آخر تحديث للموقع :

الثلاثاء 16 صفر 1441هـ الموافق:15 أكتوبر 2019م 10:10:56 بتوقيت مكة
   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

أبحاث من مسودة كتاب من فضائل وأخبار معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ..
أبحاث من مسودة كتاب
من فضائل وأخبار معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه
دراسة حديثية
تأليف: محمد زياد بن عمر التكلة
عفا الله عنه

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم على محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اهتدى بهُداهُم إلى يوم الدين، أما بعد:
 
  اعْلَمْ رحمك الله أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه من الصحابة الأجلّة الكرام، الذين يجبُ الترضّي عن جميعهم، ولا يجوز الطعنُ فيهم، كما هو اعتقادُ الفرقة الناجية؛ أهلِ السُنَّة والجماعة، كيف وقد قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَسُبُّوا أصحابي، فلو أنّ أَحدَكُم أنفقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبا؛ ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهمْ ولا نَصيفَه". متفقٌ عليه.
أولئك أصحابُ النبيِّ وحِزْبُه *** ولولاهُمُ ما كانَ في الأرضِ مُسْلِمُ
 
فلا يجوز الطعنُ في آحادهم، فكيف بمن له فضائل ثابتة -خاصة وعامة- مثلَ معاوية؟
وإنني أورِدُ على عُجالةٍ شذرات من فضائل وأخبار معاوية رضي الله عنه، مُعتَنيا ومُنتَقيا في النقل، كما يرى الناظر بين يديه، وذلك ذبّاً عن صحابة أكرم الخلق صلى الله عليه وسلم، وكتَبَةِ الوحي، وحَمَلة العلم، ونَقَلَة الدِّين، وأَمانِ الأُمَّة[1]، ودَفعا لـهَجمات أعداء السُنّة والإسلام[2]؛ ومَن اغتَرَّ بشُبَهِهِم من الجَهَلة والأغمار، وتيسيرا وخِدْمةً لمَن يتصدَّى لهم بالرَدِّ والمُنافَحة.
 إذ رأيتُ غالبَ جهودِ أهلِ السُنَّة مُقتصرةً على دفع الهَجمَات المسعورة ضِدَّ هذا الصحابيِّ الجليل، حتى كادتْ فضائلُه ومناقبُه تُصبحُ نَسْياً مَنْسِياً عند الأُمَّة، فآثرتُ أن أجلِّيَ شيئا منها، وأن أقاومَ الهدمَ بالبِناء، وكلٌّ على ثَغْرٍ وأجر.
 
وإني لأرجو بعملي هذا وَجْهَ الله تعالى، فأسألُه سبحانَه القَبولَ والنَّفع، وأن يدّخر لي أَجْرَه ليومِ الدين، (يومَ ينظُرُ المرءُ ما قدَّمتْ يَداهُ، ويَقولُ الكافرُ يا لَيْتَني كنتُ تُرابا).
 
فاللهمّ انصُر دينَكَ، وكتابَكَ، وسُنّةَ نَبيِّك، وعِبادَكَ الصالحين.
سُبحانك اللهم وبحمدك، أشهدُ أن لا إله إلا أنت، أستغفرُك وأتوبُ إليك.
 
قاله أفقرُ العباد: محمد زياد بن عمر التُّكْلَة الدمشقي الأثري[3].
غفر الله له، ولأهله، ومشايخه، وأحبابه، وللمسلمين، ولمن دعا لهم، إلى يوم الدين.
الخميس 22 جمادى الأولى 1423
 
تنبيه: هذا المنشور بين يديك عبارة عن مسودة غير مكتملة الأبحاث، ولكن نظرا لقلة اشتغالي فيها الآن لضيق وقتي؛ مع إلحاح عدد من الإخوة طلبة العلم والدعاة المنافحين عن السنة؛ فقد ارتأيتُ انتقاء بعض الأبحاث المكتملة وشبه المكتملة ليستفيد منها أهل السنة في مقابل الهجمات المسعورة من أعدائها، ولعل أن يكون ذلك من المسابقة في الخيرات، والمسارعة إلى المغفرة والحسنات.
وإني ماضٍ في الجمع والتحرير ما شاء الله تعالى، وأرجو أن ييسر الله الفراغ من الرسالة في أقرب وقت، وأن يتقبلها وينفع بها، ولا أستغني عن دعاء إخواني في الله وإفاداتهم وملاحظاتهم.
وإلى الفراغ منها أحرّج على من يتقي الله عدم طبع هذه المسودة، فضلا أن يحوّرها ويدّعيها مدّع، والله الموعد.
ولا يفوتني التنبيه على أن التحرير في أول المسودة أكثر من آخرها.
والحمد لله أولا وآخرا.
محمد زياد التكلة، الرياض 18/11/1425

معاوية رضي الله عنه في سطور:
 
هو أبوعبد الرحمن مُعاوية بن أبي سُفيان صَخْر بن حَرْب بن أُمَيَّة بن عبد شَمْس بن عبد مَناف بن قُصي بن كِلاب القُرَشي، وأٌمُّه: هِند بنت عُتبة بن رَبيعة بن عبد شمس.
يلتقي نسبُه مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في عبدِ مَناف.
وُلد معاوية قبل البعثة بخمس سنين على الأشهر، وقيل بسبع، وقيل بثلاث عشرة.
تزوج في عهد عمر رضي الله عنه، وله من الأولاد: عبد الرحمن، وأمُّه فاختة بنت قَرَظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف، ولم يُعقب.
ويَزيد الذي تولى الخلافة، وأُمُّه مَيْسُون بنت بَحدل الكَلبية، وله عقب.
وعبد الله، ولقبه: مُنقب، وأمُّه فاختة، ولا عقب له من الذكور.
وهِند، ورَمْلة، وصَفيّة، وأمةُ ربِّ المشارق، وعاتِكة.
وتزوج نائلة بنت عُمارة الكَلبية، وقريبة بنت أبي أمية المخزومية، وكَتْوة بنت قرظة[4].
فأما حِليتُه: فقد كان طويلا، أبيض، جميلا، مَهيبا، أَجْلَح، إذا ضحك انقلبت شَفَتُه العُليا، وأصابته لَقْوَةٌ آخر عُمُرِه.
وكان يخضبُ بالحِنَّاء والكَتم، ويصفّر لحيته حتى تكون كالذهب.
وكان من الكَتَبة الحَسَبة الفَصَحة الفُقهاء[5]، ويُضربُ المَثَلُ بحِلْمه وعَقْله.
وبعد إسلام أبيه أبي سفيان: انتقلَ وأهلَه إلى المدينة، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين معاوية والحُتات بن يزيد المُجاشِعي، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عن معاوية راضٍ.
مكث أميرا على الشام في خلافة عمر وعثمان عشرين سنة، ثم خليفةً للمسلمين مثلَها.
توفي بدمشق للنصف من رجب سنة ستين، وصلّى عليه الضحاك بن قيس الفِهْري رضي الله عنه.
وعاش معاوية ثمانية وسبعين عاما، وقيل غيرُ ذلك، رضي الله عنه وأرضاه.

من فضائل معاوية رضي الله عنه في القرآن الكريم:
 
- قال الله تعالى: (ثمَّ أنزلَ سَكينَتَهُ على رسولِه وعلى المؤمنين، وأنزَلَ جُنوداً لم تَرَوها، وعذَّبَ الّذين كفروا، وذلك جَزاءُ الكافرين) [التوبة: 26]
ومعاوية رضي الله عنه من الذين شهدوا غزوة حُنين المقصودة في الآيات، وكان من المؤمنين الذين أنزل الله سكينتَه عليهم مع النبي صلى الله عليه وسلم.
 
- وقال جلَّ وعلا: (لا يَستَوي مِنكم مَن أَنفقَ مِن قَبلِ الفتحِ وقاتَل، أولئكَ أعظَمُ درَجةً مِنَ الذينَ أنفقوا مِن بَعدُ وقاتَلوا، وكُلاً وَعَدَ اللهُ الحُسنى، واللهُ بما تَعملون خَبير) [الحديد: 10]
قلت: ومعاوية رضي الله عنه لا يخلو أن يكون على حالَين: أن يكون قد أسلم قبل فتح مكة كما رجّح وصحّح الحافظُ ابنُ حَجَر فيما يأتي، أو يكون بعد ذلك، وقد أنفق وقاتل في حُنين والطائف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ممن وعَدَهم الله الحُسنى بنص الآية، والحُسنى: الجنّة، كما قال تعالى: (إنَّ الَّذينَ سَبَقَتْ لَهُم مِنَّا الحُسْنَى أولئكَ عَنْها مُبْعَدون، لا يَسْمَعون حَسِيسَها وهُمْ فيما اشْتَهَتْ أَنْفُسُهم خالِدُون) [الأنبياء: 101]
 
- وقال تعالى: (لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ والمُهاجِرينَ والأنْصارِ الَّذينَ اتَّبَعُوهُ في سَاعَةِ العُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلوبُ فَريقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِم، إنَّهُ بِهِم رَؤوفٌ رَحيمٌ) [التوبة: 117]
وساعةُ العُسرة هي غزوةُ تَبُوك، وقد شَهِدَها مُعاوية[*1]  رضي الله عنه[6].
 
- وقال تعالى: (يومَ لا يُخْزِيْ اللهُ النَّبيَّ والذينَ آمَنوا مَعه، نُورُهُمْ يَسعى بينَ أيديْهم وبأيْمانِهم) [التحريم: 8]
قال الإمام الآجُرِّي في الشريعة (5/2432) عن معاوية رضي الله عنه: "فقد ضمن الله الكريم بأن لا يُخزيه، لأنه ممَّنْ آمَنَ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم".
 
وانظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (4/458-465)
 
من فضائل معاوية رضي الله عنه ثبوت كونه كاتبا للنبي صلى الله عليه وسلم، وكتابته الوحي:
 
- روى مسلم[*2]  في صحيحه (رقم 2501 أو 16/62 مع شرح النووي) من حديث ابن عباس: أن أبا سفيان قال: يا نبيَّ الله، ثلاثٌ أَعطِنيهنّ. قال: نعم. قال: عندي أحسنُ العربِ وأجملُه أمُّ حَبيبة بنت أبي سفيان؛ أُزوّجُكها. قال: نعم. قال: ومعاوية تجعلُه كاتبا بين يديك. قال: نعم. قال: وتؤمّرني حتى أقاتل الكفار كما كنتُ أقاتلُ المسلمين؟ قال: نعم.[7]
 
- روى الطيالسي (4/465) وأحمد (1/291 و335) والآجري (1937) والبيهقي في الدلائل (6/243) وغيرهم بسند جيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اذهب فادعُ لي معاوية"، قال ابن عباس: وكان كاتِبَه.
وصححه ابن عساكر (59/106) والذهبي في تاريخ الإسلام (4/309)، وأصلُه في صحيح مسلم (2604)
 
- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: إن معاوية كان يكتبُ بين يَدَي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
رواه أبوعوانة (البداية والنهاية 11/403) والبزار (زوائده 3/267 رقم 2722) والآجري (1936) من طريق الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن عبد الله بن الحارث، عن أبي كَثير الزُّبَيدي، عن عبد الله به.
قال الهيثمي في المجمع (9/357): "رواه الطبراني، وإسنادُه حسن".
قلت: أبوكثير اختُلف في اسمه، وهو ثقة، والإسناد كما قال الهيثمي أو أعلى.
 
- وعن سَهْلِ بن الحَنْظَلِيَّة الأنصاري رضي الله عنه: أن عُيَيْنَةَ والأَقْرَعَ سألا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فأمرَ معاويةَ أن يكتُبَ به لهما، ففعلَ، وختَمَها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأَمَر بدفعه إليهما.. الحديث.
رواه أبوداود (1629) وأحمد (4/180) وابن شبّة في أخبار المدينة (911) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (4/104) وابن حبان (2/303 و8/187) والطبراني (6/97 رقم 5619) والآجري (1939) وأبونعيم في معرفة الصحابة (3/1310) والبيهقي (7/25) وابن عساكر (67/157 وفيه سقط)
كلهم من طريق ربيعة بن يزيد، حدثني أبوكَبشة السَّلُولي، أنه سمع سهلَ به.
وسنده صحيح، وقال الألباني: إسناده صحيح على شرط مسلم. (صحيح سنن أبي داود الكبير 5/332)
 
- وغير ذلك من الأخبار، وأمرُ كتابةِ معاوية للوحْيِ؛ وائتمانِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- عليهِ مشهور، وفي السِّيَر والمغازي والتواريخ معروفٌ ومسطور[8].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (4/439): "استَكْتَبَه النبي صلى الله عليه وسلم لخِبْرَتِه وأمانته".

ومن فضائل معاوية رضي الله عنه كونه خال المؤمنين:
 
فهو أخو أمِّ المؤمنين؛ زوجِ النبي صلى الله عليه وسلم؛ أمِّ حَبيبة رَمْلة بنت أبي سفيان رضي الله عنهم، ولذلك قال الإمام أحمد: أقول: معاوية خال المؤمنين، وابن عمر خال المؤمنين. رواه الخلال في السنة (2/433) بسند صحيح.[9]
 
وروى العجلي في الثقات (1/314) ومن طريقه ابن عساكر (15/88) وابن العديم (6/2897) بسند صحيح أن رجلا سأل الحكم بن هشام الكوفي: ما تقول في معاوية؟ قال: ذاك خالُ كلِّ مؤمن.
 
- وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "كل سَبَبٍ ونَسب مُنقطعٌ يوم القيامة غيرَ سَبَبي ونَسَبي"، وفي رواية: "غير نسبي وصِهري".
وللحديث طرقٌ كثيرة، جوَّدَ بعضَها ابنُ كثير في مسند الفاروق (1/388)، وصححه ابن السَّكَن، والحاكم، والضياء، والذهبي، والألباني، وغيرُهم، وانظر الصحيحة (2036) ومختصر استدراك الذهبي على الحاكم (3/1521) والروض البسام (1487)
ولا شك أن معاوية داخلٌ في هذا الفضل.
 
روى الخلال في السنة (2/433) واللالكائي (8/1445) عن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني، قال: قلت لأحمد بن حنبل: أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم: كلُّ صِهر ونسب ينقطع إلا صهري ونسبي؟ قال: بلى. قلت: وهذه لمعاوية؟ قال: نعم! له صهر ونسب.
إسناده صحيح، ويستفادُ منه تثبيتُ الإمام أحمد للحديث.
 
ومن فضائل معاوية:
 
روى البخاري في صحيحه (6/102 رقم 2924 مع الفتح) عن أم حَرَام الأنصارية رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أولُ جيشٍ من أُمَّتي يَغزون البحر قد أَوجَبوا". قالت أم حَرَام: قلت: يا رسول الله، أنا فيهم؟ قال: "أنتِ فيهم". ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أولُ جَيشٍ من أُمَّتي يَغزون مدينة قَيصرَ مغفورٌ لهم". فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: "لا".
ونقل ابنُ حجر والبدر العيني في شرحهما عن المُهلَّب بن أبي صُفْرَة الأندلسي (ت 435) أنه قال: "في هذا الحديث منقبةٌ لمعاوية، لأنه أول من غزا البحر، ومنقبةٌ لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينةَ قيصر".
قلت: أرسل معاويةُ ابنَه يَزيد أميراً على الجيش سنة ثنتين وخمسين[10]، حتى وصل أسوار القسطنطينية، ومعه عدد من الصحابة رضوان الله عليهم، منهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، ومنهم أبوأيوب الأنصاري، وقد توفي هناك، ودُفن عند سورها كما أوصى يزيدَ بذلك.
قال ابنُ حجر وغيرُه: معنى أَوجَبوا: أي فعلوا فِعلاً وَجَبَتْ لهم به الجنّة.
 
وقال الفِريابي: وكان أول من غزا [يعني البحر] معاويةُ في زمن عثمان بن عفان. (الشريعة للآجري 5/2441 رقم 1922)
وعلى ذلك المؤرِّخون، وقال ابن عبد البر في التمهيد (1/242): "لم يختَلفْ أهلُ السِّـيَر فيما عَلمتُ أن غَزاةَ معاوية هذه المذكورةُ في حديثِ هذا الباب إذْ غَزَتْ معه أمُّ حَرَام كانت في خِلافة عُثمان".
وقال ابنُ حَجَر إنَّ أصحَّ الأقوال في غزوة معاوية أنها كانت سنة ثمان وعشرين. (فتح الباري 11/75-76)
 
فضيلة أخرى تتصل بسابقتها:
 
روى البخاري (6282 و6283) ومسلم (1912) عن أنس رضي الله عنه، عن أم حَرَام -وهي خالة أنس، قالت:
أتانا النبيُّ صلى الله عليه وسلم يوما فَقَالَ عندَنا، فاستيقظَ وهو يَضحكُ، فقلت: ما يُضحككَ يا رسولَ الله؛ بأبي أنتَ وأمّي؟ قال: "أُريتُ قوما من أمّتي يَركبون ظهرَ البحر كالمُلوكِ على الأَسِرَّة". فقلت: ادعُ اللهَ أن يجعلَني منهم. قال: "فإنَّكِ منهم". قالت: ثمَّ نام، فاستيقظَ أيضاً وهو يَضحك، فسألتُه، فقال مثل مقالته، فقلتُ: ادعُ الله أن يجعلني منهم. قال: "أنتِ من الأوّلين".
 قال: فتزوّجَها عُبادَة بن الصامِت بعدُ، فغَزَا في البحر؛ فحَمَلَها مَعَه، فلمّا أن جاءت قَرَّبَت لها بغلة فركبَتها، فصَرَعَتْها؛ فانْدَقَّتْ عُنُقُها".
 
قال ابنُ حجر في الفتح (11/74): "قال ابنُ عبد البر [التمهيد 1/232]: أرادَ -واللهُ أعلم- أنَّه رأى الغُزاةَ في البحرِ مِن أُمَّته مُلوكا على الأَسِّرة في الجنّة، ورُؤياهُ وَحْيٌ، وقد قال الله تعالى في صِفةِ أهلِ الجنَّة: (على سُرُرٍ مُتقابِلين)، وقال: (على الأَرائِكِ مُتَّكِئون)، والأرائكُ: السُّرُرُ في الحِجال. [انتهى كلام ابن عبد البر]
 وقال عِياض: هذا مُحتَمل، ويُحتَمَلُ أيضا أن يَكونَ خَبَرا عَن حَالِهم في الغَزْو مِن سَعَةِ أَحوالهم، وقوامِ أَمْرِهم، وكَثرةِ عَدَدهم، وجَودة عُددهم، فكأنهم الملوكُ على الأَسِرّة.
  قلت: وفي هذا الاحتمال بُعدٌ، والأولُ أَظهرُ، لكنّ الإتيانَ بالتمثيلِ في مُعظَمِ طُرُقِه يَدُلُّ على أنّهُ رأى ما يؤولُ إليه أمرُهم، لا أنهم نالوا ذلك في تِلكَ الحالة، أو موقعُ التشبيه أنهم فيما هم من النّعيم الذي أُثيبُوا به على جهادهم مثلُ ملوك الدنيا على أَسِرَّتهم، والتشبيهُ بالمحسوسات أبلَغُ في نفسِ السامع".
 
فإذا تبيَّن هذا الفضلُ العظيم، كان معاوية من أولى الناس به، إذ أنه أميرُ تلك الغزاة بالاتفاق؛ كما تقدَّم قريبا، وقد قال ابنُ عبد البر عن هذا الحديث في التمهيد (1/235): "وفيه فضلٌ لمعاوية رحمه الله، إذ جَعَلَ مَن غَزا تحتَ رايَتِه مِن الأوَّلين".
وعدّه الآجري (5/2441) واللالكائي (8/1438) وغيرهما من فضائل معاوية رضي الله عنه.
 
ومما يتصل بفضائل معاوية:
 
روى الإمام مسلم في صحيحه (4/2009-2010 رقم 2603) حديث أنس رضي الله عنه مرفوعا، وفي آخرِه: "يا أم سُليم؛ أما تعلمينَ أن شَرْطي على ربي؟ أنّي اشترطتُ على ربي فقلتُ: إنما أنا بشرٌ أرضى كما يرضى البشر؛ وأغضبُ كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوتُ عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهلٍ أن تجعلَها له طهورا وزكاة وقُربة تُقربه بها منه يوم القيامة".
وسبق ذلك عدة أحاديث مثله، عَنْوَن لها النوويُّ بقوله: "باب مَن لعَنهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أو سبَّه أو دعا عليه وليس هو أهلا لذلك؛ كان له زكاةً وأجرا ورحمة"، ثم أورد مسلمٌ عَقِبَها مباشرة ضِمنَ الباب نفسه (4/2010 رقم 2604) حديث ابنَ عباس رضي الله عنهما قال: "كنتُ ألعبُ مع الصِّبيان، فجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فتواريتُ خلفَ باب، قال: فجاء فحَطَأَني حَطْأة، وقال: اذهبْ وادعُ لي معاوية، قال: فجئتُ فقلت: هو يأكل. قال: ثم قال لي: اذهب فادعُ لي معاوية. قال: فجئتُ فقلت: هو يأكل، فقال: لا أشبع الله بطنَه".
 
قلت: والعلماءُ المعتَبَرون فهموا واستنبطوا من الحديث منقبةً لمعاوية رضي الله عنه، فصنيعُ الإمام مسلم صريحٌ في ذلك، وأكّد عليه الإمامُ النووي في تبويبه وشرحه للصحيح، فقال (16/156): "وقد فهم مسلم رحمه الله من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقا للدعاء عليه، فلهذا أدخله في هذا الباب، وجعله غيرُه من مناقب معاوية؛ لأنه في الحقيقة يصير دعاء له"، وأشار لهذا البيهقي في دلائل النبوة (6/243) وعنده زيادة: "فما شبع بطنه أبدا"، وكذلك قرن الحديثين معاً الحافظُ الذهبي في السير (3/124 و14/130)، وفي تذكرة الحفاظ (2/699)، وابنُ كثير في البداية والنهاية (11/402 ط. التركي) وغيرُهما، وعدُّوه من فضائل معاوية[11].
وقال ابن كثير: "وقد انتفعَ معاويةُ بهذه الدعوة في دُنياه وأُخراه، أما فى دنياه فإنه لما صار إلى الشام أميراً كان يأكلُ في اليوم سبعَ مرات، يُجاء بقصعةٍ فيها لحمٌ كثير وبصلٌ فيأكل منها، ويأكل فى اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا، ويقول: (والله ما أشبع، وإنما أعيا)، وهذه نعمةٌ ومعدةٌ يرغبُ فيها كلُّ الملوك".
وقال عبد الله بن جعفر بن فارس في زياداته على مسند الطيالسي (4/465 ط. التركي): "معناه -والله أعلم: لا أشبعَ الله بطنَه في الدنيا حتى لا يكونَ ممّن يجوعُ يومَ القيامة، لأن الخبرَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: أطولُ الناس شبَعاً في الدنيا أطوَلُهم جُوعاً يومَ القيامة".
 
ومما أفاده النوويُّ رحمه الله في شرحه لعبارة "لا أشبع الله بطنه": "إن ما وقع من سَبِّه [صلى الله عليه وسلم] ودعائه ونحوِه ليس بمقصود، بل هو مما جَرَتْ به عادةُ العرب في وَصْلِ كلامها بلا نيّة، كقوله: تَرِبَت يمينُك، وعَقْرَى، وحَلْقَى، وفي هذا الحديث: لا كبرت سنُّك، وفي حديث معاوية: لا أشبع الله بطنه، ونحو ذلك، لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقةَ الدُّعاء، فخاف صلى الله عليه وسلم أن يصادف شيء من ذلك إجابة، فسأل ربَّه سبحانه وتعالى ورغب إليه في أن يجعل ذلك رحمةً وكفارة وقُربة وطَهورا وأجرا، وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأزمان، ولم يكن صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ولا لعّانا ولا مُنتقما لنفسه".
وأفاد بعض طلبة العلم أن مِن نظائر ذلك قولُه صلى الله عليه وسلم: "ثكلتكَ أُمُّكَ يا مُعاذ"، ومن كلام العرب الذي لا يُقصد معناه: لا أبا لك، وغير ذلك.
وقد أطنب الإمام الألباني في معنى هذا الحديث (السلسلة الصحيحة 1/164-167 رقم 82 و83 و84)
 
- وكذلك روى مسلم في صحيحه (1480) حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها؛ لما طلقها زوجها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا حَلَلتِ فآذِنيني"، قالت: فلمّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ له أنَّ مُعاوية بن أبي سُفيان وأبا جَهْمٍ خَطَباني، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أمّا أبوجَهمٍ فلا يَضَعُ عَصاهُ عن عاتِقِه، وأما مُعاوية فصُعْلوكٌ لا مالَ له.." الحديث.
وفي رواية عند مسلم: "أما مُعاويةُ فرَجُلٌ تَرِبٌ لا مالَ له، وأما أبوجَهمٍ فرجلٌ ضَرَّابٌ للنِّساء".
وفي رواية عنده أيضا: "إنَّ مُعاويةَ تَرِبٌ خَفيفُ الحال، وأبوالجَهمِ منه شِدَّةٌ على النِّساءِ، أو يَضرِبُ النِّساءَ، أو نحو هذا"[12].
 
قلت: لو كان في دينِ مُعاويةَ أو خُلُقِهِ شيءٌ لذَكَرَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم من باب أولى، ولم يكن من حاله عيبٌ إلا أنه خفيف ذاتِ اليد وقتَها، إذ كان في أوَّلِ شبابِه رضي الله عنه، وحالُه في المال يتبيَّنُ في قصة أُمِّه هِندَ -في البخاري ومسلم- وفيها أنها سألت النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ أبا سُفيان رجلٌ شَحيحٌ، وليس يُعطيني ما يَكفيني ووَلَدي؛ إلا ما أَخَذْتُ مِنه وهو لا يَعلم؟ قال: خُذي ما يَكفيكِ ووَلَدَكِ بالمعروف".
 
ومن فضائل معاوية:
 
روى ابن سعد (1/112 تحقيق السلومي) ومن طريقه ابن عساكر (59/153) عن مرجانة أم علقمة[13] قالت: "قَدِمَ معاويةُ بن أبي سفيانَ المدينة، فأرسلَ إلى عائشةَ: أن أَرْسِلي إليَّ بأنبجانيّة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وشَعْرِه، فأَرْسَلَتْ به معي، حتى دخلْتُ به عليه، فأخذَ الأنبجانيةَ فَلَبسَها، وأخذَ شَعْرَه فدعا بماء فَغَسلَه، فشَرِبَه وأفاضَ على جِلْدِه".
وسنده جيد.
 
ومن فضائل معاوية:
 
عن هِند بنت عُتْبة (امرأة أبي سُفيان، وأم معاوية رضي الله عنهم) أنها جاءت إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسولَ الله، والله ما كان على ظهر الأرض أهلُ خِباء أحبَّ إليّ من أن يُذِلَّهُمُ اللهُ من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحبَّ إليَّ من أن يُعزَّهم الله من أهل خبائك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وأيضا والذي نفسي بيده".. الحديث.
رواه البخاري في مناقب هند من صحيحه (رقم 3825) وكذا مسلم (3/1339 رقم 1714)
قال ابن كثير في البداية والنهاية (11/411 ط. التركي): "فالمِدحة في قوله "وأيضا والذي نفسي بيده"، وهو أنه [صلى الله عليه وسلم] كان يَوَدُّ أن هندَ وأهلَها وكلَّ كافر يَذلّوا في حال كفرهم، فلما أسلموا كان يحبُّ أن يَعِزّوا، فأعزّهم الله، يعني أهلَ خبائها".
قلت: والحديث يدلُّ على تخصيص هند وأهل خبائها بالذات، ثم مما يؤكدُ إعزازَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لها بعد الإسلام؛ أنه استَغفرَ لها لما جاءته مبايعةً مع النساء، فنَزل قولُ الله تعالى: (فبايعهُنَّ واستغفر لهن الله)، وجاء وصفُ المبايعات في الآيات بأنهن من (المؤمنات). [الممتحنة آية: 12 وانظر الحُجَّة لقوّام السُنَّة الأصبهاني 2/571]، والحديث السابق يَدخلُ معاويةُ في فضله، فهو من أهل خباء هند.
 
وكانت لمعاوية منـزلةٌ خاصة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم:
 
روى مسلم في صحيحه (4/2075 رقم 2701) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: خرجَ معاويةُ على حَلْقَة في المسجد، فقال: ما أجلَسَكم؟ قالوا: جَلَسْنا نَذكُر الله. قال: آلله! ما أَجلسَكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك.
قال: أَمَا إني لم أستَحْلِفْكم تُهمةً لكم، وما كان أحدٌ بمنْـزِلَتي مِن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أقلَّ عَنهُ حديثاً مِنّي، وإنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَج على حَلْقَةٍ مِن أصحابِه، فقال: "ما أجلَسَكُم؟" قالوا: جَلَسْنا نَذكرُ اللهَ ونَحمدُه على ما هدانا للإسلام؛ ومَنَّ به علينا. قال: "آلله! ما أَجلَسَكم إلا ذاك؟" قالوا: والله ما أَجلَسَنا إلا ذاك. قال: "أَمَا إني لم أَستَحْلِفْكُم تُهمةً لَكُم، ولكنّهُ أتاني جبريلُ فأخبرني أن الله عزَّ وجلًّ يُباهي بكم الملائكة".
 
والشاهد من الحديث قولُ معاوية: "وما كان أحدٌ بمنْـزِلَتي مِن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أقلَّ عَنهُ حديثاً مِنّي".
ورواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1/380 رقم 518) والطبراني (19/363 رقم 854) والآجري (1947) من طُرُق عن عبد الأعلى السَّامي، عن سعيد الجُرَيري، عن عبد الله بن بُريدة عن معاوية، بزيادة: "كنتُ ختَنَه، وكنتُ في كُتّابِه، وكنت أُرَحِّلُ له ناقَتَه".
وسندُه صحيح، رجاله ثقات، وعبد الأعلى سمع من الجريري قبل اختلاطه.
والحديث عدّه الآجري من فضائل معاوية.
 
ومن دلائل النبوة الإخبار بخلافة معاوية:
 
رُوي في التصريح بذلك حديث:
أنَّ معاوية أخذ الإداوة بعدَ أبي هريرة يَتْبَعُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بها، واشتكى أبوهريرة، فبينا هو يُوَضِّئُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رَفَعَ رأسَهُ إليه مَرَّةً أو مَرَّتينِ، فقال: "يا معاوية، إنْ وَلِيْتَ أَمْراً فَاتَّقِ الله عزَّ وجلَّ واعْدِلْ".
قال: فما زِلْتُ أَظُنُّ أنِّي مُبتلىً بعَمَلٍ لِقَولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم حتى ابتُلِيتُ.[14]
وهو حديث مقاربٌ قابلٌ للتحسين، كما ذهب البيهقي والذهبي.
 
ومن دلائل النبوة في الإخبار بأن ولايته رحمةٌ على الأمة:
 
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: جرى بعد موت معاوية من الفتن والفرقة والاختلاف ما ظهر به مصداقُ ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: "سيكون نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة نبوة ورحمة، ثم يكون مُلْكٌ ورحمة، ثم يكون مُلْكٌ عَضوض".[15]
فكانت نبوة النبي صلى الله عليه وسلم نبوة ورحمة، وكانت خلافة الخلفاء الراشدين خلافة نبوة ورحمة، وكانت إمارة معاوية مُلكا ورحمة، وبعده وقع مُلْكٌ عضوض.[16]
 
ومن دلائل النبوة:
 
روى مسلم في صحيحه (2531) عن أبي موسى رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "النُّجوم أَمَنةٌ لأهل السماء، فإذا ذَهَبَتْ النجومُ أتى السماءَ ما تُوعَد، وأنا أمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذَهَبْتُ أتى أصحابي ما يوعَدون، وأصحابي أَمَنَةٌ لأُمَّتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أُمَّتي ما يوعَدون".
وقد وقع ذلك كما أخير الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم، فلما تُوفي ارتدَّ كثير من الناس، ووقع في المسلمين الخوف والضعف، وأتاهم ما يوعدون.
ثم أقام الله الدين بأبي بكر الصديق رضي الله عنه، فأعادهم للإسلام، وشرع في فتح الشام والعراق، ثم انتشرت الفتوح والمغازي أيام عمر وعثمان رضي الله عنهما.
فلما شُغل المسلمون بعد مقتل عثمان توقفت الفتوح، ثم عادت لما اجتمعت الأمة على معاوية.
أفاده ابن تيمية، وقال: فلما ذهبت إمارة معاوية كثرت الفتن بين الأمة، ومات سنة ستين، وكان قد مات قبله عائشةُ والحسنُ وسعدُ بن أبي وَقّاص وأبوهريرة وزيد بن ثابت وغيرُهم من أعيان الصحابة، ثم بعده مات ابنُ عمر وابنُ عباس وأبوسعيد وغيرُهم من علماء الصحابة.
فحَدَثَ بعد الصحابة من البِدَعِ والفِتَنِ ما ظَهَرَ به مصداقُ ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم.[17]
 
حول ثبوت الأحاديث الخاصة في فضائل معاوية:
 
روى ابن عساكر (59/106) وابن الجوزي في الموضوعات (2/24) من طريق أبي عبد الله الحاكم، عن أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم، قال: سمعت أبي يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل معاوية بن أبي سفيان شيء.
 
قلت: وعلى هذه العبارة اتكأ غالبُ مَن ردَّ ما ثبت من أحاديث في فضل معاوية رضي الله عنه، وهي عبارةٌ لم تثبت عن الإمام إسحاق؛ المعروف بابن راهُوْيَه، فالراوي عنه: يعقوب بن الفضل ترجمتُه عزيزةٌ جدا، إذ لم يَذكُرْه ابنُ أبي حاتم ولا ابن حِبّان مع استيعابهما، إنما ذكره الخطيب في تاريخه (14/286) باقتضاب شديد، وترجمه الذهبي في السير (15/453) وتاريخ الإسلام (وفيات 277 ص496)، ولم أجد فيه جرحا ولا تعديلا.
وقال الحافظ ابن عساكر بعد روايته له معقّبا: "وأصحُّ ما رُوي في فضل معاوية حديثُ أبي حمزة عن ابن عباس أنه كاتِبُ النبيِّ [صلى الله عليه وسلم]، فقد أخرجه مسلم في صحيحه، وبعدَه حديثُ العِرباض: اللهم علّمه الكتاب، وبعده حديث ابن أبي عَمِيرة: اللهم اجعله هاديا مهديّا".
فهذا ردٌ منه على الكلام المنسوب لإسحاق، ورأيتُ ابنَ حَجَر الهيتَمي يُشكك في ثبوت التضعيف عن إسحاق، كما في تطهير الجَنان له (ص12)
 
وربما احتجَّ بعضُهم بقِصةٍ غير صريحة في الباب تُروى عن الإمام النَّسائي رحمه الله من وجوه مختلفة المتن والمكان، انظرها في تهذيب الكمال (1/338-339) وبغية الراغب المُتَمَنِّي للسخاوي (ص127-132 تحقيق العبد اللطيف، ص89-93 تحقيق إبراهيم بن زكريا)[18].
 
ويُخالف كلَّ هذا تصحيحُ جَمْعٍ من الحفاظ لأحاديث في فضائل معاوية، وتبويبِ بعضهم لذلك، كالترمذي وغيره، بل وإفرادُ بعضهم لمناقبه، ويأتي شيءٌ من ذلك.
وأشارَ الحافظُ أبوموسى المَديني لثبوت جُملةٍ من الفضائلِ لمُعاوية رضي الله عنه.[19]
 
فضيلة خاصة لمعاوية:
 
ثبت في الحديث الصحيح أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم ذَكَر معاويةَ رضي الله عنه، فقال: "اللهم اجْعَلْه هادياً مَهْدياً، واهْدِ به".[20]

فضيلة ثانية خاصة بمعاوية:
 
ثَبَتَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم دعا لمعاوية فقال: "اللهمَّ عَلِّمْهُ الكِتابَ والحِسابَ، وقِهِ العَذاب".[21]

ذكر بعض من أفرد فضائل معاوية رضي الله عنه بالتصنيف:
 
صنَّف الحافظ أبوبكر بن أبي الدنيا (ت: 281) كتابا في حِلْم معاوية (الموجود منتقى منه مجرد الأسانيد، مخطوط في الظاهرية، ويُستخرج أغلبُه من تاريخ ابن عساكر)، وصنّف في مناقبه أبوبكر ابن أبي عاصم (ت: 287)، وأبوعمر غلام ثعلب (ت: 345)، وأبوبكر النقاش (ت: 351 -ذَكَر كتابهما ابن حجر في فتح الباري 7/104 وانظر المجمع المؤسس لابن حجر 1/287)، وجمع أبوالفتح بن أبي الفوارس (ت: 412) في فضائل معاوية (منهاج السنة 4/84)، وصنف أبوالقاسم السقطي (ت: 406) جزءا في فضائل معاوية (مخطوط في الظاهرية)، وكذا علي بن الحسن الصيقلي القزويني (التدوين 3/352)، وللحسين بن علي الأهوازي (ت: 446) كتابُ شرح عِقد أهل الإيمان في معاوية بن أبي سفيان (في الظاهرية الجزء السابع عشر منه)، ولأحمد رضا البريلوي[22] (ت: 1340) كتابُ الأحاديث الراوية لمناقب الصحابي معاوية (كما في معجم الموضوعات المطروقة ص595)
وقد طُبعت مؤخرا رسائل: ابن أبي الدنيا، والسقطي، والأهوازي معا، بتحقيق هزايمة وياسين، نشر مؤسسة حمادة، إربد، الأردن، كما طبع رسالة ابن أبي الدنيا لوحدها: إبراهيم صالح في دار البشائر بدمشق.
 
أما من ذبّ عن معاوية رضي الله عنه ودافع عنه:
 
فمنهم أبويعلى محمد بن الحسين الفراء في كتابه: تنـزيه خال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان من الظلم والفسق في مطالبته بدم أمير المؤمنين عثمان (حققه عبد الحميد بن علي الفقيهي، ثم حققه أبوعبد الله الأثري وطبعه بدار النبلاء بعَمّان، ولِكِلا المحققَين مقدمة مفيدة للكتاب)، ولشيخ الإسلام ابن تيمية جواب سؤال عن معاوية بن أبي سفيان (حققه صلاح الدين المنجد، وطبع بدار الكتاب العربي في بيروت، وطُبع ناقصا ضمن مجموع الفتاوى 4/453 وانظر 35/58-79 منه)، ولأحد علماء اليمن سنة 1137: نصيحة الإخوان في ترك السب لمعاوية بن أبي سفيان (كما في ذيل كشف الظنون 4/652)، ولأحمد بن حَجَر الهَيْتَمي: تطهير الجَنان واللسان عن الخوض والتفوّه بثلب معاوية بن أبي سفيان (طبع آخر الصواعق المُحرقة له، وطبع في مكتبة الصحابة بطنطا وغيرها مفردا، واختصره الشيخ سليمان الخراشي، وقدّم له مقدمة مفيدة)، وللشيخ حسن بن علوي بن شهاب الدين العلوي الحضرمي (ت1332): الرقية الشافية من نفثات سموم النصائح الكافية (طبع في سنغافورة عام 1328 ويُعاد طبعه إن شاء الله)، ولعصريّه القاسمي كتابُ نقد النصائح الكافية (طبع)، ولعبد العزيز بن حامد الفرهاوري: الناهية عن الطعن في أمير المؤمنين معاوية (طبع)، وقد جمع الشيخ محمد مال الله رحمه الله كلام ابن تيمية عن معاوية في منهاج السنة (طبع)، وللشيخ زيد الفياض رحمه الله رسالة في الدفاع عن معاوية (لم تطبع، كما في ذيل الأعلام للعلاونة 2/68)، وللشيخ عبد المحسن العباد رسالة: أقوال المنصفين في الصحابي الخليفة معاوية رضي الله عنه (طبع بالجامعة الإسلامية في طيبة)، ولشيخي المؤرخ محمود شاكر ترجمة مفردة لمعاوية ضمن سلسلة خلفاء الإسلام (طبع في المكتب الإسلامي ببيروت)، وللأستاذ منير الغضبان كتاب معاوية بن أبي سفيان صحابي كبير وملك مجاهد (طبع بدار القلم في دمشق)، وللشيخ خالد بن محمد الغيث: مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري، دراسة نقدية مقارنة (طبع بدار الأندلس الخضراء)، وغيرها من مؤلفات المتأخرين.
 
وأما مَن ذَكَر فضائله، أو دافع وذبّ عنه ضمنَ الكتب دونَ إفرادٍ فأكثرُ من أن يُحصى، والله يجزيهم جميعا الخيرَ على جهودهم.
 
تاريخ إسلام معاوية:
 
اختَلف العلماء في تحديده على قولين مشهورين، أحدُهما أنه أسلم في فتح مكة سنة ثمان، والآخر أنه قَبل ذلك[23]، ولكلٍّ من الفريقين أدلتُهم.
ولكن يفصِلُ الخلافَ ما رواه البخاري (1730) ومسلم (1246) عن ابن عباس، عن معاوية رضي الله عنهم- قال: "قصَّرتُ عَن رسول الله صلى الله عليه وسلّم بِمِشقَص".
وقد أطال وأطاب الحافظُ ابنُ حجر في شرح الحديث وتحقيق المسألة، فقال رحمه الله في فتح الباري (3/565):
"قولُه: "قصَّرتُ" أي: أخذتُ من شعر رأسه، وهو يُشعر بأن ذلك كان في نُسُك، إما في حجٍ أو عُمرة، وقد ثَبَتَ أنه [صلى الله عليه وسلم] حَلَقَ في حجَّته، فتعيَّنَ أن يكون في عُمرة، ولا سيّما وقد روى مسلمٌ في هذا الحديث أنَّ ذلك كان بالمَروة، ولفظُه: "قصَّرتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمِشْقَصٍ وهو على المروة، أو رأيتُه يُقَصَّرُ عنه بمشقص وهو على المروة".
وهذا يَحتَمل أن يكونَ في عمرة القضية أو الجِعْرانَة".
 
ثم قال بعدُ (3/565 و566): "وفي كونه في حجَّة الوداع نظرٌ، لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يُحِلَّ حتّى بَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّه، فكيف يُقَصَّرُ عنهُ على المروة؟
 وقد بالغ النوويُّ هنا في الرد على من زعمَ أن ذلك كان في حجة الوداع فقال [شرح صحيح مُسلم 8/231-232]: "هذا الحديث محمولٌ على أن معاويةَ قصَّر عن النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة الجِعْرانَة، لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان قارِناً، وثَبَتَ أنه حَلَقَ بمِنى وفَرَّقَ أبو طلحةَ شَعرَهُ بين الناس، فلا يَصحُّ حَملُ تَقصير معاويةَ على حجَّة الوَداع، ولا يَصحُّ حمله أيضا على عمرة القضاء الواقعةِ سنة سبعٍ، لأن معاويةَ لم يكن يومئذٍ مُسلما، إنما أسلم يومَ الفتح سنة ثمان، هذا هو الصحيح المشهور، ولا يصح قولُ مَن حَمَله على حجة الوداع؛ وزعم أن النبَّي صلى الله عليه وسلم كان متمتِّعا، لأن هذا غلطٌ فاحشٌ، فقد تظاهرت الأحاديثٌ في مُسلمٍ وغيرِه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قيل له: ما شأنُ الناس حَلُّوا من العُمرة ولم تحلَّ أنتَ من عمرتك؟ فقال: إني لبّدتُ رأسي وقلَّدتُ هَدْيي، فلا أُحِلُّ حتى أَنْحَر". [انتهى كلام النووي، قال ابن حجر:]
 "قلت: ولم يذكر الشيخُ هنا ما مرَّ في عمرة القضيَّة، والذي رجَّحه من كون معاوية إنما أسلمَ يوم الفتح صحيحٌ من حيث السند، لكن يمكن الجمعُ بأنه كان أسلمَ خفيةً، وكان يكتُم إسلامَه، ولم يتمكن من إظهارِه إلا يومَ الفتح، وقد أخرج بن عساكر في تاريخ دمشق من ترجمة معاوية [59/66 و67 وانظر ص57 و60 و62 وقد ذكره غير واحد قبله] تصريحَ معاويةَ بأنّهُ أسلمَ بين الحُدَيبية والقضيَّة، وأنه كان يُخفي إسلامَه خوفا من أبويه، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم لما دَخَل في عُمرة القضيَّة مكة خرجَ أكثرُ أهلِها عَنها حتى لا ينظرونَه وأصحابَه يطوفونَ بالبيت، فلعلَّ معاويةَ كان ممّن تخلَّفَ بمكة لسَبَب اقتَضاه.
 ولا يعارضُه أيضا قولُ سعد بن أبي وقاص فيما أخرجه مسلم وغيرُه: "فعلناها -يعني العمرة في أشهر الحج- وهذا يومَئذ كافرٌ بالعُرُش". بضَمَّتَين، يعني بيوت مكة -يشير إلى معاوية، لأنه يُحمل على أنه أَخبَر بما استَصْحَبه مِن حَالِه؛ ولم يطّلع على إسلامِه لكونه كان يُخفيه.
 ويُعكّر على ما جَوَّزوهُ أنَّ تَقصيره كان في عمرة الجِعْرانَة: أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ركب من الجِعْرانَة بعد أن أَحرم بعمرة؛ ولم يَستَصْحِب أحدا معه إلا بعض أصحابه المهاجرين، فَقَدِمَ مكة، فطاف وسعى وحَلَق، ورَجَع إلى الجِعْرانَة، فأَصبَح بها كَبَائِتٍ، فَخَفِيَت عُمرتُه على كثيرٍ مِن النّاس.
 كذا أخرجه الترمذي وغيرُه[24]، ولم يُعَدّ معاويةُ فيمن صَحِبَهُ حينَئذ، ولا كان معاويةُ فيمَن تخلَّف عنهُ بمكة في غزوة حُنين حتى يقال: لعلَّهُ وَجَدَه بمكة، بل كان مع القوم، وأعطاهُ مثلَ ما أعطى أَبَاهُ مِن الغنيمة مع جُملة المؤلَّفة.
 وأخرج الحاكم في الإكليل[25] في آخر قصة غزوة حُنين أن الذي حَلَقَ رأسَه صلى الله عليه وسلم في عمرته التي اعتَمرَها من الجِعْرانَة: أبو هند عبدُ بني بياضة، فإن ثبت هذا؛ وثبت أن معاويةَ كان حينئذ مَعَهُ؛ أو كان بمكة فقَصَّر عنه بالمروة: أمكنَ الجمعُ بأن يكونَ معاوية قَصَّر عنه أولاً؛ وكان الحلاقُ غائبا في بعضِ حاجته؛ ثم حَضَرَ فأَمَرَه أن يُكمل إزالة الشَّعر بالحَلْق -لأنه أفضل- ففعل.
 وإن ثَبَتَ أن ذلك كان في عُمرة القضيَّة؛ وثبت أنه صلى الله عليه وسلم حَلَقَ فيها: جاء هذا الاحتمال بعَيْنه، وحَصَل التوفيق بين الأخبار كلِّها، وهذا مما فَتَحَ اللهُ عَلَيَّ به في هذا الفتح، ولله الحمدُ، ثُمّ لله الحمدُ أبدا".
 
قلت: وهذا تحقيق نادر ونفيس من الحافظ ابن حجر رحمه الله، وكذلك رجَّح في الإصابة (9/231-232) أن معاوية رضي الله عنه أسلم سنة سبع من الهجرة، وجَزَم في تقريب التقريب (6758) أيضا أنه أسلم قبل الفتح.
وقد قال مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي في التاريخ (4/308): "أسلم قبل أبيه في عُمرة القَضاء، وبقيَ يخاف من الخروج إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أبيه"، ثم قال: "وأظهر إسلامه يوم الفتح".[26]
 
ذِكرُ تثبّت معاوية رضي الله عنه وتوقّيه في السنة النبوية:
 
- روى الإمام مُسلم في صحيحه (2/718 رقم 1037) عن معاوية رضي الله عنه قال: "إيّاكم وأحاديثَ؛ إلا حديثاً كان في عَهد عمر، فإنَّ عمرَ كان يُخيفُ الناسَ في الله عزَّ وجلَّ، سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "مَن يُرد الله به خَيرا يُفَقِّهْهُ في الدِّين".
وسمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما أنا خازنٌ، فمَنْ أعطيتُه عَنْ طِيبِ نفسٍ؛ فَيُبارَكُ له فيه، ومَن أعطيتُه عنْ مَسْألةٍ وَشَرَهٍ كانَ كالذي يَأكلُ ولا يَشبَعُ".
 
قال النوويُّ في شرحه على صحيح مُسلم (7/127): "قولُه: سمعتُ معاويةَ يقول: (إياكم وأحاديثَ إلا حديثا كان في عهد عمر، فان عمر كان يخيف الناس في الله): هكذا هو في أكثر النُّسخ: (وأحاديث)، وفي بعضها: (والأحاديث)، وهما صحيحان، ومُراد معاويةَ: النهيُ عن الإكثار من الأحاديث بغير تثبّت لما شاعَ في زَمَنه مِن التحدُّث عن أهل الكتاب؛ وما وُجد في كتبهم حينَ فُتحت بلدانُهم- وأَمرُهم بالرجوع في الأحاديث إلى ما كان في زمنِ عمرَ رضي الله عنه، لضبْطِه الأمرَ؛ وشِدَّتِه فيه، وخوفِ الناسِ مِن سَطوتِه، ومَنعِه الناسَ مِن المُسارعة إلى الأحاديث، وطَلَبِهِ الشهادةَ على ذلك، حتى استقرَّتْ الأحاديثُ، واشتَهَرَتْ السُّنَن".
 
- قلت: ومما يدل على تثبّت معاوية وتمسّكه بالحديث، ما رواه البخاري (3500 و7139) عن محمد بن جُبير بن مُطعِم، أنه كان يحدّث: بَلَغَ معاويةَ وهو عنده في وفدٍ من قريش؛ أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص يحدِّثُ أنه سيكون مَلِكٌ من قحطان، فغضبَ معاوية، فقام فأثنى على الله بما هو أهلُه، ثم قال:
أما بعد، فإنه بلغني أن رجالا منكم يتحدّثون أحاديثَ ليست في كتاب الله تعالى، ولا تُؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأولئكَ جُهّالُكم، فإياكُم والأماني التي تُضلُّ أهلَها، فإني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن هذا الأمرَ في قُريش، لا يعاديهم أحدٌ إلا كبَّه الله على وجهِهِ، ما أقاموا الدِّين".
 
- ومن ذلك ما رواه  البخاري (7361) عن معاوية رضي الله عنه أنه ذكر كعب الأحبار فقال: "إن كان لَمِن أصدق هؤلاء المحدِّثين الذينَ يُحَدِّثون عن بني إسرائيل، وإن كان مع ذلك لَنَبلُوَ عليه الكذب"[27].
 
- وروى صفوان بن عمرو، عن أزهر بن عبد الله، عن أبي عامر الهوزني، عن أبي عامر عبد الله بن لُحَيّ، قال: حَجَجْنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكة أُخبر بقاصٍ يَقُصُّ على أهل مكة مولىً لبني مخزوم، فأرسل إليه معاوية، فقال: أُمِرْتَ بهذا القَصَص؟ قال: لا. قال: فما حملك على أن تقُصَّ بغير إذن؟ قال: نَنْشُرُ عِلماً علَّمَناه الله. فقال معاوية: لو كنتُ تقدَّمتُ إليك قبل مُدَّتي هذه لقطعتُ منك طائفاً.
 ثم قام حتى صلى الظهر بمكة، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهلَ الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين مِلَّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين مِلَّة يعني الأهواء- وكُلُّها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة".
وقال: "إنه سيخرجُ من أمتي أقوامٌ تَتَجارى بهمُ الأهواءُ كما يتجارى الكَلَبُ بصاحِبِه، فلا يَبقَى مِنه عِرق ولا مفصلٌ إلا دخله".
والله يا معشرَ العرب لئن لم تقوموا بما جاء به محمدٌ صلى الله عليه وسلم؛ لغَيْرُكم مِن الناسِ أَحْرَى أن لا يقومَ به".
رواه بهذا السياق يعقوب بن سفيان في المعرفة (2/331) وأبوزرعة الدمشقي في الفوائد المعللة (60) ومحمد بن نصر في السنة (50-51) والطبراني في الكبير (19/376 رقم 884) -ومن طريقه أبوالعلاء العطار في فتيا له (12)- وابن بطة في الإبانة (1/371) والحاكم (1/128) والأهوازي في شرح عقد أهل الإيمان (69)
ورواه أبوداود وأحمد وجماعة؛ دون أوله الذي هو محل الشاهد- مقتصرين على المرفوع.
وهذا سند صحيح[28].
 
- وروى الطبراني في الكبير (19/388 رقم 909 والسياق له) من طريق يعقوب بن كعب.
وروى أبونعيم في الحلية (6/128) من طريق دُحَيم، كلاهما عن الوليد بن مسلم، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد،
أن معاوية كتب إلى مَسْلَمة بن مُخَلَّد أنْ سَل عبدَ الله بن عمرو بن العاص: هل سَمع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لا يَأخُذُ ضَعيفُها حَقَّه مِنْ قَوِيِّها وهو غيرُ مُضْطَهد)؟ فإن قال: نعم، فاحْمِلْهُ إليَّ عَلَى البَريد.
 فسَألَه، فقال: نعم! فحَمَلَهُ عَلى البريد مِنْ مِصْرَ إلى الشام، فسَأَلَهُ مُعاوية، فأَخبَره، فقال معاوية: وأنا قد سمعتُه، ولكنْ أَحْبَبْتُ أن أَتَثبَّتْ.
وقال الهيثمي: رجاله ثقات. (المجمع 5/209)، وهو كما قال.
وروى الطبراني في الشاميين (1/190 مقتصرا على المرفوع) وابن عساكر (31/240) من طريق هشام بن عمار، عن الوليد بن مُسلم، ومن طريق بَقِيَّة بن الوليد، قالا: ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن يونس بن ميسرة، قال: كَتَبَ مُعاوية إلى مَسْلَمة بن مُخَلَّد وهو بمصر.. فذكره بمثله، وفي آخره: فقال معاوية: وأنا سمعتُ كما سمعتَ.
قلت: ورجال هذا ثقاتٌ أيضا، وقد صرَّحَ الوليدُ وبَقِيَّةُ بالسَّماع، وأما اختلاف الإسناد فمحصورٌ بين أحدِ رَجُلين، وهما يونُس ورَبيعة، فأيُّهما كان الصواب فهو ثقة مُطلَقا؛ وأدركَ معاوية في بلد واحد طويلا، فمن جوَّد الحديث لم يُبعد، والله أعلم[29].
 
- وقد صحَّ أن معاوية كان قلَّما يُحَدِّثُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا.
رواه ابن سعد (1/110 السلومي) وأحمد (4/92 و93 و98) وابن جرير في تهذيب الآثار (1/82 رقم 135 مسند عمر) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (4/390 رقم 1687) وابن قانع (3/72) والطبراني (19/350 رقم 815) والبيهقي في الشعب (9/167 رقم 4528 و18/314 رقم 9825)
كلهم من طريق سعد بن إبراهيم الزهري، عن مَعْبَد الجُهَني به، وسنده صحيح.
 
- ورُوي مثل ذلك عن أبي هِنْد البَجَلي، رواه أحمد (4/99) وأبوداود (2479) والنسائي في الكبرى وغيرهم، كما ثبت عن أبي إدريس، رواه أحمد (4/99) النسائي (7/81) والحاكم وغيرهما.
 
- ومن حرص معاوية رضي الله عنه على نشر السنة النبوية: ما رواه أحمد (3/444 رقم 15666 بترقيم الرسالة) وغيره: أن معاوية كتب إلى عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه: أن عَلِّم الناسَ ما سمعتَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونحوه عنده (15670)، وسنده جيد.
 
موقف الأُمَّة من الرواية عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما:
 
مع قِلّة رواية معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما للحديث وتوقِّيه الشديد فيه كما تقدم، إلا أن الرواة عنه أكثر من أن يُحصون، وسأسْردُ جماعة ممن جاء ذكر روايته عنه، ليُعلم أن الأُمَّة لم تستنكف أن تروي عنه، وفيهم الصحابة، وأكابر علماء التابعين في مختلف البلدان، ومنهم ابن علي بن أبي طالب، وأعيان أصحاب علي رضي الله عنه، والكوفيين.
 
فمِمَّن حدّثَ عنه من الصحابة: أُسَيْد بن ظُهَيْر، وأَيُّوب بن بَشير الأنصاري، وجَرِير بن عبد الله البَجَلي، والسَّائب بن يَزيد، وسَبْرَة بن مَعْبَد الجُهَني، وعبد الله بن الحارث بن نَوْفَل، وعبد الله بن الزُّبَيْر، وعبد الله بن عَبَّاس، وعبد الله بن عُمَر، وعبد الله بن عَمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن شِبْل الأنصاري، ومحمد بن مَسْلَمَة، ومالك بن يَخَامِر، ومُعاوية بن حُدَيْج، والنُّعْمان بن بَشير، ووائل بن حُجْر، وأبوأُمامة بن سَهْل بن حُنَيف، وأبوالدَّرْداء، وأبوذَر الغِفاري - مع تقدمه[30]، وأبو سعيد الخُدْري، وأبوالغادِية الجُهَني، وأبوالطُّفَيْل عامِر بن واثِلَة، وأبوعامِر الأَشْعَرِي.
فهؤلاء ثلاثة وعشرون من الصَّحْب الكِرام رضي الله عنهم، وقَلَّ أن تجدَ صحابيا روى عنه هذا العدد من الصحابة، رَغْمَ قِلّةِ تحديثِ معاويةَ رضي الله عنه.
 
ومن التابعين:
روى عنه: إبراهيم بن عبد الله بن قارِظ، وإسحاق بن يَسار، وأَسْلَم مَولى عُمر، وأَيْفَع بن عبدٍ الكَلاعي، وإياس بن أبي رَمْلَة الشامي، وأيوب بن عبد الله بن يَسار، وأيوب بن مَيْسَرة بن حَلْبَس، وبِشْر أبو قيس القنسريني، وثابت بن سعد الطائي، وأبو الشَّعثاء جابر بن زيد البَصري، وجُبَيْر بن نُفَيْر الحَضْرَمي، وأبوالزاهرية حُدَيْر بن كُرَيْب، وحَرِيز؛ وقيل: أبوحَرِيز مَولى معاوية، والحسن البَصري، وحَكيم بن جابر، وحِمَّان (وقيل أبو حِمَّان) أخو أبي شَيخ الهُنَائي، وحُمْران بن أَبان مَولى عُثمان بن عَفَّان، وحُمَيْد بن عبد الرحمن بن عَوْف، وحَنْظَلَة بن خُوَيْلِد، وأبوقَبِيل حُيَي بن هانئ، وخالد بن عبد الله بن رباح السلمي، وخالد بن مَعْدان، وذَكْوان أبو صالح السَمَّان، وراشد بن سعد المَقْرَئي، وراشد بن أبي سَكْنَة المِصْري، ورَبيعة بن يَزيد الدمشقي، ورَجاء بن حَيْوَة، وزياد بن أبي زياد، وزَيد بن جارِية، وزيد بن أبي عَتَّاب؛ ويقال: زيد أبوعَتَّاب؛ مولى معاوية أو أخته أم المؤمنين أم حَبيبة، وسالم بن عبد الله بن عُمر، وسعيد بن عَمرو بن سعيد بن العاص، وسعيد بن أبي سعيد كَيْسان المَقْبُرِي، وسعيد بن المُسَيِّب، وسُلَيْم بن عامر الكَلاعي؛ ويقال: الخَبَائري، وسلمة بن سَهم، وشُرَيْح بن عُبَيْد، وشُعَيب بن زرعة، وشُعَيب بن محمد بن عبد الله بن عَمرو بن العاص؛ والد عمرو بن شعيب، وطاووس بن كَيْسان، وعامِر بن أبي عامر الأَشْعري، وعَبَّاد بن عبد الله بن الزُّبَير، وعُبَادَة بن نُسَيّ، وعبد الله بن بُرَيْدَة بن الحُصَيْب، وعبد الله بن عامر اليَحْصَبي المُقْرئ، وعبد الله بن عُبيد؛ وكان بُدعى ابنَ هُرْمُز، وعبد الله بن علي العدوي، وأبو عامر عبد الله بن لُحَيّ الهَوْزَني، وعبد الله بن مُحَيْرِيز الجُمَحِي، وعبد الله بن مدرك، وعبد الله بن مَوْهَب، وعبد الله بن أبي الهُذَيْل، وعبد الرحمن بن عَبْدٍ القارِيّ، وعبد الرحمن بن عُسَيْلَة الصُّنابِحي، وعبد الرحمن بن أبي عَوف الجُرَشِي، وعبد الرحمن بن هُرْمُز الأَعْرَج، وعبد الملك بن عُمَير الكوفي، وعُبيد بن سعد، وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة، وأبو عبدِ ربٍّ عُبَيْدة بن المُهاجِر، وعُرْوَة بن الزُّبَيْر، وعَطاء بن أبي رَباح، وأبوهِزَّان عَطِيَّة بن أبي جَمِيلة، وعطية بن قيس الكِلابي، وعُقبة المُقرئ، وعَلْقَمة بن وَقَّاص اللَّيْثي، وعَمرو بن الأسود العَنْسي؛ وقد يُقال له: عُمَير، وعَمرو بن الحارث السَّكُوني، وعَمرو بن قَيس السَّكُوني، وعَمرو بن يحيى القُرَشي، وعمير بن الحارث السَّكُوني، وعُمَير بن هانئ العَنْسي،  والعَلاء بن أبي حَكيم الشامي؛ سَيّاف مُعاوية، وعيسى بن طلحة بن عُبيد الله، والفضل المَدني، والقاسم بن محمد الثَّقَفي، والقاسم بن محمد بن أبي بَكر الصدِّيق، والقاسم أبو عبد الرحمن الشامي، وقَبِيْصَة بن جابر الكوفي، وقَطَن البصري، وقُنْبُر؛ ويقال له: قُتَير، وقَيس بن أبي حازم، وكُريب مَولى ابن عَبَّاس، وكَيْسان أبوحَرِيز مَولى مُعاوية؛ وقد تقدم في حَرِيز، ومالك بن قَيس، ومُحارِب أبوسلمة، ومُجاهِد بن جَبْر، ومحمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم، ومحمد بن سِيْرِيْن، ومحمد بن عُقبة مولى آل الزبير، ومحمد بن علي بن أبي طالب؛ المعروف بابن الحَنَفية، ومحمد بن كَعب القُرَظي، ومحمد بن أبي يعقوب، ومحمد بن يوسُف مولى عُثمان، ومحمود بن علي القُرَظي، ومَرْوان بن الحَكَم بن أبي العاص، ومُسْلِم بن بانَك، ومُسْلِم بن مِشْكَم، ومُسْلِم بن هُرْمُز، ومُسْلِم بن يَسار، ومُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، والمُطَّلِب بن عبد الله بن المُطَّلِب بن حَنْطَب، ومعاوية بن عَلي السُّلَمي، ومَعْبَد الجُهَني، ومَعْن بن علي، وأبو الأزهر المُغيرة بن فَرْوَة الثَّقَفي، ومَكْحول الشامي، وموسى بن طلحة بن عُبيد الله، والنُّعمان بن مُرَّة الزُّرَقي، ونُمَير بن أَوْس، ونَهْشَل التميمي، وهَمَّام بن مُنَبِّه، وهِلال بن يِسَاف الكوفي؛ ويقال: ابن إساف، وأبو العُرْيان الهَيْثَم بن الأَسْوَد الكوفي، وأبو مِجْلَز لاحِق بن حُمَيد، ويَزيد بن الأصم، ويَزيد بن جارِيَة الأنصاري، وأبوالمُهَزِّم يزيد بن سُفيان، ويزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الهَمْداني، ويزيد بن مرثد، ويَعْلَى بن شَدَّاد بن أَوْس الأنصاري، ويَعيش بن الوليد، ويوسُف؛ والد محمد بن يوسُف مولى عثمان، ويوسُف بن ماهِكَ بن بُهْزاد، ويونُس بن مَيْسَرَة بن حَلْبَس، وأبو إدريس الخَوْلاني، وأبوإسحاق السَّبِيعي الكوفي، وأبوأسماء الرَّحَبي عمرو بن مَرْثَد، وأبوأُمَيَّة الثَّقَفي، وأبوبُرْدة بن أبي موسى الأَشْعَري، وأبوحملة مولى لآل الوليد بن عُتبة، وأبوسعيد المَقْبُري كَيْسان، وأبوسَلَمة بن عبد الرحمن بن عَوْف، وأبو شَيْخ الهُنائي، وأبوعبد الله الجدلي، وأبو عبد الله الصُّنابِحي، وأبوعُثمان الدمشقي، وأبوعطية بن قيس المذبوح، وأبوالفيض موسى بن أيوب، وأبو قِلابة الجَرْمي، وأبوالمعطل مولى بني كلاب، وأبو نَجِيح يَسار المكي؛ والد عبد الله بن أبي نجيح، وأبومَيْمونة، وأبو هِنْد البَجَلي، وابن ذي الكلاع الشامي، وابن أبي مَريم، وابن هبيرة، وجد محمد بن عمر، ومَرْجانة أمُّ عَلْقَمة، وابنة هشام بن الوليد بن المغيرة؛ وكانت تمرض عمارا.
فهؤلاء مائة وأربعون تقريبا، وفيهم عددٌ ممن اختُلف في صُحْبَته، فيكون مجموعُ من وقفتُ عليه من الرُّواة عن معاوية مِائةٌ وستون راويا، على أنني لم أستقصِ كما ينبغي.
 
واتَّفَقَ البخاري ومسلم على إخراج أربعة أحاديث له، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة، وروى له أحمد في مسنده مائة وعشرة أحاديث، وروى له بَقِيُّ بن مَخْلَد في مسنده مائة وثلاثة وستون حديثا، وروى له الطبراني في المعجم الكبير مائتين وأربعين حديثا، وأفرد الأهوازي مُسندَه في مجلد كما قال الذهبي، واسمه: شرح عقد أهل الإيمان في معاوية بن أبي سفيان، ويوجد بعضه مخطوطا في المكتبة الظاهرية بدمشق، وقد طبع، وذكر له ابن كثير في جامع المسانيد والسُنن مائتان إلا ستة أحاديث.
 
المصادر: أخبار المدينة لابن شبّة (1/27) ومسند أحمد (5/290 و319 و320) والمعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان الفسوي (1/413 و2/333 و380 و504 و509 و523) والآحاد والمثاني (1/379) والعيال لابن أبي الدنيا (293) ومسند أبي يعلى (31/353 و357 و364 و378) ومعجم الصحابة للبغوي (5/363) وأنساب الأشراف للبلاذري (2/19 بتحقيق العظم) وجزء البطاقة لحمزة الكناني (ص56-65) والثقات لابن حبان (5/322) والمعجم الكبير للطبراني (19/311) والأوسط (6/226) ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (5/2497) وحلية الأولياء (5/132 و154 و165) وتاريخ دمشق لابن عساكر (59/55) وتكملة الإكمال (4/254 و648) وتهذيب الكمال للمزي (28/177) وسير أعلام النبلاء للذهبي (3/119) وجامع المسانيد والسنن لابن كثير (11/562 بتحقيق القلعجي)، وإكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (11/266) والإصابة لابن حجر العسقلاني (9/233) والمطالب العالية (18/170 و174 رقم 4417 و4419) والعواصم من القواصم لابن الوزير (3/163) وتطهير الجَنان لابن حجر الهيتمي (ص34)
 
وقال الحافظ العَلائي بعد أن سَرَدَ جماعةً ممن روى عن معاوية من الصحابة: "واتّفقَ أئمةُ التابعينَ بعدَهم على الرواية عنه وقَبول ما رواه؛ هو وعَمرو بن العاص وكل من قام معهما في الفتنة، فكان ذلك إجماعاً سايقاً على قولِ من قَدَحَ فيهم، حتى إن جعفر بن محمد بن علي روى عن القاسم بن محمد عن معاوية حديثا[31].
وقال محمد بن سيرين: كان معاوية رضي الله عنه لا يُتَّهم في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم[32].
قال الإمام أبوبكر الييهقي: كل من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ممن صحبه أو لقيه فهو ثقة؛ لم يتهمْه أحد -ممن يُحسن علم الرواية- فيما روى". (تحقيق منيف الرتبة ص90)
 
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن معاوية وعمرو بن العاص ".. لم يتّهمهُم أحدٌ من أوليائهم ولا مُحاربيهم بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل جميع علماء الصحابة والتابعين بعدَهُم متَّفقون على أنَّ هؤلاء صادقون على رسول الله، مأمونون في الرواية عنه". (سؤال في معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ص24)
وقال ابن حجر الهيتمي بعد أن سرد جملة من الرواة عن معاوية: "فتأملْ هؤلاء الأئمة أئمة الإسلام الذين رووا عنه؛ تَعلمْ أنه كان مجتهدا أيَّ مجتهد، وفقيها أيَّ فقيه". (تطهير الجنان ص34)
 
وقد قال العلامة ابن الوزير في العواصم والقواصم (3/163): إن بيان أحاديث معاوية رضي الله عنه في الكتب الستة تُعَرِّفُ ثلاثةَ أشياء: عدمَ انفراده فيما رَوى، وقلّةَ ذلك، وعَدَم نكارته.
ثم سرد أحاديثَ معاوية رضي الله عنه في أكثر من أربعين صفحة، وأَوردَ مَن تابَع معاويةَ مِن الصحابة على روايتها، وشواهدَها، وتكلَّم عليها، ثم قال (3/207): "فهذا جميع ما لِمُعاوية في الكتب الستة ومُسند أحمد حسب معرفتي.." إلى أن قال: "وهو مُقلٌ جدا بالنظر إلى طول مُدّته، وكثرة مُخالطته، وليس فيما يصحُّ عنه بوفاقٍ شيءٌ يوجبُ الريبة والتُّهمة، ولا فيما رواه غيرُه من أصحابه.." الخ
 
فأما عدالة عموم الصحابة:
 
فقد أجمع أهل السُنَّة عليها، ومعاوية منهم، وهذه شذراتٌ من أقوال الأئمة:
قال ابن حِبَّان: "كلهم أئمة سادةٌ قادةٌ عدول، نزَّه الله عز وجل أقدار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يُلزَقَ بهم الوَهَن. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا ليُبلغ الشاهد منكم الغائب"؛ أعظمُ الدليل على أن الصحابة كلهم عدولٌ؛ ليس فيهم مجروحٌ ولا ضعيف، إذ لو كان فيهم مجروحٌ، أو ضعيف، أو كان فيهم أحدٌ غيرُ عدل لاستَثْنَى في قوله صلى الله عليه وسلم، وقال: ألا لِيُبَلِّغَ فلانٌ وفلانٌ منكم الغائب. فلمّا أجمَلَهم في الذِّكر بالأمرِ بالتبليغِ مَنْ بَعدهم، دلَّ ذلك على أنهم كلهم عدول، وكفى بمن عدَّله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شَرَفاً". (الصحيح، ترتيبهُ الإحسان 1/162)
ونقله ابن رُشَيد في السَّنَن الأبين (134-135)، ثم قال: "واستدلاله بهذا الحديث صحيحٌ حسن، والإجماع شاهد على ذلك".
وقال ابن حبان أيضا: "إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم ثقات عدول". (نفسه 16/238)
وقال ابن عدي: "إن أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لِحَقِّ صُحبَتهم، وتقادُمِ قَدمهم في الإسلام، لكلِّ واحد منهم في نفسه حقٌ وحُرمةٌ للصُّحبة، فهُم أجلُّ من أن يتكلّم أحدٌ فيهم". (الكامل في الضعفاء 3/1064)
وقال ابن حزم: "الصحابة كلهم عدول رضي الله عنهم، لثناء الله تعالى عليهم". (المحلى 5/92 دار الآفاق الجديدة)
وقال أيضا: "ولا عدول أعدل من الصحابة". (الإحكام 2/231)
ومضى قول البيهقي الذي نقله العلائي آنفا.
وقال ابن عبد البر: "ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عز وجل عليهم، وثناء رسوله عليه السلام، ولا أعْدَلَ ممن ارتضاه الله لصًحبة نبيِّه ونُصْرَته، ولا تزكيةَ أفضلُ من ذلك، ولا تعديلَ أكمل منه". (الاستيعاب، بهامش الإصابة 1/4-5)
وقال: "إنما وَضَعَ الله عز وجل أصحابَ رسوله الموضعَ الذي وضَعَهم فيه بثنائه عليهم من العدالة والدين والإمامة؛ لتقومَ الحجّةُ على جميع أهل المِلَّةِ بما أَدَّوْهُ عن نبيِّهم من فريضة وسُنّة، فصلى الله عليه وسلم؛ ورضيَ عنهم أجمعين، فنِعمَ العونُ كانوا له على الدينِ في تبليغِهم عنه إلى مَن بَعدَهُم مِن المسلمين". (نفسه 1/30-31)
وقال أيضا: "قد كُفينا البحثَ عن أحوالِهم، لإجماع أهل الحقِّ من المسلمين، وهم أهلُ السنة والجماعة؛ على أنهم كلُّهم عدول". (نفسه 1/37-38)
وقال أيضا: "الصحابة كلهم عدولٌ مرضِيُّون ثقاتٌ أثباتٌ، وهذا أمرُ مجتمعٌ عليه عند أهل العلم بالحديث". (التمهيد 22/47)
وقال الخطيب البغدادي: "عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم بنص القرآن". (الكفاية ص46)
وقال أيضا: "وذهبت طائفة من أهل البدع إلى أن حال الصحابة كانت مرضية إلى وقت الحروب التي ظهرت بينهم"، فردَّ عليهم، وقال: "ويجب أن يكونوا على الأصل الذي قدمناه من حال العدالة والرضا، إذ لم يثبت ما يزيل ذلك عنهم"، ثم أسند عن أبي زرعة الرازي قوله: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدَّى إلينا هذا القرآنُ والسننُ: أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة". (الكفاية ص49)
وقال ابن الأثير: "والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلا في الجرح والتعديل، فإنهم كلهم عدول، لا يتطرق إليهم الجرح، لأن الله عز وجل ورسولَه زكَّياهم وعدّلاهم، وذلك مشهور لا نحتاج لذكره". (أسد الغابة 1/3)
وقال القرطبي: "فالصحابة كلهم عدولٌ، أولياء الله تعالى، وأصفياؤه، وخِيرَتُه من خلقه بعد أنبيائه ورُسُله، هذا مذهب أهل السنة والذي عليه الجماعة من أئمة هذه الأمة، وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم؛ فيلزم البحث عن عدالتهم". (التفسير، آخر سورة الفتح 16/299)
وقال ابن الصلاح: "الأمة مُجْمِعَةٌ على تعديل جميع الصحابة، ومَن لابَس الفِتَنَ منهم فكذلك، بإجماع العلماء الذين يُعتد بهم في الإجماع، إحسانا للظن بهم، ونظرا إلى ما تمهَّدَ لهم من المآثر، وكأن الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نَقَلَةَ الشريعة، والله أعلم". (المقدمة في علوم الحديث 287)
ونقله مستحسنا ابنُ رُشَيد في السَّنَن الأبين (ص135)
وقال النووي: "الصحابة رضي الله عنهم كلهم هم صفوةُ النَّاس، وساداتُ الأمَّةِ، وأفضلُ ممن بعدَهم، وكلهم عدولٌ قدوةٌ لا نُخالةَ فيهم، وإنما جاءَ التخليطُ ممن بعدَهم، وفيمن بَعدهم كانتِ النُّخالة". (شرح مسلم 12/216 وانظر متنه)
وقال ابن جماعة: "الصحابة كلهم عدول مُطلقا، لظواهر الكتاب والسنة، وإجماع من يُعتد به، بالشهادة لهم بذلك، سواءٌ فيه مَن لابَسَ الفِتنة وغيره، ولبعض أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم في عدالتهم تفصيلٌ واختلافٌ لا يعتد به". (المنهل الروي 112)
وقال ابن تيمية: "أهلُ السُنَّة مُتَّفِقونَ على عَدالةِ الصَّحابة". (مجموع الفتاوى 35/54)
وقال العلائي: "وقد تقدَّم قولُ البراء رضي الله عنه: "ولم يكن بعضُنا يُكذِّبُ بعضا"، وهذا هو الأمرُ المستقرُّ الذي أطبقَ عليه أهلُ السنة، أعني القول بعدالة جميع الصحابة رضي الله عنهم، ولا اعتبارَ بقول أهلِ البدع والأهواء، ولا تعويل عليه". (جامع التحصيل 69)
وقال ابن حجر: "اتفق أهلُ السنة على أن الجميع عدول، ولم يُخالف في ذلك إلا شذوذٌ من المبتدعة". (الإصابة 1/10)
وقال الأمير الصنعاني: "الصحابة كلهم عدول عند المحدثين". (سبل السلام 1/21)
وكلام العلماء في ذلك مستفيض، وانظر للاستزادة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1/7) والإحكام للآمدي (2/211) وصيانة صحيح مسلم لابن الصلاح (178) وشرح مسلم للنووي (1/222 و6/161) والسنن الأبين (ص134) والسير للذهبي (2/208) وجامع التحصيل للعلائي (38 و122) وفتح الباري لابن حجر (2/181 و4/57 و6/499 و9/633 و10/575) وغير ذلك كثير.
والمقام لا يسمح بأطول من هذا.
 
ذكر بعض ما جاء من ثناء الصحابة على معاوية، رضي الله عن الجميع:
 
- قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه قُبيل وفاته: "اللهم إنّي أُشهدك على أمراء الأمصار، وإنّي إنّما بعثتُهُم عليهم لِيَعدلوا عليهم، ولِيُعلّموا الناسَ دينَهم وسُنَّةَ نبيّهم صلى الله عليه وسلم، ويَقسموا فيهم فَيْئَهُم، ويَرفَعوا إلَيَّ ما أشكلَ عليهم مِن أَمرِهم".
رواه مسلم (567) في صحيحه، وقد توفي عمر ومعاوية أمير الشام[33].
 
- وروى أبوعبيد في الأموال (1920) وقوام السنة في سير السلف الصالحين (1/138) عن سعيد بن أبي مريم، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عمير بن سلمة الديلي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في الولاة: "والله ما آلو أن أختار خياركم".
 
- وروى الطبري في التاريخ (5/330) والبلاذري (4/147)
بسند صحيح عن سعيد المقبُري، قال: قال عمر بن الخطاب: "تَذكرونَ كِسْرَى وقَيْصَرَ ودَهاءَهُما؛ وعندَكم معاوية"‍‍!
 
- كما كان معاويةُ أكبر ظَهيرٍ لعُثمانَ رضي الله عنه أيامَ خلافَتِه، ولا سيما أيام فتنة مقتله رضي الله عنه، وقد صحَّ عن أبي حَبيبة، أنه سمع أبا هريرة في الدارِ مع عثمان رضي الله عنهم، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم تَلْقَونَ بَعدي فِتْنَةً واختلافا"، أو قال: "اختلافا وفِتنةً". فقال له قائلٌ من الناس: فمَن لنا يا رسولَ الله؟ قال: "عليكم بالأمينِ وأصحابِه". وهو يُشيرُ [*3] إلى عُثمانَ بذلك[34].
 
- قال أبوالدَّرداء رضي الله عنه: ما رأيتُ أشْبَهَ صلاةً برسول الله صلى الله عليه وسلم مِن أميركم هذا، يعني معاوية[35].
 
- وعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنك إن تتبّعتَ عورات الناس أفسدتَهم. أو كِدتَ أن تُفسدَهم". قال أبوالدرداء: كلمةٌ سَمِعَها معاويةُ نفعَهُ الله بها[36].
قال ابن كثير (11/419): يعني أنه كان جيّدَ السريرة، حَسَنَ التجاوُز، جميلَ العفو، كثيرَ السِّتر، رحمه الله تعالى.
 
- وعن ابن شهاب الزُّهْري، عن عُروة بن الزُّبَير، أن المِسْوَر بن مَخْرَمة رضي الله عنه أخبره؛ أنه وَفدَ على معاوية فقَضَى حاجتَه؛ ثم خَلا به فقال: يا مِسْوَر! ما فعل طعنُك على الأئمة؟ قال: دَعْنا من هذا وأحسن. قال: لا والله! لَتُكلِّمَنِّي بذات نَفسكَ بالذي تعيبُ عَلَيّ! قال مسور: فلم أترك شيئا أعيبُه عليه إلا بيّنت له. فقال: لا أبرأ من الذنبَ! فهل تَعُدُّ لنا يا مِسْوَر ما نَلِي من الإصلاح في أمر العامة -فإن الحسنة بعشر أمثالها- أم تعُدُّ الذنوبَ وتَترُكُ الإحسان؟! قال: ما نَذكرُ إلا الذنوب! قال معاوية: فإنّا نعترفُ لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم تُغفر؟ قال: نعم! قال: فما يجعلك برجاء المغفرة أحقَّ مني؟! فوالله ما ألي من الإصلاح أكثرُ مما تَلي، ولكن والله لا أُخيَّر بين أمرين: بين الله وبين غيره؛ إلا اخترتُ الله على ما سواه، وإني لَعَلَى دينٍ يُقبَلُ فيه العمل؛ ويُجزى فيه بالحسنات؛ ويُجزى فيه بالذنوب؛ إلا أن يعفوَ اللهُ عنها.
 قال: فخَصَمَني!
قال عروة: فلم أسمَع المِسْوَر ذَكَرَ معاويةَ إلا صلّى عليه[37].
 
- روى أبوعَرُوبة الحرَّاني في الطبقات (ص41) عن مرجانة أم علقمة مولى عائشة، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: إني لأتمنى أن يزيدَ اللهُ عزَّ وجلَّ معاويةَ مِن عُمري في عُمره.
وسنده صحيح.
 
- وروى أحمد (4/92) والبلاذري (4/265) والطبراني في الكبير (19/319 رقم 723) وابن عساكر (12/229) وابن العديم (5/2129) من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جُدعان، عن سعيد بن المُسَيِّب، عن مروان بن الحَكَم، أن معاوية قال لعائشة: يا أم المؤمنين، كيف أنا حاجاتك ورسلك وأمرك؟ قالت: صالح.
وعلي بن زيد بن جُدعان ضعيف، وانظر علل الدارقطني (7/65)
 
- وروى مسلم في صحيحه (2663) عن أم المؤمنين؛ أمِّ حَبيبة رضي الله عنها أنها قالت: "اللهم أمتعني بزوجي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وبأبي: أبي سُفيان، وبأخي معاوية".[38]
 
- وروى الشافعي في الأم (1/290) وعبد الرزاق (3/21) والبيهقي (3/26) وابن عساكر (59/165) بسند جيد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ليس أحدٌ منا أعلمُ من معاوية[39].
 
- وروى البخاري في كتاب فضائل الصحابة من صحيحه (3765) من طريق أخرى عن ابن عباس أنه قال عن معاوية: إنه فقيه.
وفي رواية قبلها (3764): إنه قد صَحِبَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.
 
- وروى ابن سعد (1/126 السلومي) ومن طريقه ابن عساكر (59/165) بسند صحيح عن أيوب السختياني، أن ابن عباس قال: إن أمير المؤمنين عالم، أي معاوية.
أيوب عن ابن عباس مُرسل، ويشهد له ما قَبله.[40]
 
- وروى معمر (20985) ومن طريقه ابن سعد (1/121 السلومي) والبخاري في التاريخ (7/327) وابن قتيبة في الغريب (2/353) وابن أبي عاصم (1/378) والطبري في تاريخه (5/337) والخلال (2/440) والبغوي (5/373) وإسماعيل الصفار في جزئه (62) وابن عساكر (59/174) بسند صحيح عن ابن عباس: ما رأيت رجلا كان أخلق للمُلك من معاوية، كان الناس يرِدون منه على أرجاء وادٍ رَحْب، لم يكن بالضيّق الحَصِر العُصْعُص.
 
- وثبت من طرق عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ما رأيت أحدا أسود من معاوية، قال الراوي: ولا عمر؟ قال: كان عمر خيرا منه، وكان معاوية أسود منه[41].
قال الإمام أحمد: "معنى أسود: أي أسخى، وقال: السيّد: الحليم، والسيّد: المعطي، أعطى معاويةُ أهلَ المدينة عَطايا ما أعطاها خليفةٌ قد كان قبلَه".
 
- وقال مَعمر بن راشد في الجامع (11/337): عن الزهري، أن ابنَ عمر لَفِيَ معاويةَ -أو قال: وفد عليه- فقال له معاوية: حاجتك؟ فقال: ألا يُسفكَ دم دونَك، فإنهم كذلك كانوا يفعلون، ولا يجلسَ على هذا المنبر غيرُك، وأن تُمضي الأعطية للمحرَّرين، فإن عمر قد أمضاه لهم.
ورُوي آخره من طريق أخرى عند أبي داود (2951) وابن الجارود (1114) والطحاوي في شرح المشكل (11/51) والبيهقي (6/349) بمعناه، وأن لقاءهما كان حين قدم معاويةُ المدينة حاجا.
وفي الخبر ائتمانُ ابن عمرَ معاويةَ على دماء المسلمين، وإقرارُه خصوصا على الجلوس على المنبر[42]، وأنه يناصح معاوية، ويتأملُ منه القَبول والاستجابة، ويصدّقه ما جاء في رواية أخرى عند الطحاوي أن معاوية لما سمعه بدأ بالمحرَّرين فأعطاهم قبل الناس، والله أعلم.
 
- وروى الإمام أحمد (5/147) وابن عساكر (49/289 و70/218) بسند جيد إلى قُنْبُر -ويقال: قُتَير- مولى معاوية قصة أبي ذر مع مولاه معاوية، رضي الله عنهما، وأن عُبادة بن الصامت وأبا الدرداء وعَمرو بن العاص وأم حَرام الأنصارية رضي الله عنهم كلموا أبا ذر في الكَفِّ عن معاوية.
إلا أن مولى معاوية فيه جهالة، انظر ترجمته في تاريخ ابن عساكر (49/290)
 
- ورُوي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: ما رأيتُ أحدا بعدَ عثمان أَقضَى بحقٍ مِن صاحِبِ هذا الباب، يعني معاوية. (ابن عساكر 59/161)
 
- وروى البغوي في الجعديات (2657) وابن عساكر (59/205) من طرق عن زهير بن معاوية، عن الأسود بن قيس، عن نُبيح العنـزي، قال: كنا عند أبي سعيد الخدري وهو متكئ، فذكرنا عليا ومعاوية، فتناول رجلٌ معاويةَ، فاستوى جالسا، ثم قال:
كنا ننـزل رفاقا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنتُ في رفقة أبي بكر، فنـزلنا على أهل أبياتٍ -أو قال: بيت- قال: وفيهم امرأة حُبلى، ومعنا رجلٌ من أهل البادية، فقال لها البدوي: أيسُرُّكِ أن تلدي غلاما؛ إن جعلتِ لي شاة؟ فولدتْ غلاما، فأعطته شاة، فسجع لها أساجيع، فذُبحت الشاة، وطبخت، فأكلنا منها ومعنا أبو بكر، فذُكر أمر الشاة، فرأيتُ أبا بكر متبرزا مُسْتَنْتِلاً يتقيأ.
 ثم أُتِيَ عمر بذلك الرجل البدوي يهجو الأنصار، فقال عمر: لولا أن له صحبة من رسول الله لا أدري ما نال فيها لكفيتُكُموه، ولكن له صحبة.
قلت: في الخبر استعظام أبي سعيد رضي الله عنه الوقيعة في معاوية، حتى كان متكئا فجلس، واستشهاده بموقف عمر مع الأعرابي الصحابي، مع أنه لم يبلغنا من خبره إلا هذان الموقفان، وهما كما ترى.
وإسناده كوفي صحيح، وثبَّته ابن حجر، وقال السخاوي: رجاله ثقات. (فتح المغيث 3/114)[43]
 
من أقوال التابعين:
 
- قال أبوإسحاق السبيعي الكوفي: كان معاوية، وما رأينا بعده مثله.
رواه ابن سعد (1/122 السلومي) والأثرم (منهاج السنة 6/234) والخلال في السنة (2/438) وابن عساكر (59/171) بسند كوفي صحيح.
وزاد ابن سعد أن أبا بكر بن عياش -الراوي عن السبيعي- قال: ما ذَكرَ عمرَ بن عبد العزيز.
 
- وقال حماد بن أسامة: حدثني الثقة عن أبي إسحاق أنه ذكر معاوية فقال: لو أدركتموه -أو: أدركتم زمانَهُ- كان المهدي.
رواه الخلال في السنة (2/439)، وسنده صحيح إلى حمّاد، وهو مسلسل بالكوفيين.
 
- وعن قَبيصة بن جابر قال: صحبت معاوية، فما رأيتُ رجلا أثقلَ حِلْما، ولا أبطأ جهلا، ولا أبعدَ أناة منه.
رواه الفسوي في المعرفة (1/458) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1/377 رقم 509) وابن أبي الدنيا، والطبري في التاريخ (5/337 وعنده سقط) ومحمد بن مروان السعيدي في المجالسة، وابن عساكر (59/178) من طرق عن مُجالد، عن الشعبي، عن قبيصة.
ومجالد ضعيف، وله طريق أخرى يتقوى بها:
فرواه البخاري في التاريخ الكبير (7/175) وابن أبي الدنيا، والطبراني في الزيادات في المكارم وذكر الأجواد (4)، وابن عساكر (49/247) من طريقين عن عبد الملك بن عمير، عن قَبِيصة.
وسنده جيد.
 
- وروى أبوبكر الأثرم -ومن طريقه الخلال في السنة (2/438) وابن بطة (منهاج السنة 6/232)- قال: ثنا محمد بن عمرو بن عباد بن جبلة، ثنا محمد بن مروان، عن يونس، عن قتادة، قال: لو أصبحتم في مثل عَمَلِ معاوية لقال أكثركم: هذا المهدي. وسنده جيد.
 
- وعن مجاهد قال: لو رأيتم معاوية لقُلْتم هذا المهدي من فضله.
رواه الخلال في السنة (2/438) والبغوي في المعجم (5/368) وأبوعروبة الحرّاني في الطبقات (ص41) والآجري (5/2465) وابن بطة (منهاج السنة 6/233) وابن عساكر (59/172) من طريق الأعمش الكوفي، عن مجاهد.
وسنده صحيح[44]، رجاله ثقات، وثبّته شيخ الإسلام ابن تيمية عن الأعمش.
ورواه الطبراني (19/308) عن الأعمش[45] من قولِه مثله، والراوي عنه فيه لِين، والمحفوظ الأول.
 
- وصح عن أبي هريرة حباب المكتب أنه قال: كنا عند الأعمش؛ فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدلَه، فقال الأعمش: فكيف لو أدركتُم معاوية؟ قالوا: في حِلمه؟ قال: لا والله! بَلْ في عَدله.
رواه الأثرم (منهاج السنة 6/233) ومن طريقه الخلال في السنة (2/437)، وإسناده كوفي.
 
- وقيل للحسن البصري: إن أناسا يشهدون على معاوية وذَويه أنهم في النار! قال: لعنهم الله! وما يُدريهم أنه في النار؟
رواه أسد بن موسى (الاستيعاب 10/149) والبغوي في المعجم (5/368) والآجري (5/2467) وابن عساكر (59/206) من طريق أبي هلال الراسبي، عن قتادة، عن الحسن.
وسنده مقارب لأجل أبي هلال، ولكن جاء من طريقٍ أُخرى بأتمّ منه:
 
فقال الحافظ ابن شاهين (فيما رواه من طريقه ابن عساكر 59/206): حدثنا الحسين بن أحمد بن بِسْطام، عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا بِشر بن المُفَضَّل، عن أبي الأشهب، قال: قيل للحسن: يا أبا سعيد، إن ههنا قوما يَشتمون -أو يلعنون- معاوية وابن الزبير! فقال: على أولئك الذين يَلعَنونَ لعنةُ الله.
وسنده صحيح، رجاله كلهم ثقات[46].
 
- وقال أبومُسْلِم الخَوْلاني لمعاوية: فلا والله ما أبغضْناكَ منذ أَحببْناك، ولا عَصَيناك بعدما أَطَعْناك، ولا فارَقْناكَ بعدَما جامَعَنْاك، ولا نَكَثْنا بَيْعَتَنا منذُ بايَعْناك، سُيوفُنا على عَواتِقِنا، إنْ أَمَرْتَنا أَطَعْناك، وإنْ دَعَوْتَنا أَجَبْناك، وإنْ سَبَقْتَنا أَدْرَكْناك، وإنْ سَبَقْناكَ نَظَرْناك.
رواه أحمد في مسائل ابنه صالح (751 ط. الوطن) وفي الزهد، ومن طريقه ابن عساكر (12/224) وابن العديم (5/2126) بسند شامي جيّد.
 
- روى ابن الجوزي في المنتظم (7/9) من طريق حرملة بن عمران، عن محمد بن ذكوان الأزدي، أن الحجاج سأل سعيد بن جبير: ما تقولُ في معاوية؟ فقال: كاتبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورواه ابن الجوزي في الثبات عند الممات (139) ومن طريقه ابن العديم (5/2092) من طريق حرملة مختصرا.
وابن ذكوان فيه ضعف.
ورواه أبوالعرب التميمي في المحن (ص212) من طريق أبي عمرو بشر بن إبراهيم، عن محمد بن ذكوان وغيره ممن لا أتهم.
وبشر واه.
 
خاتمة في التنبيه على الأخبار المكذوبة على معاوية:
 
قال ابن خُلدون في مقدمته (1/13): "وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل، غثا أو سمينا".
وقد طفحت كتب الأخباريين والتواريخ بأخبارٍ عن معاوية، وجُلها مقاطيع ومراسيل، وهي ضعيفة، فهذا أكثر مَن نقل أخبار معاوية، وهو البلاذري في أنساب الأشراف (4/19-317 تحقيق العظم) يقول (4/86): "قال لي هشام بن عمار: نظرتُ في أحاديث معاوية عندكم فوجدتُ أكثرها مصنوعا.."، وذكر أحدها.
 
ناهيك عن مصادر الأخبار غير الموثوقة أصلا، كتواريخ الضعفاء المتروكين؛ أمثال أبي مخنف لوط بن يحيى الكوفي، والكلبي، والواقدي، والعباس بن بكار، ومثل كتابَي الأغاني ومقاتل الطالبيين لأبي الفَرَج الأصبهاني، أو كتب الرافضة: كالمسعودي،[47] وابن أبي الحديد، أو الكتب الموضوعة المنحولة: كالإمامة والسياسة، وتاريخ اليعقوبي، وكتاب السقيفة المنسوب للجوهري، أو الكتب غير المُسندة، أو غير المختصة: كالعقد الفريد، فضلا عن كتابات أمثال طه حسين والعقّاد[48]!
 
قلت: وبمثل هذه الأخبار يتعلق أعداء معاوية رضي الله عنه، وقد شاء الله أن يرفع درجات معاوية بكثرة من يسبُّه من الرافضة ومَن لا خَلاق له، وقد قام أولئك بوضع الكثير من الحكايات التي تطعن فيه، بل وصل الأمر إلى وضع أحاديث في ثَلْبه رضي الله عنه[49]، ولا يُستغرب ذلك من أكذب الناس، وهم الرافضة.
 
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر أن الرافضة أعظم الطوائف كذبا وجهلا، وأن دينَهم يُدخِلُ على المسلمين كلَّ زِنديق ومُرتد: "إنهم.. يَعمدون إلى الصِّدق الظاهر يَدفَعونَه، وإلى الكَذِب المُختَلق الذي يُعلَمُ فسادُه يُقيمونَه[50]، فهُم كما قال فيهم الشَّعبي -وكان من أعلم الناس بهم: لو كانوا من البهائم لكانوا حُمُرا، ولو كانوا من الطيور لكانوا رخما.
ولهذا كانوا أبهت الناس وأشدَّهم فِريَة، مثلَ ما يَذكرونَ عن مُعاوية". (مجموع الفتاوى 4/472)
 
قلت: ومن أمثلة هذه الأخبار الباطلة جزء مطبوع باسم "أخبار الوافِدِين من الرجال من أهل البصرة والكوفة على معاوية بن أبي سفيان" المنسوب للعباس بن بكار الضبي،  وهو رافضي كذاب (لسان الميزان 3/237)، بينما أُراه للحسن بن الحسين بن عاصم الهسنجاني، وهو كذاب أيضا (الجرح والتعديل 3/6 ولسان الميزان 2/200)، وقد أورد أخباره بلا سند!
ومثله كتاب وقعة صفين: لنصر بن مزاحم الكوفي، وهو رافضي جَلْد، تَرَكه الحُفَّاظ، ومنهم مَن كذَّبه. (لسان الميزان 6/157)
 
- ومن الأخبار الباطلة التي تُروى عن معاوية أنه قال: "يا أهل العراق، أترون أني إنما قاتلتكم لأنكم لا تُصَلُّون؟ والله إني لأعلم أنكم تصلون! أو أنكم لا تغتسلون من الجنابة؟! ولكن إنما قاتلتُكم لأتأمَّر عليكم، فقد أمّرني الله عليكم".
وهذا تفرد بروايته الأعمش[*4] ، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن سويد [وليس بالكلبي]، قال: صلى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة في الضحى ثم خطبنا، فذكره.
وسويد مجهول لا يُعرف بغير هذا الخبر الباطل، وقال البخاري: لا يُتابع عليه (التاريخ الكبير 3/477 وانظر حاشيته)، وتبعه ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال (3/1243)، والذهبي في الميزان (2/145)، وضعَّفه ابن حجر في الفتح (2/387)
 
ومثله ما أورده الطبري (5/323) وغيره أن معاوية لما أوصى إلى ابنه يزيد قال له: "إني لا أتخوّف أن ينازعك هذا الأمر الذى أسسته إلا أربعة نفر: الحسين بن على وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبى بكر فأما ابن عمر فهو رجل ثقة قد وقدته العبادة وإذا لم يبق أحد غيره بايعك وأما الحسين فان أهل العراق خلفه لا يدعونه حتى يخرجونه عليك فان خرج فظفرت به فاصفح عنه فان له رحما ماسة وحقا عظيما وأما ابن أبى بكر فهو رجل إن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثله ليست له همة إلا النساء واللهو وأما الذى يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك روغان الثعلب وإذا أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير فان هو فعلها بك فقدرت عليه فقطعه   إربا إربا".
قلت: وهذا باطل، في سند الطبري أبومخنف، وهو أخباري تالف، ثم إن متنه منكر، وفي سياقه ما يُكذبه، قال ابن كثير: "كذا قال! والصحيح أن عبد الرحمن [أي ابن أبي بكر] كان قد توفى قبل موت معاوية"، ثم أشار راويه عن أبي مخنف إلى مخالفته.
 
فإذا كان أحاديثٌ وأخبارٌ قد وُضعت لها أسانيد تطعن في الصحابي الجليل معاوية، فكيف بالحكايات التي لا سند لها أصلا؟
ولا شك أن تاريخ معاوية خاصة، وخلفاء بني أُمَيَّة عامة، قد أصابه ظُلمٌ عظيم من قِبَل أعدائه المختلفين -سياسيين وعقائديين- وعلى الباحثين من أهل السنة الاجتهادُ في تخليص الأكاذيب عن ذلك العهد بل القرن المفضّل- وتجلية واقعه عبر المنهج الحديثي العلمي.
قال شيخي المؤرخ محمود شاكر حفظه الله تعالى: "إن هذه الافتراءات على بني أمية ليس لها سند صحيح، ومعظمها مجهول المصدر، الأمر الذي يدل على كذبها، وبهذا لا يمكن الاعتماد عليها أبدا، وإذا أخذنا بمنهج الحديث في الجرح والتعديل، وهو أفضل منهج للوصول إلى صحة الخبر، فإننا سنطرح هذه الروايات كلها التي تقوَّلت على بني أمية".[51]
 
- وأختم بالتنبيه على أن الأحاديث التي رُويت في ذم بني أمية مطلقا لا يصح منها شيء ألبتة، ويكفي للدلالة على بطلانها أنها تشمل عثمان بن عفان: ثالث الأمة فضلا ومنـزلة، وأم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان، وغيرهما من الصحابة الأجلاء، ومَن بعدَهم، كعمر بن عبد العزيز، مع ما حصل من التصاهر بين الأمويين والهاشميين وغيرهم، مع قرابتهم أصلا.[52]
فهذه الأحاديث من وضع أعداء الأمويين السياسيين والعقائديين.
 
قبر معاوية رضي الله عنه:
 
توفي معاوية رضي الله عنه في دمشق، ودفن فيها، واختُلِف في موضع قبره، والموضع الأشهر عند المؤرخين والمعروف اليوم: هو في الركن الجنوبي لمقبرة باب الصغير، داخل غرفة طينية صغيرة متهدِّمة، وقربه قبور العلماء: نصر المقدسي، وابن عساكر، وابن رجب، والبرهان الناجي، وغيرهم، وقد خرَّبَ القبرَ بعضُ الرافضة، وتُعُمِّدَ إهمالُ القبر بسَعيهم، بخلاف القبور المنسوبة لآل البيت هناك، وهي لهم فوق بيوت الله تعلقا واعتناء.
ومن اللطائف ما ذكره ابنُ حِبَّان في مشاهير علماء الأمصار (ص7) وغيرُه أن يزيدَ بن معاوية دَفَنَ رأسَ الحسين بن علي في قبر معاوية رضي الله عنهم، فإن صحَّ ذلك فيكون الرافضة قد آذوا إمامَهم أيضا!
ولكن شيخَ الإسلام ابنَ تيمية، وابنَ المحب، وابن طولون، يقولون: إن معاوية بن أبي سفيان مدفونٌ قِبْلِي حائط جامع دمشق (الأُمَوي)، وأن القبرَ الذي في باب الصغير هو لحفيده الخليفة الأموي الثالث: معاوية بن يزيد بن معاوية رحمه الله، وهذا ذُكر في ترجمته أنه دفن في الباب الصغير، والله أعلم[53].
أقول: لستُ بحمد الله ممن يخالف النهيَ الصريح عن الغلو في القبور والبناء عليها، إلا أني أُظهر مثالا مصوَّرا لحقد أعداء الإسلام للصحابة عموما، ولخال المؤمنين معاويةَ خصوصا، فهذه صورٌ للقبر المشتهر اليوم:
(الصور في كتاب دار السنة: دار الحديث النورية ص206 و207)
 
بين معاوية وأهل البيت العلويين رضي الله عنهم جميعا:
 
قدّر الله لحِكمة يشاؤها الاقتتال بين علي ومعاوية، رضي الله عنهما، ولا يشك مسلم أن عليا رضي الله عنه أولى الطائفتين بالحق، وبعيدا عن الخوض في هذه المجريات الأليمة ينبغي تقرير أن الصحابة ليسوا بمعصومين، وأنهم بشر يقع منهم وبينهم الغضب والخصومة والتألم والانزعاج، ثم يقفون على الصلح والمودة، ولا يبلغ ذلك دينهم، والله يغفر لهم:
فهذان خير الأمة أبوبكر وعمر وقع بينهما الخصام، كما في صحيح البخاري (4845) من قصة وفد تميم، وهو سبب نزول قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)
وقد اختصم علي وعمه العباس في قصة فدك إلى عمر، ووقع بينهما كلام أمامه، كما في صحيح البخاري (4033)
بل قد حصل ذلك لمن هو خير منهم، فقد تألم موسى وانزعج من أخيه هارون، وأخذ بلحيته يجره إليه، كما جاء في القرآن الكريم.
وتألم نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة وغضب لها لما بلغه أن عليا رضي الله عنه عزم على الزواج بابنة أبي جهل.
فكل ذلك لم يُنقص رتبتهم، وما ثنانا عن حبهم وتوقيرهم، غير غالين فيهم، ولا مجافين عنهم.[54]
قال الأعمش الكوفي عن شيعة بلده: حَدَّثْناهم بغضب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فاتَّخذوه ديناً!
رواه الفسوي في المعرفة (2/765) ومن طريقه ابن عساكر (32/93) وسنده صحيح.
 
وقال الذهبي في المقدمة الزَّهْرا ضمن كلام بديع في نقض النص الذي تزعمه الشيعة في الإمامة (ص112-113): "فلمّا استُشهد الإمامُ عليّ أقام الحَسَن، ثم أَقْبَلَ في كَتائبَ مِثلَ الجِبال، ومعه مِائةُ ألفِ عنانٍ يموتونَ لمَوْتِهِ، فما الَّذي جَعَلَه في ثِقَةٍ مِنْ تسليمِ الأَمْرِ إلى مُعاوية؛ وإعانَتِهِ على الضَّلالِ وإبطالِ العَهْدِ النَّبَوي إليه وإلى أبيه؟! ثم يُوافِقُهُ على ذلك أخوه الحُسين الشَّهيدُ ويَسْكُت!! فما نَقَضَ يَوماً بيعةَ مُعاويةَ أبداً.
فلمّا ماتَ معاويةُ قامَ الحسينُ، وسار يطلُبُ الإمارةَ، ويخرجُ من القُعودِ عن الحَرْبِ، فقاتَلَ حتَّى استُشْهِدَ رضي الله عنه، فلولا أنَّه رَأَى مُبايَعَتَهُ لمعاويةَ سائغةً لفَعَلَ معه كما فَعَلَ مع يَزيد!
هذا لا يُماري فيه مُنْصِفٌ، فإنَّ السِّبْطَينِ سَلَّما الأَمْرَ إلى مُعاويةَ طائعَيْنِ غيرَ مُكرَهَيْن، وعَنْ مَنَعَةٍ وجَيْشٍ لَجِبٍ، فدَلَّ ذلك على أنهما فَعَلا المُباحَ، وأَصْلَحَ الله تعالى بين الأُمَّةِ بالسَّيِّدِ الحَسَنِ، وحُقِنَتْ الدِّماء، وسَكَنَتْ الدَّهْماء، وانْعَقَدَ الإجماعُ على مُبايعةِ المَفْضولِ الكامِلِ السِّياسَةِ مع وُجودِ الأَفْضَلِ الأَكْمَل، ولله الحَمْدُ.
ولو امْتَنَعَ السِّبْطانِ في ذلك الوَقْتِ - ونَواصي العَرَبِ في يَدِ الحَسَنِ - لأَوْشَكَ أنْ يكونَ لهما النُّصْرَةُ على أهلِ الشام".
ونحتجُّ على الشيعة بما يثبت عندهم، وهو قول علي رضي الله عنه في كتاب نهج البلاغة الذي يصححونه ويحتجون به، فيقول (543) عن معركة صِفِّين: "وكان بدء أمرنا أنا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، والأمر واحد، إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان، ونحن منه براء".
وهذه المسألة إنما يثيرها الرافضة ومن تأثر بهم، ليست القضية عندهم مسألة أحقية معاوية أو أخذه البيعة ليزيد من بعده، بل عندهم مسألة خلافة الثلاثة من قبل، وإنما مسألة معاوية وبني أمية كلها لأجل إثارة العوام والجهلة فقط وإيقاع الفتنة وإحياء الخلافات، وللأكمة ما وراءها.
قال ابن تيمية في منهاج السنة (4/394): "اتفق أهل السنة على أنه لا تفسق واحدة   من الطائفتين، وإن قالوا في إحداهما إنهم كانوا بغاة، لأنهم كانوا متأولين مجتهدين، والمجتهد المخطىء لا يكفر ولا يفسق؛ وإن تعمد البغي، فهو ذنب من الذنوب، والذنوب يرفع عقابها بأسباب متعددة: كالتوبة، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاء المؤمنين، وغير ذلك".
وقد نص جماعة، منهم ابن حزم في الفصل (3/6) والذهبي في جزئه "المقدمة الزهرا في إيضاح الإمامة الكبرى" (ص84) أن الحق مع علي، وأن معاوية مخطئ مأجور مجتهد.
وقال عمار رضي الله عنه (كما في مسلم 4/2143) لما سئل: أرأيتم صنيعكم مع علي أرأيا رأيتموه أو شيئا عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء
ولذلك فقد اعتزل عامة الصحابة القتال، وعلى رأسهم سعد بن أبي وقاص (وهو من العشرة المبشرين)، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة.
وصح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قيل له: ألا تقاتل! فإنك من أهل الشورى، وأنت أحق بهذا الأمر من غيرك؟ فقال: لا أقاتل حتى تأتوني بسيف له عينان ولسان وشفتان، يعرف المؤمن من الكافر، فقد جاهدت وأنا أعرف الجهاد.
(رواه أبونعيم في معرفة الصحابة 1/135 ويخرج) وانظر تاريخ بغداد 6/44 وابن عساكر 59/141
وقد صح عن عالم التابعين[55] ابن شهاب الزهري أن الأمر كان فتنة مشتبهة، وأن الصحابة وفيهم من شهد بدرا رأوا أن يَهدروا أمر الفتنة، ولا يقام حدٌ ولا قصاصٌ ولا مالٌ استُحلَّ بتأويلٍ فيها. (سنن سعيد بن منصور 2/368 ومصنف عبد الرزاق)
وقال ابن تيمية في المنهاج (4/409-410): "إن الفتن إنما يُعرف ما فيها من الشر إذا أدبرت، فأما إذا أقبلت فإنها تزين، ويظن أن فيها خيرا.."، إلى أن قال: "والذين دخلوا في الفتنة من الطائفتين لم يعرفوا ما في القتال من الشر، ولا عرفوا مرارة الفتنة حتى وقعت، وصارت عبرة لهم ولغيرهم".
 
- وثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: قتلايَ وقتلى معاوية في الجنّة[56].
 
- وروى ابن أبي شيبة (15/297) وابن عساكر (1/346) وابن العديم (1/303) في تاريخيهما بسند صحيح عن عبد الله بن عروة قال: أخبرني مَن شهد صفّين، قال: رأيتُ عليّا خَرَجَ في تلك الليالي؛ فنَظَرَ إلى أهل الشام، فقال: "اللهم اغفِرْ لي ولهم".
 
- وروى معمر في الجامع (11/56) وعنه عبد الرزاق (5/451) بسند صحيح عن محمد بن سيرين قال: قال رجلٌ لعلي: أخبرني عن قريش، قال: أرزنُنا أحلاما إخوتُنا بنو أُميّة.
وروى معمر في الجامع (11/57) عن قتادة، قال: قال رجل لعليّ: حدثني عن قريش، قال: أما نحن قريش فأنجاد أمجاد أجواد، وأما بنو أمية فقادةٌ أدَبَة ذادَة.
 
وقال الحارث عن علي: لا تكرهوا إمرة معاوية، فلو قد فقدتموه لرأيتم الرؤوس تندر على كواهلها كأنها الحنظل. (ابن أبي شيبة 15/293 والبلاذري 4/61 والسنة لعبدالله بن أحمد 2/550 ومعجم البغوي 5/372 واللالكائي 8/1452 وابن عساكر 59/151 ابن سعد 1/120 السلومي، وابن أبي الدنيا في حلم معاوية 5 والحاكم وغيرهم)، والشيعة ومن تأثر بهم يوثقون الحارث!
 
روى ابن سعد (1/121 السلومي) من طريق موسى بن قيس الحضرمي، عن قيس بن رمانة، عن أبي بردة قال: قال معاوية رضي الله عنه: "إن كان يقاتل على الأمر، إلا من أجل دم عثمان".
 
وروى أبوزرعة في تاريخه، وابن عساكر (1/343) بسند صحيح عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، قال: ذُكر عند علي يوم صفين -أو يوم الجمل- فذكرنا الكفر، قال: لا تقولوا ذلك، وزعموا أنا بغينا عليهم، وزعمنا أنهم بغوا علينا، فقاتلناهم على ذلك.
 
- ولما جاء معاوية نعي علي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا فقدوا من العلم والخير والفضل والفقه! قالت امرأته: بالأمس تطعن في عينيه، وتسترجع اليوم عليه؟ قال: ويلك، لا تدرين ما فقدنا من علمه وفضله وسوابقه.
رواه ابن أبي الدنيا في مقتل علي (106) وفي حلم معاوية (19) والسقطي في فضائل معاوية (29) وابن عساكر (59/142) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة بن مِقْسَم، وسنده صحيح إليه، وهو يروي عن جمع من ثقات أصحاب معاوية وعلي رضي الله عنهما.
 
استفتاء معاوية لعلي: الأم للشافعي 6/30 و137 وعبد الرزاق 9/433 وابن أبي شيبة 9/402 وسعيد بن منصور (1/40) والغريب للخطابي (2/199) وحلم معاوية (37) والكلاباذي في بحر الفوائد (1/466 رسالة دكتوراة)[57]
ابن عساكر (42/415)
 
- وصح عن عطاء بن مسلم الخفاف الكوفي أنه قال عن قتال معاوية لعلي: "وإنْ كان يُقاتلُهُ فإنَّه كان يَعْرِفُ فَضْلَه".
قال ابن أبي الدنيا: أخبرنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، نا عبيد بن جَنّاد، نا عطاء به، وسنده جيد.
ورواه ابن عساكر (42/414) من طريق ابن أبي الدنيا، وهو في حلم معاوية له (20 منتقى)
 
- قال مغيرة: أرسل الحسن بن علي وعبد الله بن جعفر إلى معاوية يسألانه، فبعث لكل منهما بمائة ألف، فبلغ عليا رضي الله عنه، فقال: ألا تستحيان! رجل نطعن في عينه غدوة وعشية تسألانه المال؟ قالا: لأنك حرمتنا وجاد لنا.
رواه ابن أبي الدنيا في حلم معاوية (21) ومن طريقه ابن عساكر (59/193) بسند صحيح عن مغيرة.
وروى الآجري (1962) بسند صحيح عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه جاء إلى عليٍّ رضي الله عنه إلى العراق ليعطيه، فأبى أن يُعطيَه شيئا. فقال: إذاً أَذهبُ إلى رجلٍ أوصلُ منك! فذهب إلى معاوية رضي الله  عنه فعَرَف له.
 
- وصحّ أن الحسن والحسين رضي الله عنهما كانا يَقبلان جوائز معاوية.
رواه ابن أبي شيبة (6/89) والآجري (5/2470) واللالكائي (8/1444) وابن عساكر (59/194) من طرق عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن الحسن والحسين.
ورواه الأصمعي (البداية والنهاية) ومن طريقه ابن عساكر (59/194) من طريق أخرى به.
واحتج به الإمام أحمد. (المغني لابن قدامة 6/338)[58]
 
وروى أبوالقاسم الزجاجي في أخباره (ص98-100) عن عمر بن شبة قال: كان لمعاوية بن أبي سفيان عَينٌ ببلاد الروم، قال: فكتب إليه: إن هذا الطاغية [أي قيصر الروم] قال في مجلسه: إن هذا أوان أستأصِلُ فيه العرب، لأنها قد اختلفت. فكتب إليه معاوية كتابا يحلف له فيه ويقول: لئن عزمتَ على ما أظهَرْتَهُ في مجلِسك لأُصالِحَنَّ صاحبي، ولأَصِيرَنَّ مُقدِّمَتَهُ إليك، فأنزِلُ قسطنطينية الجرامقة، ولأرُدَّنَك أرلسياً كما كنتَ تَرعى الخنانيص.
فكتب إليه ملك الروم يحلفُ له بالبراءة من المعمودية والدخول في الحنيفية: ما هَمَّ بهذا ولا تكلم، وأَهدى إليه هدايا كثيرة، أكثرُها اليُزبون.
وذكره الخطابي في الغريب (2/535) وابن كثير (11/400) وغيرهما من المؤرخين وأصحاب اللغة بمعناه.
 
وروى يعقوب بن سفيان (3/317 مُستدرَكا من الإصابة 1/330) بسند صحيح إلى هلال بن خباب البصري قال: جمع الحسن بن علي رؤوس أهل العراق في هذا القصر -قصر المدائن، فقال: إنكم قد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وتحاربوا من حاربت، وإني قد بايعت معاوية، فاسمعوا له وأطيعوا.
 
- وروى ابن أبي الدنيا في المنامات (124 واللفظ له) ومحمد بن مروان السعيدي في المجالسة، ومن طريقهما ابن عساكر (50/140) بسند رجاله ثقات، عن عمر بن عبد العزيز قال:
"رأيتُ رسولَ الله [صلى الله عليه وسلم]؛ وأبوبكر وعمر جالسان عنده، فسلمت عليه وجلست، فبَينا أنا جالس إذْ أُتيَ بعَليٍّ ومعاويةَ، فأُدخلا بيتاً وأُجيفَ عليهما الباب؛ وأنا أنظرُ إليهما، فما كان بأسرعَ أن خرَجَ عَليٌ وهو يقول: قُضِيَ لي وربِّ الكعبة! وما كان بأسرعَ أن خرج معاويةُ على إثره وهو يقول: غُفر لي وربِّ الكعبة".
 
وروى سعيد بن منصور (2/369) وابن أبي شيبة (7/547) ويعقوب بن سفيان في المعرفة، وأبوالعرب التميمي في المحن (103) والسراج في تاريخه، وإبراهيم بن ديزيل في كتاب صفين، وأبونعيم في الحلية (4/143 و9/62) واليهقي (8/174) وابن عساكر (15/346 و17/396) بسند صحيح عن أبي وائل شقيق، قال: رأيت أبا ميسرة عمرو بن شرحبيل، ولم أر همدانيا كان أفضل منه. قلت [أي عمرو بن مرة]: ولا مسروق؟ قال: ولا مسروق. قال: اهتَمَمْتُ بأمر أهلِ صِفِّين؛ وما كنتُ أَعرفُ من الفضل فى الفريقين، فسألتُ الله أن يُريَني مِن أَمْرِهم أَمْراً أَسْكُنُ إليه، فأُرِيتُ في مَنامي أنّي رُفِعْتُ إلى أهلِ صِفِّينَ، فإذا أنا بأصحاب عليٍّ في رَوضة خضراءَ وماءٍ جارٍ، فقلت: سبحان الله! كيف بما أرى وقد قَتل بعضُكم بعضاً؟ قالوا: إنا وجدنا ربَّنا رؤوفا رحيما. قلت: فما فعل ذو الكلاع وحوشب -يعنى أصحابَ مُعاوية؟ قالوا: أمامَك! فإذا سَهْمٌ كالحناحز، فهبطتُ على القوم فى روضة خضراء وماءٍ جار، فقلت: سبحان الله! كيف بما أرى وقد قتل بعضُكم بعضا! قالوا: إنا وجدنا ربَّنا رؤوفا رحيما.
رووه مطولا ومختصرا، وهذا سياق سعيد بن منصور[59].
 
وقال أبوحنيفة الدينوري في الأخبار الطوال (225): "قالوا: ولم ير الحسن ولا الحسين طول حياة معاوية منه سوءا في أنفسهما ولا مكروها، ولا قطع عنهما شيئا مما كان شَرَط لهما، ولا تغيَّر لهما عن بِرّ".
 
ومن علاقات الأُمَويين والهاشميين:
 
عقد ابنُ حزم رحمه الله في رسالته نقط العروس (2/107 ضمن جمهرة رسائله) بابا فيمن تزوج مِن بني هاشم في بني أُمَيَّة، ومن ذلك أن الحسن بن علي تزوج عائشة بنت عثمان بن عفان، قلت: والذي زوّجهما معاوية، وأصدق عن الحسن عشرة آلاف دينار، وبقيت عند الحسن حتى توفي رضي الله عنه، على أنه كان مطلاقا.
ثم بوّب (108) من تزوج من بني أمية في بني هاشم: ومن ذلك أن الخليفة عبد الملك بن مروان تزوج بنت علي بن أبي طالب، وبنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
وكذا تزوج عبدُ الله بن عمرو بن عثمان بن عفان فاطمةَ بنت الحسين بن علي.
وتزوج الخليفة يزيد بن عبد الملك امرأة من ولد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
وتزوج عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان من نفيسة بنت عبد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب، فولدت له عليا والعباس.
 وتزوج الخليفة الوليد بن عبد الملك من زينب بنت الحسن بن الحسن بن علي، ثم طلقها، فتزوجها عمه معاوية بن مروان.
وتزوج بكار بن عبد الملك بن مروان فاطمة بنت محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وربيحة بنت محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
 
ثم بوّب ابن حزم (109) من ولي من بني أمية لبني هاشم.
ثم (110) من ولي من بني هاشم لبني أمية.
ثم (111) بعض غرائب الأسماء في بني هاشم، مثل: خالد بن يزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ويزيد بن عبد المطلب بن المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم.
ثم بوّب ابن حزم (111) لغرائب الأسماء في بني أمية: مثل علي بن يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان.
ومن أراد الاستزادة فليراجع المصدر.
فماذا نفهم من كثرة التصاهر والتزاوج بين الفرعين، وتسمية أولاد الأسرة بأسماء كبار الثانية، واستعمال أمراء كل فريق أعيان الفريق الآخر؟
 
مُلابَسات قتل حُجْر بن عَدي رحمه الله:
حُجْر بن عَدي الكِنْدي من كبار التابعين على الصحيح، وقيل: إنه صحابي[60]، وكان من السادة العُبّاد الصالحين، وهو أحد أمراء علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم صِفِّين، ثم بايع للحسن، وكان من المعارضين لصُلحِه مع معاوية، ثم بايع لمعاوية، وبقي في طاعته عشر سنوات.
وكان شديدا في الإنكار على الولاة علانية، قولا وفعلا، ورُوي عنه أنه كان يفعل ذلك مع المغيرة بن شُعبة، الذي كان يحلُمُ ويَسكت عنه[61]، ثم توفي المغيرة، وتولى الكوفة بعدَه زياد (وقد كان مثل حُجر من أمراء علي)، وبقي حُجْر على طريقته، فحذَّره زياد، فلم يتغيَّر الوضع، واجتمع بعض الشيعة على حُجر، فتكلَّم زياد يوما على المنبر فقال: إن من حق أمير المؤمنين كذا، مرارا، فأخذ حُجر كفّاً من حَصا، فحَصَبه، وقال: كَذَبتَ، كذبتَ؛ عليكَ لعنةُ الله، فانحدر زياد من المنبر وصلَّى، ثم دخل دارَه، واستدعى حُجرا فأبى، فلم يزل به حتى قَدِم، وأرسله مقيَّدا مع جماعة من أصحابه إلى معاوية، وأتْبَعَه زياد برسائل سبقته إلى معاوية: إنْ كان لكَ في الكوفة حاجةً فاكفِني حُجْراً.
وجعل يَرْفَعُ الكُتُبَ إلى معاوية حتى أَلهَفَه عليه، فلما وصل حُجر قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، قال معاوية مغضبا: أوَ أميرُ المؤمنين أنا؟ قال: نعم، ثلاثا.
وكان معاويةُ قد استشار وجوهَ أصحابه في القادمين، فأشار بعضهم بالقتل، وسكت بعضهم مصرِّحا بطاعته لما سيحكم به معاوية، ثم كان حُكمُه فيهم أن قتل بعضهم؛ وفيهم حُجر، واستبقى بعضهم، ولم يخالِفْه مَن حوله.
وقال حُجر قبل أن تُضرب عنقه: دعوني أصلي ركعتين، ثم قال: لا تحلوا قيودي، ولا تغسلوا عني الدم، فإني أجتمع أنا ومعاوية إذا على المحجة.
وكان مقتله بمرج عَذْراء (واسمها اليوم عَدرا) قُرب دمشق سنة إحدى وخمسين.
 
هذا أصح ما وقفتُ عليه من جهة الإسناد[62]، وما أقل الروايات الصحيحة في حادثة مقتله، وقد اختلفت الروايات في قصة مقتله رحمه الله وملابساتها، وتزيَّد فيها الشيعة والضعفاء كعادتهم، بل وُضعت في ذلك أحاديث![63] والروايات القصة غالبها بلاغات ومراسيل، أما المسندات ففيها ما فيها، وكثير منها من طريق أبي مخنف، وهو شيعي تالف.
ثم أصبح الشيعة يعتمدون على ما وضعوه واختلقوه، مع المبالغة والتهويل، يشنعون بذلك على معاوية رضي الله عنه، فاصلين بين الأسباب والنتائج، وهنا وقفة مهمة:
 
فقد روى الطبراني في المعجم الكبير (3/70 رقم 2691) عن ابن عُيينة، عن  عُبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه يزيد بن الأصم، قال: خرجتُ مع الحسن (يعني ابن علي رضي الله عنهما) وجاريةٌ تَحُتُّ شيئا من الحِنَّاءِ عن أظفاره، فجاءتْهُ إِضْبارَةٌ من كُتُب، فقال: يا جاريةَ هاتي المِخْضَب، فصبَّ عليه ماءً، وألقى الكُتُب في الماء، فلم يفتح منها شيئا، ولم ينظر إليه، فقلتُ: يا أبا محمد! ممن هذه الكُتُب؟ قال: من أهل العراق، من قوم لا يرجعون إلى حقٍ، ولا يقصرون عن باطل، أما إني لستُ أخشاهم على نفسي، ولكني أخشاهم على ذلك. وأشار إلى الحسين.
وسنده جيد على شرط مسلم[64]، وقال الهيثمي في المجمع (6/243): ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن الحكم بن أبي زياد، وهو ثقة.
 
ومن هذا الخبر يتبيَّن أن الشيعة كانوا يَسْعَونَ للفتنة، ويُزَيِّنونَ الخروج للحسن رضي الله عنه، وأنه كان يعلم منهم ذلك، ويَحْذَرُهم، ويخافُ منهم على أخيه الحُسين، وقد حصل ما كان يَخشاه، فأخرجوا الحُسينَ، ثم خَذَلوه وأَسْلَموه، فكانوا السبب المباشر لاستشهادِه رضي الله عنه.
 
كذلك كان الأمر مع حُجْر رحمه الله، فقد كانت الشيعة قد يَئِسَتْ من إخراج الحَسَن رضي الله عنه، وكان وُحودُه كفيلا برَدْع هؤلاء المُتربصين للخروج، فلما مات اجتمعوا على حُجْر، وصاروا يُحَرِّضونَه، وقالوا له: أنت شيخُنا، وأحقُّ الناس بإنكار هذا الأمر.
 
ومما يؤكِّدُ دور أولئك الشيعة في التحريض، وأنهم ما أرادوا بذلك إلا الخروج على الجماعة وقِتالِهم: ما رواه عبد الله بن أحمد، ومن طريقه ابن عساكر (12/220) وابن العديم (5/2124) بسند مُقارِب لا بأس به عن إسماعيل بن عياش أنه سأل شرحبيل بن مُسلم عن أصحاب حُجر: ما كان شأنُهم؟ قال: وَجَدُوا كتابا لهم إلى أبي بلال: إن محمَّداً وأصحابَه قاتَلوا على التنزيل، فقاتِلوهم أنتم على التأويل.
قلت: وأبوبلال هو مرداس بن أدية، من كبار رؤوس الخوارج.
 
مع أن معاوية في النهاية لا يعدم أن يكون قد أصاب في اجتهاده، فيكون له أجران، أو اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، ويكون خطؤه رضي الله عنه مغمورا في بحر حسناته.
 
أخلاق معاوية رضي الله عنه:
قال ابن تيمية: "استعملَ عمرُ معاويةَ مكانَ أخيه يزيد بن أبي سفيان، وبقيَ معاويةُ على وِلايَتِه تمامَ خِلافتِه، وعمرُ ورَعِيّتُه تَشكُرُه، وتَشكرُ سيرَتُه فيهم، وتُواليه وتُحِبُّه لما رأوا من حِلمه وعدله، حتى إنه لم يَشكِه منهم مُشتَكٍ، ولا تَظَلَّمَهُ منهم مُتظلِّم". (مجموع الفتاوى 4/457-458)
وقال الذهبي في المقدمة الزهرا في إيضاح الإمامة الكبرى (ص106): "كان خليقا للإمارة، شريفا، مهيبا، شجاعا، حليما، جوادا، كثير المحاسن، على هنات له، فالله يسامحه ويعفو عنه، فهو أول الملوك، ومن أكبرهم وأحزمهم".
وقال أيضا (تذهيب التهذيب 9/34): "هو أول ملوك الإسلام، وكان حليما كريما سائسا عاقلا كامل السؤدد ذا دهاء ومكر، كأنما خلق للملك".
وقال ابن كثير في البداية والنهاية (11/397 التركي): "كان حليما وقورا رئيسا سيّدا في الناس، كريما عادلا شهما".
 
وكان رضي الله عنه جوادا، ويعرف قدر كبراء الصحابة:
 
وروُي عنه أنه قضى عن عائشة رضي الله عنه ثمانية عشر ألف دينار (الفسوي في المعرفة 2/410 وابن عساكر 59/191 بسند صحيح)، وبعث معاوية مرة إليها بمائة ألف (ابن أبي شيبة 6/90 ابن أبي عاصم 1/376 والمستدرك 4/13 الحلية 2/47 المستجاد من فعلات الأجواد 37 ابن عساكر 59/192)، وأنه أرسل لها هدية فقبلتها (ابن أبي شيبة 6/90)، وانظر الحلية (2/48)، ودخل الحسن بن علي على معاوية، فقال معاوية: لأجيزنّك بجائزة لم يُجزها أحد كان قبلي، فأعطاه أربع مائة ألف (وفي بعض المصادر أربعمائة ألف ألف، ولعله تكرر سهوا)، ومما أقطع الحسن بن علي عين صيد (فتوح البلدان للبلاذري ص366)، وأعطى ابن عباس مرة ألف ألف من بين عَروض وعين، وقال له: اقسمه على أهلك. (انظرها في الآحاد والمثاني 1/374 و376 وأنساب الأشراف للبلاذري 2/399 والأوائل لأبي عروبة 168 والزيادات على المكارم وذكر الأجواد للطبراني 90 وتاريخ ابن عساكر 59/192 و197 ومشيخة ابن البخاري 2/1084 والسير 3/154 و155)
وقصة النعمان بن بشير لما قدم إليه الأنصار فقال لهم: خذوا لسان الأخطل القائل واللؤم تحت عمائم. (الإشراف لابن أبي الدنيا 22)،
 
وروى الطبراني في الزيادات في المكارم وذكر الأجواد (40): حدثنا عبد الله بن وهيب، حدثنا محمد بن أبي السري، حدثنا محمد بن ضمرة، عن علي بن أبي حَمَلَة، عن أبي حفصة الحَبَشي، قال: رأيتُ الأشعث بن قيس بصفين، جاء فوقف على معاوية، فقال: يا معاوية، خل بيننا وبين الماء، قال: نعم يا أبا محمد، ألا ندعو لك بشراب؟ فدعا له معاوية بشراب سويق. [قال]: فشرب ثم انصرف.
قلت: وهذا أعجب ما يكون بين متحاربين، إلا أن تكون لغير الدنيا، وانظر تهذيب الكمال (3/292) نقلا عن كتاب صفين لعبد الله بن أحمد، وابن عساكر.
 
وروى سعيد بن منصور (1/110) بسند صحيح أن أم المؤمنين صفية بنت حيي باعت حجرتها من معاوية بمائة ألف.
 
- وكان معاوية إذا لقي الحسن بن علي يقول: مرحبا وأهلا بابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأمر له بثلاث مائة ألف، وكان يلقى ابن الزبير فيقول: مرحبا بابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأمر له بمائة ألف.
رواه الأصمعي (البداية والنهاية) والبغوي في المعجم (5/370) والآجري (5/2468) وابن عساكر (59/194) وسنده صحيح.
وانظر حلم معاوية لابن أبي الدنيا (36)
 
- قال ابن معين (معرفة الرجال رواية ابن مُحْرِز 1/141 رقم 756 و2/79 رقم 177 والتاريخ رواية الدوري 3/367 رقم 1784): حدثنا جرير -يعني ابن عبد الحميد الضبي، عن مغيرة، قال: نهى معاوية أن يُطْعِمَ بالكوفة إلا جعدة بن هبيرة بن أبي وهب.
وأمه أم هانئ بنت أبي طالب.
قلت: فيكون عليٌّ رضي الله عنه خالَه.
 
- وروى ابن سعد ويعقوب الفسوي في المعرفة (1/492) بسند صحيح أن معاوية بعث إلى ابن عمر بمائة ألف.
 
ولذلك قال أبوالدرداء: لا رخاء بعد معاوية.
رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1/382) والطبراني في الكبير (مجمع الزوائد 9/25) وابن عساكر (59/152) وقال الهيثمي: إسناده حسن، وهو كما قال.
 
ومع سخائه وجوده فقد كان متواضعا في نفسه، فروى ابن أبي عاصم (1/380) وابن عساكر (59/171) عن عبيد أبي البختري قال: كنت عند معاوية فرأيته متواضعا، ولم أر أسياطا غير مخاريق كمخاريق الصبيان من رقاع فيفقعون بها.
وروى ابن أبي عاصم بسند صحيح (1/379) عن أبي حملة، قال: رأيت معاوية على المنبر وعليه قناء مرقوع.
وروى مُسَدَّد في مسنده (المطالب العالية 3/792 رقم 438 الشثري) من طريق سعد بن إبراهيم، عن أبيه، أن معاوية رضي الله عنه أَمَّهُم في قميص.
وسنده صحيح.
 
وروى: من أحب أن يتمثل الناس له قياما (المسند 4/91 و100 والآجري 5/2463 وتهذيب الآثار 2/568 وشعب الإيمان 14/311 والصحيحة 357)
وروى ابن سعد (1/116 السلومي) وابن أبي عاصم (1/377) وابن عساكر، قال: إني والله لست بخيركم، ولكني عسيت أن أكون أنكأكم في عدكم، وأنفعكم لكم بولاية، وأحسنكم خلقا".
 
وأما حلمه ورحابة صدره فمضرب المثل، وأخباره في ذلك كثيرة جدا، وقد أفرد الحافظان ابن أبي الدنيا وابن أبي عاصم تصنيفا في حلم معاوية، وساق ابن عساكر في تاريخه (59/177-190) الكثير من ذلك.
وروى الزبير بن بكار في الموفقيات (336) وابن أبي الدنيا في حلم معاوية (10) ومحمد بن مروان السعيدي في المجالسة، ومن طريقه ابن عساكر (59/185) واللفظ له، بسند صحيح عن هشام بن عروة قال: صلى بنا عبد الله بن الزبير الغداة ذات يوم فوجم بعد الصلاة وجوما لم يكن يفعله، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: لله درُّ ابن هند! أما والله إن كنا نتخدّعُه فيتخادع لنا، وما ابن ليلة بأدهى منه، لله در ابن هند! أما والله إن كنا لنفرقه فيتفارق لنا، وما الليث الحَرِب بأجرأ منه، كان والله كما قال بطحاء العذري:
رَكوبُ المنابر وثّابُها *** مِعَنٌّ بخطبته مُجهرُ
تَرِيعُ إليه فصوص الكلام *** إذا نثر الخطِل المِهْمَرُ
كان والله كما قال قالت بنت رقيقة:
ألا أبكيه، ألا أبكيه *** ألا كل الفتى فيه
وله طريق أخرى عنده (59/236) وانظر البلاذري (4/96) وتاريخ أبي زرعة (1/572)
 
وروى الأثرم والخلال (2/445) عن عبد الله بن الزبير بن العوام يتشبّه بمعاوية في الحلم.
وقال أحمد في الزهد (ص391): "حدثنا أبوالمغيرة، حدثنا هشام بن الغاز، حدثني يونس الهرم، عن أبي مسلم الخولاني، أنه نادى معاوية رحمه الله ابن ابي سفيان وهو جالس على منبر دمشق فقال يا   معاوية  انما انت قرب من القبور ان جئت بشيء كان لك شيء وان لم تجيء بشيء لك يا   معاوية لا تحسبن الخلافة جمع المال وتفرقته ولكن الخلافة العمل بالحق والقول بالمعدلة واخذ الناس في ذات الله يا   معاوية  انا لا نبالي بكدر الانهار ما صفت لنا رأس عيننا وانك رأس عيننا يا معاوية انك ان تحف على قبيلة من قبائل العرب يذهب حيفك بعد لك فلما قضى ابو مسلم مقالته اقبل عليه   معاوية  فقال يرحمك الله يرحمك الله".
ورواه الزبير بن بكار واللالكائي (8/1439) والأهوازي في شرح عقد أهل الإيمان (الجزء 17 رقم 82) وابن عساكر (59/169) وابن الجوزي في المصباح المضيء (2/39)
 
وساق ابن عساكر أخبارا كثيرة عن كرم معاوية وجوده (59/191-198)
 
ومن حُبّه الخيرَ للإسلام وأهله:
ما رواه محمد بن الفيض الغساني في الأخبار والحكايات (100) ومن طريقه ابن عساكر (67/246) قال: حدثنا دُحيم، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني أبوالمُعَطَّل مولى بني كلاب: مرَّ بنا مُعاوية ونحن في المكتب يعودُ دُرَّةَ في نحوٍ من عشرة، فقال لنا المُعَلِّم: ما سلَّمتُم على أمير المؤمنين! إذا رجع فسلِّموا عليه.
فلما رجع قُمنا إليه فقلنا: السلامُ عليك يا أميرَ المؤمنين ورحمةُ الله وبركاتُه، قال: اللهم بارك في ذراري الإسلام، اللهم بارك في ذراري الإسلام.
وسنده صحيح، أبوالمعطل وثّقه الطبراني (مسند الشاميين 3/406 وتاريخ ابن عساكر) وبقية رجاله ثقات.
 
وقريب منه ما رواه ابن أبي الدنيا في العيال (293) بسند صحيح عن حماد بن ميسرة الواسطي جار يزيد بن هارون، عن أبي عثمان الشامي، قال: كان معاوية يَخرج علينا ونحن في الكتاب، ويقول للمعلم: يا معلِّم، أَحْسِن أَدَبَ أبناءِ المُهاجرين.
 
وروى ابن شبّة في أخبار المدينة (1/27) بسند صحيح أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما بزق ذات ليلة في المسجد ثم ذهب، ثم رجع بشُعلة مِن نارٍ، فجعلَ يَتتبَّع بَزْقَتَه حتى وجدها، ثم دفنها.
 
ومن إصلاحاته أنه أول من بلّط المدينة المنورة بالحجارة، وبنى فيها مرافق وحصنا لأهلها. (انظر أخبار المدينة لابن شبة 1/16 و271)، وقد أجرى عيني الأزرق والكظامة على أهل المدينة بأمره. (بهجة النفوس للمرجاني 1/323 و376 وقصة تثني أجساد الشهداء، وممن رواها ابن قتيبة في عيون الأخبار 2/318)، وكان يُرسل الأطعمة إلى المدينة كما كان يُفعل أيام عمر. (فتوح البلدان للبلاذري ص253)، وأمر بحفر نهر مَعْقِل (فتوح البلدان للبلاذري ص439)
 
وروى أبوعلي القالي (1/198) بسنده أن رجلا قام إلى معاوية، فقال له: سألتُكَ بالرحم الذي بيني وبينك، فقال: أمِن قُريش أنت؟ قال: لا. قال: أفمن سائر العرب؟ قال: لا. قال: فأيَّة رَحِم بيني وبينك؟ قال: رحم آدم! قال: رحم مجفُوَّة، والله لأكونن أوَّلَ من وصلها. ثم قضى حاجته.
 
وكان يستمع للمواعظ والنصائح، وقد بوّب ابن الجوزي في كتابه المصباح المضيء في خلافة المستضيء (2/38) قائلا: "سياق ما وُعظ به معاوية بن أبي سفيان"، وذكر فيه طائفة مما وُعظ به، وكذا ابن عربي الصوفي[65] في محاضرة الأبرار (2/239)
 
وكان رضي الله عنه يحبُّ العرب:
قال مجالد بن سعيد الكوفي: رحم الله معاوية، ما كان أشد حُبَّه للعرب.
رواه الطبراني (19/307-308 رقم 689) ومن طريقه ابن عساكر (59/199) بسند جيد إلى مجالد[66]، وقال الهيثمي في المجمع (9/358): رجاله ثقات إلى مجالد.
 
بعض ما رُوي من أقوال معاوية:
 
روى الطبري (5/335) بسند صحيح عن جويرية بن أسماء، قال: قال معاوية: "إني لأرفع نفسي من أن يكون ذنبٌ أعظمَ من عَفوي، وجهلٌ أكثر من حِلمي، أو عورةٌ لا أواريها بسِتْري، أو إساءةٌ أكثر من إحساني".
قال: وقال معاوية: "زَيْنُ الشرفِ العَفافُ".
وانظر المجالسة للدينوري (3/164 رقم 801)
 
وروى الطبري (5/336) بسند صحيح عن جويرية بن أسماء، قال: وقال معاوية: ما مِن شيء ألذُّ عندي من غيظٍ أتجَرَّعُه.
ورواه البلاذري (4/37) وزاد: ..أرجو بذلك وجه الله.
 
وروى الدينوري (3/186) بسند صحيح عن ابن عيينة، وروى ابن الجوزي في ذم الهوى (ص25) من طريق عبد الله بن الصلت، قالا: سأل عمرو بن العاص معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما: ما المروءة؟ قال: ترك اللذة.
وهذا منقطع.
 
وروى الدينوري (5/288) عن المدائني، قال: نظر معاوية إلى ابنه وهو يضرب غلاما له، فقال له: أتفسد أدبك بأدبه؟ فلم يُرَ ضاربا غلاما له بعد ذلك.
 
وروى الطبري (5/336) بسند صحيح عن عبد الله بن صالح، قال: قال معاوية: العقلُ والحِلمُ أفضل ما أُعطي العبدُ، فإذا ذُكِّرَ ذَكَر، وإذا أُعطيَ شَكر، وإذا ابتُليَ صَبر، وإذا غضب كظم، وإذا قَدر غَفر، وإذا أساءَ استغفر، وإذا وعَد أنجز.
 
وروى الطبري (5/336) بسند صحيح عن علي المدائني، قال: قال معاوية لعبد الرحمن بن الحَكَم بن أبي العاص: يا ابن أخي، إنك قد لهجْتَ بالشعر، فإياكَ والتشبيبَ بالنساء، فتعُرَّ الشريفة، والهجاءَ؛ فتعُرَّ كريما، وتستثيرَ لئيما، والمدحَ؛ فإنه طُعمة الوَقاح، ولكن افتخرْ بمفاخر قومك، وقُل من الأمثال ما تزين به نفسَك، وتُؤدبَ به غيرَك.
ورواه المعافى بن زكريا في الجليس الصالح (3/147) من طريق عمر بن شبّة، عن أشياخه به نحوه.
(وانظر البلاذري4/22 و23 والجليس الصالح 3/147)
 
وروى أبوعلي القالي في الأمالي (1/194) بسنده إلى أبي عبيدة، قال: قال معاوية: "الفُرْصَةُ خُلسة، والحياءُ يمنعُ الرزق، والهيبةُ مقرونٌ بها الخَيبة، والكلمةُ من الحِكمة ضالَّةُ المؤمن".
 
وثمة حديث عن عبدالله بن بريدة عن معاوية في حبِّه لسماع الحديث الحسن من الناس، ولكن جاء في إحدى طرقه ما يوجب التنبيه:
فالحديث يرويه الحسين بن واقِد، ورواه عنه اثنان: ابنه علي، وزيد بن الحُباب.
فرواه أبوزرعة الدمشقي في تاريخه (2/677) ومن طريقه ابن عساكر (27/127) من طريق علي بن الحسين، عن أبيه، حدثني عبد الله بن بريدة، قال: "دخلت مع أبي على معاوية". انتهى.
وقال ابن أبي شيبة (11/94-95): حدثنا زيد بن الحُباب، عن حسين بن واقد، قال: حدثنا عبد الله بن بريدة، قال: دخلت أنا وأبي على معاوية، فأجْلَسَ أبي على السَّرير، وأَتَى بالطعام فأطْعَمنا، وأتَى بشرابٍ فشَرِبَ، فقال معاوية:"ما شيءٌ كنتُ أستَلِذَّهُ وأنا شابٌّ فآخُذُهُ اليومَ إلا اللَّبَنَ؛ فإني آخُذُه كما كنتُ آخُذُه قَبْلَ اليَومِ، والحديثَ الحَسَنَ".
ورواه أحمد عن زيد به، وجاءت عنده زيادة تفرد بها:
فقال أحمد (5/347) ومن طريقه ابن عساكر (27/127): ثنا زيد بن الحُباب، حدثني حسين بن واقد، حدثنا عبد الله بن بُريدةَ، قال: دخلتُ أنا وأبي على معاوية، فأجلَسَنا على الفُرُش، ثم أُتِينا بالطعام، فأكَلْنا، ثم أُتينا بالشَّرابِ، فشَرِبَ معاوية، ثم ناوَلَ أَبي.
ثم قال: "ما شَرِبْتُه[67] منذُ حَرَّمَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم".
ثم قال معاوية: "كنتُ أجمَلَ شَبابِ قُرَيْشٍ؛ وأَجْوَدَهُ ثَغْراً، وما شَيْءٌ كنتُ أَجِدُ له لَذَّةً كما كنتُ أجدُه وأنا شابُّ غيرَ اللَّبَنِ، أو إنسانٌ حَسَنِ الحديثِ يُحَدِّثُني".
وسنده رجاله ثقات في الظاهر، إلا أنه بهذا السياق معلول، بل هو منكر.
إذ ليس بالإمكان أن يَتَفَرَّدَ راوٍ بحديثٍ مرفوعٍ من طبقة زيد بن الحُباب، ولو كان أوثق الناس، فضلا عمَّن بعد ذلك.
ولا سيما أنَّ ابنَ الحسين بن واقد لم يرو الحديث المرفوع، ولا رواه عن زيد: ابنُ أبي شيبة، وأغلب الظن أن زيد قد وهم فيه، وقد ذُكرت له أوهام، وكذا شيخه.
ومن الواضح أن سياق القصة هكذا ناقص، وهناك محذوفٌ اللهُ أعلم به، أما رواية ابن أبي شيبة فلا إشكال فيها.
ثم هذه الزيادة قد استنكرها الهيثمي في مجمع الزوائد (5/42)
 
وقال ابن أبي الدنيا في إصلاح المال (124): حدثني محمد بن الحارث بن عبد الله عن شيخ من قريش قال: معاوية يقول: "إصلاحُ مالٍ في يَدَيك أفضلُ مِن طَلَب الفَضْلِ مِن أيدي الناس، وحُسن التدبير مع الكَفاف أحبُّ إليَّ من الكثير".
 
وقال أيضا (158): حدثني الحسن بن صالح حدثني يعقوب بن إسحاق الحضرمي حدثنا سلام بن سليمان حدثنا عمرو بن عتبة قال قال معاوية: "آفة العلم النسيان و آفة العبادة الرياء و آفة النجابة الكبر وآفة اللب العجب وآفة الإصلاح الشح وآفة السماحة التبذير وآفة الجلد الفحش و آفة الحياء الذل و آفة الحب الضعف و آفة الظرف الإكثار".
 
وقال أيضا (284): حدثنا أحمد بن إبراهيم العبدي حدثنا مؤمل بن اسماعيل عن محمد بن حرب قال: دخل تاجر على معاوية فجعل يماكسه فقال التاجر لقد بلغني عنك غير هذا قال وما بلغك قال بلغني بؤسك وكرمك قال مه إنما ذلك عن ظهر يد فأما أربد عن عقلي فلا.
 
ورُوي عن معاوية أنه قال: "لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت قيل وكيف يا أمير المؤمنين قال كانوا إذا مدوها خليتها وإذا خلوها مددتها".
انظر غريب الحديث لابن قتيبة (2/413)
 
رأى معاوية يزيد ابنه يضرب غلاما له، فقال: "يا يزيد، سَوءةٌ لك! تضرب من لا يستطيع أن يمتنع؟ والله لقد منعَتْني القُدرةُ مِن ذوي الحِنات". رواه الخطابي في الغريب (2/529) من طريق الأصمعي.
 
شجاعته وجهاده:
 
تقدم وصفُ ابنِ الزبير بأن الليث الحَرِبَ ليس بأجرَأَ من معاوية.
وقد شهد معاويةُ مع النبي صلى الله عليه وسلم حُنينا والطائف، وشهد غزوة تبوك، وهي العُسرة.
وفي أيام أبي بكر الصديق شهد حرب المرتدين في اليمامة.
ثم جمع أبوبكر أناسا ووجههم إلى الشام، وأمَّر عليهم معاوية، وأمرهم باللحاق بيزيد بن أبي سفيان، وهي أول مهمة قيادية يتولاها معاوية.
ثم صَحِبَ أخاهُ يَزيدَ أميرَ الشام في فُتوحها، وشهد اليرموك، وفتح دمشق تحت راية يزيد.
 
وفي عهد عمر بن الخطاب أرسل يزيدُ حملةً بإمرة أخيه معاوية إلى سواحل بلاد الشام فافتتحها.
وكان معاوية من الجيش الذي فتح بيت المقدس، ودخل المسجد مع عمر بن الخطاب رضي الله عن الجميع، وكان أحد أربعة شهدوا على العَهد العُمَري الشهير.
وفي سنة تسع عشرة زمن عمر كانَ معاويةُ قائدَ فتحِ قَيْسَارِيَّة، من المعارك الفاصلة مع الروم، وكان فيها بَطارِقَتُهم، وقد حاصرها معاوية حصارا شديدا (الأموال لأبي عبيد 279)، وأبلى فيها بلاء كبيرا، فروى ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1/381) بسند صحيح عن عبد الله بن العلاء، قال: ثَغَرَ المسلمون من حائط قيساريةِ فلسطين ثغرة؛ فتحاماها الناس، فكتب عمر إلى معاوية رضي الله عنهما بتوليه قتالها، فتناول اللواء وأنهض الناس وتبعوه، فركز لواءه في الثغرة؛ فقال: أنا ابن عنبسة. يريد الأسد.
وتولى معاوية إمارة دمشق في عهد عمر بعد وفاة يزيد في طاعون عَمَواس سنة 18، ثم تفرد بإمرة الشام آخر عهد عمر، وقام على ثغورها، وفتح عسقلان، وتتبع ما بقي من فلسطين.
وكان قد استأذن عمر في بناء قوة بحرية لمحاربة الروم فلم يأذن.
 
ثم توفي عمر وهو عن معاوية راض، فأقرّه عثمان بن عفان -رضي الله عنهم جميعا- على إمرة الشام كلها، وكان معاوية يغزو الروم، وكان على رأس صائفة، واستطاع أن يصل إلى عمّورية (موقع أنقرة اليوم)، ومعه عدد من الصحابة، منهم: عبادة بن الصامت، وأبوأيوب الأنصاري، وأبوذر الغفاري، وأبوالدرداء، وشداد بن أوس.
وأعاد معاوية طلب بناء قوة بحرية للمسلمين، فوافق عثمان، فبنى أسطولا، وغزا بنفسه جزيرة قبرص سنة خمس وعشرين[68] (تاريخ أبي زرعة الدمشقي 1/184 وصححه ص186)، وجاء حديثٌ في فضل أوّل من يغزو البحر من الأمة كما تقدّم، وهو أمير تلك الغزوة، ومعه عدد من الصحابة، وقام بتحصين أسوار سواحل الشام عند ذهابه إلى قبرص، مثل عكا وصور، وأنشأ حصونا وشحنها بالجتد. (فتوح البلدان للبلاذري ص140 و152 و158)
ثم أعاد فتح قبرص سنة 33 عندما نقض أهلها العهد.
كما غزا معاوية بلاد الروم على رأس صائفة، فوصل إلى (حصن المرأة) قرب ثغر ملاطية.
وكان لمعاوية إسهام في دحر بقايا الروم في سواحل الشام، مثل طرابلس. (فتوح البلدان للبلاذري ص150)
 
توقفت الفتوحات بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه مظلوما.
قال سعيد بن عبد العزيز: لما قُتل عثمان واختلف الناس لم تكن للناس غازية ولا صائفة حتى اجتمعت الأمة على معاوية سنة أربعين، وسمّوها سنة الجماعة.   
قال سعيد: فأغزا معاويةُ الصوائف وشتّاهم بأرض الروم؛ ست عشرة صائفة تصيفُ بها وتشتُو، ثم تَقفلُ وتدخلُ مُعَقِّبَتُها، ثم أغزاهم معاويةُ ابنَه يزيد في سنة ثنتين وخمسين في جماعة من أصحاب رسول الله في البر والبحر؛ حتى أجاز بهم الخليج، وقاتلوا أهل القسطنطينة على بابها، ثم قَفِل.
رواه أبوزرعة في تاريخه (1/188) ومن طريقه ابن عساكر (59/159) بسند رجاله ثقات أثبات.
ورواه ابن عساكر أيضا عن سعيد بزيادة: "فلم يزل معاوية على ذلك حتى مضى لسبيله، وكان آخر ما وصّاهم به أن شُدّوا خناق الروم، فإنكم تَضبِطون بذلك غيرَهم من الأمم".
ولم يقتصر الأمر على الغزو الهجومي، بل وزَّع معاوية الصُنّاع والجند على سواحل الشام، بعد أن كانت الصناعة في مصر فقط. (فتوح البلدان للبلاذري ص140 و150)
 
وروى أبوعبيد في كتاب الأموال (446) والبلاذري فتوح البلدان ص188) عن هشام بن عمار، ثنا الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، وسعيد بن عبد العزيز: أن الرومَ صالَحتْ مُعاويةَ على أن يُؤدي إليهم مالاً، وارتهنَ مُعاوية منهم رهنا، فجعلهم ببَعلبك، ثم إن الرومَ غَدَرَتْ، فأبَى معاويةُ والمسلمون أن يستَحِلّوا قَتْلَ مَنْ في أيديهم مِن رَهنِهم، وخَلَّوْا سَبيلَهم، واستَفتحوا بذلك عليهم، وقالوا: وفاءٌ بغَدْرٍ خَيرٌ من غَدْرٍ بغَدْر.
قال هشام بن عمار: وهو قول العلماء الأوزاعي وغيره.
ورجالُه ثقات[69].
 
ثم عادت الفتوحات واتسعت أيام خلافة معاوية[70]، وأرسل لحصار القسطنطينية، وفي الحديث الصحيح: "أول جيشٍ يَغزون القسطنطينية مغفور لهم".
ثم جدد حصارها ولمدة أربع سنوات (من سنة 53 إلى 57).
وغزا جُزُرَ صقلية، ورودس، وجربا، كريت، وكثير من جزر بحر إيجة قرب القسطنطينية.
وأما في إفريقية، فقد جدد معاوية فتحها، ووصل إلى مكان تونس اليوم، كما فتح مناطق من فزّان، والسودان.
وفي عهده افتتح بعض المناطق في المشرق، مثل الرُّخّج وبعض سجستان، وقوهستان، وغزا أمراؤه بلاد السِّند، وجبال الغور، وبلاد اللان، واجتازوا النهر، وهم أول من اجتازه من جند المسلمين، ودخلوا بخارى، وسمرقند، وتِرْمِذ.
 
وفي عهده شَتَّتَ الخوارجَ، واشتدَّ وُلاتُه عليهم، وأراحوا المسلمين من شرِّهم.
 
والحاصل كما قال أبونعيم في معرفة الصحابة (5/2497): "مَلَكَ الناسَ كلَّهم عشرين سنة منفردا بالملك، يفتح الله به الفتوح، ويغزو الروم، ويقسم الفيء والغنيمة، ويقيم الحدود، والله تعالى لا يُضِيْعُ أجرَ من أحسنَ عَملا".
ونقله بنحوه قَوّام السُنّة الأصبهاني في سير السلف الصالحين (2/667) معزوا لأهل التاريخ.
وقال أبوبكر بن العربي المالكي في العواصم والقواصم (210 و211) ضمن خصال معاوية: "..قيامه بحماية البيضة، وسد الثغور، وإصلاح الجند، والظهور على العدو، وسياسة الخلق".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (4/429): "وكان من أحسن الناس سيرة في ولايته".
وقال (4/461) بعد أن ذكر حديث (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم): "قالوا: ومعاوية كانت رعيته تحبه وهو يحبهم، ويصلون عليه وهو يصلي عليهم".
 
فصل:
 
قال الأوزاعي: أدركَتْ خلافةُ معاوية جماعةً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم ينتزعوا يدا من طاعة، ولا فارقوا جماعة، وكان زيد بن ثابت يأخذ العطاء من معاوية. (الاستيعاب لابن عبد البر 10/144 مع الإصابة)
قال الأوزاعي: أدركَتْ خلافةُ معاوية عدةً من أصحاب رسول الله، منهم: سعد، وأسامة، وجابر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد، ورافع بن خديج، وأبو أمامة، وأنس بن مالك، ورجال أكثر ممن سمينا بأضعاف مضاعفة، كانوا مصابيح الهدى وأوعية العلم، حضروا من الكتاب تنزيله، وأخذوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأويله.
 ومن التابعين لهم بإحسان إن شاء الله منهم: المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن محيريز، في أشباه لهم، لم ينزعوا يدا عن مجامعة في أمة محمد.
رواه أبوزرعة الدمشقي في تاريخه (1/189 و308) ومن طريقه الجورقاني (1/207) وابن عساكر (59/158)، ورجاله ثقات أثبات.
 
وقال الربيع بن نافع: معاوية بن أبي سفيان ستر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه.
وكان بعض السلف يجعل حب معاوية ميزانا للسنة، مثل ثعلب، ومولد العلماء 1/170 والسير 17/415 ومعجم البلدان 2/177
رباح بن الجراح الموصلي قال سمعت رجلا يسأل المعافى بن عمران فقال يا أبا مسعود أيش عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان فغضب من ذلك غضبا شديدا وقال لا يقاس بأصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أحد معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله عز وجل وقد قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم دعوا لي أصحابي وأصهاري فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس. (الآجري 5/2466 واللالكائي 8/1445 وتاريخ بغداد 1/209 ومن طريقه الجورقاني 1/195 وقال: هذا حديث مشهور)، قلت: وهو صحيح عن المعافى.
وروى اللالكائي (8/1460) عن الشافعي قال: "ما أرى الناس ابتُلُوا بشتم أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم إلا لِيَزيدَهمُ الله عزَّ وجلَّ بذلك ثواباً عندَ انقطاعِ عَمَلِهم".


روى علي بن المفضل في الأربعين على طبقات الحفاظ (ص363) من طريق جزء البطاقة عن علي بن الفضيل أنه قال لأبيه: يا أبت، ما أحلى كلام أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم!! قال: يا بني، وتدري لم حلا؟ قال: لا. قال: لأنهم أرادوا بذلك وجه الله تبارك وتعالى. (الحلية 10/23)
روى مسلم (3022) عن عائشة قالت: أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم.
(أي في قول الله تعالى: (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولأخواننا الذين سبقونا بالإيمان))
 
وروى أبوعبيد في الأموال (624) عن أبي بكر بن أبي مريم عن عطية بن قيس قال خطبنا معاوية فقال إن في بيت مالكم فضلا عن أعطيتكم وأنا قاسم بينكم ذلك فإن كان فيه قابل فضل قسمناه بينكم وإلا فلا عتيبة علينا فيه فإنه ليس بمالنا إنما هو فيء الله الذي أفاءه عليكم
 
وقد عمل سنتين ما يخرم من عمل عمر.
رواه ابن سعد (1/114 السلومي) ومن طريقه ابن عساكر، وابن أبي عاصم (1/375) والخلال (2/444)
وروى الطبري (5/328) بسند صحيح عن محمد بن الحكم، عمّن حدثه، أن معاوية لما حُضِرَ أوصى بنصف مالِه أن يُرَدَّ إلى بيت المال، كان أراد أن يطيب له الباقي، لأن عُمرَ قاسَمَ عُمّاله".
 
روى ابن سعد (1/146 السلومي) والبلاذري (4/153 إحسان عباس) وأبوالحسن المدائني في التعازي (191 المستدرك) والمبرد في التعازي والمراثي (224) والطبري في تاريخه (5/327) وابن عساكر (59/227) من طريق عبد الأعلى بن ميمون بن مهران، عن أبيه، أن معاوية قال في مرضه الذي مات فيه: كنتُ أوضئ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: ألا أكسوك قميصا؟ قلتُ: بلى، بأبي أنت وأمي، فنزع قميصا كان عليه فكسانيه، فلبستُهُ لبسةً، ثم رفعته، وقَلّمَ أظفاره، فأخذتُ القُلامة فجعلتُها في قارورة، فإذا متُّ فاجعلوا قميص رَسول الله صلى الله عليه وسلم يَلي جلدي، وقطعوا تلك القُلامة واسحقوها واجعلوها في عَينيّ، فعَسَى!
وسنده لا بأس به.[71]
وقال ابن كثير: إن ذلك قد ورد من غير وجه. (البداية والنهاية 11/458)
 
قال ابن تيمية في منهاج السنة (4/429): "معاوية لم يُعرف عنه قبل الإسلام أذى للنبي صلى الله عليه وسلم، لا بيد، ولا بلسان"، وانظر (4/439) منه.
 
قال معاوية: ما أنا لأحد أغبط مني لامرئ مسلم يقل من الدنيا يجاهد في سبيل الله. (الزهد لأبي داود 413)
 
روى ابن عساكر في تاريخه (مختصره لابن منظور 2/205 وتهذيب الكمال 1/339 وبغية الراغب المتمني ص129) من طريق أبي الحسن علي بن محمد القابسي، قال: سمعتُ أبا علي الحسن بن أبي هلال يقول: سُئل أبوعبد الرحمن النسائي عن معاويةَ بن أبي سفيان -صاحبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما الإسلام كدارٍ لها بابٌ، فبابُ الإسلام الصحابة، فمن آذى الصحابةَ إنما أرادَ الإسلام، كمن نَقرَ البابَ إنما يريدُ دخولَ الدار. قال: فمن أراد معاويةَ فإنما أراد الصحابة".
والحسن هو ابن بدر بن أبي هلال، من رواة السُنن عن النسائي (فهرسة ابن خير ص112) [ينظر له وفيات ابن الطحان، والمقفى الكبير وتاريخ الإسلام].
 
قال مالك: "من شتم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الخلفاء، أو معاوية، أو عمرو بن العاص، فإن قال: كلهم كانوا على ضلال وكفر قُتل، وإن قالك سبهم [كغيره] من مشاتمة الناس نكل نكالا شديدا" (الشفا للقاضي عياض 2/267 وبهجة النفوس للمرجاني 2/1069)
 
لطيفة: قال الذهبي في السير (16/475): "قال تمام بن محمد الزينبي وغيره: سمعنا القواس يذكر انه وجد في كتبه جزءا من فضائل معاوية قد قرضته الفأرة قدعا عليها فسقطت فأرة من السقف واضطربت حتى ماتت وروي عن ابي ذر انه حضر لما ماتت".
وانظره في تاريخ بغداد (14/325)
 
فائدة: حدثني شيخنا محمود شاكر الحرستاني حفظه الله، قال، قال لي حسن فرحان: لماذا تدافعون عن معاوية ولا تدافعون عن علي؟
فقلت: وهل تجد أحدا من أهل السنة يطعن في علي أصلا؟ فعلى أي شيء ندافع؟
فقال لي: لماذا استلحق معاوية زياد؟
فقلت: رجل اعترف به أبوسفيان، وأمه سمية، ماذا يفعل معاوية تجاهه؟ هل هذه قضية الشرق الأوسط؟
 
فصل:
قال أبوداود في السؤالات (141 و142): سمعت أحمد يقول: أهل الكوفة ليس لحديثهم نور، يذكرون الأخبار.
سمعت أحمد: قال: قال عبد الرحمن بن مهدي: قلت لابن المبارك: أهل الكوفة ليس يُبصرون الحديث. فقال: كيف؟! ثم لقيته بعد ذلك، فقال لي: وجدتُ الأمر على ما قلتَ. قال أحمد: كانوا يسألونه عن رأي حماد، والزهري، وأحاديث الصغار.
قال الخليلي: لأهل الكوفة من الضعفاء ما لا يُمكن عدُّهم. قال بعضُ الحفاظ: تأملت ما وضعه أهل الكوفة في فضائل علي وأهل بيته فزاد على ثلاثمائة ألف. (الإرشاد 1/420 وعلق عليه ابن القيم في المنار المنيف ص116 بقوله: ولا تستبعد هذا، فإنك لو تتبعتَ ما عندهم من ذلك لوجدتَ الأمر كما قال. أفاده المحقق)
وقال الخليلي: سمعتُ محمد بن سليمان الفامي يقول: سمعت عبد الله بن محمد الأسفراييني يقول: سمعت محمد بن إدريس وراق الحميدي يقول: قال أهل المدينة: وضعنا سبعين حديثا نُجَرِّبُ بها أهل العراق، فبعثنا إلى الكوفة والبصرة. فأهلُ البصرة ردّوها إلينا ولم يقبلوها، وقالوا: هذه كلها موضوعة. وأهل الكوفة ردوها إلينا وقد وضعوا لكل حديث أسانيد‍! الإرشاد 1/421 وسنده جيد، الفامي أكثر عنه الخليلي مترجم في التدوين للرافعي 1/298 وتاريخ الإسلام وفيات 386 ص126 والاسفراييني ثقة حافظ، والوراق صدوق)
 
روى ابن سعد في الطبقات (ص171 القسم المتمم) والفسوي في المعرفة (2/761) وأحمد بن أبي خيثمة التاريخ (2/395) من طرق عن عبد الرزاق، قال: أنا معمر، قال: سمعت الزهري يقول: يخرج الحديث شبرا فيرجع ذراعا، يعني من العراق، وأشار بيده، إذا أوغل الحديث هنالك فرويدا به.
وسنده صحيح.
 
وقال الفسوي (2/756-760) حدثنا أبو بكر الحميدي حدثنا يحيى بن سليم قال سمعت محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان يحدث عن الزهري قال قالت عائشة يا أهل العراق أهل الشام خير منكم خرج إليهم نفر من أصحاب رسول الله كثير فحدثونا بما نعرف وخرج إليكم نفر من أصحاب رسول الله قليل فحدثتمونا بما نعرف وما لا نعرف.
قال وقال الزهري إذا سمعت بالحديث العراقي فاردد به ثم اردد. [ابن عساكر 1/327]
حدثنا أبو بكر الحميدي ثنا يحيى بن سليمان حدثني إبراهيم بن نافع قال سمعت طاووسا يقول إذا حدثك العراقي مائة حديث فأطرح منها تسعة وتسعين قال ورأيت طاووسا عقدها.
حدثنا هشام بن عمار ثنا عبد الملك بن محمد ثنا زهير قال قال قال لي هشام بن عروة يا زهير إذا حدثك العراقي ألف حديث فأطرح تسع مائة وتسعة وتسعين حديثا وكن من الباقي في شك.
وقال حدثنا عبد الملك قال سمعت الأوزاعي يقول كانت الخلفاء بالشام فإذا كانت بلية سألوا عنها علماء أهل الشام وأهل المدينة وكانت أحاديث أهل العراق لا تجاوز جدر بيوتهم فمتى كان علماء أهل الشام يحملون عن خوارج أهل العراق.
سمعت الحسن بن الربيع قال سمعت ابن المبارك يقول ما رحلت إلى الشام إلا لأستغني عن حديث أهل الكوفة.
حدثني عبد العزيز بن عمران حدثنا محمد بن يوسف الفاريابي حدثنا فضيل بن مرزوق حدثني جبلة بن المصفح عن أبيه عن علي بن أبي طالب أنه قال يا أهل الكوفة سلونا عما قال الله ورسوله فإنا أهل البيت أعلم بما قال الله ورسوله، وأنتم يا أهل الكوفة أعلم بالكذب عليهما.
حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسماعيل بن أبي خالد عن قرة العجلي عن عبد الملك ابن أخي القعقاع أبي ثور قال حججت فلقيت عبد الله بن عمر فسألته عن أشياء فزبرني وزجرني فلما قضيت نسك حجتي قلت لآتينه فلأسلمن عليه فأتيته فقلت السلام عليك يا أبا عبد الرحمن جئت من شقة بعيدة وأريد أن أسألك عن أشياء فزبرتني وزجرتني ولا أراك إلا قد أنميت في جنبي فقال إنكم معشر أهل العراق تروون عنا ما لا نقول.
حدثني عبد العزيز بن عبد الله الأويسي حدثنا إبراهيم بن سعد عن خالته ابنة سعد بن أبي وقاص قالت سألت سعد بن أبي وقاص عن شيء فاستعجب فقيل له في ذلك فقال إني أكره أن أحدثكم حديثا فتجعلونه مائة حديث [ابن أبي خيثمة 3/6]
حدثني محمد بن يحيى ثنا سفيان عن الزهري قال إذا أوغل الحديث هناك يعني العراق فاردد به.
حدثني سعيد بن أسد حدثنا ضمرة عن رجاء بن أبي سلمة عن الزهري قال لا يزال يعرف الحديث ما لم يقل هاهنا وأومأ بيده إلى العراق.
حدثنا أبو النعمان محمد بن الفضل حدثنا حماد بن زيد والنعمان بن راشد قال سمعت الزهري يحدث حديث المجذوم فقلت يا أبا بكر من حدثك قال أنت حدثتنيه ممن سمعته قلت من رجل من أهل الكوفة قال أفسدته إن في حديث الكوفة دعاءا كثيرا
 
وقال الفسوي: حدثنا العباس حدثنا سليمان بن أيوب الهاشمي عن إبراهيم بن سعد قال لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق ننكرها ما كتبت حديثنا ولا أذنت في كتابته.
(المعرفة 2/762)
 
وقال الترمذي: سمعت الجارود يقول: سمعت وكيعا يقول: لولا جابر الجعفي لكان أهل الكوفة بغير حديث. (الجامع، المعروف بالسنن رقم 206) وسنده صحيح.
وجابر ترك حديثه غالب الأئمة.
ومضى قول الحسن رضي الله عنه فيهم
 
وروى الفسوي (2/775) عن المغيرة بن مقسم، قال: لم يكن يصدق على علي إلا أصحاب عبد الله.
وروى (2/776) بسند صحيح عن الأعمش، قال: قال شريح: سمعنا قبل أن تلطخ الأحاديث.
مقدمة الميزان واللسان
وروى أبوالعرب التميمي عن وكيع قال: كأن النبي الذي بالكوفة غير النبي الذي أرسله الله. (ورقة بخط أبي العرب بالمكتبة العتيقة بالقيروان، نقلها المستشرق ميكلوش موراني)
وروى حرب الكرماني آخر باب في الروافض من المسائل (ص438): ثنا محمد بن قدامة، ثنا ابن علية، عن ابن عون، قال: سمعت إبراهيم يقول: احذروا هؤلاء الكذابين.
 
وقال أبوبكر بن عياش عن مغيرة: لم يكن يصدق على علي إلا أصحاب عبد الله. (المعرفة والتاريخ 2/775)
 
قال ابن معين (معرفة الرجال رواية ابن محرز 2/156 رقم 493): حدثناه الأصمعي، عن الوليد بن قشعم، قال: قال معاوية: ما كان في الشباب فلم تكن فيَّ ثلاث: لم أكن نُكَحَةً، ولا صُرَعَةً، ولا سبّاً.
قال الآجري في السؤالات (2/50-51 رقم 1086): سمعت أبا داود قال: سمعت سليمان بن حرب يقع في معاوية. وسمعت أبا داود يقول: استأذن عارم على عبد الله بن داود، فقال: ادخل؛ إن لم يكن معك سليمان بن حرب.
وسمعت أبا داود يقول: كان بشر بن الحارث لا يُكَلِّمُ سليمان بن حرب، لأنه تكلم في معاوية.[72]
قال أبوطاهر المخلص في فوائده (الثاني من الخامس، ق246/أ): حدثنا أحمد يعني ابن نصر، ثنا علي يعني ابن عثمان النفيلي، ثنا أبومسهر، ثنا سعيد، أن معاوية بن أبي سفيان كان يخرج من الليل يستمع قراءة أبي موسى الأشعري.
وبه إلى سعيد: قال معاوية: لكل قوم كريم، وكريمنا سعيد بن العاص.
قلت: سنده صحيح إلى سعيد، وهو ابن عبد العزيز، وقد أرسله.
 
قال المخلص في فوائده (9/196/ب بانتقاء ابن البقال): حدثنا عبد الله يعني البغوي، نا داود، يعني ابن رُشيد، نا مروان، يعني ابن معاوية، نا مغيرة بن مسلم السَّراج، عن عبدالله بن بريدة، قال: خرج معاوية فرآهم قياما لخروجه، فقال لهم: اجلسوا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من سره أن يقوم له بنو آدم وجبت له النار.
حدثنا عبد الله، نا داود، نا مروان، نا حبيب الشهيد، عن [أبي] مجلز، عن معاوية مثله.
 
قال المخلص في فوائده (11/60/أ بانتقاء ابن أبي الفوارس): حدثنا عبد الله [يعني بن محمد بن زياد النيسابوري] إملاء، سمعت عبد الملك بن عبد الحميد [بن عبد الحميد ضـ] بن ميمون بن مهران يقول: قال لي أحمد بن حنبل: يا أبا الحسن، إذا رأيت رجلا يذكر أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء فاتهمه على الإسلام.
وروى الشافعي عن مالك : لست أرى لأحد سب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الفيء سهما. (الحلية 9/112) [هذا قول مالك وإقرار الشافعي، نأخذ مذاهب الأئمة الأربعة]
 
السراج في تاريخه، ومن طريقه أبونعيم (3/1710) بعث معاوية إلى ابن عمر بمائة ألف، فما حال عليه الحول عنده منها شيئ.
 
فصل
وروى الحسن بن سفيان في مسنده، وابن مندة (الإصابة 6/286)، وابن قانع (2/151)، وأبونعيم في معرفة الصحابة (4/1828) وابن عساكر (34/420):
من طريق أبي تميلة يحيى بن واضح، عن محمد بن اسحاق، عن بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب القرظي، قال غزا عبد الرحمن بن سهل الأنصاري في زمان عثمان، ومعاوية أمير على الشام، فمرت به روايا خمر تُحمل لمعاوية، فقام إليها عبد الرحمن برمحه فنقر كل راوية منها، فناوشه غلمانه، حتى بلغ شأنه معاوية، فقال: دعوه، فإنه شيخ قد ذهب عقله! فقال: كلا والله! ما ذهب عقلي، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندخل بطوننا وأسقيتنا خمرا، وأحلف بالله لئن أنا بقيت حتى أرى في معاوية ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبقرن بطنه، أو لأموتن دونه.
وهذا خبر باطل، وسنده مسلسل بالعلل: ابن إسحاق مدلس، وقد عنعن، وبريدة واه، وكان غاليا في التشيع (تهذيب الكمال وحاشيته 4/56)، ومحمد بن كعب لم يدرك الواقعة، كما يظهر من ترجمته وطبقته (تهذيب الكمال 26/347 وغيره)
وضعّفه ابن حجر في الإصابة.
 
مسألة سب معاوية لعلي:
لم أجد حتى الآن خبرا واحدا صحيحا -بحسب البحث الأولي- يفيد أن معاوية كان يشتم عليا أو يأمر بذلك، فضلا عن لعنه على المنابر، ولكن لما رأيتُ ما يحتج به الرافضة ومن تأثّر بأقوالهم رأيتُ أن أقوى ما عندهم في ذلك حديث سعد بن أبي وقاص الوارد في صحيح مسلم (2404) وفيه: أمر معاوية سعدا، فقال: ما متنعك أن تسب أبا تراب؟
وهذا لا تصح نسبته إلى مسلم دون بيان أنه إنما أورده في الشواهد لا في الأصول، أي أنه لم يخرجه احتجاجا، فإنه على طريقته المعروفة –والتي نص عليها في مقدمة صحيحه- يقدِّم اللفظ الأصح، والمحفوظ في الرواية، ثم يتبعه بما هو دونه، وقد يُشير في ذلك لعلة في السياق المؤخر، ونص على مثل ذلك في كتاب التمييز له -وهو في العلل- ومن أمثلته ما نحن بصدده الآن.
فالإمام مسلم أورد أكثر من طريق للحديث، ليس فيها هذا اللفظ ولا حتى إشارة له، بل هذا اللفظ تفرد به راو مجهول، وهو ابن مسمار، وخالف بذلك جمعا من الرواة الثقات الذين لم يذكروا السب، فتكون روايته بذلك ضعيفة منكرة.
وعلى فرض أن اللفظ ثابت، فليس صريحا في السب، كما قال النووي في شرحه، ولو ثبت أنه في السب، فما حصل من الاقتتال بينهما أشد من السب!
 
ومما استدلوا به:
قال ابن ماجه (121): حدثنا علي بن محمد، قال: حدثنا أبومعاوية، قال: حدثنا موسى بن مسلم، عن ابن سابط، وهو عبد الرحمن، عن سعد بن أبي وقاص، قال: قدم معاوية في بعض حجاته، فدخل عليه سعدٌ، فذكروا علياً، فنال منه. فغضب سعد، وقال: تقول هذا لرجلٍ سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه"، وسمعته يقول: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي"، وسمعته يقول: "لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله"؟
ورواه الحسن بن عرفة (كما في البداية والنهاية 11/50 هجر، وهو خارج جزئه) ومن طريقه ابن عساكر (42/116)  ثنا محمد بن خازم أبومعاوية الضرير به.
ورواه ابن الأعرابي في معجمه (503) - ومن طريقه ابن عساكر (42/111) - نا محمد بن سليمان، نا أبومعاوية به مختصرا. ولفظه: عن سعد، قال: سممعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لأعطين الراية رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله". قال: فدفعها لعلي.
ورواه ابن أبي عاصم في السنة (2/610): ثنا أبوبكر وأبوالربيع، قال: ثنا أبومعاوية به، إلا أن ابن سابط أرسله، فقال: قدم معاوية في بعض حجاته، فأتاه سعد.
قلت: وهو بهذا السياق منكر شديد الضعف فيه علل:
1) أبومعاوية ليس بحجة في غير الأعمش، كما نص أحمد وابن معين وأبوداود وابن خراش وابن نمير وعثمان بن أبي شيبة.
نعم، توبع أبومعاوية عند النسائي في الخصائص (12): أخبرنا حرمي بن يونس، قال: حدثنا أبوغسان، قال: حدثنا عبد السلام، عن موسى به.
ورواه أبوالقاسم المطرز ومن طريقه ابن عساكر (42/115) نا إسماعيل بن موسى، نا عبد السلام بن حرب، عن موسى به.
وعبد السلام وإن كان ثقة فقد تكلم فيه غير واحد، وله مناكير، ورُمي بالتدليس، ولم يذكر سماعا من شيخه، فلا تثبت المتابعة.
ولفظ النسائي: "كنت جالسا فتنقصوا عليا"، ولفظ المطرز: "كنت جالسا عند فلان فذكروا عليا فتنقصوه".
2) وعبد الرحمن بن سابط كثير الإرسال، ونص ابن معين أن روايته عن سعد مرسلة.
3) ومن أدلة نكارته أن في متنه مخالفة لرواية مسلم (4/1871 رقم 2404) من طريق عامر بن سعد عن أبيه، حيث عدَّ الثلاثة: أنت مني بمنزله هارون من موسى، وإعطائه راية خيبر، والثالثة قوله في المباهلة لعلي وفاطمة والحسن والحسين: "اللهم هؤلاء أهلي".
فجعلت رواية ابن سابط بدل الأخيرة: "من كنت مولاه فعلي مولاه"، وهي لا تصح من حديث سعد، إنما رُويت من حديث مسلم الملائي، عن خيثمة بن عبد الرحمن، قال سمعت سعد بن مالك، وقال له رجل: إن عليا يقع فيك أنك تخلَّفتَ عنه.. والحديث رواه الحاكم (3/116) وابن عساكر (42/118)، فذكر أن عليا أُعطي ثلاثا.
والملائي واه، وهو علَّتُه، ولعل أبا معاوية أو ابن سابط تلقَّى هذا الحرف من رواية الملائي.
ورواه ابن عساكر (42/119 وانظر تهذيب الكمال 5/278 وخصائص علي 60) من طريق أخرى تالفة عن سعد بمعناه.[73]
وههنا نكتة، وهي أن الطعن لما نُسب إلى معاوية تشبث القوم به وطاروا، فلما نُسب إلى غيره ما عرَّجوا عليه! وكلاهما لا يثبت على أية حال.
5) ومع ضعف الحديث فلم يصرِّح أي مصدر بأن السابُّ هو معاوية إلا ما وقع عند ابن ماجة، ولكن وقع التصريح في غيره أن السابَّ غيره.
 
قال محمد بن عبد الحكم من متقدمي الفقهاء المالكية: من سب أبا بكر وعمر أو واحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  فلا يُصَلَّى خلفه، ومن صلى خلفه أعاد أبدا. (اختلاف أقوال مالك وأصحابه لابن عبد البر 1/113)
 
وروى أبونعيم في الحلية (8/15) عن شريك قال: سألت إبراهيم بن أدهم عما كان بين علي ومعاوية فبكى، فندمتُ على سؤالي إياه، فرفع رأسه، وقال: إنه من عرف نفسه اشتغل بنفسه، ومن عرف ربه اشتغل بربه عن غيره.
 
قال البيهقي في الشعب (4/146 السلفية) بعد أن سرد الآيات والأحاديث الموجبة لحب الصحابة جميعا، وأن ذلك من الإيمان: "وإذا ظهر أن حب الصحابة من الإيمان، فحُبُّهم أن يَعتقد فضائلهم، ويَعترف لهم بها، ويَعرف لكل ذي حق منهم حقه، ولكل ذي غناء في الإسلام منهم غناؤه، ولكل ذي منزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلته، ويَنشر محاسنهم، ويدعي بالخير لهم، ويقتدي بما جاء في أبواب الدين عنهم، ولا يتبع زلاتهم وهفواتهم، ولا يتعمد تهجين أحد منهم ببث ما لا يحسن عنه، ويسكت عما لا يقع ضرورة إلى الخوض فيه فيما كان بينهم، وبالله التوفيق".
 
روى البيهقي في الشعب (6/201 رقم 2672 و2673 السلفية) من طريقين عن ذي النون بن إبراهيم الزاهد، قال: ثلاثةٌ من أعلام السُّنَّة: المسحُ على الخُفَّين، والمحافظةُ على صلوات الجُمَع، وحبُّ السَّلَف.
 
قال الخرائطي في اعتلال القلوب (63/1) نا عمر بن شبة، نا خلاد بن كثير بن قتيبة بن مسلم، قال: حدثني علي بن محمد بن عبدالله بن يوسف، قال أنس بن مالك لعائشة بنت طلحة: والله ما رأيت أحسن منك إلا معاوية على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله لأنا أحسن من النار في عين المقرور في الليلة القارة.
 
قال عبدالله بن أيوب المُخَرَّمي في آخر جزئه (رقم 43): إذا كان حديثٌ لأهل البدع فيه فرَحٌ فلا يسَّر الله لمن يُحَدِّث ولا آجَر. أُراه قال: من سمع.
 
شعبة، سمعت حبيب التميمي يقول: إن معاوية سأل رجلا من عبد القيس: ما تعدون المروءة فيكم؟ قال: الحِرفة والعفة. (ستة مجالس من أمالي أبي يعلى 84)
وقال الميموني: سمعت أحمد يقول: ما لهم ولمعاوية؟ نسأل الله العافية. وقال لي: يا أبا الحسن إذا رأيت أحدا يذكر أصحاب رسول الله e بسوء فاتهمه على الاسلام. (الصارم المسلول 3/1058 وأوله عند الخلال 2/432 بسند صحيح)
 
قال الذهبي ضمن كلام نفيس: "فأما ما تنقله الرافضة وأهل البدع في كتبهم من ذلك [يعني ما شجر بين الصحابة] فلا نعرج عليه ولا كرامة، فأكثره باطل وكذب وافتراء، فدأب الروافض رواية الأباطيل، أو رد ما في الصحاح والمسانيد، ومتى إفاقة من به سكران"؟ قبله كلام مهم عن الكف عن ذكر شجار الصحابة ووجوب كتمانه وطيّه. السير 10/92-93
 
ولما تكلم الموفق ابن قدامة في لمعة الاعتقاد عن الصحابة إجمالا ختم بقوله: "ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، أحد خلفاء المسلمين رضي الله عنهم". فعلّق الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: إنما ذكره المؤلف وأثنى عليه للرد على الروافض الذين يسبونه ويقدحون فيه. (شرح اللمعة ص107 الطبعة الأولى)
 
قال حرب الكرماني في المسائل (ص439): سألتُ أبا ثور، قلت: كيف تقول في أصحاب النبي عليه السلام؟ قال: خير هذه الأمة بعد النبي أبوبكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم الخمسة، وهم علي وطلحة والزبير ويعد وعبدالرحمن، ورحم الله أبا عبدالرحمن. يعني معاوية.
 


[1] في الحديث: "أصحابي أَمَنَةٌ لأُمَّتي، فإذا ذَهَب أصحابي أَتَى أُمَّتي ما يُوعَدون". رواه مسلم.

[2] قال السيوطي في مفتاح الجنّة (ص127 ت: البدر): "أَخرجَ الدِّينَوَري في المجالسة عن عبد الرحمن بن عبد الله الخرفي قال: كان بَدء الرافضة أن قوما من الزنادقة اجتمعوا، فقالوا: نشتُمُ نبيَّهم. فقال كبيرُهم: إذا نُقتَل! فقالوا: نَشتُمُ أحبّاءه، فإنّه يُقال: إذا أردتَ أن تُؤذي جارَكَ فاضربْ كَلْبَه. ثم تَعتَزِل فتُكفّرهم. قالوا: الصحابة كلُّهم في النار إلا عليّ. ثم قالوا: كان عليّ هو النبي؛ فأخطأ جبريل!"

[3] ولا أنسى أن أشكر كلَّ من أفادني شيئا في الموضوع، فجزاهم الله خيرا.

[4] انظر المعارف لابن قتيبة الدينوري (ص349-350) وتاريخ الطبري (5/329)

[5] انظر معرفة الصحابة لأبي نُعيم (5/2496)

[6] ولعظيم فضل هذه الغزوة قال يَعلى بن أميّة رضي الله عنه: "غزوتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوةَ تبوك، فهو أوثق أعمالي في نفسي". متفق عليه.

[7] والحديث صححه أيضا أبوعوانة (رواه ابن عساكر 23/459 من طريق مستخرجه)، وابن حبان (16/189)، واللالكائي (8/1443)، والجورقاني في الأحاديث الضدية من كتابه الأباطيل (1/189)، وابن الصلاح (ذكره النووي 16/63)، وابن كثير في تاريخه (11/400 بإشراف التركي).
علما بأن بعض العلماء استشكل حرفَ تزويج أم حبيبة في تلك السنة، وقد أطال في ردِّ الإشكال المحبُّ الطبري في جواباته (كما في حاشية السنن لابن القيم 6/76) وابن حجر في الإصابة (8/141-142) وغيرُهما، وأفرد الحافظُ ابنُ كثير جزءا مفردا في دفع الشبه عن الحديث وذكر اعتذار الأئمة عنه، كما في تاريخه (6/149 و8/354 و11/401) والعواصم والقواصم لابن الوزير (3/94)، وكذا الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الهادي، كما في ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (2/437)، وتوسع في الدفاع عنه خليل ملا خاطر من المعاصرين في كتابه: مكانة الصحيحين (ص387-411)، وسعد المرصفي في جزء مفرد سماه: دفاع عن حديث فضائل أبي سفيان رضي الله عنه، والجزء مطبوع.
ومدارُ الإشكال أن أهل السِّيَر والمغازي أجمعوا على زواج أمِّ حَبيبة بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم قبل هذا التاريخ يقينا، وعلى كل حال، فباقي الحديث -وفيه محل الشاهد- واقعٌ لا إشكال فيه، كما صرّح البيهقيُّ (7/140) وأشار ابنُ عساكر (69/147) والذهبي (السير 2/222)، بل قال ابنُ كثير (8/354-355): "ولكن فيه من المحفوظ: تأميرُ أبي سفيان، وتوليتُه معاويةَ منصبَ الكتابة بين يديه صلوات الله وسلامه عليه، وهذا قدْرٌ متفقٌ عليه بين الناس قاطبة".
قلت: فإذا تبيّن هذا عُلم أن من طعن بالحديث كله الآن؛ متذرعا بإشكالية حرف واحد منه: إنما هو مُتّبعٌ لهواه في الغالب، ويوهمُ الناسَ بأن الكلام ينصبُّ على كامل الحديث، والتدليسُ عند أهل الهوى معلومٌ.

[8] زعم بعض متأخري الشيعة أن معاوية رضي الله عنه لا يثبت في كتابته للنبي صلى الله عليه وسلم خبرٌ، ورغم أن كلامهم في التصحيح والتضعيف مما لا يُعرَّج عليه أصلا! إلا أن كتابة معاوية صحيحة ثابتة في كتبهم على شرطهم (!!) في الرجال، فروى شيخهم الصدوق (‍‍!) في معاني الأخبار (ص346 طبعة انتشارت إسلامي، بتحقيق علي الغفاري، أو 2/438 طبعة النجف) بسند اتفقوا على وثاقة رجاله واحدا واحدا إلى أبي جعفر الباقر قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاوية يكتب بين يديه.." فذكر خبرا باطلا عندنا، ولكنه صحيح عندهم، واكتفيت بالشاهد الحجة عليهم.
والخبر نقله المجلسي في بحار الأنوار (33/166 و89/36)، وقال عالمهم الأحمدي الميانجي: إن سنده صحيح. (مكاتيب الرسول 1/119 دار الحديث)

[9] وأسهب في تجويز أن يقال "معاوية خال المؤمنين": أبويعلى الفراء في كتابه: تنـزيه خال المؤمنين (ص106 وما بعده، طبعة دار النبلاء، وص74 تحقيق الفقيهي)

[10] على قول أكثر العلماء، وقيل قبلها بسنة، وقيل سنة خمس وخمسين، واختار ابنُ كثير وابن حجر وغيرُهما الأول، وقد ثبت أن أمير تلك الغزوة يزيد، كما في صحيح البخاري (1186) وغيره.

[11] أعجبتني لَفتةٌ مِن الشيخ ربيع بن عبد الرؤوف الزواوي وفقه الله إذ يقول: "انظر إلى أهل العلم كيف يبحثون عن الفضائل، ويَجمعون شتاتها، ويُركّبونَ مُتَفرِّقَها، لأن قلوبَهم سَلِمَت لأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، واليوم يبتُرُ بعضُ أهل الكلام النصوص؛ ليخترع للقوم ذُنوبا ونقائص يُطْلِقون الألسنة بها". (تصحيح الأفهام حول ما أُثير من خلافٍ بين الصحابة الكِرام ص62)

[12] فائدة: قال الترمذي (رقم 1134) عقب حديث فاطمة السابق: "معنى هذا الحديث عندنا -والله أعلم- أن فاطمة لم تُخْبِرْهُ برِضاها بواحدٍ منهما، ولو أخبَرَتْهُ لم يُشِر عليها بغير الذي ذَكَرَت".

[13] ومرجانة بيّن حالها بشار عواد في تحرير التقريب (4/433) فقال: "صدوقة حسنة الحديث، فقد روى عنها ابنُها علقمة، وبُكير بن الأشج، وعلّق لها البخاري في صحيحه بصيغة الجزم في الصيام: باب الحجامة والقيء للصائم، ووصله في التاريخ الكبير 2/180، وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة، وذكرها ابن حبان في الثقات، وهي من رواة الموطأ، وهي مولاة عائشة".
قلت: وقد صحح لها العلماء، مثل الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن عبد البر في التمهيد (20/108) وغيرهم، وقال ابن سعد في الطبقات (8/490): روى عنها ابنها علقمة بن أبي علقمة أحاديث صالحة. قلت: علقمة هو الراوي عنها ههنا، فالقلب لا يرتاب في ثبوت الأثر، وأن أقل أحواله الحُسن، وإنما أطلتُ الكلام في ثقة مرجانة لعدم اجتماع ذلك في مظان ترجمتها.

[14] رواه ابن سعد (1/107 السلومي) وأحمد (4/101 واللفظ له) وابن أبي الدنيا (البداية والنهاية 11/412 هجر) والآجري (5/2477 رقم 1968) واللالكائي (8/1439) وابن عساكر (59/107) من طريق عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: سمعت جَدِّي يحدِّث: أن معاوية..
وهذا رجاله ثقات، وسعيد هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص الأُمَوي، من علماء قريش، وقرابة معاوية، وكان أبوه من وُلاة معاوية، وقد نص البخاريُّ في تاريخه (3/496) أن سعيدا سمع من أبي هريرة وعائشة، وتوفيا قبل معاوية، رضي الله عن الجميع.
لكن الحديث مرفوعا صورتُه صورةُ المُرْسَل، إذ لم يُدرك سعيدٌ القصة، ولذلك حكم الهيثمي بإرساله (المجمع 5/186)، ورُوي موصولا:
فرواه أبويعلى (13/370 رقم 7380) عن سويد بن سعيد، حدثنا عمرو عن جده، عن معاوية به.
ورواه البغوي في معجم الصحابة (5/371) عن سويد، لكنه لم يذكر الوصل بالعنعنة بين سعيد ومعاوية.
قال ابن حجر عن رواية أبي يعلى: سويد فيه مقال (الإصابة 9/233)، فزيادته في وصل السند لا تصح.
ورواه ابن منده (البداية والنهاية 11/412 هجر) ومن طريقه ابن عساكر (59/108) بسند صحيح إلى بشر بن الحكم، نا عمرو بن يحيى بن سعيد، عن جده، عن أبي هريرة، فذكره.
وأظن بشرا أو مَنْ دونه فَهِمَ أن سعيداً أخذه من أبي هريرة، وهو محتمل، وبشر ثقة، لكن المحفوظ في الرواية ما سبق.
 
وله طريق أخرى:
فرواه ابن أبي شيبة في مسنده (المطالب العالية 16/434) وفي المصنف (11/147) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1/381 رقم 522) والطبراني في الكبير (19/362) والأوسط (5/344 رقم 5500) والآجري (5/2476 رقم 1966) والبيهقي في الدلائل (6/446) والديلمي في الفردوس (5/394) وقوام السنة الأصبهاني في الحجة (2/402) وابن عساكر (59/110) ولؤلؤ في جزئه (9) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن أبي المهاجر، عن عبد الملك بن عمير، قال:
قال معاوية: ما زِلْتُ أطمعُ في الخلافة منذ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنْ مَلَكْتَ فَأَحْسِنْ".
وأعلَّه البيهقيُّ وابنُ كثير (البداية والنهاية 11/143 هجر) والهيثمي (المجمع 5/189) والبوصيري في إتحاف المهرة (3/73/ب) بضعف إسماعيل، ونص الطبراني على تفرده عن عبد الملك.
وقال الذهبي في السير (3/131): ابن مهاجر ضعيف، والخبر مرسل.
 
وله طريق ثالثة:
يرويها الجراح بن مخلد، واختُلف عليه:
فقال الطبراني في الأوسط (2/351-352 رقم 2204): حدثنا أحمد بن الحسين الإيذَجي.
وقال محمد بن مروان السعيدي في المجالسة -ومن طريقه ابن عساكر (59/109): نا أحمد بن سهل أبوغسان.
قالا: نا الجراح بن مخلد، نا غالب بن راشد، حدثني أبي، عن غالب القطان، عن الحسن.
وقال أبوالشيخ ابن حيان، ومن طريقه ابن عساكر (59/109): نا أحمد بن يحيى بن زهير التستري، وأبوبكر بن مكرم، قالا: نا الجراح، نا غالب بن راشد، حدثني أبي، عن غالب القطان عن الحسن.
ورواه ابن شاهين، ومن طريقه قوام السنة الأصبهاني في الحجة (2/403): من طريق إبراهيم بن عرق، ثنا الجراح بن مخلد، ثنا يحيى بن غالب بن راشد، نا أبي، عن الحسن.
قال الحسن قال: سمعت معاوية يقول:
صببتُ يوما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءه، فرفع رأسه إليَّ، وقال:
"أما إنك سَتَلي أَمْرَ أُمَّتي بعدي، فإذا كان ذلك فاقبَلْ من مُحْسِنهم وتَجاوَز عن مُسيئهم".
قال: فما زلتُ أرجوها حتى قُمْتُ مقامي.
ويظهر أن الاختلاف من الجراح، وهو ثقة، لكن من فوقه مجاهيل، وحكم الذهبي على هذه الطريق بالوضع. (الميزان 4/402)، وأقره ابن حجر في اللسان (6/273)
 
وطريق رابعة:
روى الآجري (5/2477 رقم 1967) من طريق أبي أمية الطرطوسي، ثنا محمد بن موسى المصري، ثنا خالد بن يزيد بن صالح بن صبيح، عن أبيه، عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال:
كنتُ أوضِّئُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم؛ أُفْرِغُ عليه من إناء في يدي، فنظر إليَّ نظرة شديدة، ففزعتُ، فسقط الإناء من يدي، فقال:
"يا معاوية؛ إنْ وليتَ شيئاً مِنْ أَمْرِ أُمَّتي فاتَّقِ الله وَاعْدِلْ".
فما زلتُ أطمع فيها منذ ذلك اليوم، وأسأل الله أن يرزقني العدل فيكم.
قلت: غريب من هذا الوجه، المصري لم أعرفه، وليس مصحَّفا عن البصري، لأن محمد بن موسى الحَرَشي البصري لم يدرك خالدا، وخالد ثقة، وأبوه لم أجد له ترجمة.
 
فالخبر بطرقه وشواهده قابل للتحسين، وإليه مال البيهقي؛ كما يُظهِرُ صنيعُه في دلائل النبوة (6/446)، وقال الذهبي في السير (3/131): ويُروى في فضائل معاوية أشياء ضعيفة تُحتَمَل، منها.. فذكر حديث "دعوا لي أصحابي وأصهاري"، ثم ذكر حديث سعيد الأموي، وقال عقبه: ولهذا طرق مقاربة، وساق طريق إسماعيل بن المهاجر.
والله أعلم.

[15] رواه الطيالسي (1/349 رقم 439 ط. التركي، ورقم 438 هندية) وأحمد (4/273) والبزار (1588) والدارقطني في الأفراد (أطرافه 3/24) والعراقي في محجة القرب (رقم 84) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، وسنده جيد، وقال الهيثمي في المجمع (5/188): رجاله ثقات، وصححه العراقي والألباني (الصحيحة رقم 5)

[16] سؤال في يزيد بن معاوية، ضمن جامع المسائل لاين تيمية (5/154)

[17] سؤال في يزيد بن معاوية، ضمن جامع المسائل لاين تيمية (5/156) وراجعه للتوسع.

[18] وتجد هناك توجيه ابن عساكر لها، إضافة إلى ضبط المزّي ومحقق كتابه للفظةٍ في القصة تصحّفت تصحيفا قبيحا؛ اشتُهرت عند من لا يأخذ الأخبار بالتدقيق.
ونقل المزي عن ابن عساكر قوله: "وهذه الحكاية لا تدل على سوء اعتقاد أبي عبد الرحمن [يعني النسائي] في معاوية بن أبي سفيان وإنما تدل على الكف في ذكره بكل حال".
ومما يفيد في فهم قصة النَّسائي قولُ سفيان الثوري: إذا كنتَ في الشام فاذكرْ مناقب علي، وإذا كنتَ بالكوفة فاذكر مناقب أبي بكر وعمر. وقوله: منعتنا الشيعة أن نذكر فضائل علي. (الحلية 7/27)
وقول شعبة في بيته بالكوفة: لقد حدثنا الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم بشيءٍ؛ لو حدّثتُكم به لرقصتم! والله لا تسمعونه مني أبدا. (العلل لعبد الله بن أحمد 3/354 والحلية 7/157 وتاريخ بغداد 9/260)
وكلام الأئمة في مثل هذا كثير، وإنما اقتصرت على الثوري وشعبة لإمامتهما، ولأنهما كوفيان.

[19] فقد أورد حكاية لا تصح عن علي بن الحسين رحمه الله في فضل معاوية، ثم عقَّب قائلا: معاوية رضي الله عنه ذو فضائل جمة، وحال هذا الإسناد لا يخفى على أهل العلم به. (ذِكْرُ الإمام الحافظ أبي عبد الله بن منده ومَن أدركهم من أصحابه أبوعبد الله الحسينُ بن عبد الملك الخلاّل ص102 رقم 71)، فجعل الفضائلَ الجمّةَ مُقابِلَةً للضعيفِ الذي لم يَثبت.

[20] رواه البخاري في التاريخ (5/240) والترمذي (3842) وابن سعد (7/418) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2/358 رقم 1129) والبغوي في معجم الصحابة (4/491) والترقفي في جزئه (45/أ) والطبراني في مسند الشاميين (1/190) والآجري في الشريعة (5/2436-2438 أرقام 1914-1917) وابن بطة في الإبانة وابن منده واللالكائي (8/1441 رقم 2778) وأبونعيم في الصحابة (4/1836 رقم 4634) والخطيب في تاريخه (1/207) وفي تلخيص المتشابه (1/406) وفي تالي تلخيص المتشابه (2/539) والجورقاني في الأباطيل (1/193) وابن عساكر (6/62 و59/81-82) وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/274 رقم 442) وابن الأثير في أسد الغابة (3/313 و4/386) والذهبي في السير (8/34) من طريق أبي مُسهر.
ورواه البخاري في التاريخ (7/327) وابن أبي عاصم (2/358) والبغوي (4/490) وأبوالشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (2/343) وأبونعيم في أخبار أصبهان (1/180) وابن عساكر (59/80-81) والمزي في تهذيب الكمال (17/322) من طريق مروان بن محمد الطاطري.
ورواه ابن قانع (2/146) والخلال في السنة (2/450 رقم 697) وابن عساكر (59/83) من طريق عمر بن عبد الواحد. (وفي حديثه قصة)
ورواه ابن عساكر (59/83) من طريق محمد بن سليمان الحراني.
 
أربعتهم عن سعيد بن عبد العزيز، نا ربيعة بن يزيد، نا عبد الرحمن بن أبي عَمِيرة، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر معاوية، وقال: "اللهم اجعله هاديا مهديا، واهد به"
ووقع التصريح بالسماع في جميع طبقات الإسناد، وسنده صحيح، ورجاله ثقات أثبات، وهو إلى صحابيّه عبد الرحمن على شرط مسلم، فقد احتج برواية أبي مُسهر، عن سعيد، عن ربيعة.
 
ورواه الوليد بن مسلم عن سعيد، واختلف عليه، فرواه أحمد (4/216) ومن طريقه ابن عساكر (59/83) عن علي بن بَحر، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا سعيد، كما رواه الجماعة آنفا.
ورواه ابن عساكر (6/62) من طريق محمد بن جرير الطبري، نا أحمد بن الوليد، نا هشام بن عمار وصفوان بن صالح، قالا: نا الوليد بن مسلم، نا سعيد به، كرواية الجماعة.
ورواه ابن عساكر (59/81) من طريق الساجي، نا صفوان، نا الوليد بن مسلم ومروان بن محمد به مثله.
 
ولكن رواه الخلال في السنة (2/451 رقم 699) وابن قانع (2/146) والطبراني في الأوسط (660) وأبونعيم في الحلية (8/358) وقوام السنة الأصبهاني في الحجة (2/404) من طريق زيد بن أبي الزرقاء (ح)
ورواه الطبراني في مسند الشاميين (1/181 و3/254) وأبونعيم في الحلية (8/358) ومن طريقهما ابن عساكر (59/83) والذهبي في السير (8/34) من طريق علي بن سهل، كلاهما عن الوليد بن مسلم، عن يونس بن ميسرة، عن عبد الرحمن بن  عميرة.
وقد وهم في الرواية الأخرى الوليد، وأشار لذلك أبوحاتم في العلل (2/363) وقال ابن عساكر إن رواية الجماعة هي الصواب (59/84)
ومما يؤكد ذلك أن الوليد مدلس، وقد عنعن في الرواية الثانية الخطأ، ولمّا صرّح بالتحديث كانت روايته (وهي الأولى) على الصواب، فضلا أن أبا مسهر لوحده أتقن منه، فكيف ومعه غيره من الثقات؟
 
اختلاف آخر: روى الحديث ابن عساكر (59/80) من طريق محمد بن مصفى، نا مروان بن محمد، حدثني سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة مرفوعا.
قلت: ومحمد بن مصفى له أوهام ومناكير على صدقه، وأبطل ابنُ عساكر زيادة "أبي إدريس" في السند فقال: "كذا رُوي عن محمد بن المصفى عن مروان، ورواه سلمة بن شبيب، وعيسى بن هلال البلخي، وأبوالأزهر، وصفوان بن صالح؛ عن مروان، ولم يذكروا أبا إدريس في إسناده، وكذلك رواه أبومسهر، وعمر بن عبد الواحد، ومحمد بن سليمان الحراني، والوليد بن مسلم؛ عن سعيد".
 
اختلاف آخر: ذكر ابن حجر في الإصابة (6/309) أن ابن شاهين أخرجه من طريق محمود بن خالد، عن الوليد بن مسلم، وعمر بن عبد الواحد، عن سعيد بن عبد العزيز، عن يونس بن ميسرة، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة به.
وعلقه الذهبي عن أبي بكر بن أبي داود (وهو من شيوخ ابن شاهين): حدثنا محمود به. (السير 3/126)
قلت: وهذا خطأ دون شك، وقد رواه الخلال عن يعقوب بن سفيان، ورواه ابن قانع عن إسحاق بن إبراهيم الأنماطي، ورواه ابن عساكر من طريق أحمد بن المعلى، ثلاثتهم عن محمود بن خالد، عن عمر بن عبد الواحد، عن سعيد، عن ربيعة، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة.
وقد تقدم تصويبُ أبي حاتم وابن عساكر لرواية الجماعة.
 
وبعد أن صوّب ابن عساكر رواية الجماعة بدأ يسرد الطرق الغريبة وينقدها، فقال (59/84): "وقد رواه المهلب بن عثمان، عن سعيد بن عبد العزيز، عن عبد الرحمن فأرسله، ولم يذكر يونس ولا ربيعة، ووهم فيه"، ثم أسند الطريق.
قلت: المهلب كذاب. (لسان الميزان 6/108)
 
ورواه البغوي في معجم الصحابة (5/367) وابن بطة في الإبانة وابن عساكر (59/86) وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/274) من طريق الوليد بن سليمان، عن عمر بن الخطاب مرفوعا به.
وقال ابن عساكر: "الوليد بن سليمان لم يدرك عمر"، وقال الذهبي في السير: "هذا منقطع". (3/126)، وقال ابن كثير: "وهذا منقطعٌ، يُقَوِّيه ما قَبلُه". (التاريخ 11/409)
 
ورواه الطبراني في الشاميين (3/254) -ومن طريقه ابن عساكر (59/84)- من حديث موسى بن محمد البلقاوي، ثنا خالد بن يزيد بن صبيح المري، عن يونس بن ميسرة، عن عبد الرحمن بن عميرة به.
وفي هذا السند موسى البلقاوي، وهو متروك متهم بالكذب.
 
وروى الحديث البخاري في التاريخ (7/328) والترمذي (3843) والرافعي في التدوين (3/455) من حديث عمرو بن واقد، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن أبي إدريس الخولاني، عن عمير بن سعد به مع قصة.
وقال الترمذي: "حديث غريب، وعمرو بن واقد يُضَعَّف"، قلت: هو متروك الحديث.
ورواه ابن عساكر (59/84-85) من وجهين آخرين فيهما عمرو بن واقد أيضا، وفيهما اختلاف، وحكم ابن عساكر أنهما خطأ.
 
وفي الباب حديث واثلة عند السقطي في الفضائل (19) وابن عساكر (59/74) وابن الجوزي في الموضوعات (2/19)، وحديث أبي هريرة عند السقطي (22) وابن عساكر (59/88) بمعنى محل الشاهد، وسندهما تالف، وفيهما زيادات منكرة.
 
أقوال الحفاظ في الحديث:
1) من صحح الحديث:
قال الترمذي بعد إخراجه الوجهَ المحفوظ: "حديث حسن غريب".
وقال الجورقاني: "هذا حديث حسن".
وقال الذهبي في تلخيص العلل المتناهية (رقم 225) -بعد أن بيّن وهم ابن الجوزي في إعلاله الحديث براويَين ثقتين حَسبَهُما ضعيفين لتشابه الاسم: "وهذا سند قوي".
وقال ابن كثير في تاريخه (11/408 ط. التركي): "قال ابن عساكر: وقول الجماعة هو الصواب.
وقد اعتنى ابنُ عساكر بهذا الحديث، وأطنبَ فيه وأطيبَ وأطرب، وأفاد وأجاد، وأحسن الانتقاد، فرحمه الله، كم من موطن قد برَّز فيه على غيره من الحفاظ والنقاد".
وقال ابن كثير بعد ذلك (11/409-410): "ثم ساق ابنُ عساكر أحاديث كثيرة موضوعة بلا شك في فضل معاوية، أضربنا عنها صفحا، واكتفينا بما أوردناه من الأحاديث الصحاح والحسان والمستجادات، عما سواها من الموضوعات والمنكرات.
قال ابن عساكر: وأصح ما رُوي في فضل معاوية حديث أبي حمزة عن ابن عباس أنه كاتِبُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم منذ أسلم، أخرجه مسلم في صحيحه، وبعده حديث العرباض: اللهم علمه الكتاب، وبعد حديث ابن أبي عَميرة: اللهم اجعله هاديا مهديا".
انتهى كلام ابن كثير بطوله، وكلامُ ابن عساكر هو في تاريخه (59/106)، قاله عقب إيراده ما رُوي عن ابن راهويه أنه لا يصح حديث في فضل معاوية، فهو تعقب منه لهذا الكلام الذي لم يثبت عن إسحاق أصلا كما بيّنتُ قبل.
وقد نقل كلام ابن عساكر في التصحيح مُقرّا: الفتني في التذكرة (ص100)
وقال ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة (2/626): "إن الحديث حسن".
وقال الآلوسي في صب العذاب (ص427): "إن لهذا الحديث شواهد كثيرة تؤكد صحته".
وأورده الإمام الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة (4/615 رقم 1969)، وقال: "رجاله ثقات رجال مسلم، فكان حقه أن يُصحح". وقال بعد أن توسع فيه (4/618): "وبالجملة فالحديث صحيح، وهذه الطرق تزيدُه قوة على قوة".
 
2) من تكلم في الحديث:
قال أبوحاتم: إن عبد الرحمن لم يسمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم. (العلل 2601)
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (6/67): "منهم من يوقف حديثه هذا ولا يرفعه، ولا يصح مرفوعا عندهم".. ثم قال عن عبد الرحمن بن أبي عميرة: "لا تثبت صحبته، ولا تصح أحاديثه".
وتبعه ناقلا عبارته ابن الأثير في أسد الغابة (3/313)
وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية (1/275) بعد أن ساق الحديث من طريق الوليد بن سليمان، وطريق أبي مسهر: "هذان الحديثان لا يصحان، مدارهما على محمد بن إسحاق بن حرب اللؤلؤي البلخي، ولم يكن ثقة".. ثم أطال في بيان ضعف البلخي، ثم أورد طريقا أخرى لأبي مسهر، وأعله بإسماعيل بن محمد، وقال إن الدارقطني كذّبه.
وقال ابن حجر في الإصابة (6/309): "إن الحديث ليس له علة إلا الاضطراب، فإن رواته ثقات".
قلت: وأعلّه بعض المُحْدَثين بتغيّر سعيد بن عبد العزيز.
 
مناقشة الحكم على الحديث:
تقدم في التخريج أن الحديث رُوي عن خمسة من الصحابة: عبد الرحمن بن أبي عَمِيرة، وعمر بن الخطاب، وعمير بن سعد، وواثلة، وأبي هريرة، فأما الأحاديث الثلاثة الأخبرة فواهيةٌ لا تدخل في الاعتبار، وأما حديث عمر ففيه انقطاع، وقوّاه ابن كثير بحديث عبد الرحمن بن أبي عميرة، وأما حديث عبد الرحمن فقد اختُلف فيه، وصوّب أبوحاتم وابن عساكر وغيرُهما رواية الجماعة عن سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الرحمن مرفوعا.
 واتفاقُ من رجّح -وحسبُك منهم بأبي حاتم- بين أوجه الحديث على أن الصواب فيه رواية أبي مُسْهِر ومَن تابعه يقضي على دعوى إعلال الحديث بالاضطراب، فهذا الاختلاف غير قادح، وإنما يقدح الاضطراب لو تعذر الترجيح وتساوت أوجه الخلاف، وهذا مُنتَفٍ هنا، فالتخريج لوحده كافٍ لتبيين الرواية الراجحة، كيف وقد نصّ على تصويبها الحفاظ؟
فبهذا يجاب عن كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله.
أما ابن عبد البر رحمه الله فقد أعل الحديث بما لم يُسبق إليه فيما اطلعت، فذكر أن من الرواة من أوقف الحديث، وهذا لم أجده رغم التوسع، ولم أر من ذَكره!
وذكر أن الحديث لا يصح مرفوعا عند أهل الحديث، وهذا لم أجده، ولم أر من ذكره! بل صنيعُ الترمذي يردّه.
وذكر أن عبد الرحمن لا تثبت صحبته، وقد خالف بذلك كلَّ من وقفتُ عليه قَبل ابن عبد البر، وفيهم كبار الحفاظ كما سيأتي.
وقد قال ابن حجر: "وجدنا له في الاستيعاب أوهاما كثيرة، تتبع بعضها الحافظ ابن فتحون في مجلدة". (الأربعون المتباينة 22)
وأما ابن الأثير فناقلٌ عن ابن عبد البر وتابع له.
وأما إعلال ابن الجوزي للحديث فمن أعجب ما رأيت، فقد أخطأ أخطاء مركبة في تضعيفه، فذكر أن مدار الحديث على محمد بن إسحاق البلخي، وهو ليس بثقة، فرد عليه الذهبي في تلخيص العلل المتناهية (225): "وهذا جهل منه، فإنما محمد بن إسحاق هنا هو أبوبكر الصاغاني، ثقة"، ثم أبطل الذهبي نسبة التفرد له، وهذا واضح في سياق طرق الحديث.
ثم قال ابن الجوزي إن في سنده الآخر إسماعيل بن محمد، وقد كذّبه الدارقطني، فرد عليه الذهبي: "وهذه بليّة أخرى! فإن إسماعيل هنا هو الصفار، ثقة، والذي كذبه الدارقطني هو المزني، يروي عن أبي نعيم".
قلت: فأما إعلال بعض المتأخرين بتغيّر سعيد بن عبد العزيز فغير سديد، إذ لم يُعِلَّ الحديث بهذا أحدٌ من الحفاظ، بل لا تجد مِن مُتقدِّميهم أحدا يُعل باختلاط سعيد أصلا، فهو أثبتُ الشاميين وأصحُّهم حديثا؛ كما قال الإمام أحمد وغيرُه، وما غمز فيه أحد، بل ساووه بالإمام مالك، وقدّموه على الأوزاعي، واحتج بروايته الشيخان وغيرُهما مطلقا، وقضيةُ اختلاطه أخذها مَن أخذها مِن قول تلميذه أبي مُسْهِر، فقد قال: "كان سعيد بن عبد العزيز قد اختلط قبل موته، وكان يُعرض عليه قبل أن يموت، وكان يقول: لا أجيزها". (تاريخ ابن معين رواية الدوري 5377)
وقد سألتُ شيخي المحدّث العلامة عبد القادر الأرناؤوط حفظه الله في منزله بدمشق سنة 1417 عن قول أبي مُسهر بتمامه: هل يُعَلُّ مع هذا النص باختلاط سعيد؟ فقال: لا.
فظهر أن القصة التي فيها ذكْرُ اختلاط سعيد؛ فيها أيضا امتناعُه عن التحديث حالَه، فلم يضر اختلاطُه روايتَه، فمَن أخذَ أولَ القصة وتَرَكَ آخرها فقد حاد عن النهج العلمي.
 ثم هَب أن سعيد قد اختلط وحدّث، فمَن رواه عنه (وهو أبومسهر) عالمٌ بالحديث يَقظٌ متثبّت، بل أثبت الشاميين في زمانه عموما، وأثبتهم في سعيد خصوصا، وكان سعيد يقدّمُه ويخصُّه، وقد رفع من أمره وإتقانه جدا الإمامان أحمد وابن معين، ولا سيما الثاني. (انظر ترجمته موسعة في تاريخ دمشق 33/421 وتهذيب الكمال 16/369)
 وأبومسهر عالم باختلاط شيخه، بل إن كشفَه لاختلاط شيخه من تثبّته، فيَبعُد أن يأخذَ عن شيخه ما يُحْذَرُ منه. (وانظر الصحيحة 7/690)
وفوق ذلك قال الإمام الألباني رحمه الله (الصحيحة 4/616) بعد أن ذكر متابعة أربعة من الثقات لأبي مُسهر: "فهذه خمسة طرق عن سعيد بن عبد العزيز، وكلهم من ثقات الشاميين، ويبعد عادة أن يكونوا جميعا سمعوه منه بعد الاختلاط، وكأنه لذلك لم يُعله الحافظ بالاختلاط".
بقي قولُ أبي حاتم إن عبد الرحمن لم يسمع الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يضر في صحة الحديث، لأن أبا حاتم نفسه قد نص على صُحبة ابن أبي عَميرة كما في الإصابة (6/308)، وكما قال ابنُه عبد الرحمن (الجرح والتعديل 5/273)، فغاية ما هنالك أن تكون روايته من مراسيل الصحابة، وهي مقبولة محتج بها عند أهل العلم، وأمثلتها كثيرة.
وربما كان كلام أبي حاتم منصبا على قول عبد الرحمن: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم"، فيحكم أبوحاتم أن اللفظة غير محفوظة (قارن بصنيع البخاري في التاريخ 5/240)، فربما أخذ الحديث عن صحابي آخر، وهذا لا يؤثر في صحة الحديث، كما يقع في روايات بعض الصحابة رضي الله عنهم جميعا مثل الحسن والحسين وابن عباس لأحاديث لم يُدركوها، وهذه لا تجد أحدا من أهل العلم والفهم يدفعُ صحتَها بدعوى عدم سماعها من النبي صلى الله عليه وسلم.
علما بأنه وقع سماع عبد الرحمن بن أبي عَميرة في هذا الحديث في كثير من مصادره، وفي بعضها التصريح من الراوي عنه بأن عبد الرحمن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وجملة القول أن العلة التي ذكرها أبوحاتم أراها من النوع المسمى: العلة غير القادحة، على أنني أستفيد من كلامه أنْ لو كانت هناك علة للحديث سوى ما قاله لذكرها.
 
فتبيّن مما سبق أن سائر ما أُعلّ به الحديث ليس بقادح، وأن المحفوظ منه صحيح السند، ورجاله ثقات أثبات، وثبّته جمع من الحفاظ، فالحُكْمُ لهم، والله تعالى أعلم.
 
تتمة القول في صُحبة عبد الرحمن بن أبي عَميرة:
ذكَره في الصحابة: ربيعة بن يزيد، وابنُ سعد، ودُحيم، وسليمان بن عبد الحميد البهراني، وأحمد، والبخاري، وبقي بن مخلد (مقدمة مُسنده رقم 355)، والترمذي (تسمية الصحابة رقم 388)، وأبوحاتم، وابن السكن (الإصابة)، وابن أبي عاصم، ويعقوب بن سفيان في المعرفة (1/287 وانظر 1/238)، وأبوالقاسم البغوي في معجم الصحابة (4/489)، وابن أبي حاتم (الجرح 5/273)، وابن حبان في الثقات (3/252)، وأبوبكر بن البرقي في كتاب الصحابة، وأبوالحسن بن سميع في الطبقة الأولى من الصحابة، وأبوبكر عبد الصمد بن سعيد الحمصي في تسمية من نزل حمص من الصحابة، وابن منده، وأبونعيم، والخطيب في تالي تلخيص المتشابه (2/539)، وابن عساكر، والنووي في تهذيب الأسماء واللغات (2/407)، والمِزّي، والذهبي في تاريخ الإسلام (4/309)، وفي التجريد (1/353)، وغيرهم.
ولم يخالف في ذلك إلا ابنُ عبد البر ومن تابعه بعده؛ كابن الأثير.
ورَدّ على ابن عبد البر وصحّح صُحبة عبد الرحمن: ابنُ فتحون، وابن حجر في الإصابة (6/309)
وانظر تاريخ دمشق لابن عساكر (35/231) والإنابة لمغلطاي (2/24) والإصابة (6/308)
 
ومما يتصل بترجمة عبد الرحمن بن أبي عَميرة رضي الله عنه:
اختُلف في اسم عبد الرحمن ونسبته، وصوّب أبوحاتم في العلل؛ وغيرُه أن اسمه عبد الرحمن بن أبي عَمِيرة، وضَبَطه ابن ماكولا في الإكمال (6/276 و279) بفتح العين، وكسر الميم، وأوسعُ من ترجم له -فيما رأيت- ابنُ عساكر في تاريخه (35/231)، وصوّب أنه مُزني، وتبعه المزي وغيره.

[21] الحديث يرويه معاوية بن صالح، عن يونس بن سيف، عن الحارث بن زياد، عن أبي رُهْم، عن العرباض بن سارية قال: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يَدعو إلى السحور في شهر رمضان: "هَلُمَّ إلى الغَدَاء المبارك"، ثمَّ سمعتُه يقول: "اللهم علِّم معاويةَ الكتابَ والحِساب، وقِهِ العذاب".
والحديث ذكر البزار وابن عدي أنه لا يُروى إلا بهذا الإسناد.
 
رواه عن معاوية جماعة من الرواة، وهم:
1) عبد الرحمن بن مهدي:
رواه أحمد في المسند (4/127) وفضائل الصحابة (1748) -ومن طريقه الخلال في العلل (141) والسنّة (2/449) وابن عساكر (59/75) وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/271)- ثنا عبدالرحمن بن مهدي.
ورواه ابن جرير (البداية والنهاية 11/405) وابن خزيمة (1938) وابن حبان (16/192) وحمزة الكِنَاني في جزء البطاقة (11 ذكر الشاهد فقط) -ومن طريقه الرافعي في التدوين (3/74) والذهبي في معجم الشيوخ (1/152-154) والتاج السبكي في معجم الشيوخ (ص441)- والآجري (1911 الشاهد) وأبوالقاسم الكتّاني في حديثه (156/1 كما في تخريج الأباطيل) والجورقاني (1/190) وابن عساكر في تاريخه (59/75-76) ومعجم شيوخه (2/1041 رقم 1341) من طريق عبد الرحمن به.
2) عبد الله بن صالح أبوصالح:
قال يعقوب بن سفيان في المعرفة (2/345): ثنا أبوصالح.
ورواه البغوي في المعجم (5/365) والطبراني في الكبير (18/251 رقم 628) والشاميين (3/169) -وعنه أبونعيم في المعرفة (4/2236) وابن عساكر (59/76)- والآجري (1913) وعبد العزيز الأزجي في مجلس من الأمالي (مع أمالي ابن بشران 2/284) وابن عساكر (59/77) وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/272) من طريق عبد الله بن صالح به.
3) قرة بن سليمان:
رواه البزار في مسنده (10/138 رقم 4202/ وفي كشف الأستار برقم 2723) من طريقه.
4) أسد بن موسى:
رواه الطبراني في الكبير (18/251 رقم 628) وفي الشاميين (3/169) -وعنه أبونعيم في المعرفة (2/805)- وابن بشران (1/55) وابن أبي الصقر في مشيخته (31) وابن عساكر (59/76 عنده الشاهد فقط) من طريق أسد بن موسى.
5) بشر بن السري:
رواه البغوي في المعجم (5/364) والآجري (1910) وابن عدي (6/2402) وابن بطة في الإبانة وابن عساكر (59/77) وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/271) من طريق بشر بن السري.
6-10) ورواه آدم، ومعن بن عيسى، وزيد بن الحباب، وعبد الله بن وهب، وعافية بن أيوب في آخرين عن معاوية بن صالح به مثله.
علقه عنهم أبونعيم في المعرفة (2/805)
11) الليث بن سعد، ويأتي تفصيل روايته.
 
والحديث عزاه الإمام الألباني (الصحيحة 3227) لأبي موسى المديني في جزء من الأمالي (ق1/2) من طريق يونس به.
 
فأما مَن روى الحديث عن معاوية بدون الشاهد، فَهُم:
12) حماد بن خالد الخياط:
رواه أحمد (4/126) ثنا حماد بن خالد الخياط.
ورواه أبوداود (2344) -ومن طريقه أبوبكر الجَصّاص في أحكام القرآن (1/270)- وابن بُشران (1/54) والمِزِّي في تهذيب الكمال (5/231) من طريق حماد به.
- زيد بن الحباب:
قال ابن أبي شيبة (3/9) ثنا زيد به.
وقد علَّقه أبونعيم عن زيد بذكر الشاهد كما تقدم.
- عبد الرحمن بن مهدي:
 رواه النسائي في الصغرى (4/145) والكبرى (2/79 العلمية، 3/114 الرسالة) -وعنه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (14/124)- أخبرني شعيب بن يوسف، ثنا عبد الرحمن بن مهدي.
ورواه ابن خزيمة (1938) ثنا بندار، نا عبد الرحمن.
وابن حبان (8/244) من طريق القواريري، نا عبد الرحمن.
والبيهقي (4/236) من طريق أحمد، نا عبد الرحمن.
وابن عساكر (54/132) والمزي في تهذيب الكمال (32/511) من طريق محمد بن عبد المجيد التميمي، ثنا عبد الرحمن.
وابن قتيبة في الغريب (1/20) نا خالد بن محمد، نا عبد الرحمن.
 
سبب ترك بعض الرواة لذِكر معاوية في الحديث:
قال الخلال في العلل (141): قال مُهنّا، سألتُ أبا عبد الله [وهو الإمام أحمد بن حنبل] عن حديث معاوية بن صالح، عن يونس بن سيف، عن الحارث بن زياد، عن أبي رُهم، عن العرباض بن سارية، قال: دعانا النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى الغَداء المبارك، وسمعتُه يقول: "اللهم علّمه -يعني معاوية- الكتاب والحساب، وقِهِ العذاب".
فقال: نعم، حدّثناه عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح.
قلتُ: إن الكوفيين لا يذكرون هذا: "علّمه الكتاب والحساب وقِهِ العذاب"، قَطَعوا منه؟
قال أحمد: كان عبد الرحمن لا يذكُره، ولم يذكُرْه إلا فيما بيني وبينَه.
 
قلت: وهذا نص عزيز، فيه بيان موقف الكوفيين -وأكثرهم شيعة- من التحديث بمثل هذا، وفيه أن الإمام أحمد لمّا سُئل عنه لم يَتكلّم فيه بشيء، وكذا تلميذه مُهنا.
 
قلتُ: والحديث قد سمعَه كاملا من عبد الرحمن:
1) الإمام أحمد كما تقدم.
2-3) يعقوب الدورقي وعبد الله بن هاشم:
كما حدّث عنهما ابن خزيمة (1938) ورواه من طريقه ابن عساكر (59/76)
رواه ابن عساكر (59/75) من طريق يعقوب.
4) العباس العنبري:
رواه ابن حبان (16/191) من طريقه.
5) أحمد الدورقي:
رواه حمزة الكناني في جزء البطاقة (11) والجورقاني (1/190) عن أبي يعلى، عن أحمد الدورقي.
ورواه الآجري في الشريعة (1911) عن ابن ناجية، ثنا أحمد الدورقي.
6) عبيد الله بن عمر القواريري.
رواه ابن عساكر (59/75) من طريق أبي يعلى في مسنده الكبير عن القواريري.
7) محمد بن عبد المجيد التميمي:
رواه ابن عساكر (59/76) من طريقه.
8) أحمد بن سنان:
قال محمد بن مروان السعيدي في كتاب المجالسة -ورواه من طريقه ابن عساكر في معجم شيوخه (2/1041 رقم 1341): ثنا أحمد بن سنان.
ورواه ابن حبان (16/191) والآجري (1912) من طريق ابن سنان.
 
ذكر الاختلاف على الليث بن سعد في الإسناد:
قال الحسن بن سفيان (الإصابة 3/24 وغيرها) -وعنه ابن بطة، وابن منده (الإنابة لمغلطاي 1/138)، وأبونعيم في المعرفة (2/804): ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن يونس بن سيف، عن الحارث بن زياد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فذكره).
ورواه ابن قانع (1/187) ثنا العباس بن حبيب النهرواني، نا قتيبة به.
ورواه ابن منده في المعرفة (الإصابة 3/24) من طريق موسى بن هارون عن قتيبة به.
ورواه الحسن بن عرفة في جزئه (36) -وعنه الخلال في السنة (2/460) والبغوي في الصحابة (2/78) وابن شاهين وابن مندة (الإصابة) واللالكائي (8/1441) وابن عساكر (59/74) وابن حجر في التهذيب (12/141 و142)- عن قتيبة به، وزاد بعد الحارث: "صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم".
قال ابن منده: "هذا وهم من قتيبة أو من الحسن بن عرفة". وقال: "رواه آدم، وأبوصالح، وغيرهما، عن الليث، عن معاوية، عن يونس، عن الحارث، عن أبي رهم، عن العرباض بن سارية، وكذلك رواه عبد الرحمن بن مهدي، وابن وهب، ومعن بن عيسى، في آخرين عن معاوية".
نقله ابن حجر في الإصابة وقال: "قلت: وحديث ابن مهدي في صحيح ابن حبان، وهو الصواب".
وأشار أبونعيم لإعلاله بمخالفته رواية الجماعة.
وقال ابن عساكر: "كذا قال، ولا نعلم للحارث صحبة، وقد أُسقط من إسناده رجلان".
وقال ابن الأثير إن زيادة "وكان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم" وهم (أسد الغابة 1/329)، وكذلك نص مغلطاي في الإنابة (1/138) وابن حجر في التهذيب.
وقال الذهبي في معجم الشيوخ (1/154): "كذا قال، وهذا خطأ".
وقال في تاريخ الإسلام (4/309): "وقد وهم فيه قتيبة، وأسقط منه أبا رُهم والعرباض".
وقال ابن حجر: "أعضل قتيبة هذا الحديث". (التهذيب)
 
فهذه أقوال الحفاظ في هذه الرواية، ومؤدّاها أن قتيبة وهم في الإسناد وقصّر فيه فأعضله، وأن الرواة غيره عن الليث جَوَّدُوه، وقد تابع الليثَ عن معاوية مجوَّدا أكثرُ من عشرة رواة كما تقدم.
وصوّب ابن منده، وأبونعيم، وابن عساكر (59/75)، والذهبي، وابن حجر رواية الجماعة كما تقدم.
 
بيان رجال الإسناد:
معاوية بن صالح: ثقة واسع الرواية. (تهذيب الكمال 28/186) قلت: وهو في طبقة من يُقبل تفرده، وقد أخرج له مسلم وغيره من أهل الصحاح أحاديث تفرد بروايتها.
يونس بن سيف: وثقه ابن حبان (الثقات 5/550 و555 ومعرفة التابعين من الثقات للذهبي 4196)، والدارقطني (سؤالات البرقاني 564)، وقال البزار: "صالح الحديث، وقد رُوي عنه"، وقال ابن سعد: "كان معروفا له أحاديث". (الطبقات 7/458)، وروى عنه جمع من الثقات.
قلت: فقول ابن حجر رحمه الله في التقريب: "مقبول" قليل في حقه.
تنبيه: وقع في مطبوع كشف الأستار في زوائد البزار: "قال البزار: يونس والحارث لا أعرفهما"، واعتمد على هذا الكلام بعض من ضعّف الحديث، وهذا خطأ ليس من كلام البزار، إنما كلامه كما في مسنده (ق219 الكَتّانية): "وحديث العرباض فيه علتان: إحداهما: الحارث بن زياد، ولا نعلم كبير أحد روى عنه، ويونس بن سيف صالح الحديث، وقد رُوي عنه".
وهذا ما نقله مغلطاي وابن حجر من كلام البزار، نبّه على كلام البزار محقِّقُ مشيخة ابن أبي الصقر (ص99-100)، ثم طبع مسند البزار الأصل (10/139)، وفيه التصويب المذكور.
وقد قال الهيثمي في مقدمة كشف الأستار (1/6) قائلا: "إذا تكلم [يعني البزار] على حديث بجرح بعض رواته أو تعديل بحيث طوَّلَ: اختصرتُ كلامه، من غير إخلال بمعنى، وربما ذكرته بتمامه إذا كان مختصرا".
قلت: لكني رأيتُ عشرات المواضع أحال فيها الهيثمي معنى كلام البزار، مثل قوله (3/166): "قال البزار: وأحاديث النضر لا نعلم أحدا شاركه فيها"، بينما عبارة البزار في المسند الأصل (9/457 رقم 4070): "وهذه الأحاديث التي رواها النضر بن محمد عن عكرمة لا نعلم أحدا شاركه فيها عن عكرمة". قالها بعد أن ساق خمسة أحاديث فقط من رواية النضر عن عكرمة بن عمار، وهو مكثر جدا عن عكرمة، فلا يُستغرب انفراده عنه ببضعة أحاديث، أما عبارة الهيثمي فمعناها يُسقط روايات النضر عن شيخه كلها!
فليكن هذا في ذهن الباحث عند وقوع الإشكالات ومخالفة المسند الأصل، ولا سيما أن طبعة كشف الأستار رديئة.
الحارث بن زياد: ترجمه مغطاي في الإكمال (3/290) فقال: إن ابن خزيمة وابن حبان أخرجا له في الصحيح، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين [4/133]، قال: روى عن أبي رُهم، وأدرك أبا أمامة، وقال البزار: لا نعلم كبير أحد روى عنه، وقال أبوالحسن القطان: حديثه حسن. ثم بالغ مغلطاي بالرد على قول الذهبي في الميزان والمغني: "إنه مجهول"، وقال: إن ذلك قولٌ لم يُسبق إليه. ا.هـ.
قلتُ: وكذلك تعقب الذهبيَّ ابنُ حجر في التهذيب (2/142) وقال: قال أبوعمر بن عبد البر في صاحب هذه الترجمة: "مجهول، وحديثه منكر".
قلتُ: سبقه بهذه العبارة المنذريُّ في الترغيب (2/79 رقم 1578 ط. ابن كثير)، وفي دقة هذا النقل نظر، فالذي قاله ابن عبد البر في الاستيعاب: "إن الحارث بن زياد مجهول، لا يُعرف بغير هذا الحديث"، ولم أجد له كلاما آخر عليه، سواء في الاستغناء أو غيره، وبين العبارتين فرقٌ بيّن.
ثم وجدتُ المنذريَّ نفسَهُ ينقل عن ابن عبد البر عبارةً مختلفة وهي: "ضعيف مجهول، يروي عن أبي رُهم السماعي، حديثه منكر". (مختصر سنن أبي داود 3/230)
قلت: فأخشى أن يكون المنذري قد تصرف في كلام ابن عبد البر، فأدّى معنى زائدا -ولا سيما أنه أملى الترغيب من حفظه، فتعقّبه مَن تعقّب، كالبرهان الناجي- وبواسطته نقل ابن حجر، فعندي أمثلة على مثل هذا، والعلم عند الله.
قلت: وقُد ذُكر الحارث في الصحابة، وتقدّم أن ذلك لا يصح.
ومما يرفع من حال الحارث بن زياد الشامي أنه وردت روايات عن الرافضة في لعنه! كما في طرائف المقال للبروجردي (ص426) وجامع الرواة للأردبيلي (1/173)
أبو رُهم: هو أحزاب بن أَسِيد السَّمَعي، ويقال: السَّماعي، مُختَلَف في صُحبته، ذكره العجلي وابن حبان وابن خلفون في الثقات (الإكمال لمغلطاي 2/15)، وروى عنه جمع من الثقات (تهذيب الكمال 2/281)، وقال ابن حجر: ثقة. (التقريب)
 
الحكم على الإسناد:
مقاربٌ رجالُه ثقات، إلا أن الحارث بن زياد تابعيٌ مستور.
 
أقوال الحفاظ في الحديث:
قد تقدّم كلام البزار آنفا، وذكره ابن عدي ضمن إفرادات معاوية بن صالح، ولم يتكلم عليه، وهذا يحتملُ استنكارَه للحديث، وقال ابن عبد البر بعد ذِكْره: "إلا أن الحارث بن زياد مجهول لا يُعرف بغير هذا الحديث"، وزاد المنذري وابن حجر عنه: "وحديثه منكر"، وتقدم مناقشة هذه الزيادة.
وقال ابنُ الجوزي في العلل المتناهية إنه لا يَصح، وأعلَّه بضعف معاويةَ بن صالح، وعبدَ الله بن صالح.
قلت: لأن ابن الجوزي ساق بإسناده متابعةَ عبدِ الله بن صالح لمعاوية، وليس ذلك بشيء، فإنما سقط من إسناده شيخُ عبد الله، وهو معاوية بن صالح نفسُه، وأما طريقة إعلاله بمعاوية بن صالح فلا تستقيم أيضا، إذ اقتصر على تجريح أبي حاتم له، وسكت عن توثيق باقي الحفاظ له! وقد عِيبَ هذا الصنيعُ على ابن الجوزي رحمه الله في كتاب الموضوعات، ثم قد رواه عن معاوية جمعٌ من كبار الحفاظ من عدة بلدان مثل: عبد الرحمن بن مهدي، والليث بن سعد، وعبد الله بن وهب، ولم يتكلموا في الحديث.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: (9/356): "فيه الحارث بن زياد، ولم أجد من وثقه، ولم يرو عنه غير يونس بن سيف، وبقية رجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف".
 
وفي المقابل: فالحديث لما سُئل عنه الإمام أحمد لم يضعّفه كما في علل الخلال، وصحّحه ابن خزيمة، وابن حبان، وابن عساكر في تاريخه (59/106)، وابن كثير في البداية والنهاية (11/409)، وقال الجورقاني: "هذا حديث مشهور، رواه عن معاوية بن صالح جماعةٌ، منهم: بشر بن السري، والليث بن سعد، وعبد الله بن صالح، وأسد بن موسى، وغيرهم"، وأخرجه ضمن الأحاديث الضدّية للأباطيل والمناكير، وقال ابن عساكر: حسن غريب. (معجم الشيوخ 2/1041 رقم 1341)، وحسّنه ابنُ القطّان. (الإكمال لمغلطاي 3/290)، وقوّاه الذهبي بشاهده. (السير 3/124)، وقال ابن حجر في الإصابة بعد ذكر الاختلاف على معاويةَ مُرَجِّحا ومُقراً: "قلتُ: وحديثُ ابن مهدي في صحيح ابن حبان"، وأفاض الإمام الألباني في تخريجه وانتهى إلى صحة الحديث. (الصحيحة 3227)
 
لطيفة: ويُمكن زيادة المثبتين للحديث بما نقله ابنُ أبي يَعلَى الفَرّاء في ترجمة أبي حفص عمر بن إبراهيم العُكبري (3/294 العثيمين) إذ قال: "قال أبوحفص: سألني سائلٌ عن رجلٍ حَلَفَ بالطلاق الثلاث إنَّ معاويةَ رحمه الله في الجنّة، فأجبتُه: إنّ زوجتُه لم تطلُق، فليُقِم على نكاحه، وذَكَرتُ له أن أبا بكر محمد بن عَسْكَر سُئل عن هذه المسألة بعَينها؛ فأجابَ بهذا الجواب.
قال: وسُئل شيخُنا ابنُ بطّة عن هذه المسألة بحَضْرَتي، فأظُنُّه ذكَر جَوابَ محمد بن عسكر فيها.
وسمعتُ الشيخَ ابنَ بطةَ يقول: سمعتُ أبا بكرَ بنَ أيوب يقول: سمعتُ إبراهيم الحَربيَّ -وسُئلَ عن هذه المسألة- فقال: لَم تَطلُق زوجتُه، فليُقِم على نكاحِه.
قال: والدليلُ على ذلك: ما روى العِرباضُ بن سارية، أنه سمع النبيَّ صلى الله عليه وسلَّم يقولُ لمُعاوية بن أبي سفيان: (اللهم علّمهُ الكتاب والحساب، وقِهِ العذاب).
فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم مُجاب الدعاء، فإذا وُقيَ من العذاب فهو من أهل الجنة.. الخ".
قلتُ: والقائل "والدليل على ذلك" أُراه أبا حفص العكبري، والله أعلم.
 
طرق أخرى للحديث:
حديث عبد الرحمن بن أبي عَمِيرة رضي الله عنه:
روى الطبراني في الشاميين (1/190) -ومن طريقه ابن عساكر (35/230 و59/80) والذهبي في السير (8/34): ثنا أبوزرعة، وأحمد بن محمد بن يحيى الدمشقيان، قالا: ثنا أبومسهر، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاوية: "اللهم علمه الكتاب والحساب، وقه العذاب"
وروى بعده عن أبي زرعة بنفس السند حديث ابن أبي عميرة الصواب.
وعلّقه البخاري في التاريخ الكبير (7/327) عن أبي مسهر به، بالمتن السابق، ثم أخرجه متصلا بالمتن الآخر "الله اجعله هاديا مهديا".
قال ابن عساكر إن هذا الوجه غريب، وأتبعه بتخريج الروايات عن سعيد بن عبد العزيز بمتن: "اللهم اجعله هاديا".
وأعله الذهبي في معجم الشيوخ (1/155)، وقال إن رواية الترمذي لهذا السند بمتن "اللهم اجعله هاديا" أصح، لرواية جماعة من الرواة.
لأن غالب الرواة عن أبي مُسهر (وهُم: يحيى بن معين، ومحمد بن يحيى الذهلي، وابن سعد، ومحمد بن عوف، ومحمد بن سهل بن عسكر، ومحمد بن رزق الله الكلوذاني، والترقفي، ومحمد بن المغيرة، وأبوزرعة الدمشقي في رواية، والبخاري معلقا)، ومَن تابَعه عن سعيد: يروون بهذا السند المتن الثاني "اللهم اجعله هاديا"، وهو الذي وصله البخاري.
فأما صنيع البخاري فأفهمُ منه أنه أعلَّ الروايةَ المعلقةَ بالمتصلة، يؤيدُه روايةُ الأكثرية عن أبي مُسهر، ومُتابعةُ جمعٍ له على الوجه الموصول، كما بيّن ابن عساكر والذهبي، والله أعلم.
فهذا الإسناد لمتن "اللهم علمه الكتاب" وهمٌ بلا شك، وقد ذكر البزار أن الحديث المذكور لا يُروى إلا بالإسناد المشهور عن معاوية بن صالح.
 
حديث ابن عباس رضي الله عنهما:
رواه ابن عدي (5/1810) وأبوالقاسم عبد العزيز الأزجي في مجلس من أماليه (مع أمالي ابن بشران 2/286 رقم 1522) وابن عساكر (59/78) وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/271) من طريق عثمان بن عبد الرحمن الجُمَحي، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعا بمثله.
 
قال ابن عساكر إنه وجهٌ ضعيف، وأعلّه ابن الجوزي -تبعا لابن عدي- بالجمحي.
قلت: تعقّبَ الذهبيُّ في الميزان (3/47) بأن عثمان بن عبد الرحمن هذا هو الوَقّاصي القرشي لا الجمحي، والوقاصي أشد ضعفا من الجمحي، فهو متروك.
ووقعت نسبتُه على الصواب فيما رواه ابن البَخْتَري في المنتقى من السادس عشر من حديثه (رقم 85 وهو في مجموع مصنفات ابن البختري ص467) من طريق عثمان بن عبد الرحمن القرشي، عن عطاء، عن ابن عباس به.
فهذا السند ضعيف جدا.
 
حديث مَسْلَمة بن مُخَلَّد رضي الله عنه:
رواه ابن بطة (تلخيص الذهبي 223) ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (1/272) من طريق أبي سلمة موسى التَّبُوذَكي.
ورواه الطبراني في الكبير (19/439 رقم 1065) والآجري في الشريعة (1919) وابن بطة وابن الجوزي من طريق الحسن بن موسى الأشيب.
ورواه البغوي في معجم الصحابة (5/365) والطبراني (19/438 رقم 1066) والآجري (1918) من طرق عن سليمان بن حرب.
ثلاثتهم عن أبي هِلال محمد بن سُلَيم الرَّاسِبي، نا جَبَلَة بن عَطية الفلسطيني، عن مَسْلَمة بن مُخَلَّد مرفوعا بلفظ: "اللهم علّمه الكتاب، ومكّن له في البلاد، وقه العذاب".
وعلّقه ابنُ عبد الحكم مِن حديث أهل البصرة عن أبي هلال به. (فتوح مصر ص267)
 
قلت: قد اضطَرَب أبوهلال في الإسناد:
فقال ابن سعد (1/108 تحقيق السلومي) -ورواه من طريقه ابن عساكر (59/78): أخبرنا سليمان بن حرب والحسن بن موسى، قالا: حدثنا أبوهلال محمد بن سليم، قال: حدثنا جبلة بن عطية، عن مسلمة بن مخلد.
قال الحسن بن موسى الأشيب: قال أبوهلال: أو عن رجل عن مسلمة بن مخلد.
وقال سليمان بن حرب: أو حدّثه مسلمةُ عن رجل، أنه رأى معاوية يأكل، فقال لعمرو بن العاص: إن ابن عمّك هذا لمِخْضَد، ثم قال: أما إني أقول هذا، وقد سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: (فذكره)
وقال الإمام أحمد في فضائل الصحابة (2/915) وابن قُتَيبة في الغريب (1/394): حدثنا الحسن بن موسى، ثنا أبوهلال، ثنا جبلة بن عطية، عن مسلمة بن مخلد -أو عن رجل عن مسلمة بن مخلد- به.
ورواه الخلال في السنة (2/451) من طريق سليمان بن حرب، ثنا أبوهلال، عن جبلة، عن مسلمة، أو حدثه مسلمة عن رجل.
ورواه ابن عساكر (59/78) من طريق ابن أبي خيثمة، نا أبي سلمة موسى بن إسماعيل، نا أبوهلال الراسبي، نا جبلة، عن رجل من الأنصار، عن مسلمة به.
 
وهذا الحديث أعلّه ابن الجوزي بضعف أبي هلال.
وقال الذهبي في التلخيص: لم يصح.
وقال في ترجمة جبلة بن عطية من الميزان (1/389): "لا يُعرف، والخبر منكر بمرة، وهو من طريق ثِقَتَين عن أبي هلال محمد بن سليم، قال حدثنا جبلة، عن رجل، عن مسلمة.." (فذكر الحديث)
وتعقبّه ابن حجر في اللسان (2/96) قائلا: "لعلّ الآفة فيه من الرجل المجهول.."، ثم نقل توثيق جبلة.
وقال قَبلَهُما ابنُ عبد الحكم: "وربما أدخلَ بعضُ المحدّثين بينَ جبلة بن عَطيّة وبين مَسلمة رجلا".
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (9/109) بعد أن عزاه للطبراني: "وجبلة لم يسمع من مسلمة، فهو مرسل، ورجاله وُثِّقوا، وفيهم خلاف".
 
قلت: أبوهلال فيه ضعفٌ (تهذيب الكمال 25/292)، وقد اضطربَ فيه كما تَقدم، وجبلة ثقة (تهذيب الكمال 4/500)، ولكن عدّه ابن حبان من أتباع التابعين، وذكر له المزي ثلاثة شيوخ، كلهم من التابعين، فيظهر لي أن الأقرب من الأوجه رواية أبي هلال، عن جبلة، عن رجل، عن مسلمة.
وهذا سند ضعيف، وتقدم تضعيف الحفاظ لهذه الرواية عموما، إلا أنَّ لفظة: "ومَكِّن له في البلاد" -من حيث الصنعة الحديثية- منكرةٌ لا شاهد لها.
 
حديث أبي هريرة:
رواه ابن بطة، ومن طريقه ابن الجوزي (1/273) من طريق محمد بن يزيد العابد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعا مثله مع زيادة.
وأعله ابن الجوزي بجهالة ابن يزيد، وقال الذهبي إن خبره موضوع، وهو آفَتُه (الميزان 4/68)، وقال إن حديثه كذب. (المغني 2/644)
ولكن جاء أحد الكذابين فوضع له إسنادا نظيفا!
فرواه ابن عساكر (59/88) من طريق إسحاق بن محمد السوسي، نا محمد بن الحسن، نا ابن ديزيل، نا آدم بن أبي إياس، عن شعبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا، وفيه زيادات باطلة.
قال ابن حجر في ترجمة إسحاق من اللسان (1/374): "ذاك الجاهل الذي أتى بالموضوعات السمجة في فضائل معاوية، رواها عبيد الله بن محمد بن أحمد السقطي عنه، فهو المتهم بها، أو شيوخُه المجهولون".
وقال الذهبي في ترجمة شيخه في الميزان (3/516): "روى عنه محمد بن إسحاق السوسي أحاديث مختلَقة في فضل معاوية، ولعله النقاش صاحب التفسير، فإنه كذاب، أو هو آخر من الدجاجلة".
 
قلت: فالحديث باطل من طريقَيه عن أبي هريرة.
 
الطرق المرسلة:
رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (2/913) بسند صحيح عن شُريح بن عُبيد مرسلا.
وقال الألباني: "وهذا إسناد شامي مرسل صحيح، رجاله ثقات".
 
ورواه الحسن بن عرفة في جزئه (66) ومن طريقه ابن عساكر (59/79) بسند صحيح عن حَرِيز بن عثمان الرَّحَبي مرسلا.
وقال الألباني: "وهذا أيضا إسناد شامي مرسل صحيح".
 
ورواه ابن عساكر (59/85) بسند صحيح عن يُونُس بن مَيْسَرة بن حَلْبَس مرسلا.
 
ورواه ابن عساكر (59/79) من طريق الزُّهري مرسلا.
وفي سنده أبان بن عَنْبَسة القرشي: ذكره ابن أبي حاتم (2/300) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
 
ورواه البلاذري في أنساب الأشراف (4/145 العظم) وابن عساكر (59/79) من طريق شَبَابة بن سَوَّار، ثنا يوسُف بن زياد التَّيْمي، عن محمد بن شُعيب، عن عُروة بن رُوَيْم اللَّخْمي مرسلا.
ورجاله ثقات، إلا أن يوسف التيمي لم أتبيّنه الآن.
 
ورواه ابن بطة ومن طريقه الخطيب في تلخيص المتشابه (1/405) من طريق داود بن المحبر، نا الحسن بن أبي جعفر العتكي، عن ليث، عن مجاهد مرسلا محل الشاهد.
وسنده موضوع.
 
خلاصة الحكم على الحديث:
 
جاء الحديث من مُسند العِرباض بن سَارِيَة، والحارث بن زياد، وعبد الرحمن بن أبي عَمِيرة، وابن عباس، ومَسْلَمة بن مُخَلَّد، وأبي هريرة، ومن مراسيل شُريح بن عُبيد، ويونُس بن مَيسرة بن حَلْبَس، وحَريز الرَّحَبي، والزهري، وعقبة بن رويم، ومجاهد.
وتبيّن أن جميع الطرق المرفوعة إما أنها ترجع لحديث العرباض (طريق الحارث بن زياد، وابن أبي عَميرة)، أو أنها لا تدخل في الاعتبار أصلا (حديث ابن عباس، وحديث أبي هريرة، وحديث مسلمة عَلَى الأقرب).
وتبيّن أن حديث معاوية مرفوعا سندُه مُقاربٌ بذاته، وثبّته أكثرُ مَن تكلَّم على الحديثِ مِنَ الحفّاظ فيما وَقَفْت.
وتبيّن أن مراسيل شُريح، ويونُس، وحَريز صحيحةٌ إلى أصحابها، فهي تشهد للمرفوع إن شاء الله، وبذلك تطمئن النفس لتقوية الحديث.
هذا ما انتهى إليه بحثي، والله تعالى أعلم بالصواب.

[22] انظر عنه نزهة الخواطر لعبد الحي الحسني (8/49) وكتاب البريلوية لإحسان إلهي ظهير.

[23] منهم أبونعيم في معرفة الصحابة (5/2496)، إذ قال: "أسلم قُبيل الفتح، وقيل: عام القضية".

[24] من حديث مُحَرِّش الكعبي الخزاعي رضي الله عنه، رواه أبوداود (1996) والترمذي (935) وقال: حسن غريب، والنسائي (5/199-200) والشافعي في الأم (2/134) والحميدي (863) وأحمد (3/426 و427 و4/69 و5/380) والدارمي (1868) وغيرهم، وسنده حسن كما قال ابن حجر (الإصابة 9/101)، وصححه ابن عبد البر (التمهيد 24/408) والألباني (صحيح سنن الترمذي 1/479 المعارف)

[25] وكذا لم يعزُه الحافظ في الإصابة (12/81) لغير هذا المصدر، وتفرده غريب، يؤيدُه قولُ الحافظ فيما يأتي: "فإن ثبت هذا.."، ولم أقف على الخبر في كتب الصحابة وغيرها، والله أعلم.

[26] وبذلك يُردُّ على من تمسّك أن معاوية رضي الله عنه من الطلقاء، واتكأ على ذلك -مدفوعا بالجهل والهوى- ليُشكّك في إسلام معاوية رضي الله عنه، ويَلمِزَه بالنفاق -عياذا بالله- صراحة أو كناية، مع أن معاوية ومئات الصحابة مثلَه؛ حتى لو كانوا من الطلقاء، فلا يطعن ذلك في دينهم لمجرد كونهم كذلك، ولا يؤثر في شرف صُحبتهم، إلا عند الضُلال أعداء السُنّة، انظر بحر الفوائد للكلاباذي (باب فضل قريش 1/301 رسالة جامعية) وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (4/454)

[27] قال ابن كثير: "يعني ينقُلُه، لا أنه كان يتعمدُ نقلَ ما ليس في صُحُفه". (تفسير سورة الكهف 83)، وقال ابن حجر: "وأولَه بعضُهم بأن مرادَه بالكذب عدمُ وقوع ما يُخبِرُ به أنه سيقع، لا أنه هو يكذب". (الإصابة 8/336)

[28] وأنقل شيئا من أحكام العلماء على الحديث بطوله، لأن بعض أهل الأهواء المعاصرين طعنوا في حديث الافتراق منه بجهل بالغ. فقال الحاكم: هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث. يُشير إلى هذا الإسناد وغيره، وأقره الذهبي في التلخيص، وصححه الشاطبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية في مسائله، وقال في اقتضاء الصراط المستقيم (1/118): "هذا حديث محفوظ من حديث صفوان بن عمرو عن الأزهر بن عبد الله الحرازي عن أبي عامر عبد الله بن لحي عن معاوية، رواه عنه غير واحد"، وجوّد إسنادَه العراقي في تخريج الإحياء، وحسّن إسنادَه ابن حجر في تخريج الكشاف. انظر لذلك الصحيحة (204)

[29] وهذا الحديث يُستدرك على كتاب الرِّحلة للخطيب البغدادي؛ ومُلحَقِ مُحقِّقه.
وقد ورد الخبر في مطبوعة حلية الأولياء (8/275) مشوشا.

[30] نبه على ذلك الذهبي في التذهيب (9/33)

[31] وهذا صحيح ثابت، رواه ابن أبي شيبة في مسنده (المطالب العالية 3/707 رقم 411 الشثري) وفي مصنفه (2/327) والطبراني (19/332 رقم 764) وابن عساكر (59/165-166) من طريق سليمان بن بلال عن جعفر به مرفوعا: "إذا صَلَّى الإمامُ جالساً فصَلُّوا جُلوساً". قال القاسم: فعَجِبَ الناسُ مِنْ صِدْقِ معاوية.
وقال الهيثمي في المجمع (2/67): رجاله رجال الصحيح. وقال البوصيري في الإتحاف (1/166/أ): رجاله ثقات. قلت: سنده جيد قوي.
وهذا الإعجاب للتصديق والموافقة، قال البيهقي (فيما رواه ابن عساكر): "فهذا جعفر بن محمد الصادق يرويه؛ ويُصَّدِّقُ القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق فيما يحكيه من تصديقِ الناسِ معاويةَ، والناسُ إذ ذاك: مَنْ بَقِيَ مِنَ الصحابة، ثم أكابر التابعين".
ومثله: رواية علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن مروان بن الحكم حديثا، وبوّب لذلك ابن أبي خيثمة في تاريخه (2/73)

[32] رواه وكيع في الزهد (231) والطيالسي (2/314 رقم 1058) وابن أبي شيبة (8/494) والإمام أحمد في المسند (4/93) وفي العلل (2/285 و3/450) والبخاري في التاريخ (7/328) وأبوداود (4129) وابن ماجة (3656) والخلال (2/440) والبيهقي (1/21) وابن عساكر (59/166) وغيرهم، من طريق أبي المعتمر يزيد بن طهمان، عن محمد بن سيرين أنه قال: وكان معاوية لا يُتّهم في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وسنده صحيح.
فائدة: قال الطيالسي رحمه الله بعد نقل كلام ابن سيرين: "وكان معاوية إذا حدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُتّهم"، فأعاده الطيالسي من قوله تصديقا لابن سيرين.
 
وثبت مثله عن ابن عباس:
فروى الإمام أحمد في المسند (4/95 و102) وفي العلل (2/285 و3/450) -ومن طريقه الخلال في السنة (2/439)- والبغوي في معجم الصحابة (5/378) والطبراني (19/310 رقم 697) والآجري (5/2460 رقم 1943) وابن عساكر (59/56) من طريق مروان بن شجاع، ثنا خصيف، عن مجاهد وعطاء، عن ابن عباس أنه قال: ما كان معاوية على رسول الله صلى الله عليه وسلم مُتّهما.
وإسناده حسن.

[33] قال خليفة بن خياط: ثم جمع عمر الشام كلّها لمعاوية، وأَقرّه عثمان. (التاريخ 155 و178)
نقله الذهبي وعلق عليه: حسبُك بمن يُؤَمِّرُه عمر، ثم عثمان على إقليم -وهو ثغر- فيضبطُه ويقومُ به أتمّ قيام. (السير 3/132)، وقال ابن تيمية: "ولا استَعملَ عمرُ قَط؛ بل ولا أبوبكر على المسلمين مُنافقا". (مجموع الفتاوى 35/65)

[34] رواه ابن أبي شيبة (12/50) وأحمد (2/345) وابن شبة (3/1105) والحاكم (3/99 و4/433) والبيهقي في الدلائل (6/293) وابن عساكر (39/267) وأبوالخير القزويني (كما في الرياض النضرة 3/37)، وسنده لا بأس به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال ابن كثير: إسناده جيد حسن، ثم ساق له شواهد (البداية والنهاية 10/374)، وصححه لغيره في موضع آخر (9/173)
وأبوحَبيبة هو مولى الزبير، وجَدُّ موسى بن عُقبة لأمِّه، وثَّقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه جمع من الثقات.

[35] رواه البغوي في معجم الصحابة (5/367) والطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (9/357) وفي مسند الشاميين (1/168-169) وابن بطة (كما في منهاج السنة 6/235) وأبونعيم في الحلية (8/275) من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن قيس بن الحارث، عن الصنابحي، عن أبي الدرداء.
وهذا سند صحيح، وقال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير قيس بن الحارث المذحجي، وهو ثقة.

[36] رواه أبوداود (4888) وأبويعلى (13/382) وابن حبان (13/72) والطبراني في الكبير (19/311 و379 رقم 702 و890) وفي مسند الشاميين (1/272) وأبونعيم في الحلية (6/118) والبيهقي في السنن (8/333) وفي شعب الإيمان (13/137 رقم 7051 و17/151 رقم 9212) وابن عبد البر في التمهيد (18/23) وغيرهم.
قال الإمام الألباني في ظِلال الجنة (2/510): "سنده صحيح"، وهو كما قال، وللمرفوع طرق أخرى.

[37] رواه معمر في الجامع (20717) -ومن طريقه ابن أبي الدنيا وابن أبي عاصم (1/378 مختصرا) والبغوي في المعجم (5/370) وابن عساكر (59/161)- عن الزهري به.
ورواه الخطيب (1/208) -ومن طريقه ابن عساكر- من طريق شعيب بن أبي حمزة عن الزهري به.
ورواه ابن سعد (1/123 السلومي) من طريق صالح بن كيسان عن الزهري به.
ورواه عبد الملك بن حبيب في التاريخ (365 مدريد) من طريق عقيل بن خالد عن الزهري به.
وهذا سند صحيح، وقال الدارقطني في العلل (7/53): إنه محفوظ، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (10/149 مع الإصابة): وهذا الخبر من أصح ما يُروى من حديث ابن شهاب، رواه عنه معمر وأصحابه، وقال ابن تيمية في منهاج السنة (4/385): إن الحكاية معروفة عن المسور بن مخرمة.
قلت: وله طرق أخرى عند البلاذري في الأنساب (4/44 و56 بتحقيق العظم)

[38] وانظر الطحاوي (2/126) يخرَّج وهو في مسند الفاروق قاصر.

[39] وقال الشافعي إن معاوية رضي الله عنه له فقه وعلم. (الأم 4/87)، وعندما عدّ ابنُ حزم ترتيب المكثرين من الفتيا في الإسلام؛ جعل معاويةَ أحَدَ العشرين التالينَ للسبعة المُكثِرين من الصحابة. (تدريب الراوي 2/219 وقارن بالإحكام لابن حزم 2/86)

[40] فظهر بهذه الروايات النكارةُ البالغة للرواية المخالفة التي أوردها الطحاوي (1/289)، وقد تفرد بتلك اللفظة الموضوعة عبد الوهاب بن عطاء، وله مناكير، فلعل اللفظة أُدْخِلَتْ عليه من الرافضة، لأنها بهم أشبه، كما قال الإمام الشعبي رحمه الله.

[41] انظر حلم معاوية لابن أبي الدنيا (11) والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (1/379) والسنة للخلال (2/441-444) ومعجم البغوي (5/369) والطبقات لأبي عروبة الحراني (ص41) ومكارم الأخلاق للخرائطي (1/570) والمعجم الكبير (12/296) والأوسط للطبراني (7/31) وابن عدي (6/110) واللالكائي (8/1443) وابن عساكر (59/173) والسير (3/152) وغيرها.
قال ابن تيمية في منهاج السنة (4/444): "قولُه في مدح معاوية معروفٌ ثابتٌ عنه.." (فذَكرَه)، ونقله الذهبي في المنتقى من المنهاج (ص258)

[42] فهو من الأدلة التي تُكذِّب الحديث الموضوع: "إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه"! ويأتي كلام العلماء عليه.

[43] ونقل السخاوي عن شيخه ابن حجر قوله: "وقد كان تعظيم الصحابة -ولو كان اجتماعهم به صلى الله عليه وسلم قليلا- مُقرَّرا عند الخلفاء الراشدين وغيرهم.. [ثم ساق الخبر، وما زال الكلام لابن حجر:] فتوقف عمر عن معاتبته -فضلا عن معاقبته- لكونه عَلِمَ أنه لقيَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك أكبر شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أن شأن الصحبة لا يعدله شيء، كما ثبت في حديث أبي سعيد الماضي".

[44] قلت: سأل الترمذيُّ شيخَه البخاري: يقولونَ لم يسمع الأعمشُ من مجاهد إلا أربعة أحاديث؟ قال: ريحٌ، ليس بشيء، لقد عددتُ له أحاديث كثيرة نحوا من ثلاثين -أو أقل أو أكثر- يقول فيها: حدثنا مجاهد. (علل الترمذي الكبير بترتيب أبي طالب القاضي ص388)
قلت: وروى العقيلي (1/165) وابن أبي خيثمة في تاريخه (2/206) عن الأعمش قال: كنا نأتي مجاهدا، فنمر بأبي صالح ولا نأخذ عنه.
واحتج برواية الأعمش عن مجاهد الشيخان، وابن الجارود، وابن حبان، والحاكم، والضياء في المختارة.
نعم، تكلم بعض الحفاظ في سماع الأعمش وروايته عن مجاهد، فيُحمل ذلك على ما أُنْكِرَ عليه، ولا شك أن الخطب في الآثار أهون من السنن، والله أعلم بالصواب.

[45] وهو شيعي، بل يعدُّه الرافضة من خواص أصحاب إمامهم جعفر بن محمد رحمه الله، ويوثقونه. (المعجم للخوئي 8/294)

[46] قلت: وابن بسطام ثقة، روى عنه تلميذه ابن حبان في صحيحه أحاديث، وأخذ عنه جماعةٌ من الحفاظ، وانظر ترجمته في الكتاب النافع "زوائد رجال صحيح ابن حبان على الكتب الستة" ليحيى بن عبد الله الشهري (2/818 رقم 183)، ويضاف لمصادره: التصحيفات للعسكري (1/268 و2/574) ومعجم الطبراني الأوسط (4/15 الحرمين) ومعجم شيوخ الإسماعيلي (2/619) والحلية لأبي نعيم (5/337) والرسالة المغنية في السكوت (10)

[47] طُبعت مؤخرا رسالة جامعية من إعداد إبراهيم بن يوسف الأقصم، بعنوان: الدولة الأموية في كتابات المسعودي، خلص فيها أن المسعودي يمثل وجهة نظر الخصم الشيعي في كتابة العهد الأموي، وأنه لم يكن حياديا ولا موضوعيا ولا منصفا، وأنه وقع في تناقضات عديدة، وأورد خرافات وموضوعات.

[48] ربما يستغرب القارئ مِن وجود ذي عقلٍ يَستشهدُ بهذا الصنف الأخير، ولكني رأيتُ بنفسي أحدَ أكذب وأوقح دُعاة الرفض -وهو المدعو محمد التِّيجاني السَّمَاوي- يَستدلُّ مِراراً وأمام الملأ بمسلسلات وتمثيليات مصرية، ويقول إنها حجة على أهل السُنَّة!! وإذا لم تستحِ فاصنعْ ما شئت.

[49] مثل ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه".
وهذا حديثٌ كذّبَه وأنكرَه سائرُ العلماء، منهم: أيوب السختياني (الكامل لابن عدي 5/101 وغيرُه)، والإمام أحمد (علل الخلال 138)، وأبوبكر بن أبي شيبة، ووأبوزرعة الرازي (الضعفاء 2/427)، وابن حبان في المجروحين (1/157 و250 و2/172)، وابن عدي (2/146 و209 و5/101 و200 و314 و7/83)، والذهبي في الميزان، وابن كثير في تاريخه (11/434)، وغيرهم من الحفاظ.
وقال الإمام البخاري بعد أن أعل أشهر طرقه: إن هذه الأحاديث ".. ليس لها أصول، ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم خبرٌ على هذا النحو في أحدٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، إنما يقولُه أهلُ الضَّعف". (التاريخ الأوسط 1/256)
وقال العقيلي (1/259): "ولا يصح من هذه المتون عن النبي عليه السلام شيءٌ من وجه يثبت".
وقال الجورقاني في الأباطيل (1/200): "هذا حديث موضوع باطل لا أصل له في الأحاديث، وليس هذا إلا من فعل المبتدعة الوضاعين؛ خذلهم الله في الدارَين، ومن اعتقد هذا وأمثالَه؛ أو خطر بباله أن هذا جرَى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهو زنديقٌ خارجٌ من الدين".
وقال ابن تيمية في المنهاج (4/380): "وهو عند أهل المعرفة بالحديث كذبٌ موضوعٌ مُختلَقٌ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم".
وأطنب في تخريجه الحافظان ابن عساكر (59/155-158) وابن الجوزي في الموضوعات (2/24) وقالا إنه لا يصح من جميع طرقه، وقال الألباني: موضوع. (الضعيفة 4930)
 
مثال آخر: ذكر الخلال في العلل (رقم 134): "قال مُهنّا: سألتُ أحمد [يعني ابن حنبل] عن حديث الأعمش، عن أبي وائل، أن معاوية لعب بالأصنام! فقال: ما أغلَطَ أهلَ الكوفة على أصحاب رسول الله [صلى الله عليه وسلم]. ولم يُصَحِّح الحديث، وقال: تَكَلَّمَ به رجلٌ من الشيعة".
قلت: يعني وَضَعه، على أن الأعمش مدلس، ولم يصرّح بالسماع، وأهل العلم يُعِلُّون بمثل هذا، ولا سيما عند النكارة.
ونظيره -إن لم يكن أصله- ما تفرد بذكره ابن جرير في تهذيب الآثار (ص241 مسند علي) من طريق الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: كنت مع مسروق بالسلسلة، فمرت سفينة فيها أصنام ذهب وفضة، بعث بها معاوية إلى الهند تُباع!
قلت: وهذا ليس أحسن حالا من سابقه، وتفرُّدُ ابن جرير بهذا السياق بهذا السند منكر جدا، وأخشى أن يكون مدسوسا، فلم أقف عليه بتمامه في مكان آخر رغم التوسع، بل لم يورده الرافضة في كتبهم!
وقد يكون دخل عليه سياق في سياق، فروى ابن أبي شيبة (7/34) عن أبي معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، أنه مر عليه وهو بالسلسلة بتماثيل من صُفْر تُباع.
ليس فيه ذكر لمعاوية.
وروى بحشل الواسطي في تاريخه (37) من طريق حماد بن أبي أسامة، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: كنت مع مسروق بسلسلة واسط، فمرت سفن فيها هدايا إلى معاوية.
فهذا عكس السابق، وليس فيه ذكر للأصنام.
وعلى فرض ثبوته لأبي وائل؛ فلا يُدرى مَن الذي أخبر مسروقا ماذا بالسفينة، ولمن هي، وإلى أين تتجه؟ والظن أنه من بقايا المجوس والوثنيين، فلا يصدَّق على معاوية رضي الله عنه! ولا يَبعد أن
يكون المُخْبِر يقصد الافتراء على معاوية وإدخال التشنيع عليه، ومعلوم حال حديث جملة أهل الكوفة.
ولا سيما أن مسروقا كان لا يفتش أحدا على السلسلة، ويقول لمن مر به: إن كان لنا معك شيء فأعطناه. كما عند ابن أبي شيبة (3/196) وبحشل (37)
ثم.. ألم يجد معاوية سواحل يُرسل منها الأصنام إلا عبر مسافات داخل العراق؟!
والحاصل أن الخبر كذب على معاوية بلا شك.
وقال الواقدي: سبى عبد الله بن قيس بن مَخْلد الدِزَقي صقلية، فأصاب أصنام ذهب وفضة مكللة بالجواهر، فبعث بها إلى معاوية، فوجّه بها معاوية إلى البصرة لتُحمَل إلى الهند فتُباع هناك ليُثَمَّن بها. (فتوح البلدان للبلاذري ص278 وينظر الفتوح للواقدي)
الواقدي متروك، ولم يذكر له سندا، إلا أن في خبره دفعٌ للمعنى الذي يشتهيه القوم، وأن ذلك لو صح اجتهاد من معاوية لإصابة الأفضل لبيت مال المسلمين.
وانظر أمثالَه في علل الخلال بعدَه، وقد قال الحافظ ابن عساكر في تاريخه (1/365): "كان بين أهل الشام وأهل الكوفة إحن".
 
مثال آخر: وضع ابن المُطَهِّر الرافضي (منهاج الكرامة ص64) حديثا وهو: "يطلع عليكم رجل يموت على غير سنَّتي"، فطلع معاوية، وقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا، فأخذ معاوية بيد ابنه يزيد وخرج، ولم يسمع الخطبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن الله القائد والمقود، أيُّ يومٍ يكون للأمة مع معاوية ذي الإساءة"!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رده عليه (منهاج السنة 4/444): "هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث التي يُرجع إليها في معرفة الحديث، ولا له إسناد معروف".
ومما يدل على أن واضِعَ الحديث رافضيٌ على غير السُنَّة والعقل: أن يَزيد وُلد سنة سبع وعشرين في خلافة عثمان! ومعاوية لم يتزوج إلا في خلافة عمر، رضي الله عن الجميع!
 
مثال آخر: زعم بعضهم أن معاوية أوعز للأشعث بن قيس إلى ابنته (وكانت تحت الحسن بن علي رضي الله عنهما) أن تضع السم لزوجها، وأنه مات بسبب ذلك!
وهذا باطل، فالأشعث توفي قبل الحسن بنحو عشر سنين، ثم إن بقاء الحسن كان فيه مصلحة لمعاوية، بخلاف أهل الفتنة من شيعة الكوفة، وتجد ذلك في الكلام على مسألة حُجر بن عدي، وقال ابن العربي عن الخبر إنه محال (العواصم 214)، وقال ابن تيمية: إن تسميم معاوية للحسن لم يثبت ببينةٍ شرعية، أو إقرارٍ معتبر، ولا نَقْلٍ يُجزَم به. (منهاج السنة 4/469)، وقال الذهبي: هذا شيء لم يصح، فمن الذي اطلع عليه؟ (تاريخ الإسلام حوادث سنة 41-60 ص40)، وقال ابن كثير: ليس بصحيح. (البداية والنهاية)، وجعله ابن خلدون مما وضعه الشيعة. (التاريخ 2/1139 وانظر: مواقف المعارضة في خلافة يزيد بن معاوية للأستاذ محمد بن عبد الهادي الشيباني ص120-125 وعنه الأخ الشيخ سليمان الخَراشي في كتابه: اتهامات لا تثبت ص165-174)
واعلم أنه لا يصح خبرٌ في موت الحسن بالسم، وكل ما روي في ذلك ضعيف جدا أو شديد الإعضال والانقطاع، أما ما وقع في مطبوعة معجم الطبراني الكبير (3/71 رقم 2694) من طريق يحيى بن بكير، عن شعبة، عن أبي بكر بن حفص: "أن سعدا والحسن بن علي رضي الله عنهم ماتا في زمن معاوية، فيرون أنه سَمَّه".
فزيادة "فيرون أنه سَمَّه" نبّه محقق المعجم أنها لم ترد إلا في (هامش!) نسخة واحدة، وخلت منها النسختان الأخريان، ثم قد رواه أبونعيم في معرفة الصحابة (2/658) وابن عساكر (13/299 و304 و20/370) وغيرهما من طرق عن ابن بكير بدون هذه الزيادة، فثبت أنها مقحمة لا أصل لها، وكان من الواجب عدم إثباتها في صلب الكتاب، فيتنبه لذلك.
وهذا شاهد على محاولات التحريف والدس من الرافضة في الكتب! علما بأن لبعض المتشيعة هوامش سخيفة على بعض نسخ المعجم الكبير، انظر مثلا (6/221 رقم 6063) منه.
 
مثال آخر: قال الطبراني في المعجم الكبير (7/289 رقم 7161) ومسند الشاميين (3/230 رقم 2147): حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، ثنا سعيد بن عفير، ثنا سعيد بن عبد الرحمن من ولد شداد بن أوس، عن أبيه، عن يعلى بن شداد بن أوس، عن أبيه، أنه دخلَ على معاويةَ وهو جالسٌ؛ وعمرو بن العاص على فراشه، فجلس شداد بينهما، وقال: هل تدريان ما يُجلسني بينكما؟ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا رأيتُموهُما جميعاً فَفَرِّقوا بينهما، فوالله ما اجتمعا إلا على غَدْرَة". فأَحْبَبْتُ أن أُفَرِّقَ بَينكُما!
قلت: هذا حديث موضوع، ورواه ابن عساكر (46/149) من طريق الطبراني، وقال: "سعيد بن عبد الرحمن وأبوه مجهولان، وسعيد بن كثير بن عفير وإن كان روى عنه البخاري فقد ضعَّفَه غيرُه". وأقره ابن حجر في اللسان (3/36)، وذكر الهيثمي في المجمع (7/248) أن فيه عبد الرحمن بن يعلى، ولم يعرفه.
 
ومثال أخير: حديث "اللهم أركسهما في الفتنة ركسا"، قال الحافظ محمد بن طاهر المقدسي: هو حديث رواه يزيد بن أبي زياد عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبي برزة الأسلمي، ويزيد هذا من أهل الكوفةكان الكَذّبة يلقنونه على وَفْق اعتقادهم فيتلقنها، ويحدّث بها ضعفة أئمة أهل النقل، وقد رُوي هذا الحديث عن طريق آخر نُسب فيه معاوية هذا، وأنه ابن التابوت.. ثم ختم بقوله: ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر أحدا من الصحابة إلا بخير. (كتاب السماع ص86)

[50] ولإعطاء مثال واقعي أوردُ كلام شيخي بالإجازة العلامة محمد بن الأمين بوخبزة الحَسَني الإدريسي حفظه الله، فقد أرسل إليّ ترجمتَه بخطه، وفيها صِلَتُه بشيخه الذي تتلمذ عليه وأصهر إليه: أحمد الصديق الغُماري عفا الله عنه، صاحب رسالة (فتح الملك العلي) المعتمدة عند الرافضة، وعنده تشيّع شديد فيما يتعلق ببعض الصحابة رضي الله عنهم جميعا (انظر كلام شيخنا سعد الحميّد في مختصر استدراك الذهبي على الحاكم 3/1407-1409)، ولعله لم يكن ممن فيه تشيعٌ أوسع اطلاعا منه في الحديث منذ قرون، فيقول الشيخ بوخبزة عنه: "..كما ندمتُ بالغ الندم، وتُبْتُ إلى الله منه لما طوّح بي إليه الشيخُ من التشيع المَقيت والرَّفْضِ المُرْدي، فتورَّطْتُ في الحَمْلة على كثيرٍ من الصحابة ولعْنِ بعضهم، كمعاوية، وأبيه، وعمرو بن العاص، وسَمُرة، وابن الزُّبَير، وغيرهم، متأثرا بما كنتُ أسمعُه مِرارا وأقرؤه من أحاديث؛ مما عمِلَتْ أيدي الروافض؛ كان الشيخ يُمليها علينا مبتهجا، مصرحا أنها أصح من الصحيح! فكنا نثقُ به ونطمئن إلى أحكامِه، ويحكمُ على كلِّ ما يُخالفُها من الأحاديث بأنها من وضع النَّواصِب!
ومن الطريف في هذا الباب أنه كان يُبغض الشامَ وأهلَه، ويَصِفُهم بالشؤم على الإسلام وأهلِه! ويُبطلُ ما ورد في فضله من أحاديثَ صحيحة! وظل كذلك إلى أن فرّ من المغرب إلى مِصر، ثم زار الشام، فأكرمَه أهلُها، وأقام له صُوفيَّتُها المآدب، فكتَبَ إلى أخيه السيد حسن يقول بأنه رجع عن اعتقاده في الشام وأهله، وأن ما ورد في ذلك صحيح"!!
قلت: وممن ذكر تراجع أحمد الغماري أحد أكبر تلامذته، وهو مجيزنا الشيخ عبد الله التليدي وفقه الله، كما في حاشية الأجوبة الصارفة للغماري (ص64)، وانظر مدى إعجاب الغماري بزيارته الشام في رسائله المسماة: دَرّ الغَمام الرقيق (ص190)، فتأمَّلْ هذه الأحكام على الأحاديث، وقِس على أمثالها!

[51] من مقدمته القيّمة للمجلد الرابع من التاريخ الإسلامي (ص46)، وانظر أيضا: الوثائق السياسية والإدارية العائدة للعهد الأموي، تأليف محمد ماهر حمادة (ص20)، وكتاب معاوية لمنير الغضبان (5)، ومقدمة الشيخ خالد الغيث لمرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري، وغيرها.

[52] وقد قال الإمام أحمد: يُروى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يمن على أهل دينه في رأس كل مائة سنة برجل من أهل بيتي يبين لهم أمر دينهم"، وإني نظرن في سنة مائة، فإذا رجل من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمر بن عبد العزيز.. (حلية الأولياء 9/97-98)
فجعل عمر - وهو من بني أمية - من آل النبي صلى الله عليه وسلم، ومعاوية أقرب منه نسبا، فضلا عن الصهر.

[53] انظر للاستزادة: ثقات ابن حبان (2/306) والمنتظم لابن الجوزي (5/71) والروضتين لأبي شامة (1/285) وبغية الطلب لابن العديم (2/829) ومجموع فتاوى ابن تيمية (4/516 و27/113 و128 و491 و493) وسير أعلام النبلاء (3/162 و4/73) والبداية والنهاية (11/459 -التركي) وطبقات الشافعية الكبرى (5/353) والنجوم الزاهرة (3/47) ومآثر الإنافة (1/122) والدارس (1/613) والإشارات إلى أماكن الزيارات لابن الحوراني (ص46) ومجلة المجمع العلمي بدمشق (15/466 و19/282 و565 و20/283 و22/282) ومشيدات دمشق ذات الأضرحة (ص209) ودار الحديث النورية لأبي الفَرَج الخطيب باعتناء وتتميم ابنه محمد مجير (203 و206 و207) ومنه استفدت الصور.

[54] انظر المقدمة الزَّهْرا للذهبي (ص98-103)

[55] قال الشافعي: "أفقهُهم وأعلمُهم في زمانه؛ وأعلمُهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابنُ شهاب الزهري". (الأم 7/321)

[56] رواه ابن أبي شيبة (15/303) عن عمر بن أيوب الموصلي، عن جعفر بن بُرقان، عن يزيد بن الأصم، عن علي، وسنده صحيح، وله طريقان آخران عن جعفر بنحوه عند الطبراني (19/307) وابن عساكر (59/139)

[57] علّق الكلاباذي قائلا: "هذا إلى كثير من الأخبار التي تدل على أن منازعتَهم الخلافة ومجاذبتَهم الولاية لم يؤدِّ بهم إلى التباغض، فدلَّ قولُه صلى الله عليه وسلم (لا تباغضوا) أي: لا تختلفوا في النِّحَل والآراء، ولا تَباينوا في المذاهب والأهواء فتَباغَضوا لها، لأن البدعة في الدين والضلالَ عن الصراط المستقيم يوجبُ البُغضَ فيه وتركَ المُوالاةِ فيه".

[58] ورواه الرافضة في كتبهم! كما في تهذيب الأحكام للطوسي (6/337) ووسائل الشيعة للعاملي (17/214) وغيرهما.

[59] ورواه ابن الفرضي في الألقاب (2/242 منتخبه) بسنده إلى أبي ميسرة.

[60] ذكره في التابعين: يحيى بن معين، والبخاري، وأبوحاتم، وخليفة بن خياط، وابن سعد في موضع، وابن حِبّان، والدارقطني، وغيرهم، وقال أبوأحمد العسكري: أكثر أهل الحديث لا يصححون له صحبة. وقال ابن الجوزي: لم يثبت له صُحبة. انظر تاريخ دمشق (12/210) والبداية والنهاية (11/228) والإصابة (2/217) والإنابة لمغلطاي (1/155)

[61] وكانت سياسة المغيرة رضي الله عنه مع أهل الكوفة العفو والمسامحة، كما قال جرير البجلي رضي الله عنه لأهل الكوفة يوم مات المغيرة: استعفوا لأميركم، فإنه كان يحب العفو. (البخاري رقم 58)، ومع ذلك فقد رسمت له روايات الشيعة والضعفاء صورة قاتمة!

[62] انظر: مسائل أحمد برواية ابنه صالح (751 الوطن) والبلاذري (4/242 و247 و261 و271) وتاريخ دمشق (12/214 و220 و224) ومرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري (403-440) وقد استفدتُ منه كثيرا.

[63] مثل حديث: "سيُقتل بعذراء أُناسُ يغضب الله لهم وأهلُ السماء"! وهذا باطل.
ومن القصص الباطلة: أن معاوية عزل المغيرةَ بن شُعبة بسبب حُجر عن الكوفة، وولى زيادا، والصحيح أن المعيرة بقي واليا حتى مات، ولم يُعزل.
وكذا أن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: هل صلوا على حُجر ودفنوه في قيوده؟ قالوا: نعم. قال: حَجَّهم والله. مع أن الحسن توفي قبل الحادثة بالاتفاق!
وأن حُجرا قد عُرض عليه البراءةُ من عليٍّ ولعنُه! وهذا من رواية أبي مخنف، ولا يُحتج به.
وأن معاوية قال لما حضرته الوفاة: إن يومي بك يا حُجر بن علي يومٌ طويل! وهذا ضعيف السند.
وأن الحسن البصري كان يذم معاوية بسبب حُجر، وهو بسند شديد الضعف.
وغير ذلك، وإن التاريخ لَيَئنُّ من اختلاقات الشيعة، وتزويرهم للحقائق.
وانظر للفائدة: سلسلة الأحاديث الضعيفة (6324)

[64] وعُبيد الله ذكره ابن حبان وابن خلفون في الثقات، وروى عنه سفيان بن عيينة، ومروان بن معاوية الفزاري، وعبد الواحد بن زياد، وإسماعيل بن زكريا، وعبدة بن سليمان، وأخرج له مسلم في صحيحه، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وأبوعوانة، وأبونعيم في مستخرجيهما، فمثله لا ينزل حديثه عن مرتبة الاحتجاج. (تهذيب الكمال 19/65 وإكمال مغلطاي 9/30)

[65] لم أنقل عنه احتجاجا به، ولكنه يروي بسنده من طريق كتب معروفة، ويستفيد منها الباحث.

[66] قلت: الراوي عن أبي أسامة عن مجالد ترجمتُه عزيزة، وهو أبوبكر يوسف بن محمد بن سابق، وثَّقه ابن حبان (9/282)، وروى عنه جمع، منهم الحافظان أبوحاتم الرازي والبزار، وذكر البيهقي في السنن (6/121) أنه يوسف بن محمد العصفري شيخ البخاري، والله أعلم بصحة هذا، والرجل لا بأس به إن شاء الله.

[67] يعني المُسْكِر، وهذا استطرادٌ من معاوية لا تعلق له بما قبله ولا بعده، وقال المعلق على المسند (38/26 الرسالة): "ولعله قال ذلك لِما رأى من الكَراهة والإنكار في وجه بُريدة، لظنِّه أنه شرابٌ محرم، والله أعلم".
قلت: هذا تجويزٌ من قائله، ولم يَرِدْ في شيء من مصادر الخبر نَقْلُ كراهية بريدة أو إنكاره، فضلا عن ردِّه وامتناعه عما ناوله معاوية، ولو كان بُريدة رضي الله عنه يظن ذلك لما جلس هذا المجلس، ولَنَقَلَ ابنُه استفهامَه على أقل تقدير، ثم إن مما يتبادر للذهن أن الشراب هو اللبن، بدليل أن معاوية في سنّه هذه لا يُفَضِّلُ عليه غيره؛ كما في آخر الخبر، والله تعالى أعلم.
إلا أن آخر ما يمكن أن يُفهم هو أن معاوية شَرِبَ الخمر!! كيف وهو ينص في الخبر ذاته على أنه لم يشربها قط! وأنَّه عَلِمَ النَّهْيَ عنه مِنَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وروى عنه حديثَ جلد الشارب ثلاثا، ثم قتله في الرابعة، ومن شدَّته في مسألة المسكر أنه أمر بقتل السكران إذا قَتَل، مع أن بعضهم لا يوقعه.
والشاهدُ الذي أوردتُ الخبر لأجله: الجُملةُ الأخيرة من كلام معاوية، وبيانُ إكرام معاوية لإخوانه الصحابة، ووفادتهم عليه، رضي الله عنهم أجمعين، كما قصدتُ دفع الإيهام الذي قد يثيره بعضُ أهل الهوى؛ ممن تنقلب الفضائل في مخيلتهم إلى مثالب! وأطلتُ قليلا في هذا لأني رأيت بعضَ مُحْدَثي الرافضة النَّوْكى يحْرِفُ معنى الخَبَر، ويُحَمِّلُه ما لا يحتمل، مما هو ومشايخه أولى به.

[68] وقيل سنة ثمان وعشرين، وصححه ابن حجر (الفتح 11/76)، ونقل أقوالا أخرى، وانظر الأموال لأبي عبيد (406).

[69] قلت: وهذه صورة متكررة من أخلاق المسلمين، وأخلاق أعدائهم، والله غالبٌ على أمره، وانظر في وفاء معاوية عهوده مع الروم المصدر السابق (448) وهو في مصادر كثيرة.

[70] انظر التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر (4/100-109)

[71] وعبد الأعلى كنيته أبوعبد الرحمن: ذكره ابن حبان في الثقات (7/129) وفي مشاهير علماء الأمصار (1477) وروى عنه جعفر بن برقان، والأوزاعي، وعمرو بن الحارث، وعلي بن مجاهد، ومحمد بن الحسن الأسدي، وكان على خاتم مروان بن محمد، توفي قبل سنة 147 ترجمته في تاريخ دمشق (33/445)

[72] وقد كان بشر رحمه الله -وهو من سادات الزهاد والعُبّاد المتمسكين بالسُنَّة- يقول: أَوْثقُ عَملي في نفسي حُبُّ أصحابِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
رواه أبونعيم في حلية الأولياء (8/338) بسند صحيح.
وروى الدينوري في المجالسة (5/412 رقم 2288) وابن عساكر () وابن قدامة في المتحابين في الله (9) عن بشر بن الحارث أن الفضيل بن عياض قال: بلغني أن الله تبترك وتعالى قد حجز التوبة عن كل صاحب بدعة، وشرُّ أهل البدع المُبغضون لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال بشر: ثم التفت إليَّ فقال لي: اجعل أوثق عملك عند الله حبَّك أصحابَ نبيِّه، فإنك لو قَدِمْتَ الموقف بمثل قراب الأرض ذنوبا غفرها الله لك، ولو جئت الموقف وفي قلبك مقياس ذرة بُغضاً لهم لما نفعك مع ذلك عمل.
وروى الدينوري (6/397 رقم 2816) ومن طريقه ابن عساكر (10/194) عن بشر بن الحارث قوله: نظرتُ في هذا الأمر، فوجدتُ لجميع الناس توبة إلا من تناول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الله عز وجل حجز عنهم التوبة.
وروى ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل (1/69) أن سفيان بن سعيد الثوري أُصيب بأخ له يُسَمَّى عمر، وكان مُقَدَّماً، فلما سَوَّوْا عليه قبره قال: رحمك الله يا أخي، إنْ كُنْتَ لَسَليم الصَّدْرِ للسَّلَف..
وسنده صحيح أيضا.

[73] أما ما ذكره الإمام الألباني (الصحيحة 4/335) أن النسائي أخرج في الخصائص حديث الموالاة من طريق عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، عن سعد، فهذا ذهول منه رحمه الله، فإنما أخرج بهذه الطريق حديث راية خيبر.
وكذا وهم الألباني في تصحيحه إسناد ابن ماجه، وسبقه في ذلك ابن كثير، حيث قال عن إسناد الحسن بن عرفة: "إسناده حسن، ولم يخرِّجوه"، فقد أخرجه ابن ماجه، وحال الإسناد كما بيَّنتُ، ولعلهما مشيا على ظاهر ثقة رجال الإسناد.


 [*1]انظر الأموال لأبي عبيد (629) ومسند أحمد (3/442 وقال فيه ابن كثير لا بأس بسنده) والحلية (9/155) ومنهاج السنة (4/429)

 [*2]انظر جزء الأوهام التي وقعت في الصحيحين وموطأ مالك لابن حزم (مع شرح رسالة ابن أبي زيد للقاضي عبد الوهاب ص14) والإحكام لابن حزم (2/6/25)

 [*3]حديث هذا ومن معه على الهدى: مسند أحمد (4/236 رقم 18067 بسند صحيح)

 [*4]رواه البخاري في التاريخ (3/477) وابن سعد (1/117 السلومي) وابن أبي شيبة (1/245 و276 و6/187 الرشد) وابن المنذر في الأوسط (2/354) وأبوالفرج الأصبهاني في مقاتل الطالبيين (69 أحمد صقر) وابن عساكر (21/100 و59/150)

العنوان: أبحاث من مسودة كتاب من فضائل وأخبار معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه .. العداد: 2 الحجم: 440.00KB
عدد مرات القراءة:
135
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :