آخر تحديث للموقع :

الثلاثاء 16 صفر 1441هـ الموافق:15 أكتوبر 2019م 10:10:56 بتوقيت مكة
   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

حوار هادئ - مع الدكتور القزويني الشيعي الإثني عشري ..
الكاتب : أ.د. أحمد بن سعد حمدان الغامدي
أ.د. أحمد بن سعد حمدان الغامدي
الأستاذ بالدراسات العليا
قسم العقيدة - بجامعة أم القرى
 


المملكة العربية السعودية
مكة المكرمة -العزيزية
ص. ب: (7998)
جوال: (0553544535)
تلفاكس: (5591294/02)
Email: asghamdi@uqu.edu.sa
 
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
المقدمـة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وبعد:
ففي شهر رمضان المبارك من عام (1423هـ) زارني في منزلي الدكتور أبو مهدي محمد الحسيني القزويني «أستاذ في إحدى جامعات إيران -بل يدرس في ثمان جامعات كما أخبرني بعد ذلك-» راغباً في إجراء حوار بيني وبينه في القضايا الخلافية بين أهل السنَّة والشيعة الإمامية، فأبديت موافقتي، وافتتحت اللقاء بكلمة بين يدي الحوار، لا أذكرها بتفاصيلها الآن؛ لأنَّني لم أكن أظن أنَّ الاتصال سيستمر بيني وبينه، وأنا أسجل هذا الكلام بعد مرور سنتين تقريباً من اللقاء.
وملخص الكلمة التي ذكرتها بين يدي الحوار ما يلي:
ذكرت أنَّ الله عز وجل يبعث الرسل ليقيم بهم الحجة على الخلق، كما قال تعالى: ((رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)) [النساء:165]، ثمَّ ختمهم بنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فهو آخر الرسل، ولم يعد بعده رسول يأتي ليصحح للناس أو يجدد لهم؛ ما عدا عيسى عليه السلام؛ فإنه سيأتي في آخر الزمان متبعاً لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولهذا فلا بد أن يهيئ الله عز وجل لهذا النبي الكريم من أسباب النجاح وإقامة الحجة، ما يقطع به عذر الناس إلى قيام الساعة.
ولا يتم ذلك إلَّا إذا توافرت عدة أمور، منها:
أولاً: أن يكون كتابه الذي ينزله عليه شاملاً لكل حاجات الناس الدينية.
ثانياً: أن يحفظه من كل نقص أو زيادة حتَّى تقوم به الحجة.
ثالثاً: أن يهيئ رجالاً يحفظون هذا الدين ويبلغونه للناس.
فهل تحققت هذه الأمور في دعوته أم لا؟
عند السنة: تحققت.
وعند الشيعة الإمامية: لم تتحقق.
فأهل السنَّة يقولون: إنَّ الله عز وجل قد أنزل كتاباً كافياً، عاصماً للأمَّة، يكفيها في معرفة دينها، ولا تحتاج معه إلى غيره، فإنَّ الله تعالى قد بيَّن ذلك وأكده في غير ما آية.
قال تعالى: ((إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)) [الإسراء:9].
وقال تعالى: ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ)) [محمد:24].
وقال تعالى: ((فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ)) [ق:45].
وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)) [النساء:59].
والقرآن قد تعهد الله عز وجل بحفظه، فلا يزاد فيه ولا ينقص منه.
ثمَّ إنَّ الله عز وجل قد هيَّأ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أشراف الناس وخيارهم، فآمنوا به، ونصروه، ثمَّ حملوا الراية من بعده جهاداً ودعوةً وتعليماً، وها هو الدين يغطي قرابة ربع المعمورة، ولا زال غضاً طرياً يهتدي به كل من أراد الحق.
هذا معتقد أهل السنة.
أمَّا الشيعة الإمامية: فإنَّها تزعم أنَّ القرآن غير كافٍ، فلا بد من (إمام) يبينه للناس، وأنَّ هذا الإمام لم يُمكَّن، أي: إمام مع إيقاف التنفيذ!
وغالبية علماء الشيعة الإمامية القدماء يزعمون أنَّ القرآن ناقص، فانتهت الثقة به؛ لأنَّا لا ندري ما نقص منه، وإذا قَبل النقص قَبل الزيادة.
وكل الشيعة الإمامية تزعم أنَّ الصحابة الذين يقدر عدد من وردت أسماؤهم في الكتب بعشرة آلاف -كلهم قد ارتدوا وخانوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، إلَّا أربعة أشخاص.
وبهذا فقد حكموا على هذا الدين بالفشل منذ اللحظة الأولى:
- فشل القرآن في التأثير.
- وفشل الرسول في التربية.
هذا معنى ما افتتحت به اللقاء، ثمَّ جرى حوار لا أذكر بقية تفاصيله.
لكن الأستاذ أبا مهدي كان مؤدباً أثناء الحوار، ويترضَّى عن الصحابة، ويدعي أنَّه لا يسبهم.. ونحو ذلك من الكلام.
ثمَّ جرى حديث عن تصحيح الأحاديث، وهل إذا صحح أحد علماء السنة حديثاً يُقبل؟
فقلت: إنَّ علماء الحديث من أهل السنَّة قد وضعوا ضوابط لقبول الحديث أو رده، فإذا توافرت في الحديث قُبل، وإذا اختلفت تلك الضوابط حكم على الحديث على ضوئها.
فإذا خالف أحد العلماء هذه الضوابط فصحح حديثاً، رُدَّ إلى تلك الضوابط، ولهذا نرى العالم يصحح حديثاً ويرد عليه عالم آخر، منبهاً إلى اختلال شروط الصحة في ذلك الحديث.
وقد يوثق العالم راوياً، ويطلع عالم آخر على نقص شروط التوثيق فيه، فيرد على العالم الذي وثقه.
فأهل السنَّة أهل منهج يحكم لهم وعليهم([1]).
وتفرع الحديث في أمور أخرى...
وانتهى اللقاء، ثمَّ أرسل إليَّ قبل مغادرته مكة المكرمة برسالة مكونة من صفحتين، يستفسر فيها عن بعض الأحاديث ومسائل أخرى.
وقد أجبته إجابات مختصرة ركزت فيها على الجانب العقلي؛ لأنَّ أقوال أهل السنَّة غير مقنعة عندهم.
وبعد سنة وثلاثة أشهر تقريباً وصلتني رسالة هاتفية خطية - فاكس أرفقت صورتها مع البحث - يشير فيها إلى أنَّه قد عكف على إجاباتي المختصرة قرابة (خمسمائة ساعة) لمراجعة ما يتعلق بها من كتب الشيعة وكتب السنَّة، ثمَّ كتب بحثاً في اثنين وخمسين صفحة، يرد فيه على رسالتي تلك.
وقد وصلني هذا البحث في منتصف شهر ربيع الآخر من عام (1425هـ)، وعندما وقفت عليه وجدته بحثاً غريباً: غريباً في منهجه.. غريباً في نتائجه.. غريباً في أدلته.. غريباً في مفاهيمه..
فرأيت أنَّه يلزمني عرض هذا البحث، وإظهار ما تضمنه من تلك الغرائب، مع نقدها وكشف خطئها.
فاستقطعت جزءاً من وقتي، وكتبت هذا البحث، والذي استغرق قرابة الشهرين، كان كتابة جله في مكة المكرمة، ثمَّ أكملته خارجها.
وأعتذر عن عدم ترتيب البحث بالصورة الجيدة؛ وذلك لأنَّه لم يسبق تخطيط وإعداد، وإنَّما كان رداً على بحث اشتمل على مسائل متنوعة وقد تتطلب ضرورة البحث أحياناً إلى التكرار أو الإحالة ونحو ذلك، إضافة إلى رغبتي في أن يعود الجواب إلى الأستاذ أبي مهدي في أقرب وقت مع المعتمرين قبل شهر رمضان.
وقد أوردت كلام الأستاذ أبي مهدي مفرقاً في أكثر من مائة وستين فقرة، أعقب على كل فقرة بما يتيسر من الجواب.
وقد أرفقت الرسائل التي جرت بيني وبينه بالبحث، وجعلتها بين يديه لتكون مدخلاً إلى البحث.
كل ذلك رغبةً في أن يحقق هذا البحث إيقاظاً له ولكل شيعي؛ وتنبيهاً إلى خطورة عقائدهم وهشاشة قواعدهم، لاستدراك أنفسهم قبل الرحيل، وسميته: «حوار هادئ.. مع الدكتور القزويني الشيعي الاثني عشري».
 
هذا وأسأل الله عز وجل أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه،
ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين...
 
 
كتبة/
أ.د/ أحمد بن سعد حمدان الغامدي
مكة المكرمة
أ.د: أحمد بن سعد حمدان الغامدي
مكة المكرمة

 
الأسئلة الأولى التي سألها أبو مهدي
من خلال مذكرته التي أرسلها إليّ

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الأخ الفاضل المحقق الأستاذ سماحة الدكتور: أحمد سعد حمدان                            سلامٌ عليكم
أقدم شكري الوافر إلى سماحتكم، كما أقدم ثنائي العاطر مما شاهدت من أخلاقكم الحسنة وإكرامكم الجميل.
ولقد استفدت من جنابكم كثيراً، وأرجو أن يستمر هذا اللقاء ولا يكون آخر العهد من زيارتكم.
وفي الختام أقدم إلى سماحتكم بعض الأسئلة، راجياً أن أزور (قلت: لعلها أزود) منكم أجوبة مستدلة تقنع النفس بها.
ماذا تقول سماحة الأستاذ فيما رواه البخاري وغيره: بأن عدة من الأصحاب يدخلون النار يوم القيامة، ويقول رسول الله: (يا رب! أصحابي أصحابي! فيقال: ما تدري ما أحدثوا بعدك، فإنّهم ارتدّوا بعدك على أعقابهم).
هل مضمون هذه الروايات لم تكن مخالفة لوثاقة الأصحاب؟
ماذا تقول ما ورد من سب بعض الأصحاب بعضاً آخر؟ هل يوجب الفسق في الساب أم لا؟
أو الاجتهاد والخطأ والوصول إلى أجر واحد يختص بالأصحاب، أو يعمّ غيرهم من الفقهاء وأصحاب الفتيا؟
ماذا تقول فيما جرى على بعض الأصحاب أو شرك في قتله؟ هل يحكم فيهم بأنّهم اجتهدوا وأخطئوا ولهم أجر واحد أم لا؟
ورد في الروايات المتعددة بأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (فاطمة بضعة منّي، من آذاها فقد آذاني)، وورد أيضاً بأنّ فاطمة هجرت أو غضبت على أبي بكر، ولم تكلمه حتى ماتت.
وكما صرحتم في كلامكم بأنّ فاطمة ماتت وهي غضبان على أبي بكر؟
هذا لا ينافي قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ...)) [الأحزاب:57]؟
وورد في الروايات الكثيرة بأنّ النبي قال عند موته: (ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً. ومنعه عمر وقال: إنّ النبي قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، بحيث أذي رسول الله وقال: قوموا عنيّ).
هل يكون عمر أعلم من النبي بمصالح الأمة؟ وهل لا يعلم رسول الله بأنّ الكتاب يكفي للناس؟ وهل هذا لم يكن منافياً لقوله تعالى: ((وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)) [النجم:3-4]؟
وسمعت من سماحتكم بأنّ قوله تعالى: ((وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ)) [النور:26] يدل على أنّ عائشة زوجة كانت طيبة لكون النبي من الطيبين.
ماذا يقول سماحة الأستاذ في توجيه هذه الآية وما في قوله تعالى: ((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)) [التحريم:10
هل نوح النبي لم يكن طيباً وكذلك لوط؟
وقد أشرتم في مطاوي كلامكم: بأنّي أعتقد أنّ تسعون بالمائة ما في الكافي عن الصادق كذب.
وكيف يمكن الوفق بين كلامكم هذا مع ما قال الذهبي: فلو ردّ حديث هؤلاء (الرواة الشيعة) لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بيّنة. ميزان الاعتدال: (1/56)، سير أعلام النبلاء: (1/59)، تهذيب الكمال: (2).
نشكركم لو كنت أزور كلامكم هذا مستدلاً بأدلة قاطعة قانعة.
 
أبو مهدي محمد الحسيني القزويني
 (هذه عبارته بنصها).

 
الإجابة على أسئلة الأستاذ أبي مهدي
 
بسم الله الرحمن الرحيم
* الجواب عن حديث البخاري في رد الأصحاب وذودهم عن الحوض:
يحتاج الجواب على ذلك إلى توطئة وهي بيان فضلهم..
* توطئة في ذكر فضائل الصحابة من القرآن والسنة:
قد ثبت بالأدلة القاطعة من القرآن الكريم والسنَّة النبوية فضل الأصحاب وتزكيتهم، من رب العالمين، ومن نبيه سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ذلك ما يلي:
أ‌)    من القرآن الكريم:
1-                  قال تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100].
أثنى الله عز وجل على جميع المهاجرين وجميع الأنصار بدون قيد؛ لأنَّ (أل) للعموم فيما دخلت عليه، وجميع الذين اتبعوهم بإحسان، فالمتبعون قيدهم بالإحسان، وهذا أصل، فلا يخرج أحد من المهاجرين والأنصار إلَّا بدليل قطعي، والآية في غاية الوضوح. (كنت أستحضر في ذهني الصحابة الذين هم أساس المجتمع المسلم الأول الذين وصفهم الله عز وجل بـ«السابقين»).
ثمَّ أثنى الله عز وجل على الذين اتبعوهم بإحسان، والذين اتبعوهم هم أهل السنَّة وليسوا الشيعة؛ لأنَّ الشيعة ما بين مكفر لهم وذام لهم، أعني الشيعة الإمامية المتأخرين بدون استثناء، (أي من أطلق عليهم فيما بعد: الرافضة).
2-                   وقال تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29].
ذكر عز وجل أنَّه رباهم ورعاهم كما يرعى النبتة التي تخرج من الأرض، حتَّى نضجت واكتملت، وأنَّ ذلك سيكون سبباً لغيظ الكفار، فمن كرههم أو غاظهم لحقه الوعيد.
3-                   وقال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)) [الأنفال:72] إلى أن قال تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ)) [الأنفال:73-74].
حكم عز وجل للمهاجرين الذين جاهدوا في سبيله ولإخوانهم الأنصار بأنَّهم مؤمنون حقاً، ووعدهم مغفرة ورزقاً كريماً.
أليس هذا ثناءً من الله عز وجل على المهاجرين والأنصار، وتأكيداً لإيمانهم بما لا يدع مجالاً للشك فيهم؟ فمن شك فيهم فقد كذب الله عز وجل، ولعل الله سبحانه وتعالى عالم الغيب أراد أن يرد على كل من سيأتي بعد فيطعن فيهم.
4-        وقال تعالى: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [الحديد:10].
هذه الآية الكريمة تمدح الذين آمنوا من قبل الفتح، وأنفقوا في سبيل الله، وقاتلوا لإعلاء كلمة الله عز وجل، وأنَّ من لحقهم بعد ذلك لا يدرك فضلهم، وهذه شهادة عظيمة من الله عز وجل.
5-                  وقال تعالى: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) [الحشر:8-9].
أرأيت هذا التقسيم العجيب لطوائف المؤمنين: مهاجرون.. أنصار.. متبعون يحبونهم ويدعون لهم ولا يكرهونهم.
أين مكان الإمامية هنا؟ وأين مكان أهل السنَّة؟
هذه بعض الآيات التي تثني على جيل الصحابة الذين جاهدوا لرفع راية الإسلام، وما تراه في العالم الإسلامي من خير فهو بسببهم.
ثمَّ جاءت أجيال أهل السنَّة لتكمل المسيرة، فنقلت الدين، وفتحت الأرض، وعلمت الناس دينهم!!
فأين الأرض التي فتحها أهل التشيع؟!
إنَّ معتقد أهل التشيع يلزم منه أنَّ الدين لم يطبق؛ لأنَّ الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم خانوه ولم ينفذوا أمره، وجاء أئمة أهل التشيع بعد عليّ رضي الله عنه ولم يتمكنوا من إبلاغ الدين؛ لأنَّهم لم يُمكَّنوا.
إذن: الدين الحق لم يظهر! وإنَّما عملت به الشيعة في الخفاء، وهذا يخالف القرآن الكريم.
قال الله تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) [النور:55].
ألم يتحقق هذا الوعد، فاستخلف الله عز وجل الأمَّة الإسلامية، ومكَّن لهم الدين، وأمن الناس في عهود الحكومات الإسلامية؟!
ب‌)  ومن السنَّة:
1-                   عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تسبوا أصحابي؛ فلو أنَّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) [البخاري (ح:3673) ومسلم (ح:2541)].
وهذا قاله صلى الله عليه وآله وسلم لخالد عندما سبّ عبد الرحمن بن عوف، وعبد الرحمن من السابقين، وخالد ممَّن أسلم بعد.
2-                   وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (خير الناس قرني ثمَّ الذين يلونهم ثمَّ الذين يلونهم..) [البخاري (ح:2652) ومسلم: (ح:2533)].
وفضائل الصحابة بأسمائهم في الصحيحين وغيرهما كثير، فراجعها إن شئت.
وأنت تعلم أنَّ المحققين من أهل السنَّة يتثبتون في الرواية، ويدققون في الرواة، خاصة البخاري ومسلماً، فلا يوردون إلَّا ما صح عندهم.
* الرد على الشبهة الواردة:
بعد هذه المقدمة ننظر في الرواية التي وردت في الحديث السابق:
هذا الحديث رواه جماعة من الصحابة، منهم عبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وأنس، وأسماء بنت أبي بكر، وكلها في صحيح البخاري.
وله ألفاظ:
-                        ففي رواية عبد الله بن عباس: (إنَّه سيجاء برجال من أمتي..).
-                        وفي رواية لأبي هريرة: (ألا ليذادن رجال عن حوضي..).
وهنا عدة وقفات:
أولاً: هذه الروايات رواها الصحابة أنفسهم رضي الله عنهم، وذلك من أمانتهم وصدق إيمانهم، ولو كانوا قد ارتدوا ما رووها.
ثانياً: المعنى: إمَّا أنَّه يُراد به الصحابة أنفسهم جميعهم، وهذا مردود بالآيات السابقة والأحاديث الصحيحة في فضلهم جميعاً، وفي فضائل أفرادهم.
وإمَّا أن يُراد به بعضهم (أي الصحابة) وهذا يحتاج إلى دليل قطعي، وهو غير موجود.
وإمَّا أن يُراد به بعض أفراد الأمَّة، وسماهم (أصحابه) لأنَّ كل أمَّته أصحابه؛ لمشاركتهم في دينه وفي الجنَّة، أي: يصاحبونه فيها، فعندما يقدم هؤلاء على حوضه وعليهم علامة المسلمين (آثار الوضوء)، ويمنعون عن الحوض، يقول: أصحابي.. وفي بعضها لا يقول: أصحابي، وإنَّما يقول: (ألا هلم)، وفي بعضها بالتصغير: (أصيحابي)، والذي يظهر أنَّ هذا هو المراد، وهو الذي نعتقده.
* الجواب عن حديث: (إنما فاطمة بضعة مني...):
حديث فاطمة: (إنَّما فاطمة بضعة منِّي، يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها).
سبب هذا الحديث -كما هو معروف- أنَّ عليّاً رضي الله عنه أراد أن يتزوج ابنة أبي جهل.
وهنا وقفات:
1-                   أنَّ عليّاً رضي الله عنه هو الذي ورد فيه الحديث، فهل فعله هذا كان كفراً؟! حاشاه رضي الله عنه! وإنَّما أراد أمراً مباحاً في الشرع، وهو التعدد في الزواج، ولم يكن يعلم أنَّ لابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خصوصية خاصة، فخطب عليها.
وفعله هذا بين أمور ثلاثة:
‌أ)                        أن يكون كفراً، وهذا لم يقل به أحد، ولم يَردْ أنَّه أسلم من جديد.
‌ب)                   وإمَّا أن يكون معصية فتاب منها، فقبلت توبته، فمحيت معصيته.
‌ج)                     أو يكون اجتهاداً خاطئاً مغفوراً له.
2-                   هذا الفعل من علي رضي الله عنه يدل على أنَّه غير معصوم.
3-                   أنَّ أبا بكر رضي الله عنه لم يفعل فعلاً مباحاً له أن يفعله وأن لا يفعله، وإنَّما فعل فعلاً واجباً روى فيه حديثاً عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وهو لشدة حبه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخوفه من ربه، ما كان ليعصيه وقد سمعه يقول: (لا نورث ما تركناه صدقة).
4-        هذا الحديث رواه أبو بكر وعمر بن الخطاب، وقد أشهد عليه عمر من حضره من الصحابة، منهم: عثمان، وعلي، والعباس، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، فأقروا به كما في الصحيحين، أخرجه البخاري في الفرائض، باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا نورث، وفي الجهاد والمغازي، ورواه مسلم في الجهاد، باب حكم الفيء.
وقد سلمها عمر -أي: أموال بني النضير التي كانت ممَّا أفاء الله عز وجل بها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - لعليّ والعباس ليلياها فاختلفا.
5-                   أنَّ عليّاً رضي الله عنه بعد أن تولى الخلافة، لم يغير شيئاً ممَّا كان في عهد الشيخين، فلم يقسم ميراثاً، ولم يعطِ الحسن والحسين رضي الله عنهما شيئاً منه، ممَّا يدل على أنَّه قد تحقق عنده قول أبي بكر رضي الله عنه.
6-        فاطمة رضي الله عنها طالبت رضي الله عنها بميراثها، ظنّاً منها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُورث كما يُورث بقية الناس، فلمَّا أُخبرت بالحديث.. فلا نظن بها رضي الله عنها أنَّها استمرت على مطالبتها؛ لأنَّها ما كانت لتخالف أباها عليه الصلاة والسلام، ولو خالفت لكان اتباع أمر -أبيها وهو المُشرِّع- أولى من اتباع قولها.
7-                   هب أنَّ أبا بكر اجتهد فأخطأ -وهذا فرض ممتنع لوجود النص- فليس أقل من فعل عليّ رضي الله عنه، وما أجبتم به عن عليّ رضي الله عنه كان الجواب به عن أبي بكر رضي الله عنه.
* الجواب عن آية (الطيبات للطيبين) والجمع بينها وبين خيانة امرأتي نوح ولوط:
قال الله تعالى: ((الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [النور:26].
وهنا عدة وقفات منها:
1-                   الآية نزلت لتبرئة عائشة رضي الله عنها ممَّا رميت به، وأخبر تعالى أنَّ الخبيثات للخبيثين و... إلخ؛ ليدل على أنَّه عز وجل ما كان ليدع امرأة خبيثة -وحاشاها من ذلك- زوجة لأطيب الطيبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
والمراد هنا بالخبث الزنا، أمَّا زوجتا نوح ولوط رضي الله عنه فقد كانتا كافرتين، والزواج من الكافرة في شريعتهم جائز، أمَّا في شريعتنا فلا يجوز إلَّا من الكتابية المحصنة (أي: غير الزانية).
وأمَّا الزواج من الزانية فلا يجوز في شريعتنا ولو كانت مسلمة؛ لما يؤدي إليه من مفاسد واختلاط الأنساب ونحو ذلك، كما قال تعالى: ((وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)) [النور:3].
فالفرق إذن واضح.
2-                   الآية برأت عائشة رضي الله عنها ووعدتها بمغفرة ورزق كريم، فدل هذا على أنَّها تموت على الإيمان؛ لأنَّ حكم الله عز وجل لا يتغير.
* الجواب عما صح من أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب كتاباً في مرض موته ثم لم يكتبه:
وذلك قد جاء من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه عدة أمور، ومنها:
1-                   إرادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتب كتاباً لئلا يختلف الصحابة رضي الله عنهم، ولم يذكر القضية التي أراد صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتبها، ولو كانت أمراً واجباً من واجبات الدين لما ترك كتابتها للغطهم؛ بل يخرجهم ويستدعي من يكتب؛ خاصة وقد عاش بعد ذلك أربعة أيام؛ لأنَّ هذا كان يوم الخميس، كما في لفظ آخر للبخاري: (يوم الخميس وما يوم الخميس) (ح:4431) وقد توفي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الإثنين.
2-                   أنَّ الموجودين اختلفوا، وليس هذا خاصاً بعمر رضي الله عنه.
3-        أنَّ عمر رضي الله عنه قد شهد له النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (إنَّه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون، وإنَّه إن كان في أمتي هذه منهم، فإنَّه عمر بن الخطاب)([2]).
وقوله: (والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجّاً إلَّا سلك فجّاً غير فجِّك)([3]).
وروى البخاري ومسلم في فضائله ستة عشر حديثاً، منها: عن محمد ابن الحنفية رضي الله عنه قال: (قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: أبو بكر، قلت: ثمَّ من؟ قال: ثمَّ عمر. وخشيت أن يقول: عثمان، قلت: ثمَّ أنت. قال: ما أنا إلَّا رجل من المسلمين)([4]).
وروى ابن عباس رضي الله عنهما قال: (وُضِع عمر على سريره، فتكنفه الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم يرعني إلَّا رجل آخذ منكبي، فإذا عليّ بن أبي طالب، فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحداً أحب إليَّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت أنِّي كثيراً أسمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر)([5]).
هذه بعض شهادات الصحابة من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن غيرهم.
4-                   أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأخذ أحياناً بقول عمر، وينزل القرآن بموافقته رضي الله عنه، كما في اتخاذ مقام إبراهيم مصلى، والحجاب وغيرهما؛ فلعله هنا مال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى قوله رضي الله عنه، ولعل عمر رضي الله عنه قال ذلك لما رأى ما به من الوجع، فكان رأفة به صلى الله عليه وآله وسلم، أو نحو ذلك، ولا يتصور أنَّه أراد إيذاءه صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ممَّن شهد له القرآن؛ لأنَّه من المهاجرين ومن السابقين الأولين. وفضائله في السنَّة كما تقدم.
هذه هي أهم ما سألت عنه.
وأمَّا البقية فهي قضايا اجتهادية.

 
نظرات في اتجاهات أهل السنَّة والشيعة ومناهجهم
 
إنَّ المتأمل للعقيدتين يستنتج ما يلي:
1-                   أنَّ أهل السنَّة يُفهم من عقيدتهم أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث إلى الناس عامة، وأنَّه يجب أن يَنقل أتباعه سنته إلى من بعدهم.
والشيعة يفهم من عقيدتهم أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث إلى عليّ رضي الله عنه، وأنَّ الله عز وجل قد أبدى وأعاد في الوصية لعليّ، وأنَّ الأمر بالإبلاغ معناه إبلاغ الوصية، فلا يجوز أخذ العلم إلَّا منه رضي الله عنه، إذن: كل الدين المبلغ من غيره ليس ديناً.
2-                   أنَّ أهل السنَّة يفهم من عقيدتهم أنَّ فهم الدين ممكن لكل إنسان، وأنَّ بإمكان الإنسان أن يكون عالماً ويتحمل الأداء.
وأمَّا الشيعة فتشترط وجود معصوم يُرجع إليه، وهذا يعني أنَّه لا بد أن يكون في كل بقعة معصوم ليرجع إليه؛ إذ كيف يستطيع من بالمشرق أو بالمغرب أن يعمل فيما يَجدُ من مسائل؟!
فإذا جاز له الاجتهاد -أي: البعيد عن الإمام- بدون إمام، فما الحاجة للمعصوم؟!
3-                   أنَّ أهل السنَّة يعظمون الصحابة الذين هم نقلة الدين والمجاهدون في سبيله، الذين فتحوا الأرض شرقاً وغرباً، وحفظوا القرآن والسنَّة وبلغوها للعالم.
وأمَّا أهل التشيع فهم يطعنون في الصحابة ويتلمسون أخطاءهم، ويتجاهلون فضلهم وبلاءهم، ويخصصون عمومات القرآن ويقيدونها بناءً على ما رسخ في أذهانهم من معتقدات.
4-                   يظهر من معتقدات أهل السنَّة أنَّ الدين قد ظهر وعمل به الناس وفتحت عليه البلدان.
وأمَّا أهل التشيع فإنَّ الدين عندهم لم يظهر ولم يعمل به.
5-                   أنًَّ أهل السنَّة يفهم من معتقدهم أنَّهم يُجلّون عليّاً رضي الله عنه، ويعتقدون أنَّه كان شجاعاً في ذات الله عز وجل، ولا يمكن أن يكون وصياً ويسكت طيلة حياته بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي قرابة خمس وعشرين سنة.
ولو تكلم في شيء من ذلك لرواه رواة أهل السنَّة، كما رأينا طرفاً من رواياتهم، فهم يروون كل ما رأوه أو سمعوه. وقد تَرِدُ روايات لكنَّها لا تصح، ونحن لا ننكر أنَّ كتب أهل السنَّة قد وردت فيها روايات؛ ربَّما لأنَّ الرواية -كما هو معروف- قد تعرضت لكثير من الكذب.
وأمَّا أهل التشيع فإنَّهم زعموا أنَّهم يجلون علياً رضي الله عنه، وزعموا أنَّه لم يُظهِر أنَّه وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خوفاً على نفسه، وهذا من أقبح التصورات، وإن كانوا قد أوردوا أخباراً لا يخفى عدم صحتها على المحققين.
6-                   أنَّ أهل السنَّة يعتقدون أنَّ الإمامة أمر اصطلاحي شوري، للأمَّة أن تختار من تراه أهلاً لذلك؛ ليحكمها بالقرآن والسنَّة، ولا حرج في الاختلاف في مجالات الفهم.
وأمَّا أهل التشيع فإنَّه يفهم من عقيدتهم أنَّه يجب على الله أن ينصب إماماً، وأنَّ هذا الإمام هو عليّ رضي الله عنه؛ مع أنَّه لم يرد في القرآن ولا في السنَّة أي لفظ في ذكر الإمامة أو الوصاية، وإنَّما هي عمومات قابلة للتأويل على أوجه.
وقضية الإمامة قضية كبيرة، فلو كانت مطلباً دينياً محدداً لنزلت آيات بلفظها، ولجاءت أحاديث بلفظها، سواء عمل الناس بها أو لم يعملوا، ثمَّ لأبقى الله عز وجل نسل الأئمة إلى قيام الساعة.
فإنَّ الله عز وجل قد صرَّح بأقل من ذلك في قضية زيد وزوجته، وتردد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مصارحة زيد بذلك.
فأي القضيتين أهم يا ترى؟!
7-                   والذي عمله الشيعة بعد انقطاع النسل هو الذي عمله أهل السنَّة بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مع أنَّ أهل التشيع حاولوا المغالطة فبقوا مدة بدون تجمع، ثمَّ ابتدعوا (ولاية الفقيه)، ألا قالوا بها بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنهوا معاناتهم إلى اليوم؟!!
8-  يعترف أهل السنَّة بأنَّه قد حدث كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بعض الرواة من بعد الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنَّ الصحابة كلهم عدول، ولم يجرب عليهم تعمد الكذب، وعدم اعتقاد عدالتهم هدم للدين.
وأمَّا أهل التشيع فلا يرون ذلك؛ بل يصفون كثيراً من الصحابة بالكذب، وهذا يشكك في الدين كله، إذ لا دين حق يمكن أن نتعبد الله به من رواة كفرة كذابين.
وهذا هو الذي شكّك في مقاصد الشيعة؛ إذ موقفهم من الصحابة يهدم الدين كله، ويطعن في رب العالمين عز وجل، وفي نبيه سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم.
9-  يعترف أهل السنَّة بأنَّ أحاديث كثيرة وآثاراً كثيرة قد ظهر لهم بطلانها، أدخلها قوم أرادوا هدم الدين، أو جهلة لينصروا الدين، وقد كشفها أهل العلم.
وإذا كان قد وضع في كتب السنَّة ألف حديث مثلاً، فقد وضع في كتب التشيع اثنا عشر ألفاً؛ لأنَّ أكثر الوضع على المعصوم عند أهل السنَّة، ولا معصوم إلَّا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمَّا أهل التشيع فعندهم اثنا عشر معصوماً. فكم يا ترى سيكون عدد الموضوعات؟! والمطلع على كتب الطائفتين يتضح له صدق ذلك.
10-             أنَّ أهل السنَّة يفهم من عقيدتهم أنَّهم لا يقولون بعصمة أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا حتى أبي بكر وعمر! وإن كانوا يرون أنَّ اجتهادهم إذا لم يخالف نصاً فإنَّه مقبول.
وأمَّا أهل التشيع فإنَّهم يقولون بعصمة أئمتهم، وإذا رأوا أحدهم يخالف قواعد معتقدهم زعموا أنَّ ذلك (تقية).. يا لها من جراءة!!
والحسن يتخلى عن الإمامة وهو معصوم، ويتخلى عن ركن من أركان الإيمان حفاظاً على حياته كما زعموا!!!
أيليق بإنسان من بيت النبوة يعتقد أنَّه وصي من الله عز وجل -وهي مرتبة نبوية لو صحت- أن يتنازل عنها حفاظاً على حياته، ونحن نرى التاريخ مملوءاً بمن ثبت على دينه حتَّى قتل في سبيل الله وهم ليسوا بأنبياء ولا بأوصياء معصومين!!
فهذا الخميني ثبت على عقيدته وأوذي وأخرج، ثمَّ رجع منتصراً، إذن: الخميني خير من وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، معاذ الله!!
11-             منهج أهل السنَّة في قبول الروايات منهج حازم، فإنَّهم قد دونوا تراجم جميع الرواة وحكموا عليهم من خلال مروياتهم، فما قبله ميزان الجرح والتعديل قبلوه، وما خالفه ردوه، وهذه قاعدة من خالفها أعادوه إليها.
ولا يوجد لدى أهل التشيع مثل ذلك.
وبإمكانك أن تأخذ عدداً من أول أي كتاب من كتب التراجم لدى أهل السنَّة، وعدداً مماثلاً من كتب التراجم عند الشيعة، وتقارن بين المعلومات المدونة عندهما..
وأنت (محدث) وابحث (متجرداً).
وفيما يلي مقارنة:
أ‌)                        تهذيب الكمال عند أهل السنة:
أحمد بن إبراهيم الموصلي.. كنيته.. بلده.
أسماء شيوخه: أورد أكثر من عشرين راوياً.
أسماء تلاميذه كذلك.
ثمَّ درجته.
وهكذا كل راوٍ تقريباً إلَّا النادر.
ب‌)   أمَّا في كتاب مجمع الرجال عند الشيعة:
أول راوٍ فيه:
آدم بن إسحاق بن آدم، له كتاب أخبرنا به عدة من أصحابنا.
عن..........
فلا شيوخ ولا تلاميذ ولا درجة.
والثاني: (آدم بن إسحاق) كذلك، وفيه أنَّه ثقة، ولم يذكر شيوخه.
وفي الحقيقة من يطلع على المنهجين بعين الإنصاف يرى البون شاسعاً.
 
والله الموفق...

 
نصوص من كتب الخميني([6]) تطعن في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
 
1-                   (لو كانت مسألة الإمامة قد تم تثبيتها في القرآن، فإنَّ أولئك الذين لا يعنون بالإسلام والقرآن إلَّا لأغراض الدنيا والرئاسة، كانوا يتخذون من القرآن وسيلة لتنفيذ أغراضهم المشبوهة، ويحذفون تلك الآيات من صفحاته، ويسقطون القرآن من أنظار العالمين إلى الأبد...)([7]).
2-   (وواضح أنَّ النبي لو كان بلغ بأمر الإمامة طبقاً لما أمر به الله، وبذل المساعي في هذا المجال، لما نشبت في البلدان الإسلامية كل هذه الاختلافات..)([8]).
3-   (لقد جاء الأنبياء جميعاً من أجل إرساء قواعد العدالة في العالم؛ لكنَّهم لم ينجحوا حتَّى النبي محمد خاتم الأنبياء، الذي جاء لإصلاح البشرية وتنفيذ العدالة وتربية البشر، لم ينجح في ذلك)([9]).
4-  (إنَّ النبي أحجم عن التطرق إلى الإمامة في القرآن؛ لخشيته أن يُصاب القرآن من بعده بالتحريف، أو أن تشتد الخلافات بين المسلمين، فيؤثر ذلك على الإسلام)([10]).
أرأيت يا أستاذ محمد كيف تنتهي العقيدة الشيعية!!!
اتهام الصحابة بإخفاء آيات... وهل يستطيع بشر أن يخفي شيئاً من كتاب تعهد الخالق عز وجل بحفظه، أليس هذا طعناً في الخالق؟!
ثمَّ أرأيت أنَّه انتقل من اتهام الصحابة إلى اتهام سيد البشر صلى الله عليه وآله وسلم، بأنَّه لم يبلغ كما أمره ربه!! وهل يبقى بعد هذا إيمان برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذي يزعم الخميني أنَّه لم ينفذ أمر خالقه؟!
ثمَّ أرأيت الحكم (برسوب) محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجميع الأنبياء في ميزان الخميني؟!
هذه ثمرات العقائد الباطلة التي يحدد أصحابها مقصداً معيناً، ثم يحاكمون الخالق عز وجل والرسول صلى الله عليه وآله وسلم إليه.
ولو تتبعت كلام الخميني لما وجدته يعظم الله عز وجل، فهو يذكره سبحانه بدون تعظيم (الله) في أكثر صفحات كشف الأسرار.
ولا يعظم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم (محمداً) كما هو مبين في هذه النصوص إلَّا نادراً.
اللهم إنِّي أستغفرك يا رب من هذه النصوص، وأعتذر إلى رسولك صلى الله عليه وآله وسلم سيد البشر وخليل الرحمن من نقل هذه النصوص، وأعتذر إلى سادات المؤمنين الخلفاء الراشدين من كتابة هذه النصوص.
 
والله الهادي إلى سواء السبيل،،،
 
 نهاية الإجابة الأولى..

                                         
رسالة هاتفية (فاكس) قبل وصول رده على إجابتي السابقة
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
حضرة الأخ المفضال سماحة الدكتور: أحمد سعد حمدان الغامدي                        وفقه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بعد الحمد لله والدعاء لكم بالخير في مساعيكم، ونشاطاتكم الهادفة إلى تشخيص الحق والصواب، فإنّي أشكركم على ما لقيته منكم من حفاوة وتكريم خلال اجتماعاتنا ومحادثاتنا، ولا أكتمكم تأثري بأخلاقكم الكريمة، وتجاوبكم في بياناتكم ورسالتكم؛ ممّا حملني على التحدث عنها لطلابي في الجامعة، ولطلاب العلوم الدينية في الحوزة العلمية، ولا شكّ أنّ التسامح واللين في المراجعات والمذاكرات تئول في النهاية إلى تضييق شقّة الخلاف في كثير من المسائل المطروحة للبحث.
وقد أوجبت رسالتكم الكريمة أن أسبر في الجوامع الروائية والرجالية والفقهية من الفريقين زهاء خمسمائة ساعة، زائداً على مطالعتي طيلة عشرين سنة في كتب الفريقين، وقمت بتقرير ومناقشة بعض ما أرسلتم إليّ وتوضيح جملة من المسائل المشتبهة، وأردت إرسالها إلى جنابكم، واتصلت حولها بكم وبالأخ الفاضل (جابر) كثيراً، ولكن من المؤسف أنّي لم أظفر بسماع صوتكم، فالرجاء من جنابكم لو وصلت هذه الرسالة إليكم، إعلامنا رقم هاتفكم أو الجوال الذي يسمعني كلامكم، وإرسال عنوانكم البريدي وفي موقع إنترنت وإيميل، بحيث يمكنني استمرار العلاقة بكم، والالتقاء معكم، والاستفادة من جنابكم.
فإنّي أعلن مع الفخر والسرور: أنّ مراجعاتنا في المسائل الدينية إلى الجوامع الروائية والرجالية والفقهية من مؤلفات علماء الفريقين، ستكسبنا معرفة مدارك الحق ومرضاة الله أكثر من ذي قبل، وفوائدها تتضاعف يوماً بعد يوم.
أخوك في الله/ أبو مهدي القزويني
 

 
الرد على الرسالة السابقة
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
سعادة الدكتور/ أبو المهدي الحسيني القزويني السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد تسلمت مذكرتكم التي تعقبتم فيها إجابتي على أسئلتكم التي بعثتها إليكم قبل سنة ونصف تقريباً.
وقد وصلتني مذكرتكم في منتصف شهر ربيع الثاني لعام (1425هـ) تقريباً، ولمَّا اطلعت عليها عجبت من كثرة استدلالاتكم بالأحاديث الضعيفة والموضوعة على أمر هو من أخطر الأمور، وهو أمر الاعتقاد، وأنتم متخصصون في «الحديث ورجاله» حسبما فهمت منكم عند الالتقاء بكم.
كما أذهلني موقفكم من الصحابة رضي الله عنهم، وعدم التفريق بين (الصحابي) و(المنافق)، ممَّا كان وسيكون له أسوأ الأثر على دين الأمة، ويفتح الباب لهدم الإسلام -كما سترون بيانه بمشيئة الله تعالى ضمن المبحث المرفق-.
ولحرصي الشديد على علاقتي بكم، وكشف ما خفي عليكم من خطورة مذهبكم؛ فقد اقتطعت جزءاً كبيراً من وقتي -من منتصف ربيع الثاني إلى منتصف جمادى الآخرة تقريباً من هذا العام (1425هـ)- للإجابة على ما أوردتموه من تساؤلات، والتنبيه على ما في بحثكم من تجاوزات، وخاصة على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبيان ما ينتج عن معتقد الشيعة الإمامية من إلغاء للعقيدة وإبطال للدين.. والله الهادي إلى سواء السبيل.
حرر في: 18/6/1425هـ.
محب الخير لكم/
أ.د/ أحمد بن سعد حمدان الغامدي
الأستاذ بجامعة أم القرى - الدراسات العليا

 
شكر وتنبيه
أولاً: أشكرالإخوة الذين قاموا بإعداد البحث للطباعة ومراجعته ووضع العناوين الجانبية لموضوعاته.
ثانياً: قد أجريت بعض التعديلات عند الطباعة زيادة وحذفاً وتحريراً.
 
أسأل الله عز وجل أن ينفع به إنه سميع مجيب.
 
الباحث

 
بداية الرد على المذكرة
 
1) ذكرتم في البداية اعتذاركم عن تأخر الإجابة، وإشارتكم بأنَّني أرغب في تحليل ما كتبت لكم، ثمَّ عنونتم بعنوان: (الإنصاف في الكلام حين يتكلم في الخلاف... إلخ).
أولاً: أشكر لكم اهتمامكم بالإجابة المختصرة التي أجبتُ فيها على أسئلتكم، والتي لم أكن أريد بها إلا إيقاظ التفكر في تلك المسائل، لا الاستدلال؛ لأنَّ مصادر الاستدلال غير متَّفق عليها بيننا وبينكم.
ثانياً: الإنصاف في المناظرة أو في غيرها مبدأ من مبادئ الدين، ولو اتبعنا الإنصاف لما وقع الخلاف.
الإنصاف مع عظماء الأمَّة، والإنصاف مع أفراد الأمة، ولكن النظرية ما لم تكن سلوكاً عملياً فإنَّها لا تفيد.
فنسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإيَّاكم الإنصاف.
* سبب عدم وجود كتب إمامية في مكتبات أهل السنة:
2) قلتم: (وممَّا يُؤسف له جداً: أنَّنا لم نجد في المكتبات الخاصة والعامة لإخواننا السنَّة شيئاً يعبأ به من كتب الإمامية).
قلت: الجواب من عدة أوجه:
أولاً: إنَّ كتبكم على قسمين:
قسم كله روايات وآثار، وهذا القسم عندما يطلع عليه السنِّي لا يرى فيه آثاراً علمية تستحق الاهتمام، فهي أشبه ما تكون بالأساطير -أرجو المعذرة! فهذا بيان للحقيقة لا غير- ولهذا لم يُعِرها اهتماماً، إضافةً إلى كثرة الروايات الغريبة والطاعنة التي تسللت إلى هذه الكتب، والتي تأباها الفِطَر السليمة.
ثانياً: الكتب المتأخرة المصنَّفة في المسائل المختلف فيها، جل ما فيها -إن لم يكن كل ما فيها- أحاديث من كتب السنَّة، بصرف النظر عن ضعفها أو نكارتها، فلماذا إذن يحرص على مثل هذه الكتب واستدلالاتها ومعظمها من كتب السنَّة؟!
فإذا كان أصحابها أعرضوا عنها، واتجهوا إلى كتب أهل السنَّة للاستدلال على عقائدهم؛ فمن باب أولى أن يعرض عنها أهل السنَّة.
ثالثاً: نسبة إمكان صحة عقائد الشيعة عند أهل السنَّة ربَّما تكون صفراً في المائة، فلِمَ يا تُرى يُهتَم بشيء لا يرى أنَّه على حق؟!
فهذه من الأسباب التي يبدو أنَّها صرفت أهل السنَّة عن كتب الشيعة.
* كتاب: (لله.. ثم للتاريخ) لم يكذب على الشيعة:
3) قلتم: (والغريب أنَّ بعضهم يتقوَّل على الإمامية، وضربتم مثالاً بما في كتاب: لله.. ثم للتاريخ).
قلت:
أولاً: هذا ليس كتاباً سُنياً، بل هذا كتاب شيعي!!
ثانياً: لعل الصفحة التي أشرتم إليها في طبعة أخرى، ولا أظن أنَّه يخاطب إخوانه الشيعة ليصحح لهم معتقدهم ثم يكذب عليهم بذكر روايات غير موجودة؛ لأنَّ ذلك سينكشف وتبطل الفائدة التي قصدها.. وأنا لا أدافع عنه، لكن هذا الذي خطر لي عندما قرأت كلامكم.. وإنْ فعل ذلك فلا شكَّ أنَّه خيانة علمية مستنكرة.
*كشف علماء السنة لشبهات الشيعة:
4) قلتم: (كثيراً ما اتفق لي بعد أن سألت بعض علماء أهل السنة في إيران وخارجها عن بعض الشبهات العقائدية...)، ثم ذكرتم أنَّكم لم تجدوا من يجيبكم.
والجواب من عدة أوجه:
أولاً: إنَّ البحث عن الحقيقة بالطريق المؤدب سِمَة أهل العلم، وينبغي على كل عالم أن يجيب على أسئلة واستفسارات من يبحث عن الحق.
ثانياً: أمَّا أهل السنَّة في داخل إيران فنحن نسمع أنَّهم يتعرَّضون للمضايقات، فكيف يستطيعون أنْ يحاوروا؟!
ثالثاً: وأمَّا خارج إيران فالنظرة للشيعة الإمامية غير طيبة؛ لاعتقادهم بأنَّ الشيعة الإمامية فرقة خارجة على الدين، ولهذا يصعب قبول حوارها.
رابعاً: إنَّ الشُّبَه التي أثارها الشيعة لا تكاد توجد شبهة منها لم يتصدَّ لها علماء السنَّة بالبيان، فقد ظهر عشرات المؤلفات، وإن كان أسلوب بعضها فيه شدَّة؛ لكنَّها قابلت إفراطاً واعتداءً من المخالف، ومجازفات في الدعاوى لم يتمالك معها بعض العلماء أنفسهم أثناء ردودهم عليها.
ومن أوسع ما كُتِب في ذلك كتاب: (منهاج السنة) لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأظن أنَّكم لو وقفتم عليه وقرأتموه بتأمُّل؛ لانكشفت لكم حقائق كثيرة.
5) قلتم: (وقد ذكرت في كتابي الذي بعثته إليكم، بأنِّي ألتمس أجوبة تقنع النفس بها، ولمَّا أجلت النظر فيما بعثته لي؛ لم أعثر فيها على ضالتي المنشودة!).
قلت: أرجو أن تجد في الإجابة الثانية الضالة المنشودة، مع أنَّني قد حرصت على الاختصار.
*منهج الاستدلال الصحيح على القضايا العقدية والعلمية:
6) قلتم: (إنَّ الاستدلال على موضوع خاص بالكتاب والسنَّة إنَّما يتم فيما إذا سردت قاطبةً الآيات المتعلقة أو الروايات المتعلقة به، لا أن ننتقي ما يفيدنا في البحث ونغض الطرف عمَّا يضرنا؛ لأنَّ فيه مجانفة عن روح التحقيق العلمي).
والجواب من عدة أوجه:
أولاً: هذا كلام جميل وتقعيد علمي دقيق، لو اتُّبِع من كل باحث ومن كل طائفة؛ لما حدثت الخلافات، ولضاق كثير من الفجوات.
ثانياً: هل التزمتم سعادتكم بهذا الكلام الجميل في بحثكم؟!
أمَّا أنا فلا أبالغ إذا قلت: إنَّني لم أجد في بحثكم أثراً لهذه القاعدة، وإلاَّ لو حكمتموها في بحثكم لكان المسار غير المسار.
فقد اتجهتم إلى كتب التواريخ، ومصادر تعتبر من الدرجة الثالثة والرابعة عند أهل السنَّة، وتركتم المصادر المعتمدة وخاصة الصحيحين.
ثمَّ توسعتم في الاستدلال بالأحاديث الضعيفة، وأعرضتم عن الأحاديث الصحيحة التي تثني على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ثمَّ أبطلتم دلالات الآيات التي تثني على الصحابة، أو قيدتموها؛ لتتفق مع معتقداتكم.
ثمَّ أوهمتم القارئ بأنَّ أكثر أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم منافقون إن لم يكن جميعهم.
ثمَّ أوهمتم القارئ بأنَّه لا يمكن معرفة المؤمنين من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. إلى آخر تلك الاستدلالات الانتقائية التي لا تتفق مع ما ذكرتموه من المنهج العلمي.
ثالثاً: نموذج من منهجكم في الانتقاء:
الواقف على رسالتكم يرى منهجاً غريباً.. فقد تركتم المراجع الأصيلة عند أهل السنَّة والأحاديث الصحيحة التي تثني على عظماء الصحابة وتزكيهم، وتؤكد قربهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحبه لهم، وتبشيرهم بالجنَّة، وكثرة مشاورته لهم، واصطحابهم في كل موقع، وتجريد سيوفهم لنصرته، وهي أحوال عظيمة تؤكد إيمانهم وإخلاصهم.
ثمَّ عمدتم إلى أحاديث ضعيفة أو موضوعة، تزعم وجود وصية خانها هؤلاء وامتنعوا عن تنفيذها، إذا وضعت أمام تلك الأحاديث الصحيحة دلت على كذب هذه الأحاديث، ولم تلتفتوا لتلك الأحاديث، وتزعمون الإنصاف!
وها هو نموذج واحد من تلك الأحاديث الصحيحة لصحابي واحد، لتوازن بين أحاديثك وهذا النموذج، لترى مدى الإنصاف وصحة المنهج بعد ذلك:
نماذج من أحاديث فضائل الصدِّيق:
1-                   روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جلس على المِنبر فقال: (إنَّ عبداً خيَّره الله بين أن يُؤتِيَه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده. فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمَّهاتنا. فعجبنا له! وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يُخبِر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن عبدٍ خيَّره الله بين أن يُؤتِيَه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمَّهاتنا! فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو المُخيَّر، وكان أبو بكر هو أعلمنا به).
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنَّ مِن أَمنِّ الناس عَلَيَّ في صُحبته وماله أبا بكر، ولو كنت مُتَّخذاً خليلاً من أمَّتي لاتخذت أبا بكر، إلَّا خُلة الإسلام، لا يبقينَّ في المسجد خوخةٌ إلَّا خوخة أبي بكر)([11]).
2-        عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم إِذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه، حتَّى أبدى عن ركبته، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أمَّا صاحبكم فقد غامر. فسلَّم وقال: إنِّي كان بيني وبين ابن الخطَّاب شيءٌ فأسرعتُ إليه ثمَّ ندِمت، فسألته أن يغفر لي فأبى عَلَيَّ، فأقبلت إليك، فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر. ثلاثاً، ثمَّ إنَّ عمر ندم فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أَثَمَّ أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسلَّم، فجعل وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتمعَّر، حتَّى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله! والله أنا كنت أظلم، مرتين، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنَّ الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مرتين، فما أُوذِي بعدها)([12]).
3-                   عن ابن عباس قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي مات فيه عاصباً رأسه بخِرقة، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال: إنَّه ليس من الناس أحدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قُحافة، ولو كنت مُتخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن خُلَّة الإسلام أفضل، سُدُّوا عنِّي كل خوخةٍ في هذا المسجد، غير خوخة أبي بكر)([13]).
وفي رواية: (ولكن أخي وصاحبي)([14]).
4-                   عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (لو كنت مُتَّخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكنَّه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله عز وجل صاحبكم خليلاً)([15]).
5-        عن عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه: (ادعي لي أبا بكر، وأخاك، حتَّى أكتب كتاباً، فإنِّي أخاف أن يتمنَّى مُتمَنٍّ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلَّا أبا بكر)([16]).
6-                   عن جُبير بن مُطعم قال: (أتت امرأة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ كأنَّها تقول: الموت، قال صلى الله عليه وآله وسلم: إن لم تجديني فأتي أبا بكر)([17]).
هذه نماذج من روايات الصحيحين، أليست هذه أولى من تلك الروايات التي في كتب التواريخ والأدب، ومصادر لا يُعتَمد عليها إلا بعد دراسة أسانيدها؟
ثمَّ وأنت تتصفح كتاب المستدرك الذي اعتمدت عليه في كثير من الأحيان، ألم تنتبه إلى عشرات الآثار التي تُثني على أبي بكر وتُؤكد خلافته؟ فقد روى عشرات الأحاديث والآثار ومنها:
1-                   عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: (أنَّ عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، وأنَّ محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير، ثمَّ قام أبو بكر فخطب الناس واعتذر إليهم وقال: والله ما كنت حريصاً على الإمارة يوماً ولا ليلة قط، ولا كنت فيها راغباً، ولا سألتها الله عز وجل في سر ولا علانية، ولكنِّي أشفقت من الفتنة، وما لي في الإمارة من راحة، ولكن قلدت أمراً عظيماً ما لي به من طاقة ولا يد إلَّا بتقوية الله عز وجل، ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني اليوم. فقبل المهاجرون منه ما قال وما اعتذر به. قال علي رضي الله عنه والزبير: ما غضبنا إلَّا لأنَّا قد أُخرنا عن المشاورة، وإنَّا نرى أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إنَّه لصاحب الغار، وثاني اثنين، وإنَّا لنعلم بشرفه وكبره، ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاة بالناس وهو حي).
ثمَّ قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه([18]).
2-                   عن عبد الله رضي الله عنه قال: (لما قُبِض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت الأنصار: منَّا أمير ومنكم أمير. قال: فأتاهم عمر رضي الله عنه فقال: يا معشر الأنصار! ألستم تعلمون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أمَّر أبا بكر يؤُم الناس، فأيُّكم تطيب نفسه أن يتقدَّم أبا بكر رضي الله عنه؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدَّم أبا بكر).
ثمَّ قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخرجاه([19]).
3-                   عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسجد وإحدى يديه على أبي بكر والأخرى على عمر فقال: هكذا نُبعَث يوم القيامة)([20]).
4-                   عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أول من تنشق عنه الأرض أنا، ثمَّ أبو بكر، ثمَّ عمر ثمَّ آتي أهل البقيع فتنشق عنهم فأُبعث بينهم). ثمَّ قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخرجاه([21]).
5-  عن علي رضي الله عنه قال: (قال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولأبي بكر: مع أحدكما جبريل، ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملَك عظيم يشهد القتال ويكون في الصف).
ثمَّ قال: هذا حديث صحيح الإسناد لم يُخرجاه([22]).
6-  عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أُري الليلة رجل صالح أنَّ أبا بكر رضي الله عنه نيط برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر، قال جابر: فلمَّا قمنا من عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم قلنا: الرجل الصالح النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأمَّا ذِكر من نوط بعضهم بعضاً، فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وآله وسلم).
ثمَّ قال: ولعاقبة هذا الحديث إسناد صحيح عن أبي هريرة ولم يُخرجاه([23]).
ثمَّ وأنت تتصفح كتاب: (مجمع الزوائد للهيثمي) ألم تقف على عشرات الأحاديث في أبي بكر وغيره من الصحابة أيضاً؟
ومن تلك الأحاديث:
1-                    عن علي قال: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر ولأبي بكر: مع أحدكما جبريل، ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملَك عظيم يشهد القتال أو يكون في الصف). رواه أبو يعلى والبزار وأحمد بنحوه ورجال أحمد والبزَّار رجال الصحيح([24]). وقد تقدم في المستدرك، وقد قال الهيثمي: إنَّ رجاله رجال الصحيح.
2-                    وعن ابن عمر قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات غداة بعد طلوع الشمس، فقال: رأيت قُبيل الفجر كأنِّي أُعطيت المقاليد والموازين، فأمَّا المقاليد فهذه المفاتيح، وأمَّا الموازين فهذه التي يُوزن بها، فوُضعت في كفَّة ووُضِعت أمَّتي في كفَّة فوزنت بهم فرجحت، ثمَّ جيء بأبي بكر فوزن بهم فوزن، ثمَّ جيء بِعُمر فوزن بهم فوزن، ثمَّ جيء بعثمان فوزن بهم، ثمَّ رُفعت). رواه أحمد والطبراني إلَّا أنَّه قال: (فرجَّح بهم في الجميع، وقال: ثمَّ جيء بعثمان فوُضِع في كفَّة ووُضِعت أمَّتي في كفَّة، فرُجِّح بهم، ثمَّ رُفِعت). ورجاله ثقات([25]).
3-                    عن سهل بن سعد الساعدي قال: (استشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر وعمر فأشاروا عليه، فأصاب أبو بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الله يكره أن يُخطئ أبو بكر). رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثِقات([26]).
4-                    عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يدخل الجنَّة رجل لا يبقى في الجنَّة أهل دار ولا غرفة إلَّا قالوا: مرحباً مرحباً.. إلينا إلينا. فقال أبو بكر: يا رسول الله! ما ثواب هذا الرجل في ذلك اليوم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أجل. أنت هو يا أبا بكر). رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن أبي بكر السالمي وهو ثِقة([27]).
5-                    عن أمِّ سَلَمَة أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إنَّ في السماء ملَكين: أحدهما يأمر بالشدَّة والآخر يأمر باللين، وكلٌ مصيب: جبريل وميكائيل، ونبيان: أحدهما يأمر بالشدَّة والآخر يأمر باللين، وكلٌ مصيب. وذكر إبراهيم ونوحاً، ولي صاحبان أحدهما يأمر بالشدَّة والآخر يأمر باللين، وكلٌ مصيب. وذكر أبا بكر وعمر). رواه الطبراني ورجاله ثِقات([28]).
6-                    عن شقيق قال: (قِيل لعليّ: ألا تستخلف؟ قال: ما استخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأستخلف عليكم، وإن يرد الله تبارك وتعالى بالناس خيراً فسيجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم). رواه البزَّار، ورجاله رجال الصحيح غير إسماعيل بن أبي الحارث وهو ثقة([29]).
7-                    عن أبي جُحيفة قال: (دخلت على عليّ في بيته فقلت: يا خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! فقال: مهلاً. ويحك يا أبا جُحيفة! ألا أُخبرك بخير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ أبو بكر وعمر، ويحك يا أبا جُحيفة! لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر وعمر في قلب مؤمن) رواه الطبراني في الأوسط وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف([30]).
8-                    عن عليّ قال: (سبق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصلَّى أبو بكر، وثلث عمر، ثمَّ خبطتنا فتنة -أو أصابتنا فتنة- يعفو الله عمَّن يشاء). رواه أحمد وقال: («ثمَّ خبطتنا فتنة» يريد أنْ يتواضع بذلك). ورواه الطبراني في الأوسط، ورجال أحمد ثِقات([31]).
رابعاً: ألم تلتفتوا إلى الأحاديث والوقائع الثابتة التي عاش عليها الصحابة رضي الله عنهم، والتي تُؤكِّد محبة الجميع لبعضهم وتعاونهم فيما بينهم ممَّا لا يظهر معها أي أثر لفكرة الإمامة؟
وفيما يلي نماذج من ذلك:
1-                    عن محمد ابن الحنفية قال: (قلت لأبي: أيُّ الناس خير بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: أبو بكر، قلت: ثمَّ من؟ قال: عمر)([32]).
2-                    عن ابن عباس: (أن عليّاً رضي الله عنه قال في عمر: ما خلَّفتَ أحداً بعدك أُحب أن ألقى الله بمثل عمله منك)([33]).
3-                    عن علي رضي الله عنه قال: (اقضوا كما كنتم تقضون، فإنِّي أكره الاختلاف حتَّى يكون للناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي)([34]).
4-                    عن عُقبة بن الحارث قال: (صلَّى أبو بكر رضي الله عنه العصر، ثمَّ خرج يمشي، فرأى الحسن يلعب مع الصبيان، فحمله على عاتقه، وقال: بأبي شبيه بالنبي، لا شبيه بعليّ. وعليّ يضحك)([35]).
5-                    عن أبي بكرة قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر والحسن بن عليّ إلى جنبه، وهو يُقبِل على الناس مرة وعليه أخرى، ويقول: إنَّ ابني هذا سيد، ولعل الله أنْ يُصلِح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)([36]).
6-                    عن ابن عمر: (وسأله رجل عن دم البعوض فقال: ممَّن أنت؟ فقال: من العراق، قال: انظروا إلى هذا! يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: هما ريحانتاي من الدنيا)([37]).
7-  ألم يبايع عليّ الخلفاء الثلاثة؟
8-  ألم يكن يصلِّي خلفهم؟
9-  ألم يتزوج من سبيهم؟
10-             ألم يُزوِّج عمر ابنته؟
11-             ألم يُسمِّ ثلاثة من أبنائه بأسماء الخلفاء الثلاثة: أبي بكر وعمر وعثمان؟
ومن كتبكم:
1-                   ألم تقرأ في نهج البلاغة قول عَلِيّ رضي الله عنه: (أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج..)([38]).
2-                   وكذلك قوله: (لله فلان -أُسقط اسمه ولكن الظاهر أنَّه أبو بكر أو عمر- لقد قوَّم الأمد، وداوى العمد، وأقام السنَّة، وخَلَفَ الفتنة، وذهب نقيَّ الثوب قليل العيب...)([39]).
3-                   وقوله: (أمَّا بعد: فإنَّ بيعتي -يا معاوية- لزمتك وأنت بالشام، فإنَّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه... وإنَّما الشورى للمهاجرين والأنصار...) ولم يحتج بإمامة منصوصة!([40]).
4-                    وما أورده الأردبيلي الشيعي الإمامي عن أبي جعفر عندما سُئِل عن حلية السيف فقال: (قد حلى بها الصدِّيق.. فقال الراوي: أتقول هكذا؟ قال: نعم الصدِّيق، نعم الصدِّيق، نعم الصدِّيق! فمن لم يقل له الصدِّيق، فلا صدق الله قوله في الدنيا والآخرة)([41]).
7) قلتم: (وهكذا يلزم للمحقق فيما إذا ينقل كلاماً عن رجل أو فرقة، أن يذكر مصدر كلامه حتَّى يمكن للآخرين ملاحظة المصدر، ثمَّ القضاء والتمييز بين ما هو الحق عما هو الباطل).
قلتُ: هذا أصل يجب على كل باحث ينشد الحق أن يلتزمه، والكلام الذي لا يُعزى إلى صاحبه من خلال المراجع لا يُقبَل.
لكن هذا يبين مصدر الكلام لا قيمته، فإنَّ قيمة الكلام بحسب مصدره، ونحن وإيَّاكم غير متفقين على مصادر! ما عدا القرآن، والقرآن قد قيدتم مطلقه وتأولتم مقيده - كما سيأتي بمشيئة الله تعالى بيانه.
*لم يرد في القرآن الكريم ذم للصحابة ولا لأمهات المؤمنين:
8) قلتم: (والمشهود في كتابكم في قضية الصحابة والسيدة عائشة: هو ذِكر الآيات التي تدل على المدح، مع التأويل والتفسير بما يُخالف السياق كما نشير إليه، من دون ذِكر ما ورد في الذم، ثمَّ التحليل بينها، حتى يمكن للمُخاطب الوصول إلى النتائج المفيدة).
قلت:
أولاً: قولكم: (..مع التأويل والتفسير بما يُخالف السياق..) حكم غير دقيق، ولكن لما رسخ في ذهنكم من المعاني ظننتم أنَّ ما قلته: «تأويل» أي صرف للفظ عن ظاهره، ولعلَّه يأتي مزيد بيان إن شاء الله.
ثانياً: وأمَّا قولكم: (من دون ذِكر ما ورد في الذم) فهو كلام غير سليم، فإنَّ الصحابة رضي الله عنهم قد مدحهم الله عز وجل ولم يذمهم، وأمَّهات المؤمنين رضي الله عنهن لم يرد فيهن ذم.
نعم. وردت آيات عتاب لا تنقص من مكانتهم التي ثبتت في عشرات الآيات المادحة، وتسمية ذلك ذمّاً من أعجب الكلام!
فليس كل عتاب في القرآن يكون ذمّاً.
فإنَّ الله عز وجل قد عاتب من هو أفضل من الصحابة ومن أمَّهات المؤمنين، وما كان ذلك ذمّاً؛ فقد عاتب نبينا محمداً صلوات الله وسلامه عليه في عدة مواطن ولم يكن ذلك ذمّاً: عاتبه في الأعمى، وعاتبه في الأسرى، وعاتبه في موضوع مولاه زيد، وعاتبه في تحريم ما أحل سبحانه، ولم يكن ذلك ذمّاً أو منقصاً من مكانته صلوات الله وسلامه عليه.
أمَّا آيات النفاق التي تذم فئة معينة قد كشفتها الأحداث، فإنَّها ليست فيمن آمن وهاجر وجاهد، وصاحب نبيه صلوات الله وسلامه عليه طوال حياته، والذي لا يفرق بين خيار المؤمنين وأهل النفاق؛ كيف يمكنه أن يقرر إيمان الصحابة؟!
بل كيف يمكن أن يفهم القرآن؟ وكيف يستطيع أن يستدل بالأحاديث؟!
* نماذج من عقائد الشيعة الإمامية:
9) قلتم: (أيُّها الأخ العزيز: قد ذكرتم في كتابكم هذا تحت عنوان: «نظرات في اتجاهات أهل السنَّة والشيعة ومناهجهم» بعض ما يرتبط بعقائد الإمامية دون ذكر قائله.. ثمَّ تساءلتم: هل المراد: الشيعة الغلاة.. إلى أن قلتم: (وأقسم بالله.. أقول بكل ثقة: إنكم لو أخذتم رأي الإمامية عن كتبهم المدونة طيلة أربعة عشر قرناً؛ لكان رأيكم فيهم غير هذا الذي قرأته في جواباتكم).
قلت: لا أظن أنَّ المعنى غير واضح من كلامي، فإنَّني لم أنسب الكلام إلى أحد من علمائكم ولا إلى كتاب من كتبكم، وإنَّما قلت لكم: (يُفهم من عقيدة الشيعة كذا..) ولم أقل: قال فلان. ولعلَّكم لو رجعتم إلى العبارة لتبيَّن لكم المراد.
وأنا أعني بذلك الإمامية، لا الفرق الغالية الأخرى، فإنَّها قد ادَّعت مسألة في الدين وهي (الإمامة) ثمَّ ضخمت هذه الإمامة حتَّى رفعت أصحابها فوق الأنبياء، وفسَّرت القرآن خطاباً للأئمة وشيعتهم، فما كان من خير وإيمان فهو للشيعة، وما كان من كفر وضلال فهو للمُخالف، ثمَّ الجنَّة لهم والنار لأعدائهم.. وهكذا... وهكذا.
وإذا أردت مزيد بيان ففي ما يلي نماذج من ذلك.
ويتضح ذلك في الكتب التالية:
1-                   الكافي.
2-                   تفسير العسكري.
3-                   تفسير العياشي.
4-                   تفسير الصافي.
5-                   تفسير الفرات.
6-                   كتاب الاختصاص.
7-                   بصائر الدرجات.
8-                   تأويل الآيات الظاهرة.
وغيرها من كتب الإمامية.
بل والله إنَّ المسلم الذي تربَّى على الوحيين، ليستحي أن تُنسَب هذه الكتب إلى دينه، وخاصة كتاب (بصائر الدرجات).
وسأذكر نماذج للدلالة على ما قلت:
فقد ورد في أصح كتاب عند الشيعة وهو (الكافي) وفي عدة تفاسير، روايات تُقرِّر أنَّ القرآن نزل في الشيعة - مع أئمتهم - ومخالفيهم.
1-                   فهناك رواية عن جعفر الصادق تقول: (نزل القرآن على أربعة أرباع: ربع فينا، وربع في عدوِّنا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام)([42]).
2-                   وفي رواية عن جعفر الصادق كذلك: (نزل القرآن أثلاثاً: ثلث فينا وفي عدوِّنا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام)([43]).
ولا ندري أيُّ التقسيمين هو المُعتمَد؟! أرباعاً أو أثلاثاً؟!!
ويُؤكد هذا المعنى الكاشاني في تفسيره الصافي فيقول: (جل القرآن إنَّما نزل فيهم أي: الأئمة الاثني عشر- وفي أوليائهم وأعدائهم)([44]).
3-                   وبعد أن أورد العياشي مثل هذه الروايات أورد رواية: عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر (ع): (يا محمد! إذا سمعت الله ذكر أحداً من هذه الأمَّة بخير فنحن، وإذا سمعت الله ذكر بسوء ممَّن مضى فهم عدوّنا)([45]).
4-                   وقال أبو الحسين العاملي: (إن الأصل في تنزيل آيات القرآن بتأويلها إنما هو الإرشاد إلى ولاية النبي والأئمة -صلوات الله عليهم- وإعلام عزِّ شأنهم وذل شانئهم، بحيث لا خير إلا خُبِّر به إلا وهو فيهم وفي أتباعهم وعارفيهم، ولا سوء ذكر فيه إلا وهو صادق على أعدائهم ومخالفيهم..»([46]).
5-                   وقال المجلسي: (باب تأويل المؤمنين والإيمان والمسلمين والإسلام بهم -أي: الأئمة- وبولايتهم عليهم السلام، والكفار والمشركين والكفر والشرك والجبت والطاغوت واللات والعزى والأصنام بأعدائهم ومخالفيهم)، وأورد مائة رواية تحت هذا الباب([47]).
سبحان الله! إلغاء لجميع المدح في المؤمنين السابقين، وإلغاء لجميع الذم في الكفار السابقين!
أليست هذه الروايات -وغيرها كثير في التفاسير الشيعية- تدل على أنَّ القرآن أُنزِل في الشيعة وحدهم؛ مدحاً لهم وذمّاً لأعدائهم -طبعاً أعداؤهم أهل السنة-.
إذن: كيف تُنكر عليَّ عندما قلت: يُفهم أنَّ القرآن نزل في الشيعة وأعدائهم، وهذه نصوص ظاهرة المعنى؟!
ثمَّ تقول: (وأقسم بالله..أقول بكل ثقة: بأنَّكم لو أخذتم رأي الإمامية عن كتبهم المدوَّنة طيلة أربعة عشر قرناً؛ لكان رأيكم فيهم غير هذا الذي قرأته في جواباتكم).
وهذه الكتب التي نُقِلت منها هذه النصوص أليست من كتبكم؟!
والله يا أبا مهدي إنَّني عندما قرأت في كتبكم، كأنَّني أقرأ في خرافات عقول لا تعرف صفاء الإسلام ونقاءه، وأحمد الله عز وجل على الهداية وصفاء المعتقد!!
أفلا ترى أنَّ قسمكم هذا قد حنثتم فيه؟
وأرجو أن تعذرني، فإنَّني أحب أن تعرف مشاعري عندما وقفت على تلك الكتب.
*مقارنة سريعة بين أصح كتاب عند أهل السنة وأصح كتاب عند الشيعة:
10) ثمَّ تطلب منِّي أن أُقارن بين كتبكم وكتبنا؛ فلا بأس بالبدء بأصح كتاب عندكم وأصح كتاب عندنا بعد كتاب الله عز وجل.
قلت: وهذه مقارنة مختصرة بين: (صحيح البخاري) وكتاب (الكافي) الشيعي الاثني عشري:
‌أ)                        صحيح البخاري: افتتح كتابه بقوله:
بدء الوحي: باب: «كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقول الله جلَّ ذِكره: ((إنَّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوحٍ والنبيين من بعده))».
ثمَّ أورد حديثاً بسنده: (إنَّما الأعمال بالنيات وإنَّما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).
وهذا الحديث افتتاح لكتابه.
ثمَّ أورد حديثاً آخر بسنده وفيه: أنَّ الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كيف يأتيك الوحي؟) فأخبره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك.
وهكذا استمر يذكر نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ثمَّ قال: (كتاب الإيمان) أورد فيه آيات وآثاراً، ثمَّ بدأ الأحاديث بإيراد حديث بسنده وفيه: (بُنِي الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان).
انظر كيف تتجلَّى أنوار النبوة في هذا الكتاب العظيم ثم قارن.
‌ب)                   الكافي: افتتح كتابه بقوله: (كتاب العقل والجهل).
ثمَّ أورد أثراً عن أبي جعفر قال فيه: (لمَّا خلق الله العقل استنطقه، ثمَّ قال له: أقبِل فأقبَل، ثمَّ قال له: أدبِر فأدبَر، ثم قال: وعزَّتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أَحب إليَّ منك ولا أكملتك إلَّا فيمن أُحب، أما إنِّي إيَّاك آمر، وإيَّاك أنهى، وإيَّاك أُعاقب، وإيَّاك أُثيب).
وأورد بعده أثراً آخر عن علي رضي الله عنه قال: (هبط جبريل على آدم فقال: يا آدم! أُمِرت أن أُخيِّرك واحدة من ثلاث، فاخترها ودع اثنتين. فقال له آدم: يا جبريل! وما الثلاث؟ فقال: العقل والحياء والدين. فقال آدم: إنِّي اخترت العقل. فقال جبريل للحياء والدين: انصرفا ودعاه، فقالا: إنَّا أُمِرنا أن نكون مع العقل حيث كان. قال: فشأنكما! وعرج).
وهكذا استمر في ذكر روايات عن العقل، ثمَّ أورد بعده فضل العلم، وكلها أو جلها ليست عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يستفتح لا بالقرآن ولا بكلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأظن أنَّ الأئمة نسخوا النبوة!!
المقارنة بين الافتتاحيتين:
البخاري بدأ بذِكر بداية الإسلام، مستدلاً بكلام الله عز وجل وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
والكليني بدأ بذِكر آثار عن غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان ينبغي أن يبدأ بكلام الله عز وجل أو كلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
ثمَّ الكافي ذكر أنَّ آدم خُوطِب وخُيِّر بين العقل والحياء والدين.
قلتُ: فعندما خُوطِب آدم: هل كان معه عقل أم لا؟!
فإن كان معه عقل، فكيف يُخيَّر بين شيء هو معه وبين مثيله؟!
وإن كان ليس معه عقل؛ فكيف يُخاطَب من لا عقل له؟!
ثم كيف يخير الله عز وجل آدم بين أمور كلها لايستغني عنها؟!
فهل الحياء يستغني عنه الإنسان؟!
وهل الدين يستغني عنه الإنسان؟!
هل الله عز وجل لا يريد للإنسان أن يجمع بين العقل والحياء والدين؟!
سبحانك هذا بهتان عظيم!!
ثمَّ من أخبر أبا جعفر بذلك؟! يأتيه الوحي بالغيب أم كيف عرف ذلك؟! أما نحن فنعتقد أن أبا جعفر أتقى لله من أن يقول على الله ما لا علم له به.
ثمَّ البخاري أورد قرابة ألفَي حديث مفرَّقة، بلغت قرابة سبعة آلاف حديث -بالمكرر- كلها صحيحة، إلا أحاديث انتقدها عليه العلماء لا تكاد تتعدى عدد أصابع اليد.
والكليني أورد أكثر من ستة عشر ألف حديث، ضعَّف علماء الشيعة منها ثلثيها، أي: قرابة تسعة آلاف حديث، ولو طُبِّقت ضوابط أهل السنَّة في الرواية لعلَّه يختفي هذا الكتاب من الوجود، أو يصفو منه القليل.
فما رأيكم في الكتابين بعد ذلك؟؟!!
ومن أبواب البخاري:
@     «المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده».
@     «حب الرسول من الإيمان».
@     «الدين يسر».
@     «الجهاد من الإيمان».
@     «فضل العلم».
@     «قول الله تعالى: ((عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً)) [الجن:26-27]».
ومن أبواب الكافي:
@ «باب: أنَّ الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل».
@ «باب: أنَّ الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا».
@ «باب: أنَّ الأئمة يعلمون متى يموتون وأنَّهم لا يموتون إلا باختيارهم».
فقلتُ: إذن: لماذا هرب المهدي خوفاً من الموت؟ أليس الأولى أن يبقى يقود الناس ويمتنع عن الموت؟!
@ وفيه كذلك: «باب: أنَّ الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنَّه لا يخفى عليهم شيء».
قلت: يأمر الله عز وجل نبيه صلوات الله وسلامه عليه بأن يقول: ((وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ)) [الأعراف:188].
وقال تعالى: ((عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ..)) [الجن:26-27].
الله عز وجل يقول: يا محمد بلِّغ الناس أنَّك لا تعلم الغيب.
ويقول تعالى: إنَّه عالم الغيب لا يأذن ببعضه إلا للرسل، ولم يذكر من سميتموهم بالأئمة! إلَّا إذا استدركتم على الله عز وجل على حسب المنهج الشيعي كما سيأتي!!
وكتاب الكافي يقول خلاف ذلك!! فمن الصادق يا تُرى؟! أستغفر الله..
فأيهما أفضل يا تُرى؟! كتاب مادته الوحي الإلهي (القرآن والسنة الصحيحة) التي تتحدث عن مسائل الإيمان والإسلام والجهاد ونحو ذلك.
أو كتاب مادته عن أشخاص نُصبوا أئمة، وأعطوا صفات الإله، فلا تكاد تجد فيه غير المسائل الفرعية إلَّا الحديث عن الإمامة والأئمة؟!! والله المستعان!
11) قلتم: (فلا يصح الاعتماد في نقل بعض الدواهي ونسبتها إلى الشيعة، استناداً على من تقدَّم من مخالفيهم، من دون الرجوع في معرفة أقوال الإمامية إلى علمائهم، وأخذ مذهبهم في الأصول والفروع من مؤلفاتهم).
قلت: نعم. نحن نُؤكد على هذا المنهج، وها نحن كما ترى لم ولن ننقل عن غير مؤلفات الشيعة!
* التشيع مأوى لكل من يريد هدم الإسلام:
12) قلتم: (ومن الغرائب أحمد أمين المصري كتب في كتابه فجر الإسلام (ص: 33): أنَّ التشيُّع كان مأوى يلجأ إليه كل من أراد هدم الإسلام). ثم ذكرتم أنه بعد انتشار كتابه عُوتب فاعتذر بعدم الاطلاع وقلة المصادر.
قلت: إنَّ قول أحمد أمين هذا يقول بمعناه كثير من العلماء قديماً وحديثاً؛ وذلك لأنَّ منهج تعامل الشيعة مع الإسلام يُؤدي إلى إلغاء الإسلام، ويتبيَّن ذلك ببيان موقف الشيعة من رواة الدين -الصحابة رضي الله عنهم - ومن القرآن ومن السنة النبوية، وفيما يلي إشارة إلى موقفهم، وسيأتي مزيد بيان بمشيئة الله تعالى:
‌أ)                        طعن الشيعة في عدالة الصحابة إلَّا أربعة أشخاص ونحوهم -كما سيأتي بمشيئة الله تعالى- وهذا الطعن يُشكِّك في أمانة الصحابة، ولهذا فكل ما رووه غير موثوق به بناءً على ذلك.
‌ب)        وطعن الشيعة في القرآن؛ فقد صرَّح قرابة ثلاثين عالماً من علماء الشيعة الإمامية بأنَّه مُحرَّف وناقص، وذلك يعني أنَّ القرآن غير موثوق به، وهذه أسماء بعضهم:
1-                   الفضل بن شاذان النيسابوري المتوفى عام (260هـ) قال في كتابه [الإيضاح (112-114)]: باب: ذِكر ما ذهب من القرآن.
وأورد روايات من كتب السنَّة -أساء فهمها- قرر بها نقصان القرآن، وأكَّد النوري الطبرسي أنَّه يقول بتحريف القرآن.
2-                   فرات بن إبراهيم الكوفي، من علماء القرن الثالث، فقد روى بسنده في تفسيره، أنَّ أبا جعفر يقرأ هذه الآية: (إنَّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل محمد على العالمين) وأورد عدة آيات على هذا المنوال (1/78).
3-                   العياشي، من علماء القرن الثالث في تفسيره (1/12، 13، 47، 48).
4-                   القمي شيخ الكليني في تفسيره (1/5، 9،10).
5-                   الكليني في أصول الكافي (1/413) روايات كثيرة (8،23،25،26،27).
6-        أبو القاسم علي بن أحمد الكوفي (ت:352) اتهم أبا بكر بعدم جمعه كل القرآن، خوفاً من ظهور ما يفسد عليهم أمرهم، ذكر ذلك في كتاب (الاستغاثة من بدع الثلاثة) (1/51-53).
7-                   محمد بن إبراهيم النعماني في القرن الخامس ذكر ذلك في كتاب (الغيبة).
8-                   أبو عبد الله محمد بن النعمان الملقب بالمفيد (ت:413)، قال في كتابه (أوائل المقالات): (أقول: إنَّ الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، باختلاف القرآن، وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان...).
9-                   أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، من القرن السادس، في كتابه (الاحتجاج) (1/240،245،249).
10-             أبو الحسن علي بن عيسى الإربلي (ت:692) في كتابه (كشف الغمة في معرفة الأئمة) (1/319).
11-             الفيض الكاشاني (ت:1091) في تفسيره الصافي، قال في أول التفسير: (وأما ظهورك على تناكر قوله: ((وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ)) [النساء:3]، وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء، فهو مما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن)، ويستمر في الكذب على الله عز وجل على هذا النمط (ورقة:17-18).
12-              محمد بن الحسن الحر العاملي(ت:1104) في كتابه (وسائل الشيعة) (18/145).
13-              هاشم بن سليمان البحراني (ت:1107) في تفسيره البرهان، قال: (وأما ما هو على خلاف ما أنزل الله فهو قوله: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:110]. وأما ما هو محرف منه قوله: (لكن الله يشهد بما أنزل الله إليك في علي)!!
14-             محمد باقر المجلسي (ت:1111هـ) ملأ كتابه (بحار الأنوار) بالروايات التي تُقرِّر النقص، وكذلك في كتابه (مرآة العقول) (12/525).
    نقل عن الكافي روايات تقرر التحريف، ومنها عن أبي جعفر قال: (نزل جبريل بهذه الآية على محمد صلى الله عليه وسلم: ((بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْياً)) [البقرة:90] في علي عليه السلام: ((بَغْياً)) (23/372-373).
15-             نعمة الله الموسوي الجزائري (ت:1112) في كتابه (الأنوار النعمانية) (2/360-364).
16-             يوسف بن أحمد البحراني (ت:1186) في كتابه (الدرر النجفية) (294-296).
هذه بعض أسماء القائلين بنقص القرآن وتحريفه، وهناك غيرهم العشرات، وقد أورد النوري الطبرسي في مقدمة كتاب (فصل الخطاب) قرابة أربعين اسماً ممَّن يقول بهذا القول، ولم يستثنِ من القدماء إلا أربعة أشخاص (ص:51).
أليس هذا الاتجاه في المذهب الإمامي يهدم الإسلام؟!
نعم. هناك تيار آخر يُخالف هذا التيار - في القول بتحريف القرآن - ولكن هذا التيار أكثره من المتأخرين، وقد يُقال: إنَّه تقية؛ لأنَّ التقية عقيدة إمامية من لا يستعملها لا دين له، كما صرَّحت بذلك كتبهم، وإنْ كنَّا لا ندَّعي ذلك؛ بل قد يكون عن قناعة؛ لأنَّ تلك الدعوى كفر تضاد القرآن الكريم نفسه، الذي يقول فيه تعالى: ((وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ)) [الأعراف:188]. لكن القصد بيان سبب شدة العلماء على المذهب الشيعي.
ج) أمَّا في السنَّة: فإنَّ الشيعة إذا جاء حديث يُخالف معتقدهم طعنوا فيه؛ بل طعنوا في الصحابة الذين نقلوا السنَّة، ولم يبقَ منهم أحد لم يُكفَّر أو يُفسَق إلَّا أربعة أشخاص.. أليس هذا باباً يأوي إليه كل زنديق يُحارب الإسلام؟!
ما هو الإسلام؟ أليس هو: الكتاب والسنَّة، ورواة لهما، وهم الصحابة؟!
فإذا طُعن في الرواة وشُكك في إيمانهم، فكيف يوثق فيما نقلوه؟
ثمَّ ماذا يستطيع الزنادقة أكثر من ذلك؟!
* فقهيات شاذة عند الشيعة:
13) قلتم: إنَّ ابن حزم قال: (ومن الإمامية من يجيز نكاح تسع نسوة)([48])، وخطأته في دعواه، ثمَّ قلت: (فيقرأ الفاتحة على ورع ابن حزم).
قلت: ابن حزم رحمه الله -كغيره من علماء السنَّة- لا يستبيحون الكذب؛ بل يتحرون في نقلهم وعزوهم، وربَّما يقول بهذا القول إحدى فرق الإمامية والتي تبلغ العشرات ولم تطلع عليها.
فإنَّ جميع الطوائف والفرق التي تدَّعي الإمامة في آل البيت يجمعها اسم: «الإمامية»، ثمَّ تنفرد الإمامية الإثنا عشرية بهذا الاسم، والله أعلم.
وربما اعتمد على نقل خاطئ، وربما وهم..
 ولو أن كل شخص وهم سقطت عدالته ربما لم نسلم لا أنا ولا أنت!
14) قلتم: إنَّ الدكتور عبد الله محمد الغريب قال: (بأنَّ الشيعة تعتقد بأنَّ نكاح الأم هو من البر بالوالدين)([49]).
الجواب من وجوه:
أولاً: قد راجعت الصفحة المذكورة وهي (ص:222) فلم أجد فيها هذا الكلام، فلعلَّكم اعتمدتم على كتاب آخر عزا إليه كذباً.
ثانياً: لم يذكر الإمامية على وجه الخصوص -حسب عبارتكم- وإنَّما ذكر الشيعة، وهذا اسم يعم عشرات الفرق، ولعلَّه قول لإحدى تلك الفرق الغالية.
ثالثاً: لا يجوز له أن يعمم إن كان ذلك كذلك.
رابعاً: هذا من المحرمات الظاهرة التي لا يجرؤ مسلم على القول بها، ولا أدري هل ذكر مرجعاً لكلامه أم أنَّه أطلقه بدون عزو؛ فإنك لم تذكر ذلك.
خامساً: هذا شخص غير معروف ولا ندري من هو، فالله أعلم بحاله.
15) قلتم: إنَّ أبا حنيفة يرى أنَّه لا يجب الحد بوطء من استأجر امرأة ليزني بها. ثمَّ تساءلتم عن جواز نسبة هذا القول (إلى جميع أهل السنَّة).
قلت: إذا اجتهد العالم فأخطأ في اجتهاده فهو مغفور له خطؤه، مأجور على اجتهاده، فإنَّه ما من عالِم إلَّا وله خطأ أو أخطاء في اجتهاده؛ لأنَّ العالم غير معصوم، ولكن إخوانه من أهل العلم يصححون له خطأه، فليس هناك فتوى خاطئة إلَّا وقد ردَّها العلماء.
فهذه المسألة قد خالفه فيها تلميذاه: محمد بن الحسن وأبو يوسف، وذهب إلى قولهما المحققون من علماء المذهب، كما بينه صاحب (الدر المختار) وابن عابدين في حاشيته (4/29)، وأفاض في رد هذه الحيل ابن القيم رحمه الله في (إعلام الموقعين) (3/377).
وهذه الفتوى الغريبة من أبي حنيفة رحمه الله ليست بأغرب من كثير من الفتاوى الشيعية، والتي أطلقها علماء الشيعة قديماً وحديثاً في المتعة وغيرها.
أ‌)                        فمن الفتاوى القديمة:
1-                    روى الطوسي عن محمد بن أبي جعفر (ع) قال: قلت: (الرجل يُحل لأخيه فرج جاريته؟ قال: نعم. لا بأس به، له ما أحل منها)([50]).
2-                   وروى الكليني والطوسي عن محمد بن مضارب قال: قال لي أبو عبد الله (ع): (يا محمد! خذ هذه الجارية تخدمك وتصيب منها، فإذا خرجت فارددها إلينا)([51]).
فهاتان الروايتان قد أباحتا فرجاً بدون عقد أو تملك!!
ب‌)      ومن الفتاوى الحديثة:
1- قال السيد حسين الموسوي في رسالة بعنوان: (المتعة): (ومما يؤسف له أن السادة هنا -أي: في العراق- أفتوا بجواز إعارة الفروج!! وهناك كثير من العوائل في جنوب العراق وفي بغداد في منطقة الثورة ممن يمارس هذا الفعل بناءً على فتاوى كثير من السادة، منهم: السيستاني والصدر والشيرازي والطبطبائي والبرجردي وغيرهم، وكثير منهم إذا حل ضيفاً عند أحد منهم استعار امرأته إذا رآها جميلة وتبقى مستعارة عنده حتى مغادرته)!!! أورد هذه الرسالة بكاملها الدكتورعلي أحمد السالوس في كتابه: (مع الإثني عشرية الإمامية في الأصول والفروع:1103).
2- فتوى الخميني قال: (لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين، دواماً كان النكاح أو منقطعاً!
وأمَّا سائر الاستمتاعات؛ كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ، فلا بأس بها حتى في الرضيعة)!!!([52]).
3- فتوى الخوئي قال: (لا يبطل الصوم إذا قصد التفخيذ فدخل في أحد الفرجين من دون قصد)!!([53]).
* علاقة المذهب الشيعي بالمذاهب الإسلامية المعتبرة:
16) قلتم: (وهنا أستلطف نظركم السامي إلى آراء بعض علماء الأزهر الشريف حول الشيعة الإمامية، التي صدرت بعد قراءة كتبهم، يقول الأستاذ عبد الهادي مسعود الأبياري: «ليس من شك في أنَّ المذهب الشيعي هو فرع من أهم فروع المذاهب الإسلامية العامة...»).
ونقلتم عن الدكتور أبي الوفاء التفتازاني قوله: (وقع كثير من الباحثين، سواء في الشرق أو في الغرب، قديماً وحديثاً في أحكام خاطئة عن الشيعة، لا تستند إلى أدلة أو شواهد نقلية جديرة بالثقة، وتداول بعض الناس هذه الأحكام فيما بينهم دون أن يسألوا أنفسهم عن صحتها وخطئها.. وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ أي باحث يتصدى للبحث عن تاريخ الشيعة أو عقائدهم أو فقههم، لا بد له من الاعتماد أولاً وقبل كل شيء على تراث الشيعة أنفسهم في هذه المجالات.. إلى أن قال: إنَّ مدى الخلاف الموجود بين السنَّة والشيعة ليس فيما يبدو لنا بأبعد ممَّا هو موجود مثلاً بين مذهبي الإمام مالك وأتباعه من أهل الرأي والقياس).
[مع رجال الفكر في القاهرة (1/221) للأستاذ السيد مرتضى الرضوي]
قلت: الجواب على هذه الأقوال من أوجه:
الوجه الأول: نحن نحب -والله- أن لا يكون بيننا وبين الشيعة خلاف، ونتمنى أن ينحصر الخلاف فيما بيننا وبينهم ليكون مثل ما بين المالكية والأحناف، أو أي مذهبين من مذاهب السنَّة.
الوجه الثاني: عزوكم إلى التفتازاني المذكور -غير المعروف في الأوساط العلمية-: (إنَّ أي باحث يتصدى للبحث عن تاريخ الشيعة أو عقائدهم أو فقههم، لا بد له من الاعتماد أولاً وقبل كل شيء على تراث الشيعة أنفسهم في هذه المجالات).
قلت: هذا منهج واجب الاتباع لكل من يريد أن يقف على عقيدة طائفة أو فقهها أو رأيها، ولكن يبدو أنَّ هذا الكاتب لم يقف عليها، وإلاَّ لما قال هذا القول.
والمطلع على كتب الشيعة القديمة يرى أنَّ هناك فرقاً كبيراً بين الشيعة وأهل السنَّة؛ بل يرى اتجاهين لا يلتقيان أبداً.
وكتب الشيعة الأصول مملوءة بما يقرر عدة عقائد، كل واحدة منها كافية لجعل الشيعة مذهباً خارجاً في نظر السنَّة عن الإسلام، ولم تحظَ هذه الكتب بعناية علماء الشيعة القدماء فيميزون الصحيح من الضعيف، ممَّا جعل كل ما في هذه الكتب من صحيح وضعيف وموضوع دليلاً يُستدل به على عقائد الشيعة، سواء من أتباع المذهب أو من المُخالفين، وخاصة الكتب الأربعة التي تُسمَّى عند الشيعة الإمامية بالأصول، وهي:
(كتاب الكافي)، و(من لا يحضره الفقيه)، و(التهذيب)، و(الاستبصار)، فقد أثنى عليها كثير من علماء الشيعة ووصفوها بالصحة، ووصفوا مؤلفيها بصفات المجتهدين الموثوقين.
ومنهم من يجعل الكتب المعتمدة ثمانية.
وفي مقدمة هذه الكتب كتاب (الكافي).
ونذكر نموذجاً من رواياته التي تقرر إمامة علي رضي الله عنه وكفر الصحابة بتركها، وفيه تقرير ردة الصحابة إلا ثلاثة أو أربعة أو نحوهم.
فقد عقد باباً بعنوان: «باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية».
ثمَّ أورد تحته اثنتين وتسعين رواية تفسيراً لآيات من القرآن تُقرِّر الولاية.
أول رواية فيها عن سالم الحناط قال: «قلت لأبي جعفر (ع): أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى: ((نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)) [الشعراء:193-195] قال: هي الولاية لأمير المؤمنين (ع)».
والثانية في تفسير الأمانة التي عرضت على السموات والأرض عن جعفر الصادق أنها: «ولاية أمير المؤمنين (ع)».
والثالثة في قول الله تعالى: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ)) [الأنعام:82] قال: «بما جاء محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الولاية، ولم يخلطوها بولاية فلان وفلان فهو الملبَّس بالظلم»، طبعاً المراد: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
واستمر يُفسِّر الآيات بكلام غريب عجيب، والأعجب زعمه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم داخل في ولاية علي رضي الله عنه.
ففي الرواية (24) عن أبي جعفر قال: «أوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنَّك على صراط مستقيم) [الزخرف:43] قال: إنَّك على ولاية عليّ، وعليّ هو الصراط المستقيم»!
وبعدها رواية (25) عن أبي جعفر قال: «نزل جبريل بهذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله وسلم هكذا: (بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله في عليّ بغياً)».
وهكذا على هذا النمط من الكذب على الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
فجميع هذه الروايات تُقرِّر ولاية عليّ رضي الله عنه وإمامته، وكفر الصحابة بها.
وهذا نزر يسير من تلك الروايات التي لا يخلو منها أو من مثلها كتاب شيعي.
وإذا كان الصحابة جميعهم ومن سار على منهاجهم من أهل السنَّة لم يؤمنوا بهذه الولاية؛ فقد كفروا على حسب هذه الروايات.
ونحن نعتقد اعتقاداً جازماً أنّها روايات كاذبة نُسِبت إلى آل البيت، وربَّما يوجد من الشيعة الإمامية من يُكذِّبها.
لكن ماذا يُصنع وقد نشأت على هذه الروايات أجيال، وتقرَّر في أذهانهم أنَّ عليّاً رضي الله عنه إمام من الله، وأنَّ الصحابة عصوا أمر الله عز وجل وأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يُنفِّذوا هذه الوصية، بل وقعوا في الكفر كما في تلك الروايات، وعشرات غيرها تُقرر أنَّ الصحابة ارتدوا إلَّا عدداً يسيراً منهم؟!
فكيف يُقال بعد هذا: إنَّ الفرق بين الشيعة والسنَّة كالفرق بين المذاهب الأربعة الفقهية من أهل السنَّة؟! أليس هذا قولاً باطلاً؟!
ولا أظن أنَّ شيعياً أو سنياً، يعرف كل منهما مذهبه؛ يوافق على قول هذين الشخصين، إلَّا إذا استعمل أحدهما التقية.. فلربَّما!
إنَّ مصادر الشيعة تحتاج إلى جهد صادق من أتباعها لتنقيتها من الموضوعات والمنكرات، وتحذير الأتباع من أخذ كل ما ورد فيها، ليُعاد تشكيل العقلية الشيعية وفق الآثار الصحيحة.
فإنَّ كثرة ما فيها مما يتناقض مع القرآن الكريم، ومع بعضها البعض، قد تنبَّه له كثير من أتباع المذهب، وكان سبباً لهجر المذهب وتركه من بعضهم، كما يُقرِّره أحد أعلام المذهب وهو الطوسي المتوفى عام (460هـ).
فقد قال في مقدمة كتابه: (التهذيب): (ذاكرني بعض الأصدقاء -أيده الله- ممَّن أوجب حقه علينا، بأحاديث أصحابنا أيدهم الله ورحم السلف منهم، وما وقع فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد؛ حتَّى لا يكاد يتفق خبر إلَّا وبإزائه ما يُضاده، ولا يسلم حديث إلَّا وفي مقابلته ما ينافيه، حتَّى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون في مذهبنا.. إلى أن قال: حتَّى دخل على جماعة ممَّن ليس لهم قوة في العلم ولا بصيرة بوجوه النظر ومعاني الألفاظ شبهة، وكثير منهم رجع عن اعتقاد الحق لما اشتبه عليه الوجه في ذلك وعجز عن حل الشبهة فيه.
سمعت شيخنا أبا عبد الله -أيَّده الله- يذكر: أن أبا الحسين الهاروني العلوي، كان يعتقد الحق ويدين بالإمامة، فرجع عنها لما التبس عليه الأمر، وترك المذهب ودان بغيره..)([54]).
نعم. إنَّ العاقل ينفعه عقله.. ومن أراد الله به خيراً وفَّقه.
هذا اعتراف من أحد أئمة المذهب بأنَّ الروايات متناقضة، فلا تكاد توجد رواية أو قول إلَّا ويقابلها ما يناقضها، وأنَّ جماعة.. بل جماعات وإلى اليوم توفق إلى إدراك الحقيقة فتهتدي.
وهذا يُؤكد أن الاختلاف بين المذهبين ليس اختلافاً يسيراً.
وأنَّ سببه وجود روايات متعارضة متناقضة لا يقبلها القلب السليم.
وبهذا يتبين بطلان دعوى أنَّ الخلاف بين أهل السنَّة وأهل التشيع كالفرق بين المذاهب الفقهية عند أهل السنَّة.
وقد تقدم نموذج من أقوالهم في القرآن الكريم، ودعوى التحريف، ودعوى ردة الصحابة، وذلك من كتبهم؛ فكيف يقال بعد هذا: إنَّ الخلاف ليس أبعد ممَّا بين مذاهب أهل السنَّة؟!
أين في أهل السنَّة من يقول بشيء من هذه الأقوال؟
الوجه الثالث: يبدو أنَّ هذا الحال الذي عليه المذهب من التناقضات هو سبب استحداث عقيدتي التقية والبداء على الله عز وجل.
فإنَّ الدين: إمَّا أحكام وإمَّا أخبار، فتناقض الأحكام يُحلُّ «بالتقية»، وتناقض الأخبار يُحلُّ «بالبداء»، وبهاتين العقيدتين لا يمكن أن يقع خطأ في الوجود.
والواقف على الروايات يرى التناقض واضحاً.
فقد روى الكليني عن زرارة بن أعين: أنَّه سأل أبا جعفر عن مسألة، فأجابه، ثمَّ جاءه رجل فسأله عنها، فأجابه بخلاف ما أجابه، ثمَّ جاءه رجل ثالث، فأجابه بخلاف ما أجاب به الآخرَين، فتعجب زرارة وسأله عن هذا التناقض، فقال أبو جعفر: (يا زرارة! إنَّ هذا خير لنا وأبقى لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا، ولكان أقل لبقائنا وبقائكم..)؟!!
أبو جعفر الباقر: يكذب ويفتي بغير الحق حفاظاً على نفسه.. «تقية» حاشاه من ذلك!
فهذا التناقض في الفتاوى يُحلُّ بـ«التقية».
وأمَّا في الأشخاص: فقد أورد الكشي آثاراً متضاربة في أكثر من شخص عن أبي عبد الله منهم: «زرارة بن أعين» قال فيه أبو عبد الله «جعفر الصادق»: (بشر المخبتين بالجنَّة: بريد بن معاوية العجلي، وأبو بصير ليث بن البختري، ومحمد بن مسلم، وزرارة، أربعة نجباء أمناء الله على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست).
ورواية بعدها عن أبي عبد الله قال فيها: (إنَّ أصحاب أبي كانوا زيناً أحياء وأمواتاً أعني: زرارة.. هؤلاء القوامون بالقسط..)([55]).
وفي رواية أخرى قال أبو عبد الله: (لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، لعن الله زرارة!!)([56]).
وفي أخرى: (لعن الله بريداً، ولعن الله زرارة)([57]) -بريد أي المتقدم سابقاً: بريد بن معاوية العجلي-.
فأي هذه الأقوال حق وأيها تقية؟!
والتناقض في الأخبار إذا أخبر الإمام بخبر زعم أنَّه من الله عز وجل، ثمَّ لم يَصدُقِ الخبر، فالخطأ ليس من الإمام؛ لكنَّه من الله عز وجل -أستغفر الله!- لأنَّه قال قولاً ثمَّ بدا له أن يغيره، والإمام أخبر بالخبر الأول كما أخبره الله عز وجل، ثمَّ فوجئ أنَّ الله عز وجل يغير الخبر... وهذا يُحلُّ بـ«بالبداء» أي: أنَّ الله عز وجل بدا له فألغى الخبر الأول!!
ومثال ذلك ما ورد في إمامة إسماعيل بن جعفر الصادق، ثمَّ مات قبل أبيه، فانتقلت الإمامة إلى أخيه: موسى. وهذا طعن في علم الله عز وجل، إذ أخبر بإمامة شخص لا يعيش، ثمَّ غيّر فجعل الإمامة في أخيه، مع أنَّ الشيعة أوردت في كتبها أنَّ الإمامة لا تنتقل إلى الأخ بعد الحسين رضي الله عنه.
ومثال آخر: ما رواه الكليني في أول الكافي تحت كتاب الحجة في: (باب كراهة التوقيت): عن أبي جعفر أنه قال عن سبب طول مدة غياب المهدي: (إن الله تبارك وتعالى قد كان وقت هذا الأمر في السبعين، فلما أن قتل الحسين اشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض فأخره إلى أربعين ومائة، فحدثناكم فأذعتم الحديث فكشفتم قناع الستر، ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتاً عندنا، ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)!!!
ولما كان مثل هذا الكلام لا تقبله العقول، فلا بد من رواية أخرى ترغمها على الانصياع والقبول القسري، فاخترع الكليني -أومن روى عنه الكليني الله أعلم أيهما الذي وضعها- هذه الرواية عن أبي جعفر أنه قال: (إذا حدثتكم الحديث فجاء على ماحدثتكم به، فقولوا: صدق الله!! وإذا حدثتكم فجاء على خلاف ماحدثتكم به فقولوا: صدق الله؛ تؤجروا مرتين)!!!!
جميل هذه الإمامة!!!
إن صدق الخبر فقولوا: صدق الله، وإن كذب الخبر فقولوا: صدق الله!!
فالكذب جاء من الله لا من الإمام!!
فهل يمكن أن ينكشف كذب مدعي علم الغيب مع هذه القاعدة؟؟!!
إنا والله نعتقد براءة أهل البيت من هذا الكذب على الله عز وجل، ولعنة الله على من كذب عليهم وقولهم ما لم يقولوه.
* مراحل الدعوة والتربية النبوية:
17) قلتم: (إذا كان المدعى أمراً غريباً على العقول، فإثباته يحتاج إلى دليل واضح، ثم ضربتم مثالاً، ثم قلتم: وما أشبهه بنظرية عدالة الصحابة! فإن كل من رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ساعةً أو يوماً أو أسبوعاً أو شهراً صار عدلاً، فالقول بعدالتهم من أولهم إلى آخرهم، وأنهم رجال مثاليون؛ من أغرب الغرائب الممكنة، التي لا تثبت إلا بدليل يقطع جميع الشبهات حول عدالتهم).
والجواب من وجوه:
أولاً: الخلاف بيننا وبينكم ليس في عدالة جميع الصحابة الذين أُطلق عليهم هذا اللفظ، سواء من كان من السابقين الأولين أو كان من المسلمين المتأخرين.
وإنَّما خلافنا معكم في عظماء الصحابة وأفاضلهم من المهاجرين والأنصار، وخاصة الخلفاء الراشدين أبا بكر وعمر وعثمان وإخوانهم، وأمَّا من أسلم متأخراً هل هو عدل أم لا؟ فالخطب فيه يسير بالنسبة للخلاف السابق.
ولعلماء السنَّة أنفسهم تفصيلات وتفريعات في الصحابي الذي قلّت صحبته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يخرجهم هذا التفصيل عن أهل السنَّة.
لكن المحققين من علماء السنَّة يرون أنَّ كل من أسلم وصحِب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد إسلامه، فهو عدل، حتى يثبت خلاف ذلك.
وهذا موقف سليم، فإنَّ من أتى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وترك دينه السابق، وأعلن الدخول في الإسلام، ورضي به ديناً، والإسلام يحرِّم الكذب والفواحش؛ فالأصل أنَّه متبع له؛ لأنَّه قد أعلن التزامه به، حتى يثبت خلافه، خاصة وقد أشرقت عليه أنوار النبوة، ونالته بركة صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإن صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرف وتزكية، وليست كصحبة غيره مهما كان ذلك الغير.
ثم ليس هذا هو خلافنا مع الإمامية.
ثانياً: إنَّ ادعاء كفر الصحابة أو فسقهم أو خيانتهم عن بكرة أبيهم -ما عدا أربعة أشخاص- أشد غرابة من القول بعدالتهم!
فإنَّ اعتقاد أنَّ الذين تربوا على مائدة القرآن قرابة ثلاث وعشرين سنة تقريباً، أو عشرين سنة، أو عشر سنين، أو خمس سنين، أو نحوها؛ أسلموا نفاقاً، أو طلباً لمنصب، أو رغبة في الدنيا مع عدم وجودها أثناء الدخول في الإسلام..
أو امتنعوا عن تنفيذ أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إمامة علي رضي الله عنه من غير سبب ظاهر بأوهام غريبة، ثمَّ هم يقاتلون لأجل إقامة الدين، ويفتحون الأرض بالإسلام، وعلي معهم في كل ذلك..
ثمَّ يعيشون حياة الزهد والعفة وهم خلفاء، ويطيعهم آلاف الصحابة، ولا ينكر عليهم منكر..
ثمَّ يروون فضائل عليّ رضي الله عنه، وينقلون ما يحدث من خلاف، حتَّى نقلوا خلاف فاطمة رضي الله عنها مع أبي بكر في أمر دنيوي، ولم ينقلوا عنها ولا عن عليّ خلافاً في إمامة... إلى آخر ما هنالك من أحوالهم.. ثمَّ يزعم أنَّهم مرتدون أو رادون لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. أعظم غرابة!!
فقارن بين الدعويين بقلب سليم وعقل مستقيم؛ يظهر لك الحق إن شاء الله تعالى.
ولمزيد من البيان نضيف تمهيداً في الوجه الآتي:
ثالثاً: تمهيد في السيرة يُحتاج إليه هنا؛ لأن كتب الشيعة الإمامية قد أهملته، كما يظهر من أصح كتاب عندهم وهو كتاب (الكافي)، فإنني لم أجد فيه ذكر أحداث العهد المكي ومعاناة المؤمنين فيه.
هذا التمهيد هو: (التذكير بمعاناة الصحابة في بداية الإسلام)، وكيف دخلوا الإسلام، وما لاقوه من ابتلاء وأذى في سبيل ذلك.
فإنَّ الله عز وجل عندما بعث نبينا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، وأمره بأن يعلن الدعوة بالإسلام في مجتمع مشرك عاش على الشرك هو وآباؤه؛ فإن ذلك يعني تغيير عقيدة المجتمع وإبطالها، والإقرار بفسادها، وهي عقيدة عاش عليها الآباء والأجداد.
ثمَّ إنَّ الذي يقبل الإسلام ويعترف بتلك الحقيقة يعني أنه يواجه المجتمع: أسرته أولاً، ثم قبيلته ثانياً، ثم المجتمع المشتمل على عدة قبائل ثالثاً، ثم جميع قبائل العرب رابعاً، وهو موقف عظيم لا يقدم عليه إلا من خالط قلبه بشاشة الإيمان.
وبمراجعة تلك الفترة الزمنية ومعرفة أحداثها نرى أمراً عجباً! وفيما يلي إشارة إلى تلك المرحلة بإيجاز..
* المرحلة المكية:
عندما بدأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعوته داخل المجتمع المكِّي، واجهه المجتمع مواجهةً شديدة، وآذوه أشد الأذى، وآذوا كل من اتبعه.
وقد تنوع الأذى وتباين ما بين هجر وضرب وقتل.
وكتب السير والتواريخ مملوءة بأنواع القصص التي تكشف عن مدى ما عانى منه الصحابة من شدَّة وكرب عندما دخلوا في الإسلام.
قال ابن مسعود: (أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبو بكر، وعمار بن ياسر، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأمَّا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأمَّا أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأمَّا سائرهم فما منهم إنسان إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلَّا بلال؛ فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه، فأعطوه الولدان وأخذوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد)([58]).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا مرَّ على المعذبين يثبتهم ويبشرهم، فقد مرَّ على آل ياسر: ياسر وابنه عمار وأمه فقال لهم: (أبشروا آل ياسر موعدكم الجنة)([59]).
وفي قصَّة إسلام أبي ذر أنَّه أعلن بإسلامه في المسجد الحرام، فقاموا إليه فضربوه حتى أوجعوه، فلم يمنعهم منه إلا العباس([60]).
وعن سعيد بن زيد قال: (والله لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإسلام قبل أن يسلم عمر)([61]).
وعن عبد الله بن عمرو قال: (رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي، فوضع رداءً في عنقه فخنقه به خنقاً شديداً، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه فقال: ((أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ)) [غافر:28] ([62]).
وزاد البزار: (فتركوه وأقبلوا على أبي بكر)([63]).
ولشدَّة ما لقيه الصحابة من البلاء والأذى، وجَّههم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحبشة، فذهب كثير من الصحابة رضي الله عنهم إلى الحبشة، وتركوا أرضهم وأهليهم فارِّين بدينهم([64]).
وقد هاجر الصحابة إلى الحبشة هجرتين، كان عدد المهاجرين في الثانية أكثر من ثمانين رجلاً وامرأة([65]).
ثمَّ كان من ترتيب الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ولأصحابه: أنَّ وفداً من الخزرج من المدينة ذهبوا إلى مكة يستنصرونهم على الأوس، فلقيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعرض عليهم الإسلام، فأعجبهم ما سمعوا، ثمَّ إنَّهم وعدوه بأن يعرضوه على قومهم، فعرضوه على قومهم، فجاء منهم في الحج من العام القابل اثنا عشر رجلاً، فبايعوه على الإسلام([66]).
ثم أرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم معهم مصعب بن عمير يعلمهم الدين ويؤمهم في الصلاة.
وبعد أن وصل إلى المدينة قام بالاتصال بالناس، فأسلم على يديه خلقٌ كثير.
وقد أسلم على يديه زعيمَا بني عبد الأشهل وهما: أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، ولمَّا أسلم سعد بن معاذ ورجع إلى قومه وحرَّم كلامه عليهم إنْ لم يؤمنوا؛ فأسلموا جميعاً، وأخذ مصعب يعلمهم الدين، ما عدا بعض البطون لم تُسلِم إلَّا بعد الخندق([67]).
ثمَّ فشا الإسلام في المدينة، قال جابر بن عبد الله في حديث طويل: (فقلنا: حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُطرد في جبال مكة ويخاف، فرحلنا إليه سبعون رجلاً منَّا، حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله! علام نبايعك؟ قال: تبايعونني على السمع والطاعة في المنشط والكسل، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني ممَّا تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنَّة.
قال: فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة -وهو أصغرهم- فقال: رويداً يا أهل يثرب! فإنَّا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلَّا ونحن نعلم أنَّه رسول الله، وأنَّ إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، إمَّا أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإمَّا أنتم تخافون من أنفسكم جبنة فتبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله!
قالوا: أمط عنَّا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة أبداً، ولا نسلبها أبداً.
فبايعناه.. فأخذ علينا وشرط ويعطينا على ذلك الجنة)([68]).
ولم يَعدْهم بخلافة ولا وزارة ولا دنيا.
ثم إنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أذن في الهجرة إلى المدينة.
قال البراء بن عازب: (أوَّل من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مصعب بن عمير، وابن أمِّ مكتوم، فجعلا يُقرئاننا القرآن، ثم جاء عمَّار، وبلال، وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم...)([69]).
وقد همَّ أبو بكر رضي الله عنه بالهجرة مع إخوانه المهاجرين، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (على رِسلك! فإنِّي أرجو أن يُؤذن لي؛ فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي وأمِّي؟ قال: نعم)([70]).
فجهَّز أبو بكر رضي الله عنه راحلتين مدة من الزمن، ثم جاءه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما أُذن له في الهجرة، وطلب أبو بكر الصحبة فقال: نعم. فخرجا واختفيا في غار ثور ثلاثة أيَّام، وأسرة أبي بكر رضي الله عنه ترعى هذه الهجرة:
عبد الله بن أبي بكر يأتيهما ليلاً بأخبار أهل مكة.
وأهل أبي بكر يعدون لهما طعامهما يومياً.
وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر يأتيهما بغنم أبي بكر يشربان من لبنها([71]).
ثمَّ تمَّت الهجرة العظيمة لسيد البشر مع أفضل النَّاس بعد الأنبياء والرسل، لتكون بداية ظهور الإسلام وإعزازه.
وخلَّف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً رضي الله عنه في مكة لينام في فراشه، حتَّى لا تنتبه قريش لخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ([72]).
* المرحلة المدنية:
وقد استقبل أهل المدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعظم استقبال، وأحاطوا به من جوانبه كلٌ يود لو ينزل في داره ليَشرف بذلك النزول، ولكنَّه صلى الله عليه وآله وسلم بقي في (دار بني عمرو بن عوف) أربع عشرة ليلة، ثمَّ أرسل إلى بني النجَّار فجاءوا متقلدي السيوف، ثمَّ سار حتى نزل في بني النجَّار مكان مسجده الشريف، وهناك بدأ ببناء المسجد وشاركه المهاجرون والأنصار في بناء المسجد([73]).
ثمَّ إنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار؛ ليُذهب عن المهاجرين وحشة الغربة، ويتأنسوا من مفارقة الأهل والعشيرة.
ثمَّ بدأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتأسيس المجتمع المسلم من لبنات الإيمان: المهاجرين الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم ينصرون الله ورسوله، والأنصار الذين يحبُّون من هاجر إليهم.
وبدأت مسيرة الجهاد، والصحابة رضي الله عنهم يعيشون مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يأتمرون بأمره وينتهون عن نهيه.
وقد قاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه الشريفة إحدى وعشرين غزوة([74])، وقيل تسع عشرة غزوة([75])، ورجّح ابن حجر القول الأول([76]).
وأمَّا السرايا التي أمَّر عليها أحداً من أصحابه فقد بلغت ستّاً وثلاثين، وقيل أكثر من ذلك([77]).
كل تلك الغزوات والسرايا لنُصرة دين الله عز وجل.
فانتشر الإسلام وذلَّت الجزيرة بكاملها للإسلام.
هؤلاء هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: آمنوا به، ونصروه، وواسوه بأنفسهم وأموالهم، وهجروا الديار والأهل فِراراً بدينهم، وإعزازاً لدين الله عز وجل.
ولم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يدعوهم إلى الله عز وجل مالٌ يدفعه إليهم، أو يطمعون في الحصول عليه، وإنَّما كان وعْده لهم الجنة.
* تربية الصحابة في العهد المكِّي:
كان القرآن الكريم يتنزَّل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان يقرؤه على الصحابة ويلقِّنهم إيَّاه، وقد نزل في العهد المكِّي أكثر من ثمانين سورة، وهذا يمثِّل أكثر من ثلثي القرآن الكريم.
وقد كانت هذه السور تُقرِّر العقيدة، وخاصة عقيدة اليوم الآخر والبعث والحساب، وتصف الجنَّة والنار وأحوال أهلهما، وصنوف العذاب التي أعدَّها الله لأهل النار، وأنواع النعيم التي أعدَّها الله للمؤمنين، كل ذلك يُتلى في مئات الآيات، والصحابة يتلقَّون تلك الآيات آناء الليل وآناء النهار، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يرعى خُطاهم ويوجه مسيرهم.
ولقد عاش الصحابة رضي الله عنهم في مكَّة في عناء وشدَّة، وعذاب وفتنة، ولولا صِدق الإيمان ورعاية الله عز وجل لهم بالتثبيت والتوفيق؛ لما تحمَّلوا تلك المعاناة الشديدة.
أهؤلاء تحمَّلوا هذه المعاناة طمعاً في مال، أو رغبةً في جاه، أو نفاقاً ورياءً؟!
* تربية الصحابة في العهد المدني:
العهد المدني امتداد للعهد المكِّي في تربية الصحابة رضي الله عنهم، ورعاية إيمانهم، والتدرج بهم إلى مراقي الكمال.
فإنَّ الإنسان بدخوله إلى الإسلام، لا يعني أنَّه أصبح ملَكاً لا يصدر منه أخطاء ولا يقع منه هفوات.
فالصحابة بشر لهم رغبات ولهم أخطاء، وليسوا معصومين.
لكنَّهم مؤمنون يحبُّون الله ورسوله، ويتمسكون بدينهم، ويدافعون عنه، ويجاهدون في سبيل إعزازه ونشره.
وقد كانوا يتحرَّكون تحت سمع الله عز وجل وبصره، وتحت إشراف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمدة ثلاثة وعشرين عاماً، في مدرسة واحدة، ينهلون من علومها ويحفظون دروسها، ويتربَّون في فصولها.
فنِعْمَت المدرسة ونِعم الدارسون!
هذه المدرسة: هي أعظم مدرسة في التاريخ وأنجحها وأبركها.
خرَّجت جيلاً عظيماً حمل مِشعل الهداية وفتَح الأرض في فترة زمنية لم يعرف التاريخ لها مثيلاً.
* مرحلة ما بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن أكمل الله عز وجل به الدين وأتمَّ به النعمة.
ثم إنَّ الناس الذين لم يتربوا على مائدة النبوة ممَّن أسلم من أهل القرى والبوادي البعيدة، اهتز إيمان كثير منهم، وجَهِل كثير منهم فرائض الدين، فحدثت رِدَّة عن دين الله عز وجل من بعضهم، وامتناع عن دفع الزكاة من البعض الآخر، ولم يبقَ على الدين سوى ثلاث مدن: (المدينة، ومكَّة، والطائف)، وما عداها فقد أعلنوا عصيانهم.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد عقد لأسامة بن زيد رضي الله عنهما الراية، ووجهه إلى الشام، ثمَّ مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يغادر أسامة المدينة، فانتظر حتَّى دُفِن صلى الله عليه وآله وسلم، ثمَّ أنفذ الصدِّيق رضي الله عنه جيش أسامة.
قال ابن كثير رحمه الله: (قال سيف بن عمر: عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لمَّا بُويع أبو بكر، وجمع الأنصار في الأمر الذي افترقوا فيه، قال: ليتم بعث أسامة. وقد ارتدَّت العرب إمَّا عامة وإمَّا خاصة، في كل قبيلة، ونجم النفاق واشرأبت اليهودية والنصرانية، والمسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية؛ لِفقد نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، وقِلَّتهم وكثرة عدوّهم، فقال له الناس: إنَّ هؤلاء جُلُّ المسلمين، والعرب على ما ترى قد انتقصت بك، وليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين، فقال: والذي نفس أبي بكر بيده! لو ظننت أن السباع تخطفني، لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو لمْ يبقَ في القرى غيري لأنفذته)([78])، وقد روي هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
ثمَّ إنَّ الصدِّيق رضي الله عنه أخذ يجهِّز الجيوش لحرب المرتدِّين، وأخضع الجزيرة بكاملها للإسلام، ثمَّ أرسل الجيوش إلى خارج الجزيرة لدعوة فارس والروم، ففتح الله عز وجل كثيراً من تلك البلدان، ثمَّ أكمل عمر رضي الله عنه مسيرة الجهاد وفتح البلدان، ثمَّ سار بعدهما عثمان رضي الله عنه فاتسعت دائرة الإسلام، وتوقف الجهاد في عهد علي رضي الله عنه؛ للخلاف الذي وقع بينه وبين معاوية رضي الله عنه، ثم عاد الفتح بعد ذلك([79]).
هذه نبذة يسيرة عن مراحل الدعوة وظهور جيل الصحابة رضي الله عنهم، ولنا هنا وقفات:
1-        الإسلام جاء بإبطال عقائد المشركين، وتسفيه عقولهم، وتغيير معاملاتهم، ولا شكَّ أنَّ هذا من أشدِّ المواقف وأشقها على النفس، ولا يقبل إنسان تغيير عقيدته والاعتراف بالخطأ إلا إذا تبين له أن العقيدة الجديدة هي الحق.
2-        إنَّ الذين تركوا دينهم واعتنقوا الإسلام، كانوا عظماء في أنفسهم، عقلاء في قراراتهم؛ لدخولهم في الإسلام رغم ما يترتب عليه من تكاليف شاقة، وتضحيات وعداوات، لو لم يكن البديل عظيماً في نظرهم لَمَا أقدموا عليه.
3-                   وقد ترتَّب على اعتناقهم الإسلام مقاطعة من أقوامهم؛ بل والإيذاء الشديد باللسان واليد؛ بل والقتل أحياناً.
4-                   إنَّ كثيراً ممَّن أسلم هجر وطنه وخرج إلى بلاد الحبشة، بلاد تختلف عن بلادهم عقيدة ولغة وعادات، كل ذلك للحفاظ على دينهم الجديد.
5-                   ثمَّ إنَّ القرآن كان يتنزَّل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يرعى مسيرة الإيمان، ويغرس عقيدة التوحيد واليوم الآخر، عارضاً نماذج من أحداث اليوم الآخر، وصوراً من أحوال المعذبين في النار، وصوراً من نعيم الجنَّة، ممَّا يُعمق الإيمان ويرسخه في القلوب.
6-                   واستمر القرآن كذلك في العهد المدني يتنزَّل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يوجه الأفراد والمجتمع، ويرعى خواطرهم وأقوالهم وأعمالهم، فلا تكاد تنزل آية إلا وهي مرتبطة بحادثة: مُؤيدة أو مُصححة أو مُحذِّرة، فعاش الصحابة مكشوفي الضمائر والحركات، والله عز وجل يرعى ضمائرهم وحركاتهم.
7-                   وتولَّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه تربية أصحابه، وتوجيههم، وتزكيتهم، وتعليمهم الكتاب والحكمة، يتخذ منهم الوزراء والأمراء، ويُزوجهم ويتزوج منهم، ويُثني عليهم، ويمدحهم، ويُبشِّر بعضهم بالجنَّة، وهكذا كان معهم إلى أن لقي الله عز وجل.
أليست هذه الأمور مجتمعة كافية لإخراج جيل ربَّاني لا يلحقه جيل، ولا يساويه في إيمانه وأخلاقه وعلمه؟
إذا لم تنجح هذه المدرسة الربَّانية بإشراف محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تربية الإنسان، فلا خير في الأرض بعد ذلك ولا قبله.
وإذا لم ينجح الإسلام في بدايته وقد تهيَّأت له تلك الأسباب والظروف، فلا أمل في نجاحه بعد ذلك.
ونحن نشهد أنَّ المدرسة الربَّانية بإشراف محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قد نجحت في تربية الأصحاب، والتاريخ يشهد.
إنَّ القائل بردَّة هؤلاء أو خيانتهم -رغم كل هذه الأسباب، التي لابد أن يكون ثمارها خير الثمار- ومدعي ذلك صاحب قلب مريض، نسأل الله له الشفاء.
*طعن الشيعة الإثني عشرية في الصحابة رضي الله عنهم:
18) قلتم: (إنَّ الصحابة اختلفت مقدار صُحبتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فبعضهم صَحِب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أول ساعة...)، إلخ ما أشرتم إليه من تفاوت في زمن صُحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ثمَّ قلتم: (فهل يصح أن يُقال: إنَّ صُحبة ساعات أو أيام قلعت ما في نفوسهم...) إلخ.
قلت: هل يعني أنَّ الشيعة يُقرون بأنَّ الذين صَحِبوه من أول أمره صلى الله عليه وآله وسلم قد (قُلِعت ما في نفوسهم من جذور غير صالحة وملكات رديئة، وكوَّنت منهم شخصيات ممتازة)، أم أنَّهم هم والذين أسلموا آخر البعثة سواء؟!
وهل أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وإخوانهم الذين أسلموا في أول البعثة، قد تهذبت نفوسهم -عندكم- أم لا؟!
فهم قد صَحِبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أول الإسلام.
إنَّ المطلع على جميع كتب الشيعة الإثني عشرية -بدون استثناء- لا يرى إلَّا التكفير أو التفسيق لهؤلاء العظماء.
إذن ما الفائدة في التفريق بين من أسلم قديماً ومن أسلم بعد ذلك عندكم؟!
قال الطوسي الإمامي: (ودفع الإمامة وجحدها كدفع النبوة وجحدها سواء)([80]).
والصحابة الأوائل لم يعرفوا الإمامة؛ فضلاً عن أنْ يُقال: إنَّهم دفعوه عنها، والشيعة يعتقدون أنَّهم دفعوه عنها، فما حكمهم إذن؟!
ويقول الشيخ المفيد الإمامي: (أول أئمة المؤمنين وولاة المسلمين وخلفاء الله تعالى في الذين بعد رسول الله الصادق الأمين... أخوه وابن عمه ووزيره على أمره... عليّ بن أبي طالب...)([81]).
ثمَّ قال كلاماً وادّعى دعاوى في غاية الغرابة ممَّن يُوصف بالعلم والإيمان!!
وإذا كان عليّ رضي الله عنه لم يحكم إلَّا بعد ثلاثة خلفاء، وكان هو أول أئمة المؤمنين، فماذا كان وصف من سبقه؟! هل كانوا أئمة لغير المؤمنين؟! وهل هؤلاء ممَّن أسلم متأخراً، أم كانوا من أوائل من أسلم؟!
* براءة الصحابة رضي الله عنهم من النفاق:
19) قلتم: (فلهذا نرى القرآن يقسِّم الأصحاب إلى أصناف، يمدح صنفاً منهم كما يذم الصنف الآخر).
قلت: هذا الكلام غير دقيق، فإنَّ القرآن الكريم لم يقسم الأصحاب المؤمنين من المهاجرين والأنصار، وإنَّما مدحهم جميعاً وأثنى عليهم.
وأمَّا الذم فهو للمنافقين وليس للمؤمنين.
فإنَّ تعريف الصحابة: هم الذين رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم مؤمنون به، وماتوا على ذلك، والمنافقون رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكنهم لم يؤمنوا به أصلاً، فكيف يُقال: إنَّه يقسم الأصحاب إلى قسمين؟!
20) قلتم: (أمَّا الممدحون فهم كما ذكرتم: فالسابقون من المهاجرين والأنصار، والمبايعون تحت الشجرة، وأصحاب الفتح... فالناظر المتجرد عن كل رأي مسبق، والبريء قلبه من كل مرض؛ يجد في نفسه تكريماً لهؤلاء الصحابة).
قلت: هذا القول الذي ذكرته الآن حق ووفاء لهذه العصبة المؤمنة التي كانت سبباً في إسلامي وإسلامك؛ فقد آمنوا وهاجروا وجاهدوا، ونشروا الدين، وأزالوا الشرك، ودخل الناس بسبب جهادهم في دين الله عز وجل أفواجاً، فلهم علينا حق أن ندعو لهم وأن نترضى عنهم، فجزاهم الله عن نبيه ودينه وعنَّا أفضل الجزاء.
ولكن هل يستقيم هذا الاحترام ودعوى (الوصية)، التي تزعم الشيعة الإمامية أنَّها من الله عز وجل، وأمَرَ رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغها للناس، ثمَّ إنَّه بلَّغها عند قوم ولم يبلِّغها عند آخرين -كما سيأتي بمشيئة الله تعالى- ثمَّ إنَّ الصحابة رفضوها وأخفوها على حد زعمهم؟! لا أظن ذلك!!
21) ثمَّ تحدَّثتم عن النفاق والمنافقين، وأنَّ القرآن الكريم تحدَّث عنهم، ثمَّ قلت: (وهذا يدل على كثرة أصحاب النفاق وتأثيرهم يوم ذاك في المجتمع الإسلامي).
قلت: إنَّ النفاق كان موجوداً، وكان له ما ذكرت، ولكن لا يعني ذلك أنَّ الصحابة كانوا منافقين؛ بل إن النفاق هم تيَّار آخر معارض لتيَّار الإيمان، وكان لظهوره أسباب ومراحل نوجزها فيما يلي:
أولاً: أسباب النفاق:
عندما هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد سبقه أصحابه المهاجرون، ودانت المدينة لحكمه، كان هناك رجل اسمه (عبد الله بن أُبي ابن سلول) كان يُنظَم له الخرز ليتوجوه على المدينة، فكان قدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبباً في صرف ذلك عنه، فكان سبب العداء للإسلام والمسلمين([82]).
وكان أول أمره يُظهِر كفره، ولكنه بعد غزوة بدر -وهي الغزوة التي أعز الله عز وجل فيها الإسلام على أيدي أصحابه البررة- رأى أنَّه لم يعد يستطيع أن يُظهِر كفره، فأظهر الإسلام مع إبطان الكفر، وبقي معه على ذلك جماعة غير قليلة من أتباعه.
فالنفاق -إذن- كان في الأوس والخزرج، حيث إن من أسلم منهم سُمِّي: (أنصاريّاً)، ومن لم يسلم أو تظاهر بالنفاق لا يستحق ذلك الاسم.
ولم يُعرَف النفاق في المشهورين المعروفين من الأوس والخزرج ولله الحمد، وإنَّما كان في أفراد مغمورين مقهورين، قُصارى جهدهم المكر والخديعة.
كما لا يُعرف أصلاً في أحد من المهاجرين؛ لأنَّ المهاجر أصلاً خرج من أرضه وماله باختياره، فكيف ينافق؟!
أمَّا أهل المدينة فإنَّ الشخص إذا لم يسلم في الظاهر، فإنَّه يبقى مستهجناً مستنكراً ذليلاً، فرأى أنَّ إعلان الإسلام يرفع عنه هذه الوصمة من العار.
قال تعالى: ((يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ)) [المنافقون:8].
أخبر الله تعالى أنَّ العزَّة للمؤمنين، وأنَّ المنافقين أذلَّة، والواقف على حال الصحابة يرى أن سادتهم -بل جميعهم- كانوا أعزة بين المؤمنين، وخاصة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم.
ثانياً: مراحل النفاق:
كان النفاق في أول أمره ذا شوكة وعدد، لكن أهله كانوا أقل عدداً من المسلمين بكثير، إذ لو كانوا أكثر فما الذي يمنعهم من المواجهة؟!
ثالثاً: كشف المنافقين:
القرآن الكريم تولى كشف المنافقين بذكر أعمالهم ومواقفهم، حتَّى لكأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يرونهم، بل ويعرفونهم:
1-  قال تعالى: ((فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ)) [التوبة:83].
2-  وقال تعالى: ((وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً)) [التوبة:84].
3-  وقال تعالى: ((يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ)) [التوبة:94].
هذه الآيات تدل على أنَّه يعرفهم، وإلاَّ فكيف ينفذ أوامر الله عز وجل في من لا يعرفه: فكيف لا يأذن لمن لا يعرفه؟ وكيف يمتنع عن الصلاة على من لا يعرفه؟ وكيف يقول لمن لا يعرفه: لن نؤمن لكم؟
4-  وقال تعالى: ((وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً)) [التوبة:107].
5-  وقال تعالى: ((يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ)) [التوبة:64]
وهذه الآيات في سورة التوبة، وهي من أواخر ما نزل من القرآن الكريم، فقد توعدهم الله عز وجل بإظهار نفاقهم وأعمالهم التي يخفونها.
6-  قال تعالى: ((لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً)) [الأحزاب:60-61].
وهذا تهديد لهم بالانتهاء عن النفاق، وإلاَّ فإنَّه سيُغري رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بهم: بإخراجهم أو بقتلهم، فلمَّا لم يغره بذلك دلَّ على انتهائهم.
*شبهات حول النفاق والمنافقين:
22) قلتم (ص:6): (إنَّ في القرآن الكريم آيات تدل بوضوح على وجود مجموعات من الصحابة تضاد الأصناف السابقة... كالمنافقين...).
قلت: المنافقون ليسوا من الصحابة، ولكنَّهم معهم، وهذا إطلاق خاطئ.
قال تعالى: ((وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ)) [التوبة:56].
فالله تعالى يبرِّئ الصحابة من مشاركتهم في نفاقهم، وأنَّهم غيرهم.
والقرآن الكريم في كل آياته يبيِّن أنَّ المنافقين ليسوا من المؤمنين، أي: ليسوا ممَّن يُوصفون بالصُحبة، فإنَّ الصُحبة الإيمانية لا يُوصف بها إلَّا المؤمن.
23) قلتم: (...إن المنافقين كانوا جماعة هائلة في المجتمع الإسلامي...).
قلت: لا يُسلَّم هذا الادعاء، فإنَّهم لو كانوا جماعة هائلة -كما زعمت- لواجهوا المسلمين؛ ولكنَّهم كانوا قليلين مغمورين مقهورين.
وأمَّا كثرة ورود الآيات فيهم، فهي لكثرة أذاهم وشرّهم على المسلمين؛ فإنَّ الإشاعات قد يُطلقها شخص واحد، فيكون لها آثارها السيئة بما يعادل جيشاً جراراً يواجه المسلمين، ولهذا فدعوى الكثرة مردود، وليس في القرآن ولا في السنَّة ما يدل على ذلك.
24) قلتم: (...بين معروف عُرِف بِسِمَة النفاق، وغير معروف بذلك، مقنع بقناع التظاهر بالإيمان والحب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم...).
قلت: هذه دعوى ينقصها الدليل، فأين من المنافقين من زعم أنَّه يحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي أيّ كتاب وجدت ذلك؟! وأنت تقرر أنَّه لابد من ذكر المصدر!!
25) قلتم: (بحيث كان كل من حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخاف على نفسه أن تنزل فيه آية تفضحه بمرأى من المسلمين ومسمعهم)!
قلت: عجباً لهذا الخيال العجيب! إنَّ هذا الكلام يُوحي بأنَّهم جميعاً منافقون متستِّرون، ويترقَّبون أن ينزل فيهم قرآن يكشف نفاقهم!
وهذا خيال عجيب!
فلم ينزل ما توهمته، فهل يعني ذلك إقرار النفاق أو تغريراً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بإبقاء المنافقين حوله يخدعونه بالإيمان وهم غير مؤمنين، ثمَّ هذا خداع للأمَّة أن يبقى أشخاص يحيطون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم منافقون، وتحسبهم الأمَّة مؤمنين فتتلقى عنهم الدين وهم منافقون.
إنَّ هذا الكلام يفقد الثقة في كل من حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وغيرهم من سادات المؤمنين وأنهم يخافون أن تنزل فيهم آية تفضحهم!!!
26) أوردتم قولاً عُزي إلى عمر رضي الله عنه وهو: (ما فرغ من تنزيل براءة حتى ظننَّا أن لن يبقى منَّا أحد إلَّا ينزل فيه شيء) وعزوته إلى زاد المسير (3/306).
إنَّ ذلك ليس معناه أنَّهم منافقون، وإنَّما أراد رضي الله عنه أنَّنا جميعاً أصحاب ذنوب وخطايا.
ولمَّا نزلت السورة تكشف أخطاء المنافقين بصورة مفصلة، خشينا أن لا تترك أحداً له خطأ أو أخطاء إلَّا كشفته، وهل يمكن أن يعترف المنافق بالنفاق؟! إنَّ حساسية القلب المؤمن والاعتراف بالتقصير درجة رفيعة لا تعرفها القلوب المريضة.
ثمَّ لماذا يُنافق عمر رضي الله عنه وهو الذي آمن باختياره، وهاجر باختياره، وقد تحمَّل في سبيل ذلك أنواع الأذى والابتلاء، وفارق الوطن والعشيرة، أكان يعلم الغيب؟!
*مصير المنافقين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم:
27) قلتم (ص:7): (أين ذهب هؤلاء المنافقون...).
قلت: مرَّ معنا أنَّ الله عز وجل قد هددهم إن لم ينتهوا أنْ يُغري بهم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أو أن يُقتلوا، ولمَّا لم يقع هذا الإغراء والتقتيل، عرف أنَّهم تابوا أو هلكوا أو ذلوا.
وقد ورد في صحيح مسلم عن حُذيفة رضي الله عنه أنَّه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (في أصحابي اثنا عشر منافقاً: فيهم ثمانية لا يدخلون الجنَّة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سَمّ الخياط، وثمانية منهم تكفيكموهم الدُّبيلة: سراج من نار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم)([83]).
28) قلتم: (أين ذهب هؤلاء المنافقون بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم...).
قلت:
أولاً: هل هناك دليل على أنَّ هؤلاء المنافقين قد بقوا إلى وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
ثانياً: إنَّ الدلائل تدل على أنَّهم إمَّا تابوا وانتهوا من نفاقهم، أو أنَّهم نُقِصوا حتى ضعفوا، إمَّا نُقِصوا بالموت كما تقدَّم في الحديث، وإمَّا أنَّهم دخلوا الإسلام، وخاصة عندما مات زعيمهم الذي كانوا يوالونه، حيث لم يبقَ لهم مطمع في الظفر والنصر.
29) أوردتم ثلاث صفحات تقريباً (6-9) تتساءلون فيها عن المنافقين الذين كانوا في المدينة، وتشيرون إلى كثرتهم، وكيف انتهى الحديث عنهم...إلخ.
والجواب نذكره إجمالاً وتفصيلاً:
الجواب الإجمالي عن مصير المنافقين:
أولاً: الناظر في عرضكم للصحابة والمنافقين يلحظ عدة أمور، منها:
1-                   أنَّكم عند عرضكم للصحابة حاولتم أن تُقلِّلوا من عددهم، وأن تحملوا الآيات على أنَّها أرادت بعض من يُسمَّى بالصحابة، ممَّا يُوحِي بأنَّ الآيات لا تشير إلَّا إلى أفراد؛ لأنَّها تُحمل على البعض لا على الكل، ولمَّا كان معتقد الشيعة أنَّ جميع الصحابة كفروا أو فسقوا إلَّا أربعة أشخاص أو نحوهم، فلم ييقَ -إذن- إلَّا ذلك العدد.
فسيأتي قولكم: (وبما أنَّ لفظة: «من» في «من المهاجرين» للتبعيض، فهو يخرج المتأخرين، ص:28).
وقلتم: (يُلاحظ عليه: أنَّه سبحانه لا يُثني، لا على عامة المهاجرين ولا على عامة الأنصار، بل صنف خاص منهم، ص:29).
وإن كان كلامكم فيه استدراكات؛ لكنَّها مشوبة بهذه التشككات، وعند التحقيق لا ممدوح عند الشيعة سوى عليّ والأربعة.
مع أنَّ بعض الآيات -كما سيأتي- ليس فيها التقييد بالبعض.
بل نلمح أنَّ التأثر بالروايات الضعيفة يكاد يحصر الممدوحين في الآيات على أنَّ (المراد من السابقين هو عليّ بن أبي طالب...، ص:31) كما سيأتي من قولكم، لولا ما استدركتموه بعد ذلك.
لكنكم أنتم ربَّما تمثِّلون بهذا الاستدلال فئة قليلة لا تمثل المذهب، وإنَّما لكثرة دراستها وتحقيقاتها توصلت إلى هذه النتيجة، وإن كان ذلك قد يحمل على التقية عندما نرى قناعتكم بنظرية (الوصية) كما سيأتي.
ثمَّ إذا ذكرتم المنافقين وإذا بكم تضخمونهم، وتدَّعون كثرتهم، حتَّى ليُخيَّل إلى القارئ أنَّ المنافقين يمثِّلون أكثرية المجتمع، فقد قلتم: (فلو كان المنافقون جماعة قليلة غير مؤثرة، لما رأيت هذه العناية البالغة في القرآن) إلى أن قلتم: (وهذا يدل على كثرة أصحاب النفاق وتأثيرهم يوم ذاك في المجتمع الإسلامي) إلى أن قلتم: (الدالة على أنَّ المنافقين كانوا جماعة هائلة في المجتمع الإسلامي) (ص:6).
2-                   عند عرضكم للمنافقين أوردتم آثاراً تُوحي بأن كل من حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسلم من النفاق.
وهذا يدل دلالة واضحة على قوة تأثير الروايات الشيعية التي لا تستثني أحداً من الصحابة رضي الله عنهم غير الأربعة أو نحوهم، من العدول عن جادة الصواب، مع أنَّ جميع تلك الروايات ممَّا ابتُلي به المذهب الشيعي، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
ثانياً: نحن نتساءل عدة أسئلة على ضوء عرضكم هذا:
1-                   كم كان عدد المنافقين في المجتمع المدني؟
2-                   وهل هذه الحملة عليهم في القرآن تدل على كثرتهم؟
3-                   وهل بقي أحدٌ منهم بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم؟
4-                   وهل كانوا يَخفون على الصحابة رضي الله عنهم وعلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كذلك؟
هذه التساؤلات نحاول أن نجيب عنها باختصار:
1-                   أمَّا عدد المنافقين: فلا شكَّ أنَّه كان في البداية كثيراً -لكنهم لم يكونوا أكثر من المؤمنين- وذلك لأنَّ رئيسهم عبد الله بن أُبي كان يتوق إلى الزعامة، لم ييأس منها طوال حياته، ولعلَّ من كان معه كان يحمل نفس الأمل.
لكن لا نتصور أنْ يستمر التابعون له بنفس العدد، وهم يسمعون القرآن يُتلى في أرضهم وبيوتهم وأسواقهم ومساجدهم، فلا بد أنْ يتأثَّر بعضهم بما يسمع.
ثمَّ لا شكَّ أنَّ الطمع في العودة إلى الجاهلية والوصول إلى الزعامة قد انقطع بموت عبد الله بن أُبي ابن سلول، وأنَّ المنافقين قد ضعُفوا بعد ذلك.
وقد روى البخاري قصة فيها: (أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرَّ على مجلس فيه عبد الله بن أُبي ابن سلول، فدعاهم إلى الله عز وجل، فقال ابن سلول: أيها المرء! إنَّه لا أحسن ممَّا تقول، إنْ كان حقّاً فلا تؤذنا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه). وكان المجلس فيه خليط من المسلمين واليهود والمشركين، فوقع بينهم الخلاف حتى كادوا أن يقتتلوا، فخفضهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى سكنوا، ثمَّ ركب دابته فسار إلى سعد بن عُبادة يزوره، فلمَّا دخل عليه قال: يا سعد! ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب - يريد عبد الله بن أُبي - قال كذا وكذا.
قال سعد بن عُبادة: يا رسول الله! اعفُ عنه واصفح عنه، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أُنزِل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البُحيرة -أي البلد- على أن يتوجوه فيعصبونه بالعصابة -يعني يرئسونه عليهم- فلمَّا أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرِق أي: غص، كناية عن الحسد- بذلك...)([84]).
وهذه الواقعة كانت قبل أن يتظاهر بالإسلام.
ثمَّ بعد غزوة بدر عندما انتصر المسلمون وظهرت قوتهم، قرَّر عبد الله بن أُبي أن يدخل في الإسلام.
ثمَّ تُوفي ابن سلول في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العام التاسع([85]). ولا شكَّ أنَّ هذا سبب كبير لضعف النفاق.
2-                   أمَّا هذه الحملة على المنافقين: فليس لكثرتهم، وإنَّما لكثرة شرهم، وما يقومون به من إشاعات وتخذيل في صفوف المؤمنين.
وإذا رجعنا إلى كتب السير والتواريخ، لا نكاد نجد ذِكراً لأسماء المنافقين غير ابن أُبي، وقد تورد أسماء قليلة وبدون أسانيد.
وقد تقدم عن حُذيفة بن اليمان أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (في أصحابي اثنا عشر منافقاً... ثمانية منهم تكفيكموهم الدُبيلة: سراج من النار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم)([86])، فدل هذا الحديث أنَّ عددهم في أواخر أمرهم لم يزد على هذا العدد، وأنَّ الله عز وجل تكفَّل بإهلاكهم.
3-                   وهل بقي أحد منهم بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
إن بقي أحد فلا يتجاوز عددهم أصابع اليد، وذلك لعدة أدلة:
أ) ما تقدم من الحديث.
ب) لم يذكر أحد من الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنهم شيئاً.
ج) عندما حدثت الردَّة من كثير من الناس لم يسمع لهم خبر، ولم يحدث في داخل المدينة أي حادث يدل على وجود أحد منهم، ولو كانوا موجودين لاستغلوا حادثة الردَّة وآذوا المسلمين كعادتهم.
د) إنَّ الله عز وجل لم يهلكهم في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنَّه سيتولى فضح مخططاتهم بنفسه عز وجل، ولبيان أحكام من سيأتي في المستقبل ممن هو على شاكلتهم في المجتمع المسلم، وأنَّا يجب أنْ نتعامل مع الناس بحسب الظاهر منهم، ولو كانوا في الباطن على خلاف ذلك.
هـ) وأخيراً: ما ثبت في صحيح البخاري عن حذيفة رضي الله عنه، والذي هو الخبير بالمنافقين: أنَّه لم يبقَ من المنافقين إلَّا أربعة أشخاص.
فقد أورد البخاري بسنده عند هذه الآية: ((فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ)) [التوبة:12] عن زيد بن وهب قال: (كنَّا عند حذيفة فقال: ما بقي من أصحاب هذه الآية إلَّا ثلاثة ولا من المنافقين إلَّا أربعة، فقال أعرابي: إنَّكم يا أصحاب محمد تخبروننا فلا ندري، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويسرقون؟ قال: أولئك الفساق، أجل! لم يبقَ منهم إلَّا أربعة: أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده)([87]).
وحذيفة هو أعرف الناس بالمنافقين.
4-                   وهل كانوا يخفون على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
إنَّ الصحابة رضي الله عنهم كانوا من أذكى الناس وأعظمهم نباهة، ولم يكونوا مغفلين تخفى عليهم مثل هذه الشخصيات الخبيثة.
أمَّا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد عرفهم بالوحي، إمَّا بصفاتهم ولحن قولهم، وإمَّا بخبر الله عز وجل له في أواخر حياته صلى الله عليه وآله وسلم.
وأمَّا كثير منهم فقد كانت أعمالهم تكشفهم، والقرآن فصَّل فيهم فذكر: منهم.. ومنهم.. إلخ، حتى لكأن الصحابة رضي الله عنهم يرونهم.
* الجواب التفصيلي عن مصير المنافقين:
وبعد هذه الإجابة الإجمالية نعود إلى الإجابة التفصيلية حسب عرضكم للموضوع.
30) قلتم: (قال السيوطي: وأخرج أبو عوانة وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أنَّ عمر رضي الله عنه قيل له: سورة التوبة. قال: هي إلى العذاب أقرب! ما أقلعت عن الناس حتَّى ما كادت تدع منهم أحداً) [الدر المنثور (3/208)].
قلت:
أولاً: هذا القول والذي قبله متقاربان.
ثانياً: لم أجد هذا القول في المصادر الموجودة، كتفسير الطبري وابن أبي حاتم، وهما أصل لجميع كتب التفاسير، والكتب المذكورة قد فُقِدت ولهذا لا نستطيع أن نحكم عليه، ولكن غالب الظن أنَّه لا يصح؛ لأنَّ عدم وجوده في أقدم موسوعة للتفسير يدل على اختلاقه.
ثالثاً: هب أنَّه قال فما هو المعنى يا تُرى؟!
هل المراد أنَّ جميع من حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم منافق؟!! إذن على الأمَّة السلام.
رابعاً: قد يُراد بالناس (المنافقون)، أي أنَّها كشفت عنهم حتَّى لم يبقَ منهم أحد، فإنَّها إنَّما تحدثت عن النفاق وأهله، وجميع الأفعال التي أوردتها السورة إنَّما حدثت من المنافقين، فأين في السورة إشارة إلى أحد ممَّن حول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الصحابة المشهورين؟
31) أوردتم (ص:7) عدة أسئلة:
أظن أنَّ الإجابة الإجمالية السابقة كافية لبيان جوابها.
32) أوردتم حديث حُذيفة قال: (إنَّ المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كانوا يومئذٍ يُسرُّون واليوم يجهرون)([88]).
قلت: للحديث أحد معنيين:
المعنى الأول: أنَّ المنافقين الذين ظهروا في عصر حُذيفة رضي الله عنه جاهروا بنفاقهم، على خلاف ما كان عليه المنافقون السابقون.
قال ابن التين: (أراد أنَّهم أظهروا من الشرّ ما لم يُظهِر أولئك، غير أنَّهم لم يُصرِحوا بالكفر، وإنَّما هو النفث يلقونه بأفواههم فكانوا يُعرفون به)([89]).
فهذا الذي فهم العلماء من هذا النص، وهو الراجح؛ لما في لفظ آخر أورده الفريابي بسنده عن حُذيفة أنَّه قال: (المنافقون الذين فيكم اليوم شرٌّ من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلنا: يا أبا عبد الله! وكيف ذاك؟ قال: إنَّ أولئك كانوا يُسرُّون نفاقهم وإنَّ هؤلاء يعلنون)([90])، وفي هذا إشارة إلى أنَّ المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد انتهوا.
المعنى الثاني: أنَّ المنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم جهروا بالنفاق وأعلنوه، وهذا المعنى غير واضح؛ فإنَّه لم ينقل لنا أي خبر يدل على أنَّ المراد بهم أولئك بأعيانهم، ثمَّ لو كان هذا هو المراد لكان يعني أنَّهم انكشفوا وظهر نفاقهم، فلم يعد يُخشى منهم أن يزوِّروا حديثاً أو أن ينسبوا إلى الدين ما ليس منه؛ لأنَّهم انكشفوا.
33) ثمَّ أوردتم حديثاً آخر عن حُذيفة: (إنَّما كان النفاق على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأمَّا اليوم فإنَّما هو الكفر بعد الإيمان)([91])[صحيح البخاري (8/100) - كتاب الفتن].
قلت: هذا الحديث بنفس المعنى السابق.
قال ابن التين: (كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آمنوا بألسنتهم ولم تُؤمن قلوبهم، وأمَّا من جاء بعدهم، فإنَّه وُلِد في الإسلام وعلى فطرته، فمن كفر منهم فهو مرتد، ولذلك اختلفت أحكام المنافقين والمرتدِّين)([92]).
ونص الحديث واضح، فهو يقول: (فأمَّا اليوم فإنَّما هو الكفر بعد الإيمان)، أي أنَّ أُناساً آمنوا ثمَّ غيَّروا، وهذا لا يكاد يخلو منه زمن.
ثمَّ لو كان المراد أن المنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعلنوا الكفر، فذلك خير؛ لأنَّه يكشف عن عقائدهم الكاذبة التي استتروا وراءها في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ولا شكَّ أنَّ أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير مقصودين بهذا الخبر: لا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا عليّ، ولا إخوانهم.
34) قلتم: (ز- وبعد ذلك كله: ماذا نقول بما ورد بأنَّ عمر بن الخطاب لم يكن يُصلِّي على أحدٍ مات إلَّا بعد شهادة حُذيفة بأنَّه لم يكن من المنافقين؟) ثم قلتم: (كما قال ابن كثير: وذُكر لنا أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا مات رجل ممَّن يرى أنَّه منهم، نظر إلى حُذَيفة، فإن صلَّى عليه وإلاَّ تركه) [تفسير ابن كثير (2/399)].
قلت:
أولاً: هذا القول المنسوب إلى عمر لم يورده ابن كثير بسند أو يعزوه إلى كتاب مُسند، وإنَما أورده بصيغة التضعيف له، حيث قال: (وذُكِر لنا) وهذه الصيغة تدل على تضعيف الأثر.
فلا حجة في حديث أو أثر لا يصح.
ثانياً: هذا -إنْ صحَّ- يدل على أنَّ حُذَيفة رضي الله عنه يعرف المنافقين، وبهذا فلا يستطيع مُنافق أن يقول في الدين شيئاً؛ لأنَّه مكشوف، وقد عاش حُذيفة إلى سنة ست وثلاثين للهجرة([93]).
ثالثاً: ثمَّ إن هذا منكم تناقُض، ففي السابق تؤكدون أنَّ المنافقين: (كانوا يستترون، واليوم - أي في عهد حُذَيفة - يجهرون).
وهذا يعني أنَّهم عُرِفوا، ثمَّ هناك تزعُم أنَّهم مستترون غير معروفين!!
35) قلتم: (وكيف نجيب الطالب إذا استفسر عن مدلول ما ورد: أنَّ أمر النفاق وعدم تغلغل الوعي الإيماني في نفوس الصحابة، بلغ بالدرجة التي يشك الخليفة عمر بن الخطاب هل هو منهم أم لا؟ كما ذكر ابن كثير والطبري: وذُكِر لنا أنَّ عمر قال لحُذَيفة: أنشدك الله! أمنهم أنا؟ قال: لا، ولا أومن منها أحداً بعدك) [تفسير ابن كثير (2/299)جامع البيان للطبري (11/16)].
قلت: هذا القول كسابقه أورده ابن كثير بصيغة التمريض، وهذا إشارة إلى عدم صحته عنده، ثمَّ لم يذكر له سنداً أو يعزُه إلى كتاب مسند ليعرف سنده ويحكم عليه.
ثم لو كان عمر منافقاً -حاشاه رضي الله عنه - أكان يسأل حذيفة أمام الناس عن نفسه؟! ألا يخشى أن يفضحه لو كان كذلك؟!!
إن حساسية الإيمان في قلب الفاروق تجعله يخشى أن يخفى عليه شيء في نفسه يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وهو لا يعلمه، فسأل ليطمئن رضي الله عنه!!
ولكن أحاسيس القلوب الحية تخفى على القلوب الميتة!
36) قلتم: (هل نقبل بأن يُقال: إنَّ المنافقين كانوا معروفين، فلا نخلطهم بالصحابة؟).
قلت: نعم. إنَّ المنافقين لم يكونوا مجهولين كما تقدم؛ بل كانوا معروفين، وقد تقدَّم تقرير ذلك. وما أوردتموه من الآثار لا تصح.
37) قلتم: ثمَّ كيف نبُرِّر ونُؤوِّل ما ورد في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب حين قام وقال: (يارسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق «أراد عبد الله بن أُبي» فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: دعه! لا يتحدَّث الناس أنَّ محمداً يقتل أصحابه)([94]) [صحيح البخاري (6/66) ومسلم (8/19)].
قلت: الجواب من وجوه:
أولاً: هذا دليل على غيرة الصحابة رضي الله عنهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واستعدادهم لقتل المنافقين، وهذا دليل إيمانهم، وإلاَّ لو لم يكونوا كذلك لرضوا بقول المنافقين.
ثانياً: يدلنا على قرب عمر رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووقوفه معه جُندياً يُنفِّذ ما يأمره به، وينتهي عمَّا ينهاه عنه.
ثالثاً: لو كان عمر رضي الله عنه -وحاشاه- منافقاً، لقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم له: وأنت يا عمر مثله ولم نقتلك، أو نحو ذلك، إلَّا إذا قلتم بأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعمل بـ(التقية)!!
رابعاً: النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينسب القول إلى الناس، أي: غير المسلمين الذين لا يعرفون حقيقة الأمر، فلا يُفرِّقون بين مسلم ومنافق، ويعتقدون أنَّ كل من مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسلم، فلو قتل واحداً بحجة عدم الإسلام، وقد أعلن الإسلام الذي يلحقه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأشاع الناس أنَّ محمداً يقتل أصحابه، أي: أتباعه حسب الظاهر.
وليس المقصود أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصفهم بصفة الصُحبة الإيمانية التي هي صفة تكريم.
وفرق بين أن يصف هو صلى الله عليه وسلم أحداً بأنه من أصحابه، أو أنهم أصحابه، وبين أن يخبر عن قول الناس.
فالوصف الأول وصف (إيماني) والوصف الثاني وصف (لغوي) أو (عرفي) أي: في نظر الناس، ومن الأول قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي...)([95]) في قصة خالد بن الوليد وعبد الرحمن ابن عوف، وكذلك قوله في أبي بكر رضي الله عنه: (فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟) كما تقدم([96]).
وأما الوصف اللغوي أو في أعين الناس أي: (العرفي) فما ذكر هنا، حيث قال فيه صلى الله عليه وسلم: (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)، والفرق بينهما واضح لمن سلم قلبه!
ولم يكن أحد من الصحابة رضي الله عنهم ولا من التابعين ولا من جميع المسلمين يُطلِق على (المنافقين) أنَّهم: (صحابة).
وهكذا كل الأحاديث التي أوردتموها، إنَّما أطلق عليهم فيها (أصحابه)، و: (أصحابي) باعتبار المتحدثين من غير المسلمين، ولا يخفى هذا على صاحب قلب سليم!!
38) قلتم: (وههنا وقفة أخرى: كيف يُطلِق عمر على صحابي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّه منافق، ويطلب ضرب عنقه وهو جايز لا طعن فيه، ولكن من قال فيه بأنَّه صحابي غير عادل فيحكم عليه بالزندقة؟!).
قلت: الرد من وجوه:
أولاً: عمر هو عمر، فاروق الأمَّة، الخليفة الراشد، الذي أثنى عليه نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وامتدحه في عدَّة مواقف، وينبغي أن يُذكَر بكل احترام وتقدير.
وهذه بعض أحاديث وردت في فضله رضي الله عنه إضافة إلى ما تقدم:
روى البخاري أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشره بالجنَّة([97]).
وروى البخاري أنَّ أهل بدر في الجنَّة، وعمر من أهل بدر([98]).
وروى البخاري أنَّه أحب الناس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أبي بكر([99]).
وروى البخاري أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى رؤيا وأعطى فضله -من الشراب- لعمر، وأنَّه فسره بالعلم([100]).
ثمَّ إنَّ عمر بن الخطاب ليس مُزارعاً في مزرعة أحدنا أو حارساً لعمارتنا.. عمر هو الذي فتح العالم، ونشر الإسلام، وأدخل آباءك وأجدادك في الإسلام، فحقه عليك أولاً عظيم، وينبغي أن تستحضر هذا المعنى وأنت تذكره..
تستحضر جيوشه وهي تحمل الهداية إلى آبائك وأجدادك، ولولا أنَّ الله عز وجل قيَّضه وأعانه لربَّما كانت بلاد فارس اليوم على دينها السابق.
فتستحضر هذا الأمر في ذهنك وأنت تذكر هذا الإمام العظيم.
والذي يُكتب مثلُ أعمال هذه البلاد التي فُتِحَت في عهده في صحيفته، فكم من مسلم عبد الله عز وجل كان عمر سبباً لإسلامه وإسلام آبائه! أليس لعمر مثل عمل هؤلاء؟! قال صلى الله عليه وسلم: (من دعا إلى هدىً كان له من الأجر مثل أجور من تبعه؛ لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه؛ لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)([101]). اللهم ارضَ عنه واجزه عن دينك وأمَّة نبيك خير ما يُجْزى فاتح عظيم.
عمر رضي الله عنه الذي لا نستطيع أن نوفيه حقه من الدعاء والثناء.
ثانياً: عمر رضي الله عنه أطلق هذا الاسم في حضرة سيد البشر نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلم يعاتبه؛ لعلمه بحُسن قصده وهو يصف صحابياً آخر.. إنَّه أطلقه بسبب عمل حدث من ذلك الصحابي، وهو كشف خبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأعدائه، وهو عمل كبير من هذا الصحابي الجليل الذي شفع له حسن قصده، وما له من رصيد عظيم؛ رصيد (بدر)، أول غزوة غزاها نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. الغزوة التي أعز الله عز وجل فيها الإسلام، فكل عمل خاطئ يقع بعدها فهو ذرَّة في جانب ذلك الرصيد العظيم.
ثالثاً: عمر رضي الله عنه حكم على الصحابي بحسب الظاهر، ولم يكن يعلم مكانة أهل بدر، ولا يعلم ما يكنّه من حب لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فردَّ عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبيَّن له أنَّه صدق في عذره، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنَّه صدقكم)([102]) عندما ذكر عذره. فقد علم صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه صادق في عذره، وأنَّ باطنه وظاهره سواء، ثمَّ قال لعمر ما قال، وكان قول عمر هذا سبباً لمعرفة مكانة أهل بدر.
رابعاً: أنَّ غير عمر ممَّن امتلأ قلبه غلّاً على عظماء الأمَّة، بسبب روايات كاذبة في حقهم، وعقائد باطلة، هؤلاء لا يشاركون عمر رضي الله عنه في سلامة المقصد، وصحَّة الخبر الذي يحكمون به على الصحابي الذي يريدون.
فشتَّان -إذن- بين الأمرين، وسيأتي مزيد بيان إن شاء الله تعالى.
*عدالة الصحابة رضي الله عنهم:
39) قلتم (ص:8): (وإذا كان الأصحاب كلهم عدولاً بلا استثناء، فما معنى الحدود الشرعية التي أقامها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي عليه السلام، بحق الزُناة والسُّراق وشاربي الخمر من الصحابة؟).
قلت: الرد من وجوه:
أولاً: ذكرت عظماء الأمَّة وخلفاءها الراشدين ولم تترضَ عليهم، وأفردت عليّاً رضي الله عنه بالسلام، مع أنَّك قلت في السابق: (فالناظر المتجرد عن كل رأي مسبق، والبريء قلبه من كل مرض يجد في نفسه تكريماً لهؤلاء الصحابة) فأين التكريم؟!
ولا شكَّ أنَّ هذا من آثار عقائد الإمامية التي تعتقد أنَّ هؤلاء إمَّا كُفَّار على قول، وإمَّا فُسَّاق ظَلَمَة على قول آخر، وحاشاهم وزراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنصاره، وآباء زوجاته أمَّهات المؤمنين، وفاتحي العالم، وناشري الإسلام.
ثانياً: لقد مرَّ معنا أنَّ العدالة ليس القصد منها (العصمة) من الخطأ، فإنَّ العصمة من الخطأ ليست لأحد من البشر إلا الأنبياء عليهم السلام فيما يبلِّغون من شرع الله عز وجل، ثمَّ لا يُقرُّون على خطأ في غير ذلك.
وليس من شرط أولياء الله عز وجل أن لا يقع منهم الخطأ.
وليس القصد من قولنا بعدالتهم أنَّهم لا يُخطئون، لكن مُرادنا أنَّهم أُمناء على شرع الله عز وجل، ولا يكذبون في حديثهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو وقع من أحدهم خطأ، فإنَّه يُسارع إلى التوبة، إلَّا حالات شاذة لا تكاد تُذكَر في جانب الآلاف من المؤمنين الصادقين.
أمَّا الخطأ في الاجتهاد فهو وارد، ولكنَّهم مأجورون على صوابهم وعلى خطئهم؛ لكن الأجر في الخطأ أقل.
قال ابن الأنباري: (وليس المُراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم لاستحالة المعصية منهم، وإنَّما المُراد قبول رواياتهم من غير تكلُّف بحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية، إلَّا إنْ ثبت ارتكاب قادح، ولم يثبت ولله الحمد)([103]).
وقال ابن القيِّم: (قد يُغلط في مُسمَّى العدالة، فيُظن أنَّ المُراد بالعدل من لا ذنب له، وليس كذلك، بل هو عدل مؤتمن على الدين وإن كان منه ممَّا يتوب إلى الله منه، فإنَّ هذا لا يُنافي العدالة، كما لا يُنافي الإيمان والولاية)([104]).
ثالثاً: كم عدد الذين زنوا في عهد الخلفاء وأقاموا عليهم الحد؟
وكم منهم يا تُرى شرب الخمر وسرق؟
إنَّ هذا الكلام يُوحي بأنَّ الزُناة والسراق وشاربي الخمر كانوا بالمئات!!
وهذا أسلوب لا يليق بباحث محقق!
هل تستطيع أنْ تُحصي لنا العدد؟! إنَّ العدد لا يتجاوز أصابع اليد.
رابعاً: إنَّ من وقع في معصية ثمَّ تاب منها، تاب الله عليه، ولا يُعَيَّر بمعصيته؛ فإنَّ التوبة تجبُّ ما قبلها.
أمَّا إنْ لم يتب، فلا شكَّ أنَّ هذا مجروح العدالة؛ لكن يبقى أسلوب التضخيم أسلوباً غير مرَضي عند المحققين.
* الرد على شبهات حول عدالة الصحابة رضي الله عنهم:
40) قلتم (ص:8): (ما هو المراد من الاجتهاد والتأويل الذي يبرِّر صاحبه فيما يرتكب من المخالفات للكتاب أو السنَّة؛ كما في قضية خالد بن الوليد في قتل مالك بن نويرة، وأبي الغادية في قتل عمار؟).
قلت: الجواب من وجوه:
أولاً: لقد أثنى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على خالد بن الوليد، ووصفه بأنَّه سيف من سيوف الله.
فقد روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه وهو يروي ما حدث في مؤتة: (أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب -وعيناه تذرفان- حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم)([105]).
هنيئاً لسيف الله.. اسم أطلقه أصدق الناس، وأعلم الناس بأحوال الناس، وأحرص الناس على دين الله عز وجل.
ثانياً: خالد بن الوليد سيف الله المسلول هو الذي حارب المرتدين حتى أعادهم إلى الإسلام، وبعد ذلك انطلق إلى العراق يقود كتائب الإيمان، وسيرته من أعجب السير، وهو الذي فتح تلك البلدان وأدخلها في الإسلام، فرضي الله عنه وأرضاه، وجزاه عن الإسلام خير الجزاء.
وإنَّ أي إنسان سليم القلب يقرأ سيرته؛ ليرى قائداً عظيماً نفع الله به الإسلام والمسلمين.
اقرأ قيادته للجيوش وفتوحاته العظيمة؛ لترى أنَّنا أقزام نقف أمام عملاق؛ نستحي أنْ نثير قصة وقعت نعتقد أنَّه أخطأ فيها إن صحت عنه.
ثالثاً: الروايات التاريخية مختلفة في بيان الحقيقة، ولذلك لا ينبغي التعويل على تلك الروايات التي تشنع عليه، دون الروايات التي تبرر عمله، فقد ورد في الروايات التي تبرر عمله ما يلي:
قال ابن كثير: (ويقال: بل استدعى خالد مالك بن نويرة فأنَّبه على ما صدر منه من متابعة سجاح، وعلى منعه الزكاة، وقال: ألم تعلم أنَّها قرينة الصلاة؟ قال مالك: إنَّ صاحبكم -أي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - كان يزعم ذلك! فقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟! يا ضرار! اضرب عنقه. فضربت عنقه)([106]). فالله أعلم أي ذلك كان.
رابعاً: خالد بن الوليد قائد أمَّره النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته، وقد وقع منه خطأ في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فتبرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من فعله ولم يعزله، وذلك قرينة على أنَّ القائد قد يخطئ، ولا يستوجب ذلك عزله إذا كان يحتاجه الجهاد في سبيل الله عز وجل.
روى البخاري بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث خالد بن الوليد إلى بني جُذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا. فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منَّا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أنْ يقتل كل رجل منَّا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرناه، فرفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يديه فقال: اللهم إنِّي أبرأ إليك ممَّا صنع خالد. مرتين)([107]).
فخالد هنا قتل قوماً أعلنوا إسلامهم بلفظ غير لفظ الإسلام، وعندما علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يرضَ صنيعه، وتبرَّأ من عمله، ومع ذلك لم يعزله؛ بل كان يوليه بعد ذلك([108]).
فما هو قولك في عدم عقابه وعدم عزله، أتنتقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كذلك، أم تسكت، أم تؤمن بأنَّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يعاقب خالداً لأنه اجتهد فأخطأ؟!
ثمَّ ما الفرق بين من قتلهم في المرة الأولى ومن قتلهم في المرة الثانية؟ أليس المقتولون في المرة السابقة كانوا كفاراً وفي المرة الثانية كانوا مرتدِّين، ثمَّ أعلنوا الإسلام في كلا الحالين؟!
نحمد الله عز وجل على سلامة الصدر لسيف الإسلام، الذي حطَّم دول الكفر وأدخل أهلها في الإسلام، وغفر الله له ما أخطأ في جانب بحر حسناته.
خامساً: قد وقع مثل هذا الاجتهاد الخاطئ من ابن حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسامة بن زيد بن حارثة، حيث قتل رجلاً بعد أن قال: لا إله إلا الله، فعاتبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك ولم يعاقبه([109]).
فما رأيك: أتعترض على عدم عقاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له، بدعوى أنَّه اجتهاد يخالف الكتاب والسنَّة؟!
اجمع بين هذه المواقف النبوية، واستحضر موقف الصدِّيق رضي الله عنه، ثمَّ أعد النظر بقلب سليم.
سادساً: وقع مثل ذلك لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه؛ فإنَّه لم يقتل قتلة الخليفة الراشد عثمان ابن عفان رضي الله عنه زوج بنتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قُتِل مظلوماً، وهو أعظم وأفضل من ملء الأرض من مالك بن نويرة، ولم نُعِب عليه رضي الله عنه؛ لأنَّه كان مجتهداً كأخيه الصدِّيق رضي الله عنه. اللهم سلِّم قلوبنا لأحبابك وأصحاب رسولك صلى الله عليه وآله وسلم، الذين نصروا دينك وجاهدوا مع رسولك صلى الله عليه وآله وسلم.
سابعاً: ألم يحدث هذا الفعل في حياة الصحابة رضي الله عنهم، ولم يحدث منهم اعتراض إلَّا ما كان من عمر رضي الله عنه، فلم نسمع من عليّ رضي الله عنه ولا غيره من الصحابة أنَّه أنكر ذلك، أتظن أنَّكم أغْيَر على دين الله من جيل القرآن الذي اختاره الله عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، والجهاد لرفع راية الإسلام، ونقل الدين إلى الأمَّة كما أنزله الله عز وجل؟!
إنَّ الروايات التاريخية التي تغُصُّ بها كتب الشيعة بالإزراء على الصحابة، وإحداث عقائد جديدة، هو السبب في هذا الازدراء والاتهام لعظماء الأمَّة، كما سيأتي بيانه بمشيئة الله تعالى.
أمَّا (قتل أبي الغادية لعمار) -إنْ كان هو أو غيره- فإنَّه كان يقاتل مع جيش معاوية، وقد قُتل عمار وغيره من الصحابة في كلا الجيشين: جيش عليّ رضي الله عنه وجيش معاوية رضي الله عنه، وكل من قاتل بتأويل فيرجى له المغفرة، لا ندري عمَّا في نفوسهم، لكنّا نعتقد أنَّهم متأولون، ولا شك أنَّ الحق كان مع عليّ رضي الله عنه، ويشهد لذلك حديث: (تقتل عماراً الفئة الباغية).
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ويح عمار! تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار)([110]).
وقد وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفئة القاتلة بأنَّها باغية، ولم يصفها بأنَّها كافرة؛ فهل يجوز لكم أن تكونوا أكثر غيرة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتخطئوه لعدم وصف الطائفة التي تقتل عماراً بأنَّها كافرة، وتكفرون أبا الغادية؟!
إنَّ البغي من إحدى الطائفتين لا يخرجها من الإسلام، كما قال تعالى: ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي)) [الحجرات:9]، ثم قال عز وجل: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)) [الحجرات:10]، فالله عز وجل سمَّى المؤمنين المتقاتلين إخوة مع وصفه إحداهما بالبغي وأطلق عليهما إخوَّة الإيمان ولكنَّه حثَّ على قتال الباغي.
فقاتل المؤمن عن عمد متوعد بالنار إذا كان ليس له في ذلك شبهة، وهؤلاء أظهروا المطالبة بدم الخليفة الراشد الذي قُتِل مظلوماً رضي الله عنه، فإن كان باطن أمرهم كظاهره فهم متأولون، ونحن ليس لنا إلا الظاهر، وإنْ كان غير ذلك؛ فالله يتولى السرائر يوم تُبْلى السرائر.
قال الكيا الطبري: (وأما ما وقع بينهم من الحروب والفتن فتلك أمور مبنية على الاجتهاد)([111]).
وقال الشوكاني وهو يرد على جماعة من المعتزلة والشيعة الذين زعموا أنَّ الصحابة كلهم عدول إلَّا من قاتل عليّاً: (ويجاب عنه بأنَّ تمسكهم بما تمسكوا به من الشبه يدل على أنَّهم لم يقدموا على ذلك جراءة على الله وتهاوناً بدينه.
وجناب الصحبة عظيم؛ فمن انتهك أعراض بعضهم فقد وقع في هوة لا ينجو منها سالماً)([112]).
41) قلتم (ص:8): (وهل يصح تبرير عمل الصحابة تحت ظل الاجتهاد في كل ما صدر عنهم من مخالفات الأحكام القطعية، وأنَّهم مجازون في ارتكاب كل حرام وترك كل واجب).
قلت: الرد من وجوه:
أولاً: عجباً لهذا الكلام الغريب: (ارتكاب كل حرام وترك كل واجب)! هذا التعميم بهذا الأسلوب يوحي بأنَّهم قوم فُجَّار أضاعوا الدين، وانتهكوا المحرمات، فهل نتأول لهم؟! وهذا ثمرة الروايات الباطلة التي تربى عليها الشيعة، وإن لم يفتح الله عز وجل قلوبهم للحق فالله المستعان.
ثانياً: الصحابة رضي الله عنهم قوم أثنى الله عز وجل عليهم في عشرات الآيات، واختارهم الله سبحانه لصحبة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وهم الذين نصروا الدين، وهم الذين رووا لنا الدين، وكل خير في الأمَّة لهم مثله إلى قيام الساعة، وما قد يحدث منهم من أعمال في ظل الاجتهاد فإنَّه مغفور لهم إن شاء الله.
فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير آخر آية من سورة البقرة، والتي علم الله عز وجل المؤمنين أن يقولوا: ((رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)) [البقرة:286]ثم قال سبحانه وتعالى: (قد فعلت)([113]) أي: رفع سبحانه عنهم المؤاخذة في كل خطأ وقعوا فيه لم يتعمدوه.
وأمَّا الافتراض الخاطئ في حقهم، فهو افتراض سببه تلك الروايات التي تكاثرت على مدى قرون، حتى أصبحت تصور أفضل جيل بشري في صورة سيئة: إمَّا كافرة وإمَّا فاسقة، فليستعد أهل التشيع لمخاصمتهم لهم يوم القيامة.
أمَّا نحن: فإننا نترضى عنهم، ونُثني عليهم كما أثنى عليهم ربهم عز وجل، وندعو لهم جزاء حفظهم لديننا ونصرتهم لرسولنا صلى الله عليه وآله وسلم، ونسأل الله أن يغفر لهم خطأهم ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10].
ثالثاً: ما هي المخالفات التي خالفوا بها الأحكام القطعية؟!
إن كانت الأحكام وردت في القرآن الكريم فما هي؟!
وهل هي قطعية المعنى؟! ومن هو الذي حكم بأنَّها قطعية المعنى؟!
وإن كانت في السنَّة فما هي كذلك؟ ومن الذي حكم بأنَّها قطعية؟!
رابعاً: قد وردت عشرات الآيات في كتاب الله عز وجل، تثني عليهم بلفظ عام وبلفظ خاص، وقد أوَّلتموها وأخرجتموها عن معناها بشتَّى التأويلات، فما الذي أباح لكم التأويل وحرمه على غيركم؟!
خامساً: وإن كان ورد في السنَّة؛ فهم قد رووا السنَّة، فهل يروون شيئاً يعتقدون صحته ثمَّ يخالفونه؟
ثمَّ أنتم: هل تؤمنون بالسنَّة التي صحت في كتب المحدثين من أهل السنَّة وأنتم تنتقون منها ما تريدون مما يوافق مذهبكم ولو كان ضعيفاً، وتردون ما يخالفه ولو كان صحيحاً؟!!
42) قلتم (ص:8): (حتى في الخروج على إمام زمانهم، وإزهاق أرواح كثيرة، وسفك دماء غزيرة).
تقدم بيان ذلك، وأنَّهم لم يخرجوا بقصد الخروج، وإنَّما للمطالبة بدم خليفة مقتول؛ فقد أورد ابن كثير: (أنَّ أبا الدرداء وأبا أمامة دخلا على معاوية، فقالا له: علام تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنَّه أقدم منك ومن أبيك إسلاماً، وأقرب منك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأحق بهذا الأمر منك؟ فقال: أقاتله على دم عثمان، وأنَّه آوى قتلته، فاذهبا إليه فقولا له: فليقدنا من قتلة عثمان، ثمَّ أنا أول من بايعه من أهل الشام. فذهبا إلى عليّ رضي الله عنه فقالا له ذلك، فقال: هؤلاء الذين تريان، فخرج خلق كثير فقالوا: كلنا قتلة عثمان، فمن شاء فليرمنا. قال: فرجع أبو الدرداء وأبو أمامة فلم يشهدا حرباً)([114]).
فهذا ظاهرهم، وأمَّا سرائرهم فالله يعلم بها.
فهل هذا كان خروجاً، أم كان قتالاً على شبهة؟!
43) قلتم (ص:8): (وهل هذا الاجتهاد يختص ببعضهم، أو يعمهم ويشمل من يأتي من بعدهم، اقتداءً بسيرتهم، وعملاً بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم؟)).
قلت: الرد من وجوه:
أولاً: أنت أوردت هذا من باب التهكم لا من باب الاستفسار، وهذا من ثمار الروايات التي صاغت هذه المفاهيم عن هذا الجيل القاعدة للأمة.
ثانياً: الخطأ من صفات البشر، وقد أبان عن تلك الصفات القرآن الكريم والسنَّة النبوية إضافة إلى ما تقدَّم من نصوص.
قال تعالى وهو يعلِّمنا أن ندعوه أن لا يؤاخذنا بخطئنا: ((رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)) [البقرة:286]، وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه تعالى قال: (قد فعلت)([115])، فهو علَّمنا أن ندعوه إذا أخطأنا وأن نعتذر، وقبل مِنَّا عذرنا، فهل يلغي الشيعة صفة الخطأ من البشر؟!
ثمَّ من قال: إنَّه يُقتَدى بالمخطئ في خطئه؟!
ثالثاً: أمَّا الحديث الذي ذكرتموه وهو: (أصحابي كالنجوم...) فقد أوردته على غير عادتك بغير عزو، ولا أظن أنَّه يخفى عليك أنَّه حديث مكذوب، وأنت رجل محدث!!
فالحديث أورده ابن عبد البر([116])، وابن حزم([117]) من طريق سلام بن سليم -أو ابن سليمان على خلاف- قال ابن حزم: (هذه رواية ساقطة.. وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك)، وقال ابن خراش في سلام هذا: (كذاب)، فهل يصح أن تستشهد به وأنت محدث ولا تذكر مصدرك؟!
* بيان أن الآيات الواردة في مرضى القلوب لا تعني الصحابة:
44) قلتم: (الثالث: الآيات القرآنية في حق مرضى القلوب الذين يتلون المنافقين في الروحيات والملكات.
قال سبحانه بحقهم: ((وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً)) [الأحزاب:12].
فكيف يمكن أن يوصف الذين ينسبون خلف الوعد إلى الله وإلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالتقوى والعدالة؟
الرابع: الآيات الواردة في ذوي التشكيك والإثارة للفتنة والسمَّاعين لهم: ((إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ)) [التوبة:45].
الخامس: الآيات النازلة في الذين يؤذون الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ويستحقون بذلك عذاباً أليماً: ((وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ)) [التوبة:61]..
وهل يحكم العقل السليم بعدالة من أوعده الله العذاب ولعنه: ((إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً)) [الأحزاب:57]..
السادس:...أوردتم قوله تعالى: ((وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ)) [آل عمران:154] ثمَّ قلتم: (هل يمكن أن يعد الذين هم أهل الشك والريب في الله عز وجل من العدول الثقات؟!).
والجواب من وجوه:
أولاً: هذه الآيات في طوائف من المنافقين، وليست بحمد الله في المؤمنين من المهاجرين والأنصار، وقد امتلأت كتب السير بأسماء الصحابة المؤمنين، ووردت بعض الأحاديث والآثار فيها أسماء بعض المنافقين، ولم تَسمْ أحداً من الصحابة المؤمنين رضي الله عنهم بالنفاق.
ثانياً: لا ندري من هم هؤلاء الذين وصفوا هؤلاء المنافقين بالتقوى والعدالة، وأيضاً لم تذكر لنا أحداً من هؤلاء المنافقين الذين أطلق عليهم أهل السنَّة بأنَّهم ذوو عدالة وتقوى؟!
ثالثاً: نحن لم نعرف إيمان أعيان المهاجرين والأنصار وإخوانهم المؤمنين إلَّا عن طريق الأحاديث والآثار الصحيحة لا الضعيفة والمكذوبة، فلم نعرف إيمان أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وإخوانهم إلَّا عن طريقهم هم، فإن كان إيمانهم ثابتاً استطعنا أن نفرق بين المؤمنين والمنافقين، وإن لم يكن إيمانهم ثابتاً لم نستطع أن نثبت إيمانهم.
رابعاً: لو طُلب من الشيعة أن يفرقوا بين المؤمنين من الصحابة والمنافقين الذين يعيشون معهم؛ لم يستطيعوا. وهذا هو سبب خلطهم بين صفوة الخلق ورذالة الخلق والذي لا يخفى على طالب حق.
أمَّا أهل السنَّة فهم يعرفون أعيان المؤمنين من المهاجرين والأنصار، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان من خلال ذكر أسمائهم في كتب السير، حتَّى يرد دليل ينقض ذلك أو يبطله.
خامساً: جميع هذه الآيات ذكر المفسرون لها أسباباً من أهل النفاق، وجميع المفسرين يذكرون أنَّ ذلك من المنافقين، ولم يذكر شخص واحد أنَّ ذلك من المؤمنين، ولو رجعت إلى أقوالهم لرأيت أنَّ تلك الأقوال والأعمال لم تنسب إلى صحابي واحد، ولم يتشكك مفسر في شيء من ذلك، وذلك من خلال روايات التفسير.
ونذكر نموذجاً من ذلك:
روى البيهقي بسنده عن أبي طلحة أنَّه قال: (غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أُحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه. قال: والطائفة الأخرى المنافقون- ليس لهم هم إلَّا أنفسهم، أجبن قوم وأرعنه وأخذله للحق: ((يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ)) [آل عمران:154]أهل شك وريبة في الله عز وجل)([118])، وهذه الرواية أوردها ابن كثير، فلِمَ لَمْ تذكرها أو تتذكرها مع أنَّك عزوت إليه؟!
وأورد كذلك حديثاً عن الزبير بن العوام بسند صحيح قال فيه: (لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين اشتد الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم، فما منَّا من رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فوالله إنِّي لأسمع قول مُعتب بن قشير، ما أسمع إلا كالحلم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا. فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله تعالى: ((يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا)) [آل عمران:154] لقول معتب)([119]).
فهل هؤلاء من الصحابة الذين نقول بعدالتهم؟!
سادساً: هل تستطيع أن تذكر لنا نصاً واحداً فقط أن أحد الصحابة الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار قد قال شيئاً من ذلك؟!
45) ثم ختمت هذا المبحث بقولك: (فحصيلة ما يلاحظ في هذه الآيات: أنَّ في الأصحاب عدولاً وثقات من غير شك وريب، ومنهم أيضاً غير عدول وضعاف).
الجواب من وجوه:
أولاً: ما زلت مصرّاً على تسمية جميع من في المدينة من المؤمنين والمنافقين بأنَّهم (أصحاب)، وهذا في الحقيقة تَجنٍّ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث جعلت المنافقين أصحاباً له ينسبون إليه ويعرف بهم، فإن الشخص يوزن بأصحابه، فمن كان أصحابه فُضلاء كان فاضلاً، ومن كانوا غير ذلك كان غير ذلك.
والشيعة الإثنا عشرية لم يتورَّعوا أن ينسبوا المنافقين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا غاية الخذلان.
ثانياً: لم يقل أحد من علماء الأمَّة ولا من جهلتها أنَّ المنافقين أصحاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولو قلت هذا الكلام عند بعض القوم لربَّما لا تسلم من عقاب، فكيف عند علماء الأمَّة وأفاضلها، وقد مرَّ معنا كلام الصحابيَّين الجليلين: أبي طلحة والزبير أنَّ ذلك القول صدر من المنافقين!
ثالثاً: قولك: (إنَّ في الأصحاب عدولاً وغير عدول)، هل تستطيع أن تذكر لنا أسماء العدول منهم وغير العدول؟ وهل هناك عدول غير (الأربعة) عندكم؟! دين ختم الله به الأديان، وأنزل من أجله القرآن، لم ينتفع به في وقت نزوله إلا أربعة أشخاص؟! يا لها من مهزلة يستحي من ذكرها العقلاء!!
أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مُنافقون أو فُساق مرتكبون للحرام!!
زوجاته كافرات أو فاسقات -كما سيأتي-!!
جميع آل بيته كُفار أو فُساق إلا عليّاً وبعض ذريته!!
القرآن مُحرَّف أو ناقص!!
أيُّ دين هذا؟! أراد الله عز وجل أن يهدي به البشرية ففَشِل منذ اللحظة الأولى؟!
الحمد لله الذي عافانا ممَّا ابتلى به بعض الناس.
* بيان فضل أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعدالتهن:
46) قلتم: (4- مقام الصحابة لم يكن أكثر امتيازاً من أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أرفع من مقامهن).
قلت: سبحان الله! بعد أنْ شككت في عدالة الصحابة انتقلت إلى أمَّهات المؤمنين رضي الله عنهن لتشكِّك في طهارتهن وإيمانهن... جرأة عجيبة! ثم ما هي الثمرة التي تريد الشيعة أن تحققها بهذه المطاعن إلا الطعن في ذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعدم نصرة (وصيه) كما يزعمون، بناءً على روايات محدثة، كما سيأتي بمشيئة الله تعالى بيانه.
47) قلتم: (إنَّ التشرف بصحبة النبي لم يكن أكثر امتيازاً وتأثيراً من التشرف بالزواج من النبي، وقد قال سبحانه في شأن أزواجه:: ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً)) [الأحزاب:30]).
الجواب من وجوه:
أولاً: الأدب مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا ذُكر أن يُصلَّى عليه، تعظيماً لمكانته عليه الصلاة والسلام.
ثانياً: دعواك أن التشرف بصحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والزواج منه لا قيمة لها، ممَّا يجب عليك أن تستغفر الله عز وجل منه.
فإنَّ مصاحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرف يرفع من مكانة الصاحب، لا يعدله صحبة بشر، ولهذا فإن أصحاب الأخيار يلحقهم من خيرهم وبركتهم، وأصحاب الأشرار يلحقهم من شرهم وفسادهم.
والله عز وجل قد جعل لبعض الأماكن فضلاً، ينال من يتعبد فيها من بركاته سبحانه، وجعل لبعض الأزمان فضلاً يُضاعِف فيها أجور الأعمال.
فالمدينة تشرَّفت بنبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وقلوب المؤمنين تُعظِّمها تعظيماً لمن عاش بها ودُفِن.
ومكَّة تشرَّفت ببيت الله الحرام، والصلاة في مسجدَي المدينتين مُضاعَفة الأجور.
قال تعالى عن كتابه الكريم: ((وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ)) [الأنعام:92].
وقال تعالى: ((إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ)) [آل عمران:96].
وقال تعالى: ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)) [الإسراء:1].
وقال عيسى عليه السلام عن نفسه((وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ)) [مريم:31]
وقال تعالى عن ليلة إنزال القرآن: ((إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ)) [الدخان:3].
وأما نبينا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فهو إنسان مبارك، وكان الصحابة رضي الله عنهم يتبركون بوضوئه وبشعره وملابسه، وكان صلوات الله وسلامه عليه إذا وضع يده في الماء أو الطعام تبارك وكثر، فإذا تبارك الطعام والماء بملامسته له، ألا يتبارك من يصاحبه أو يتزوج به ممن لامس جسده الشريف جسده من أمهات المؤمنين؟!
أرأيت لو وقفت أمام الخميني وقلت له: من يصاحبك ومن يصاحب إبليس سواء، أو من يصاحبك ويصاحب فرعون سواء، فماذا سيكون الرد عليك؟
ولماذا إذن كان بعض الشيعة يفرح باستمتاع الخميني بطفلته الصغيرة يا تُرى؟! أليس لاعتقاد بركته؟!
استمع إلى القصة التي يرويها السيد حسين الموسوي وقد كان هو شاهدها:
أنَّ الخميني لما كان مقيماً في العراق وجهت إليه دعوة من إحدى مدنها، فطلب من الموسوي مرافقته، وتمت الرحلة، وفي طريق العودة أرادوا أن يرتاحوا من عناء السفر، فأمر الخميني بالتوجه إلى منطقة العطيفية حيث يسكن هناك رجل إيراني الأصل اسمه: (سيد صاحب) كانت بينه وبين الإمام معرفة قوية، قال الموسوي:
(فرح سيد صاحب بمجيئنا... وطلب سيد صاحب المبيت عنده تلك الليلة، فوافق الإمام... ولما حان وقت النوم.. أبصر الخميني صبية بعمر أربع سنوات أو خمس، ولكنَّها جميلة جداً، فطلب الإمام من أبيها سيد إحضارها للتمتع بها، فوافق أبوها بفرح بالغ، فبات الخميني والصبية في حضنه ونحن نسمع بكاءها وصريخها!)([120]).
فما رأيكم في فرح الأب بمس جسد الخميني لجسد ابنته الصغيرة عن طريق المتعة، لظنه أنَّ قرب (الإمام) شرف، ولو بهذه الصورة المزرية؟!
نستغفر الله عز وجل من أن نحتقر صحبته صلوات الله وسلامه عليه، ثمَّ نحكم عليها بأنَّها غير مفيدة.
إنَّ صُحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرف ورفعة يرتفع بها كل من حصل عليها، ونحن نعظِّم كل مؤمن صاحبه صلوات الله وسلامه عليه، ونغبطه على تلك الصحبة التي كانت قاعدة الإسلام وأساس الخير لهم وللبشرية.
قال الشوكاني: (وجناب الصحبة أمر عظيم) كما مرَّ معنا.
وقد تجلَّت بركة صحبته صلوات الله وسلامه عليه في الآثار المباركة التي أشرقت على الأرض.
ثالثاً: إنَّ الزواج منه صلوات الله وسلامه عليه شرف ورفعة، وكل امرأة تزوجت به فقد ارتفعت مكانتها وزاد شرفها، فأصبحت لها من المكانة ما ليس لغيرها.
قال تعالى: ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ...)) [الأحزاب:30-32]إلى أن قال تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33].
أرأيت كيف بيَّن سبحانه أنَّهن لسن كأحد من النساء إن اتقين، وكيف وعدهن بمضاعفة الأجر وتوعدهن بمضاعفة العقوبة؟ لماذا يا تُرى: ألسن نساءً من حيث الأنوثة كغيرهن، وبشراً من حيث البشرية كغيرهن؟ فما المقصود بقوله تعالى:: (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ) أليس بسبب تشرفهن بالزواج من سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه؟!
ثمَّ أليس الله تعالى قد أبان لهن عن إرادته: بأنَّه إنَّما يريد بهذه التشريعات أن يُذهب عنهن الرجس ويطهرهن تطهيراً؟ ونحن نعتقد أنَّ ذلك قد تحقق فيهن.
رابعاً: إنَّ تمثيل حال الصحابة رضي الله عنهم بحال امرأتَي نوح ولوط تمثيل خاطئ، سببه ما استقر في ذهن الشيعة من اتهام الصحابة رضي الله عنهم بالكفر والخيانة، كما أنَّ هاتين الزوجتين لما خانتا زوجيهما حكم بكفرهما.
عجباً لهذا التمثيل! وهل كفر الصحابة رضي الله عنهم أو خانوا؟! إذا كفر الصحابة أو خانوا فمن يا ترى سيكون مؤمناً وأميناً بعد؟!
خامساً: إنَّ الكفر يحرم الاستفادة من الأنبياء، أمَّا الإسلام إذا شابه معصية فلا يحرمه الاستفادة، فإنَّ المسلم العاصي تناله بركة متابعته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد سأل أبو هريرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أسعد الناس بشفاعته فقال: (أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلَّا الله خالصاً من قلبه)([121])، وأمَّا الخوارج والمعتزلة والشيعة الإمامية، فهم محرومون من هذه الشفاعة لإنكارهم لها.
ويوم القيامة يشفع صلوات الله وسلامه في الموحدين من أمَّته، فيخرجهم من النار، ويشفع قبل ذلك لأهل الموقف جميعاً، وهكذا تنال بركته صلوات الله وسلامه عليه حتى غير المسلمين، وهذا معنى قوله تعالى: ((عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً)) [الإسراء:79].
سادساً: كتبكم تجعل كل من انتسب إلى الأئمة مغفوراً له ولو عصى الله عز وجل! وتجعل من لم يوالهم في النار ولو عبد الله عز وجل، فهل هم أفضل من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!
روى الكليني عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (..فلو أنَّ الرجل من أمتي عَبَدَ الله عز وجل عمره أيام الدنيا، ثمَّ لقي الله عز وجل مبغضاً لأهل بيتي وشيعتي، ما فرج الله صدره إلَّا عن النفاق)([122]).
ويروي الكليني عن الإمام الكاظم أنه قال: (علينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم! فما كان لهم من ذنب بينهم وبين الله عز وجل حتمنا على الله في تركه!! فأجبنا إلى ذلك، وما كان بينهم وبين الناس استوهبناه منهم وأجابوا إلى ذلك!! وعوضهم الله عز وجل!!!)([123]).
رحم الله أهل البيت كم لقوا من هؤلاء الكذابين من الإفتراء!!!
* دفع الشبهات عن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
48) قلتم: (نقرأ معك يا أخي ما ورد عن أكابر علماء السنَّة في تفسير هذه الآية الشريفة: قال ابن الجوزي: قوله عز وجل: ((فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً)) [التحريم:10] أي فلم يدفعا عنهما من عذاب الله شيئاً، وهذه الآية تقطع طمع من ركب المعصية ورجا أن ينفعه صلاح غيره، ثمَّ أخبر أنَّ معصية الغير لا تضر المطيع بقوله تعالى: ((وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ)) [التحريم:11]، وهي آسية بنت مزاحم رضي الله عنها.
وقال يحيى بن سلام: ضرب الله المثل الأول يحذر به عائشة وحفصة رضي الله عنهما، ثمَّ ضرب لهما هذا المثل يرغبهما في التمسك بالطاعة، وكانت آسية قد آمنت بموسى) [زاد المسير لابن الجوزي (8/56)].
ثمَّ نقلتم كلام الطبري، وهو يؤكد معنى كلام ابن الجوزي.
والجواب من وجوه:
أولاً: القرآن الكريم يضرب الأمثال للتربية، وقد قال عز وجل هنا: ((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا..)) [التحريم:10] وقال بعدها: ((وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا..)) [التحريم:11] فهما مثلان للكافرين والكافرات وللمؤمنين والمؤمنات، يحذر من المعصية ويرغب في الطاعة، وليس في المثل ما يصف عائشة وحفصة رضي الله عنهما بالكفر أو يصفهما بالمعصية، وإنَّما يحذر عز وجل ويرغب، وهذا أسلوب قرآني في التربية.
ثانياً: قول ابن الجوزي رحمه الله أنَّ الآية: (تقطع طمع من ركب المعصية ورجا أن ينفعه صلاح غيره..) صحيح، وهو استنباط معتمد، ونحن نعتمد هذا الفهم منه رحمه الله، وأنَّ المسئولية أمام الله عز وجل فردية، وقد أكد ذلك نبينا صلوات الله وسلامه عليه من أول يوم بعث، حيث خاطب قومه وعمه العباس وعمته صفية وبنته فاطمة قائلاً: (أنقذوا أنفسكم من النار، فإنِّي لا أملك لكم من الله شيئاً..)([124]).
وهذا لا ينافي ما تقرر من شفاعته في عصاة الموحدين؛ لأنَّ عدم الانتفاع سببه (الكفر) كما تدل عليه الآية، لا (الإيمان) الذي يكون معه معصية، فإنَّ ذلك تناله الشفاعة يوم القيامة ببركة متابعته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما تقدم، وفضل الصحبة والزواج أعظم.
ثالثاً: أمَّهات المؤمنين لا يخرجن عن دائرة البشرية، فهن يحتجن إلى تربية وتوجيه، ولا يعني -أنَّهن بمجرد الزواج منه صلى الله عليه وآله وسلم - أنَّ طباعهن ومشاعرهن البشرية تتغير بين عشية وضحاها، بل لابد من التربية.
وذلك لأمرين:
الأول: لأن النفس البشرية هكذا خلقها الله عز وجل؛ تحتاج إلى تربية وتوجيه وتذكير.
الثاني: أنَّ حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلها تشريع، فلابد أن يظهر منها ما يكون دروساً ومنهاجاً لأمته.
وإلاَّ لو كان كل شيء يتم بالخوارق لما تحققت من حياته الأسوة صلوات الله وسلامه عليه.
ولهذا فإنَّنا نعتقد أنَّ هذا الدرس قد حقق نتائجه، وآتى ثماره في حياتهن رضي الله عنهن، كما سيأتي من قول الشوكاني رحمه الله.
رابعاً: أنَّ كلام ابن الجوزي لم ينفِ حصول التشريف بالزواج منه صلى الله عليه وآله وسلم، وإنَّما يقرر رحمه الله أنَّ الإنسان محاسب على عمله إن خيراً وإن شراً، ولكن الله عز وجل فضَّلهن على غيرهن من النساء.
قال رحمه الله في سورة الأحزاب عند آية تخييرهن في الطلاق أو الصبر معه صلوات الله وسلامه عليه، وأنَّهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة؛ قال رحمه الله: (قال المفسرون: فلمَّا اخترنه أثابهن الله عز وجل ثلاثة أشياء:
أحدها: التفضيل على سائر النساء.
والثاني: أن جعلهن أمهات المؤمنين.
والثالث: أن حظر عليه طلاقهن..)([125]).
49) ثمَّ قلتم: (قال ابن القيم: «ثمَّ في هذه الأمثال من الأسرار البديعة ما يناسب سياق السورة، فإنَّها سيقت في ذكر أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتحذير من تظاهرهن، وأنَّهن إن لم يطعن الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ويردن الدار الآخرة؛ لم ينفعهن اتصالهن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.) ثمَّ أوردت كلام يحيى بن سلام السابق عند ابن الجوزي. الأمثال في القرآن (ص:57).
ثمَّ قلتم: (وأوضح منه ما أورده الشوكاني بقوله: «وما أحسن من قال: فإن ذكر امرأتَي نبي بعد ذكر قصتهما ومظاهرتهما على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يرشد أتم إرشاد ويلوح أبلغ تلويح إلى أنَّ المراد تخويفهما مع سائر أمَّهات المؤمنين، وبيان أنَّهما وإن كانتا تحت عصمة خير خلق الله وخاتم رسله، فإنَّ ذلك لا يغني عنهما من الله شيئاً») [فتح القدير (5/255)].
والجواب من وجوه:
أولاً: لا يخرج هذا الكلام عن مسألة تربية أمَّهات المؤمنين، وتحذيرهن من تجاوز الغيرة التي هُنَّ عليها إلى إيذاء الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وأنَّ الانتساب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يكفي في النجاة من عذاب الآخرة، لكن لا يعني ذلك إلغاء فضيلة الزواج منه صلوات الله وسلامه عليه كما تقدم.
ثانياً: كان في نقلك قصور، ويتبين ذلك بإيراد بقية النصوص التي تركتها وهي:
1-        تركت بقية نص ابن القيم؛ فقد قال بعد إيراد كلام يحيى بن سلام وفيه: (وفي ضرب المثل للمؤمنين بمريم أيضاً اعتبار آخر وهو: أنَّها لم يضرها عند الله شيئاً قذف أعداء الله اليهود لها، ونسبتهم إياها وابنها إلى ما برأهما الله منه، مع كونها الصدِّيقة الكبرى المصطفاة على نساء العالمين، فلا يضر الرجل الصالح قدح الفجار والفساق فيه، وفي هذا أيضاً تسلية لعائشة أم المؤمنين إن كانت السورة نزلت بعد قصة الإفك، وتوطين نفسها على ما قال الكاذبون إن كانت قبلها)([126]).
2-                   نقلت عن الشوكاني نصاً بترته، وليس هذا من منهج المنصفين.
فالنص الذي نقلته ينتهي إلى قوله: (...فإن ذلك لا يغني عنهما من الله شيئاً)، وبعده مباشرة: (وقد عصمهما الله من ذنب تلك المظاهرة بما وقع منهما من التوبة الصحيحة الخالصة)، فلِمَ لم تنقل هذا النص الذي يقرر فيه هذا العالم تزكيتهما، مع أنَّ الشوكاني كان شيعياً زيدياً، ثم هداه الله عز وجل إلى الحق، وهو يستحضر مذهب الشيعة عندما يفسر الآيات رحمه الله، وهو هنا يرد على الإمامية في موقفهم من أمَّهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن.
* أقوال العلماء في عدالة الصحابة رضي الله عنهم:
50) قلتم: (5- أقوال العلماء في عدالة الصحابة):
أوردتم بعدها قولي: (والذين اتبعوهم هم أهل السنَّة وليسوا الشيعة؛ لأنَّ الشيعة ما بين مكفر لهم وذام لهم، أعني الشيعة الإمامية المتأخرين بدون استثناء).
ثم قلتم: (أقول أيها الأخ العزيز! لقد كنت عزيزاً عندي إلى الغاية لما شاهدت منكم من الإنصاف... إلى أنْ قلتم: كيف خفي عليك كلام القوم من السنَّة والشيعة في عدالة الصحابة؟)
الجواب من وجوه:
أولاً: لم يخفَ عليَّ كلام السنَّة ولا كلام الشيعة في هذه المسألة، وما قلته لك عليه أكثرية أهل السنَّة؛ بل ذكر المحققون من العلماء أنَّه إجماع، وذكروا أنَّه لم يشذ عنه إلا المبتدعة، وهو ما ذكره ابن حجر رحمه الله حيث قال: (اتفق أهل السنَّة على أنَّ الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة)([127]).
وقال الألوسي: (اعلم أنَّ أهل السنَّة -إلا من شذ- أجمعوا على أنَّ جميع الصحابة عدول يجب على الأمَّة تعظيمهم)([128]).
وأمَّا ما أوردتُموه من أقوال قد يُظن منها أنَّها مخالفة لمذهب أهل السنَّة فليس كذلك.
فابن الحاجب يورد الأقوال المخالفة بصيغة التمريض، حيث قال: (وقيل: كغيرهم، وقيل: إلى حين الفتن...)، ولم ينسب القول إلى أحد من علماء السنَّة.
وكذلك رواية صاحب جمع الجوامع قال: (والأكثر..) لورود أقوال ضعيفة خروجاً من حرج ذكر الإجماع. والأقوال الضعيفة لا يعتد بها في الخلاف.
والقصد من عدالة الصحابة هو قبول رواياتهم من غير بحث عنهم، وهذا قد أجمع عليه جميع المحدثين، ولم ينقل عن أحد منهم من ردَّ رواية صحابي ثبتت صحابته بدعوى جهالته أو عدم عدالته، وكذلك الفقهاء والأصوليون والمفسرون لم يرد عن أحد منهم جميعاً أنَّه ردَّ رواية صحابي أو توقف فيها بشبهة عدم العدالة.
والمطلع على كتب التراجم يرى ذلك واضحاً جلياً.
قال الشوكاني: (اعلم أنَّ ما ذكرناه من وجوب تقديم البحث عن عدالة الراوي إنَّما هو في غير الصحابي، فأمَّا فيهم فلا؛ لأنَّ الأصل فيهم العدالة، فتُقبل روايتهم من غير بحث عن أحوالهم. حكاه ابن الحاجب عن الأكثرية، قال القاضي: هو قول السلف وجمهور الخلف، وقال الجويني: بالإجماع...)([129]).
قال الجويني: (ولعل السبب في قبولهم من غير بحث عن أحوالهم: أنَّهم نَقَلة الشريعة، ولو ثبت التوقف في روايتهم لانحصرت الشريعة على عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولما استرسلت على سائر الأعصار)([130]).
51) أوردتم قول التفتازاني مختصراً ومطولاً (ص:10،11) وسيأتي، ومنه قوله: (إنَّ ما وقع من الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ، والمذكور على ألسنة الثقات، يدل بظاهره على أنَّ بعضهم قد حاد عن طريق الحق، وبلغ حد الظلم والفسق، وكان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد، وطلب المُلك والرئاسة).
ثم يقول: (ليس كل من لقي النبي بالخير موسوماً، إلا أنَّ العلماء لحسن ظنِّهم بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ذكروا محامل وتأويلات بها تليق، وذهبوا إلى أنهم محدودون عمَّا يوجِب التضليل والتفسيق، صوناً لعقائد المسلمين من الزلل والضلالة في حق كبار الصحابة، سيما المهاجرين منهم والأنصار، والمبشرين بالثواب في دار القرار) [شرح المقاصد (5/310)].
الجواب من وجوه:
أولاً: التفتازاني قال قبل ذلك: (انعقد الإجماع على علو شأنهم، وشهد بذلك الآيات الصراح والأخبار الصحاح...) إلى أن قال: (وللروافض سيما الغلاة منهم مبالغات في بعض الصحابة رضي الله عنهم والطعن فيهم، بناءً على حكايات وافتراءات لم تكن في القرن الثاني والثالث فإياك والإصغاء إليهم...)، وهذا يبين عقيدته في الصحابة رضي الله عنهم ([131]).
ثانياً: التفتازاني قد خالف بهذا القول أقوال أهل السنَّة التي تؤكد عدالة جميع الصحابة، ولم يشذ عن ذلك إلَّا أهل البدع، كما تقدم من قول ابن حجر والألوسي.
ثالثاً: التفتازاني لم يرد بكلامه الطعن في الطبقات العليا من الأصحاب؛ بل برَّأهم كما هو واضح في كلامه، ولكن أراد ما وقع بينهم من الخلاف والقتال بعد عصر الخلفاء الثلاثة.
رابعاً: كلامه في الطعن يشمل الصحابة المتقاتلين في عهد علي ومعاوية رضي الله عنهما، ويحتمل كلامه الطعن في كل منهما، ونحن نبرئ كلاً منهما عن قوله، وإن كنَّا نعتقد أنَّ عليّاً رضي الله عنه هو المحق في هذا القتال وأنَّ معاوية رضي الله عنه مخطئ، ولا نتجاوز هذا المقدار.
خامساً: اعتمد في حكمه على كتب التواريخ، ولم يستطع أن يورد كتاباً من كتب الحديث المعتمدة، وكتب التواريخ -كما هو معروف- مملوءة بالروايات الضعيفة والمكذوبة؛ بل بعض الروايات يعارض البعض الآخر.
52) قلتم: (وهذا أبو حامد الغزالي المتوفى (505هـ) بعد أن قال: (إنَّ عدالتهم معلومة بتعديل الله عز وجل إياهم وثنائه عليهم في كتابه، فهو معتقدنا فيهم) قد نقل اختلاف العلماء في حكم الصحابة بقوله: (وقد زعم قوم أنَّ حالهم كحال غيرهم في لزوم البحث، وقال قوم: حالهم العدالة في بداية الأمر إلى ظهور الحرب والخصومات، ثم تغير الحال وسُفِكت الدماء، فلا بد من البحث، وقال جماهير المعتزلة: عائشة وطلحة والزبير وجميع أهل العراق والشام فُسَّاق بقتال الإمام الحق.
وقال قوم من سلف القدرية: يجب رد شهادة علي وطلحة والزبير مجتمعين ومفترقين... إلخ) [المستصفى (130) الباب الثالث في الجرح والتعديل- الفصل الرابع في عدالة الصحابة].
قلت: الرد من وجوه:
أولاً: الغزالي ذكر مذهب أهل السنَّة الذي عليه علماؤهم والمحققون منهم، ثمَّ ذكر أقوالاً لا يُدرى من أصحابها مصدراً لها بقوله: (وقد زعم قوم..)، وهذا يذكر لتضعيف القول ورده، وذكر قول المعتزلة وهو قول خارج عن قول أهل السنَّة.
ثانياً: هذه الأقوال لم تحظ بالقبول لدى جميع المحدثين الناقلين للحديث، ولا الفقهاء المستنبطين للأحكام، ولا المفسرين لكتاب الله عز وجل، وإنَّما هي أقوال تُذكر لتحذير القارئ من أقوال شذَّ أصحابها عن جماهير الأمَّة، فأيُّ فائدة في أقوال لا نرى لها أثراً في التطبيق، والعملُ على خلافها؟!
وهل تعارض أقوال آلاف العلماء بأقوال شاذة مفردة؟!
ثالثاً: بعض هذه الأقوال تطعن في جميع المتقاتلين وترد شهاداتهم: عليّ وطلحة والزبير، فهل يمكن أن نعتبرها أو نحترمها؟!
إنَّ الشذوذ لا تخلو منه طائفة، والعبرة بمذهب الطائفة الذي يتوارد عليه علماؤها ومحققوها لا الأقوال الشاذة، فقد مرَّ معنا قول الحافظ الموسوعة ابن حجر رحمه الله والذي يعتبر إمام عصره، حيث قال: (اتفق أهل السنَّة على أنَّ الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة)([132]). فهذا ملخص المسألة عند أهل السنَّة.
53) قلتم (ص:11): (فقد صرح جماعة من أكابر علماء أهل السنَّة من المتقدمين والمتأخرين بأنَّ الصحابة غير معصومين، وفيهم العدل وغير العدل، وإليك نص كلمات.. قلت: بعضهم..ثمَّ ذكرتم الأقوال..).
قلت:
أولاً: كلامك يوحي بأنَّ من ذكرتهم يطعنون في عدالة الصحابة، وهذا ليس صحيحاً، فإنَّ أكثر من أوردت أسماءهم يتحدثون عن عدم عصمتهم وعدم وجوب متابعتهم في فتاواهم، فأين هذا من موضوع العدالة؟!
وسيأتي بيان ذلك بمشيئة الله تعالى.
ثانياً: أوردت أشخاصاً من أذناب المستشرقين، ممَّن أساءوا إلى الدين ورددوا آراء أعدائه، ووصفتهم بأنَّهم من أكابر علماء السنَّة، وهذا فيه تساهل، ولا أدري من أخبرك أنَّهم من (أكابر علماء السنَّة)؟!
54) ثم أوردتم كلام ابن حزم (ص:11) وهو: (فمن المحال أن يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم باتِّباع كل قائل من الصحابة رضي الله عنهم، وفيهم من يحلل الشيء وغيره يحرمه... إلى أن قال: وقد كان الصحابة يقولون بآرائهم في عصره صلى الله عليه وآله وسلم، فيبلغه ذلك فيصوب المصيب ويخطئ المخطئ... إلخ) [الإحكام (6/810)].
الجواب من وجوه:
أولاً: أين في قول ابن حزم نفي عدالة الصحابة في هذا النص، أو في بقية قوله؟!
إنَّ ابن حزم يتكلم عن قضية الاتباع، فهل نحن مأمورون باتباع الصحابة في كل ما يقولون؟ هذا هو موضوع كلامه رحمه الله، وهذه مسألة خلافية فيها للعلماء تفصيلات لا علاقة لها بموضوع العدالة.
ثانياً: نحن لا ندَّعي العصمة في أحد من الصحابة، والصحابي قد يجتهد في الاستنباط أو الاستدلال فيخطئ ويرده أخوه الصحابي، وهذا واقع.
فالعبرة عندنا برواية الصحابي لا برأيه إذا خالف النص؛ لعدم بلوغه إياه أو لأي سبب آخر.
 
55) أوردتم قول المازري (ص:11) وهو: (لسنا نعني بقولنا: الصحابة عدول، كل من رآه صلى الله عليه وآله وسلم يوماً ما، أو زاره لماماً، أو اجتمع به لغرض وانصرف عن كثب، وإنَّما نعني الذين لازموه وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون) [الإصابة (1/163)].
الجواب من وجوه:
أولاً: عندما أورد ابن حجر هذا القول عقَّب عليه بقوله: (وأمَّا كلام المازري فلم يُوافق عليه، بل اعترضه جماعة من الفضلاء)([133]).. فهو قول ردَّه العلماء.
ثانياً: ما ذكره المازري لا يخرج من حيث المضمون عن مذهب أهل السنة والجماعة، فإنَّنا كذلك نقول: إنَّما الصحابة الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه.
فأيُّ صحابي لم يلزمه أو لم ينصره أو لم يتبع النور الذي أنزل معه فليس صحابياً.
والخلاف في مدة الملازمة لا في بقية القيود.
ثالثاً: هذه قضية بين أهل السنَّة، وكلهم يعظم عظماء الصحابة ويعترف بفضلهم، ولا يتفقون مع الإمامية في معتقدهم في عظماء الصحابة.
56) ثم أوردتم كلام ابن عقيل أنَّه قال بعد نقل كلام المازري: (قال السيد الألوسي: وإلى نحو هذا ذهب ابن العماد في شذرات الذهب) [النصائح الكافية (168)].
قلت: فيه وقفات:
أولاً: هذا الشخص (ابن عقيل) ليس هو ابن عقيل العالم الحنبلي المعروف، فذلك عالم قديم، وهذا شخص معاصر مجهول غير معروف لدى أهل السنَّة، وقد استدللت بكلامه مرتين.
ثانياً: نقل كلام الألوسي وترك إشارته إلى أنَّه متعقب؛ فقد قال الألوسي رحمه الله: (وتعقبه الشيخ صلاح الدين العلائي...)([134])، فهو إذن قول متعقب، ولم يذكر ابن عقيل هذه التكملة، وهذا يدل على مذهبه كما سيأتي، وعدم أمانته في النقل.
ثالثاً: أمَّا ابن العماد فقد أورد ثلاثة أشخاص هم: مروان، والوليد بن عقبة، والحكم بن أبي العاص. ثم قال: (وإلى هؤلاء المذكورين ونحوهم الإشارة بما ورد في حديث المحشر، وفيه: (فأقول: يا رب! أصحابي. فيقال: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، ولا يرد على ذلك ما ذكره العلماء من الإجماع على عدالة الصحابة، وأنَّ المراد به الغالب، وعدم الاعتداد بالنادر والذين ساءت أحوالهم ولابسوا الفتن بغير تأويل ولا شبهة)([135]).
قلتُ: فأمَّا مروان فليس صحابياً.
وأمَّا الحكم بن أبي العاص فما ورد في حقه من روايات تاريخية غير موثوقة.
وأمَّا الوليد بن عقبة فالقرآن الكريم قد حكم فيه، حيث نزلت فيه آية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا..)) [الحجرات:6]، وقد ثبت فسقه بروايات صحيحة، ولا ندري عمَّا لقي الله عز وجل به.
وابن العماد يقرر أنَّ هذا نادر، والنادر لا حكم له. فكيف تهدر محاسن الآلاف أو يتوقف في الآلاف لأجل أفراد؟ في الحقيقة ليس هذا منهج المنصفين الذين يريدون الحقيقة.
رابعاً: ابن العماد يفرق بين من وقع في الخطأ عمداً، وبين من وقع فيه عن تأويل أو شبهة، وهذا هو مذهب أهل السنَّة كما أكده غير واحد من العلماء.
قال ابن خلدون: (ولمَّا وقعت الفتنة بين علي ومعاوية، وهي مقتضى العصبية، كان طريقهم فيها الحق والاجتهاد، ولم يكونوا في محاربتهم لغرض دنيوي، أو لإيثار باطل، أو لاستشعار حقد، كما قد يتوهم متوهم وينزع إليه ملحد، وإنَّما اختلف اجتهادهم في الحق، وسفه كل واحد نظر صاحبه باجتهاده في الحق، فاقتتلوا عليه. وإن كان المصيب عليّاً، فلم يكن معاوية قائماً فيها بقصد الباطل، إنَّما قصد الحق وأخطأ، والكل كانوا في مقاصدهم على الحق)([136]).
خامساً: ابن العماد أورد هؤلاء الثلاثة وأشار بكلامه إليهم، فأين في كلامه ما يدل على العموم.
وأما هؤلاء فقد تبين لك حالهم.
فهذا ملخص معتقد هذه الطائفة من أهل السنَّة.
57) أوردتم قول الذهبي: (ولو فتحنا هذا الباب أي: الجرح والتعديل - على نفوسنا؛ لدخل فيه عدة من الصحابة والتابعين والأئمة، فبعض الصحابة كفَّر بعضهم بعضاً بتأويل ما!! والله يرضى عن الكل ويغفر لهم، فما هم بمعصومين، وما اختلافهم ومحاربتهم بالتي تلينهم عندنا...) [أضواء على السنة المحمدية (ص:342)عن الذهبي في رسالته: الثقات (3/21)].
هنا وقفات:
أولاً: الذهبي يقصد أنَّا لو فتحنا باب النقد لكل عمل خاطئ بالتأويل أو بغيره؛ لما سلم أحد من البشر: لا من الصحابة ولا من غيرهم، وهذا صحيح كما يبينه قوله: (فبعض الصحابة كفَّر بعضهم بعضاً بتأويل)، وهذا يحدث بين الناس الأفاضل وغيرهم.
ألا ترى إلى عمر رضي الله عنه عندما قال عن حاطب: (فقد نافق) اجتهاداً منه، وحكماً بظاهر الفعل، ولم يعاقبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو يعاتبه.
ثانياً: نحن لا ننكر بشرية الصحابة رضي الله عنهم، ولكنَّا نعترف بسبقهم وصحبتهم وجهادهم لنُصرة الدين، وهذه كلها أعمال وأحوال ترفعهم.
ألا ترى إلى حاطب وقد ارتكب أمراً كبيراً، شفع له ما سبق له من فضل عظيم في بدر وفي بيعة الرضوان.
ثالثاً: ختم كلامه بقوله: بأنَّ العمل على عدالتهم وقبول ما نقلوا، أي: من الروايات. وهذا هو ثمرة الخلاف، فالأمَّة من الناحية العملية قَبِلَت رواياتهم من غير توقف أو بحث.
58) قلتم بعد إيراد كلام التفتازاني: (ويؤيده ما ورد عن أبي بكر خطاباً للمهاجرين: «بأنَّكم تريدون الدنيا وستور الحرير، ونضائد الديباج، وتريدون الرئاسة، وكلكم يريدها لنفسه، وكلكم ورم أنفه» [مجمع الزوائد (5/202)معجم الطبراني الكبير (1/62)].
الجواب من وجوه:
أولاً: قد عقب الهيثمي على الحديث فقال: (رواه الطبراني، وفيه علوان بن داود البجلي وهو ضعيف، وهذا الأثر ممَّا أنكر عليه)، والأمانة العلمية تقتضي أن تذكر تضعيف الحديث، بل تقتضي أن لا تستشهد به وهو ضعيف وأنت محدث!!
ثانياً: تصرفت في لفظ الحديث المنقول، فلفظه: (... وجعلت لكم عهداً من بعدي، واخترت لكم خيركم في نفسي، فكلكم ورم لذلك أنفه رجاء أن يكون الأمر له، ورأيت الدنيا أقبلت ولما تقبل وهي خائنة، وستجدون بيوتكم بستور الحرير...).
فلم يقل: (تريدون الدنيا وستور الحرير...) فمن أين أتيت بـ(تريدون)...؟!
ثالثاً: الحديث في سنده (علوان بن داود) قال فيه البخاري: (منكر الحديث)، وكذلك قال أبو سعيد بن يونس.
وقال العقيلي: (لا يتابع على حديثه ولا يعرف إلا به)([137]).
رابعاً: الذي يعرف الصدِّيق رضي الله عنه، ويقف على خطابه مع الناس من الروايات الصحيحة؛ يدرك أنَّ هذا الحديث ليس من كلامه، فإنَّ لفظ الحديث فيه من الخشونة والشدة والاتهام ما لا يعرف مثله عنه رضي الله عنه؛ بل لا يعرف هذا الأسلوب في أقوال فضلاء الصحابة رضي الله عنهم.
59) أوردتم كلام ابن خلدون وهو: (إنَّ الصحابة كلهم لم يكونوا أهل فُتْيا، ولا كان الدين يُؤخذ عن جميعهم، وإنَّما كان ذلك مُختصاً بالحاملين للقرآن، العارفين بناسخه ومنسوخه ومتشابهه ومُحكمه...) [تاريخ ابن خلدون (1/446)].
قلت: كلام ابن خلدون ليس في عدالة الصحابة، وإنَّما في الفُتْيَا. وهذا صحيح؛ فليسوا كلهم علماء يفتون، ولم يقل أحد من أهل السنَّة: إنَّهم جميعهم فقهاء مفتون، ولهذا عندما يذكر المُفتون من الصحابة لا يُذكر إلا عدد قليل([138]). وهذا لا علاقة له بالعدالة.
* الرد على الاستدلال ببعض الكتابات عن الصحابة:
60) أوردتم كلاماً كثيراً عن (طه حسين) أشار فيه إلى ما وقع بينهم من فتن وخلاف، ولا يرى تكذيب شيء ممَّا جاء من الأخبار؛ بدعوى أنَّ ذلك يؤثر على بقية رواياتهم في الجوانب التاريخية الأخرى...إلخ) [الفتنة الكبرى (170-173)].
قلت:
 طه حسين رجل ملحد طعن في الدين كله، وكذَّب القرآن، واتهمه بالاحتيال؛ فكيف يُستدل بقوله بعد ذلك في أي قضية دينية؟!
وإلحاده يظهر في عدة كتب من كتبه، من أشهرها كتابه في الشعر الجاهلي، الذي طبع سنة (1926م) وقد أثار ضجة كبيرة، وحُوكِم أمام النيابة في مصر، وجُمِعت نسخه من الأسواق، يقول في هذا الكتاب: (للتوراة أنْ تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي؛ فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكَّة، ونشأة العرب المستعربة فيها، ونحن مضطرون إلى أن نرى أنَّ في هذه القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين العرب واليهود من جهة دين الإسلام واليهودية، والقرآن والتوراة من جهة أخرى)([139]).
فهل يمكن أن يكون مسلماً؛ بله أن يكون عالماً يستفتى في دين الله عز وجل؟!
وإذا كان هذا كلامه في القرآن، فما عسى أن يقول في أتباعه؟!
والعجب أنَّ كلام من اتهم في دينه ممن ينتسب إلى الإسلام يناسبكم؛ لأنَّه وافقكم على مذهبكم!!
61) قلتم (ص:13): (قال الدكتور أحمد أمين المتوفى سنة (1373هـ): «إنَّا رأينا الصحابة أنفسهم ينقد بعضهم بعضاً؛ بل يلعن بعضهم بعضاً..إلخ» [ضحى الإسلام (3/75)].
والجواب: لقد قمتم ببتر النص وقطعه بطريقة لا تليق بكم.
فالنص ليس من قول أحمد أمين، وإنَّما هو يحكي عن المعتزلة، وأول النص -قبل الفقرة التي نقلتموها بخمسة أسطر فقط- قال: (وللمعتزلة بعد ذلك آراء سياسية في الإمامة وفي أحداث التاريخ... إلى أن قال: وفي كلامهم ما يدل دلالة واضحة على أنَّهم وضعوا الصحابة والتابعين موضع الناس... بل قالوا: إنَّا رأينا الصحابة أنفسهم ينقد بعضهم بعضاً؛ بل ويلعن بعضهم بعضاً...)([140]).
فهو كما ترى ينقل مذهب المعتزلة، والمعتزلة -كما تقدم وكما هو معروف من منهجهم- مختلفون في الصحابة على مذاهب شتى: ما بين الطعن في بعض المتقاتلين، والطعن في جميعهم، ومذاهب المعتزلة عند أهل السنَّة مهجورة مغمورة، وإنَّما أراد إحياءها جيل تأثر بالمستشرقين، ومنهم أحمد أمين؛ فهو صديق لطه حسين والذي قدم لكتابه (فجر الإسلام)([141]).
وقد أكد طه حسين أنَّه هو وأحمد أمين وعبد الحميد العبادي شركاء في الفكر والمنهج([142]).
وإنْ كان أحمد أمين أخف من طه حسين؛ لأنَّ نزعة أحمد أمين إلى المعتزلة أقرب منها إلى المستشرقين.
فأحمد أمين -إذن- لم يَقُل ما نسبته إليه، وإنَّما نقله وهو يتحدث عن المعتزلة.
62) نقلتم عن ابن عقيل المتوفى سنة (1350هـ) أنه قال: (وأما تعديلهم كل من سمُّوه بذلك الاصطلاح صحابياً وإن فعل ما فعل من الكبائر، ووجوب تأويلها، فغير مسلم؛ إذ الصحبة مع الإسلام لا تقتضي العصمة اتفاقاً حتى يثبت التعديل، ويجب التأويل على أنهم اختلفوا في ذلك التعديل اختلافاً كثيراً، والجمهور هم القائلون بالعدالة)([143]).
الجواب من وجوه:
أولاً: هذا الشخص غير معروف عند أهل السنة، وترجمته تدل على أنه شيعي، حيث أورد الزركلي من كتبه كتاب: (النصائح الكافية لمن تولى معاوية)، وأهل السنة لا يتبرءون من معاوية رضي الله عنه، فهو صحابي، وإنَّما يخطئونه فيما فعل مع علي رضي الله عنه، وفيما فعل في تولية ابنه للحكم، ولكنه متأوِّل، والله يتولى السرائر.
ثانياً: عبارته كأنَّه يتحدَّث عن طائفة أخرى غير طائفته، حيث يذكرهم بضمير الآخر: (تعديلهم.. سمُّوه..) ممَّا يشير إلى أنَّه شيعي يتحدث عن طائفة غير طائفته.
ثالثاً: استنكاره تسمية من ارتكب معصية بأنَّه صحابي، غريب؛ فإن الصحبة لا تُلغى بمجرد الذنب، فالصحبة باقية؛ لكن الذنب إذا كان متعمداً فإنه ينقص من مكانة صاحبه عن مكانة من لم يفعل ذلك، ولهذا فإن الصحابة على مراتب عند أهل السنُّة.
رابعاً: زعمه أنهم يتأوَّلون ما فعل الصحابي من الكبائر، مردود؛ فإن أحداً من العلماء لم يتأول لأحد ارتكب كبيرة من الذنوب كالزنا وشرب الخمر ونحوهما، مع أنه -بحمد الله- لا يوجد في الصحابة من فعل ذلك إلا أقل من القليل لا يتجاوز الآحاد.
فكم عدد الذين ارتكبوا هذه الكبائر؟ ومن هو الذي تأول لهم؟ فإنَّ الدعوى ما لم يؤيدها دليل مردودة.
أمَّا إن كان القصد بالكبائر القتال الذي وقع بينهم، فهذا وقع بتأويل، كل فريق يزعم أنَّه على حق، وليسوا قاصدين لارتكاب المحرَّم حسب ظاهرهم -كما مر معنا أكثر من مرة-.
خامساً: زعم أنَّهم -أي أهل السنَّة- اختلفوا في التعديل اختلافاً كثيراً، غير مسلَّم، فالسلف قاطبة على التعديل، وإنَّما خالف بعض المتأخرين من بعد القرن السادس، وهم أفراد. فكيف يُعارض ما أطبقت عليه جماهير العلماء بأقوال أفراد؟! وعند التأمُّل في المذكورين نجدهم: إمَّا أصحاب كلام لا صلة لهم بالآثار، وإمَّا أشخاص تأثروا بمناهج أهل البدع، وقد مرَّ معنا كلام ابن حجر رحمه الله في ذلك.
63) أوردتم كلام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني وهو: (كيف يسوغ لنا أن نتصور أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجيز لنا أن نقتدي بكل رجل من الصحابة، مع أن فيهم العالم والمتوسط في العلم ومن هو دون ذلك...) [سلسلة الأحاديث الضعيفة (1/82)].
الجواب من وجوه:
أولاً: الشيخ الألباني رحمه الله يقرر معتقد أهل السنَّة والجماعة، فإنَّهم لا يقولون: إنَّه يجوز أن نقتدي بكل صحابي، ولا نعرف أحداً من أهل العلم قال بجواز الاقتداء بكل صحابي.
ثانياً: عظماء الصحابة؛ كالصدِّيق، والفاروق، وذي النورين، وأبي السبطين، ومن كان قريباً منهم في الفضل والعلم يُقتدى بهم ويُرجع إلى فتاواهم؛ لعلمهم وفضلهم.
ثالثاً: مسألة العدالة لا علاقة لها بهذا الموضوع، فليس معنى (عدل) أنَّه يُقتدى به، وإنَّما العدالة مسألة شخصية تتعلق بالسلوك والمعاملة، وليس من شرطه أن يكون عالماً مفتياً.
فليس من قيل فيه: إنَّه (عدل) يعني: أنَّه (قدوة)، ولا أدري من أين فهمتم أنَّ العدالة تعني: (الاقتداء)، وأمَّا الحديث الذي أوردتموه فقد تبين لكم بطلانه.
ولم تذكروا لنا أي عالم قال بما قلتم به.
64) قلتم بعد الكلام السابق: (وقريب من ذلك عن الشوكاني (1255هـ) [إرشاد الفحول (158)]، والشيخ محمود أبو رية المتوفى سنة (1370هـ)، [أضواء على السنة المحمدية (356)]، والشيخ محمد عبده المتوفى سنة (1322هـ)، والسيد محمد رشيد رضا المتوفى سنة (1354هـ) [تفسير المنار (10/375)]، والرافعي المتوفى سنة (1356هـ)) [إعجاز القرآن (141)].
قلت: الجواب من وجوه:
أولاً: جمعت بين المتناقضات: بين رجال يدافعون عن السنَّة أو يحرصون على اتباعها، وبين رجل حاربها وخرج عليها كما سيأتي، ووصفته بالشيخ، ولا أدري هل تعرف عنه ذلك أم لا؟!
ثانياً: أمَّا الشوكاني فالذي ذكره على خلاف ما تذكر، فقد قال رحمه الله: (اعلم أن ما ذكرناه من وجوب تقديم البحث عن عدالة الراوي، إنَّما هو في غير الصحابة، فأمَّا فيهم فلا؛ لأن الأصل فيهم العدالة، فتُقبل رواياتهم من غير بحث، حكاه ابن الحاجب عن الأكثرين، قال القاضي: هو قول السلف وجمهور الخلف، وقال الجويني: بالإجماع...)([144]).
ثم ذكر ثلاثة أقوال أخرى وردها.
ثالثاً: أبو رية ليس من أهل السنَّة، بل هو رجل خارج عليهم، وقد كتب كتاباً بعنوان: (أضواء على السنة المحمدية) نشر عام (1958م)، وردَّ عليه العلماء ومنهم: الدكتور محمد أبو شهبة، ومحمد السماحي، والسباعي، وسليمان الندوي، ومحب الدين الخطيب، وغيرهم، رحمهم الله جميعاً.
ومن أشهر الكتب التي ردَّت عليه: (ظلمات أبي رية أمام أضواء السنة المحمدية) لعبد الرزاق حمزة، و(الأنوار الكاشفة لما في أضواء السنَّة من الزلل والتضليل والمجازفة).
وقد ضمن الدكتور السباعي كتابه (السنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي) شيئاً من الردود عليه، وذكر في مقدمة كتابه مصادر أبي رية في كتابه، وأنَّها تنحصر في المصادر الآتية:
1-                   آراء أئمة الاعتزال.
2-                   آراء غلاة الشيعة.
3-                   آراء المستشرقين.
4-                   حكايات تذكر في بعض كتب الأدب.
5-                   أهواء دفينة للمؤلف ظلَّت تحاك في صدره سنين طويلة([145]).
فهل يصلح مثل هذا أن يستشهد بكلامه؟!
رابعاً: كلام الشيخ محمد عبده ورشيد رضا:
لم أجد في هذا المجلد ما له علاقة بهذا الموضوع: لا في هذه الصفحة ولا في غيرها، وإنَّما الذي وجدته فيه هو ذم الشيعة، وتأكيد عدم سلامة مذهبهم... إلخ (ص:11،135).
65) قلتم: (وهذا بعينه هو رأي الشيعة الإمامية).
قلت: هذا الكلام الذي ذكرته لا أدري ما المقصود منه؟!
فهو إحالة على كلام تقدم، بعضه من خارجين على الإسلام، وبعضه من أئمة الإسلام، وهذا جمع بين متناقضات، وليتك أوضحت ما تريد؛ لأنَّك أحلت على أقوال متناقضة.
* مسألة تفضيل الصحابة على من بعدهم جملة وتفصيلاً:
66) قلتم: (ذهب بعض إلى أن من يأتي بعد الصحابة يكون أفضل منهم كما قال القرطبي، وذهب ابن عبد البر المتوفى سنة (463هـ) إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة، وأن قوله عليه السلام: (خير الناس قرني...) ليس على عمومه، بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول، وقد جمع قرنه جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان، وأهل الكبائر الذين أقام عليهم أو على بعضهم الحدود...)([146]) [تفسير القرطبي (4/171)].
أولاً: ابن عبد البر رحمه الله يقسم الصحابة قسمين:
القسم الأول: السابقون الأولون الذين أسلموا وهاجروا وشهدوا بدراً والحديبية.
القسم الثاني: من كان بعدهم.
ويرى أن القسم الأول لا يلحقون، ولكن القسم الثاني يمكن أن يلحقوا في العمل - لا في الصحبة - وذلك عندما يفسد الزمان.
قال رحمه الله بعد إيراده أحاديث في الثناء على من يأتي بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (قد عارض قوم هذه الأحاديث بما جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (خير الناس قرني ثمَّ الذين يلونهم ثمَّ الذين يلونهم)، وهو حديث حسن المخرج جيد، وليس ذلك عندي بمعارض؛ لأن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (خير الناس قرني) ليس على عمومه، بدليل ما يجمع...) إلخ الكلام السابق، ثم ذكر حديث: (لا تسبوا أصحابي) وآية: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ): وقولاً لعمر، ثم قال: (وقال ابن عباس في قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ): [آل عمران:110]: «هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، وشهدوا بدراً والحديبية». وهذا يشهد أن خير قرنه فضلاً أصحابه، وأن قوله: «خير الناس قرني» أنه لفظ خرج على العموم ومعناه الخصوص)([147]).
أراد رحمه الله أن يبين أن المراد بـ(قرني) أصحابي، وهو لفظ عام والمراد به الخصوص، ليخرج المنافقين وغيرهم.
ولعله يشير كذلك إلى أنَّه عندما يفسد الزمان ويعود الابتلاء على المؤمنين، فإنَّهم يضاعف لهم الأجور كما ضوعفت للصحابة في بداية الإسلام؛ ما عدا أهل بدر والحديبية.
فقد قال بعد في أواخر كلامه: (فيستوي حينئذ أول هذه الأمة بآخرها في فضل العمل؛ إلا أهل بدر والحديبية، والله أعلم)([148]).
إذن: عبارتكم لا تنطبق على كلامه ومذهبه رحمه الله.
67) قلتم: (وهكذا نقل النووي عن القاضي عياض عن ابن عبد البر [شرح مسلم (3/138)]، والمناوي في فيض القدير، والمباركفوري في تحفة الأحوذي، وابن حجر في فتح الباري، ثم ناقش فيه...) [فيض القدير (4/368)، تحفة الأحوذي (8/337)، فتح الباري (7/6)].
قلت: هنا وقفات:
أولاً: أشار النووي إلى كلام ابن عبد البر بعد حديث: (وددت أنا قد رأينا إخواننا. قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟! قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد)([149])، ولم يورده بنصه، وأورد كلام الباجي في تفسير: (بل أنتم أصحابي) فقال: (ليس نفياً لأُخوَّتهم، ولكن ذكر مرتبتهم الزائدة بالصحبة، فهؤلاء إخوة صحابة، والذين لم يأتوا إخوة وليسوا بصحابة، كما قال تعالى: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) [الحجرات:10].).
ثم أورد كلام القاضي عياض فقال: (قال القاضي عياض: ذهب ابن عبد البر في هذا الحديث وغيره من الأحاديث في فضل من يأتي آخر الزمان: إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من هو أفضل ممن كان من جملة الصحابة، وأن قوله: (خيركم قرني) على الخصوص معناه: خير الناس قرني أي: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ومن سلك مسلكهم، فهؤلاء أفضل الأمَّة، وهم المرادون بالحديث.
وأمَّا من خلَّط في زمنه وإن رآه وصحبه، أو لم يكن له سابقة ولا أثر في الدين، فقد يكون في القرون التي تأتي بعد القرن الأول من يفضلهم، على ما دلَّت عليه الآثار.
قال القاضي: وقد ذهب إلى هذا أيضاً غيره من المتكلمين على المعاني.
قال: وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا، وأنَّ من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورآه مرَّةً من عمره، وحصلت له مزية الصحبة؛ أفضل من كل من يأتي بعد، فإنَّ فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، قالوا: (وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)([150]).
فكلام القاضي-كما ترى- تفسير لكلام ابن عبد البر، وقد قسم الصحابة إلى طبقتين:
الأولى: (السابقون.. ومن سلك مسلكهم..) وهؤلاء لا يُلحقون.
الثانية: من خلَّط ولم يكن له سابقة.
وليس بحمد الله في السابقين من خلط، ولم يقل أحد من علماء السنَّة: إنَّ أحداً من السابقين يمكن أن يلحق كما سيأتي في (رابعاً).
ثانياً: لم أجد المناوي نقل شيئاً عن ابن عبد البر ولا غيره عند حديث: (وددت أني لقيت إخواني)([151])، والنسخة التي اعتمدتم عليها غير معروفة لدي.
والذي ذكره هنا قوله: (وقد دل إثبات الأخوة لهؤلاء على علو مرتبتهم، وأنَّهم حازوا فضيلة الأخروية كما حاز المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فضيلة الأولية، وهم الغرباء...)([152]).
ثالثاً: أما تحفة الأحوذي فلم أجد فيه نقلاً لكلام ابن عبد البر عند آية: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:110]، ولا في المكان الذي أشرتم إليه.
وإنَّما وجدته نقل من تفسير ابن كثير لهذه الآية، والذي يُقِر فيه فضل القرن الأول([153]).
رابعاً: وأما ابن حجر رحمه الله، فقد أشار إلى قول ابن عبد البر، وتعقبه في تضعيفه بعض الأحاديث التي أوردها في التمهيد لتقوية مذهبه، ثم قال: (نعم. والذي ذهب إليه الجمهور أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل؛ لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما من اتَّفق له الذب عنه، والسبق إليه بالهجرة أو النصرة، وضبط الشرع المتلقى عنه وتبليغه لمن بعده؛ فإنه لا يعدله أحد ممَّن يأتي بعده؛ لأنه ما من خصلة من الخصال المذكورة إلا وللذي سبق بها مثل أجر من عمل بها بعده، فظهر فضلهم.
ومُحصِّل النزاع يتمحض فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة كما تقدم).
خامساً: تبين بما تقدم أن العلماء الذين أوردت أسماءهم لم يوافقوا ابن عبد البر على قوله، مع أنه قد قيد إمكانية مجيء شخص أو أشخاص يكونون أفضل ممن هو في: (جملة) الصحابة، أي: من المعدودين منهم، لا من السابقين، كما هو واضح في عبارته التي ذكرها القاضي عياض وأوردها النووي كما تقدم.
سادساً: كل شخص من المتأخرين للصحابة مثل أجره؛ لأنَّ الصحابة هم السبب في نصرة الإسلام وحفظه ونشره، فكيف يمكن أن يلحقهم؟!
* رفع اللبس عما حدث بين الصحابة من النزاع وبيان الموقف الصحيح من ذلك:
68) قلتم: (لا شك أن من سبر تاريخ الصحابة بعد رحيل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، يجد فيه صفحات مليئة بألوان الصراع والنزاع بينهم، حافلة بتبادل السب والشتم؛ بل تجاوز الأمر بهم إلى التقاتل وسفك الدماء؛ فكم من بَدريّ وأحديّ انتهكت حرمته أو أُريق دمه بيد صحابي آخر، وهذا ممَّا لا يختلف فيه اثنان).
الجواب من وجوه:
أولاً: شهادتك على تاريخ الصحابة فيه تجاوز لا يليق بأمثالك.
فتاريخ الصحابة ليس كما ذكرت.
فإنَّ للصحابة رضي الله عنهم تاريخاً مشرقاً ومضيئاً، يعتبر أفضل تاريخ في حياة الأمَّة؛ بل في حياة البشرية، لو لم يعكر عليه ما وقع في أواخر عهد الخلفاء الراشدين.
فقد فتحوا الأرض، ودخل الناس في دين الله عز وجل على أيديهم أفواجاً، وحفظوا لنا دين الله عز وجل ونقلوه كما أنزل، وعاشوا إخوة متحابين طوال خلافة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، إلى أواخر خلافة عثمان رضي الله عنهم جميعاً، وذلك إلى عام ثلاثة وثلاثين أو أربع وثلاثين، ثم بدأت شرارة الفتنة، كما ذكر ابن كثير رحمه الله.
وقد ذكر ابن كثير رحمه الله سببين لبداية هذه الفتنة:
الأول: بعض القرَّاء: وقد كانوا تسعة أو عشرة في الكوفة، وآخرون في البصرة، بسبب عزل عثمان رضي الله عنه بعض الصحابة من الولايات وتولية أصحابه - هذا في الظاهر - وأخذوا يشنعون عليه، فسيَّر بعضهم إلى الشام ومصر.
الثاني: قال ابن كثير: (وذكر سيف بن عمر أن سبب تألب الأحزاب على عثمان: أن رجلاً يقال له (عبد الله بن سبأ) كان يهوديّاً، فأظهر الإسلام وصار إلى مصر، فأوحى إلى طائفة من الناس كلاماً اخترعه من عند نفسه. فذكر منه أن قال: «وقد كان أُوصي إلى عليّ بن أبي طالب، فمحمد خاتم الأنبياء، وعليّ خاتم الأوصياء. ثم يقول: فهو أحق بالإمرة من عثمان، وعثمان معتد في ولايته»([154]).
فاستمال به كثيراً من الناس، فوقعت الفتنة، وقُتِل عثمان رضي الله عنه على أيدي هؤلاء الخوارج، ومن وقتها بدأت الفتنة في الأمة.
إذن: إطلاق القول بأن تاريخ الصحابة مليء بالصراع -بتناسي الفترة المضيئة التي كان من بركتها حفظ الدين وفتح العالم، إلى أن وصل الفتح إلى بلاد الهند وشمال الجزيرة وشمال أفريقيا- فيه تجاوز.
أتنسى هذه الفترة المضيئة، وتبرز الفترة التي وقعت فيها الفتنة بمكر أعداء الإسلام؟! فإن قتل عثمان رضي الله عنه كان بوابة لكل الشر الذي بعده.
ثانياً: ما حدث من الاقتتال كان اقتتال فتنة أذكاها الخوارج على عثمان، إلى اجتهاد خاطئ من معاوية رضي الله عنه، والله عز وجل قد أبان أن المؤمنين قد يقتتلون ولم يحكم بكفرهم عز وجل، وأطلق على الظالمة أنها: (باغية) ولم ينف عنها أُخوة الإيمان.
كما قال تعالى: ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ... إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ...)) [الحجرات:9-10].
ثالثاً: قلت: (حافلة بتبادل السب والشتم...).
سبحان الله!! (حافلة) أليست هذه حالات فردية؟! كم هم الذين سبوا وشتموا؟!
نعم. ما حدث من بعضهم، بل من أفراد منهم؛ لا يمثل الأغلبية، وهو فعل خاطئ، لكن هذا الإطلاق: (حافلة) فيه إجحاف وتجن غير مقبول من باحث وأستاذ جامعي.
وسيأتي مزيد بيان في الفقرة الآتية - إن شاء الله -.
69) قلتم (ص:15): (فإذا كان الصحابي يعتقد أن خصمه الصحابي الآخر منحرف عن الحق، ومجانب شريعة الله ورسوله، وأنه باغ يستحق القتل، وهو على هذا الأساس يبيح سل السيف عليه وقتله؛ فكيف يجوز أن نحكم بعدالتهم ونزاهتهم جميعاً، والحال أن الصحابة أعرف منَّا بنوازع أنفسهم، وبنفسيات أبناء جيلهم، وهل سمعت ظئراً أعطف بالطفل من أمه؟!).
لنا هنا وقفات:
أولاً: هذا الكلام كسابقه لا يرى إلا جانباً واحداً من حياة الصحابة، وبالغ في عرض الأمور بتعميم لا يليق بباحث يقدر قيمة الكلام.
ثانياً: أين في حياة الصحابة من يرى خصمه خصماً جهنمياً! يستحق القتل؟! هل تستطيع أن تذكر أمثلة بالاسم؟! مُدللاً على ذلك من كلامهم؟!
ثالثاً: أمَّا ما حدث من خلاف أدَّى إلى التقاتل، فهو أمر خارج عن إرادتهم، ولم يقصدوا القتال، وفيما يلي عرض موجز للحوادث التي وقعت بينهم:
1-                   بعد قَتل عثمان حُمل قميصه ملطخاً بدمه إلى الشام، وأصابع زوجته نائلة التي قُطعت وهي تحاجف عنه رضي الله عنهما، فوضعه معاوية على المنبر وندب الناس إلى الأخذ بثأره رضي الله عنه.
2-                   ولما استقر الأمر لعلي رضي الله عنه، دخل طلحة والزبير رضي الله عنهما على علي رضي الله عنه وطلبا منه إقامة الحدود، والأخذ بدم عثمان؛ فاعتذر إليهما بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا.
3-                   حدث في جميع الأمصار اضطراب بسبب مقتل عثمان، وكلهم يطالب بقتل قتلته.
4-                   كان هناك تبادل نصائح بين علي وابنه الحسن رضي الله عنهما.
5-                   خرج طلحة والزبير ومعهما عائشة رضي الله عنهم إلى البصرة لتحريض الناس على قتلة عثمان.
6-                   عند وصولهم إلى البصرة وقع اختلاف بينهم وبين عامل علي رضي الله عنه عليها، أدى إلى قتال بين الطرفين.
7-                   كان علي رضي الله عنه يريد أن يتجه إلى الشام، فلما علم بذهاب طلحة والزبير وعائشة إلى الشام غيَّر وجهته واتجه إلى البصرة.
8-                   تراسل الطرفان علي وطلحة ومن معه، واتفقا على الصلح.
9-        عندما علم قتلة عثمان -وكانوا ضمن جيش علي رضي الله عنه - وأدركوا أن إمضاء الصلح يعني الأخذ بالثأر منهم، عمدوا إلى حيلة: بأن يثيروا الحرب من أواخر الليل، ويشيعوا بأنَّ أهل البصرة خدعوهم. ففعلوا ووقعت المعركة.
هذا ملخص قتال علي رضي الله عنه مع طلحة ومن معه كما عرضها ابن كثير رحمه الله ([155]).
فأين في هذه الحادثة استحلال الدماء وهي فتنة لم يقصدها كلا الطرفين؟!
رابعاً: وقعة صفين كانت بعد أن انتهى علي رضي الله عنه من وقعة الجمل، فقد أرسل إلى معاوية وطلب منه أن يبايع، فامتنع إلا إذا سلَّم له قتلة عثمان، فجهَّز عليّ جيشاً واتجه به إلى الشام، وجهز معاوية جيشاً، فالتقوا في صفين، وبعد مراسلات لم تثمر شيئاً مفيداً وقع القتال([156]).
فأين في هذه الحادثة يا تُرى استحلال الدماء؟!
أليس ظاهر الأمر أنَّ كل طرف يرى أنَّ الحق معه؟! وأنَّ اقتتالهم كان لقضية لا لقتل شخص بعينه؟!
خامساً: ما يوجد في روايات التاريخ كثير منه لا يصح، والذي يريد أن يستبرئ لدينه، فلا ينبغي له أن يصغي إلى تلك الروايات؛ لكثرة ما شابها من الأكاذيب.
وبهذا العرض الموجز يتبين أنَّ الادعاء غير دقيق، والله المستعان!
سادساً: إنَّ الحرص على نقض عدالة الصحابة بمثل هذه الدعاوى، له آثاره السيئة التي تفقد الثقة في هذا الجيل، وفيما نقله إلينا من دين؛ بل تجرح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّه خلَّف جيلاً انتقض على الدين واستباح الحرمات.. والله المستعان!
70) أوردتم عن ابن عقيل أنه قال: (إننا -أهل السنة- قد أنكرنا على الشيعة دعواهم العصمة للأئمة... إلى أن قال: أفبعد ذلك يجمل بنا أن ندعي أن مائة وعشرين ألفاً حاضرهم وباديهم... كلهم معصومون....).
قلت: ابن عقيل هذا رجل مجهول ومتحامل، وكثير من دعاواه كاذبة..
فمن الكذب: أنَّه زعم أنَّ أهل السنَّة يقولون بعصمتهم أو بحفظهم، وهذا كذب، ولا يوجد في أي كتاب من كتب أهل السنة مثل هذا القول.
أهل السنَّة يقولون بأنَّ الأصل فيهم الخير؛ لكونهم دخلوا الإسلام طائعين مختارين، حتى يتبين لنا خلاف ذلك؛ لشرف صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم إنَّه كرر ما أوردتموه سابقاً بنفس النبرة، حيث قال: (بل وما تواتر من ارتكاب بعضهم ما يخرم العدالة وينافيها: من البغي، والكذب، والقتل بغير حق، وشرب الخمر، وغير ذلك مع الإصرار...).
وقد تقدم المطالبة بذكر عدد وأسماء من وقع في ذلك، مع إثبات دعوى الإصرار...؟!
إنَّ رقة الدين ومرض القلب سببان عظيمان لقول الزور والجراءة عليه.
 
* حكم الطعن في الصحابة رضي الله عنهم وما يؤول إليه:
71) قلتم: (ومع هذا كله: نرى أنَّ بعضهم يتَّهم من ينتقد الصحابة بالزندقة والخروج من الدين والإلحاد، كما قال السرخسي: «من طعن فيهم فهو ملحد مُنابذ للإسلام، دواؤه السيف إن لم يتب» [أصول السرخسي (2/124)].
وأوردتم رواية الخطيب البغدادي عن أبي زرعة أنَّه قال: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاعلم أنَّه زنديق، وذلك أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنَّما أدى إلينا هذا القرآن والسنَّة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنَّما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنَّة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة) [الكفاية (67)].
والجواب من وجوه:
أولاً: لماذا يجرح الشيعة الصحابة ويرفضون عدالتهم؟ ما هو المقصد من ذلك؟
أليس المقصد هو إفقاد الثقة في مروياتهم، والتشكيك في إيمانهم وإخلاصهم؟!
لا نفهم من مواقف الشيعة إلا هذه المقاصد.
ثانياً: ماذا يترتب على جرح الصحابة والتشكيك في عدالتهم؟
يترتب عليه ما يلي:
1-                   أنَّ الصحابة غير أُمناء على الشريعة؛ لأنَّهم قتلة، شاربو خمر، زناة، سراق، وخونة لدينهم - كما زعمتموه أنتم ومن نقلتم كلامه -.
وهذا يؤدي إلى إبطال الشريعة.
ولو أراد أعداء الشريعة أن يبطلوا الدين، لما وجدوا طريقاً أمضى من هذه الطريق الشيعية.
2-                   هذا الدين غير صحيح؛ لأنَّه لم يستطع أن يربي الجيل الأول تربية إيمانية سليمة، فما إن مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتَّى انقضوا على دينهم وارتكبوا كل محرم.
3-        أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يربي جيلاً مجرماً قرابة ثلاث وعشرين سنة وهو لا يدري أنَّهم مجرمون ومخادعون، كانوا معه على النفاق والخداع، فلمَّا مات انكشفت النوايا وظهر المستور.
4-                   أنَّ الله تعالى كان يعلم حقيقة ذلك الجيل، وأنَّه جيل شرير، ولم يخبر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم به ليستبدل به غيره، وهذا إقرار للباطل وتغرير بالناس؛ لأنّ الناس يرون هؤلاء يرافقون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويحيطون به، والرسول يعاشرهم ويستشيرهم، ويزوجهم من بناته، ويتزوج من بناتهم، ويُثني عليهم، ويذكر من فضائلهم. وهذا اتهام لله عز وجل، أولاً: بعدم كشفهم لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وللأمَّة لئلا ينخدعوا بهم ثانياً.
بل الله عز وجل أكثر من الثناء عليهم ثناءً عامّاً وثناءً خاصاً، وذلك فيه تغرير للناس بذلك الثناء -حسب زعمكم-.
هذه هي نتيجة جرح الشيعة الإمامية للصحابة رضي الله عنهم.
5-                   في دعاوى الشيعة الإمامية: أنَّ الله عز وجل لم يبين البيان الكافي لمعرفة الأخيار من الأشرار، ممَّا يجعل الأمر مختلفاً، فإمَّا أن يُزكَّى الأشرار وإمَّا أن يُتَّهم الأخيار، لعدم الوضوح والبيان.
ثمَّ يترتب على ذلك عدم الثقة في مروياتهم؛ لأنَّنا نشك فيهم ونخشى أن يكذبوا علينا.
أو لا ندري من هو المؤمن فنقبل روايته، ومن هو المنافق فنرد روايته؛ فإنَّ الأمر مختلط، والقرآن لم يُحدِّد، والسنَّة نقلها هؤلاء.
وبهذا نفقد الثقة في القرآن والسنَّة، لأنَّ نقلَتها مشكوك فيهم.
ثالثاً: لو أردنا أن نثبت إيمان الصحابة على هذا المنهج الشيعي لما استطعنا.
فأين الدليل على إثبات إيمان أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة؟!
‌أ)           فأما القرآن: فإنه أورد آيات كثيرة عامة وآيات خاصة، وكلها أبطل الشيعة دلالتها (العينية)، ما عدا ما فسروه بعلي أي: أبطلوا أنَّها تدل على فلان وفلان، وقالوا: إنَّها عامة لا يمكن تفسيرها في أعيان من الصحابة، فإنَّها إمَّا عامة وإمَّا مقيدة، ولا ندري من هو الذي توافر فيه القيد الشيعي!!
فلو قال قائل: أنا أشك في إيمان هؤلاء الخلفاء الأربعة؛ فإنَّ آيات النفاق كانت فيهم؛ والدليل على ذلك أن الشيعة تقول: إنَّ أبا بكر وعمر وعثمان اغتصبوا الخلافة، وكان المعيَّن لها هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه تعييناً عينيّاً من الله عز وجل ومن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهؤلاء خانوا الوصية وامتنعوا من تنفيذها، وعليّ أضاع الوصية حفاظاً على حياته.
وهذا دليل نفاقهم، ولهذا فإنِّي أشك في إيمانهم، فقد كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُخفُون نفاقهم والآن ظهر النفاق، فكيف ترد عليه؟!
ثم استطرد قائلاً:
القرآن الكريم وصف من مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإيمان، ووصفهم في نفس الوقت بالنفاق، ولم يخبرنا من هو المؤمن ومن هو المنافق، وهذه الأعمال تدل على النفاق؟!
‌ب)                   فإن قلت له: نحاكمك إلى السنة:
قال: السنَّة رواها هؤلاء الأشخاص الذين نشك في إيمانهم، ولهذا لا نقبلها؛ فهم يشهدون لبعضهم، وهذه شهادة مردودة.
‌ج)                     ثم قال: وعلى هذا: فلا القرآن نُصدِّق ولا السنَّة نُصدِّق، فالدين باطل.
قلتُ: رحم الله أبا زرعة القائل: (إنَّما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنَّة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة).
هذا هو السبب الذي أكَّد للعلماء: أنَّ مذهب الشيعة بوابة هدم الدين، ويلتحق به كل من أراد هدم الدين.
رابعاً: كتب الشيعة الروائية: لا يكاد يخلو كتاب من كتب الآثار المروية في العقائد أو التفاسير أو الرجال من تضليل الصحابة أو تكفيرهم إلَّا أربعة أشخاص.
*نماذج من الطعن في الصحابة رضي الله عنهم من كتب الإمامية الإثني عشرية:
ونورد هنا نماذج من كتب الروايات:
أ- كتاب الكافي:
1-        روى بسنده عن أبي جعفر قال: لما نزلت هذه الآية: ((يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)) [الإسراء:71]قال المسلمون: (يا رسول الله! ألست إمام الناس كلهم؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا رسول الله إلى الناس أجمعين، ولكن سيكون من بعدي أئمة على الناس من الله من أهل بيتي؛ يقومون في الناس فيُكذَّبون، ويظلمهم أئمة الكفر والضلال وأشياعهم، فمن والاهم واتبعهم وصدقهم فهو مني ومعي وسيلقاني...)([157]).
2-                   وعن أمير المؤمنين قال: (ما بال أقوام غيَّروا سنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعدلوا عن وصيه؟!)([158]).
3-        وروى حديثاً مرفوعاً في تفسير قوله تعالى: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) [الرحمن:13] (أبِالنبي أم بالوصي تكذبان؟...).
حتى القرآن أضافوا إليه الوصية!
4-                   عن أبي عبد الله في تفسير قول الله عز وجل: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً)) [إبراهيم:28] قال: (عنى بها قريشاً قاطبة: الذين عادوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونصبوا له الحرب، وجحدوا وصيه)([159]).
وهكذا استمر في إيراد الأحاديث والآثار في تقرير الوصية والإمامة، والتي لم يعرفها الصحابة ولم يعملوا بها فضلُّوا!! -حسب زعمه-.
5-                   وفيه عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: (جعلت فداك ما أقلَّنا! لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها! فقال: ألا أحدثك بأعجب من ذلك: المهاجرون والأنصار ذهبوا إلَّا -وأشار بيده- ثلاثة)([160])، أي: ارتدوا إلَّا ثلاثة!!
ب- كتاب رجال الكشي:
عن حنان بن سدير عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام قال: (كان الناس أهل ردة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلَّا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر، وسلمان الفارسي...)([161]).
وعن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (ع): (ارتد الناس إلَّا ثلاثة: أبو ذر، وسلمان، والمقداد؟ قال: فقال أبو عبد الله (ع): فأين أبو ساسان وأبو عمرة الأنصاري؟)([162]).
ج_ تفسير الصافي والقمي:
عن الصادق: (لمَّا أقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم، كان بحذائه سبعة من المنافقين: أبو بكر وعمر -وعند القمي الأول والثاني- وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة، وسالم مولى أبي حذيفة، والمغيرة بن شعبة.
قال عمر: أما ترون عينه كأنَّما عين مجنون -يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأستغفر الله من هذا الكذب! -الساعة يقوم ويقول: قال لي ربي. فلما قام قال: أيها الناس! من أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: الله ورسوله. قال: اللهم فاشهد. ثم قال: ألا من كنت مولاه فعلي مولاه، وسلموا عليه بإمرة المسلمين.
فنزل جبريل وأعلم رسول الله بمقالة القوم، فدعاهم وسألهم، فأنكروا وحلفوا، فأنزل الله: ((يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ)) [التوبة:74])([163]).
وهذه السورة بكاملها نزلت قبل حجة الوداع، التي كان غدير خم بعدها بإجماع المفسرين.. قاتل الله الكذب ما أقصر حبله!!
وهذه الآية نزلت في المنافقين في غزوة تبوك، أو في غزوة قبلها، ولم ينزل بعد حجة الوداع إلا آية واحدة.
ولو ذهبنا نبحث في هذه الكتب لرأينا عشرات ومئات الروايات التي تطعن في الصحابة وتصفهم بكل وصف سيئ، وهذا بين أمرين:
الأول: أن تكون روايات معتمدة عند الشيعة.
الثاني: أن لا تكون معتمدة.
فإنْ كانت معتمدة؛ فهذا كافٍ لبيان سوء هذا المعتقد.
وإنْ كانت غير معتمدة، فهي كذلك دليل على أنَّ هذا المذهب استغله الزنادقة للطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ بل والطعن في القرآن. وهذا يدل على قابلية هذا المذهب لدس الزنادقة فيه، وبهذا يتبين صحة كلام علماء السنَّة في ذلك.
خامساً: نحن نعتقد أنَّ هذه الآثار كلها مكذوبة على آل البيت، فقد حذروا في أكثر من رواية من الكذابين، فقد روى الكشي عن أبي عبد الله أنَّه قال: (إنَّا أهل بيت صادقون، لا نخلو من كذاب يكذب علينا، ويسقط صدقنا بِكَذِبه علينا عند الناس..)، ثمَّ ذكر الكذابين على آل البيت وهم:
1-                   مسلمة.
2-                   عبد الله بن سبأ.
3-                   المختار.
4-                   الحارث الشامي.
5-                   بنان.
6-                   المغيرة بن سعيد.
7-                   بزيغ.
8-                   السري.
9-                   أبو الخطاب.
10- معمر.
11- بشار الشعيري.
12- حمزة البربري.
13- صايد النهدي([164]).
وذكر غيرهم في روايات أخرى، وهذا يؤكد أنَّ هذا التناقض سببه هؤلاء الكذابون وإخوانهم؛ الذين أفسدوا عقائد الشيعة.
72) أوردتم حديثاً مرفوعاً لفظه: (الله الله في أصحابي...) [الإصابة (1/10)].
ثم ذكرت من ضعفه، وأوردت شيئاً من شرحه [الترمذي (5/358)، والألباني في تحقيقه للسنة لابن أبي عاصم (465)...].
قلت: لا أدري ماذا تقصد من إيراد هذا الحديث وتضعيفه؟!
فإن كنت تريد أنَّ الحديث الذي ينهى عن إيذاء الصحابة ضعيف، فيجوز إيذاؤهم؛ لأنَّه ليس هناك أحاديث أخرى في هذا الباب؛ فإنَّك لم تُصِب.
وإنْ أردت أنْ تعتمد عليه لما ذكرته بعد ذلك في علي رضي الله عنه؛ فنحن لا نحتاج إلى أحاديث ضعيفة في الاستدلال.
والعجب أنَّك تورد تضعيف العلماء للحديث، ثمَّ تستطرد للاستشهاد به ومناظرة شُرَّاحه، فكان الأولى الإعراض عنه؛ لعدم صحته.
* لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يبغض أحداً من الصحابة رضي الله عنهم:
73) قلتم: (فتدل الرواية على وجوب حب كل صحابي يحبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبغض كل صحابي يبغضه النبي صلى الله عليه وآله وسلم).
قلت: هذا كلام حق؛ لكن من هم الذين يحبهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ وكيف تثبت حبه لهم؟
إنَّ ذلك لا يتم إلا من خلال الأحاديث.
والأحاديث نقلها الصحابة رضي الله عنهم، فإنْ كانوا ثقات، فقد رووا أحاديث في فضل من كفَّرتموهم أو ضلَّلتموهم؛ بل الذين كُفِّروا أو ضُلِّلوا هم الذين رووا لنا تلك الأحاديث.
فلا يستقيم لكم الاستدلال بمرويَّاتهم إلا إذا عدلتموهم.
74) قلتم: (ولا ريب أنَّ حب جميع الصحابة، ولو كان فيهم من يبغضه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو أغضبه، أو لعن صلى الله عليه وآله وسلم إياه، فليس من حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شيء.
كما ورد عن علي بن أبي طالب: «أصدقاؤك ثلاثة...») [شرح نهج البلاغة (19/200) ينابيع المودة (2/247)].
قلت: الجواب من وجوه:
أولاً: هذا كلام عام ولم تبين المقصود به!
ثانياً: ثبت عندنا أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم يحب أصحابه جميعاً، ولم يثبت عندنا أنَّه يبغضهم؛ وخاصة أهل بدر وبيعة الرضوان، فقد ثبتت فيهم الأدلة القرآنية والنبوية القطعية التي لا نشك في صحتها، فمن خالفها عندنا فهو مبتدع معارض لكلام الله عز وجل، رادٌّ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ولعلَّه يأتي بمشيئة الله تعالى مزيد بيان.
ثالثاً: الحديث غير معروف في دواوين الإسلام، والله أعلم بواضعه!
* بيان أن علياً ليس من الشيعة وأن الشيعة تطعن فيه رضي الله عنه:
75) عنونتم بعنوان: (آراء الشيعة الإمامية في الصحابة)، وأوردتم قول علي رضي الله عنه وبعض آل البيت.
قلت: أمَّا إيرادك لعلي رضي الله عنه تحت هذا العنوان، فدعوى مردودة؛ لأنَّ عليّاً رضي الله عنه ليس من الشيعة، ولا نعتقد أنَّ له بهم صلة أصلاً؛ بل نعتقد أنَّ أقوالهم فيه قد شانته ولم تزنه، بل هم أعداؤه؛ لأنَّهم اتهموه بما لم يقل وبما لم يدَّعِ، كما أنَّه يلزم من مذهبهم أن يوصف بالجبن والدياثة والنفاق، وإن لم يصرِّحوا بذلك، لكن هذا لازم قولهم.
وفيما يلي بيان ذلك:
أولاً: ادّعوا أنَّه (وصي) من الله عز وجل ومن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنَّ ذلك بنص من القرآن والسنَّة، ليخلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمَّته، ثم إنَّه لم يقم بحق الوصاية بدعوى (التقية)، وهذا يعني أنَّه قد (خان) الوصية وجبن عن القيام بها.
مثال ذلك مثال: (النبوة) من إنسان مع عدم تنفيذ أمر الله عز وجل له بإبلاغ الناس، فهل رأيت نبيّاً فعل ذلك؟!
ولا ندري لماذا لا يقوم بواجب الوصاية؟! أيحافظ على حياته ويخاف من الموت؟! ثم ما فائدة حياته إذا انتقص دين الله عز وجل بسببه؟
ثمَّ ألم يجد الله عز وجل غير إنسان ضعيف عاجز عن القيام بالإمامة؟! ثمَّ ما هي الفائدة من إمامة مع التخلِّي عن القيام بها؟! ما هي الفائدة للبشرية من ذلك؟! ثمَّ ألا ترى أنَّ كثيرين من الأئمة يضحون بأنفسهم لتحيا عقائدهم؟! بل من صغار الأتباع؟!
أليس هذا (الغلام) في قصة الأخدود قد رضي أن يموت ليحيا دينه؟!
أليس هذا الخميني قد جاهد حتى تحقق له إقامة دولة لمذهبه؟!
أليس هناك نساء في فلسطين والشيشان يقُمْنَ بعمليات استشهاد لنُصرة قضاياهم؟!
إنَّ هذا يدل على أحد أمرين:
إمَّا أنْ تكون هذه الدعوى بالوصاية كاذبة. وهو الصحيح.
وإمَّا أنْ يكون عليٌّ جباناً -حاشاه من ذلك-.
قيل للحسن بن الحسن بن عليّ: (ألم يقل الرسول لعليّ: من كنت مولاه فعليّ مولاه؟ قال: أما والله لو يعني بذلك الإمرة والسلطان لأفصح لكم بذلك، كما أفصح لكم بالصلاة والزكاة والصيام والحج... ولو كان الأمر كما تقولون إن كان -أي عليّ- لأعظم الناس في ذلك خطيئة وجرماً؛ إذ ترك ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([165]).
ثانياً: دعوى أنَّ فاطمة رضي الله عنها قد أُوذيت ومُنِعت حقها، وضُربت وهَدّدها عمر رضي الله عنه بإحراق بيتها.
أليس هذا انتقاصاً لعليّ رضي الله عنه؛ أن يرى زوجته رضي الله عنها تُؤذى وتُعذب حتى تُسقط جنيناً لها وهو يشاهد؟!
أين الشجاعة التي يوصف بها؟! أين الغيرة على زوجته رضي الله عنها؟!
بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وزوجته تُهان وتُضرب وعلي رضي الله عنه يشاهد؟!
أَعَلِيٌّ رضي الله عنه لا يغار على زوجته؟!
حاشاه رضي الله عنه، فهو والله أعظم من أن يرضى في أهله ما زعمتم!!
لو وقع عليها ما يسوؤها أو يدنس عرضها، لما رضي فارس الحروب، وشجاع بني هاشم، وأول شاب آمن بهذا الدين: أن تُهان وتُضرب وهو شاهد يرى ذلك كله، والموت خير من حياة رخيصة مثل هذه.
والعجب أنَّهم قالوا: (ويجب أن يكون الإمام أشجع رعيته)([166])، ثم يزعمون أنَّه كان على خلاف ذلك!!
أمَّا قضية (الميراث) فلو لم يعلم أنَّها قضية اجتهادية منها رضي الله عنها، قد عارضها نص من النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لكان أول من يطالب به، وقد ولي الأمر فلم يقسم ميراثاً، فلو كان يعتقد أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يورث، فلماذا لم يقسم ميراثه عندما أصبح خليفة؟!
ثمَّ كيف تطالب رضي الله عنها بنصيبها من الميراث وتغضب له، وهو أمر دنيوي، وينقل ذلك عنها، ولا تغضب لأمر ديني أعظم من مال يفنى قد عطل -بزعمكم- وهو (الإمامة) ولم تتكلم به مطلقاً؛ حتَّى هي كذلك تقول بـ (التقية) وتخاف؟! لِمَ لَمْ تخف من مطالبتها بميراثها؟!
ثالثاً: زوَّج علي رضي الله عنه بنته أم كلثوم لعُمَر رضي الله عنه، وعمر في نظركم كافر أو فاسق، وزعمتم أن هذا كان غصباً من علي رضي الله عنه، ولم يدافع علي رضي الله عنه عن بنته، ورضي أنْ يُسْتحلَّ فرجها بغير حقه، وهذا من أعظم الذم!!
ونحن نرى في عالم الحيوانات والطيور أنَّ هناك من يدافع عن أولاده حتى الموت.
فهذه (الدجاجة) إذا أراد شخص أنْ يأخذ بعض فراخها تدافع دفاعاً شديداً. فهل تكون هذه الدجاجة أشجع وأكثر غيرة على أولادها من عليّ رضي الله عنه؟!
إنَّ الرضى بمثل هذا يسمى: (جبناً) وحاشاه من أنْ يرضى بذلك!
ولو لم يكن عمر رضي الله عنه مؤمناً لما زوّجها منه.
رابعاً: لم يكتفِ عليّ رضي الله عنه بكل تلك التنازلات -حسب زعمكم- بل أقدم على تسمية أولاده بأسماء الكفار أو الفساق: (تقية)؟! لا حول ولا قوة إلا بالله!
ألا يكفيه أنْ سكت على إلغاء الوصية، وانتهاك عرض فاطمة وهو يرى، وعجزه عن حماية ابنته من الزواج من غير المؤمنين أو الصالحين؛ حتى يسمي أولاده بأسماء الكفار أو الفساق: أبي بكر، وعمر، وعثمان؟!
ماذا دها هؤلاء القوم؟!
أهذا إنسانٌ إمامٌ شجاعٌ غيورٌ مخلصٌ أم غير ذلك؟!
إنَّنا نشهد أنَّه كان أتقى لله عز وجل وأنقى من هذه الصورة التي ترتسم في ذهن كل من يطلع على هذه الآثار والعقائد الشيعية الإمامية.
روى اللالكائي من طريقين عن علي بن الحسين -زين العابدين- رحمه الله أنَّه قال: (يا أهل العراق! أحبونا حب الإسلام، فوالله ما زال حبكم حتَّى صار علينا شيناً)([167]).
خامساً: لماذا يبقى عليّ رضي الله عنه في أرض يُذل فيها ويُهان حتَّى في عرضه ودينه، ولم يهاجر ويخرج من هذه الأرض، كما قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً)) [النساء:97-98].
فهل عليّ رضي الله عنه من هؤلاء المعذورين؟! ويكون إماماً موصىً به من رب العالمين، وهو يعلم عدم قدرته على تحقيق الوصية؟!
وهل رأيت ملكاً يؤمِّر رجلاً عاجزاً عن القيام بالإمارة؟!
رضي الله عنه وأرضاه، لقد أوذي بهذه الدعاوى!
* كلام أئمة الشيعة وعلمائهم في الصحابة:
76) قلتم (ص:17): (من أراد أن يقف على رأي الشيعة في الصحابة، فعليه بما يقوله إمام المسلمين علي عليه السلام في حقهم).
قلت: عليّ رضي الله عنه هو إمام المسلمين في عصر خلافته، وليس إماماً للمسلمين على الإطلاق، وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان، كل منهم إمام في زمن محدد.
ولهذا فقد أُطلِق عليهم: (خلفاء)، وإطلاق هذا الاسم فيه أو في غيره بأنَّه إمام المسلمين، لا يصح شرعاً ولا واقعاً.
وإمام المسلمين على الإطلاق هو واحد، وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ويجوز أن يُسمى من يحكم المسلمين منهم إماماً للمسلمين في عصره.
77) أوردتم قول عليّ رضي الله عنه في نهج البلاغة، وهو: (أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق؟ أين عمار؟ وأين ابن التيهان؟ وأين ذو الشهادتين؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية، وأبرد برءوسهم الفجرة؟! أوَّه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه، وتدبروا الفرض فأقاموه، وأحيوا السنة وأماتوا البدعة، دُعوا للجهاد فأجابوا، ووثقوا بالقائد فاتبعوه) [نهج البلاغة (182)].
والجواب من وجوه:
أولاً: كتاب: (نهج البلاغة) كتاب مقطوع الصلة لا سند له ولا أساس، كتبه شاعر شيعي في القرن الرابع، أي: بعد قرابة أربعة قرون، ونسبه إلى عليّ رضي الله عنه بكامله، فأين السند الذي وصل به هذا الكتاب -أعني ما فيه من أقوال-.
لو فتح هذا الباب لقُضي على دين الله عز وجل.
وقبول الشيعة لمثل هذا الكتاب بدون سند، هو من أعظم الأدلة على عدم وجود المنهج العلمي الذي يُؤَسس عليه العلم عندهم.
فهل هذا المؤلف: (الشريف الرضي) أو أخوه: (المرتضى) -الله أعلم بالمؤلف منهما، وهذا لا يهمنا كثيراً- هل جاءه وحي من السماء بأن عليّاً رضي الله عنه قال هذا الكلام؟!
لِمَ لَمْ يذكر الأسانيد التي نقل بها أو الكتب التي نقل منها؟!
إنَّ أهل السنَّة لو قال أعظم عالم عندهم: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لقالوا: هات السند، ولم يرضوا منه الحديث بدون إسناد.
وهذا المنهج الشيعي الإثنا عشري يؤدي إلى ضياع الدين؛ وذلك لأنَّ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ظهر من وقت مبكر، ووضع الكذابون أحاديث باطلة، ولو لم يُقَرَّر منهج لمعرفة صحيح الحديث من ضعيفه لفسد الدين.
وقد ألَّف الشيعة أنفسهم كتباً في الرجال، ووضعوا الرواة بحسب ما ظهر لهم، فمنهم من وثقوه، ومنهم من كذبوه، فما يدرينا أنَّ هذه الأقوال رواها كذابون؟!
وإن كنا نرى أن كثيراً من علماء الشيعة الإثني عشرية لايعرفون منهج التصحيح والتضعيف، ولاتكاد تجد لذلك أثراً عندما يكون الموضوع تقريراً لمذهبهم!!
ثانياً: هذه الخطبة ليس فيها ثناء على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل فيها ذم لهم؛ فإنَّه لم يذكر من إخوانه إلا عماراً وشخصين آخرَين، وترك عظماء إخوانه: أبا بكر وعمر وعثمان، فلم يذكرهم، وهذا يعني أنَّه غير راضٍ عنهم وليسوا بإخوانه.
فقاتل الله من كذب عليه، ووضع عليه هذه الخطب المتكلفة، الكثيرة السجع، الباطلة المعاني.
وكيف يمدح الصحابة -على مذهبكم- وهم قد منعوه حقه؟!
إنْ كانوا أخياراً -وهم كذلك والله- فلِمَ يمنعونه حقاً ثبت -حسب زعمكم- بالقرآن والسنَّة؟!
وإنْ كانوا أشراراً -وحاشاهم من ذلك- فكيف يمدحهم؟!
إنَّ هذا يكشف عنه شارح نهج البلاغة الشيعي: (هيثم بن علي البحراني) المتوفى عام (679هـ) عندما رأى أنَّ في نهج البلاغة مدحاً لأبي بكر وعمر، وهذا لا يتفق مع العقيدة الشيعية، ويوجد فيه كذلك ذم لهما، فكيف هذا التناقض؟! فقال: (واعلم أنَّ الشيعة قد أوردوا هنا سؤالاً فقالوا: إنَّ هذه الممادح التي ذكرها في حق الرجلين، تنافي ما أجمعنا عليه من تخطئتهم وأخذهما لمنصب الخلافة:
فإمَّا أن لا يكون هذا الكلام من كلامه رضي الله عنه.
وإمَّا أن يكون إجماعنا خطأ)!!
ثمَّ ارتضى أن يكون الجواب أنَّه قال ذلك: (من أجل استصلاح من يعتقد صحة خلافة الشيخين، واستجلاب قلوبهم بمثل هذا الكلام)([168])!!
هذه قالها عليّ رضي الله عنه (تقية) حسب زعمه -أي كذباً- ليجمع الناس على خلافته ولو بالكذب! -حاشاه رضي الله عنه - أرأيت الإصرار على الباطل؟!
أليس هذا فيه تغريراً بأتباعه لوكان تقية؟!
فنقول: عندما قال هذا الكلام: أليس في أتباعه من يؤمن بأنَّه (الوصي) المسلوب الحق، وأنَّ الشيخين قد دفعاه عن حقه، وأنَّهما ظالمان له -حسب زعم الشيعة- فلماذا لم يقم شخص ويقول: كيف تقول هذا وهما قد ظلماك وخانا الوصية؟
أكل الأتباع على التقية؟؟!! سبحانك هذا بهتان عظيم!
78) أوردتم دعاء علي بن الحسين من الصحيفة السجادية: (اللهم وأصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، خاصة الذين أحسنوا الصُحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره وكاتفوه، وأسرعوا إلى وِفادته..) إلخ ما ذكر من خصائصهم الصحيحة..) [الصحيفة السجادية: الدعاء الرابع].
الجواب من وجوه:
أولاً: هذه الخطبة جُمِعت من كتب التواريخ كما ذُكر في مصادرها، ولا يُدرى عن صحة سندها، والله أعلم.
ثانياً: لا شكَّ أنَّ هذه الخطبة خطبة جميلة الأسلوب صحيحة المعاني، لكن يُعكِّر عليها -كما تقدَّم- أنَّ معتقد الشيعة -كما قال البحراني- لا يتفق معها، فأحدهما حق.
ثالثاً: يمكن أن تفسرها الشيعة على معتقدها، ويمكن أن تفسرها السنَّة على معتقدها، فقد ورد فيها قوله: (الذين أحسنوا الصُحبة) وهي تحتمل المذهبين.
79) أوردتم عن علي بن موسى الرضا عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من سبَّ نبيّاً قُتِل، ومن سبَّ صاحباً جُلِد) [صحيفة الرضا ومسند زيد بن علي (ص:464)، بحار الأنوار (76/222)].
قلت: لو طُبِّق هذا الحديث لقُتِل كثير من الشيعة وجُلِد أكثر، فإنَّ عقائد الشيعة تنتهي إلى اتهام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّه لم يُبلِّغ البلاغ المبين في ولاية عليّ، وليس هناك سب أعظم من هذا.
قال قائد الثورة الإيرانية روح الله الخميني: (وواضح بأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو كان قد بلّغ بأمر الإمامة طبقاً لما أمر به الله، وبذل المساعي في هذا المجال؛ لما نشبت في البلدان الإسلامية كل هذه الاختلافات والمشاحنات والمعارك، ولما ظهرت ثمة خلافات في أصول الدين وفروعه)([169]).
فما رأيك بهذا الاتهام لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام؟!
فالشيعة أحدثوا (عقيدة الوصية) وحشدوا لها عشرات الأدلة التي لا تنص عليها مباشرة، ولا يُفهم منها ما يريدون إلا بتكلف، وهم قد قرروا أنَّ الإمامة ثبتت بالنص، فلمَّا لم يجدوا نصّاً صريحاً اتهموا سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه -لأنَّه لم يحقق مطلبهم، وليس مطلب الله عز وجل - اتهموه بالتقصير.. يا لها من فرية عظيمة لا تتوقف عند اتهام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل تتعداه إلى الله عز وجل! إذ كيف يرى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم -وحاشاه- لا يبلغ البلاغ المبين، ثمَّ لا يعاقبه وقد قصَّر في تبليغ أمره عز وجل، وقد قال تعالى: ((وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ)) [الحاقة:44-46].
وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)) [المائدة:67].
ما عسى أن تقول في هذه الفرية: هل تستحق العقاب أم لا؟!
ثمَّ إنَّ عقائد الشيعة كلها تنتهي إلى سبِّه صلى الله عليه وآله وسلم.
فزوجاته: إمَّا أنَّهن كافرات أو فاسقات، أو أنَّ بعضهن ارتكبت الفاحشة أو حاولت -نعوذ بالله! -فأي سب أعظم من أن يُتَّهم الرجل في عرضه؟!
وهذادليل على عدم سلامة التربية -معاذ الله!-.
وأمَّا سبَّ الصحابة: فقد اعتقدوا فيهم الكفر أو الفسق.
أمَّا الكفر: فالكتب الروائية مملوءة بذكره.
وكتب العقائد لا تكاد تخلو من تصريح أو تلويح.
أمَّا الطعن في عرضه صلى الله عليه وآله وسلم: فقد روى المجلسي عن القمي في تفسير قوله تعالى: ((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا)) [التحريم:10]قال: والله ما عنى بقوله: (فخانتاهما) إلا الفاحشة، وليقيمن الحد على فلانة فيما أتت في طريق البصرة، وكان فلان يحبها، فلمَّا أرادت أن تخرج إلى البصرة قال لها فلان: لا يحل لك أن تخرجين -هكذا- من غير محرم، فزوجت نفسها من فلان([170]).
فالمراد بفلانة: عائشة رضي الله عنها؛ والمراد بفلان: طلحة!!
قاتلهم الله وقبحهم على هذا الطعن في عرض سيد البشر صلوات وسلامه عليه!!
وقال المجلسي بعد إيراد الآية السابقة: (لايخفى على الناقد البصير والفطن الخبير ما في تلك الآيات من التعريض بنفاق عائشة وحفصة وكفرهما).
قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ..)) [النور:11] إلى أن قال تعالى: ((الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [النور:26].. فقد وعد عائشة رضي الله عنها بعد تبرئتها وإثبات إيمانها بمغفرة وأجر كريم، فهل يَعِدُ الله عز وجل شخصاً بعينه بالأجر الكريم ثمَّ لا يتحقق؟! وهل يجوز لمسلم أن يقيّد وعد الله عز وجل فيقول: (إذا لم يحدث منه ما يخالف) يعني أنَّ الله عز وجل لا يدري عن المستقبل؟!!
نسأل الله العافية.
وأمَّا بقية أمَّهات المؤمنين، فإنَّهن لم يقلن بإمامة علي رضي الله عنه كغيرهن من الصحابة، وكل من لم يقل بولاية عليّ فهو بين حكمين: إمَّا كافر وإمَّا فاسق.
قال المفيد الإمامي المتوفى (413هـ): (اتفقت الإمامية وكثير من الزيدية على أنَّ المتقدمين على أمير المؤمنين (ع) ضلال فاسقون، وأنهم بتأخيرهم أمير المؤمنين (ع) عن مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عصاة ظالمون، وفي النار هم خالدون)([171]).
وقال المفيد كذلك في كتاب آخر: (ظاهر مذهب الإمامة أنَّ الخارج على أمير المؤمنين والمقاتل له كافر، بدليل إجماع الفرقة المحقة في ذلك... ودفع الإمامة وجحدها كدفع النبوة وجحدها سواء بدلالة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من مات وهو لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)([172]).
قلت: وهذا الحديث ظاهره الكذب، ولا يُعرَف في دواوين الإسلام المشهورة؟!
وقال الخميني: (إنَّنا هنا لا شأن لنا بالشيخين، وما قاما به من مخالفات للقرآن، ومن تلاعب بأحكام الإله، وما حللاه وحرماه من عندهما، وما مارساه من ظلم ضد فاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وضد أولاده...)([173]).
وقال كذلك: (حتَّى لو كان ذكر الإمام قد ورد في القرآن، فمن ذا الذي يضمن عدم نشوب الخلافات بين المسلمين؟
إذ إنَّ أولئك الذين ألصقوا أنفسهم بالدين والنبي، وأقاموا التكتلات، ما كان عند ذلك يلتزمون بأقوال القرآن)([174]).
فهم متلاعبون بأحكام الإله وألصقوا أنفسهم بالدين وليسوا من أهله!!
هذه عقيدة الإمامية في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأزواجه وأصحابه، لو طبق الحديث المكذوب السابق لكانوا أول من يستحق هذا الحكم.
أرأيت لو عرض على شخص خالي الذهن عن شخص:
أصدقاؤه خبثاء منافقون أو كفار وفاسقون.
وزوجاته منافقات أو كافرات.
وهو فاشل في تربية أتباعة الذين يقدرون بأكثر من عشرة ألاف شخص لم ينجح منهم إلا أربعة!!
ثم قال: ما رأيك في هذه الشخصية؟
فماذا تتوقع أن يكون جوابه؟؟؟!!!
80) أوردتم قول العاملي: إنَّه ليس في مذهب الشيعة وجوب سب الصحابة.. إلى أن قال: (إنَّ الشخص لو عاش ألف سنة وهو يتديَّن بمذهب أهل البيت عليهم السلام، ويتولاهم ويتبرَّأ من أعدائهم، ولم يسب الصحابة قط؛ لم يكن مخطئاً ولا في إيمانه قصور) [المناظرات لمقاتل بن عطية تحقيق الورداني (ص:77)].
قلت: إنَّ الشيعة يجيدون اللعب بالألفاظ، وهم يظنون أنَّ ذلك ينطلي على أهل السنَّة.
إنَّ اللفظ يقرر أنَّ: أهل البيت لهم أعداء. والمراد واضح، أي: الذين خلفوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يولوا عليّاً رضي الله عنه، وهؤلاء هم جميع الصحابة ما عدا أربعة كما يزعمون؛ فهؤلاء هم عند الشيعة أعداء آل البيت.
فالتبرؤ منهم كافٍ في إثبات الإيمان، مثال ذلك: مثالنا مع الشيطان، وفرعون، وأبي لهب، وأبي جهل؛ فنحن لو عشنا ألف سنة ولم نسب واحداً منهم فإيماننا كامل؛ لكن لا بدَّ من التبرؤ منهم. فما الفرق يا تُرى؟!
إنَّ القضية تعود إلى ما قاله البحراني الإمامي: (إمَّا إثبات الإمامة وإمَّا إثبات ولاء آل البيت للصحابة).
81) ثمَّ أوردتم قول السيد علي خان الشيرازي المتوفى (1130هـ) وهو: (حكم الصحابة عندنا في العدالة حكم غيرهم، ولا يتحتَّم الحكم بالإيمان والعدالة بمجرد الصُحبة، ولا يحصل بها النجاة من عقاب النار وغضب الجبار، إلَّا أن يكون مع يقين الإيمان وخلوص الجنان، فمن علمنا عدالته وإيمانه، وحفظه وصية رسول الله في أهل بيته، وأنَّه مات على ذلك؛ كسلمان وأبي ذر، واليناه وتقرَّبنا إلى الله تعالى بحبه...) إلخ ما نقلت.[الدرجات الرفيعة (ص:11)].
قلت: هنا يتَّضح المذهب ويبرز وجهه واضحاً: (من حفظ الوصية)، (كسلمان وأبي ذر...) فقط، وأمَّا أبو بكر وعمر وكبار الصحابة فقد عاندوا الحق، كما يتَّضح من بقية الكلام.
هذا هو المعيار الحقيقي عند الشيعة، وهو اتهام الصحابة بالردَّة والضلال!
فأين في هذا النص ثناء على الصحابة؟
82) أوردتم قول المسعودي في (مروج الذهب) وهو: (كان ممَّن شهد صفين مع عليّ رضي الله عنه من أصحاب بدر سبعة وثمانون رجلاً، منهم سبعة من المهاجرين وسبعون من الأنصار. وشهد معه ممَّن بايع تحت الشجرة وهي بيعة الرضوان من المهاجرين والأنصار ومن سائر الصحابة تسعمائة...إلخ)([175]).
قلت: الجواب من وجوه:
أولاً: كتاب: (مروج الذهب) كتاب تاريخ لا يُعتمد عليه في إثبات قضايا متنازع عليها، وإنَّما يُرجع إلى الكتب المسندة.
ثانياً: المسعودي مؤلف الكتاب قال فيه ابن حجر: (وكتبه طافحة بأنَّه كان شيعياً معتزلياً..)([176]).
ثالثاً: إن صح هذا الأثر فإنَّه يدل على أنَّ الصحابة لم يكونوا يُعادون عليّاً رضي الله عنه، وإنَّما كانوا يوالونه، ولو كانوا يعلمون أنَّه (وصي) لكان لهم صوت مسموع قبل ذلك، ثمَّ لم يُنقَل عن أحدٍ منهم أنَّه كان يُفضِّله على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
رابعاً: ما أورده المسعودي من أسماء الصحابة الذين يُعدُّون بالآلاف ثمَّ يذكر سبعة وثمانين رجلاً، فأين الباقي؟!! ولا ندري من هم الذين ذكرهم، وهل هم قائلون بـ(الوصية) أم مُعارضون لها؟!
فإن كانوا من القائلين بالوصية فلماذا لم ينصروه قبل ذلك؟!
*عدالة الصحابة على مذهب الشيعة:
83) قلتم: (قال السيد محسن الأمين العاملي المتوفي (1371هـ) ما يمثل عقيدة الشيعة: حكم الصحابة في العدالة حكم غيرهم... فمن علمنا عدالته حكمنا بها وقبلنا روايته، ولزمنا له من التعظيم والتوقير بسبب شرف الصحبة، ونصرة الإسلام، والجهاد في سبيل الله، ما هو أهله.
ومن علمنا منه خلاف ذلك لم تُقبل روايته، أمثال مروان بن الحكم، والمغيرة بن شعبة، والوليد بن عقبة، وبسر بن أرطأة، وبعض بني أمية وأعوانهم.
ومن جهلنا حاله في العدالة توقفنا في قبول روايته...) إلى آخر كلامه. [أعيان الشيعة (1/113)].
هنا وقفات:
أولاً: كيف نعرف عدالة الصحابة على مذهب الشيعة؟!
أليس من خلال الأحاديث التي تشهد لهم بالفضل؟! فقد وردت أحاديث تزكيهم وخاصة الخلفاء الراشدين، فهل هؤلاء يعظمون عندكم؟
ثانياً: قد مثل العاملي للصنف الذي وصفه بأنَّه علم عدم عدالته بأسماء أشخاص، ولم يمثل لمن ثبتت عدالته، فلماذا يا تُرى؟! لأنَّه لن يمثل بعظماء الأمَّة، وإنَّما سيمثل بسلمان وعمار والمقداد وأبي ذر، وهذا يكشف مراده بهذا القول الذي يظن أنه يخدع به أهل السنَّة!!
ثالثاً: من هم الذين جهلت عدالتهم؟! لم يمثل بأحد!
رابعاً: لا يمكن أن يجتمع في قلبٍ القول بالوصية وتعظيم الصحابة إلَّا عن طريق التقية!!
خامساً: أي صحبة هذه التي لها شرف؟! وقد طعنتم في أصحابه وزوجاته، فأي شرف للصحبة عندكم؟!
سادساً: أي دين نصر؟! وقد زعمتم أنهم خانوا الدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؟! ومن هم هؤلاء الذين نصروا الدين عندكم؟!
84) علَّقتم على كلام العاملي كلاماً: كثيرٌ منه مقبول، ولكن آخره غريب، وهو: (هذا مع ما شوهد من صدور أمور من بعضهم لا تتفق مع العدالة: كالخروج على أئمة العدل، وشق عصا المسلمين، وقتل الأنفس المحترمة، وسلب الأموال المعصومة، والسب والشتم، وحرب المسلمين وغشهم، وإقام الفتن، والرغبة في الدنيا، والتزاحم على الإمارة والرئاسة، وغير ذلك ممَّا تكفلت به كتب الآثار والتواريخ وملأ الخافقين)، ثمَّ أحلت إلى كتاب: (أعيان الشيعة)([177])، ولا أدري هل هذا من قولكم أو أنَّه منقول؟!
وهنا وقفات:
أولاً: تأكيداً لما سبق: إنَّ تصوير جيل الصحابة بهذه الصورة يُوهم أنَّه جيل تجمَّع فيه كل شر، وقد تناسيتم نُصرتهم للإسلام وجهادهم العظيم، وكأنَّ تاريخهم كان تاريخاً سيئاً: (قتل وسلب، وشتم، وغش، ورغبة في الدنيا.. ملأت الخافقين!)، مع أنكم ذكرتم قول العاملي السابق في تعظيم من له شرف الصحبة، ونصرة الإسلام، والجهاد في سبيل الله، فمن هم هؤلاء يا ترى؟!
وقد تقدَّم الرد على مثل هذا الكلام.
ثانياً: لا أدري ما مرادك بالخروج على أئمة العدل؟!
وهل ينطبق هذا على الخلفاء الثلاثة، أم أنَّ المُراد (معاوية)؟!
على كل: قد تقدَّم ما يُجاب به على كلا الاحتمالين.
* غلو وتطرف لا اعتدال ووسطية:
85) قلتم: (قال السيد شرف الدين العاملي المتوفى (1377هـ) من أكابر علماء الشيعة بلبنان: إنَّ من وقف على رأينا في الصحابة علم أنَّه أوسط الآراء؛ إذ لا نفرّط فيه تفريط الغلاة الذين كفروهم جميعاً، ولا أفرطنا إفراط الجمهور الذين وثقوهم أجمعين..
فالصحابة كغيرهم من الرجال، فيهم العدول، وهم: عظماؤهم وعلماؤهم..
وفيهم البغاة.
وفيهم أهل الجرائم من المنافقين.
وفيهم مجهول الحال.
فنحن نحتج بعدولهم ونتولاهم في الدنيا والآخرة.
وأمَّا البغاة على الوصي وأخي النبي، وسائر أهل الجرائم والعظائم، كابن هند وابن النابغة.. وأمثالهم، فلا كرامة ولا وزن لحديثهم... إلى أن قال: وما أشد إنكارهم علينا حين يروننا نرد حديث كثير من الصحابة، مصرحين بجرحهم أو بكونهم مجهولي الحال، عملاً بالواجب الشرعي في تمحيص الحقائق الدينية، والبحث عن الصحيح من الآثار النبوية..
ولو ثابت إليهم أحلامهم ورجعوا إلى قواعد العلم؛ لعلموا أنَّ أصالة العدالة في الصحابة مما لا دليل عليه، ولو تدبروا القرآن لوجدوه مشحوناً بذكر المنافقين منهم، وحسبك من سورة التوبة والأحزاب: ((إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ..)) [المنافقون:1] ويكفيك من آياته المحكمة: ((الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً)) [التوبة:97]).
واستمر على هذا الأسلوب في اتهام الصحابة رضي الله عنهم والدعاوى، إلى أن ذكر أنَّ الأمَّة مستغنية بأهل السوابق والمناقب (وفيهم الأكثرية الساحقة، ولا سيما علماؤهم وعظماؤهم.. إلى أن قال: على أنَّا نتولى من الصحابة كل من اضطر إلى الحياد -في ظاهر الحال- عن الوصي، أو التجأ إلى مسايرة أهل السلطة...وهم السواد الأعظم من الصحابة...) [أجوبة مسائل جار الله (ص:14)].
الجواب: كل فقرة -والله- تحتاج إلى دحضها وبيان بطلانها.
ولكننا نختصر الجواب:
أولاً: دعوى أنَّ مذهبه مذهب وسط هي دعوى تخالف الحقيقة، فمذهبه مذهب الشيعة الإمامية، والذي يختلف إنَّما هو العبارة، فكل من اعتقد عقيدة الشيعة لا يستطيع أن يكون وسطاً؛ لأنَّهم خالفوا عموم المسلمين في دعوى الوصية، وكل من ادعى الوصية فيستحيل أن يتوسط، وسيتَّضح ذلك بما يلي.
ثانياً: قال: (فالصحابة كغيرهم من الرجال: فيهم العدول، وهم عظماؤهم وعلماؤهم).
قلت: من هم هؤلاء عظماؤهم وعلماؤهم؟!          
عليّ، وسلمان، وأبو ذر، والمقداد، وعمار؟!
هل هناك غيرهم؟!طبعاً: لا، ولا يستطيع أن يدخل معهم أحداً من العظماء الذين هم أعظم ممَّن ذُكِر في حقيقة الأمر، وعند جميع المسلمين ما عدا مَن شذ.
ثالثاً: ثمَّ فسَّر البغاة بأنَّهم: (البغاة على الوصي وأخي النبي) فها هي العقيدة الشيعية تأبى إلَّا أن تَظهر، فمن هم الذين بغوا على (الوصي) حسب زعم الشيعة؟! أليس هم الخلفاء الثلاثة، وجميع الصحابة في عهدهم كما يزعمون؟!
إذن: من بقي من الصحابة يستحق أن يُوصف بالعدل على ميزان المعتدلين؟!
رابعاً: ثمَّ زعم (أنَّ أصالة العدالة في الصحابة ممَّا لا دليل عليه، ولو تدبَّروا القرآن الحكيم لوجدوه مشحوناً بذِكر: (المنافقين..).
عجباً لهذه الدعوى الباطلة: (عدالة الصحابة) لا دليل عليها لا من القرآن ولا من السنَّة!!
وعشرات الآيات، وعشرات أو مئات الأحاديث الصحيحة؛ أليست كافية..؟! لا.
ما الذي يعرفه عن الصحابة؟
«القرآن مشحون بذكر المنافقين» وهل يقول مسلم: إنَّ المنافقين هم من الصحابة الذين يعرِّفهم علماء الإسلام بأنَّهم: كل من لقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤمناً به ومات على ذلك. فهل المنافقون لقوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤمنين به؟!
وهل يخفى المنافقون وهم يقولون ويعملون ما يُخالف الإسلام، ويراهم المؤمنون؛ إذ لا يظهر النفاق إلا بقول أو عمل، وإلاَّ فكيف يُعرف المنافق من غيره؟!
عجباً لهذه العقيدة الحاقدة على عظماء الأمَّة!!
خامساً: قال عن المنافقين: (فليتني أدري أين ذهب المنافقون بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد كانوا جرَّعوه الغصص مدة حياته..).
إذن: كان لهم أعمال وأقوال مكشوفة آذوا بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهم -إذن- مكشوفون!
إذن: كيف تزعم أنَّه لا يُفرَّق بين المؤمنين والمنافقين؟! أليس الذين جرعوه صلى الله عليه وآله وسلم الغصص معروفين؟!
ثم نحن نسأل الدكتور القزويني:أين ذهب هؤلاء المنافقون؟! هل تستطيع الإشارة إليهم؟؟ وهل لديك علم بذلك أم بالظن والتخمين؟؟
سادساً: الكلام ينقض بعضه بعضاً:
ذكر أنَّ أهل العدل هم: (عظماؤهم وعلماؤهم..).
وقال عن المستقيمين من الصحابة: (هم أهل السوابق والمناقب، وفيهم الأكثرية الساحقة، ولا سيما علماؤهم وحملة الآثار النبوية).
وقابل هذا بقوله: (أمَّا البغاة على الوصي وأخي النبي.. فلا ولا كرامة، ولا وزن لحديثهم).
وقال: (على أنَّا نتولى من الصحابة كل من اضطر إلى الحياد - في ظاهر الحال - عن الوصي، أو التجأ إلى مسايرة أهل السلطة بقصد الاحتياط على الدين والاحتفاظ بشوكة المسلمين، وهم السواد الأعظم من الصحابة..).
قلت: زعم أنَّ أهل السوابق والمناقب: (الأكثرية الساحقة...).
ثمَّ ذكر هناك من ساير أهل السلطة: (وهم السواد الأعظم).
فمن هم -إذن- العظماء؟ ومن هم أهل الحياد؟ ومن هم أهل السلطة؟
فعاد الأمر فيهم إلى اتهام الجميع!!
أهل السلطة: أبو بكر وعمر وعثمان.
وأهل الحياد: بقية الصحابة - ما عدا الأربعة -.
والعظماء والعلماء هم عليّ رضي الله عنه والأربعة..
وهكذا.. تطويل وتحايل على العبارات ينتهي إلى نفس عقيدة القوم!!
سابعاً: زعم أنَّه رد أحاديث: (كثير من الصحابة..عملاً بالواجب الشرعي في تمحيص الحقائق الدينية، والبحث عن الصحيح من الآثار النبوية)!
قلت: لا أدري ما هو المنهج الشرعي الذي يمحص به الحقائق الدينية، ويصحح به الآثار؟! وقد اعترف السيد محمد الصدر أنَّ رجال العقيدة والتاريخ الشيعي مجهولون -كما سيأتي- فكيف يستطيع أن يصل إلى الصحيح في مذهب رواة عقائده مجهولون؟!
وأمَّا الروايات التي اعتمد عليها الشيعة في كتب السنَّة، فلا يكاد يسلم منها رواية -كما مرَّ معنا- فأين المنهج العلمي؟ الله المستعان!
* اعتماد الروايات الشيعية على المجهولين والكذابين:
86) أوردتم قول سماحة الشيخ السبحاني، وهو كسابقه على نفس المشرب، ولكنه زاد الدعوى أنَّه اعتمد على: (الآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة، والتاريخ القطعي، والعقل المحايد) [العقيدة الإسلامية (ص:298)].
قلت: أمَّا الاستدلال بالقرآن؛ فهو على الطريقة الشيعية: إخراجه عن مدلوله بأنواع التأويلات.
وأمَّا الاستدلال بالأحاديث الصحيحة؛ فنحن لا نعرف مصدراً شيعيّاً قديماً صحيحاً، فهذا الكافي أصح كتاب عندهم، مملوء بغرائب الأحاديث التي يُستحى من إضافتها إلى دين الله عز وجل، وإن كنَّا نعتقد أنَّها باطلة، وكذلك يعتقد كثير من علماء الشيعة أنَّها باطلة.
لكن يصعب تمييز صحيحها من باطلها لدى كثير من الناس، وإن كان في الآونة الأخيرة ظهر من يتتبع أحاديثه ويبين صحيحها من سقيمها على منهج الإمامية، فهذا توجه مفيد إذا آتى ثماره.
وأمَّا التاريخ المُحايد، فلا ندري أين يوجد هذا التاريخ المُحايد؟! وأي كتاب تاريخ يمكن أن يكون حجة؟! والتاريخ قد امتلأ بالقصص الكاذبة والروايات الباطلة؟
ثمَّ إنَّ روايات العقيدة وروايات التاريخ عند الشيعة، تقوم على رجال مجهولين، فكيف يمكن أن يتوصل إلى الصحيح منها من خلال رواة مجهولين، كما اعترف المحققون منهم؟؟!!
قال السيد محمد الصدر في مقدمته لتاريخ الغيبة الصغرى تحت عنوان: (تمهيد) وهو يتحدَّث عن أسباب الغموض في التاريخ الإسلامي -أي الشيعي- فذكر عدة نقاط قال في الخامسة منها: (الخامسة: نقطة إسناد الروايات، حيث إنَّ المصنفين الإمامية جمعوا في كتبهم كل ما وصل إليهم من الروايات عن الأئمة عليهم السلام أو عن أصحابهم، بِغضّ النظر عن صحتها أو ضعفها.
وعلماء الشيعة الإمامية الذين ألفوا في الرجال اقتصروا في كتبهم على الترجمة لرواة الأحاديث الفقهية التشريعية، وأَوْلَوْها العناية الخاصة بصفتها محل الحاجة العملية في حياة الناس.
لكن هذه الكتب أَهْمَلتْ إهمالاً تاماً ذِكْر الرجال الذين وُجِدت لهم روايات في حقول أخرى من المعارف الإسلامية، كالعقائد والتاريخ والملاحم، ممَّا قد يربو على رواة الكتب الفقهية!!
فإذا وفق من حسن الحظ أن روى الراوي في التاريخ والفقه معاً، وجدنا له ذكراً في كتبهم، أمَّا إذا لم يرو شيئاً في الفقه، فإنَّه يكون مجهولاً)([178]).
أرأيت هذا الاعتراف الخطير كيف يكشف عن حقيقة تهدم المذهب من أساسه، وتوقظ القلوب الحية الباحثة عن الحق لتعلن -كما أعلن العشرات من علماء المذهب- التخلي عنه إلى عقيدة الحق.
ويقرر الحر العاملي المتوفى عام (1104هـ) الذي قال فيه عباس القمي: (شيخ المحدثين، وأفضل المتبحرين.. إلخ)([179]). قال وهو يعترض على التطور الجديد في المذهب الذي يدعو إلى إخضاع الروايات الشيعية للنقد، وزعمه بأن إيراد الروايات في المصادر الشيعية كافٍ في صحتها، وأنه لو طبقت قواعد الجرح والتعديل الإمامي -فقط- لضعف جميع رواة المذهب، وهذا حكم يؤيد كلام الصدر السابق.
قال العاملي: (وهذا الكلام يستلزم الحكم بصحة أحاديث الكتب الأربعة، وأمثالها من الكتب المعتمدة، التي صرح مؤلفوها وغيرهم بصحتها، واهتموا بنقلها ورواياتها، واعتمدوا في دينهم على ما فيها.
ومثله يأتي في رواية الثقات الأجلاء -كأصحاب الإجماع ونحوهم- عن الضعفاء والكذابين والمجاهيل، حيث يعلمون حالهم، ويروون عنهم، ويعملون بحديثهم، ويشهدون بصحته، وخصوصاً مع العلم بكثرة طرقهم، وكثرة الأصول الصحيحة عندهم! وتمكنهم من العرض عليها بل على الأئمة عليهم السلام.
فلا بد من حمل فعلهم وشهادتهم بالصحة على وجه صحيح، لا يتطرق به الطعن إليهم، وإلا لزم ضعف جميع رواياتهم لظهور ضعفهم وكذبهم، فلا يتم الاصطلاح الجديد!! ويظهر من ذلك ضعف الاصطلاح الجديد على تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وموثوق وضعيف، الذي تجدد في زمن العلامة وشيخه أحمد بن طاوس..)([180]).
أرأيت يا أستاذ محمد: أنه لو طبق منهج النقد الشيعي الإمامي -فقط- لأدى إلى ضعف جميع الروايات؛ لأن الرواة ما بين كذاب وضعيف؟؟!! نترك لك أنت الحكم ولكل عاقل يحترم دينه وعقله.
واستمع إلى آية الله العظمى أبي الفضل البرقعي، وهو يتحدث عن نشأة الروايات الشيعية، حيث يقول: (ولكن بعد مُضي قرن أو قرنين من الزمان، ظهرت أخبار بِاسم الدين، ووجد أشخاص بِاسم المحدِّثين أو المفسِّرين الذين جاءوا بأحاديث مسندة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم..) إلى أن قال: (وضعت كتابي هذا موضحاً فيه: أنَّ هذه الخلافات إنَّما نشأت بسبب الأخبار المفتراة الواردة في كتبنا المعتبرة نحن «الشيعة»...)، إلى أن قال: (وكان الوضاعون من أشباه المتعلمين وأصحاب الخرافات، قد أحدثوا أكثر هذه الأخبار في القرن الثاني أو الثالث؛ حيث لم تكن هناك حوزة علمية...)، ثمَّ بيَّن أنَّ: (الشيخ الصدوق كان إنساناً محترفاً يبيع الأرز في قم، كتب كرَّاساً جمع فيه كل ما سمعه عمن رآه حسناً ونقله، ومحمد بن يعقوب الكليني أيضاً كان بقالاً في بغداد، وقد جمع ودوَّن طوال عشرين عاماً كل ما سمعه من أهل مذهبه، واعتمد عليه؛ لأنَّ تلك الفترة لم يكن فيها رجال دين بالمعنى المعروف..)، إلى أن قال: (ليت شعري كيف يكون كتاب الكافي كافياً لهم، حيث استقى مئات الروايات والموضوعات الخرافية من أعداء الدين، وأثبتها، كما سنفصل ذلك...) إلى أن قال: (ففي كتاب الكافي عيوب كثيرة؛ سواء من حيث السند ورواته كانت، أم من حيث المتن وموضوعاته؛ وأمَّا من حيث السند فمعظم رواته من الضعفاء والمجهولين، ومن الناس المهملين، وأصحاب العقائد الزائفة، وهذا ما يقول به علماء الرجال من الشيعة).
ثمَّ حدد هدفه من تأليف كتابه: «كسر الصنم» فقال:
1-       لقد دخلت إلى الإسلام خرافات بِاسم الدين...
2-       قد أُسِّست معظم طوائف الشيعة التي تبلغ قريباً من مئة فرقة على هذه الأخبار...
3-       وقد تلاعبوا بآيات القرآن وحرَّفوها عن وجوهها عن طريق هذه الأخبار...
(ليستمع الخميني ليعرف من هم الذين تلاعبوا بالآيات: عظماء الصحابة أم شيوخه؟!).
4-       كما أنَّ هذه الأخبار المختلفة، كانت سبباً لسوء ظن جمهور علماء المسلمين وطعنهم بالشيعة)([181]).
صدق.. والله! إنَّها سبب اعتقاد علماء المسلمين بأنَّ الذي وضع هذه الأحاديث هم من الزنادقة.
وإن كان كثير من الأتباع لا يضمر الشر للدين وأهله؛ بل يتديَّن عن جهل بما فيها.
وقد أورد البرقعي رحمه الله نموذجاً من هؤلاء فقال: (وفي حوار مع أحد المجتهدين قال: إنَّ أحاديث الكافي كلها صحيحة، ولا يُحتَمل الشك فيها أبداً، وإذا قال أحد غير هذا فهو مغرض.
فقلت لهذا المجتهد: إذا كنت تقول بصحة جميع أحاديثه، فلِم لا تعتقد بثلاثة عشر إماماً؛ ذلك لأنَّه روى في المجلد الأول من الكافي في باب عدد الأئمة أربع روايات على أنَّ الأئمة ثلاثة عشر إماماً؟!
قال: أرني ذلك، فأريته، فتعجب وقال: ما رأيت ذلك قبل!)([182]).
أرأيت -وفقنا الله وإيَّاك- كيف تكشَّف لهذا الإمام الصادق في البحث عن الحقيقة فساد هذه الروايات التي فرَّقت الأمَّة؟!!
نماذج من جهالة الرواة في أحاديث الاعتقاد:
ولعلَّنا نزيد هذا المعنى الذي هو: بيان جهالة روايات كتب العقائد والتواريخ وضوحاً..
المُعتمَد عند الشيعة أنَّ الإمامة لا تثبت لأحد إلَّا بنص من الإمام السابق.
وقد عقد الكليني باباً لإثبات إمامة الحسن العسكري والد المهدي، وأورد فيه ثلاث عشرة رواية([183])، لم يصح منها ولا رواية واحدة على ضوء كلام أئمة الجرح من الشيعة أنفسهم، وإليك الإشارة إليها بإيجاز.
الحديث الأول: «853» فيه: (يحيى بن يسار القنبري)، قال في الشافي: (مجهول)([184])، ولم يعرف الخوئي هذا الراوي([185]).
الحديث الثاني: (854) رواه بسنده عن (جعفر بن محمد الكوفي، عن بشار بن أحمد البصري، عن علي بن عمر النوفلي).
قال في الشافي: (جعفر بن محمد الكوفي: لم يعرف حاله إلا بكثرة من روى عنه، وبشار بن أحمد: أُهمِل ولم يُذكر اسمه في كتب المترجمين، وكذلك النوفلي: سوى أن ذُكِر له هذه الرواية)([186]).
الحديث الثالث: (855) في سنده، (عبد الله بن محمد الأصفهاني).
قال في الشافي: (سنده كما سبق أي: مجهول- عبد الله بن محمد الأصفهاني ليس له ذكر في كتب الرجال إلَّا بهذه الرواية).
والسيد الخوئي عندما ترجم له أحال على هذه الرواية ولم يزد، ممَّا يُؤكِّد أنَّه مجهول.
الحديث الرابع: (856) في سنده (موسى بن جعفر بن وهب) قال في الشافي: (مجهول).
الحديث الخامس: (857) وفيه (أحمد بن محمد بن عبد الله بن مروان الأنباري).
قال في الشافي: (ضعيف إسناده: الأنباري من أصحاب أبي جعفر وأبي الحسن، وهو (مجهول)).
الحديث السادس: (858) فيه (محمد بن أحمد القلانسي) و(علي بن الحسين بن عمرو).
قال في الشافي: (سنده كسابقه -يعني: ضعيف- القلانسي لم يُذكر له عنوان في كتب الرجال، وابن عمرو هو: علي بن الحسين، عدَّه الشيخ في (رجاله) بهذا العنوان، وحاله: مجهول).
الحديث السابع: (859) في سنده (أبو محمد الإسبارقيني). قال في الشافي: (كسابقه -يعني: مجهول- والإسبارقيني لم يُدوَّن له اسم في كتب المترجمين).
الحديث الثامن: (860) في سنده (سعد بن عبد الله، عن جماعة من بني هاشم منهم الحسن بن الحسن الأفطس).
قال في الشافي: (مجهول كالصحيح: سعد بن عبد الله بن خلف القمي جليل القدر، وكان يُعد من شيوخ الطائفة، وبعض الأصحاب ضعَّف لقاءه لأبي محمد، واختلفوا في وفاته... والأفطس لم يُذكر في ترجمته سوى هذه الرواية).
قلت: عجباً! مجهول كالصحيح! الحمد لله على العافية!
الحديث التاسع: (861) وفيه: (علي بن محمد، وإسحاق بن محمد).
قال في الشافي: (وهو كسابقه أي: مجهول -)
وأمَّا الخوئي فقد قال: هو إسحاق بن محمد النخعي، ونقل أقوال المترجمين فيه ومنها: هو معدن التخليط، له كتب في التخليط، كان فاسد المذهب، كذَّاباً في الرواية، وضَّاعاً للحديث... إلخ)([187]).
الحديث العاشر: (862) وفيه: (علي بن محمد، عن إسحاق بن محمد).
قال في الشافي: (سنده كما مضى - يعني مجهول -)، وقد تقدَّم آنفاً ذكر كِلا الاسمين.
الحديث الحادي عشر: (863) وفيه: (علي بن محمد، عن إسحاق بن محمد).
قال في الشافي: (سنده كسابقه علَّته إسحاق بن محمد).
الحديث الثاني عشر: (864) وفيه: (علي بن محمد، عن إسحاق بن محمد، عن شاهويه).
قال في الشافي: (سنده كسابقه: شاهويه لم يُترجَم، سوى أنَّه ذُكِر في هذه الرواية، وحاله: مجهول).
الحديث الثالث عشر (865) وفيه: (علي بن محمد، عمَّن ذكره، عن محمد بن أحمد العلوي).
قال في الشافي: (سنده كما مضى: محمد بن أحمد العلوي عدَّه الشيخ ممَّن لم يرو عنهم، وقال: روى عنه أحمد بن إدريس، وفي البلغة: صحح العلَّامة الحديث عنه. وداود مضى غير مرة).
وأمَّا السيد الخوئي فقد طوَّل في ترجمته لعلَّه يفك الرموز عنه، وأورد احتمالات كثيرة عن هذه الشخصية، ثم ختمها بقوله: (وكيفما كان لم تثبت وثاقة هذا الرجل، ولكنَّه حسن؛ لما ظهر من كلام النجاشي أنَّه من شيوخ أصحابنا)([188]).
فالحديث فيه مجهول هو: (عمَّن ذكره)، ويبدو أنَّ هذا المجهول هو شيخ الراوي السابق: (إسحاق بن محمد) الكذاب، ولكن الكليني تصرف خجلاً؛ لأنَّه سيقضي على (إمامه)، أو أنَّ الراوي نفسه أراد أن يُنوِّع.
وعلى كل حال فالراوي: مجهول.
وهنا وقفات:
أولاً: رأينا أنَّ جميع الأسانيد فيها رجال (مجهولون)، وهذا يُؤكِّد كلام السيد محمد الصدر، بأنَّ كتب التراجم أهملت ذكر رواة (العقائد والتاريخ) فهم مجهولون.
كما يؤكد كلام البرقعي بأنَّ رواة الكافي من: (الضعفاء والمجهولين... والمهملين وأصحاب العقائد الزائفة).
إذن: أين الثقة في المرويات التي يُبنى عليها أعظم شيء في حياة المسلم (العقيدة).
ثانياً: إذا لم تثبت (إمامة) أحد ممن يزعم أنَّه (إمام) - وهذه قضية عقدية كبيرة - فهذا ينقض المذهب من أساسه.
ثالثاً: إذا لم تثبت إمامة (الحادي عشر) فالثاني عشر: (الوهمي) من باب أولى.
فأين الأحاديث الصحيحة التي اعتمدت عليها يا سماحة الشيخ السبحاني؟!
هذا التقرير يرفع الثقة في (عقائد الشيعة الإثني عشرية)، وأما الأحكام فالثقة فيها أصلاً معدومة؛ لأنها لا يدرى أيها قيل (تقية)، وأيها قيل: (حقيقة).
وهذا ما يقرره العالم الإثنا عشري يوسف بن أحمد البحراني المتوفى عام (1186هـ) حيث يقول: (لم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلا القليل، لامتزاج أخباره بأخبار (التقية)، كما قد اعترف بذلك ثقة الإسلام وعلم الأعلام: محمد بن يعقوب الكليني -نور الله مرقده- في جامعه الكافي، والتجأ إلى مجرد الرد والتسليم للأئمة الأبرار، فصاروا -صلوات الله عليهم- محافظة على أنفسهم وشيعتهم يخالفون بين الأحكام، وإن لم يحضرهم أحد من أولئك الأنام، فتراهم يجيبون في المسألة الواحدة بأجوبة متعددة، وإن لم يكن بها قائل من المخالفين! كما هو ظاهر لمن تتبع قصصهم وأخبارهم وتحرى سيرهم وآثارهم..)([189]).
ونضيف هنا إضافة أخرى فنقول:
الدين عقائد وأحكام، وأخلاق: (أي: عفاف).
تقدم بيان المنهج في العقائد والأحكام، ونضيف هنا: المنهج في الأخلاق، فأقول:
حرمة الزنا لا يجهلها مسلم، فلو وجد شخص مع امرأة أجنبية يزني بها فقال: أنا أستمتع بها!!
فكيف تستطيع أن تعرف الحقيقة؟؟!!
إن التقية ترفع حكم الزنا، فلا يمكن أن يوجد زنا مطلقاً!!
فلا خطأ؛ لأن التقية تحله!!
ولا كذب في أخبار الغيب؛ لأن البداء يحله!!
ولا زنا؛ المتعة تحله!!
أي دين هذا يا ترى؟؟؟!!!
وأمَّا العقل المحايد: فهل عقل الشيعي (محايد)؟! العقل الذي يسوِّغ كتمان آلاف الناس للوصية طيلة حياة الخلفاء الأربعة، ولا يرفع أحد صوته منهم لإعلانها، وهم من أوذي في سبيل الدين، وفارق الأهل والأوطان، وحمل السيف لنُصرة الدين، يجبنون عن الصدع بالحق؟!!
ثمَّ هل يسوِّغ العقل أن يحدث تكاتم للحق من غير اتفاق سبق من آلاف الناس؟!
ثمَّ هل يسوِّغ العقل أن يكون الإمام المنصوب من الله جباناً خائراً، وقد كلف بأن يحمل الأمانة؟!
ثمَّ هل يسوِّغ العقل أن يَكرَه جميعُ الصحابة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فلا يرفعون صوتهم لنُصرته؟!
ثمَّ هل يسوِّغ العقل أن يتنكر الخلفاء لدِينهم، ثمَّ يحاربون لنُصرته، ويعيشون حياة الزهد والعفة؟!
ثمَّ هل يسوِّغ العقل أن تُطالِب فاطمة رضي الله عنها بحقها من الميراث، وهو حطام دنيا، وتسكت عن أعظم من ذلك، وهو إبطال الوصية؟!
ثم أخيراً: هل يسوغ العقل المحايد أن يفشل الرسول صلى الله عليه وسلم في تريبة أتباعه؟! وهو أفصح البشر وأعلم البشر بطبائع النفوس المؤيد من رب العالمين؟!!
... كم من الأمور التي ادعاها الشيعة لا يستطيع العقل أن يسوِّغ حدوثها؟!
فأيُّ عقل يا تُرى الذي اعتمد عليه السبحاني ليطعن في عظماء الأمَّة ويتظاهر بأنه (مُحايد)؟! نحمد الله على نعمة الهداية.
هذه بعض إشارات حول كلامكم قبل تحليل إجابتي على أسئلتكم عن الصحابة.
* الكلام على حديث: (ليذادن رجال عن حوضي...):
87) أشرتم إلى حديث الحوض، والذي فيه: (ألا ليذادنَّ رجال عن حوضي كما يُذاد البعير الضال، فأناديهم: ألا هلم! فيقال: إنَّهم قد بدَّلوا بعدك. فأقول: سحقاً سحقاً)([190]).
ثمَّ أوردتم فيه كلاماً كثيراً، انتهيتم فيه إلى أنَّ المقصود بـ(بأصحابي) في الحديث: هم الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وأوردتم أحاديث صحيحة وأخرى ضعيفة أو مكذوبة، ولسنا هنا في صدد بيان الأحاديث الضعيفة والمكذوبة، ولا أظن أنَّها تخفى عليكم؛ لكنَّكم تستبيحون الاستدلال بكل حديث أو أثر يحقق مقصودكم، وهذا في منهجنا الإسلامي مرفوض.
ولكنني هنا سأقف معكم وقفات عقلية؛ لبيان عدم سلامة منهجكم، وأنَّه منهج صالح لهدم الدين لا لنصرته، وقد تكرر معنا معنى هذا الكلام أكثر من مرة؛ لكن المقام يتطلب التكرار أحياناً:
أولاً: قد ورد في القرآن الكريم عشرات الآيات تؤكد إيمان الصحابة، وتقرر مرضاة الله عز وجل عنهم، وأنَّه حبب إليهم الإيمان، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وأنَّهم راشدون، وأنَّهم خير أمَّة، وأمَّة وسط أي: عادلة خيرة- وأنَّه سيستخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم، وقد استخلفهم كما وعد، فدل على إيمانهم، وأنَّه سيقيم رجالاً مؤمنين مجاهدين في حالة حدوث الارتداد... إلى آخر ما ورد في هذه النصوص.
فهل هذه النصوص حق؟ وهل تحقق موعودها أم لا؟
ثانياً: وردت عشرات الأدلة النبوية الصحيحة تثني على عظماء الصحابة: أبي بكر وعمر وعثمان... وتؤكد فضلهم، وتقرر إيمانهم ومحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم. وكلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يتناقض.
فكيف تتنكرون لهذه النصوص القطعية الواضحة العينية، والتي تثبت هذه الفضائل للصحابة بأعيانهم، ثمَّ تأتون إلى أحاديث؛ بل حديث واحد يمكن أن يحمل على أي شخص، ثمَّ تحملونه على من ثبت فضله وإيمانه ومحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم له وتجعلون هذا الحديث فيه وفي إخوانه؟! والحديث يحتمل من آمن ممن لم يثنِ عليهم الله عز وجل ولا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. وتتركون هذا الاحتمال الذي هو الراجح لعدم ما يمنع من حمله عليهم! أليس هذا دليل الحقد والبغض لعظماء الأمَّة؟!
ثالثاً: لو أراد شخص أن يحمل هذا الحديث على عليّ رضي الله عنه فقال: إنَّ عليّاً هو المقصود بالحديث، ولفظه دال عليه، وأنتم قد أوردتم النص من الصحيحين، وفيه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إنَّهم منِّي)([191])، وهذا اللفظ يدل على أنَّ المقصود من أهل بيتي؛ لأن لفظة: (منِّي) لا تحتمل غير هذا.
وفي رواية أسماء: (فأقول: يارب! منِّي ومن أمَّتي)([192]).
وهذا دليل على عليّ رضي الله عنه، وعلى الذين قاتلوا معه فأراقوا الدماء بغير حق!!
فهل تستطيع أن ترد على هذه الدعوى بغير الاستدلال بمن اعتقدت أنَّهم ارتدوا؟!
رابعاً: لو أراد يهودي أو نصراني أن يطعن في هذا الدين، وأنَّه دين فاشل وأهله مرتدون، وغير أهل لحمل هذا الدين، فهل يمكن أن يجد أسلوباً غير أسلوب الشيعة لحرب هذا الدين؟! واستمع إلى نفسك:
فقد قلتُم: (متن روايات الحوض وغيرها تثبت بأنَّ المراد بالصحابة هم الذين صحبوه «ص:21»، فإنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لم يكن مطمئناً لما ينتهي إليه أمر أصحابه بعده «ص:25»).
وقلتُم: (ورد في آيات الحوض أيضاً: «لا تدري بما أحدثوا، إنَّهم ارتدوا على أدبارهم» وفي قوله تعالى: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) [آل عمران:144] وكانت هذه الأحاديث واردة مورد التفسير لهذه الآية ومؤكدة لتحقق مضمونها بعد وفاته «ص:25») أي: حصول الردة.
وأوردتم قولاً للبراء بن عازب يعترف بالتقصير ولا يزكي نفسه، ثمَّ قلتم: (يشهد على نفسه وغيره من الصحابة، بأنَّهم أحدثوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كي لا يغتر بهم الناس -سبحان الله!- وهو من أكابر الصحابة ومن السابقين الأولين، والذين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة).
ثمَّ قلتم: (إنَّ صحبته ومبايعته تحت الشجرة، لا تمنعان من ضلالة الصحابي وارتداده).
ثمَّ أكدتم أنَّه لا يمكن حمل الردة هنا على من حاربهم الخليفة أبو بكر: (لمنافاته بصراحة رواية أبي هريرة التي صرحت بقولها: «فلا أراه يخلص إلَّا مثل همل النعم» وهي أبلغ كناية عن القلة، ومعنى هذا أنَّها حكمت على أكثرهم بالارتداد، ومعلوم أنَّ هؤلاء المرتدين الذين حاربهم الخليفة لا يشكلون إلَّا أقل القليل).
وأخيراً: ختمتم كلامكم بأن اقتطعتم كلاماً للسندي على سنن النسائي وهو: (إنَّ الإسلام لن - لعلها لم - يتمكن في قلوبهم يعني الصحابة-)، ثمَّ زدتم كلاماً من عندكم فقلتم: وفوق أنَّ هذه الزيادة اعتداء على النص فهي ليست صحيحة، وإنَّما الحديث عن مسلمة الفتح.
فلو قال هذا اليهودي أو النصراني: هذا التقرير الذي أنقله عن أستاذ جامعي قد أفقدني الثقة بكل ما نقله هؤلاء الأصحاب؛ لأنَّني لا أدري من هو الباقي الذي لم يرتد، والروايات التي رووها كلها لا أثق بها؛ لأنَّ من شرط قبول الرواية: إسلام الراوي وعدالته. وهؤلاء قد شككت فيهم بما نقلته عن هذا الأستاذ الجامعي؟!
فكيف ترد على هذا الكافر وتقنعه بصحة دينك؟!
خامساً: فرق بين أن يحكمك الشرع وبين أن تحكمه.
والذي يقف على كلامك يرى أنَّك توجه النصوص حسب المعتقد، وليس المعتقد هو التابع للشرع، ومثال ذلك:
قلتم في تعريف الأصحاب: (إنَّما الكلام في كلمة «الأصحاب» الواردة في لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا الواردة في اللغة أو لسان التابعين بعد مضي سنوات..).
فهنا تريد أن تقرر أنَّ المقصود بالأصحاب في حديث الردة: أنَّهم أصحابه الذين صحبوه؛ لترد على من أورد احتمال أنَّ المراد مطلق الصحبة، وذلك يشمل كل أمته.
ثمَّ عندما أتيت إلى كلمة: (لم يزالوا مرتدين على أدبارهم) أخذت تبحث عن الآراء الشاذة التي تقرر معتقدك، فوجدت من يقول: إنَّ المراد: (أي: متخلفين عن بعض الواجبات، ولم يُردْ ردة الكفر) ثمَّ قلت: (فالمراد منها هي ترك وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عليّ وأهل بيته).
قلتُ: هذا التفسير لا يوجد في الشرع، فأين في الشرع أن ترك واجب من واجبات الدين يسمَّى (ردة)؟!
جميع الآيات الواردة في كتاب الله عز وجل، إنَّما يقصد بها الكفر وترك الدين، بإجماع المفسرين.
قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ...)) [المائدة:54] فأي مفسر فسَّر هذه الكلمة بترك الواجب؟!
وقال تعالى: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر...) [البقرة:217]، فالآية نص واضح في أن: (الارتداد) هو الكفر.
وفي السنَّة ورد في بعض أحاديث الفتن: (ويكون عند ذلك ردة).
وفي صحيح البخاري سؤال هرقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (وهل يرتد أحد سخطة لدينه).
وفي عشرات الآثار عن الصحابة تسمية ما حدث من ترك الدين بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ردة).
وكذلك في لسان التابعين وجميع الفقهاء تسمية من خرج من الدين مرتداً، ومن فعل فعلاً يناقض الدين سموا فعله: (ردة)، وقد عقدوا باباً في الفقه سموه: (باب الردة) ولم يذكروا فيه ترك الواجبات!
ثمَّ لو اعتمدنا هذا التفسير الغريب في كل من ترك واجباً وسميناه مرتداً؛ لهلك أكثر الناس.
فمن لم يُعفِ لحيته ترك واجباً، فهل يسمَّى مرتداً؟!
ومن لم يَردَّ السلام ترك واجباً، فهل يسمَّى مرتداً؟!
وهكذا وهكذا..
الحمد لله!!
سادساً: وهل الإمامة حكمها كحكم إعفاء اللحية (واجبة فقط)؟!
وهل نقسم الأمة إلى طائفتين لأجل واجب؟!
وهل يُذاد الناس يوم القيامة عن الحوض لأجل ترك واجب؟!
سبحان الله العظيم!!
وهل هذه الحملة الشرسة من الشيعة على الصحابة وعظماء الأمَّة بسبب ترك واجب؟!
أليس المسلمون في جميع الطوائف لا يكاد يخلو منهم أحد من ترك واجب، فهل ينقسمون ويتعادون لأجل ترك واجب؟!
الحمد لله!!
سابعاً: أوردتم قولاً للبراء بن عازب أنَّ المسيب قال له: (طوبى لك! صحبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبايعته تحت الشجرة! فقال: يا ابن أخي! إنَّك لا تدري ما أحدثنا بعده)، ثمَّ عقبتم عليه.
قلتُ: ضع معه هذا النص ثمَّ انظر:
عن قيس الخارفي عن عليّ قال: (سبق رسول الله، وثنى أبو بكر، وثلَّث عمر، ثمَّ خبطتنا فتنة يعفو الله عمَّن يشاء) قال أبو عبد الرحمن: قال أبي: قوله: (ثمَّ خبطتنا فتنة): أراد أن يتواضع([193]).
ورواه عمرو بن سفيان عن عليّ([194]).
ورواه عبد خير عن علي([195]).
ورواه سعيد بن قيس الخارفي عن عليّ([196]).
هل يعترف عليّ رضي الله عنه بأنَّه قد حاد، وأنَّه قد دخل في أمر هو معصية، ويسأل الله أن (يعفو عنه)؟!
ثمَّ انظر إلى أهل السنَّة، أصحاب القلوب النظيفة التي تحمل كلام العظماء على أحسن المحامل:
بعد أن أورد الإمام أحمد بن حنبل حديث عليّ السابق، عقَّبَ عليه بقوله: (أراد أن يتواضع) يعني أنَّه إنَّما قال ذلك تواضعاً وتذللاً لله عز وجل، يمتثل أمر الله عز وجل: ((فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أعلم بن اتقى)) [النجم:32].
فهذا منهج صحابي واحد، وهو منهج جميع الصحابة: تواضع وهضم للنفس.
ثمَّ قول البراء بن عازب: (يا ابن أخي! إنَّك لا تدري ما أحدثنا بعده) هل ما حدث من الخلاف كان سراً لا يعلمه أحد، أم كان مكشوفاً معروفاً؟!
فكيف يقول: لا تدري. وكل الناس يعلمون ما حدث؟!
لو أراد أن يشير إلى أمر معلن لقال: إنَّك تدري ما حدث منَّا.
ثمَّ هذه أحاسيس إيمانية لا يتذوقها أصحاب القلوب المريضة الجاهلة بربها.
ثمَّ أرأيت أنت في خاصة نفسك لو أثنى عليك شخص؛ أكنت تقبل وتزكي نفسك -وأنت لا تعلم من نفسك ارتكاب معصية ظاهرة، لكنَّك تستشعر التقصير في حق الله عز وجل فترفض التزكية! هذا الظن بك!
قال تعالى: ((فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أعلم بن اتقى)) [النجم:32].
ثم هذا سيد البشر وإمام العظماء نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (لن يُنجي أحداً منكم عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلَّا أن يتغمدني الله برحمته..)([197]).
وفي لفظ: (إلَّا أن يتغمدني منه بمغفرة ورحمة)([198]).
رواه عنه أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وعائشة، كما في الصحاح والسنن والمسانيد.
أترى يمكن أن تقول: (يشهد على نفسه..كي لا يغتر به الناس..)؟!
سبحان الله! ما أحوجنا إلى مراجعة هذه المواقف الخطيرة!
* كلام الشيعي على الآيات الواردة في فضائل الصحابة والرد عليه:
88) قلتم: (وقد مدح الله سبحانه وتعالى في كتابه طوائف من الصحابة، ونحن نذكرها على ترتيب ما جاءت في رسالتكم، ثمَّ نقوم بالتحليل:
الآية الأولى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100]).
ثمَّ قلتم: (فقد أثنى الله سبحانه في هذه الآية على طوائف ثلاث:
الأولى: السابقون الأولون من المهاجرين، وهم الذين هاجروا أيام هجرة النبي أو بعدها بقليل، وبما أنَّ لفظة.
«من» في «من المهاجرين» للتبعيض، فهو يخرج المتأخرين من المهاجرين. فالآية تثني على السابقين من المهاجرين لا على عامة المهاجرين.
وبعبارة أخرى: إنَّما يصح الاستدلال بشمول الثناء في الآية لجميع المهاجرين والأنصار إذا ثبت بدليل قطعي أن «من» بيانية لا تبعيضية، وأي دليل قطعي على ذلك؟).
قلت:
 أولاً: قررتم أنَّ الآية: (تثني على السابقين من المهاجرين لا على عامتهم)، وقلتم قبل ذلك: (وهم الذين هاجروا أيام هجرة النبي أو بعدها بقليل).
ونحن هنا نتنزل معكم في الخطاب: فمن هم السابقون من المهاجرين، الذين هاجروا أيام هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بعدها بقليل؟!
أبو بكر وعمر وعثمان وسعد بن أبي وقاص والزبير... إلخ العشرة الذين هاجروا قبل هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقليل أو معه، فهل هم داخلون في هذه الآية أم لا؟
أم المقصود: عمَّار وأبو ذر والمقداد فقط؛ لأنَّ سلمان من الأنصار؟!
ثانياً: الآية الكريمة قد وعدتهم بوعدين:
الأول: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) [البينة:8]، والله عز وجل عالم الغيب سبحانه لا يعد إنساناً بالرضى عنه إلَّا إذا علم أنَّه يعيش على الإيمان والتقوى، وإلاَّ فإن تجرأنا - ونعوذ بالله من ذلك - وتعقبنا الله عز وجل وقلنا: يارب! أنت أطلقت هنا وهؤلاء لا يستحقون الرضوان؛ لأنَّهم سيغيرون الوصية - المكذوبة عليك وعلى نبيك - ولن ينفذوها، فكان ينبغي أن تقيد وأن تقول: (إذا نفذوا وصيتي في عليّ)!!
أو نقول كما قال أبو المهدي - كما سيأتي-: (غير أنَّ وعد الله سبحانه بالحسنى مشروط بحسن خواتيم العمل)!
الله عز وجل يخبر عن قوم بأعيانهم برضاه عنهم وبأنَّهم راضون عنه عز وجل، فهل يملك بشر أن يقيد ما أطلقه الله عز وجل في حق أشخاص بأعيانهم؟! نعوذ بالله من الضلال!
إلَّا إذا قلنا: إنَّ الله عز وجل لا يعلم الغيب، وإنَّ علم الغيب قد أعطاه (للأئمة)! فإنَّهم يعلمون ما كان وما سيكون، وقد تنازل الله عز وجل لهم؛ قياساً على تنازله سبحانه لهم عن التشريع للخلق، كما يثبته أصح كتاب عند الشيعة، ويؤكده زعيم الثورة الإيرانية الخميني:
قال الكليني في إدارة الكون: عن أبي جعفر الصادق أنَّه قال: (إنَّ الله تعالى لم يزل متفرداً بوحدانيته، ثمَّ خلق محمداً وعليّاً وفاطمة فمكثوا ألف دهر، ثمَّ خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها، وأجرى طاعتهم عليها، وفوض أمورها إليهم، فهم يحلُّون ما يشاءون، ويحرمون ما يشاءون، ولن يشاءوا إلَّا أن يشاء الله تبارك وتعالى..)([199]).
أو أنَّ الله عز وجل «بدا» له أن يغير وعده لهم، إذ ذلك معتقد عبد المطلب الذي لم يحظ بالإيمان، وقد شرع للشيعة هذه العقيدة.
فقد أورد الكليني في أصح الكتب الشيعية (الكافي) عن أبي عبد الله أنَّه قال: (إنَّ عبد المطلب أول من قال بالبداء، يبعث يوم القيامة أمَّة وحده، عليه بهاء الملوك وسيماء الأنبياء)([200]).
يبدو أنَّ كل آل البيت أصبحوا أئمة ولم يبقَ إلَّا أبو لهب، ولولا أنَّه أنزل فيه سورة لربَّما نسبت إليه التقية أو الرجعة، حتَّى تكون عقائد الشيعة مأخوذة من آل البيت مؤمنهم وكافرهم!!
الله عز وجل عالم الغيب ولا يغير وعده، وإذا وعد قوماً بأعيانهم بالرضى فلابد أن يتحقق.
الوعد الثاني: قال تعالى: ((وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100].
فأكد سبحانه أنَّه «أعد لهم» فهل يجرؤ شخص بعد ذلك أن يقول: إنَّه لابد من (القيد)، أو (التخصيص)([201])؛ لأنَّهم لم ينفذوا (الوصية) التي لا وجود لها إلَّا في أذهان تقبلت روايات مكذوبة لتؤسس عقيدة تحارب كل من يخالفها؛ بل وتتهمه إن لم يعلنها، حتَّى لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما سبق عن الخميني!!
الحمد لله على نعمة الهداية.
89) قلتم: (الثانية: السابقون من الأنصار، وهم الذين سبقوا في نصرة النبي بالإنفاق والإيواء، ولا يدخل مطلق الأنصار ولا أبناؤهم وحلفاؤهم؛ وذلك لأنَّ تقرير الآية: «والسابقون الأولون من الأنصار».
فالآية تثني على السابقين الأولين من الأنصار لا على عامتهم..).
ثمَّ استطردتم تؤكدون هذا المعنى.
وهنا وقفات:
الأولى: من هم هؤلاء السابقون من الأنصار الذين استحقوا هذا التكريم؟!
لا نجد أحداً من الأنصار ضمن الصحابة الذين استثنتهم الشيعة من (الهالكين) الذين هم جميع الصحابة، فقد هلكوا: (لم ينصروا الوصي) -كما زعموا- إلَّا أربعة ليس منهم أنصاري إلَّا سلمان، وسلمان رضي الله عنه كان مولى لم يشارك في: (الإيواء)؛ لأنَّه لم يكن يملك شيئاً، وعلى ذلك فلم ينجُ أحد من الأنصار الذين آووا النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين الذين وعدهم الله عز وجل بـ: ((رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)) [التوبة:100] و: ((وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ)) [التوبة:100]؛ لأنَّ الله عز وجل إمَّا لم يكن يعلم أنَّهم سيخذلون الوصي، أو أنَّه (بدا) له أن يتراجع عن وعده إكراماً للشيعة!!
أستغفر الله.. أستغفر الله.. أستغفر الله.
الثانية: هل تشتمل كتب الشيعة على بيان بأسماء هؤلاء السابقين من الأنصار الذين أثنى الله عز وجل عليهم؟!
الثالثة: هل يستطيع الشيعة أن يفرقوا بين من آمن ونصر من الأنصار ومن وصف بالنفاق؟! ومن أي مرجع يمكنهم ذلك؟!
90) قلتم: (الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان، وهذه الطائفة: عبارة عمن أسلم بعد بدر إلى بيعة الرضوان أو إلى فتح مكة، فلا تشمل الوافدين من العرب في العام التاسع... هم الذين صلحت سيرتهم وسلوكهم، فصاروا بعيدين عن اقتراف الذنوب ومساوئ الأخلاق، فاتبعوهم بإحسان).
قلت: هنا وقفات:
أولاً: من هم هؤلاء الذين اتبعوهم بإحسان؟! وأنتم لم تُعدِّلوا إلَّا أربعة أشخاص؛ لأنَّ أحداً من هؤلاء كإخوانهم المهاجرين والأنصار لم ينصروا الوصي- بزعمكم- بل لم يعلموا هذه الوصية؛ لأنَّه لا يعقل أنَّ المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لا يعلن واحد منهم أو أكثر نصرة الوصي طوال حياة الثلاثة!!
ثانياً: شهدت بأن التابعين أي: الصحابة الذين هاجروا بعد- للسابقين بإحسان، بأنَّهم (صلحت سريرتهم وسلوكهم..) فهل يمكن أن تذكر منهم عشرة أشخاص من كتبكم؟! وكيف عرفتم أنَّه صلحت سريرتهم وسلوكهم؟!
*الأقوال الواردة في عدالة الصحابة:
91) قلتم: (وأين هذه الآية من تعديل عشرة آلاف صحابي سجلت أسماؤهم في المعاجم، أو مائة ألف صحابي صحبوا النبي في مواقف مختلفة، ورأوه وعاشروه؟
هذا هو المفهوم من الآية حسب الفوائد التي تعرفتموها).
قلت: هنا ثلاثة مواقف في تعديل الصحابة:
الأول: أنَّ جميع الذين صحبوه وآمنوا به عدول؛ لشرف صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولقبولهم للإسلام ورضاهم به.
وهذا هو الظاهر لنا من عموم النصوص الشرعية، إضافة إلى ما قاموا به من حفظ الدين والجهاد في سبيله، كل في مجاله وحسب طاقته.
وهذه آثارهم: شريعة محفوظة، وبلاد مفتوحة، فقد بلغ عدد المسلمين اليوم مليار مسلم، وقبلهم آباؤهم وأجدادهم لا يحصون كثرة، دخلوا الإسلام بسببهم. ثم كل عمل يعملونه في ميزان حسنات أولئك الأصحاب، فنحن نشهد لهم بالخير والفضل، ونشهد آثارهم، وليس عندنا وصية مزعومة خالفوها أو عاندوها.
والثاني: عَكَسَ هذا الموقف وقال: إنَّ جميع الصحابة الذين هم عشرة آلاف صحابي المدونة أسماؤهم في الكتب، ومائة ألف الذين عاصروه ورأوه، كلهم -إلَّا أربعة- ارتدوا أو خانوا الوصية، أو لم يرتدوا ولكنَّهم عاندوا ومنعوا تنفيذ (الوصية) -الوهمية طبعاً- ولهذا فليسوا أهلاً للعدالة، فهم إمَّا كفار وإمَّا فاسقون. فتكون النتيجة: أنَّ عدد الناجحين من مدرسة سيد البشر وعظيم الإنسانية (4) أشخاص من (100.000) مائة ألف، والراسبون (99996) راسباً على حسب معتقد الشيعة!!
الثالث: من خص المهاجرين والأنصار بالعدالة، وخاصة الأولين منهم إلى بيعة الرضوان أو فتح مكة، أو الذين لازموه طوال حياته صلوات الله وسلامه عليه.
وبعضهم وضع قيوداً أخرى، ولكنَّها جميعها لا تخرج عظماء الصحابة المشهورين، كالخلفاء وبقية العشرة، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان.
هذه هي الأقوال في عدالة الصحابة..
الأول: يقول به جمهور أهل السنَّة، ويرون أنَّ من يخرج عنه فهو شاذ أو مبتدع.
والثاني: هو قول الشيعة -وخاصة الإمامية- وقد تفرق في البحث كلام للشيعة يؤكد هذا الموقف.
والثالث: لبعض أهل السنَّة، وهو قول مرجوح، ولا تستطيع الشيعة الإمامية أن تقول به؛ لأنَّه يتعارض مع عقيدة (الإمامة).
فأي هذه الأقوال يا ترى هو الصحيح؟!
*ثناء الله تعالى على الصحابة دليل على عدالتهم وأخطاؤهم لا تسقط هذه العدالة:
92) أوردتم كلامي في تقرير عدالة الصحابة وهو: (أثنى عز وجل على جميع المهاجرين وجميع الأنصار بدون قيد، لأنَّ: (أل) للعموم فيما دخلت عليه. وجميع الذين اتبعوهم بإحسان.
فالمتبعون قيدهم بالإحسان.
وهذا أصل، فلا يُخرج أحد من المهاجرين والأنصار إلَّا بدليل قطعي، والآية في غاية الوضوح.
ثمَّ أثنى الله عز وجل على الذين اتبعوهم بإحسان، والذين اتبعوهم هم أهل السنَّة وليسوا الشيعة؛ لأنَّ الشيعة ما بين مكفّر لهم وذام لهم، أعني الشيعة الإمامية بدون استثناء).
ثمَّ قلتم بعد إيراد كلامي: (...يلاحظ عليه سبحانه أنَّه يثني: لا على عامة المهاجرين ولا على عامة الأنصار؛ بل على صنف خاص منهم، وهم السابقون الأولون فحسب..).
قلت:
قولكم إنَّه عز وجل يثني على: «صنف خاص منهم وهم السابقون الأولون..».
قلت: فمن هم هؤلاء الذين أثنى عليهم؟ وهل منهم: أبو بكر وعمر وعثمان وبقية العشرة، أم ليسوا منهم؟!
فإن قلتم: منهم؛ فكيف تجمع بين هذا الثناء واعتقاد أنَّهم خانوا الوصية؟!
93) أوردتم جزءاً من قولي وهو: (وهذا أصل، فلا يخرج أحد من المهاجرين والأنصار إلَّا بدليل قطعي)، ثمَّ قلتم: (نعم. هذا أصل: لا في عامة المهاجرين والأنصار؛ بل في خصوص السابقين الأولين منهم، فلا يعدل عن هذا الأصل إلَّا بدليل قطعي.
مثلاً: إذا دل دليل على أنَّ صحابياً من السابقين والأولين عدل عن الحق فيؤخذ بالدليل الثاني.
فإذا دل الدليل على أنَّ حارث بن سويد من الصحابة البدريين، قتل المجذر بن زياد المسلم يوم أحد لثأر جاهلي، يحكم بخروجه من الآية. [الإصابة - ترجمة الحارث بن سويد].
أو دل على أنَّ قدامة بن مظعون البدري شرب الخمر، وهكذا دواليك..) [الاستيعاب (3/1276)].
قلت: وهنا وقفات:
أولاً: هل دليل الإمامة قطعي يمكن أن يُبنى عليه إخراج جميع الصحابة من العدالة، بسبب عدم تسليمهم الإمامة لعليّ رضي الله عنه أم لا؟
فإن كان قطعياً فلم يبقَ أحد ممن دخلت عليه: (أل) عدلاً، وإن لم يكن قطعياً بطلت الإمامة.. فبأيهما تقول؟!
ثانياً: (المجذر بن زياد) قتله شخص اسمه: (الحارث بن سويد بن الصامت) غيلة يوم أحد، ثمَّ ارتد، ثمَّ جاء مسلماً يوم الفتح، فقتله النبي صلى الله عليه وآله وسلم به([202])، فأي دليل في هذا؟!
رجل خان وارتد، فهل يشكك في عدالة عظماء الأمَّة وإخوانهم بالآلاف لأجل رجل ارتد؟ وهل قال أحد: إنَّ هذا الشخص: (عدل)؟!
هل ترضون بأن نسقطه من العدالة؟ -أسقطناه- هل تكتفون بهذا الرجل؟!
ثالثاً: لم يرد هناك نص صحيح أنَّه هو الذي قتل، ولذلك اختلف العلماء في قاتل المجذر، فقد قال ابن حجر بعد أن أورد قول ابن الأثير: إنَّ أهل النقل اتفقوا على أنَّه هو الذي قتل المجذر، قال: (وفي جزمه نظر؛ لأنَّ العدوي وابن الكلبي والقاسم بن سلام جزموا بأنَّ القصة إنَّما وقعت لأخيه (الجُلاس) لكن المشهور أنَّها للحارث)([203]).
رابعاً: لم يصح في إسلام الحارث بن سويد حديث، وأهل السير اختلفوا في إسلامه أصلاً.
فابن إسحاق يرى أنَّه لم يسلم أصلاً، وإنَّما أظهر الإسلام.
قال ابن إسحاق: (وكان الحارث بن سويد بن صامت منافقاً، فخرج يوم أحد مع المسلمين، فلما التقى الناس عدا على المجذر بن زياد البلوي وقيس بن زيد أحد بني ضُبيعة فقتلهما، ثمَّ لحق بمكة بقريش..)([204]).
فهذا هو (الحارث بن سويد) اختلف في إسلامه، ولم يحضر غزوة بدر، وقد ذكر البخاري أسماء من شهد بدراً ممَّن صح عنده، فذكر أربعة وأربعين رجلاً([205]) ليس هذا منهم.
وأورد الهيثمي أسماءهم على قسمين: قسم قال فيه: (رجاله رجال الصحيح) وقسم فيه: (ابن لهيعة) وقال فيه: (وقد ضُعِّف وحديثه حسن باعتبار الشواهد)، وليس في كلا القسمين([206])، فمن أين عرفت أنَّه بدري؟! أليس هذا مجازفة لا تليق؟!!
خامساً: (قدامة بن مظعون) كان زوجاً لأخت عمر بن الخطاب، أسلم في مكة وهاجر إلى الحبشة، ثمَّ إلى المدينة، وشهد بدراً وجميع المشاهد، استعمله عمر على البحرين، فقدم الجارود سيد عبد القيس إلى عمر فقال له: (إنَّ قدامة) شرب الخمر، فقال: من يشهد معك، فشهد أبو هريرة، فاستقدمه عمر، ثمَّ إنَّ الجارود طلب من عمر إقامة الحد، فقال عمر: (أخصم أنت أم شهيد؟) فكرر الجارود طلبه بإقامة الحد، ممَّا شكك عمر في شهادته، فأرسل عمر إلى زوجته فشهدت على زوجها.
فقال عمر: (إنِّي حادك). فقال: لو شربت كما يقولون ما كان لكم أن تحدوني.
فقال عمر: لم؟
قال قدامة: (قال الله عز وجل: ((لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ..)) [المائدة:93] الآية).
قال عمر: أخطأت التأويل، إنَّك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم عليك.
ثمَّ أخَّر عمر عنه الجلد لكونه كان مريضاً، ثمَّ خاف أن يموت قبل أن يستوفي منه الحد فجلده.
ثمَّ إنَّ قدامة هجر عمر، ثمَّ رأى عمر رؤيا، ثمَّ اصطلحا، وعاش قدامة إلى عام ستة وثلاثين.
قال أيوب السختياني: (لم يحد في الخمر أحد من أهل بدر إلَّا قدامة بن مظعون)([207]).
هذه قصة (قدامة) أخطأ في فهمه وشرب الخمر مرة واحدة، وقد شارك في نصرة هذا الدين، وشهد بدراً وبيعة الرضوان، وقد جاءت الأحاديث في تجاوز الله عز وجل عمن شهد هاتين الوقعتين بشهادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد حصل ما هو أعظم من شرب الخمر من (حاطب) فعذره النبي صلى الله عليه وآله وسلم لصدقه وشهوده غزوة بدر.
فهل ترد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حاطب وتخرجه من هذا التكريم؟!
غفر الله لقدامة ورضي الله عنه، وإنَّه والله لعدل أخطأ ثمَّ تاب، وقد أخطأ آدم عليه السلام وتاب فتاب الله عز وجل عليه.
سادساً: هذه وقائع مفردة من آحاد الصحابة، أقيم الحد على صاحبها، والحد يكفر الله عز وجل به الذنب، ولا يجوز أن يُعيَّر من حُد في معصية.
ثمَّ ما هي النماذج الأخرى التي ارتكبت المعاصي؟!
ثمَّ هل يعني أنَّ غير قدامة عندكم عدل؟! أم أنَّ بقية الصحابة ارتكبوا الفواحش كذلك؟!
سابعاً: تعامل الشيعة مع الصحابة تعامل غير منصف، فهم لا يرون إلَّا أخطاءهم، مع أنَّ تلك الأخطاء محصورة في أفراد، فلا ينظرون إلى هذا الجيل المؤمن المجاهد الذي نصر الله عز وجل به الدين، وحفظ به الشريعة وفتح العالم إلَّا من خلال: صحابي شرب الخمر، أو: صحابي زنى، أو: صحابي قتل..وهذا ظلم في تقييم الأشخاص، لو طبق علينا في الدنيا والآخرة لهلكنا.
ثامناً: إنَّ جميع الخير في الأرض لكل صحابي شارك في الدفاع عنه أو في نقله مثله؛ لأنَّه هو السبب في نشره، فكم سيكون من الحسنات جرَّاء ذلك الخير، فإذا وُضعت تلك السيئة في كِفَّة وتلك الأعمال العظيمة في كِفَّة، فما عسى أن تفعل تلك السيئة؟
ضع: (مليار) حسنة في كِفَّة و(سيئةً واحدةً) في كِفَّة، وانظر الراجح.
*من هم الذين اتبعوهم بإحسان؟
94) أوردتم قولي: (ثمَّ أثنى الله عز وجل على الذين اتبعوهم بإحسان، والذين اتبعوهم هم أهل السنَّة) ثمَّ قلتم: (يلاحظ عليه: أنَّ قوله سبحانه: ((وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ)) [التوبة:100] فعل ماض يحكي عن تحقق التبعية بإحسان عند نزول الآية، فلابد أن يكون التابعون بإحسان من جملة الصحابة، فكيف تفسرونه بأهل السنَّة إلى يوم القيامة، ثمَّ تخرجون الشيعة، مع أنَّ الطائفتين خارجتين(!) عن مفاد الجملة، وإلاَّ لكان اللازم أن يقول عز وجل: «والذين يتبعونهم بإحسان».. إلخ).
قلت: الجواب من وجوه:
أولاً: لقد ذكر جميع المفسرين أنَّ: (الذين اتبعوهم) يشمل الأمَّة إلى قيام الساعة، سواء قلنا: إنَّها تشمل من أسلم من غير المهاجرين، أو إنَّها خاصة بجيل التابعين ثمَّ من تبعهم.
ثانياً: قولكم: (فلابد أن يكون التابعون بإحسان من جملة الصحابة).. (وإلاَّ: لكان اللازم أن يقول الله عز وجل: («والذين يتبعونهم بإحسان») فهذا قصور في معرفة اللغة العربية، وما كان لكم أن تقتحموا حمى القرآن الكريم بمثل هذه الجرأة. وسيأتي توضيحه في: (رابعاً).
ثالثاً: جميع المفسرين من أعلام العربية لم يقل أحد منهم مثل قولكم، ابتداءً بالصحابة رضي الله عنهم، وانتهاء بآخر مفسر من علماء الأمَّة، فهل جهلوا أمراً عرفتموه؟!
ولعلَّ ممَّا أكرم الله به العربية أنَّ جميع موسوعاتها التي حفظتها، وكذلك الكتب التي تضبط قواعدها من جهود أهل السنَّة، وأهل التشيع عالة على مصنفاتهم.
ولو قدر أن ينحاز أهل التشيع إلى بقعة من الأرض، وأهل السنَّة إلى بقعة أخرى، ويحمل كل منهما ما حفظه من الدين؛ لعجز الشيعة عن معرفة الدين.
فالقرآن جمعه أهل السنَّة.
واللغة العربية هم جامعو مفرداتها ومقعدو قواعدها.
رابعاً: لبيان خطأ فهمكم في أنَّ الفعل الماضي لا يدل على المستقبل، نضرب لكم بمثال واحد من كتاب الله عز وجل:
قال تعالى: ((أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ)) [النحل:1].
قال الطبري: (أتى أمر الله فقرب منكم أيها الناس ودنا..)([208]).
وقال القرطبي: (أتى بمعنى يأتي)([209]).
وقال ابن كثير: (يخبر تعالى عن اقتراب الساعة ودنوها بصيغة الماضي الدال على التحقق)([210]).
وهكذا على هذا النهج بقية التفاسير.
ولهذه الآية نظائرها في كتاب الله عز وجل، ومنها:
قوله تعالى: ((وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ)) [الأعراف:43] أي: وننزع.
وقوله تعالى: ((وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا)) [الأعراف:43] أي: يقولون.
وقوله تعالى ((وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ)) [الأعراف:50]..
وقوله تعالى((وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً)) [الأعراف:48] ([211]).
وغيرها كثير.
وبهذا يتبين أنَّ قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ)) [التوبة:100] فعلٌ يدل على المستقبل مطلقاً، وأنَّه يشمل كل من جاء بعد السابقين إلى قيام الساعة، وأنَّ دعوى الانتهاء لا توجبه اللغة.
*الاستدلال بقوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ...) على عدالة الصحابة:
95) أوردتم قولي: (والآية في غاية الوضوح) ثمَّ قلتم: (إنَّ هذا التعبير من سماحتكم في غاية الغرابة. كيف تصفون الآية بغاية الوضوح وقد اختلف المفسرون في تعيين المراد من الآية اختلافاً شديداً، وسوف نذكره ليتبين مدى صحة قضائكم في معنى الآية بأنَّه في غاية الوضوح).
ثمَّ أوردتم قول ابن الجوزي أنَّ الآية فيها ستة أقوال [زاد المسير (3/333)]، ثمَّ قلتم في نهاية الأقوال: (وفي الختام نحن لا نصدق هذه الأقوال..) قلتُ: لأنَّها لا تحقق مقصودكم.
الجواب من أوجه:
أولاً: الآية في غاية الوضوح في الثناء على الصحابة الذين كفَّرتموهم أو فسَّقتموهم، سواءٌ كان ذلك في الثناء على طبقة منهم، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، أو فيهم وفي الذين جاءوا من بعدهم.
وأهل السنَّة اختلفوا في تعيين: (الطبقة) لا في نفي (الثناء) عن جميع الصحابة، كما هو معتقد الشيعة الإمامية -ما عدا أربعة- وهذا هو خلافنا الأساسي معكم.
ثانياً: هذه الأقوال جميعها ليس واحد منها قولاً للشيعة الإمامية، فهي كلها في مقابل أقوال الإمامية.
وجميع المفسرين المذكورة أقوالهم في الآية لم يطعن أحد منهم في عدالة الصحابة الآخرين.
96) ثمَّ قلتم: (هذا كله بِغضّ النظر عمَّا ذهب عدة من المفسرين والمؤرخين، بأنَّ المراد من السابقين هو: علي بن أبي طالب، وأنَّه أول من أسلم، كما عن الثعلبي والقرطبي والخطيب وأبي نعيم وغيرهم، قال الحاكم النيسابوري: لا أعلم خلافاً بين أصحاب التواريخ أنَّ عليّاً أولهم إسلاماً. [تفسير الثعلبي-خ- تفسير القرطبي (8/236) المستدرك (3/183)...].
وصرَّح ابن تيمية في رسالة رأس الحسين بقوله: (ثمَّ علي وحمزة وجعفر وعبيدة بن الحارث، هم من السابقين الأولين، فهم أفضل من الطبقة الثانية من سائر القبائل).
[رأس الحسين (ص:23)].
قلت: هنا وقفات:
أولاً: عزوك إلى هؤلاء المفسرين أنَّهم قالوا: (المراد من السابقين هو: علي بن أبي طالب..) ليس صحيحاً، ولا أظن أنَّك تعمدت هذا الخطأ.
قال الثعلبي: (واختلف العلماء في السابقين الأولين من هم؟
فقال أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وقتادة وابن سيرين: هم الذين صلُّوا القبلتين.
وقال عطاء بن أبي رباح: هم الذين شهدوا بدراً.
وقال الشعبي: هم الذين شهدوا حجة الرضوان «أي: بيعة الرضوان»).
ثمَّ قال: (واختلفوا أيضاً في أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم...فقال بعضهم: علي بن أبي طالب..).
فأين في تفسير الثعلبي تفسير الآية: بعليّ بن أبي طالب؟!
أمَّا القرطبي فقد قال بعد إيراد الآية: (فيه سبع مسائل) أورد في ثلاث منها معنى الآية ولم يذكر فيها علي بن أبي طالب، وإنَّما ذكر الأنصار والمهاجرين على حسب ما ذكره المفسرون الآخرون، ثمَّ قال: (الرابعة: وأمَّا أولهم إسلاماً فروى مجالد عن الشعبي قال: سألت ابن عباس: من أول الناس إسلاماً؟ قال: أبو بكر. أوما سمعت حساناً..) ثمَّ أورد أبياتاً تدل على سبق أبي بكر. ثمَّ أورد أقوال جماعة من العلماء أكدوا أولية إسلام أبي بكر على غيره، ثمَّ قال: (وبه قال إبراهيم النخعي. وقيل: أول من أسلم عليّ..)([212]) ثمَّ ذكر أقوالاً أخرى في أول من أسلم.
فأين فسر القرطبي الآية بعليّ؟!
ثمَّ ها هو قدَّم أبا بكر، فإنَّه ذكر أنَّه أول من أسلم، فهل يجوز لنا أن نقول: إنَّ الآية تفسر بأبي بكر فقط؟! لا نستجيز هذا المسلك، فالآية أعم من ذلك.
وقول الخطيب وأبي نعيم لا يخرج عن ذكر أول من أسلم، والأقوال فيه؛ فهل دعواك -إذن- أنَّ العلماء فسروا الآية بعليّ صحيحة؟!
ثانياً: هذه العقلية الشيعية أن تفسر آيات المدح في كتاب الله عز وجل بـ(شخص واحد) عقلية عجيبة!
مئات وآلاف المهاجرين والأنصار توجّه الآية ثناءها عليهم، تختفي ليكون المخاطب هو عليّ رضي الله عنه، عليّ هو: (السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار) سبحان الله؟!!
لكن لا غرابة، فالذي يطلع على كتب الأحاديث والآثار الشيعية الإمامية، يرى أنَّ القرآن كله نزل في الأئمة وأتباعهم، وقد أوردتُ في غير هذا الموضع نماذج من ذلك.
ولا بأس بنموذج آخر هنا من أصح كتب الإمامية.
روى الكليني بسنده عن أبي عبد الله في حديث طويل: (ما من آية نزلت تقود إلى الجنَّة ولا تذكر أهلها بخير (هكذا) إلَّا وهي فينا وفي شيعتنا، وما من آية نزلت تذكر أهلها بشرّ ولا تسوق إلَّا إلى النار (هكذا) إلَّا وهي في عدونا..)([213]). سبحان الله!!
وروى ابن البطريق الحلي عن ابن عباس أنه قال: (ما نزل في أحد من كتاب الله ما نزل في علي)([214])، وروى الميرزا حديثاً طويلاً عن ابن عباس كذلك وفيه: (أن جبريل هبط على الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه جام من البلور الأحمر، وقال له: السلام عليك، الله يقرأ عليك السلام ويحييك بهذه التحية، ويأمرك أن تحيي بها علياً وولديه..)، ثم زعم أن البلورة تنقلت في كف النبي صلى الله عليه وسلم، ثم في كف علي رضي الله عنه، ثم في كف الحسن ثم الحسين وهي تقرأ آيات...)([215]).
وألف أحد الإمامية كتاباً بعنوان: (الدر الثمين في خمسمائة آية نزلت في مولانا أمير المؤمنين عليه السلام باتفاق أكثر المفسرين)([216]).
((وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)) [المائدة:18].
*قوله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ...) دليل على عدالة الصحابة:
97) ذكرتم الآية التي أوردتُها في إجابتي إليكم وهي قوله تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29].
ثمَّ أوردتم قولي: (ذكر عز وجل أنَّه رباهم ورعاهم كما يرعى النبتة التي تخرج من الأرض، حتى نضجت واكتملت، وأنَّ ذلك سيكون سبباً لغيظ الكفار، فمن كرههم أو غاظهم لحقه الوعيد).
ثمَّ قلتم: (يلاحظ عليه: أنَّ ظاهر كلامكم أنَّه سبحانه وتعالى في هذه الآية يصف جميع الصحابة بأنَّه رباهم ورعاهم كما يرعى النبتة التي تخرج من الأرض، ولكنَّه غير تام للوجوه الآتية:
أ) هل المراد من قوله سبحانه: (والذين معه) هو المعية الجسمانية، أو أن المراد المعية الروحية، فتنطبق على الذين كانوا معه في صلابة الإيمان والعقيدة والعمل والسيرة؟ وبما أنَّه لا قيمة للمعية في الجسم تختص الآية بالطائفة الثانية، ولم يكن كل الصحابة على هذا الخط، بدليل الأصناف العشرة التي قدمنا عناوينها، وذكرنا موضع الآيات وأرقامها).
قلت: هنا وقفات:
أولاً: الآية نص على أنَّ: (الذين معه) هذه أوصافهم، ونحن نرى في جميع الأحاديث والمواقف أنَّ (الذين معه) أول من يدخل فيها هم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. فهم معه في كل المواقف والمشاهد: آمنوا به، ونصروه، وأحبوه وأحبهم، وأثنى عليهم، وكان يستشيرهم ويسمع كلامهم، ولم يفارقوه سفراً ولا حضراً -إلَّا نادراً- وظاهرهم الإيمان، وشهد لهم الصحابة وأثنوا عليهم، وكان بينهم من الود والحب ما ظهر على حياتهم من التعاون والتزاوج والتسمية بأسماء بعضهم... إلى آخر ما هناك من علامات الأخوة الإيمانية.
فهل هؤلاء تشملهم الآية أم لا؟! لأنَّ هذا هو مفتاح الخلاف، فالصحابة جيش عظيم مقدمته هؤلاء العظماء، ونحن عندما نتحدث معكم في الصحابة، فإنَّ أول ما يتبادر إلى أذهاننا هؤلاء، ثمَّ من ورائهم بقية إخوانهم.
ثانياً: هل المراد.. (هو المعية الجسمانية أو أنَّ المراد هو المعية الروحية، فتنطبق على الذين معه في صلابة الإيمان والعقيدة والسيرة؟)
قلت: من هم هؤلاء الجماعة الذين أشاد بهم القرآن، وأنَّهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ هل أبو بكر وعمر وعثمان منهم أم هم: (علي) فقط.. على منهجكم؟!!
القرآن يذكر جماعة، فهل هذه الجماعة تتقلص في حسكم وتفكيركم لتصبح رجلاً واحداً، أم أنَّها جماعة؟! وهل هذه الجماعة من ذكرنا أم أنَّها: (أبو ذر وسلمان وعمَّار والمقداد)؟! على حسب الروايات الشيعية!
ثالثاً: أكدتم أنَّ المراد بالآية المعية الروحية!
قلت: الخطاب واضح الدلالة أنَّ المقصود هم الذين معه بأجسامهم وأرواحهم، والذين عاشوا معه، واشتهرت معيتهم له بالإيمان والنصرة والمحبة، أولهم هم الخلفاء الأربعة الذين أصبحوا عظماء في الأمَّة، وارتضت خلافتهم وإمامتهم، نصروا وجاهدوا وفتحوا الأرض، ونشروا الإيمان والدين، ولا ينشر الإيمان منافق ولا كافر، فهل تستطيع أن تنكر ذلك؟!
إنَّني على يقين أنَّ تعظيم هؤلاء وحبهم لا يجتمع ودعوى (الوصية) المكذوبة؛ لأنَّهما عقيدتان متضادتان.
فإمَّا: تعظيم لهؤلاء وسلامة صدر، واعتراف بالجميل، ودعاء بالمغفرة.
وإمَّا: دعوى وصية، وكُره لهؤلاء، واتهام يتسلسل حتَّى يصل إلى سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه، ثمَّ إلى رب العالمين.
رابعاً: قولكم: (ولم يكن كل الصحابة على هذا الخط بدليل الأصناف العشرة..).
قلت: ما زال هذا الخيال العجيب يتملك مشاعرك وتفكيرك!!
الأصناف العشرة في المنافقين وليست في المؤمنين، وحديثنا عن الصحابة الذين لقوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآمنوا به، وأمَّا المنافقون فقد لقوه، ولكنَّهم لم يؤمنوا به! نعم. ادعوا الإيمان، وفرق بين كلمة: (آمن) و(ادعى).
قال تعالى: ((وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ)) [البقرة:8-9].
فقد نفى عز وجل عنهم الإيمان، وأخبر أن هناك مؤمنين يخادعهم هؤلاء، فمن هم هؤلاء المؤمنون الذين يخادعهم هؤلاء؟!!
هل هم أربعة فقط؟!! أوأمة كبيرة يخشاها المنافقون ويرهبونها حتى أخفوا نفاقهم؟!!
وهل يخفى إيمان أبي بكر وعمر وعثمان..وإخوانهم العظماء؟! وهل يزعم مسلم أنَّهم منافقون؟!
وهل يمدح الله عز وجل الذين معه مطلقاً -وفي مقدمتهم هؤلاء- فيخدع الناس ويغرر بهم بالثناء على من معه، ونحن نرى هؤلاء معه في حله وترحاله، وسفره وإقامته، وحربه وسلمه، وليس لدينا مجهر يكشف ما في القلوب حتَّى نستطيع أن نميز ما في داخلها، ويكون هؤلاء منافقين؛ فنُخدع بمدحه لهم والثناء عليهم، فنعظمهم ونثني عليهم، بل قد عظمهم الصحابة قبلنا وأثنوا عليهم، ودفنوا العظيمين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكان واحد؛ فهل هناك أعظم من هذه الأدلة على أنَّهما داخلان في هذا الثناء؟!
إنَّنا لو فقدنا الثقة بهذه الدلالات لم نستطع أن نصدق أي لفظ آخر في كتاب الله عز وجل.
خامساً: في الآية قوله تعالى: ((لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)) [الفتح:29] جعل الله عز وجل هذه التقوية لعلة وهي: (إغاظة الكفار) فهل يغيظ الكفار أربعة أشخاص: (أبو ذر وسلمان وعمَّار والمقداد)، أم: (عليّ) فقط، أم جموع كثيرة أخافوا الكفر وأهله، وكسروا الدول، وفتحوا البلاد، وهَدَوا العباد؟!
هل هؤلاء هم المقصودون أم غيرهم؟!
تأمل بعين بصيرتك، ثمَّ حدد من هم الذين أغاظ الله عز وجل بهم الكفار؟!
هل هم الصحابة وأتباعهم من السنَّة أم الشيعة؟ ومتى أغاظ الله عز وجل بالشيعة الكفارَ؟!!
98) قلتم: (إنَّه سبحانه يذكر من سماتهم أنَّهم: ((رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) [الفتح:29] فهل كان الصحابة عامة موصوفين بهذا الوصف؟ أو أنَّهم قاتل بعضهم بعضاً؟ وكم من بدري قُتِل بيد الصحابة، هذا هو مقتل الخليفة الثالث، وحروب الناكثين والقاسطين والمارقين، قتل فيها كثير من الصحابة بيد الصحابة).
قلت: هنا وقفات:
أولاً: لو أراد شخص كافر أن يطعن في الإسلام، ووقف عند هذه الآية وكان قد قرأ المذهب الشيعي، فما هو السؤال الذي يمكن أن يطرحه للتشكيك في القرآن أو الإسلام غير هذا السؤال؟!
سيقول هذا الكافر: القرآن وصف رسولكم ومن معه بقوله: ((رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) [الفتح:29] ونحن نرى أنَّ: (بعضهم قاتل بعضاً، وكم من بدري قتل بيد الصحابة) -طبعاً هذه عبارتكم- فأين الرحمة؟!
إمَّا أنَّ القرآن غير صادق.
وإمَّا أنَّ الصحابة الذين وصفهم القرآن غير هؤلاء الذين قرأنا عنهم في كتب الشيعة؟!
أرأيت كيف تفعل العقائد الضالة بدين الله عز وجل؟!
ثانياً: ثمَّ لو قال ناصبي: إنَّ القرآن وصف الصحابة بأنَّهم((رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) وقد رأينا هذه الرحمة في عهد الخلفاء الثلاثة أو الخليفتين الأولين، ولم نرها في خلافة الرابع فقط، رأينا علي ابن أبي طالب وطلحة والزبير ومعاوية قد تقاتلوا، واستباح بعضهم دماء بعض، ولم نرَ الرحمة فيهم؛ ممَّا يشككنا في دخول هؤلاء في المدح! وهذا يؤكد لنا أنَّ هؤلاء لم يشملهم معنى الآية!
أليس معتقد الشيعة في اتهام الصحابة بأنَّه قتل بعضهم البعض الآخر، وأنَّه لا ينطبق على جميعهم هذا الوصف هو السبب في مثل هذا السؤال؟! فما هو جوابكم؟!
ثالثاً: أمَّا نحن -أهل السنَّة- فلا يرد علينا هذان السؤالان؛ لأنَّنا نخالف هذا الفهم الشيعي ونقول: إنَّ الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم -كما أخبر عز وجل عنهم- رحماء بينهم، وذلك يتضح بالتفصيل الآتي:
* حياة الصحابة من بداية البعثة إلى زمن الفتنة:
1- عاش الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة والمدينة قرابة عشرين سنة، وهم إخوة متحابون، لا نرى بينهم إلا الخير والأخوة الإيمانية، وكان ذلك سر انتصارهم على أعدائهم وحصول هذا الثناء الربَّاني الذي صدر من الحكيم الخبير الذي لا تخفى عليه خافية.
ولا يعكر عليه وجود أشخاص ليسوا من المسلمين، قد يشاركونهم في السكنى بالمدينة أو في بعض الغزوات؛ لأنَّهم ليسوا من المؤمنين أصلاً، وليسوا المقصودين بالثناء.
2- ثمَّ توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخلفه أفضل البشر وأعظمهم بعد الأنبياء، صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منذ بعثته، ورفيقه في هجرته، وضجيعه في حجرته رضي الله عنه ورفع درجته: أبو بكر الصدِّيق. فكان الصحابة معه على مثل ما كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في نصر الدين، والتعاون على البر والتقوى، ولم ينتقص من سيرتهم شيء رضي الله عنهم.
ولا يعني ذلك أن لا يحدث بين شخصين أو أكثر خلاف أو خصومة؛ لكن الحكم للغالبية.
ثمَّ خلف بعد ذلك الفاروق، واستمرت الحياة والصحابة رضي الله عنهم على نفس المسيرة، حتى استُشهِد رضي الله عنه عام خمسة وعشرين تقريباً، فوفى بذلك مع الصدِّيق خمسة عشر عاماً.
فإذا أضفنا هذه الفترة إلى فترة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أصبحت خمساً وثلاثين سنة تقريباً.
ثمَّ حكم ذو النورين، صهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زوج ابنتيه قرابة ثلاث عشرة سنة، وقع آخرها فتنة انتهت باستشهاده رضي الله عنه.
فإذا أضفنا فترة خلافة عثمان رضي الله عنه إلى الفترة السابقة أصبحت ثمانياً وأربعين سنة، كان الصحابة رضي الله عنهم خلالها إخوة متحابين، نصر الله عز وجل بهم الدين وفتح الأرض، ولو لم يكونوا متحابين رحماء بينهم، لما تمكنوا من غلبة أعدائهم.
فأين هذه الفترة الذهبية التي تسطر بمداد من نور؟ ألم يكونوا رحماء بينهم؟!
إنَّ القرآن كلام الله أصدق الكلام، وإنَّ الصحابة رضي الله عنهم كانوا كما ذكر الله عز وجل.
3- في عام خمسة وثلاثين هجرية وقعت الفتنة، ونتج عنها مقتل عثمان رضي الله عنه، وليس ذلك من الصحابة، بل كان بسبب رجل يهودي اسمه: (عبد الله بن سبأ) عمل على إثارة الفتنة، كما رواه الطبري رحمه الله وغيره من المؤرخين.
فقد روى الطبري بسنده عن يزيد القعسي قال: (كان عبد الله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء، أمه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثمَّ تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم.
فبدأ بالحجاز، ثمَّ البصرة، ثمَّ الكوفة، ثمَّ الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتَّى أتى مصر فاعتمر فيهم.
فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أنَّ عيسى يرجع ويكذِّب بأنَّ محمداً يرجع، وقد قال الله عز وجل: ((إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ)) [القصص:85]، فمحمد أحق بالرجوع من عيسى، قال: فقُبل ذلك عنه ووضع لهم (الرجعة) فتكلموا فيها.
ثمَّ قال لهم بعد ذلك: إنَّه كان ألف نبي، ولكل نبي (وصي)، وكان (علي وصي محمد)، ثمَّ قال: محمد خاتم الأنبياء وعليّ خاتم الأوصياء.
ثمَّ قال بعد ذلك: من أَظلمُ ممن لم يُجز وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووثب على وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتناول أمر الأمَّة!
ثمَّ قال لهم بعد ذلك: إنَّ عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فانهضوا في هذا الأمر فحرِّكوه، وابدءوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر.
فبثَّ دعاته، وكاتب من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه، ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم... واستمر على هذا المنهج.
ثمَّ بلغ عثمان فأرسل رسله إلى الأمصار لاستطلاع الأمر، ومنها مصر، ورجع كل الرسل إلَّا رسول مصر وهو: (عمَّار بن ياسر) لم يرجع([217]) - إن صحت الرواية -.
هذا هو أصل الفتنة، وقد نتج عنها مقتل عثمان، وظهور عقيدة الرجعة والوصية، ولكنها في بدايتها.
4- ثمَّ تولى علي بن أبي طالب رضي الله عنه الخلافة، وامتنع معاوية عن البيعة ما لم يقتص من قتلة عثمان.
وقد خرجت عائشة ومعها الزبير وطلحة ومن معهم من الصحابة، قاصدين العراق لمحاربة الذين قتلوا عثمان، ثمَّ اتجه عليّ رضي الله عنه إلى العراق لما بلغه الخبر، وكان يريد قبل ذلك الشام، ولمَّا تلاقى الجيشان اتفقا على الصلح؛ لكن المفسدين الذين كانوا في جيش عليّ أدركوا خطورة الصلح، فاتفقوا على إعلان الحرب آخر الليل، واتهام جيش عائشة وطلحة والزبير بأنَّهم هم الذين بدءوا، وأنَّهم قد خدعوا علياً رضي الله عنه ([218]).
هذا ملخص الفتنة.
الذين أثاروا الفتنة على عثمان هم الذين أثاروها على عليّ وكانت النتيجة أن وقع القتال.
فأين في هذه الأحداث تعمد القتل؟! أليس كلا الجيشين قد جُرَّ إلى الفتنة بدون رغبته؟
هذه كتب التواريخ، فهل عندكم روايات أصدق منها وأصح، تقول بأنَّ الصحابة تعمدوا القتال واستباحوا دماء بعضهم؟!
رابعاً: هذا القتال قد شارك عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فيه؛ فهل يُقال: إنَّه ليس ممن قال الله عز وجل فيهم: ((رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) [الفتح:29] وأنَّه قد قتل الصحابة؟!
ما يعتذر به لعليّ رضي الله عنه يعتذر به لإخوانه، وإن كنا نعتقد أنَّه رضي الله عنه هو أحق من الآخرين؛ لكنا لا نؤثِّم الآخرين، ولا ندعي أنَّهم تعمدوا القتال؛ لما ظهر منهم من حسن الصحبة وفضلها، وما ورد فيهم من مدح وثناء، وأنَّهم مع إخوانهم كانوا قاعدة الإسلام ورواته وأنصاره، وما وقع من فتنة لعل الله عز وجل يعفو عنهم ويغفر لهم، فإنَّنا لا نعتقد أنَّهم تعمدوا تلك الأحداث.
خامساً: أشرت إلى قتال: (الناكثين والقاسطين والمارقين) وكأنَّك تشير إلى حديث عن عليّ رضي الله عنه أنَّه قال: (عهد إلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين)([219]).
قلت: هذا الحديث كغيره من الأحاديث التي تستدل بها الشيعة الإثنا عشرية، والتي لا تصح.
فهذا الحديث رواه أبو يعلى بسند لا يصح، فيه الربيع بن سعيد مجهول الحال.
ورواه أبو يعلى([220]) عن عمار بن ياسر، وفيه الخليل بن مرة، قال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن حبان: يروي عن جماعة من البصريين والمدنيين من المجاهيل. وقد طوّل ابن عدي في ترجمته وأورد له مناكير([221]).
وأورده الهيثمي وقال: (رجاله رجال الصحيح، غير الربيع بن سعيد وثّقه ابن حبان)([222])، وذكره الهيثمي من عدة طرق وكلها لا تخلو من علة، وقول الهيثمي رحمه الله فيه قصور، وابن حبان متساهل في التوثيق.
99) قلتم: (ومن سماتهم أيضاً: ((سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)) [الفتح:29]، فهل كان هذا الوصف متوفراً في عامة الصحابة؟).
د: نحن نفترض وجود هذه السمات في عامة الصحابة، ولكن ذيل الآية يشهد على أنَّ الثناء على قسم منهم بقوله سبحانه((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [سورة الفتح].
قال: لفظة (من) في قوله: (منهم) للتبعيض، وما يقال من أن (من) بيانية غير صحيح؛ لأنَّها لا تدخل على الضمير مطلقاً في كلامهم، وإنَّما تدخل على الاسم الظاهر كما في قوله: ((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ)) [الحج:30].
قلت: وهنا وقفات:
أولاً: سؤالكم عن سمات السجود هل هي متوافرة في عامة الصحابة؟
قلت: من هم الصحابة الذين توافرت فيهم عندكم؟!
هل توافرت في أبي بكر وعمر وعثمان والمشهورين معهم؟! أم لم تتوافر إلَّا في عليّ، أو فيه وفي الأربعة: أبي ذر وسلمان وعمار والمقداد؟!
ثناء رب العالمين ومدحه لأمَّة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعدون بالآلاف، كم منهم توافرت فيه هذه الصفات؟
ثانياً: قلتم: (إنَّ لفظة: (من) للتبعيض...).
قلت: نعم. هذا الوعد للتبعيض؛ لكن الثناء السابق لم يُقيد بـ(من)، فهل يعني أنَّك تقر بعمومها، أم أنَّك أخرجتها بتأويل آخر، وهو أنَّ المعية يراد بها المعية الروحية؟!
فلابد من التأويل مرة بتقييد اللفظ المطلق، وأخرى بصرف المعنى بدعوى التبعيض وليس للهوى زمام!!!!
ثالثاً: الآية وعدت بعضهم بالمغفرة والأجر العظيم: فمن هم الذين تعتقد أنَّها تشملهم من الصحابة؟!
* الهجرة والنصرة:
100) قلتم: ((وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا)) [الأنفال:72]، والمراد هم الأنصار الذين آووا، وهذا يختص بمن نصر وآوى، وقد انقطع بترحيل بني النضير عن أراضي يثرب في السنة الرابعة؛ فإنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قسَّم أراضيهم بين المهاجرين في تلك السنة، فاستغنوا بذلك عن إيواء الأنصار.
((وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ)) [الأنفال:75]، والمراد هم الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بعد السابقين الأولين، فيشير هذا المقطع من الآية إلى ما ورد في الآية الأولى، أعني قوله: ((وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ)) [التوبة:100]، وبما أنَّ الهجرة قد انقطعت بعد الفتح، فالآية لا تثني على الطلقاء، ولا أبناء الطلقاء، ولا الأعراب، ولا الذين آمنوا بعد الفتح. فيتحد مفاده مع قوله سبحانه: ((وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ)). [التوبة:100].
فهذه الآيات الثلاث تثبت أنَّ الصحابة كالتابعين، فيهم عادل وغير عادل، لا كلهم عدول، ولا كلهم فسقة...إلى أن قلتم:
أوليس هذا ثناء من الله عز وجل على المهاجرين والأنصار وتأكيد إيمانهم، كيف يكون ثناء على كل المهاجرين والأنصار؛ بل ثناء على السابقين منهما، والذين اتبعوهم بإحسان، وعندئذٍ لو دل دليل على عدم التبعية، أو شككنا في كونه تابعاً بإحسان، فالآية لا تكون دليلاً على العدالة في مورد الشك، فإذا كان قيد الموضوع (بالإحسان) مشكوكاً فيه، لا يحكم بالدخول؛ لأنَّ الحكم لا يثبت موضوعه، كما بين في علم الأصول، نعم. إن أحرزت التبعية بإحسان لعمته الآية).
قلت: هنا وقفات:
أولاً: قلتم: (والمراد هم الأنصار الذين آووا...) هل هؤلاء الأنصار الذين وردت أسماؤهم في كتب الحديث وتراجم الرجال، وهم يعدون بالمئات؛ هل تُقرُّ بأنَّهم (مؤمنون حقاً) فلا فسق فيهم ولا نقص في إيمانهم، وهم عدول تقبل شهادتهم ورواياتهم مع إخوانهم المهاجرين الأوائل، أم عندكم نظر في شهادة الله عز وجل، فهي تحتاج إلى قيد الإطلاق بأنَّهم (الذين لم يغيروا) ثمّ نطبق عليهم أنَّهم قد: (خانوا ولم ينصروا الإمام)، فكان ينبغي على الله عز وجل أن يقيد! أستغفر الله..
ثانياً: عقبتم على الآية بقولكم: (والمراد هم الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بعد السابقين الأولين) فهل تعترفون بأنَّ أشخاصاً آمنوا وهاجروا وجاهدوا وثبتوا على إيمانهم، وأنَّ وعد الله عز وجل متحقق لهم، أم أنَّه يحتاج إلى تقييد هذا الإطلاق: بأنَّهم الذين لم يغيروا ولم يبدلوا؟!
إنَّ جميع النصوص الشرعية التي وردت في مدح طوائف المؤمنين، لا أظنها تسلم من قيد وتأويل في مذهبكم؛ لأنَّ عقيدة الوصية لا تقبل أي ثناء على غير الأربعة...ولهذا فقد زعمتم هنا أنَّها لابد من تقييدها بآية أخرى، وكأنَّ الله عز وجل لا يعلم حتَّى يذكِّره الشيعة! أستغفر الله..
ثالثاً: قلتم: (فالآية لا تثني على الطلقاء، ولا أبناء الطلقاء، ولا الأعراب، ولا الذين آمنوا بعد الفتح).
قلت: والذين آمنوا قبل الفتح وليسوا من الطلقاء، فهل تشملهم الآية وتعترفون بأنَّهم عدول؟!
إنَّ الخلاف معكم ليس في الطلقاء وأبناء الطلقاء، وإنَّما في العظماء: أبي بكر وعمر وعثمان وبقية العشرة، ومن كان معهم من الأخيار، وأمَّا من بعدهم فالخطب فيهم أيسر من هؤلاء!
وعند التأمل لا يمكن أن يقبل -عند الشيعة- أي آية فيها ثناء ومدح، فإنَّها كلها مصروفة مقيدة.
وإذا كانت شهادات القرآن لا تقبل في الحقيقة -وإن تظاهر الشيعة بعبارات غامضة وألفاظ محتملة- والسنَّة عندهم مردودة كذلك، لا تفيد يقيناً ولو صحت؛ إلَّا إذا كانت تثبت الوصية ولو كانت مكذوبة، فمن أين تعرف الحقيقة؟
نحمد الله عز وجل على صحة المنهج وسلامة الصدر.
لقد أصبحت هذه العقيدة هي الأصل والقاعدة، فما وافقها قبل، وما خالفها رد أو أُوِّل ولو كان كلام الله عز وجل.
101) قلتم: (الآية الثالثة: وقال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ...)) [الأنفال:72] إلى أن قال: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [سورة الأنفال].
أقول: إنَّ مفاد الآية قريب ممَّا جاء في سورة الحشر التي قدمناها سابقاً، وهي تصف معشراً من الصحابة وتثني عليهم، لا على جميعهم، وإليك مقاطع من الآية يوضح ما ذكرنا.
((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) [الأنفال:72]، فالمراد هم السابقون الأولون، لا مطلق من هاجر وجاهد، بشهادة ذكر الهجرة في الصنف الثالث كما سيوافيك، وهذه قرينة على أنَّ المراد هم السابقون في الهجرة، لا مطلق من هاجر).
قلت: هنا وقفات:
أولاً: الله عز وجل وصف من هاجر وجاهد في سبيل الله عز وجل -فقيد الهجرة والجهاد بأن يكونا في سبيله- بأنَّهم مؤمنون حقاً، فمن هم يا ترى الذين تنطبق عليهم هذه الصفات عندكم؟!
ثمَّ ذكر الذين آووا ونصروا بدون هذا القيد، فهل يمكن لكم أن تقيدوه؟!
وهل هناك أحد من المنافقين آوى مهاجراً؟!
إنَّ الآية أطلقت ولم تقيد، ممَّا يؤكد أنَّ جميع من آوى داخل تحت هذا الوصف والوعد.
إلَّا إذا ذكَّرتم الله عز وجل بأمر نسيه، وهو أنَّ هناك منافقين ربَّما آووا، فلابد من القيد.. أستغفر الله!
ثانياً: قلتم: (إنَّ المراد هم السابقون في الهجرة لا مطلق من هاجر).
قلت: سبحان الله! أين هنا القيد بالسابقين؟!
الله عز وجل أطلق: أنَّ من آمن وهاجر وجاهد في سبيل الله، فهو مؤمن حقاً. والله عز وجل أعلم بخلقه، وهو صاحب الفضل؛ يعد من يشاء ويتوعد من يشاء، لا معقب لحكمه.
فأحياناً سبحانه: (يقيد) لحكمة، وأحياناً (يطلق) لحكمة، فإذا قيد فلا إطلاق، وإذا أطلق عز وجل في حق شخص ٍأو في حق فئة حكماً فلا قيد.. وهذا هو الأدب مع الله عز وجل.
لا ينبغي أن نستحدث تصوراً نجعله مقياساً لأحكام الله عز وجل، فنفسر كل آياته تحت مظلته، فإذا تطلب هذا المقياس أن نقيد قيَّدنا، وإذا تطلب أن نطلق أطلقنا، فنجعل القرآن تابعاً لمقاييسنا وعقائدنا: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)) [الأحزاب:36].
102) قلتم: (الآية الرابعة: قال تعالى: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [الحديد:10].
7- قلتم: هذه الآية الكريمة تمدح الذين آمنوا قبل الفتح، وأنفقوا في سبيل الله، وقاتلوا لإعلاء كلمة الله، وأنَّ من لحقهم بعد ذلك لا يدرك فضلهم، وهذه شهادة عظيمة من الله عز وجل.
يلاحظ عليه: أنَّ الآية تدل على عدم التسوية بين الفريقين، وهذا ممَّا لا ريب فيه، كما يدل على أنَّه سبحانه وعد الكل الحسنى، غير أنَّ وعده سبحانه بالحسنى مشروط بحسن خواتيم العمل، فإنَّه سبحانه وعد لكل من عمل صالحاً بالحسنى، ولكن بشرط أن يكون باقياً على ما كان عليه.
وقد دل الذكر الحكيم على أنَّ رجالاً مؤمنين انقلبوا على أعقابهم بعد فترة، يقول سبحانه: ((وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ)) [سورة الأعراف].
فالآية تخبر عن مصير من أوتي الآيات، ولكنَّه انسلخ منها، فمن وعده الله سبحانه الحسنى في الآية ليس بأفضل من هذا الرجل الذي بلغ في العلم والعمل بمكان نال آية من الله سبحانه، وقد زلت أقدامه في آخر حياته.
وقد عقد البخاري في صحيحه باباً باسم (العمل بالخواتيم)، فطالعوا ما ورد فيه من الرواية، رزقنا الله سبحانه حسن العاقبة) [صحيح البخاري (7/212)].
قلت: وهنا وقفات:
أولاً: الآية الكريمة خاطبت فئة معينة بذكر صفاتها، ووعدت أصحابها بالحسنى أي: الجنَّة.
وهذا الخطاب لأقوام بأعيانهم، فهي في قوة الخطاب بالاسم؛ لأنها تخاطب أشخاصاً توافرت فيهم الصفات الموعود أصحابها، وفي ذلك بشارة لهم بأنَّهم يعيشون على الإيمان ويموتون عليه.
أمَّا إذا جاءت الآيات مطلقة ولم تخاطب قوماً بأعيانهم؛ فذلك يكون بشرط الاستمرار على الصفة التي وعدوا بالثواب عليها.
فإذا قال الله عز وجل: وعدتك يا صاحب هذه الصفة بالحسنى، وقد تحققت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من السابقين، ثمَّ جاء الشيعي وقال: لا يارب! لابد أن يستمر على الإيمان!! فهذا من التقدم بين يدي الله عز وجل.
قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) [الحجرات:1].
فكأنَّ الله عز وجل لا يعلم الغيب ولا يدري أنَّ هذا الشخص سيستمر على الاستقامة أم لا، فحاله كحالنا، فلابد من القيد!
إنَّ هذه العقلية عقلية قد سجنت في سرداب مظلم، لن تدرك حقائق الوجود إلَّا إذا خرجت منه إلى فسيح الأرض لترى الوجود على حقيقته، ومهما قُوِّمت أو جُلِّيت الحقائق، فإنَّها لا تراها لبعدها عن نور الحقيقة، والتي اكتشفها صادقون من أتباع هذا المذهب، صدقوا الله فصدقهم، أمثال البرقعي وإخوانه، كما بينّا في هذا المبحث.
الله عز وجل يخاطب قوماً بأعيانهم ويعدهم بالجنَّة، والشيعة الإمامية نصبوا أنفسهم مستدركين على الله عز وجل، يقيدون كل إطلاق، ويصححون كل خطاب!
فعندما يخاطب الله عز وجل فئة بعينها فلابد أن يتحقق الموعود؛ لأنَّه صادر من العليم الخبير.
أمَّا إذا وعد الله عز وجل وعداً مطلقاً، فلا شك أنَّه مقيد بتحقق ذلك الوعد.
فمثلاً: قوله تعالى: ((فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)) [البقرة:38].
قلنا: إنَّ هذا الوعد مشروط بالاستمرار على هذه الصفة.
وقوله تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) [البقرة:82].
قلنا إنَّ هذا وعد مشروط بهذه الصفة..وهكذا.
أمَّا إذا قال لقوم: أنتم وعدتكم الجنَّة؛ فلا يليق بالمسلم أن يقول: لابد من قيد الإحسان؛ فإنَّ هذا جرأة على الله عز وجل.
وعلى هذا فقولكم: (غير أنَّ وعده سبحانه بالحسنى مشروط بحسن خواتيم العمل) غير لائق بكم؛ لأنه استدراك على الله عز وجل؛ لأنَّه يخاطب أشخاصاً بأعيانهم، لا يخاطب أشخاصاً بأوصافهم غير معروفين.
ثانياً: قولكم: (وقد دل الذكر الحكيم أنَّ رجالاً مؤمنين انقلبوا على أعقابهم..ثمَّ ذكرتم الآية).
إنَّ هذا القول من أفسد الأقوال، وأبعدها عن معنى الآية التي نحن بصددها، وذلك من عدة أوجه:
1-                   أنَّ الآية التي في الصحابة رضي الله عنهم قد وعدتهم بأعيانهم، فإنَّ الصفة التي ذكرها عز وجل تتمثل في أشخاص بأعيانهم وعدوا بجنَّات النعيم.
2-                   أنَّ الذي انقلب على عقبيه لم يسبق له من الله عز وجل وعد بالجنَّة بشخصه، وإلاَّ فلو وعده الله عز وجل بشخصه لتحقق وعد الله سبحانه.
3-                   لو اتبعنا قاعدتكم هذه في بقية الآيات، فأخرجناها عن معناها، واعتقدنا أن لا وعد ولا ثناء على أحد من الصحابة، وأنَّهم جميعاً معرضون للردة؛ رغم دلالة الآيات على نجاتهم وإيمانهم، ومطابقة الأحاديث لمعنى الآيات بالثناء على أهل بدر وأهل بيعة الرضوان -لو فعلنا ذلك لشككنا في جميع الصحابة، ولأمكن للكفار والمنافقين أن يشككوا في إيمان جميع الصحابة.
وهذا من الأسباب التي جعلت مذهب التشيع بوابة مفتوحة لكل طاعن وزنديق، وإن كنَّا لا نصف الشيعة بذلك، لكن المذهب قابل لذلك.
ثالثاً: استدلالكم بما في البخاري من قوله: (العمل بالخواتيم) هو فيمن لم يشهد له القرآن والسنَّة، وأمَّا من شهد له القرآن والسنَّة أو أحدهما، فليس داخلاً في ذلك الباب قطعاً.
ولو تأملتم المسألة بعيداً عن تأثير المذهب لربَّما انكشفت لكم الحقيقة.
تضرعوا إلى الله وادعوه أن يهدينا وإيَّاكم لما اختُلف فيه من الحق، فإن من صدق الله عز وجل صدقه.
103) الآية الخامسة: (قال سبحانه: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:8-10].
فهذه الآيات الثلاث نظير ما تقدم من الآيات: لا تثني على عامة الصحابة، بل على فريق منهم: أمَّا المهاجرون فتثني على فقرائهم، بشرط التمتع بالصفات التالية:
‌أ)                         الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم.
‌ب)  يبتغون فضلاً من الله ورضواناً.
‌ج)    وينصرون الله ورسوله.
فمن تمتع بهذه الصفات الثلاث من المهاجرين فقد أثنى القرآن عليه، وبما أنَّ من أبرز صفاتهم: كونهم مشردين من ديارهم وأموالهم، فيكون المقصود هم الذين هاجروا قبل وقعة (بدر).
وأمَّا الأنصار فإنَّما تثني على من تمتع بالصفات التالية:
‌أ)           والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، أي: آمنوا بالله ورسوله، فخرج بذلك من اتهم بالنفاق وكان في الواقع منافقاً.
‌ب)  يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة ممَّا أوتوا.
‌ج)    ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
وبما أنَّ من أبرز صفاتهم هو إيواء المهاجرين، وإيثارهم على الأنفس، فيكون المراد منه: آمنوا بالنبي وآووه وآووا المهاجرين، فينطبق على من آوى وآمن من قبل غزوة بدر؛ لانتفاء الإيواء بعدها).
قلت: هنا وقفات:
أولاً: هل وجد من المهاجرين من تمتع بهذه الصفات أم لا؟
وإذا قلنا: وجد. فمن هم؟ وهل أبو بكر وعمر وعثمان وبقية عظماء الصحابة، كسعد بن أبي وقَّاص والزبير وطلحة منهم أم لا؟
ثانياً: إذا كانوا منهم فقد تحقق فيهم قوله تعالى: (أولئك هم الصادقون)، وهو وصف ثناء ومدح ثابت لهم إلى أن يلقوا الله عز وجل؛ لأنَّ الله سبحانه لا يثني على من يعلم أنَّه يُغَير؛ إلَّا إذا اعتقدتم أنَّه لا يعلم الغيب فرأيتم أنَّه لابد من قيد: «بشرط أن لا يغيروا» فاستدركتم على الله عز وجل!! أستغفر الله...
ثالثاً: قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)) [التوبة:119]، وهذا أمر من الله عز وجل للصحابة عموماً ممن لم يكن منهم أن يكون معهم.
فإنَّه سبحانه قد أخبرهم أنَّ هؤلاء المهاجرين الأولين (صادقون) فعرفوهم، ثمَّ أمرهم أن يكونوا معهم؛ ممَّا يؤكد أنَّهم سيعيشون على الحق والصدق.
وقد كان: (عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه) منهم، عاش معهم ولم يخرج عنهم.
رابعاً: الأنصار الذين آووا: هل تحقق فيهم حكم الله عز وجل ووعده بأنَّهم: (مفلحون)؟ وهل وجد من توافر فيهم هذه الصفات منهم أم لا؟
فإن قلتم: نعم؛ فمن هم؟ وهل يحتاج الحكم إلى قيد أم لا؟
خامساً: هل يمكن معرفة الأنصار وتمييزهم عن المنافقين أم لا يمكن؟ أم يمكن تمييز بعضهم؟وإذا قلت: يمكن تمييز بعضهم، فمن هم الذين تستطيع ذكرهم منهم؟
سادساً: بعد أن توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم هل بقي هؤلاء (صادقين مفلحين) أم تغيروا بسبب (الوصية)؟!
سابعاً: إذا سددت على نفسك باب الثقة فيهم، هل تستطيع أن تعرف الدين؟! القرآن الذي كتبوه والسنَّة التي نقلوها؟!
تخيل أنه ليس هناك سنن مروية في فضائل علي رضي الله عنه، بل في إثبات إيمانه؛ فكيف تثبت فضائله وإيمانه رضي الله عنه من غير طريق الصحابة؟!!
ثامناً: إذا فقدنا الثقة فيهم، فهل الدين الذي نشروه، وفتحوا به البلاد، وهدوا به العباد؛ هل هو دين حق أم دين باطل؟! وهل هذه البلدان التي فتحوها وأسلم أهلها على أيديهم بلدان إسلامية أم لا؟!!
104) قلتم: (فالاستدلال بهذه الآية على أنَّ القرآن أثنى على الصحابة جميعهم من أولهم إلى آخرهم -الذين ربَّما جاوز عددهم المائة ألف- غفلة عن مفاد الآيات، فأين الدعاء والثناء على لفيف من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم المتمتعين بخصوصيات معينة، من الثناء على الطلقاء والأعراب، وأبناء الطلقاء والمتهمين بالنفاق؟!)
قلت: هنا وقفات:
 أولاً: سورة التوبة ذكرت قسمين: سابقين أولين من المهاجرين والأنصار، وتابعين لهم بإحسان.
وسورة الحشر ذكرت ثلاثة أقسام: مهاجرين، وأنصاراً، وأتباعاً.
وفي سورة الأنفال ذكرت ثلاثة أقسام: مهاجرين، وأنصاراً، ومهاجرين آخرين.
فآيات التوبة والحشر دلالاتها متقاربة.
وآيات الأنفال قررت أنَّ المهاجرين قسمان، فدل على أنَّ الهجرة قد كانت مرتين.
فإذا كان تعداد الأمَّة قد بلغ أكثر من مليار مسلم ويمثل الشيعة جزءاً يسيراً منهم.. هذا الجزء اليسير اختار تكفير جميع الصحابة أو تضليلهم ما عدا أربعة أشخاص؛ لأنَّ هؤلاء جميعاً لم ينفذوا الوصية الموهومة، فاستحقوا عند هذا الجزء اليسير الحكم عليهم بالضلال.
والأمَّة بكاملها اختارت تعظيم جميع الصحابة، واعتقاد إيمانهم واستقامتهم ما لم يظهر منهم بالدليل القاطع ما يخالف ذلك، وإن كانوا يرون أنَّ الصحابة ليسوا كلهم على درجة واحدة، بل درجات متفاوتة. فمن هو الصادق منهم يا ترى؟!
ثانياً: المفسرون يؤكدون أنَّ آيات سورة الحشر شملت الأمَّة بكاملها؛ إذ لا يخلو المسلم من أن يكون: مهاجراً، أو أنصارياً، أو تابعاً لهم بإحسان، وأهل السنَّة يعتقدون أنَّ الآيات تدل على هذه الأقسام الثلاثة، وهذا لسلامة قلوبهم للأمَّة أولها وآخرها.
نعم. قد يحصر بعض العلماء التابعين بإحسان في فترة زمنية، لكن يبقى رأي الأكثرية وفهمها هو الراجح.
ثالثاً: خلاف أهل السنَّة مع الشيعة ليس في الطلقاء والأعراب والمتهمين بالنفاق، وإنَّما في جميع الأصناف الثلاثة، فأين في كتب الشيعة تزكية لأحد هذه الأصناف بأعيانهم، فيسمَّى أبو بكر بعينه، وعمر بعينه، وعثمان بعينه، وإخوانهم الآخرون؟!
إنَّ هذا (الخلاف) الذي أشرت إليه، وإن كان يمثل جزءاً من الخلاف؛ لكن هذا خلاف يسير بالنسبة للخلاف العظيم الذي جعل أهل التشيع فرقة تضاد الأمة بكاملها.
رابعاً: الطلقاء وأبناء الطلقاء والأعراب، إذا حسن إيمانهم واستقامت أخلاقهم؛ فلا يمنع القول بعدالتهم. وتأخر إسلامهم لا يحرمهم الفضل إذا أخلصوا النية وأحسنوا العمل.
خامساً: المتهمون بالنفاق ليسوا من الصحابة، ولا يطلق أهل السنَّة عليهم هذا الوصف، ولا يخفى المنافق من المؤمن إلَّا عند جاهل أو سيئ النية، فأين في دواوين الأمَّة المسلمة وصف منافق واحد بأنَّه مؤمن؟!
إنَّ هذه الدعوى -أنَّ الآيات تعدِّل متهمين بالنفاق- من أقبح الدعاوى.
*تقسيم طوائف المؤمنين إلى: مهاجرين وأنصار ومتبعين بإحسان:
105) قلتم: (فلنرجع إلى كلامكم.. ثمَّ أوردتم قولي وهو: أرأيت هذا التقسيم العجيب لطوائف المؤمنين: مهاجرون.. أنصار.. متبعون، يحبونهم ويدعون لهم، ولا يكرهونهم.
أين مكان الإمامية هنا؟ وأين مكان أهل السنَّة هنا؟).
ثمَّ قلتم: (قولكم: «مهاجرون» والصحيح: «المهاجرون الأولون السابقون»؛ لأنَّه سبحانه يصفهم بقوله: ((الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ)) [الحج:40] فأين مطلق المهاجرين من هذه الآية؟
قولكم: «أنصار» والصحيح: «السابقون الأولون من الأنصار»؛ لأنَّه سبحانه يصفهم بقوله: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) [الحشر:9]، وليس كل أنصاري آوى المهاجرين، بل انقطع الإيواء بعد إجلاء بني النضير كما مرَّ، فمن آمن من الأنصار من بعده فهو خارج من مدلول الآية.
قولكم: «متبعون يحبونهم ويدعون لهم ولا يكرهونهم»، والصحيح: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا...)) [الحشر:10].
هنا وقفات:
أولاً: عندما أشرتُ إلى تقسيم الآيات للأمَّة إلى ثلاثة أقسام: مهاجرين وأنصار وأتباع، صححتم هذا التقسيم بتقييد الأوصاف فقلتم: (المهاجرون السابقون الأولون) و: (السابقون الأولون من الأنصار).
قلت: لا بأس بتصحيحكم، فهل يمكن أن تذكر لنا هؤلاء المهاجرين السابقين، والأنصار السابقين من هم؟!
في الحقيقة لا يمكن لشيعي أبداً أن يعرف الفضل لهؤلاء السابقين إلَّا على سبيل التقية؛ لأنَّ عقيدة الشيعة الإمامية لا تفسح مجالاً في قلوب أهلها لمعرفة فضل عظماء الأمَّة، فلو اعترفوا بفضلهم لاختلّت عقيدتهم.
إنَّ: عقيدة الشيعة -أعني الإمامية ومن نحا نحوهم- تضاد عقيدة السنَّة، ويستحيل أن يجتمعا.
فالخلاف أساسي وليس فرعياً.. كما يحاول بعض الشيعة أو بعض الكُتَّاب الذين لا يعرفون الحقيقة أن يدَّعوه.
ثانياً: أوردتم قولي: (متبعون يحبونهم ويدعون لهم ولا يكرهونهم) ثمَّ قلتم: والصحيح: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا...).
قلت: عجيب هذا التصحيح! وهل يمكن أن يعتقد أخوتهم له، ثمَّ يدعو لهم بالمغفرة وهو يكرههم؟! أليس هذا دليلاً على أنَّ قلوب الشيعة قد حرمت من حب عظماء الأمَّة الذين نصروا الدين ونقلوه، وفتحوا الأرض؛ لأنَّ (عقيدة الوصية) تلاحقهم عند كل موقف؟!
ألا نحب من نصر الدين! وآزر سيد المرسين! وهجر الأهل والأصدقاء في سبيل الدين! وكان السبب في إسلامنا وإسلام آبائنا، وحفظ الدين ونقله إلينا؟!
إذا لم نحب هؤلاء؛ فمن يا ترى يستحق أن يُحب من أفراد الأمَّة؟!
أورد القرطبي عن ابن أبي يعلى أثراً قال في آخره: (كن مهاجرياً. فإن قلت: لا أجد، فكن أنصارياً، فإن لم تجد، فاعمل كأعمالهم، فإن لم تستطع فأحبهم واستغفر لهم كما أمرك الله)([223]).
وقال السمرقندي: (وفي الآية دليل: أنَّ من ترحم على الصحابة واستغفر لهم، ولم يكن في قلبه غل لهم؛ فله حظ في المسلمين، وله أجر مثل أجر الصحابة. ومن شتم أو لم يترحم عليهم، أو كان في قلبه غل لهم؛ ليس له حظ في المسلمين)([224]).
106) قلتم كلمة قارصة، ثمَّ عقّبتم على كلامي، ثمَّ إنَّكم ذكرتم في ذيل كلامكم هاتين الجملتين:
أين مكان الإمامية هنا؟
وأين مكان أهل السنَّة هنا؟
(قد تعرفتم أنَّ الطائفتين غير داخلتين في هذه الآية، فالسؤال ساقط بعد الموضوع؛ فإنَّ المقابلة بين الطائفتين يعرب عن أنهما طائفتان متضادتان، لا تشاركان في أصل أو أصول، وأنَّهما كمعسكري الشرق والغرب: لكلّ «أيدلوجيّة» خاصة، وليست الشيعة إلَّا نفس المسلمين الأول الذين بقوا على وصيّة الرسول في حق أهل بيته، وليست السنَّة إلَّا نفس المسلمين الأول، ولكنَّهم خالفوا وصيّة الرسول، ولم ينفذوا وصيته في حق عليّ وأهل بيته، ولو أغمضنا عن ذلك فالطائفتان صنوان على أصل واحد).
قلت: هنا وقفات:
أولاً: دعوى أنَّ الطائفتين غير داخلتين في الآية مردودة.
قال القرطبي: (قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) [الحشر:10] يعني من التابعين ومن دخل في الإسلام إلى يوم القيامة)([225]).
وقال ابن كثير: (فالتابعون لهم بإحسان هم المتبعون لآثارهم الحسنة، وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية...) إلى أن قال: (وما أحسن ما استنبط الإمام مالك رحمه الله من هذه الآية الكريمة: أنَّ الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في الفيء نصيب)([226]).
وقال الرازي: (واعلم أنَّ هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين..)([227]).
وقال الثعالبي: (قال جمهور العلماء: أراد من يجيء من التابعين وغيرهم إلى يوم القيامة)([228]).
وقال البغوي: (يعني التابعين، وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة...) إلى أن قال: (فكل من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة، ولم يترحم على جميعهم؛ فإنَّه ليس ممن عناه الله بهذه الآية)([229]).
وقد ذكر بعض المفسرين أنَّ المراد بالذين جاءوا من بعدهم في عصر النبوة، ولكن الجمهور على خلاف ذلك، وهو الذي يظهر لنا صحته.
ثانياً: قولكم: (فإنَّ المقابلة بين الطائفتين يعرب عن أنَّهما طائفتان متضادتان..).
قلت: نعم. يستحيل أن تلتقيا مع تصديق (خرافة الوصية) التي تستأصل الدين من أساسه، ولقد أحكم الذين وضعوا هذه الوصية (هذه الخرافة) بما بثوه من الأحاديث التي ندين الله عز وجل أنَّها لا تصح بالدليل:
فأمَّا من كتبنا: فجميع أسانيدها لا تصح.
وأمَّا من كتبكم: فجميع رواة العقيدة والتاريخ التي أقمتم مذهبكم عليها مجاهيل، كما اعترف السيد محمد الصدر بذلك، وقرره آية الله البرقعي وغيرهما.
وأمَّا من تاريخ الصحابة: فإنَّا نرى أنَّ الخلفاء الأربعة عاشوا إخوة متحابين.
وأمَّا من معرفتنا بِعليّ رضي الله عنه: فليس جباناً، ولا خائناً لربه عز وجل، ولا لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم؛ بحيث يجبن عن إعلان الحق، وقد جاءت مواقف تتطلب أن يعلن لوكان هناك وصية، فلم يعلن؛ ممَّا يدل على أنَّه لا علم له بهذه الوصية.
فعلى من أحدثها وفرق الأمَّة بها من الله ما يستحق!
ثالثاً: قولكم: (وليست الشيعة إلَّا نفس المسلمين الأول، الذين بقوا على وصية الرسول في حق أهل بيته..) قول غير سليم.
فلو كانت هناك وصية بمعنى (الإمامة)، فلماذا -يا ترى- يجمع قرابة عشرة آلاف صحابي على كتمها أو الامتناع عن تنفيذها، وقد أعلنوا إسلامهم، وتركوا أديانهم إلى دين الإسلام؟!
ما هو المكسب الديني أو الدنيوي الذي حصلوا عليه مقابل ترك الوصية؟!
أبو بكر عاش فقيراً زاهداً مجاهداً لنصرة الدين، واجتمع الصحابة حوله يطيعونه وينفذون أمره؛ وهو ليس رسولاً، ولا صاحب مال، ولا صاحب عشيرة أكثر من عليّ. فلماذا هو يترك تنفيذ الوصية ويبقى على نصرة الدين؟!
ثمَّ لماذا يسكت عشرة آلاف صحابي عن الوصية؟! أكلهم أشرار؟! أكلهم جبناء؟! أليس فيهم رجل رشيد؟! أكلهم يكرهون علياً رضي الله عنه؟!!
ثمَّ يوصي أبو بكر إلى عمر وهو ليس رسولاً، ثمَّ يطيع الناس أبا بكر وقد عصوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من قبل -حسب زعمكم- ولا يستنكر مستنكر فيقول: كفاك يا أبا بكر اغتصاباً للإمامة، فلا تغتصبها لغيرك؟!
ثمَّ عمر يوصي إلى ستة ولا يستنكر مستنكر، وعمر قد طعن ولم يعد يستطيع معاقبة أحد، فَلمْ يعلن أحد هذه الوصية.
وعليّ يقبل أن يدخل ضمن مرشحين للخلافة ولم يعترض؟!
أهذه أمَّة مسلمة تؤتمن على دين الله عز وجل، وهي تتوارث الباطل بالإجماع؟ معاذ الله!
أليست هذه فاطمة رضي الله عنها طالبت بنصيب من الدنيا وأعلنت موقفها؟ أيُظن بها أن تكون الدنيا عندها أعظم من دينها، فتغضب لها ولا تغضب على اغتصاب الإمامة -لو كان هناك إمامة-؟!
ثمَّ هذا عليّ بقي مع الصحابة مؤتماً بهم، ومستشاراً لهم، مُزوِّجاً منهم، ومتزوجاً من سبيهم، مسمياً أولاده بأسمائهم. أيُظن به أن يفعل كل ذلك وهو يرى باطلاً قائماً متوارثاً؟!
سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم!!
رابعاً: قولكم: (وليست السنَّة إلَّا نفس المسلمين الأول، ولكنَّهم خالفوا وصية الرسول ولم ينفذوا وصيته في حق عليّ وأهل بيته).
قلت: إن كان مرادكم من الوصية هي (الإمامة) فهي وصية مكذوبة عندنا، ولا وجود لها في حقيقة الأمر.
وإن كان مرادكم أنَّهم يكرهون آل البيت، ولا يعرفون لهم فضلهم؛ فهذه دعوى باطلة. فأهل السنَّة يعظمون أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنَّهم آمنوا به وصحبوه، وقد أثبتوا لهم درجة عالية بسبب صحبتهم له صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف لا يقدرون أهل بيته؟! فأين وجدت أحداً من أهل السنَّة يسيء إليهم؟!
إنَّ أهل السنَّة يتقربون إلى الله عز وجل بحبه وحب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وحب الصالحين من آل بيته، ويدعون لآل البيت كلهم في كل صلاة، وكل صلاة لا يدعى فيها لآل البيت ففي صحتها خلاف.
ولو وجد فرد أو أفراد يسيئون إليهم، فهذه معصية يحمل وزرها من يرتكبها، ولا تمثل الآلاف ومئات الآلاف من أهل السنَّة التي تمتلئ بذكر فضائل آل البيت، والدعاء لهم، والترضي عنهم كل كتبهم (عقيدة) لا تقية.
أمَّا الأحداث التي وقعت في صدر الإسلام: فهي فتن لم يتعمدها من شارك فيها من الصحابة، ولو لم يكن الشيعة قد تحزَّبوا على عقيدة: (الإمامة) لما كان موقفهم من تلك الأحداث إلَّا نفس موقف أهل السنَّة.
وهناك حالات فردية لم يرضَ عنها جمهور الصحابة ولا أهل السنَّة.
107) قلتم: (إلى هنا تبين مفاد الآيات، وأنَّ الإمامية لا تخالفها قيد شعرة: لا تبغض الصحابي والصحابية؛ ولكن لا تعتقد بعدالة الكل، وتقول: إنَّ وزانهم كوزان التابعين).
قلت: إنَّ هذه دعوى لا يمكن قبولها، ما دامت الشيعة تعتقد بخيانة الصحابة رضي الله عنهم، وأنَّهم خالفوا وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذي كانوا يفدونه بأرواحهم، وينصرونه بسيوفهم وأموالهم، لا يعصونه في أمر، ولا يقدمون عليه أهلاً ولا مالاً. ثمَّ إذا بهم ينقلبون على أمره -حسب زعمكم- ويتنكرون لفضله، وقد أنقذهم الله عز وجل به من الكفر وأخرجهم به من الضلال؟!
إنَّ هذا خيال غريب، وتصور عجيب؛ لا يقبله ذو حس سليم، وقلب مستقيم، ولا يمكن أن يجتمع في قلب مع اعتقاد عدالتهم!!
ولو اعتقدتم عدالتهم لقبلتم رواياتهم.
ولو قبلتم رواياتهم لانتقضت عقائدكم.
* كلام الشيعي على الأحاديث الواردة في فضائل الصحابة والرد عليه:
108) الاستدلال بالسنة.
قلتم: (عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تسبوا أصحابي، فلو أنَّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً، ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه) [صحيح البخاري (ح:3673)، ومسلم (ح:2541)].
أقول: إنَّ الحديث أوضح دليل على أنَّ بعض الصحابة يسبّ بعضهم، ولأجل ذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خالداً لسبِّه عبد الرحمن بن عوف، وكلاهما من الصحابة، وهذا أظهر دليل على عدم عدالة الكل وبوصف الكلية.
وهذا هو سعد بن عبادة سيد الخزرج يخاطب سعد بن معاذ بقوله: كذبت لعمر الله! وهذا هو أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ، يخاطب سعد بن عبادة بقوله: لعمر الله لنقتلنَّه فإنَّك منافق. [صحيح البخاري -تفسير سورة النور].
غير أنَّ المهم هو التفريق بين سبّ الصحابة ونقد حياتهم، فأسلوب السب والشتم غير أسلوب النقد، فالأول: وليد العصبية، ونتاج الغيظ والحقد والهوى. وأمَّا الثاني: فهو قائم على أسس صحيحة وموازين سليمة، وهو قبلة الطالبين للحقيقة).
قلت: هنا وقفات:
أولاً: الصحابة رضي الله عنهم لم يتجردوا من بشريتهم، ولم يصبحوا بدخولهم الإسلام ملائكة، فإنَّ البشرية لا تنفك عن الأنبياء، فما بالك بغيرهم.
فهذا موسى عليه السلام قال عنه عز وجل: ((وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ)) [يوسف:21-22].
والصحابة رضي الله عنهم قد يقع منهم الخطأ، ثمَّ يصحّح لهم من الله عز وجل، أو من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وأمَّا دعوى أنَّ ذلك دليل عدم عدالة الكل؛ فغير مسلم. فكما أنَّ موسى عليه السلام لم ينقص من مكانته ما أخطأ به واعترف أنَّه من عمل الشيطان؛ فكذلك الصحابي، فإنَّه لم يقل أحد إنَّ الصحابي لا يقع منه الخطأ، إذ ذلك يسمَّى: (عصمة)، وأهل السنَّة لا يدَّعون العصمة فيهم رضي الله عنهم.
وهكذا كل عمل نُقل عن بعضهم، وهو قليل في جانب حسناتهم وفضلهم.
ثانياً: قولكم: (أنَّ المهم هو التفريق بين سب الصحابة ونقد حياتهم..) كلام نظري لا رصيد له من الواقع.
فإنَّ دعوى: (خيانة الوصية) والامتناع عن تنفيذها، وتآمر جميع الصحابة -ما عدا أربعة أشخاص- على إخفائها، أعظم من كل سب.
فإنَّك لو سببت شخصاً ما لكان فعلاً شخصياً لا يترتب عليه كبير ضرر.
أمَّا إذا اتهمت إنساناً بخيانة دين وعصيان رسول فإنَّ ذلك أشد أنواع السباب.
وهذه العبارات التي أوردتموها لا تغير الحقيقة.
فإنَّ موقف الشيعة من الصحابة يترتب عليه نقض الدين بكامله.
لأنَّه: «وليد العصبية، ونتاج الغيظ والحقد والهوى» كما ذكرتموه عن أسباب السب والشتم.
109) قلتم: (عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (خير الناس قرني، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم...). [صحيح البخاري (ح:2653)، ومسلم (ح:2533)]
إنَّ هذا الحديث مهما صح سنده، وإن رواه الإمام البخاري؛ يخالف الواقع الملموس من تاريخ الصحابة والتابعين، ونحن نعرض النظر عن تاريخ الصحابة، ونعطف النظر إلى قوله: (ثمَّ الذين يلونهم)، فالمراد منهم التابعون، وفيهم الأمويون، فهل يمكن أن نعد عصر الأمويين خير القرون؟! وقد لونوا وجه الأرض بدماء الأبرياء، وقتلوا سبط النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كربلاء عطشاناً، وذبحوا أولاده وأصحابه، وهتكوا حرمة الكعبة؟!).
قلت: هنا وقفات:
أولاً: الحديث رواه ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهم: عبد الله بن مسعود([230])، والنعمان ابن بشير([231])، وعمران بن حصين([232])، وعمرو بن شراحيل([233])، وجعدة بن هبيرة([234])، وعائشة([235]).
فالحديث لم يتفرد بروايته صحابي واحد ولا محدث واحد.
ولو لم يروه إلَّا صحابي واحد أو محدث واحد، وصح السند؛ لكان كافياً في قبوله، فكيف وقد رواه جماعة من الصحابة، وخرجه أصحاب الصحاح؟!
ثانياً: هذا الموقف واضح الدلالة على أنَّ المنهج الذي يحتكم إليه المخالفون لأهل الحق؛ إنَّما هو الهوى لا المنهج العلمي الذي يقوم على أسس علمية، وإنَّما هو أوهام عارضت حقائق، فلتلغَ الحقائق متابعة للأوهام. فبينما نراهم يستدلون بأحاديث ضعيفة لإثبات عقائد باطلة، يردون أحاديث صحيحة لسوء فهمها، أو لمخالفتها لمعتقداتهم.
ثالثاً: إنَّ المتأمل لمعنى الحديث بعيداً عن الموروثات العقدية؛ يتضح له صدقه، بل لو لم يرد الحديث لكان حال الأمَّة كما ورد فيه.
فالقرون الثلاثة - بصرف النظر عن مدة القرن - هي أساس هذا الخير الذي نعيش فيه.
فقد ظهر الإسلام غريباً مُحَارَباً، فاتبعه طائفة من الناس، ضحوا بأنفسهم وأموالهم وأرضهم فداءً لهذا الدين.
ثمَّ جاهدوا في سبيله، ونصروا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وحملوا شريعته، ونشروا دينه، وانطلقوا مجاهدين ففتحوا الأرض.
هذا هو الجيل الأول: جيل الصحابة، والذي استمر إلى نهاية القرن الأول.
فظهر العلماء والعباد، والقادة، والشهداء، والصالحون، وجيوش الحق تفتح البلدان، وتبلغ الدين، وتعلم الشرع؛ فكانت المساجد عامرة بالمؤمنين، والحلقات العلمية التي يتدارس أهل العلم فيها العلوم الشرعية منتشرة. وهذا حال الشعب المسلم.
نعم. ظهرت فتن في الجانب السياسي، عكرت صفو هذا الخير وأنقصت منه؛ لكنَّها لم تقضِ عليه، فكل خير في الأمَّة بعد ذلك فإنَّما وصلنا عن هذه القرون، فلهم مثل أجور من عمل بالخير الذي حفظوه ورووه، ولهم مثل أجور من أدخلوه الإسلام.
هذه القرون الثلاثة هي أساس الأمَّة.
فكان القرن الأول أنفعها وأبركها، ثمَّ تناقص الخير بعد ذلك.
الأمويون جزء من الأمَّة لا كل الأمَّة، والأمَّة أكبر وأوسع من المفهوم الذي ذكرتموه.
وأمَّا الأحداث التي وقعت: فلا شك أنَّها شر، لكن لا ينكر الخير العظيم الذي في الأمَّة بسبب بعض الشر.
قال السندي: (قلت: لابد من تخصيص الكلام بالمؤمنين، والمراد أنَّ مؤمني زمانه صلى الله عليه وآله وسلم خير من الذين بعدهم، ثمَّ خيرية قرن الصحابة لا تقتضي خيرية كل واحد من الآحاد، بل يكفي خيرية الغالب، وإلاَّ لكان كل من كان في وقت التابعين خيراً ممن بعده، مع أنَّ في وقتهم الحجَّاج الظالم، ولعلَّه لا يوجد له نظير في بابه)([236]).
إذن: ليس المراد أنَّ كل واحد من أهل كل قرن خير من كل واحد بعده، وإنَّما المراد عموم أهل القرن. ولا يعني انتفاء الشر كذلك.
رابعاً: منهج الشيعة منهج غريب:
فالأخطاء التي وقعت في عهد الصحابة، والتي لا تساوي ذرة في بحر حسناتهم، جرحتهم وألغت عدالتهم إلَّا عدداً يسيراً.
والأخطاء التي وقعت من بعض أمَّهات المؤمنين، جرحتهن وأنقصت من فضلهن.
والأخطاء التي وقعت من طائفة من الأمَّة، أفسدت كل خير في الأمَّة.
فمنظارهم لا يكتشف إلَّا المعايب؛ فسبحان من نوَّع الخلق وفاضل بين عقولهم!
أرأيت النحل: فإنَّه لا يقع إلَّا على الزهر، مع أنَّ هناك أماكن نتنة؛ لكنَّه نظيف شريف؛ فليتنا نكون (نحلاً).
خامساً: قد وقعت فتن قبل قتل سبط النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقُتِل من أصحاب الفضل قبل الحسين الكثير، ولم يحكم بأنَّه شر القرون.
فقد قُتِل في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمه (حمزة)، ولم يكن عصره شر العصور.
وقد قُتِل (عمر) ولم يكن عصره شر العصور.
وقد قُتِل (عثمان) ولم يكن عصره شر العصور.
وقد قُتِل: (عليّ) ولم يكن عصره شر العصور.
إنَّ قتل هؤلاء عظيم، وحادث جلل، لكن مساحة الخير في الأمَّة باق لا يلغى لجرم أشخاص.
فالخير في الأمَّة كله يرجع إلى هذه العصور، فكيف يتناسى الخير ويُضخم الشر؟!
وبهذا يتبين أنَّ فهمكم غير سليم، وحكمكم غير مستقيم.
110) قلتم: (وهذا هو الحجَّاج صنيعة أيديهم: اقترف من الجرائم البشعة ما يندى لها جبين الإنسانية، ولا أطيل الكلام في ذلك، والتاريخ خير شاهد على كذب هذه الرواية ووضعها من قبل سماسرة الحديث، لتطهير الجهاز الحاكم الأموي ممَّا ارتكبه.
ويكفي في ذلك ما علَّقه أبو المعالي الجويني على هذا الحديث قائلاً:
وممَّا يدل على بطلانه: أنَّ القرن الذي جاء من بعده بخمسين سنة شر قرون الدنيا؛ هو أحد القرون التي ذكرها في النص، وكان ذلك القرن هو القرن الذي قُتِل فيه الحسين، وأوقع بالمدينة، وحوصرت مكة، ونقضت الكعبة، وشرب خلفاؤه والقائمون مقامه المنصَّبون في منصب النبوة الخمور، وارتكبوا الفجور، كما جرى ليزيد بن معاوية، ويزيد بن عاتكة، ووليد ابن يزيد، وأُريقت الدماء الحرام، وقُتِل المسلمون، وسُبي الحريم، واستُعبِد أبناء المهاجرين والأنصار، ونُقشت على أيديهم كما ينقش أيدي الروم، وذلك في خلافة عبد الملك وإمرة الحجَّاج).
قلت: هنا وقفات:
أولاً: زعمتم أنَّ التاريخ خير شاهد على كذب الرواية، ولعلَّ الصحيح هو العكس كما مر.
ثانياً: اتهامكم لعلماء الأمَّة وثقاتها بأنَّهم يصنعون الأحاديث لتطهير الجهاز الحاكم، دعوى مردودة، عارية عن الدليل، والمنهج العلمي يردها، ولا يليق بمسلم أن يسلك هذا المسلك الخطير، بإطلاق الاتهامات بدون دليل.
ولو فتح هذا الباب لرد كل شخص ما لا يتفق مع عقله أو معتقده بمثل هذه الدعوى، فلا يعجز أي شخص عن إطلاق مثلها على المخالف إذا نقص دينه أوعدم، ونحن نلتزم ونلزم في كل مسألة خلافية أن نخضعها للمنهج العلمي في كل باب بحسبه.
 فباب الرواية نخضعها لدراسة رواتها قبل إطلاق الأحكام.
ورواة هذا الحديث ثقات أعلام، والطرق متعددة، فأنَّى يصح هذا الحكم الذي أطلقتموه في حديث توارد على روايته أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل، من خلال رواة كلهم ثقات حفاظ؛ لمجرد نظرة غير دقيقة!
فقد ورد هذا الحديث عن قرابة عشرة من الصحابة، خرج البخاري ومسلم حديث اثنين منهم، والأخرى وردت في المسانيد والسنن، نكتفي بالإشارة إلى رواة الصحيحين:
الأولى: عن عبد الله بن مسعود: مدارها على إبراهيم بن يزيد النخعي، والذي أثنى عليه العلماء، قال العجلي: (كان رجلاً صالحاً، فقيهاً متوقياً، قليل التكلف، ومات وهو مختف من الحجاج)([237])، فالذي يعادي الحجاج وهو أحد ولاة بني أمية سيكذب لهم؟!
وشيخه الذي رواه عنه هو (عَبيدة السلماني) وهو من الرواة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حتى قال ابن المديني والفلاس: (أصح الأسانيد: محمد بن سيرين عن عَبيدة عن علي)([238]).
هذا الحديث رواه عن إبراهيم بن يزيد النخعي أربعة من الثقات من رجال الصحيحين: شيبان، والأعمش، ومنصور، وابن عون([239])؛ أهؤلاء يكذبون؟!
الثانية: عن عمران بن حصين: رواها عنه شخصان: زَهدَمُ بن مضرِّب، وهلال بن يساف، ثم رواه عنهما: أبو جمرة والأعمش، ثمَّ رواه عنهما شعبة بن الحجاج([240])..أهؤلاء يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم أعلام المحدثين؟! سبحانك هذا بهتان عظيم!!
ثالثاً: إذا خَفي على الجويني فهْم مراد الحديث، ولم يتَّسع نظره لفهْم الحقيقة؛ فقد فهمها أعلام الأمَّة من محدثين وشراح بالعشرات، إن لم يكونوا بالمئات، ومخالفة شخص لجمهور العلماء يعتبر شذوذاً لا يغير الحقيقة.
وإلاَّ فلو رجِّح كل رأي شاذ لما بقي للأمَّة شيء من دينها.
والشيعة يتركون أقوال جهابذة علماء الأمَّة إلى الأقوال الشاذة، بصرف النظر عن صحة المنهج الذي اتبعه ذلك المخالف أو ضعفه. وهذا منهج ضعيف.
رابعاً: وأمَّا ما ورد في كلام الجويني من مزاعم، فكلها أخبار تاريخية لا تثبت عند التمحيص، ولو ثبت بعضها فلا يلغى الخير العظيم الذي في الأمَّة لفساد شخص أو انحرافه.
خامساً: حدوث بعض الشر لا يجوز أن يلغي الخير العظيم من الأمَّة كما مر: روايات للدين، وفتوحات للبلدان، وجهاد في سبيل الله، وعُبَّاد وشهداء وصالحون؛ هم أضعاف أضعاف أعداد الأشرار.. أيُلغى هؤلاء لشر وقع من أفراد؟!
111) قلتم: (وإذا تأملت كتب التواريخ وجدت الخمسين الثانية شراً كلها، لا خير فيها، ولا في رؤسائها وأمرائها، والناس برؤسائهم وأمرائهم أشبه، والقرن خمسون سنة، فكيف يصح هذا الخبر؟!) [شرح ابن أبي الحديد (20/3-12)].
قلت:
أولاً: المتأمل لكتب التواريخ يرى تلك الأحداث، ويرى بجانبها أعمالاً فاضلة خيرة:
علماء، وعباد، ومجاهدون في سبيل الله.
وفيه بقية الصحابة، وبقية من آل البيت.
هذه الفترة لو كانت شراً لا خير فيها، فكيف وصل إلينا هذا الدين الذي حفظه أهل هذه الفترة، فتعلموه وعلَّموه، وحمله عنهم أهل القرن الذين بعدهم؟!! فكيف يُقال: لا خير فيه؟! إنَّ هذا حكم متعجل!
إنَّ الحركة العلمية والدينية غير الحركة السياسية، فقد تفسد السياسة ويبقى الخير في الأمَّة، فلا ينبغي أن يحكم على الأمَّة بكاملها من خلال الطبقة السياسية.
بل وحتَّى الطبقة السياسية فيها شر وخير، فقد استمر الجهاد في تلك العصور رغم ما حدث فيهم من فساد، وينبغي أن يحكم بالقسط والعدل.
قال تعالى: ((وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا)) [الأنعام:152، وقال تعالى: ((وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا)) [المائدة:8].
وقد تقدم مزيد بيان لهذا الجانب.
* إضافة بعض الآيات في فضل الصحابة وتحليل بعض ما تقدم للإيقاظ:
ويحسن في نهاية الحديث عن الصحابة أن نضيف بعض الآيات الدالة على فضلهم، أونزيد بعض تقدم إيضاحاً، معتمدين في ذلك على الفهم المباشر، الذي يتبادر إلى ذهن كل عالم أو طالب علم، خالي الذهن من كل ما يفسده.
1- قال تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)) [البقرة:143].
قال الطبري: (وأمَّا الوسط في كلام العرب: الخيار...وقال زهير بن أبي سلمى في الوسط:
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم        إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم)([241])
وقال الثعالبي: (وجعلناكم أمَّة وسطاً، أي: عدولاً، روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتظاهرت به عبارات المفسرين، والوسط: الخيار والأعلى من الشيء...)([242]).
وقال السمرقندي: (والوسط: هو العدل... والعرب تقول: فلان أوسط قومه أي: خيارهم وأعدلهم..)([243]).
وقد أجمع المفسرون على هذا المعنى: أنَّهم فسَّروا (الوسط) بالخيار والعدل.
وقد استطرد الرازي في تقرير هذين المعنيين([244]).
قلت: هذا الثناء من الله عز وجل بأنَّه جعل (هذه الأمَّة أمَّة خياراً عدولاً) والخطاب كان موجهاً لجيل الصحابة رضي الله عنهم، هل يدخل فيه (هذا الجيل المؤمن أم لا)؟ وخاصة خيارهم: أبا بكر وعمر وعثمان وعليّ، وسعد بن أبي وقَّاص، والزبير بن العوام..إلخ أفاضل الصحابة أم لا؟
فإن قلتم: إنَّهم داخلون فيهم؛ فقد وافقتم بقية الأمَّة. وإن قلتم: لا؛ فما هو الدليل؟!
فإن قلتم: الدليل أنَّهم قد غيروا وبدلوا ومنعوا عليّاً حقه.
قلنا: ما هو الدليل أنَّ عليّاً له حق منعوه إيَّاه؟!
فإن قلتم: الإمامة.
قلنا: من روى هذا الحق؟
فإن قلتم: الصحابة أنفسهم!
قلنا: هم قد رووا أنَّه لم يُوصَ إليه بشيء.
فإن قلتم: عليّ رضي الله عنه روى ذلك الحق.
قلنا: وعليّ رضي الله عنه قد روى أنَّه لا حق له، وأنَّه لا فرق بينه وبين إخوانه بقية الصحابة.
والروايات التي رويت في إبطال الوصية أصح سنداً من تلك الروايات التي تزعم إمامته.
ثمَّ إنَّ الحال الذي عاش عليه الصحابة لا يدل على وجود شيء من هذه المزاعم، وقد تقدم ما يقرر ذلك في عدة مواطن -وسيأتي كذلك بمشيئة الله تعالى-.
ثمَّ كيف يثني عز وجل على هذه الأمة بأنَّها: (خيار عدول) ويكون أولها فاسقين ظلمة؟!
وهم الذين عايشوا التنزيل، وعانوا في سبيل إيمانهم أنواع البلاء، وقد استمرت حياتهم على الزهد في الدنيا والجهاد في سبيل الله، وقد قتل آلاف منهم في أقطار الأرض بعيدين عن أرضهم وديارهم، فأي دنيا كانوا يريدون بذلك الجهاد؟!
أيُعقل أن لا يكون لهذه الكثرة التي هي بالآلاف نصيب في هذا المدح والثناء من الله عز وجل؟!
أليس هذا اتهاماً لله عز وجل بأنَّه أثنى بلفظ الكثرة ولا ينطبق إلَّا على (أربعة أشخاص؟! فينخدع الناس بهم، ويعظمونهم ويعدلونهم، ويقبلون رواياتهم وهم على خلاف ذلك حسب زعمكم؟!
ثم هل الأمة في هذه الفترة الزمنية قد اختفت، ولم يبق فيها من يصلح أن يدخل في الآية: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ)) [آل عمران:110] لأن ظلماً وقع، أم أن الخير موجود إلى جانب ذلك الشر؟!
ثم إن تسلسل الخير واستمراره كان حلقة في خيرية هذه الأمة، التي لن تنقطع بإذن الله عز وجل إلى قيام الساعة؟!
  2) قال تعالى((كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)) [البقرة:151]..
هذه الآية تقرر عدة أمور:
الأول: امتنان الله عز وجل على الأمَّة، وفي مقدمة الأمَّة الجيل الأول الذي وجه إليه الخطاب: (رسولاً منكم..عليكم..يزكيكم ويعلمكم...).
ولا أظن أنَّ عاقلاً يزعم أنَّ: (المخاطبين) غير داخلين في هذا الامتنان.
الثاني: من أنواع الامتنان التي امتن الله عز وجل بها عليهم: أنَّ رسوله صلوات الله وسلامه عليه: (يزكيهم) أي: يطهرهم. فهل تحققت هذه النعمة فزكاهم أم لا؟!
قال ابن كثير: (ويزكيهم: أي: يطهرهم من رذائل الأخلاق ودنس النفوس وأفعال الجاهلية...)([245]).
قد يقال: وهل زكى كل من معه حتى المنافقين؟
قلنا: الخطاب للمؤمنين الذين معه، الذين اشتهروا في الأمة، وعرفوا بصحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهم أول من يدخل في الخطاب.
3)                     قال تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:110].
جميع المفسرين مجمعون على أن الصحابة داخلون في هذا الثناء من الله عز وجل على هذه الأمة، ثم اختلفوا في شموله البقية الأمة:
فمنهم من قال: إنَّهم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة..([246]).
ومنهم من قال: إنَّ ذلك جميع هذه الأمَّة([247]).
وهذان المعنيان لا تكاد تخرج عنهما أقوال المفسرين.
فالله عز وجل أثنى إمَّا على الصحابة المهاجرين، وإمَّا على الأمَّة كلها.
والظاهر أنَّ الجيل الأول كان له النصيب الأوفر، فهم أنصار الدين ورواته، وقد توافر لهم من أسباب الصلاح والتقوى ما لم يتوافر لغيرهم.
والله عز وجل قد أطلق الثناء بضمير الخطاب، فهل يُعقل أن يثني عز وجل على الأمَّة مخاطباً أولها بقوله: (كنتم)، ولا يشمل الخطاب إلَّا أربعة أشخاص؟! والبقية إمَّا كفار مرتدون، وإمَّا ظلمة فُسَّاق؟!!
سبحانك هذا بهتان عظيم!!
4) قال تعالى: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)) [الحديد:10].
قال الرازي: (واعلم أنَّ الآية دلت على أنَّ من صدر عنه الإنفاق في سبيل الله، والقتال مع أعداء الله قبل الفتح؛ يكون أعظم حالاً ممن صدر عنه هذان الأمران بعد الفتح).
إلى أن قال: (وكل واحد من الفريقين وعد الله الحسنى، أي: المثوبة وهي الجنَّة، مع تفاوت الدرجات)([248]).
قلت: فالآية نصت على فضل من قاتل من الصحابة رضي الله عنهم، وأنفق من ماله لنصرة دينه قبل فتح مكة -أو حادثة الحديبية على قول- وعلى من فعل ذلك بعد ذلك، مع وعد كل منهما بالحسنى وهي الجنَّة.
هل هذا الوعد لجماعة كبيرة أم لأربعة أشخاص؟!
وهل يدخل فيها أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أم لا؟!
فإن قيل: نعم يدخلون، فهذا مفهوم الآية.
وإن قيل: لا، فما هو الدليل؟ ثمَّ لو قال شخص: إنَّهم غير داخلين لا هم ولا عليّ رضي الله عنه، فما هو الجواب؟
فإن قيل: الدليل من السنَّة أنَّ عليّاً منهم.
قيل: وكذلك السنَّة تدل على أنَّ هؤلاء منهم.
5) قال تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:18].
وردت هذه البيعة في أغلب كتب السنن والتفاسير.
وقد ورد عددهم في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أنَّه قال: (كنَّا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة، فبايعناه)([249]).
قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة)([250]).
وهذا خبر من الله عز وجل بأنَّه رضي عن هؤلاء المؤمنين، وذلك يقتضي تقرير إيمانهم ورضاه عنهم، وإذا رضي الله عز وجل عن شخص أو قوم، فإنَّه لا يسخط عليهم؛ لأنَّ رضاه عز وجل دليل على استمرارهم على الإيمان.
فهل هؤلاء الذين بايعوا كلهم مؤمنون؟ أم أكثرهم؟ أم أقلهم؟ وما هو الدليل؟
وكيف يخاطبهم سبحانه بهذه الألفاظ التي تقرر رضاه عن الجميع، ويكون المراد أربعة أشخاص؟!
6) قال تعالى: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)) [الحجرات:7-8].
يمتن الله عز وجل على الصحابة أنفسهم بأنَّه حبب إليهم (الإيمان) و: (وزينه في قلوبهم).. إلخ هذه النعم!
فهل تحقق ذلك لجيل الصحابة أم لا؟
فإن تحقق: فهل يجوز أن يُتهموا في عدالتهم ودينهم، ويُعتقد أنَّهم سيغيرون ويبدلون، ويعصون رسول الله صلوات الله وسلامه عليه؟!
وإن قلتم: لم يتحقق فهذا رد على الله عز وجل بأنه امتن بما لم يقع!!
أيمتن الله عز وجل بما لا حقيقة له؟!
أو يمتن بما يعلم أنَّهم سيتخلون عنه؟!
إنَّنا نشهد أنَّه عز وجل قد أنعم عليهم، وقد تحققت نعمته، وأنَّهم عاشوا عليها وماتوا عليها، وأنَّهم أزكياء أبرار.. رضي الله عنهم وألحقنا بهم في دار كرامته.
7) قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) [المائدة:54].
وهنا وقفات عدة منها:
أولاً: في الآية جملة شرطية وجوابها، يعني أنَّه إذا وُجد فعل الشرط وُجد جوابه لا محالة.
وقد حدثت ردة بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم من كثير من العرب، ثمَّ إن الله عز وجل أقام أبا بكر رضي الله عنه لهذه الردة، ومعه إخوانه من عظماء الصحابة، فقاتلوا المرتدين حتَّى أعادوهم إلى الدين.
فإن قال الشيعة: إنَّ الردة قد وقعت، وهي هذه، وأقروا بالحقيقة؛ فقد اعترفوا بفضل الصدِّيق رضي الله عنه.
وإن أنكروا فلا يستحقون المناظرة؛ لأنَّ إنكار البديهيات يسقط أهلية المخالف للحوار.
وإن قالوا: إنَّ أبا بكر وإخوانه ارتدوا.
قلنا: قد وعد الله عز وجل وشرط: أنَّه إن وقعت ردة فإنَّه لابد أن يأتي بمن يجاهد أهلها، فأين من قاتل الصدِّيق؟!
ثانياً: إنَّ المتأمل في سيرة الصدِّيق رضي الله عنه وأخلاقه، يرى هذه الصفات متوافرة فيه رضي الله عنه؛ فقد كان سهلاً ليناً على إخوانه المؤمنين، مهاباً تخافه الدول، وقد سيَّر الجيوش تجاهد في سبيل الله، ولم يتوانَ عن حرب الردة رغم قلة المسلمين آنذاك.
ثالثاً: إنَّ هذه الأوصاف إنَّما تحققت في جيش الصدِّيق وجيش عمر وجيش عثمان رضي الله عنهم، وقد كان علي رضي الله عنه معهم، وبعض من قاتل معه بعد ذلك.
وقد كانت هذه الأخلاق متوافرة في عهود الثلاثة رضي الله عنهم، ثمَّ توقف بعضها في خلافة عليّ رضي الله عنه، إن لم تتوقف بكاملها.
وذلك أنَّ الآية قيدت مجيء هؤلاء الأقوام بالردة، ولم يحدث في عهده رضي الله عنه ردة، وإنَّما وقعت فتنة بدون اختياره رضي الله عنه.
فالشاهد: أنَّ هذا الوعد تحقق، وتمت نعمة الله عز وجل على الصدِّيق وإخوانه؛ ممَّا يؤكد فضلهم وإيمانهم وعدالتهم.
رابعاً: كثير من الشيعة الإمامية يزعمون أنَّ الصحابة ارتدوا، ثمَّ زعموا أنَّ عليّاً ترك قتالهم؛ تقية وحرصاً على وحدة المسلمين، فلِمَ قاتل الصدِّيق المرتدين ولم يقاتل عليّ؟! لأنَّه لا ردة..
الحمد لله على العافية.
8) قال تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً)) [النور:55].
وقـفـات مع الآيــــة:
أولاً: وعد الله عز وجل من آمن من الصحابة وعمل الصالحات أن يستخلفهم ويمكِّن لهم.. إلخ الموعود.
وقد قيد تحقق تلك الوعود بالإيمان والعمل الصالح، فهل تحقق ذلك الموعود؟
وذلك يعني: أنَّه إذا وُجِد الإيمان والعمل الصالح وُجِدت تلك الوعود، وإن وُجِدت تلك الوعود تحقق الإيمان والعمل الصالح.
ثانياً: هل تحقق هذا الوعد؟
لا شك أنَّه قد استخلف الله عز وجل الصحابة، ومكَّن لهم الدين، وعاشوا في حياة الخلفاء الراشدين آمنين، وفتح بهم الأرض.
وهذا دليل تحقق الإيمان والعمل الصالح؛ لأنَّ الخطاب في هذا الوعد: إن كان للأمَّة فالصحابة هم أول من وجِّه إليهم الخطاب، وإن كان لهم خاصة -كما هو ظاهر النص- فهم الموعودون.
ثالثاً: تحقق الموعود على أيديهم شهادة لهم بالإيمان رضي الله عنهم، وإيمانهم لا شك فيه عند الأمَّة إلَّا من ضل وابتدع، وما كان لنا أن ندافع عن إيمانهم لولا ما ابتُليت به الأمَّة من مرضى القلوب، وفاسدي العقائد، والله المستعان.
رابعاً: هذه الآية من دلائل الإعجاز في أخبار القرآن الكريم، حيث أخبر عز وجل بتمكين هذه الأمَّة، فتحقق كما أخبر. وهذا من أخبار الغيب.
 
* بطلان الأدلة الشيعية على دعوى الوصية:
112) قلتم: (إنَّ عليّاً رضي الله عنه هو وصي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والقائم مقامه من بعده، وإنَّه يدل على ذلك الأخبار النبوية الصحيحة، والآثار الثابتة عن الصحابة)، ثمَّ أوردتم أحاديث من كتب السنَّة.
وهنا وقفات:
أولاً: كيف تستدل بروايات الصحابة الضالين الفساق، الذين إمَّا أنَّهم ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو فسقوا. وأنتم لا تستدلون بروايات الفساق ولا الكفار؟!
ثانياً: كيف نحصل على روايات صحيحة من كتبكم، وقد عرفتم أنَّها عن مجاهيل وضعفاء.
ثالثاً: رويتم من كتب لا يُعتَمد عليها عند أهل السنَّة؛ لكثرة ما فيها من الضعيف والموضوع، وزعمتم بأنَّها «أخبار نبوية صحيحة».
فقد رويتم من معجم الطبراني وتاريخ ابن عساكر وفضائل الصحابة، وهذه الكتب يأتي بعضها في المرتبة الثالثة، وبعضها في المرتبة الرابعة، وتركُ الكتب المعتمدة التي تأتي في الدرجة الأولى أو الثانية إلى كتب الدرجة الثالثة أو الرابعة ممَّا عابه العلماء.
ذكر المحدث ولي الله الدهلوي أنَّ: (كتب الحديث على طبقات مختلفة، ومنازل متباينة، فوجب الاعتناء بمعرفة طبقات كتب الحديث).
ثمَّ قال: (وهي باعتبار الصحة والشهرة على أربع طبقات..).
إلى أن قال:
 (الطبقة الأولى: منحصرة في ثلاثة كتب: الموطأ، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم...
الطبقة الثانية:..(سنن أبي داود، وجامع الترمذي، ومجتبى النسائي.. وكاد مسند أحمد أن يكون من جملة هذه الطبقة..) أي لم يلحقها.
الطبقة الثالثة: مسانيد وجوامع ومصنفات صنفت -قبل البخاري ومسلم وفي زمانهما وبعدهما- جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف، والمعروف والشاذ والمنكر، والخطأ والصواب، والثابت والمقلوب..).
والطبقة الرابعة: (.. وكتب الخطيب وأبي نعيم.. وابن عساكر.
والطبقة الخامسة:...).
ثمَّ قال ولي الله الدهلوي بعد أن ذكر طبقات كتب السنَّة: (وأمَّا الثالثة: فلا يباشرها للعمل عليها والقول بها إلَّا النحارير... إلى أن قال: نعم. ربمَّا يؤخذ منها المتابعات والشواهد) أي: لا يعتمد عليها في الاستدلال.
ثمَّ قال: (وأمَّا الرابعة: فالاشتغال بجمعها أو الاستنباط منها نوع تعمق من المتأخرين، وإن شئت الحق فطوائف المبتدعين من الرافضة والمعتزلة وغيرهم، يتمكنون بأدنى عناية أن يلخصوا منها شواهد مذاهبهم، فالانتصار بها غير صحيح في معارك العلماء بالحديث)([251]).
أحـاديث في الوصية أوردها الشيعي:
113) أوردتم هنا خمسة أحاديث في الوصية نذكرها تباعاً مع الكلام عليها:
الحديث الأول: حديث سلمان، قلتم: روى الطبراني بإسناده عن سلمان قال: قلت: (يا رسول الله! إنَّ لكل نبي وصياً فمن وصيك؟ -إلى أن قال-: فإنَّ وصيي وموضع سري، وخير من أترك بعدي، وينجز عدتي، ويقضي ديني: علي بن أبي طالب([252]))([253]).
وهنا وقفات:
أولاً: إنَّ الطبراني قال بعد إيراده للحديث: (وقال: وصيي أنَّه أوصاه بأهله لا بالخلافة. وقوله: خير من أترك بعدي: من أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم)، أي: لم يرد الخيرية المطلقة.
ثانياً: ذكر قول الطبراني كذلك الهيثمي، وأنت لم تذكرها لا من رواية الطبراني ولا من تعقيب الهيثمي!!
ثالثاً: قال الهيثمي: (وفي إسناده ناصح بن عبد الله: متروك) ولم تذكره، وأنت تعرف معنى (متروك) ثمَّ قلت: (تدل عليه الأخبار النبوية الصحيحة)!!!
رابعاً: أقوال العلماء في راوي الحديث: (ناصح بن عبد الله).
قال البخاري: (منكر الحديث)، وقال الفلاس: (متروك)، وقال ابن معين: (ليس بشيء)([254])، فكيف تقول: صحيح، وهذه حال أحد رواته؟!
خامساً: قال الذهبي في الحديث: (هذا خبر منكر)([255]).
إذن: الحديث باطل ولا يصح، ولا يجوز لمسلم أن يحتج بمثله على شيء من دينه أو دنياه.
الحديث الثاني: عن أنس بن مالك. قلتم: وروى أحمد بن حنبل عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (وصيي ووارثي، يقضي ديني، وينجز موعدي: علي بن أبي طالب)([256]).
قلت: هنا وقفات:
أولاً: لم أجد هذا الحديث عند الإمام أحمد في «الفضائل» كما ذكرتم، وإنَّما الذي فيه هو نفس الحديث السابق، فإنَّ لفظه كلفظه، فليسا حديثين كما أوردتم.
روى الإمام أحمد بسنده عن أنس بن مالك قال: (قلت لسلمان: سل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن وصيه، فقال له سلمان: يا رسول الله! من وصيك؟ قال: يا سلمان! من كان وصي موسى؟ قال: يوشع. قال: فإن وصيي...إلخ).
ولا يُعقَل أن يسأله عن وصيه فيخبره، ثمَّ يعود مرة أخرى فيسأله لو صح الحديث.
ثانياً: الحديث من رواية (مطر بن ميمون الإسكاف)، قال البخاري والنسائي وأبو حاتم والساجي: (منكر الحديث)([257]).
وقال ابن حبان: (كان ممَّن يروي الموضوعات عن الأثبات، يروي عن أنس ما ليس من حديثه في فضل عليّ وغيره، لا تحل الرواية عنه)([258]).
ثالثاً: الحديث حكم عليه العلماء بالوضع؛ فقد رواه ابن الجوزي في الموضوعات (1/374)، وقال الذهبي بعد أن أورد حديثين لمطر المذكور هذا أحدهما: (كلاهما موضوعان)([259]).
رابعاً: بعد معرفة سند الحديث، وقد وقفت أنت عليه في فضائل الصحابة المحقق؛ أيحسن أن تقول: (أخبار نبوية صحيحة) وتستدل بها على (عقيدة) تؤدي إلى الطعن في الصحابة وتفرِّق الأمَّة؟!
الحديث الثالث: قلتم: روى ابن عساكر عن بُرَيدة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لكل نبي وصي ووارث، وإنَّ عليّاً وصيي ووارثي)([260]).
أولاً: هل كتب التواريخ صالحة لأن تكون مرجعاً لتأصيل العقائد؟!
ثانياً: أمَّا مؤلف كتاب (المناقب) فقد قال بعد إيراده هذا الحديث: (إن صح هذا الحديث فالتوريث محمول على ما رواه معاذ رضي الله عنه قال: قال عليّ: «يا رسول الله! ما أرث منك؟ قال: ما يرث النبيون بعضهم من بعض: كتاب الله وسنَّة نبيه»)([261]).
ثمَّ أورد أحاديث أخرى تفسر الوصية، ثمَّ قال: (ويعضد هذا التأويل بما ورد من الأحاديث الصحيحة في نفي التوريث والإيصاء، وأنَّه لم يعهد إليهم عهداً غير ما في كتاب الله، وما في صحيفة فيها شيء من أسنان الإبل ومن العقل...)([262]).
وهذا الذي أشار إليه: قد ثبت في كتب الصحاح أنَّ عليّاً رضي الله عنه قاله: إمَّا ابتداءً وإمَّا جواباً على سؤال قال فيه السائل: هل عندكم شيء من الوحي إلَّا ما في كتاب الله؟
فقال: (لا والله الذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه، إلَّا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة).
قلت: وما في هذه الصحيفة؟
قال: (العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر).
رواه عنه: أبو جحيفة([263])، وإبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه عنه([264])، وأبو الطفيل([265])، وطارق ابن شهاب([266])...
والحارث بن سويد([267])، وأبو حسان([268]).
وألفاظها جميعاً تقرر المعنى الوارد في اللفظ المثبت.
فهذا الحديث الثابت يكذِّب كل دعوى وردت في بعض الروايات الباطلة، والعجب ممَّن ترك هذه الصحاح إلى روايات مظلمة: إمَّا مكذوبة وإمَّا ضعيفة!
ثالثاً: هذا الحديث الذي ذكرتموه أورده ابن الجوزي في الموضوعات([269]).
الحديث الرابع: قلتم: (روى الطبراني عن الحسن بن علي عليه السلام قال: (خطب الحسن بن علي بن أبي طالب فحمد الله وأثنى عليه، وذكر أمير المؤمنين عليّاً رضي الله عنه، خاتم الأوصياء ووصي خاتم الأنبياء»)([270]) رواه الهيثمي وتعقبه. ورواه أحمد باختصار كثير، وإسناد أحمد وبعض طرق البزَّار والطبراني حسان([271])، روى قريباً منه أبو نُعيم عن أنس)([272]).
وهنا وقفات:
أولاً: هذا اللفظ تفرَّد به الطبراني في الأوسط، ولم يروه غيره بلفظه، وكل المصادر التي ذكرتموها أوردت الأثر بدون ذكر لفظ (خاتم الأوصياء ووصي خاتم الأنبياء) فالطرق المذكورة -إذن- لا تصلح لتقوية هذه الرواية.
ثانياً: لا تخلو الروايات الأخرى من علة، فرواية لأحمد([273]) فيها شريك بن عبد الله، وشريك بن عبد الله قال ابنه: كان عند أبي عشرة آلاف مسألة عن جابر الجعفي، وعشرة آلاف غرائب.
وقال ابن المبارك: ليس حديث شريك بشيء). وللعلماء فيه كلام كثير([274]). ورواية أخرى([275]) فيها: عمرو بن حبشي، مجهول الحال([276]).
ثالثاً: هذه الرواية في سندها: (سلام بن أبي عمرة)، قال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج بخبره([277]). وقال ابن الجوزي: واهي الحديث([278]).
رابعاً: فالحديث بعد هذا لا يصح، ولا يجوز الاحتجاج بمثله في قضايا الدين.
الحديث الخامس: قلتم: وروى الطبراني عن علي بن علي الهلالي عن أبيه قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة عليها السلام: (ووصيي خير الأوصياء، وأحبهم إلى الله بعلك)([279]).
قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه الهيثم بن حبيب، قال أبو حاتم: (منكر الحديث، وهو متهم بهذا الحديث)([280]).
وقال في حديث آخر فيه الهيثم: (وأمَّا الهيثم بن حبيب) فلم أرَ من تكلم فيه غير الذهبي اتهمه بخبر رواه، وقد وثقه ابن حبان)([281]).
فيقع التعارض بين جرح أبي حاتم -وتبعه الذهبي- وتوثيق ابن حبان؛ لأنَّ الذهبي قال في أبي حاتم: (وإذا لين رجلاً أو قال فيه: لا يُحتج به، فتوقف حتى ترى من قال غيره فيه، فإن وثقه فلا تبنِ على تجريح أبي حاتم، فإنَّه متعنت في الرجال)([282]).
وهنا وقفات عدة:
أولاً: (علي بن علي) المذكور في الحديث لا يوجد في كتب التراجم.
ثانياً: شيخ الطبراني (محمد بن زريق بن جامع) لا يوجد كذلك في كتب التراجم.
ثالثاً: (علي بن هلال) لم تثبت صُحبته، فإنَّه لم يصح ما يبين أنَّه صحابي إلَّا هذا الحديث، وهذا الحديث كما سيأتي لا يصح.
رابعاً: الحديث رواه الطبراني بسنده عن الهيثم بن حبيب، ثنا سفيان بن عيينة، عن علي بن علي الهلالي..إلخ
هذا الراوي عن ابن عيينة قال فيه الذهبي: (الهيثم بن حبيب عن سفيان بن عيينة بخبر باطل في المهدي، هو المتهم به).
ثمَّ قال الذهبي: (أمَّا الهيثم بن حبيب عن عكرمة والحكم بن عتبة، وعنه شعبة وأبو عوانة وجماعة فوثقه أبو حاتم)([283]).
وأكَّد ابن حجر قول الذهبي وتفريقه بين الرجلين بذِكر شيوخهما.
خامساً: قال الهيثمي بعد إيراده حديث ابن عباس: (من صام يوم عرفة كان له كفارة سنتين...إلخ): رواه الطبراني في الصغير، وفيه: (الهيثم بن حبيب عن سلام الطويل، وسلام ضعيف، وأمَّا الهيثم بن حبيب فلم أرَ من تكلم فيه غير الذهبي، اتهمه بخبر رواه، وقد وثقه ابن حبان).
قلت: هذا وهم من الهيثمي رحمه الله؛ فإنَّ الهيثم في هذا الحديث متأخر عن الهيثم السابق.
فالهيثم السابق يروي عن سفيان بن عيينة عن علي بن علي الهلالي عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فليس بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلَّا ثلاثة أشخاص، فهو متقدم على الهيثم بن حبيب الذي روى حديث الصيام، وكلام الذهبي على السابق وليس على الثاني.
ولهذا فإنَّه عندما ترجم لهما فرَّق بينهما كما تقدم.
وابن حبان لم يذكر الهيثم السابق في كتابه، وإنَّما ذكر الهيثم الثاني([284]).
سادساً: الهيثم بن حبيب الذي ذكره ابن حبان في كتابه لم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وهذا يُسمَّى عند العلماء: مجهول الحال، وابن حبان يذكر في كتابه كل من لم يجرحه أحد، ولكنَّه إذا سكت عنه فلا يعني أنَّه ثقة.
فلا يعني إيراد ابن حبان لراوٍ في كتابه الثقات أنَّه (ثقة) ما لم يوثقه بلفظه، فإنَّه رحمه الله قد يورد الراوي في كتابه الثقات ويسكت عليه ولا يكون ثقة عنده، وفيما يلي نورد نماذج من ذلك:
1-        إسحاق بن أبي يحيى الكعبي: سكت عليه في الثقات، وقال في المجروحين: لا يحل الاحتجاج به ولا الرواية عنه إلَّا على سبيل الاعتبار.
2-                   إسماعيل بن محمد بن جحادة اليمامي: سكت عنه في الثقات، وقال في المجروحين: خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد.
وهكذا جماعة من الرواة، ولهذا فلا يصح الاعتماد على سكوته، بل حتَّى إذا انفرد بالتوثيق فلا بد من البحث والتنقيب؛ لتساهله رحمه الله في التوثيق.
سابعاً: قولكم: (فيقع التعارض... إلخ) تبين لكم أنَّه لا تعارض هنا، وأنَّ الهيثمي رحمه الله وهِمَ حيث ظن أنَّ الهيثم بن حبيب اسم لشخص واحد، مع أنَّ الذهبي وتبِعه ابن حجر قد ذكرا أنَّهما شخصان، وأمَّا ابن حبان فلم يذكر في كتابه إلَّا الهيثم بن حبيب الثقة ويُفرَّق بينهما بشيوخهما.
وبهذا يتبين أنَّه ليس هناك تعارض؛ لأنَّ الشخص الموثق غير الشخص المجرح.
وأخيراً: أرأيتم هذه الأحاديث التي لا تصح، ولا نستجيز لمسلم أن يستدل بها في أمور الدين: لو أنَّا أردنا أن نستدل بمثلها من الروايات التي توجد في كتبنا في أبي بكر رضي الله عنه أو في غيره من الخلفاء، ألا تظن أنَّنا نستطيع أن نجد؟ بلى.
وإن كانت رواياتنا التي في كتبنا لا تُساوي معشار ما في كتبكم من التهويلات والمبالغات.
114) قلتم: (إنَّ التضعيف الذي لم يذكر له مستند فغير مقبول، كما قال النووي: ولا يقبل الجرح إلَّا مفسراً، وهو أن يذكر السبب الذي به جرح، ولأنَّ الناس يختلفون فيما يفسق به الإنسان، ولعلَّ من شهد بفسقه شهد على اعتقاده([285]). قريب منه عن ابن قُدامة، قال ابن حجر بعد تضعيف الدارقطني يزيد بن أبي مريم: هذا جرح غير مفسر فهو مردود([286]). قال الخطيب: سمعت القاضي أبا الطيب يقول: لا يقبل الجرح إلَّا مفسراً... قلت: وهذا القول الصواب عندنا، وإليه ذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده من... البخاري ومسلم...)([287]).
قلت: هنا وقفتان:
الأولى: أنَّ كلام الأوائل اختلف بسبب النظر في أحد أمرين:
السبب الأول: الراوي المجروح: فهو إمَّا أنَّه قد ثبتت عدالته كرواة الصحيحين ونحوهم، وإمَّا أنَّه لم تثبت عدالته.
فالذي ثبتت عدالته فلا يقبل الجرح فيه إلا مفسراً، وهذا مقصود ابن حجر فيما أوردتم، فإنَّه قال: (ينبغي أن يعلم أنَّ تخريج صاحب الصحيح لأي راوٍ كان مقتضٍ لعدالته عنده، وصحة ضبطه، وعدم غفلته.. وحينئذٍ إذا وجدنا لغيره في أحدٍ منهم طعناً، فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام، فلا يُقبل إلَّا مبين السبب مفسراً بقادح يقدح في عدالة الراوي..)([288]).
وأمَّا إن كان الراوي مجهولاً ولم تثبت عدالته، فهذا يقبل الجرح فيه مطلقاً، قال ابن حجر: (فإنْ خلا المجروح عن تعديل، قُبل الجرح فيه مجملاً غير مبين السبب، إذا صدر من عارف على المختار)([289]).
السبب الثاني: العالِمُ المجرِّح: فإن كان بصيراً عارفاً بهذا الشأن، قُبل جرحه مجملاً، وإلاَّ فلا بدَّ من التفسير.
وقد مرَّ معنا قول ابن حجر رحمه الله.
وسبقه ابن كثير في تقرير هذه المسألة فقال: (أمَّا كلام الأئمة المنتصبين لهذا الشأن، فينبغي أن يُؤخذ مسلَّماً من غير ذكر الأسباب، وذلك للعلم بمعرفتهم واطلاعهم، واضطلاعهم في هذا الشأن، واتصافهم بالإنصاف والديانة والخبرة والنصح..)([290]).
وقرَّره قبله ابن الأثير فقال: (فمن حصلت الثقة ببصيرته وضبطه يُكتفى بإطلاقه..)([291]).
وقرَّره قبلهم ابن الطيب ونقله عن الجمهور فقال: (الجمهور من أهل العلم إذا جَرَّح من لا يعرف الجرح يجب الكشف عن ذلك، ولم يوجبوا ذلك على أهل العلم بهذا الشأن).
وارتضاه الخطيب البغدادي فقال: (والذي يَقوى عندنا ترك الكشف عن ذلك إذا كان الجارح عالماً)([292]).
قلت: وعلى هذا أُلِّفت كتب الرجال والتراجم، فقد قبلوا الجرح من العلماء المختصين بدون ذكر للسبب.
هذا هو مذهب المحققين من علماء الحديث.
الثانية: قول ابن حجر الذي أوردتموه قد حذفتم جزءاً من الكلام الذي يفسره، فقد قال: (يزيد بن أبي مريم الدمشقي وثقة الأئمة وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم، قال الدارقطني: ليس بذاك. قلت: هذا جرح غير مفسر، فهو مردود، وليس له في البخاري إلَّا حديث واحد..)([293]).
وبهذا يتَّضح أنَّ الراوي المذكور من رواة الصحيح، وقد وثَّقه أئمة، فمثل هذا لا يقبل إلَّا مفسراً.
115) قلتم (ص:38): (وقد تواتر عن الصحابة واللغويين إطلاق «الوصي» على علي ابن أبي طالب عليه السلام، كما مرَّ رواية الطبراني وغيره عن سلمان الفارسي([294])، وهكذا عن أبي أيوب الأنصاري([295])، وعلي المكي الهلالي([296])).
قلت: الجواب من أوجه:
أولاً: قد مرَّ معنا حديثا سلمان وعلي الهلالي، وتبيَّن لنا عدم صحتهما، وعلي المكي الهلالي هو: (علي الهلالي) المتقدم المجهول!!
ثانياً: ما الفائدة في التكثر من أحاديث لا تصح؟!
ثالثاً: حديث أبي أيوب رواه الطبراني، وهو حديث مسلسل بالضعفاء وغلاة الشيعة، قال: (حدثنا أحمد بن محمد بن العباس القنطري، ثنا حرب بن الحسن الطحان، ثنا حسين بن الحسن الأشقر، ثنا قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن عباية بن ربعي، عن أبي أيوب الأنصاري.. إلخ).
رواة الحديث:
شيخ الطبراني أحمد بن محمد القنطري: ليس له ترجمة في كتاب الرجال، فهو مجهول العين والحال!!
وحرب بن الحسن الطحان: قال الأزدي: (ليس حديثه بذاك)([297]).
والحسين بن الحسن الأشقر: قال البخاري: (فيه نظر)، وقال أبو زرعة: (منكر الحديث).
وقال أبو معمر الهذلي: (كذاب)([298]).
وفيه: قيس بن الربيع، اختلف فيه النقَّاد، والكثرة على تضعيفه، وقد اتفق أحمد والبخاري وابن حبان وعفان وابن نُمير أنَّ له ابناً كان يلقِّنه، ويضع في حديثه ما ليس منه([299]).
وفيه: عباية بن ربعي، قال الذهبي: (من غلاة الشيعة)([300]).
وهكذا الحديث مُسلسَل بالضعفاء.
فأيُّ فائدة في مثل هذه الأحاديث؟! أيُبنى عليها دين يُتقرَّب به إلى الله عز وجل؟!
116) قلتم: (وروى الخوارزمي عن علي عليه السلام، قال لعدَّة أرسلهم معاوية إلى علي عليه السلام: (معاشر الناس! أنا أخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصيه)([301])، وهكذا في كتابه إلى أهل مصر عليه السلام ([302])، وفي احتجاجه على الخوارج([303])، وفي خطبته بعد انصرافه من صفين)([304]).
قلت: الجواب من عدة أوجه:
الأول: اعتمدتم على مرجعين كررتموهما وكأنَّهما أربعة مراجع، فهذه الروايات في مرجعين (نهج البلاغة) و(تاريخ اليعقوبي).
ثانياً: (تاريخ اليعقوبي) مصدر ليس أحسن حالاً من تاريخ دمشق ولا تاريخ الطبري قبله، وهو لا يرقى إلى مصافهما في الوثاقة؛ بل مملوء بالأباطيل والأكاذيب، ولا يجوز الاعتماد عليه في التاريخ، فما بالك بقضايا عقدية!!
ثالثاً: (نهج البلاغة) لا يصلح كتاباً تاريخياً، بل ولا أدبياً؛ لأنَّه كتاب مقطوع السند، بل عندنا مختلق، كاتبه شاعر، وعبارته واضحة التكلف، لا يليق كثير منها بفصاحة وبلاغة عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه التي كانت على منهاج العرب القدماء، فكيف يُعتمَد عليه في قضايا عقدية؟!
قال الأستاذ عبد السلام هارون في مقدمته لنهج البلاغة طبعة عام (1406هـ): (وكنَّا إلى الأمس القريب في ريبتين اثنتين منه: أولاهما: من هو صانع الكتاب؟ أهو الشريف الرضي أم أخوه المرتضى؟..) إلى أن قال: (وإنَّ السجع والصناعة اللفظية تظهر في كثير من جوانبه، على خلاف المعهود في نتاج هذا العصر النبوي.
قالوا: إنَّ فيه من دقة الوصف وغرابة التصوير، ما لم يكن معروفاً في آثار الصدر الأول الإسلامي، كما أنَّه يطوي في جنباته كثيراً من المصطلحات التي لم يتداولها الناس إلَّا [بعد] أن شاعت علوم الحكمة، كالأين والكيف... إلى أن قال: وأمر آخر يريب: وهو أنَّ جامع هذه النصوص لم يسجِّل في صدر كتابه أو أثنائه شيئاً من مصادر التوثيق والرواية).
وقال محقق الكتاب الدكتور صبري إبراهيم السيد بعد دراسة الكتاب ونصوصه: (إنَّ الكتاب اشتمل على خمسة أقسام من النصوص:
1-                   نصوص ثبتت نسبتها إلى عَلِيّ.
2-                   نصوص رواها الشيعة وحدهم.
3-                   نصوص لم يروها أحد.
4-                   نصوص مشكوك في صحة نسبتها لأسباب خاصة.
5-                   نصوص ثبتت نسبتها لآخرين).
والمحقق رغم كل ذلك لم يستطع أن يوثِّقها إلَّا من كتب الأدب والتواريخ، وهي كتب لا ترقى إلى الاعتماد أصلاً.
ونحن أهل السنة -ولله الحمد- لا نستجيز أخذ ديننا من كتب التواريخ والأدب، ولا نحكمها في قضايا الاختلاف.
ثمَّ إن المحقق أجرى مقارنة بين النصوص التي في «نهج البلاغة» وبين نفس النصوص التي في كتب الأدب والتواريخ، فرأى أمراً عجيباً.
النصوص في تلك الكتب لا يتعدَّى بعضها خمسة أسطر، وإذا بها تصبح في كتابنا هذا خمسين ومائة سطرٍ!
فأثبت أنَّ الخطبة الأولى من أولها إلى قوله: (ولا وقت معدود) ومرجعه: (العقد الفريد) لابن عبد ربه، وهي هنا خمسة أسطر فقط، وفي الأصل أي: في نهج البلاغة- أكثر من خمسين ومائة سطر. ثمَّ استطرد يبيِّن الفوارق بين النصوص الموجودة في تلك الكتب وهذا الكتاب([305]).
هذا هو (نهج البلاغة)، فهل يصلح عمدة في دين؟! بل في تاريخ أو أدب؟!
117) قلتم: (وروى الحاكم والهيثمي عن الإمام الحسن عليه السلام ([306])، وابن الأثير والطبري عن الإمام الحسين عليه السلام ([307]).
وروى ابن عساكر عن بُرَيدة بن الحصيب بن عبد الله([308])، والخوارزمي عن ابن مردويه عن أم سلمة([309])، والكنجي الشافعي عن أبي سعيد الخدري([310])، وأبي نُعَيم عن أنس بن مالك([311] واليعقوبي عن مالك بن الحارث الأشتر([312])، والخوارزمي عن عمرو بن العاص([313])، والقندوزي عن عمر بن الخطاب([314])، والمسعودي عن ابن عباس([315])).
والجواب من وجوه:
أولاً: جميع هذه المراجع تاريخية - ما عدا الأول منها - لا يجوز لمسلم أن يعتمد عليها في دينه، ولا أظن أنَّك تجهل ذلك.
والاستكثار من الباطل لا يقلبه إلى حق.
والذي يريد الحق ينبغي أن يعيد النظر في مثل هذا المنهج.
فإنَّ كتب التواريخ مملوءة بالأباطيل، ولو أردنا أن نقابل صنيعك هذا بمثله لفعلنا، فإن التاريخ مملوء بالمتناقضات، لكنَّا لا نستجيز أن نستدل بالتواريخ وكتب الأدب، ولا بالأحاديث الضعيفة في ديننا، فإنَّ ديننا عندنا أعز من ذلك.
ثمَّ إنَّنا أصحاب منهج: ما صحَّ من الدليل قبلناه ولو خالف الهوى، والضعيف لا نستدل به ولو وافق الهوى.
ولهذا فإنَّ الأحاديث والآثار والقصص التي وردت في غير كتب السنَّة لا يُلتفَت إليها، فإنَّ كتب السنن والآثار قد استوعبت كل الأحاديث.
ولذلك فإنَّني سأصرف النظر عن تلك الروايات التاريخية؛ لضياع الوقت في قراءتها والرد عليها، ولو أردت أن تراجع أي كتاب من كتب علماء السنة المؤلفة في إثبات القضايا العقدية؛ لما رأيت تلك الكتب ضمن المراجع المعتمدة إلا إذا كانت ثانوية.
ثمَّ لِمَ لا تعمد إلى أي كتاب من كتب السنَّة المعتمدة لتستدل بها؛ كالصحيحين مثلاً، وهما كتابان قد اعتمدهما أهل السنَّة، ورضوا عن رواياتهما، واهتموا بدراستهما وشرحهما، ثمَّ تذهب إلى كتب مملوءة بالقصص الكاذبة والروايات الباطلة؟!
أهذا نهج المحققين؟!
إن الموقف -يا دكتور- ليس موقف غالب ومغلوب؛ إن الموقف موقف حق أو باطل؛ موقف جنة أو نار.
ثانياً: أمَّا حديث الحسن والحسين فقد ورد في غير هذا الموضع، وبُيِّن عدم صحته.
ثالثاً: أمَّا الأحاديث التي تنسبها إلى مراجع الحديث، فإنَّنا نبين درجاتها حسب المنهج العلمي المعتمد عند أهل السنَّة، وأمَّا روايات التواريخ، فليست صالحة للاستدلال على مسائل الاعتقاد؛ لعدم الوثوق بحفظ هذه المصادر ولا بتلك الروايات.
* الرواية عن أهل البدع:
118) قلتم: (وهكذا روى الذهبي وابن حجر عن جابر الجعفي)([316]).
والعجب من المزي حيث روى عن سعيد بن منصور قال: قال ابن عيينة: سمعت من جابر ستين حديثاً ما أستحل أن أروي عنه شيئاً، يقول: حدثني وصي الأوصياء... إلى أن قال: أقل ما في أمره أن يكون حديثه لا يحتج به، إلا أن يروي حديثاً يشاركه فيه الثقات([317]).
أقول: ما هو مراده من مشاركة الثقات إياه؟ هل مراده أمثال (حريز بن عثمان الحمصي) من رجال البخاري والأربعة([318])، الذي يروي المزي عن أحمد بن حنبل بأنه: ثقة ثقة ثقة، وليس بالشام أثبت من حريز، وهكذا نقل وثاقته عن يحيى بن معين والمدني والعجلي([319])، مع أنه يلعن علي بن أبي طالب صباحاً ومساءً، كما قال ابن حبان فيه: يلعن علياً بالغداة سبعين مرة وبالعشي سبعين مرة، فقيل له في ذلك؟ فقال: هو القاطع رءوس آبائي وأجدادي!!([320]).
قلت: وهنا وقفات:
أولاً: جابر الجعفي كان أول أمره مستقيماً، ثمَّ إنَّه طرأ عليه ما غيَّره: إمَّا اختلاط وإمَّا جنون، ولذلك كذَّبه العلماء، منهم: أبو حنيفة، وسفيان، وليث بن أبي سليم، وزائدة، ويحيى بن معين، والجوزجاني.
قال ابن حبان: (كان سبئياً من أصحاب عبد الله بن سبأ، كان يقول: إنَّ علياً يرجع إلى الدنيا)([321]).
وأورد له القهباني الشيعي الإمامي في كتابه مجمع الرجال قصصاً فيها دعوى الغيب وقال: (كان جُنَّ في نفسه مختلطاً، وكان شيخنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله ينشد أشعاراً كثيرة في معناه تدل على الاختلاط، ليس هذا موضعاً لذكرها).
وأورد له عدة كتب، ثم قال في نهايتها: (وذلك موضوع).
وروى قصة عن عروة بن موسى قال: كنت جالساً مع أبي مريم وجابر عنده جالس، فقام أبو مريم فجاء بدورق من ماء بئر مبارك بن عكرمة.
فقال له جابر: ويحك يا أبا مريم! كأنِّي بك قد استغنيت عن هذه البئر، واغترفت من ههنا من ماء الفرات.
فقال له أبو مريم: ما ألوم الناس أن يسمونا كذابين).
وذكر أول الترجمة عن عبد الحميد بن أبي العلاء قال: (دخلت المسجد حين قُتِل الوليد، فإذا الناس مجتمعون، قال: فأتيتهم، فإذا جابر الجعفي عليه عمامة خز، وإذا هو يقول:حدثني وصي الأوصياء، وارث علم الأنبياء، محمد بن علي عليه السلام، قال: فقال الناس: جنَّ جابر، جنَّ جابر)([322]).
فهذه الترجمة له في كتب الشيعة وصفته بما وصفته به كتب السنة، بأنَّه: كذاب مختلط مجنون، فأي عتب على أهل السنَّة إذا تركوه؟!
ثانياً: إنَّ أهل السنَّة إذا ثبت لهم أنَّ الراوي المخالف لهم في المذهب صادق مطلقاً، أو صادق في تلك الرواية، رووا عنه. وتركهم لجابر الجعفي لأنَّه ثبت عندهم أنَّه يكذب.
ولكنهم رووا عن عشرات الأشخاص ممَّن وُصِفوا بالتشيع؛ لأنَّ الشيعة القدماء لم يكونوا يسبون الشيخين ولا أحداً من الصحابة، وإنَّما كان مذهبهم تقديم علي رضي الله عنه على عثمان رضي الله عنه، ولم يُعرَف عنهم الكذب.
وأمَّا الطائفة التي أطلق عليها (الرافضة) فيما بعد، بسبب رفضهم لزيد بن علي رحمه الله؛ فإنَّهم يُعادون عظماء الأمة، ويتهمونهم بالردة أو بالفسق، ثم هم يستحلون الكذب؛ لأنَّ معتقدهم يقوم على: (التقية)، ولهذا فقلَّ أن يرووا عن شخص منهم إلَّا بعد التوثُّق.
وقد روى الشيخان عن أكثر من ستين شخصاً وُصِفوا بأنَّهم شيعة، وعن جماعة كثيرة وُصِفوا بأنَّهم رافضة، منهم:
1-                   أبان بن تغلب الربعي (م:4).
قال الذهبي: (شيعي جَلد، لكنَّه صدوق، فلنا صدقه وعليه بدعته)([323]).
2-   أحمد بن المفضل القرشي [م د س].
قال أبو حاتم: (وكان من رؤساء الشيعة، صدوق)([324]).
3-   جعفر بن سليمان الضبعي (م:4).
قال ابن معين: (ثقة)، وروى الذهبي عنه أنَّه كان يكره أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ([325]).
4-  خالد بن مخلد القطواني [خ م ت س ق].
قال ابن سعد: (كان متشيعاً، منكر الحديث في التشيع مفرطاً، وكتبوا عنه للضرورة)([326])، أي: لوجود أحاديث عنده ليست عند غيره، أو لعلو السند.
5-  عبد الملك بن أعين الكوفي [ع].
قال أبو حاتم: (من أعتى الشيعة، محله الصدق).
قال سفيان: (رافضي).
وقال العجلي: (ثقة)([327]).
6-  محمد بن فُضَيل بن غزوان [ع].
قال ابن معين: (ثقة). وقال أبو داود: (كان شيعياً محترقاً)([328]).
هؤلاء عدة من الرواة الشيعة وُصِفوا بالتشيع والغلو والرفض، خرَّج أحاديثهم صاحبا الصحيحين أو أحدهما، ولم يمنعهم من ذلك سوء المعتقد إذا ثبت صدقهم.
فإذا رووا عن بعض النواصب، فلأنَّه ثبت عندهم صدقهم، مثلهم مثل من قيل فيهم: إنَّهم شيعة أو روافض، وكانت لهم مذاهب رديئة.
والرواية عن هؤلاء وهؤلاء ليس إقراراً لمعتقدهم، كما سيأتي عن الإمامية كذلك.
ثالثاً: حريز بن عثمان ورد في ترجمته ثلاثة أنواع من الكلام فيما يخص عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه:
1-  نوع فيه أنَّه يحمل على عليّ رضي الله عنه.
2-   ونوع يتبرَّأ من ذلك ويبرئه غيره.
3-   ونوع أنَّه تاب.
ونحن نميل إلى أنَّ الرجل بريء من ذلك أو أنَّه تاب.
قال أبو حاتم: (حسن الحديث، ولم يصح عندي ما يُقال في رأيه).
وقال علي بن عياش: (سمعت حريز بن عثمان يقول لرجل: ويحك! أما خفت الله، حكيت عنّي أنِّي أسب عليّاً، والله ما أسبه وما سببته).
وقال البخاري وهو الذي روى عنه: (وقال أبو اليمان: كان حريز يتناول من رجل ثمَّ ترك -يعني عليّاً رضي الله عنه -)([329]).
رابعاً: ما أوردتموه من لعن علي رضي الله عنه صباحاً ومساءً، أوردها ابن حبان بدون سند، ومثل هذا لا بدَّ له من أساس([330]) حتى يُبنى عليه حكم أو علم.
خامساً: ومثل هذا: محمد بن فُضيل بن غزوان [ع] روى له أصحاب الكتب الستة.
قال الدارقطني: (كان ثبتاً في الحديث إلَّا أنَّه كان منحرفاً عن عثمان)([331])، ومع ذلك روى عنه الشيخان، وعثمان وعلي رضي الله عنهما خليفتان راشدان.
فهل رواية الشيخين عن هذين الراويين إقرار لهما؟
معاذ الله!
ولكن منهج المحدثين أنه إذا كان الشخص صادقاً لا يكذب حسب الظاهر، رووا عنه، وليس في ذلك إقرار لمذهبه. فإذا وجدت أحاديث عند شخص ليست عند غيره، أو كان ما لديه يقوي طرقاً أخرى، لا يجوز صرف النظر عما عنده وتضييع الحق لأجل خطأ صاحبه، وذلك بعد التثبت من صدقه.
سادساً: نحن أصحاب منهج، فإذا ثبت لدينا صدق الراوي نقلنا عنه؛ ولو كان خارجياً أو ناصبياً أو شيعياً محترقاً.
فما هو منهج الشيعة الإمامية؟
قال صاحب (مقياس الهداية في علم الدراية) الشيعي الإمامي: (إنَّ الحديث الصحيح ما اتصل سنده إلى المعصوم، بنقل العدل الإمامي عن مثله في جميع الطبقات، حيث تكون متعددة)([332]).
فأين الإنصاف؟! بصرف النظر عن مدى تحقق هذا الشرط في أحاديث الإمامية من عدمه.
سابعاً: قد قرر علَّامتكم (ابن المطهر): (أنَّ الطعن في دين الرجل لا يوجب الطعن في حديثه)([333])، فَلِمَ يجوز لكم ما لا يجوز لغيركم؟!مع أنني أشك تطبيق الشيعة لهذه القاعدة.
119) قلتم: (أو المراد من الثقات هو مثل: إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، من أئمة الجرح والتعديل عند أهل السنَّة، ومن رجال أبي داود والترمذي والنسائي... ثمَّ ذكرتم إكرام أحمد بن حنبل له، وتوثيق العلماء له، وقول ابن حبان: إنَّه كان فيه انحراف عن عليّ رضي الله عنه... إلخ).
قلت:
أولاً: هذا الراوي ليس من رواة الشيخين، وما أوردته من كلام ليس في كتاب (تهذيب الكمال) الأصل.
وأمَّا ابن حبان فقد رواه بدون سند، ولا يعتد بكلام غير موثَّق.
ثانياً: قد ورد مثله من رواة شيعة، روينا عنهم لما صَدَقوا، ومنهم من يسب عثمان ويكره الشيخين -إن صحَّ عنهم- لأنَّه لم يُعرف عنهم كذب، ولهم عشرات المشايخ والتلاميذ. وبدعتهم عليهم.
120) أوردتم عن أبي الفرج الأصفهاني أنَّه قال: (إنَّ خالداً القسري -أحد ولاة بني أميَّة- طلب من أحدهم أن يكتب السيرة، فقال الكاتب: فإنَّه يمر بي الشيء من سيرة علي بن أبي طالب أفأذكره؟ فقال خالد: لا، إلَّا أن تراه في قعر جهنم. وذكرتم قول ابن خلكان: إنَّه كان متهماً في دينه، وقد بنى لأمِّه كنيسة في داره)([334]).
قلت: لولا أنَّني أحب أن أزيل عنكم ما علق بذهنكم من شبهات، لأعرضت عن مثل هذا الكلام، فإنَّه لا يليق بكم اصطياد الروايات التاريخية التي لا سند لها ولا زمام، لتستدل بها على أعراض الناس وعقائدهم. فهذا منهج أعيذ نفسي وأعيذك منه.
كتاب الأغاني؟!! هل يليق بكم -وأنتم أستاذ جامعي يُعلِّم المنهج ويقود جيلاً- أن تنزل إلى هذا المستوى؟! إنَّني والله أحزن على مثل هذا الاتجاه.
فإذا كانت كتب الروايات المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو الأئمة عندكم، التي اهتم العلماء بها وأفردوا لها مؤلفات، وأوردوها بأسانيد؛ قد حدث فيها الكذب والتحريف، فما بالك بقصص التاريخ؟!
121) قلتم: (إنَّ عمران بن حطان من رجال البخاري وأبي داود والنسائي، قال العجلي: «بصري ثقة». وقال أبو داود: «ليس في أهل الأهواء أصح حديثاً من الخوارج» ثمَّ ذكر عمران هذا وغيره... مع أنَّ العقيلي صرَّح بأنَّ عمران بن حطان كان من الخوارج، وهو المادح لابن ملجم..).
قلت: الجواب تابع لما قبله من وجوه:
أولاً: مذهب أهل السنَّة أن لا يُترك الحق ولو كان من كافر أو فاسق، وهذا الذي قرَّره القرآن الكريم.
قال تعالى حاكياً عن بلقيس اليمن: ((إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً)) [النمل:34]، وهذه كلمة حق من امرأة كافرة. قال تعالى: (وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) [سورة النمل]. قاله ابن عباس رضي الله عنهما ([335]).
وقال تعالى في الفاسق: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)) [الحجرات:6]، فأمر عز وجل بالتثبت ولم يأمر بترك خبره.
ثانياً: قد ثبت للعلماء صدق الخوارج في الحديث، فإنَّهم يُكفِّرون مرتكب الكبيرة، وهذا يعني أنَّ الكذب منهم غير وارد، ولهذا رووا عنهم، ورووا عمَّن سموهم (روافض)، وهؤلاء يتديَّنون بالكذب الذي هو: (التقية)، حتى رووا عن جعفر الصادق أنَّه قال: (إنَّ تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له).
ورووا عنه عن أبيه: (لا والله ما على وجه الأرض من شيء أحب إليَّ من التقية)([336]).
فكيف يُوثَّق من يعتقد أنَّ تسعة أعشار الدين كذب، ومن لا يكذب لا دين له؟ ولا يوثَّق من يعتقد أنَّ الكذب «كفر» أو مخرج من «الإيمان»؟!
أمَّا الرواية عن عمران بن حطان، فقد قال فيه قتادة: (كان عمران بن حطان لا يتهم في الحديث)([337]).
وقال فيه ابن كثير: (كان أحد العباد)، وصف لحاله وليس ثناءً عليه.
ثالثاً: قولكم: (هؤلاء قسم من ثقات أهل السنَّة، ورواة الصحاح الستَّة، وكم لهم من نظير!).
قلت: الجواب من وجوه:               
الأول: أهل السنَّة يروون الحديث عن كل من ثبت عندهم صدقه، ولو كان مبتدعاً كما مر.
الثاني: رواة الصحيح هم من أوثق الرواة من حيث صدق الرواية، وخاصة الرواية التي تذكر في الصحاح.
الثالث: رواة السنن لا تُقبل رواياتهم إلَّا إذا كانوا ثقات، وليس كل رواية تَرِدُ عنهم تُقبل، والعلماء قد ترجموا لهم وذكروا أحوالهم؛ لينظر فيمن تُقبل رواياتهم ممَّن تُرد.
الرابعً: رواة السنَّة عندنا معروفون مترجم لهم؛ لكن ماذا عن رواة السنن عند الإمامية؟ هل هم معروفون؟ ثمَّ هل هم أتقياء بررة؟ اسمع إلى كلام الألوسي رحمه الله وهو يحدِّثنا عن الكتب الأربعة الصحاح عند الإمامية، قال: (زعموا أنَّ أصح كتبهم أربعة: الكافي، وفقه من لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار.. وما زعموه من صحتها باطل؛ لأنَّ في إسناد الأخبار المروية من هو من المجسمة؛ كالهشامين وصاحب الطاق.
ومنهم من أثبت الجهل لله في الأزل؛ كزُرارة بن أعين، وبكير بن أعين، والأحولين، وسليمان الجعفري، ومحمد بن مسلم وغيرهم.
ومنهم فاسد المذهب؛ كابن مهران، وابن بكير، وجماعة أخرى.
ومنهم الوضَّاع؛ كجعفر القزاز، وابن عياش.
ومنهم الكذَّاب؛ كمحمد بن عيسى.
ومنهم الضعفاء كثيرون.
ومنهم المجاهيل وهم أكثر)([338]).
ثمَّ استطرد رحمه الله يبين تكذيب بعضهم البعض في الرواية، وهذا تأكيد لكلام السيد محمد الصدر، في أنَّ رواة العقائد والتاريخ عند الشيعة مجهولون، كما ذُكر في مكان آخر من هذا البحث.
وقد تقدم تكذيب جعفر الصادق لجماعة من تلاميذه([339]).
122) قلتم (ص:41): (كيف يمكن توثيق من لعن علي بن أبي طالب والرواية عنه في الصحاح، التي هي الملاك في سنَّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والمدار في استنباط الأحكام؟).
قلت: الجواب من وجوه:
أولاً: لعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كبيرة من الكبائر، ولعن أبي بكر أو عمر أو عثمان، أو أي أحد ممَّن شهد لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخير والفضل والجنَّة كذلك.
ثانياً: تكفيرهم أو تكفير أحد منهم أشد من لعنهم، فأمَّا تكفير المجموع إلَّا أفراداً فهذا كفر؛ لأنَّه يؤدي إلى إبطال الإسلام كما تقدم.
ثالثاً: تقدم أكثر من مرة أنَّ العلماء يروون عن الشخص الفاسق أو المبتدع إذا كان لم يُعرف بالكذب؛ إذ أنَّه لو تُركت الرواية عن كل من فُسِّق أو ضُلل أو اتهم ببدعة رغم صدقه؛ فإنَّ هذا يحرم الناس وصول كثير من السنن.
وذلك انطلاقاً من قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)) [الحجرات:6].
فأمر عز وجل بالتثبت من رواية الفاسق، ولم يأمر عز وجل بردها والله سبحانه وتعالى هوالذي يشرع لعباده.
وقد صدّق عز وجل كلام الكافر كما في قصة ملكة سبأ التي قالت: ((إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا)) [النمل:34]فقال تعالى: (وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) [النمل:34]، فمنهج أهل السنة منهج رباني، يقبل الحق ولو كان من كافر؛ ولا يرد الحق لخلاف عقدي أو غيره كما تفعله الشيعة، والتي تجعل قول المخالف باطلاً وتتعمد مخالفته، كما في الروايات المزعومة عن بعض آل البيت.
فقد روى الكليني عن أبي عبد الله أنه قال لبعض من سأله عن مسألة لم يتبين له فيها وجه الصواب: (ما خالف العامة ففيه الرشاد)[1/67].
رابعاً: ليس كل من نسب إليه السب صحَّ عنه ذلك الفعل، وقد تقدَّم ما قيل عن حريز ابن عثمان، وكيف أنَّه نقل عنه التبرؤ من ذلك. وقيل: إنَّه تاب.
خامساً: رأيتم أنَّ العلماء رووا عمَّن نسب إليه السب لعثمان والكره لأبي بكر وعمر، ولم يمنعهم من الرواية عنهم ما داموا صادقين، وقلنا: إنَّ القرآن الكريم قرَّر ذلك.
سادساً: الرواية عنهم لا تعني الرضى عن فعلهم.
سابعاً: هذا اجتهاد في موضوع الرواية، وعلماء السنَّة مختلفون في مثل هؤلاء: فمنهم من يرد رواياتهم ويُضعِّفهم، ومنهم من يقبلها إذا ضمن الصدق فيها.
ثامناً: هذا رجل واحد وقع منه السب -إن صح عنه ذلك- وربَّما لو عد من وقع منه السب في رواة السنَّة لكانوا عدداً قليلاً، فكم في علمائكم وعبَّادكم ورُواتكم من يلعن أبا بكر وعمر وعثمان وعظماء الصحابة، ويسمُّون الشيخين بصنمي قريش؟!
أهذا يجوز يا تُرى؟!
فهذا المامقاني أورد هذا الدعاء: (اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، والعن صنمَي قريش وطاغوتيهما وابنتيهما)([340]).
وقد نقل الدكتور علي السالوس عن العالم الشيعي المعاصر السيد الحسن الموسوي أنه قال: (هذا دعاء منصوص عليه في الكتب المعتبرة، وكان الإمام الخميني يقوله بعد صلاة صبح كل يوم)([341]).
فهل يجوز أن تأخذوا العلم عن مثل هذا؟! وقد تقدم اتهامه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدم التبليغ كما ينبغي! وأيهما أعظم جرماً يا تُرى؟!
تاسعاً: هل رأيت أحداً من علماء السنَّة وعوامهم يفرح بمقتل علي رضي الله عنه؟ وهل اتخذوا له عيداً؟
أليس في كتبكم روايات تثني على قاتل عمر رضي الله عنه، وعندكم من يتَّخذ ذلك عيداً؟! وقد شيدتم له مزاراً وأقمتم على قبره قبة عظيمة تزار إلى اليوم وهو مجوسي؟!!
إنَّ هذا التعاطف مع بعض الصحابة رضي الله عنهم، حبَّذا لو عُمِّم وعظِّم كل الصحابة، فإنَّنا نحترم جميعهم ولا نفرِّق بين أحد منهم.
123) أوردتم حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من سبَّ عليّاً فقد سبَّني) وعزوته إلى أحمد والمستدرك([342]).
قلت: هنا وقفتان:
أولاً: سب علي رضي الله عنه، أو أي أحد من الصحابة العظماء، كبيرة؛ ما لم يتعد إلى جميعهم أو إلى غالبهم، فيكون كفراً.
ثانياً: الحديث في سنده أبو عبد الله الجدلي، قال ابن سعد: (ويُستضعَف حديثه، وكان شديد التشيع).
وقال الذهبي: (شيعي بغيض، كان صاحب راية المختار([343])، وقد وثقه أحمد([344])).
وفيه: أبو إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله، وهو ثقة؛ لكنَّه مدلس، وهو هنا عنعن الرواية فقال: (عن أبي عبد الله) قال ابن حبان: (كان مدلساً)([345])، وأكده الطبري.
والتدليس أنواع، ومنه: أن يسقط الراوي الذي سمع منه الحديث لأنه ضعيف أو نحو ذلك، ويرويه عمن هو فوقه، مستخدماً لفظة: (عن) أو نحوها، ولا يصرح بسماعه منه لأنه لم يسمعه منه، وهذا تدليس يرد به الحديث.
وقال الجوزجاني: (وكان قوم من أهل الكوفة لا يحمد الناس مذاهبهم... احتملهم الناس على صدق ألسنتهم في الحديث، ووقفوا عندما أرسلوا؛ لما خافوا ألا تكون مخارجها صحيحة، فأمَّا أبو إسحاق: فروى عن قوم لا يعرفون، ولم ينتشر عنهم عند أهل العلم إلَّا ما حكى أبو إسحاق عنهم...)، ثمَّ رأى أنَّ الأخبار إذا لم تعرف يتوقف فيها([346]).
124) قلتم: (وما رواه الطبراني عنها قالت: أيُسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم... فيكم على رءوس الأشهاد؟ فقلت: سبحان الله! وأنَّى يُسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقالت: أليس يُسب علي بن أبي طالب ومن يحبه، فأشهد أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحبه)([347]).
والجواب من وجوه:
أولاً: هذا الحديث هو نفس الحديث السابق، غير أنَّ لفظ هذا الحديث مختلف، إذ فيه أنَّه: (يسب علي بن أبي طالب ومن يحبه)، ولا شكَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحبه، فمن سبَّه بهذا اللفظ: فإن كان يعلم أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحبه فهو كافر، وإن كان لا يعلم فهو على شفا جرف، مثله كمثل من سب أي صحابي آخر كأبي بكر وعمر وغيرهما.
ثانياً: في سند الطبراني: (السدي عن أبي عبد الله الجدلي).
والسدي شخصان: كبير اسمه: إسماعيل بن عبد الرحمن، وهو من رواة مسلم([348]).
وصغير وهو: محمد بن مروان، قال البخاري: (لا يكتب حديثه). وقال أبو حاتم: (ذاهب الحديث، متروك الحديث). وقال صالح بن محمد البغدادي الحافظ: (وكان يضع الحديث)([349]).
وكثيراً ما يدلس بعض الرواة بذكر اسم يحتمل هذا وهذا، ولو أراد الثقة لصرَّح باسمه عادة والله أعلم.
ثالثاً: أمَّا حب علي رضي الله عنه، فقد ورد في روايات صحيحة تغني عن مثل هذه الرواية، كما سيأتي قريباً.
125) قلتم: (وما ذكره ابن عبد ربه عن أم سلمة...)([350]).
قلت: هو نفس الحديث. ثمَّ كتب الأدب ليست مراجع للدين، كما قد بُيِّن ذلك أكثر من مرة.
126) قلتم: (وبعد ذلك كله، فانظر ما قيمة كلام ابن كثير قائلاً: (أسانيدها كلها ضعيفة لا يُحتج بها)، هل هي إلَّا جرح غير مفسر مردود، ويا ليت كان يعين أين من الرواة كان ضعيفاً فصارت الرواية بسببه ضعيفة؟!).
والجواب من وجوه:
أولاً: قد تبين ممَّا أوردته في السابق صحة كلام ابن كثير رحمه الله.
ثانياً: هذه الصورة ليست ممَّا يُقال: جرح مفسر أو غيره، وإنَّما يُقال: من هو الراوي الضعيف الذي ضُعِّف الحديث بسببه؟ أمَّا الجرح فهو مرحلة ثانية بعد التضعيف؛ بأن يُقال: علة الحديث فلان، فيُقال: ما هو عيبه؟ فيُقال: ضعيف أو متروك أو كذاب، أو نحو ذلك.
ثالثاً: قد أورد ابن كثير بعد ذلك حديثاً صحيحاً في مسلم، عن علي رضي الله عنه أنَّه قال: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنَّه لعهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليَّ: أنَّه لا يحبك إلَّا مؤمن، ولا يبغضك إلَّا منافق)، ثمَّ قال: (وهذا الذي أوردناه هو الصحيح من ذلك).
وهذا منهج أهل السنَّة: يثبتون الفضائل الصحيحة، ويردون الأحاديث التي لم تصح، حتى لو كانت لمن يقدمونه على غيره في المرتبة؛ فلا حاجة للصحابة رضي الله عنهم إلى ادعاء فضائل لا تصح، فإن فيما صح غنية.
رابعاً: إذا عرفت أن هذه الرواية ضعيفة فهل تردها؟!
إذ مطالبتك ببيان سبب التضعيف يوحي بذلك.
وها قد رأيت -وسترى بإذن الله- أن أكثر الأحاديث التي أوردتها أنت ضعيفة أو مكذوبة، فهل سينفعك ذلك؟ أرجو.
* حكم من سب الصحابة رضي الله عنهم وبيان إنصاف أهل السنة:
127) قلتم: ما الفرق بين علي بن أبي طالب وأبي بكر وعمر؟ حيث إنَّهم وثقوا من سب عليّاً عليه السلام، ولكن حكموا بكفر من سب أبا بكر وعمر، وأفتوا بقتلهم، كما عن الفريابي: (من شتم أبا بكر فهو كافر لا أُصلِّي عليه. قيل: فكيف تصنع به وهو يقول: لا إله إلا الله؟ قال: لا تمسوه بأيديكم، ارفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته).
والجواب من أوجه:
أولاً: أسأل الله عز وجل أن يفتح قلبك للحق، وأن يُنير بصيرتك، وأن يرينا وإيَّاك الحق وأن يرزقنا اتباعه.
ثانياً: تذكرت وأنا أعيش مع كلامك مثالاً كنت أذكره لطلابي في شبهات غير المسلمين التي يثيرونها على الإسلام، وكيف يُرد عليهم.. مع الفارق -طبعاً- هنا.
فقلت: قبل الجواب على السؤال، أضرب مثالاً بين يديه لتقريب الجواب:
رجل قرَّر أن يمشي على يديه رافعاً رجليه إلى السماء، أحبَّ أن يزور صديقاً له في بعض البلدان، فاستقبله صديقه في المطار، وإذا بصديقه ينزل سائراً على يديه!
فأول ما نزل من الطائرة قال هذا الصديق السائر على يديه: يا أخي لماذا أراك مقلوباً؟ ثمَّ جاء ليركب في الحافلة فقال: لماذا الحافلة مقلوبة؟ ثمَّ عندما ركب في الحافلة قال: لماذا الناس مقلوبون؟ ولمَّا رأى أشجار المطار قال: لماذا الأشجار مقلوبة؟! وهكذا.. وهكذا..
فصديقه هذا إن أخذ يحاول أن يجيب على كل سؤال، فإنَّ الأسئلة لا تنتهي؛ لأنَّ كل شيء بالنسبة له مقلوب.
فما هو الحل؟ الحل أن يُقنِعَ صديقَه هذا أنَّ كل ما رآه مستقيم، وأنَّه هو المقلوب، وأنَّ الحل أن يقف على قدميه ليرى كل شيء مستقيماً.
ثالثاً: إنَّ كلامك يُوهم أنَّ أهل السنَّة لا يعظمون عليّاً رضي الله عنه، وأنَّهم إذا رووا عمن يسبه فهم لا يحبونه، بسبب روايتهم عمَّن نسب إليه أنَّه كان يسبه.
وقد تقدَّم الكلام على هذا.
وكيف لا نحبه وهو من آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن نعتقد أنَّ صلاتنا لا تكمل إلَّا بالدعاء له مع آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من أمَّهات المؤمنين، وذريته صلى الله عليه وآله وسلم، وآل العباس، وآل عقيل، وآل حمزة، وآل علي. فإن كنت تعتقد أنَّنا لا نحبه، فهذا اعتقاد خاطئ، وفهم لا يقوم على دليل، وإنَّما على شبهات.
أمَّا ما ذكر من سب بعض بني أميَّة لعلي رضي الله عنه، فلا يمثل فعلهم هذا أهل السنَّة، فنحن نبرأ ممَّا فعلوه (عقيدةً) لا (تقية).
رابعاً: أنت نقلت نصوصاً مختلفة عن أشخاص عدة، لكل شخص قول قاله في حكم من سب الصحابة، وجعلت الكلام خرج مخرجاً واحداً وكأنَّه من شخص واحد، وهذا لا يصلح في البحث العلمي؛ وذلك لاختلاف العلماء في الحكم على من سب الصحابة: فمنهم من يُكفِّره سواء سبَّ أبا بكر أو عليّاً، ومنهم من يفسقه سواء سبَّ أبا بكر أو عليّاً.
لكن لا يليق أن تأتي إلى إنسان يكفر من سبَّ أبا بكر، وإلى إنسان آخر يفسق من سبَّ أبا بكر وسبَّ عليّاً، وتقارن بين كلامه في التفسيق لساب عليّ، وكلام من كفر من سب أبا بكر.
والإنصاف أن تورد كلام نفس الشخص في كلا الصحابيَّين، وبهذا يمكن أن تكون المقارنة منصفة.
خامساً: حكم سب الصحابة من القضايا التي اختلفت فيها الأنظار:
فمن العلماء من يرى أنَّ الساب لأحد من الصحابة لا يُكفَّر، إذا كان السب لآحاد الصحابة؛ كأن يسب أبا بكر رضي الله عنه، أو يسب عليّاً رضي الله عنه، وإنَّما يفسق ويُجلد ولا يُقتَل، ويرون أنَّ السب كبيرة من الكبائر.
ومنهم من يرى أنَّه يُكفَّر، أو يُقتَل عقاباً.
وفيما يلي عرض ذلك بإيجاز:
أولاً: من قال: إنَّ السَّاب لا يُكفَّر وإنَّما يُؤدَّب:
1-                    روى اللالكائي بسنده: أنَّ الإمام أحمد سُئِل عمَّن سبَّ رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (أرى أن يُضرَب ضرباً نكالاً)([351]).
فهو لم يُفتِ بقتل من سبَّ أحد الصحابة، وإنَّما أفتى بالضرب، ولو كان عنده كافراً لحكم بقتله.
2-                    قال إسحاق بن راهويه: (من شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُعاقَب ويُحبَس).
3-                    وفي الرسالة التي رواها الإصطخري عن الإمام أحمد، قال فيها: (خير الأمَّة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان -ووقف قوم- وهم خلفاء راشدون مهديون.
ثمَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد هؤلاء الأربعة خير الناس، لا يجوز لأحدٍ أن يذكر شيئاً من مساويهم، ولا يطعن على أحدٍ منهم بعيبٍ ولا نقص، فمن فعل ذلك فقد وجب تأديبه وعقوبته...)([352]).
4-                   ومثل هذا ورد عن عمر بن عبد العزيز([353])، وإسحاق بن راهويه، وهو مشهور مذهب مالك([354])، وابن المنذر([355]).
5-                   وعقد القاضي أبو يعلى في بعض كتبه مبحثاً في حكم سب الصحابة، قال في أوله: (سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حرام بالكتاب والسنَّة)، ثمَّ أورد الأدلة([356]).
6-                   وقال سحنون: (من كفَّر أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم: عليّاً أو عثمان أو غيرهما، يُوجَع ضرباً)([357]).
7-                    عن مغيرة وأبي إسحاق الهمداني: (شتم أبي بكر وعمر من الكبائر)([358]).
ثانياً: من قال بكُفر أو قتل من سبَّ الصحابة:
1-                   روى اللالكائي بسنده عن أبي ذر رضي الله عنه أنَّه قيل له: (لو أتيت برجل يسب أبا بكر عليه السلام ما كنت صانعاً؟ قال: أضرب عنقه. قال: فعمر؟ قال: أضرب عنقه)([359]).
2-        وعن سحنون فيمن قال في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي: إنَّهم كانوا على ضلال وكفر؛ قُتِل، ومن شتم غيرهم من الصحابة بمثل هذا؛ نُكِّل النكال الشديد([360]).
3-        قال ابن تيمية: (وصرح جماعات من أصحابنا بكفر الخوارج المعتقدين البراءة من علي وعثمان، وبكُفر الرافضة المعتقدين لسب جميع الصحابة، الذين كفروا الصحابة وفسقوهم وسبوهم)([361]).
ثالثاً: مذهب من فصَّل في ذلك:
قال ابن حجر: (اختلف في ساب الصحابي، فقال عياض: ذهب الجمهور إلى أنَّه يُعزَّر، وعن بعض المالكية يُقتَل.
وخصَّ بعض الشافعية ذلك بالشيخين والحسنين، فحكى القاضي حسين في ذلك وجهين، وقواه السبكي في حق من كفَّر الشيخين، وكذا من كفَّر من صرَّح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإيمانه أو تبشيره بالجنَّة، إذا تواتر الخبر بذلك؛ لما تضمن من تكذيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([362]).
هذه بعض نصوص أهل السنَّة، فأين فيها التفريق بين علي رضي الله عنه وبين غيره؟
سادساً: إنصاف أهل السنَّة يتجلَّى واضحاً في مراجعهم لمن وفقه الله وفتح قلبه.
ولعلي هنا أورد طرفاً ممَّا شهد به ابن الوزير