن الصحابة من اختلاف في التفسير، وفي فهم بعض الأحاديث، لم يترتب عليه ما ذكر من نشأة الفرق، والمدارس الكلامية، والفلسفات المتنوعة.
وذلك أن الاختلاف ينقسم إلى قسمين: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد([518])، وغالب ما ينقل عن الصحابة في تفسير بعض الآيات، من باب اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
قال: (الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب مايصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد).([519])
ثم ذكر رحمه الله أن اختلاف التنوع يرجع إلى أمرين:
الأول: أن يعبر كل واحد من السلف بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على المعنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى، مثال ذلك تفسيرهم للصراط المستقيم فيقول بعضهم: بأنه هو القرآن أو اتباع القرآن، ويقول آخر: هو الإسلام، أو دين الإسلام، ويقول آخر: هو السنة والجماعة، ويقول آخر: طريق العبودية، أو طريق الخوف والرجاء والحب، أو امتثال المأمور واجتناب المحظور، أو متابعة الكتاب والسنة، أو العمل بطاعة الله، أو نحو هذه الأسماء والعبارات.
الثاني: أن يذكر كل واحد من السلف الاسم العام ببعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ (الخبز) فأُري رغيفاً وقيل له: هذا فالإشارة إلى نوع هذا، لا إلى هذا الرغيف وحده.([520])
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وعامة الاختلاف الثابت عن مفسري السلف من الصحابة والتابعين هو من هذا الباب).([521])
ومن هنا يظهر أن هذا النوع من الاختلاف -وهو الغالب على ما ينقل عن الصحابة من اختلاف في التفسير- لا أثر له في الاختلاف في استنباط الأحكام من الآيات، وتنازع الأمة من بعدهم في ذلك، فضلاً أن يكون سبباً لنشأة الفرق والنحل، والمدارس الفلسفية والكلامية كما يدعي الرافضي.
أما اختلاف الصحابة الراجع إلى القسم الثاني، وهو اختلاف التضاد فما يثبت عنهم من ذلك سواء في التفسير، أو في الأحكام، فقليل وهو ليس في الأصول العامة المشهورة في الدين، وإنما في بعض المسائل الدقيقة التي هي محل اجتهاد ونظر.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد أن ذكر أن عامة ماينقل عن الصحابة والسلف من الخلاف في التفسير من باب اختلاف التنوع: (ومع هذا فلابد من اختلاف مخفف بينهم، كما يوجد مثل ذلك في الأحكام، ونحن نعلم أن عامة ما يضطر إليه عموم الناس من اختلاف، معلوم بل متواتر عند العامة أو الخاصة، كما في عدد الصلوات، ومقادير ركوعها، ومواقيتها، وفرائض الزكاة ونصبها، وتعيين شهر رمضان، والطواف، والوقوف، ورمي الجمار، والمواقيت وغير ذلك.
ثم اختلاف الصحابة في الجد والإخوة، وفي المشركة ونحو ذلك لايوجب ريباً في جمهور مسائل الفرائض...).([522])
وهذا النوع من الاختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم لم يكن سبباً في تفرقة الأمة، ونشأة البدع كما زعم هذا الرافضي المفتري، ذلك أنه لم يكن في الأصول العامة لهذا الدين، التي حصل الخلاف فيها بين أهل السنة وأهل البدع، وإنما كان في مسائل جزئية ودقيقة، الاجتهاد فيها سائغ والخطأ فيها مغفور، لأنه ناشئ عن اجتهاد من غير تعمد للمخالفة، وقد ثبت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أن أفراداً منهم أخطأوا في بعض المسائل مجتهدين، كما في قصة عدي بن حاتم رضي الله عنه لما اتخذ عقالين أحدهما أسود، والآخر أبيض، فجعل ينظر إليهما ظناً([523]) منه أن هذا هوالمقصود من قوله تعالى: ((حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ)) [البقرة:187]، واختلف الصحابة إلى فريقين في فهم قصد النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: {لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة}([524])، فصلى فريق منهم في الطريق، وفريق آخر لم يصل إلا في بني قريظة. كما حصل لبعضهم رضي الله عنهم بعض المخالفات متأولين، كما في قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه([525])، وقصة خالد رضي الله عنه مع بني جذيمة([526]) في حوادث كثيرة يطول ذكرها، ومع هذا لم يؤثمهم النبي صلى الله عليه وسلم أغير الأمة على دين الله؛ لأن أخطاءهم نشأت عن اجتهاد أو تأويل، قد رفع الحرج فيه عن الأمة.
ولهذا لم يكن اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في مسائل الاجتهاد سبباً في تفرقهم، وتنازعهم، وتحزبهم.
قال الإمام قوام السنة: (إنا وجدنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم اختلفوا في أحكام الدين، فلم يفترقوا، ولم يصيروا شيعاً؛ لأنهم لم يفارقوا الدين، ونظروا فيما أذن لهم).([527])
فإذا كان التنازع منتفياً في حقهم، بل الثابت عنهم هو التآلف والاتفاق، والمحبة والتواد، كما وصفهم ربهم بقوله: ((أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) [الفتح:29].
فكيف لهذا الرافضي أن يدعي أن اختلافهم في الاجتهاد سبب في تنازع الأمة وتفرقها.
بل إن الأمة استفادت بسبب اختلاف الصحابة في الاجتهاد، مع عدم التفرق والتمزق، من الدروس والعبر، ما كان سبباً في اجتماع الأمة لا تفرقها، ووحدتها لا تمزقها، لكن إنما حصل هذا لأهل المتابعة لطريقهم الذين اهتدوا بهديهم، واقتفوا أثرهم في ذلك، فلم يتفرقوا لاختلاف الآراء في الاجتهاد. ألا وهم أهل السنة، الذين هم أهل الاجتماع والائتلاف، وفارقهم وخالفهم في هذا سائر أهل البدع، الذين هم أهل التفرق والاختلاف.
ولذا لما رأى خيار السلف من بعد الصحابة هذه الثمار الطيبة المباركة لاجتهادات الصحابة، وأثرها في الأمة، وما حصل بسببها من الرحمة للأمة والتوسعة في الاجتهاد والترجيح بين أقوالهم، ما كرهوا اختلاف الصحابة بل أظهروا الفرح والرضا به.
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: [[ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا]].([528])
وفي رواية أخرى عنه: [[ما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم]].([529])
وقال القاسم بن محمد رحمه الله: [[لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم، إلا رأى أنه في سعة ورأى خيراً منه قد عمله]].([530])
وقال أيضاً: [[لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنه لو كان قولاً واحداً، كان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ بقوله رجل منهم كان في سعة]].([531])
قال الشاطبي رحمه الله: (وبمثل ذلك قال جماعة من العلماء).([532])
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، وكان عمر بن عبد العزيز يقول: [[مايسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالاً، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا، ورجل بقول هذا كان الأمر في سعة]].([533])
فأقوال هؤلاء الأئمة تدل دلالة ظاهرة على أن اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في الاجتهاد، لم يفض إلى مفسدة في الدين، أو كان سبباً في تفرق المسلمين، ونشأة الفرق المبتدعة في الإسلام، على ما ادعى هذا الرافضي، إذ لو أدى اختلافهم إلى هذا أو أقل منه بكثير، فكيف يفرح بخلافهم، ولا يحزن له هؤلاء الأئمة الكبار، وهم أهل الغيرة على الدين، والنصح للمسلمين.
وإذا ثبت هذا فاعلم أيها القارئ أن هذه الفرق المبتدعة على كثرتها واختلاف مشاربها لا ترجع بحمد الله في أصل نشأتها لأحد من الصحابة، ولا تستند في بدعها لقول واحد منهم، وإن كان بعض هذه الفرق تدعى الانتساب لبعضهم، كانتساب الرافضة لعلي رضي الله عنه وأبنائه إلا أن هذا غير صحيح فعلي وأبناؤه رضي الله عنهم بريئون منهم ومن عقيدتهم، كما تقدم نقل أقوالهم في ذلك.
وفي الحقيقة إن عامة هذه الفرق المبتدعة، إنما أحدثها أول من أحدثها، إما كفار أصليون، أو منافقون ظاهرو النفاق في الأمة.
فالخوارج يرجعون في أصل عقيدتهم ونسبهم إلى ذي الخويصرة الذي اعترض على النبي صلى الله عليه وسلم في قسم الغنائم يوم حنين فقال: {يارسول الله! اعدل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك ومن يعدل إن لم أعدل؟ قد خبت وخسرت، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يارسول الله! أئذن لي فيه أضرب عنقه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه من صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرّمية..}.([534])
والرافضة ترجع في أصل نشأتها إلى عبد الله بن سبأ اليهودي الحميري الذي هو أول من ابتدع الرفض.
يقول شيخ الإسلام: (إن الذي ابتدع الرفض كان يهودياً، أظهر الإسلام نفاقاً، ودس إلى الجهال دسائس، يقدح بها في أصل الإيمان، ولهذا كان الرفض أعظم أبواب النفاق والزندقة).([535])
وهذا أمر مقرر مشهور عند علماء الإسلام، متواتر عنهم في كتبهم.
وقد اعترف بهذا كبار مؤرخي الرافضة ومحققيهم.
يقول الكشي عن عبد الله بن سبأ: (وكان أول من أشهر القول بفرض إمامة علي، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه، وأكفرهم فمن هناك قال من خالف الشيعة: أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية).([536])
وقد نقل هذا النص كبار علمائهم المشهورين: كالأشعري القمي([537])، والنوبختي([538])، والمامقاني.([539])
وأما القدرية: فأول من أظهر مقالتهم وتكلم في القدر رجل نصراني يسمى سوسن، روى الآجري واللالكائي عن الأوزاعي قال: (أول من نطق في القدر: رجل من أهل العراق يقال له سوسن، كان نصرانياً فأسلم، ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد).([540])
وأما الجهمية: فمنسوبة للجهم بن صفوان، أول من أشهر القول بتعطيل الصفات، والجهم أخذ مقالته عن الجعد بن درهم، وأخذها الجعد عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر، الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم، ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير رحمهما الله.([541])
وأما الفلاسفة: فأخذوا الفلسفة عن فلاسفة اليونان، بل عن شرهم وهو أرسطو.
قال ابن القيم: (الفلاسفة لا تختص بأمة من الأمم، بل هم موجودون في سائر الأمم، وإن كان المعروف عند الناس، الذين اعتنوا بحكاية مقالاتهم: هم فلاسفة اليونان).([542])
ويقول في التعريف بمصطلح الفلسفة: (وقد صار هذا الاسم في عرف كثير من الناس مختصاً بمن خرج عن ديانات الأنبياء، ولم يذهب إلا إلى ما يقتضيه العقل في زعمه، وأخص من ذلك أنه في عرف المتأخرين اسم لأتباع أرسطو، وهم المشاءون خاصة، وهم الذين هذب ابن سينا طريقتهم وبسطها وقررها، وهي التي يعرفها -بل لا يعرف سواها- المتأخرون من المتكلمين، وهؤلاء فرقة شاذة من فرق الفلاسفة، ومقالتهم واحدة من مقالات القوم حتى قيل: إنه ليس فيهم من يقول بقدم الأفلاك غير أرسطو وشيعته).([543])
وأما الباطنية: فبذرة يهودية بذرها عبد الله بن ميمون القداح اليهودي.
يقول محمد بن مالك بن أبي الفضائل عن الباطنية: (وأصل هذه الدعوة الملعونة، التي استهوى بها الشيطان أهل الكفر والشقوة، ظهور عبد الله بن ميمون القداح في الكوفة، وما كان له من الأخبار المعروفة... وكان ظهوره في سنة ست وسبعين ومائتين من التاريخ للهجرة النبوية، فنصب للمسلمين الحبائل، وبغي لهم في الغوائل، ولبس الحق بالباطل: ((وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ)) [فاطر:10] وجعل لكل آية من كتاب الله تفسيراً، ولكل حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأويلاً... وكان هذا الملعون يعتقد اليهودية، ويظهر الإسلام، وهو من اليهود من ولد الشلعلع من مدينة بالشام يقال لها سلمية).([544])
فهذه أصول الفرق المبتدعة في الإسلام، وأول من دعا لها وبثها في الأمة من أولئك الكفرة، والزنادقة الحاقدين على هذا الدين.
فانظر أيها المسلم كيف أن هذا الرافضي الخبيث يبرئ هؤلاء الكفرة والملحدين مما أحدثوه من البدع العظيمة، وما نتج عنها من شر عظيم، وتفريق لوحدة المسلمين، ويلصق هذه التهم بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم زاعماً أن هذه الفرق، إنما نشأت بسبب اختلافهم، وأنها ترجع إليهم. فعليه من الله ما يستحق.
دعوى المؤلف أن الصحابة لم يمتثلوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية والرد عليه:-
قال المؤلف (ص93) تحت عنوان: (الصحابة في صلح الحديبية)، بعد أن ذكر على وجه الإجمال خبر صلح النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش على الشروط المعروفة: (لكن بعض الصحابة لم يعجبهم هذا التصرف من النبي صلى الله عليه وسلم، وعارضوه في ذلك معارضة شديدة، وجاءه عمر بن الخطاب فقال: ألست نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قال عمر: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال عمر: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري، قال عمر: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف؟ قال: بلى أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال عمر: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به...
إلى أن قال: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتاب الصلح قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا، فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يمتثل لأمره منهم أحد، دخل خباءه ثم خرج فلم يكلم أحداً منهم بشيء حتى نحر بدنه بيده، ودعا حالقه فحلق رأسه، فلما رأى أصحابه ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً).
ثم يقول بعد ذلك معلقاً: (هل يقبل عاقل قول القائلين بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يمتثلون أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم وينفذونها، فهذه الحادثة تقطع عليهم ما يرومون... فهل سلم عمر بن الخطاب هنا ولم يجد في نفسه حرجاً بما قضى الرسول صلى الله عليه وسلم؟! أم كان في موقفه تردد فيما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وخصوصاً في قوله: أولست نبي الله حقاً؟ أولست كنت تحدثنا.. إلى آخره، وهل سلم بعدما أجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الأجوبة المقنعة؟ كلا لم يقتنع بجوابه وذهب يسأل أبا بكر الأسئلة نفسها...).
والجواب عن هذا: أن ما ذكره من مراجعة عمر للنبي صلى الله عليه وسلم في أمر الصلح، وكذلك تأخر الصحابة في بداية الأمر عن النحر والحلق حتى نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلق، كل هذا صحيح ثابت في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث التي نقلت أخبار صلح الحديبية.([545])
وعلى هذين الأمرين مدار طعنه وسلفه من الرافضة على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مطعن في شيء من هذا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا عمر، ولا غيره من الصحابة الذين شهدوا الحديبية.
وبيان ذلك: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا معه عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلما وقع أمر الصلح وفيه أن يرجعوا عامهم هذا، ثم يعودوا العام القادم شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم([546]) فجعل عمر رضي الله عنه على ما عرف به من القوة في الحق والشدة فيه يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراجعه في الأمر، ولم تكن أسئلته التي سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم لشك في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، أو اعتراض عليه، لكن كان مستفصلاً عما كان متقرراً لديه، من أنهم سيدخلون مكة ويطوفون بالبيت، وأراد بذلك أن يحفز رسول الله صلى الله عليه وسلم على دخول مكة، وعدم الرجوع إلى المدينة، لما يرى في ذلك من عز لدين الله وإرغام للمشركين.
قال النووي: (قال العلماء لم يكن سؤال عمر رضي الله عنه وكلامه المذكور شكاً بل طلباً لكشف ما خفي عليه، وحثاً على إذلال الكفار وظهور الإسلام، كما عرف من خلقه رضي الله عنه، وقوته في نصر الدين، وإذلال المبطلين).([547])
ونقل هذا أيضاً ابن حجر رحمه الله عن بعض شراح الحديث.([548])
فعمر رضي الله عنه كان في هذا مجتهداً حمله على هذا شدته في الحق، وقوته في نصرة الدين، والغيرة عليه، مع ما كان قد عودهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشورة وإبداء الرأي، امتثالاً لأمر الله تعالى: ((فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)) [آل عمران:159] وقد كان كثيراً ما يستشيرهم ويأخذ برأيهم، كما استشارهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، وأخذ بمشورتهم، وشاورهم يوم أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج للعدو فأشار جمهورهم بالخروج إليهم فخرج إليهم، وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذٍ فأبى عليه السعدان (سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة) فترك ذلك، وشاورهم يوم الحديبية أن يميل على ذراري المشركين، فقال أبو بكر: إنا لم نجيء لقتال، وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال([549])، في حوادث كثيرة يطول ذكرها.
فقد كان عمر رضي الله عنه يطمع أن يأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه في مناجزة قريش وقتالهم؛ ولهذا راجعه في ذلك، وراجع أبا بكر، فلما رأى اتفاقهما أمسك عن ذلك وترك رأيه، فعذره رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يعلم من حسن نيته وصدقه.
أما توقف الصحابة عن النحر والحلق حتى نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلق، فليس معصية لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر العلماء له عدة توجيهات.
قال ابن حجر: (قيل: كأنهم توقفوا لاحتمال أن يكون الأمر بذلك للندب، أو لرجاء نزول وحي بإبطال الصلح المذكور، أو تخصيصه بالإذن بدخولهم مكة ذلك العام لإتمام نسكهم، وسوّغ لهم ذلك لأنه كان زمان وقوع النسخ، ويحتمل أنهم ألهتهم صورة الحال، فاستغرقوا في الفكر لما لحقهم من الذل عند أنفسهم، مع ظهور قوتهم واقتدارهم في اعتقادهم على بلوغ غرضهم، وقضاء نسكهم بالقهر والغلبة، أو أخروا الامتثال لاعتقادهم أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور، ويحتمل مجموع هذه الأمور لمجموعهم).([550])
وجاء في بعض الروايات أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما رأى عدم امتثالهم، دخل على أم سلمة فذكر لها ذلك فقالت: {يا رسول الله! لا تكلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح، ورجوعهم بغير فتح}.([551])
فأشارت عليه كما جاء في رواية البخاري: {أن اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا}.([552])
قال ابن حجر: (ويحتمل أنها فهمت عن الصحابة أنه احتمل عندهم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالتحلل أخذاً بالرخصة في حقهم، وأنه يستمر على الإحرام أخذاً بالعزيمة في حق نفسه، فأشارت عليه أن يتحلل لينتفي عنهم هذا الاحتمال، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم صواب ما أشارت به ففعله... ونظير هذا ما وقع لهم في غزوة الفتح من أمره لهم بالفطر في رمضان، فلما استمروا على الامتناع، تناول القدح فشرب، فلما رأوه شرب شربوا).([553])
وهذا الوجه حسن، وهو اللائق بمقام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا على قدر كبير من تعظيم الإحرام والحرص على إكمال النسك، فلما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالتحلل ولم يفعل، ظنوا أن الذي حمله على هذا هو الشفقة عليهم، كما كانت سيرته معهم، فكأنهم رضي الله عنهم آثروا التأسي به على ما رخص لهم فيه من التحلل، ثم لما رأوه قد تحلل أيقنوا أن هذا هو الأفضل في حقهم، فبادروا إليه، وهذا مثل ما حصل منهم في الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغوا مكة وطافوا وسعوا أمرهم أن يحلوا، وأن يصيبوا النساء ويجعلوها عمرة، فكبر ذلك عليهم لتعظيمهم لنسكهم، وقالوا: [[نذهب إلى عرفة ومذاكيرنا تقطر من المني]]، فلما علم بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم وكان لم يتحلل، قال لهم: {أيها الناس! أحلوا فلولا الهدي الذي معي فعلت كما فعلتم} قال جابر رضي الله عنه راوي الحديث: [[فحللنا وسمعنا وأطعنا]].([554])
وهذا كله من حرص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخير والرغبة في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم التأسي الكامل. فرضي الله عنهم أجمعين.
وبهذا تظهر الوجهة الصحيحة لمواقف الصحابة الجليلة في هذه الغزوة المباركة، التي ازدادوا بها رفعة عند الله، وسبقاً في دينه، ومحبة في قلوب المؤمنين.
فإن أبى الرافضي قبول ذلك استكباراً وعناداً، وظلماً وطغياناً وأصر على ما هو عليه من الكذب والتدليس، فإني أورد هنا عدة أوجه فيها إلزامه وفضيحته، ودحض شبهته بحول الله وقوته وهي:
الوجه الأول: ما بدر من الصحابة رضي الله عنهم يوم الحديبية كان بحضور رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان الوحي ينزل عليه، فهل ذمهم الله بذلك؟ فإن الله لا يقر على باطل. أو أنكر عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم؟ فإنه لا تأخذه في الله لومة لائم. فإذا لم يحصل شيء من ذلك ولم ينقل عن أحد من الصحابة الذين شهدوا الواقعة أنهم سعوا في الإنكار على من يدعي هذا الرافضي أنه مخالف ومنازع، ثم تتابعت الأمة بعد ذلك جيلاً بعد جيل على عدم الإنكار بل الترضي على أولئك الأخيار، أفاد كل ذلك حقيقة حتمية، وضرورة شرعية عند كل متدين بهذا الدين داخل في عقد المسلمين ألا وهي: براءة الصحابة وطهارتهم من كل ما يرميهم به الرافضة والزنادقة من العظائم، وأن الطعن فيهم بعد هذا رد على رب العالمين، ومشاقة لرسوله الكريم، واتباع لغير سبيل المؤمنين.
الوجه الثاني: أن الله عز وجل قال في سورة الفتح التي أنزلها على رسوله صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه من الحديبية في طريقه إلى المدينة([555]): ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:18] * ((وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)) [الفتح:19].
وكان عدد أهل الحديبية الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ألفاً وأربعمائة رجلٍ، كما ذكر جابر رضي الله عنه قال: [[كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة]].([556])
وفي صحيح مسلم أن أم بشر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {لايدخل النار -إن شاء الله- من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها}.([557])
فثبت بصريح الكتاب والسنة أن الله رضي عنهم، وأنزل السكينة في قلوبهم، وشهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة، والنجاة من النار، فالطعن فيهم بعد هذا تكذيب صريح لما دلت عليه النصوص، ورد على الله ورسوله، ولهذا لم يتوقف العلماء في تكفير من كفّر، أو فسق عامة الصحابة لمناقضته لصريح الكتاب والسنة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تفصيل حكم سب الصحابة: (... وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفساً، أو أنهم فسقوا عامتهم فهذا لا ريب أيضاً في كفره، لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين).([558])
الوجه الثالث: يتعلق بما جاء في سياق بعض الروايات الصحيحة وفيها: فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: {قوموا انحروا ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات}.([559])
أورده المؤلف ثم قال معلقاً: (هل يقبل عاقل قول القائلين بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يمتثلون أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم وينفذونها، فهذه الحادثة تقطع عليهم ما يرومون...).([560])
قلت: تقدمت الإجابة عليه، وأنه لا مطعن على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه.([561])
لكن أقول للمؤلف هنا: ألم يكن علي رضي الله عنه ومن تعتقدون عدالته من الصحابة في هؤلاء، ويرد عليه ما قلتم فما هو جوابكم؟.
الوجه الرابع: ثبت في الصحيحين من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: {كتب علي بن أبي طالب الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين يوم الحديبية، فكتب: هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله، فقالوا: لاتكتب رسول الله، فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: امحه، فقال: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم بيده}.([562]) وفي بعض الرويات أن علياً رضي الله عنه قال: (والله لا أمحاه أبداً..).([563])
فما ثبت عن علي رضي الله عنه هنا نظير ما ثبت عن عمر رضي الله عنه في مراجعته رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الصلح، فإذا لم يكن في هذا مطعن على علي رضي الله عنه وهو الحق، لم يكن فيما ثبت عن عمر رضي الله عنه مطعن عليه، فإن قال الرافضي: إنما منعه من محو كلمة (رسول الله) محبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، قلنا: وإنما حمل عمر على ما فعل نصرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإعزاز دينه.
الوجه الخامس: أن الباعث لما صدر من الصحابة رضي الله عنهم يوم الحديبية هو شدة حرصهم على الخير، ورغبتهم في الأجر، يشهد لهذا أن الذي أرادوا كان أشد عليهم في الدنيا مما أريد منهم، فعمر رضي الله عنه كان يريد القتال ومناجزة الكفار، وما أراده الرسول صلى الله عليه وسلم من أمر الصلح كان أهون عليه وأسلم، وكذلك الصحابة لما تأخروا في بداية الأمر عن النحر والحلق، إنما أرادوا إكمال النسك، وما أمرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من التحلل في مكانهم كان أيسر عليهم وأسهل، وإن كنا لا نشك أن ما أراده الرسول صلى الله عليه وسلم وأمرهم به هو أكمل لهم وأفضل في الدنيا والآخرة، لكن المقصود هنا هو حسن نياتهم، وصدق رغباتهم فيما عند الله والدار الآخرة، وهذا بخلاف من أراد الدنيا، كمثل حال المنافقين الذين يتثاقلون عن الجهاد، وأعمال البر ويتلمسون الاعذار في التأخر عنها، كما هو معلوم من قصصهم في القرآن، ولذا أثنى الله على أهل الحديبية وأعطاهم من الخير والفضل بما علمه عنهم من صدق الرغبة فيما عنده وطلب رضوانه فقال: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)) [الفتح:18].
قال ابن كثير: (أي من الصدق والوفاء والسمع والطاعة).([564])
دعوى المؤلف أن الصحابة لم يمتثلوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة الكتاب الذي أمر به في مرض موته، وطعنه عليهم، والرد عليه في ذلك:-
يقول المؤلف (ص95)، تحت عنوان: (الصحابة ورزية الخميس): (ومجمل القصة أن الصحابة كانوا مجتمعين في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بثلاثة أيام فأمرهم أن يحضروا له الكتف والدواة، ليكتب لهم كتاباً يعصمهم من الضلالة، ولكن الصحابة اختلفوا، ومنهم من عصى أمره واتهمه بالهجر، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجهم من بيته دون أن يكتب لهم شئياً).
ثم ذكر تحته كلاماً طويلاً، مفاده:
- أن اختلاف الصحابة هذا هو الذي منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتابة الكتاب، وبالتالي حرم الأمة من العصمة من الضلالة، واستدل على ذلك بقول ابن عباس رضي الله عنهما: [[إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب]].
- أن الشيعة يعتقدون بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن ينص على خلافة علي، ثم ذكر أن هذا هو الرأي الذي يميل إليه، وليس هناك تفسير معقول غيره.
- أن عمر هو الذي عارض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (إنه يهجر)، ثم قال: (عندكم القرآن)، (حسبنا كتاب الله)، وقال: إنه لا يجد مبرراً لقول عمر الذي أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يعي ما يقول، وذكر أن تعليل أهل السنة بأن عمر قال ذلك شفقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقبله بسطاء العقول فضلاً عن العلماء.
- أن الأكثرية الساحقة من الصحابة كانت على قول عمر ذلك، ولذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عدم جدوى كتابة الكتاب، لأنه علم بأنهم لن يمتثلوه بعد موته.
- أن الصحابة في هذه الحادثة تعدوا حدود رفع الأصوات إلى رميه صلى الله عليه وسلم بالهجر والهذيان...
قلت: ما ذكره المؤلف هنا من مطاعن ليس هو أول من أوردها، وإنما أخذها عن سلفه من الرافضة، وهي من مطاعنهم القديمة المشهورة على الصحابة، وعمدتهم في ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: {لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هلموا أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، فقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا}.
قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: [[إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب؛ لاختلافهم ولغطهم]].([565])
وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: {يوم الخميس وما يوم الخميس، اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال: ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي نزاع، فقالوا: ما شأنه؟ أَهَجَر، اسْتَفْهِمُوه، فذهبوا يردون عليه، فقال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه، وأوصاهم بثلاث، قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفود بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة، أو قال: فنسيتها}.([566])
وليس فيما ثبت في هذا الحديث ورواياته الصحيحة أي مطعن على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما ما ذكره هذا الرافضي من مطاعن فباطلة معلومة الفساد، وقد أجاب العلماء قديماً عن بعضها.
وإليك أيها القارئ الرد عليها مفصلاً:
قوله أولاً: إن الصحابة اختلفوا ومنهم من عصى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغضب وأخرجهم من البيت...
فيقال له: أما اختلافهم فثابت، وقد كان سببه اختلافهم في فهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم، ومراده لا عصيانه كما زعمت.
قال القرطبي في سبب اختلافهم: (وسبب ذلك أن ذلك كله إنما حمل عليه الاجتهاد المسوغ، والقصد الصالح، وكل مجتهد مصيب، أو أحدهما مصيب، والآخر غير مأثوم بل مأجور كما قررناه في الأصول).([567])
ثم ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعنفهم ولا ذمهم بل قال للجميع: (دعوني فالذي أنا فيه خير)([568]) وهذا نحو ما جرى لهم يوم الأحزاب حيث قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: {لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة}([569]) فتخوف ناس فوات الوقت، فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما عنف أحد الفريقين.([570])
وقد نبه المازري رحمه الله على وجه اختلافهم هذا فقال: (إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب، مع صريح أمره لهم بذلك، لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة دلت على أن الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختلف اجتهادهم، وصمم عمر على الامتناع، لما قام عنده من القرائن بأنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك عن غير قصد جازم، وعزمه صلى الله عليه وسلم كان إما بالوحي وإما بالاجتهاد، وكذلك تركه إن كان بالوحي فبالوحي وإلا فبالاجتهاد، وفيه حجة لمن قال بالاجتهاد في الشرعيات).([571])
فتبين أن اختلافهم ناشئ عن اجتهاد في فهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم ومراده، وإذا كان علماء الأمة من بعدهم قد اختلفوا في فهم النصوص اختلافاً كبيراً في مسائل كثيرة إلى أقوال متعددة، ولم يُذَموا بذلك لما تضافرت به النصوص من رفع الحرج عنهم، بل أجرهم على الاجتهاد على كل حال، فكيف يذم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باختلافهم في مسألة جزئية مجتهدين، بعد أن عذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعنف أحداً منهم، بل أخذ بقول الطائفة المانعة من كتابة الكتاب، ورجع إلى قولها في ترك الكتابة.
وأما ما ادعاه الرافضي من أن اختلاف الصحابة، وما ترتب عليه من عدم كتابة النبي صلى الله عليه وسلم لهم ذلك الكتاب هو الذي حرم الأمة من العصمة إلى آخر كلامه في هذا...
فقد تقدم الرد عليه مفصلاً بما يغني عن إعادته هنا وليراجع في موضعه.([572])
وأما استدلاله بقول ابن عباس: [[ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب]]([573])، فلا حجة له فيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معناه: (يقتضي أن الحائل كان رزية، وهو رزية في حق من شك في خلافة الصديق، واشتبه عليه الأمر، فإنه لو كان هناك كتاب لزال الشك، فأما من علم أن خلافته حق فلا رزية في حقه ولله الحمد).([574])
ويوضح هذا أن ابن عباس رضي الله عنهما ما قال ذلك إلا بعد ظهور أهل الأهواء والبدع، من الخوارج والروافض. نص على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية([575]) والحافظ ابن حجر.([576])
وأيضاً فقول ابن عباس هذا قاله اجتهاداً منه، وهو معارض بقول عمر واجتهاده، وقد كان عمر أفقه من ابن عباس قطعاً. قاله ابن حجر.([577])
قلت: بل هو معارض بقول عمر، وطائفة من الصحابة معه، كما جاء في الحديث: {فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك}.([578])
ويعضد هذا القول موافقة النبي صلى الله عليه وسلم له بعد ذلك وتركه كتابة الكتاب، فإنه صلى الله عليه وسلم لو أراد أن يكتب الكتاب ما استطاع أحد أن يمنعه، وقد ثبت أنه عاش بعد ذلك أياماً باتفاق السنة والرافضة فلم يكتب شيئاً.([579])
وأما ادعاؤه أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بذلك الكتاب أن ينص على خلافة علي رضي الله عنه، بعد أن حكى ذلك عن الرافضة، زاعماً أنه ليس هناك تفسير معقول غيره:
والجواب على هذا أن ادعاءه أن هذا قول الرافضة -على الإطلاق- كذب ظاهر، خلاف المشهور من عقيدتهم.
فالرافضة يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نص على خلافة علي، ونصبه وصياً من بعده، بأمر الله له قبل حادثة الكتاب، ولهم في ذلك مبالغات كبيرة، حتى زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم عُرِجَ به إلى السماء الدنيا مائة وعشرين مرة، في كل مرة يوصى بولاية علي.
جاء في كتاب بصائر الدرجات للصفار فيما يرويه عن أبي عبد الله أنه قال: [[عرج بالنبي صلى الله عليه وآله إلى السماء مائة وعشرين مرة، ما من مرة إلا وقد أوصى الله النبي صلى الله عليه وآله بولاية علي والأئمة من بعده أكثر مما أوصاه بالفرائض]].([580])
هذا وقد نقل إجماعهم على هذه العقيدة شيخهم المفيد في مقالاته حيث قال: (واتفقت الإمامية على أن رسول الله صلى الله عليه وآله استخلف أمير المؤمنين عليه السلام في حياته، ونص عليه بالإمامة بعد وفاته، وأن من دفع ذلك دفع فرضاً من الدين).([581])
وبهذا يظهر كذب هذا الرجل وتلبيسه فيما ادعاه من أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بذلك الكتاب النص على استخلاف علي، ونسبته هذا القول إلى الرافضة، فأي معنى لهذا عندهم إذا كانت الرافضة تعتقد أن النص على ولاية علي واستخلافه قد جاء من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في أكثر من مائة وعشرين مرة، في كل مرة يعرج به إلى السماء ويوصى بها، ثم تبليغ النبي صلى الله عليه وسلم أمته ذلك على ما تدعي الرافضة في نصوص متواترة قبل حادثة الكتاب.
ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ومن توهم أن هذا الكتاب كان بخلافة علي فهو ضال باتفاق عامة الناس، من علماء السنة والشيعة، أما أهل السنة فمتفقون على تفضيل أبي بكر وتقديمه، وأما الشيعة القائلون بأن علياً كان هو المستحق للإمامة فيقولون: إنه قد نص على إمامته قبل ذلك نصاً جلياً ظاهراً معروفاً، وحينئذ فلم يكن يحتاج إلى كتاب).([582])
وعلى كل حال فسواء ثبت هذا القول عن بعض الرافضة، أم انفرد به هو، فلا صحة له، إذ لا دليل عليه، وإنما مبناه على الظنون والأوهام الكاذبة، التي لا تستند لدليل من عقل أو شرع، بل الأدلة على خلافه كباقي عقائد الرافضة، وعلى فرض صحته -مع استحالة ذلك- فلا حجة فيه للرافضة، بل هو حجة عليهم في إبطال دعوى الوصية لعلي رضي الله عنه وهذا ظاهر، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أراد من ذلك الكتاب النَّصَ على خلافة علي في ذلك الوقت المتأخر من حياته، دل هذا على عدم نصه عليها قبل ذلك، إذ لا معنى للنص عليها مرتين، وإذا ثبت باتفاق أهل السنة والرافضة أن النبي صلى الله عليه وسلم مات ولم يكتب ذلك الكتاب، بطلت دعوى الوصية من أصلها.
وإذا تقرر هذا: فليعلم أن العلماء اختلفوا في مراد النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك الكتاب، فذهب بعضهم إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب كتاباً ينص فيه على الأحكام ليرتفع الاختلاف. نقله النووي، وابن حجر عن بعض أهل العلم.([583])
وقيل: إن مراده صلى الله عليه وسلم من الكتاب: بيان ما يرجعون إليه عند وقوع الفتن، وقد ذكر هذا القرطبي ضمن الاحتمالات المرادة من الكتاب.([584])
وقيل: إن المراد بيان كيفية تدبير الملك، وهو إخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزهم، وتجهيز جيش أسامة. وبهذا قال الدهلوي([585]) مستدلاً على ذلك بما كان النبي صلى الله عليه وسلم أوصى به في حديث ابن عباس المتقدم.([586])
والذي عليه أكثر العلماء المحققين أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن ينص على استخلاف أبي بكر رضي الله عنه ثم ترك ذلك اعتماداً على ما علمه من تقدير الله تعالى.
وقد حكى هذا القول سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله([587]) وإليه ذهب القرطبي([588])، وشيخ الإسلام ابن تيمية([589])، والسويدي.([590])
وذكر القاضي عياض: أن الكتاب كان في أمر الخلافة وتعيينها من غير أن يشير إلى أبي بكر.([591])
وقد استدل من قال بهذا القول بما جاء في الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر}.([592])
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما قصة الكتاب الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يكتبه، فقد جاء مبيناً كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها)([593])، ثم ساق الحديث.
فهذه أقوال أهل العلم المعتد بأقوالهم، ليس فيها قول واحد يؤيد ما ذهب إليه الرافضي، بل تدل في مجموعها على بطلان ما ادعاه.
على أن الذي عليه أكثر العلماء في المراد بالكتاب هو النص على استخلاف أبي بكر، كما دل على ذلك حديث عائشة في الصحيحين وهو من القوة بمكان والله أعلم.
وأما طعن المؤلف على عمر رضي الله عنه وزعمه بأنه قد اتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لا يعي ما يقول، وقال: (إنه يهجر) ولم يمتثل قوله، وقال: (عندكم كتاب الله)، (حسبنا كتاب الله).
فجوابه: أن ما ادعاه أولاً بأن عمر اتهم رسول الله بالهجر وأنه لا يعي ما يقول فهذا باطل. وذلك أن هذه اللفظة (أهجر) لا تثبت عن عمر رضي الله عنه أصلاً وإنما قالها بعض من حضر الحادثة من غير أن تعين الروايات الواردة في الصحيحين -والتي احتج المؤلف بها- قائلها، وإنما الثابت فيها (فقالوا: ما شأنه أهجر)([594])، هكذا بصيغة الجمع دون الإفراد. ولهذا أنكر بعض العلماء أن تكون هذه اللفظة من كلام عمر.
قال ابن حجر: (ويظهر لي ترجيح ثالث الاحتمالات، التي ذكرها القرطبي، ويكون قائل ذلك بعض من قرب دخوله في الإسلام، وكان يعهد أن من اشتد عليه الوجع، قد يشتغل به عن تحرير ما يريد).([595])
وقال الدهلوي: (من أين يثبت أن قائل هذا القول هو عمر مع أنه وقع في أكثر الروايات (قالوا) بصيغة الجمع).([596])
وقد ذهب إلى هذا السويدي وذكر أنه قد صرح بذلك جمع من متأخري المحدثين ومنهم ابن حجر.([597])
وهذا الذي صرح به العلماء هنا هو ظاهر قول النووي حيث يقول في معرض شرحه للحديث: (... وهو المراد بقولهم: هجر، وبقول عمر: غلب عليه الوجع)، فقد فرّق بين القولين فتأمله..
فثبت بهذا افتراء الرافضي وظلمه بنسبته هذه اللفظة لعمر من غير دليل، بل ظاهر الأدلة على خلافه، على أن هذه اللفظة لا مطعن فيها على عمر لو ثبتت عنه، كما أنه لا مطعن فيها على من ثبتت عنه من الصحابة. وما ادعاه المؤلف من نسبة قائلها رسول صلى الله عليه وسلم إلى أنه لايعي ما يقول -حاشاه ذلك- باطل لا يحتمله اللفظ، وبيان ذلك من عدة وجوه:
الوجه الأول: أن الثابت الصحيح من هذه اللفظة أنها وردت بصيغة الاستفهام هكذا (أهجر؟) وهذا بخلاف ما جاء في بعض الروايات بلفظ (هجر، ويهجر) وتمسك به المؤلف فإنه مرجوح على ما حقق ذلك المحدثون، وشراح الحديث: منهم القاضي عياض([598])، والقرطبي([599])، والنووي([600])، وابن حجر.([601])
فقد نصوا على أن الاستفهام هنا جاء على سبيل الإنكار على من قال: (لا تكتبوا).
قال القرطبي بعد أن ذكر الأدلة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الخطأ في التبليغ في كل أحواله، وتَقَرُرِ ذلك عند الصحابة: (وعلى هذا يستحيل أن يكون قولهم (أهجر)، لشك عرض لهم في صحة قوله، زمن مرضه، وإنما كان ذلك من بعضهم على وجه الإنكار على من توقف في إحضار الكتف والدواة، وتلكأ عنه، فكأنه يقول لمن توقف: كيف تتوقف أتظن أنه قال هذياناً، فدع التوقف وقرب الكتف، فإنه إنما يقول الحق لا الهجر، وهذا أحسن ما يحمل عليه).([602])
قلت: وهذا يدل على اتفاق الصحابة على استحالة الهجر على الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث إن قائليها أوردوها على سبيل الإنكار الملزم، الذي لا يشك فيه المخالف، وبه تبطل دعوى الرافضي من أصلها.
الوجه الثاني: أنه على فرض صحة رواية (هجر) من غير استفهام، فلا مطعن فيها على قائلها، لأن الهجر في اللغة يأتي على قسمين: قسم لا نزاع في عروضه للأنبياء، وهو عدم تبيين الكلام لبحّة الصوت، وغلبة اليبس بالحرارة على اللسان، كما في الحميات الحارة، وقسم آخر: وهو جريان الكلام غير المنتظم، أو المخالف للمقصود على اللسان لعارض بسبب الحميات المحرقة في الأكثر.
وهذا القسم محل اختلاف بين العلماء في عروضه للأنبياء، فلعل القائل هنا أراد القسم الأول، وهو أنا لم نفهم كلامه بسبب ضعف ناطقته، ويدل على هذا قوله بعد ذلك (استفهموه).([603])
الوجه الثالث: أنه يحتمل أن تكون هذه اللفظة صدرت عن قائلها عن دَهَشٍ وحَيْرةٍ أصابته في ذلك المقام العظيم، والمصاب الجسيم، كما قد أصاب عمر وغيره عند موت النبي صلى الله عليه وسلم قاله القرطبي.([604])
قلت: وعلى هذا فقائلها معذور أياً كان معناها، فإن الرجل يعذر بإغلاق الفكر والعقل، إما لشدة فرح أو حزن، كما في قصة الرجل الذي فقد دابته ثم وجدها بعد يأس فقال: {اللهم أنت عبدي، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح}.([605])
الوجه الرابع: أن هذه اللفظة صدرت بحضور رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبارأصحابه، فلم ينكروا على قائلها، ولم يؤثموه، فدل على أنه معذور على كل حال، ولا ينكر عليه بعد ذلك إلا مفتون في الدين، زائغ عن الحق والهدى، كما هوحال هذا المسكين المعرض نفسه لما لا يطيق.
وأما ما ادعاه من معارضة عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: [[عندكم كتاب الله، حسبنا كتاب الله]] وأنه لم يمتثل أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أراد من كتابة الكتاب:
فالرد عليه:
أنه ليس في قول عمر هذا أي اعتراض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدم امتثال أمره، كما توهم هذا الرافضي، وبيان هذا من عدة وجوه:
الوجه الأول: أنه ظهر لعمر رضي الله عنه ومن كان على رأيه من الصحابة، أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بكتابة الكتاب ليس على الوجوب، وأنه من باب الإرشاد إلى الأصلح، وقد نبه على هذا القاضي عياض، والقرطبي، والنووي، وابن حجر.([606])
ثم إنه قد ثبت بعد هذا صحة اجتهاد عمر رضي الله عنه وذلك بترك الرسول صلى الله عليه وسلم كتابة الكتاب، ولو كان واجباً لم يتركه لاختلافهم، لأنه لم يترك التبليغ لمخالفة من خالف. ولهذا عد هذا من موافقات عمر رضي الله عنه.([607])
الوجه الثاني: أن قول عمر رضي الله عنه: [[حسبنا كتاب الله]] رد على من نازعه لا على أمر النبي صلى الله عليه وسلم([608]) وهذا ظاهر من قوله: [[عندكم كتاب الله]] فإن المخاطب جمع وهم المخالفون لعمر رضي الله عنه في رأيه.
الوجه الثالث: أن عمر رضي الله عنه كان بعيد النظر، ثاقب البصيرة، سديد الرأي، وقد رأى أن الأولى ترك كتابة الكتاب -بعد أن تقرر عنده أن الأمر به ليس على الوجوب- وذلك لمصلحة شرعية راجحة للعلماء في توجيهها أقوال:
فقيل: شفقته على رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يلحقه من كتابة الكتاب مع شدة المرض، ويشهد لهذا قوله: [[إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع]] فكره أن يتكلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشق ويثقل عليه([609]) مع استحضاره قوله تعالى: ((مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)) [الأنعام:38((تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ)) [النحل:89].
وقيل: إنه خشي تطرق المنافقين، ومن في قلبه مرض، لما كتب في ذلك الكتاب في الخلوة، وأن يتقولوا في ذلك الأقاويل نص على ذلك القاضي عياض وغيره من أهل العلم.([610])
وقيل: إنه خشي أن يكتب أموراً ربما عجزوا عنها فاستحقوا العقوبة لكونها منصوصة، ورأى أن الأرفق بالأمة في تلك الأمور سعة الاجتهاد، لما فيه من الأجر والتوسعة على الأمة.([611])
قلت: ولا يبعد أن يكون عمر رضي الله عنه لاحظ هذه الأمور كلها، أوكان لاجتهاده وجوه أخرى لم يطلع عليها العلماء، كما خفيت قبل ذلك على من كان خالفه من الصحابة، ووافقه عليها الرسول صلى الله عليه وسلم بتركه كتابة الكتاب، ولهذا عد العلماء هذه الحادثة من دلائل فقهه ودقة نظره.
قال النووي: (وأما كلام عمر رضي الله عنه فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث، على أنه من دلائل فقه عمر، وفضائله، ودقيق نظره).([612])
الوجه الرابع: أن عمر رضي الله عنه كان مجتهداً في موقفه من كتابة الكتاب، والمجتهد في الدين معذور على كل حال، بل مأجور لقول النبي صلى الله عليه وسلم: {إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم اخطأ فله أجر}([613])، فكيف وقد كان اجتهاد عمر بحضور رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يؤثمه، ولم يذمه به، بل وافقه على ما أراد من ترك كتابة الكتاب.
وأما قوله: إن الأكثرية الساحقة كانت على قول عمر، ولذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عدم جدوى كتابة الكتاب، لأنه علم بأنهم لن يمتثلوه بعد موته.
فجوابه: (أن هذا الكلام مع ما فيه من الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم، والطعن على الصحابة بمجرد التخرص والظنون الكاذبة، فهو دليل على جهل صاحبه. وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمور بالتبليغ، سواء استجاب الناس أم لم يستجيبوا، قال تعالى: ((فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ)) [الشورى:48]، وقال تعالى: ((فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ)) [النحل:82]، فلو كان الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بكتابة الكتاب، ما كان ليتركه لعدم استجابة أصحابه، كما أنه لم يترك الدعوة في بداية عهدها لمعارضة قومه وشدة أذيتهم له، بل بلغ ما أُمر به، وما ثناه ذلك عن دعوته، حتى هلك من هلك عن بينة، وحيّى من حيّى عن بينة.
فظهر بهذا أن كتابة الكتاب لم تكن واجبة عليه، وإلا ما تركها، وقد نص على ذلك العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن حجر رحمهما الله.([614]) وحينئذ يكون توجيه إرادته له أولاً، ثم تركه له بعد ذلك: ما ذكره النووي حيث قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم همّ بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة، أو أوحي إليه ذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه، أو أوحي إليه بذلك، ونسخ ذلك الأمر الأول).([615])
وبهذا يظهر بطلان طعن الرافضي على الصحابة في هذه الحادثة، وينكشف زيف ما ادعاه في حقهم. وبيان توجيه مواقفهم التوجيه الصحيح اللائق بمقاماتهم العظيمة في الدين، من خلال النصوص، وكلام أهل العلم في ذلك.
فلله الحمد والمنة.
طعن المؤلف على الصحابة بدعوى تركهم إنفاذ جيش أسامة والرد عليه:-
قال الرافضي ص100 تحت عنوان: (الصحابة في سرية أسامة)، (مجمل هذه القصة أنه صلى الله عليه وسلم جهز جيشاً لغزو الروم قبل وفاته بيومين، وأمّر على هذه السرية: أسامة بن زيد بن حارثة، وعمره ثمانية عشر عاماً، وقد عبأ صلى الله عليه وسلم في هذه السرية وجوه المهاجرين والأنصار، كأبي بكر وعمر، وأبي عبيدة، وغيرهم من كبار الصحابة المشهورين، فطعن قوم منهم في تأمير أسامة، وقالوا: كيف يؤمر علينا شاب لا نبات بعارضيه، وقد طعنوا من قبل في تأمير أبيه، وقد قالوا في ذلك وأكثروا النقد، حتى غضب صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً مما سمع من طعنهم وانتقادهم، فخرج معصّب الرأس محموماً، يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض، بأبي هو وأمّي، من شدة ما به من لغوب، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: {أيها الناس! ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة، ولئن طعنتم في تأميري أسامة فقد طعنتم في تأميري أبيه من قبله، وأيم الله إنه كان خليقاً بالإمارة، وإن ابنه من بعده لخليق بها}.
ثم أخذ يطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم زاعماً معارضتهم له معارضة صريحة، حيث تباطأوا عن جيش أسامة، ولم ينفذوه حتى مات رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إلى أن قال (ص103): (وإذا أردنا أن نتمعن في هذه القضية، فإننا سنجد الخليفة الثاني من أبرز عناصرها، إذ أنه هو الذي جاء بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخليفة أبي بكر وطلب منه أن يعزل أسامة ويبدله بغيره. فقال أبو بكر: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب! أتأمرني أن أعزله وقد ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم).
والجواب على هذا:
أن ما ادعاه من معارضة الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم في تأمير أسامة معارضة صريحة: فمن أظهر الكذب، الذي ترده الأخبار الصحيحة.
والثابت في هذه الحادثة أن الرسول صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه أمر أصحابه بالمسير إلى تخوم البلقاء من الشام، والإغارة على أهل مؤتة، حيث قتل زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة الذين كانوا أمراء الرسول صلى الله عليه وسلم على غزوة مؤتة المعروفة، فلما تجهز الصحابة لما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الرسول صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد أميراً عليهم، وقال له: {سر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل وأغر صباحاً على أُبْنى([616]) وحرّق عليهم، وأسرع المسير تسبق الخبر، فإن ظفرك الله بهم، فأقل اللبث فيهم، فتكلم في تأمير أسامة قوم منهم عياش بن أبي ربيعة المخزومي، فرد عليه عمر، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم([617]) فخطب وقال: إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان من أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده}.([618])
فظاهر أن من تكلم في إمارة أسامة كانوا أفراداً من الصحابة وليس كل الصحابة، وكانوا بذلك مجتهدين في ما قالوا؛ لأنهم خشوا أن يضعف عن الإمارة لصغر سنه، ومع هذا فقد أنكر عليهم عمر وأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم أنه جدير بالإمارة، فما يعرف أن أحداً منهم تكلم فيه بعد ذلك.
فأي لوم على الصحابة رضي الله عنهم بقول أفراد منهم أنكره عليهم بعضهم، ثم نهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهوا.
وأما ادعاء هذا الرافضي، أنهم تباطؤوا في الخروج مع أسامة حتى مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يحصل شيء من ذلك بل إن الصحابة بادروا بالاستعداد للقتال، وأعدوا العدة لذلك، فقد نقل ابن هشام والطبري بسنده عن ابن إسحاق قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بن حارثة إلى الشام وأمره أن يوطئ تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، فتجهز الناس وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون).([619])
وفي الطبقات لابن سعد: (وعسكر بالجرف فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار، إلا انتدب في تلك الغزوة).([620])
{فكان الصحابة قد تهيؤوا للخروج مع أسامة، وخرج بهم وعسكر بالجرف استعداداً للانطلاق، لكن الذي حصل بعد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتد عليه المرض فجاءه أسامة وقال: يارسول الله! قد أصبحت ضعيفاً وأرجو أن يكون الله قد عافاك فائذن لي فأمكث حتى يشفيك الله، فإني إن خرجت وأنت على هذه الحالة خرجت وفي نفسي منك قرحة، وأكره أن أسأل عنك الناس، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم}.([621])
فكان أسامة هو الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم التأخر في الخروج حتى يطمئن على رسول صلى الله عليه وسلم، فأذن له الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو أراد أسامة الخروج ما تأخر عنه أحد ممن كان تحت إمرته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولا امتنع أحد من أصحاب أسامة من الخروج معه لو خرج، بل كان أسامة هو الذي توقف في الخروج لما خاف أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف أذهب وأنت هكذا، أسأل عنك الركبان؟ فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم في المقام، ولو عزم على أسامة في الذهاب لأطاعه، ولو ذهب أسامة لم يتخلف عنه أحد ممن كان معه، وقد ذهب جميعهم معه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتخلف عنه أحد بغير إذنه).([622])
ثم إن أسامة بقي معسكراً في الجرف ينتظر شفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان يوم الإثنين أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مفيقاً فدخل عليه أسامة، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: {أغد على بركة الله}، فودعه أسامة وخرج إلى معسكره، فأمر الناس بالرحيل، فبينما هو يريد الركوب إذ رسول أمه أم أيمن قد جاءه يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت، فأقبل وأقبل معه عمر وأبو عبيدة، فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت فتوفي عليه الصلاة والسلام).([623])
فهذا هو حقيقة ما حصل، ولم يكن تأخر خروج أسامة إلا بطلب منه أذن له فيه النبي صلى الله عليه وسلم، على أنه لم يكن بين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتهيؤ للغزو، ووفاته إلا ستة عشر يوماً، فقد كان ندبه أصحابه لذلك يوم الإثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة، وعين أسامة أميراً على الجيش في اليوم الثاني.
فلما كان يوم الأربعاء بدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم المرض فما زال مريضاً حتى توفاه الله يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول([624])، ومعلوم أن هذه المدة ليست طويلة في تجهيز جيش في مثل ذلك الوقت على أن الصحابة كانوا قد استعدوا وتهيؤوا للخروج قبل هذه المدة بكثير لولا استئذان أسامة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأخير الخروج، فقد ثبت أن أسامة قد خرج بالجيش وعسكر في الجرف يوم الخميس أي بعد ثلاثة أيام من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ للقتال.([625])
وبهذا تبطل دعوى الرافضي في تثاقل الصحابة عن الخروج بل إن هذا يدل على سرعة امتثالهم رضي الله عنهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بتجهيزهم جيشاً كهذا قيل: إن قوامه ثلاثة آلاف مقاتل([626]) بكل ما يحتاج إليه من مؤونة وعتاد في خلال ثلاثة أيام على ماهم فيه من فاقة وفقر وحاجة، فرضي الله عنهم جميعاً، وجزاهم على جهادهم، وحسن بلائهم في الإسلام، خير ما جازى به المحسنين.
وأما زعمه: أنه كان في جيش أسامة أبو بكر وعمر، بتعيين رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما ثم تثاقلا عن الخروج معه.
فجوابه: أنه لم يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر وعمر أن يلتحقا بجيش أسامة، بل ولا أمر غيرهما بذلك، إذ لم يكن من عادته إذا أراد أن يجهز سرية أو غزوة أن يعين من يخرج فيها بأسمائهم، وإنما كان يندب أصحابه لذلك ندباً عاماً، ثم إذا اجتمع عنده من يقوم بهم الغرض عين لهم أميراً منهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن من عادته في سراياه، بل ولا في مغازيه، أن يعين كل من يخرج معه في الغزو بأسمائهم ولكن يندب الناس ندباً عاماً مطلقاً، فتارة يعلمون منه أنه لم يأمر كل أحد بالخروج معه ولكن ندبهم إلى ذلك، كما في غزوة الغابة، وتارة يأمر الناس بصفة كما أمر في غزوة بدر أن يخرج من حضر ظهره فلم يخرج معه كثير من المسلمين، وكما أمر في غزوة السويق بعد أحد أن لا يخرج معه إلا من شهد أحداً، وتارة يستنفرهم نفيراً عاماً، ولا يأذن لأحد في التخلف كما في غزوة تبوك...
ولما أمّر أسامة بن زيد بعد مقتل أبيه، فأرسله إلى ناحية العدو الذين قتلوا أباه لما رآه في ذلك من المصلحة، ندب الناس معه فانتدب معه من رغب في الغزو، وروي أن عمر كان ممن انتدب معه لا أن النبي صلى الله عليه وسلم عين عمر ولا غير عمر).([627])
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعين أحداً باسمه، للالتحاق بجيش أسامة، وإنما دعا أصحابه إلى ذلك فالتحق بالجيش كبار المهاجرين والأنصار.([628])
وكان من بين هؤلاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما نص على ذلك المؤرخون،([629]) وثبت أنه فيمن خرج في معسكر أسامة بالجرف، ثم عاد للمدينة مع أسامة، لما بلغه احتضار رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما تقدم بذلك النقل عن ابن سعد.([630])
ثم إن عمر رضي الله عنه بقي مكتتباً في جيش أسامة فلما استخلف أبو بكر، وأمر بمسير الجيش، استأذن أبو بكر أسامة أن يأذن لعمر بالبقاء معه لحاجته إليه.
قال الواقدي: (ومشى أبو بكر رضي الله عنه إلى أسامة في بيته، وكلمه أن يترك عمر، ففعل أسامة وجعل يقول له: أذنت ونفسك طيبة؟ فقال أسامة: نعم).([631])
ويذكر الطبري أن أبا بكر قال لأسامة لما شيعه في خروجه بالجيش: (إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل فأذن له).([632])
كما نص على هذا غير واحد من المؤرخين والمحققين.([633])
فثبت بهذا أن التحاق عمر بجيش أسامة كان برغبته واختياره، وأن خروجه منه كان بطلب الخليفة، وإذن الأمير فأي لوم على عمر رضي الله عنه في ذلك.
وأما أبو بكر فالذي عليه أكثر المؤرخين أنه لم يكن في جيش أسامة أصلاً، فإنهم سموا من التحق بجيش أسامة من كبار الصحابة، ولم يذكروا فيهم أبا بكر.
قال الواقدي ضمن حديثه عن غزوة أسامة: (فلم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة: عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وأبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل...).([634])
وقال الطبري: (ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بعثاً على أهل المدينة ومن حولهم، وفيهم عمر بن الخطاب، وأمر عليهم أسامة بن زيد).([635])
وقال الذهبي ضمن ترجمة أسامة: (استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على جيش لغزو الشام، وفي الجيش عمر والكبار).([636])
فلم يذكر هؤلاء المؤرخون أبا بكر في جيش أسامة، وذكروا بعض كبار الصحابة كعمر، وأبي عبيدة، وسعد وغيرهم، ولو كان أبو بكر في الجيش لكان ذكره أولى وأشهر.
وإنما عدّ أبا بكر في جيش أسامة: ابن سعد قال: (فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزوة فيهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة...).([637])
وإلى هذا ذهب ابن حجر في الفتح.([638])
وقال ابن كثير في سياق الموضوع: (وكان بينهم: عمر بن الخطاب، ويقال: أبو بكر فاستثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة).([639])
وقد جزم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة ونقل اتفاق أهل العلم عليه.
قال:(وأبو بكر رضي الله عنه لم يكن في جيش أسامة باتفاق أهل العلم، لكن روي أن عمر كان فيهم، وكان عمر خارجاً مع أسامة، لكن طلب منه أبو بكر أن يأذن له في المقام عنده لحاجته إليه، فأذن له).([640])
وقال في موضع آخر في الرد على الرافضي: (وأما قوله إنه أمّر أسامة على الجيش الذي فيهم: أبو بكر، وعمر، فمن الكذب الذي يعرفه من له أدنى معرفة بالحديث، فإن أبا بكر لم يكن في ذلك الجيش، بل كان صلى الله عليه وسلم يستخلفه في الصلاة من حين مرضه إلى أن مات. وأسامة قد روى أنه عقد له الراية قبل مرضه، ثم لما مرض أمر أبا بكر أن يصلي بالناس فصلى بهم إلى أن مات النبي صلى الله عليه وسلم، فلو قُدر أنه أُمر بالخروج مع أسامة قبل المرض، لكان أمره بالصلاة تلك المدة، مع إذنه لأسامة أن يسافر في مرضه، موجباً لنسخ إمرة أسامة عنه، فكيف إذا لم يُؤمر عليه أسامة بحال).([641])
وبهذا يظهر أن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة. وهو قول عامة المؤرخين إلا من شذ منهم، بل نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله اتفاق أهل العلم والحديث على هذا، لاشتغال أبي بكر رضي الله عنه بالصلاة بالناس في مرض النبي صلى الله عليه وسلم.
على أن من قال بالقول الآخر، لم يقل: إن أبا بكر بقي في جيش أسامة بعد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم له بالصلاة، فهذا لم يقل به أحد من أهل العلم، لما هو معلوم عندهم بالتواتر من اشتغال أبي بكر بإمامة الناس في مرض النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات، في حين أن الجيش كان معسكراً بالجرف، استعداداً للخروج. ولهذا ذكر ابن كثير أن من قال بدخول أبي بكر في جيش أسامة، ذكر أنه مستثنى بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له بالصلاة.
فثبت بهذا بطلان ما ادعاه الرافضي: من كون الشيخين في جيش أسامة وأنهما تثاقلا عن الخروج معه.
وأما قوله: إن عمر كان من أبرز عناصر المعارضة، وهو الذي جاء بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر، وطلب منه أن يعزل أسامة ويبدله بغيره.
فجوابه: أنه لم تكن هناك معارضة أصلاً حتى يكون لها عناصر بارزة أو غير بارزة، وإنما هذا من أوهام الرافضة، وأكاذيبهم التي يحاولون عن طريقها التلبيس على ضعاف العقول بقصد الطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والنيل منهم. والعبرة في هذا بصحة النقل فأين النقل الصحيح على صحة ما ادعى!!
على أنه قد تقدم بيان مواقف الصحابة المشرفة في سرية أسامة بالنقل الصحيح، وبراءتهم من كل ما يرميهم به هذا الرافضي الحاقد، مما يغني عن إعادته هنا.
وأما قوله: إن عمر طلب من أبي بكر عزل أسامة فليس هذا رأي عمر وحده، بل رأي بعض الصحابة، وسبب هذا أنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم ارتدت كثير من قبائل العرب، ونجم النفاق، وتربص الأعداء بالمسلمين من كل ناحية، وقد كان في جيش أسامة جل الصحابة وخيارهم، فخشى كبار الصحابة على المدينة بعد خروج الجيش منها أن يحيط بها الأعداء، وفيها خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمهات المؤمنين، والنساء، والذراري، فأشاروا على أبي بكر أن يؤجل بعث أسامة حتى يستقر الحال، ويفرغ من قتال المرتدين، فلما أبى عليهم ذلك أشار عليه بعضهم أن يولي الجيش من هو أسن من أسامة، وأعرف بالحرب منه حرصاً منهم على سلامة الجيش في ذلك الوقت العصيب الذي يمرون به.
وبهذا جاءت الروايات:
فقد روى الطبري من حديث عروة عن أبيه قال: (لما بويع أبو بكر رضي الله عنه وجمع الأنصار في الأمر الذي افترقوا فيه، قال: ليتم بعث أسامة، وقد ارتدت العرب، إما عامة، وإما خاصة في كل قبيلة، ونجم النفاق واشرأبت اليهود والنصارى، والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية، لفقدهم نبيهم صلى الله عليه وسلم وقلتهم وكثرة عدوهم، فقال له الناس: إن هؤلاء جل المسلمين، والعرب -على ما ترى- قد انتقضت بك، فليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين، فقال أبو بكر: والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذنه).([642])
وفي روايه للواقدي: [[فلما بلغ العرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد عن الإسلام، قال أبو بكر رضي الله عنه لأسامة رحمة الله عليه: انفذ على وجهك الذي وجهك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ الناس بالخروج وعسكروا في موضعهم الأول، وخرج بريده باللواء حتى انتهى إلى معسكرهم الأول فشق على كبار المهاجرين الأولين، ودخل على أبي بكر، عمر، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد، فقالوا: ياخليفة رسول الله! إن العرب قد انتقضت عليك من كل جانب وإنك لا تصنع بتفريق هذا الجيش المنتشر شيئاً، اجعلهم عُدة لأهل الردة ترمي بهم في نحورهم، وأخرى لا نأمن على أهل المدينة أن يغار عليها، وفيها الذراري والنساء، فلو استأنيت لغزو الروم حتى يضرب الإسلام بجرانه، وتعود الردة إلى ما خرجوا منه، أو يفنيهم السيف، ثم تبعث أسامة حينئذ فنحن نأمن الروم أن تزحف إلينا، فلما استوعب أبو بكر رضي الله عنه منهم كلامهم قال: هل منكم أحد يريد أن يقول شيئاً؟ قالوا: لا قد سمعت مقالتنا، فقال: والذي نفسي بيده لو ظننت أن السباع تأكلني بالمدينة لأنفذت هذا البعث، ولا بدأت بأولى منه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي من السماء يقول: أنفذوا جيش أسامة]]([643])
وفي رواية للطبري: أن هذا هو رأي أسامة نفسه، وهو الذي بعث عمر إلى أبي بكر بهذا وعلى هذا الرأي الأنصار أيضاً، وأنهم قالوا لعمر: فإن أبى ذلك فليول الجيش أقدم سناً من أسامة، وهاهو ذا نص الرواية من رواية الحسن البصري قال: (ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بعثاً على أهل المدينة ومن حولهم، وفيهم عمر بن الخطاب وأمّر عليهم أسامة بن زيد، فلم يجاوز آخرهم الخندق، حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف أسامة بالناس ثم قال لعمر: ارجع إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنه يأذن لي أن أرجع بالناس، فإن معي وجوه الناس وحدَّهم، ولا آمن على خليفة رسول الله، وثقل رسول الله، وأثقال المسلمين أن يتخطفهم المشركون، وقالت الأنصار: فإن أبى إلا أن نمضي فأبلغه عنا، واطلب إليه أن يولي أمرنا رجلاً أقدم سناً من أسامة، فخرج عمر بأمر أسامة، وأتى أبا بكر فأخبره بما قال أسامة، فقال أبو بكر: لو خطفتني الكلاب والذئاب، لم أرد قضاءً قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن الأنصار أمروني أن أبلغك، وإنهم يطلبون إليك أن تولي أمرهم رجلاً أقدم سناً من أسامة، فوثب أبو بكر -وكان جالساً- فأخذ بلحية عمر، فقال له: ثكلتك أمك وعدمتك يابن الخطاب! استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأمرني أن أنزعه! فخرج عمر إلى الناس فقالوا له: ما صنعت؟ فقال: امضوا، ثكلتكم أمهاتكم! مالقيت في سببكم من خليفة رسول الله!).([644])
فظاهر من هذا أن الذي حمل الصحابة على ما قالوا إنما هو النصح لدين الله، وشفقتهم على المسلمين، وأن القول بتأجيل خروج جيش أسامة، هو قول عامة الصحابة، بما فيهم أسامة، وذلك لشدة الظروف التي كانوا يمرون بها، نظراً لموت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تبع ذلك من كثرة الارتداد، وشيوع النفاق، وتربص الأعداء، وطمعهم في المسلمين، في حين أن الجيش سيقطع مسافات بعيدة يخترق من خلالها كثيراً من أحياء العرب الذين لا يؤمن جانبهم، ويخشى من غدرهم وردتهم، مما حمل الأنصار أن يطلبوا من عمر -كما في رواية الطبري - أن يطلب من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ما عزم على مسيرة الجيش، أن يولي إمرته من هو أسن من أسامة، فإنه كان شاباً عمره ثماني عشرة سنة([645])، وهذا لا مطعن فيه على أسامة، وإنما للسن أثره في الحكمة وسياسة الأمور، خصوصاً في تلك المرحلة الحرجة.
ومع هذا فقد صمم الصديق رضي الله عنه على تسيير الجيش بقيادة أسامة امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثقة بنصر الله، فسار الجيش إلى ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأغار على أهل تلك البلاد فقتل أسامة قاتل أبيه وغنموا منهم ورجع الجيش سالماً إلى المدينة.([646])
والصحابة على كل حال مجتهدون في شأن جيش أسامة سواء من رأى منهم تسيير الجيش، أو لم ير ذلك، أو رأى عزل أسامة، أو لم ير ذلك، فما أرادوا من ذلك إلا الخير، والنصح لدين الله والمسلمين، وهم أبعد ما يكونون على كل ما يرميهم به الرافضة من التهم الباطلة الجائرة.
تقسيم الرافضي الصحابة إلى ثلاثة أقسام وزعمه أن منهم من نزل القرآن بتوبيخهم والتحذير منهم والرد عليه في ذلك:-
قال المؤلف (ص111) تحت عنوان (رأي القرآن في الصحابة):
(قبل كل شيء لابد لي أن أذكر أنه سبحانه وتعالى قد مدح في كتابه العزيز في العديد من المواقع صحابة رسول الله، الذين أحبوا الرسول صلى الله عليه وسلم واتبعوه...، وهذا القسم من الصحابة الذين عرف المسلمون قدرهم من خلال مواقفهم وأفعالهم معه، أحبوهم، وأجلوهم، وعظموا قدرهم، وترضوا عنهم كلما ذكروهم.
وبحثي لا يتعلق بهذا القسم من الصحابة، الذين هم محط الاحترام والتقدير من السنة والشيعة، كما لا يتعلق بالقسم الذي اشتهر بالنفاق، والذين هم معرضون للعن المسلمين جميعاً من السنة والشيعة، ولكن بحثي يتعلق بهذا القسم من الصحابة، الذين اختلف فيهم المسلمون، ونزل القرآن بتوبيخهم وتهديدهم في بعض المواقع، والذين حذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في العديد من المناسبات أو حذر منهم).
قلت: لا يخفى ما في كلامه هذا من الكذب والتلبيس، وذلك أن أهل السنة يعتقدون عدالة الصحابة كلهم، وأما المنافقون فليسوا من الصحابة بحال، فالصحابي في الإصطلاح: هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك([647]) فخرج الكفار والمنافقون من حد الصحبة، لأنهم لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان المنافقون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يعاملون بما يظهرون من الإسلام.
وتقسيمه الذي ذكره لا يمثل سوى عقيدة الرافضة، دون أهل السنة. فالرافضة هم الذين يقسمون الصحابة إلى قسمين: عدول، ومرتدين، وعندهم أن الصحابة كلهم ارتدوا عن الإسلام إلا القليل منهم، لا يتجاوزون أربعة أو سبعة، كما جاء ذلك مصرحاً به في بعض رواياتهم المشهورة، التي تقدم نقلها عند الحديث عن معتقدهم في الصحابة.([648])
فالصحابة الذين قال: إن الفريقين يعتقدون عدالتهم؛ هم أولئك الأفراد الذين يستثنيهم الرافضة من حكم الردة، والقسم الذي ذكر أنه اختلف فيه؛ هم عامة الصحابة الذين يعتقد الرافضة ردتهم وكفرهم، وأما أهل السنة فلا يقرون هذا التقسيم، ولا يعتقدونه، فالصحابة عندهم كلهم عدول.
ومع فساد هذا التقسيم الذي ذكره، فكان الأولى به لو كان صادقاً فيما ادعاه من الإنصاف أن يقول بعد هذا: إني سأبحث في سيرة هذا القسم من الصحابة وأثبت الحق في ذلك، لكنه ذكر هذا القسم ثم حكم عليه مباشرة، وطعن فيه فقال: (ولكن بحثي يتعلق بهذا القسم من الصحابة الذين اختلف فيهم المسلمون، ونزل القرآن بتوبيخهم وتهديدهم في بعض المواقع، والذين حذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في العديد من المناسبات، أو حذر منهم).
فظهر أن الرجل إنما يقرر عقيدة الرافضة في الصحابة، في أصل تقسيمه لهم، وحكمه عليهم، خلافاً لما يدعيه من العدل والإنصاف والتجرد في الحكم، ولهذا سبق حُكْمُه بحثه في سيرتهم وأحوالهم، وذكره النصوص التي زعم أنها مستنده فيما يقرر.
ثم شرع المؤلف في ذكر الآيات التي زعم أنها كشفت حال الصحابة ونزلت بتوبيخهم وتهديدهم.
طعن الرافضي على الصحابة بقوله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ)، والرد عليه:-
قال الرافضي (ص112): (المثال الأول على ذلك هو آية محمد رسول الله يقول تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29].
قال بعد ذلك: (.. فكلمة (منهم) التي ذكرها الله تعالى دلت على التبعيض وأوحت أن البعض من هؤلاء لا تشملهم مغفرة الله ورضوانه، ودلت أيضاً على أن البعض من الصحابة انتفت منهم صفة الإيمان والعمل الصالح، فهذه الآيات المادحة والقادحة في آن واحد، فهي بينما تمدح نخبة من الصحابة تقدح في آخرين).
قلت: تضمنت هذه الآية الكريمة أبلغ الثناء والمدح من الله تعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ووصفه لهم بتلك الصفات العظيمة، الدالة على علو قدرهم في الدين، ورسوخ قدمهم في الإيمان والعمل الصالح، وأما ما ادعاه هذا الرافضي أن (منهم) في قوله تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ)) [الفتح:29] للتبعيض وأنها تدل على انتفاء الإيمان والعمل الصالح عن بعضهم، فهذا من فرط جهله، وجرأته على الله، وكذبه عليه بما لا تحتمله الآية ولا يستند لقول أحد من أهل العلم في تفسيرها.
والذي عليه المفسرون وأهل العلم أن (من) في الآيه لبيان الجنس فيكون المعنى: وعد الله الذين آمنوا من هذا الجنس، وهم الصحابة.
قال القرطبي: (وليست (من) في قوله: (منهم) مبعضة لقوم من الصحابة دون قوم، ولكنها عامة مجنسة مثل قوله تعالى: ((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ)) [الحج:30] لايقصد للتبعيض لكنه يذهب إلى الجنس أي: فاجتنبوا الرجس من جنس الأوثان إذ كان الرجس يقع من أجناس شتى، منها الزنى والربا وشرب الخمر والكذب فأدخل (من) يفيد بها الجنس وكذا (منهم) أي: من هذا الجنس، يعني: جنس الصحابة، ويقال: أنفق نفقتك من الدراهم أي: اجعل نفقتك هذا الجنس).([649])
وكذا قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: (من هذه لبيان الجنس).([650])
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: (فإن قيل لم قال: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ)) [الفتح:29] ولم يقل: وعدهم كلهم؟
قيل: كما قال: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) [النور:55] ولم يقل: وعدكم و(من) تكون لبيان الجنس، فلا يقتضي أن يكون قد بقي من المجرور بها شيء خارج عن ذلك الجنس، كما في قوله تعالى: ((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ)) [الحج:30] فإنه لا يقتضي أن يكون من الأوثان ما ليس برجس.
وإذا قلت: ثوب من حرير فهو كقولك: ثوب حرير، وكذلك قولك: باب من حديد كقولك: باب حديد، وذلك لا يقتضي أن يكون هناك حرير وحديد غير المضاف إليه، وإن كان الذي يتصوره كلياً فإن الجنس الكلي هو: ما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وإن لم يكن مشتركاً فيه في الوجود، فإذا كانت (من) لبيان الجنس كان التقدير: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) [المائدة:9] من هذا الجنس وإن كان الجنس كلهم مؤمنين مصلحين)([651]).
فتبين بهذا بطلان ما ادعاه الرافضي من أن (من) في الآية تبعيضية، واستدلاله بها على انتفاء الإيمان والعمل الصالح عن بعض الصحابة؛ لمخالفة ذلك لما ذكره العلماء هنا، بل مخالفته لعموم نصوص الكتاب والسنة، القاطعة بعدالة الصحابة وتزكيتهم، والشهادة لهم بالإيمان والتقوى، والسبق في ذلك، وما أخبر الله عنهم من رضاه عنهم، ورضاهم عنه، ووعده لهم بأعلى الدرجات في الجنة، ومخالفته كذلك لما هو معلوم بالاضطرار للمسلمين، وما انعقد عليه إجماعهم من حسن الثناء عليهم، والاعتراف لهم بالفضل والسبق في الدين، وأن الأمة بعدهم لا يبلغوا مراتبهم، ولا يدانوهم في الفضل، مما يجعل الطعن فيهم طعن في الأمة، والقدح فيهم قدح في الكتاب والسنة.
طعن الرافضي على الصحابة بقوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) والرد عليه:-
قال المؤلف (ص114): (قال الله تعالى في كتابه العزيز: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) [آل عمران:144].
ثم قال بعدها: (فهذه الآية صريحة وجلية في أن الصحابة سينقلبون على أعقابهم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، ولا يثبت منهم إلا القليل، كما دلت على ذلك الآية في تعبير الله عنهم -أي:عن الثابتين الذين لاينقلبون- بالشاكرين، فالشاكرون لايكونون إلا قلة، كما دل عليه قوله سبحانه وتعالى: ((وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ)) [سبأ:13]).
إلى أن قال (ص115): (والمهم أن آية الانقلاب تقصد الصحابة مباشرة، الذين يعيشون معه في المدينة المنورة، وترمي إلى الانقلاب مباشرة بعد وفاته بدون فصل...).
قلت: قاتل الله الجهل ما أضره بأهله!! ولو اطلع هذا المتشدق بما لا يعلم في كتاب مختصر من كتب التفسير، على سبب نزول هذه الآية، التي زعم أنها في الردة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، ورمى الصحابة بذلك، لم يقل ما قال، ولكان في ستر من هذه الفضيحة، التي تشهد بجهله وتقوله على الله بلا علم ولا بصيرة، وذلك أن هذه الآية نزلت يوم أحد، عندما أصاب المسلمين ما أصابهم، وشج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وشاع في الناس أن الرسول صلى الله عليه وسلم قتل، فقال بعض المنافقين: إن محمداً قد قتل فالحقوا بدينكم الأول فنزلت هذه الآية.
روى الطبري في تفسيره بسنده عن الضحاك قال في قوله تعالى: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)) [آل عمران:144]، (ناس من أهل الارتياب والمرض والنفاق، قالوا يوم فرّ الناس عن نبي الله صلى الله عليه وسلم، وشج فوق حاجبه، وكسرت رباعيته: قتل محمد فالحقوا بدينكم الأول، فذلك قوله: ((أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) [آل عمران:144]).([652])
وروى أيضاً عن ابن جريج قال: (قال أهل المرض والارتياب والنفاق، حين فرّ الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم: قد قتل محمد، فالحقوا بدينكم الأول فنزلت هذه الآية).([653])
فالمقصود بالانقلاب على الأعقاب في الآية هو ما قاله المنافقون لما أُشيع في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل، وهو قولهم: ارجعوا إلى دينكم الأول. ولم تكن هذه الآية فيمن ارتد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت هي حجة عليهم، مع أنها لو كانت فيمن ارتد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم لكانت أظهر في الدلالة على براءة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المرتدين، فإنهم هم الذين قاتلوهم، وأظهر الله دينه على أيديهم، وخذل المرتدين بحربهم لهم، فرجع منهم من رجع إلى الدين، وهلك من هلك على ردته، وظهر فضل الصديق والصحابة بمقاتلتهم لهم.
ولهذا ثبت عن علي رضي الله عنه أنه: [[كان يقول في قوله تعالى: ((وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) [آل عمران:144]، الثابتين على دينهم أبا بكر وأصحابه]].([654])
وكان يقول: (كان أبو بكر أمين الشاكرين، وأمين أحباءِ الله، وكان أشكرهم وأحبهم إلى الله).([655])
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن قول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ)) [المائدة:54]، أنها كانت في أبي بكر وأصحابه، لما كان في علم الله أنهم سيقاتلون أهل الردة.
روى الطبري بسنده عن علي رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى: [[((فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)) [المائدة:54]، بأبي بكر وأصحابه]].
وعن الحسن البصري قال: (هذا والله أبو بكر وأصحابه).
وعن الضحاك قال: (هو أبو بكر وأصحابه، لما ارتد من ارتد من العرب عن الإسلام جاهدهم أبو بكر وأصحابه، حتى ردهم إلى الإسلام).
وبهذا قال قتادة وابن جريج وغيره من أئمة التفسير.([656])
فتأمل أيها القارئ كيف أن هذا الرافضي الحاقد يرمي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالردة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، في حين أنهم هم الذين قاتلوا المرتدين، وأثنى الله عليهم بذلك، واشتهر في الأمة فضلهم بما قاموا به من نصرة دين الله بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وجهادهم أولئك المرتدين على كثرتهم، مما لا يجهله أحد من عوام المسلمين اليوم، فضلاً عن علمائهم، ثم يأتي هذا الرافضي فيتهم هؤلاء الصحابة بالردة مصادماً بذلك النصوص والواقع، بل وحتى العقل، فلو كان لهذا الرجل عقل؛ لما قال ما قال، فيصبح أضحوكة بين الناس، بهذا الهذيان الذي يدل على سخافة في العقل وبلادة في الفهم.
ولقد أحسن الشعبي رحمه الله في قوله: (ما رأيت قوماً أحمق من الشيعة، لو كانت الشيعة من الطير لكانت رخماً، ولو كانوا من الدواب لكانوا حمراً).([657])
ولقد صدق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في وصفهم بقوله: (القوم من أضل الناس على السواء، فإن الأدلة: إما نقلية، وإما عقلية، والقوم من أضل الناس في المنقول والمعقول، في المذاهب والتقرير، وهم من أشبه الناس بمن قال الله فيهم: ((وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ)) [الملك:10]).([658])
طعن الرافضي على الصحابة بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ..) والرد عليه:-
قال المؤلف (ص115) قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ)) [التوبة:38] * ((إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) [التوبة:39].
ثم قال: (هذه الآية صريحة في أن الصحابة تثاقلوا عن الجهاد، واختاروا الركون إلى الحياة الدنيا، رغم علمهم بأنها متاع قليل، حتى استوجبوا توبيخ الله سبحانه، وتهديده إياهم بالعذاب الأليم واستبدال غيرهم من المؤمنين الصادقين بهم.
وقد جاء هذا التهديد باستبدال غيرهم في العديد من الآيات، مما يدل دلالة واضحة على أنهم تثاقلوا عن الجهاد في مرات عديدة، فقد جاء في قوله تعالى: ((وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)) [محمد:38]...).
إلى أن قال: (ومن البديهي المعلوم أن الصحابة تفرقوا بعد النبي [صلى الله عليه وسلم]، واختلفوا، وأوقدوا نار الفتنة، حتى وصل بهم الأمر إلى القتال والحروب الدامية، التي سببت انتكاس المسلمين وتخلفهم، وأطمعت فيهم أعداءهم).
وجوابه: أنه ليس في هاتين الآيتين مطعن على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما فيهما حث الله تعالى الصحابة على الجهاد، وذلك عندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في غزوة تبوك بغزو الروم، وكان ذلك في زمن عسرة وفاقة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، مع شدة الحر وبعد السفر، فشق ذلك على بعضهم، فنزلت الآيات في الترغيب في الجهاد في سبيل الله، والتحذير من التثاقل عنه فاستجاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لأمر ربهم.
قال الطبري في تفسير قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ)) [التوبة:38]: (وهذه الآية حث من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسوله على غزو الروم، وذلك غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك).([659])
ولا شك أن هاتين الآيتين تضمنت نوع عتاب من الله عز وجل لبعض من ثقل عليهم الخروج في الجهاد، وهذا قطعاً لا يرد على عامة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين استجابوا لله ورسوله بالمسارعة في الخروج في سبيل الله، وهم غالب الصحابة وأكثرهم.
قال ابن كثير في تفسير الآية: (هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك).([660])
قلت: ومعلوم أنه لم يتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أحد من أصحابه من غير أهل الأعذار، إلا ثلاثة نفر كما دل على ذلك حديث كعب بن مالك المشهور في الصحيحين([661]) وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، ومع هذا فقد ثبت بنص كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أن الله تاب على الجميع، وأنزل في توبته على سائر الصحابة وحياً يتلى في كتابه وذلك في قوله تعالى: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة:117] * ((وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) [التوبة:118].
فتضمنت هذه الآيات إخبار الله تعالى عن توبته على المهاجرين والأنصار الذين اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، والتي تسمى غزوة العسرة فلم يتخلفوا عنه مع ما أصابهم فيها من الجهد والشدة والفقر، حتى جاء في بعض الروايات أن النفر منهم كانوا يتناولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها ثم يمصها هذا، ثم يشرب عليها حتى تأتي على آخرهم.([662])
كما تضمنت توبة الله على الثلاثة المخلفين([663]) الذين تأخروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة بعد هجر النبي صلى الله عليه وسلم لهم، وندمهم ندماً عظيماً حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت.
فلم يبق بعد ذلك عذر لأحد في النيل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أو غمزهم بشيء مما قد يقع منهم، بعد مغفرة الله لهم، وتوبته عليهم، وثنائه عليهم الثناء العظيم في كتابه، وتزكية الرسول صلى الله عليه وسلم لهم في سنته رضي الله عنهم أجمعين.
والرافضة يدركون هذا وإنما يحملهم حقدهم على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبغضهم لهم على تنقصهم وسبهم بغير حق، وغمط مناقبهم، وفضائلهم الثابتة في الكتاب والسنة، التي لا يجهلها أحد من الأمة.
ولهذا ذكر هذا الرافضي الآيات السابقة في حث الله عز وجل الصحابة على الجهاد في سبيل الله، مستدلاً بها على ذمهم وتنقصهم، وأغفل ما جاء في سياق هذه الآيات وبعدها مباشرة، وهو قوله تعالى: ((إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)) [التوبة:40] وذلك حجباً منه لما تضمنته الآية من إثبات تلك المنقبة العظيمة لأبي بكر، وهي صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، وكذلك تجاهله الآيات الأخرى في السورة نفسها، المشتملة على ثناء الله تعالى على الصحابة كقوله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100] وكالآيات المتقدمة في توبة الله تعالى عليهم، ومغفرته لهم، يحمله على ذلك ضغنه الكمين، وحقده الدفين على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فعليه من الله ما يستحق.
وأما قوله: (إن الصحابة اختلفوا واقتتلوا ونتج عن ذلك حروب دامية تسببت في انتكاس المسلمين).
فجوابه: أن اقتتال الصحابة إنما نشأ في عهد علي رضي الله عنه وقد كان علي طرفاً من أطرافه، فإذا كان لا يرد في ذلك ذم على علي رضي الله عنه وهو إمام المسلمين والمسئول عن سلامة الرعية، فمن باب أولى أن لا يذم بذلك غيره من الصحابة.
وقد تقدم الحديث عن أسباب الاختلاف بين الصحابة في الفتنة، وبيان وجهة كل فريق، وبراءتهم من كل ما يلصق بهم في ذلك، وأن عامة ما صدر منهم إنما كانوا مجتهدين فيه، ليس لأحد أن يذمهم بشيء منه، وإنما الإمساك عما شجر بينهم والترحم عليهم هو السبيل الأمثل، والمنهج الأقوم في حقهم، فرضي الله عنهم أجمعين.([664])
طعن الرافضي على الصحابة بقوله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ..) والرد عليه:-
قال المؤلف (ص117): (قال تعالى: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)) [الحديد:16].
وفي الدر المنثور لجلال الدين السيوطي قال: لما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأصابوا من لين العيش ما أصابوا، بعدما كان بهم من الجهد، فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه، فعوتبوا فنزلت: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا)) [الحديد:16]. وفي رواية أخرى أن الله سبحانه وتعالى استبطأ قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن فأنزل الله: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا)) [الحديد:16].
وإذا كان هؤلاء الصحابة وهم خيرة الناس على ما يقوله أهل السنة والجماعة، لم تخشع قلوبهم لذكر الله، وما نزل من الحق طيلة سبعة عشر عاماً، حتى استبطأهم الله وعاتبهم، وحذرهم من قسوة القلوب، التي تجرهم إلى الفسوق، فلا لوم على المتأخرين من سراة قريش الذين أسلموا في السنة الثامنة من الهجرة بعد فتح مكة. فهذه بعض الأمثلة التي أستعرضها من كتاب الله العزيز كافية للدلالة على أن الصحابة ليسوا كلهم عدولاً، كما يقول أهل السنة والجماعة...).
وجوابه: أن هذه الآية لا تدل بحال على ما ادعاه من زعمه أن قلوب الصحابة لم تخشع لذكر الله طيلة سبعة عشر عاماً، بل هذا من أقبح الكذب والافتراء على الله الذي لا تحتمله الآية، ويعرف هذا بمعرفة أقوال المفسرين في سبب نزولها وتفسيرها، فهذه الآية قد اختلف المفسرون في سبب نزولها.
فقيل: إنها نزلت في المنافقين، قال الكلبي ومقاتل: نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة، وذلك أنهم سألوا سلمان الفارسي ذات يوم فقالوا: حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب فنزلت: ((نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ)) [يوسف:3]، فأخبرهم أن القرآن أحسن قصصاً من غيره، فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء الله، ثم عادوا فسألوا سلمان عن مثل ذلك فنزل: ((اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً)) [الزمر:23]، فكفوا عن سؤاله ما شاء الله، ثم عادوا فقالوا: حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب فنزلت هذه الآية، فعلى هذا تأويل قوله: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ)) [الحديد:16] يعني في العلانية وباللسان.
وقال آخرون: نزلت في المؤمنين، قال عبد الله بن مسعود: [[ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ)) [الحديد:16] إلا أربع سنين]].([665])
وقيل: هي خطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد عليهم السلام لأنه قال عقيب هذا: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)) [النساء:152]، أي ألم يأن للذين آمنوا بالتوراة والإنجيل، أن تلين قلوبهم للقرآن، وألا يكونوا كمتقدمي قوم موسى وعيسى، إذ طال عليهم الأمد بينهم وبين نبيهم فقست قلوبهم.([666])
فهذه أقوال المفسرين في سبب نزول الآية، وعلى قول من قال: إنها نزلت في المنافقين أو في أهل الكتاب، فلا وجه لتنزيلها على الصحابة بحال.
وأما على القول بنزولها فيهم، فإنها لا مطعن فيها على الصحابة، لأن غاية ما في الآية هو حثهم على أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل عليهم من القرآن، وأن أوان ذلك قد حان، دون أن تتعرض الآية لذمهم أو تنقصهم.
قال الطبري في معنى الآية: (ألم يحن للذين صدقوا الله ورسوله أن تلين قلوبهم لذكر الله، فتخضع قلوبهم له، ولما نَزَل من الحق، وهو هذا القرآن الذي نزله على رسوله صلى الله عليه وسلم).([667])
وقال ابن كثير: (يقول تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي: تلين عند الذكر والموعظة، وسماع القرآن، فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه).([668])
وليس في الآية ما يدل على نفي أصل الخشوع من القلب، وهو الخشوع الواجب -كما ادعى هذا الرافضي الحاقد- بل وصف الله تعالى لهم بالإيمان في قوله: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا)) [الحديد:16] دليل على أن أصل الخشوع موجود، لكنه أراد أن ينقلهم إلى درجة أعلى منه، وذلك أن الخشوع منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فإن قيل فخشوع القلب لذكر الله وما نزل من الحق واجب، قيل: نعم، لكن الناس فيه على قسمين: مقتصد، وسابق، فالسابقون يختصون بالمستحبات، والمقتصدون الأبرار هم عموم المؤمنين المستحقين للجنة).([669])
وعلى هذا فالخطاب في الآية يكون في حق من لم يحقق تلك الدرجة العالية من الخشوع، دون من بلغها من الصحابة، يؤيد هذا ما نقله الشوكاني عن الزجاج في سبب نزول الآية حيث قال: (نزلت في طائفة من المؤمنين حثوا على الرقة والخشوع، فأما من وصفهم الله بالرقة والخشوع فطبقة فوق هؤلاء).([670])
وقد ثبتت هذه المنزلة العالية من الخشوع وكثرة البكاء لبعض الصحابة قبل نزول هذه الآية، ومن ذلك ما ثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه من رواية عائشة رضي الله عنها في قصة جوار ابن الدّغنّة لأبي بكر في بداية البعثة وفيها: [[... ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ فيتقصف([671]) عليه نساء المشركين وأبناؤهم، يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رضي الله عنه رجلاً بكّاءً لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين]].([672])
وهذه الحادثة في بداية البعثة وهي قبل نزول الآية قطعاً، فإن الآية في سورة الحديد، وسورة الحديد مدنية.
وأما زعمه أن نزول الآية في الحث على الخشوع كان بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن، فهذا إن جاء في بعض الروايات فهو معارض بما جاء في غيرها.
فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: [[إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن]].([673])
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه [[ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا..)) [الحديد:16] إلا أربع سنين]].([674])
ورواية ابن مسعود أصح من غيرها فإنها في صحيح مسلم، وهي دليل على أن عتاب الله لهم بالآية كان في بداية إسلامهم، خلافاً لما زعمه الرافضي أنه بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن.
وأما طعن الرافضي في الصحابة بزعمه أنه لم تخشع قلوب السابقين منهم فكيف بمن أتى بعدهم...!
فهذه دعوى باطلة، وفرية ظاهرة، يردها ما ثبت في سيرة الصحابة رضي الله عنهم من أخبار تدل على تحقيقهم أعلى مقامات الخشوع، وشدة خوفهم من الله، وكثرة بكائهم من خشيته، مما لا ينكره إلا مكابر أو جاهل.
فمن ذلك ما رواه الشيخان من حديث أنس رضي الله عنه قال: {خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، قال: فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم حنين...}.([675]) وفي رواية مسلم (خنين) والحنين هو: الصوت الذي يرتفع بالبكاء من الصدر، والخنين: من الأنف([676])، والمقصود شدة بكائهم من موعظة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية أخرى لمسلم: {فأكثر الناس البكاء، حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم}.([677])
وقد ثبت البكاء لبعض الصحابة، بل كان بعضهم معروفاً به مما يدل على شدة خوفهم من الله وخشيتهم له ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها في أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس: [[...فقلت: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل رقيق القلب إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه]].
وفي رواية: [[إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء]].([678])
وفي الحلية لأبي نعيم عن عبد الله بن عيسى قال: [[كان في وجه عمر خطان أسودان من البكاء]].([679])
وعن هشام بن الحسن قال: (كان عمر يمر بالآية في ورده فتخنقه فيبكي حتى يسقط).([680])
وعن عثمان رضي الله عنه [[أنه جاء إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته عائشة رضي الله عنها أنهم لم يطعموا طعاماً منذ أربعة أيام، قالت عائشة رضي الله عنها: فبكى عثمان ثم قال: مقتاً للدنيا، ثم أحضر لهم طعاماً كثيراً وصرة دراهم]].([681])
وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: [[أنه أتي بصحفة فيها خبز ولحم، فلما وضعت بكى، فقيل له: يا أبا محمد ما يبكيك؟ قال: هلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، ولا أرانا أخرنا لها لما هو خير منها]].([682])
وكان ابن عمر لا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم قط إلا بكى.([683])
وأخبارهم في ذلك تطول، وإنما ذكرت هنا أمثلة، للرد على ما افتراه هذا الرافضي في حق الصحابة، وزعمه عدم خشوعهم وخشيتهم، وبيان براءتهم من طعنه وقدحه بهذه الأمثلة الدالة على قوة إيمانهم وشدة خوفهم من الله تعالى، وحسبهم قبل ذلك وبعد تزكية الله ورسوله لهم، وما ثبت في الكتاب والسنة من فضائلهم ومناقبهم التي اختصهم الله بها على من بعدهم من الأمة، فرضي الله عنهم أجمعين، وأعلى درجاتهم في جنات النعيم.
فثبت بهذا الاستعراض لما ذكره المؤلف من آيات زاعماً أنها دلت على الطعن في الصحابة، ثم الوقوف على النصوص الأخرى، وأقوال أهل العلم المفسرة لهذه الآيات، والموضحة لمقصودها، والمبينة لأسباب نزولها: بطلان ما ادعاه الرافضي في حق الصحابة، وأن هذه الآيات لا تدل بحال على ذم الصحابة أو تنقصهم، وإنما يحمل الرافضة على تأويلها على غير مراد الله منها، وتحريفها عن مواضعها، ما امتلأت به قلوبهم من حقد وضغينة على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا مع ما عليه هؤلاء الرافضة من جهل عظيم بالشرع، ونقص كبير في العقول، وبلادة في الأفهام، مصحوب ذلك بهوى وظلم وكذب وافتراء.
ولذا ذكر شيخ الإسلام في وصفهم: (والقوم من أكذب الناس في النقليات، ومن أجهل الناس في العقليات، يصدقون من المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل، ويكذبون بالمعلوم من الاضطرار المتواتر أعظم تواتر في الأمة جيلاً بعد جيل).([684])
وفي ختام هذا المبحث المتعلق بالرد على المؤلف في ما يستدل به من آيات في الطعن على الصحابة اذكر بعض الأوجه العامة في الرد على استدلاله ببعض الآيات بعد ذكر الرد المفصل عليه عند كل آية.
فأقول مستعيناً بالله:
الوجه الأول: أن كل ما يستدل به المؤلف وغيره من الرافضة من آيات في الطعن على الصحابة لا يخلو من ثلاثة أقسام:
إما أن تكون آيات نزلت في الكفار والمنافقين، ينزلونها على الصحابة بجهل وظلم، لاحجة لهم فيها بوجه عند أهل العلم.
وإما أن تكون آيات عامة نزلت في حث الأمة على الخير، وأمرها به، أو تحذيرها من الشر ونهيها عنه، والخطاب فيها للصحابة ولمن بعدهم من الأمة، وهي مصدرة في الغالب: بـ(يا أيها الذين آمنوا) وذلك كقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)) [المائدة:54] وقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ)) [الأنفال:27] وقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ)) [المائدة:87] وقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)) [الأنفال:24]
وقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ)) [الحجرات:12] والأمثلة على هذا كثيرة جداً في القرآن، وليس فيها أي طعن على الصحابة.
وقد خاطب الله تعالى بمثل هذا رسوله صلى الله عليه وسلم كما في قوله: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)) [المائدة:67] وقوله: ((وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ)) [الزمر:65] وقوله: ((وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنْ الظَّالِمِينَ)) [البقرة:145] وقوله: ((فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ)) [الأحقاف:35] وقوله: ((وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ)) [المدثر:6] * ((وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ)) [المدثر:7]وغيرها من الآيات في معناها، فكما أن هذه الآيات بما تضمنته من الأوامر والنواهي من الله لرسوله، ليس فيها أي مطعن عليه، فكذلك ما ثبت من ذلك في حق الصحابة ليس فيه أي مطعن عليهم.
وأما القسم الثالث من الآيات فآيات تضمنت نوع عتاب من الله لبعض الصحابة، كما في قوله تعالى: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ)) [الحديد:16] وقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ)) [التوبة:38] وقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ)) [الممتحنة:1] فهذه الآيات وما في معناها ليس فيها كذلك مطعن على الصحابة، وإنما عاتب الله بها أفراداً منهم، بل ربما كان العتاب لفرد واحد منهم، كما في الآية الأخيرة، فإنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه([685]) ومن الخطأ تعميم ذلك على الصحابة كلهم، كما هو صنيع الرافضة، وأيضاً فإن الله تعالى خاطبهم فيها بوصف الإيمان الدال على تزكية الله لهم وثنائه عليهم، ولهذا أُطلق على هذه الآيات وأمثالها على أنها عتاب من الله للمؤمنين، كمافي أثر ابن مسعود المتقدم: [[ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا...)) [الحديد:16] إلا أربع سنين]].([686]) وكذلك قال ابن عباس: [[إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم]].([687])
والعتاب عرفه أهل اللغة بأنه: (مخاطبة الإدْلاَل وكلام المُدِلّيِن أَخِلاَّءَهم طالبين حسن مراجعتهم)([688]) ولهذا عاتب الله رسوله وخليله صلى الله عليه وسلم في أكثر من آية كما في قوله تعالى: ((عَبَسَ وَتَوَلَّى)) [عبس:1] * ((أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى)) [عبس:2] وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بعدها يكرم ابن أم مكتوم ويقول له إذا رآه: {مرحباً بمن عاتبني فيه ربي}([689]) وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [التحريم:1] وقال تعالى: ((وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ)) [الأحزاب:37].
إلى غير ذلك من الأمثلة في هذا الباب.
والمقصود هنا: هو التأكيد على أن كل ما ثبت في حق الصحابة من عتاب الله تعالى لهم، لا يوجب انتقاصهم به، إذا ما ثبت جنس ذلك في حق الرسول صلى الله عليه وسلم وهو بالمكانة المعروفة من ربه.
فثبت بهذا أنه لاحجة للرافضة فيما استدلوا به من آيات للطعن في الصحابة عند النظر والتدقيق، والبحث والتحقيق.
الوجه الثاني: أنا لو سلمنا جدلاً أن في تلك الآيات التي ذكر المؤلف ذماً لبعض الصحابة، فمن أين له الحكم على بعضهم أنهم هم المعنيون بها دون البعض الآخر، ممن تعتقد الرافضة عدالتهم من الصحابة، وعلى رأسهم علي رضي الله عنه، فإن هذا التعيين يحتاج إلى دليل، وإلا فلغيره أن يدعي ما يشاء، وينزل تلك الآيات على من شاء من الصحابة، كما لو احتج الخوارج بتلك الآيات على تكفير علي رضي الله عنه أو النواصب على تفسيقه، فلن يجد المؤلف ولا غيره من الرافضة حجة يدفعون بها عن علي رضي الله عنه إلا بقول أهل السنة واعتقاد عدالة الصحابة جميعاً.
الوجه الثالث: أن الله تعالى أثنى في كتابه على الصحابة أبلغ الثناء، وزكاهم أعظم تزكية، وأخبر أنه رضي الله عنهم ورضوا عنه، ووصفهم بالإيمان والتقوى، ووعدهم بالحسنى، كقوله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100].
وقوله: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:18].
وقوله: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29].
وقوله: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [الحديد:10].
فقد تضمنت هذه الآيات ثناء الله عز وجل العظيم على الصحابة ووصفه لهم بتلك الصفات الفاضلة الدالة على علو شأنهم في الدين، وسمو مكانتهم فيه، وإخباره بما أعد لهم في الآخرة من الأجر والثواب والمغفرة والرضوان، والخلود في جنات تجري من تحتها الأنهار، مما يدل دلالة واضحة على بطلان ما ادعاه الرافضي من أن بعض الآيات جاءت بذمهم وتنقصهم، وذلك أنه كتاب محكم لا يناقض بعضه بعضاً كما قال تعالى: ((وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)) [النساء:82].
ولو افترض وجود بعض الآيات تدل بظاهرها على ما ادعى الرافضي، فالواجب حملها على هذه الآيات الصريحة القاطعة بعدالة الصحابة جميعاً، فكيف والنصوص كلها من الكتاب والسنة بعدالتهم متواترة، وبإيمانهم قاطعة.
الوجه الرابع: أن الله تعالى أثنى على المستغفرين لهم السائلين الله تعالى أن لا يجعل في قلوبهم غلاً لهم، فقال بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10] فكيف يتصور بعد هذا أن يذمهم الله تعالى في آيات أخرى بما يوجب تنقصهم وبغضهم، فإن هذا من أبعد ما يكون عند أصحاب العقول، أن يتضمن مثل ذلك كتاب الله المحكم المنزه عن الاختلاف والاضطراب.
الوجه الخامس: أن الله تعالى جعل أصحاب نبيه غيظاً للكفار فقال: ((لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ)) [الفتح:29] فمن المحال بعد ذلك أن يجعل للكفار حجة عليهم بذمهم في كتابه، وقد قال الله تعالى: ((وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)) [النساء:141].
وبهذا يظهر زيف دعوى الرافضي في أن القرآن قد جاء بذم الصحابة.
فلله الحمد والمنة.
طعن الرافضي على الصحابة بحديث الحوض والرد عليه:-
قال الرافضي (ص119) تحت عنوان: (رأي الرسول صلى الله عليه وسلم في الصحابة):
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {بينما أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أرى يخلص منهم إلا مثل همل النعم}.
وقال صلى الله عليه وسلم: {إني فرطكم على الحوض من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غير بعدي}.
فالمتمعن في هذه الآحاديث العديدة التي أخرجها علماء أهل السنة في صحاحهم ومسانيدهم، لا يتطرق إليه الشك في أن أكثر الصحابة قد بدلوا وغيروا، بل ارتدوا على أدبارهم بعده صلى الله عليه وسلم، إلا القليل الذي عبر عنه بهمل النعم، ولا يمكن بأي حال من الأحوال حمل هذه الأحاديث على القسم الثالث: وهم المنافقون لأن النص يقول: فأقول أصحابي، ولأن المنافقين لم يبدلوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فأصبح المنافق بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً).
والجواب: (أن هذين الحديثين اللذين ذكرهما صحيحان أخرجهما البخاري في صحيحه([690])، وأخرج مسلم الثاني منهما([691])، وللحديثين روايات أخرى أخرجهما الشيخان وغيرهما من الأئمة في كتب السنة، ولا حجة في هذه الأحاديث -بحمد الله- على ما زعم هذا الرافضي من القول بردة الصحابة إلا القليل منهم، كما هو معتقد سلفه من الرافضة أخزاهم الله. وذلك أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مما لا يقبل النزاع في عدالتهم أو التشكيك في إيمانهم بعد تعديل العليم الخبير لهم في كتابه، وتزكية رسوله صلى الله عليه وسلم لهم في سنته، وثناء الله ورسوله عليهم أجمل الثناء، ووصفهم بأحسن الصفات، مما هو معلوم ومتواتر من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على ما تقدم نقل بعض النصوص في ذلك.([692])
ولهذا اتفق شراح الحديث من أهل السنة، على أن الصحابة غير معنيين بهذه الأحاديث، وأنها لا توجب قدحاً فيهم.
قال ابن قتيبة في معرض رده على الرافضة في استدلالهم بالحديث على ردة الصحابة: (فكيف يجوز أن يرضى الله عز وجل عن أقوام ويحمدهم، ويضرب لهم مثلاً في التوراة والإنجيل، وهو يعلم أنهم يرتدون على أعقابهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يقولوا: إنه لم يعلم وهذا هو شر الكافرين).([693])
وقال الخطابي: (لم يرتد من الصحابة أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة العرب، ممن لانصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحاً في الصحابة المشهورين، ويدل قوله: (أصيحابي) على قلة عددهم).([694])
وقال الدهلوي: (إنا لا نسلم أن المراد بالأصحاب ما هو المعلوم في عرفنا، بل المراد بهم مطلق المؤمنين به صلى الله عليه وسلم المتبعين له، وهذا كما يقال لمقلدي أبي حنيفة أصحاب أبي حنيفة، ولمقلدي الشافعي أصحاب الشافعي، وهكذا وإن لم يكن هناك رؤية واجتماع، وكذا يقول الرجل للماضين الموافقين له في المذهب: أصحابنا، مع أنه بينه وبينهم عدة من السنين، ومعرفته صلى الله عليه وسلم لهم مع عدم رؤيتهم في الدنيا بسبب أمارات تلوح عليهم...
إلى أن قال: ولو سلمنا أن المراد بهم ما هو المعلوم في العرف، فهم الذين ارتدوا من الأعراب على عهد الصديق، وقوله: (أصحابي أصحابي)، لظن أنهم لم يرتدوا كما يُؤْذِن به ما قيل في جوابه: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).
فإن قلت: إن (رجالاً) في الحديث كما يحتمل أن يراد منه من ذكرت من مرتدي الأعراب، يحتمل أن يراد ما زعمته الشيعة أجيب: إن ما ورد في حقهم من الآيات والآحاديث وأقوال الأئمة مانع من إرادة ما زعمته الشيعة).([695])
ثم ساق الآيات والأحاديث في فضل الصحابة.
وإذا ثبت هذا فاعلم أيها القارئ: أن العلماء قد اختلفوا في أولئك المذادين عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الأحاديث- بعد اتفاقهم أن الصحابة رضي الله عنهم غير مرادين بذلك.
قال النووي في شرح بعض روايات الحديث عند قوله صلى الله عليه وسلم: (هل تدري ما أحدثوا بعدك): (هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال:
أحدها: أن المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل، فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم للسيما التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء مما وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك: أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.
والثاني: أن المراد من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد بعده فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان يعرفه صلى الله عليه وسلم في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك.
والثالث: أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، وعلى هذا لا يقطع لهؤلاء الذين يذادون بالنار، يجوز أن يذادوا عقوبة لهم، ثم يرحمهم الله سبحانه وتعالى فيدخلهم الجنة بغير عذاب).([696])
ونقل هذه الأقوال، أو قريباً منها، القرطبي، وابن حجر رحمهما الله تعالى.([697])
قلت: ولا يمتنع أن يكون أولئك المذادون عن الحوض هم من مجموع تلك الأصناف المذكورة، فإن الروايات محتملة لكل هذا، ففي بعضها يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {فأقول: أصحابي} أو (أصيحابي -بالتصغير-)، وفي بعضها يقول: {سيؤخذ أناس من دوني فأقول: ياربي! مني ومن أمتي} وفي بعضها يقول: {ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني}([698])، وظاهر ذلك أن المذادين ليسوا طائفة واحدة.
وهذا هو الذي تقتضيه الحكمة، فإن العقوبات في الشرع تكون بحسب الذنوب، فيجتمع في العقوبة الواحدة كل من استوجبها من أصحاب ذلك الذنب.
كما روي عن طائفة من الصحابة منهم عمر وابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: ((احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ)) [الصافات:22]: قالوا: [[أشباههم يجئ أصحاب الزنا مع أصحاب الزنا، وأصحاب الربا مع أصحاب الربا، وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر]]([699])، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بين أن سبب الذود عن الحوض هو الارتداد، كما في قوله: {إنهم ارتدوا على أدبارهم} أو الإحداث في الدين، كما في قوله: {إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك}([700])، فمقتضى ذلك هو أن يُذاد عن الحوض كل مرتد عن الدين سواء أكان ممن ارتد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم من الأعراب، أو من كان بعد ذلك، يشاركهم في هذا أهل الإحداث وهم المبتدعة.
وهذا هو ظاهر قول بعض أهل العلم.
قال ابن عبد البر: (كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض، كالخوارج، والروافض، وسائر أصحاب الأهواء، قال: وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق، والمعلنون بالكبائر، قال: وكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر والله أعلم).([701])
وقال القرطبي في التذكرة: (قال علماؤنا -رحمة الله عليهم أجمعين-: فكل من ارتد عن دين الله، أو أحدث فيه ما لا يرضاه، ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه، وأشدهم طرداً من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها فهؤلاء كلهم مبدلون).([702])
وإذا ما تقرر هذا ظهرت براءة الصحابة من كل ما يرميهم به الرافضة فالذود عن الحوض إنما هو بسبب الردة أو الإحداث في الدين، والصحابة من أبعد الناس عن ذلك، بل هم أعداء المرتدين الذين قاتلوهم وحاربوهم في أصعب الظروف وأحرجها بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم على ما روى الطبري في تاريخه بسنده عن عروة بن الزبير عن أبيه قال: [[قد ارتدت العرب إما عامة وإما خاصة في كل قبيلة، ونجم النفاق، واشرأبت اليهود والنصارى والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية، لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم وقلتهم وكثرة عدوهم]].([703])
ومع هذا تصدى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء المرتدين وقاتلوهم قتالاً عظيماً وناجزوهم حتى أظهرهم الله عليهم فعاد للدين من أهل الردة من عاد، وقتل منهم من قتل، وعاد للإسلام عزه وقوته وهيبته على أيدي الصحابة رضي الله عنهم وجزاهم عن الإسلام خير الجزاء.
وكذلك أهل البدع كان الصحابة -رضوان الله عليهم- أشد الناس إنكاراً عليهم، ولهذا لم تشتد البدع وتقوى إلا بعد انقضاء عصرهم، ولما ظهرت بعض بوادر البدع في عصرهم أنكروها وتبرءوا منها ومن أهلها.
فعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال لمن أخبره عن مقالة القدرية: [[إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أن ابن عمر منهم بريء، وهم منه برآء ثلاث مرات]].([704])
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: [[ما في الأرض قوم أبغض إليّ من أن يجيئوني فيخاصموني من القدرية في القدر]].([705])
ويقول البغوي ناقلاً إجماع الصحابة وسائر السلف على معاداة أهل البدع: (وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنن على هذا، مجمعين متفقين على معاداة أهل البدع ومهاجرتهم).([706])
وهذه المواقف العظيمة للصحابة من أهل الردة وأهل البدع، من أكبر الشواهد الظاهرة على صدق تدينهم، وقوة إيمانهم، وحسن بلائهم في الدين، وجهادهم أعداءه بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أقام الله بهم السنة، وقمع البدع، الأمر الذي يظهر به كذب الرافضة في رميهم لهم بالردة والإحداث في الدين، والذود عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم. بل هم أولى الناس بحوض نبيهم؛ لحسن صحبتهم له في حياته، وقيامهم بأمر الدين بعد وفاته.
ولا يشكل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: {ليردن عليّ ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني}([707]) فهؤلاء هم من مات النبي صلى الله عليه وسلم وهم على دينه، ثم ارتدوا بعد ذلك، كما ارتدت كثير من قبائل العرب بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء في علم النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه، لأنه مات وهم على دينه، ثم ارتدوا بعد وفاته ولذا يقال له: {إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك}، وفي بعض الروايات: {إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى}([708]) فظاهر أن هذا في حق المرتدين بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم. وأين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين قاموا بأمر الدين بعد نبيهم خير قيام، فقاتلوا المرتدين، وجاهدوا الكفار والمنافقين، وفتحوا بذلك الأمصار، حتى عم دين الله كثيراً من الأمصار، من أولئك المنقلبين على أدبارهم.
وهؤلاء المرتدون لا يدخلون عند أهل السنة في الصحابة، ولا يشملهم مصطلح (الصحبة) إذا ما أطلق. فالصحابي كما عرفه العلماء المحققون: (من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام).([709])
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: {فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم}([710])
واحتجاج الرافضي به على تكفير الصحابة إلا القليل منهم فلا حجة له فيه، لأن الضمير في قوله (منهم) إنما يرجع على أولئك القوم الذين يدنون من الحوض ثم يذادون عنه، فلا يخلص منهم إليه إلا القليل وهذا ظاهر من سياق الحديث فإن نصه: {بينما أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلَمّ، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله! قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله! قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل هَمَل النعم}.([711])
فليس في الحديث للصحابة ذكر وإنما ذكر زمراً من الرجال يذادون من دون الحوض، ثم لا يصل إليه منهم إلا القليل.
قال ابن حجر في شرح الحديث عند قوله: {فلا أراه يخلص منهم إلا مثل هَمَل النعم} (يعني: من هؤلاء الذين دنوا من الحوض وكادوا يردونه فصدوا عنه... والمعنى: لا يرده منهم إلا القليل؛ لأن الهَمَل في الإبل قليل بالنسبة لغيره).([712])
وبهذا يظهر كذب الرافضي وتلبيسه، وبراءة الصحابة من طعنه وتجريحه، على أن أحاديث الحوض في الجملة لو استقام للرافضي الاحتجاج بها على ردة بعض الصحابة -مع أن ذلك لا يستقيم بما تقدم ذكره- فأين الدليل على تعيين المرتدين المحدثين منهم الذين تعتقد الرافضة ردتهم من الصحابة؟! فإن هذا يحتاج إلى دليل، ولو احتج الخوارج الذين يكفرون علياً رضي الله عنه بهذه الآحاديث على ردة علي رضي الله عنه -حاشاه ذلك- ما استطاع الرافضة الذب عنه، بل لو قال الخارجي: الواقع يشهد بصحة ما أعتقد، فإن الحروب والفتن وتفرق المسلمين وسفك دمائهم إنما كان في عهده دون من سبقه من الخلفاء، لانقطع الرافضي في الخصومة، وهذا لا يعني صحة قول الخارجي ولا قوة حجته بل قوله فاسد، معلوم فساده بالاضطرار من دين المسلمين بما تواتر من الأدلة القاطعة بعدالة الصحابة وتزكية الله ورسوله لهم، وبما اشتهر من الأدلة الخاصة في فضل علي رضي الله عنه، لكن الرافضة بفساد عقولهم وضعف أفهامهم لما قدحوا في كل الأصول الدالة على عدالة الصحابة جميعاً، لا يستطيعون بعدها أن يقيموا حجة واحدة على عدالة علي، إلا ألزمهم الخوارج بمثل قولهم في أبي بكر، وعمر، وعثمان، وهذا أصل عظيم في الرد على الرافضة ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: (وهكذا أمر أهل السنة مع الرافضة في أبي بكر، وعلي، فإن الرافضي لا يمكنه أن يثبت إيمان علي وعدالته وأنه من أهل الجنة، فضلاً عن إمامته إن لم يثبت ذلك لأبي بكر، وعمر، وعثمان، وإلا فمتى أراد إثبات ذلك لعلي وحده لم تساعده الأدلة، كما أن النصراني إذا أراد إثبات نبوة المسيح دون محمد لم تساعده الأدلة. فإذا قالت له الخوارج الذين يكفرون علياً، أو النواصب الذين يفسقونه: إنه كان ظالماً طالباً للدنيا، وإنه طلب الخلافة لنفسه وقاتل عليها بالسيف، وقتل على ذلك ألوفاً من المسلمين حتى عجز عن انفراده بالأمر، وتفرق عليه أصحابه وظهروا عليه فقاتلوه، فهذا الكلام وإن كان فاسداً ففساد كلام الرافضي في أبي بكر، وعمر أعظم، وإن كان ما قاله في أبي بكر، وعمر، متوجهاً مقبولاً فهذا أولى بالتوجه والقبول...).([713])
وبهذا يظهر الحق في هذه المسألة وزيف ما ادعاه الرافضي.
فلله الحمد والمنة.
رمي الرافضي الصحابة بتغيير سنة النبي صلى الله عليه وسلم والرد عليه
قال الرافضي (ص127) تحت عنوان: (رأي الصحابة بعضهم في بعض، وشهادتهم على أنفسهم بتغيير سنة النبي صلى الله عليه وسلم).
ثم أورد أثراً عن أبي سعيد الخدري قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثاً قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف، قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجبذت بثوبه فجبذني، فارتفع فخطب قبل أن يصلي، فقلت له: غيرتم والله! فقال: أبا سعيد! قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة}.([714])
قال بعده: (وقد بحثت كثيراً عن الدوافع التي جعلت هؤلاء الصحابة يغيرون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واكتشفت أن الأمويين وأغلبهم من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان (كاتب الوحي) كما يسمونه، كان يحمل الناس ويجبرهم على سب علي بن أبي طالب ولعنه من فوق منابر المساجد، كما ذكر ذلك المؤرخون، وقد أخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل علي بن أبي طالب مثل ذلك، وأمر معاوية عماله في كل الأمصار باتخاذ ذلك اللعن سنة يقولها الخطباء على المنابر...).
قلت: استدلال المؤلف بأثر أبي سعيد الخدري رضي الله عنه على ما زعمه من تغيير الصحابة للسنة من أعجب العجب، فليس فيه ما يدل على زعمه، بل فيه دلالة على قيام الصحابة بأمر السنة، وإنكارهم على من خالفها، وهذا يتمثل في إنكار الصحابي الجليل أبي سعيد الخدري رضي الله عنه على مروان في تقديمه الخطبة على صلاة العيد.
ولعل المؤلف ظن أن مروان بن الحكم من الصحابة، بل هو الظاهر من كلامه، لقوله بعد القصة: (وقد بحثت كثيراً عن الدوافع التي جعلت هؤلاء الصحابة يغيرون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فيكون هذا من جملة جهالاته التي سبق التنبيه على أمثلة كثيرة منها.([715])
والصحيح أن مروان لا تثبت له صحبة، فقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير ابن ثمان سنين، وقد كان في الطائف مع أبيه، بعد نفي النبي صلى الله عليه وسلم له.([716])
قال ابن الأثير: (لم ير النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خرج إلى الطائف طفلاً لا يعقل لما نفى النبي صلى الله عليه وسلم أباه الحكم).([717])
وعده الذهبي في السير من كبار التابعين.([718])
وقال ابن حجر: (لم أر من جزم بصحبته).([719])
وعلى هذا فلا يُحَمّل الصحابة فعل مروان، فكيف وقد أنكره من حضره من الصحابة وهو أبو سعيد الخدري رضي الله عنه.
على أن تقديم مروان للخطبة على صلاة العيد، وإن كان خطأً إلا أن العلماء ذكروا أنه إنما فعله مجتهداً.
قال ابن حجر في شرح الحديث بعد قول مروان: [[إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة]]: (وهذا يشعر بأن مروان فعل ذلك باجتهاد منه).([720])
ونقل عن ابن المنير أنه قال: (حمل أبو سعيد فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك على التعيين، وحمله مروان على الأولوية، واعتذر عن ترك الأولى بما ذكره من تغير حال الناس، فرأى أن المحافظة على أصل السنة- وهو سماع الخطبة- أولى من المحافظة على هيئة فيها ليست من شرطها).([721])
وأما قول المؤلف: إن الأمويين وأغلبهم من الصحابة، وعلى رأسهم معاوية كان يحمل الناس ويجبرهم على سب علي ولعنه من فوق منابر المساجد، فكلامه هذا يتضمن أمرين:
الأول: قوله إن الأمويين أغلبهم من الصحابة، فإن كان يعني من تولى الخلافة من بني أمية في عهد الدولة الأموية -وهو الظاهر- فمن من خلفاء بني أمية من الصحابة غير معاوية حتى يقال: -إن أغلبهم من الصحابة؟ وهذا باستثناء عثمان رضي الله عنه، فإن خلافته كانت في عهد الخلفاء الراشدين كما هو معلوم، وأنا لا أعلم هل هذا من تلبيس المؤلف على العوام وأهل الجهل، أم أنه الجهل المفرط؟!
الثاني: قوله: إن معاوية كان يحمل الناس على سب علي ولعنه فوق منابر المساجد، وهذه دعوى تحتاج إلى دليل، وهي مفتقرة إلى صحة النقل. والمؤلف لم يوثق كلامه هذا، وإنما اكتفى بقوله: (كما ذكر ذلك المؤرخون) ولم يحل على أي مصدر لذلك، ومعلوم وزن مثل هذه الدعوى عند المحققين والباحثين، فكيف بها وقد صدرت من رافضي حاقد.
ومعاوية رضي الله عنه منزه عن مثل هذه التهم، بما ثبت من فضله في الدين، فقد كان كاتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم([722]) وثبت في سنن الترمذي بسند صحيح من حديث عبد الرحمن بن عميرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاوية: {اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به}.([723])
وكان محمود السيرة في الأمة، أثنى عليه بعض الصحابة وامتدحه خيار التابعين، وشهدوا له بالدين والعلم، والعدل والحلم، وسائر خصال الخير.
فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لما ولاّه الشام: [[لا تذكروا معاوية إلا بخير]].([724])
وعن علي رضي الله عنه أنه قال بعد رجوعه من صفين: [[أيها الناس لاتكرهوا إمارة معاوية، فإنكم لو فقدتموه رأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها كأنها الحنظل]].([725])
وعن ابن عمر أنه قال: [[ما رأيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسود([726]) من معاوية فقيل: ولا أبوك؟ قال: أبي عمر رحمه الله خير من معاوية، وكان معاوية أسود منه]].([727])
وعن ابن عباس قال: [[ما رأيت رجلاً كان أخلق بالملك من معاوية]].([728])
وفي صحيح البخاري أنه قيل لابن عباس: [[هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة قال: إنه فقيه]].([729])
وعن عبد الله بن الزبير أنه قال: [[لله در ابن هند -يعني معاوية - إنا كنا لنفرقه([730]) وما الليث على براثنه بأجرأ منه، فيتفارق لنا، وإن كنا لنخدعه وما ابن ليلة من أهل الأرض بأدهى منه فيتخادع لنا، والله لوددت أنا مُتّعنا به ما دام في هذا الجبل حجر، وأشار إلى أبي قبيس]].([731])
وعن قتادة قال: [[لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم هذا المهدي]].([732])
وعن مجاهد أنه قال: [[لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي]].([733])
وعن الزهري قال: (عمل معاوية بسيرة عمر بن الخطاب سنين لا يخرم منها شيئاً).([734])
وعن الأعمش أنه ذكر عنده عمر بن عبد العزيز وعدله فقال: (فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: يا أبا محمد! يعني في حلمه؟ قال: لا والله، ألا بل في عدله).([735])
وسئل المعافى: معاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: (كان معاوية أفضل من ستمائة مثل عمر بن عبد العزيز).([736])
والآثار عن السلف في ذلك كثيرة، وإنما سقت هنا بعضها.
كما أثنى على معاوية رضي الله عنه العلماء المحققون في السير والتاريخ، ونقاد الرجال.
يقول ابن قدامة المقدسي: (ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، وأحد خلفاء المسلمين رضي الله تعالى عنهم).([737])
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك، كان ملكه ملكاً ورحمة).([738])
وقال: (فلم يكن من ملوك المسلمين خير من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيراً منهم في زمان معاوية).([739])
وقال ابن كثير في ترجمة معاوية رضي الله عنه: (وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين... فلم يزل مستقلاً بالأمر في هذه المدة إلى هذه السنة التي كانت فيها وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية، والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل، وصفح وعفو).([740])
وقال ابن أبي العز الحنفي: (وأول ملوك المسلمين معاوية، وهو خير ملوك المسلمين).([741])
وقال الذهبي في ترجمته: (أمير المؤمنين ملك الإسلام).([742])
وقال: (ومعاوية من خيار الملوك، الذين غلب عدلهم على ظلمهم).([743])
وإذا ثبت هذا في حق معاوية رضي الله عنه فإنه من أبعد المحال على من كانت هذه سيرته، أن يحمل الناس على لعن علي رضي الله عنه على المنابر، وهو من هو في الفضل، وهذا يعني أن أولئك السلف، وأهل العلم من بعدهم الذين أثنوا عليه ذلك الثناء البالغ، قد مالؤوه على الظلم والبغي، واتفقوا على الضلال، وهذا مما نزهت الأمة عنه بنص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم {إن أمتي لا تجتمع على ضلالة}.([744])
ومن علم سيرة معاوية رضي الله عنه في الملك، وما اشتهر به من الحلم والصفح، وحسن السياسة للرعية، ظهرله أن ذلك من أكبر الكذب عليه.
فقد بلغ معاوية رضي الله عنه في الحلم مضرب الأمثال، وقدوة الأجيال قال عبد الملك بن مروان وقد ذكر عنده معاوية: [[ما رأيت مثله في حلمه واحتماله وكرمه]].([745])
وقال قبيصة بن جابر: (ما رأيت أحداً أعظم حلماً، ولا أكثر سؤدداً، ولا أبعد أناة، ولا ألين مخرجاً، ولا أرحب باعاً بالمعروف من معاوية).([746])
ونقل ابن كثير: (أن رجلاً أسمع معاوية كلاماً سيئاً شديداً، فقيل له: لو سطوت عليه؟ فقال: إني لأستحيي من الله أن يضيق حلمي عن ذنب أحد من رعيتي).([747])
وقال رجل لمعاوية: [[ما رأيت أنذل منك، فقال معاوية: بلى من واجه الرجال بمثل هذا]].([748])
فهل يعقل بعد هذا أن يسع حلم معاوية رضي الله عنه سفهاء الناس وعامتهم المجاهرين له بالسب والشتائم، وهو أمير المؤمنين، ثم يأمر بعد ذلك بلعن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب على المنابر، ويأمر ولاته بذلك في سائر الأمصار والبلدان؟! الحكم في هذا لكل صاحب عقل وفهم.
وأما ما استدل به الرافضي على تلك الفرية بما عزاه إلى صحيح مسلم فليس فيه ما يدل على زعمه، وهو بهذا إنما يشير إلى حديث عامر بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه قال: [[أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إليّ من حمر النعم...]]([749]) الحديث.
قال النووي: (قول معاوية هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعداً بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب. كأنه يقول: هل امتنعت تورعاً، أو خوفاً، أو غير ذلك، فإن كان تورعاً وإجلالاً له عن السب فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر، ولعل سعداً قد كان في طائفة يسبون فلم يسب معهم، وعجز عن الإنكار، أو أنكر عليهم، فسأله هذا السؤال. قالوا: ويحتمل تأويلاً آخر أن معناه: ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده، وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا، وأنه أخطأ).([750])
وقال القرطبي معلقاً على وصف ضرار الصُّدَائي لعلي رضي الله عنه وثنائه عليه بحضور معاوية، وبكاء معاوية من ذلك، وتصديقه لضرار فيما قال([751]): (وهذا الحديث يدل على معرفة معاوية بفضل علي رضي الله عنه ومنزلته، وعظيم حقه، ومكانته، وعند ذلك يبعد على معاوية أن يصرح بلعنه وسبّه، لما كان معاوية موصوفاً به من العقل والدين، والحلم وكرم الأخلاق وما يروى عنه من ذلك فأكثره كذب لا يصح، وأصح ما فيها قوله لسعد بن أبي وقاص: [[ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟]] وهذا ليس بتصريح بالسب، وإنما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج ما عنده من ذلك، أو من نقيضه، كما قد ظهر من جوابه، ولما سمع ذلك معاوية سكت وأذعن، وعرف الحق لمستحقه).([752])
والذي يظهر لي في هذا والله أعلم: أن معاوية إنما قال ذلك على سبيل المداعبة لسعد، وأراد من ذلك استظهار بعض فضائل علي رضي الله عنه فإن معاوية رضي الله عنه كان رجلاً فطناً ذكياً، يحب مطارحة الرجال واستخراج ما عندهم، فأراد أن يعرف ما عند سعد في علي رضي الله عنهما، فألقى سؤاله بهذا الأسلوب المثير. وهذا مثل قوله رضي الله عنه لابن عباس: [[أنت على ملة علي؟ فقال له ابن عباس: ولا على ملة عثمان، أنا على ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم]].([753]) فظاهر أن قول معاوية هنا لابن عباس جاء على سبيل المداعبة، فكذلك قوله لسعد هو من هذا الباب، وأما ما ادعى الرافضي من الأمر بالسب فحاشا معاوية رضي الله عنه أن يصدر منه مثل ذلك، والمانع من هذا عدة أمور:
الأول: أن معاوية نفسه ما كان يسب علياً رضي الله عنه كما تقدم حتى يأمر غيره بسبه، بل كان معظماً له، معترفاً له بالفضل والسبق إلى الإسلام، كما دلت على ذلك أقواله الثابتة عنه.
قال ابن كثير: (وقد ورد من غير وجه: أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: هل تنازع علياً أم أنت مثله؟ فقال: والله إني لأعلم أنه خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني...).([754]) الخبر.
ونقل ابن كثير أيضاً عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة قال: [[لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك! إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل، والفقه، والعلم]].([755])
فهل يسوغ في عقل ودين أن يسب معاوية علياً بل ويحمل الناس على سبه وهو يعتقد فيه هذا!!.
الثاني: أنه لا يعرف بنقل صحيح أن معاوية رضي الله عنه تعرض لعلي رضي الله عنه بسب أو شتم أثناء حربه له في حياته، فهل من المعقول أن يسبه بعد انتهاء حربه معه ووفاته، فهذا من أبعد ما يكون عند أهل العقول، وأبعد منه أن يحمل الناس على سبه وشتمه.
الثالث: أن معاوية رضي الله عنه كان رجلاً ذكياً، مشهوراً بالعقل والدهاء، فلو أراد حمل الناس على سب علي -حاشاه ذلك- أفكان يطلب ذلك من مثل سعد بن أبي وقاص، وهو من هو في الفضل والورع، مع عدم دخوله في الفتنة أصلاً!! فهذا لا يفعله أقل الناس عقلاً وتدبيراً، فكيف بمعاوية؟!
الرابع: أن معاوية رضي الله عنه انفرد بالخلافة بعد تنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما له، واجتمعت عليه الكلمة والقلوب، ودانت له الأمصار بالملك، فأي نفع له في سب علي؟! بل الحكمة، وحسن السياسة تقتضي عدم ذلك، لما فيه من تهدئه النفوس، وتسكين الأمور، ومثل هذا لا يخفى على معاوية رضي الله عنه الذي شهدت له الأمة بحسن السياسة والتدبير.
الخامس: أنه كان بين معاوية رضي الله عنه بعد استقلاله بالخلافة وأبناء علي من الأُلفة والتقارب، ما هو مشهور في كتب السير والتاريخ. ومن ذلك: (أن الحسن والحسين وفدا على معاوية فأجازهما بمائتي ألف. وقال لهما: ما أجاز بهما أحد قبلي، فقال له الحسين: ولم تعط أحداً أفضل منا).([756])
ودخل مرة الحسن على معاوية فقال له: (مرحباً وأهلاً بابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر له بثلاثمائة ألف).([757])
وهذا مما يقطع بكذب ما ادعى الرافضي في حق معاوية، من حمله الناس على سب علي، إذ كيف يحصل هذا مع ما بينه وبين أولاده من هذه الألفة والمودة، والاحتفاء والتكريم.
وبهذا يظهر الحق في هذه المسألة، وتتجلى الحقيقة.
فلله الحمد على نعمه وتوفيقه.
زعم الرافضي أن الصحابة غيروا حتى في الصلاة والرد عليه:-
قال الرافضي (ص130) تحت عنوان: (الصحابة غيروا حتى في الصلاة).
(قال أنس بن مالك: [[ما عرفت شيئاً مما كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مثل الصلاة، قال: أليس ضيعتم ما ضيعتم فيها؟]].
وقال الزهري: [[دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي. فقلت: ما يبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئاً مما أدركت إلا هذه الصلاة، وقد ضيعت]].
وحتى لا يتوهم أحد أن التابعين هم الذين غيروا ما غيروا بعد تلك الفتن والحروب، أود أن أذكّر بأن أول من غير سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في الصلاة، هو خليفة المسلمين عثمان بن عفان، وكذلك أم المؤمنين عائشة. فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما: {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بمنى ركعتين، وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر وعثمان صدراً من خلافته ثم إن عثمان صلى بعد أربعاً}.
كما أخرج مسلم في صحيحه قال الزهري: [[قلت لعروة: ما بال عائشة تتم الصلاة في السفر؟ قال: إنها تأولت كما تأول عثمان...]].
والرد عليه:
أن هذين الأثرين اللذين ذكرهما ثابتان عن أنس رضي الله عنه، وقد أخرجهما البخاري في صحيحه([758]) وليس فيهما أي مطعن على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما زعم الرافضي، وذلك أن أنساً إنما قال ذلك إنكاراً على الحجاج بن يوسف الذي كان والياً على العراق لبني أمية، وكان يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها -كما كان على ذلك بعض أمراء بني أمية-([759]) فأنكر ذلك أنس رضي الله عنه عندما كان مقيماً بالعراق على ما روى ثابت البناني قال: [[كنا مع أنس بن مالك فأخر الحجاج الصلاة، فقام أنس يريد أن يكلمه فنهاه إخوانه شفقة عليه منه، فخرج فركب دابته فقال في مسيره ذلك: والله ما أعرف شيئاً مما كنا عليه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم...]]([760]) إلخ كلامه.
ثم إن أنساً بعد ذلك ذهب إلى دمشق وتكلم بالأثر الثاني الذي رواه عنه الزهري بعد قدومه إلى دمشق.
قال ابن حجر: (كان قدوم أنس دمشق في إمارة الحجاج على العراق، قدمها شاكياً من الحجاج للخليفة، وهو إذ ذاك الوليد بن عبد الملك).([761])
فتبين أن قول أنس رضي الله عنه هو وصف لحال ذلك الزمان الذي أدركه في آخر حياته، وما رأى فيه من التغيير، وتأخير الصلوات عن وقتها، من قبل بعض الأمراء في عهد الدولة الأموية. وأنس رضي الله عنه كان من المعمرين ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث دعا له بطول العمر، فعن أنس قال: {قالت أم سليم: خويدمك ألا تدعو له؟ فقال: اللهم أكثر ماله وولده، وأطل حياته، واغفر له، فدعا لي بثلاث: فدفنت مائة وثلاثة، وإن ثمرتي لتطعم في السنة مرتين، وطالت حياتي حتى استحييت من الناس وأرجو المغفرة}.([762])
ووفاة أنس رضي الله عنه كانت سنة ثلاث وتسعين([763])، وكان قدومه إلى دمشق قبل وفاته بسنة في سنة اثنتين وتسعين.
قال ابن كثير روى عبد الرزاق بن عمر عن إسماعيل قال: (قدم أنس على الوليد في سنة اثنتين وتسعين).([764])
ومعلوم أنه في ذلك الوقت لم يكن بقي فيه من الصحابة إلا القليل، بل ذهب بعض العلماء إلى أن أنس بن مالك هو آخر من مات من الصحابة، ثم أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي رضي الله عنهما.([765])
وعلى هذا فأي لوم على الصحابة في تغير الناس من بعدهم، ومن كان حياً منهم فهو منكر لذلك، كما تقدم في الأثرين عن أنس رضي الله عنه.
على أن هذا التغيير الذي ذكره أنس لا يعم أمصار المسلمين كلها، وإنما كان في بعض الأمصار كالعراق والشام، دون بقية البلاد، يشهد لهذا ما رواه البخاري من حديث بشير بن يسار الأنصاري: [[أن أنس بن مالك قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ما أنكرت شيئاً إلا أنكم لا تقيمون الصفوف]].([766])
وقد نبه على هذا الحافظ ابن حجر رحمه الله عند شرحه للأثرين السابقين لأنس، حيث قال: (إطلاق أنس محمول على ما شاهده من أمراء الشام والبصرة خاصة، وإلا فسيأتي في هذا الكتاب أنه قدم المدينة فقال: [[ما أنكرت شيئاً...]]([767])، ثم ساق الأثر.
وأما قول الرافضي: إن أول من غير سنة النبي صلى الله عليه وسلم هو عثمان وعائشة رضي الله عنهما مشيراً لإتمام عثمان رضي الله عنه الصلاة في منى، وأن عائشة كانت تتم الصلاة في السفر.
فجوابه: أن عثمان وعائشة رضي الله عنهما كانا مجتهدين، وقد اختلف العلماء في وجه اجتهادهما اختلافاً كبيراً، وذكروا وجوهاً كثيرة في ذلك.([768]) لكن الذي صوبه أكثر المحققين وقطعوا به، أنهما كانا يريان جواز القصر والإتمام، فأخذا بأحد الجائزين.
قال النووي: (اختلف العلماء في تأويلهما، فالصحيح الذي عليه المحققون: أنهما رأيا القصر جائزاً والإتمام جائزاً، فأخذا بأحد الجائزين، وهو الإتمام).([769])
وقال القرطبي: (اختلف في تأويل إتمام عائشة وعثمان في السفر على أقوال، وأولى ما قيل في ذلك: أنهما تأولا أن القصر رخصة غير واجبة، وأخذا بالأكمل، وما عدا هذا القول إما فاسد وإما بعيد).([770]) ثم ذكر بقية الأقوال ورد عليها.
وهذا الذي ذكره القرطبي هنا في سبب تأولهما فيه ترجيح الإتمام على القصر على اعتبار أن القصر رخصة، وأن الإتمام عزيمة ولذا قال: أخذا بالأكمل. بخلاف توجيه النووي فالظاهر منه أنه يستوي فيه الأمران، وإنما أخذا بأحد الجائزين.
وقد فرق بعض المحققين بين سبب إتمام عثمان، وإتمام عائشة رضي الله عنهما.
كما ذهب إلى ذلك الحافظ ابن حجر حيث قال في شرح عبارة: (إن عائشة تأولت كما تأول عثمان): (التشبيه بعثمان في الإتمام بتأويل، لا اتحاد تأويلهما، ويقويه أن الأسباب اختلفت في تأويل عثمان فتكاثرت، بخلاف تأويل عائشة).([771])
قال بعد ذلك: (والمنقول أن سبب إتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصاً بمن كان شاخصاً سائراً، وأما من أقام في مكة في أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم، والحجة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسن عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: [[لما قدم علينا معاوية حاجاً صلى بنا الظهر ركعتين بمكة، ثم انصرف إلى دار الندوة، فدخل عليه مروان وعمرو بن عثمان فقالا: لقد عبت أمر ابن عمك لأنه كان قد أتم الصلاة، قال: وكان عثمان حيث أتم الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعاً أربعاً، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحج وأقام بمنى أتم الصلاة]].([772])
فيكون هذا الذي ذكره ابن حجر قولاً آخر في سبب إتمام عثمان رضي الله عنه.
ولهذا ذكر ابن حجر بعده القول المتقدم عن القرطبي، وعزاه إلى ابن بطال وقال: (وهذا رجحه جماعة من آخرهم القرطبي، لكن الوجه الذي قبله أولى لتصريح الراوي بالسبب).([773])
وأما وجه اجتهاد عائشة رضي الله عنها فيقول ابن حجر فيه: (وأما عائشة فقد جاء عنها سبب الإتمام صريحاً، وهو فيما أخرجه البيهقي من طريق هشام بن عروة، عن أبيه: [[أنها كانت تصلي في السفر أربعاً، فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: ابن أختي إنه لا يشق علي]]. إسناده صحيح وهو دال على أنها تأولت أن القصر رخصة، وأن الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل).([774])
قلت: وهذا موافق لما ذكره القرطبي سابقاً في سبب إتمامها رضي الله عنها.
هذا وقد ذكر بعض العلماء المحققين في: (باب الصحابة) في معرض ردهم على الرافضة أن الذي حمل عثمان رضي الله عنه على الإتمام في منى لما بلغه أن بعض الأعراب الذين كانوا شهدوا معه الصلاة في الأعوام الماضية ظنوا أنها ركعتان فأراد أن يعلمهم أنها أربع.
قال أبو نعيم في كتاب الإمامة: (وإن الذي حمل عثمان رضي الله عنه على الإتمام أنه بلغه أن قوماً من الأعراب ممن شهدوا معه الصلاة بمنى رجعوا إلى قومهم فقالوا: الصلاة ركعتان، كذلك صليناها مع أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه بمنى، فلأجل ذلك صلى أربعاً ليعلمهم ما يستنوا به للخلاف والاشتباه).([775])
وقال ابن العربي في العواصم في معرض رده على الشبه التي أُثيرت ضد عثمان رضي الله عنه: (وأما ترك القصر: فاجتهاد إذ سمع أن الناس افتتنوا بالقصر، وفعلوا ذلك في منازلهم، فرأى أن السنة ربما أدت إلى إسقاط الفريضة، فتركها مصلحة خوف الذريعة، مع أن جماعة من العلماء قالوا: إن المسافر مخير بين القصر والإتمام).([776])
قلت: ويؤيد هذا أن عثمان رضي الله عنه كان يقصر الصلاة في بداية عهده، بل بقي سبع سنين من خلافته وهو يقصر الصلاة بمنى، ثم أتم بعد ذلك، فهو دليل أنه ما فعل ذلك إلا لأمر طرأ.
روى ابن أبي شيبة عن عمران بن حصين أنه قال: [[حججت مع عثمان سبع سنين من إمارته لا يصلي إلا ركعتين، ثم صلى بمنى أربعاً]].([777])
وعلى كل حال فكل من عثمان وعائشة رضي الله عنهما كانا مجتهدين فيما ذهبا إليه أياً كان السبب الحامل لهما على ذلك.
وإذا ما تقرر هذا اندحضت دعوى الرافضي في النيل منهما، وانكشفت شبهته، وبطل افتراؤه وظلمه.
وزيادة على هذا أذكر هنا بعض الأوجه الأخرى المؤكدة لما تقدم من براءة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما مما رماهما به الرافضي.
الوجه الأول: أنهما مجتهدان، والمجتهد معذور، بل مأجور على كل حال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: {إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر}.([778])
وهذا أمر مقرر عند أهل السنة لا يختلفون فيه، وإنما يخالف فيه أهل البدع.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة، وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة).([779])
ويقول أيضاً: (هذا قول السلف وأئمة الفتوى كأبي حنيفة والشافعي، والثوري، وداود بن علي وغيرهم، لايؤثمون مجتهداً مخطئاً في المسائل الأصولية، ولا في الفرعية. كما ذكر ذلك عنهم ابن حزم وغيره، وقالوا: هذا هو القول المعروف عن الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الدين، أنهم لا يكفرون، ولا يفسقون، ولا يؤثمون أحداً من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة عملية ولا علمية...).([780])
الوجه الثاني: أن القول بإتمام الصلاة في السفر لم ينفرد به عثمان وعائشة رضي الله عنهما وإنما هو قول طائفة من الصحابة.
قال أبو نعيم: (وقد رأى جماعة من الصحابة إتمام الصلاة في السفر منهم عائشة رضي الله عنها وعن أبيها، وعثمان رضي الله عنه، وسلمان رضي الله عنه، وأربعة عشر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم).([781])
قلت: وسلمان رضي الله عنه ممن يعتقد الرافضة عدالته كما جاء في الكافي فيما نسبوه إلى محمد الباقر -وهو من ذلك بريء-: [[كان الناس أهل ردة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة... المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي رحمة الله وبركاته عليهم...]]([782])
فإذا كان سلمان رضي الله عنه معذوراً في اجتهاده بإتمام الصلاة فكذلك عثمان، وعائشة رضي الله عنهما معذوران في ذلك حكمهما حكمه. كما أن الطعن في عثمان وعائشة بهذا طعن في سلمان، ويتوجه عليه من الذم والقدح ما يتوجه عليهما على حد سواء.
الوجه الثالث: أن الصحابة رضي الله عنهم سواء من قال بإتمام الصلاة في السفر، أو من قال بالقصر، ما كان بعضهم يعيب على بعض، كما روى ابن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن حصين عن أبي نجيح المكي قال: [[اصطحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في السفر، فكان بعضهم يتم، وبعضهم يقصر، وبعضهم يصوم، وبعضهم يفطر، فلا يعيب هؤلاء على هؤلاء، ولا هؤلاء على هؤلاء]].([783])
قلت: وهذا يدل على أنهم كانوا يرون التوسعة في هذا، وإلا لأنكر كل فريق منهم على الآخر ما يرى أنه منكر ومخالفة، فهم أقوم الناس بعد رسول الله بدينه، وأشدهم على المخالفين لهديه، فرضي الله عنهم أجمعين.
الوجه الرابع: أنه ثبت أن عامة الصحابة الذين شهدوا الصلاة مع عثمان رضي الله عنه في منى تابعوه على ذلك، بل كان بعضهم إماماً خاصاً لأصحابه فصلى بهم أربعاً متابعة لعثمان رضي الله عنه الإمام العام للحج على ماروى الطبري في تاريخه أن عبد الرحمن بن عوف كلم عثمان في إتمامه للصلاة، فاعتذر له، فخرج عبد الرحمن فلقي ابن مسعود فقال: [[أبا محمد! غُير ما يُعلم؟ قال: لا، قال: فما أصنع؟ قال: اعمل أنت بما تعلم، فقال ابن مسعود: الخلاف شر، قد بلغني أنه صلى أربعاً، فصليت بأصحابي أربعاً، فقال عبد الرحمن بن عوف: قد بلغني أنه صلى أربعاً فصليت بأصحابي ركعتين، وأما الآن فسوف يكون الذي تقول -يعني نصلي معه أربعاً-]].([784])
وفي سنن أبي داود قال الأعمش: فحدثني معاوية بن قرة عن أشياخه [[أن عبد الله صلى أربعاً قال: فقيل له: عبت على عثمان، ثم صليت أربعاً قال: الخلاف شر]].([785])
قال الخطابي معلقاً: (قلت: لو كان المسافر لا يجوز له الإتمام، كما يجوز له القصر، لما تابعوا عثمان عليه، إذ لا يجوز على الملأ من الصحابة متابعته على الباطل، فدل ذلك على أن من رأيهم جواز الإتمام، وإن كان الاختيار عند كثير منهم القصر).([786])
الوجه الخامس: أنه ثبت عن علي رضي الله عنه أنه اجتهد في مسائل فأخطأ وخالف بذلك السنة متأولاً، فلم يضره ذلك لمّا كان مجتهداً.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية بعض هذه المسائل فقال: (وكذلك قضى علي رضي الله عنه في المفوضة بأن مهرها يسقط بالموت، مع قضاء النبي صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق بأن لها مهر نسائها. وكذلك طلبه نكاح بنت أبي جهل، حتى غضب النبي صلى الله عليه وسلم فرجع عن ذلك. وقوله لما ندبه وفاطمة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة بالليل فاحتج بالقدر، لما قال: {ألا تصليان فقال علي: إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فولّى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضرب فخذه ويقول: وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً...} وعلي عرف رجوعه عن بعضها فقط، كرجوعه عن خطبة بنت أبي جهل.
وأما بعضها كفتياه بأن المتوفى عنها تعتد أبعد الأجلين، وأن المفوضة لا مهر لها إذا مات الزوج، وقوله: [[إن المخيرة إذا اختارت زوجها فهي واحدة]]، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نساءه ولم يكن ذلك طلاقاً، فهذه لم يعرف إلا بقاؤه عليها حتى مات، وكذلك مسائل كثيرة ذكرها الشافعي في كتاب (اختلاف علي وعبد الله)...).([787])
قلت: وأعظم من هذا ما حصل في عهد علي رضي الله عنه من الاقتتال العظيم بين المسلمين الذي كان أحد أطرافه حتى قتل من قتل من المسلمين، فإن كان علي رضي الله عنه معذوراً في هذا وفي تلك المسائل التي خالف فيها، وهي كثيرة كما ذكر شيخ الإسلام، فعثمان أولى بالعذر في مسألة واحدة وافقه عليها من وافقه من الصحابة، وعذره الباقون، هذا مع ما امتاز به عهده من عصمة دماء المسلمين، حتى إنه لم أطلت الفتنة برأسها وحاصره الثوار في البيت آثر المسلمين على نفسه، ونهى من أراد نصرته من الصحابة عن القتال حتى قتل شهيداً رضي الله عنه، بخلاف علي رضي الله عنه الذي قاتل ورغّب في القتال معه، وهو في كل ذلك معذور بل مأجور رضي الله عنه وأرضاه. وإنما أردت دحض شبهة هذا الرافضي الحاقد بما لا يستطيع رده ولا دفعه.
وبهذا تظهر براءة عثمان وعائشة رضي الله عنهما مما رماهما به الرافضي بسبب الاجتهاد في مسألة القصر.
فلله الحمد والفضل.
طعن الرافضي في عمر رضي الله عنه وزعمه أنه كان يجتهد في مقابل النصوص والرد عليه:-
قال الرافضي (ص131) وكان عمر يجتهد ويتأول مقابل النصوص الصريحة من السنن النبوية، بل في مقابل النصوص الصريحة من القرآن الحكيم فيحكم برأيه كقوله: [[متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما]].
ويقول لمن أجنب ولم يجد ماءً (لا تصلّ) رغم قول الله تعالى في سورة المائدة: (((فَإن لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)))([788])).
قلت: طعنه في عمر رضي الله عنه لنهيه عن المتعتين، هذه من مطاعن الرافضة القديمة التي أجاب العلماء عنها بما يدحض بطلان دعواهم فيها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة ضمن رده على ابن المطهر في هذه المسألة: (وإن قدحوا في عمر لكونه نهى عنها، فأبو ذر كان أعظم نهياً عنها([789]) من عمر، وكان يقول: [[إن المتعة كانت خاصة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم]]، وهم يتولون أبا ذر ويعظمونه([790])، فإن كان الخطأ في هذه المسألة يوجب القدح فينبغي أن يقدحوا في أبي ذر، وإلا فكيف يقدح في عمر دونه، وعمر أفضل، وأفقه، وأعلم منه.
ويقال ثانياً: إن عمر رضي الله عنه لم يحرم متعة الحج بل ثبت عن الضُّبي بن معبد لما قال له: [[إني أحرمت بالحج والعمرة جميعاً فقال له عمر: هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم]] رواه النسائي وغيره.([791])
وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه يأمرهم بالمتعة فيقولون له: إن أباك نهى عنها فيقول: إن أبي لم يرد ما تقولون: فإذا ألحوا عليه قال: أفرسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبعوا أم عمر؟
وقد ثبت عن عمر أيضاً أنه قال: لو حججت لتمتعت، ولو حججت لتمتعت، وإنما كان مراد عمر رضي الله عنه أن يأمرهم بما هو الأفضل، وكان الناس لسهولة المتعة تركوا الاعتمار في غير أشهر الحج، فأراد ألا يُعرَّى البيت طول السنة، فإذا أفردوا الحج اعتمروا في سائر السنة، والاعتمار في غير أشهر الحج مع الحج في أشهر الحج أفضل من المتعة باتفاق الفقهاء الأربعة وغيرهم...
والإمام إذا اختار لرعيته الأمر الفاضل بالشيء، نهى عن ضده، فكان نهيه عن المتعة على وجه الاختيار، لا على وجه التحريم، وهو لم يقل: وأنا أحرمهما كما نقل هذا الرافضي، بل قال: أنهى عنهما، ثم كان نهيه عن متعة الحج على وجه الاختيار للأفضل لا على وجه التحريم.
وقد قيل: إنه نهى عن الفسخ، والفسخ حرام عند كثير من الفقهاء، وهو من مسائل الاجتهاد، فالفسخ يحرمه أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، لكن أحمد وغيره من فقهاء الحديث وغيرهم لا يحرمون الفسخ، بل يستحبونه، بل يوجبه بعضهم، ولا يأخذون بقول عمر في هذه المسألة بل بقول: علي، وعمران بن حصين، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم....
وأما ما ذكره من نهي عمر عن متعة النساء فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرم متعة النساء بعد الإحلال، هكذا رواه الثقات في الصحيحين وغيرهما عن الزهري عن عبد الله، والحسن ابني محمد بن الحنفية، عن أبيهما محمد بن الحنفية، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لابن عباس رضي الله عنه لما أباح المتعة: إنك امرؤ تائه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرّم المتعة ولحوم الحمر الأهلية عام خيبر([792])، رواه عن الزهري أعلم أهل زمانه بالسنة وأحفظهم لها، أئمة الإسلام في زمانهم، مثل مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة وغيرهما، ممن اتفق المسلمون على علمهم وعدلهم وحفظهم، ولم يختلف أهل العلم بالحديث في أن هذا حديث صحيح متلقى بالقبول ليس في أهل العلم من طعن فيه.
وكذلك ثبت في الصحيح أنه حرَّمها في غزاة الفتح إلى يوم القيامة([793])، وقد تنازع رواة حديث علي رضي الله عنه هل قوله: (عام خيبر) توقيت لتحريم الحمر فقط، أوله ولتحريم المتعة؟ فالأول قول ابن عيينة وغيره قالوا: إنما حرمت عام الفتح، ومن قال بالآخر قال: إنها حرمت ثم أحلّت ثم حرمت، وادعت طائفة ثالثة: أنها أحلت بعد ذلك ثم حرمت في حجة الوداع.
فالروايات المستفيضة المتواترة متواطئة على أنه حرم المتعة بعد إحلالها، والصواب أنها بعد أن حرمت لم تحل وأنها إنما حرمت عام فتح مكة ولم تحل بعد ذلك، ولم تحرم عام خيبر، بل عام خيبر حرمت لحوم الحمر الأهلية.
وكان ابن عباس يبيح المتعة ولحوم الحمر فأنكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ذلك عليه...
وقد روى ابن عباس رضي الله عنه أنه رجع عن ذلك لما بلغه حديث النهي عنهما فأهل السنة اتبعوا علياً وغيره من الخلفاء الراشدين فيما رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم، والشيعة خالفوا علياً فيما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم واتبعوا قول من خالفه).([794])
ويقول الدهلوي ضمن ذكره لمطاعن الرافضة على عمر والرد عليها: (ومنها أن عمر منع الناس من متعة النساء ومتعة الحج مع أن كلتا المتعتين كانتا في زمنه صلى الله عليه وسلم، فنسخ حكم الله تعالى وحرّم ما أحله الله سبحانه، بدليل ما ثبت عند أهل السنة من قوله: [[متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهى عنهما]].
والجواب: أن أصح الكتب عند أهل السنة الصحاح الست، وأصحها البخاري ومسلم، وقد روى مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع وسبرة بن معبد الجهني {أنه صلى الله عليه وسلم قد حرم هو المتعة بعدما كان أحلها ورخصها لهم ثلاثة أيام، وجعل تحريمها إذ حرمها مؤبداً إلى يوم القيامة}([795]) ومثل هذه الرواية في الصحاح الأخر، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من كتب أهل السنة رواية الأئمة عن الأمير بتحريمها،([796]) فإن ادعت الشيعة أن ذلك كان في غزوة خيبر ثم أُحلت في غزوة الأوطاس فمردود لأن غزوة خيبر كانت مبدأ تحريم لحوم الحمر الأهلية، لا متعة النساء، فقد روى جمع من أهل السنة عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن الأمير كرم الله وجهه أنه قال: {أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي بتحريم المتعة} فقد علم أن تحريم المتعة كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أو مرتين، فالذي بلغه النهي امتنع عنها ومن لا فلا، ولما شاع في عهد عمر ارتكابها أظهر حرمتها وأشاعها وهدد من كان يرتكبها، وآيات الكتاب شاهدة على حرمتها...
والجواب عن متعة الحج: -أعني تأدية أركان العمرة مع الحج في سفر واحد في أشهر الحج قبل الرجوع إلى بيته -أن عمر لم يمنعها قط ورواية التحريم عنه افتراء صريح- نعم إنه كان يرى إفراد الحج والعمرة أولى من جمعهما في إحرام واحد وهو: القران، أو في سفر واحد وهو: التمتع، وعليه الإمام الشافعي، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه وغيرهم لقوله تعالى: ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)) [البقرة:196] إلى قوله: ((فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ)) [البقرة:196] الآية، فأوجب سبحانه الهدي على المتمتع، لا على المفرد، جبراً لما فيه من النقصان، كما أوجبه تعالى في الحج إذا حصل فيه قصور ونقص؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم حج في حجة الوداع مفرداً، واعتمر في عمرة القضاء، وعمرة جعرّانة كذلك، ولم يحج فيها بل رجع إلى المدينة مع وجود المهلة.
وأما ما رووا من قول عمر [[وأنا أنهى عنهما]] فمعناه أن الفسقة وعوام الناس لا يبالون بنهي الكتاب وهو قوله تعالى: ((فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ)) [المؤمنون:7] وقوله تعالى: ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)) [البقرة:196] إلا أن يحكم عليهم الحاكم والسلطان، ويجبرهم على مراعاة ما أمروا به وما نهوا عنه، فلذلك أضاف النهي إلى نفسه، فقد تبين لك ولله تعالى الحمد زيف أقوالهم، وظهر لك مزيد ضلالهم، والحق يعلو، وكلمة الصدق تسمو).([797])
فظهر بهذا بطلان دعوى الرافضة في طعنهم في عمر لنهيه عن المتعتين. أما متعة الحج فلم ينه عنها نهي تحريم، وإنما كان نهيه على وجه الاختيار للأفضل، وذلك خشية منه أن يهجر البيت بترك الناس للاعتمار في غير أشهر الحج، وقيل إنما كان نهي عمر عن فسخ الحج إلى عمرة، وهذا هو قول أكثر أهل العلم، كما نقله ابن قدامة في المغني؛ لأن الحج أحد النسكين فلم يجز فسخه كالعمرة.([798])
وأما متعة النساء فالذي حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كان أحلها، وكان علي رضي الله عنه من أشد الناس إنكاراً على من قال بحلها، وإنما قال بحلها ابن عباس رضي الله عنهما فأنكر عليه علي رضي الله عنه ورجع عن ذلك لما بلغه الحديث الذي رواه علي رضي الله عنه بتحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، وكذلك روى أحاديث تحريم المتعة غير علي رضي الله عنه بعض الصحابة وهي مخرجة في صحاح أهل السنة كما تقدم، فأي لوم على عمر رضي الله عنه في نهيه عن المتعة بعد أن ثبت تحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم لها إلى يوم القيامة.
طعن الرافضي على الصحابة بقول أنس (فلم نصبر) والرد عليه:-
قال الرافضي (ص132) تحت عنوان: (الصحابة يشهدون على أنفسهم).
(روى أنس بن مالك: {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: إنكم سترون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض، قال أنس: فلم نصبر}.
وعن العلاء بن المسيب عن أبيه قال: [[لقيت البراء بن عازب -رضي الله عنهما- فقلت: طوبى لك صحبت النبي صلى الله عليه وسلم وبايعته تحت الشجرة فقال: يا ابن أخي! إنك لا تدري ما أحدثنا بعده]].
وإذا كان هذا الصحابي من السابقين الأولين، الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، ورضي الله عنهم، وعلم ما في قلوبهم فأثابهم فتحاً قريباً، يشهد على نفسه وعلى أصحابه بأنهم أحدثوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الشهادة هي مصداق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم وتنبأ به من أن أصحابه سيحدثون بعده، ويرتدون على أدبارهم...).
قلت: إن من أغرب الغريب أن يطعن هذا الرافضي الحاقد، فيمن يعترف لهم بفضل الصحبة والسبق للإسلام، مضمناً كلامه في الطعن عليهم، ما دلت عليه الآية الكريمة في الثناء على أولئك السابقين الأولين وهي قوله تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:18] وهو بهذا يؤكد أنه أثناء طعنه في الصحابة غير غافل عن هذه الآية وغيرها من الآيات المتضمنة ثناء الله العظيم على هؤلاء الصحابة، وإخبار الله أنه رضي عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار.
وهذا تكذيب منه صريح لنص القرآن، ورد قبيح لأخباره، ومشاقة ومعاندة لأحكامه، وهذا والله هو الكفر الصريح الذي لا يشك فيه أحد من أهل العلم، خصوصاً إذا ما اقترن الرد لأحكام القرآن بشيء من السخرية والاستهزاء، وذلك في قول الرافضي: (وإذا كان هذا الصحابي من السابقين الأولين، الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، ورضي الله عنهم، وعلم ما في قلوبهم فأثابهم فتحاً قريباً، يشهد على نفسه وعلى أصحابه بأنهم أحدثوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الشهادة هي مصداق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم...) إلخ كلامه.
وأما استشهاده بقول أنس رضي الله عنه [[فلم نصبر]] على طعنه في الصحابة، وما ادعاه من إحداثهم وردتهم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، فليس في قول أنس ما يدل على تلك الدعوى الفاسدة لا من قريب أو بعيد.
وبيان ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم عهد للأنصار عهداً أنهم سيلاقون أثرة وظلماً شديداً بعده، كما جاء في الصحيحين من حديث أنس، وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {... إنكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض، قال أنس: فلم نصبر}.([799])
فقول أنس رضي الله عنه متعلق بما أوصاهم به من الصبر على ظلم الولاة واستئثارهم بالحقوق عليهم، وغاية ما يدل عليه أنهم لم يصبروا على ظلم الولاة، بخلاف ما ادعى الرافضي من الإحداث والردة، فهذا لايتحمله السياق ولا يدل عليه.
والصبر الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار، وأمر به غيرهم في حق الولاة جاء مفسراً في أحاديث أخرى، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية}.([800])
وفي رواية أخرى عن ابن عباس أيضاً: {من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات، إلا مات ميتة جاهلية}.([801])
فتبين أن الصبر على الولاة يكون بلزوم جماعة المسلمين، وعدم الخروج على السلطان، وعلى هذا فأنس رضي الله عنه وسائر الأنصار من الصابرين على الولاة، المتمسكين بوصية نبيهم صلى الله عليه وسلم، إذ لا يعرف في تأريخ الأنصار أن أحداً منهم خرج على الحكام، لا في عهد الخلفاء الراشدين، ولا فيما أدركوا من عهد الدولة الأموية، وقد كان أنس رضي الله عنه من آخر الصحابة موتاً كما تقدم([802])، وقد أدرك بعض الأمراء الظلمة مثل الحجاج بن يوسف الذي كان أميراً عليه عندما كان في العراق، ومع هذا لا يعرف من سيرته أنه نازعه في سلطانه، ولا خرج عليه، مع ما هو معروف به الحجاج من الظلم والبطش، بل كان في ذلك صابراً محتسباً، وكان الحجاج لربما تعرض له بشيء من السب والشتم، فلا يخرجه ذلك عن صبره رضي الله عنه، على ما نقل ابن كثير من رواية علي بن يزيد قال: (كنت في القصر مع الحجاج وهو يعرض الناس ليالي ابن الأشعث، فجاء أنس بن مالك فقال الحجاج: هي يا خبيث! جوال في الفتن مرة مع عليّ؟ ومرة مع ابن الزبير، ومرة مع ابن الأشعث، أما والذي نفس الحجاج بيده لأستأصلنك كما تستأصل الصمغة، ولأجردنك كما تجرد الضب.
قال: يقول أنس: إياي يعني الأمير؟ قال: إياك أعني أصم الله سمعك! قال: فاسترجع أنس).([803])
وهذا مما يدل على صبر أنس تحقيقاً لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمسكاً بالعهد الذي عهده إليه رضي الله عنه وأرضاه، وأما قول أنس رضي الله عنه [[فلم نصبر]] فهذا لا يشكل على من عرف سيرة الصحابة رضوان الله عليهم، وما كانوا عليه من مقتهم لأنفسهم، واستعظامهم ذنوبهم، لشدة خوفهم من الله تعالى، وتعظيمهم له، ولذا ثبت في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه قال: {إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات}.([804])
ولعل أنس رضي الله عنه أراد بقوله: [[لم نصبر]] ما قام به من شكوى الحجاج على الخليفة لما اشتد أذاه له على ما روى ابن كثير عن أبي بكر بن عياش أن أنساً بعث إلى عبد الملك يشكو إليه الحجاج ويقول: (والله لو أن اليهود والنصارى رأوا من خدم نبيهم لأكرموه، وأنا خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين).([805])
وقد تقدم نقلاً عن ابن حجر أن أنساً رضي الله عنه قدم دمشق شاكياً الحجاج على الخليفة، وهو إذ ذاك الوليد بن عبد الملك.([806])
ومعلوم أن شكوى أنس للحجاج لا تنافي الصبر، ولا تقدح في أنس رضي الله عنه فإن الحجاج كان ظالماً، مستبداً، مؤذياً للأخيار، ومنهم أنس، فرفع أمره للخليفة دفعاً لظلمه، وانتصاراً بالحق، وهذا جائز في الشرع، بل محمود قال تعالى: ((وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ)) [الشورى:41]، وقال عز وجل: ((إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا)) [الشعراء:227] وقال تعالى في وصف المؤمنين في معرض الثناء عليهم: ((وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ)) [الشورى:39].
فأنس رضي الله عنه انتصر لنفسه بحق، ثم إنه رأى بعد هذا أن الأولى هو عدم ذلك، وأن الأليق بمقامه هو العفو والصفح، وعليه يتنزل قوله: [[لم نصبر]] والله تعالى أعلم.
وأما قول البراء بن عازب رضي الله عنه: [[إنك لا تدري ما أحدثنا بعده]]([807]) فمحمول على ما تقدم من مقت الصحابة رضوان الله عليهم لأنفسهم، لكمال إيمانهم، وتعظيمهم لربهم.
قال ابن حجر في شرحه: (يشير إلى ما وقع لهم من الحروب وغيرها، فخاف غائلة ذلك، وذلك من كمال فضله).([808])
قلت: وهذا حال كل مؤمن كامل الإيمان، فهو دائماً يستصغر عمله ويستقله، ويستعظم ذنبه ويستكثره، وذلك لكمال علمه بالله وقوة تعظيمه له، بخلاف الفاسق، فإنه يستعظم عمله، ويستقل ذنبه، لضعف الإيمان في نفسه، وجرأته على ربه.
روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: [[إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه فقال به هكذا]].([809])
ولهذا كثرت الآثار عن الصحابة وخيار سلف الأمة في لوم النفس، واستشعار التقصير لكمال إيمانهم، وعلمهم بالله رضي الله عنهم، وما قول البراء وأنس بن مالك إلا من هذا الباب، ولو كان في هذا مطعن عليهما للزم ذلك الطعن على خيار الصحابة وسلف الأمة، الذين نقل عنهم من أمثال ذلك ما يصعب حصره.
وإنما أذكر هنا بعض ما جاء من ذلك عن الصحابة الذين هم محل تقدير الرافضة وتعظيمهم، فمن ذلك ما ثبت عن علي رضي الله عنه من ندمه يوم الجمل ندماً عظيماً حتى أنه قال لابنه الحسن: [[يا حسن! ليت أباك مات منذ عشرين سنة، فقال له: يا أبه! قد كنت أنهاك عن هذا قال: يابني! إني لم أر أن الأمر يبلغ هذا]].([810])
وفيه رواية: [[أنه لما اشتد القتال يوم الجمل ورأى علي الرؤوس تندر، أخذ علي ابنه الحسن فضمه إلى صدره، ثم قال: إنا لله يا حسن؟! أي خير يرجى بعد هذا؟]].([811])
وروى أبو نعيم عن سعيد بن المسيب {أن سعد بن مالك وعبد الله بن مسعود دخلا على سلمان رضي الله عنهم يعودانه فبكى فقالا: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟! فقال: عهد عهده إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يحفظه أحد منا قال: ليكن بلاغ أحدكم كزاد الراكب}.([812])
وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: [[والله لوددت أني شجرة تعضد]].([813])
فإذا كانت مثل هذه الآثار لا تستلزم الطعن في هؤلاء الأخيار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم ممن تعتقد الرافضة عدالتهم وفضلهم، فكذلك الشأن فيما ثبت عن أنس والبراء رضي الله عنهما، لا يلزم منه الطعن عليهما أو تنقصهما.
وأما ما ادعاه الرافضي من أن تلك الآثار تصديق لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن أصحابه سيحدثون بعده، فقد تقدم الرد على ذلك مفصلاً بما يغني عن إعادته هنا، وليراجع في موضعه.([814])
طعن الرافضي على الشيخين ببعض ما أثر عنهما من أقوال في شدة خوفهما من الله والرد عليه:-
قال الرافضي (ص133) تحت عنوان: (شهادة الشيخين على نفسيهما).
(خرج البخاري في صحيحه في باب مناقب عمر بن الخطاب قال: [[لما طعن عمر جعل يألم فقال له ابن عباس وكأنه يُجَزِّعُهُ: يا أمير المؤمنين! ولئن كان ذاك لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحابتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون.
قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاه، فإنما ذاك من منّ الله تعالى منّ به عليّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك من منّ الله جل ذكره منّ به عليّ، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أن لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله عز وجل قبل أن أراه]].
وقد سجل التاريخ له أيضاً قوله: [[يا ليتني كنت كبش أهلي يسمنونني ما بدا لهم، حتى إذا كنت أسمن ما أكون زارهم بعض من يحبون، فجعلوا بعضي شواء وقطعوني قديداً، ثم أكلوني وأخرجوني عذرة ولم أكن بشراً]]. كما سجل التاريخ لأبي بكر مثل هذا، [[قال لما نظر أبو بكر إلى طائر على شجرة: طوبى لك يا طائر! تأكل الثمر وتقع على الشجر، وما من حساب ولا عقاب عليك، لوددت أني شجرة على جانب الطريق مرّ عليّ جمل فأكلني، وأخرجني في بعره ولم أكن من البشر]].
إلى أن قال: فكيف يتمنى الشيخان أبو بكر، وعمر، أن لا يكونا من البشر الذي كرمه الله على سائر مخلوقاته، وإذا كان المؤمن العادي الذي يستقيم في حياته تتنزل عليه الملائكة، وتبشره بمقامه في الجنة، فلا يخاف من عذاب الله ولا يحزن... فما بال عظماء الصحابة الذين هم خير الخلق بعد رسول الله -كما تعلمنا ذلك- يتمنون أن يكونوا عذرة).
والرد عليه من عدة وجوه:
الوجه الأول: أن هذه الآثار المذكورة تدل على شدة خوف الشيخين من الله تعالى، وتعظيمهما لربهما، وهذا من كمال فضلهما، وعلو شأنهما في الدين، ولذا أثنى الله في كتابه على عباده الخائفين منه، المشفقين من عذابه، في آيات كثيرة كقوله تعالى: ((وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى)) [النازعات:40] * ((فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)) [النازعات:41]، وقال تعالى: ((وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)) [الرحمن:46]، وقال تعالى: ((الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنْ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ)) [الأنبياء:49]، وقال تعالى في وصف المؤمنين: ((رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ)) [النور:37]، وقال في وصفهم: ((وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ)) [الرعد:21]، والآيات في هذا كثيرة، وهي تدل على أن الخوف من الله من صفات المؤمنين التي أثنى الله بها عليهم، وأحبها منهم، ورتب على ذلك سعادتهم، ونجاتهم في الآخرة بخوفهم منه في الدنيا. والشيخان رضي الله عنهما ما قالا الذي قالا إلا لتحقيقهما أعلى مقامات الخوف من الله، الذي استحقابه ذلك الفضل العظيم عند الله تعالى، وسبقا به غيرهما من الأمة، فكانا أفضل هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثاني: أن حمل الرافضي شدة خوف الشيخين على مخالفتهما ومعصيتهما، وأنهما لولا ذلك ما حصل لهما هذا، فهذا من جهله العظيم بالشرع، فإنه من المعلوم أن الخوف والخشية من لوازم العلم، كما قال تعالى: ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)) [فاطر:28]، وكلما قوي ذلك العلم قويت الخشية في نفس العبد، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: {والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله}([815])، وهذا كله يورث الاستقامة على الطاعة، وحسن العبادة، والانقطاع إلى الله تعالى، قال تعالى: ((رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ)) [النور:37]، وقال عز وجل: ((تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)) [السجدة:16]، فَوَصْف الله عباده بالخوف والعبادة دليل تلازمهما واجتماعهما.
وبعكس هذا عدم الخوف فإنه مصاحب للتفريط وترك العمل، قال تعالى في وصف الكفار: ((مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ)) [المدثر:42] * ((قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ)) [المدثر:43] * ((وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ)) [المدثر:44] * ((وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ)) [المدثر:45] * ((وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ)) [المدثر:46]، إلى أن قال: ((كَلاَّ بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ)) [المدثر:53]، فوصفهم بعدم العمل وعدم الخوف.
وبهذا يتبين جهل الرافضي في ذمه الشيخين بالخوف، الذي هو من أخص صفات المؤمنين العاملين.
الوجه الثالث: أن الله تعالى أخبر عن مريم عليها السلام بنظير ما ثبت عن أبي بكر، وعمر في قوله: ((قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً)) [مريم:23].
قال ابن عباس في معنى نسياً منسياً أي: (لم أُخلق ولم أك شيئاً).
وقال قتادة أي: (شيئاً لا يُعرف ولا يُذكر).
وقال الربيع بن أنس هو: (السَّقْط).([816])
وثبت عن علي رضي الله عنه كما تقدم في النقل عنه أنه قال يوم الجمل لابنه الحسن: [[يا حسن ليت أباك مات منذ عشرين سنة]].([817])
كما ثبت عن أبي ذر قوله: [[والله لوددت أني شجرة تعضد]]([818])، فهل هؤلاء مذمومون بهذا؟ فإن لم يكونوا مذمومين، فلم القدح في الشيخين بمثل ما ثبت عن هؤلاء؟
الوجه الرابع: أن قول الرافضي: إن المؤمن العادي تتنزل عليه الملائكة وتبشره بمقامه في الجنة، وأنه لا يخاف ولا يحزن، وهو يشير بهذا لقوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا)) [فصلت:30]، فهذا من جهله العظيم، وفهمه السقيم لمعنى الآية فإن هذه البشارة الواردة في الآية إنما تكون عند الموت، كما ذكر ذلك المفسرون ونقلوه عن أئمة التفسير: كمجاهد والسدي وزيد بن أسلم، وابنه وغيرهم([819])، والمسلم قبل ذلك لا يدري هل يبشر بهذا أم لا، فهو دائماً خائف وجل، لا يعلم بم يختم له، وخوف الشيخين من ربهما أمر طبيعي، بل هو اللائق بهما؛ لكمال علمهما بالله، ومعرفتهما به، والله يقول: ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)) [فاطر:28] ولا يشكل على هذا بشارة النبي صلى الله عليه وسلم للشيخين بالجنة فإن الخوف من الله من أخص صفات المؤمنين الراسخة في قلوبهم، التي لا ترتفع بشيء، ولايستطيعون دفعها، بل كلما ازداد العبد إيماناً وعلماً وطاعة لله ازداد خوفاً، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أخشى الأمة لله كما أخبر بذلك عن نفسه وأقسم عليه في قوله: {أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له}([820])، وهكذا حال أنبياء الله كما أخبر الله عنهم في قوله: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً)) [مريم:58] فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم خشية لله من الشيخين وسائر الأمة، وكذلك أنبياء الله هم أعظم خشية لله منهما بلا شك، فأي لوم عليهما في ذلك، وإذا كان المؤلف يرى بفهمه السقيم أن الواجب على المؤمن ألا يخاف لأنه مبشر من الله بالجنة، ويقدح في الشيخين رضي الله عنهما بالخوف، فإن أولى الناس بعدم الخوف لو كان ما ادعاه صحيحاً هم رسل الله الذين اصطفاهم الله برسالته، ووعدهم بأعلى الدرجات في الجنة.
الوجه الخامس: أنه ظاهر أن الحامل للشيخين على ما قالا هو شدة خوفهما من الله، والخوف من الله من الصفات الفاضلة الممدوح بها باتفاق العقلاء، كما أن عدم الخوف من الله من الصفات الرذيلة المذموم بها عند العقلاء، ولهذا يصف الناس من أرادوا مدحه بقولهم: (فلان يخاف الله) ويصفون من أرادوا ذمه بعكس ذلك فيقولون: (فلان لا يخاف الله) فتبين أن ذم الرافضي للشيخين بخوف الله، معارض بالشرع والعقل، بل إنه غاية في العجب عند أهل العقول والنظر.
وبهذا يتبين لك أيها القارئ صدق كلام أهل العلم في الرافضة، كقول الشعبي رحمه الله: (نظرت في هذه الأهواء، وكلمت أهلها، فلم أر قوماً أقل عقولاً من الخشبية)([821])، [يعني الرافضة].
وقول الشافعي رحمه الله: (لم أر أحداً من أصحاب الأهواء أكذب في الدعوى، ولا أشهد بالزور منهم).([822])
وقول شيخ الإسلام رحمه الله فيهم: (والقوم من أضل الناس على السواء، فإن الأدلة إما نقلية وإما عقلية، والقوم من أضل الناس في المنقول والمعقول، في المذاهب والتقرير، وهم من أشبه الناس بمن قال الله فيهم: ((وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ)) [الملك:10]).([823])
طعن الرافضي في أبي بكر بخلافه مع فاطمة رضي الله عنهما في الميراث والرد عليه:-
قال الرافضي (ص136): (فهاهو البخاري يخرج من باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني}.
كما أخرج في باب غزوة خيبر عن عائشة: [[أن فاطمة عليها السلام بنت النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منه شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت]].
والنتيجة في النهاية هي واحدة ذكرها البخاري باختصار وذكرها ابن قتيبة بشيء من التفصيل ألا وهي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب لغضب فاطمة، ويرضى لرضاها، وأن فاطمة ماتت وهي غاضبة على أبي بكر وعمر...).
قلت: ما ذكره المؤلف هنا من مطاعن الرافضة المشهورة على أبي بكر رضي الله عنه التي تناقلتها كتبهم القديمة. وقد رد العلماء عليهم في ذلك حتى ظهر الحق وبطل افتراء الرافضة وتلبيسهم في هذه المسألة.
وسأذكر هنا بعض الأوجه التي تندفع بها هذه الفرية مضمناً الكلام بعض النقول المهمة عن أهل العلم في دحضها.
الوجه الأول: أن كتب الرافضة متناقضة في نقل هذه الحادثة فبعضها تذكر أن فاطمة طالبت بفدك([824]) لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منحها إياها،([825]) وبعضها تذكر أن فاطمة رضي الله عنها طالبت بإرثها([826]) وهذا تناقض واضح يدل على اضطراب القوم، وجهلهم بأصل هذه المسألة، وبالتالي سقوط ما بنوا عليها من أحكام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إن ما ذكر من ادعاء فاطمة رضي الله عنها فدك فإن هذا يناقض كونها ميراثاً لها، فإن كان طلبها بطريق الإرث؛ امتنع أن يكون بطريق الهبة، وإن كان بطريق الهبة؛ امتنع أن يكون بطريق الإرث، ثم إن كانت هذه هبة في مرض الموت فرسول الله صلى الله عليه وسلم منزه إن كان يُورث كما يُورث غيره أن يوصي لوارث، أو يخصه في مرض موته بأكثر من حقه، وإن كان في صحته فلابد أن تكون هذه هبة مقبوضة، وإلا فإذا وهب الواهب بكلامه، ولم يقبض الموهوب شيئاً حتى مات الواهب؛ كان ذلك باطلاً عند جماهير العلماء، فكيف يهب النبي صلى الله عليه وسلم فدكاً لفاطمة ولا يكون هذا أمراً معروفاً عند أهل بيته والمسلمين، حتى تختص بمعرفته أم أيمن أو علي رضي الله عنهما([827])).([828])
الوجه الثاني: أن الصحيح الثابت في هذه الحادثة أن فاطمة رضي الله عنها طالبت أبا بكر بميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذر إليها من ذلك محتجاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: {لا نورث، ما تركنا صدقة} على ما أخرج ذلك الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: [[إن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (لا نورث، ما تركنا صدقه)، إنما يأكل آل محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المال، وإني والله لا أغير شيئاً من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أبو بكر أن يدفع لفاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت]].([829])
فقد كانت فاطمة رضي الله عنها مجتهدة في ذلك، اعتقدت أن الحق معها، ثم لما رأت من عزم الخليفة على رأيه أمسكت عن الكلام في المسألة، وما كان يسعها غير ذلك.
قال ابن حجر في توجيه اجتهادها: (وأما سبب غضبها -أي فاطمة - مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله: (لا نورث) ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل، فلما صمم على ذلك انقطعت عن الاجتماع به لذلك).([830])
الوجه الثالث: أن السنة والإجماع قد دلا على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث فيكون الحق في هذه المسألة مع أبي بكر رضي الله عنه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (كون النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث ثبت بالسنة المقطوع بها، وبإجماع الصحابة، وكل منهما دليل قطعي، فلا يعارض ذلك بما يظن أنه عموم، وإن كان عموماً فهو مخصوص، لأن ذلك لو كان دليلاً لما كان إلا ظنياً فلا يعارض القطعي، إذ الظني لا يعارض القطعي، وذلك أن هذا الخبر([831]) رواه غير واحد من الصحابة في أوقات ومجالس، وليس فيهم من ينكره بل كلهم تلقاه بالقبول والتصديق، ولهذا لم يصرّ أحد من أزواجه على طلب الميراث ولا أصرّ العم على طلب الميراث، بل من طلب من ذلك شيئاً فأخبر بقول النبي صلى الله عليه وسلم رجع عن طلبه، واستمر الأمر على ذلك على عهد الخلفاء الراشدين إلى علي، فلم يغير من ذلك شيئاً، ولا قسم له تركة).([832])
وبإجماع الخلفاء الراشدين على ذلك احتج الخليفة العباسي أبو العباس السفاح على بعض مناظريه في هذه المسألة على ما نقل ابن الجوزي في تلبيس إبليس قال: (وقد روينا عن السفاح أنه خطب يوماً فقام رجل من آل علي رضي الله عنه قال: أنا من أولاد علي رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين! أعدني على من ظلمني قال: ومن ظلمك؟ قال: أنا من أولاد علي رضي الله عنه والذي ظلمني أبو بكر رضي الله عنه حين أخذ فدكاً من فاطمة، قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: ومن قام بعده؟ قال: عمر رضي الله عنه، قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: ومن قام بعده؟ قال عثمان رضي الله عنه، قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: ومن قام بعده؟ فجعل يلتفت كذا وكذا ينظر مكاناً يهرب منه...).([833])
وبتصويب أبي بكر رضي الله عنه في اجتهاده صرح بعض أولاد علي من فاطمة رضي الله عنهما على ماروى البيهقي بسنده عن فضيل بن مرزوق قال: قال زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: [[أما لو كنت مكان أبي بكر، لحكمت بما حكم به أبو بكر في فدك]].([834])
كما نقل القرطبي اتفاق أئمة أهل البيت بدأً بعلي رضي الله عنه ومن جاء بعده من أولاده، ثم أولاد العباس الذين كانت بأيديهم صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهم ما كانوا يرون تملكها، وإنما كانوا ينفقونها في سبيل الله قال رحمه الله: (إن علياً لما ولي الخلافة لم يغيرها عما عمل فيها في عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان، ولم يتعرض لتملكها، ولا لقسمة شيء منها، بل كان يصرفها في الوجوه التي كان من قبله يصرفها فيها، ثم كانت بيد حسن بن علي، ثم بيد حسين بن علي، ثم بيد علي بن الحسين، ثم بيد الحسين بن الحسن، ثم بيد زيد بن الحسين، ثم بيد عبد الله بن الحسين، ثم تولاها بنو العباس على ما ذكره أبو بكر البرقاني في صحيحه، وهؤلاء كبراء أهل البيت رضي الله عنهم وهم معتمد الشيعة وأئمتهم، لم يُرو عن واحد منهم أنه تملكها، ولا ورثها، ولا ورثت عنه، فلو كان ما يقوله الشيعة حقاً لأخذها علي أو أحد من أهل بيته لما ظفروا بها ولم فلا).([835])
فظهر بهذا إجماع الخلفاء الراشدين، وسائر الصحابة، وأئمة أهل البيت رضي الله عنهم أجمعين، على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يورث، وأن ما تركه صدقة، وعلى ذلك جرى عمل الخلفاء الراشدين، وأئمة أهل البيت الذين كانت بأيديهم صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بغضب فاطمة الذي يغضب له هو:أن تغضب بحق، وإلا فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يغضب لنفسه، ولأحد من أهل بيته بغير حق، بل ما كان ينتصر لنفسه ولو بحق مالم تنتهك محارم الله، كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: {ما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يأثم، فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه، والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط، حتى تنتهك حرمات الله فينتقم لله}.([836])
وفاطمة رضي الله عنها على جلالتها، وكمال دينها، وفضلها، هي مع ذلك ليست معصومة، بل قد كانت تصدر منها بعض الأمور التي ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرها عليها، وقد تطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الشيء فلا يجيبها له: كسؤالها النبي صلى الله عليه وسلم خادماً فلم يعطها، وأرشدها وعلياً للتسبيح كما ثبت في حديث علي رضي الله عنه في الصحيحين.([837])
وفي سنن أبي داود عن عمر بن عبد العزيز: إن فاطمة سألت الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجعل لها فدكاً فأبى.([838])
وثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن فاطمة جاءت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت له: {إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي بنية! ألست تحبين ما أحب؟ فقالت: بلى، قال: فأحبي هذه...}.([839])
فلم يجبها النبي صلى الله عليه وسلم لشيء من ذلك، فدل على عدم موافقته لها في كل شيء، بل قد تفعل الأمر مجتهدة فتخطئ فلا يقرها عليه، وبالتالي فأن لا يغضب لغضبها من باب أولى.
وطلبها ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي بكر من جنس ذلك، فقد كانت رضي الله عنها مجتهدة وكان الحق في ذلك مع أبي بكر؛ للنص الصريح في ذلك، ولموافقة الصحابة له في رأيه، فكان إجماعاً معتضداً بالنص كما تقدم، فأبو بكر في ذلك قائم بالحق، متبع للنص، مستمسك بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة، فكيف يتصور أن يسخط بفعله هذا رسول الله! وهو إنما يعمل بشرعه، ويهتدي بهديه.
الوجه الخامس: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: {فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني}([840])، من نصوص الوعيد المطلق التي لا يستلزم ثبوت موجبها في حق المعنيين إلا بعد وجود الشروط، وانتفاء الموانع.([841]) هذا مع أن ما في هذا الحديث من الوعيد لو كان لازماً لكل من أغضبها مطلقاً، لكان لازماً لعلي قبل أبي بكر، ولكان لحوقه بعلي أولى من لحوقه بأبي بكر، إذ أن مناسبة هذا الحديث هو خطبة علي رضي الله عنه لابنة أبي جهل وشكوى فاطمة له على النبي صلى الله عليه وسلم على ما روى الشيخان من حديث المسور بن مخرمة قال: {إن علياً خطب بنت أبي جهل فسمعت بذلك فاطمة، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح بنت أبي جهل، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته حين تشهد يقول: أما بعد أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني وصدقني، وإن فاطمة بضعة مني وإني أكره أن يسوءها، والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد، فترك علي الخطبة}.([842])
وفي رواية: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني}.([843])
فظهر أن مناسبة الحديث هي خطبة علي رضي الله عنه لابنة أبي جهل وغضب فاطمة من ذلك، والنص العام يتناول محل السبب، وهو نص فيه باتفاق العلماء، حتى قالوا: لا يجوز إخراج السبب بدليل تخصيص، لأن دلالة العام على سببه قطعية وعلى غيره على وجه الظهور([844]) وعلى هذا فلو كان هذا الحديث متنزلاً على كل من أغضب فاطمة؛ لكان أول الناس دخولاً في ذلك علياً رضي الله عنه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ضمن رده على الرافضة في هذه المسألة وبعد أن ذكر الحديث: (فسبب الحديث خطبة علي رضي الله عنه لابنة أبي جهل والسبب داخل في اللفظ قطعاً، إذ اللفظ الوارد على سبب لا يجوز إخراج سببه منه، بل السبب يجب دخوله بالاتفاق.
وقد قال في الحديث: {يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها} ومعلوم قطعاً أن خطبة ابنة أبي جهل عليها رابها وآذاها، والنبي صلى الله عليه وسلم رابه ذلك وآذاه، فإن كان هذا وعيداً لاحقاً لزم أن يلحق هذا الوعيد علي بن أبي طالب، وإن لم يكن وعيداً لاحقاً بفاعله، كان أبو بكر أبعد عن الوعيد من علي).([845])
الوجه السادس: أن فاطمة رضي الله عنها كانت قد رجعت عن قولها في المطالبة بإرث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما نص على ذلك غير واحد من الأئمة في الحديث والسير.
قال القاضي عياض: (وفي ترك فاطمة منازعة أبي بكر بعد احتجاجه عليها بالحديث: التسليم للإجماع على قضية، وأنها لما بلغها الحديث وبين لها التأويل، تركت رأيها، ثم لم يكن منها ولا من ذريتها بعد ذلك طلب ميراث، ثم ولي علي الخلافة فلم يعدل بها عما فعله أبو بكر، وعمر رضي الله عنهم).([846])
وقال القرطبي: (فأما طلب فاطمة ميراثها من أبيها من أبي بكر فكان ذلك قبل أن تسمع الحديث الذي دل على خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وكانت متمسكة بما في كتاب الله من ذلك، فلما أخبرها أبو بكر بالحديث توقفت عن ذلك ولم تعد إليه).([847])
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فهذه الأحاديث الثابتة المعروفة عند أهل العلم، وفيها ما يبين أن فاطمة رضي الله عنها طلبت ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما كانت تعرف من المواريث، فأخبرت بما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت ورجعت).([848])
وقال ابن كثير رحمه الله: (وقد روينا أن فاطمة رضي الله عنها احتجت أولاً بالقياس، وبالعموم في الآية الكريمة، فأجابها الصديق بالنص على الخصوص بالمنع في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها سلمت له ما قال، وهذا هو المظنون بها رضي الله عنها).([849])
فظهر بهذا رجوع فاطمة رضي الله عنها إلى قول أبي بكر، وما كان عليه عامة الصحابة، وأئمة أهل البيت من القول بعدم إرث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو اللائق بمقامها في الدين والعلم، فرضي الله عنها وأرضاها.
الوجه السابع: أنه ثبت عن فاطمة رضي الله عنها أنها رضيت عن أبي بكر بعد ذلك، وماتت وهي راضية عنه، على ما روى البيهقي بسنده عن الشعبي أنه قال: [[لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها، فقال علي: يا فاطمة! هذا أبو بكر يستأذن عليك؟ فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له فدخل عليها يترضاها، فقال: والله ما تركت الدار والمال، والأهل والعشيرة، إلا إبتغاء مرضاة الله، ومرضاة رسوله، ومرضاتكم أهل البيت، ثم ترضاها حتى رضيت]].([850])
قال ابن كثير: (وهذا إسناد جيد قوي والظاهر أن عامر الشعبي سمعه من علي أو ممن سمعه من علي).([851])
وقال ابن حجر: (وهو وإن كان مرسلاً فإسناده إلى الشعبي صحيح، وبه يزول الإشكال في جواز تمادي فاطمة عليها السلام على هجر أبي بكر).([852])
وقال أيضاً: (فإن ثبت حديث الشعبي أزال الإشكال، وأخلق بالأمر أن يكون كذلك، لما علم من وفور عقلها ودينها، عليها السلام).([853])
وبهذا تندحض مطاعن الرافضة على أبي بكر التي يعلقونها على غضب فاطمة عليه، فلئن كانت غضبت على أبي بكر في بداية الأمر فقد رضيت عنه بعد ذلك وماتت عليه، ولا يسع أحداً صادقاً في محبته لها، إلا أن يرضى عمن رضيت عنه، ولا يعارض هذا ما ثبت في حديث عائشة المتقدم [[أنها وجدت على أبي بكر فلم تكلمه حتى توفيت]]([854]) فإن هذا بحسب علم عائشة رضي الله عنها راوية الحديث، وفي حديث الشعبي زيادة علم، وثبوت زيارة أبي بكر لها، وكلامها له، ورضاها عنه، فعائشة رضي الله عنها نفت والشعبي أثبت، ومعلوم لدى العلماء أن قول المثبت مقدم على قول النافي، لأن احتمال الثبوت قد حصل بغير علم النافي، خصوصاً في مثل هذه المسألة فإن عيادة أبي بكر لفاطمة رضي الله عنها ليست من الأحداث الكبيرة التي تشيع في الناس، ويطلع عليها الجميع، وإنما هي من الأمور العادية التي تخفى على من لم يشهدها، والتي لا يعبأ بنقلها لعدم الحاجة لذكرها.
على أن الذي ذكره العلماء أن فاطمة رضي الله عنها لم تتعمد هجر أبي بكر رضي الله عنه أصلاً، ومثلها ينزه عن ذلك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الهجر فوق ثلاث، وإنما لم تكلمه لعدم الحاجة لذلك.
قال القرطبي في سياق شرحه لحديث عائشة المتقدم: (ثم إنها -أي فاطمة - لم تلتق بأبي بكر لشغلها بمصيبتها برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولملازمتها بيتها، فعبر الراوي عن ذلك بالهجران، وإلا فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث}(