آخر تحديث للموقع :

الثلاثاء 16 صفر 1441هـ الموافق:15 أكتوبر 2019م 10:10:56 بتوقيت مكة
   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

موقف العلماء والمفكرين من الشيعة الإثني عشرية ..
الكاتب : مجلة الراصد
كتاب الراصد (1)
 
 
 
موقف العلماء والمفكرين
 
من الشيعة الإثني عشرية
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
إعداد موقع الراصـد
www.alrased.net
 

 
 
 
جميع الحقوق محفوظة
 
 
 
 
الطبعة الأولى
1428هـ - 2007هـ

مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المبعوثين، أما بعد: فقد كثر في هذا الوقت الحديث عن الشيعة، وذلك بسبب صعودهم إلى مسرح السياسة بعد زوال نظام صدام حسين، فأصبحت تجد الناس منقسمين إلى فريق يذم الشيعة ويطعن عليهم، وفريق يدافع ويثني عليهم.
والفريق المدافع يجعل من حجج دفاعه أن الكثير مما يذم به الشيعة أكاذيب أو مواقف قديمة لا يتبناها المعاصرون، أو أن هذا كله بسبب الصراع السلفي الوهابي مع الشيعة.
فحسماً للجدل أحببنا أن نجمع للقارئ الكريم بعض الأبحاث العلمية والتي لم يسمع بها كثير من الناس حول الشيعة، كتبها علماء ومفكرون وباحثون ليس فيهم وهابي واحد، بل بعضهم من أشد أعداء السلفية والوهابية، وذلك من بلاد مختلفة وأزمان متفاوتة ومذاهب متباينة، وبعضهم يزعم الشيعة أنهم تشيعوا أو محبون للشيعة، أو يؤمنون بالتقريب بين السنة والشيعة على الطريقة الشيعية، وتجد ذلك في مواقع الشيعة على شبكة الإنترنت، وبعض الكتب كتاب "المتحولون" لهشام قطيط، وككتاب "مع رجال الفكر في القاهرة" لمرتضى الرضو.
نهدف منها بيان أن عقائد الشيعة التي ينكرها بعض المدافعين عن الشيعة ثابتة عند كل الباحثين.
ومقصد آخر هو: هدم زعم الشيعة أن السلفيين أو الوهابيين هم فقط الذين يزعمون مخالفة الشيعة للإسلام.
فها هم عشرون عالماً ومفكراً يضعون بين يديك حقيقة مذهب وفكر الشيعة، والقرار في النهاية لك وأنت المسئول عنه وحدك أمام الله:
1-       الأستاذ أحمـد أمـين.
2-       الدكتور مصطفى الشكعة.
3-       الشيخ سعيد حوّى.
4-       الشيخ أبو الحسن علي الندوي.
5-       الإمام محمد أبو زهرة.
6-       الشيخ محمد منظور نعماني .
7-       الشيخ عطية صقر.
8-       الأستاذ محمد زاهد الكوثري.
9-       الدكتور صابر طعيمة.
10-  الدكتور محمد عمارة.    
11-   الأستاذ محمد كرد علي.
12-  الشيخ أحمد بن زيني دحلان.
13-  العلامة محمد الطاهر ابن عاشور التونسي.
14-  شيخ الأزهر محمد الخضر حسين .
15-  الشيخ محمد عرفة.
16-  العلامة موسـى جـار الله.
17-  الدكتور عبد المنعم النمر.
18-  الدكتورعمر عبد الله كامل.
19-  الأستاذ محمد عبد الله عنان.
20-    الدكتور مصطفى السّباعي.
وهذه الأبحاث سبق أن نشرت في مجلة الراصد نت: (www.alrased.net)، ولا يزال ينشر حلقات جديدة منها في المجلة.
وقد وضعنا فهرس للفوائد العلمية في نهاية الكتاب .
 
مشرف الراصد.نت
 
 
 
 
 
 
 
 
 
1- الأستاذ أحمـد أمـين
 
-        ولد عام 1886 ، وتوفي عام 1954.
-        عمل في القضاء والتدريس في الجامعة في كلية الآداب ثم تولي عمادة كلية الآداب.
-        قام بإنشاء مجلتي الرسالة والثقافة.
-        أشراف على لجنة التأليف والترجمة والنشر مدة أربعين سنة.
-        عضو بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، عضوا مراسل للمجمع العربي بدمشق وفي المجمع العلمي العراقي.
 
 


الشيعة
 [وسبب اختيارنا بحث الأستاذ أحمد أمين من كتابه "ضحى الإسلام"، دون ما كتبه في "فجر الإسلام" بيَّنه أحمد أمين في مذكراته وهو موضع لم ينتبه له كثير من الباحثين حيث قال: "ولمست في العراق الانقسام بين الشيعة والسنية، وقد زرت النجف وكربلاء وغيرهما، وهي حصون الشيعة، وصادف ذلك أيام العزاء وذكرى مقتل الإمام علي بن أبي طالب، ورأينا العامة في كربلاء يضربون صدورهم ضرباً شديداً حتى ليدموا أجسامهم حزناً على الإمام، ومنهم من يضربون أنفسهم بالسيوف، ومنهم من يضربون ظهورهم بسلاسل من حديد، والنساء يولولن على نحو ما كان معروفاً من عمل الشيعة في القاهرة إلى عهد قريب. وقد أسفت لهذه المناظر وحملت مسئولية ما يعمل في هذا الباب علماء الشيعة، وفيهم فضلاء أجلاء مسموعو الكلمة يستطيعون أن يبطلوا كل هذا بكلمة منهم، ولكن لا أدرى لماذا لا يفعلون.
"ولما أخرجت كتاب "فجر الإسلام" كان له أثر سيئ في نفوس كثير من رجال الشيعة، وما كنت أقدر ذلك، لأني كنت أظن أن البحث العلمي التاريخي شيء والحياة العملية الحاضرة شيء آخر، ولكن شيعة العراق والشام غضبوا منه وألفوا في الرد عليه كتباً ومقالات شديدة اللهجة لم أغضب منها.
"ولما لقيت شيخ الشيعة في العراق الأستاذ آل كاشف الغطاء عاتبني على ما كتبت عن الشيعة في "فجر الإسلام"، وقال: إني استندت فيما كتبت على الخصوم، وكان الواجب أن أستند إلى كتب القوم أنفسهم، وقد يكون ذلك صحيحاً في بعض المواقف، ولكني لما استندت على كتبهم في "ضحى الإسلام"، ونقدت بعض آرائهم نقداً عقلياً نزيهاً مستنداً على كتبهم غضبوا أيضاً، والحق أنى لا أحمل تعصباً لسنية ولا شيعة، ولقد نقدت من مذاهب أهل السنة ما لا يقل عن نقدي لمذهب الشيعة، وأعليت من شأن المعتزلة بعد أن وضعهم السنيون في الدرك الأسفل إحقاقاً لما اعتقدت أنه الحق"([1])] الراصد.
 

الشيعة
"ضحى الإسلام"  (4/109)
كانت فرق الشيعة فرقاً كبيرة يعتنقها عدد كثير من المسلمين, ويتجادل علماؤهم مع المعتزلة وأهل السنة جدالاً طويلاً حكى عنه المؤرخون كثيراً, وكانت هذه الفرق تختلف غلواً واعتدالاً.
ومن أشد الخصومات ما كان بين المعتزلة والروافض، لما روي من أن جماعة كثيرة جاءت زيد بن علي لتبايعه, وألحّوا عليه في قبول البيعة ومحاربة بني مروان، فلما أراد زيد أن يجاهر بالأمر جاء إليه بعض رؤسائهم وقالوا له: ما قولك في أبي بكر وعمر؟ قال زيد: رحمهما الله وغفر لهما, ما سمعت أحداً من أهل بيتي يتبرأ منهما ولا يقول فيهما إلا خيراً, وأشد ما أقول: إنا كنا أحق بسلطان رسول الله r من الناس أجمعين. وإن القوم استأثروا علينا ودفعونا عنه, ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفراً، قد ولّوا فعدلوا في الناس وعملوا بالكتاب والسنة، فلم تعجبهم هذه الأجوبة, فنكثوا عن البيعة له ورفضوه, فقال زيد: رفضتموني في أشد ساعات الحاجة» فسموا بالروافض عند ذلك. وقد يسمون بالرافضة أيضاً، وهو اسم مكروه، وهناك طوائف غير الرافضة بعضهم أكثر غلواً وبعضهم أكثر اعتدالاً, ومن أعدلهم الزيدية.
الإمامة
كذلك من أعدلهم من جمع بين الشيعة والاعتزال, وأهم اختلافهم كان على مسألة الإمامة: هل الأحق بخلافة المسلمين أبو بكر وعمر وعثمان؟ فقال أهل السنة: إن ترتبيهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة, وإنهم لم يظلموا علياً ولم يغتصبوا منه الخلافة، وإن أكثر الصحابة كانوا أعلم بظروفهم وأعلم بأخلاق بعضهم، فاختاروا أبا بكر ثم عمر ثم عثمان لأنهم رأوا أن ذلك أنفع للمسلمين.
وذهبت الشيعة إلى أن علياً أولى بالخلافة لأن النبي r نصّ على ذلك؛ ولأن فيه من المزايا ما ليس في غيره. ومن أجل أن الإمامة أهم شيء في الخلاف وقد عدوها أصلاً من أصول الدين سميت طائفة كبيرة بالإمامية, وهم يرون أن الإمامة في عليّ أولاً ثم في أبنائه على التعيين واحداً بعد واحد.
وأن الإيمان بالإمام ومعرفته أصل من أصول الدين, وقد دعاهم احترام الأئمة وإجلالهم إلى القول بعصمتهم, والحق أن ظاهر القرآن لا يقول بعصمة الأنبياء مثل: {فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه:121]، و{عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الأعْمَى} [عبس:1-2], {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف:6]، ولهذا لما قال الشيعة بعصمة الأئمة اضطروا أن يقولوا بعصمة الأنبياء أيضاً، وفشت هذه العقيدة في المسلمين الآخرين، وربما كان الفخر الرازي من أسبق القائلين بعصمة الأنبياء.
يقول المجلسي في كتابه "حياة القلوب": وهم - أي الأئمة - معصومون من الذنوب صغيرها وكبيرها فلا يقع منهم ذنب أصلاً لا عمداً ولا نسياناً ولا سهواً ولا غير ذلك، ولا يقع منهم ذنب قبل نبوتهم حتى ولا في دور طفولتهم.
ويستند الشيعة في ذلك إلى قوله تعالى لإبراهيم: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة:124]، ثم قال: { قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة:124].
قالوا: فنعلم من ذلك أن كل مذنب فاسق ظالم فلا يصلح للإمامة. قالوا: ولا يصلح للإمامة من كان يعبد الأصنام أو أشرك بالله لحظة واحدة حتى وإن صار مسلماً بعد ذلك, وقد قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13]. وكذلك لا يكون إماماً من ارتكب حراماً صغيراً كان أم كبيراً حتى ولو تاب بعد ذلك, فإنه لا يأمر بإقامة الحد من وجب إقامة الحد عليه فوجب أن يكون الإمام معصوماً. ويستدل الشيعة على ذلك بأحاديث كثيرة.
وقد يفلسفون هذه العصمة كالذي يقول المجلسي: «واعلم أنّ القائلين بالعصمة قد اختلفوا في المعصوم؛ هل هو قادر على فعل المعصية أم لا؟
فالذين قالوا بأنه غير قادر قالوا: إنّ في بدنه أو في نفسه خاصة تقتضي أن يكون الإقدام على ارتكاب المعصية محالاً. وقال بعضهم: إن العصمة ملكة نفسانية لا يصدر عنها أية معصية. ويقول بعضهم: إن العصمة لطف من الله بالنسبة للعبد, فلا يجد العبد في هذا اللطف داعياً لترك الطاعة وارتكاب المعصية».
وقد يستدلون بقوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب:33].
وأهم فرق الإمامية فرق تسمى "الإثنا عشرية" وسميت بذلك لأنها تقول باثني عشر إماماً أولهم عليّ, وآخرهم محمد بن الحسن العسكري، عكس فرقة أخرى تسمّى السبعية؛ لأنها تقف عند الإمام السابع وهو إسماعيل, ولذلك يسمون بالإسماعيلية، وبعد إسماعيل أتت أئمة مستورة.
والظاهر أنه غلب عليهم الاعتقاد بالإرث, أي أنّ النبي r يورث, أي: يورث في روحانيته, كما يورث الناس في أموالهم حتى تجادل في ذلك الشعراء. فقال دعبل الشاعر الشيعي:
أرى فيئهم  في  غيرهم  مقتسماً   وأيديهم  مـن  فيئهم  صفرات
هم أهل ميراث النبي إذا اعتزوا   وهم  خير  قادات  وخير  حماة
ويقول منصور النمري من شعراء العباسيين:
يا أيها الناس لا تعزب  حلومكم   ولا تضفكم إلى  أكنافها  البدع
العمّ أولى من ابن العم فاستمعوا   قول النصيحة إن الحق مستمع
وقد وضع ابن المعتز العباسي قصيدة في أحقية أولاد العباس ورد عليه تميم بن المعز الفاطمي([2]) على قافيتها.
ويظهر أنّ الإمامة في نظر الشيعة تطورت مع التاريخ, فقد كانت كلمة إمام وإمامة تطلق بالمعنى الإسلامي المعروف, فإذا قال بعض الصحابة: إنّ الإمام هو أبو بكر وعمر, وقال الشيعة إنّ الإمام هو عليّ, كانوا يفهمون من ذلك أن الإمام بمعنى الرياسة والتقدم, كالإمام في الصلاة.
ولكن يظهر أنّ الكلمة تطورت بعد ذلك إلى معنى آخر وهو أن في الإمام معنى روحياً؛ فالإمام له صلة روحية بالله على نحو أقل من الصلة الروحية بين الله والأنبياء, جاء في كتاب "الكافي" للكليني وهو من أوثق مصادرهم: «كتب الحسن بن العباس المعروفي إلى الرضا: جعلت فداك! أخبرني ما الفرق بين الرسول والإمام والنبي, فكتب أو قال: الفرق بين الرسول والنبي والإمام أنّ الرسول هو الذي ينزل عليه جبريل فيراه ويسمع كلامه وينزل عليه الوحي، وربما رأى الشخص ولم يسمع، والإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص»([3]). فالإمام بهذا المعنى يوحى إليه.
قالوا: «والله أعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل؛ إن زاد المؤمنون شيئاً ردّهم، وإن نقصوا شيئاً أتمه لهم، وهو حجة على عباده. ولا تبقى الأرض بغير إمام ... حجّة لله على عباده، ولو لم يبق في الأرض إلا رجلان لكان أحدهما الحجّة، وكان هو الإمام». وفيه أيضاً: «ومن لا يعرف الله عز وجل ولا يعرف الإمام منا أهل البيت، فإنما يعرف ويعبد غير الله»([4]).
قال أبو جعفر: «نحن خزّان علم الله، ونحن تراجمة وحي الله، ونحن الحجة البالغة على من دون السماء، ومن فوق الأرض، والأئمة نور الله الذي قال فيه تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [التغابن:8]، ونور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنهار، ويحجب الله نورهم عّمن يشاء فتظلم قلوبهم»([5]).
بل زادوا على ذلك فقالوا: إن الله خلق العالم لأجلهم، وإنه قد فوّض أمور الناس إليهم، وإنه بوجودهم ثبتت الأرض والسماء، وبيمنهم رزق الورى، وانه يجب أن يكون في كل زمان منهم، وإنه من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، جاء في "الكافي" عن الصادق: «إن الأرض كلها لنا».
وروى عبد الله بن بكر الأرجاني عن الصادق قال: قلت: «جعلت فداك! فهل يرى الإمام ما بين المشرق والمغرب؟ قال: إليَّ يا ابن بكر. فكيف يكون حجة على ما بين قطريها وهو لا يراهم ولا يحكم فيهم؟» إلى كثير من أمثال ذلك في "الكافي" وغيره.
وقد فسروا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء:59] بأنها نزلت في عليّ. ورووا: «أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي، فإني سألت الله عز وجل ألا يفرّق بينهما حتى يوردهما الحوض فأعطاني ذلك». فنرى من هذا أن عقيدة الصحابة وأهل السنة والمعتزلة في الإمام تخالف عقيدة الشيعة، فالأولون لا يقدسون الإمام ولا يرون أنه معصوم، ويرون أنه قد يخطئ فيجب رده إلى الصواب، بل وقد يرتكب الكبائر فيجب ردّه، وأما الشيعة فيرون أن فيه صلة بالله، وأنه معصوم، وأنه لا يخطئ. وفرق كبير بين الاثنين.
وأنا أرى أن الحق مع الأولين، وأن الاعتقاد بعصمة الإمام وروحانيته وتقديسه تشلّ العقول، وتجرئ الإمام على العبث بالرعيّة. وقد كان الصحابة يخطئون الأئمة في بعض تصرفاتهم ويخالف بعضهم بعضاً، فهذا عمر انتقد تصرف أبي بكر مع خالد، وهذا عليٌّ خالف عمر في بعض المسائل، والصحابة أنفسهم منهم من خطأ علياً نفسه في بعض تصرفاته. وعلى الجملة فكانوا ينظرون إلى الإمام على أنه مخلوق كسائر الناس يصدر عنه الخطأ والصواب، فإذا أخطأ وجب تقويمه، وهكذا سير الأمم الآن في تقويم ملوكهم وردّهم إلى الصواب إن أخطئوا. ونحن نقول ذلك إتباعاً للحق والعقل، لا نصرةً على مذهب.
الإمام جعفر الصادق
ويظهر أن أول من أسبغ هذا المعنى على الإمام هو الإمام جعفر الصادق([6])، فإنه كان من أوسع الناس علماً واطلاعـاً، عاش من (سنة 38هـ إلى سنة 148هـ)، وقد لقب بالصادق لصدقه. وقد كانت أمه من نسل أبي بكر الصديق فأثر ذلك في اعتداله، وقد نفعه أنه رأى من قبله من الأئمة احترق بالسياسة فابتعد عنها. قال فيه الشهرستاني، وهو غير شيعي: وهو ذو علم غزير في الدين، وأدب كامل في الحكمة، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وقد أقام بالمدينة مدة يفيد الشيعة المنتمين إليه ويفيض على الموالين له أسرار العلوم. ثم دخل العراق وأقام بها مدة ما تعرض للإمامة قط، ولا نازع أحداً في الخلافة، ثم غرق في بحر المعرفة، لم يطمع في شط، ومن تعلّى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حطّ، وقد قيل: من أنس بالله توحّش عن الناس، ومن استأنس بغير الله نهبه الوسواس.
وهو من جانب الأب ينتسب إلى شجرة النبوة، ومن جانب الأم ينتسب إلى أبي بكر، ومع ذلك لم يسلم من إيذاء أبي جعفر المنصور له، وقد كان له بستان جميل في المدينة يستقبل فيه الناس على اختلاف مذاهبهم. ويروون أنه كان من تلامذته أبو حنيفة ومالك بن أنس الفقيهان الشهيران، وواصل بن عطاء المعتزلي، وجابر بن حيان الكيماوي، وبعض الناس ينكر هذا.
وله أقوال في الإرادة وفي القدر كقوله في الإرادة: «إن الله أراد بنا شيئاً وأراد منا شيئاً، فما أراده بنا طواه عنا، وما أراده منا أظهره لنا. فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا؟» وقال في القدر: «هو أمر بين أمرين: لا جبر ولا تفويض»، وهما مسألتان مما تكلم فيهما المتكلمون كثيراً كما رأينا. وله أقوال كثيرة منثورة في الكتب تدل على حكمته، وبعد نظره، وسعة علمه.
وإنما قلنا إنه لوَّن معنى الإيمان لوناً خاصاً لما روي عنه من بعض الأقوال التي تدل على أن الله جعل لمحمد نوراً، ثم تنقل هذا النور إلى أهل بيته، كالذي ذكره المسعودي من حديث نسبه الإمام جعفر إلى الإمام علي جاء فيه: «إن الله أتاح نوراً من نوره فلمع، ونزع قبساً من ضيائه فسطع . ثم اجتمع النور في وسط تلك الصورة الخفية فوافق ذلك صورة نبينا محمد، فقال الله عز وجل: أنت المختار المنتخب، وعندك مستودع نوري وكنوز هدايتي، من أجلك أسطح البطحاء، وأموّج الماء، وأرفع السماء، وأنصب أهل بيتك للهداية، وأوتيهم من مكنون علمي ما لا يشكل به عليهم دقيق ولا يغيب عنهم به خفي، وأجعلهم حجتي على برّيتي، والمنبهين على قدرتي ووحدانيتي» ونحو ذلك من الأقوال المنسوبة إليهم. فكل هذا جعلنا ننسب إلى الإمام جعفر الصادق صبغته للإمام صبغة جديدة لم نكن نعرفها من قبل([7]).
وكان لجعفر الصادق أولاد كثيرون، منهم إسماعيل، وكان هو الأكبر وهو المعين للإمامة بعد أبيه، ولكن حدث أن مات إسماعيل قبل موت أبيه، فأحدث ذلك خلافاً كثيراً عند الشيعة، وكان هو السابع، فرأت فرقة أن إسماعيل هذا كان آخر الأئمة، ومنهم من أنكر موته، وقال: إنه غاب، وإنه سيعود، وإنه لم يمت حقيقة بل حجبه الله إلى الوقت الذي يقتضي ظهوره، ويسمى هؤلاء بالسبعية لوقوفهم في الإمامة عند هذا، ويسمون أيضاً بالإسماعيلية نسبة إلى إسماعيل هذا، وهو قول غريب. وبعضهم يقول: إنه مات حقيقة، وإن الإمامة انتقلت بعده إلى أخيه موسى الكاظم، وساقت هذه الفرقة الإمامة بعد ذلك إلى اثني عشر إماماً، ومن أجل ذلك يسمون الشيعة الإثني عشرية.
ثم القرامطة والفاطميون والحشاشون إسماعيلية الهند وإيران وآسيا الوسطى كلها طوائف سبعية، أو بعبارة أخرى إسماعيلية، ولكل إمام من هؤلاء الأئمة تاريخ طويل، لا يهمنا هنا، فليرجع إليه من شاء، إنما الذي يهمنا ما يتعلق بعقيدة الإمام.
وكان الإمام الحادي عشر هو الحسن العسكري، وقد ولد سنة 232هـ، كما يقول الكليني، وكان يلقب بالصامت والهادي والرفيع والزكي والنقي، ولكن الذي غلب عليه هو العسكري. وقد حمله أبوه وهو صغير إلى سامرّا في عهد المتوكل، وتعلم هناك، وعرف أنه كان يتكلم بلغات كثيرة: الهندية والتركية والفارسية. وقد مات الحسن العسكري هذا سنة 260هـ في عهد المعتضد العباسي، وقد خلف الإمام الثاني عشر واسمه محمد سنة 255هـ أو سنة 256هـ في سامرا ومات عنه وهو ابن أربع سنين أو خمس.
وقد تغيب هذا الإمام الثاني عشر ولم يظهر للناس وأطلق عليه الإمام المنتظر والمهدي وصاحب الزمان، وقالوا: إن الله حجبه عن عيون الناس، وإنه حيّ بإذن الله، رآه بعضهم بين وقت وآخر وهو يكاتب الناس ويتصرف في أمور شيعته([8])، وإن هذا الإمام الغائب سيرجع .. إلخ. ولما كان لابد من شخص يرجع إليه في النوازل، قالوا: إن له وكيلاً ينوب عنه، وهو عثمان بن سعيد، فلما مات خلفه وكيل آخر.. وهكذا إلى أربعة([9]) وقد شجعت هذه الفكرة القائمين بالحركات السياسية والطامحين إلى الملك إلى ادعاء كثير أنه المهدي المنتظر([10]).
والمفكر في هذا يعجب لأمرين، أحدهما: تولية الإمامة لطفل في الرابعة أو الخامسة من عمره، مع أن الإمامة منصب عظيم يشرف على أمور المسلمين، فلابد له من رجل ناضج قادر على تحمل المسئولية، عارف بأمور الدين ومشاكل الدنيا، والطفل الصغير لا يستطيع ذلك مهما أوتي من النبوغ. وربما دعاهم إلى ذلك فكرتهم في أن لكل إمام نورانية إلهية يتوارثها خلف عن سلف، وهي نظرية تحتاج إلى مناقشة. ونحن نرى حتى فيما بين أيدينا، أن في نسل الأشراف من هو نبيل كل النبل، عظيم كل العظمة، ومن هو فاجر داعر، وتلك سنة الله في خلقه، فقد يخرج العالم جاهلاً، والجاهل عالماً، والمتدين فاجراً، والفاجر ديِّناً، كما نرى فعلاً في الحكومات الشيعية من فاطمية وإسماعيلية من كان لا يصلح للإمامة مطلقاً بدلالة التاريخ كما هو الشأن في الخلافة السنية.
والأمر الثاني: دعواهم في هذا الطفل أنه خفيٌّ لا يظهر، وإنما يظهر عند حاجة الزمان إليه، وقد جرّهم ذلك إلى القول بطول عمر الإمام الغائب، مع أنّ سنة الله في خلقه تحديد أعمار الإنسان. وقد جرى ذلك على الأنبياء أنفسهم، فلم يعمر النبي محمد إلا ثلاثاً وستين سنة، كما جرى على علي والحسن والحسين، ولم نعلم أحداً في التاريخ الظاهر عّمر أكثر من مائة سنة إلا قليلاً، وعلى كل حال فلم يعّمر أحد أبداً.
وقد دعا قولهم بغيبة الإمام الثاني عشر هذا إلى قول بعضهم: إنه لم يوجد، وإن الإمام العسكري مات من غير عقب، وإن دعوى الطفل هذه من صنع الوكلاء طمعاً في المال الذي يجبى من سائر الأقطار لأئمة الشيعة.
اتفاق الشيعة والمعتزلة
وكثير من الشيعة يتفقون في العقيدة مع المعتزلة، إذ كان كثير منهم شيعة ومعتزلة في وقت واحد، وذلك في مثل تأويل بعض الآيات في القرآن، ومثل عدم رؤية الله في الدنيا والآخرة اعتماداً على قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام:103].
ولكنهم قد يخالفون المعتزلة في بعض الأشياء مثل قول الشيعة بشفاعة الأنبياء والأئمة، وقد كان المعتزلة يستندون في عدم الشفاعة إلى قوله تعالى: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164]، وحمل المعتزلة على ذلك إيمانهم التام بالمسئولية الشخصية وأن كل شخص مسئول عن عمله، وخالفهم أهل السنة في ذلك.
وزاد الشيعة في شفاعة الأئمة، ورووا عن الإمام الباقر أن رسول الله r قال: «يا علي! إذا جاء يوم القيامة جلسنا أنا وأنت وجبريل على الصراط، فلا يمر أحد عليه إلا وبيده براءة من نار جهنم بولايتك»، وكان من مستلزمات ذلك الزيارات الكثيرة للأولياء والاستشفاع بهم والدعاء عندهم.
من ذلك مثلاً: «السلام على الذين من والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم فقد عادى الله، ومن عرفهم فقد عرف الله، ومن جهلهم فقد جهل الله، ومن اعتصم بهم فقد اعتصم بالله، ومن تخلى عنهم فقد تخلى عن الله، أشهد الله أني سلم لمن سالمهم، وحرب لمن حاربهم، ومؤمن بسرّكم وعلانيتكم، مفوض في ذلك كله إليكم؛ لعن الله عدو آل محمد من الجن والإنس، من الأولين والآخرين، وأبرأ إلى الله منه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين»([11]). وفيما عدا ذلك هناك اختلاف بين الشيعة وأهل السنة في الفروع([12]).
تأييد الحكومات للشيعة
وكما أن أهل السنة أيدتهم حكومات كالذي ذكرنا من قبل، فالتشيع قد أيدته حكومات أخرى، كالدولة البويهية في العراق وما حوله، والدولة الفاطمية في مصر والشام والمغرب، ومما يؤسف له أن النزاع بين هذه الحكومات السنية والشيعية لم يقتصر على المناظرة والجدل الكلامي، بل تعدّى إلى القتال بالسيف وبذل الدماء أنهار. فكم سفك من الدماء في ادعاء المهدية، كالذي بذل في دعوى عبيد الله الفاطمي من أئمة الإسماعيلية في فتح أفريقيا ومصر حتى أسس دولته، إلى كثير غيره من المهديين، إلى مهدي السودان. ثم ما كان من هجوم التتار ومصيبتهم العظمى في التقتيل والتخريب، مما جعل مؤرخي الإسلام يصرخون عند كتابة حوادثها، فإنه كان من أسبابها الكبيرة الخلاف بين الشيعة والسنة.
قال ابن الأثير: «نهب التتر سواد آمد وأرزن وميّافارقين، وقصدوا مدينة أسعرد فقاتلهم أهلها، فبذل لهم التتر الأمان فوثقوا منهم واستسلموا، فلما تمكن التتر منهم بذلوا فيهم السيف فقتلوهم، حتى كادوا يأتون عليهم فلم يسلم منهم إلا من اختفى، وقليل ما هم. وساروا في البلاد لا مانع لسيفهم ولا أحد يقف بين أيديهم فوصلوا إلى ماردين فنهبوها. ثم وصلوا إلى نصيبين والجزيرة فأقاموا عليها بعض نهار، ونهبوا سوادها، وقتلوا من ظفروا به. وقيل إن الرجل الواحد منهم كان يدخل القرية أو العزبة أو الدرب وفيه جمع كثير من الناس لا يزال يقتلهم واحداً بعد واحد لا يتجاسر أحد أن يمد يده إلى ذلك الفارس. واستولوا على أرضهم ولم يقف في وجوههم فارس. وهذه مصائب وحوادث لم ير الناس من قديم الزمان وحديثه ما يقاربها، وفي سنة ست وخمسين وستمائة وصل الطاغية هولاكو إلى بغداد بجيوشه وبالكرج وبعسكر الموصل فانكسر المسلمون أمامه لقلتهم، ونزل قائده على بغداد من غربيها وهولاكو من شرقيها، ثم خرج الخليفة المستعصم لتلقيه في أعيان دولته وأكابر الوقت فضربت رقاب الجميع، وقتلوا الخليفة ورفسوه حتى مات، ودخلت التتار بغداد واقتسموها، وكلٌّ أخذ ناحية، وبقي السيف يعمل أربعة وثلاثين يوماً، وقلَّ من سلم. فبلغت القتلى ألف ألف وثمانمائة ألف وزيادة، فعند ذلك نادوا بالأمان»([13]).
وكان مجيء هولاكو - فيما يقال - بدعوة الوزير ابن العلقمي الرافضي، إذ كان يعتقد أن هولاكو سيقتل المستعصم ويعود إلى حال سبيله، وعندئذ يتمكن الوزير من نقل الخلافة إلى العلويين.
ثم ما كان مثلاً بين الدولة العثمانية لما قامت في الأستانة وما حولها، وبين الصفويين في إيران وما حولها سنة 920هـ، فإن السلطان سليماً لما بلغه أن كثيراً من رعايا الدولة العثمانية يتمذهب بالمذهب الشيعي على أيدي دراويش بثّهم الشاه إسماعيل الصفوي عزم على محاربتهم، فأعلن الحرب على الشاه إسماعيل، وما زال الجيش العثماني يتقدم من مدينة إلى مدينة حتى وصل إلى سيواس، وأحصى جيشه فبلغ (140) ألف جندي، ترك جزءاً منه للمحافظه على الطريق يبلغ نحو أربعين ألفاً، وتقدم هو بالباقي وتقدم إلى مدينة تبريز، فخرج إليه الشاه إسماعيل الصفوي ووقف أمام السلطان سليم العثماني، وكان الجيشان في العدد سواءً تقريباً.
وكان في الجيش الإيراني طائفة من الخيالة وفرق تلبس الزرد وفرقة من طوائف الفدائية، وقتل من الفريقين عدد كبير واستولى العثمانيون على مضارب الفرس وما كان معهم من الذخائر والأدوات، وجرح الشاه إسماعيل وسقط عن جواده، ودخل السلطان سليم تبريز، وقد قتل من الفرس وحدهم في تلك المواقع نحو أربعين ألفاً. ومن ذلك أيضاً ما فعلته الفرقة الفدائية الإسماعيلية من قتل ونهب، وما فعلته جماعة القرامطة إلى كثير من أمثال ذلك.
فلو نظرنا إلى النفوس والجهود والأموال التي أتلفت بين طوائف المسلمين وخصوصاً الشيعة والسنة، وما جرى للشيعة من عهد عليٍّ وخلفائه مما يشرحه كتاب "مقاتل الطالبيين" لأبي الفرج الأصفهاني صاحب "الأغاني"، وما جاء في كتب التاريخ بعده لأخذنا العجب، وأدركنا أن هذه القوى التي بذلت بين المسلمين كانت تكفي بسهولة لطرد الصليبيين وكفّهم عن العبث بالبلاد، وكان الكف عن قتالهم فيما بينهم يكفي لإصلاح حالة المسلمين اجتماعياً واقتصادياً إصلاحاً ليس له نظير؛ ولكن هكذا قدر، وهكذا كان، فضاعت المجهودات عبثاً، بل ضاعت في التخريب والتبديد من عصر الخلفاء الراشدين إلى اليوم، ولو تدبر الفريقان لرأوا أن الخلاف كان أكثره على مسائل أصبحت في ذمة التاريخ، ولم يصبح للخصومة عليها معنى.
ولكن ماذا نعمل والعقول ضيقة، وفي الناس من يثير الخصومات كسباً للمال، وحفظاً لمنزلته في أسرته، أو شهوة للحكم.
عواطف الشيعة
ولئن أمعن المتكلمون من المعتزلة والسنية في الحجج العقلية والقوانين الدقيقة المنطقية، فقد غلبت على الشيعة العواطف. لقد أحبوا آل البيت حباً عاطفياً وكرهوا جداً من عاداهم، وتأثروا تأثراً شديداً ممن عذبهم أو قتلهم أو حبسهم، ولم يكتفوا بالعواطف المجردة، بل أرادوا الانتقام ممن عذبهم، وحاولوا مراراً قلب حكمهم، وهذه كلها شأن العواطف. أما مقدمة صغرى وكبرى وقياس وأشكال قياس، فهذه صبغة المعتزلة والسنية، ولكل طابعه.
دعت هذه العواطف عند الشيعة وتعظيم الأولياء وفكرة الاستشفاع بهم إلى مظهر واضح ربما تأثر به المسلمون جميعاً، وهو إقامة الأضرحة والعناية بها وتزيينها، وزيارتها، والاستشفاع بها، وكثرة الدعوات عندها، وتمني الدفن بجوارها.
وإن كانت هذه العادات عند السنيين والمسلمين فهي عند الشيعة أقوى، وربما كانت هي الأساس؛ من ذلك مثلاً مشهد الإمام علي بالنجف، وهو يبعد عن الكوفة نحو أربعة أميال، قد حشد فيه من قديم الفن الفارسي من خط جميل وقاشاني وتحف فنية ذهبية وغير ذلك. والزائر لهذا المشهد يرى ساحات واسعة ملئت بالقبور كما يرى مئات القباب المختلفة الألوان. وقد سلم هذا المشهد من تخريب هولاكو لأن الشيعة كانت قد ساعدته ليستعينوا به على السنية الذين كانوا قد آذوهم.
يقول ابن بطوطة في رحلته: «ثم رحلنا، فنزلنا مدينة مشهد علي بن أبي طالب بالنجف وهي مدينة حسنة ... وأهل هذه المدينة كلهم رافضة .. وحيطان هذه الروضة منقوشة بالقاشاني، والقبة مفروشة بأنواع البسط من الحرير وسواه، وبها قناديل الذهب والفضة ... وفي المدينة خزانة كبيرة تجمع بها النذور من الناس في بلاد العراق وغيرها، من يصيبه المرض ينذر للروضة نذراً إذا برئ ... وهذه الروضة ظهرت لها كرامات».
وقد وردت أحاديث كثيرة عن الأئمة الشيعيين في فضل زيارة قبر علي كالذي رواه جعفر الصادق أنه قال: «من زار أمير المؤمنين عارفاً بحقه غير متجبّر ولا متكبر، كتب الله له أجر مائة شهيد، وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر».
وأتى رجل الإمام الصادق وأخبره أنه لم يزر أمير المؤمنين فقال له: «بئس ما صنعت! لولا أنك من شيعتنا ما نظرت إليك؛ ألا تزور من يزوره الله مع الملائكة ويزوره الأنبياء ويزوره المؤمنون؟ قال: جعلت فداك، ما علمت ذلك. قال: فاعلم أن أمير المؤمنين أفضل عند الله من الأئمة كلهم، وله ثواب أعمالهم، وعلى قدر أعمالهم فضلوا»([14]).
وعلى الزائر حين يزور أن يتلو دعاء الزيارة وهو: «السلام عليك يا ولي الله، يا حجة الله، يا خليفة الله، يا عمود الدين، يا وارث النبيين، يا قسيم الجنة والنار، يا صاحب العصا والميسم يا أمير المؤمنين: أشهد أنك كلمة التقى، وباب الهدى، والأصل الثابت، والجبل الراسخ، والطريق الحق، أشهد أنك حجة الله على خلقه وشاهده على عباده، وأمينه على علمه ومستودع أسراره، ومعدن حكمته وأخو رسوله.
أشهد أنك أول مظلوم وأول من غصب حقه، فصبر وانتظر. لعن الله من ظلمك وغصب حقك وعاداك، لعنة عظيمة يلعنه بها كل ملك كريم ونبي مرسل، ومؤمن صادق، ورحمة الله عليك يا أمير المؤمنين! وعلى روحك وجسدك ... إلخ.
وهم يروون دعاءً مخصوصاً دعا به أحد الأئمة، وهذا الحديث يرينا مقدار أثر الإمام جعفر الصادق في تلوين التشيع وأثره.
ومن أشهر المشاهد والمزارات كربلاء على بعد ثلاثة أميال من بغداد وفيها مشهد الحسين، وهي من أعظم المزارات وأفخمها، وأحفلها بالتحف والمذهبات يقول فيها ابن بطوطة: «والقبة الشريفة وهي من الفضة، وعلى الضريح المقدس قناديل الذهب والفضة وعلى الأبواب أستار الحرير، وكم يكرر الزائرون مأساة الحسين ... وهم يروون الروايات الغريبة عن فضل هذا المكان المقدس، تتلألأ قبته المغشاة بالذهب إذا طلعت عليه الشمس».
كذلك يرى من دخل بغداد من الشمال أو الغرب المآذن الذهبية الأربع فوق مشهد الكاظمية، كما يرى الشيعة يقصدون هذه المشاهد ويستشفعون بها ويدعون عندها، وقد كان البناء قديماً وجدده الشاه إسماعيل الأول، أما تذهيب القبتين فأمر به الشاه أغا محمد، وأصلحت إحدى القباب وكسيت المنابر بالذهب.
وهم يضعون لزيارتهم شروطاً فيقولون: «إذا أردت زيارة قبر موسى الكاظم وقبر محمد بن علي بن موسى فاغتسل وتعطر والبس ثوبيك الطاهرين، ثم قل عند قبر الإمام موسى: السلام عليك يا ولي الله ... أتيتك زائراً عارفاً بحقك، معادياً لأعدائك، موالياً لأوليائك، فاشفع لي عند ربك يا مولاي»([15]).
والذي يرى المشاهد العديدة في القاهرة كمشهد الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة وغيرها، يرى أنها صورة مصغرة جداً للمشاهد في النجف وكربلاء والكاظمية.
وللشيعة كتب في الحديث تتميز بالرواية عن الأئمة وعن رجال الشيعة يعتمد عليها الشيعيون، كما يعتمد السنيون على كتب الصحاح، من أشهرها كتاب "الكافي" للكليني، وهو أول هؤلاء المحدثين وأعلاهم منزلة، ألف كتابه "الكافي" في علم الدين، ويحتوي على (16ألف) حديث وقسمها إلى أحاديث صحيحة وحسنة وموثقة وقوية وضعيفة([16])، وقد مات الكليني في بغداد سنة 328 أو329هـ.
ومن المؤلفين في الحديث أيضاً الصدوق القمي الملقب بابن بابويه، وهو يحتوي على أربعة آلاف وأربعمائة وستة وتسعين حديثاً.
ومن المؤلفين في الحديث أيضاً الطوسي، وينسب إليه التأثير الكبير في الدعوة إلى الشيعة وقد كان له تلاميذ كثيرون، وقد ولد الطوسي سنة 385هـ، في طوس، وجاء بغداد وعمره ثلاث وعشرون سنة ثم هاجر إلى النجف، وله كتب كثيرة في الحديث وأصول الدين والفقه والتراجم، والناظر إليها يعلم صبغتها بالصبغة الشيعية،وربما اختلفت في ترتيبها عن ترتيب الصحاح السنية.
هذا عدا أن لهم مجتهدين وفقهاء عنوا بالفقه الشيعي، وفيه بعض مخالفات للفقه السني. وإن شئت فانظر إلى كتاب بحار الأنوار، وعلى العموم فقد كانت لهم خلافات في العقيدة وفي الحديث وفي الفقه، ولمجتهديهم قوة على الرأي العام الشيعي، وتبجيل وتقديس أكثر مما لعلماء أهل السنة، وكثيراً ما تدخلوا في الأمور السياسية وعطّلوا بعض المشاريع السياسية، وقد حاول بعض الولاة الشيعيين أن يحدّ من سلطانهم فلم ينجح.
 
 

 
 
 
 
 
 

 
 
 
2- الدكتور مصطفى الشكعة
 
 
 
-  عميد كلية الآداب بجامعة عين شمس .
-  عميد الدراسات العليا بجامعة الإمارات العربية المتحدة سابقاً .
-  عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر .
-  له العديد من الدراسات والبحوث والمقالات القيمة .
 


الشيعة الإمامية
من كتاب "إسلام بلا مذاهب" ([17])
 
[قدم للكتاب شيخ الأزهر محمود شلتوت فقال عن الكتاب والكاتب: «إن كتاب إسلام بلا مذاهب هو محاولة من تلكم المحاولات التي اضطلع بها المصلحون أخيراً للم الشعث وتأليف القلوب وتوحيد الصف الإسلامي. أكثر الله تعالى من أمثال الدكتور مصطفى الشكعة ممن يدعون إلى الله بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة». وقد بلغت عدد الطبعات الشرعية للكتاب خمس عشرة طبعة لما لقيه من قبول عند الباحثين والمنصفين، وبما امتاز به من أدب في الطرح ووضوح في العرض وصدق في النقل].
الشيعة الإمامية
هم جمهور الشيعة الذين يعيشون بيننا هذه الأيام، والشيعة الإمامية يشملون ثلثي سكان إيران تقريباً، ونصف سكان العراق، ومئات الآلاف من سكان لبنان، وبضعة ملايين في الهند، والجمهوريات الإسلامية التي تحتلها دولة روسيا. والعقيدة العامة للإمامية هي نفس عقيدة الشيعة التي ألمحنا إليها في مستهل هذا الباب، وهي إيمانهم المطلق بإمامة علي بن أبي طالب إيماناً ظاهراً كاملاً ووصفه بالوصي، وانتقال الوصية إلى أبنائه من بعده.
والإمامية ليست فرقة واحدة كما قد يتبادر إلى الذهن، بل هي فرق كثيرة متعددة، كالباقرية والجعفرية الواقفة، والناووسية التي قالت بأن جعفر الصادق حي لم يمت، ولن يموت حتى يظهر، والأفطحية الذين قالوا بإمامة عبد الله الأفطح بن جعفر الصادق، والإسماعيلية الواقفة الذين قالوا بإمامة إسماعيل، إلا أنهم اختلفوا على أنفسهم، فمنهم من قال إنه مات في حياة أبيه، ومنهم من قال إنه لم يمت، وإن أباه أظهر موته خشية أو تقية من الخلفاء العباسيين.
والموسوية المفضلية الذين يقولون بإمامة موسى بن جعفر الصادق، وقد نسب إلى جعفر أنه قال في الوصاية لمن يخلفه من أبنائه: "سابعكم قائمكم ألا وهو سمي صاحب التوراة"، وقد سموا كذلك نسبة إلى موسى وإلى المفضل بن عمر أحد أعلام الفرقة.ومن الموسوية هؤلاء من يقول: إن موسى لم يمت وسيخرج بعد الغيبة، ومنهم من سلم بموته. والإثني عشرية وهم الذين قطعوا بموت موسى الكاظم، وظلوا يؤمنون بإمامة سلالة موسى حتى الإمام محمد القائم المنتظر، وهو الثاني عشر من حيث الترتيب العددي.
على أن أشهر كل تلك الفرق الإمامية التي ذكرنا هي فرقة الإثني عشرية المعاصرة لنا والتي تعيش - كما ذكرنا - في أكثر البلدان الإسلامية، خصوصاً إيران والعراق، وهذه الفرقة نفسها يطلق عليها أيضا الجعفرية من باب تسمية العام باسم الخاص، كما يطلق عليها الإمامية من باب تسمية الخاص باسم العام، كما يطلق عليها الاسم العام وهو الشيعة، فحينما نقول الشيعة الآن يتجه القصد إليهم.
ولقد سموا بالإثني عشرية لأنهم يؤمنون باثني عشر إماماً متتابعين هم: على بن أبي طالب، ثم ابناه الحسن فالحسين، ثم علي زين العابدين بن الحسين، ثم محمد بن علي، ثم جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم محمد بن الحسن.
ولكل إمام من هؤلاء الأئمة الاثني عشر لقب عرف به، وهذه الألقاب هي على الترتيب: عليٌ المرتضى، والحسن المجتبى، والحسين الشهيد، وعلى زين العابدين السجاد، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق، وموسى الكاظم، وعلي الرضا، ومحمد الجواد التقي، وعلي الهادي النقي، والحسن العسكري الزكي، ومحمد المهدي القائم بالحجة.
فهذه الفرقة إذن: تسمى الجعفرية حيناً، والإثني عشرية حيناً آخر، والإمامية حيناً ثالثاً، ولعلها من أبعد الفرق الإمامية عموماً عن الاتصاف بالغلو، إلا في حالات بعينها كما سوف نوضح فيما يستقبل من حديث. وإذا كانت قد سميت بالجعفرية من باب تسمية العام باسم الخاص، كما مر بنا قبل قليل، فإنها سميت بذلك لأمر أهم، وهو أنها تستمد أمور دينها من فقه الإمام جعفر الصادق، فلقد كان إماماً لجميع المسلمين بالمعنى العام، كأبي حنيفة والشافعي والأوزاعي ومالك وابن حنبل، وكان من ذوي الرأي الصائب والفتوى الصالحة في أمور الدين، فضلاً عن أنه كان إماماًَ لدى الإمامية، له ما لبقية أئمتهم من الولاية والوصاية.
لقد كان جعفر الذي تنتسب إليه الجعفرية غزير العلم في الدين، وافر الحكمة، كامل الأدب، زاهدًا ورعًا متسامحاً بعيدًا عن الغلو، ولم يكن يؤمن بالغيبة أو الرجعة أو التناسخ، كما أنه كان بعيدًا عن الاعتزال. وكان السيد الإمام ينتسب من ناحية الأب إلى العترة النبوية المباركة، ومن ناحية الأم إلى أبي بكر الصديق، وله أقوال بالغة حد الجمال في الإيمان والصلة بالله والبعد عن التطرف.
فمن أقواله: «إن الله تعالى أراد بنا شيئاً وأراد منا شيئاً، فما أراده بنا طواه عنا، وما أراده منا أظهره لنا، فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا»؟ وكان يقول في القدر: «هو أمر بين أمرين: لا جبر ولا تفويض». ومن أقواله في الدعاء: «اللهم لك الحمد إن أطعتك، ولك الحجة إن عصيتك، لا صنع لي ولا لغيري في إحسان، ولا حجة لي ولا لغيري في إساءة»([18]).
والإمامية يزيدون على أركان الإسلام الخمسة ركناً آخر، هو الاعتقاد بالإمامة، أي أنهم يعتقدون أن الإمامة منصب إلهي كالنبوة، فكما أن الله يختار من يشاء من عباده للنبوة والرسالة، فإنه كذلك يختار للإمامة من يشاء، ويأمر نبيه بالنص عليه، وأن ينصبه إماماً للناس من بعده للقيام بالوظائف التي كان على النبي أن يقوم بها، سوى أن الإمام لا يوحى إليه كالنبي، فالنبي مبلغ عن الله والإمام مبلغ عن النبي، ويتمسك الإمامية بهذا الركن تمسكًا شديدًا لا سبيل إلى التهاون فيه.
ويعتقد الإمامية في اثني عشر إماماً متسلسلين، وهم الذين مر ذكرهم؛ على أن هناك من المؤرخين - بل من الشيعة أنفسهم - من ينكر وجود الإمام محمد الثاني عشر إنكاراً كلياً ويعتبره شخصية خرافية لا وجود لها. وكل إمام سابق لا بد أن ينص على اللاحق، وهم يرون أن الإمام معصوم كالنبي عن الخطأ، والإمام دون النبي وفوق البشر([19]).
ويرى الإمامية أن من يشاركهم من المسلمين اعتقادهم في الأئمة على هذا النحو الذي ذكرنا كانوا من المؤمنين، وإذا اقتصر الاعتقاد على أركان الإسلام المعروفة دون الاعتراف بالإمامة كانوا من المسلمين المؤمنين بالمعنى العام، فعدم الاعتقاد بالإمامة لا يخرجهم عن الإسلام، ولكن تتفاوت درجات المسلمين في الآخرة؛ الشيعة أولاً ثم يأتي بقية المسلمين.
وعلى هذا الأساس تختلف الإمامية عن سائر الفرق الإسلامية بالاعتقاد في الأئمة الإثني عشرية، وهم يرون هذا الركن جوهرياً في العقيدة، وأن الله يختار الإمام بسابق علمه كما يختار النبي.
فالإمامة إذن: منصب إلهي، كذلك يرون أن الله لا يخلي الأرض من حجة على العباد من نبي أو وصي ظاهر مشهور أو غائب مستور، ويروون الأحاديث الكثيرة التي يذهبون من خلالها إلى أن النبي أوصى علياً، وأن علياً أوصى ولده الحسـن، وأن الحسن أوصى الحسين، وهكذا حتى الإمام الثاني عشر محمد القائم بالحجة، ولذلك فإنهم لا يزالون ينتظرون هذا الإمام الثاني عشر المستور لكي يظهر في أي وقت حتى يملأ الأرض عدلاً.
والإثنا عشرية بهذه المناسبة لا يقبلون الأحاديث من أي من الرواة أو المحدثين، بل لابد أن تكون قد رويت من طريق أهل البيت عن جدهم علي بن أبي طالب.
أما ما يرويه أبو هريرة وغيره من المحدثين والرواة فليس لأحاديثهم عند الشيعة من الاعتبار- على حد تعبير السيد كاشف الغطاء - مقدار بعوضة، ولعل هذا سبب كبير من أسباب الخلاف بين الشيعة والسنة.
وتبعاً لذلك فهم لا يعترفون بكبريات كتب الحديث؛ مثل "موطأ الإمام مالك"، و"مسند" الإمام أحمد، و"الصحيحين"، وكتب السنن الأربعة المعروفة، ولما كان الحديث هو المصدر الثاني للتشريع كان من الواضح أن تتسع الهوة نتيجة للخلاف على الرواة وتتزلزل الثقة بكل فريق.
لعل هذه المبادئ من أهم ما يفرق بين السنة والإمامية، ولكن هناك أشياء أخرى يتمثل فيها الخلاف، فبعض هذا الخلاف في العبادات، وبعضه في المعاملات،وبعض آخر في موضوعات لها خطورتها وحرجها، نحاول عرضها في دقة ووضوح.

زواج المتعة
وثمة خلاف واضح بين الشيعة - ونعني الشيعة الإمامية - والسنة، وفي زواج المتعة أو عقد الانقطاع، والزواج بهذا الشكل زواج مؤقت، والعقد فيه موقوت بأجل محدود. ولقد كان هذا الزواج معمولاً به في أيام النبي في بعض الروايات، قيل: فلما جاء عمر بن الخطاب أوقفه وحرمه؛ لأنه رأى فيه رأياً غير كريم، والقول الراجح أنه حُرم في زمن النبي، وأن النبي r قد نسخه.
والإمامية - من بين سائر فرق الإسلام - قد انفردت بالقول بجواز مشروعية هذا الزواج، معتمدين على تأويل للآية الكريمة: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء:24].
ويقولون: إن جماعة من عظماء الصحابة والتابعين مثل عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وعمران بن حصين كانوا يفتون بإباحة هذا النوع من الزواج. وقد بقيت مشكلة زواج المتعة مثاراً للخلاف حتى يومنا هذا، لا بين الشيعة والسنة وحدهم، بل بين بعض علماء السنة أنفسهم، فمنهم من يقول: إن ما شرعه الرسول لا يستطيع أن يبطله عمر، وخاصة أنه كان معمولاً به في أيام الرسول وأبي بكر، وفترة من خلافة عمر، والصواب هو أن عمر لم يحرمها افتياتاً على رسول الله، ولكن لما علمه من نسخها.
الشيء المهم أن الشيعة الإمامية متمسكون بزواج المتعة حتى اليوم، ويقولون: إنه قد ثبت بإجماع المسلمين أنه لا خلاف فـي إباحة هذا النكاح في عهد النبي بغير شبهة، وهـم - يعني الشيعة - يرون أنه ضروري للمسافر الذي يطول سفره، ففيه عصمة له،ولو أن المسلمين عملوا به على أصوله الصحيحة من العقد والعدة وحفظ النسل منه لانسدت بيوت الدعارة، وأغلقت المواخير أبوابها، ولكثرت المواليد الطاهرة، واستراح الناس من اللقطاء. وقد وضعوا للمتعة نظاماً يحفظ للولد حقه، وينسبه إلى والده، إذ لابد للمرأة بعد زواج المتعة من عدة، غير أن عدتها حيضتان، فلا يجوز لأحد أن يتمتع بامرأة قد تمتع بها غيره حتى تخرج من عدة ذلك الغير، إلى غير ذلك من الشروط الأخـرى في فقه الشيعة([20]).
التقية
التقية معناها: المداراة، وأكثر فرق الشيعة تقول بها، كأن يحافظ الشخص على ماله وعرضه ودينه وعقيدته بالتظاهر باعتناق عقيدة لا يؤمن بها، ولا يعترف بينه وبين نفسه بصحتها. «وإذن: التقية أمر معترف به عند الشيعة، بل إن بعض فقهاء السنة يقولون بها في حالات الضرورة القصوى»([21]).
وقد كانت التقية سبباً في خروج كثير من الناس على أئمتهم من الشيعة؛ لأن الإمام كان يبدى رأياً في مسألة بعينها ثم لا يلبث أن يبدى رأيًا يناقضه، فإن سئل في ذلك نسب الأمر إلى التقية.
يحكي النوبختي في كتابه: "فرق الشيعة" قصة رجل اسمه عمر بن رياح زعم: أنه سأل محمداً الباقر عن مسألة بعينها فأجابه بجواب عنها، وفي عام آخر سأله عن نفس المسألة فأجابه إجابة مغايرة لإجابته الأولى، فقال عمر لمحمد: «هذا خلاف ما أجبتني به في العام الماضي، فقال محمد: إن جوابنا ربما خرج على وجه التقية، فلم يقتنع الرجل بهذه الإجابة، وقابل رجلاً من أصحاب الباقر اسمه محمد بن قيس وقص عليه الأمر، وأبان عن عدم اقتناعه بإجابة الإمام قائلاً: علم الله أنى ما سألته عنها إلا وأنا صحيح العزم على التدين بما يفتيني به وقبوله والعمل به، فلا وجه لاتقائه إياي وهذه حالي، فقال ابن قيس: فلعله حضر من اتقاه، فقال: ما حضر مجلسه في واحدة من المسألتين غيري، وإن جوابيه خرجا على وجه التبخيت، ولم يحفظ ما أجاب به في العام الماضي فيجيب بمثله، وكانت النتيجة أن عدل الرجل عن الاعتراف بإمامة الباقر وقال: لا يكون إماماً من يفتي ثقته بغير ما يجب عن الله»([22]).
وهناك أمثلة كثيرة من هذا النوع تحمل في معناها عدم الرضا والاقتناع بفكرة التقية، خصوصاً أن الإمام لم يكن يناقض نفسه في مسألة بعينها، بل في مسائل كثيرة؛ لأن الأسئلة لم تكن في يوم واحد، بل لم تكن قريبة العهد بعضها ببعض، وإنما كان السؤال يطرح في يوم بعينه فيجيب عنه الإمام إجابة بعينها، ثم يطرح بعد ذلك بسنوات ويكون الإمام قد نسي إجابته الأولى التي سجلها البعض عليه، فيجيب إجابة مغايرة مختلفة، فيسأل الناس عن سبب الاختلاف فيجيب الإمام قائلا: «إنما أجبنا بهذا للتقية، ولنا أن نجيب بما أحببنا وكيف شئنا، لأن ذلك إلينا، ونحن نعلم بما يصلحكم، وما فيه بقاؤنا وبقاؤكم»([23]).
ويؤكد آية الله الخميني كبير علماء الشيعة وإمامهم في هذا العصر أن التقية جزء من العقيدة غير منفصلة عنها فيقول: إن كل من له أقل قدر من التعقل يدرك أن حكم التقية من أحكام الإله المؤكدة، فقد جاء: «أن من لا تقية له لا دين له»([24]). وليس من شك في أن التقية - هذه حالها- قد شككت الكثير من المؤمنين بالتشيع في أئمتهم، وكان ينتهي الأمر باستنكارها،والخروج على الإمام والشك فيه وفي دعوته.
وقد كانت التقية أحد الموضوعات التي أهمت العلامة الشيعي المعتدل الدكتور موسى الموسوي في كتابه التصحيح، فأفرد لها فصلاً طويلاً أوضح فيه إنكاره لها، وأنها لا تليق بالمسلم إلا في حالة واحدة لخصها الإمام الجليل محمد الباقر في كلمتين حين قال: «إنما حلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغ الدم فليس تقية».
يقول الدكتور الموسوي: لقد أراد بعض علمائنا رحمهم الله أن يدافعوا عن التقية التي يتحدث عنها علماء الشيعة، وأملتها بعض زعاماتها، وهي ليست بهذا المعنى إطلاقاً، إنها تعني أن تقول شيئاً وتضمر آخر، وتقوم بعمل عبادي أمام سائر الفرق الإسلامية وأنت لا تعتقد به، ثم تؤديه في بيتك بالصورة التي تعتقد بها. ولقد نفى الدكتور الموسوي أن يكون أيٌّ من الأئمة قد عمل بها، ابتداءً من الإمام علي وانتهاء بالحسن العسكري.
ويقف وقفة متأنية عند الإمام الجليل جعفر الصادق لينفي عنه هذه الظاهرة، لأن أكثر فتاوى التقية نسبت إليه، كما نسب إليه قوله بوجوبها، فالإمام جعفر لم يقل بها، ولم يكن في حاجة إليها؛ لأنه كان يدرس في مسجد الرسول r وحوله آلاف من الطلاب والمستمعين، فكيف يمكن لمدرسة فقهية بهذه السعة من كثرة الطلاب والتلاميذ أن تبنى على التقية؟! وأية تقية استعملها الإمام في بناء مدرسته الفقهية التي كان يضع أساسها أمام المسلمين بصورة علنية؟([25]).
يقول الدكتور الموسوي: «إنه في الوقت الذي أصبحت فيه الحرية الفكرية والكلامية بخيرها وشرها حقاً مقدساً، يعيش المجتمع الشيعي بقيادة زعاماته مغلقاً على نفسه بالتقية، يظهر شيئاً ويبطن شيئاً آخر، فلا أعتقد - والكلام للدكتور الموسوي - أنه لا يوجد زعيم شيعي واحد في شرق الأرض وغربها يستطيع أن يعلن رأيه في كثير من البدع التي ألصقت بالمذهب الشيعي؛ خوفاً ورهبة من الجماهير الشيعية التي دربتها تلك الزعامات على العمل بتلك البدع، فأصبحت جزءاً من كيانها».
ويضرب الدكتور الموسوي مثلاً بالشهادة الثالثة، وهي: «أشهد أن علياً ولي الله» التي يتفق علماء المذهب الشيعي على أنها بدعة لم تكن معروفة على عهد الرسول r وحتى على عهد الإمام علي، ومع ذلك فلا يجرؤ واحد على أن يقرر أنها بدعة([26]). ويسوق الدكتور الموسوي أمثلة أخرى على التقية مستهدفاً استنكارها، ثم يختم الفصل الذي كتبه عنها قائلاً: «إن على الشيعة أن تجعل نصب أعينها تلك القاعدة الأخلاقية التي فرضها الإسلام على المسلمين، وهي أن المسلم لا يخادع ولا يداهن ولا يعمل إلا بالحق، ولا يقول إلا الحق ولو كان على نفسه، وليعلموا أيضاً: أن ما نسبوه إلى الإمام الصادق من أنه قال: «التقية ديني ودين آبائي» إن هو إلا كذب وزور وبهتان».
نعود فنقرر أن أركان الإسلام خمسة جاءت على ترتيبها طبقاً للحديث الصحيح، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً. وهي - أي: أركان الإسلام - عند الشيعة تُقدم في صيغة أخرى، وهي: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، والمعاد. وإذا كانت أركان أربعة قد أغفلت في هذه الصيغة وهي: الصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، والحج، فإن ذلك لا يعني إنكارها، ولكن الشيء الذي يدعو إلى الانتباه هو أنهم جعلوا الإمامة ركناً من أركان الإسلام، ولهم في ذلك كلام كثير سوف نعرض له بعد قليل، كما أن لبعضهم – أي: بعض الشيعة - رأياً مغايراً سوف نقدمه أيضاً فيما يستقبل من صفحات.
تصور الشيعة للإمام والإمامة
يعترف أئمة الشيعة - وفي مقدمتهم آية الله الخميني - بأنه لم يرد نص في القرآن الكريم بشأن الإمامة، وإنما هي عقيدة فرضها العقل. ويذهب آية الله الخميني في تعبيره مذهباً غالياً حيث يقول: «إن العقل ذلك المبعوث المقرب من لدن الله الذي يعد بالنسبة للإنسان كعين ساهرة لا يستطيع أن يحكم بشيء، إما أن يقول: بأنه لا حاجة لوجود الله ورسوله، وأن الأفضل أن يكون التصرف في ضوء العقل، أو أن يقول: بأن الإمامة أمر مسلم به في الإسلام، أمر الله به نفسه، سواء جاء ذلك في القرآن أم لم يجئ»([27]).
وهذا كلام بالغ الغرابة، خاصة تلك المعادلة التي قالها آية الله الخميني بأنه إما أن توجد الإمامة، وإما أنه لا حاجة إلى وجود الله ورسوله. ويفرد آية الله الخميني في كتابه عنواناً كبيراً هذا نصه: «لماذا لم يذكر القرآن اسم الإمام صراحة؟» ثم يتولى بنفسه الإجابة عن السؤال على هذا النحو: «إنه كان من الخير أن ينزّل الله آية تؤكد كون علي بن أبي طالب وأولاده أئمة من بعد النبي، إذ إن ذلك كان كفيلاً بعدم ظهور أي خلاف حول هذه المسألة».
وهو قول خطير؛ لأن آية الله يوجه نقداً إلى المولى عز وجل، وهو ما نعيذ أي مسلم من التورط فيه، على أن الرجل لا يلبث أن يناقض نفسه قائلاً: «إلا أننا على ثقة بأن الله حتى لو فعل ذلك؛ فإن الخلاقات لم تكن لتزول، بل إن أموراً مفسدة أخرى كانت ستقع حتماً». ويمضي آية الله الخميني في الحديث عن هذه الأمور المفسدة معرضاً بصحابة رسول الله r، متهماً الخلفاء الراشدين بالتزوير، وبتزييف القرآن الكريم فيما لو كانت نزلت فيه آيات عن الإمامة قائلاً: «لو كانت مسألة الإمامة قد تم تثبيتها في القرآن، فإن أولئك الذين لا يعنون بالإسلام والقرآن إلا لأغراض الدنيا والرئاسة كانوا سيتخذون من القرآن وسيلة لتنفيذ أغراضهم المشبوهة، ويحذفون تلك الآيات من صفحاته، ويسقطون القرآن من أنظار العالمين إلى الأبد، ويلصقون العار - وإلى الأبد - بالمسلمين وبالقرآن، ويثبتون على القرآن ذلك العيب الذي يأخذه المسلمون على كتب اليهود والنصارى».
وعن مقام الأئمة ومنزلتهم يقول آية الله الخميني في كتاب "الحكومة الإسلامية": «إن للإمام مقاماً محموداً ودرجة سامية، وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون»، ثم يستطرد قائلاً: «وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل»([28]).
الغلو في تقديس الأئمة
هكذا غلا آية الله الخميني في تقديس الأئمة غلواً شديداً، طبقاً لما قرره في السطور السابقة من كتابه "الحكومة الإسلامية"، فقد فضلهم على جميع الملائكة، وجميع الأنبياء والمرسلين بغير استثناء أو تحفظ، غير أن ذلك الذي ذكره آية الله الخميني لا يعبر عن عقيدة خاصة به، وإنما هو يردد ما يعتقده كثير من صفوة علماء الشيعة، وعلى رأسهم الكليني في كتابه "الكافي" الذي يحتل عند الشيعة مكانة شبيهة بمكانة "صحيح البخاري" عند أهل السنة، وإذا كان المقام هنا يضيق عن اقتباس نماذج مما ورد حول قداسة الأئمة في ذلك الكتاب، فإن عناوين بعض أبواب ذلك الكتاب تفي بالغرض في هذا المقام، فمن هذه العناوين نذكر: «باب الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل»([29])، و«باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنه لا يخفى عليهم شيء»([30])، و«باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم»([31])، و«باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة، وأنهم يعلمون علمه كله»([32])، و«باب ما عند الأئمة من آيات الأنبياء»([33])، و«باب أن الأئمة إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود، ولا يسألون البينة»([34]).
وينقل آية الله الخميني هذا الغلو عن شرح "الكافي" وهو: «عن محمد بن سنان قال: كنت عند أبي جعفر الثاني فأجريت حديثاً عن اختلاف الشيعة، فقال: يا محمد! إن الله تعالى لم يزل متفرداً بوحدانيته، ثم خلق محمداً وعلياً وفاطمة، فمكثوا ألف دهر، ثم خلق الأشياء فأشهدهم خلقها، وأجرى طاعتهم عليها، وفوض أمورها إليهم، فهم يحللون ما يشاءون ويحرمون ما يشاءون إلا أن يشاء الله تعالى»([35]).
إن هذا الغلو قد أثار بعض علماء الشيعة المعاصرين، فأنكروه إنكاراً شديداً، ورأوا أن هذا الغلو في شأن الأئمة لا يرفع من قدرهم، وإنما يسئ إليهم، ومن هؤلاء العلماء العلامة الفقيه الشيعي الإيراني الدكتور موسى الموسوي الذي يرد على هذا الغلو بقوله([36]): «إن بعض علمائنا قالوا: إن الإمام يعلم كل شئ، وله معرفة بكل العلوم والفنون..».
ويستطرد الدكتور الموسوي قائلاً: «ولست أدري ما هي الفضيلة بالنسبة للإمام أن يكون مهندساً، أو ميكانيكياً، أو عالماً باللغة اليابانية! إنما الفضيلة بالنسبة للإمام أن يكون فقيهاً ورعاً ربانياً في شئون الدين، وفي هذا كل الفضل، ثم إذا كان القرآن الكريم يقول في الرسول الذي أرسله الله للناس ضياءً ونوراً في مقام نفي علم الغيب عنه: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف:188]، فكيف تسوغ لنا نفوسنا أن ننسب إلى أئمتنا صفات تعلو على صفات الرسول الله r؟! إنه بمحمد ختمت الرسالة، وختمت المعجزات، وأكمل الدين، وأتمت النعمة، وجاء قول الله صريحاً، وجلياً: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة:3]».
ويمضي الدكتور موسى الموسوي على نهجه في مؤاخذة فقهاء المذهب ومراجعه قائلاً: إن المؤسف حقاً هو أن الغلو النظري مثل العملي، دخل إلى أعماق القلوب عن طريق فقهاء المذهب والمجتهدين، فالمسئولية الأولى والأخيرة تقع على عاتقهم؛ لأنهم هم الذين قادوا العوام على الطريق، فهناك أمور نسبتها كتب الشيعة إلى الأئمة، وتبناها فقهاء المذهب، وذكرتها كتب الروايات الموثوقة عندهم مثل "وسائل الشيعة"، وغيره من أهم الكتب والمصادر الشيعية، وفي كثير منها الغلو، وفي كثير منها الحط من قدر الأئمة، ولكن بصورة غير مباشرة.
ويتحرز الدكتور الموسوي قليلاً في شأن قلة من العلماء اتخذوا موقفاً منصفاً، لكنه لا يلبث أن يقرر أن الأكثرية منهم ساروا على درب الغلو من ألفه إلى يائه، ثم يذكر أهم موضوعات الغلو التي اعتمدها علماء الشيعة واعتقدوها في الأئمة وهي: العصمة، والعلم اللدنّي، والإلهام، والمعاجز، والإخبار بالغيب، والكرامات والمعجزات، وتقبيل الأضرحة، وطلب الحاجات([37]).
الرجعة
إن هذا الموضوع - موضوع الرجعة - هو من المعتقدات الأساسية في المذهب الشيعي. ومفاده أن الأئمة الاثني عشر سيعودون إلى الدنيا في آخر الزمان، الواحد بعد الآخر؛ لكي يحكموا الدنيا تعويضاً لهم عن حرمانهم من حقهم في الحكم الذي حرموا إياه إبان حياتهم، ويكون أول إمام يرجع إلى الدنيا هو الإمام الثاني عشر "محمد بن الحسن العسكري" الذي يمهد الأمر لآبائه وأجداده؛ فيتولون الحكم من بعده واحداً بعد الآخر حسب التسلسل الزمني لهم، فيحكم الواحد منهم فترة من الزمن، ثم يموت مرة أخرى ليتولى بعده الحكم من يليه في الترتيب، وهكذا حتى الإمام الحادي عشر "الحسن العسكري"، وتقوم القيامة بعد ذلك.
ولقد نسبت روايات كثيرة في هذا الأمر إلى كل من الإمامين الجليلين: محمد الباقر وولده جعفر الصادق، منها على سبيل المثال: قال أبو عبد الله - يعني: سيدنا جعفراً -: «ينادى باسم القائم – أي: الإمام محمد الثاني عشر - في ليلة ثلاث وعشرين، ويقوم يوم عاشوراء، لكأني به في اليوم العاشر من المحرم قائماً بين الركن والمقام، جبريل عن يمينه ينادي: البيعة لله، فتسير إليه الشيعة من أطراف الأرض تطوى لهم طياً حتى يبايعوه، وقد جاء في الأثر: إنه يسير من مكة حتى يأتي الكوفة، فينزل على نجفنا، ثم يفرق الجنود منها في الأمصار».
وروى الحجال عن ثعلبة عن أبى بكر الحضرمي عن سيدنا محمد الباقر قال: «كأني بالقائم عليه السلام على نجف الكوفة، وقد سار إليها من مكة في خمسة آلاف من الملائكة، جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله، والمؤمنون بين يديه، وهو يفرق الجنود في البلاد».
وروى عبد الكريم الجعفى قال: «قلت لأبي عبد الله – يعني: سيدنا جعفراً -: كم يملك القائم عليه السلام؟ قال: سبع سنين، تطول حتى تكون السنة من سنيه مقدار عشر سنين من سنيكم، فتكون سنو ملكه سبعين سنة من سنيكم هذه».
وروى عبد الله بن المغيرة عن أبي عبد الله – يعني: سيدنا جعفراً الصادق - عليه السلام قال: «إذا قام القائم من آل محمد أقام خمسمائة من قريش فضرب أعناقهم، ثم خمسمائة أخرى، حتى يفعل ذلك ست مرات. قلت - يعني ابن المغيرة -: ويبلغ عدد هؤلاء هذا؟ قال جعفر الصادق: نعم، منهم ومن مواليهم»([38]).
إن الشيء الذي يدعو إلى التوقف طويلاً والتأمل كثيراً، هو أن هذه الروايات منسوبة إلى إمامين عظيمين جليلين من أئمة بيت النبوة، لم يعرف عنهما شيء من هذا العنف في التفكير أو التعبير، هما: محمد الباقر وولده جعفر الصادق، الأمر الذي أثار ثائرة بعض علماء الشيعة أنفسهم، وفي مقدمتهم الدكتور موسى الموسوي في كتابه "الشيعة والتصحيح" الذي مرّ ذكره.
يقول العلامة الدكتور الموسوي: «إن مؤلفي هذه الكتب لم يكتفوا من القول برجعة أئمة الشيعة فحسب، بل أضافوا عليها أفكاراً أخرى، وكلها مستوحاة من تلك الروايات الموضوعة، وقالوا: إن الرجعة لا تشمل أئمة الشيعة وحدهم، بل تشمل غيرهم، وذكر أسماء نفر غير قليل من صحابة رسول الله r، زعم الشيعة أنهم من أعداء الأئمة، وأنهم منعوهم من الوصول إلى حقهم في الحكم، كل هذا حتى يتسنى للأئمة الانتقام منهم في هذه الدنيا». ويستطرد الدكتور الموسوي قائلاً: «ولو أن الذين كانوا وراء فكرة الرجعة مخلصين لأئمة الشيعة لما صوروهم بهذا المظهر الراغب في الحكم، حتى إن الله سيعيدهم إلى هذا الدنيا الفانية مرة أخرى ليحكموا فيها بعض الوقت، وهم أئمة لهم جنة عرضها كعرض السماوات والأرض أعدت للمتقين، والإمام عليٌّ نفسه يقول: «والله! إن دنياكم هذه لأهون عندي من ورقة في فم جرادة تقضمها».
ويمضي العلامة الموسوي في النكير على فكرة الرجعة قائلاً: «وهذه البدعة تختلف عن البدع الأخرى التي أضيفت إلى الأفكار الشيعية، حيث لم يترتب عليها تنظيم سياسي عملي أو اجتماعي أو اقتصادي، اللهم إلا شيء واحد قد يكون هو السبب في اختلاق فكرة الرجعة، وهو استكمال العداء، وتمزيق الصف الإسلامي بمثل هذه الخزعبلات التي دونت وقيلت في انتقام الأئمة من صحابة رسول الله r»([39]).
هل الإمام الثاني عشر شخصية حقيقية؟
إن مما يجعل من قضية رجعة الأئمة إلى الحياة قضية تستدعي الأناة والمراجعة هو ذلك الكلام الكثير الذي يجرى حول ما إذا كان الإمام محمد الثاني عشر شخصية حقيقية أم أنه شخصية وهمية، ذلك أن الإمام الثاني عشر هو أول الأئمة رجوعاً إلى الدنيا، يخرج من السرداب الذي اختفى فيه في مدينة سامرا؛ ليحكم المسلمين، وينشر العدل في أرجاء الأرض، ويمهد لآبائه وأجداده الأحد عشر؛ لكي يرجعوا أو يبعثوا من جديد، يتولى كل واحد منهم بالتسلسل حكم المسلمين على النحو الذي ذكرناه قبل قليل، فإذا ما كان هذا الإمام شخصية وهمية انهارت قضية الرجعة من أولها إلى آخرها.
إن الحقيقة الراجحة عند جمهرة المؤرخين المسلمين هي أن الإمام الحسن العسكري - الإمام الحادي عشر- قد مات عن غير ولد له، إذ إن للعلويين سجل مواليد يقوم عليه نقيب، بحيث لا يولد لهم مولود إلا سجل فيه، وهذا السجل لم يسجل فيه للحسن العسكري ولد، ويشيع بين كثير من العلويين المعاصرين أن الحسن العسكري مات عقيماً، فإذا صحت هذه الأخبار يكون المعنى أن شخصية الإمام الثاني عشر شخصية غير حقيقية، وإنما اخترعها من اخترعوا غيرها من الموضوعات الشيعية التي ينكرها كثير من كبار عقلاء علماء الشيعة، فإذا ما كان الأمر على هذا النحو من الحقيقة انهارت عقيدة الرجعة من أولها إلى آخرها.
زيارة قبور الأئمة ثوابها الجنة!!!
يعتقد الشيعة بأن من يزور قبور أئمتهم، أو يسهم في بنائها ينال ألواناً من الثواب لا نهاية لها ولا آخر، «إن هؤلاء الزوار مشمولون بشفاعة الرسول r، وإن الزائر يصيبه ثواب سبعين حجة غير حجة الإسلام، وتمحى خطاياه».
إن آية الله الخميني يورد في كتاب "كشف الأسرار" هذه الرواية منسوبة إلى الإمام جعفر، وهذا نصها: ينقل الشيخ الطوسي عن أبي عامر قوله: «إنني ذهبت إلـى الصادق - يعني: الإمام جعفراً - وسألته: ما هو أجر من يزور أمير المؤمنين ويبني قبره؟ فرد على سؤالي قائلاً: يا أبا عامر! لقد روى أبي عن جده الحسين بن علي بأن الرسول قال لأبي: إنك ستنتقل إلى العراق وتدفن في أرضه. فقال: يا رسول الله، وما هو أجرمن يزور قبورنا ويقيمها ويجدد العهد معها؟ فقال: يا أبا الحسن! إن الله جعل قبرك وقبور أولادك بقعة من بقاع الجنة وصحناً من صحونها وإن الله أدخل في قلوب المختارين من خلقه حبكم، وجعلهم يتحملون الأذى والذل من أجلكم، ويقومون بإعادة بناء قبوركم، ويأتون لزيارتكم تقربا إلى الله وزلفى إلى رسوله، وهؤلاء مشمولون بشفاعتي. يا علي! إن من يبني قبوركم ويأتي إلى زيارتها يكون كمن شارك سليمان بن داود في بناء القدس، ومن يزور قبوركم يصيبه ثواب سبعين حجة غير حجة الإسلام، وتمحى خطاياه، ويصبح كمن ولدته أمه تواً. إنني أبشرك بذلك، وبشر أنت محبيك بهذه النعمة التي لم ترها عين، ولم تسمع بها أذن، ولم تطرأ على بال أحد. ألا إن هناك توافه من الناس يلومون زائري قبوركم كما يلومون المرأة الزانية؛ إن هؤلاء هم أشرار أمتي، والله لا يشملهم بشفاعتي»([40]).
ومن زيارة قبور الأئمة وبنائها ينتقل آية الله الخميني إلى الحديث عن تربة كربلاء حيث قبر الإمام الحسين t، ويرى أن طلب الشفاء منها أمر لا حرمة فيه ولا حرج، ويرى أن لها خاصية ليست لأحد، حتى قبر النبي نفسه.
يقول آية الله الخميني في كتابه "تحرير الوسيلة": «إن هذه التربة، أي تربة كربلاء، تخرق الحجب السبعة، وترتفع على الأرضين السبع، وهذه الخاصية ليست لأحد، حتى قبر النبي»([41]).
والشيء نفسه يذكره الخميني عن التربة الحيدرية أو أرض النجف.ومن العادات المعروفة أن الشيعة يقيمون مجالس للعزاء في شهر المحرم من كل عام، وأن آية الله الخميني لا يحب أن يترك هذه العادة، حتى جعل لها أصولاً دينية وغايات مذهبية، ولا بأس عنده في أن ينال من صحابة رسول الله في سياق حديثه عن هذا الموضوع.
يقول آية الله الخميني: «إن مجالس العزاء تقام لدى الشيعة في كل مكان، ومع ما في هذه المجالس من نقص إلا أنها تروج تعاليم الدين وأخلاقياته، وتشيع الفضيلة ومكارم الأخلاق والدين الإلهي، والقانون السماوي المتمثل بالمذهب الشيعي المقدس، الذي يدين به أتباع علي عليه السلام».
ويمضي آية الله الخميني في التحدث عن فضل مجالس العزاء، ولكنه في سياق حديثه لا يلبث أن يعرض بأهل السنة، ويطلق عليهم أصحاب المذاهب الباطلة التي وضعت لبناتها في سقيفة بني ساعدة قائلاً: «ولولا ذلك –  يعني: لولا مجالس العزاء - لكان الشيعة في عزلة تامة، ولولا هذه المؤسسات الدينية الكبرى –  يعني: نفس المجالس - لما كان هناك الآن أي أثر للدين الحقيقي المتمثل في المذهب الشيعي، ولكانت المذاهب الباطلة التي وضعت لبناتها في سقيفة بني ساعدة وهدفها اجتثاث جذور الدين الحقيقي، تحتل الآن مواضع الحق.
وعندما رأى رب العالمين أن مغامري صدر الإسلام قد زعزعوا بنيان الدين دفع بعدد من أعوان الحسين بن علي الباقين لكي يعملوا على توعية الناس، ويقيموا مجالس العزاء»([42]). وأما عن الزيارة فيقرر آية الله الخميني أن ثواب الزيارة أو إقامة التعزية تعادل ثواب ألف نبي أو شهيد.
تحريف المصحف
هناك إجماع من المسلمين والمشتغلين بالعلوم الإسلامية من غير المسلمين على أن الكتاب السماوي الوحيد الذي سلم من التحريف والتبديل والزيادة والحذف هو القرآن الكريم، ونحن المسلمين نلتزم بهذا الاعتقاد، ونقتنع به اقتناع عقل وعقيدة، فالله سبحانه قد أخذ على نفسه عهداً بالمحافظة عليه في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]. غير أن المتابع لفكر جمهرة علماء الشيعة يرى غير ذلك، ويقرأ شيئاً عجباً في كتبهم، والذين لم يقولوا بتحريفه من هؤلاء قالوا بإمكان حدوث ذلك.
إن آية الله الخميني في سياق الحديث عن حكمة عدم النص في القرآن الكريم على أن الإمامة وظيفة إلهية, وفي مسيرة حملته على صحابة رسول الله r يقول في فقرة سبق أن أوردناها: «لو كانت مسألة الإمامة قد تم تثبيتها في القرآن، فإن أولئك الذين لا يعنون بالإسلام والقرآن إلا لأغراض الدنيا والرئاسة، كانوا سيتخذون من القرآن وسيلة لتنفيذ أغراضهم المشبوهة، ويحذفون تلك الآيات من صفحاته، ويسقطون القرآن من أنظار العالمين إلى الأبد»([43]).
وفي موضع آخر من كتاب "كشف الأسرار" في أمر يتصل أيضاً بالإمامة، يصوغ آية الله الخميني فكرته في أسلوب يوحى إيحاءً مباشراً بأن القرآن من صنع محمد، وما دام الأمر كذلك ومحمد بشر، فإنه من الممكن أن يتعرض القرآن للتحريف.
يقول آية الله الخميني ما نصه: «إن النبي أحجم عن التطرق إلى الإمامة في القرآن، لخشية أن يصاب القرآن من بعده بالتحريف، أو تشتد الخلافات بين المسلمين فيؤثر ذلك على الإسلام»([44]).
إن آية الله الخميني يقول بترجيح تحريف القرآن بسبب النص على أن الإمامة وظيفة إلهية كالنبوة، ويوحي في موقع آخر بأن القرآن من صنع النبي، وهما بادرتان لهما خطرهما؛ لأنهما صادرتان من أكبر مرجع ديني شيعي في هذين العقدين من الزمان، ويبقى أن نتساءل بعد ذلك: هل لما قاله آية الله الخميني جذور في أصول المذهب؟
إن الدراسة والمتابعة تشيران إلى الإجابة بالإيجاب، ذلك أن الكليني يذكر في كتابه "الكافي"، وقد سلف أن ذكرنا أن هذا الكتاب عند الشيعة بمنزلة البخاري عند أهل السنة؛ أن جابراً الجعفي قال: «سمعت أبا جعفر عليه السلام - يعني الإمام الباقر - يقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب، والصحابة من بعده»([45]).
ومن الأخبار المعتمدة عن جابر الجعفي هذا أنه كان كذاباً، وحين تحدث الإمام أبو حنيفة النعمان - وهو الإمام الأعظم، وأحد تلاميذ الإمام جعفر، وصاحب الحوار المشهور في شأن القياس مع الإمام محمد الباقر - حين تحدث عن الصدق والكذب عند الرواة قال: ما رأيت فيمن رأيت أفضل من عطاء، ولا أكذب من جابر الجعفي.
إن منطق الأخبار يكذب جابراً، وبالتالي يكذب رواية الكليني عنه فيما عزاه إلى سيدنا محمد الباقر، بدليل أن علياً كرم الله وجهه لم يكن يعمل في مدة خلافته وهو بالكوفة إلا بمصحف سيدنا عثمان الذي هو بين أيدينا الآن، ولو كان عند سيدنا علي غيره - وهو خليفة حاكم - لعمل به، ولأمر المسلمين بالعمل به وتعميمه، ولو كان عنده مصحف غيره وكتمه عن المسلمين لكان خائناً لله ولرسوله وللمؤمنين، وحاشا أن يكون سيدنا علي كذلك. هذا هو رد أهل السنة على فرية جابر في حديثه إلى الكليني، وفي كذب كليهما على سيدنا محمد الباقر.هذا ما كان من أمر كذب الكليني على سيدنا محمد الباقر.
بقي أن نذكر كذبة أكبر وأخطر اقترفها الكليني في حق سيدنا جعفر، وسيدتنا الطاهرة البتول فاطمة الزهراء بنت سيد الخلق والبشر، يزعم الكليني أن سيدنا جعفراً الصادق قال لأبي بصير: «وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام، قال: وما مصحف فاطمة؟ قال الإمام: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله! ما فيه من قرآنكم حرف واحد»([46]).
ويلح بعض علماء الشيعة إلحاحًا شديدًا - على ما تصوره - على تحريف القرآن الكريم. إن واحداً من كبار علماء النجف في نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر، هو الحاج ميرزا حسين بن محمد تقي النورى الطبرسي ألف كتاباً سنة1292هـ ؛ أسماه "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب"، ملأه بالأكاذيب حول زيادات زعم أنها أُضيفت إلى القرآن، وآيات حُذفت منه، ولما واجهه علماء الشيعة بالنقد والاعتراض عاد فألف كتاباً آخر يرد فيه على اعتراضاتهم وأسماه "رد بعض الشبهات عن فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب". وقد ضم الكتاب بعض الزيادات من تلفيق المؤلف، فصنع سورة أسماها "سورة ولاية علي" ونسبها إلى الله سبحانه يقول فيها: يا أيها الذين آمنوا بالنبي والولي اللذين بعثناهما يهديانكم إلى الصراط المستقيم .. إلخ.
إننا لا نحب الإطالة في هذا الموضوع إجلالاً لكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكن الأمر الذي لا شك فيه هو أن فريقاً من الشيعة يعتقد التحريف في القرآن الكريم بالزيادة والنقصان، كقولهم: إن آية «وجعلنا علياً صهرك» قد أسقطت من سورة الشرح، مع أن السورة مكية، ولم يكن علي قد أصهر إلى الرسول بعد.
كما أن البعض يزعم أن هنالك قرآنين لا قرآناً واحداً، وهي مزاعم ينكرها كثير من عقلاء الشيعة وعلمائهم، وفي مقدمة هؤلاء جميعاً العلامة الدكتور الموسوي الذي يقول: «إن كل ما قيل وذكر في الكتب الشيعية عن مصحف الإمام علي ليس أكثر من إضفاء هالة من الغلو على شخصية الإمام علي، حسب زعم الذين كانوا وراء وضع هذه الأساطير، وإثبات أن الإمام علياً أحق بخلافة الرسول من غيره، ولكنهم في الحقيقة أساءوا إلى الإمام، فأعلنوا أنه يخفي أحكاماً إلهية فيها حدوده وحلاله وحرامه وكل ما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة».
ويمضي الدكتور الموسوي قائلاً: «إن بعض علماء الشيعة تحدث في كتبه عن مصحف فاطمة مضافاً إلى مصحف علي»، ويعقب الدكتور الموسوي بأن موقفه من هذا الرأي هو الموقف نفسه من مصحف علي([47]).
شتم الصحابة
من الأمور التي تدعو كثيراً إلى الحزن والأسى ما درج عليه بعض علماء الشيعة وكبارهم من شتم صحابة رسول الله وسبهم بأقذع النعوت، وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر وعثمان وأمهات المؤمنين عائشة وحفصة.
إن آية الله المامقاني يصف أبا بكر الصديق بالجبت، ويصف الفاروق بالطاغوت([48])، وهذه الألفاظ من الشتم والسبّ لكل من الصديق والفاروق يرددها بعض الشيعة الإمامية في دعاء لهم يسمى "دعاء صنمي قريش"، وهذا الدعاء مسطور في كتاب "مفتاح الجنان" الذي هو عندهم بمنزلة كتاب "دلائل الخيرات" عند عامة المسلمين، ومنه قولهم: «اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، والعن صنمي قريش وجبتيها وطاغوتيها وابنتيهما»([49]).
إن الابنتين المقصودتين اللتين يلعنهما الدعاء السالف الذكر هما  بطبيعة الحال  أم المؤمنين عائشة، وأم المؤمنين حفصة.
وآية الله الخميني - كبير مراجع الشيعة وعلمائها - ليس بعيداً عن هذا الاتجاه المؤسف، ففي مجال حديثه عن الإمامة يقول: «والنبي لم يقل شيئاً بشأن مسألة ذات صلة ببقاء أسس الدعوة والنبوة، وثبات دعائم التوحيد والعدالة، وترك الدين والمبادئ الإلهية لعبة في أيدي حفنة من القراصنة الوقحين، فإنه سيكون هدفاً لاعتراض علماء العالم وانتقادهم، وسوف لا يعترف بنبوته وعدله»([50]).
إن آية الله الخميني يصف صحابة رسول الله بأنهم قراصنة وقحون، بل إنه بهذه الصيغة من التعبير يتجاوز صحابة رسول الله إلى نفسه بالإساءة والتخلي عن أدب الخطاب. ويمضي آية الله الخميني في إطار أسلوب يتسم بالعنف الشديد فيقول: «إننا لا نعبد إلهاً يقيم بناءً شامخاً للعبادة والعدالة والتدين، ثم يقوم بهدمه بنفسه، ويجلس معاوية وعثمان وسواهم من العتاة في مواقع الإمارة على الناس، ولا يقوم بتقرير مصير الأمة بعد وفاة نبيه»([51]).
إن هذا العنف في مخاطبة رب العزة، وفي وصف معاوية وذي النورين عثمان صهر الرسول بكونهما من العتاة غني عن التعليق.
وفي زحام حملة آية الله الخميني على الراشدين الأولين. أبي بكر وعمر يقول: «إننا هنا لا شأن لنا بالشيخين وما قاما به من مخالفات للقرآن، ومن تلاعب بأحكام الإله، وما حللاه وحرماه من عندهما، وما مارساه من ظلم ضد فاطمة ابنة النبي r وضد أولاده، ولكننا نشير إلى جهلهما بأحكام الإله والدين».
إننا نعترف بأن هذا التجاوز الشديد في سبّ صحابة رسول الله لا يصدر عن جميع الشيعة وإنما عن قلة منهم، ومن بين هذه القلة كبير علمائهم في هذا الزمان. إننا نعرف أن الشيخ حسين كاشف الغطاء، والشيخ محمد جواد مغنية، والسيد موسى الصدر، وغيرهم من علماء الشيعة المعاصرين، قد نزهوا فكرهم وأقلامهم عن التردي فيما تردى فيه غيرهم من سب صحابة رسول الله r.
وفي ذلك يقول الدكتور موسى الموسوي: «إن الاختلاف في الرأي بين الشيعة والسنة اتخذ طابعاً حاداً وعنيفاً عندما بدأت الشيعة تجرح الخلفاء الراشدين وبعض أمهات المؤمنين بعبارات قاسية وعنيفة، لا تليق بأن تصدر من مسلم في حق مسلم، ناهيك أن تصدر من فرقة إسلامية نحو صحابة الرسول وأزواجه اللاتي لقبهن الله بأمهات المؤمنين»([52]).
سيدنا علي والخلافة
لم يؤثر عن الإمام علي كرم الله وجهه أنه ذهب إلى تقديس الخلافة، أو أنه جعل الإمامة ركناً من أركان العقيدة، ولكن الذي أثر عنه - طبقاً للمصادر الإسلامية من شيعية وغير شيعية - أنه كان زاهداً فيها، غير حريص عليها، هذا فضلاً عن حبه للخلفاء الراشدين الذين سبقوه، ومودته لهم، وإصهاره إليهم، ورثائه إياهم عندما توفوا إلى رحمة الله.
يروي ابن أبي الحديد هذا القول عن الإمام علي في الخلافة: «دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً»([53]).
وفي كلمات أخرى يرويها ابن أبي الحديد عن سيدنا علي قوله: «والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة، ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها، فلما أفضت إليَّ نظرت إلى كتاب الله وما وضع لنا، وما أمرنا بالحكم به فاتبعته، وما استسن النبي r وعلى آله فاقتديته»([54]).
وهكذا تحمَّل سيدنا علي أمانة الخلافة استجابة لطلب المسلمين، ولم يخطر بباله أنها منصب إلهي أو ركن من أركان العقيدة الإسلامية.
إن الدكتور الشيعي المجتهد موسى الموسوي يرى أن علياً أولى بالخلافة - وليس بالإمامة على الصورة التي رسمها الشيعة المتأخرون زماناً - ولكن المسلمين بايعوا الخلفاء الراشدين، وعلي بايعهم، ثم بايع المسلمون عليّا بعد عثمان، فلا غبار على شرعية خلافة الخلفاء الراشدين من أبي بكر إلى علي([55]).
ويمضي المجتهد الإيراني الشيعي الدكتور موسى الموسوي في القول بأن الإمام علياً كان يؤكد على شرعية بيعة الخلفاء الراشدين قائلاً: «إن هناك فرقاً كبيراً بين أن يعتقد الإمام علي والذين كانوا معه أنه أولى بخلافة رسول الله من غيره ولكن المسلمين اختاروا غيره، وبين أن يعتقد أن الخلافة حقه الإلهي ولكنها اغتصبت منه».
ثم يقول: «والآن فلنسمع إلى الإمام علي وهو يحدثنا عن هذا الأمر بكل وضوح وصراحة، ويؤكد شرعية انتخاب الخلفاء، وعدم وجود نص سماوي في أمر الخلافة، ويردد قولاً للإمام - ذكره ابن أبي الحديد - وهو: «إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضا، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين»([56]).
وفي موضع آخر من كتابه التصحيح يعود الدكتور المجتهد الشيعي موسى الموسوي ليؤكد على شرعية الخلفاء الراشدين وبيعة الإمام علي لهم قائلاً: «إذا كانت الخلافة بنصّ سماوي، وكان هذا النص في علي، فهل كان بإمكان الإمام أن يغض النظر عن هذا النص، ويبايع الخلفاء ويرضخ لأمر لم يكن من حقهم؟!»([57]).
رأي الإمام علي في الخلفاء الراشدين
كان الإمام علي شديد الحب للخلفاء الراشدين، كثير التعاون معهم في دراسة مشاكل المسلمين، وتحمل مسئولية الحكم إبان أسفارهم، وكانوا يندبونه إلى ذلك، ولعل أبلغ ما يمكن أن يصور مكانة أبي بكر في قلب الإمام علي، هي خطبة الإمام حين وقف على بابه يخاطبه يوم وفاته قائلاً: «رحمك الله يا أبا بكر! كنت أول القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً، وأشدهم يقيناً، وأعظمهم غناءً، وأحفظهم على رسول الله r، وأنسبهم برسول الله خلقاً وفضلاً وهدياً وسمتاً، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله وعن المسلمين خيراً. صدّقت رسول الله حين كذبه الناس، وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، وأسماك الله في كتابه صديقاً: {وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [الزمر:33]، يريد محمداً ويريدك. وكنت والله للإسلام حصناً، وعلى الكافرين عذاباً، لم تقلل حجتك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك، وكنت كالجبل الذي لا تحركه العواصف، كنت كما قال رسول الله ضعيفاً في بدنك، قوياً في أمر الله، ولم يكن لأحد عندك مطمع، ولا لأحد عندك هوادة، فالقوي عندك ضعيف حتى تأخذ الحق منه، والضعيف عندك قوي حتى تأخذ الحق له، فلا حرمنا الله أجرك ولا أضلنا بعدك».
هذا هو رثاء أمير المؤمنين علي لأمير المؤمنين أبي بكر، أو بالأحرى هذا رأيه فيه، وتلك دمعة سكبها لفراقه، أفمثل هذا الذي رثاه سيدنا علي بهذه المعاني يمكن لأتباع سيدنا علي أن يرموه بالكفر والردة، وأن يصفوه بالجبت والطاغوت؟! والرأي نفسه قاله أمير المؤمنين علي في عمر وعثمان، وهو كلام جميل كله صدق وأدب، وهو كلام موثق لا كذب فيه ولا تلفيق».
إن المجتهد الدكتور الموسوي يستعرض الكثير من هذه المواقف ويرددها ثم يقول: «لا يجوز تجريح الخلفاء وذمهم بالكلام البذيء الذي نجده في أكثر كتب الشيعة، الكلام الذي يغاير كل الموازين الإسلامية والأخلاقية، ويناقض كلام الإمام علي ومدحه وتمجيده في حقهم، ويجب على الشيعة أن تحترم الخلفاء الراشدين، وتقدر منزلتهم من الرسول، فالنبي صاهر أبا بكر وعمر، وعثمان صاهر النبي مرتين، وعمر بن الخطاب صاهر علياً فتزوج من ابنته أم كثوم».
ويستطرد المجتهد الشيعي الجليل قائلاً: «ولا أطلب من الشيعة في هذه الدعوة التصحيحية أن تقول وتعتقد في الخلفاء الثلاثة الذين سبقوا الإمام علياً أكثر مما قاله الإمام في حقهم، فلو التزمت الشيعة بعمل الإمام علي لانتهى الخلاف، وساد الأمة الإسلامية سلام فكري عميق فيه ضمان الوحدة الإسلامية الكبرى»([58]).
هذا كلام عالم شيعي مجتهد جليل، يشاركه في رأيه في هذا الموضوع كثير من علماء الشيعة وأعيانهم المعاصرين الذين تربطنا بكثير منهم روابط من الود والمحبة. وإذا كان العالم المجتهد الدكتور الموسوي قد فصل الأمر في علاقات الحب والاحترام المتبادل بين الإمام على والخلفاء الراشدين السابقين عليه، فإننا نضيف إلى قوله: أن الإمام عليًّا لشدة تعلقه بالخلفاء الراشدين الثلاثة الذين سبقوه قـد سمى ثلاثة من أبنائه بأسمائهم، فلقد سمى أحد أولاده أبا بكر، وسمى ولداً ثانياً عمر، وسمى ولداً ثالثاً عثمان وهذه قرينة كبرى على حب سيدنا علي لإخوانه الراشدين صحابة رسول الله r.
الإمامة كمنصب إلهي قضية اخترعت في زمن متأخر
هذا العنوان الجانبي الطويل ليس من عندي، فإنه من الوضوح بمكان أنني لم أشترك في هذا الموضوع وغيره من موضوعات المذاهب الإسلامية كطرف مباشر، ولكني أستنطق الوثائق والأحداث والأشخاص، وقد حرصت في هذا الباب أن يكون الحوار في شئون المذهب بين الشيعة وبين أنفسهم.
إن العالم المجتهد موسى الموسوي يلغي مبدأ أن الإمامة منصب ديني سماوي إلغاءً تاماً ويقول ما نصه: «فحتى في أوائل القرن الرابع الهجري، وهو عصر الغيبة الكبرى، لا نجد أي أثر لفكرة اغتصاب الخلافة من الإمام علي، أو أنها حق إلهي اغتصب منه، أو أن صحابة رسول الله r اشتركوا أو ساهموا في هذا الأمر، وهكذا تغيرت فكرة الأولوية بخلافة علي إلى فكرة الخلافة الإلهية، ومخالفة النص الإلهي»([59]).
وتبعاً لذلك يستطرد المجتهد الشيعي الدكتور الموسوي قائلاً: «لو كانت الإمامة إلهية كما تذهب الشيعة، وأنها في أولاد علي حتى الإمام الثاني عشر، لعيّن الإمام علي ابنه الحسن خليفة وإماماً من بعده، وهو ما لم يحدث، فقد اتفق الرواة والمؤرخون على أن الإمام عندما كان على فراش الموت بعد أن ضربه ابن ملجم المرادي بالسيف المسموم، وسئل عن الشخص الذي يستخلفه قال: «أترككم كما ترككم رسول الله r».
وبعد وفاة الإمام اجتمع المسلمون واختاروا ابنه الحسن، وبايعوه خليفة على المسلمين، ولكن الإمام الحسن صالح معاوية وتنازل له عن الخلافة، فهل يا ترى! لو كانت الخلافة منصباً إلهياً هل كان يستطيع الإمام الحسن أن يتنازل عنه بذريعة حقن دماء المسلمين([60])؟!
ويستشهد الدكتور الموسوي بمواقف لأئمة آخرين مرموقين، كعلي بن الحسين، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق فيقول: «إننا لم نجد في أقوال الإمام علي بن الحسين الملقب بالسجاد أية عبارة تدل على كون الخلافة إلهية، وبعد السجاد يأتي دور الإمام محمد الباقر، والذي في عهده بدأ يتبلور مذهب أهل البيت الفقهي، الذي أكمله ابنه الإمام جعفر الصادق، فنحن -والكلام للدكتور الموسوي- لا نجد أثراً لفكرة الخلافة الإلهية في عهدهما، ولا في عهد أئمة الشيعة الآخرين حتى الغيبة الكبرى»([61]).
هكذا ينفي بعض علماء الشيعة الكبار المبدأ الذي اخترعه فريق من الشيعة، وهو القول بأن الإمامة منصب إلهي، وأنها إحدى دعائم الإسلام، هذه القضية التي فرقت شمل المسلمين، وبددت جهودهم، وجعلتهم فرقاً متنافرة متحاربة، بعد أن كانوا إخوة متحابين، أشداء على الكفار رحماء بينهم.
 

 
 
 
 
3- الشيخ سعيد حوّى
 
-       ولد عام 1935 م في مدينة حماة بسوريا، وتوفي في الأردن سنة 1989م.
-         درس على علماء سوريا وتخرج من الجامعة السورية سنة 1961م.
-         كان من أبرز علماء ودعاة جماعة الإخوان المسلمين بسوريا وتولي مناصب قيادية في الجماعة داخل وخارج سوريا.
-         له العديد من الكتب والمؤلفات.
-         الشيخ سعيد حوى صوفي النزعة.
-         الشيخ سعيد حوى قابل الخميني في طهران أواخر شهر مايو 1979م، من أجل نصرة المسلمين في حماة من النظام العلوي.
-         للشيخ سعيد حوى كتاب "الخمينية شذوذ في العقائد وشذوذ في المواقف"، وقد طبع عدة مرات ونشر على شبكة الإنترنت.
 


التشيع
[هذا البحث كتبه الشيخ سعيد حوّى مقدمة لكتاب "التشيع بين مفهوم الأئمة والمفهوم الفارسي" تأليف محمد البنداري ، نشر دار عمار- عمان ،عام 1999م].
كتب الشيخ سعيد حوّى:
كل الناس يعرفون أن صراعاً سياسياً حدث بين علي t كرم وجهه من جهة، وبين بعض الصحابة y من جهة أخرى، وكل الناس تعرف أن هذا الصراع حُسم سياسياً بشكل مؤقت لصالح بني أمية، ولكن قلة من الناس تعرف أن الأمة لإسلامية كلها قد حسمت هذا الصراع في المآل اعتقادياً وفكرياً وروحياً لصالح الإمام علي. فالذي استقرت عليه الأمة الإسلامية، أن الإمام علياً كان على صواب، وأن مخالفيه كانوا على خطأ. وقد استندت الأمة الإسلامية في هذا الحكم إلى نصوص كثيرة، جعلتها تستقر على هذا الحكم.
فإذا وجد في عصر الصراع بين الإمام علي ومخالفيه من التبس عليه الأمر من الأمة الإسلامية، فوجد بذلك من تشيع للإمام علي، ومن تشيع لمخالفيه، فإن هذا اللبس قد زال فيما بعد، وأصبحت الأمة الإسلامية كلها متشيعة للإمام علي. وهكذا استقرت الأمة الإسلامية على نوع من التشيع، ويمكن أن نسميه التشيع السني، فكل من تمسك بسنة رسول الله r الثابتة عنه، فإنه متشيع بالفطرة للإمام علي وآل بيته. فإذا كان التشيع للإمام علي ولآل بيته، يعني الحب والاحترام والتقدير، فهذا قاسم مشترك بين كل المسلمين، إلا من ابتدع وخالف، وهم بفضل الله قلة.
هذا وقد تبينت الأمة الإسلامية أن الحق والصواب بجانب علي t في صراعه مع الخوارج، وذلك عندما انتشرت بينها الأحاديث الصحيحة، ومنها ما أخرجه البخاري وغيره عن أبي سعيد الخدري t قال: بينما نحن عند رسول الله r - وهو يقسم قسماً - إذ أتاه ذو الخويصرة - وهو رجل من بني تميم - فقال: يا رسول الله! اعدل. فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟! قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. فقال عمر: يا رسول الله! ائذن لي فيه فأضرب عنقه. فقال: دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رِصافِه فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيِّه - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود, إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس». قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله r، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم، وأنا معه، فأمر بذلك الرجل، فالتمس، فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت النبي r الذي نعته»([62]).
هذا التشيع السني رافقه الحب والاحترام والتقدير لعلي وآل بيته؛ لأن الأمة تلقت عن رسولها عليه الصلاة والسلام، وفهمت من كتاب ربها، أن المودة والمحبة ينبغي أن تعطيا لآل بيت رسول الله r, وأن آل رسول الله r مظنة العلم والهداية والقدوة، قال تعالى: {قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى:23]، فسرها بعضهم: أي إلا بأن تودوا قرابتي. وقال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب:33].
ومن هاهنا نظرت الأمة الإسلامية إلى الإمام علي t، وإلى أولاده وأحفادهم الكرام ممن استقامت عقيدته، نظرة إجلال وإكبار.
ولو أنك تأملت ما ترجم به علماء أهل السنة للإمام علي t ولأولاده وأحفاده, لرأيت هذا كله مجسداً حياً يدل على ما ذكرناه، وتجد ذلك واضحاً في كتب علماء الرجال والتراجم، مثل كتب: ابن سعد، والبخاري، وابن أبي حاتم الرازي، والخطيب البغدادي، وابن عساكر، وعبد الغني المقدسي، والمزي، والذهبي، وابن كثير، وابن حجر، وغيرهم.
انظر -مثلاً- ما ترجم به الإمام الذهبي للحسن والحسين، ولعلي بن الحسين زين العابدين، ولابنه محمد الباقر، ولابن محمد الباقر الصادق، ولموسى الكاظم بن جعفر الصادق، إلى آخرين من آل بيت رسول الله r الذين ترجم لهم الذهبي، تجد مصداق ما قلناه، وهانحن ننقل لك شيئاً مما ترجم به الذهبي لهؤلاء الكرام الطاهرين:
قال الذهبي عن الحسن بن علي t: «الإمام السيد ريحانة رسول الله r وسبطه، وسيد شباب أهل الجنة، أبو محمد، القرشي، المدني، الشهيد»([63]). وترجم له ترجمة طويلة.
وقال عن الحسين t: «الإمام الشريف الكامل، سبط رسول الله r وريحانته من الدنيا، ومحبوبه، أبو عبد الله، الحسين بن أمير المؤمنين» وذكر روايات كثيرة في فضله منها: عن حذيفة أنه سمع النبي r يقول: «هذا مَلَكٌ لم ينزل قبل هذه الليلة، استأذن ربه أن يسلم علي، ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة». أخرجه الترمذي، وهو حديث حسن.
قال الذهبي: «وقد كان هذا الإمام سيداً، وسيماً، جميلاً، عاقلاً، رزيناً، جواداً، مُمَدَّحاً، خيراً، ديناً، ورعاً، محتشماً، كبير الشأن...إلخ»([64]).
وقال الذهبي عن علي بن الحسين: «وكان علي بن الحسين ثقة، مأموناً، كثير الحديث، عالياً، رفيعاً، ورعاً. روى ابن عيينة، عن الزهري، قال: ما رأيت قرشياً أفضل من علي بن الحسين([65]).وقال عنه أيضاً: «وكان له جلالةٌ عجيبة، وحقَّ له والله ذلك، فقد كان أهلاً للإمامة العظمى، لشرفه وسؤدده وعلمه وتألهه وكمال عقله»([66]).
وقال عن محمد الباقر: «هو السيد، الإمام أبو جعفر محمد بن علي... وقد كان إماماً مجتهداً، تالياً لكتاب الله، كبير الشأن... ونحبه في الله لما تجمع فيه من صفات الكمال»([67]). وقال عن جعفر الصادق: «الإمام الصادق، شيخ بني هاشم، أحد الأعلام...»([68]).
لقد وجد إلى جانب هذا النوع من التشيع السني، تشيع بدعي، وهذا التشيع البدعي على مراتب:
- منه تشيع يفضل علياً t على عثمان t، مع التسليم بفضل عثمان.
- وتشيع آخر يقدم علياً على أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، مع الإقرار بفضل هؤلاء.
ومن هؤلاء من عدَّ علياً t أحق بالخلافة من أبي بكر وعمر وعثمان. وهؤلاء كلهم عدهم أهل السنة مقبولي الرواية، لم يفاصلوهم، ولم يعتزلوهم، ولم يرفضوا روايتهم، بل إن بعض أهل التشيع المبتدع من هؤلاء عُدُّوا أئمة في العلم، وفي الحديث عن الرسول الله r.
يقول القاسمي في رسالة "الجرح والتعديل": «كان من أعظم من صدع بالرواية عنهم الإمام البخاري، وجزاه عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء، فخرَّج عن كل عالم صدوق ثبت من أي فرقة كان، وملأ مسلم "صحيحه" من الرواة الشيعة، فكان الشيخان عليهما الرحمة والرضوان بعملهما هذا قدوة الإنصاف، وأسوة الحق، الذي يجب الجري عليه»([69]).
ونجد أن الأئمة اعتمدوا "مصنف" عبد الرزاق على ما فيه من تشيع، واعتمدوا مسند علي بن الجعد، بالرغم من أنهم قالوا عنه: إنه شيعي جلد. إلا أنه وجد بالإضافة إلى ذلك ما سمي بالتشيع الرافضي، وهذا النوع من التشيع على قسمين: الرفض العادي، والرفض الغالي.
أما الرفض العادي فهو: تفضيل علي t على الخلفاء الثلاثة، مع البراءة منهم، وسبهم، والحط عليهم.
وأما الرفض الغالي: فقد بدأ بتكفير الخلفاء الثلاثة، والعدد الأكبر من الصحابة.
وكعادة الانحراف، فإنه يبدأ بزاوية حادة، ثم ينتهي بأبعاد كبيرة جداً. هذان النوعان من الرافضة لم يقبل المحدثون رواياتهم، وحكم علماء الإسلام عليهم أحكاماً تدور بين التضليل والتفسيق والتكفير.
قال الذهبي: «فإن كان كلامهم فيه – أي: في الراوي - من جهة معتقده، فهو على مراتب: فمنهم من بدعته غليظة، ومنهم من بدعته دون ذلك، ومنهم الداعي إلى بدعته، ومنهم الكافُ، وما بين ذلك. فمتى جمع الغِلَظ والدعوة تُجُنِّب الأخذ عنه، ومتى جمع الخِفة والكف أخذوا عنه وقبلوه. فالغلظ: كغلاة الخوارج، والجهمية، والرافضة. والخفة: كالتشيع والإرجاء. وأما من استحل الكذب نصراً لرأيه كالخطابية، فبالأولى رد حديثه»([70]).
ويقول أيضاً في "الميزان" في ترجمة أبان بن تغلب: «فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحدّ الثقة: العدالة والإتقان، فكيف يكون عدلاً وهو صاحب بدعة؟ وجوابه أن البدعة على ضربين:
بدعة صغرى، كغلو التشيع، أو التشيع بلا غلو ولا تحرّق، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم، مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهبت جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة.
ثم بدعة كبرى، كالرفض الكامل،والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة. وأيضاً، فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأموناً، بل الكذب شعارهم، والتقية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل من هذا حاله؟! حاشا وكلا».
ويقول الحافظ ابن حجر: «والتشيع: محبة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غالٍ في تشيعه، ويطلق عليه رافضي، وإلا فشيعي، فإن انضاف إلى ذلك السب أو التصريح بالبغض، فغالٍ في الرفض، وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا، فأشد في الغلو»([71])اهـ.
 وقال في "التهذيب" أيضاً: «التشيع في عرف المتقدمين هو اعتقاد تفضيل علي على عثمان، وأن علياً كان مصيباً في حروبه، وأن مخالفه مخطئ، مع تقديم الشيخين وتفضيلهما. وربما اعتقد بعضهم أن علياً أفضل الخلق بعد رسول الله r، وإذا كان معتقد ذلك ورعاً، ديناً، صادقاً، مجتهداً، فلا ترد روايته بهذا، لاسيما إذا كان غير داعية. وأما التشيع في عرف المتأخرين، فهو الرفض المحض، - أي: السب والشتم - فلا تقبل رواية الرافضي الغالي، ولا كرامة»([72]).
وتحت ظل الرفض تجمعت الشعوبية والأهواء، والكيد للإسلام، والطموحات السياسية، فأدخلت على الإسلام الطامات، ووجد باسم التشيع - وهو في الحقيقة الرفض لا التشيع - جدار سميك بين أهل السنة والجماعة وبين الرافضة، يظهر بين الحين والحين بصراع مسلح. إن الشعوبية الحاقدة على العرب والإسلام، بثت سمومها من خلال الرفض والأهواء، وأوجدت أطراً وعقائد فاسدة للتفريق بين الأمة، ولتجميع الجهلة. والحاقدون على الإسلام لم يجدوا شيئاً يبثون فيه سمومهم، ويخرجون الناس من الإسلام، كمثل العمل تحت شعار الرفض.
هذا، وقد أصبحت لهذا الرفض دول وحكومات، كان من مصلحتها أن تعمق الهوة بين العالم الإسلامي وبين شعوبها، فعمقت الشذوذ والانحراف، وكثفت الحجب بين العالم الإسلامي وبين هذه الشعوب.
وقد فطن حجة الإسلام الغزالي لبعض هذا الكيد، فألف كتابه "فضائح الباطنية"، ومما قال فيه: «تشاور جماعة من المجوس، والمزدكية، وشرذمة من الثنوية الملحدين، وطائفة كبيرة من ملحدة الفلاسفة المتقدمين، وضربوا سهام الرأي في استنباط تدبير يخفف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل الدين، وينفس عن كربة ما دهاهم من أمر المسلمين، حتى أخرسوا ألسنتهم عن النطق بما هو معتقدهم من إنكار الصانع، وتكذيب الرسل، وجحد الحشر والنشر والمعاد إلى الله في آخر الأمر. وقد تفاقم أمر محمد r، واستطارت في الأقطار دعوته، واتسعت ولايته، واتسقت أسبابه وشوكته، حتى استولوا على ملك أسلافنا، وانهمكوا في التنعم في الولايات، مستحقرين عقولنا، وقد طبقوا وجه الأرض ذات الطول والعرض، ولا مطمع في مقاومتهم بقتال، ولا سبيل إلى استنزالهم عليه بمكر واحتيال. ولو شافهناهم بالدعاء إلى مذهبنا لتنمروا علينا، وامتنعوا من الإصغاء إلينا، فسبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم، ونتحصن بالانتساب إليهم، والاعتزاء إلى أهل البيت من شرهم، ونتودد إليهم بما يلائم طبعهم. ونتوصل به إلى تطويل اللسان في أئمة سلفهم الذين هم أسوتهم وقدوتهم، حتى إذا قبحنا أحوالهم في أعينهم، وما ينقل إليهم شرعهم بنقلهم وروايتهم، اشتد عليهم باب الرجوع إلى الشرع، وسهل علينا استدراجهم إلى الانخلاع عن الدين. وإن بقي عندهم معتصم عن ظواهر القرآن، ومتواتر الأخبار، أوهمنا عندهم أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن، وأن إمارة الأحمق الانخداع بظواهرها، وعلامة الفطنة اعتقاد بواطنها، ثم نبث إليهم عقائدنا، ونزعم أنها المراد بظواهر القرآن، ثم إذا تكثرنا بهؤلاء، سهل علينا استدراج سائر الفرق بعد التحيز إلى هؤلاء، والتظاهر بنصرهم. ثم قالوا: طريقنا أن نختار رجلاً ممن يساعدنا على المذهب، ونزعم أنه من أهل البيت، وأنه يجب على كافة الخلق مبايعته، ويتعين عليهم طاعته، فإنه خليفة رسول الله r، معصوم عن الخطأ والزلل، ومن جهة الله تعالى»([73]).
ثم إنه جدت أمور وأمور بعد الغزالي تحت شعار التشيع الرافضي تشيب من هولها الولدان، مما جعل الضرورة ملحة لرصد مسيرة هذا الرفض الملعون، وإرجاع الأمة إلى صفاء العقيدة ونقائها، وإلى التشيع السني الصافي،الذي درجت عليه الأمة، وأشرنا إليه في بداية هذه المقدمة.
وقد أطلعني ناشر هذا الكتاب - وهو أخ صديق - على كتاب حقق هذه الضرورة، حيث كان رصداً لمسيرة الرفض العادي والغالي، وإرجاعاً للأمة إلى التشيع السني الأصيل، وطلب مني أن أكتب مقدمة لهذا الكتاب، وكان ذلك يوافق رغبة مني، فكتبت هذه المقدمة الوجيزة، مناشداً كل متشيع لأهل البيت أن يقرأ هذا الكتاب أولاً، وأن يتجرد من كل هوى، ليبدأ التحقيق الجاد في كل ما فرق به أهل الأهواء بين عالم السنة وعالم الشيعة، فلعل نوراً جديداً يلمع في الأفق يعيد لهذه الأمة وحدتها، ويجعلها كلها على كلمة سواء فيما بينها، لتنطلق هذه الأمة داعية على بصيرة إلى الله، في عالم كثير الظمأ إلى الدين الإسلامي الحنيف.
ولقد تتابعت حلقات مخطط الرفض الرهيب في إفراغ التشيع من محتواه الحقيقي، ووضعه في موقع مضاد للإسلام وعقيدته، وهدم أركان العقيدة الإسلامية من نفي للتوحيد، وادعاء بتحريف القرآن، وإنكار للسنة النبوية، سيما السابقين منهم، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وخالد، وأبي عبيدة ونحوهم، والتقرب إلى إلههم بلعنهم وسبهم، فضلاً عن قولهم بترهات وضلالات وروايات اخترعوها، تنفر العاقل من الدين، وتنزل بالعقل من سماء الحكمة إلى حضيض الحيوانات العجماء، كالقول بعصمة الأئمة، والنص من الله بتعيينهم خلفاء في الأرض، يحرمون ويحللون كيف يشاءون، والإيمان بالمهدوية، والنيابة عنهم، وجواز البداء على الله - تعالى الله عما يقولون - وضرورة الكذب باسم التقية، وإباحة النساء باسم المتعة، وإهانة المرأة بوطئها في دبرها، والإساءة إلى آل البيت حينما يصورونهم فاقدي الشجاعة والجرأة في طلب الحق وإظهاره، متبعين لسياسية إخفاء الحق لأجل مصالحهم الدنيوية - أعاذهم الله من ذلك، مستبيحين لدماء المسلمين وأموالهم وحرماتهم ومقدساتهم.
ويلاحظ أن جملة كبيرة من الحركات الهدامة قد تبنت كل هذا الشذوذ، ومكنت له بقوتها وأموالها وإرهابها، مثل: القرامطة، والخرمية، والبابكية، وما قام به البويهيون والعبيديون – الفاطميون - والحشاشون والصفويون، من جهد منظم لأجل إشاعة هذه الترهات، وتدوينها في كتب بثوا حولها دعاية كبيرة، جعلتها تحتل منزلة مقدسة عند الشيعة، ونسبوا إلى آل البيت الكرام آلاف الروايات المكذوبة، لدعم خطتهم وهدفهم.
لقد اقترن الرفض الملعون بسب أفضل جيل عرفته البشرية، وهو جيل الصحابة، بل بسب أفضل خلق الله بعد الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، فقد سب الرافضة أبا بكر، وعمر، وهذا السباب للشيخين والصحابة تُستدرج لهما الأمة الآن تحت أغطية كثيرة، ومن خلال خداع كبير. فهل يجوز لعالم أن يسكت عن هذا الاستدراج؟!
وقد وصف الله تعالى في محكم كتابه العزيز جيل الصحابة بأنه خير أمة أخرجت للناس، فقال سبحانه: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح:29].
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن رسول الله r قوله: «لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه».
وكما أشرنا قبل قليل، فإن الباحث يتوجه بكتابه هذا إلى الشيعة أنفسهم، إذ لا يشك أن غالبية الشيعة لا يعرفون شيئاً عن التشيع السائد في كتبهم، وما فيه من مخالفات صريحة للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وما هو معلوم من الدين بالضرورة، فهم يظنون أنفسهم أنهم مسلمون، ويمتازون على غيرهم بمزيد محبتهم لعلي وأهله، ولا ريب أنهم حينما يطّلعون على حقيقة الأمر، ويقفون على الإلحاد والشعبذة والكفريات التي بثها ويبثها زعماء الشيعة الفرس اليوم، فإنهم سيرفضونها جملة وتفصيلاً.
لقد آن الأوان لتنقية التشيع الحقيقي من كل ما علق به، ودس فيه من أفكار فاسدة وضلالات وترهات، عمل اليهود والمجوس على إدخالها فيه، والعودة به إلى منابعه الصافية، التي عُرف بها في صدر الإسلام.
وما هذا الكتاب إلا محاولة جادة في هذا الطريق إن شاء الله، وقد رافقته محاولة أخرى لعلم من أعلام الشيعة المعاصرين، وهو الدكتور موسى الموسوي، في كتابه "التشيع والتصحيح"، الذي نندب كل شيعي مخلص لقراءته وتدبره: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة:105].
نسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه؛ إنه سميع مجيب([74]).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 
4- الشيخ أبو الحسن علي الندوي
 
-         ينتهي نسبه إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما.
-         كان والده علامة الهند ومؤرخها، وكانت والدته من السيدات الفاضلات تحفظ القرآن الكريم وتقول الشعر، وتؤلف الكتب.
-         ولد عام 1914 وتوفي عام 1999م.
-         بدأ رحلاته الدعوية منذ عام 1939م في الهند، وأسس مركزاً للتعليمات الإسلامية عام  1943م.
-         اختير عضواً في المجلس الانتظامي لندوة العلماء عام 1948م، واختير أميناً عاماً لندوة العلماء عام 1961م.
-         أسس حركة رسالة الإنسانية عام 1951م، والمجمع الإسلامي العلمي عام 1959م،  في لكنؤ- بالهند .
-         دعا إلى تأسيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية، واختير أول رئيس لها عام 1986م.
-    عضو في رابطة العالم الإسلامي – المجلس الأعلى للدعوة الإسلامية في القاهرة – رئيس مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية – رابطة الجامعات الإسلامية – وكان عضواً في مجامع اللغة العربية في كل من دمشق والقاهرة وعمان.
-    ترك الشيخ أبو الحسن ثروة علمية كبيرة من المؤلفات الدعوية والفكرية والأدبية قارب ثلاثمائة عنوان باللغة العربية، منها كتابه " صورتان متضادتان لنتائج الرسول الأعظم r بين السنة والشيعة الإمامية".


حقيقة ثورة الخميني
[هذا البحث كتبه الشيخ أبو الحسن علي الندوي الداعية المعروف، ورئيس رابطة الأدب الإسلامي، مقدمة لكتاب "الثورة الإيرانية في ميزان الإسلام" تأليف: الشيخ محمد منظور نعماني].
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد: فإن السؤال الذي أطرحه في بداية هذه المقدمة: كيف كان العصر الإسلامي الأول؟! كيف كان ذلك العصر المثالي الذي شهد مولد الإسلام؟! كيف كان عصر الأسوة الحسنة؟! وما النتائج العملية التي تمخضت عن التعاليم النبوية، وعن التربية المحمدية التي شرف بها المسلمون آنذاك؟ وكيف كانت أحوال أولئك الناس الذين نشئوا وترعرعوا في أحضان النبوة، وفي ظل الرسالة المحمدية؟.
كيف كانت أعمال ذلك الرعيل الأول؟ وكيف كان سلوك هذا الجيل الذي شهد شروق شمس الإسلام الوضاءة..؟ ما الخصائص التي ميزت النبي الكريم عن غيره من مؤسسي الديانات الأخرى؟ وكيف كانت نظرة الأسرة إليه؟ كيف كانت نظرة الأسرة إلى هذه الشخصية العظيمة؟! ماذا كانت نظرة آل البيت؟ وماذا كان سلوكهم العملي فيما يتعلق بالعمل من أجل الدعوة إلى دين الحق، ومن أجل إظهاره للعالمين؟ كيف كانت عزائمهم؟.
ثم ما نوعية العلاقات التي كانت تربط المسلمين الأوائل بعضهم ببعض، وهم المجموعة التي نالت شرف التربية النبوية، والتي كانت صحابته الذين عرفوا في التاريخ الإسلامي باسم "الصحابة" رضوان الله عليهم، وهم المجموعة التي كانت تضم أيضاً أفراد بيته الشريف والذين عرفناهم باسم "آل البيت"؟.
كيف أثبت لنا التاريخ بوضوح وجلاء سلوك أولئك الناس الذين ملكوا زمام الأمور والسلطة في ذلك العصر المثالي، عصر الإسلام الأول, ممن سموا بالخلفاء الراشدين؟ وكيف أثبت هؤلاء وهؤلاء ورعهم وتقواهم وخوفهم من خالقهم، وذلك من خلال حياتهم العملية الشخصية، أو من خلال حياتهم العملية داخل أسرهم، إذ عاشوا حياة المسلم الورع التقي، رغم إمكانيات الترف والرفاهية المتوفرة، ورغم ما كانوا يملكونه من سلطات لا حد لها..؟!
إن الإجابة على هذه التساؤلات جميعها تتخذ صورتين متضادتين متعارضتين:
الصورة الأولى : هي تلك التي تعرض للعالم على ضوء عقائد أهل السنة.
والصورة الثانية: هي تلك التي ظهرت من خلال عقائد وأقوال الفرقة الإمامية الإثني عشرية([75])، من خلال شرحها للدين، وتفسيرها للتاريخ الإسلامي، وتصورها الخاص له.
ولا يوجد هناك أي اتفاق أو تشابه بين الصورتين السابقتين. ويمكن لمن وهبه الله عقلاً سليماً، وقدرةً على الحكم والإنصاف، ومعرفةً بالتاريخ الإنساني، أن يحكم بسهولة، ويستنتج الصورة التي تتناسب مع هذا الدين الذي أرسل رحمة وهداية للعالم أجمع. كما يمكنه أن يدرك في الوقت نفسه أن العمل بهذا الدين يمكن أن يتم عبر كل زمان، وفي كل عصر، ويمكن أن يأتي بأعظم النتائج.
كما يدرك تماماً بأن النبي الذي جاء برسالة الإسلام إلى العالمين، قد حقق أعظم النتائج وأطيبها في زمانه، وأن ما وصل إليه هذا الدين في زمانه وفي عهده المبارك، وما وصلت إليه الدعوة الإسلامية، يفوق ما وصلت إليه في أي عهد، ويجب أن يكون الأمر كذلك من الناحية العقلية والنقلية. وأي صورة أطيب وأفضل من تلك الصورة التي شهدتها الإنسانية زمان بعثته r، وهو ما لم يتحقق للإنسانية من قبل عبر عصورها الطويلة؟!
فالعصر الإسلامي الأول شهد تاريخاً للأفراد، بل شهد تاريخاً للمجتمع البشري كله، تاريخاً للمجتمع الحضاري، تاريخاً لنظام الحكم المثالي، وأسلوب الحياة الأمثل، شهد تاريخاً يقوم على أساس المثل السامية التي تهدف إلى هداية البشر وفلاح الإنسانية. ولقد صدق الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز حين قال في إحدى المناسبات: «إن محمداً r إنما بعث هادياً، ولم يبعث جابياً»، كتاب الخراج للإمام أبي يوسف([76]).
وعلى العكس من هذا: الصورة التي تعكسها معتقدات الفرقة الإمامية الإثني عشرية وأقوالها، فالصورة التي تعرضها هذه الفرقة، والتي تتراءى للناظر من أول وهلة عن المسلمين الأوائل، تجعل الشخص المثقف الفطن يتساءل - وهو على حق في تساؤله -:
إذا كانت الدعوة الإسلامية لم تتمكن من ترك آثارها الواضحة، أو تثبيت أقدامها في دور نهضتها على يد داعيها الأول .. وإذا كان المؤمنون بهذه الدعوة لم يتمكنوا من البقاء أوفياء أمناء للإسلام بعد وفاة نبيهم .. وإذا كان لم يبق من بين من تركهم رسول الله r على صراطه المستقيم إلا بضعة رجال -وهذه كلها آراء الشيعة؛ فكيف إذن نسلم بأن في هذا الدين وفي هذه الدعوة صلاحية تزكية النفوس الإنسانية وتطهيرها، وصلاحية تهذيب الأخلاق ورفعتها؟ وكيف نسلم بأن هذا الدين يمكن أن يرفع الإنسان من حضيض الحيوانية إلى سمو الإنسانية؟!
ولنفترض أن أحد ممثلي المسلمين قام يلقي خطاباً رائعاً يأخذ بالألباب حول الإسلام، وحول الدعوة الإسلامية، وذلك في عاصمة إحدى البلدان الأوروبية، أو في أي بلد غير مسلم، ثم قام أحد الأشخاص ممن قرءوا كتب المذهب الإثني عشري بمخالفته ومعارضته ومواجهته، قائلاً: انظر إلى بيتك أولاً ... واطلع على أمره، لقد تمخض جهاد نبيك طوال ثلاثة وعشرين عاماً عن أربعة رجال فقط اتبعوا طريقه، ومشوا على خطاه بعد وفاته، فبأي وجه يمكن أن تدعو غير المسلمين إلى الإسلام؟! فماذا يكون رد هذا المسلم الذي وقف يدعو الناس إلى الإسلام بعد أن سمع هذا الكلام الذي يرسمه تصور الفرقة الإمامية للإسلام ولتاريخ الإسلام؟!
في السنوات الماضية، وحين قام آية الله وروح الله الخميني بالدعوة إلى الثورة الإسلامية، وقضى على عرش الإمبراطورية البهلوية، وأقام - كما قال - الحكومة الإسلامية، وأوجد عهداً جديداً. كان من المتوقع -وآثار ذلك وقرائنه كانت موجودة - ألا يقوم بتقليب صفحات النزاع التاريخي القديم المتواصل بين الشيعة والسنة، وذلك حتى تنتشر دعوته وتعم، وكان من المتوقع -إن لم يكن قادراً على أن ينزع هذه الصفحات - أن لا يقلبها على أقل تقدير.
وإذا لم تكن الفرقة الإمامية الإثنا عشرية قادرة على إعلان براءتها من تلك العقائد لهدف سياسي أو لمصلحة محلية، فعلى الأقل لم يكن من الواجب إظهارها وإعلانها، بل كان الأمل المرجو من هذا الزعيم الذي حمل رأيه على كفه، والذي قام بلا خوف وبلا تحسب لأية عواقب أو نتائج، وبلا مبالاة، وبخطب نارية أثار بها حماس الجماهير، فقلب نظام حكم الإمبراطورية البهلوية التي كان لديها من القوة العسكرية ومن الرسوخ والسلطة ما يشهد به العالم كله، كان الأمل أن يعلن على أساس من فكره العميق ودراسته المستفيضة، ومن أجل اتحاد المسلمين، وبوازع من الشجاعة الأخلاقية؛ أنه لم تعد هناك ضرورة لإثارة تلك العقائد الهدامة التي تضرب بشدة على أصول الإسلام، والتي تسيء إليه وتقلل من شأنه، ووقفت حجر عثرة في طريق الدعوة للإسلام بين غير المسلمين، تلك التي كانت نتيجة مؤامرة خبيثة([77]) دبرها أعداء الإسلام في القرن الأول، وفي عهد الصحابة رضوان الله عليهم، والتي ظهرت نتيجة لعاطفة الانتقام لزوال الإمبراطورية الفارسيـة التي كانت قائمة في ذلك الوقت.
كان المرجو من آية الله أن يعلن: أنه لم تعد هناك ضرورة لكل هذه المعتقدات، وأن علينا أن ننسى الماضي من أجل رفعة الإسلام، ومن أجل إصلاح البلاد الإسلامية، والقضاء على الفساد المتفشي في المجتمع الإسلامي. وكان المرجو منه أيضاً أن يعلن: بأنه من الواجب الآن أن نبدأ معاً رحلة جديدة، وأن ترتفع أمام أنظار العالم الصورة المزدهرة لماضي الإسلام وحاضره، وأن نعمل معاً على أن نجذب بقية أمم العالم إلى الإسلام.
إلا أن كتابات آية الله الخميني ورسائله التي كتبها لشرح ولتوضيح العقائد الشيعية وبكل وضوح وبكل عنف، جاءت على خلاف كل التوقعات والقرائن، فقد وردت في كتابه "الحكومة الإسلامية"، أو "ولاية الفقيه" تلك الأفكار ذاتها في حق الإمامة والأئمة، تلك الأفكار التي تصل بالأئمة إلى مقام الإلوهية، وتثبت أفضليتهم على الأنبياء والرسل والملائكة، وأن الكائنات في مرحلتها التكوينية تابعة لهم، خاضعة لسيطرتهم([78]).
وهكذا، أيضاً  في كتابه "كشف الأسرار" وهو بالفارسية، لا يجرح فقط صحابة رسول الله r، وخاصة الخلفاء الثلاثة، بل يتطاول عليهم بالسب والشتم بألفاظ لا تصلح إلا أن تطلق على جماعة ضالة مضللة، فاسقة فاجرة، فاسدة مفسدة([79]).
ولقد ارتبطت قضية الإمامة والأئمة بدعوته، ولم تتخذ شكل إرشادات سرية أو شكل مناهج خاصة، بل اتخذت شكل رسائل مطبوعة ومنشورة. وما يخص الخميني في أمر الإمامة والأئمة - أي: أفكاره الخاصة بالإمامة والأئمة، وطعنه واتهامه للصحابة - لم يكن بالشيء المستتر الذي يخفى على الجميع، فقد انتشرت كتبه بأعداد تصل إلى مئات الآلاف في إيران، وفي خارجها.
وبناءً عليه فقد كان من المتوقع تماماً ألا تلقى دعوته هذه أي قبول، وألا تنال أية استجابة، وألا يفهم على أنه زعيم الثورة الإسلامية، ومؤسس الحكومة الإسلامية، والقائد الزعيم المثالي، وخاصة بين دوائر أهل السنة وهم الذين يمثلون الأكثرية المسلمة في العالم، وخاصة بعد أن أعلن عن اختلافه مع عقيدة الأمة الأساسية، ألا وهي عقيدة التوحيد، وبعد أن أعلن عن رأيه في مشاركة النبوة، وهي النتيجة الطبيعية لتعريف الإمامة وتحديد أوصاف الإمام.
وبعد أن جرح وطعن كبار شخصيات الصحابة الكرام الذين يحتلون مكانة تالية لمكانة رسول الله في قلوب المسلمين، والذين يمثل عصرهم، ليس فقط في تاريخ الإسلام، بل في تاريخ العالم الإنساني، وفي ضوء التاريخ الثابت وبشهادة المؤرخين المسلمين وغير المسلمين؛ أعظم فترة حكم في تاريخ العالم، وأعظم نموذج للحياة مر به العالم، إلا أن ما حدث كان خلاف ذلك، وهو أمر لا يصيب الإنسان بصدمة، بل يصيبه بالحيرة.
ففي بعض الدوائر وضعه بعض أعلام الفكر الإسلامي، وبعض الإسلاميين الذين يدعون إلى رفعة الإسلام وغلبته، وضعوه في مكانة الإمام المنتظر، وأظهروا له حباً، وتعصبوا له إلى درجة جعلتهم لا يقبلون في حقه أي نقد أو ملاحظة!
من خلال هذه التجربة، ومن خلال هذه الملاحظات يمكن تقدير أمرين([80]):
أولهما: أنه لم يعد هناك أي معيار للنقد، ولم يعد هناك أي معيار موضوعي للمدح أو الذم في كثير من الدوائر الإسلامية التي تضم أهل القرآن والسنة، وأسوة السلف الصالح، وأصحاب العقائد الصحيحة والمسلك الصحيح. ففي هذه الدوائر، يكفي حتى يكون القائد محبوباً أن ينادي فقط بإقامة حكومة حرة باسم الإسلام، أو يهتف ضد أية قوة غربية، أو يخلق بعض المشكلات لها، حتى يغتفر له كل شيء، ولو كان هذا الشيء خروجه على أصول الإسلام!
ثانيهما: أن أهمية العقيدة قد تدهورت إلى حد خطير لدى جيلنا المثقف المتعلم، وهذا أمر جد خطير يدعو للقلق، ويستلزم إعمال الفكر.
إن أهم الحدود الفاصلة بين دعوات الأنبياء وغير الأنبياء من الأدعياء، وبين أهداف وأعمال الأنبياء وأعمال غيرهم، هي عقيدة لا تقبل أي هدنة أو مهادنة، ولا تقبل أي تسويف أو مساومة([81]).
فمعيار الرفض والقبول، ومعيار الإعجاب والبغض، وشرط الوصل والقطيعة، يتمثل فقط عند المسلم في تلك العقيدة، وفي هذا الدين، الذي هو رغم ضعف المسلمين قائم وثابت في شكله الأصلي، وطالما بقيت هذه العقيدة صلبة مستقيمة، وطالما تمسك بها أهلها، وأخذتهم الحمية والغيرة عليها إن مسها أحد بضر، وطالما لم يهن ولم يضعف مفسرو الدين وشارحوه والمحافظون عليه أمام أي جبروت أو طاغوت، أو أمام أية إمبراطورية مهما وصلت قوتها، وطالما لم يسمحوا لأحد أن يمس هذه العقيدة من قريب أو بعيد، وطالما رأوا عدم جواز السكوت على أية عقيدة خاطئة أو دعوة تشوبها شائبة من خطأ أو تحريف مهما كان الأمر يمس المصالح الدنيوية للمسلمين، ومهما كان الأمر يحمل التلويح بالابتعاد عن تفرقة المسلمين أو البعد عن إيجاد اختلاف بينهم. فالعقيدة الصحيحة هي الأساس، وما عداها باطل باطل.
وها هو الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، المتوفى سنة241هـ، يعارض ويواجه مواجهة شديدة، ليس فقط حاكماً من أكبر الحكام المسلمين، بل أعظم حكام عصره، ألا وهو الخليفة المأمون ابن الخليفة هارون الرشيد، والمعتصم بن هارون الرشيد، فيتحمل السياط وعذاب السجن في سبيل الدفاع عن الإسلام في صورته النقية الطاهرة، وذلك حين ظهرت فكرة خلق القرآن.
وهاهو مجدد الألف الثانية، الشيخ أحمد فاروقي رحمة الله عليه المتوفى سنة 1034هـ، يقوم بالدفاع عن نقاء الإسلام، فيقف في وجه الإمبراطور الأكبر، ويعارض أفكاره وعقائده، والدعاوى الباطلة والاجتهادات التي تمس نقاء الدين، وفكرة وحدة الأديان، واستمر في جهاده في هذا حتى زمان جهانكيز، حين تغير مسار الحكومة والإمبراطورية المغولية([82]).
هذان مثالان فقط، وإلا فالتاريخ الإسلامي مليء بعشرات، بل بمئات الأمثلة المضيئة لمن تمثلوا بـ«لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، و«أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر».
والسلطان الجائر هذا يكون أحياناً في صورة فرد، كملك أو حاكم، أو في صورة رأي عام، ويكون أحياناً في صورة نجاح وتوفيق كاذب، أو شهرة كاذبة، كما يكون أحياناً في صورة ادعاءات بإقامة جمهورية إسلامية، أو غير ذلك ... ويشهد التاريخ وتشهد التجارب على أن الأمرين الأخيرين هما أكثر الأمور التي تطالعنا اليوم. والحقيقة أن التعاليم الحقيقية للإسلام، والعقيدة الصحيحة للإسلام، هي ذلك النهر الذي يمضي لا يغير مساره أبداً، ولا يمكن أبداً أن تتداخل فيه مياه مجار أخرى من أي نوع.
فالقوى السياسية، والثورات المؤقتة، وقيام الحكومات وسقوطها، والدعوات والحركات الأخرى، ما هي إلا أمواج تأتي وتمضي.
فإذا ما كان النهر في مساره الصحيح، وإذا ما كان ماؤه ينساب دائماً، فلا خطر ولا خوف، ولكن إذا كان في العقيدة فساد، فكأن نهر الدين قد غير مساره ومجراه، وكأن مياهه الصافية قد نضبت وحل محلها ماء آسن قذر. ومن هنا، فإن أية حركة أو دعوة لا يمكن أن تقدم وعوداً تقبل مع فساد عقيدتها، ومع ضلال وبطلان ما تدعو إليه من الوصول ببلد ما إلى التقدم والرقي، كما لا يمكنها أن تحقق لأي مجتمع أي إصلاح ولو جزئي، ولا يمكن أن تبعد عنه أي فساد أو خراب.
تلك هي الحقيقة التي يكمن بداخلها سر بقاء الأمة، وسر الحفاظ على الدين. وتلك هي الحقيقة التي تفرض على علماء عصرنا، ودعاة ديننا، والمحافظين على شريعتنا وعلى سنة نبينا مواجهة الصعوبات وتحملها، ومواجهة المتاعب التي تعترضهم والصبر عليها.
 

 
 
 
 
 
5- الإمام محمد أبو زهرة
 
-        هو الفقيه العلامة محمد أبو زهرة ، ولد سنة 1898م في مدينة المحلة المصرية، وتوفي سنة 1974م.
-        حصل على عالمية القضاء الشرعي مع درجة أستاذ بتفوق عام 1924م.
-   تولى التدريس في دار العلوم وكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وكلية الحقوق بجامعة القاهرة ، ثم شغل منصب أستاذ محاضر للدراسات العليا، ورئيس لقسم الشريعة ووكيل لكلية الحقوق ومعهد الدراسات الإسلامية.
-        له العديد من الكتب والأبحاث والفتاوي.
-        كانت له مواقف مشهودة صدع فيها بالحق، في وجه الظالمين المستكبرين، منها رفضه لمحاولة ترسيخ مفهوم "اشتراكية الإسلام".


الشيعة
التعريف الإجمالي بهم
 
[هذا البحث كتبه الإمام محمد أبو زهرة في كتابه" تاريخ المذاهب الإسلامية "
ص 32- 36 ، 46- 52]
 
«الشيعة» أقدم المذاهب السياسية الإسلامية، وقد ذكرنا أنهم ظهروا بمذهبهم في آخر عصر عثمانt، ونما وترعرع في عهد علي t، إذ كان كلما اختلط بالناس ازدادوا إعجاباً بمواهبه، وقوة دينه وعلمه فاستغل الدعاة ذلك الإعجاب، وأخذوا ينشرون آراءهم فيه، ما بين رأي فيه مغالاة، ورأي فيه اعتدال. ولما اشتدت المظالم على أولاد علي في عهد الأمويين وكثر نزول الأذى بهم، ثارت دفائن المحبة لهم وهم ذرية رسول الله r، ورأى الناس فيهم شهداء الظلم، فاتسع نطاق المذهب الشيعي، وكثر أنصاره.
وقوام هذا المذهب هو ما ذكره ابن خلدون في مقدمته: «إن الإمامة ليست من مصالح العامة التي تفوض إلى الأمة، ويتعين القائم فيها بتعيينهم، بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفالها، وتفويضها إلى الأمة، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم، ويكون معصوماً عن الكبائر والصغائر».
ويتفق الشيعة على أن علي بن أبي طالب هو الخليفة المختار من النبي r، وأنه أفضل الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عليهم. ويرى أن من الصحابة من يرى رأي الشيعة في تفضيله على كل الصحابة، وقد ذكر ابن أبي الحديد الشيعي المعتدل أن من الصحابة الذين فضلوا علياً على كل الصحابة عمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وأبا ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، وأبي بن كعب، وحذيفة، وبريدة، وأبا أيوب الأنصاري، وسهل بن حنيف، وعثمان بن حنيف, وأبا الهيثم بن التيهان، وأبا الطفيل عامر بن وائلة، والعباس بن عبد المطلب وبنيه وبني هاشم كافة، ويقول ابن أبي الحديد: «وابن الزبير كان من القائلين به في بدء الأمر، ثم رجع عنه، كما يذكر أن بعض بني أمية كانوا يرون هذا الرأي ومنهم سعيد بن العاص».
ولم يكن الشيعة على درجة واحدة، بل كان منهم الذين غالوا في تقدير علي وبنيه، ومنهم المعتدلون المقتصدون، وقد اقتصر المعتدلون على تفضيله على كل الصحابة من غير تكفير أحد، ومن غير أن يضعوه في درجة التقديس التي يعلو بها على البشر، ولقد قال ابن أبي الحديد في المعتدلين منهم: «وكان أصحابنا أصحاب النجاة والخلاص والفوز في هذه المسألة، لأنهم سلكوا طريقاً مقتصداً، قالوا: إنه أفضل الخلق في الآخرة، وأعلاهم منزلة في الجنة، وأفضل الخلق في الدنيا، وأكثرهم خصائص ومزايا ومناقب، وكل من عاداه أو أبغضه فإنه عدو الله، وخلد في النار مع الكفار والمنافقين، إلا أن يكون ممن ثبتت توبته، ومات على توليه وحبه.
فأما الأفاضل من المهاجرين الذين ولوا الإمامة قبله, فلو أنكر إمامتهم وغضب عليهم وسخط فعلهم، فضلاً عن أن يشهر عليهم السيف أو يدعوهم إلى نفسه، لقلنا إنهم من الهالكين كما لو غضب رسول الله r وآله، لأنه قد ثبت أن رسول الله r قال: «حربك حربي، وسلمك سلمي»، وأنه قال: «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه»، وقال له: «لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق».
ولكنا رأيناه رضي إمامتهم وبايعهم، وصلى خلفهم، وأنكحهم وأكل فيئهم، فلم يكن لنا أن نتعدى فعله ولا نتجاوز ما اشتهر عنه، ألا ترى أنه لما برئ من معاوية برئنا منه، ولما لعنه لعناه، ولما حكم بضلال أهل الشام ومن كان فيهم من بقايا الصحابة كـعمرو بن العاص، وعبد الله ابنه وغيرهما، حكمنا أيضاً لهم.
والحاصل أننا لم نجعل بينه وبين النبي r إلا رتبة النبوة، وأعطيناه كل ما عدا ذلك من الفضل المشترك بينه وبينه، ولم نطعن في أكابر الصحابة الذين لم يصح عندنا أنه طعن فيهم»([83]).
المواطن الذي نشئوا فيها وزمان نشأتهم
قامت الشيعة ظاهرة كما قلنا في آخر عصر الخليفة الثالث عثمان، وقد نمت وترعرعت في عهد علي t، من غير أن يعمل على تنميتها، ولكن مواهبه كما قلنا هي التي دعت إليه، ولما قبضه الله تعالى إليه، تكونت الفكرة الشيعية مذاهب، منها ما كان فيه مغالاة ومنها ما كان فيه اعتدال كما نوهنا، وهي في كلتا حاليها قد اتسمت بالتعصب الشديد لآل البيت النبوي.
وقد كان العصر الأموي محرضاً على المغالاة في تقدير علي t، وذلك أن معاوية سن سنة سيئة في عهده وفي عهد ابنه ومن خلفه من الأمويين حتى عهد عمر بن عبد العزيز، وتلك السنة هي لعن إمام الهدى علي بن أبي طالب t عقب تمام الخطبة، ولقد استنكر ذلك بقية الصحابة ونهوا معاوية وولاته عن ذلك، حتى لقد كتبت أم سلمة زوج رسول الله r إليه كتاباً تنهاه وتقول فيه: «إنكم تلعنون الله ورسوله على منابركم، ذلك أنكم تلعنون علي بن أبي طالب ومن أحبه، وأشهد أن رسول الله r أحبه».
وفوق ذلك فإنه في عهد يزيد قتل الحسين بن علي الذي هو وأخوه سيدا شباب أهل الجنة ... كما ورد في الأثر - قتلة فاجرة، وذهب دمه عبيطاً، من غير أن ترعى حرمة دين، وأخذت بنات الحسين، وبنات علي سبايا إلى يزيد بن معاوية، وهم بنات ابنة النبي r، والعترة النبوية الطاهرة.
رأى الناس ذلك، ولم يستطيعوا تغييراً ولا تحويلاً، فكظموا غيظهم وكبتوا نفوسهم واشتد ألمهم، فاندفعوا إلى المغالاة في تقدير أولئك الذين غالى الأمويون في إيذائهم، وهكذا يدفع الكبت العقلي والنفسي دائماً، فإنه يدفع المبالغة في التقدير، إذ العطف والإشفاق يدفعان إلى الإكبار والتقدير.
والشيعة نشأت في مصر ابتداء في عهد عثمان إذ وجد الدعاة فيها أرضاً خصبة، وعمت العراق، واتخذته لها مستقراً ومقاماً، فإذا كانت المدينة ومكة، وسائر مدائن الحجاز مهداً للسنة والحديث، والشام مهداً لنصراء الأمويين فقد كان العراق مقاماً للشيعة. ولماذا كان العراق مهد الشيعة؟
لقد تضافرت عدة أسباب فجعلته كذلك، فـ«علي بن أبي طالب» أقام به مدة خلافته، وفيه التقى بالناس ورأوا فيه ما أثار تقديرهم، ولم يعلنوا الولاء بقلوبهم للأمويين قط، فرماهم معاوية في خلافته، بزياد ابن أبيه فقضى على المعارضة أن تظهر، ولكنه لم يقتلع جذورها من النفوس، ولما مضى زياد استمر ابنه على حكمه من بعده في عهد يزيد بن معاوية، وصار العراق أول المنتقضين على الأمويين حتى استقر الأمر لبني مروان في عهد عبد الملك بن مروان، فرماهم بالحجاج فاشتد في القمع، وكلما اشتد قمعه اشتد المذهب الشيعي في نفوس معتنقيه.
والعراق فوق تلك ملتقى حضارات قديمة، ففيه علوم الفرس، وعلوم الكلدان وبقايا حضارات هذه الأمم وقد ضمت إلى هذا فلسفة اليونان، وأفكار الهنود، وقد امتزجت هذه الحضارات وتلك الأفكار في العراق، فكان المنبت الذي ينبت أكثر الفرق الإسلامية وخصوصاً ما يتصل فيه بالفلسفة؛ ولذلك امتزجت بالشيعة آراء فلسفية تتلاءم مع بيئة العراق الفكرية. وفوق ذلك فإن العراق كان مهد الدراسات العلمية وفي أهله ذكاء، وفيهم تعمق.
وقال فيه ابن خلدون: «ومما ينقدح لي في الفرق بين هؤلاء القوم وبين العرب الذين حاصروا رسول الله r، أن هؤلاء من العراق، وساكني الكوفة، وطينة العراق مازالت تنبت أرباب الأهواء، وأصحاب النحل العجيبة والمذاهب البديعة، وأهل الإقليم أهل بصر وتدقيق ونظر وبحث عن الآراء والعقائد، وشبه معترضى المذاهب وقد كان منهم أيام الأكاسرة مثل ماني، وديصان ومزدك وغيرهم، وليست طينة الحجاز هذه الطينة، ولا لأذهان أهل الحجاز هذه الأذهان».
ونرى من هذا أن العراق كان مزدحم الآراء والمعتقدات من قديم، فكان لابد أن تنشأ فيه المذاهب السياسية والمذاهب الاعتقادية، فلا غرابة أن تنمو الأفكار الشيعية في بيئته.
أثر الفلسفة القديمة في المذهب الشيعي
لا شك أن الشيعة فرقة إسلامية إذا استبعدنا مثل "السبئية" الذين ألهوا علياً ونحوهم؛ لا شك أنها في كل ما تقول تتعلق بنصوص قرآنية أو أحاديث منسوبة إلى النبي r، ولكن مع ذلك اشتملت آراؤها على أفكار فلسفية أرجعها علماء العراق والغرب إلى مصادرها من المذاهب الفلسفية والدينية السابقة على الإسلام، والحضارة الفارسية التي انتهت بظهور الإسلام.
فبعض العلماء الأوروبيين، منهم الأستاذ دروزي؛ يقرون أن «أصل "المذهب الشيعي" نزعة فارسية، إذ إن العرب تدين بالحرية، والفرس يدينون بالملك وبالوراثة في البيت المالك، ولا يعرفون معنى الانتخاب للخليفة، وقد انتقل النبي r إلى الرفيق الأعلى ولم يترك ولداً، فأولى الناس بعده ابن عمه علي بن أبي طالب، فمن أخذ الخلافة كأبي بكر وعمر وعثمان، فقد اغتصب الخلافة من مستحقها، وقد اعتاد الفرس أن ينظروا إلى الملك نظرة فيها معنى التقديس، فنظروا هذا النظر نفسه إلى علي وذريته، وقالوا إن طاعة الإمام واجب، وطاعته طاعة الله  سبحانه تعالى»([84]).
وقرر بعض العلماء الأوروبيين أن «الشيعة» أخذت من اليهودية أكثر مما أخذت من الفارسية، مستدلاً بأن عبد الله بن سبأ، أول من أظهر الدعوة إلى تقديس علي كان يهودياً، وقرر هؤلاء أنه مع تلك الآثار اليهودية في المذهب الشيعي فالمذهب الشيعي كان مباءة للعقائد الآسيوية القديمة كالبوذية وغيرها([85]).
ولعل هذا القول الذي قرر أن هذا المذهب الشيعي استقى من اليهودية بعض مبادئه، قد استفاده الأوروبيون من أقوال للشعبي وكلام لابن حزم الأندلسي، فقد كان الشعبي يقول عن الشيعة: «إنهم يهود هذه الأمة»، وقال ابن حزم في "الفصل": «سار هؤلاء الشيعة في سبيل اليهود القائلين: إن إلياس عليه السلام، وفنحاس ابن العازار بن هرون عليه السلام أحياء إلى اليوم، وسلك هذا بعض الصوفية، فزعموا أن الخضر وإلياس عليهما السلام حيان إلى الآن»([86]).
وفي الحق، أنا نعتقد أن الشيعة قد تأثروا بالأفكار الفارسية حول الملك والوراثة، والتشابه بين مذهبهم ونظام الملك الفارسي واضح. ويزكي هذا أكثر أهل فارس إلى الآن من الشيعة، وأن الشيعة الأولين كانوا من فارس.
وأما اليهودية فإذا كانت توافق بعض آرائهم، فلأن الفلسفة الشيعية اقتبست من نواح مختلفة، وكان المنزع فارسياً في جملته وإن استندوا إلى أقوال إسلامية.
والشيعة الحاضرون وأكثر المعتدلين ينكرون أن يكون مثل عبد الله بن سبأ منهم، لأنه ليس مسلماً في نظرهم فضلاً عن أن يكون شيعياً، ونحن نوافقهم كل الموافقة.

الإمامية الإثنا عشرية
هذه الطائفة التي تحمل اسم الشيعة الإمامية يدخل في عمومها أكبر مذاهب الشيعة القائمة الآن في العالم الإسلامي في إيران والعراق، وما وراءها من باكستان وغيرها من البلاد الإسلامية، ويدخل في عمومها طوائف لم تنحرف اعتقاداتها إلى درجة أن تخالف نصاً من نصوص القرآن الكريم أو أي أمر علم من الدين بالضرورة، وطوائف أخرى أخفت اعتقاداتها، وأعمالها لا تدخل في الإسلام على انحراف شديد، وسنشير إشارات موجزة إلى هذه المذاهب.
والجامع لهؤلاء هو ما تدل عليه التسمية بعبارة «الإمامية» فإنهم يقولون إن الأئمة لم يعرفوا بالوصف كما قال الإمام زيد بن علي بل عينوا بالشخص، فعين الإمام علي من النبي r، وهو يعين من بعده بوصية من النبي r، ويسمون بالأوصياء، فقد أجمع الإمامية على أن إمامة علي t، قد ثبتت بالنص عليه بالذات من النبي r نصاً ظاهراً، ويقيناً من غير تعريض بالوصف، بل بإشارة بالعين قالوا: «وما كان في الدين أمر أهم من تعيين الإمام حتى يفارق عليه الصلاة والسلام الدنيا على فراغ قلب من أمر الأمة، فإنه إذا كان قد بعث لرفع الخلاف وتقرير الوفاق، فلا يجوز أن يفارق الأمة ويترك الناس هملاً يرى كل واحد منها طريقاً، ولا يرافقه عليه غيره» بل يجب أن يعين شخصاً هو المرجوع إليه، وينص على واحد هو الموثوق به والمعمول عليه، وعلي هو الذي عين بنص نبوي بذلك([87]).
ويستدلون على تعيين علي t بالذات ببعض آثار عن النبي r يعتقدون صدقها، وصحة سندها، مثل: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»، ومثل: «أقضاكم علي» ومخالفوهم يشكون في نسبة هذه الأخبـار إلى الرسول r.
ويستدل الإمامية أيضاً باستنباطات استنبطوها من وقائع كانت من النبي r، ومنها أن النبي r لم يؤمر على علي أحداً من الصحابة قط، وحينما انفرد عن رسول الله في غزوة أو سرية كان هو الأمير. بخلاف أبي بكر وعمر وغيرهما من كبار الصحابة، فإنهم كانوا أحياناً أمراء وأحياناً تكون الإمرة لغيرهم، وليس أدل على ذلك من جيش أسامة الذي أوصى به النبي r من بعده فقد كان فيه أبو بكر وعمر، وأنهم يعتقدون أن النبي قد بعثهما في جيش أسامة؛ لكيلا ينازعا علياً في الخلافة التي أوصى بها في اعتقادهم.
ويقولون أيضاً: عندما جعل أبا بكر أميراً للحج، ونزلت سورة براءة أرسل علياً ليتلوها على الناس في موسم الحج، ولم يجعل ذلك لأبي بكر، مع أنه كان الأمير.
وهكذا يستدلون على تعيين علي بالذات بأخبار اعتقدوا صحتها، وبأعمال قد اعتقدوا أنها في معنى النص على إمامته t، وخالفهم الجمهور في صحة الأخبار، كما قد خالفوهم في صحة استنباطهم من الوقائع المجمع عليها.
وكما اتفق الإمامية فيما بينهم على أن علياً وصي النبي r، بالنص، قرروا أن الأوصياء من بعد علي هم أولاده من فاطمة، الحسن ثم الحسين رضي الله عنهما، وهؤلاء هم المجمع عليهم، وقد اختلفوا من بعد ذلك على فرق مختلفة في الأئمة بعد هؤلاء، بل أنهم قد اختلفوا من بعد ذلك على أكثر من سبعين فرقة، وأعظمها فرقتان: الإثنا عشرية، والإسماعيلية.
يرى الإثنا عشرية أن الخلافة بعد الحسين t لعلى زين العابدين، ومن بعده لمحمد الباقر ثم لأبي عبد الله جعفر الصادق بن محمد الباقر، ثم لابنه موسى الكاظم، ثم لعلي الرضا، ثم لمحمد الجواد ثم لعلي الهادي، ثم للحسن العسكري، ثم لمحمد ابنه، وهو الإمام الثاني عشر، ويعتقدون أنه دخل سرداباً في دار أبيه بـ «سر من رأى» ولم يعد بعد، ثم اختلفوا في سنه وقت اختفائه، فقيل كانت سنه إذ ذاك أربع سنين وقيل ثماني سنوات، وكذلك اختلفوا في حكمه، فقال بعضهم إنه كان في هذه السن عالماً بما يجب أن يعلمه الإمام، وإن طاعته كانت واجبة، وقال آخرون: كان الحكم لعلماء مذهبه. وإن هذا الرأي الأخير هو الذي يسير عليه الإثنا عشرية في هذا الزمان.
والإثنا عشرية يوجدون الآن في العراق، فالشيعة في العراق، وهم عدد كثير يقارب النصف، يسيرون على مقتضى المذهب الإثني عشري في عقائدهم، ونظمهم في الأحوال الشخصية والمواريث والوصايا والأوقاف والزكوات والعبادات كلها، وكذلك أكثر أهل إيران، ومنهم من ينبثون في بقاع من سوريا ولبنان وكثير من البلاد الإسلامية، وهم يتوددون إلى من يجاورونهم من السنيين ولا ينافرونهم.
وإن الإمامية الإثني عشرية كسائر الإمامية يفرضون في الإمام سلطاناً مقدساً يأخذه بإيصاء عن النبي r، فكما أن ولايته أمر الأمة كانت بالوصاية، فتصرفاته كلها مشتقة من صاحب هذه الوصاية، وهو النبي r، لذلك يجب أن نذكر سلطانه وحدوده في القوانين والأحكام.
منزلة الإمام عند «الإمامية»
يقر الإمامية - بالنسبة لسلطان الإمام في التشريع والتقنين - أن الإمام له السلطان الكامل في التقنين وكل ما يقوله من الشرع، ولا يمكن أن يكون منه ما يخالف الشرع. ويقول في ذلك العلامة الشيخ محمد حسين آل كاشف العطاء: «يعتقد الإمامية أن لله تعالى في كل واقعة حكماً، وما من عمل من أعمال المكلفين إلا ولله فيه حكم من الأحكام الخمسة: الوجوب، والحرمة، والكراهية، والندب، والإباحة، وقد أودع الله سبحانه جميع تلك الأحكام عند نبيه خاتم الأنبياء، وعرفها النبي بالوحي من الله، أو بالإلهام، وبين كثيراً منها، وبالأخص لأصحابه الحافين به، الطائفين كل يوم بعرش حضوره ليكونوا هم المبلغين لسائر المسلمين في الآفاق: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143]، وبقيت أحكام كثيرة لم تحصل البواعث لقيامها، وإن حكمة التدرج اقتضت بيان جملة من الأحكام وكتمان جملة، ولكنه - سلام الله عليه، أودعها عند أوصيائه، كل وصي يعهد بها إلى الآخر لينشرها في الوقت المناسب لها حسب الحكمة من عام مخصص أو مطلق مقيد، أو مجمل مبين، إلى أمثال ذلك، فقد يذكر النبي لفظاً عاماً ويذكر مخصصه بعد برهة من حياته وربما لا يذكره أصلاً، بل يودعه عند وصيه إلى وقته»([88]).
هذا كلام السيد الجليل الذي اقتبسناه منه، ويستفاد من هذا الكلام ومن غيره أمور ثلاثة بالنسبة للتقنين والأحكام:
أول هذه الأمور: أن الأئمة وهم الأوصياء استودعهم النبي r أسرار الشريعة، وأن النبي r ما بينها كلها بل بين بعضها، فبين ما اقتضاه زمانه وترك للأوصياء أن يبينوا للناس ما تقتضيه الأزمنة من بعده، وذلك بأمانة أودعها إياهم.
وثانيها: أن ما يقوله الأوصياء شرع إسلامي لأنه تتميم للرسالة فكلامهم في الدين شرع، وهو بمنزلة كلام النبي r لأنه من الوديعة التي أودعهم إياها، فعنه صدروا، وبما خصهم به نطقوا.
وثالث هذه الأمور: أن للأئمة أن يخصصوا النصوص العامة، ويقيدوا النصوص المطلقة.
وإذا كان الإمام له هذه المنزلة بالنسبة للتقنين، فقد قرروا أنه يكون معصوماً عن الخطأ والنسيان والمعاصي، فهو طاهر مطهر لا تعلق به ريبة، وقد أجمع على ذلك الإمامية، وصرحت بذلك كتب الإثني عشرية، وقد قال الشريف المرتضى في كتابه "الشافي": «قد ثبت عندنا ومخالفينا أنه لا بد من إمام في الشريعة يقود بالحدود وتنفيذ الأحكام، وإذا ثبت ذلك وجبت عصمته. لأنه لو لم يكن معصوماً وهو إمام فيما قام به من الدين لجاز وقوع الخطأ منه في الدين، ولكنا إذا وقع الخطأ منه مأمورين باتباعه فيه، والاقتداء به في فعله، وهذا يؤدى إلى أن نكون مأمورين بالقبيح على وجه من الوجوه، وإذا فسد أن نكون مأمورين بالقبيح وجبت عصمة من أمرنا باتباعه والاقتداء به في الدين»([89]).
ويقررون أن عصمته ظاهرة وباطنة، وأنها قبل أن يكون إماماً، وبعد توليه الإمامة، ويقول في ذلك الطوسى وهو شيخ من شيوخهم: «إنه لا يحسن من الحكيم تعالى أن يولي الإمامة التي تقتضى التعظيم والتبجيل من يجوز أن يكون مستحقاً اللعنة والبراءة في باطنه، لأن ذلك سفه، وكذلك إنما يعلم كونه معصوماً فيما تقدم من حاله قبل إمامته، بأن يقول: إذا ثبت كونه حجة فيما يقوله، فلا بد أن يكون معصوماً قبل حال الإمامة؛ لأنه لو لم يكن كذلك لأدى إلى التنفير عنه، كما نقول ذلك في الأنبياء عليهم السلام»([90]).
وإن الإمامية يجوزون أن تجري خوارق العادة على يد الإمام، لتثبت إمامته، ويسمون الخارق للعادة الذي على يديه معجزة، كما يسمى الخارق الذي يجري على يدي أنبياء الله تعالى معجزة. ويقولون: إنه إذا لم يكن نص على إمامة الإمام من الأئمة وجب أن يكون إثبات الإمامة بالمعجزة.
ويقول الطوسي شيخ الطائفة في عصره: «العلم به - أي بالإمام - قد يكون بالنص تارة وبالمعجزات أخرى، فمتى نقل الناقلون النص عليه من وجه يقطع العذر فقد حصل الغرض، ومتى لم ينقلوه وأعرضوا عنه، وعدلوا إلى غيره، فإنه يجب أن يظهر الله تعالى على يديه علماً معجزاً يبينه من غيره ويميزه عمن عداه ليتمكن الناس من العلم به والتمييز بينه وبين غيره»([91]).
والإمام عند الإمامية قد أحاط علماً بكل شيء يتصل بالشريعة كما أشرنا، وبالحكم الذي عهد به إليه، ويقول في ذلك الطوسي: «إنه قد ثبت أن الإمام إمام سائر الدين، ومتولي الحكم في جميعه، جليله ودقيقه، وظاهره وغامضه، وليس يجوز ألا يكون عالماً بجميع الأحكام، وهذا صفته؛ لأن المتقرر عند العقلاء قبح استكفاء الأمر وتوليته من لا يعلمه».
وإن ذلك العلم المحيط ثابت بالفعل لا بالإمكان، ولا بالاجتهاد، أي أنه علم لدني ثابت، لا أنه ممكن أن يعلم ويقضي أو يجتهد فيعلم ويقضي، كما هو الشأن عند غيره من العلماء، وذلك لأن إمكان العلم الاجتهادي هو من قبيل العلم الناقص، فهو جهل في الابتداء ثم تعلم وعلم في الانتهاء، والإمام لا يجوز أن يكون جاهلاً بشيء من أمور الدين والشريعة في وقت من الأوقات. والحكم بأن علمهم علم إحاطة نتيجة حتمية لقولهم: إن الأوصياء أودعوا العلم من لدن الرسول بما يكفل بيان الشريعة، فعلمهم وديعة نبوية، وهم معصومون من الخطأ.
وإن الإمام ليس وجوده ضرورياً فقط لبيان الشريعة وتتميم ما بدأ الرسول ببيانه، بل هو أيضاً ضروري لحفظ الشريعة وصيانتها من الضياع فهو يتمها ويحميها، وهو القوام على الشريعة بعد النبي r ويحافظ عليها ويصونها، ويمنع عنها التحريف والزيغ والضلال، وأن تتحكم فيه الآراء المردية، إذ هو حجة الله القائمة إلى يوم القيامة، كما قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: «لا يخلو وجه الأرض من قائم بحجة إما خفياً مغموراً، وإما ظاهراً مستوراً».
والوصي عندهم هو القائم بحجة الله، وإنه بعصمته التي توجب طاعته والاقتداء به يكون الدين محفوظاً إلى يوم القيامة. وإن النبي r يقول: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، وعدم اجتماع الأمة على الضلالة هو الذي يجعل الدين محفوظاً إلى يوم القيامة.
ويقولون: إنه من الجواز العقلي يجوز أن تجتمع الأمة على الضلال، ولكن المعصوم وهو الإمام الوصي عندهم، هو الذي يرشدها، ويهديها ويقيها من أن تجتمع على الضلالة، فأهل الأديان الأخرى قد اجتمعوا على ضلالة لعدم وجود المعصوم عندهم، ولأن شريعتهم ليست خاتم الشرائع، أما شريعة محمد فهي خاتم الشرائع، ولابد من وجود المعصوم ليحميها ويقيها من الضلالة إلى يوم القيامة([92]).
هذه إشارات موجزة إلى منزلة الإمام عند الإمامية الإثني عشرية، ويظهر أن الإمامية جميعاً على رأيهم في هذا النظر، وليس الإمام ومقاربته لمقام النبي عندهم موضع خلاف، فإنهم يصرحون تصريحاً قاطعاً بأن الوصي لا يفرقه عن النبي إلا شيء واحد، وهو أنه لا يوحى إليه.
وإن القارئ لهذا الكلام الذي اشتمل على دعاوى واسعة كبيرة لشخص الإمام لم يقم دليل على صحته والدليل قائم على بطلانه، لأن محمداً أتم بيان الشريعة فقد قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة:3]، ولو كان قد أخفى شيئاً فما بلغ رسالة ربه وذلك مستحيل، ولأنه لا عصمة إلى النبي، ولم يقم دليل على عصمة غير الأنبياء.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 
 
 
 
6- الشيخ محمد منظور نعماني
 
 
-  من علماء الهند المعاصرين.
-  له مناظرات قوية في الدفاع عن الإسلام.
-  وهو من قيادات جماعة الدعوة و التبليغ.
-  له مجموعة من الكتب منها: «ما هو الإسلام؟»، و«الدين والشريعة» و«ماذا    يقول القرآن؟» وكتابه "الثورة الإيرانية" كتبه بعد أن تقدم به السن وكان  بحاجة للراحة؛ لكنه آثر النصيحة للمسلمين على راحته الشخصية.


الشيعة
نشأتها وفرقها المختلفة
 [من كتاب " الثورة الإيرانية في ميزان الإسلام "، الشيخ محمد منظور نعماني].
ما هي الشيعة؟
إن الهدف من كتابتي هذه هو تعريف من لا يعرف بأصل الثورة الإيرانية ونوعيتها وحقيقتها، وتعريف من لا يعرف بالشخصية الحقيقة لقائدها الروحي الخميني، ومكانته الدينية الحقيقية، فالجهل بكل هذه الأمور جعل الكثير يتأثر بالدعاية التي تنفق عليها الحكومة الإيرانية بلايين الدولارات، حتى تعطي الثورة صورة إسلامية خالصة. وكما أوضحنا قبلاً، وعلى ضوء كتابات الخميني، فإن أساس الثورة الإيرانية التي قادها هو المذهب الشيعي، فأساسها وأصلها قائم على قضية الإمامة.
ومن هنا، فمعرفة هذه النوعية من الثورة، وفهم شخصية كشخصية الخميني تتطلب الوقوف على المذهب الشيعي أيضاً. ولهذا فسوف نحاول في الصفحات التالية تعريف القارئ بهذا الأمر، وما تقدمه في الصفحات التالية مأخوذ ومنقول من كتب المذهب الشيعي المعتمدة ومن أقوال الأئمة المعصومين.
نعرض في البداية نبذة عن تاريخ المذهب الشيعي، وبدون هذه النبذة لا يمكن فهم هذا المذهب فهماً صحيحاً. ونشير هنا إلى أن فهم بداية أو نشأة المذهب الشيعي يسهل على أولئك الذين يعرفون تاريخ المسيحية.
لهذا سنلقي نظرة سريعة على العلاقة بين الشيعة والمسيحية, ثم نعرض لفكرة الشيعة عن علي، وكذلك فكرة الشيعة عن النبي، وحكاية التنبؤ بنبوته، بالإضافة إلى التأثيرات الخارجية، وسوف يلاحظ القارئ مدى التقارب بين الشيعة والمسيحية، والله الموفق.

الشيعة والمسيحية
في "مسند" أحمد، و"مستدرك" الحاكم، و"كامل" ابن عدي، وغيرها من كتب الحديث، حديث روي عن علي t بأن رسول اللهr قال له([93]): «مثلك، أي علي مثل عيسى بن مريم، أبغضته اليهود، حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى، حتى أنزلوه منزلته التي ليست له، ثم قال: يهلك في رجلان: محب مفرط يقرظني بما ليس في، ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني»([94]).
وما نسب إلى رسول الله r في هذا الحديث، وما نسب إلى علي t، إنما ظهر في عهد خلافته، وقد وصل عداء الخوارج لـه ومعارضتهم إياه أن قالوا بأن علي بن أبي طالب t مخرب للدين، وهو كافر، وقتله واجب، وهكذا قام أحد الأشقياء منهم بقتله، يدعى عبد الرحمن بن ملجم، وفهم هذا الشقي أن ما قام به ما هو إلا عمل من أعمال الجهاد الأكبر يوصله إلى الجنة. ثم ظهر أناس غالوا في حبهم لعلي t، حتى أوصلوه إلى درجة الألوهية، ومنهم من قال: إن علياً كان أحق وأولى بالنبوة وبالرسالة، وإن الله أراد أن يجعله نبياً ورسولاً، وأرسل جبريل الأمين إليه بالوحي، إلا أنه اشتبه عليه، فحمل الوحي وذهب به إلى محمد r.
وعلاوة على ذلك قال البعض: إن علياً وصي رسول الله r، وإنه معين من عند الله إماماً وخليفة وزعيماً للأمة بعد رسول الله، وهو كالرسول معصوم، وطاعته واجبة، وهو أفضل مقاماً ومرتبة من جميع الأنبياء عليهم السلام، وهو يحمل صفات الألوهية، كالتصرف في الكائنات، ومعرفة علم الغيب. وسوف نطلع القارئ على المزيد من تاريخ فرق الشيعة هذه من المغالين في حق علي.
والآن نعود إلى حديثنا السابق فنقول: إن فهم حقيقة الشيعة يسهل على من يعرف المسيحية وتاريخ المسيحية، ولما كان القليل من القراء على دراية بتاريخ المسيحية، فسوف نذكر هنا نبذة مختصرة عن المسيحية، ونترك القارئ يعقد المقارنة بنفسه بين المسيحية والشيعة.
المسيح والمسيحية
لا يساور الشك أي مسلم في أن نبي الله ورسوله المسيح ابن مريم عليه السلام كان يدعو إلى الإيمان بالتوحيد الخالص، وإلى الإيمان بالقانون الإلهي، قانون الثواب والعقاب، والإيمان بالجنة والنار، وهو ما دعا به جميع الأنبياء عليهم السلام أممهم، وأنه أعلن أنه عبد الله ونبيه ورسوله، والمصدر الذي لا يشوبه أي شك - أي القرآن الكريم - يتحدث عن دعوة المسيح وتعاليمه في سورة المائدة: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}[المائدة:72].
وفي سورة آل عمران، يذكر الله تعالى في كتابه الكريم المعجزات التي وهبها للمسيح عليه السلام، ويذكر قول المسيح لقومه بعد أن عرض عليهم تلك المعجزات: {وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ولأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ} [آل عمران:50].
وفي سورة مريم يخبر المسيح عليه السلام قومه عن نفسه فيقول: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} [مريم:30]. ثم يختم المسيح عليه السلام هذا الأمر قائلاً: {إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [آل عمران:51].
وفي آخر سورة المائدة يسأل الله تعالى المسيح عليه السلام في يوم القيامة ليكون حجة على المسيحيين، وبراءة للمسيح عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ* مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة:116-117].
ومن هنا - وفي ضوء الآيات القرآنية - لا يصبح هناك أي مجال للشك أو الشبهة في أن المسيح عليه السلام قد دعا قومه إلى التوحيد الخالص، وليس هناك من شك أيضاً أن حوارييه قد تربوا على يديه، وتعلموا منه مباشرة تعاليمه الخاصة بالتوحيد، ونادوا بها.
ولكن بعد فترة اتجهت الأمة المسيحية إلى المناداة بالتثليث، وبدلاً من قانون الثواب والعقاب الذي جاء به المسيح وجميع الأنبياء، جعلوا من الكفارة عقيدة أساسية لهم، وأقاموا أساس المسيحية على العقيدتين، التثليث والكفارة، ومن لا يؤمن بهما ويؤمن بالتوحيد الخالص، وقانون الثواب والعقاب الذي دعا إليه المسيح عليه السلام، لا يمكن أن يعد مسيحياً أو نصرانياً طبقاً لقانون أي كنيسة.
والسؤال التاريخي الهام هو: كيف حدث هذا التحريف في دعوة المسيح وتعاليمه؟ وكيف اتفقت أمة كلها، بل اتخذ العالم المسيحي كله - رغم الاختلافات العقائدية والمذهبية الصغيرة والكبيرة - من عقيدة التثليث والكفارة عقيدة أساسية له؟
وبفضل الله وكرمه، وبعون عدد من الباحثين عن الحق، حفظ تاريخ هذا التحريف والتبديل، فمن بين علماء المسلمين من قاموا بدراسة دقيقة للمسيحية ولتاريخها، وكتبوا عن هذا الموضوع بإسهاب، وبوضوح، ومع بيان كافة الأدلة والأسانيد اللازمة، وتوثيق كتاباتهم بطريقة توضح تاريخ هذا التحريف والتبديل وضوح الشمس، وسوف نذكر نتائج هذه الأبحاث التي كتبوها باختصار شديد جداً([95]).
من خلال هذه القراءات الجادة لتاريخ المسيحية نعرف أن الله تعالى قد أرسل عيسى عليه السلام نبياً ورسولاً، وقدم المسيح عليه السلام نفسه لأمته، بني إسرائيل، اليهود، كنبي ورسول، وبلغهم رسالة الله، وعرض عليهم المعجزات البينات التي ورد ذكرها في القرآن الكريم. وفي البداية، قال علماء أمته وزعماؤها الدينيون: إنه مدع للنبوة ساحر كذاب، وإنه طبقاً لشريعة اليهود ملعون وواجب القتل، فآذوه وأذلوه، ثم قدموه إلى محكمتهم الدينية، فحكمت عليه بالإعدام صلباً، وتم التصديق على تنفيذ الحكم بالإعدام من قبل الحاكم الروماني، وذلك طبقاً لقانون الحكومة الرومانية، التي كانت تمتلك السلطة في ذلك الوقت، وتم صلب المسيح. وطبقاً للقاعدة والتقاليد الرائجة، دفنت الجثة، واطمأن الناس إلى ما فعلوا، فقد قضوا على مدعي النبوة([96]) وقطعوا جذور دعوته الدينية، إلا أن حواريي المسيح المخلصين صادقي العهد، قاموا بحمل دعوته وهديه إلى المناطق البعيدة، وأخذوا يرسلون تلاميذهم هنا وهناك، ونجحوا في إبلاغ الدعوة بجهودهم المخلصة وتضحياتهم، وظهرت بوادر نجاحهم حتى كادت تكلل بالنجاح. وفجأة وقعت حادثة غير عادية ... إذ قام أحد العلماء اليهود المشهورين في ذلك الوقت ويدعى "شاءول" وكان عدوّاً لدوداً للمسيحية ... قام بإيذاء كل من يقبل الدعوة المسيحية الخالصة إيذاء شديداً، بكل الطرق الممكنة، وكان يسلط عليهم الآخرين، وكانت هذه هوايته المحببة لديه.
قام هذا الرجل بخطة مفاجئة، يمكن أن نقول عنها «دراماتيكية» وأعلن أنه ذاهب إلى دمشق للكفاح والجهاد ضد المسيحية والمسيحيين ... ويقول عن نفسه: «في الطريق، وعند مكان معين، ظهر نور يصل ما بين السماء والأرض، وسمعت صوت المسيح قادماً من السماء، يخاطبني باللغة العبرية: يا شاءول لماذا تؤذيني؟ ثم دعاني إلى الإيمان، وإلى خدمة دينه، وأوصاني بذلك فآمنت به بعد أن رأيت هذه المعجزة، وهكذا أوقفت نفسي لخدمة هذا الدين والدعوة إليه».
وغير الرجل اسمه، فلم يعد يدعى شاؤول، بل أصبح يدعى بولس. وذهب بولوس إلى حواريي المسيح، فذكر لهم هذه المكاشفة، وما أصابه من مشاهدة وانقلاب، إلا أن الحواريين لم يكونوا على استعداد لتصديق ما قال بعد ما رأوا من إيذائه وظلمه للمؤمنين، وشكوا في قوله، إلا الحواري برنابة، حواري جليل صدق قول شاؤول، وأقنع بقية الحواريين بذلك، وهكذا انضم ساؤول إلى بقية الحواريين، وصار منهم، وتبع سلوكاً وطريقة جعلت عامة المسيحيين يعدونه زعيماً مسيحياً، وبهذا حقق مكانة عظيمة غير عادية، وأصبح رائداً ونموذجاً يحتذى بين العامة.
وبعد ذلك بدأ عملية التخريب والتحريف في الدين المسيحي، وهو ما كان يهدف إليه ويقصده، وقد فهم بذكائه الخارق وفراسته أن أسهل طريقة لإبعاد المسيحيين عن أصل الدين الذي جاء به المسيح هو أن يزيد من شأن المسيح إلى حد كبير، ويجعله ابن الله أو شريكاً لله أو الله نفسه. أما عن حقيقة واقعة صلب المسيح، فقد قال: إن المسيح قد صلب ليكفر عن سيئات جميع الناس الذين آمنوا به، ويتحمل عنهم العذاب الذي كاد أن يصيبهم ويصبح وسيلة إلى النجاة، لأنه تكفير عن كل ما ارتكبوه من ذنوب.
ومن هنا بدأ عمله، وقد أصاب سهمه الهدف تماماً، وبدأت عقيدة ألوهية المسيح، وأن المسيح ابن الله، والتثـليث، والكفارة، تنتشر بسرعة بين عامة المسيحيين، لدرجة أن حواريي المسيح ممن شهدوا تلك الفترة مع تلاميذهم المتمسكين بالعقيدة الصحيحة حاولوا أن يقيموا الأمة المسيحية على الدين المسيحي الأصيل، وأن يحفظوهم من عقائد الشرك والضلال، إلا أن محاولتهم الإصلاحية لم تنجح كثيراً.
ولم يمض على ظهور المسيح قرن من الزمان حتى ترك عامة المسيحيين دين المسيح، واتخذوا من دين الشرك الجديد الذي أتى به بولس تحت عنوان المسيحية ديناً لهم، وهكذا اتخذ المسيحيون في معظمهم هذا الدين الجديد ديناً لهم، واعترفوا بالتثـليث والكفارة، عقيدة أساسية للمسيحية.
كانت هذه نبذه تاريخية مختصرة عن التحريف الذي قام به بولس في الدين المسيحي، ويمكن ملاحظة التفاصيل في الكتب التي كتبت عن هذا الموضوع، وخاصة كتاب «إظهار الحق» للشيخ رحمة الله كيرانوي، وهو بعنوان: «من الإنجيل إلى القرآن»، مع مقدمة للشيخ محمد تقي عثمان، طبعة كراتشي.

بداية التشيع في الإسلام
تاريخ ظهور التشيع في الإسلام هو بعينه ما ذكرناه في السطور السابقة فيما يتعلق بتحريف المسيحية الحالية، وعلاقتها - أي الشيعة - بالإسلام، هي نفسها علاقة مسيحية بولس التي اخترعها، التي لا علاقة لها بالدين المسيحي الأصلي الذي جاء به المسيح عليه السلام، وهي المسيحية الحقة بلا شك.
والنية هنا ليست معقودة على كتابة مستقلة عن الشيعة وتاريخها، بل التعريف في حدود ما يستلزمه هذا البحث - تعريف من لا يعرف - بالشيعة على ضوء كتبها المعتمدة، والتعريف بحقيقتها الأصلية، فقد أخطأ البعض نتيجة لجهلهم بها، فأصبحوا أداة في يد الداعين إليها، ووسيلة في يد زعمائها، فعملوا على تمهيد الطريق لنشرها بين المسلمين. وما نسوقه الآن عن بداية التشيع، هو ملخص مطالعة «تاريخ الأمم والملوك» لابن جرير الطبري، و«البداية والنهاية» لابن كثير الدمشقي، و«الفصل في الملل والنحل» لابن حزم الأندلسي، و «الملل والنحل» للشهرستاني، وغيرها من كتب المصادر التاريخية.
وكما نعرف بسط الإسلام نوره على جزيرة العرب - تقريباً - في العهد النبوي، ولم يعد للمسلمين أعداء فيها، لا المشركون ولا أهل الكتاب من اليهود والنصارى ممن يستطيعون عرقلة الدعوة، وازدادت قوة المسلمين أكثر في عهد أبي بكر الصديق t، وهو عهد قصير، إذ بدأت سلسة الفتوحات خارج حدود الجزيرة العربية، وفي عهد الفاروق t مضت الفتوحات الإسلامية بسرعة، وبدأ نطاق الدعوة الإسلامية يتزايد، ووقعت في ذلك الوقت معظم المناطق التي كانت تحتلها أكبر إمبراطوريتين في ذلك الوقت - الرومانية والفارسية - تحت حكم المسلمين، وانتقل الفاروق إلى الرفيق الأعلى واستمرت الفتوحات الإسلامية في عهد خلافة عثمان t.
وفي تلك الفترة ترك العديد من الناس من مختلف البلاد، ومن مختلف المناطق، ومن مختلف الأمم والطبقات مذاهبهم وأديانهم القديمة، واعتنقوا الإسلام، وكانوا بصفة عامة من أولئك الناس الذين قبلوا الإسلام بقلوبهم بعد أن أدركوا أنه دين الحق ووسيلة النجاة، إلا أنه كان من بينهم أيضاً عدد كبير ممن قبل الإسلام نفاقاً، وانضم للمسلمين وهو يحمل لهم بغضاً شديداً وعداوة وحقداً.
انضم هؤلاء للمسلمين، وهو يخططون لإثارة الفتنة إن وجدوا لذلك سبيلاً، حتى يصيبوا الإسلام والمسلمين بالضرر، وكان من بين هؤلاء الناس يهودي يدعى عبد الله بن سبأ، أحد يهود اليمن، أعلن إسلامه في عهد الخليفة عثمان t، وتقول بعض الروايات: إنه حضر إلى عثمان ا بالمدينة المنورة، وأسلم على يديه.
ومن الظاهر أنه كان يود أن يحصل على مكانة خاصة لدى عثمان، وأن ينال حسن ظنه واعتقاده، إلا أن عثمان لم يعطه مكانة خاصة أو امتيازاً خاصاً، والسلوك الذي صدر عن عبد الله بن سبأ بعد ذلك، أوضح أنه أسلم وترك اليهودية تحقيقاً لهدف خاص وخطة معينة تماماً مثلما فعل شاؤول "بولس" حين ترك اليهودية، ودخل في المسيحية.
كان هدفه هو الانضمام للمسلمين، والحصول على مكانة خاصة بينهم، حتى يقوم بالتخريب والتحريف في الإسلام، وإيجاد الشقاق بين المسلمين، ليوجد بعدها الفتنة والفساد داخلهم، وخلال إقامته القصيرة في المدينة المنورة استطاع أن يدرك بذكائه الخاص أن منطقة الحجاز يسودها شعور ديني عام، وأن بها حراساً شداداً على دينهم، لا يمكن أن يسمحوا لمخططه أن ينجح، فخرج إلى البصرة ثم إلى الشام، وهناك أيضاً لم يجد فرصة للعمل طبقاً لخطته التي رسمها لنفسه، فوصل إلى مصر، وهناك قام بتدريب بعض الناس الذين اتخذهم عوناً له، ووسيلة للإفساد.
ودرس جيداً أسلوب وطريقة نجاح بولس، وكيفية إفساده وتحريفه للمسيحية، وتلخص هذا الأمر في أن أسهل طريقة لتضليل أمة ما أو جماعة دينية هو اتخاذ أسلوب الغلو والإفراط في شخصية مقدسة ومحبوبة لديها.
ويروي المؤرخون أنه بدأ خطته بذكاء ودهاء، فقال: إنه يتعجب لأولئك المسلمين الذين يؤمنون بمجيء المسيح مرة أخرى إلى هذه الدنيا، ولا يقولون بمجيء سيدنا محمد إلى هذه الدنيا مع أنه أفضل من عيسى، ومن جميع الأنبياء، فلا بد أنه قادم إلى هذه الدنيا مرة أخرى، وأخذ يروج لهذا الكلام بين الجاهلين من غير المتعلمين ممن يسهل تقبلهم للخرافات.
وبعد أن أدرك أنهم قبلوا كلامه؛ وهو ما يصطدم تماماً بالإسلام والتعاليم القرآنية، بدأ في الغلو في شأن علي بعد أن أظهر تجاهه محبة خاصة تفوق العادة على أساس قرابته الخاصة من رسول الله r، وأخذ ينسب إليه معجزات عجيبة غريبة، محاولاً أن يجعله شخصية تفوق في صفاتها البشر، فأوقع في شباكه طبقة البسطاء والجهلة، فصدقوا الخرافات التي يروجها عبد الله بن سبأ، الذي بدأ يسير قدماً في تنفيذ مخططه تدريجياً، فكون حلقة من المعتقدين بمثل هذه الأفكار في حق علي t، ثم أقنعهم، بل صب في أذهانهم في مرحلة معينة أن الخلافة من بعد النبي والإمامة والحكـم كانت أصلاً من حق علي، فلكل نبي وصي، والوصي يحل محل النبي، فيكون رئيس الأمة من بعده، وقد كان علي هو وصي رسول الله r.
وقال عبد الله بن سبأ: إن أمر الوصاية هذا ورد في التوراة أيضاً، لكن الناس تآمروا بعد وفاة الرسول، وغصبوا علياً هذا الحق، فعينوا أبا بكر خليفة بدلاً من علي، وقام أبو بكر فعين عمر، ثم تآمر عمر أيضاً وعين عثمان خليفة، وكانوا جميعاً بلا استثناء غير أهل لهذا المنصب، وهكذا أخطأ هؤلاء وأخطأ عمالهم أيضاً.
ومن الملاحظ أن تلك الفترة كانت شهدت بداية سلسلة من الشكاوى ضد بعض عمال عثمان في مصر وبعض البلاد الأخرى، وقد استفاد من ذلك الأمر وتلك الظروف عبد الله بن سبأ فائدة كبيرة، فبدأ يقول: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح الفساد الظاهر في الأمة واجب وفرض على كل مسلم، ولهذا يجب أن ننهض لنصلح هذا الفساد الذي أوجده عثمان وعماله في الأمة، ويجب أن نبذل ما في استطاعتنا وما في وسعنا للقضاء عليه.
كل هذا قام به عبد الله بن سبأ بذكاء خارق وسرية تامة، وبفطرته اليهودية التي تتسم بالمكر والخداع، ومضت حركته في سرية تامة تحت باطن الأرض، وكون خلية سرية، وأوجد أتباعاً له في مصر وبعض البلاد الأخرى.
وحان الوقت الذي استعد فيه مع من معه ومع الجهلة البسطاء لرفع راية العصيان ضد عثمان t، فخطط لبرنامج يتم تنفيذه على مراحل سرية، ينتهي بالوصول مع أصحابه في يوم معين في شكل تجمهر وفي شكل عسكري إلى المدينة المنورة، وحدث هذا بالفعل، ووصل عبد الله بن سبأ مع أتباعه من الباغين العصاة المضللين في جيش كامل إلى المدينة المنورة.
ولا ضرورة لنذكر هنا ما حدث بعد ذلك فالجميع يعرفه، ولو سمح عثمان t الذي كان يحكم أكبر حكومة في العالم آنذاك باستخدام القوة ضد هؤلاء المتمردين لما حدث ما حدث، إلا أنه لم يشأ أن يستخدم القوة، أو أن يسكب قطرة دم واحدة ليحافظ على حياته، وفضل أن يستشهد - ظلماً - وينتقل إلى الرفيق الأعلى، فقدم مثالاً على التضحية لا مثيل له في العالم([97])، رضي الله عنه وأرضاه.
ووسط هذا الجو الدامي انتخب علي t خليفة رابعاً للمسلمين، وكان بلا شك خليفة على حق، فلم تكن في الأمة الإسلامية شخصية تماثل شخصيته، يمكن ترشيحها لهذا المنصب، إلا أنه نتيجة لشهادة عثمان، أو فلنقل تقدير الله، انقسمت الأمة المسلمة على نفسها إلى جماعتين.
ووصل الأمر إلى حد التقاتل والتناحر في وقعة: "الجمل"، و"صفين". وكانت جماعة عبد الله بن سبأ تضم عدداً لا بأس به مع علي t، ووجد هذا الرجل فرصته في أن يملأ رءوس وعقول هؤلاء الناس المقاتلين - وأكثرهم من البسطاء - بفكرة حب علي والاعتقاد فيه، والغلو في قدره غلواً كبيراً، لدرجة أنه بدأ يلقن بعض البسطاء ما كان يلقنه بولس للنصارى، فقال: إن علياً هو ظل الله في هذه الدنيا، وإن الروح الإلهية قد حلت فيه، وكأنه هو الله، وأخذ يلقي في آذان بعض الحمقى فكرة: أن الله تبارك وتعالى قد اختار عليّاً أصلاً للنبوة والرسالة، فقد كان هو أهلاً ومستحقا لها، فأرسل الله جبريل عليه السلام له بالوحي، إلا أنه شبه إليه، فاتجه بالوحي خطأ إلى محمد بن عبد الله، أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأوضح المؤرخون أيضاً أن علي بن أبي طالب حين علم بطريقة ما بأن مثل هذا الكلام يدور بين جنده، قرر قتل هؤلاء الشياطين، وأراد أن يلقي بهم في النار، ليكونوا عبرة لغيرهم، إلا أن ابن عمه ورفيقه ومستشاره عبد الله بن عباس، وبعض رفاقه أشارا عليه بتأجيل هذا الأمر، لأن الوقت لا يتناسب مع تلك الإجراءات([98]).
وعلى كل حال استفاد عبد الله بن سبأ ومن معه من أحداث وقعة الجمل وصفين، ومن الجو - الذي ساد آنذاك - استفادة طيبة لنشر ضلال الغلو والمغالاة في حق علي بين الجنود، وبعدها وحين اتخذ علي من الكوفة بمنطقة العراق عاصمة له، وأصبحت تلك المنطقة مركزاً خاصاً لنشاطات تلك الجماعة.
ونتيجة لأسباب خاصة مختلفة أوضحها المؤرخون، كان لدى أهل المنطقة استعداد وصلاحية لقبول تلك الأفكار والنظريات المضللة، وقبول فكرة المغالاة والغلو، لهذا نجحت هذه الجماعة نجاحاً كبيراً في تحقيق أهدافها.
فرق الشيعة المختلفة
ما عرضنا هنا كان نبذة مختصرة عن ظهور الشيعة، ولأن هذه الدعوة والحركة قد انتشرت سرّاً، وعن طريق نشاطات سرية، لم يكن المتأثرون بها جميعاً على نمط واحد من التفكير أو العقيدة، فالداعي إليها كان يسمح لنفسه أن يقول كل ما يراه مناسباً، فإذا قبله الآخرون كان هو العقيدة والإيمان، ومن هنا وجد بعض من قالوا بألوهية علي، أو من قالوا بحلول الروح الإلهية فيه، ومن قالوا بأحقية علي بن أبي طالب بالوحي والنبوة والرسالة، ومن قالوا إن جبريل الأمين أخطأ، ومن قالوا إن الله قد عين علي بن أبي طالب بعد النبي إماماً وأميراً ووصياً لرسول الله، وعليه فإن الخلفاء الثلاثة: أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وجميع الصحابة الكبار ممن بايعوا الخلفاء الثلاثة بعد وفاة الرسول كافرون منافقون - معاذ الله - أو على الأقل غدارون؛ هذا بالإضافة إلى جماعات أخرى لها عقائدها ونظرياتها المختلفة، والعامل المشترك فيها جميعها هو الغلو في حق علي. وقد اختلفت درجات هذه الغلو كما عرفنا، ففي الفترة الأولى لم تتفرق جماعة الشيعة إلى فرق يختلف بعضها عن بعض بطريقة متميزة، إلا أنه فيما بعد، ونتيجة لأسباب مختلفة أوضحها المؤرخون، تكونت الفرق المختلفة، وتكاثرت، حتى وصل عددها إلى أكثر من سبعين فرقة. ويمكن أن ندرك ذلك من خلال مطالعة كتاب «الملل والنحل» الذي فصل الحديث عن هذا الأمر، وقد أوضح شاه عبد العزيز أيضاً في «التحفة الإثني عشرية» تلك الفرق وعقائدها ونظرياتها، والاختلافات التي تميز بعضها عن بعض. كما أن الاختلافات التي دارت حول تعيين الأئمة بعد علي t لا يمكن حصرها، والكثير من هذه الفرق ليس له وجود في دنيا اليوم، إنما تردد أسماؤها بين عدة فرق لا تزال موجودة في بعض البلاد في عصرنا هذا، ومن بين هذه الفرق احتلت الفرقة الاثنا عشرية مكانة خاصة وامتيازاً، نتيجة لعدد المنتمين إليها، بالإضافة إلى أسباب أخرى.
وسوف نعرض في الصفحات التالية لهذه الفرقة، لأن روح الله الخميني ينتمي إلى هذه الفرقة الإثني عشرية، وتصوره للإسلام، ومذهبه وعقائده ونظرياته هي نفسها العقائد والنظريات التي وردت في كتب الفرقة الإثني عشرية المعتمدة، وهي نفسها التي تنسب إلى أئمته المعصومين، والتي يؤمن بتعاليمها وإرشاداتها([99]).
والمزيد من معرفة تفاصيل المذهب الشيعي تتحقق عن طريق مطالعة كتب المذهب الشيعي الأساسية.  ونحن نعرض هنا لبعض العقائد الأساسية التي تقوم عليها أسس المذهب الشيعي، وسيفهم من يطالعها كيف يختلف تصورهم للإسلام، وكيف تختلف عقائدهم عن تصور وعقائد أهل السنة للإسلام.
ونحن على يقين من أن القارئ سوف يفهم نوعية هذا الاختلاف القائم بين المدارس الفكرية للمسلمين من مثل: الأحناف، والشافعية، والمالكية، والحنابلة، وأهل الحديث، وغيرهم، فالتشبيه هنا غير وارد، وهو خاطئ، بل خطأ من وجهة النظر الدينية، كما أنه تضليل للمسلمين، يتحمل الداعي إليه مسئولية جسيمة أمام الله، يحاسب عليها يوم القيامة. وفق الله المسلمين إلى فهم حقيقة الأمر، وإلى تدارك ما قد يقعون فيه من أخطاء.
المذهب الإثنا عشري وأساسه
مسألة الإمامة
كما سبق أن عرضنا، فإن معظم أهل العلم لا يدركون أيضاً حقيقة مسألة الإمامة في المذهب الإثني عشري الشيعي، ولا يدركون مقام ودرجة الإمام لدى أصحاب هذا المذهب، فهي عندهم ركن ركين من أركان الإسلام، تماماً مثل عقيدة التوحيد: «لا إله إلا الله»، وعقيدة الرسالة: «محمد رسول الله»، وعقيدة القيامة والآخرة، أي: مثل الإيمان بالله الواحد، وبمحمد رسول الله، وباليوم الآخر.
وسبق أن ذكرنا باختصار وإجمال مسألة الإمامة، ونود أن نعرض لها الآن بقدر بسيط من التفصيل، وذلك من خلال كتب المذهب الإثني عشري المعتمد، ومن خلال أقوال أئمة الشيعة المعصومين. ولكن نرى قبل أن نعرض لهذه الاقتباسات، وقبل أن نعرض لأقوال الأئمة المعصومين، أن نعرض أولاً لفكرة بسيطة من جانبنا، نشرح بها شيئاً عن حقيقة مسألة الإمامة في المذهب الشيعي، وما جاء على ألسنة أئمة المذهب الشيعي الإثني عشري، حتى يسهل فهم تفاصيل هذه المسألة.
يعتقد أصحاب الفرقة الإثني عشرية، بل يجب أن نقول: إنهم يؤمنون بأنه كما وضع الله تعالى سلسلة النبوة والرسالة كضرورة لازمة لعدله وحكمته ورحمته، وكما أرسل من عنده الأنبياء والرسل عليهم السلام لهداية عباده وقيادتهم إلى طريق الحق، وجعلهم معصومين واجبي الطاعة، ليكونوا حجة الله على عباده ليثابوا أو يعاقبوا، فهكذا بعد انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى وضع الله سلسلة الإمامة لهداية عباده وقيادتهم إلى الطريق الصحيح، حتى تكون حجة عليهم يوم القيامة.
ومن هنا تم تعيين اثني عشر إماماً، يتولون الإمامة حتى يوم القيامة، أي: حتى نهاية الدنيا، والقيامة تكون بالإمام الثاني عشر، والأئمة كالأنبياء عليهم السلام، حجة الله وهم معصومون واجبو الطاعة، درجتهم تتساوى مع درجة رسول الله r، وهم أفضل وأحسن من بقية الأنبياء.
والتسليم بإمامة الأئمة والإيمان بها شرط لنجاة هؤلاء المؤمنين، تماماً مثلما يجب عليهم التسليم بنبوة ورسالة الأنبياء عليهم السلام لتتحقق لهم النجاة في الآخرة.
وكان أول الأئمة الاثني عشر هو علي المرتضى، وكما ذكرنا باختصار، وطبقاً لروايات الشيعة، فقد أعلن رسول الله r تعيينه في منصب الإمامة قبل وفاته بثمانين يوماً، أثناء العودة من حجة الوداع، وذلك بحكم تأكيدي عند غدير خم، وهكذا عين من بعده ابنه الأكبر الحسن في منصب الإمام من قبل الله تعالى، ومن بعده أخوه الأصغر الحسين، ثم ابنه علي بن الحسين، الإمام زين العابدين، وبعده ابنه محمد بن علي الإمام الباقر، وبعده ابنه جعفر الصادق، وبعده ابنه موسى بن جعفر، وبعده ابنه علي بن موسى الرضا، ومن بعده محمد بن علي التقي، ومن بعده ابنه علي بن محمد، ومن بعده ابنه الحسن بن علي العسكري ومن بعدهم الإمام الثاني عشر والإمام الأخير محمد بن الحسن، الإمام المهدي الغائب، وهو طبقاً للعقيدة الشيعية ولد قبل ألف ومائة وخمسين سنة، أي في سنة 255هـ أو 256هـ، ثم اختفى وعمره أربع أو خمس سنوات، وهو الآن لا يزال حيّاً في غار في مكان ما، وبهذا الإمام تنتهي سلسلة الإمامة([100]).
وحيث إن وجود الإمام المعين من قبل الله تعالى في الدنيا، طبقاً للعقيدة الشيعية  أمر ضروري ليكون حجة على عباد الله، فسوف يظل الإمام حيّاً إلى يوم القيامة، وسوف يظهر في أي وقت قبل القيامة، ومعه القرآن الكريم الأصلي الذي ألفه علي t، وهو يختلف عن القرآن الحالي، وسوف يحمل معه أيضاً مصحف فاطمة، وجميع متاع الهداية البشرية والعلوم المختلفة، مثل: "الجفر" وغير ذلك، وهو ميراث الأئمة السابقين. وطبقاً لعقيدة الشيعة الإثني عشرية، وإرشادات الأئمة المعصومين، فإن الأئمة الإثني عشر المعينين من قبل الله هم خلفاء رسول الله r، وهم مثل جميع الأنبياء والرسل، معصومون، وطاعتهم واجبة وفرض، تماماً مثلما فرض الله على كل أمة طاعة أنبيائها ورسلها. وهؤلاء الأئمة هم حجة الله على عباده بعد رسول الله r، ومقامهم ودرجتهم عالية، إذ تقوم الدنيا بأنفاسهم، فإذا خلت الدنيا في وقت من الإمام تحطمت الأرض، وفنيت الكائنات كلها.
والأئمة كلهم كانوا أصحاب معجزات، وكانت تأتيهم الملائكة، كما كانت تأتي للأنبياء عليهم السلام، كما أنهم عرجوا أيضاً كما عرج النبي، ونزلت عليهم الكتب أيضاً من عند الله، وهم كلهم ينتمون إلى عالم «ما كان وما يكون»، وكانوا يجمعون علوم الأنبياء جمعياً، كما أن لديهم الكتب السماوية القديمة، «التوراة، والزبور، والإنجيل»، وغيرها في أشكالها الأصلية، يقرءونها بلغتها الأصلية، وكان لديهم الكثير من العلوم التي لم تصلهم عن طريق القرآن أو الرسول، بل وصلتهم مباشرة من عند الله تعالى، أو بوسائل خاصة أخرى، ولهم حرية التصرف والاختيار في تحليل أو تحريم ما يرونه من أعمال، كما أنهم يعرفون أيضاً ميعاد موت كل شخص، ولهم سلطة اختيار الوقت نفسه.
هذا ملخص موجز لما جاء في كتب الشيعة الإثني عشرية، وما جاء على لسان الأئمة المعصومين، وسوف نسوق في الصفحات التالية ألفاظ وإرشادات وروايات المعصومين، ليرى القارئ الكمالات العجيبة لهؤلاء الأئمة التي لا يمكن تعدادها هنا.
ونحن لا ننوي أن نبحث هنا عقائد وقضايا الشيعة وننقدها، بل نود أن نعرضها كما هي بلحمها ودمها أمام القارئ، وكما سبق أن ذكرت، فالمخاطب هنا هم أصحاب العلم والمثقفون من أهل السنة، الذين لا يعرفون الشيعة، والذين لا يشعرون أيضاً بأنهم يجهلون هذا المذهب، ولهذا فإنهم يرتكبون العديد من الأخطاء، ويضرون بالدين والعقيدة، ويلحقون بالأمة المسلمة أضراراً فادحة.
وسنعرض الآن لأقوال وإرشادات الأئمة المعصومين، التي تتعلق بقضية الإمامة، وذلك من خلال كتب المذهب الشيعي الإثني عشري، بعد أن لخصنا ما جاء بها في السطور السابقة. ومن الضروري أن نشير هنا إلى أن روايات الشيعة الإثني عشرية، وأقوال أئمتها تحتل نفس المكانة التي تحتلها كتب الحديث، كـ«صحيحي البخاري ومسلم» وغيرهما لدى أهل السنة، فالبخاري ومسلم وأحمد وغيرهم تضم مجموعة الأحاديث النبوية التي تروي إرشادات رسول الله، وتحكي عن أفعاله وأعماله برواية السند الصحيح، وهكذا أيضاً ينظر الشيعة إلى كتبهم الخاصة بالأحاديث والروايات الشيعية. وما تضمنته هذه الكتب من أحاديث رسول الله r يمثل نصيباً بسيطاً جدّاً، بل يمكن أن نقول: إنها شاذة ونادرة (ربما حوالي5%)، والبقية تضم إرشادات وأعمال وأقوال الأئمة المعصومين مع سندها، كل ذلك من وجهة نظر شيعية خالصة، لأن هؤلاء الأئمة في نظرهم هم حجة الله على عباده حتى يوم القيامة، وهم ممثلوه والمتحدثون باسمه، وهم وسيلة هداية الأمة، وكما سبق أن ذكرت: فدرجتهم مساوية لدرجة رسول الله r، وأعلى وأرفع من الأنبياء والرسل الآخرين.
ومن أكثر كتب الحديث المعتمدة لدى الشيعة الإثني عشرية كتاب «الجامع الكافي» لأبي جعفر يعقوب الكليني الرازي، (ت 328هـ)، ومن ناحية الصحة والسند فهو مثل «صحيح البخاري» عند أهل السنة([101]).
والطبعة التي بين أيدينا الآن ترجع لسنة 1302هـ، منذ مائة سنة واثنتين، طبعت في مطبعة نولكشور بلكهنو، وكل ما ننقله هنا مأخوذ من هذه الطبعة، وهذا المصدر هو أكثر مصادر الشيعة الإثني عشرية اعتماداً ووثوقاً، وهو في أربعة مجلدات تضم خمساً وألفي صفحة، بها أكثر من (16.000رواية).
ونحن بدورنا سنقدم بعض هذه الروايات تحت عناوين مناسبة لمحتواها، حتى يسهل للقارئ فهم تلك الروايات التي أوضحت علانية وصراحة العقيدة الإثني عشرية فيما يتعلق بمسألة الإمامة والأئمة.
أقوال الأئمة المعصومين في مسألة الإمامة
والتدليل عليها بروايات كتب الشيعة
1- الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام:
في كتاب «أصول الكافي» كتاب الحجة، باب بعنوان: «إن الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام»، يروي عن الإمام السادس جعفر الصادق أنه قال: «إن الحجة لا تقوم لله عز وجل على خلقه إلا بإمام حتى يعرف»([102]).
وقد وردت عدة روايات بهذا المضمون بألفاظ متشابهة في هذا الباب: «الدنيا لا يمكن أن تبقى بغير إمام». وورد باب آخر متصل بالباب السابق بعنوان: «باب أن الأرض لا تخلو من حجة»، وفيه وردت عدة روايات بنفس المضمون وبسند كامل، نذكر منها روايتين:«عن أبي حمزة: قلت لأبي عبد الله: تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت»([103]).
ثانيتهما: «عن أبي جعفر قال: لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله».
2- معرفة الأئمة والتسليم بهم شرط الإيمان:
في «أصول الكافي» باب بعنوان: «معرفة الإمام والرد عليه»، وردت فيه الرواية التالية، عن أحدهما أنه قال: «لا يكون العبد مؤمناً حتى يعرف الله ورسوله والأئمة كلهم وإمام زمانه»([104]).
كما وردت الرواية التالية بسند كامل في نفس الباب: «عن ذريح قال: سألت أبا عبد الله عن الأئمة بعد النبي r فقال: كان أمير المؤمنين ا إماماً، ثم كان الحسن إماماً، ثم كان الحسين إماماً، ثم كان علي بن الحسين إماماً، ثم كان محمد بن علي إماماً، من أنكر ذلك كان كمن أنكر معرفة الله تبارك وتعالى ومعرفة رسول الله»([105]).
3- حكم الإيمان بالإمامة والأئمة وتبليغها صدر عن طريق الأنبياء كلهم والكتب السماوية كلها:
    يروى في «أصول الكافي» عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: «ولايتنا ولاية الله لم يبعث نبي قط إلا بها». وفي نفس الصفحة يروي عن الإمام السابع أبي الحسن موسى بن جعفر الصادق أنه قال: «ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولم يبعث الله رسولاً إلا بنبوة محمد r، ووصية علي t»([106]).
4- الأئمة هم المقصودون بالحكم الذي نزل في القرآن بالإيمان بالله ورسله والنور الذي أنزله الله:
وفي «أصول الكافي» في باب: «إن الأئمة نور الله عز وجل» وردت الرواية التالية: «عن أبي خالد الكابلي: سألت أبا جعفر عن قول الله عز وجل: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [التغابن:8]، فقال: يا أبا خالد! النور والله الأئمة»([107]). وكلما جاء في آية من آيات القرآن ذكر للنور الذي أنزله الله، والذي يقصد به نور الهداية، أي: القرآن الكريم، وهو المقترن بالأمر الإلهي، أي: الإيمان بالله والرسول تقوم الروايات الشيعية - وهذا ما روي عن الإمام جعفر الصادق والإمام موسى الكاظم - بالقول بأن المقصود في الآيات من نور الله ليس القرآن، بل الأئمة الاثنا عشر، أئمة الشيعة، والحكم جاء بالإيمان جنباً إلى جنب مع الإيمان بالله ورسوله.
5- طاعة الأئمة فرض:
جاء في «أصول الكافي»، كتاب الحجة، في باب بعنوان: «باب فرض طاعة الأئمة» هذه الرواية عن أبي الصباح قال: «أشهد أني سمعت أبا عبد الله يقول: أشهد أن عليّاً إمام فرض الله طاعته، وأن الحسن إمام فرض الله طاعته، وأن الحسين إمام فرض الله طاعته، وأن علي بن الحسين إمام فرض الله طاعته، وأن محمد بن علي إمام فرض الله طاعته»([108]).
كما يروي أيضا عن الإمام جعفر الصادق في نفس الباب في «أصول الكافي» أنه قال: «نحن الذين فرض الله طاعتنا، لا يسع الناس إلا معرفتنا، ولا يعذر الناس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمناً، ومن أنكرنا كان كافراً، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالاً، حتى يرجع إلى الهدى الذي افترضه الله عليه من طاعته الواجبة»([109]).وهناك رواية أخرى بهذا المضمون عن الإمام محمد الباقر والد الإمام جعفر الصادق، قال الباقر بعد أن أوضح إمامة الأئمة ووجوب طاعتهم: «هذا دين الله ودين ملائكته»([110]).
6- طاعة الأئمة واجبة كطاعة الرسل:
عن أبي الحسن العطار قال: «سمعت أبا عبد الله يقول: أشرك بين الأوصياء والرسل في الطاعة»([111]). ويقول العلامة القزويني شارح «أصول الكافي» في شرحه لهذه الرواية: «يمكن أن تكون صيغة «أشرك» صيغة أمر، كما يمكن أن تكون صيغة مجهولة للمفرد الغائب، والنتيجة في الحالتين واحدة... »([112]).
7- للأئمة حرية الاختيار في التحليل والتحريم:
في «أصول الكافي» كتاب الحجة، في باب مولد النبي r، يروي عن محمد بن سنان أنه طلب من أبي جعفر الثاني، محمد بن علي التقي تفسير سبب وجود الاختلاف بين الشيعة في مسألة الحلال والحرام فقال:«يا محمد! إن الله تبارك وتعالى لم يزل منفرداً بوحدانيته، ثم خلق محمداً، وعليّاً، وفاطمة، فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء، فأشهدهم خلقها، وأجرى طاعتهم عليها، وفوض أمورها إليهم، فهم يحلون ما يشاءون، ويحرمون ما يشاءون، ولن يشاءوا إلا أن يشاء الله تبارك وتعالى»([113]).
ومن الجدير بالذكر هنا أن العلامة القزويني قد صرح في شرحه لهذا الحديث أن المقصود من محمد وعلي وفاطمة، هم الثلاثة الذين ورد ذكرهم، وجميع الأئمة الذين يولدون من نسلهم([114]). وعلى كل حال، فإن ملخص رد الإمام أبي جعفر الثاني محمد بن علي التقي، وهو الإمام التاسع، هو أن للأئمة حرية الاختيار في تحليل ما يرونه حلالاً وتحريم ما يرونه حراماً، ونتيجة لحرية الاختيار هذه فإن إماماً من الأئمة يحلل شيئاً ما أو عملاً ما بينما الإمام الآخر يحرمه، ونتيجة لهذا ظهرت الاختلافات بين الشيعة فيما يتعلق بالتحليل والتحريم.
8- الأئمة معصومون كالأنبياء عليهم السلام:
وفي «أصول الكافي» في «باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته» وردت خطبة طويلة للإمام الثائر علي بن موسى الرضا، وقد صرح بعصمة الأئمة عدة مرات، وهو يوضح في خطبته هذه فضائل وخصائص الأئمة، جاء في موضع منها قوله:«الإمام المطهر من الذنوب، والمبرأ من العيوب». ثم يقول بعد ذلك عن صفة الإمام: «فهو معصوم مؤيد، موفق مسدد، قد أمن من الخطأ والزلل والعثار، يخصه الله بذلك، ليكون حجته على عباده وشاهده على خلقه»([115]).
9- حديث عجيب وغريب للإمام جعفر الصادق عن حمل ومولد الأئمة المعصومين:
في «أصول الكافي» باب بعنوان: «مواليد الأئمة عليهم السلام»، وهو يحتوي على روايات عجيبة غريبة عن مولد الأئمة، وأغرب رواية تستحق أن تذكر هنا هي أول رواية، وهي طويلة، ولهذا سنكتفي بذكر ملخصها، ويمكن لمن يريد الوقوف على النص مراجعته في الأصل.
يقول أبو بصير الصديق الملازم للإمام جعفر الصادق وكاتم أسراره: في اليوم الذي ولد فيه الإمام موسى الكاظم، الإمام السابع، نجل الإمام المذكور، قال الإمام الممدوح: تكون ولادة كل إمام ووصي هكذا، في الليلة التي يكتب فيها الله لحمله أن يستقر، ففي تلك الليلة يرسل الله ملكاً من عنده بكوب من شراب لذيذ نفيس، يحمله إلى الوالد، ويسقيه له، ويقول له: توجه الآن وجامع زوجتك، فقد استقر حمل الإمام الذي يولد في رحم الأم.
بهذه المناسبة يفصل الإمام جعفر الصادق الحديث فيقول: «لقد حدث هذا مع جد جدي الإمام الحسين، وهكذا ولد جدي الإمام زين العابدين، ثم حدث معه نفس الشيء، فكان مولد والدي، وهكذا ولدت أنا أيضاً في تلك الليلة التي استقر فيها حمل وليدي الجديد، موسى الكاظم في رحم زوجتي.
في تلك الليلة حدث معي نفس الشيء فقد جاءني من عند الله ملك يحمل كوباً من الشراب اللذيذ النفيس، وطلب مني أن أجامع زوجتي، فجامعتها، فكان حملها لابني موسى هذا». وفي هذه الرواية أيضاً أن الإمام والوصي حين يخرج من بطن أمه يأتي هكذا، تكون يده على الأرض، ورأسه مرفوعاً إلى السماء([116]). ونقدم الآن آخر رواية في هذا الباب.
10- الخصائص العشر التي تميز الأئمة عن بقية البشر:
الراوي هنا زرارة، يقول عن الإمام الباقر: «للإمام عشر علامات، يولد مطهراً مختوناً، وإذا وقع على الأرض وقع على راحتيه، رافعاً صوته بالشهادتين، ولا يجنب، وتنام عيناه ولا ينام قلبه، ولا يتثاءب، ولا يتمطى، ويرى من خلفه كما يرى من أمامه، ونجوه كرائحة المسك، والأرض مأمورة بستره وابتلاعه، وإذا لبس درع رسول الله صلى الله عليه وآله كانت وفقاً، وإذا لبسها غيره من الناس طويلهم وقصيرهم زادت عليه شبراً»([117]).
11- حمل الأئمة لا يكون في رحم الأم، بل يكون في جنبها ويولد من فخذها:
في «أصول الكافي» ورد القول السابق كواحد من الخصائص التي تميز الأئمة عن غيرهم من البشر، لكن العلامة المجلسي في «حق اليقين»: يروي عن الإمام الحادي عشر، الحسن العسكري، فيقول: «حملنا نحن - أوصياء الأنبياء، أي الأئمة - لا يكون في رحم البطن، بل يكون في الجانب، ونحن لا نأتي من خارج الرحم، بل نأتي من أفخاذ الأمهات، لأننا نحن الأئمة نور الله تعالى، لهذا فهو يضعنا بعيداً عن القذارة والنجاسة»([118]). ولعل ما يقصده العلامة المجلسي من بيانه لرواية الإمام الحسن العسكري في «أصول الكافي» هي الخصوصية الأولى من خصائص الأئمة، أي: يولد الإمام مطهراً.
12- درجة الإمامة أعلى من درجة النبوة:
ويقول العلامة باقر المجلسي، السابق الذكر في كتابه: «حياة القلوب»: إن «الإمامة أعلى من رتبة النبوة»([119]).
13- المؤمنون "الشيعة" بإمامة الأئمة المعصومين لهم الجنة حتى لو كانوا فجرة فاسقين، والمسلمون الآخرون لهم النار حتى لو كانوا من البررة المتقين:
وردت في «أصول الكافي»، باب: «فيمن دان الله عز وجل بغير إمام من الله جل جلاله»، الرواية التالية: عن الإمام الباقر أنه قال: «إن الله لا يستحي أن يعذب أمة دانت بإمام ليس من الله وإن كانت في أعمالها برة تقية، وإن الله ليستحي أن يعذب أمة دانت بإمام من الله وإن كانت في أعمالها ظالمة مسيئة»([120]).
وفي نفس الباب رواية عن أحد مريدي الشيعة المخلصين للإمام جعفر الصادق، ويدعي عبد الله بن أبي يعفور، قدم إلى الإمام المذكور وقال: «إني أخالط الناس، فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ويتولون فلاناً وفلاناً، لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء والصدق».
وتذكر الرواية أن عبد الله بن أبي يعفور قال:«ما إن سمع الإمام كلامي حتى جلس غاضباً، وقال لي: لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر ليس من الله، ولا عتب على من دان بولاية إمام عادل من الله»([121]).
14- درجة الأئمة تتساوى مع درجة رسول الله r، وهم أفضل وأعلى من جميع المخلوقات والأنبياء الآخرين عليهم السلام:
في «أصول الكافي» كتاب الحجة، ورد حديث طويل للإمام جعفر الصادق عن فضل ودرجة ومرتبة الإمام علي المرتضى ومن بعده من الأئمة، جاء في بدايته ما يلي: «ما جاء علي آخذ به، وما نهى عنه أنتهي عنه، جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد، ولمحمد الفضل على جميع خلق الله عز وجل، المتعقب عليه في شيء من أحكامه كالمتعقب على الله وعلى رسوله، والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله، كان أمير المؤمنين باب الله الذي لا يؤتي إلا منه، وسبيله الذي من سلك غيره يهلك، وكذلك جرى لأئمة الهدى واحداً بعد واحد».
ومما يروونه عن أمير المؤمنين: «الملائكة وجميع الأنبياء سلموا لي كما سلموا لمحمد، وأنا من أرسل الناس إلى الجنة وإلى النار».
ورد في الرواية السابقة ما يلي: وكان أمير المؤمنين كثيراً ما يقول: «أنا قسيم الله بين الجنة والنار، وأنا صاحب العصا والميسم، ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقروا لمحمد»([122]).
15- الأئمة يعلمون الغيب، وفاقوا في ذلك موسى عليه السلام:
في باب بعنوان: «إن الأئمة يعلمون ما كان وما يكون وإنه لا يخفى عليهم شيء»، جاءت الرواية الأولى تقول: «إن الإمام جعفراً الصادق قال في مجلس يضم خواصه، لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما، ولأنبأتهما ما ليس في أيديهما، لأن موسى والخضر عليهما السلام أعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله r وراثة»([123]).
16- سيشهد الأئمة على أهل زمانهم يوم القيامة:
في باب: «إن الأئمة شهداء لله عز وجل على خلقه» رواية عن الإمام جعفر الصادق حين سئل عن الآية التالية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا} [النساء:41].
قال الإمام جعفر الصادق: «نزلت في أمة محمد خاصة، في كل قرن منهم إمام منا شاهد عليهم، ومحمد شاهد علينا»([124]).
والرواية الأخيرة في هذا الباب تقول: قال أمير المؤمنين: «إن الله تبارك وتعالى طهرنا، وعصمنا، وجعلنا شهداء على خلقه، وحجة في أرضه»([125]).
17- جميع الكتب التي نزلت على الأنبياء السابقين كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها موجودة لدى الأئمة، يقرءونها بلغاتها الأساسية:
وفي «أصول الكافي» باب بعنوان: «إن الأئمة عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله عز وجل، وإنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها»، وهو يحتوي على عدة روايات بهذا المضمون، وتذكر أحداثاً وردت أيضاً بنفس المضمون في الأبواب السابقة، وتذكر إحدى الروايات أن الإمام جعفراً الصادق قال: «وإن عندنا علم التوراة والإنجيل والزبور، وتبيان ما في الألواح»([126]).
وفي الباب الثاني في «أصول الكافي» يروى عن الإمام جعفر أنه سئل عن قوله: «إن لدينا الجفر الأبيض»، فقال: «زبور داود عليه السلام، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وصحف إبراهيم»([127]).
18- يمتلك الأئمة وسائل عجيبة وغريبة للعلوم، بالإضافة إلى القرآن والحديث:
في باب بعنوان: «باب فيه ذكر الصحيفة، والجفر، والجامعة، ومصحف فاطمة» وردت الرواية الأولى، وهي طويلة جدّاً، ونورد ملخصها:«يقول أبو بصير، وهو طبقاً لروايات الشيعة من خواص ومن حاملي أسرار الإمام جعفر الصادق: حضرت إلى جعفر الصادق ذات يوم، وقلت له: إنني أود أن أكشف أمراً خاصاً، فهل هناك من أجنبي هنا؟ فرفع الإمام الحجاب الفاصل بين مجلسنا والمجلس الآخر فلم نشاهد أحداً، ثم قال: سل ما شئت([128])، فسألت سؤالاً عن علم المرتضى والأئمة، ففصل الإمام الحديث عن هذا الأمر».
ومما جاء في نهاية الرواية: «وإن عندنا الجفر، قلت: وما يدريهم ما الجفر؟ قال: وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل، ثم قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة قلت: وما يدريهم ما مصحف فاطمة؟ قال: فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد»([129]). تحذير هام:
من الملاحظ هنا أن الإجابة التي نقلها راوي الرواية أبو بصير عن الإمام جعفر الصادق ذكرت القرآن مرتين هكذا: «قرآنكم»، كما قيل عن مصحف فاطمة: «إنه أكثر من قرآنكم ثلاث مرات، ولا يوجد فيه حرف من قرآنكم».
وهناك الآلاف من هذه الافتراءات التي افترى فيها أبو بصير وغيره على الأئمة أهل البيت، وهي متناثرة في «أصول الكافي»، وغيره من كتب الشيعة، ولا يمكن لأي مؤمن أن يساوره أي شك في إيمان آل البيت حتى يضعوا قرآناً غير القرآن الكريم الذي أنزله الله على رسوله. لقد سمعنا من البوذيين والنصارى وهم يناظروننا ويقولون في «قرآنكم» كذا أو كذا، وجاء في «قرآنكم» هذا وذاك.
ونحن على يقين أن الإمام حعفراً الصادق لم يذكر أبداً هذا الأمر عن القرآن الكريم، وتلك الروايات هي في الأصل من اختلاق هؤلاء الرواة، الذين ألفوا المذهب الشيعي، ونسبوا كل هذه الخرافات إلى الإمام جعفر الصادق والإمام الباقر وكبار أهل البيت، وراوي الرواية السابقة أبو بصير هو واحد من أولئك الناس الذين لعبوا دوراً كبيراً في هذا الافتراء الكاذب على آل البيت.
ومن الجدير بالذكر هنا أن أبا بصير، وزرارة، وغيرهم من رواة هذه الخرافات - وهم في الأصل مؤلفو المذهب - قد سكنوا منطقة الكوفة، بينما كان الإمام الباقر والإمام جعفر الصادق في المدينة، وكان هؤلاء الناس يذهبون أحياناً من الكوفة إلى المدينة، ثم يعودون إلى الكوفة، لينسبوا ما نسبوه إلى الأئمة داخل مجالسهم الخاصة في الكوفة، وهكذا صارت تلك الروايات هي أساس المذهب الشيعي.
ما هو مصحف فاطمة؟
ورد ذكر مصحف فاطمة في الروايات السابقة، وقد ورد حديث مفصل للإمام جعفر في الرواية الثانية لهذا الباب في «أصول الكافي»، وطبقاً لرواية أبي بصير، قال الإمام جعفر الصادق رداً على سؤال عن مصحف فاطمة: «إن الله لما قبض نبيه عليه الصلاة والسلام، دخل فاطمة من الحزن ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، فأرسل إليها ملكاً يسلي غمها، ويحدثها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين t فقال لها: إذا أحسست بذلك، وسمعت الصوت، قولي لي، فأعلمته بذلك، فجعل أمير المؤمنين t يكتب كل ما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفاً»([130]).
وقد عرف القارئ من الرواية الأولى أن مصحف فاطمة يعادل القرآن الكريم ثلاث مرات.
19- أعمال العباد تعرض على الأئمة:
في «أصول الكافي» باب بعنوان: «باب عرض الأعمال على النبي والأئمة»، وفيه رواية تقول: إن عبد الله بن أبان الزيات، وهو من خاصة الشيعة، طلب من الإمام الرضا t الدعاء له قائلاً: «ادع الله لي ولأهل بيتي، فقال: أولست أفعل؟ والله إن أعمالكم لتعرض علي في كل يوم وليلة».
وتقول الرواية إن عبد الله بن أبان استعظم هذا الأمر، فقال الإمام الرضا: ألم تقرأ هذه الآية القرآنية: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة:105]، فالمقصود بـ (المؤمنون) في هذه الآية هو «علي بن أبي طالب»([131]).
وكتب العلامة القزويني في هذا الشرح: «إن ما قاله الإمام الرضا من تفسير كلمة: (المؤمنون) هو علي t فقط، ذلك لأن سلسلة الإمامة مستمرة، وإن كان المقصود ليس علياً فقط، بل المراد جميع الأئمة الذين يولدون من نسله»([132]).
20- الملائكة يتوافدون على الأئمة:
في «أصول الكافي» باب بعنوان: «إن الأئمة معدن العلم، وشجرة النبوة ومختلف الملائكة». وقد وردت فيه رواية عن الإمام جعفر الصادق، أنه قال: «ونحن شجرة النبوة، بيت الرحمة، ومفتاح الحكمة، ومعدن العلم، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة»([133]).
21- معراج الأئمة كل ليلة جمعة، يصلون إلى العرش، وهناك ينالون العلم الجديد:
يروى عن الإمام جعفر الصادق في «أصول الكافي» أنه قال: «إن لنا في ليالي الجمعة لشأن من الشأن. ويؤذن لأرواح الأوصياء الموتى، وروح الوصي  الذي بين أظهركم تعرج بها إلى السماء، حتى توافي عرش ربها، فتطوف به أسبوعاً فتصلي عند كل قائمة من قوائم العرش ركعتين، ثم ترد إلى الأبدان التي كانت فيها، فتصبح الأنبياء والأوصياء قد ملئوا سروراً، ويصبح الوصي الذي بين ظهرانيكم وقد زيد في علمه مثل الجم الغفير»([134]).
وقد وردت عدة روايات بعد هذه الرواية بنفس المضمون.
22- نال الأئمة جميع العلوم التي وهبها الله للملائكة والأنبياء والرسل، ونالوا علوماً لم يهبها الله للأنبياء ولا الملائكة:
في باب: «إن الأئمة ي يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل عليهم السلام»، ورد هذا الحديث في أوله: «عن أبي عبد الله ن قال: إن الله تبارك وتعالى علمني علماً أظهر عليه ملائكته وأنبياءه ورسله، فما أظهر عليه ملائكته ورسله وأنبياءه فقد علمناه، وعلماً استأثر الله به، فإذا بدا لله بشيء منه أعلمنا ذلك، وعرض على الأئمة الذين كانوا من قبلنا»([135]).
23- يتنزل على الأئمة من عند الله كتاب في ليلة القدر كل سنة تنزل به الملائكة والروح:
ورد في باب البداء، في «أصول الكافي» رواية عن الإمام جعفر الصادق أنه قال في تفسيره لآية: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد:39]. «وهل يمحو إلا ما كان ثابتاً، وهل يثبت إلا ما لم يكن»([136]).
ويقول شارح «أصول الكافي» العلامة القزويني: «المقصود بنزول كتاب مفصل في كل سنة هو الكتاب الذي تفسر فيه أحكام الحوادث التي يحتاج إليها إمام ذلك الزمان حتى العام التالي، وهذا الكتاب تتنزل به الملائكة والروح على إمام الزمان ليلة القدر»([137]). ويتضح أن المقصود بـ«الروح» لدى الشيعة ليس الروح الأمين جبريل، بل «الروح» لديهم عبارة عن مخلوق، هو عندهم أعظم شأناً من جبريل الأمين وجميع الملائكة.
وقد ذكر القزويني في كتابه «الصافي» ذلك الأمر بصراحة، وهناك باب آخر من أصول الكافي بعنوان: باب في شأن: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1]:«ولقد قضى أن يكون في كل سنة ليلة يهبط فيها تفسير الأمور إلى مثلها من السنة المقبلة»([138]). والمفهوم من هذه الرواية هو نفسه ما يفهم من العبارات السابقة لكتاب القزويني «الصافي»، أي: ينزل كتاب من عند الله على الإمام في ليلة القدر كل سنة، يوضح جميع الأحداث والمعاملات التي ستحدث طوال السنة، وحتى ليلة القدر القادمة.
24- الأئمة يعرفون ساعة موتهم، وموتهم داخل في دائرة اختيارهم:
في «أصول الكافي» باب بعنوان: «إن الأئمة  ي يعلمون متى يموتون وإنهم لا يموتون إلا باختيار منهم»([139]).
وهذا المعنى يفهم من الروايات التي ترد عن الأئمة في الباب المذكور، والرواية الأخيرة في هذا الباب لها مكانتها لدى الشيعة، ومن هنا ننقلها هنا:«عن أبي جعفر ا قال: أنزل الله عز وجل النصر على الحسين t حتى كان بين السماء والأرض، ثم خير بين النصر ولقاء الله، فاختار لقاء الله عز وجل»([140]). ولنا أن نفكر في السلوك الذي يسلكه الشيعة في مآتمهم التي يقيمونها بمناسبة ذكرى شهادة الحسين في ضوء تلك الرواية.
25- كان لدى الأئمة معجزات الأنبياء السابقين أيضاً:
في باب بعنوان: «باب ما عند الأئمة من آيات الأنبياء» وردت الرواية الأولى التي ننقل ملخصها، وهي عن الإمام الباقر، وتتعلق بعصا موسى عليه السلام، وهي معجزة موسى الخاصة التي ذكرها القرآن الكريم أكثر من مرة.
يُحكى عن الإمام الباقر أنه قال: «إن هذه العصا هي في الأصل عصا آدم عليه السلام، أخذت تنتقل حتى وصلت إلى موسى عليه السلام، وهي الآن لدينا، وسوف تنتقل إلى آخر الأئمة - المهدي - ليقوم عن طريقها بما قام به موسى عليه السلام في زمانه»([141]).
ويروي فيما بعد عن الإمام الباقر أن أمير المؤمنين علياً المرتضى، خرج ذات ليلة بعد العشاء يقول: «خرج عليكم الإمام، عليه قميص آدم، وفي يده خاتم سليمان، وعصا موسى»([142]).
26- الأئمة يمتلكون الدنيا والآخرة، يهبون من يشاءون ويعطون لمن يشاءون:
في «أصول الكافي» كتاب الحجة، باب بعنوان: «باب إن الأرض كلها للإمام عليه السلام »، يروى عن أبي بصير أن الإمام جعفراً الصادق قال رداً على سؤال: « أما علمت أن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء»([143]).
27- الإمامة مركبة من النبوة والألوهية:
ما نقلناه من كتب الشيعة ولأهل التشيع عن الأئمة والإمامة يكفي لنعرف ولنفهم أن الأئمة - من وجهة نظر المذهب الشيعي - لهم ما للأنبياء من صفات وخصائص، وكمالات ومعجزات، ودرجتهم أعلى من درجة جميع الأنبياء السابقين، حتى الأنبياء أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، فهم يتساوون تماماً مع خاتم الأنبياء سيدنا محمد r.
وأكثر من هذا، فهم يحملون الصفات الإلهية، وهم يطلعون على عالم الغيب والشهادة لا يخفى عليهم شيء، لا يمكن أن نتصور أن يصدر عنهم أي سهو أو نسيان أو غفلة، يحكمون الكائنات ذرة ذرة، أي لهم سلطة: «كن فيكون»، وهم يملكون الدنيا والآخرة، يهبون من يشاءون ويحرمون من بشاءون ... والبحث في عقائد الشيعة يجعلنا ندرك مدى التقارب والتشابه بينهما وبين المسيحية الحالية المحرفة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
7- الشيخ عطية صقر
 
-         الشيخ عطية صقر من مواليد عام 1914 بمحافظة الشرقية، وتوفي سنة 2006م.                                                                                              
-         حصل على شهادة العالمية 1943.
-    عمل وكيلا لإدارة البعوث في الأزهر عام 1969، ثم مديرا لمكتب شيخ     الأزهر عام 1971، وفي عام 1972 انتدب كأمين عام مساعد  لمجمع البحوث     الإسلامية.
-    تولى رئاسة لجنة الفتوى في الأزهر في الثمانينيات بعد أن كان عضوا بها،      بالإضافة لعضويته في مجمع البحوث الإسلامية لفترة طويلة امتدت حتى منتصف تسعينيات القرن الماضي.
 
 


 الشيعة
 
[نشر في موقع إسلام أون لاين (12/1/2002م)].
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ...
الشيعة: هم أتباع سيدنا علي t والموالون لآل البيت، والمسلمون جميعًا مأمورون بحب آل البيت وتكريمهم وقد وردت في ذلك عدة نصوص، منها قول الله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى وَأَقِمْنَ الصّلاَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب:33]، وذلك على خلاف للمفسرين في تحديد القربى وأهل البيت.
وقوله r: «أذكركم الله في أهل بيتي» ثلاث مرات رواه مسلم وقوله: «يا أيها الناس ارقبوا محمداً في أهل بيته» رواه البخاري.
غير أن بعضًا من المسلمين اشتد حبهم لسيدنا على وذريته، وتغالوا في حبهم لدرجة أن بعضهم اعتقد ألوهية سيدنا علي، وبعضهم اعتقد أنه النبي المرسل وغلط جبريل فنزل بالوحي على سيدنا محمد r، ومنهم من قال: إنهما شريكان في النبوة، وقالوا إنه الإمام بعد الرسول r بالنص الجلي أو الخفي، دون أبي بكر وعمر وعثمان، وإن الإمامة لا تخرج عنه ولا عن أولاده، وإن خرجت فبظلم أو بتقية.
وأشهر فرقهم الموجودة الآن خمس:
(1) الزيدية: وهم أتباع زيد بن علي بن الحسين، لما دعا الشيعة لحرب الأمويين سألوه رأيه في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فأثنى عليهما فرفضوه وسموا بالرافضة وهم يوجدون الآن في اليمن، ومذهبهم قريب من مذهب أهل السنة، وهم وإن اعتقدوا أفضلية علي على أبي بكر وعمر لكنهم أجازوا إمامة المفضول مع قيام الفاضل.
 (2) الإمامية: وهم الذين قالوا بإمامة اثني عشر من آل البيت، ويسمون بالاثني عشرية وبالموسوية، لأن الأئمة عندهم هم: علي، الحسن، الحسين، علي زين العابدين بن الحسين، وكانت الإمامة لابنه الأكبر «زيد» فلما رفضوه كما تقدم ولوا بدله أخاه محمداً الباقر، ثم جعفر الصادق، وكان له ستة أولاد، أكبرهم إسماعيل ثم موسى. ولما مات إسماعيل في حياة أبيه أوصى والده بالإمامة إلى ابنه موسى الكاظم، وبعد وفاة جعفر انقسم الأتباع؛ فمنهم من استمر على إمامة إسماعيل وهم: الإسماعيلية أو السبعية، والباقون اعترفوا بموسى الكاظم، وهم الموسوية، ومن بعده علي الرضا، ثم ابنه محمد الجواد، ثم ابنه علي الهادي، ثم ابنه الحسن العسكري نسبة إلى مدينة العسكر «سامرا» وهو الإمام الحادي عشر، ثم ابنه محمد الإمام الثاني عشر، وقد مات ولم يعقب، فوقف تسلسل الأئمة وكانت وفاته (سنة265هـ).
ويقول الإمامية: إنه دخل سردابًا في «سامرا» فلم يمت، وسيرجع بعد ذلك باسم المهدي المنتظر. وهذه الطائفة منتشرة في إيران والعراق وسوريا ولبنان، ومنهم جماعات متفرقة في أنحاء العالم، ولهم كتب ومؤلفات كثيرة من أهمها كتاب «الوافي» في ثلاثة مجلدات كبيرة جمعت كثيرًا مما في كتبهم الأخرى، كتب عليه أحد أهل السنة نقدًا سماه «الوشيعة في نقد عقائد الشيعة» وكان ذلك في فبراير (سنة1935م) كما كتب رئيس أهل السنة بباكستان «محمد عبد الستار التونسوي» رسالة في ذلك.
ومن أهم أصولهم:
1-    تكفير الصحابة ولعنهم، وبخاصة أبو بكر وعمر رضي الله عنهما إلا عددًا قليلاً جداً كانوا موالين لعلي t. وقد رووا عن الباقر والصادق: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من ادعى إمامة ليست له، ومن جحد إمامًا من عند الله، ومن زعم أن أبا بكر وعمر لهما نصيب في الإسلام». ويقولون: إن عائشة وحفصة رضي الله عنهما كافرتان مخلدتان، مؤولين عليهما قول الله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} [التحريم:10].
2-    ادعاء أن القرآن الموجود في المصاحف الآن ناقص، لأن منافقي الصحابة (هكذا) حذفوا منه ما يخص علياً وذريته، وأن القرآن الذي نزل به جبريل على محمد سبعة آلاف آية، والموجود الآن (6263آية) والباقي مخزون عند آل البيت فيما جمعه علي، والقائم على أمر آل البيت يخرج المصحف الذي كتبه علي، وهو غائب بغيبة الإمام.
3-        رفض كل رواية تأتي عن غير أئمتهم، فهم عندهم معصومون بل قال بعضهم: إن عصمتهم أثبت من عصمة الأنبياء.
4-        التقية: وهي إظهار خلاف العقيدة الباطنة، لدفع السوء عنهم.
5-    الجهاد غير مشروع الآن، وذلك لغيبة الإمام، والجهاد مع غيره حرام ولا يطاع، ولا شهيد في حرب إلا من كان من الشيعة، حتى لو مات على فراشه.
وهناك تفريعات كثيرة على هذه الأصول منها: عدم اهتمامهم بحفظ القرآن انتظارًا لمصحف الإمام.
وقولهم بالبداء: بمعنى أن الله يبدو له شيء لم يكن يعلمه من قبل ويتأسف على ما فعل، والجمعة معطلة في كثير من مساجدهم وذلك لغيبة الإمام، ويبيحون تصوير سيدنا محمد وسيدنا علي وصورهما تباع أمام المشاهد والأضرحة، ويدينون بلعن أبي بكر وعمر.
 (3) الإسماعيلية: وهي تدين لإسماعيل بن جعفر الصادق، وهم أجداد الفاطميين والقرامطة، يعتقدون التناسخ والحلول، وبعضهم يدعي ألوهية الإمام بنوع من الحلول، وبعضهم يدعي رجعة من مات من الأئمة بصورة التناسخ.
وهذه الفرقة طائفتان: إحداهما في الهند وتسمى «البهرة» ويتركزون في بومباي، يعترفون بالأركان الخمسة الواردة في الحديث وهو: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً» رواه البخاري.
ويزيدون عليه ركناً اسمه «الطهارات» ويتضمن تحريم الموسيقى والأفلام، وهم في صلواتهم يجمعون بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، ولا يصلون الجمعة، ويحتفلون بغدير «خم» في 18 من ذي الحجة كل عام، حيث تمت فيه الوصية لعلي. ["مجلة العربي" سبتمبر 1975، "المصور" 20/1/1978].
والطائفة الأخرى في «سلمية» بسوريا وفي زنجبار وشرقي أفريقيا وتسمى «الأغاخانية» نسبة إلى زعيمهم «أغاخان».
(4) النصيرية: وهم اتباع أحد وكلاء الحسن العسكري واسمه محمد بن نُصير، والذي تسموا في عهد الاحتلال الفرنسي بسوريا باسم «العلويين».
1-    ومن كتاب «تاريخ العلويين» لمحمد أمين غالب الطويل، وهو نصيري ومن غيره من الكتب والمراجع نوجز أهم مبادئهم فيما يلي: الولاية لعلي، زاعمين أن النبي r بايعه ثلاث مرات سرًا، ومرة رابعة جهرًا.
2-    عصمة الأئمة، لأن الخطايا رجس، وقد قال الله في أهل البيت: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب:33]. وبناء على ذلك يعتقدون أن الإمام أعلى من بعض الوجوه من الأنبياء، لأنهم معرضون للخطأ ولم يرد في القرآن ما ينزههم عنه، أما الأئمة فمعصومون بنص القرآن.
3-        التقية: أو التكتم في الدين، فإخفاء عقيدتهم من كمال الإيمان.    
4-        علم الباطن: فهو في زعمهم مختص بهم، وهم على صواب دائم في تفسير القرآن وعلم أسراره لأنهم معصومون.
وبناء على هذه الأصول قالوا بألوهية متحدة الحقيقة مثلثة الأجزاء؛ فألوهية معنى وحقيقة، وهو علي، ولها اسم وحجاب، وهو محمد، ولها باب يوصل إليها، وهو سلمان، فعلي رب العالمين، والقرآن منه، وكل نبي بعث فهو الذي بعثه ليتكلم بلسانه، وكان هو مع كل رسول متجسدًا في صورة وصي له، ويرمزون إلى هذا الثالوث برمز «ع.م.س».
ولهم تفريعات على ذلك: فالعبادات الواردة في القرآن بما فيها من أوامر ونواه، هي أسماء أماكن، والأشهر الحُرم عندهم هي: فاطمة والحسن والحسين وعلي ابنه، والقيامة عندهم هي قيام المحتجب صاحب الزمان. والمنتسبون إلى هذا المذهب طبقات، منهم متعلمون لا يدينون به، لكن لا يجدون عوضًا عنه، ومنهم الشيوخ والرؤساء المتمسكون، ومنهم العامة الذين يعيشون على غير هدى.
 
 
 
 
 
 
 
 
8- الأستاذ محمد زاهد الكوثري
 
 
-         ولد سنة 1296هـ، في قرية قريبة من الأستانة، وتوفي عام 1371هـ.
-         درس على علماء عاصمة الخلافة العثمانية  الأستانة .
-         رحل إلى مصر بعد استيلاء الكماليين على السلطة، وكان له مؤلفات كثيرة .
-         كان من أشد أعداء المنهج السلفي وخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن  قيم الجوزية، وألف في ذلك كتب عديدة، وكان في عباراته شثم وسب لا يليق بعالم.


صبر النبي r وأصحابه في حفظ الدين
[ من كتاب "من عبر التاريخ" لزاهد الكوثري].
 
ليس بخافٍ ما لقيه رسول الله r وأصحابه الأبرار رضي الله عنهم من صنوف العَنَتِ من أعداء الدين الإسلامي في مبدأ الدعوة الإسلامية، بل توالت صنوفُ كيدِهم إلى أن بدأ الناسُ يدخلون في دين الله أفواجاً، فارتدَّ كيدُ الكائدين إلى نحرهم بفضل تفاني المسلمين في التأسي بتوجيه حضرةِ المصطفى صلواتُ الله وسلامُهُ عليه في كل صغيرٍ وكبير. وكانت مصابرةُ الصحابة ي ومثابرتهم في سبيل الذب عن دين الله والدفاع عن رسولِ الله فوقَ كل وصف، حتى شمل النور، وعمَّ الحُبُور، وبرزت هذه الأمة حاملةً لمِشعلِ الهداية، تنشرُ الدينَ الإسلامي في شعوب العالم، حتى تم ما تم ممّا بهرَ عيونَ البشر، وما زِلنا به نفخر.
ولا عجبَ إذا لقينا بعض أتعاب في سبيل الله في آخر الزمن، ولا طريق إلى التغلب على تلك المتاعب إلا باتخاذ النبي r والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أسوةً حسنةً في وجوه المثابرة والمصابرة إزاء أخطر الأحداث؛ فاستذكارُ صنوف الكيد من الأعداء يجعلنا نأخذ حذرنا وأسلحتنا في كل موقفٍ بما يناسبه.
مكايدُ اليهود
وما عمله بنو النَّضير من دسهم إلى قريش في قتالِ رسول الله r وحضهم على القتال، ودلالتهم على العورة، وما صنعه بنو قريظةَ وأهلُ خيبرَ من أنواع المكر؛ نماذجُ لدسائسهم؛ وتدبيرُ المسلمين إزاءَ تلك الأحداثِ يهدي إلى طريق النجاح في اقتحام ما يماثلها من المشاكل التي تحدثُ فيما بعد.
وبعد أن انتقل النبي r إلى الرفيق الأعلى، وانتشر الإسلام في بقاع الأرض في عهدي أبي بكر وعمرَ وأوائل عهد عثمانَ t، بدأت الفتنُ ترفعُ رءوسها في عهد ذي النورين باستضعاف الفاتنين لِلينِ جانبه، وسعيهم الحثيثِ في إثارةِ النفوس ضدَّه بطرقٍ خبيثةٍ لم تكن الصحابةُ ي خبروا مثل تلك المكائد بعدُ، فاندفعَ مندفعون إلى الفتنة حتى حدث مما أوقفَ التقدُّمَ السريع إيقافاً محزناً.
وهكذا استمرت الفتن بعده بمسعى شخصيات تلفعت بغير أزيائها، ولسنا ننسى ما كان يصنعُه عبدُ الله بن سبأ المعروف بابن السوداء اليهودي من تنقلهِ من بلد إلى بلد، يتعثّر في أذياله لإثارةِ الفتنِ في عهدِ عثمانَ t بطرقٍ شيطانيةٍ لم يكن الجمهورُ على يقظةٍ منها.
قال المقريزي في «الخطط» (4/146): «إنّ رجلاً من اليهود في خلافة عثمان أسلمَ فقيل له عبدُ الله بن سبأ،وعُرفَ بابنِ السوداء، وصارَ ينتقلُ من الحجاز إلى أمصار المسلمين يريدُ إضلالهم، فلم يُطق ذلك فرجعَ إلى كيد الإسلام وأهله.
ونزلَ البصرةَ سنةَ ثلاث وثلاثين، فجعل يطرح على أهلها مسائل ولا يصرح، فأقبل عليه جماعةٌ ومالوا إليه وأعجبوا بقوله، فبلغ ذلك عبد الله بن عامر([144]) وهو يومئذٍ على البصرة، فأرسل إليه، فلما حضر عنده سأله: ما أنت؟ فقال: رجلٌ من أهل الكتاب رغبتُ في الإسلام وفي جوارك. فقال: ما شيءٌ بلغني عنك؟ اخرج عني. فخرج حتى نزل الكوفة، فأخرج منها، فسار إلى مصر واستقر بها، وقال في الناس العجب، وتحدث في الرَّجعةِ حتى قُبِلت منه. ففال بعدَ ذلك: إنه كان لكل نبيٍّ وَصِيٌّ، وعلي بن أبي طالب ا وصيُّ محمد r، فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله r في أن علي بن أبي طالب وصيه في الخلافة على أمته! وقال: واعلموا أن عثمان أخذ الخلافة بغير حق، فانهضوا في هذا الأمر، وابدءوا بالطعن في أمرائكم، فأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا به الناس. وبث دعاتهُ وكاتب من مال إليه من أهل الأمصار كتباً يضعونها في عيب ولاتهم، فكتب أهل كل مصرٍ منهم إلى أهل المصر الآخر بما يصنعون، حتى ملئوا بذلك الأرض إذاعة».
قال ابن عساكر في «تاريخ دمشق»: «كان أصله من اليمن، وكان يهودياً، فأظهر الإسلام وطافَ بلاد المسلمين ليلفِتَهم عن طاعة الأئمة، ويدخل بينهم الشرَّ، ودخل دمشق لذلك»، وأفاض ابن جرير في أنبائه في «تاريخه»([145]).
هكذا نمت الفتنة في عهد عثمان واستفحلت وطمَّت حتى انتهت إلى ما يعلمه الجميع، وهذا اليهودي نفسه هو الذي كان يقول في عهد علي t: إنه وصيُّ رسول الله وخليفته على أمته من بعده بالنص، وأحدث القول برجعة علي بعد موته إلى الدنيا، وبرجعة رسول الله r أيضاً - كما هو رأي بعض اليهود في يوشع - وزعم أن علياً لم يُقتل، وأنه حيٌّ، وأن فيه الجزء الإلهي، وأنه هو الذي يجيء في السحاب، وأن الرعد صوته، والبرق سوطه، كما في «الخطط» (4/182).
العبيديون
نشأتهم، عقائدهم، تاريخهم
ثم قال المقريزي: «ومن ابن سبأ هذا تشعبت أصناف الغلاة من الرافضة، وعنه أخذوا القول برجعة الإمام بعد موته إلى الدنيا كما تعتقده الإمامية إلى اليوم في صاحب السرداب - آخر الأئمة الاثني عشر- وهو قولٌ بتناسخ الأرواح([146])، وعنه أخذوا أيضاً القول بأن الجزء الإلهي يحل في الأئمة بعد علي بن أبي طالب، وأنهم بذلك استحقوا الإمامة بطريق الوجوب كما استحق آدم عليه السلام سجود الملائكة، وعلى هذا الرأي كان اعتقاد دعاة الخلفاء الفاطميين (العبيديين) ببلاد مصر»اهـ.
وعلى هذا الاعتقاد إسماعيلية الهند، ولهم هناك جامعةٌ، بل تعدوا إلى نشر دعاياتهم بمصر اليوم بواسطة بعض الجامعيين، لهواهُم في مصر منذُ قديم، من حيث إن القاهرة كانت عاصمة ملكهم في عهد العبيديين، الذين يسميهم بعضهم بالفاطميين كذباً وزوراً.
وما فعله عليٌ كرم الله وجهه من إيقاد الأخدود لأشياع هذا الخبيث([147]) معروف في كتب الفرق وتواريخ النحل، وقد نص ابن رزام([148])، والباقلاني، وعبد القاهر البغدادي، وابن السمعاني، وابن الجوزي، وسبطه، وابن حجر، والسخاوي، والشمس بن طولون، وغيرهم من ثقات أهل العلم على أنهم ليسوا بفاطميين([149]) وإن توهم ابن خلدون، وابن الأثير، والمقريزي([150]) صحة نسبهم لأسباب مشروحةٍ في «إعلان» السخاوي وغيره([151]).
قال أبو شامة الحافظ في «الروضتين» «حوادث 567هـ»: «ولم يكونوا فاطميين، وإنما كانوا ينتسبون إلى عبيد - وكان اسمه سعيداً - وكان يهودياً حداداً بسلمية([152])، بحمص في الشام».
وقال ابن كثير في «تاريخه» «12/267» «حوادث 567هـ»: «وكان أول ملك منهم المهدي، وكان من سلمية حداداً، وكان يهودياً فدخل بلاد المغرب، وتسمى بعبيد الله، وادّعى أنه شريفٌ علوي فاطمي، وقال عن نفسه إنه المهدي».
وعن فقيه العبيديين يعقوب بن كلس يقول ابن عساكر في «تاريخ دمشق»: «كان يهودياً من أهل بغداد، خبيثاً ذا مكر، وله حيلٌ ودهاءٌ، وفيه فطنةٌ وذكاء»، إلى أن ذكر كيف أسلم طمعاً في الوزارة([153]).
وقال الذهبي في «تاريخ الإسلام الكبير» عن فقيههم الآخر النعمان القيرواني([154]): «وتصانيفه تدل على زندقته وانسلاخه من الدين، أو أنه منافق نافق القوم، كما ورد أن مغربياً جاء إليه فقال: قد عزم الخادم على الدخول في الدعوة - يعني دعوة ملاحدة الإسماعيلية - فقال: ما يحملك على ذلك؟ قال: الذي حمل سيدنا. قال: نحن أدخلنا في هواهم حلواهم فأنت لماذا تدخل؟!»([155]).
وفي «العبر» للذهبي «وفيات 363هـ» و«شذرات الذهب» لابن العماد «3/47»: «والنعمان بن محمد بن منصور القيرواني، القاضي أبو حنيفة، الشيعي ظاهراً، الزنديق باطناً، قاضي قضاة الدولة العبيدية، صنف كتاب «ابتداء الدعوة» ([156])، وكتاباً في فقه الشيعة، وكتباً كثيرة تدل على انسلاخه من الدين، يبدل فيها معاني القرآن ويحرفها، مات بمصر (سنة/363)، في رجب، وولي بعده ابنه».
وقد سلم المعز العبيدي - باني القاهرة - أبا بكر النابلسي العابد المشهور ليهودي ليسلخه فسلخه وهو يتلو القرآن كما في «تاريخ ابن كثير» «11/284»([157])، فُيعلمُ من ذلك أن سَدا دولة العبيديين ولحمتها: اليهودية نسباً ونحلةً.
والذين ينوهون بهم من غير نظر إلى الحقائق هم الذين يسعون في إحياء ذكرى أمثال المتنبي وأبي العلاء المعري، مدفوعين من جامع للمعرَّتين في التنويه بالاثنين، كأنهم لا يجدون في رجال الإسلام وأدباء العرب من يستحق مثل هذا الإجلال من غير الأظناء المتهمين في الخُلُق والدين!! وما كان هذا إلا تنويهاً بالإلحاد والملحدين يأباه أهل اليقين.
وكان الباقلاني يقول عن العبيديين: «هم قومٌ يُظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض»،حتى ألف «كشف الأسرار وهتك الأستار»([158]) في الرد على كتاب «البلاغ الأعظم والناموس الأكبر» لبعض قضاة العبيديين بمصر([159]).
وألف بعده الحافظ أبو شامة فيهم كتابه «كشف ما كان عليه بنو عبيد، من الكفر والكذب والمكر والكيد»([160]).
وقال عنهم ابن كثير في «تاريخه» «12/267» «حوادث 567هـ»: «كانوا من أعتى الخلفاء وأجبرهم وأظلمهم، وأنجس الملوك سيرة وأخبثهم سريرة».
وقال أبو الحسن القابسي([161]): «الذين قتلهم عبيد الله وبنوه بعده ذبحاً في دار النحر التي كانوا يعذبون فيها الناس ليردوهم عن الترضي على الصحابة، أربعة آلاف رجلٍ ما بين عالمٍ وعابدٍ اختاروا الموت على لعن الصحابة»([162]).
وأما الذين انصاعوا لهم وشرقوا([163]) - على مصطلحهم - ففي غايةٍ من الكثرة، وأما الذين قتلوهم من عامة المسلمين فيما بين المغرب الأقصى ومصر فلا يعلم عددهم إلا الله سبحانه، والوثيقةُ التي أصدرها علماء المذاهب وأئمتها في إبعادهم عن النسب الزكي مدونةٌ في «منتظم» ابن الجوزي، و«تاريخ ابن كثير» وغيرهما([164])، والموقعون عليها جبالٌ في الدين والعلم والثقة، ومن ظن انحيازهم إلى خليفة بغداد قاسهم بنفسه، ولم يعرفهم ولا عرف ذلك الخليفة كما بينت ذلك فيما علقت على «كشف أسرار الباطنية»([165])، فليس من شأن قلم الحر المعتز بدينه الاسترسال في مناصرة أعداء الإسلام الذين اكتظت كتب ثقات أهل العلم بأنبائهم الإلحادية.
قال ابن كثير في «تاريخه» «12/9» عن الحاكم بأمر الله منهم: «كان يروم أن يدَّعي الألوهية كما ادّعاها فرعون، فكان قد أمر الرعية إذا ذكر الخطيب على المنبر اسمه أن يقوم الناس على أقدامهم صفوفاً، إعظاماً لذكره، واحتراماً لاسمه، فعل ذلك في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين، وكان قد أمر أهل مصر على الخصوص إذا قاموا عند ذكره خروا سجداً له، حتى إنه ليسجد بسجودهم من في الأسواق من الرعاع وغيرهم ممن كان لا يصلي الجمعة، وكانوا يتركون السجود لله في يوم الجمعة وغيره ويسجدون للحاكم»اهـ.
وقال ابن الجوزي في «المنتظم» «7/298»: «ثم ازداد ظلم الحاكم حتى عنَّ له أن يدَّعي الربوبية، فصار قومٌ من الجُهّال إذا رأوه يقولون: «يا واحدنا، يا أحدنا، يا محيي، يا مميت، قبحهم الله جميعاً».
ومن علم أن مدة حكم الحاكم هذا من سنة386هـ إلى سنة411هـ، يرى الاعتذار عنه بأنه كان مجنوناً كلام لا يُلتفتُ إليه، لأن من المُحال في جاري العادة أن يستبقى حاكمٌ وهو مجنونٌ مدة خمس وعشرين سنة! ومن الحاكم هذا تفرَّعت نحلة تأليهه عند الدروز، وفي الجزء الثالث من «خلاصة الأثر» حكم أهل المذاهب فيهم([166]).
ولسنا ندري دولةً من الدول في تاريخ الإسلام حكَّمت على رقاب العرب صنوف الصقالبة والصقليين وطوائف الروم والأرمن واليهود والكتاميين([167]) سوى دولة العبيديين([168])، فيكون من المضحك المُبكي محاولة الاعتزاز بأمثال هؤلاء في آخر الزمن، والمحراب القديم في الأزهر كمبكى اليهود في المسجد الأقصى في نظر بقايا هؤلاء الإسماعيلية في الهند، ومن العجب تمكنهم من إقامة دعايات لهم بمصر في غفلة من الزمن.
ترى شاباً متخرجاً في الجامعة الإسماعيلية في كجرات - وهي لا تقبل طالباً لا يكون إسماعيلياً رُوحاً ودماً كما هو معلومٌ - ينتسب يوماً ما إلى الأزهر باسم أنه شافعيٌ أو حنفي، ويبدي نشاطاً غريباً في الدعاية للإسماعيلية إلى أن تجده يقول في العدد «331» من مجلة «الرسالة» في مقال له عن ديوان تميم بن المعز العبيدي: «فإذا ما أتيح للفاطميين أن يُقيموا دولتهم الكبرى في وادي النيل فنحن أمام دولةٍ عربيةٍ هاشمية تحمي اللغة كما تحمي كتابها ودينها».
وهذا قلبٌ للحقائق كما أوضحت ذلك في «36- 136» من مجلة «الإسلام». وهذا الشابُّ نفسه هو الذي يقول في ذلك المقال: «ومن أحسن ما قيل في تميم بن المعز الفاطمي قول ابن رشيق:
أصحُّ وأعلى ما سَمِعناه في النَّدى   من  الخبرِ  المأثورِ  منذُ  قديمِ
أحاديثُ تَرويها السُّيُولُ عن الحَيا   عن البحرِ عن كفِّ الأميرِ  تميمِ
اهـ.
فيجعل ممدوح ابن رشيق تميم بن المعز العبيدي مع أنه لم يدركه حتى يتصور أن ينظم في مدحه قصائد رنانةً! بل ممدوحه هو بلديُّ ابن رشيقٍ تميمُ بن المعز باديس المتأخر الوفاة([169]), وليس بين ترجمتيهما في «تاريخ ابن خلكان» غير خط فاصل، وفيه النص على أنّ الممدوح هو ابن باديس، لكن الدعاية تجعل الليل نهاراً والصيف شتاءً([170]).
وزد على ذلك ما تراه في الجزء الثالث من مجلة «الأزهر» لسنة/1357هـ: «ص180» تحت ستار التوصية بالابتعاد عن التعصب:«أن يكون الأزهر كعبةَ جميع المسلمين على اختلاف مذاهبهم، ويدرس فيه المذاهب العلوية: كمذهب الزيدية، والإمامية، والإسماعيلية - إن كان له بقيةٌ - فهو الأحق من سواه».
انظر إلى هذه الجرأة وهذه الصراحة ممّن يعرف ما هي نحلة الإسماعيلية؟! وصاحب المقال كان يعرف كتبهم المحفوظة في دار الكتب المصرية على الأقل، لكن هذا طرازٌ في الدعاية. فكأنّ الكاتب كان يريد التمهيد لتسليم البضاعة، كما أنّ إخلاء الأزهر من الدراسة رسمياً يوماً ما كان تمهيداً لذلك أيضاً، لكنّ الله رد كيد الكائدين في نحرهم.
ومما يدل على أن أمد بكاء الإسماعيلية يطول: مشروع زعيمهم في امتلاك حصصٍ كبيرةٍ من مدينة الأوقاف المزمع إنشاؤها، وفي محضر المحادثة بين زعيم الإسماعيلية ورئيس الأزهر المنشور في إحدى المجلات قبل سنين ما يكشف عن كثير من اتجاههم في هذا الصدد، وكل ذلك من عجائب الزمن([171]).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
9- الدكتور صابر طعيمة
 
-  أستاذ مقارنة الأديان في جامعة الأزهر.
-  له العديد من الأبحاث والدراسات حول الفرق والمذاهب.
 


الجذور العقدية والتاريخية للإمامية
[هذا البحث من كتابه "الأصول العقدية للإمامية" صدر عام 2004 عن دار مدبولي بالقاهرة في (324) صفحة. وقد اقتبسنا منه بعض المواضع المتفرقة من صفحة (28-183)].
تمهيد
دراسة الفكر الإمامي من مصادره العديدة تشير إلى أن الإمامية باعتبارها مدرسة باطنية لعبت أدواراً خطيرة في هز أركان المجتمعات الإسلامية وزعزعة رواسيها وتفكيك روابطها، وقد كان من اليسير على هذه المجتمعات التي ابتليت "بالإمامية" أن تتخلص منها وتقضي على قواها التنظيمية والفكرية، إلا أن الجمعيات السرية التي نفذت من خلالها الأفكار الباطنية جعلت للعمل الباطني قدرة على الاستمرار وجاذبية قوية سيطرت على فرق من الناس بحكم أن قطاعاً من الناس تهفو نفوسهم إلى المخاطرة والمجازفة والإتيان بغرائب الأعمال.
وتقول دراسة الفكر الباطني مثلما هو حال وطبيعة التنظيمات السرية كالصهيونية والماسونية أنه «كلما كان السر أدق وأخفى، وكان الغموض أعوص وأعمق كان سحر الجاذبية أقوى وأشد».
وطبيعة الجمعيات السرية والتنظيمات الباطنية أنها تضيف على ولع بعض الناس بالمجهول تحقيق بعض مآربهم فضلاً عن العمل على تبوئهم أوضاعاً وامتيازات خاصة، ومن هذا كانت عناية بعض الناس نحو الفكر الباطني للانخراط في عضويته تحقيقاً لمآربهم واستجابة لرغباتهم، فكان من اليسير على أصحاب الفكر الباطني تجنيد العناصر التي قد يستهويها الفكر الغامض والعقائد المركبة من الأسطورة والخرافة لتحقيق مآربهم وغاياتهم. ولعل هذه من بين أسباب استمرار وتطوير العمل الباطني بوجه عام، سواء كان في العقائد الدينية أو التنظيمات السياسية.
اليهود وعقائد الإمامية
إن أطماع اليهود في البيئة التي حملت لواء الإسلام والقيام بالدعوة إليه قديمة جداً، فبعد أن نزح اليهود إلى الجزيرة العربية نقلوا معهم من الأساطير التي شاعت بينهم أبان الأسر البابلي العقائد الكثيرة والأطماع العديدة، وكان من بين هذه الأساطير اليهودية عقيدة التناسخ التي أصبحت مصدراً رئيسياً عند الإمامية عندما قالوا بعقيدة "الرجعة" التي اعتنقوها كتعبير عن مشاعر الانتقام والحقد الذي انطوت عليه نفوس بعض الذين زعموا ظلم آل البيت من أعدائهم، وقد ساعد العمل السري والتحريف العقائدي الذي دعا إليه عبد الله بن سبأ في إشاعة جو من الاضطراب السياسي والعقدي في الأمصار الإسلامية كنوع من الحرب النفسية وتعميق مشاعر الإحباط والهزيمة في كيان الأمة الإسلامية.
والجدير ذكره أن اليهود وجدوا منذ عصر الفتنة التي أعقبت مقتل عثمان مسرحاً لنقل الفكر الباطني إلى الساحة الإسلامية، وكان ذلك بسبب سماحة الفكر الإسلامـي الذي تقبل كل العناصر التي تظاهرت بالإسلام، حتى شاعت في وقت مبكر الأفكار اليهودية التي تدور حول جملة من العقائد تناقض عقيدة الإسلام والتي كان من أهمها عقائد: "الإمامة" و"الوصية" و"الرجعة" و"الغيبة" و"العصمة"، إلى غير ذلك من العقائد الوضعية، والقول بالظاهر والباطن في تناول النصوص.
ومقارنة بسيطة بين عقائد اليهود في القول بالتناسخ، وبين عقائد غلاة الباطنية التي تزعم أن الأموات يرجعون إلى الدنيا للانتقام من أعدائهم توضح أثر اليهود التناسخي على الإمامية في القول بعقيدة الرجعة.
وقد أوضح الشهرستاني هذه العلاقة وذكر أن الإمامية عرفوا التناسخ والرجعة عند اليهود، وقد بنيت فكرة تأليه الأئمة في القول بالعصمة على المعتقد الذي استهدف تقديس علي t بتأثير من عقيدتي الرجعة والغيبة التي تصورهما أسطورة القول بالتناسخ اليهودية والتي تفرعت في اتجاهات ثلاثة:
الأول  : القول بالإمام المعصوم.
والثاني: القول بعقيدة خاتم الأوصياء.
والثالث: القول بعقيدة القداسة الإلهية لعلي t.
وهذه العقائد الثلاث اعتبرت علماً خاصاً يطلق عليه "العلم السري" الذي يعبر عن عقيدة الرجعة عند الإمامية، كنوع من الاعتقاد الخاص الذي لم يشرعه الإسلام، ولم يقل به أحد من المسلمين حتى من تفلسف منهم وتأثرت مقالاته بالأفكار والمبادئ ذات النزعة التجسيمية أو التعطيلية.
ولما كان التراث الفارسي في مجال العقيدة الدينية القديمة قبل ظهور الإسلام يقوم هو الآخر على فكر التناسخ، فإن العمل الباطني وجد المجال مهيئاً أمام العناصر التي اندست في المحيط الإسلامي، وكان أن تشكلت مقومات المذهب الإمامي بحيث يبدأ التناقض مع الإسلام بصدام يعتمد على المقولات العقدية ضد الخطاب العربي عند الأمة العربية باعتبارها منذ ظهور الإسلام العقل الصحيح والترجمان الصريح والأداة الراشدة للتعبير عن دين الإسلام؛ فمثلاً في ظل عقيدة الرجعة تعتقد الإمامية أن أول عمل للغائب أن يبدأ بقتل العرب.
فقد جاء في كتاب "الإرشاد" للشيخ المفيد([172])، و"أعلام الورى" للطبرسي([173])، وكتاب "الغيبة" للنعماني([174]) فيما نسبت وادعت روايات الإمامية إلى أبي جعفر أنه قال: «لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج لأحب أكثرهم ألا يروه مما يقتل من الناس، أما أنه لا يبدأ إلا بقريش فلا يبدؤها إلا بالسيف ولا يعطيها إلا السيف حتى يقول كثير من الناس: هذا ليس من آل محمد، لو كان من آل محمد لرحم».
ويتوسع المفيد والطبرسي فيرويان من هذا المعتقد العدواني صورة أشد وأفظع في العدوان، إذ يرويان فيما تنسب روايات الإمامية عن جعفر معتقداً يقول: «وإذا قام القائم من آل محمد أقام خمسمائة من قريش تضرب أعناقهم، ثم أقام خمسمائة تضرب أعناقهم، يفعل ذلك ست مرات».
وأما الطوسي([175]) في كتاب الغيبة فيروي عن جعفر أنه إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين قريش إلا السجن، وأما الصافي صاحب التفسير العمدة عند الإمامية فيقول: «لو قام قائمنا رد بالحميراء _ يعني أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها - حتى يجلد الحد وينتقم لابنة محمد r».
والعجيب الغريب هو أن ما في اليهودية من معتقدات عنصرية أخذت بها الصهيونية المحدثة، فهو ما يطالع الباحث من سياق المقولات الإمامية معتقداً بعد الآخر، فالمهدي اليهودي الذي تحدثت عنه أسفار العهد القديم وشروحه من التلمود وغيره، بأنه يهدم قصور دمشق حجراً حجراً هو المهدي الرافضي الذي يقتل أمة العرب والمسلمين بدءاً بأصحاب محمد.
والإمام المعصوم في عصر السبي اليهودي، هو الإمام المعصوم في الفكر الإمامي الذي تتدافع عمليات عنفه وعدوانه ضد الأجيال المؤمنة عقب وثوب المذهب إلى السلطة مرتدياً الثوب الثوري ورافعاً الشعار الديني الباطني التحريفي.
واللافت للنظر أن المطلع على كتاب "الأنوار النعمانية"([176]) لواحد من أئمة الروافض سيقف أمام معتقد أسطوري يفسر تلك الظواهر العدوانية الشاذة التي يقول بها الروافض عبر التاريخ، وتعتمد على أصل خرافي أسطوري.
ولا بأس عندهم أن يعبروا عنها حتى في حرم الله في البيت الحرام بالعدوان المسلح، وممارسة العنف ضد المسالمين في بيت الله الحرام، أو برفع الشعارات التي لا تمت للنشاط الديني بصلة.
يروي صاحب "الأنوار النعمانية" هذه الأسطورة التي تدل على حجم التركيبات العقدية المتناقضة في فكر الإمامية، تقول هذه العقيدة المستندة إلى خرافة أسطورية: «إن بقاع الأرض تفاخرت، فافتخرت الكعبة على بقعة كربلاء فأوحى الله عز وجل إليها أن اسكني يا كعبة ولا تفخري على كربلاء فإنها البقعة المباركة التي قال الله فيها لموسى أني أنا الله، وهي موضع المسيح وأمه في وقت ولادته».
ومن مثل هذه المقولة تتشكل معظم جوانب الاعتقاد في القضايا الأساسية عند الإمامية في القديم والحديث. وعندما نقلب صفحات التاريخ المعاصر ما الذي يعثر عليه الباحث من جوانب الاعتقاد الإمامي الذي يشكل ملامح المدرسة الإمامية في العنف والإرهاب وممارسة العدوان ضد حرمات المسلمين، وخاصة منها ما يتعلق بقدسية الحرمين الشريفين وعدم الإلحاد فيهما.
إن ما تناقلته وكالات الأنباء وما صورته الكاميرات من اقتحام أنصار المذهب لبيت الله الحرام وقتل الأبرياء ذات يوم في تاريخ المسلمين المعاصر، لأكبر برهان عما تنطوي عليه عقائد المذهب ضد المسلمين.
أثر اليهودية في المنهج الإمامي
على ضوء نقول وتفاسير المصادر الإمامية ذات الجذر التاريخي في تناول عقائد القوم، تبرز من سمات النقل والوضع والدس علامة بارزة عند تناول النصوص، وهذه السمة هي «التأويل» وهي قاسم مشترك بين كل المصادر الإمامية وهذا التأويل في تناول النصوص الدينية له جذر يهودي عندما اضطروا إليه لتمرير أخطاء العهد القديم امتد فيما بعد إلى معظم العقائد الباطنية، وكان في مقدمتهما: المنهج الإمامي في تناول النصوص الدينية. وأسبابه ودواعيه كما يذكر الدكتور عبد الرحمن بدوي عديدة، لكن من أهمها كما تقوم الشواهد على ذلك:
1-        التحرر من قيد النص المقدس ابتغاء التوفيق بينه وبين الرأي الذي يذهب إليه صاحب التأويل.
2-        التحرر من قيد النص المقدس ابتغاء التوفيق بين ما يفهم من صريح اللفظ وبين ما يقتضيه العقل.
3-    الرغبة في تعميق صريح النص المقدس ابتغاء مزيد من العمق في الآراء التي يحتويها ومن هذه الدواعي يتبين أن ما يلجئ إلى التأويل هو الاضطرار إلى الأخذ بنص يعد مقدساً أو مقيداً، ولولا هذا لما كان ثم أي داع إلى التأويل([177]).
وهذه الدواعي تصدق على كل من قال بالتأويل بالباطن، سواء لدى اليهود أو المسيحيين أو غيرهم، أما حجة الباطنية فإنهم قالوا لكل ظاهر باطن ولكل تنزيل تأويل([178])، فلظواهر القرآن والأخبار بواطن تجري في الظواهر مجرى اللب من القشر، وأنها بصورها توهم عند الجهال الأغبياء صوراً جلية، وهي عند العقلاء والأذكياء رموز وإشارات إلى حقائق معينة وأن من تقاعد عقله عن الغوص على الخفايا والأسرار والبواطن والأغوار، وقنع بظواهرها مسارعاً إلى الاغترار بما كان تحت الأواصر والأغلال، وأرادوا بالأغلال التكليفات الشرعية، فإن من ارتقى إلى علم الباطن انحط عنه التكليف واستراح من أعبائه وهم المرادون بقوله تعالى:{وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}[الأعراف:157].
وربما موهوا بالاستشهاد عليه بقولهم: إن الجهال المنكرين للباطن هم الذين أريدوا بقوله تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد:13] ([179]).
ولقد عرف التأويل الرمزي أو الباطني لدى اليهود وانتقل إليهم من الفلسفة اليونانية. يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي: «انتقل التأويل الرمزي إلى اليهود على يد فيلون اليهودي([180]) في القرن الأول الميلادي الذي يعد من أكبر ممثلي النزعة إلى التأويل في العصر القديم وإن كان قد سبقه في اليهودية كثيرون أولوا الكتب المقدسة في العهد القديم تأويلاً رمزياً، وهو نفسه يشير إليها لكن فيلون ذرف عليهم بأن جعل من التأويل مذهباً قائماً برأسه ومنهجاً في الفهم»([181]).
والذين قالوا بالتأويل قبل فيلون هم «يهود الإسكندرية، إذ كانوا يشرحون التوراة شرحاً رمزيا على غرار شرح الفيثاغوريين والأفلاطونيين والرواقيين لقصص الميثولوجيا وعبادات الأسرار»([182])، وكان هذا هو الطريق الوحيد أمامهم لجعلها مقبولة لدى اليونان، ويوجد في نسخة التوراة السبعينية آثار من هذا الاتجاه الرمزي الذي انتشر بين يهود الإسكندرية([183]).
ولذلك فإن بعض اليهود كانوا لا يقرءون التوراة إلا في هذه الترجمة اليونانية([184]) ومن تأويلاتهم أنهم قالوا عن التوراة التي هي في جملتها تاريخ بني إسرائيل، وما أصابوا من نعم حين كانوا يرعون شريعة الله، وما عانوا من نقمة حين كانوا يعصونها: إنها تمثل قصة النفس مع الله، تدنو النفس من الله بقدر ابتعادها عن الشهوة فتصيب رضاه وتبتعد منه بقدر انصياعها للشهوة، فينزل بها سخطه.
وكانوا يؤولون الفصل الأول من "سفر التكوين" مثلا بأن الله خلق عقلاً خالصاً في عالم المثل هو الإنسان المعقول ثم صنع على مثال هذا العقل عقلا أقرب إلى الأرض «هو آدم» وأعطاه الحس «وهو حواء» معونة ضرورية له فطاوع العقل الحس وانقاد للذة الممثلة بالحية التي وسوست لحواء، فولدت النفس في ذاتها الكبرياء «وهو قابيل» وجمع الشرور وانتفى منها الخير «وهو هابيل» وماتت موتاً خلقياً.
وأولوا عبور البحر الأحمر بأنه رمز لخروج النفس من الحياة الحسية، وسبعة أغصان الشمعدان بأنها رمز للسيارات السبع، وأولوا الحجرين الكريمين اللذين يحملهما الكائن الأكبر بأنهما رمز للشمس والقمر أو لنصفي الكرة الأرضية، والآباء الذين يعود إليهم إبراهيم بأنهم رمز للكواكب([185]).
وأولوا إبراهيم بأنه «التنور» و«العقل»، وزوجته سارة بأنها الفضيلة، والفصح بأنه إما تطهير الروح أو خلق العالم([186]).
أما فيلون فقد اصطنع هذا الضرب من التأويل، غير أنه يقف به عند حد، وإن كان يتابع الفلاسفة أحياناً على خلاف قصد الشريعة([187])، وقد دفعه إلى اتخاذ هذا المذهب «التأويل الرمزي» الحملة التي قام بها المفكرون اليونانيون على ما في التوراة «العهد القديم» من قصص وأساطير ساذجة أو غير معقولة: مثل برج بابل، والحية التي أغرت حواء في الجنة وغيرها، فاضطر فيلون إلى الدفاع عن "التوراة" بتأويل هذه المواضيع الأسطورية وغير المعقولة الواردة في التوراة تأويلا بالباطن، ورأى أن التأويل بالباطن هو روح النص المقدس، وأن التفسير بالمعنى الحرفي هو مجرد جسم هذا النص المقدس للنص سيؤدي حتماً إلى الفكر والإحالة([188]).
ويذكر أميل ابريهيه أن التأويلات التي ذكرها فيلون باعتبارها مأثورة تتناول تقريبا كل الأسفار الخمسة الأولى من الكتاب المقدس، أي التوراة، وأنه بلا ريب مجرد حالة عرضية أن نجد الأكبر عدداً من هذه التآويل يتصل بحياة إبراهيم، ولكن توجد أخرى عن آدم والجنة وعن يوسف وعن الخروج وعن المعجزات وعن صلاة موسى وغير ذلك([189]).
والغرض الأساسي عند فيلون من استعمال التأويل الرمزي ومحاولة تطبيقه على نصوص التوراة هو تحويل أشخاص قصص التوراة إلى رموز يعبر بها عن جوانب الخير والشر في النفس الإنسانية ونزعاتها المختلفة، فقصة بدء الخليقة تمثل عند فيلون رموزاً إيحائية تفسر حالات النفس الإنسانية تفسيراً داخلياً، كما أنها تمثل عنده تقلبات النفس البشرية بين حالات الخير والشر والرذيلة والفضيلة:
فآدم مثال للنفس العارية عن الفضيلة والرذيلة نراه يخرج من هذه الحالة بالإحساس المرموز له «حواء» التي تغريها اللذة والسرور المرموز لهما بالحية، وبهذا تلد النفس العجب المرموز له بـ«قابيل» مع كل ما يتبع ذلك من سوء، ومن ثم نجد الخير المرموز له بـ«هابيل» يخرج من النفس ويبتعد عنها، وأخيراً تفنى النفس الإنسانية في الحياة الأخلاقية ولكن تنمو بذور الخير التي في النفس بسبب الأمل والرجاء المرموز له بـ«أنيوس» والندم المرموز له بـ«إدريس»، ثم ينتهي الأمر بعد ذلك إلى العدالة المرموز له بـ«نوح»، ثم بالجزاء على ذلك وهو التطهير التام المرموز له بـ«الطوفان»([190]). هذا نموذج لشرحه وتفسيره لأشخاص التوراة تفسيراً رمزيّاً، ومن خلال ذلك التأويل نستطيع أن ندرك كيف تحولت الشخصيات الدينية عنده إلى رموز لحالات نفسية معينة([191]).
ويحتمل أيضاً أن يكون التأويل الرمزي قد انتقل أولاً إلى السبئية عن طريق عبد الله بن سبأ فهو يهودي بل من علماء اليهود، ولا يستبعد اطلاعه على حركة التأويل عند اليهود قبل فيلون وبعده. ويؤيد هذا الاحتمال ما قام به ابن سبأ من عرض لأفكار يهودية كالرجعة والوصية واستناده فيهما على التأويل، وجاء من بعده تلميذه ابن حرب ونقل عقيدة الأسباط من الفكر اليهودي وقام بتأويل آيات من القرآن تؤيد دعواه.
وبيان بن سمعان صاحب "البيانية" كان ذا أصل يهودي وقال هو الآخر بالتأويل، وخاصة عند تفسيره لقول الله تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} [آل عمران:138].
واتصل اليهود بالكيسانية اتصالاً وثيقاً، وكان التأويل من الأسس الهامة لدى الكيسانية، والمغيرة بن سعيد العجلي كان على صلة باليهود، وقد قال بالتأويل الذي يسب فيه الصحابة ويلعنهم، وهو ما يبغيه اليهود ويهدفون إليه، ثم ما فعله فيما بعد كما سنراه في الصفحات القادمة غلاة الإمامية يؤكد انتقال التأويل من اليهود إلى الإمامية هو أن مؤسس الباطنية وهي الشجرة التي أثمرت فكر الغلو الإمامي فيما بعد يهودي كما سبق، وقد ذكرناه في كتابنا «العقائد الباطنية وحكم الإسلام فيها».
وقد قال عن هذا المؤسس الحمادي: إنه جعل لكل آية في كتاب الله تفسيرا،ً ولكل حديث عن رسول الله r تأويلاً وزخرف الأقوال وضرب الأمثال وجعل لآي القرآن شكلاً يوازيه ومثلاً يضاهيه»([192]).
وقد استخدم عبد الله بن ميمون التأويل فأدخله إلى الباطنية وتوسع فيه، وكان أبوه ميمون من قبل قد وضع كتابا في التأويل الباطني وأخذ يؤول الآيات القرآنية بما يتفق مع عقيدته في إمامة إسماعيل وابنه محمد وأسبغ عليهما قداسة كبرى([193]) وأضاف ابن ميمون إلى ما فعله أبوه فتطورت العقيدة تطوراً ملحوظاً وأخذ هو يجمع ويلفق بين مختلف الآراء مستعيناً بالتأويل([194]).
التشبيه والتجسيم
جاء في "المعجم الفلسفي" أن «التشبيه هو تصور الآلهة في ذاتها وصفاتها على غرار الإنسان» وأن «المشبهة هم قوم شبهوا الله تعالى بالمخلوقات ومثلوه بالمحدثات([195])».  ويقول الدكتور محمد يوسف موسى: «فكرة التشبيه معناها الذهاب إلى أن بين الله تعالى والإنسان وجوه شبه في الذات أو في الصفات أو في كليهما معا»([196]).
وذكر الدكتور محمد البهي أن التشبيه معناه: "تقريب المعبود من الإنسان وتوثيق أواصر الشبه بينهما، فما يتصوره الإنسان في دائرته يحمله كذلك على معبوده، وما يشرح للإنسان في البيئة الإنسانية يعطى على نحوه للإله"([197]).
وهكذا فإن تشبيه الإله بالمخلوق يجعله مضاهياً له في هيئته وتكوينه، وطبعاً المخلوق جسم فيكون الإله جسماً ويوصف بالجسمية، ولأن المخلوق له حيز لجسمانيته فهم - أي المشبهة- يجسمون الله بشكل معين ويجعلون له مكانا محدداً. فالتجسيم إذن ناتج عن التشبيه وقد يستعملان في صعيد واحد ويؤديان معنى مشتركاً.
وقد بدأ القول بالتشبيه في الإسلام -أو بمعنى أدق في الفكر الإسلامي- على أيدي غلاة الشيعة «إذ إن جماعة منهم صرحوا بالتشبيه»([198]).
ويقول الشهرستاني: «وكان التشبيه بالأصل والوضع في الشيعة([199]) ثم انتقل منهم إلى غيرهم، واعتبره الشهرستاني إحدى بدع الغلاة الأربع المشهورة»([200]).
وقد اعتنقه كثير من الغلاة، وصار هو والتجسيم من عقائدهم الرئيسية بل «كان التجسيم مبدأ مشتركاً بين جميع فرق الغلاة. والعلة في اجتماعهم عليه هو أنهم ركزوا اهتمامهم في الارتفاع بالإنسان مرة حتى يصير إلهاً، والنزول بالإله حتى يصير إنساناً. فعقيدتهم في جدلهم الصاعد والنازل تعتمد على إله وإنسان وكلها تدور حول الارتفاع بهذا الإنسان، فحاجتهم إلى التجسيم أشد من حاجتهم إلى التجريد، فهم لا يستطيعون تجريد المادة الحية السائرة الآكلة الشاربة، وإنما يستطيعون أن يجسموا المجرد لتقريب فكرة تأليه الإنسان»([201]). ومن أجل ذلك «سرت شبهات اليهود والنصارى في أذهان الغلاة، إذ اليهود شبهت الخالق بالخلق، والنصارى شبهت الخلق بالخالق»([202]).
ومعنى هذا أن كلاً من التجسيم والتشبيه قد يؤدي إلى القول بالحلول وهو ما عناه الشهرستاني بقوله «ومن المشبهة من مال إلى مذهب الحلولية، وقال: يجوز أن يظهر الباري تعالى بصورة شخص كما كان جبريل عليه السلام ينزل في صورة أعرابي، وقد تمثل لمريم بشراً سويّاً»([203])، ثم يقول: «والغلاة من الشيعة مذهبهم الحلول، أي أنهم مشبهة وذهبوا إليه نتيجة التشبيه»([204]).
ولذلك فإن البغدادي يرى أن المشبهة صنفان: صنف شبهوا ذات الباري بذات غيره، وصنف آخر شبهوا صفاته بصفات غيره، ثم يذكر أن الأول صادر عن أصناف الغلاة من الروافض ويضع منهم السبئية لقولهم بإلهية علي، والبيانية، والمغيرية، والمنصورية، والخطابية، والمقنعية، والعذاقرة، أي: كل من قال بالحلول يكون مشبها([205]) لأنهم قالوا بحلول الله في أشخاص الأئمة، وعبدوا الأئمة لأجل ذلك، وذكر من المشبهة أيضاً الحلمانية المنسوبة إلى أبي حلمان الدمشقي الذي زعم أن الإله في كل صورة حسنة، وكان يسجد لكل صورة حسنة([206]) اعتقادا منه أنها محل روح الإله، ومثله المقنع بن بابك الخرمي الذي قال عن نفسه إنه كان إلها، وأنه مصور في كل زمان ومكان بصورة مخصوصة([207]).
ومجمل القول أن التشبيه وجد عند الغلاة، بل هم أول من قالوا به وأنه وجد له بين عقائدهم مكانا فسيحا وقد ارتبط بقولهم بالحلول.
ويذكر الرازي أن ظهور التشبيه في الإسلام كان من الروافض وعلى يد «بيان» الذي ادعى لله تعالى الأعضاء والجوارح([208]) بل كان التجسيم عقيدة بيان الرئيسية([209])، وجاء من بعده المغيرة بن سعيد، ووصفه البغدادي بأنه أفرط في التشبيه، ولكن صورة التشبيه قد بلغت إلى حد كبير من الغلظة لدى الهشامية من غلاة الشيعة المنسوبين إلى هشام بن الحكم وتلميذه هشام بن سالم الجواليقي([210]).
ولقد وصفهم الشهرستاني من بين أصناف الغالية في الشيعة، ونعت الأول بأنه صاحب المقالة في التشبيه، وذكر عنه أنه غلا في حق علي فقال إنه إله واجب الطاعة، والثاني بأنه هو الذي نسج على منواله في التشبيه([211]).
أما هشام بن الحكم فانتحل في التوحيد التشبيه بهدف هدم أركان الإسلام، فهدم ركن التوحيد وساوى بين الخالق والمخلوق([212]).
ويذكر الدكتور النشار أن مؤرخي الفكر الإسلامي القدامى أجمعوا على أن هشام بن الحكم هو أول من قال إن الله جسم وأن مقالة التجسيم في الإسلام إنما تنسب إليه فهو أول من أدخلها أو ابتدعها كما نسب إليه التشبيه أيضا([213]).

البداء عند الإمامية
جاء في "لسان العرب": بدا الشيء أي ظهر. والبداء استصواب شيء علم بعد أن لم يعلم، وذلك على الله غير جائز([214]).
وورد في التعريفات أن البداء: ظهور الرأي بعد أن لم يكن، والبدائية هم الذين جوزوا البداء على الله تعالى([215]).
والشهرستاني يذكر أن البداء على الله له معان: البداء في العلم وهو أن يظهر له خلاف ما علم. ويعقب على ذلك بقوله: ولا أظن عاقلا يعتقد هذا الاعتقاد، والبداء في الإرادة وهو أن يظهر له صواب على خلاف ما أراد وحكم. والبداء في الأمر وهو أن يأمر بشيء آخر بعده بخلاف ذلك. ويعلق قائلاً: ومن لم يجوز النسخ ظن أن الأوامر المختلفة في الأوقات المختلفة متناسخة([216]).
والإمام الأشعري يذكر اختلاف الروافض في جواز البداء على الله تعالى على ثلاث مقالات:
1-    فالفرقة الأولى منهم يقولون: إن الله تبدو له البداوات وأنه يريد أن يفعل الشيء في وقت من الأوقات ثم لا يحدثه لما يحدث له من البداء، وأنه إذا أمر بشريعة ثم نسخها فإنما ذلك لأنه بدا له فيها، وإن ما علم أنه يكون ولم يطلع عليه أحداً من خلقه فجائز عليه البداء فيه، وما أطلع عليه عباده فلا يجوز عليه البداء فيه.
2-    والفرقة الثانية منهم يزعمون أنه جائز على الله البداء فيما علم أنه يكون حتى لا يكون، وجوزوا ذلك فيما اطلع عليه عباده وأنه لا يكون كما جوزوه فيما لم يطلع عليه عباده.
3-        والفرقة الثالثة منهم يزعمون أنه لا يجوز على الله عز وجل البداء وينفون ذلك عنه تعالى([217]).
وقول الأشعري يفيد أن الشيعة لا يجمعون على القول بالبداء وإنما يوجد منهم من لا يجوزه، والذين أجازوه هم الغلاة والإمامية، ولكن تفسير الإمامية للبداء يجعله مختلفا تماماً عن البداء الذي يقول به الغلاة.
يقول الشيخ المفيد: "أقول في معنى البداء ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ، وأمثاله من الإفقار بعد الإغناء والإمراض بعد الإعفاء، فأما إطلاق لفظ البداء فإنما صرت إليه بالسمع، ولو لم يرد به سمع أعلم صحته ما استجزت إطلاقه. ولكنه لما جاء السمع به صرت إليه على المعاني التي لا تأباها العقول، وليس بيني وبين المسلمين في هذا الباب خلاف وإنما خالف من خالف اللفظ دون سواه".
ويقرر أن البداء من الله يختص ما كان مشترطاً في التقدير، وليس هو الانتقال من عزيمة إلى عزيمة من تعقيب الرأي، تعالى الله عما يقول المبطلون علوًّا كبيراً([218]).
ويذكر الشيخ محمد رضا المظفر أن البداء في الإنسان هو أن يبدو له رأي في الشيء لم يكن له ذلك الرأي سابقاً بأن يتبدل عزمه في العمل الذي كان يريد أن يصنعه، إذ يحدث عنده ما يغير رأيه وعلمه به، فيبدو له تركه بعد أن كان يريد فعله وذلك عن جهل بالمصالح وندامة على ما سبق منه، ويرى أن البداء بهذا المعنى يستحيل على الله تعالى لأنه من الجهل والنقص، وذلك محال عليه تعالى ولا تقول به الإمامية([219]).
وينقل عن الإمام جعفر الصادق قوله: «من زعم أن الله تعالى بدا له في شيء بداء ندامة، فهو عندنا كافر بالله العظيم» وقوله أيضا: «من زعم أن الله بدا له في شيء ولم يعلمه أمس فأبرأ منه»، غير أنه وردت عن أئمتنا الأطهار روايات توهم القول بصحة البداء بالمعنى المتقدم كما ورد عن الصادق «ع»: «ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني». والصحيح في ذلك أن نقول كما قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد:39]. ومعنى ذلك أنه تعالى قد يظهر شيئاً على لسان نبيه أو وليه في ظاهر الحال لمصلحة تقتضي ذلك الإظهار، ثم يمحوه فيكون غير ما قد ظهر أولاً مع سبق علمه تعالى بذلك، وقريب من البداء في هذا المعنى نسخ أحكام الشرائع السابقة بشريعة نبينا r، بل نسخ بعض الأحكام التي جاء بها نبينا r([220]).
فالبداء عند الشيعة الإثني عشرية منزلة في التكوين كمنزلة النسخ في التشريع، فالله كل يوم هو في شأن، ويمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، ولا يقصد بذلك الانتقال من عزم إلى عزم أو من حال إلى حال، لحصول شيء لم يكن حاصلاً أو لم يكن الله به عالماً، ذلك ما لا يجوز إطلاقه على الله([221]).
ويفسر ذلك الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء حينما يذكر أن البداء هو عبارة عن إظهار الله جل شأنه أمراً يرسم في ألواح المحو والإثبات، ولا يتوهم أن هذا الإخفاء والإبداء يكون من قبيل الإغراء بالجهل وبيان خلاف الواقع، فإن في ذلك حكماً ومصالح تقتصر عنها العقول، وتقف عندها الألباب، وبالجملة فالبداء في عالم التكوين كالنسخ في عالم التشريع([222]).
وبذلك فإن علماء الإمامية "الإثني عشرية" يقولون بالبداء ويرون أنه لا يناقض أزلية علم الله،وإنما هو بمنزلة النسخ في التشريع.
وعموماً فإن الإمامية قد أخذوا القول بالبداء عن الغلاة، وفي ذلك يرى الدكتور كامل مصطفى الشيبي أن البداء عند معتدلي الشيعة من عقائد الغلاة الأولى وأخذها الشيعة المعتدلون وهذبوا حواشيها وقووها بالمنطق والكلام([223]).
والبداء قال به المختار واتبعه الغلاة من بعده، وهو الذي يؤدي إلى القول بتغاير الإرادة الإلهية، فالبدائية من غلاة الشيعة يذهبون مذهب هشام بن الحكم في القول بأن علم الله لا يتعلق إلا بالموجود، وأنه لا يعلم شيئاً حتى يكون.
وهذا القول يستتبع الجهل بالأشياء قبل وقوعها، والأخذ بهذا الرأي يفسح المجال للقول بأن علم الله يتأثر بحدوث أشياء جديدة، وأنه جلَّ جلاله يغير إرادته ثانية([224]) والجهل بالأشياء قبل وقوعها لا يجوز على الله، بل لا يليق في حقه سبحانه ومن ثم فإن هذا الاعتقاد يؤدي إلى الكفر الصريح كما قال المقريزي([225]).
ولذلك فإن البداء اعتبره الشهرستاني من بدع الغلاة الأربعة مع التشبيه والرجعة والتناسخ([226]).
"الرجعة" عند الإمامية
يذكر الدكتور أحمد أمين أن فكرة "الرجعة" تطورت إلى العقيدة الشيعية باختفاء الأئمة، وأن الإمام سيعود فيملأ الأرض عدلاً ومنها نبعت فكرة المهدي المنتظر([227])، وينطبق هذا الكلام أيما انطباق على تصورات الغلاة إذ لا يمكن الفصل بين العقيدتين  عندهم لما بينهما من التلازم، إذ لا تتحقق المهدية بدون رجعة، ولا فائدة في الرجعة دون مهدية.
وقد صدرتا فعلاً عن عبد الله بن سبأ نفسه، وأخرجها مخرجاً أسطورياً خلاباً ظل مناطاً لأخيلة الغلاة وأهوائهم على مر العصور([228]) فهما وجهان لحقيقة واحدة، هي تمسك الأشياع بأهداب العمل المرتقب في غمرة من الهزائم والآلام([229]).
والجدير ذكره أن الكيسانية قد جمعوا بين القول برجعة ابن الحنفية وبين الرجعة العامة، فقولهم برجعة محمد بن الحنفية كان نتيجة انضمام السبئية إلى المختار.
تقول الدكتورة وداد القاضي: لقد تمكنت الكيسانية من التغلب على صدمة وفاة ابن الحنفية عن طريق اللجوء إلى عقيدة السبئية في علي، وهي العقيدة التي تتلخص بعدم الإيمان بموت الإمام، بل اعتقاد حياته رغم ما ظهر للناس من موته واعتبار اختفائه غيبة سيرجع منها([230]).
وأما قولهم بالرجعة العامة فقد قالت فرقة منهم: يرجع الناس في أجسامهم التي كانوا فيها ويرجع محمد r وآله وجميع النبيين فيؤمنون به ويرجع علي بن أبي طالب فيقتل معاوية بن أبي سفيان وآل أبي سفيان، ويهدم دمشق حجراً حجراً ويغرق البصرة([231]).
وإذا علمنا أن أول من قال بالرجعة هو عبد الله بن سبأ، فهو الذي أدخلها في الفكر الشيعي وبدأها في شخص النبي عليه الصلاة والسلام، وكونه يهوديا وقد تثقف بالثقافة اليهودية يؤكد أن مصدر الفكرة مصدر يهودي، وفي ذلك يقرر الدكتور أحمد أمين أن فكرة الرجعة هذه أخذها عبد الله بن سبأ من اليهودية([232]).
عقيدة الوصي
من بين الأفكار التي ألقى بها ابن سبأ في المحيط الشيعي فكرة الوصية. وفرق الغلاة التي تلت ابن سبأ انتفعت بتلك الفكرة وصار كل واحد من الغلاة يدعي أنه وصي أحد الأئمة وأنه خليفته من بعده، فكثرت الوصايا، وزاد بذلك المدعون وأصبحت الوصية بمثابة تسويغ شرعي لغلوهم وانحرافهم.
فمثلا ادعى غلاة الكيسانية أنهم أوصياء لأبي هاشم، وادعى المغيرة وصية الإمام الباقر، كذلك فإن الوصية هي التي نقلت الإمامة من البيت العلوي إلى البيت العباسي، وقد فتحت مجالات واسعة للغلو أطلق عليه «الغلو العباسي»، وساهمت إلى حد كبير في إدخال الأفكار المجوسية.
والجدير ذكره أنه قد تنبه إلى مصدرها قديما كل من النوبختي والقمي، وأورد النوبختي عبارة «عبد الله بن سبأ كان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعثمان والصحابة، وتبرأ منهم، وقال إن علياً عليه السلام أمره بذلك، فأخذه علي فسأله عن قوله هذا فأقر به فأمر بقتله، فصاح الناس إليه: يا أمير المؤمنين أتقتل رجلا يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك، فصيره إلى المدائن. وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي عليه السلام أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى عليا عليه السلام، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى عليه السلام بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة النبي r في علي عليه السلام بمثل ذلك، وهو أول من شهر القول بفرض إمامة علي عليه السلام، وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه»([233]).
ويعقب النوبختي بقوله: «من هناك قال من خالف الشيعة إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية»([234]).
وقول النوبختي يبين أن فكرة الوصية التي نادى بها ابن سبأ كانت موالاة للإمام علي، لكنها كانت من جهة أخرى تعتبر طعناً في الصحابة ونيلاً منهم، وسبباً في إحداث الوقيعة بين المسلمين، ووضع الإمام عليٍّ في موقف حرج تجاه الخلفاء الثلاثة الذين كان يجلهم ويكن لهم كل أكبار.
وكما علمنا فإن الوصية للإمام علي كان من بين بنودها أن عثمان مغتصب للخلافة فهو لم ينفذ وصية الرسول عليه الصلاة والسلام فساهمت بذلك في إحداث الفتنة الكبرى.
وكل ذلك يوحي بروائح الفتنة اليهودية والتآمر اليهودي، وفوق هذا يضع النوبختي أيدينا على المنبع الذي استقى منه ابن سبأ هذه الفكرة، فقال إنه كان يقول في يهوديته بوصية موسى ليوشع عليهما السلام، ونقل هذه الفكرة إلى وصية رسول الله عليه السلام لعلي بن أبي طالب بل إن النوبختي يثبت لنا مدى أهمية يهودية الفكر، فيذكر أن أعداء الشيعة أرجعوا التشيع إلى اليهودية لوجود فكرة الوصية.
وإلى مثل ذلك ذهب الشهرستاني([235])، ويضيف البغدادي إلى أن ابن سبأ ذكر الناس أنه وجد في التوراة أن لكل نبي وصيّاً، وأن علياً t وصي محمد r، وأنه خير الأوصياء كما أن محمداً خير الأنبياء([236]).
    فابن سبأ لم يبتدع تلك الفكرة من خياله، وإنما قرأها ووجدها في "التوراة"، ونقلها من التراث اليهودي إلى الفكر الشيعي.

الخمينية والمذهب الإمامي
استحدث الدستور الذي ابتدعه الخميني نظرية "ولاية الفقيه"، والتي تزعم بأن الفقيه الذي يرمز له بشخصه يتمتع بولاية عامة وسلطة مطلقة على شئون البشر باعتباره «الوصي» على شئون البلاد والعباد في غيبة الإمام المنتظر.
والمادتان الأولى والثانية من الدستور الذي وضعه خميني تنصان على أن: تكون ولاية الأمر والأمة في غيبة الإمام المهدي - عجل الله فرجه- «هكذا»، للفقيه العادل وهذا النص في الدستور الذي ابتدعه الخميني يعد من المبتدعات في المذهب الإمامي على كثرة ما فيه من مبتدعات.
فالقدماء والمحدثون من أئمة المذهب أمثال الكليني والصدوق والمفيد والطبرسي ومرتضى الأنصاري والنائيني لم يتجاوزوا بالفقيه العادل مرتبة «الولاية الخاصة» حيث لا يوجد دليل قطعي مستفاد يدل على وجوب طاعة الفقيه طاعة مطلقة في الأحكام العامة والخاصة، كما أن إثبات الولاية العامة للفقيه ينتهي لا محالة إلى التسوية بينه وبين الإمام المعصوم الذي يقولون به، ومن ثم فمنح الإمام لنفسه الولاية العامة يرفعه إلى مقام الأئمة المعصومين الذين يزعمهم المذهب ويقول بوجودهم.
وعليه فالدستور الذي يرمز إليه بدستور الحكومة الإسلامية يستمد مواده وأفكاره من ذاتية واضعه باعتباره فيما ادعاه لنفسه حجة مطلقة ونائبا للإمام الغائب في الفصل بين الأشياء. والعلماء والباحثون يجدون أنفسهم أمام دعوى للقانون أو النظام يقيم الحكومة الإسلامية على أساس «ثيوقراطي» يستند إلى حق إلهي مفروض يسوي بين الدين والمذهب خاصة فيما ورد في المادة الثانية عشرة.
ومعظم مواد الدستور الإيراني، والذي راجع مواده الخميني مادة مادة، تستند إلى رأي منفرد بذاته هو رأي «الحاكم المتأله» الذي يدعي لآرائه واجتهاداته العصمة واليقين، حيث يقوم الزعم بأن السلطة الروحية للإمام الخميني ومن ثم من يخلفه تعتبر خارج النطاق الإنساني، فقد نص الدستور في المادة السابعة والخمسين على أن «السلطات الحاكمة في جمهورية إيران الإسلامية هي عبارة عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية التي تمارس تحت إشراف ولاية الأمر وإمامة الأمة».
إن هذا الاعتقاد كما هو واضح يسد منافذ الاجتهاد ويصادر حرية الرأي والاستنباط أمام أهل العلم من مجتهدي الأمة. وهذا الاعتقاد في الإمام لا يمكن أن يصدر عن اعتقاد إسلامي صحيح أو مبدأ يعترف به فقهاء المذاهب الإسلامية، ولكنه يرتد إلى أصول فارسية تدور حول ما يسمى «التوقير» أو الطاعة المطلقة والانقياد التام للسلطة السياسية الدينية التي يمثلها تراث فارس السياسي والديني «لكسرى» قبل الإسلام.
ومن دراسة الوقائع المستفادة من قراءة تاريخ الحركات السياسية الهدامة التي ظهرت في بلاد فارس يتبين أنها كانت تعتمد جميعا على دعوى «الولاية الروحية» التي تجعل من قيامها بالإنابة عن المهدي أساساً لبرامجها وخططها للسيطرة على السلطة متخذة من زعم يقول: «إن الولاية فيض دائم أو نبوة مستمرة» لكي تفرض على أنصارها وأتباعها الاستسلام المطلق والطواعية العمياء، وتبلغ التبعية الصارمة لمدعي الولاية الروحية صوراً لا يقبلها دين ولا يقرها عقل، لأنها تبعية قائمة في جوهرها على «التوقير الوثني»، ولذا فإن الواقع الذي تعيشه مجتمعات يسيطر عليها مثل هذا الاعتقاد يمثل حالة من حالات «الفوضوية» المعبرة عن «نزعة طوبائية» تتنكر للواقع وضروراته، ومن ثم تتنكر للإسلام وكل تاريخه وتستبيح في هذه العقيدة أو في ظل هذه الفوضوية هتك الحرمات واغتيال الإنسان والتجاوز على مقدرات الأفراد ومصادرة حقوق الأمة.
إن نظرية ولاية الفقيه المطلقة التي قال بها خميني تنحسر إزاءها إرادة الإنسان وحريته في الاجتهاد والتفكير، وإن الوقائع التي تنكشف كل يوم والتي تنقلها الإذاعات الأجنبية ووكالات الأنباء إنما تشير في محصلتها النهائية إلى حقيقة صارخة ومؤلمة، تلك هي اغتيال الإنسان واغتيال وجوده باسم الإسلام والثورية. والإسلام لا يقر ولا يرضى هذا اللون من القهر السياسي حتى مع خصومه.
إن مما يجب أن تنبه له الأجيال المسلمة في العالم أجمع، أن الأطماع الفارسية التي تعبر عن نفسها بالعدوان والسيطرة والهيمنة ومحاولة ضرب «السيادة العربية» على أرض الأمصار الإسلامية إنما تهدف إلى تمزيق الأمة الإسلامية، ووأد الصحوة التي كانت تباشيرها تؤذن باتجاه مجتمعات عديدة نحو الإسلام عقيدة وشريعة وخطاب عدل وإنصاف، وإن مما يجب أن تنتبه له الأجيال المسلمة أن عقيدة «الولاية الروحية» قد استغلت مثلما كان يحدث عبر أطوار عديدة من التاريخ الوثني لفارس والتاريخ السياسي للإمامية.
وكانت عقيدة الولاية الروحية تجسد دائماً وأبداً الأطماع الفارسية ضد جيرانها، وخاصة عندما كان يتاح لهذه الأطماع شخصية فارسية «متميزة بحب الدم والعدوان» تلبس الصفات الروحية المتوهمة أداة لها ووسيلة ضد جيرانها.
فدراسة حركات الزنادقة والشعوبية والأبي مسلمية والمقنعية والخرمية والصفوية، تقوم دليلاً على أن هذه الحركات ليست من الإسلام في شيء،متخذة من ادعاء النسب العلوي أداة للتغرير بالسذج والبسطاء لتحقيق مآرب الحقد والأطماع العنصرية وإحياء النزعات الشعوبية التي يفيض بها تاريخ فارس القديم والحديث على السواء.
دستور الحكومة الإسلامية
إن دراسة متأنية لمواد دستور الحكومة الإسلامية الإيرانية، تبين أن هذا الدستور ليس إلا محاولة عصرية من محاولات سابقة لأسلاف الخميني من مؤسسي الحركات الهدامة، والمذاهب الباطنية التي تستهدف صياغة أفكار عقدية ونظريات سياسية، تستند إلى الفكر الطائفي لتكريس المذهبية الشعوبية.
إن قراءة نص المادة الثانية عشرة مما يسمى «الدستور الإسلامي لجمهورية إيران الإسلامية» والتي تقول بالحرف: «الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الإثني عشري». يتضح منها، أن هذا الدستور ساقط الاعتبار في ميزان الإسلام فهو ليس دستور دولة إسلامية كما ادعى المشروع، ولكنه الصدى الطبيعي لواقع المذهب الذي يعتبر كل من ليس إمامياً فليس بمسلم.
والنص في الدستور على أن مذهب الدولة هو المذهب الإمامي يؤكد بالقطع على أن الدستور الإيراني الذي وضع بإملاء الخميني ليس لجميع المسلمين حتى في إيران نفسها ولكنه وضع لطائفة عرقية خاصة ومذهب في الاعتقاد معين لا يصح العمل عند الإماميين بغيره كما لا يصح عندهم تجاوزه إلى ما سواه.
إن الواجب في دساتير الأنظمة المسلمة أن تقوم الدولة على الإسلام وحده دون الاعتماد على مذهب معين، فحين يتبنى رئيس دولة حكما من الأحكام فإنما يجب أن يتبناه بناء على قوة الدليل وليس بناء على عامل الوراثة العرقية أو التعصب المذهبي.
ومما يؤكد شعوبية الدستور ومذهبيته الطائفية وعدم تعبيره عن جوهر التشريع الإسلامي هو ما نصت عليه المادة الخامسة عشرة من أن: «اللغة والخط الرسميان للشعب الإيراني هما الفارسية، ويجب أن تكون الوثائق والمكتبات والمتون الرسمية والكتب الدراسية بهذه اللغة والخط».
فإذا علمنا أن الدولة الإسلامية منذ أقيمت في أيام الرسول r والخلفاء لم تستعمل غير اللغة العربية لغة رسمية، حتى أن جميع من أسلم من غير العرب كان يتقن العربية أو يتعلمها، لا لأنها لغة العرب بل على أساس أنها لغة الإسلام.
وهذا يتضح من قراءة نص المادة الخامسة عشرة التي تدل على أن الدستور الإيراني وضع لدولة قومية وليس لدولة إسلامية؛ لأن للإسلام لغة واحدة بحكم أنها لغة القرآن الكريم الذي هو كلام الله تعالى، ولغة السنة النبوية المطهرة التي هي بيان للقرآن فالإسلام واللغة العربية متلازمان أبداً ولا يجوز الفصل بينهما، ناهيك عن إهمال اللغة العربية في مجتمع يدعي الإسلام يهدف من إهمالها القضاء على التراث الإسلامي المدون بها.
ولو كان الدستور الإيراني دستوراً لدولة إسلامية لوجب النص فيه على أن لغة الدولة هي اللغة العربية حتى وإن بقيت الفارسية لغة محلية.
ويزيد الطين بلة القسم الذي يؤديه أعضاء المجالس النيابية في برلمان الثورة الإسلامية المزعومة، فقد ورد في هذا القسم بضرورة أن يقسم النائب بالله القادر المتعال وبالقرآن الكريم وبشرفه الإنساني من أجل العبارة التي جاءت بالحرف في صيغة القسم: «بأن أكون حارساً لمكاسب الثورة الإسلامية للشعب الإيراني»، فأين هذا النص مما ينبغي أن يكون عليه ولاة الأمر حين كان يوجههم الرسول r ويقول: «أنت على ثغرة من ثغور الإسلام فلا يؤتين من قبلك».
إن المستقرئ للدستور الإيراني يتأكد له أنه ليس دستوراً إسلامياً، ولم ينبثق من عقيدة الإسلام. إن نص المادة الثانية عشرة تلزم مجلس الشورى بالتقيد التام بقواعد المذهب الجعفري ولا تجيز له سن أي قانون وفقاً لقواعد أي من المذاهب الإسلامية الأخرى. والعجيب الغريب أن المشرع الإيراني لم يراع أن الشعوب الإيرانية بحكم تنوع قومياتها ومذاهبها الدينية لا تتبع مذهباً واحداً بعينه.
وإلزام الجميع بمذهب واحد هو نوع من الجبر والقهر والسيطرة الطائفية والمذهبية، فإذا ما أضيف إلى ما في المادة الثانية عشرة من نص على الطائفية والمذهبية ما جاء بنصوص المادة الخامسة عشرة التي تشترط في رئيس الجمهورية «أن يكون إيراني الأصل، ويحمل الجنسية الإيرانية مؤمناً ومعتقداً بمبادئ الجمهورية الإسلامية والمذهب الرسمي للدولة»، يتضح لنا أن هذا الدستور ما وضع إلا للمحافظة على النزعة العنصرية والأطماع الإيرانية المتأصلة في نفوس الفرس الذين يحلمون بالهيمنة على مقدرات الشعوب المجاورة ذات يوم باسم الدين الإمامي ونزعته العنصرية.
عقيدة الشيعة في القرآن
عقيدة الشيعة في القرآن، لا بد لمن يتناولها بالعرض أو النقد من أن يرجع إلى أمهات كتب القوم ومراجعهم الأصلية في الحديث والتفسير حتى يكون منصفاً في الحكم، وعادلاً في الاستنتاج، لأنه عليها مدار عقائدهم ومعول خلافاتهم مع الآخرين.
وفي ضوء البحث العلمي والنقد الموضوعي يلزم الباحث المنصف أن ينقل ما يكون ثابتاً عن أئمتهم، في كتب الحديث أو التفسير، وخاصة الكتب القديمة التي روت هذه الروايات بالسند، أو وافق على صحتها أئمة القوم المعصومين على ما يقول به المذهب. ونحن نلزم أنفسنا في هذه القضية أن لا نورد شيئاً إلا ويكون صادراً من واحد من الأئمة الاثني عشر، ومن كتب الشيعة في عصر الأئمة قاطبة عن بكرة أبيهم، ولا أستثني منهم واحداً؛ كانوا يعتقدون أن القرآن محرف ومغير فيه، زيد فيه ونقص منه كثير.
وإذا ما بدأنا من كتاب "الكافي" للكليني، الذي قيل فيه من قبل علماء المذهب: هو أجل الكتب الأربعة الأصول المعتمد عليها، لم يكتب مثله في المنقول عن آل الرسول، لثقة الإسلام محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي المتوفى (سنة328هـ)([237]).
«هو عندهم أجل الكتب الإسلامية، وأعظم المصنفات الإمامية، والذي لم يعمل للإمامية مثله، قال المولى أمين الاسترآبادي في محكى فوائده: سمعنا عن مشايخنا وعلمائنا أنه لم يصنف في الإسلام كتاب يوازيه أو يدانيه»([238]).
وأيضاً «الكافي .. أشرفها وأوثقها، وأتمها وأجمعها لاشتماله في الأصول من بينها، وخلوه من الفضول وشينها»([239]).
وذكر الخوانساري أن المحدث النيسابوري قال في مؤلف "الكافي": «ثقة الإسلام، قدوة الأعلام، والبدر التمام، جامع السنن والآثار في حضور سفراء الإمام عليه أفضل السلام، الشيخ أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي، محيي طريقة أهل البيت على رأس المائة الثالثة، المؤلف لجامع «الكافي» في مدة عشرين سنة، المتوفى قبل الغيبة الكبرى، رضي الله عنه في الآخرة والأولى، وكتابه مستغن عن الإطراء، لأنه كان بمحضر من نوابه عليه السلام، وقد سأله بعض الشيعة من النائية تأليف كتاب «الكافي» لكونه بحضرة من يفاوضه ويذاكره ممن يثق بعلمه، فألف وصنف وشنف، وحكى أنه عرض عليه فقال: كاف لشيعتنا»([240]).
فما الذي يقوله الكليني في "الكافي"؟
يروى عن علي بن الحكم عن هشام بن صالح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إن القرآن الذي جاء به جبرائيل عليه السلام إلى محمد r سبعة عشر ألف آية»([241]). والمعروف والثابت بالنقل والتواتر والحفظ أن القرآن ستة آلاف ومائتان وثلاث وستون آية، ومعنى كلام الكليني في «الكافي» أن ثلثي القرآن راح على أدراج الرياح، والموجود هو الثلث، ولقد صرح بذلك جعفر بن الباقر كما ذكر الكليني في كافيه أيضاً تحت باب «ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة عليها السلام»:
«عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن عبد الله الحجال عن أحمد بن عمر الحلبي، عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: جعلت فداك! إني أسألك عن مسألة، ههنا أحد يسمع كلامي؟ قال: يا أبا محمد! سل عما بدا لك. قال: جعلت فداك! إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله r علم علياً عليه السلام باباً يفتح له منه ألف باب؟ قال: فقال: يا أبا محمد! علم رسول الله r علياً عليه السلام ألف باب يفتح من كل باب ألف باب قال: قلت: هذا والله العلم قال: فنكت ساعة على الأرض ثم قال: إنه لعلم وما هو بذاك([242]). قال: ثم قال: يا أبا محمد! وإن عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة؟ قال: قلت: جعلت فداك، وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله r وإملائه من فلق فيه وخط علي بيمينه، فيها كل حلال وحرام، وكل شيء يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش. وضرب بيده إلي فقال: تأذن لي يا أبا محمد؟ قال: قلت: جعلت فداك! إنما أنا لك فاصنع ما شئت، قال: فغمزني بيده وقال: حتى أرش هذا - كأنه مغضب - قال: قلت: هذا والله العلم قال: إنه لعلم وليس بذاك! ثم سكت ساعة، ثم قال: وإن عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر؟ قال: وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل، قال: قلت: إن هذا هو العلم، قال إنه لعلم وليس بذاك! ثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام، وما يدريهم ما مصحف فاطمة عليها السلام؟ قال: قلت: وما مصحف فاطمة عليها السلام؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد، قال: قلت: هذا والله العلم؛ قال إنه لعلم، وما هو بذاك! ثم سكت ساعة ثم قال: إن عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، قال: قلت: جعلت فداك! هذا والله هو العلم، قال: إنه لعلم وليس بذاك! قال: قلت: جعلت فداك! فأي شيء العلم؟ قال: ما يحدث بالليل والنهار، الأمر من بعد الأمر، والشيء بعد الشيء، إلى يوم القيامة»([243]).
فأي قسم هو الذي حذف؟
يبينه الكليني أيضاً من إمامه المعصوم محمد الباقر - الإمام الخامس عند القوم - حيث يروي: «عن أبي علي العشري عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان عن إسحاق بن عمار عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزل القرآن أربعة أرباع،ربع فينا وربع في عدونا وربع سنن وربع فرائض وأحكام»([244]).
ومثله روى عن علي t حيث أورد الرواية: «عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعاً عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن أبي يحيى، عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: «نزل القران أثلاثاً: ثلث فينا وفي عدونا، وثلث سنن أمثال، وثلث فرائض وأحكام»([245]).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 10- الدكتور محمد عمارة
 
-        ولد في مصر عام 1931م .
-        حاصل على الدكتوراة في الفلسفة الإسلامية سنة 1975 م من جامعة القاهرة.
-        مر بعدة تيارات فكرية بدأت بالماركسية ثم الإعتزال وبعدها أصبح قريب من فكر    جماعة الإخوان المسلمين .
-        له العديد من الكتب والدراسات والمحاضرات .


 الشيعة
[ كتابه "تيارات الفكر الإسلامي" في الصفحات (199- 245) باختصار].
شيعة المرء: أعوانه وأنصاره والموالون لمذهبه. هكذا يدل المصطلح لغوياً، وبشكل عام. أما في إطار الفكر الإسلامي ومذاهبه وتياراته فلقد غلب هذا المصطلح «الشيعة» على الذين شايعوا وناصروا ووالوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «23–40هـ/600 - 661م» والأئمة من بنيه، وأهل بيت الرسول r، على وجه العموم.
ولقد استمرت هذه الدلالة ردحاً من الزمن، ثم تخصص المصطلح أكثر فأكثر عندما تبلورت في الفكر الإسلامي نظرية «النص والوصية»، أي النص على أن الإمام، بعد الرسول، هو علي بن أبي طالب، والوصية من الرسول - بأمر الله هذا - لعلي بالإمامة، وكذلك تسلسل النص والوصية بالإمامة للأئمة من بنيه، على النحو الذي قالت به الشيعة كفرقة من فرق المسلمين. فلم تعد موالاة أهل البيت كافية كي يكون المرء «شيعيّاً»، بل أصبح الاعتقاد «بالنص والوصية» معيار التميز بين الشيعة وغيرهم من فرق الإسلام.
وكما انقسم المسلمون، في البداية، إلى: شيعة، وخوارج، ومعتزلة، ومرجئة، وأهل حديث «سلفية نصوصيين» ..إلخ. فلقد انقسمت الشيعة إلى فرق وجماعات وتيارات، لأنهم وإن اتفق جمهورهم على «النص والوصية» بالإمامة لعلي بن أبي طالب، فلقد اختلفوا في أعيان الأئمة المنصوص عليهم من بنيه.
كما اختلفوا في مدى التطرف أو الاعتدال الذي ذهبوا إليه في موالاة أهل البيت والتشيع لهم، حتى لقد بلغت انقساماتهم قرابة المائة، إذا نحن أدخلنا فيها الفروع. لكن التيارات الرئيسية في الشيعة ظلت هي: الإمامية الإثني عشرية، والزيدية، والإسماعيلية. كما ظلت هذه التيارات الشيعية الثلاثة مستقطبة الكثرة الكاثرة من المتشيعين في عالم الإسلام حتى عصرنا الراهن.
ولما كانت هذه الانقسامات، في تيار التشيع، قد حدثت على الأقل ظاهراً، ومن حيث أسبابها المباشرة في الخلاف حول أعيان الأئمة المنصوص عليهم بعد علي بن أبي طالب، فلقد بدأ التشيع موالاة لأهل البيت، من منطلق أحقيتهم بالإمامة، والانتصار لهم بعد أن ظلموا، ثم أصبح فرقة ذات نظرية متميزة في الفكر السياسي الإسلامي، عندما تبلورت نظرية «النص والوصية».. ثم بدأ طور الانقسام([246]).
التشيع سابق لظهور الشيعة كفرقة
عندما يؤرخ أعلام الشيعة لنشأة فرقتهم يقولون إن تاريخ هذه النشأة يعود إلى تاريخ وفاة الرسول r، عندما اجتمع قادة الأنصار ونفر من المهاجرين في سقيفة بني ساعدة للتداول فيمن يخلف الرسول في الولاية على الدولة، وهو الاجتماع الذي تمخض عن البيعة لأبي بكر «13-51هـ/ 573- 634م» بالخلافة على دولة العرب المسلمين.
إذ يقول مؤرخو الشيعة: إن النفر من الصحابة الذين رفضوا ما تمخض عنه اجتماع السقيفة، وقالوا بأحقية علي بن أبي طالب للخلافة، كانوا هم نواة الشيعة، كفرقة، وطليعة المتشيعين لأهل بيت الرسول .. تجمع على هذا الرأي مصادر الشيعة، وتتفق فيه فرقهم .. ويتفق معهم في ذلك علماء الاستشراق([247]).
بل إن من علماء الشيعة من يذهب إلى أن التشيع والشيعة كفرقة، وبالمعنى الذي يدل عليه المصطلح اليوم، هو الاستمرار لإسلام النبوة المحمدية، وأن من عدا الشيعة من الذين رفضوا «النص والوصية» وقالوا بالشورى، هم طارئون على فكر الإسلام وعالم المسلمين!([248]).
لكن غير الشيعة، والمعتزلة خاصة، ينكرون أن تكون الشيعة قد نشأت كفرقة في ذلك الزمان المبكر، ويؤرخون بعصر الإمام الشيعي جعفر الصادق«80- 148هـ/599 - 765م»، والمفكر الشيعي هشام بن الحكم «المتوفى سنة190هـ، 805م» ظهور الشيعة كفرقة يعني ذكرها ما يعنيه التشيع بالمعنى المتعارف عليه الآن([249]).
والحق أننا إذا قصدنا بالتشيع والشيعة معنى: الميل إلى إمارة علي بن أبي طالب للمؤمنين، والطموح إلى تقديمه وتفضيله على غيره من الصحابة، فإننا سنجد جماعة غير منظمة تجمعها هذه الآراء والأماني منذ أن طرحت قضية الإمارة عقب وفاة الرسول r، ولقد ضمت هذه الجماعة بعضاً من بني هاشم، وكذلك المقداد، وسلمان الفارسي، وأبا ذر الغفاري... الخ. ولقد استمرت هذه الجماعة غير المنظمة، واستمر هواها مع علي وبني هاشم، دون أن يتعدى ذلك نطاق الهوى والأمنيات .. فلقد بايعوا جميعاً للخلفاء الثلاثة الأول، كما بايع لهم علي بن أبي طالب، بعد شهور أبطأها قبل البيعة للصديق .. وتعاونوا جميعاً في مواقع مختلفة، ومع جهاز دولة الخلافة تحت إمرة الخلفاء .. فلم يكونوا لسلطة الخلافة وسلطان الخلفاء رافضين ..
واستمر ذلك إلى أن بويع علي بن أبي طالب بالخلافة، بعد قتل عثمان بن عفان، وقامت الصراعات على السلطة بينه وبين طلحة بن عبيد الله «28 – 36هـ/596– 656م» والزبير بن العوام «28- 36هـ/596-656م» ثم بينه وبين معاوية بن أبي سفيان «20-60هـ/ 603-680م» من جانب، والخوارج من جانب آخر .. وفي تلك الفترة أضحى ممكناً أن يطلق مصطلح «شيعة علي» على أنصاره الذين حاربوا معه ونصروه ضد خصومه .. وهم هنا شيعته، بمعنى أنهم أنصار إمارته للمؤمنين، تلك الأمارة التي اختاروه لها وبايعوه بها، بعد مقتل عثمان بن عفان.
لكن هذا الرباط الفضفاض ليس هو المراد ولا المتبادر إلى الذهن إذا نحن تحدثنا فنياً واصطلاحيّاً عن الشيعة والتشيع، فليس الذي يميز الشيعة عن غيرهم تفضيل علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر وعثمان، ولا الميل إلى نصرته ودوام إمارته للمؤمنين يوم أن تولاها، ذلك أن «مدرسة البغداديين»، من المعتزلة، التي تكونت منذ عهد إمامهم بشر بن المعتمر «المتوفى سنة:201هـ /سنة:825م» قد تميزت عن «مدرسة البصرة» الاعتزالية بتفضيل عليّ على كل الصحابة، ومع ذلك فهم ليسوا شيعة بالمعنى الفني لهذا المصطلح، بل هم أعداء للشيعة، سياسة وفكراً، رغم أنهم قد رضوا أن يتسموا أحيانا باسم «شيعة المعتزلة»! فليس تفضيل علي إذن  هو الذي يميز بين الشيعة وغيرهم من فرق الإسلام، حتى يكون صالحاً كي نؤرخ به نشأتهم الأولى.
أما الأمر الذي يميز الشيعة عن غيرهم فهو عقيدة «النص والوصية»، وإذا كان التأريخ لنشأة فرقة من الفرق لابد وأن يكون بظهور ما يميزها عن غيرها، فلابد أن يكون تاريخ نشأة الشيعة، كفرقة، هو تاريخ تبلور نظريتها في «النص والوصية» بالإمامة لعلي بن أبي طالب والأئمة من بنيه .. ومن هنا كان صواب ما ذهب إليه المعتزلة عندما قالوا: إن عهد إمامة جعفر الصادق للشيعة – وهو الذي نهض فيه هشام بن الحكم بدور واضع القواعد النظرية للتشيع، ومهندس بنائه الفكري - هو الفترة الزمنية التي يؤرخ بها لهذه النشأة.
فالقول «بالوصية» لم يعرف قبل هشام بن الحكم، وهو الذي «ابتدع هذا القول، ثم أخذه عنه» معاصروه ومن أتوا من بعده، مثل «الحداد»، و«أبو عيسى الوراق»، «ابن الراوندي»([250]).
فهذا المذهب، كما يقول القاضي عبد الجبار: قد «حدث قريباً، وإنما كان من قبل يذكر الكلام في التفضيل، ومن هو أولى بالإمامة، وما يجري مجراه.. »([251])، وكما يقول ابن المرتضى - وهو من الشيعة الزيدية - فإن مذهب الرافضة «أي الإمامية الإثني عشرية» قد حدث بعد مضي الصدر الأول، ولم يسمع عن أحد من الصحابة من يذكر أن النص في علي جليّ متواتر، ولا في اثني عشر، كما زعموا..»([252]).
أما قبل هذا التاريخ، تاريخ ظهور عقيدة «النص والوصية» وهي العقيدة الوحيدة التي تميز الشيعة عن غيرهم في الحقيقة وواقع الأمر، فلقد كان هناك من يميل إلى إمامة أبي بكر، ومن ناصر طلحة بن عبيد الله على عهد عمر كي يخلفه، ومن هيأ الأذهان لعثمان بن عفان. وكان هناك أيضاً، كما هو معروف، من كان هواه مع علي بن أبي طالب، يتمنى أن يختاره المسلمون ويبايعوه.
أما قول الشيعة: إن عقيدة النص والوصية قد وجدت قبل زمن هشام بن الحكم وجعفر الصادق، وأن عصر هشام قد أضاف إليها ظهور التصنيف فيها والنصرة لها، ولم ينشئها إنشاء، فإنه قول مردود .. فنحن لا نجد في "نهج البلاغة" للإمام علي، وهو أقدم نص مجموع في التراث الشيعي عن آل بيت الرسول r، أكثر من أنهم أهل علم وبر وتقوى، وأنهم أحق بولاية أمر المسلمين، وأن قريشاً قد استأثرت بهذا الأمر من دونهم، فأبعدوهم عنه حتى ولي علي الخلافة بعد عثمان .. ولا ذكر فيه للنص الإلهي والوصية النبوية لعلي بالخلافة .. كما أننا لا نجد في مواطن الجدل من حول الخلافة - منذ اجتماع السقيفة وحتى عصر هشام بن الحكم من احتج «بالنص والوصية» انتصاراً لعلي بن أبي طالب وتزكية لحقه في إمارة المؤمنين..
كما أننا واجدون - ولذلك دلالته الهامة - أن الأحاديث التي روتها الشيعة عن النص والوصية، وهي التي يضمها كتاب "الكافي" للكليني، وهو أهم مصادرهم وأوثقها عندهم في هذا الباب على الإطلاق؛ إننا واجدون أن أغلب الروايات الشيعية عن النص والوصية ترجع بسندها لتنتهي عند الإمام جعفر الصادق، ووالده الإمام أبو جعفر محمد بن علي «114هـ-732م».
    فأبو جعفر محمد بن علي، وأبو عبد الله جعفر الصادق، وكذلك أبو الحسن علي بن موسى الرضا «153-203هـ/770-818م»، هؤلاء الأئمة الثلاثة إليهم تنسب أغلب الروايات التي رواها الشيعة، في صورة أحاديث عن النص والوصية .. الأمر الذي يوحي بأن عصرهم كان عصر تبلور هذه العقيدة التي ميزت هذه الفرقة عن غيرها، والتي كرست هذا الانقسام في صفوف المسلمين.
وهناك موقف ثالث في التأريخ لنشأة التشيع، غير موقف الشيعة وعلماء الاستشراق، الذي يرجعها إلى يوم السقيفة، وغير موقف المعتزلة الذي يقرنها بنشأة عقيدة «النص والوصية» في عهد هشام بن الحكم، وهذا الموقف الثالث يؤرخ لنشأة التشيع بدعوى عبد الله بن سبأ، التي ظهرت في أواخر عهد عثمان بن عفان، ويعبر المقريزي عن هذا الموقف بقوله: «.. وكان ابتداء التشيع في الإسلام أن رجلاً من اليهود في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان أسلم، فقيل له عبد الله بن سبأ، وعرف بابن السوداء، وصار يتنقل من الحجاز إلى أمصار المسلمين يريد إضلالهم.. »([253]).
وتنسب أغلب مصادر التاريخ والفكر الإسلامي السنية إلى ابن السوداء هذا نشاطاً عظيماً وجهداً خرافياً، فتقول: إنه أتى الحجاز وتقشف، وقام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طلباً للرئاسة، ثم لعب دوراً كبيراً في إيقاع الفتنة بين الصحابة وعثمان بن عفان، وجازت حيلته ومؤامراته على جلة الصحابة وأكابرهم، ثم حرص على قتل عثمان، وحرك الناس في هذا السبيل. وفي خلافة علي بن أبي طالب أفسد المحاولات التي كادت تنجح للصلح، في البصرة بين علي وطلحة والزبير.
ثم جاء دوره في ظهور التشيع عندما جاء إلى الكوفة «يظهر تعظيم علي بما لا يرضاه علي، ويستغوي بذلك من ليست له صحبة ولا فقه في الدين كالبوادي وأهل السواد، ويتحدث بينهم، وربما استقصر عندهم فعل أبي بكر وعمر وعثمان، ويقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم في الفضل. وكان يدعي أن علياً يستخصه ويخرج إليه بأسرار لا يخرج بها إلى غيره، وعلي لا يعلم بذلك... »([254])!.. إلى آخر أوجه النشاط التي تعزى إلى ابن السوداء، والتي يبدو فيها منفذاً لمخطط محكم التدبير، تشرف عليه هيئة سرية تبتغي هدم دولة الإسلام!.
وهناك من الباحثين من هالتهم هذه الصورة، فبحثوا عن شخصية عبد الله بن سبأ هذا وعن نشاطه، وقاد هذا البحث البعض إلى إنكار وجود الشخصية كلية، ورأى أن مؤرخي السنة قد اخترعوها كي يعلقوا في عنقها الأحداث والصراعات والدماء التي سببها الصراع على السلطة، حتى تظل لصحابة رسول الله صورتهم المثلى والمثالية في النفوس! .. كما قاد هذا البحث البعض الآخر إلى التسليم بوجود هذه الشخصية، ولكن مع رفض المبالغة في الدور الذي لعبته في تلك الأحداث([255]).
أما فيما يختص بموضوعنا، موضوع التأريخ لنشأة التشيع، فإن وجود ابن سبأ على فرض التسليم بوجوده وظهور آرائه، سواء على عهد عثمان أو عهد علي، لا يصلح دليلاً على أن التشيع قد ظهر في ذلك التاريخ، فلم تنسب المصادر المعتمدة في التاريخ والفكر الإسلامي إلى ابن سبأ القول بالنص والوصية، بل نسبت إليه فقط القول بتفضيل عليّ على الصحابة، وتقديمه على أبي بكر وعمر وعثمان.. وحتى الشيعة أنفسهم لا يروون عنه شيئاً من ذلك، بل وينكر أغلبهم وجوده.
فدعوى عبد الله بن سبأ، على فرض وجوده ووقوعها، لم يكن من دعوى هشام بن الحكم بسبيل، كما يقول القاضي عبد الجبار، ومن هنا فإن عصره لا يصح أن يتخذ بدءاً لتاريخ ظهور الشيعة والتشيع بالمعنى الفني والاصطلاحي المعروف.
ولما كانت الإمامة عند الشيعة قد أصبحت عقيدة دينية، بل أصلاً من أهم أصول الدين، وقدمت صفتها تلك على صفتها السياسية ... فإننا لا نستطيع أن نرى في الحركات السياسية التي قام بها الشيعة قبل عهد جعفر الصادق دليلاً على وجود فرقة الشيعة بالمعنى الاصطلاحي الدقيق لأن هذه الحركات السياسية لم تقم على أساس قاعدة التشيع الأساسية، وهي الوصية، وإنما قامت على أساس أن الحسن أو الحسين أولى بإمارة المؤمنين من معاوية أو ابنه يزيد، أو على طلب الثأر للحسين تكفيراً عن ذنب خذلان أهل العراق له وقعودهم عن نصرته بعد أن بايعوه واستقدموه.
فبعد أن تنازل الحسن بن علي لمعاوية، على أن يكون له الأمر من بعده، «أي أن يكون وليّاً للعهد»، والخليفة التالي لمعاوية، بعد هذا التنازل أعلن معاوية أن وعده للحسن كان ضرورة حرب حتى تجتمع كلمة الأمة وتضع الحرب أوزارها، وأما وقد اجتمعت الكلمة، وسمي العام عام الجماعة، فلقد أعلن تنصله من وعده، وقال: «إني كنت شرطت شروطاً ووعدت عدات، إرادة لإطفاء نار الحرب، ومداراة لقطع هذه الفتنة، فأما إذ جمع الله لنا الكلمة والألفة، وأمننا من الفرقة، فإن ذلك تحت قدمي!..»([256]).
ويومها جاء إلى الحسن بن علي وفد من أشراف أهل العراق يلومونه على أنه لم يستوثق من معاوية بوعد مكتوب يشهد عليه وجوه أهل المشرق والمغرب .. ثم عرضوا عليه الشروع في حرب معاوية ثانية، فإن معه من شيعته أربعين ألف مقاتل من أهل الكوفة، كلهم يأخذ العطاء، ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم، سوى شيعة الحسن من أهل البصرة والحجاز.
فنحن هنا إزاء شيعة لها جيش منظم، يأخذ العطاء، ويتكلم باسمها سليمان بن صرد «28- 65هـ/595-684م» طالباً من الحسن النهوض لمقاومة معاوية وقتاله.  ومن القدماء من يرى أن هذا الموقف وذلك التاريخ هو بدء ظهور التشيع بمعناه المعروف.
ولكننا نقول: إن هذه الشيعة لم يقم تنظيمها على القاعدة الأولى والأساسية للتشيع، قاعدة «النص والوصية»، ومن ثم فلم يكونوا شيعة بالمعنى المعروف الآن لنا، الذي عرف منذ عصر جعفر وهشام بن الحكم، ولو كان الأمر غير ذلك، لقال سليمان بن صرد يومها للحسن بن علي: إنه ما كان لك أن تتنازل لمعاوية، لأن هذا التنازل مناقض للنص والوصية على إمامتك، ومن ثم فإن هذا التنازل باطل دينياً، وبالأولى سياسياً، فاستغفر لذنبك، وانهض بنا نقاتل معاوية بن أبي سفيان!
لو كانوا شيعة، ولو كانت الشيعة قد ظهرت يومئذ - بمعناها الاصطلاحي الحالي - لقالوا ذلك، ولكن هذا هو منطقهم الفكري .. ولكنهم لم يكونوا كذلك، بل كانوا بقية جيش علي ودولته، الذين بايعوا الحسن، قبل تنازله لمعاوية، فلما تنازل على أن يكون له الإمرة من بعده، استمروا من حوله في انتظار قضاء الله أن يسبق إلى معاوية فتعود الإمرة للحسن، وتعود لهم الحكومة والسلطان.
لقد كانوا - كما يقول أدبنا السياسي الحديث - حكومة الظل التي تعيش بجيشها وفي عاصمتها تنتظر موت معاوية كي تلي أمر الأمة، وفقا للعهد الذي قطعه معاوية للحسن، ومن ثم فلم يكن موقفهم هذا ولا عهدهم ذاك هو موقف الشيعة ولا العهد الذي يؤرخ به ظهور هذه الفرقة بمعناها وفكرها المعروف.
أما عندما بدأ القول بالإمامة، وبدأ التأليف فيها، ورواية الأحاديث والقصص التي تدور حول النص والوصية لعلي وبنيه .. نشأت عقيدة الشيعة التي ميزتهم ولا زالت تميزهم عن الفرق الأخرى، وتكون التنظيم الشيعي الذي اعتنق أهله هذا الاعتقاد.
وابن النديم، وهو يؤرخ لنشأة التأليف، يذكر أن أول من تكلم في مذهب الإمامية: على بن إسماعيل بن ميثم الطيار([257])، صحيح أنه يذكر أن هذا الرجل قد كان من جلة أصحاب علي t، ولكن لم يقل أحد إن عهد علي بن أبي طالب قد شهد التأليف في الإمامة أو غيرها من الفنون ... أما بعد ذلك فلقد كتب علي بن إسماعيل بن ميثم الطيار كطليعة للقائلين بالإمامة والمتكلمين فيه، كتب كتاب "الإمامة"، وكتاب "الاستحقاق". وإذا نحن رجعنا إلى "معجم المؤلفين" فإننا نجده يذكر أن علي بن إسماعيل بن ميثم الطيار كان حيّاً قبل (سنة179هـ/795م)، الأمر الذي يبتعد به عن عهد علي بن أبي طالب!
ويضيف المعجم أن الرجل قد كانت له مجالس مع هشام بن الحكم؟!([258])، ثم جاء دور هشام بن الحكم، الذي - كما يقول ابن النديم: «فتق الكلام في الإمامة، وهذب المذهب والنظر.. وألف فيها: كتاب "الإمامة"، وكتاب "الرد على من قال بإمامة المفضول"، وكتاب "اختلاف الناس في الإمامة"، وكتاب "الوصية والرد على من أنكرها"، وكتاب "الحكمين"، وكتاب "الرد على المعتزلة في طلحة والزبير"([259]).
فللمرة الأولى ترد كلمة "الوصية" في عنوان كتاب هشام بن الحكم .. أما قبل هذا العهد فإن المرء لا يستطيع العثور على أثر لهذه العقيدة، لا في فكر المسلمين الذي أرخ ابن النديم لظهوره وذكر عناوين مصنفاته، ولا في الجدل الذي دار حول السلطة والإمارة، ولا في المواقف العملية لدى أي فريق من الفرقاء. هذا عن التاريخ الحقيقي لنشأة عقيدة «النص والوصية».. أي التاريخ الحقيقي لنشأة التشيع والشيعة، بالمعنى الفني والاصطلاحي المعروف لنا الآن.
نظرية الإمامة الشيعية
ليس ما يميز الشيعة عن غيرها من فرق الإسلام أن لها مذهبا فقهيا متميزا، هو المذهب الجعفري نسبة إلى جعفر الصادق؛ لأن الفقه الإسلامي حافل بالمذاهب، المشهور منها وغير المشهور، ولم يحدث أن أثمر تعدد المذاهب الفقهية انقساما بين المسلمين يوازي أو يداني أو يشابه ذلك الانقسام الحاد الذي قام بين الشيعة وبين بقية المسلمين، بمذاهبهم الفقهية ومدارسهم الكلامية وتياراتهم الفكرية..
كان قول الشيعة بالسلطة الدينية والإمامة الدينية والوصية والنص من الله على الأئمة. فهذا - في رأيهم - هو المتسق مع العدل الإلهي ومع رعاية الخالق للمخلوقين!
وصدوراً من هذا الموقف .. وأيضاً تسليماً بحاجة المجتمع إلى سلطة عُليا، قال الشيعة بضرورة السلطة، أي بوجوب الإمامة، وقالوا إن صلاح الدين والدنيا متوقف عليها، وإن استمرار الرسالة الإلهية مرتبط بوجود الإمام، لأنه هو المعصوم وحده من دون الأمة، فهو المرجع المؤتمن في الدين، وكذلك في الدنيا. ولما كانت الإمامة على هذا النحو، هي ما يقرب الناس من الخير ويبعدهم عن الشر، إذن فهي «لطف» إلهي، كما كانت النبوة كذلك، فهي على النبوة تقاس، وليس - كما قال غيرهم - تقاس على منصب الحكام والولاة. ولهذا وجدنا الإمامة واجبة عند الشيعة وجوباً عقلياً لا شرعياً، ووجوبها على الله سبحانه؛ لأنه هو مصدرها الأوحد، وليس وجوبها على البشر، لأنهم لا شأن لهم بها، فهي أمر من أمور السماء.
وقالت الشيعة: إن الإمامة أصل من أصول الدين، بل من أهم أصوله «فالإيمان لا يتم إلا بالاعتقاد بالإمامة»([260])، وهي مع الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، تُكوِّن فرائض الله الخمس([261]). وهي مع المعرفة بصفات الله، والتصديق بالعدل والحكمة، والتصديق بالنبوة، والتصديق بالمعاد، تُكوِّن قواعد الإيمان والإسلام الخمسة([262]).
وكما بلَّغ الرسول الدين عن ربه، وأشهد الناس على بلاغه، فإن الإمامة كانت مم بلّغ عن ربه من أصول دينه،ومما أشهد الناس على بلاغه إياهم لها، وفي هذا الباب يفسر الشيعة بعض المأثورات تفسيراً يختلف معهم فيه غيرهم، وينفردون هم برواية مأثورات أخرى:
- فهم يستندون إلى «حديث الغدير» في أن الرسول قد أشهد الناس عند «غدير خم»، وهو عائد من حجة الوداع، على أن علي بن أبي طالب هو الإمام من بعده، عندما خطب فقال: «من كنت مولاه فعلي مولاه».. لكن خصومهم ينكرون أن يكون المراد هو الإمامة والسلطة السياسية في المجتمع، لأن الموالاة هي «النصرة» و«المناصرة»، كما تشهد بذلك معاني ومواطن ورود هذا المصطلح في القرآن الكريم، وليست السياسة والسلطة العليا في المجتمع..
- وهم يستدلون على «النص والوصية» من النبي لعلي بن أبي طالب بالإمامة، «بحديث المنزلة»، الذي خاطب فيه النبي عليّاً فقال: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي».. وخصومهم يقولون إن هذا الحديث لا يشهد لهم، لأنه هارون لم تكن من منازله مع موسى الخلافة والإمامة السياسية بعد موسى، فلقد مات قبله، فالخلافة والإمامة هنا غير واردة ولا مرادة.
- كما يستدلون بحديث الدار في بداية الدعوة بمكة، عندما جمع الرسول عشيرته، وفيهم علي - وهو صبي - فقال لهم: «إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم».. لكن خصومهم ينكرون أن تكون الخلافة والإمامة السياسية مرادة. ففي بداية الدعوة لم تكن القضية واردة، بل لم تكن قضية الدولة الإسلامية واردة أصلاً، فلقد كان الوقت مبكراً حتى بالنسبة لوجود الجماعة الإسلامية!..
وذلك فضلاً عن أن جميع هذه الأحاديث وما ماثلها، هي أحاديث آحاد .. وأحاديث الآحاد إن جاز الأخذ بها في الأمور العملية فمن غير الواجب أن تؤسس عليها «العقائد»، خصوصاً إذا كانت عقيدة الإمامة، وهي  على رأي الشيعة من أصول الدين([263])!
وإذا كانت المأثورات التي رواها الشيعة أو فسروها كي تشهد لعقيدتهم في النص والوصية قد جاء أغلبها للنص على إمامة علي بن أبي طالب، فلقد قالوا إنه قد نص على إمامة ابنه الحسن، الذي نص على إمامة أخيه الحسين. وهكذا توالت سلسلة أئمتهم من آل البيت، أبناء فاطمة بنت الرسول. ومن كونهم اثني عشر أخذت هذه الفرقة تمييزاً لها عن غيرها من فرق الشيعة الإماميةاسم: الإثنا عشرية.
وفيما يتعلق بتسلسل الإمامة في ولد علي بن أبي طالب، فإن اختلاف تيارات التشيع حول أعيان الأئمة قد كان سبباً رئيسياً لما أصاب هذا التيار من انقسامات:
أ - فالكيسانية: لم يحصروا الإمامة في أبناء علي من فاطمة، وقالوا إنها انتقلت من علي لابنه محمد ابن الحنفية «21-81هـ/642- 700م».
 ب - والإسماعيلية: قالوا إنها بعد جعفر الصادق لابنه إسماعيل «143هـ/760م» وليس لموسى الكاظم.
ج - والزيدية: قالوا إن الوصية والنص لم يتعد عليّاً والحسن والحسين، وإنه لم يحدد الذات، ذات المنصوص عليه بل كان نصاً على من تجتمع فيه صفات الإمام، وهي قد اجتمعت في هؤلاء، وأن الإمامة بعدهم فيمن تتوافر فيه الشروط من ولد علي، شريطة أن يكون ثائراً خارجاً شاهراً سيفه ضد أئمة الجور والفساد، وأنها لذلك كانت لزيد بن علي «79- 122هـ/ 698-740» ثم لأئمة الزيدية من بعده.
أما الإثنا عشرية فإنهم بعد تحديدهم لسلسة أئمتهم الاثني عشر، قالوا إن إمامهم الثاني عشر: أبو القاسم محمد بن الحسن، قد اختفى اتقاء للهلاك في سرداب بمدينة سامراء بالعراق، وأنه حي لم يمت، ولن يموت حتى يظهر فيقود شيعته لبناء الدولة الإسلامية، مالئاً الأرض عدلاً بعد أن امتلأت بالجور والفساد، وأنه لذلك هو «المهدي» الذي يدعون الله أن يعجل ظهوره ويزيل حرجه ويسهل فرجه .. وهم يعتبرون بقاءه حيّاً هذه القرون من الأمور الجائزة عقلاً، الواجبة بالنصوص المروية عندهم، وأنه في النهاية ليس إلا إحدى المعجزات التي اختص الله بها الأئمة اختصاصه الرسل والأنبياء! لكن اختفاء المهدي وغيبته، وطول هذه الغيبة قد فرضت على الفكر الشيعي ضرورة التلاؤم مع واقع الافتقار إلى الإمام، الذي هو المرجع الأوحد في أمور الدين والدنيا، فتبنى هذا الفكر مبدأ نيابة المجتهد - واحداً كان أو أكثر - عن الإمام، وولاية هذا المجتهد على جمهور الشيعة.
وقالوا: «إنه ليس معنى انتظار هذا المصلح المنقذ المهدي، أن يقف المسلمون مكتوفي الأيدي فيما يعود إلى الحق من دينهم، وما يجب عليهم من نصرته والجهاد في سبيله والأخذ بأحكامه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل المسلم أبداً مكلف بالعمل بما أنزل من الأحكام الشرعية .. والمجتهد الجامع للشرائط هو نائب للإمام عليه السلام في حال غيبته، وهو الحاكم والرئيس المطلق، له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الإمام، والراد على الإمام راد على الله تعالى، وهو- أي الرد على نائب الإمام - على حد الشرك بالله»([264])؟!
وعلى حين قصر بعض مجتهدي الشيعة ولاية المجتهد ونيابته عن الإمام الغائب في أمور الدين والفقه، وجعلوا شئون الثورة والدولة والسياسة مؤجلة حتى يظهر الإمام، فإن مجتهدين آخرين، وخاصة في القرون الأخيرة، قد عمموا استجابة للضرورات، وخاصة بعد تطاول الزمن دون أن يظهر الإمام الغائب؛ قد عمموا ولاية الفقيه المجتهد في كل ما هو للإمام، وقالوا: «إن المجتهد ليس مرجعاً في الفتيا فقط، بل له الولاية العامة، فيرجع إليه في الحكم والفصل والقضاء، وذلك من مختصاته، ولا يجوز لأحد أن يتولاها دونه إلا بإذنه، كما لا تجوز إقامة الحدود والتعزيرات إلا بأمره وحكمه، ويرجع إليه في الأموال، التي هي من حقوق الإمام ومختصاته»([265]).
ويقولون: «إنه إذا نهض بأمر تشكيل الحكومة عالم عادل، فإنه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي r وعلى آله، وهو يملك من أمر الإدارة والرعاية والسياسة للناس ما كان يملكه الرسول وأمير المؤمنين، وواجب أن يسمعوا له ويطيعوا..».
وهم يروون عن أئمتهم حديثاً نبوياً يجعلونه سنداً في عموم ولاية المجتهد والفقيه، يقول فيه الرسول r فيما يرويه علي بن أبي طالب، قال رسول الله r وعلى آله: «اللهم ارحم خلفائي - قالها ثلاث مرات - قيل: يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي، يروون حديثي وسنتي، فيعلمونها الناس من بعدي..»([266]).
هكذا جعلت الشيعة الإمامة أصل الدين، قاستها على النبوة، وحصرت في الإمام أمور الدين والدنيا، ثم تسلسل الإثنا عشرية بأئمتهم حتى الثاني عشر، فلما غاب أحلوا مجتهديهم في النيابة عنه، ومنح تيار منهم هؤلاء المجتهدين سلطان الإمام وسلطاته، فجعلوا لهم الولاية العامة في الدين والدنيا، حتى لقد جعلوا الراد على المجتهد راداً على الإمام، أي: راداً على الله .. أي: مشركاً بالله!. وهم في هذا متسقون تماماً مع العقيدة التي تجعل الإمامة ديناً وأصلاً من أهم أصول الدين!.
ولقد كان واضحاً لدى الشيعة ولدى خصومهم، أنهم يناصبون فكرة «الشورى» في السياسة ونظم الحكم عداءً شديداً، لأنهم يجعلون المرجعية للإمام دون الأمة، وتعيين الإمام لله دون الناس، ويجعلون من عصمة الإمام حاجزاً دون نقده أو مخالفته، حتى لقد جعلوا الرد عليه شركاً بالله .. ولقد كان مفكروهم صرحاء في الاعتراف بذلك، فلم ينفوه أو ينكروه، بل دافعوا عنه وبرروه، عندما قالوا: إن الفرد - غير الإمام - يجوز عليه الخطأ والسهو والنسيان والضلال، والأمة في مجموعها، ليست سوى جمع هؤلاء الأفراد الذين تتكون منهم، فما جاز على الفرد منها يجوز على جميعها ومجموعها، ومن هنا -حتى يحفظ الله دينه- كان لابد من معصوم ثقة حجة قيم، حتى على الدين والقرآن، وهو الإمام...
ووفق عبارة أبي جعفر الطوسي «385- 460هـ/ 995- 1067م» فإن شريعة نبينا لابد لها من حافظ، ولا يخلو الحافظ لها من أن يكون جميع الأمة، أو بعضها، وليس يجوز أن يكون الحافظ لها الأمة، لأن الأمة يجوز عليها السهو والنسيان، وارتكاب الفساد، والعدول عما علمته، وإن ما جاز على آحادها جائز على جميعها، من حيث لم يكن إجماعها أكثر من انضمام آحادها بعضها على بعض، وإذا كانت العصمة مرتفعة من كل واحد على انفراد، فيجب أن تكون مرتفعة عن الكل، فإذن، لابد للشريعة من حافظ معصوم، يؤمن من جهته التغيير والتبديل والسهو، ليتمكن المكلفون من المصير إلى قوله، وهو الإمام([267]).
هذا على حين جعل خصوم الشيعة العصمة للأمة عند اجتماعها، لا للفرد الإمام، وقالوا إن اجتماع الأمة يجعل لفكرها ورأيها وزنا، بل عصمة؛ لأن اجتماعها إنما يمثل حالة كيفية تختلف تماماً عن حال أفرادها إذا نظرنا إليهم فرادى متفرقين، وضربوا الأمثلة على ذلك، فقطرة الماء لا تروي، لكن مجموع القطرات، بما له من الاجتماع يروى. وكذلك لقمة الخبز لا تشبع، لكن مجموعها يشبع، والشعرة الواحدة لا تغني، لكن مجموعها يثمر الحبل المتين.. إلخ. ففرق بين حال الفرد وإجماع المجموع، وليس الإجماع مساويا لعدمه، لأن اجتماع الأمة لا يعني جمع مجموعة من الأصفار!
أما صفات الإمام عند الشيعة، فمنها:
أولاً: صفات يجب أن يتصف بها من حيث كونه إماماً، وذلك مثل كونه معصوماً، وكونه أفضل الخلق على الإطلاق. والفضل هنا فضل في الدين والمرتبة الدينية والدرجة عند الله، بالقياس إلى غير الأئمة من عباد الله.
وثانياً: صفات يجب أن يتصف بها بحكم المهام التي يتولاها، وذلك مثل علمه بالسياسة، وبجميع أحكام الشريعة، وكونه حجة فيها، وكونه أشجع الخلق([268]).
وبسبب من كون الإمامة، عند الشيعة مقيسة على النبوة، فإن صفات الإمام هذه عند الشيعة، تتجاوز مستواها عند البشر العاديين،من جمهور الأمة،عامتهم وخاصتهم، فهو معصوم؛ لأن للإمامة مهام دينية أساسية، فالنبي يبلغ الشريعة، والإمام حافظ لها وحجة لها وفيها، وكما تلزم العصمة للمبلغ في التبليغ وما يتعلق به، كذلك تلزم للحافظ في الحفظ وما يتعلق به.
هذا على حين يرى غير الشيعة أن الإمام ما هو إلا منفذ للأحكام، قائم بمصالح الدنيا، مثله في ذلك مثل الحكام والأمراء والولاة، فعليهم يقاس، وليس قياسه على النبوة والأنبياء، أما الشريعة عندهم فهي محفوظة بالرواية، والرواية موضع ثقة، لأن الأمة التي روت وأجمعت هي المعصومة، وهي التي قال عنها نبيها r: «إنها لا تجتمع على ضلالة».
والعلم كصفة من صفات الإمام عند الشيعة، هو علم غير محدود، وهو لازم للطبيعة الدينية لمهمته، وقبس من السماء يأتيه عن طريق روح القدس، التي تلهمه إلهاما، والتي تقوم بالنسبة له، مقام الوحي بالنسبة للأنبياء، فالسماء تُفَهِّم الإمام وتُحَدّثه وتنكت في أذنه، بواسطة روح القدس فيعلم ما يريد أن يعلمه، بل ويعلمه دون معلم أو تعلم!.. فهو «إذا أراد أن يعلم الشيء أعلمه الله بذلك.. »([269]).
وكما يقول المجتهد الشيعي الإمامي محمد رضا المظفر: «فإن الإمام يتلقى المعارف والأحكام الإلهية وجميع المعلومات من طريق النبي أو الإمام من قبله، وإذا استجد شيء لابد أن يعلمه من طريق الإلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله تعالى فيه، فإن توجه إلى شيء وشاء أن يعلمه على وجهه الحقيقي لا يخطأ فيه..».
إن قوة الإلهام عند الإمام، التي تسمى بالقوة القدسية، تبلغ الكمال في أعلى درجاته، فيكون في صفاء نفسه القدسية على استعداد لتلقي المعلومات في كل وقت وفي كل حالة، فمتى توجه إلى شيء من الأشياء وأراد معرفته استطاع علمه بتلك القوة القدسية الإلهامية بلا توقف، ولا ترتيب مقدمات، ولا تلقين معلم وتنجلي في نفسه المعلومات كما تنجلي المرئيات في المرآة الصافية، لا غبش فيها ولا إبهام.
ويبدو واضحاً هذا الأمر في تاريخ الأئمة، لم يتربوا على أحد، ولم يتعلموا على يد معلم، من مبدأ طفولتهم إلى سن الرشد، حتى القراءة والكتابة، ولم يثبت عن أحدهم أنه دخل الكتاتيب أو تتلمذ على يد أستاذ في شيء من الأشياء،مع ما لهم من منزلة علمية لا تجارى، وما سئلوا عن شيء إلا أجابوا عليه في وقته، ولم تمر على ألسنتهم كلمة: «لا أدري»، ولا تأجيل الجواب إلى المراجعة أو التأمل، أو نحو ذلك!!»([270]).
و«روح القدس»، هذا الذي جعله الشيعة صلة قائمة ودائمة بين السماء وبين الإمام، هو الذي «حمل النبي به النبوة، فإذا قبض النبي انتقل روح القدس فصار للإمام!!»([271]). كما يقول الكليني.
هذه هي صفات الإمام عند الشيعة الذين قاسوا الإمامة على النبوة، فوصفوا الإمام بصفات النبي، بل لعلهم قد بلغوا بالأئمة ما لم يبلغ غيرهم بالأنبياء!
ولقد كان طبيعياً للإمام المعصوم، وهذه هي صفاته وتلك هي قدراته، أن تكون له سلطات لا تعرف الحدود ولا القيود، والشيعة يؤصلون عموم سلطات الإمام وشمول سلطانه بما يضاف في بعض روايات حديث الغدير، من أن وضع النبي، من حيث كونه أولى بالمؤمنين من أنفسهم هو للإمام، فهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فله في الأنفس وفيما لدى الأنفس أكثر وأولى مما لهذه الأنفس ذاتها في ذاتها؟!
وكمثال على ماله في المجتمع من سلطات وسلطان، فإن له عندهم«الملكية» الحقيقية وبعضها «ملكية الرقبة»، فيما لدى الأمة من أموال أقلتها الأرض أو استكنت في باطنها، وما للناس لا يعدو «حق المنفعة» في مقادير مما بأيديهم!
وهم يروون في آثارهم: «أن الدنيا كلها للإمام على وجه الملك، وأنه أولى بها من الذين هي في أيديهم! » وفي الأحاديث التي رووها عن أئمتهم، منسوبة إلى الرسول نقرأ قوله عليه الصلاة والسلام: «خلق الله آدم، وأقطعه الدنيا قطيعة، فما كان لآدم فلرسول الله، وما كان لرسول الله فهو للأئمة من آل محمد».
كما يروون عن الإمام جعفر الصادق قوله: «إن جبريل كرى، أي استحدث خمسة أنهار: الفرات، ودجلة، ونيل مصر، ومهران، ونهر بلخ، فما سقت أو سقي منها فللإمام، والبحر المطيف بالدنيا للإمام! والأرض كلها لنا، فما أخرج الله منها من شيء فهو لنا، وكل ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون حتى يقوم قائمنا - أي المهدي - فيجبيهم طسق «الوظيفة من الخراج» ما كان في أيديهم، وأما ما كان في أيدي غيرهم فإن كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم صفرة! أي يخرجهم جوعى مرة واحدة!.. ».
كما يروون عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي قوله: «إن الأرض كلها لنا، فمن أحيا أرضاً من المسلمين فليعمرها، وليؤد خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها، حتى يظهر القائم من أهل بيتي بالسيف فيحويها ويمنعها، ويخرجهم منها، إلا ما كان في أيدي شيعتنا فإنه يقاطعهم على ما في أيديهم، ويترك الأرض في أيديهم»([272]).
فكل ما في الدنيا هو للإمام، وهذا مثال لما له في الناس، وما لدى الناس، من سلطات وسلطان. وغير الشيعة قد يرون فيما تصف به الشيعة إمامها، وما يقررون له من سلطات الكثير من المغالاة، بل والشطط؛ لكننا نرى كل ذلك طبيعيا ومتسقاً مع رأي الشيعة في القضية الجذرية التي أثمرت الخلاف والتناقض بينهم وبين غيرهم؛ قضية اعتبار الإمامة من أصول الدين، بل من أهم هذه الأصول، وقياسها على النبوة، وليس على الولايات والإمارات، وجعلها امتداداً للنبوة، والقول بأن لها ولصاحبها مهام دينية، اقتضت قيام صلة بينه وبين السماء...إلخ.
فالذين يسلمون بالطبيعة الدينية للإمامة لن يجدوا حرجاً في وصف الإمام بما وصفه به الشيعة، وفي تقرير ما قرروا له من سلطات، بل إن في ذلك كل الاتساق مع القول بالطبيعة الدينية لمنصبه، وإلا فماذا نتصور من صفات وسلطات، لصاحب منصب تتحدث عنه أصول المذهب الشيعي الإثني عشري فتقول: «إن دفع الإمامة كفر، كما أن دفع النبوة كفر، لأن الجهل بهما على حد واحد، لأن منطلق الإمامة هو منطلق النبوة، والهدف الذي لأجله وجبت النبوة هو نفس الهدف الذي من أجله تجب الإمامة، وكما أن النبوة لطف من الله، كذلك الإمامة، واللحظة التي انبثقت بها النبوة هي نفسها اللحظة التي انبثقت بها الإمامة. واستمرت الدعوة ذات لسانين: النبوة، والإمامة، في خط واحد، وامتازت الإمامة على النبوة أنها استمرت بأداء الرسالة بعد انتهاء دور النبوة. إن النبوة لطف خاص، والإمامة لطف عام..»([273])؟؟!!
لقد جعل الشيعة الإمامة ديناً، بل أصلاً من أهم أصول الدين، ورووا في ذلك عن أئمتهم، نصوصاً ومأثورات، ورغم انحيازهم إلى الاجتهاد، وعدم إغلاق بابه عندهم، إلا أن الاجتهاد عندهم كما هو الحال عند غيرهم غير جائز ولا وارد فيما هو من أصول الدين، وما رويت فيه النصوص، بل لقد اعتبروا أن ما يميزهم عن غيرهم هو أنهم قد أخذوا نصوص الدين، فتعبدوا بها، على حين اجتهد فيها الآخرون، ففي رأيهم الاتجاهان الرئيسيان اللذان رافقا الأمة الإسلامية في حياة النبي منذ البدء هما:
أولاً: الاتجاه الذي يؤمن بالتعبد بالدين وتحكيمه، والتسليم المطلق للنص الديني في كل جوانب الحياة..
    وثانياً: الاتجاه الذي لا يرى أن إيمانه بالدين يتطلب منه التعبد إلا في نطاق خاص من العبادات والغيبيات، ويؤمن بإمكانية الاجتهاد، وجواز التصرف على أساسه بالتغيير والتعديل في النص الديني، وفقاً للمصالح في غير ذلك النطاق من مجالات الحياة.. »([274]).
فلقد رأت الشيعة في الإمامة: ديناً، وعبادة، وغيباً ... فتعبدوا بما رووا فيها من نصوص، وما قدموا لبعض النصوص من تفسيرات ربطت هذه النصوص بالإمامة، على حين غيرهم رأى في الإمام: المنفذ للأحكام والقانون، تختاره الأمة لمصالح الدنيا أساساً، فهو القائم على منصب هو «من المصالح العامة المفوضة إلى نظر الخلق»، كما يقول ابن خلدون([275]). فطبيعة السلطة هي الأول والآخر والأساس في هذا الخلاف والانقسام الذي أصاب الإسلام والمسلمين!
الخميني .. ونظرية الإمامة
ليس لدى الخميني والفقهاء المجتهدين الذين زاملوه وتابعوه في الثورة الشيعية الإيرانية الحديثة جديد فيما يتعلق بنظرية الإمامة، فهم شيعة إثنا عشرية تقليديون، يخلو فكرهم من أية نظرة نقدية لتراث الشيعة القائل بالنص والوصية من الله للأئمة الاثني عشر بالإمامة. والخميني يقول: «إن الرسول، وقد استخلفه الله في الأرض ليحكم بين الناس، قد كلمه الله وحياً أن يبلغ ما أنزل إليه فيمن يخلفه في الناس، وبحكم هذا الأمر فقد اتبع ما أمر به، وعين أمير المؤمنين علياً للخلافة([276]) وكان تعيين خليفة من بعده، ينفذ القوانين ويحميها ويعدل بين الناس، عاملاً متمماً ومكملاً لرسالته([277]) ولولا تعيينه الخليفة من بعده لكان غير مبلغ رسالته...»([278]).
بل إن الخميني يذهب في تقديره لمقام الأئمة، ذلك المذهب التقليدي عند الشيعة، والذي يراه كل من عداهم مغرقاً في الغلو لأنه مذهب يفضل فيه أصحابه الأئمة على الرسل والأنبياء!. لأنهم وإن قاسوا الإمامة على النبوة إلا أنهم قالوا: إن النبوة ولاية خاصة لانقضاء زمنها، أما «الإمامة» فهي ولاية عامة، لاستمرار زمنها!
وعن مقام الأئمة، يقول الخميني: «إن ثبوت الولاية والحاكمية للإمام لا تعني تجرده عن منزلته التي هي له عند الله، ولا تجعله مثل من عداه من الحكام؛ فإن للإمام مقاماً محموداً ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون! وإن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل! وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث فإن الرسول الأعظم والأئمة كانوا قبل هذا العالم أنواراً، فجعلهم الله بعرشه محدقين، وجعل لهم من المنزلة والزلفى مالا يعلمه إلى الله!»([279]).
ففي قضية نظرية الإمامة الشيعية، نجد الخميني تقليديّاً محافظاً، ليس لديه تجديد ولا جديد..! لكن الجديد الذي سلط عليه هذا المجتهد المزيد من الأضواء، وبز فيه أقرانه من مجتهدي الإثني عشرية المعاصرين كان هو:
1-        تشخيص الواقع البائس الذي يحيا فيه المسلمون.
2-        وإبراز تناقض هذا الواقع مع الإسلام، نهجاً وفكراً.
3-    والتركيز على عموم ولاية الفقيه، كموقف عملي - مدعم بالفكر النظري - يتجاوز به الشيعة الجمود الذي شل حركتهم الثورية منذ غيبة الإمام الثاني عشر.
في هذه القضايا الثلاث، قبل غيرها، وأكثر من غيرها، تتجسد الإضافات الفكرية للخميني ... تلك الإضافات التي تجسدت في الثورة التي قادها الخميني بإيران!
وبعد نجاح الثورة الشيعية في إيران (سنة 1979م ) تحولت هذه الرؤية إلى فلسفة حكم الدولة الجديدة، وذلك عندما صيغت مواد في «الدستور الإسلامي لجمهورية إيران الإسلامية» الصادر في «24 ذي الحجة سنة1399هـ، 15 نوفمبر سنة 1979م». لقد أقر الدستور وصاية الفقهاء على الأمة، وانفرادهم بالسلطة العليا في الدولة، وهيمنتهم وحدهم على أجهزة القرار والتنفيذ الخاصة بشئون الحكم، سلماً كانت أو حرباً!!
1-    فلآية الله العظمى، الإمام الخميني «ولاية الأمر، وكافة المسئوليات الناشئة عنها..»، إذ هو «القائد»، وفي حالة غيابه يتكون مجلس القيادة من ثلاثة أو خمسة من الفقهاء المجتهدين «المراجع»([280]).
2-        والمحافظة على الدستور يتولاها مجلس من الفقهاء يعينهم الإمام الوصي.
3-    وللإمام الوصي سلطات: تعيين رأس الجهاز القضائي، والقيادة العامة للقوات المسلحة، بحيث يكون من حقه وحده التعيين والعزل لرئيس أركان الجيش، والقائد العام لحرس الثورة، وتشكيل مجلس الدفاع الوطني الأعلى، وتعيين وعزل قادة القوات الثلاث بالجيش، وإعلان الحرب والسلم، والتعبئة العسكرية، واعتماد نتيجة انتخاب رئيس الجمهورية، وحق عزله، وتقرير صلاحية المرشحين لمنصبه([281]).
4-    كما يكرس الدستور فكرة الإثني عشرية في الإمامة - رغم تعدد المذاهب في إيران - فينص على أنه «ينطلق من قاعدة ولاية الأمر، والإمامة المستمرة..»([282]). كما ينص على أن الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الإثني عشري. وهذه المادة: «المادة الثانية عشرة» غير قابلة للتغيير إلى الأبد؟!!
أما المذاهب الإسلامية الأخرى: حنفية، أو شافعية، ومالكية، وحنبلية، وزيدية، فإنه يقرر لها الحرية في العبادة والأحوال الشخصية وفق فقهها([283]) .. مثلها في ذلك مثل الأقليات الدينية غير الإسلامية، من زرادشت، ويهود، ومسيحيين([284])!
وهكذا نهج الدستور نفس النهج الذي حدده الخميني في كتاب «الحكومة الإسلامية» فوضعت ثورة الإسلام، التي اتفق عليها أغلب المسلمين بيد أداة لم يقل بها غير الشيعة من المسلمين! ثم لاحت في الممارسة بوادر تنبئ عن أن الانحياز ليس فقط للفكر الإثني عشري، دون غيره من المذاهب الإسلامية الأخرى، وإنما أيضا للعنصر الفارسي، دون الأقليات القومية الإيرانية الأخرى! حتى ليحق للمرء أن يتساءل: أهي الثورة الإسلامية في إيران؟ أم أنها الثورة الشيعية الفارسية الإسلامية في إيران؟!!
ونحن إذا شئنا أن نوجز الصياغة النظرية الشيعية لما يعنيه: «عموم ولاية الفقيه» استطعنا أن نقول: إن الفكر الشيعي يجعل للرسول كل ما لله في سياسة المجتمع وعقيدة أهله، وبعد الرسول أصبح كل ما له للإمام، وبعد غيبة الإمام فإن كل ما للإمام - الذي هو كل ما لله وللرسول - هو للفقيه!، وذلك باستثناء أمرين اثنين:
أحدهما: أن للإمام مقاماً عند الله لا يبلغه فقيه؛ بل ولا نبي ولا رسول!
وثانيهما: أن ولاية الإمام تكوينية، يخضع لها كل أحد وكل شيء، بما في ذلك جميع ذرات الكون؟! أما ولاية الفقيه فإن عمومها محدود «بالمقلدين» لهذا الفقيه، أي أن أقرانه من الفقهاء المجتهدين لا يلزمهم الخضوع له، لأنه مجتهد وهم مجتهدون، وله ولاية عامة وحاكمية، ولهم مثله عموم الولاية وسلطان الحاكمية([285])!..
لكن لابد للمرء من أن يتساءل: أيهما أقدر على الاقتراب من تحقيق هذه المهام:
- حكومة الفقهاء التي يستأثر فيها الفقهاء بالحكم دون الأمة، بدعوى نيابتهم عن الله، وبزعم أن فقههم هو القانون الإلهي؟!.
وإذا كانت ولاية الفقيه - كما حددها الخميني - هي الحكومة الإسلامية، وإذا كانت ولاية هذا الفقيه، أي حاكميته وحكومته، لا يخضع لها الفقهاء المجتهدون الآخرون بالضرورة «لأن الفقهاء في الولاية متساوون من ناحية الأهلية»([286])، بحكم أن لكل منهم سلطات الإمام، أي الرسول، أي الله، إذا كان الأمر كذلك، فمن الذي يعصم الأمة والمجتمع من تعدد الولايات، أي الحكومات، بتعدد الفقهاء المجتهدين - إن لم يكن اليوم فغداً - ولكل منهم رسالة في الفقه، هي القانون، ولكل منهم مقلدون، أي رعية وشعب؟!
ومن الذي سيحمي حكومة الفقهاء هذه من العزلة عمن عدا الشيعة الإثني عشرية داخل إيران، بحكم انحيازها المذهبي، كرد فعل لهذا الانحياز، ومن ثم - ومن باب أولى - العزلة عن جمهور الأمة الإسلامية، الأمر الذي يتركها فريسة سهلة لأعدائها الخارجيين؟ أو في أحسن الظروف فريسة لخصومها الداخليين؟ الأمر الذي يجعلها تأكل ذاتها، بعد أكلها لخصومها في المذهب والقومية، أو صراعها المنهك وإياهم! وما الضمان لتلافي مخاطر أن يصبح هؤلاء الفقهاء سائرين على درب الذين يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين بالفكر المذهبي، الضارب حولهم بسور من العزلة ليس له باب؟!
هذا فضلاً عما تؤدي إليه حكومة الفقهاء الدينية، التي تسلب الأمة حقها في الحكم والتقنين السلطة والسيادة، من العودة بالأمة إلى العزل السياسي الجماعي؟! فكأنها لم تتمرد ولم تثر ولم تقدم عالي التضحيات إلا لتستبدل «الفاشية» الدينية، بالفاشية البشرية الشاهنشاهية! لأن الأمر في الواقع وفي النهاية، سيعني سلطة موضوعة بيد إنسان، وذلك بصرف النظر عن دعوى هذا الإنسان أن مصدر سلطانه هو السماء؟ أم الدم الأزرق؟ أم الامتياز المالي؟ أم القوى العسكرية؟ أم كل هذه المصادر والأسباب! فهل هذا السبيل - سبيل حكومة الفقهاء الدينية - هو الذي يقترب بنا من تحقيق وتطبيق الإسلام الثوري والمجاهد؟!
- أم حكومة الشعب .. التي تحكم به، وله، ونيابة عنه، والتي لا تقيم «فاشية» مستبدة تحت ستار من قداسة الدين؟! والتي تتيح «لعود الأمة السياسي» أن ينمو ويشتد من خلال مناخ للحرية تزدهر فيه ملكات المعارضة والنقد والتفكير؟!
إن نقد السلطة الدينية، بمقاييس أصحابها كفر أو حرام؛ لأنه خطيئة دينية وجرم في حق الله؟! والشيعة يقولون: إن الراد على الفقيه راد على الله! أما نقد السلطة المدنية الإسلامية، فهو أمر مشروع، يأتي في إطار الخطأ والصواب، والنافع والضار.
فأي السبيلين يتيح للأمة أن تعوض ما فاتها في عهود الكبت والقهر والاستبداد؟؟! وأيهما يعين الأمة على أن تطبق في واقعها الإسلام الثوري، وتواصل الحراسة والرعاية والتطوير لهذا التطبيق؟؟! نعتقد أن حكومة الفقهاء الدينية هي: طريق غير مأمون إلى هدف نبيل وعظيم! وتلك هي الثغرة العظمى التي من الممكن أن تصبح المقبرة لهذا الهدف النبيل والعظيم!!
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
11- الأستاذ محمد كرد علي
 
 
-       ولد في دمشق عام 1876 وعاش فيها. أصله من أكراد السليمانية، وتوفي عام 1952م .
-       كان واسع الإطلاع ، وأسس الكثير من الصحف والمجلات في دمشق والقاهرة .
-        أسس ورأس المجمع العلمي بدمشق .
-        له العديد من الكتب القيمة .
 


الشيعة
[كتب هذا المبحث الأستاذ الرئيس محمد كرد علي رئيس المجمع العلمي بدمشق وذلك في "مذكراته" (3/740)].
لي في جبل عامل صديقان جمعتنا رابطة العلم والأدب منذ ريعان الشباب ولم يفرق بيننا المذهب واختلاف المنشأ والعادة، وكانا يصدقانني رأيهما فيما أكتب في الشيعة أحياناً في بعض كتبي ويوردان لي أشياء ليس لها ما يؤيدها في دولة إيران الشيعية اليوم ولا في أكثر كتب الشيعة المعتمدة عندهم. يبرئان الشيعة الإمامية من وصمات اتسم بها بعض فرقهم. عنيت بهذين الصديقين العالمين الأديبين الشيخ أحمد رضا والشيخ سليمان ظاهر.
وهاكم رأيهما المخالف لرأيي في أمهات المسائل التي يشمئز منها أهل السنة كمسائل الشيخين، ومسائل علي ومعاوية، وقذف أمهات المؤمنين وغيرها مما خالفت فيه الإمامية أهل السنة.
قال الشيخ أحمد: «قد نحوت في كتبك منحى الإشادة بفضائل الأمويين ولم تتعرض لمساوئهم بل نحوت إلى تبرئة معاوية من سن لعن علي على المنابر فقلت: ويقول من أمعنوا في درس تاريخ معاوية أن دعوى سنة لعن علي عقبى كل خطبة لم يقم عليها دليل ثابت يركن إليه وما من أثر يدل على أن هذا اللعن تقدم مروان بن الحكم وبذلك يبرأ معاوية من هذه الوصمة.
تميل إلى تبرئته بهذا الخبر المفرد تاركاً الأخبار التي ملأت كتب التاريخ وبلغت حد التواتر من أنه هو أول من سن اللعن وفرضه فرضاً على أهل مملكته.
ربما كنت تريد بهذا تأييد مجدٍ لملك عربي من أعظم رجال السياسة في الإسلام لتؤيد به مجد العروبة ضد الشعوبية، ولكن ما بالك تكثر من الحط في شيعة علي وهم ومن يستندون إليه في مذهبهم عرب أقحاح، تبرئ معاوية من لعن علي وتلصق بهم لعن الشيخين، بل تجعله من أركان مذهبهم استناداً على كتاب وقع في يدك مجهول المؤلف لا يعرفه أكثر أبناء الشيعة، بل هو من غلاة العجم الذين أغرقوا في تشيعهم كما كانوا قبل في تسننهم لأنهم لا يعرفون الاعتدال.
وإذا كان في غلاة الشيعة من يقول مثل هذا القول فكيف تقذفهم كلهم بهذه التهمة، وما بالك تقرفهم بقذف أمهات المؤمنين ولم يقل بذلك قائل منهم حتى من غلاتهم؛ لأنهم بتطهيرهم أمهات المؤمنين إنما يطهرون حرمة رسول الله الذي يقدسونه ويعصمونه عن كل ما يشينه حتى من كل ما ينافي المروءة وعن المعاصي كبيرها وصغيرها قبل النبوة وبعدها، بل هم ينزهون زوجات الأنبياء كامرأة لوط وامرأة نوح عن مثل هذه الوصمات وإن كن مشركات ومع ذلك يتهمون بغياً وإفكاً بقذف أم المؤمنين التي طهرها النص الصريح في القرآن الكريم من الإفك، وهاأنت تذكره يا سيدي في كتبك دون أن تشك فيه ثم تنشره على الملأ العربي كحقيقة مسلمة!!
وأنت تعلم أن في الفرق الإسلامية من يحب الشيخين ويسب الصهرين ولم تتعرض لتشهيرهم كما تعرضت للشيعة فلم ولماذا؟ لأنك تأثرت بأقوال من يرمي الشيعة بكل شنيعة تبعاً لسياسة وقتهم أو لأهوائهم عن حسن ظن بهم، ولم تلتفت إلى تمحيص ما قالوا بسماعك دفاع المتهم عن نفسه إذا نظرت في كتبه المبعثرة.
إن التنازع السياسي القديم الذي أدى إلى هذا التناحر الطائفي الذي جرته سياسة القرون الوسطى هو الذي أسس في نفوس كثير من علماء الطائفتين كره إحداهما الأخرى وكثر الافتئات والافتراء من إحداهما على الأخرى، ودارت رحى الجدل دوراناً كان ثفالها مجد الأمة وعزها، فوهنت قوتها واستباح حماها الأعداء من كل جانب وانتقصت بلاد المسلمين من أطرافها وضاع استقلالها».
وقال الشيخ سليمان معلقاً على قولي: «قلت: ولشيعية المسعودي مدخل كبير في آرائه؛ لأن من جوزوا الكذب على مخالفيهم وغلوا في حب الطالبيين حتى جعلوهم فوق البشر، وزعموا لهم الكمال المطلق وأن المعاصي حلال لهم حرام على غيرهم لا يؤتمنون على التاريخ.. إلخ
ولا أراك وقد نفذ السهم واندفعت بهذا التعبير بعامل العاطفة، وجرى قلمك بما جرى إلا وأنت راجع إلى وازع لبك نادم على ما فرط، عالم وما طرق العلم عليك ببعيدة بما يعتقده الإمامية من الشيعة والشيعة فرق كثيرة ومنهم كثير من الغلاة، ما لا يخالف روح الإسلام.
حاش الإمامية أن يجوزوا الكذب على مخالفيهم والكذب حرام بإجماع المسلمين، وحاش أن تعتقد فيهم الخروج منه وهم من أحرصهم على تمحيص الحديث والأخبار، وكتبهم في الرجال وفي علم الدراية وما انطوى عليه من تنويع الأخبار وتخصيص أسماء المطعون فيهم بالذكر في كتب الرجال كل ذلك من متناول الباحث!!
والإمامية لا يعتقدون الكمال المطلق لأئمتهم ولا لأحد من النبيين والمرسلين وهو لله وحده، ولا يرونهم فوق البشر وهم معتقدون أن النبي وهو أفضل الخلق ما كان إلا بشراً رسولاً، ولا كانوا من الغلاة وهم يبرءون منهم، ومثل ذلك براءتهم من أن المعاصي حلال لهم حرام على غيرهم وهم يعتقدون كإخوانهم أهل السنة والجماعة أن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة، وأن اعتقاد مثل ذلك خروج على الإسلام ومعتقده كافر بالإجماع!
وهل للأستاذ حرسه الله أن يدلنا على مصدر من مصادر الإمامية يؤيد دعواه هذه التي نبرأ إلى الله منها؟ وهل من يعتقد عصمة الإمام عن ارتكاب صغائر الذنوب وكبائرها لتسكن النفوس إلى أدائه رسالة الإسلام حق أدائها، يعتقد أن له أن يغير ويبدل أحكام الله، فيصير الحرام حلالاً والحلال حراماً؟!
إن المسلمين سنيهم وشيعيهم عنوا أكمل عناية بضبط الحديث وتنويعه وبتراجم رجاله وبتعديل العدل وتوثيق الثقة وتجريح المجروح، وما إلى ذلك مما يتعلق بالأحكام، ولكنهم تساهلوا فيما يرجع إلى المناقب والمثالب والأخبار، وكان من أثر هذا التساهل ما لم يسلم من الوضع، والوضاعون كثر سواء أكانوا من بعض فرقهم والغلاة منهم خاصة، أم من الدساسين من الأعداء لإلقاء بذور الفتنة والفرقة بين صفوف المسلمين وهو ما ندعو إلى ملافاة خطره محدثي الفريقين لتمحيصه.
وفي اعتقادي أن التوفر على أداء هذه المهمة هو من أوصل الطرق إلى التقارب بين أبناء المذاهب الإسلامية الذي يعمل له رهط صالح من خيار المسلمين السنة والشيعة الإمامية والزيدية في دار الإسلام "مصر العزيزة. وإني لأناشدك الله والإسلام، وهو على مفترق الطرق وفي زمن أحوج فيه من كل زمان إلى الألفة والوئام؛ أن تكون في الصف الأول ممن يدعو إليهما ويمهد السبيل لإزاحة كل ما يعترض سيرهما القويم».
هذه نبذ من كتابين للصديقين العزيزين، وأنا أقول: حبذا لو كان الشيعة كلهم على هذا الاعتدال!
وقال صديقنا السيد محسن الأمين من أكبر مجتهديهم في هذا العصر: «وعمدة ما ينقمه غير الشيعة عليهم دعوى القدح في السلف أو أحد ممن يطلق عليه اسم الصحابي، والشيعة يقولون إن احترام أصحاب نبينا صلى الله عليه وآله وسلم من احترام نبينا، فنحن نحترمهم جميعاً لاحترامه وذلك لا يمنعنا من القول بتفاوت درجاتهم، وأن علياً عليه السلام أحق بالخلافة من جميعهم».
وقال: «إن ما يخالف فيه الشيعة غيرهم هو من الأمور الاجتهادية التي يجوز فيها الخطأ، وليست من ضروريات الدين ولا من أركان الإسلام، مثل مسألة الإمامة ورؤية الباري تعالى يوم القيامة، وأن العباد مجبورون على أفعالهم، وإنكار الحسن والقبيح العقليين، وخلق القرآن، وأن صفات الله غير ذاته؛ وهذه هي عمدة المسائل المختلف فيها بين الأشاعرة والشيعة والمعتزلة، ويجوز أن يكون الحق فيها مع الشيعة أو المعتزلة إذ للنظر والرأي والاجتهاد فيها مجال ولا يجوز فيها التقليد».
وقال مخاطباً الشيعة: «وأنتم أيها الإخوان الشيعيون! عليكم أن تعملوا بما أمركم به إمامكم إمام أهل البيت جعفر بن محمد الصادق من التحبب إلى إخوانكم أهل السنة؛ من زيارتهم والصلاة في جماعاتهم، وتشييع جنائزهم، وعيادة مرضاهم، وتجنب كل ما يوغر صدورهم».
يقول ابن حزم في "الاحكام": «إن الروافض ضلت بتركها الظاهر والقول بالهوى بغير علم ولا هدى من الله عز وجل ولا سلطان ولا برهان، فقالت: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة:67]، إن هذا ليس على ظاهره ولم يرد الله تعالى بقرة قط، إنما هي عائشة، وقالوا: الجبت والطاغوت ليسا على ظاهرهما، إنما هما أبو بكر وعمر. وقالوا: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل:68]، ليس هذا على ظاهره، إنما النحل بنو هاشم، والذي يخرج من بطونها هو العلم».
قال العلامة موسى جار الله كبير علماء روسيا وشيخ الإسلام فيها: «وفي "الكافي" و"التهذيب" و"الوافي" من كتب الشيعة لعنات على أبي بكر وعمر وعائشة وحفصة وعلى العامة "أهل السنة والجماعة" وهم كل الأمة، وللشيعة أدعية مأثورة في لعن الصحابة. ونقل عن "الوافي" أن الإمام لم يدع أحداً ممن يجب أن يلعن إلا لعنه وسماه، وأول ما بدأ بأبي بكر وعمر وعثمان (!!) ثم مر على الجماعة ولعن الكل، وللباقر والصادق دبر كل صلاة مكتوبة أوراد لعنات على أربعة من الرجال منهم أبو بكر وعمر وأربع نساء منهن عائشة وحفصة».
«وتقول الشيعة إن الناصب حرب لنا وماله غنيمة لنا والناصب عندهم من يعتقد بإمامة الصديق والفاروق. يقول الصادق: «خذ مال الناصب حيث وجدته وادفع إلينا خمسه».
والشيعة على ما في كتبهم يكفرون جميع الفرق الإسلامية ويقول الإمام في أئمة المذاهب الأربعة: لا تأتهم ولا تسمع منهم لعنهم الله ولعن مللهم المشركة! وكل آية نزلت في الكفار أرجعتها الشيعة إلى الصديق والفاروق ومن اتبعهما».
قال جار الله: «وأول شيء سمعته وأكره شيء أنكرته في بلاد الشيعة هو لعن الصديق والفاروق وأمهات المؤمنين السيدة عائشة والسيدة حفصة، ولعن العصر الأول كافة في كل خطبة وفي كل حفلة ومجلس في البدء والنهاية، وفي ديابيج الكتب والرسائل وفي أدعية الزيارات كلها؛ حتى في الأسقية ما كان يسقى ساق إلا ويلعن وما كان يشرب شارب إلا ويلعن، وأول كل حركة وكل عمل هو الصلاة على محمد وآل محمد ولعن الصديق والفاروق وعثمان الذين غصبوا حق أهل البيت وظلموهم».
قال: «قلما تقام جمعة أو جماعة في بلاد الشيعة، وليس فيها قارئ للقرآن ولا حافظ له، وأن الشيعة من يعتقدون أن القرآن سقطت منه أشياء. اهـ».
قلنا: ومن الأسف أن يصير التشيع إلى ما صار إليه عند المتأخرين وقد أتى أكثره من سخافات الدولة الفاطمية والبويهية والصفوية ومن دول الهند العادلشاهية والنظامشاهية والقطبشاهيه. وكان في دمشق على عهد الدولة الفاطمية يطاف على الرجل وهو على الحمار وينادى عليه هذا جزاء من يحب أبا بكر عمر، ومنعت الدولة من التكني بأبي بكر.
سمع أبو القاسم ابن برهان يقول: دخلت على الشريف المرتضى أبي القاسم العلوي في مرضه الذي توفي فيه، فإذا هو قد حوّل وجهه إليّ فسمعته يقول: أبو بكر وعمر وليا فعدلا، واسترحما فرحما.
ودخل عليه بعض أكابر الدولة من الديلم فساره الديلمي بشيء، فقال له متضجراً: نعم. وأخذ معه في كلام كأنه مدافعة، فنهض الديلمي فقال المرتضى بعد نهوضه: أهؤلاء يريدون منا أن نزيل الجبال بالريش، وأقبل على من في مجلسه فقال: أتدرون ما قال هذا الديلمي؟ فقالوا: لا يا سيدي! فقال: قال: بين لي هل صح إسلام أبي بكر وعمر؟ قلت: رضي الله عنها.
هذا رأي عظيم من أكبر عظماء الشيعة في أبي بكر وعمر.
وقال العلامة آل كاشف الغطاء من المتأخرين في كتابه أصل الشيعة وأصولها: «إن علياً رأى الرجل الذي تخلف على المسلمين "أي أبا بكر" قد نصح للإسلام وصار يبذل جهده في قوته وإعزازه وبسط رايته على البسيطة، وقال: إن علياً حين رأى أن المتخلفين - أعني الخليفة الأول والثاني - بذلا أقصى الجهد في نشر كلمة التوحيد وتجهيز الجنود وتوسيع الفتوح ولم يستأثروا ولم يستبدوا، بايع وسالم».
وكان المصلح الإمام جمال الدين الأفغاني ينفر من قول سني وشيعي ويقول: «لا موجب لهذه التي أحدثتها مطامع الملوك لجهل الأمة» فقد أخرج الذين ألهوا علي بن أبي طالب من الإسلام لأنهم ضلوا، أما المفضلة والغلاة في محبة أهل البيت فقد دخل الاثنان تحت حكم من قال: «يهلك فينا أهل البيت اثنان: محب غال وعدو قال».
وتوسع في ذلك وما آل إليه من الضرر وأقنع السنيين والمتشيعين بالبرهان، وهذا رأينا.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
12- أحمد بن زيني دحلان
 
-   فقيه، مؤرخ ، شارك في أنواع من العلوم، مفتي السادة الشافعية بمكة المعظمة، ولد بمكة سنة1231ه‍، وتوفي بالمدينة في المحرم سنة 1304ه‍.
-  له العديد من الكتب والمصنفات .
-  كان من أشد المناوئين للدعوة السلفية .


رسالة في كيفية المناظرة مع الشيعة والرد عليهم
[حذفنا ما لا يتعلق بالمناظرة مع الشيعة]
 
لا يخفى على كل متناظرين في فن من الفنون أنه لابد لهما من أصل يرجعان إليه عند الاختلاف يكون متفقاً عليه عندهم، فإذا كانت المناظرة مثلا بين حنفي وشافعي في مسألة فقهية فإنهما يرجعان إلى الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس، فمن أقام دليله منهما بواحد من هذه وعجز الآخر كانت الغلبة له، أعني من أقام الدليل، وأما إذا لم يكن لهما أصل يرجعان إليه عند الاختلاف يكون متفقاً عليه عندهما بأن كان كل منهما يرجع إلى أصل لا يقول به الآخر فلا تمكن المناظرة بينهما.
فإذا كانت المناظرة بين سني وغيره من المبتدعة من أي طائفة كانت فلا بد أن يتفقا قبل المناظرة على أصل يرجعان إليه عند الاختلاف، فإن كان المبتدع لا يقول بالعمل بكتب أهل السنة ولا بقول الأئمة الأربعة وغيرهم من المحدثين وغيرهم من أهل السنة، فلا بد من أن السني يجتهد باللطف وحسن السياسة حتى يلزمه أولاً بالإلزامات العقلية التي تلجئه إلى الإقرار والاعتراف بأصل يكون مرجعاً عند الاختلاف كالقرآن العزيز؛ كأن يقول: هل تؤمن بأن ما بين دفتي المصحف كلام الله المنزل على سيدنا محمد r المتعبد بتلاوته المتحدى بأقصر سورة منه؟
فإن أنكر ذلك أو شك فيه كفر فلا يحتاج إلى المناظرة معه، بل تجري عليه أحكام الكافرين وكذا إن اعتقد في القرآن تغييراً وتبديلاً؛ لأنه مكذب لقول الله تعالى: إنا {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]، وإذا أقر واعترف وقال: أؤمن بأن ما بين دفتي المصحف كلام الله تعالى المنزل على سيدنا محمد r المتعبد بتلاوته المتحدي بأقصر سورة منه، يتلو عليه أو يكتب له في ورقة بعض الآيات التي أنزلها الله تعالى ثناء على الصحابة رضي الله عنهم، كقوله تعالى في سورة الأنفال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال:64]، وقوله تعالى في سورة التوبة: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:88-89].
وكقوله تعالى في سورة التوبة أيضاً: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:100].
وكقوله تعالى في سورة الفتح: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح:18].
وكقوله تعالى في سورة الفتح أيضاً: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح:29].
وكقوله تعالى في سورة الحديد: {لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد:10]. مع قوله تعالى في سورة الأنبياء: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء:101].
ويتلو عليه أيضاً قوله تعالى في سورة الحشر: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر:8].
 ثم بعد تلاوة هذه الآيات أو كتابتها في صحيفة يقول له السني: هذه الآيات من القرآن العزيز أنزلها الله تعالى مثنياً بها على أصحاب النبي r وشاهداً لهم بأنهم صادقون، ومخبراً بأن لهم الجنة، وقد أقررت بأنها آيات الله فيلزمك ترك الطعن عليهم والقدح فيهم؛ لأنك إن فعلت كنت مكذباً بما تضمنته هذه الآيات، وتكذيب آيات الله كفر، فما تقوله في ذلك؟
فإن قال: إن هذه الآيات لا تشملهم. قلنا يدفع ذلك قوله تعالى: {وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:95].
وعلى فرض إرخاء العنان وتسليم أنها لا تشملهم يسئل عمن نزلت فيهم؟ فإن النبي r بعثه الله فدعا الناس إلى الله تعالى ومكث فيهم ثلاثاً وعشرين سنة ينزل عليه القرآن ويتلوه عليهم ويعلمهم الأحكام والشرائع، فآمن به خلق كثير .. ولما توفاه الله تعالى كان عددهم نحو مائة ألف وأربعة وعشرين ألفاً، وأنزل فيهم الآيات فيها مدحهم والثناء عليهم وشهد لهم بأنهم صادقون وأن لهم الجنة.
وكذلك جاء عن النبي r أحاديث كثيرة تشهد لهم بمثل ذلك، بعض تلك الأحاديث عامة وبعضها خاصة بناس مذكورين فيها أسماؤهم، فهل هذه الآيات عامة لهم جميعا أو خاصة ببعضهم؟
فإن قلت: إنها خاصة ببعضهم، فمن ذلك البعض؟ هل هو معلوم أو مجهول؟ وهل هو كثير أو قليل؟ وهل منهم الخلفاء الأربعة وبقية العشرة والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار كأهل بدر وأحد وبيعة الرضوان أم لا؟
فإن قال: إنها عامة للجميع وجب عليه أن يعتقد نزاهتهم عما يعتقده فيهم، ويؤول كل ما وقع بينهم من الاختلاف ويحمله على الاجتهاد وطلب الحق، وأن المصيب منهم له أجران والمخطئ له أجر واحد كما جاء ذلك عن النبي r، وأن يعتقد أنهم لا يجتمعون على ضلال كما ثبت ذلك أيضاً عن النبي r، فإن لم يفعل ذلك كله كان مكذباً بالآيات والأحاديث التي جاءت في الثناء عليهم والشهادة لهم بالصدق والإخبار بأن لهم الجنة.
وإن قال: إن تلك الآيات والأحاديث في بعض منهم، والسابقون فسقة أو مرتدون .. يسأل عن هذا البعض الذين نزلت فيهم تلك الآيات: هل هم معروفون معينون بأسمائهم وألقابهم أم لا .. وهل هم كثيرون أم قليلون؟ وهل منهم الخلفاء الأربعة وبقية العشرة وأهل بدر وأحد وبيعة الرضوان أم لا؟
فإن قال: إنهم كثيرون وإن هؤلاء المذكورين داخلون فيهم، لزمه أيضاً أن يعتقد نزاهتهم إلى آخر ما تقدم، وإلا كان مكذباً بالآيات والأحاديث التي جاءت في الثناء عليهم.
وإن قال: إنهم قليلون خمسة أو ستة كما اشتهر عند الرافضة .. يسأل فيقال له: ما فعل الباقون؟
فإن قال: إنهم ارتدوا أو فسقوا بعد النبي r، فقل له: إن الله تعالى قال في حق هذه الأمة: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110]، فكيف يقول عاقل بأنهم خير أمة أخرجت للناس وقد مكث فيهم نبيهم ثلاثاً وعشرين سنة يتلو عليهم القرآن ويعلمهم الأحكام .. ثم يرتدون بعد وفاته وهم نحو مائة ألف وأربعة وعشرين ألفاً ولم يبق منهم على الإسلام إلا خمسة أو ستة، فإن ذلك يقتضي أنهم أخبث أمة أخرجت للناس لا أنهم خير أمة أخرجت للناس، وقد أثنى الله عليهم في كتابه وكذا نبيه r في أحاديث كثيرة عموماً وخصوصاً، وسمى كثيراً منهم بأسمائهم، وحذر الأمة من سبهم وتنقيصهم وبغضهم، فيكون ذلك كله كذباً منه صلى الله عليه وسلم، وحاشاه من ذلك فإنه معصوم من الكذب وسائر المحرمات والمكروهات!
فالحكم بارتدادهم أو فسقهم إلا نحو خمسة أو ستة منهم تكذيب لقول الله تعالى{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110]، وتكذيب لثناء النبي r عليهم مع قوله r:«خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم».. فإن صمم على اعتقاده ولم ينقد لهذا الإلزام، فلا تجري معه مناظرة، بل لا ينبغي أن يخاطب؛ لأنه غير عاقل بل غير مسلم.
ويجب على كل حاكم عادل أن ينتقم منه بما يقدر عليه من الإهانة لو بالقتل، فإن الذي يعتقد ارتداد أصحاب النبي r إلا نحو خمسة أو ستة يستحق القتل لأن ذلك يستلزم إبطاله للشريعة فإنها إنما نقلها إلينا عن النبي r أصحابه، وكذلك القرآن إنما وصل إلينا من طريقهم، ويلزمه تكذيب الآيات والأحاديث التي جاءت في الثناء عليهم. وإذا لم يستحق مثل هذا القتل فمن الذي يستحقه؟!
وأما إذا اعترف بأن الآيات والأحاديث التي جاءت في الثناء عليهم حق وأنها فيهم جميعاً أو في الأكثر منهم وأن منهم الخلفاء الأربعة وبقية العشرة وأهل بدر وأحد وبيعة الرضوان فيجب عليه حينئذ أن يعتقد نزاهتهم عن كل ما يقدح فيهم.. ثم يصير البحث والمناظرة معه في بيان التفاضل بينهم واستحقاق الخلافة.
ولا بد أيضاً قبل المناظرة أن يمهد بين المتناظرين أصل آخر يكون المرجع إليه عند الاختلاف كالكتاب والسنة الصحيحة والإجماع والقياس.
والمراد بالسنة الصحيحة ما صححه أئمة الحديث الثقات المشهورون بين الأمة في مشارق الأرض ومغاربها المشهود لهم بالعلم والمعرفة والإتقان، الذين أفنوا أعمارهم في تحصيل الحديث وتدوينه، ورحلوا في تحصيله إلى مشارق الأرض ومغاربها، وعرفوا الصحيح من الضعيف والموضوع، وعرفوا الرواة وميزوا الثقة الذي تقبل الرواية عنه من غيره وكل ذلك موضح مبسوط في كتب التواريخ والسير وطبقات العلماء، بل ألفوا كتباً خاصة في أسماء الرجال طبقة بعد طبقة، وذكروا فيها صفاتهم وتواريخ ولاداتهم ووفاتهم وتفاوت درجاتهم في العلم، ومن يقبل منهم ومن لا يقبل، كل ذلك ولله الحمد موضح مبين بغاية التوضيح والبيان.
فإذا صارت المناظرة والاستدلال من أحد المتناظرين لا يقبل شيء من الروايات ولا من الرواة إلا من حكم الأئمة العارفون بقبوله، ولا تقبل رواية المجهول ولا من حكموا عليه بالضعف وعدم القبول، ولا يقبل في الجرح والتعديل إلا قول الأئمة العارفين.
وأما غيرهم ممن لا معرفة له بالحديث، أو لم يذكره أحد من أئمة الحديث ولم يترجموا له في رجال الحديث ولم يبينوا أوصافه؛ فإنه لا يقبل قوله ولا روايته ولا تصحيحه ولا تضعيفه ولا جرحه ولا تعديله، فإذا حصل الاشتباه في أحد تراجع كتب الأئمة، فإن وجد مذكوراً فيها بالعدالة والمعرفة والضبط قبلت روايته بعد تصحيح إسنادها إليه، وإن وصف بعدم ذلك لم تقبل روايته، وكذا لو لم يذكروه أصلا فإنه لا تقبل روايته ولا تصحيحه ولا تضعيفه ولا جرحه ولا تعديله.
فإذا اتفق المتناظران على هذا الأصل أيضاً، أمكنت المناظرة بينهما حينئذ بإيراد ما يورده كل منهما، وإقامة الدليل عليه من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس، وإسناد ذلك إلى الثقات من الأئمة وإلى كتبهم المشهورة.. فإن لم يتفقا على هذا الأصل لا تمكن المناظرة بينهما.
وإذا حصلت المناظرة بينهما فليكن السني حريصاً على إقامة البرهان والحجة على خصمه أولاً بالآيات القرآنية التي تلزم خصمه الاعتراف بنزاهة الصحابة عما يقدح فيهم وفي عدالتهم.. ثم بالأحاديث النبوية الدالة على ذلك أيضاً، ولا يذكر له شيئاً من الأحاديث إلا بعد إلزامه بما تضمنته الآيات القرآنية، فإن البحث مع المبتدعة في الأحاديث قبل إلزامهم بما تضمنته الآيات لا ينتج بفائدة .. وكذلك البحث معهم قبل تقرير المرجع عند الاختلاف على الوجه المذكور آنفاً لا ينتج بفائدة؛ لأن أدلتهم التي يستدلون بها على مطالبهم كلها تمويهات لا محصول لها عند التحقيق، ولهم أكاذيب واختلاقات ينسبونها إلى سيدنا علي t وإلى أهل البيت لا يثبت شيء منها عند التحقيق.
وأما أهل السنة فعندهم أدلة كثيرة على معتقدهم منسوبة إلى الأئمة الثقات، وكثير منها منسوبة بالأسانيد الصحيحة إلى سيدنا علي ا وعلماء أهل البيت لا يمكنهم الطعن في شيء منها.
وأما شبهات المبتدعة واستناداتهم التي يستندون إليها، فلا يقبلها منهم إلا جاهل غير مطلع على كتب الأئمة الذين يكون المرجع إليهم عند الاختلاف.. وأما العالم بالمعرفة والاطلاع فإنه يزيف لهم كل دليل يستندون إليه مخالفا لمذهب أهل السنة، ويقيم لهم على ذلك الحجج الواضحة والبراهين الفاضحة.
فالعاقل لا يتعب نفسه معهم في المناظرة قبل تمهيد الأمر على الوجه الذي ذكرناه. ولا بد أن يقرر لخصمه أنه إذا حصل اختلاف في معاني بعض الآيات والأحاديث، يكون المرجع في تفسير ذلك وبيانه تفاسير الأئمة المشهورين بالعلم المعرفة والإتقان، وشروح الأحاديث المنسوبة أيضاً للأئمة المشهورين بالعلم والمعرفة والإتقان، ولا يفسر شيئاً من الآيات والأحاديث بالرأي قبل معرفة كلام الأئمة المذكورين، فإن الأخذ بظواهر الآيات والأحاديث قبل عرضها على كلام الأئمة أصل من أصول الكفر كما صرح بذلك كثير من الأئمة منهم الإمام السنوسي في شرحه على "أم البراهين"، فلا يجوز تفسير شيء من الآيات والأحاديث بالرأي ولا حملها على معان لم ينص عليها الأئمة المعتبرون.
ولنذكر شيئاً من الأمثلة التي تعارضت فيها الأحاديث وأجاب الأئمة عن تعارضها وحملوا كلاً منها على معنى صحيح .. فمن ذلك قوله r: «علي سيد العرب» إن أخذ بظاهره وحمل على عمومه فربما يستدل به المخالف على أفضلية علي على أبي بكر t أو على استحقاقه الخلافة قبله، مع أن ذلك معارض بالأدلة الكثيرة التي هي أصح وأقوى في الدلالة على أفضلية أبي بكر واستحقاقه التقدم في الخلافة، فإنه قد صحت أحاديث كثيرة على أن أبا بكر أفضل الخلائق بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأنه أحق بالخلافة، وكل ذلك مبسوط في كتب أئمة أهل السنة، فحينئذ لا يجوز حمل قوله r: «علي سيد العرب» على عمومه لكل شيء حتى يعارض ذلك، فحمله الأئمة على أن هذه السيادة في شيء مخصوص كالنسب مثلاً والاتصال بالنبي r، فجمعوا بين النصوص بهذا الحمل ليندفع التعارض.
ومن ذلك أيضاً قوله r: «سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر»، قال الأئمة من أهل السنة: إن في ذلك إشارة إلى أنه الخليفة بعده، فأمر r بإبقاء خوخة داره غير مسدودة حتى يسهل عليه الدخول للمسجد ليصلي بالناس؛ لأن الخليفة هو الذي يصلي بالناس، وكل أمير كان يؤمره r على جماعة كان يأمره بالصلاة بهم.
    قالوا ولا يعارض هذا الحديث قوله r: «سدوا كل باب في المسجد إلا باب علي»؛ لأن الحديث الأول أصح إسناداً وشرط التعارض التساوي، ولأنه قاله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفى فيه حين قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، وأما حديث علي t فقد قاله النبيr قبل ذلك، ولأن بيت علي كان ملاصقاً لحجرة النبي r وليس له طريق إلى المسجد إلا بفتح باب من بيته إلى المسجد، وأما أبو بكر t فإنه كان له طريق إلى المسجد من غير احتياج إلى فتح الخوخة، وإنما أمر بفتح الخوخة ليسهل تردده إلى المسجد ليصلي بالناس فلا تحصل له مشقة بسلوك طريق آخر.
وهناك أمثلة كثيرة يطول الكلام بذكرها، ولو كان الأخذ بظواهر القرآن جائزاً من غير عرضه على كلام الأئمة لأشكل كثير من الآيات.. من ذلك قوله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص:56]، مع قوله تعالى: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ ولا الإيمَانُ} [الشورى:52]. فبينهما بحسب الظاهر تعارض يندفع بما قرره الأئمة في ذلك. قالوا: إن معنى قوله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}؛ إنك لا تخلق الهداية في قلوبهم؛ لأن الخالق لذلك هو الله تعالى .. وأمثال ذلك في القرآن كثير، فليس لنا أن نعدل عن كلام الأئمة ونأخذ ذلك بالرأي، فمن فعل ذلك كان من الضالين الهالكين.
ولا تجتمع الأمة على ضلال لقوله r: «لا تجتمع أمتي على ضلال»، واستند الإمام الشافعي لكون الإجماع حجة من قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [النساء:115]، والمراد من الإجماع الذي يكون حجة هو إجماع أهل السنة والجماعة، ولا عبرة بغيرهم من المبتدعة والفرق الضالة، فإن أهل السنة والجماعة هي الفرقة الجارية على ما كان عليه النبي r وأصحابه، فقد أخبر النبي r بأن الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقه كلها في النار إلا واحدة وهي التي تكون على ما كان عليه النبي r وأصحابه.
وإذا نظرت تجد أهل السنة هم الذين قاموا بنصرة الشريعة ودونوها، وألفوا الكتب في إيضاحها وبيانها وتحقيقها من كتب التفسير والحديث والفقه والنحو، وغير ذلك من العلوم المنقولة والمعقولة، أما غيرهم فليس لهم شيء من ذلك، وإن وجد لهم شيء من التأليف فعلى سبيل الندرة وملئوا كتبهم بأكاذيب وقبائح تقتضي إبطال الشريعة ورفضها والطعن على ناقليها من الصحابة وغيرهم، وقد قال r: «عليكم بالسواد الأعظم، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية»، والسواد الأعظم هم الجماعة الكثيرة وهم أهل السنة والجماعة، فإياك أن تفارقهم فتكون من الهالكين.
وينبغي أن يتنبه المناظر من أهل السنة لغيره من أهل البدعة لأشياء هي أهم من غيرها، فيستحضرها حال المناظرة ليلزم الخصم بها .. منها أن إنكار صحبة أبي بكر كفر؛ لأنها مذكورة في القرآن في قوله تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ} [التوبة:40]، فأجمعت الأمة أن المراد بالصاحب في الآية أبو بكر t.
وكذا إنكار براءة عائشة رضي الله عنها كفر؛ لأن الله أنزل عشر آيات في سورة النور في براءتها، فمن أنكر براءتها، فهو كافر ولا يجوز التعرض لها بشيء يقتضي النقص بل يجب محبتها والترضي عنها؛ لأن النبي r أثنى عليها وقال: «خذوا شطر دينكم عنها»، وأخبر أن الله زوجه إياها وأنها زوجته في الدنيا والآخرة؛ كل ذلك ثبت بالأحاديث الصحيحة التي لا يمكن الطعن فيها، فالتعرض لها تكذيب بأحاديث النبي r.
ومن تأمل الآيات التي نزلت في براءتها وعرف معناها علم أنها صديقة بنت صديق، وأن لها قدراً عظيماً عند الله تعالى، قال الله تعالى في بعض الآيات التي نزلت في براءتها: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور:26]. وقال تعالى تهديداً للقاذفين: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور:23-25].
قال كثير من المفسرين منهم الزمخشري: من تصفح القرآن وتتبعه لم يجد فيه آية فيها تهديد مثل هذا التهديد، ولا تخويف مثل هذا التخويف، وذلك دليل على رفعة قدر عائشة رضي الله عنها عند الله تعالى، وتعظيم شأنها وتعظيمها تعظيماً للنبي r.
واعلم أن أدلة تفضيل الخلفاء الأربعة ي على حسب ترتيبهم في الخلافة الذي هو مذهب أهل السنة كثيرة، وهي صحيحة متواترة وثابتة عن علي t وأكابر علماء أهل البيت، ونقل ذلك عن علي t الجم الغفير من أصحابه، وقالوا: إنه كان يخطب في زمن خلافته على منبر الكوفة ويقول «إن أفضل الخلق بعد النبي r أبو بكر وعمر»، وكل ذلك مبسوط في كتب الأئمة، وإنكاره محض عناد ومكابرة، فإذا أراد المناظر المخالف بيان ذلك، يوضح السني له ذلك مما هو مذكور في كتب الأئمة.
وأما أحقية تقديم أبي بكر t في الخلافة، فكذلك لأهل السنة في ذلك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة بعضها صريح وبعضها بالإشارة، وقد ثبت عن علي t الاعتراف بأحقية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ونقل ذلك عن الجم الغفير من أصحابه حتى صار ذلك متواتراً، فإنكاره محض عناد ومكابرة، فإذا أراد المخالف بيان ذلك يوضح له السني ذلك مما هو مذكور في كتب الأئمة.
ولا بد للسني أن يقيم الحجة والبرهان على المخالف في إبطال التقية التي ينسبونها لعلي t وهو بريء منها؛ لأن نسبة التقية إليه يستلزم الذل والجبن له حاشاه الله من ذلك، بل يستلزم نسبة ذلك لجميع بني هاشم حاشاهم من ذلك! فإن عليّاً كان في قوة ومنعة بهم لو أراد الخلافة زمن الخلفاء الثلاثة قبله، أو كان عنده نص أو رأي أنه أحق منهم بها لنازعهم فيها، ولوجد من يقوم معه ونصره في ذلك، ولكنه عرف الحق في ذلك وانقاد له كما جاء التصريح عنه بذلك في أحاديث كثيرة بأسانيد صحيحة، ولم يترك ذلك تقية كما يقولون، ولو كان عنده نص لأظهره ولم يكتمه، ولما انقضت خلافتهم وجاء الحق ونازعه من ليس مثله حاربه وقاتله، ولم يترك ذلك تقية.
فنسبة التقية إليه فيها تحقير وإذلال له أعاذه الله من ذلك، ولو صحت نسبة التقية له لم يوثق بشيء من كلامه، فإن كل شيء يقوله أو يفعله يحتمل حينئذ أن يكون تقية حاشاه الله من ذلك.
ثم إن الرافضة قبحهم الله تجرءوا على النبي r ونسبوا التقية أيضاً إليه؛ فإنهم لما أقيمت عليهم الحجج الواضحة في أحقية خلافة أبي بكر t التي منها حديث: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» وكان معلوماً علماً ضرورياً عند الصحابة رضي الله عنهم أن الأمير هو الذي يصلي بالناس، ففهموا من ذلك أنه الخليفة بعده، وكان ذلك الحديث مستفاضاً متواتراً لا يمكن إنكاره، ومروي عن كثير من الصحابة منهم علي t من طرق كثيرة صحيحة .. قالوا: إنما قال النبي r ذلك تقية. قاتلهم الله أنى يؤفكون.
مع أن لأهل السنة أدلة كثيرة على تقديم أبي بكر t في الخلافة، ولو فرض أنه لم يوجد دليل إلا حديث الأمر له بالصلاة بالناس لكان كافياً، كيف وقد انضم إلى ذلك إجماع الصحابة على صحة خلافته، ولا تجتمع الأمة على ضلال كما جاء ذلك عن النبي r.
وصح عن علي t التصريح بأنهم دخلوا في بيعة أبي بكر t ولم يتخلف منهم أحد؛ فالقول بعدم صحة خلافته يستلزم تخطئة جميع الصحابة ي وإجماع الأمة على ضلال وحاشاهم من ذلك.
ويستلزم أيضاً تكذيب النبي r في أحاديث كثيرة في أن أمته لا تجتمع على ضلال، ويستلزم أيضاً تكذيب القرآن في شهادته لهم بالصدق في قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات:15]، وفي إخباره باستحقاقهم الجنة .. إلى غير ذلك من المحذورات التي لزمت هؤلاء الضالين.
ويستلزم أيضاً إبطال الشريعة؛ لأنها إنما وصلت إلى الأمة بطريق الصحابة ي، بل يلزمهم أيضاً التشكك في صحة القرآن لأنه إنما وصل إلينا من طريقهم رضي الله عنهم.
والحاصل أن مذاهب المبتدعة كلها خيالات وضلال.. قال ابن الأثير في تاريخه "الكامل" عند ذكره دولة العبيديين: إن المبتدعة إنما قصدوا بالطعن في الصحابة الطعن في الشريعة لأنها وصلت إلينا من طريقهم. انتهى.
وأما مذهب أهل السنة والجماعة، فهو المذهب الحق الذي كان عليه النبي r وأصحابه بلا إفراط فيها ولا تفريط، ولا قدح في أحد الصحابة، ولا تكذيب لشيء من القرآن والسنة، فهو بالنسبة لمذهب المبتدعة خرج من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين .. ومن كان من أهل العلم والمعرفة ونظر في أدلة أهل السنة وأدلة غيرهم عرف حقيقة ذلك إن نور الله قلبه وأزال انطماس بصيرته.
ومن نظر في كتب الحديث وتأمل في سيرته r حين بعثه الله تعالى إلى أن توفاه، علم منزلة الشيخين عنده، وأنهما كانا عنده في أعظم المنازل لأنه كان يقربهما ويدنيهما ويستشيرهما، وكانا يقضيان ويفتيان بحضرته ويراجعانه في بعض الأمور، وربما أراد أن يفعل بعض الأشياء أو يأمر بها فيريان أو أحدهما خلاف ذلك فيراجعان النبي r، وقد يكرران عليه المراجعة فيرجع إلى قولهما أو قول أحدهما، ولو كان ذلك غير حق لما رجع إليه ووافق عليه، وإلا كان فاعلاً خطأ أو مقراً عليه، وهو معصوم من ذلك.
والرافضة قبحهم الله إذا أقيمت عليهم الحجة بمثل ذلك يقولون: إنما كان يوافقهما أو يوافق أحدهما تقية؛ قاتلهم الله أنى يؤفكون! فإن القول بالتقية يستلزم أن لا يوثق بشيء من أقواله أو أفعاله r؛ إذ إن ذاك كله على قولهم يحتمل التقية فيلزمهم إبطال الشريعة والأحكام. ولا يقال إن مراجعة الشيخين أو أحدهما للنبي r في بعض الأشياء سوء أدب أو مخالفة لأمره؛ لأنهما علما رضاه بذلك وسروره به ورغبته فيه، وما ذلك إلا لعظم منزلتهما عنده.
ونزل كثير من آيات القرآن موافقا لرأي عمر t وعاتب الله نبيه r مخالفته رأي عمر في قصة أسرى بدر كما هو مبسوط في كتب الأئمة .. ولما بعث الله نبيه r كان أعظم قائم بنصرته أبو بكر t، فكان يعينه على تبليغ رسالة ربه ويدعو الناس إلى الدخول في دينه ويدفع عنه من يتعرض له، وناله من قريش أذى كثير كما هو مبين في كتب السير. وكذلك عمر t كان من أعظم القائمين بنصرته بعد إسلامه في السنة السادسة من البعثة، فكان من أعظم الناس شدة على كفار قريش وإن كان قبل إسلامه شديداً على المسلمين؛ لكنه بعد أن أسلم كان من أشد الناس على الكفار حتى أنزل الله عند إسلامه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال:64]، أي: يكفيك من حصل إسلامهم فلا تبال بتأخر غيرهم، وكون نزولها عند إسلامه دليل على مزيد فضله حتى كأنه هو المقصود من الآية وحده .. وكان ابن مسعودtيقول: «مازلنا أعزة منذ أسلم عمر».
وكان علي t عند النبي r صغيراً في أول بعثة النبي r وإن كان t بعد أن كبر كانت منه النصرة المأثورة والمواقف المشهورة؛ لكنهما كانا مميزين عنه بالنصرة الحاصلة في بدء الإسلام حين اشتدت وطأة قريش على المسلمين، وكذا بقية العشرة السابقين للإسلام، ولو كان ملك من ملوك الدين أعانه بعض الناس على تأسيس ملكه ونصرته على أعدائه حتى ظهر أمره وتم مراده، لكان يحبه ويفضله على كثير من أقاربه، فما بالك بهؤلاء السابقين بالإسلام الذين قاموا بنصرة النبي r حتى أظهر الله دينه على الدين كله. والرافضة قبحهم الله نظروا إلى القرابة وغفلوا عن هذه الأشياء، وأهملوا قول علي t: «لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر وعمر في قلب مؤمن»، وأهملوا الآيات والأحاديث التي جاءت في فضل الشيخين وغيرهم من الصحابة، فأدّاهم الأمر إلى إبطال الشريعة التي وصلت إلينا من طريقهم.
وأما أهل السنة والجماعة فإنهم لم يضيعوا حق القرابة، ويعترفون بفضلها، ولا يضيعون حقوق الصحبة والمؤازرة والنصرة للصحابة فيعطون كل ذي حق حقه، ولما ثبتت عندهم الآيات والأحاديث الواردة في الثناء على الصحابة رضي الله عنهم، أولوا جميع ما وقع بين الصحابة من الاختلاف وحملوه على الاجتهاد وطلب الحق، وحملوه على أحسن المحامل وسلكوا به أحسن المسالك، لأنهم لو طعنوا في أحد منهم كان ذلك تكذيباً للآيات والأحاديث الواردة في الثناء عليهم، ورفضاً للشريعة التي جاءت إلينا من طريقهم، فحكموا بعدالتهم كلهم وقبلوا كل ما جاء مرويّاً عنهم من الآيات والأحاديث. ولا عبرة بما ينقل من الأكاذيب والحكايات التي ينقلها المبتدعة وكذبة المؤرخين، فإنها كلها من اختلاقات الفرق الضالة يريدون بها توغير صدور المؤمنين على الصحابة رضي الله عنهم، فلا يلتفت إلى ذلك لأنه يؤدي إلى تكذيب الآيات والأحاديث الواردة في الثناء عليهم، ولا نقبل إلا ما صح بالأسانيد الصحيحة التي رواها ثقات الأئمة، ومع ذلك نؤولها ونطلب لها أحسن المحامل ونحملها على الاجتهاد الذي يؤجر المصيب فيه أجران والمخطئ أجر واحد.
 ثم يجب عند اعتقاد التفاضل على الوجه الثابت عند أهل السنة، أن لا يعتقد نقص في المفضول بالنسبة للفاضل، ولا يلاحظ ذلك قط، بل يعتقد التفاضل مع اعتقاد أن الكل بلغ غاية الكمال والفضل، لأنهم باجتماعهم بالنبي r ونصرته أشرقت عليهم أنواره حتى فضلوا على كل من يأتي بعدهم، وموقف ساعة لواحد منهم مع النبي r خير من الدنيا وما فيها، وذلك ثابت حتى لمن اجتمع به لحظة ولو كان طفلاً غير مميز.
وليحذر المؤمن من اعتقاد نقص لأحد منهم أو التعرض لشيء من السب الذي ارتكبه كثير من المبتدعة، لأن ذلك يوجب لعنة فاعله لقوله r: «فمن سبّهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»، مع أن المرتكبين لذلك يعترفون بأن السب ليس مأموراً به لا على الوجوب ولا على الندب، ولو تركوه لم يسألهم الله عن تركه، ولو كان السب طاعة مأموراً بها لأمر الله بسب إبليس الذي هو أشقى الخلق وسب فرعون وهامان وقارون وغيرهم من الكفرة، فلو لم يلعن الإنسان في عمره قط أحداً منهم لا يعاقبه الله ولا يسأله عن ترك السب، فكيف هؤلاء المبتدعة يرتكبون لعن أصحاب رسول الله r الذين نصروه وبلغوا شريعته لأمته.
يروى أن سيدنا علياً t تناظر مع بعض من ينكر البعث .. فقال له سيدنا علي t: إن صح ما تقول أنت - يعني من عدم البعث - نجوت أنا وأنت، وإن صح ما أقول أنا من البعث نجوت أنا ولم تنج أنت، فأنا ناج على كل حال وأنت على النظر، فلم يقدر ذلك الناظر على جوابه.
فلذلك يقال للمبتدع المتعرض لسب الصحابة المجيز له بالنسبة للمانعين وهم أهل السنة: إن صح ما يقول المبتدع من الجواز نجونا نحن وهم، لأنهم يسلمون أن تارك السب لا يسئل عن ذلك ولا يعاقب، وإن صح ما يقول أهل السنة من المنع نجا أهل السنة وهلك أهل البدعة، فأهل السنة ناجون على كل حال وأهل البدعة على خطر.. وهذا كله على سبيل الفرض وإرخاء العنان في الجدل، وإلا فهم الهالكون قطعاً لتعرضهم لسب أصحاب النبي r. ولو سئل اليهود وقيل لهم من خير الناس عندكم لقالوا: أصحاب موسى عليه الصلاة والسلام، ولو سئل النصارى وقيل لهم: من خير الناس عندكم لقالوا: أصحاب عيسى عليه الصلاة والسلام، ولو سئلت الفرقة التي تبغض الصحابة من شر الناس لقالوا: أصحاب محمد r!!
نسأل الله أن يرزقنا محبة أصحاب النبي r وأهل بيته، وأن يحيينا ويميتنا ويبعثنا عليها، وأن يحفظنا من بغض أحد منهم أو نقيصته أو التعرض له بسوء، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
 
 
 
 
 
 
 
 

 
 
 
 
13- العلامة محمد الطاهر ابن عاشور
 
 
-  ولد سنة 1879م، وتوفي سنة 1973م .
-  رئيس المفتين بتونس، وشيخ جامع الزيتونة وفروعه .
-  له كتب عديدة ، أهمها تفسيره " التحرير والتنوير".
-  كان من كبار العلماء والمصلحين في عصره .
 


الشيعة
 [في تفسيره "التحرير والتنوير" بيان لموقف ابن عاشور من الشيعة وقد جمعها الأستاذ: خالد أحمد الشامي في كتابه «بيان موقف شيخ الإسلام محمد الطاهر ابن عاشور من الشيعة من خلال تفسيره التحرير والتنوير».].
 
[الموضع الأول]:
قال رحمه الله في المجلد الأول (ص61) من تفسيره، عند كلامه على القراءات في المقدمة السادسة: «.. وقرأ بعض الرافضة: {مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ولا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} [الكهف:51] بصيغة التثنية، وفسروها بأبي بكر وعمر حاشاهما، وقاتلهم الله».
[الموضع الثاني]:
قال رحمه الله (ص139) من المجلد الأول، في معرض كلامه عن «البسملة» وخلاف أهل العلم في كونها آية من كل سورة: «... قال الباقلاني: لو كانت التسمية من القرآن لكان طريق إثباتها إما التواتر أو الآحاد، والأول باطل؛ لأنه لو ثبت بالتواتر كونها من القرآن لحصل العلم الضروري بذلك، ولامتنع وقوع الخلاف فيه بين الأمة. والثاني أيضا باطل؛ لأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن، فلو جعلناه طريقاً إلى إثبات القرآن لخرج القرآن عن كونه حجة يقينية، ولصار ذلك ظنياً، ولو جاز ذلك لجاز ادعاء الروافض أن القرآن دخله الزيادة والنقصان والتغيير والتحريف» .. إلى أن قال رحمه الله في نقل كلام لعبد الوهاب: «.. ولذلك قطعنا بمنع أن يكون شيء من القرآن لم ينقل إلينـا، وأبطلنا قول الرافضـة إن القرآن حِملُ جَملٍ عند الإمام المعصوم المنتظر، فلو كانت البسملة من الحمد لبينها رسول الله بيانـاً شافياً» اهـ.
[الموضع الثالث]:
قال رحمه الله في (ص16) من المجلد الحادي عشر "الجزء الثاني والعشرون" عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب:33] : «.. وقد تلقف الشيعة حديث الكساء، فغصبوا وصف أهل البيت وقصروه على فاطمة وزوجها وابنيهما عليهم الرضوان، وزعموا أن أزواج النبي r لسن من أهل البيت. وهذه مصادمة للقرآن بجعل هذه الآية حشواً بين ما خوطب به أزواج النبي، وليس في لفظ حديث الكساء ما يقتضي بقصر هذا الوصف على أهل الكساء؛ إذ ليس في قوله: «هؤلاء أهل بيتي» صيغة قصر، وهو كقوله تعالى: {قَالَ إِنَّ هَؤُلاء ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ} [الحجر:68]، ليس معناه ليس لي ضيف غيرهم، وهو يقتضي أن تكون هذه الآية مبتورة عما قبلها وما بعدها.
ويظهر أن هذا التوهم من زمن عصر التابعين وأن منشأة قراءة هذه الآية على الألسن دون اتصال بينها وبين ما قبلها وما بعدها، ويدل لذلك ما رواه المفسرون عن عكرمة أنه قال: من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي r، وأنه قال أيضاً: ليس بالذي تذهبون إليه، إنما هو نساء النبي r، وأنه كان يصرخ بذلك في السوق. وحديث عمر بن أبي سلمة صريح في أن الآية نزلت قبل أن يدعو النبي الدعوة لأهل الكساء، وأنها نزلت في بيت أم سلمة.
وأما ما وقع من قول عمر بن أبي سلمة أن أم سلمة قالت: «وأنا معهم يا رسول الله؟ فقال: أنت على مكانك وأنت على خير»؛ فقد وهم فيه الشيعة فظنوا أنه منعها من أن تكون من أهل بيته، وهذه جهالة؛ لأن النبيr إنما أراد ما سألته من الحاصل؛ لأن الآية نزلت فيها وفي ضرائرها فليست هي بحاجة إلى إلحاقها بهم، فالدعاء لها بأن يذهب الله عنها الرجس ويطهرها دعاء بتحصيل أمر حصل، وهو مناف لآداب الدعاء كما حرره شهاب الدين القرافي في الفرق بين الدعاء المأذون فيه والدعاء الممنوع منه، فكان جواب النبي r تعليماً لها، وقد وقع في بعض الروايات أنه قال لأم سلمة: «إنك من أزواج النبي»، وهذا أوضح في المراد بقوله: "إنك على خير"».
[الموضع الرابع]:
قال رحمه الله في (ص:45-47) من المجلد الحادي عشر "الجزء الثاني والعشرون" عند تفسير قوله تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب:40]. «.. ولذلك لا يتردد مسلم في تكفير من يثبت نبوة لأحد بعد محمد r وفي إخراجه من حظيرة الإسلام، ولا تعرف طائفة من المسلمين أقدمت على ذلك إلا البابية والبهائية، وهما نحلتان مشتقة ثانيتهما من الأولى. وكان ظهور الفرقة الأولى في بلاد فارس في حدود سنة مائتين وألف وتسربت إلى العراق، وكان القائم بها رجلاً من أهل شيراز يدعوه أتباعه السيد علي محمد، كذا اشتهر اسمه، كان في أول أمره من غلاة الشيعة الإمامية، أخذ عن رجل من المتصوفين اسمه الشيخ أحمد زين الدين الأحسائي الذي كان ينتحل التصوف بالطريقة الباطنية، وهي الطريقة المتلقاة عن الحلاج، وكانت طريقته تعرف بالشيخية، ولما أظهر نحلته علي محمد هذا؛ لقَّب نفسه باب العلم فغلب عليه اسم الباب، وعرفت نحلته بالبابية، وادعى لنفسه النبوة، وزعم أنه أوحي إليه بكتاب اسمه "البيان"، وأن القرآن أشار إليه بقوله تعالى: {خَلَقَ الإنسَانَ*عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن:3-4]. وكتاب "البيان" مؤلف بالعربية الضعيفة، ومخلوط بالفارسية. وقد حكم عليه بالقتل سنة 1266هـ في تبريز.
وأما البهائية فهي من البابية تنسب إلى مؤسسها الملقب ببهاء الله، واسمه: ميرزا حسين علي، من أهل طهران، تتلمذ للباب بالمكاتبة، وأخرجته حكومة شاه العجم إلى بغداد بعد قتل الباب، ثم نقلته الدولة العثمانية من بغداد إلى أدرنة ثم إلى عكَّا، وفيها ظهرت نحلته وهم يعتقدون نبوة الباب، وقد التف حوله أصحاب نحلة البابية وجعلوه ليفة الباب، فقام اسم البهائية مقام اسم البابية، فالبهائية هم البابية.
وقد كان البهاء بنى بناء في جبل الكرمل ليجعله مدفنًا لرفات الباب، وآل أمره إلى أن سجنته السلطنة العثمانية في سجن عكا، فلبث في السجن سبع سنوات ولم يطلق من السجن إلا عندما أعلن الدستور التركي، فكان في عداد المساجين السياسيين الذين أطلقوا يومئذ، فرحل منتقلاً في أوربا وأمريكا مدة عامين، ثم عاد إلى حيفا فاستقر بها إلى أن توفي (سنة1340هـ)، وبعد موته نشأ شقاق بين أبنائه وإخوته، فتفرقوا في الزعامة وتضاءلت نحلتهم. فمن كان من المسلمين متبعاً للبهائية أو البابية، فهو خارج عن الإسلام مرتد عن دينه تجري عليه أحكام المرتد، ولا يرث مسلماً ويرثه جماعة المسلمين، ولا ينفعهم قولهم إنا مسلمون ولا نطقهم بكلمة الشهادة؛ لأنهم يثبتون الرسالة لمحمد r، ولكنهم قالوا بمجيء رسول من بعده.
ونحن كفرنا الغرابية من الشيعة لقولهم: بأن جبريل أرسل إلى علي ولكنه شُبِّه له محمد بعلي، إذ كان أحدهما أشبه بالآخر من الغراب بالغراب - وكذبوا - فبلغ الرسالة إلى محمد r، فهم أثبتوا الرسالة لمحمد r ولكنهم زعموه غير المعين من عند الله.
وتشبه طقوس البهائية طقوس الماسونية، إلا أن البهائية تنتسب إلى التلقي من الوحي الإلهي، فبذلك فارقت الماسونية وعدت في الأديان والملل ولم تعد من الأحزاب».
 
 
 
 
 
 
 
 
 
14- شيخ الأزهر محمد الخضر حسين
 
-         ولد سنة 1876م بتونس ، وتوفي بالقاهرة سنة 1958م .
-         درس بجامع الزيتونة ، وعمل في القضاء .
-         ضيق عليه الاستعمار الفرنسي لتونس، حين ناصر الدولة العثمانية في حربها مع إيطاليا.
-         أسس مجلة "السعادة العظمى" في تونس، ورأس فيما بعد مجلة "الهداية" .
-         تولي مشيخة الأزهر، إقراراً بفضله وعلمه.
-         له العديد من الكتب والأبحاث ، أهمها رده على كتابي "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق و"في الشعر الجاهلي" لطه حسين.


بحث موجز في أشهر الفرق الإسلامية
 
[نشر هذا البحث في "مجلة الهداية الإسلامية" في الجزء الرابع والذي صدر في شوال (1356هـ - ديسمبر 1937م) ، وسوف نقتصر على كلامه في الشيعة]
 
وحدة العقيدة في الصدر الأول
قام النبي r يدعو إلى العقائد الصحيحة، وما زال الوحي ينزل حتى أتى على أصول ما يحتاج إليه في سلامة العقيدة، وطهارة النفس من الشرك، وكان المسلمون في عهد الوحي على طريقة واحدة في عقائدهم، وليس من المحتمل أن يجري بينهم خلاف في شيء من ذلك ورسول الله صلوات الله عليه بين ظهرانيهم؛ وهو الذي يسأل فيرشد، أو يقول فيكون قوله الفصل.
واستمر المسلمون على هذه الطريقة المثلى في عهد أبي بكر وعمر وعثمان؛ وما جرى بينهم من الاختلاف في ذلك العهد لم يتجاوز الاختلاف في أحكام عملية كاختلافهم في محل دفنه عليه الصلاة والسلام، وثبوت الإرث منه، وقتال مانعي الزكاة، وأكثر هذا النحو من الاختلاف لا يلبث أن يتبين فيه وجه الحق فيصير إلى وفاق.
انقسام المسلمين إلى فرق مختلفة
أخبر النبي صلوات الله عليه أن أمته ستفترق على بضع وسبعين فرقة، وأن فرقة من تلك الفرق ناجية، ووصف الفرقة الناجية بأنها الفرقة التي تتمسك بما كان عليه هو وأصحابه، ففي "سنن أبي داود" من رواية أبي هريرة: «افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة»، وفيها من رواية معاوية: «ألا إن رسول الله قام فينا فقال: إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة: اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة».
وروى الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو: «وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي ثلاثاً وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي» ورواه ابن ماجة من طريق حذيفة بن اليمان، ومن طريق أنس بن مالك.
والمراد من الأمة من يصدق عليهم اسم الإسلام، بدليل الإضافة في قوله «أمتي»، فإن إضافة الأمة إلى الرسول ظاهرة فيمن كان لهم اتصال به في الواقع، وهم الذين يتبعونه ولو في أصل الإيمان، والفرقة الخارجة من الدين ليست من هذا القبيل، فتكون الفرق المشار إليها في الحديث من انحرفوا عن السبيل، ولم ينكثوا أيديهم من أصل الدين.
وحمل بعضهم الأمة على ما يشمل الفرق التي خرجت ببدعتها عن حوزة الدين، والتحقت بفرق الكافرين، والوعيد بالنار في الحديث مطلق، فيكون للفرق المنفصلة عن الدين عذاباً خالداً، وللفرق التي انحرفت ببدعتها انحرافاً لا يقطعها عن أصل الدين، عقاباً يتفاوتون فيه درجات، ثم يصيرون إلى دار السلام.
والافتراق المشار إليه في الحديث يجري في العقائد، والأمر فيه واضح، أما الافتراق في أعمال تفعل على أنه شرع: فإن كان عن اجتهاد معتدّ به فليس بموضع للذم والوعيد، لأن هذا الاجتهاد مأذون فيه شرعاً، وإن كانت المخالفة عن رأي فاسد أو هوى غالب، وبلغت هذه الأعمال المبتدعة أن صارت شعار فرقة من الأمة، فالحديث يتناولها بوعيده كما تناولها قوله r: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».
عوامل هذا الانقسام
نبحث عن عوامل انقسام المسلمين إلى فرق، فتبدو لنا وجوه كثيرة:
أحدها: الخطأ في فهم بعض الآيات أو الأحاديث، ويرجع إلى هذا القبيل التمسك ببعض المتشابه من النصوص، وردّ المحكم إليه بطريق التأويل([287]).
ثانيها: اعتداد الشخص برأي يسبق إلى ذهنه، أو يتلقاه من غيره، فيعتقد أنه أصل صحيح حتى إذا وجده مخالفاً لنصوص القرآن أو السنة أخذ في تأويلها بما يوافق رأيه، ولو على وجوه بعيدة.
ثالثها: تشبث الشخص بحديث ينقل إليه، فيحسن الظن بروايته، ويكون الحديث مصنوعاً.
رابعها: أن يقع في نفس الرجل خواطر، فيظنها إلهاماً خصه الله به، وإنما هو الحديث الذي يجري في النفوس من طرق مقطوعة عن منابع الشريعة.
خامسها: الأهواء تأخذ بقلب صاحبها، إلى أن يبتغي الوصول إليها من طريق الدين، فيقرر رأياً على أنه من الدين، وهو يعلم أنه مخالف لما جاء في الكتاب والسنة.
ولا نجهل أن زعماء بعض الفرق قد يقصدون إفساد عقائد المسلمين بإدخال آراء تفسد أصلاً من أصول الدين أو تبطل حكماً من أحكامه، ومن درس آراء الفرق لم يتردد في أن كثيراً منها قد وضعه أشخاص يريدون الكيد للإسلام، وأشد ما يظهر هذا الغرض في آراء تراها معارضة لنصوص الدين الصريحة دون أن يستند صاحبها إلى نقل أو شيء من العقل. وقد يكون للسياسة يد في إثارة الأهواء الحاملة على مخالفة الجماعة، وإحداث رأي في الدين؛ والدعوة إليه إلى أن يصير مذهب فرقة من المسلمين.
الفرق الإسلامية
من ينظر في حال الفرق التي لها صلة بالإسلام يجدها على قسمين:
فرق داخلة في حدود الدين، ومن شأنها أن تتلاقى في جانب من الائتلاف والتناصر على إعلاء شأن الإسلام. وفرق خرجت بهم بدعتهم عن حدود الدين، والتحقوا بطوائف المخالفين، ذلك أنهم اعتقدوا ما لا يلتقي بأصل الإيمان في نفس واحدة كالبهائية واليزيدية والقاديانية، وعلى ما نبينه بعد إن شاء الله.
وأصول الفرق التي سنحدثك عنها في المقال سبعة: الشيعة، والباطنية، والمشبهة، والمحكّمة، والجهمية، والمعتزلة، وأهل السنة، وقد نعرض عليك في بحث كل فرقة بعض آراء امتاز بها مذهبها، وإذا لم نتعرض فيما نكتب لنقد بعض هذه الآراء فلوضوح أمرها، أو لأننا سنحدثك في بحث أهل السنة بما هو الحق فيما نرى.
الشيعة
ظهر مذهب التشيع في عهد علي بن أبي طالب t، بل ظهر في أقصى درجات الغلو، وكان الشيعة يومئذ ثلاث طوائف:
أولها: طائفة كانت تفضل علياً على أبي بكر وعمر، مع الاعتراف بفضلهما، وصحة إمامتهما، وروى البخاري في صحيحه عن محمد ابن الحنفية أنه سأل أباه: «من خير الناس؟ فقال: أبو بكر. قال: ثم من؟ قال عمر».
ثانيتها: كانت تسب أبا بكر وعمر، يروى أن عبد الله بن السوداء([288]) كان يسب أبا بكر وعمر، فطلبه علي فهرب، وقيل نفاه إلى المدائن.
ثالثتها: كانت تقول: إن علياً إله، وهم عبد الله بن سبأ([289]) وأتباعه. زعم ابن سبأ ذلك، ودعا إليه قوماً من غواة الكوفة، وبلغ علياً أمرهم، فأحرق فرقاً منهم([290]) بعد أن دعاهم إلى التوبة وأجّلهم ثلاثاً، ولم يقتل بقيتهم كابن سبأ بل نفاه إلى المدائن حذراً من اختلاف أصحابه عليه.
ولما قتل علي، زعم ابن سبأ أن المقتول شيطان تمثل بعلي، وأن علياً صعد إلى السماء، وأنه سينزل إلى الدنيا وينتقم من أعدائه. وأتباع ابن سبأ يزعمون أن المهدي المنتظر هو علي، ويزعم بعضهم أنه في السحاب.
وشاع بعد هذا في بعض الفرق القول بالرجعة، قال سفيان: «كان الناس يحملون عن جابر([291]) قبل أن يظهر ما أظهر، فلما أظهر ما أظهر اتهمه الناس في حديثه، وتركه بعض الناس، فقيل له: ما أظهر؟ قال: الإيمان بالرجعة»، ثم روى مسلم في "صحيحه" عن سفيان: «أنه سمع رجلاً يسأل جابراً عن قوله عز وجل: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يوسف:80]، فقال جابر: لم يحن تأويل هذه. قال سفيان: وكذب، قلنا لسفيان: وما أراد بهذا؟ فقال: إن الرافضة تقول إن علياً في السحاب، فلا نخرج مع من خرج من ولده حتى ينادي مناد من السماء - يريد علياً- أنه ينادي: اخرجوا مع فلان. يقول جابر: فذا تأويل هذه الآية وكذب، كانت في أخوة يوسف r».
وانقسمت الشيعة بعد هذا إلى أربع فرق: زيدية؛ وإمامية، وكيسانية، وغلاة.
الزيدية: هم أتباع زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب t، يفضلون الإمام علي بن أبي طالب على غيره من الصحابة، ويوالون الشيخين أبا بكر وعمر.
خرج الإمام زيد بن علي على هشام بن عبد الملك، وسأله جماعة ممن بايعوه عن أبي بكر وعمر فقال: رحمهما الله وغفر لهما، ما سمعت أحداً من أهل بيتي يتبرأ منهما، ففارقوه ونكثوا بيعته فسموا الرافضة. والزيدية يقصرون الإمامة في أولاد الزهراء ل ، فلا حق فيها لمحمد ابن الحنفية وذريته، ولا يقولون بعصمة الأئمة ولا باختفائهم.
الإمامية: هم فرق: منها المحمدية، وهؤلاء يعتقدون أن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب لم يقتل([292])، ويزعمون أنه في جبل جابر من ناحية نجد،وهو المهدي المنتظر([293]).
ومثلها الباقرية، وهؤلاء يقولون: الإمامة انتقلت من علي بن أبي طالب وأولاده إلى محمد بن علي المعروف بالباقر، وزعموا أن الباقر هو المهدي المنتظر.
ومنها الموسوية، هؤلاء ساقوا الإمامة إلى جعفر الصادق، وزعموا أن الإمام بعد جعفر ابنه موسى الكاظم، وأن موسى حي لم يمت، وأنه هو المهدي المنتظر.
ومنها الإثنا عشرية: وهي الفرقة التي تحصر الإمامة في اثني عشر إماماً، هم علي بن أبي طالب، وابنه الحسن، ثم الحسين؛ ثم علي زين العابدين، ثم محمد الباقر، ثم جعفر الصادق، ثم موسى الكاظم، ثم علي الرضا، ثم محمد الجواد، ثم علي الهادي، ثم الحسن العسكري، ثم محمد بن الحسن العسكري،ويرون أن محمداً هذا هو المهدي المنتظر، وأنه حي مستور عن الناس إلى أن يأذن الله له بالظهور، فيظهر ويملأ الأرض عدلاً، ويذكرون في وجه هذا الترتيب أن كل سابق من الأئمة نص على لاحقه، وأن هؤلاء الأئمة معصومون عن جميع الذنوب والسهو والنسيان، وسائر النقائص، ويوافقون المعتزلة في أن الحُسن والقبح بمعنى ترتب استحقاق المدح والذم عقليان.
الكيسانية([294]): هم الذين يقولون بإمامة محمد ابن الحنفية، ومن هؤلاء من ذهب إلى أنه لم يمت، وأنه في جبل رضوى، وعنده عين من ماء وعين من عسل يأخذ منهما رزقه، وهو المهدي المنتظر. ومنهم من اعترف بموته، وقال: إن الإمامة من بعده انتقلت إلى ابنه أبي هاشم عبد الله. وقال آخرون انتقلت إلى ابن أخيه علي زين العابدين بن الحسين، وقالوا يجوز البداء على الله تعالى، وهو أن يريد شيئا ثم يبدو، أي: يظهر له غير ما كان ظاهراً له([295]) ومن لوازم هذا المذهب أن لا يكون الله جل شأنه عالماً بعواقب الأمور.
الغلاة: هم فرقة خرجوا بالتشيع من الدين الحنيف كالفرقة التي تعتقد في علي بن أبي طالب t أو أحد من آل البيت أو زعيم مذهبهم: الإلهية أو النبوة، مثل البيانية أتباع بيان بن سمعان التميمي([296]) الذين يقولون: إن روح الله تناسخت في الأنبياء إلى أن حلّت في علي ثم في ابنه محمد ابن الحنفية ثم في ابنه أبي هاشم ثم في بيان نفسه. ومثل الخطابية أتباع أبي الخطاب الأسدي الذين يقولون إن روح الله حلت في جعفر الصادق ثم في زعيمهم أبي الخطاب، ومثل الغرابية الذين يقولون: محمد ^ أشبه بعلي من الغراب بالغراب، فبعث الله جبريل إلى علي فغلط في تبليغها لمحمد. ومثل الأمرية الذين قالوا: إن علياً شريك محمد في أمره([297]).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
15 - الشيخ محمد عرفة
 
 
-  أستاذ الشريعة بكلية الشريعة، ثم وكيلا للكلية.
-  عضو هيئة كبار العلماء في مصر .
-  مدير الوعظ في مصر عام 1946 م .
-  مدير مجلة الأزهر .
-  كان عضواً في جماعة التقريب بين السنة والشيعة، ثم تركها بعد أن تيقن حقيقة
   المطامع الشيعية خلفها.


الشيعة
[نترك القارئ مع رأيه في الشيعة، وذلك في تقديمه لكتاب:
«الوشيعة في نقد عقائد الشيعة»]
لقد صدرت آراء من دعاة التقريب بين المذاهب الإسلامية، يثنون فيها على مذهب الجعفرية، المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية، على أن لهذه الطائفة أصولها المستمدة من كتاب الله تعالى، ومن سنة رسوله r. ولعله لا يكون من السهو أن يفوت هؤلاء أن هذا المذهب يقول بردة الصحابة جميعاً بعد وفاة الرسول r، إلا قليلاً منهم، وأن أبا بكر وعمر كافران ملعونان! فهل يجوز للمسلمين تقليدهم في ذلك؟ وأن يكون من المسلمين من يلعن أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة، ويقول بكفر الصحابة!؟ وأن هذا المذهب يقول بكفر المسلمين من غير الشيعة: الحاضرين والماضين؛ فالمسلمون في رأيهم كفار حكامهم ومحكوموهم في نظرهم!!
والذي دعاهم إلى ذلك أنهم يجعلون الإيمان بإمامة عليّ ومن بعده من أبنائه جزءاً من الإيمان، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فمن لم يؤمن بالأئمة من أهل البيت لم يكن مؤمناً، ولذلك كفروا الصحابة الذين قالوا بإمامة أبي بكر وعمر وعثمان، وكفروا هؤلاء الخلفاء لأنهم أخذوا ما ليس لهم من الإمامة، ولذلك أيضاً كفروا المسلمين الحاضرين والماضين الذين لا يقولون بالإمامة التي جعلوها جزءاً من الإيمان، وجعلوا حكامهم أهل جور؛ لأنهم لم يستمدوا حكمهم من الأئمة المعصومين ذوي الحق، وجعلوا الرعية كفاراً لأنهم اتبعوا أئمة الجور ولم يؤمنوا بإمامة الأئمة من أهل البيت.
فهل يجوز تقليد هذا المذهب في ذلك؟! وهل نقول للمسلمين: لكم أن تقلدوا هذا المذهب فيما ذكرنا؛ فيكفر بعضهم بعضاً، وتكون عداوات بين الحاكمين والمحكومين بعضهم وبعض؟! وهذا المذهب يقول: إن هذا القرآن الذي بأيدي الناس ليس هو القرآن كله، وإن علياً هو الذي جمعه كله، فهل يجوز للمسلمين تقليده في ذلك؟ إن ما نسبناه إليهم ينبغي ألا نتركه حتى نبين نسبته إليهم من كتبهم المعتبرة، التي جعلوها أصول هذا المذهب، والتي هي عندهم كالبخاري عندنا.
أما أن هذا المذهب يقول بردة الصحابة، فنحن نستدل عليه بما ورد في "الوافي" (ص48) في الباب العشرين منه، قال: عن أبي جعفر عليه السلام قال: «ارتد الناس إلا ثلاثة نفر: سلمان، وأبو ذر، والمقداد. قيل: فعمار؟ قال: كان حاص حيصة ثم رجع! ثم قال: إن أردت الذي لم يشك ولم يدخله شيء فالمقداد، فأما سلمان فإنه عرض في قلبه أن عند أمير المؤمنين اسم الله الأعظم، لو تكلم به لأخذتهم الأرض، وهو هكذا، وأما أبو ذر فأمره أمير المؤمنين بالسكوت ولم تأخذه في الله لومة لائم، فأبى إلا أن يتكلم».
وفي الباب نفسه (ص48): «عن عبد الرحيم القصير، قال: قلت لأبي جعفر: إن الناس يفزعون إذا قلنا: إن الناس ارتدوا. فقال: يا عبد الرحيم، إن الناس عادوا، بعدما قبض رسول الله r أهل جاهلية، إن الأنصار اعتزلت فلم تعتزل بخير».
وفي الباب حديث طويل، وفي آخره: «فلما قبض رسول الله r وأقام الناس غير عليّ - عليه السلام - لبس إبليس تاج الملك، ونصب منبراً وقعد في ألويته، وجمع خيله ورجله، ثم قال لهم: اطربوا، لا يطاع الله حتى يقوم إمام، وتلا أبو جعفر عليه السلام: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ}[سبأ:20]. فقال أبو جعفر: كأن تأويل هذه الآية لما قبض رسول الله r».
وفي باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية «أصول الكافي» (ص412) عن أبي عبد الله عليه السلام: «في قول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} [النساء:137]، قال: نزلت في فلان وفلان؛ آمنوا بالنبي r، في أول الأمر وكفروا حيث عرضت عليهم الولاية حين قال النبي r: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه. ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين عليه السلام ثم كفروا حيث مضى رسول الله r، فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفراً بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم، فهؤلاء لم يبق لهم من الإيمان شيء».
وقال صاحب "الوافي" أيضاً في كتابه «الكلمات الطريفة» (ص:9) بعنوان «تذكير»: «لقد علمت وتحققت ما جرى بين صحابة نبينا r بعده، من تلبيسهم الأمر على الناس، وإلباسهم لباس البؤس والباس، بعدما سمعوا النصوص على الخصوص، مرة بعد أولى، وكرة غب أخرى، فجحدوا ما علموه، وبدّلوا ما سمعوه، وأنكروا ما حق في أعناقهم، وأعناق المسلمين من حق مولاهم أمير المؤمنين، غلب عليهم حب الرياسة والهوى، واشتعل في قلوبهم ثائرة الحسد والبغضاء، فعادوا إلى الخلاف الأول فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً، فبئس ما يشترون: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا* فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} [النساء:54-55]».
هذا الغلو في تكفير من عداهم ممن لا يقول بنحلتهم، أدى إلى العداوة والبغضاء بين السني والشيعي، حتى كانت العداوة بينهما أشد من العداوة بين المسلم والكافر، كما لاحظ ذلك السيد محمد الحسين آل كاشف الغطاء، في كتابه، أصل الشيعة وأصولها، وبين أنه آفة يجب التخلص منها. وقد كنت شديد الحرص على التقريب بين المذاهب الإسلامية، ولاسيما بين الطائفتين العظيمتين أهل السنة والشيعة.
وأول ما يسلكه السالك في إزالة العداوة معرفة أسبابها، فعلمت بعد الدرس والبحث أن السبب هو تكفير الشيعة من عداهم ممن لم يقل بإمامة عليّ وأهل البيت، فرأيت أن الدواء يجب أن يكون من قبلهم، وأقل ذلك أن يحكموا حديثاً للنبي r في هذه المسألة: «من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد».
وقصارى أهل السنة أن يكونوا مجتهدين مخطئين في مسألة الإمامة، فيغفر لهم خطؤهم الناشئ عن الاجتهاد، فلا يكفرون ولا يفسقون. وأما ما نسبناه إلى مذهب الشيعة من أنه يرى أن الإيمان بالإمام جزءاً من الإيمان، كالإيمان بالله والنبوة واليوم الآخر، فيدل عليه ما ورد في "أصول الكافي" للكليني: «عن أبي حمزة قال: قال لي أبو جعفر: إنما يعبد الله من يعرف الله، فأما من لا يعرف الله فإنما يعبده هكذا ضلالاً. قلت: جعلت فداك! فما معرفة الله؟ قال: تصديق الله عز وجل، وتصديق رسوله، وموالاة عليّ والائتمام به وبأئمة الهدى عليهم السلام، والبراءة إلى الله Q من عدوهم، هكذا يعرف الله، ومن لا يعرف الإمام منا أهل البيت فإنما يعرف ويعبد غير الله».
وقال أبو عبد الله: «من ادعى الإمامة وليس من أهلها فهو كافر».
وقال أبو جعفر: «كل من دان الله بعبادة يجهد فيها نفسه، ولا إمام له من الله، فسعيه غير مقبول. وقال: قال الله تبارك وتعالى: لأعذبنّ كل رعية في الإسلام دانت بولاية كل إمام جائر ليس من الله».
وأما أن مذهب الشيعة يسيء الظن بجميع المسلمين الذين لا يؤمنون بإمامة أهل البيت، فيدل عليه بعض الأحاديث المتقدمة وما ورد في "أصول الكافي" في كتاب الحجة. باب "من ادعى الإمامة وليس لها بأهل"، و"من جحد الأئمة أو بعضهم"، و"من أثبت الإمامة لمن ليس لها بأهل" (ص374 حديث 12).
عن أبي جعفر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، من ادعى إمامة من الله ليست له، ومن جحد إمامة من الله، ومن زعم أن له في الإسلام نصيباً».
عن أبي جعفر عليه السلام يقول: «كل من دان الله بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول، وهو ضال متحير، والله شانئ لأعماله».
عن عبد الله بن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: «إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ويتولون فلاناً وفلاناً، لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء والصدق. قال: فاستوى أبو عبد الله عليه السلام جالساً فأقبل عليّ كالغضبان، ثم قال: لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر ليس من الله، ولا عتب على من دان بولاية إمام عادل من الله. قلت: لا دين لأولئك، ولا عبت على هؤلاء؟ قال: نعم. ثم قال: ألا تسمع لقول الله عز وجل: {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ}[البقرة:257]، يعني من ظلمات الذنوب إلى نور التوبة والمغفرة لولايتهم كل إمام عادل من الله. وقال: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[البقرة:257]، إنما عنى بهذا أنهم كانوا على نور الإسلام، فلما أن تولوا كل إمام جائر ليس من الله عز وجل، خرجوا بولايتهم إياه من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر، فأوجب الله لهم النار مع الكفار؛ فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون».
عن أبي جعفر عليه السلام قال: «قال الله تبارك وتعالى: لأعذبن كل رعية في الإسلام دانت بولاية كل إمام جائر ليس من الله، وإن كانت الرعية في أعمالها برّة تقية، ولأعفون عن كل رعية في الإسلام دانت بولاية كل إمام عادل من الله، وإن كانت الرعية في أنفسها ظالمة مسيئة».
وأما ادعاؤهم تحريف القرآن،ففي كتاب الحجة من "أصول الكافي" باب ذكر فيه الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة عليها السلام (ص239): عن أبي عبد الله عليه السلام: «وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام، مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات! والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد».
وفي باب "أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة عليهم السلام"، و"أنهم يعلمون علمه كله" (ص 228): عن أبي جعفر عليه السلام يقول: «ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلا عليّ بن أبي طالب عليه السلام والأئمة من بعده، عليهم السلام».
وقد ردّ بعضهم في مجلة الأزهر، وقال: إن هذه روايات غير معتمدة تذكر ولا يؤخذ بها، ونحن نقول إنها من «الكافي» لصاحبه الكليني، و«الكافي» من كتب الأصول في مذهبهم، والكليني من الأعلام عندهم.
قال صاحب «روضات الجنات»: في ترجمة الكليني (ص24): محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي صاحب كتاب "الكافي": ".. أجل وأعظم من أن يخفى على أعيان الفريقين ... إذ هو في الحقيقة أمين الإسلام، وفي الطريقة دليل الأعلام.. وحسب الدلالة على اختصاصه بمزيد الفضل، اتفاق الطائفة على كونه أوثق المحمدين الثلاثة الذين هم أصحاب الكتب الأربعة، ورؤساء هذه الشريعة المتبعة...".
ومن ترجمته في «تنقيح المقال في أحوال الرجال» (ج1 م3 ص 201): "ثقة الإسلام في العلم والفقه والحديث والورع وجلالة الشأن .. أشهر من أن يحيط به قلم، ويستوفيه رقم، صنف الكتاب الكبير المعروف بـ:«الكافي» في عشرين سنة .. ويقال: إن جامعه «الكافي» الذي لم يصنف في الإسلام مثله عرض على «القائم»، صلوات الله عليه، فاستحسنه، وقال: كاف لشيعتنا.
فهذا «الكافي» وهذا منزلته عندهم لم يصنف في الإسلام مثله؛ وهذا مؤلفه من مجددي مذهب الإمامية وهو في العلم والفقه والورع والحديث وجلالة الشأن أشهر من أن يحيط به قلم، ويستوفيه رقم. وثقة الإسلام هذا هو الذي نقل أحاديث نقص القرآن الذي بأيدينا وتحريفه، في كتابه الذي لم يصنف في الإسلام مثله، وعرض على «القائم»، فاستحسنه وقال: كاف لشيعتنا؛ فعمن ننقل إذا لم يكن هذا النقل كافياً لبيان مذهبهم؟!
على أنه ألف شيعي كتابا سماه: «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب»، تأييداً لمذهب الشيعة في تحريف القرآن، وقد أرسله السيد «محمد نصيف» من علماء جدة وأعيانها إلى لجنة الفتوى بالأزهر يستفتيها فيه في صيف عام (1959م). إنهم كانوا منطقيين مع أنفسهم مخلصين لمذهبهم، الذي يكفر أهل السنة رعيتهم وراعيهم، حين التزموا لوازمه إلى نهايتها، وقالوا: إنه لا يقاتل مع أهل السنة عدوهم من الكفار.
جاء في كتاب "الوافي" (ج9)" "باب من يجب معه الجهاد ومن لا يجب" (ص15): عن عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبد الله: «جعلت فداك! ما تقول في هؤلاء الذين يقتلون في هذه الثغور؟ قال: فقال: الويل يتعجلون، قتلة في الدنيا، وقتلة في الآخرة. والله ما الشهداء إلا شيعتنا ولو ماتوا على فرشهم».
ولصاحب كتاب «الوافي» هذا ترجمة ضخمة في «روضات الجنات» (ص416)، جاء فيها: أن اسمه محمد، ولقبه: محسن، وأنه اشتهر بالفيض، وأن أمره في الفضل والفهم والنبالة في الفروع والأصول، والإحاطة بمراتب المعقول والمنقول، وكثرة التأليف والتصنيف، أشهر من أن يخفى في هذه الطائفة، وأنه جامع الكتب الأربعة مع نهاية التهذيب ورعاية المزاولة في جزالة الترتيب، وإعمال كمال المذاقة في تبيان مشكل كل حديث، وإمعان النظر في متشابهات الأخبار بعد الفراغ من التحديث..
فلو كان منا شيعة في العدوان الثلاثي على مصر لتخلفوا عن قتال المعتدين بناء على هذه القاعدة، وهذا هو السر في رغبة الاستعمار في نشر هذا المذهب في البلاد الإسلامية. هذا هو المذهب الشيعي في حقيقته، أظهرناه عارياً لا حجاب دونه، أخذناه من مصادره الأصلية، ومن كتبه التي هي أصول المذهب عند الشيعة، وعن أشياخه الذين هم أئمتهم، والموثوق بهم، والذين أجمعت كتب التراجم على تزكيتهم وتوثيقهم، فإذا لم نأخذ المذهب عن هؤلاء، فعمن نأخذ؟ وإذا لم نستند إلى هذه الكتب فإلام نستند؟
أتاك المرجفون برجم غيب



 
  على دهش  وجئتك  باليقين
ولا وزن لقول المجادلين: هذه روايات ضعيفة. أكل روايات الباب ضعيفة؟ وإذا كانت كذلك فكيف يكون الكتاب أحد أصول المذهب؟ ولا وزن كذلك لقول المجادلين؟ لا يؤخذ المذهب من كتب الروايات، وإنما يؤخذ من كتب العقائد. على أننا إذا رجعنا إلى كتب العقائد عندهم، وجدناها توافق الروايات التي قيلت. وها نحن أولاء نهرع إليها فننقل منها مذاهبهم في أشد ما ذكرناه خطورة، وهي الإمامة وما يتعلق بها من تكفير الصحابة والخلفاء الراشدين الثلاثة، ومن تكفير المسلمين من يوم توفي النبي r، إلى يومنا هذا، لأنهم لم يقولوا بإمامة عليّ وإمامة الأئمة الاثني عشر.
ننقله عن رئيس المحدثين أبي جعفر الصدوق محمد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمي المتوفى سنة381هـ، وهو ثاني المحمدين الثلاثة، وصاحب كتاب: «من لا يحضره الفقيه»، أحد الكتب الأربعة التي يعتبرها الشيعة أصول مذهبهم في رسالة الاعتقادات، قال: «واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب والأئمة من بعده أنه كمن جحد نبوة جميع الأنبياء. واعتقادنا فيمن أقرّ بأمير المؤمنين وأنكر واحداً من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من أقرّ بجميع الأنبياء، وأنكر نبوة نبينا محمد r». وقال في رسالة "الاعتقادات" أيضا: قال النبي r: «من جحد عليّاً إمامته بعدي فقد جحد نبوّتي، ومن جحد نبوّتي فقد جحد الله ربوبيته».
وقال النبي r: «يا عليّ! أنت المظلوم بعدي، ومن ظلمك فقد ظلمني، ومن أنصفك فقد أنصفني، ومن جحدك فقد جحدني». وقال الصادق عليه السلام: «المنكر لآخرنا كالمنكر لأولنا».
وقال النبي r:«الأئمة من بعدي اثنا عشر: أولهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وآخرهم المهدي القائم، طاعتهم طاعتي ومعصيتهم معصيتي، من أنكر واحداً منهم فقد أنكرني». وقال الصادق: «من شك في كفر أعدائنا والظالمين لنا فهو كافر».
وقال في «رسالة الاعتقاد» أيضاً: في باب الاعتقادات في الظالمين (ص111): «اعتقادنا فيهم أنهم ملعونون، والبراءة منهم واجبة». قال الله عز وجل: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [البقرة:270]، وقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ* الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [هود:18-19].
قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: إن سبيل الله في هذه المواضع: عليّ بن أبي طالب والأئمة عليهم السلام.
وفي كتاب الله عز وجل إمامان: إمام الهدى وإمام الضلالة، قال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء:73]، قال: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ*وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ} [القصص:41-42]. فلما نزلت هذه الآية: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال:25]، قال النبي r: «من ظلم علياً مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوتي ونبوة الأنبياء من قبلي، ومن تولى ظالماً فهو ظالم».
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة:23]، وقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} [الممتحنة:13] وقال عز وجل: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة:22]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة:51]. وقال: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} [هود:113].
والظلم وضع الشيء في غير موضعه، فمن ادعى الإمامة وهو غير إمام فهو الظالم الملعون، ومن وضع الإمامة في غير أهلها فهو ظالم ملعون. والكلام في الظلم وذم الظالمين سائغ مقبول، ولكن الذي لا يسوغ ولا يقبل إدخال الصحابة والتابعين والخلفاء الراشدين في الظالمين، بل إدخال الأمة كلها إلى يومنا هذا فيهم، لأنها تدين بإمامة غير أهل البيت الذين فيهم الإمامة.
ولأذكر شاهداً من أخف الدراسات، وهي دراسة الرجال أصحاب المسانيد ومسانيدهم في كل من الفريقين. إننا إذا قرأنا كتبهم في رجالنا أصحاب المسانيد؛ طالعنا منها طعنهم على علمائنا الذين نوثقهم ويجرحونهم، فهذا الإمام أبو عبد الله البخاري، الذي جمع من الأحاديث في "صحيحه"، ما يعتمد أهل السنة عليه، يقول فيه صاحب «روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات»، (ص 433): «ونقل عن الذهبي الناصبي أنه قال في كتاب ميزانه، عند ذكره وبيانه لمرتبة إمام الأنام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أحد الأئمة الأعلام، برّ صادق كبير الشأن، لم يحتج به البخاري، بمعنى أنه لم يستند في كتابه الجامع من كل غثّ غير ثمين، وغثاء مهين ... بما أخبره الصادق المصدق الأمين؛ وفيه ما لا يخفى من الدلالة على غاية جهل الرجل وغوايته، وعماه الشديد في طريق هوايته، بل الإشارة إلى خبث أصله وسوء ولادته مثل سائر أعداء الله وأعداء أهل بيت رسالته. وقال بعض علمائنا: وإنما شاع كتابه لتظاهره بعداوة أهل البيت عليهم السلام فلم يرو حديث الغدير، وكتم حديث الطائر، وجحد آية التطهير، مع إجماع المفسرين على نزولها فيهم من غير نكير، إلا ما كان من عكرمة الخارجي، والكذاب الكلبي، وثالثهما البخاري ... ».
لم نشأ أن نأخذ مذهب الشيعة الإمامية من كتب الفرق، والملل والنحل لئلا يقولوا: لا يلزمنا ما قال غيرنا فينا، ولم نشأ أن نأخذ من كتب العقائد، وكتب أئمة المسلمين الذين ناظروهم وجادلوهم، كالإمام الغزالي وابن تيمية وعلامة الهند الدهلوي، لئلا يقولوا: خصوم، والخصم يحرف مذهب خصمه للتشنيع والتقبيح.
وإنما أخذناه من أئمتهم الذين أسسوا المذهب، ومن كتبهم التي تعتبر أصولاً له، وكنا نرجع إلى كتب التراجم والجرح والتعديل عندهم، فرأيناهم يوثقونهم ويعدلونهم ويرونهم شيوخ المذهب، ورأينا كتبهم يثنون عليها أعظم الثناء، حتى إنهم قالوا في "الكافي":«لم يؤلف في الإسلام مثله». ومن عجب أن ما جاء في هذه الكتب كأنما كان نسخة مما نقله علماؤنا في كتب الرد عليهم، وما نقلته كتب الفرق وما رآه المستشرقون فيهم.
نقلنا مذهبهم من كتبهم، وبينا ما يترتب عليه من فرقة وانقسام، وأن الحق كل الحق كان في جانب علمائنا الذين حرّموا تقليد المذهب الشيعي. ذكرنا ذلك في أسلوب عفّ، لا غاضب ولا صاخب، ولا عارٍ عن الأدب، لم نرسل كلمة جارحة، ولا قولاً نابياً، حتى إننا لم نقل كفر وإيمان، وإنما قلنا إنه يؤدي إلى الفرقة بين المسلمين.
ثم هو يدعو من ثبت يقينه ولم يقلده إلى بغض الشيعة، ونحن أحرص الناس على جمع الكلمة وضم الصفوف. لقد وضع سلفنا من العلماء السدود والحواجز بين السنة والشيعة بما أبانوا من خلاف جوهري بينهما، وبما حرموا من تقليد المذهب الشيعي إبقاء على وحدة الأمة! إن هذا المذهب: مذهب الشيعة لا يساير نهضتنا، بل هو يناقضها في جميع أهدافها، فلا يصح أن ندعو إليه، ونجره إلينا، لأننا ندعم نهضتنا بأمجادنا التاريخية وآبائنا السابقين أولي الحزم والعزم، والقائمين لله بالقسط. وأي شيء أدعى للاعتزاز به والفخر من أبي بكر وعمر، وعدل أبي بكر وعمر؟ قال بعض المؤرخين من الإفرنج: لو كان الحكم الفردي كحكم عمر بن الخطاب، لنادينا بتعميمه في جميع الأقطار، ولكن الدهر ضنين بأمثال عمر!
وهذا المذهب يضع من شأن الخلفاء الراشدين الثلاثة، ويعدّهم ظالمين غاصبين مرتدين، فهم سبة لا فخر بهم!! وأي شيء أدعى للاعتزاز والفخر من صحابة رسول الله r، الذين بني الإسلام على أكتافهم، وانتشر في الآفاق بفضل جهادهم، وفتحوا الممالك بسواعدهم، وهم كانوا قلة مستضعفين، لا عدد ولا عدة، فناضلوا الفرس والروم، فاستولوا على ملك الأكاسرة والقياصرة؟!
وهذا المذهب يكفرهم ويفسقهم، ويسطر المثالب فيهم وفي أكابرهم واحداً واحداً، ولا يستثني إلا قلة، ذكر عددهم وهم لا يجاوزون أصابع اليد.
وأخيراً: إننا نريد الاستقلال لنا وللعرب، وهذا المذهب يجعلنا تابعين للإمام المنتظر، ومن يعينه الإمام المنتظر، وهو في سرداب في سامراء لنكون تابعين لغيرنا. في حياتي كلها لم أثر جدلاً دينياً بيني وبين طائفة من الطوائف التي تنتمي إلى الإسلام، ولم أعرض لمناقشتهم، ولا لبيان خطئهم، لأني أعلم أن ذلك يثير الفرقة والانقسام، وإني من الدعاة إلى الوحدة الإسلامية والترابط بين المسلمين وإن اختلفت مذاهبهم وتباينت نحلهم، ولكنني أجدني في هذا الوقت مضطراً إلى الخوض فيما كنت أتحاماه، والانغماس فيما كنت أتحاشاه.
وحسبي الآن شاهداً ما أختم به كتابي هذا، من رسالة لبديع الزمان الهمذاني، تصور ما كان في زمنه بين الطائفتين من نزاع وصراع، نعوذ بالله منه، قال: «ألا وإن في صدري لغصّة، وإن في رأسي لقصّة، وإن لكل مسلم فيها لحصة، وإن في هذا المقام فيها لفرصة، وقد سمع الشيخ الرئيس أخبار عضد الدولة أبي شجاع، وما أوتي من بسطة ملك وباع، ويد في الفتوح صناع، وخطا في الخطوب وساع، إن كان ليقول: ملكان في الأرض فساد، وسيفان في غمد محال، ولم يرض أن يلي الأرض بطاعة معروفة، حتى يجعلها قبضته، فأعدّ للبحر مراكب، وللبر مصانع، وللحصون مكايد، وكاد وهمّ، ولو عمر لتم، ثم عجز - والقدرة هذه - أن يعمر التربتين الخبيثتين، أو يصلح البلدتين المشئومتين «قُمّ والكوفة» فعلم أن ذلك الخبث نحلتهما، فهمّ أن يسبي ويبيح، ثم فرض الجزية عليهم أو يقيموا التراويح. ورجع صاحبي آنفاً من هراة، فذكر أنه سمع في السوق صبيّاً ينشد:
إن محمداً وعليّاً
 
  لعنا تيماً وعديّـاً
فقلت: إن العامة لو علمت معنى تيم وعديّ، لكفتني شغل الشكاية، وولى النعمة شغل الكفاية، ويل أم هراة، أنصب الشيطان بها هذه الحبالة؟ وصرنا نشكو هذه الحالة! والله ما دخلت هذه الكلمة بلدة إلا صبّت عليها الذلة، ونسخت عنها الملة، ولا رضي بها أهل بلدة إلا جعل الله الذل لباسهم وألقى بينهم باسهم!!
هذه نيسابور، منذ فشت فيها هذه المقالة، في خراب واضطراب، وأموالها في ذهاب وانتهاب، وأسواقها في كساد وفساد، وأسعارها في علاء وخلاء، وأهلها في بلاء وجلاء، يفتنون في كل عام مرة أو مرتين، ثم لا يتوبون ولا هم يذّكرون.
وهذه قهستان،منذ فشت فيها هذه المقالة، جعلت مأكلة الغصص، ونجعة الأكدار، ولحمة السيف، ومزار السنان، مرّة يهدم سورها، ومرة تنهب دورها، وتارة تقتل رجالها، وأخرى تهتك حجالها! فالشيطان لا يصيد هراة صيداً، وإنما يستدرجها رويداً.
وهذه الكوفة مما اختط أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t وما ظهر الرفض بها دفعة، ولا وقع الإلحاد فيها وقعة، إنما كان أوله النياحة على الحسين بن عليّ عليه السلام وذلك ما لم ينكره الأنام، ثم تناولوا معاوية، فأنكر قوم وتساهل آخرون، فتدحرجوا إلى عثمان، فنفرت الطباع، ونبت الأسماع، وكان القِراع والوقاع، حتى مضى ذلك القرن. وخلف من بعدهم خلف، لم يحفظوا حدود هذا الأمر، فارتقى الشتم إلى يفاع، وتناول الشيخين – رضي الله عنهما !! فلينظر الناظر أيّ زند قدح القادح، وأي خطب بلغ النائح؟! لا جرم أن الله تعالى سلط عليهم السيف القاطع، والذل الشامل، والسلطان الظالم، والخراب الموحش، ولما أعد الله لهم في الآخرة شرٌّ مقاماً. وأنا أعيذ بالله هراة أن يجد الشيطان إليها مجازاً، وأعيذ الشيخ الرئيس ألا يهتز لهذا الأمر اهتزازاً يرد الشيطان على عقبه».
فهذا بديع الزمان يبين أن عضد الدولة مع ما أوتيه من قدرة وسلطان، عجز أن يصلح «قم والكوفة»، لما فسدتا بالتنازع بين السنة والشيعة! وهمّ أن يسبي ويفرض الجزية على من لم يصل التراويح. وتركها علامة الشيعة، لأن التراويح من فعل عمر. ثم يذكر أن صبيا في هراة، كان ينشد:
إن محمداً وعليّاً
 
  لعنا تيماً وعديّـاً
وهما قبيلتا أبي بكر وعمر، وذلك ليشفوا صدورهم بالكناية إذ عجزوا عن التصريح. ثم ذكر حال البلاد التي تشيع فيها هذه المقالة من فساد وانتهاب، ووصف ذلك أبلغ وصف. ثم ذكر أن الرفض بدأ في الكوفة بالنياحة على الحسين، وهذا أمر هين ... ثم تدرج بتناول معاوية، فرضي قوم وسخط آخرون .. ثم تدحرجوا إلى عثمان، فنفرت الطباع، وكان الصراع والوقاع! ثم ارتقى السب إلى الشيخين أبي بكر وعمر، فكانت الطامة الكبرى. وبعد ذلك حرض الشيخ الرئيس أن يحسم هذا الأمر، وأن يحمي هراة من هذا الصدع.
أسأل الله أن يجنبنا سوء الجدل، وأن يوفقنا لحسن العمل، وأن يرينا الحق حقّاً فنتبعه، والباطل باطلاً فنجتنبه. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل؟
                                                            
 
 
 
 
 
 
 
 
 
16- العلامة موسـى جـار الله
 
- شيخ مشايخ روسيا والقائم على شؤون المسلمين هناك والذين يزيدون عن 30 مليون مسلم .
- ولد في روسيا عام 1295هـ ، وتوفي بالقاهرة عام 1369هـ .
- هرب من بلاده بعد مجازر الثورة الشيوعية واجتياحها بلاد المسلمين .
- كان عالماً بالعربية على أعجميته ، ويتقن الفارسية والتركية والتترية.
- له عدة كتب .
 
 


في بلاد الشيعة
[الشيخ موسى جار الله هو شيخ مشايخ روسيا والذي قاوم الشيوعية المجرمة حين اجتاحت بلاد المسلمين، ولما عجز عن ذلك هرب من بلاده فمر بإيران وكتب لنا تجربته مع العقيدة الشيعية، في كتابه "الوشيعة في نقض عقائد الشيعة"، « مواضع من ص24-37» ].
 
جُلت في بلاد الشيعة طولاً وعرضاً سبعة أشهر وزيادة، وكنت أمكث في كل عواصمها أياماً أو أسابيع، وأزور معابدها ومشاهدها ومدارسها، وأحضر محافلها وحفلاتها في العزاء والمآتم، وكنت أحضر حلقات الدروس في البيوت والمساجد وصحونها، والمدارس وحجراتها، وكنت أستمع ولا أتكلم بكلمة، وكنت أجول في شوارع العواصم وأحيائها، ودروب القرى وأزقتها، لأرى الناس في حركاتهم وسكناتهم على أحوالهم العادية وأعمالهم اليومية.
وكنت طول هذه المدة أرى أموراً منكرة لا أعرفها، ثم أستفهمها ولا أجد جوابها، وأنكر شيء رأيته في بلاد الشيعة: أني لم أر طول هذه المدة في مسجد من مساجدها جماعة صلت صلاة الجمعة يوم الجمعة، إلا في «بوشهر» في رمضان، فقد حضرت في جامع، ورأيت طائفة من الناس صلت جمعة شيعية وخطب خطيبها خطبة شيعية.
ولم أزل أتعجب إلى اليوم: كيف أمكن أن أرى مذهباً أو اجتهاد فرد أو رأي فقيه يرسخ متمكناً في قلوب أمة حتى تجمع على ترك نصوص الكتاب تركا كأنها تجتنب الحرام. لم أر في يوم من أيام الجمعة في مسجد من المساجد أحداً من خلق الله، ساعة الجمعة. وكنت قد أرى في سائر الأيام أفراداً أو جماعة تصلي صلاة الظهر، وتجمع صلاة العصر في مسجد من المساجد.
وكنت بكربلاء المقدسة والنجف الأشرف مرات، وأقمت بالنجف أيام المحرم، حتى رأيت كل ما تأتي به الشيعة أيام العزاء، ولهم يوم العاشوراء في الصحن حول قبر الإمام أمير المؤمنين «علي» أشواط وأدوار في ألعاب رياضية يسمونها «التطيير»، وصوابها لفظا ومعنى واشتقاقاً وأصلاً هو «التبيير»، كنت أقول كلما أراها: {إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأعراف:139].
وفي كل شوط من الدور كان يسقط واحد أو اثنان من المتبّرين مغشياً عليه، يحمله حملة على نعش مثل نعش الميت، فكأنه شهيد فدى الإمام الحسين بنفسه، وكل هذه التمثيلات والألعاب لو لم يكن فيها إغراء عداوة وبغضاء لكان فيها روعة، ولعجل الإمام القائم المنتظر الرجعة لو رأى فيها أثر صدق بين ملايين الشيعة.
وأول شيء سمعته، وأكره شيء أنكرته في بلاد الشيعة هو لعن الصديق والفاروق وأمهات المؤمنين: السيدة عائشة والسيدة حفصة، ولعن العصر الأول كافة في كل خطبة وفي كل حفلة ومجلس في البدء والنهاية، وفي ديابيج الكتب والرسائل، وفي أدعية الزيارات كلها، حتى في الأسقية، ما كان يسقي ساق إلا ويلعن، وما كان يشرب شارب إلا ويلعن.
وأول كل حركة وكل عمل هو الصلاة على محمد وآل محمد، واللعن على الصديق والفاروق وعثمان الذين غصبوا حق أهل البيت وظلموهم. ولا أنكر على الشيعة في كتابي هذا إلا هذا الأمر المنكر، وهو عندهم أعرف معروف، يتلذذ به الخطيب، ويفرح عنده السامع، وترتاح إليه الجماعة، ولا ترى في مجلس أثر ارتياح إلا إذا أخذ الخطيب فيه، كأن الجماعة لا تسمع إلا إياه، أو لا تفهم غيره.
ولما وردت «طهران» زرت بعض كبار مجتهدي الشيعة، وكنت أحضر حفلات العزاء ومجالس الوعظ، وأسمع فيها بصراحة زائدة ما كنت أنكره شديد الإنكار، وكان فيها في تلك الأيام إمام مجتهدي الشيعة السيد «محسن الأمين الحسيني» العاملي ضيفاً، وكان يؤم الجماعة في صلاتي المغرب والعشاء جمعًا، وكنت زرت حضرة السيد العاملي مرة بالكوفة، وجرى في تلك المرة بيننا كلام يسير، فزرته في جامع طهران مرة ثانية، وصلينا الصلاتين، ثم كتبت على ورقة صغيرة إنكاري هذا الأمر المنكر، وزدت فيها مسائل، وقدمتها بيد السيد محسن الأمين العاملي لمجتهدي طهران، وقلت:
1-    أرى المساجد في بلاد الشيعة متروكة مهملة، وصلاة الجماعة فيها غير قائمة، والأوقات غير مرعية، والجمعة متروكة تماماً. وأرى المشاهد والقبور عندكم معبودة، أما المقابر فهي في أكثر بلادكم طرق للناس ومعابر، تدوسها الأنعام والكلاب وكل عابر! ما أسباب كل هذه الأمور؟
2-        لم أر فيكم لا بين الأولاد، ولا بين الطلبة، ولا بين العلماء من يحفظ القرآن، ولا من يقيم تلاوته، ولا من يجيد قراءته.
3-    أرى القرآن عندكم مهجوراً. ما سبب سقوط البلاد إلى هذا الدرك الأسفل من الهجر والإهمال؟ أليس عليكم أن تهتموا بإقامة القرآن الكريم في مكاتبكم ومدارسكم ومساجدكم؟
4-        أرى ابتذال النساء وحرمات الإسلام في شوارع مدنكم بلغ حداً لا يمكن أن يراه الإنسان في غير بلادكم.
    كتبت في الورقة هذه المسائل الأربع، في (26/8/1934م) بطهران، وسلمتها للسيد «محسن الأمين العاملي»، ثم لم أر حضرة السيد. وسمعت خطيباً في حفلة أتى بكلمات دلت على أن تلك الورقة تداولتها الأيدي.
بين كتب الشيعة
غنينا عصوراً في عوالم جمة
 
  فلم نلق إلا عالماً متلاعنا
فإن فاتهم طعن الرماح، فمحفل   ترى فيه مطعوناً عليه وطاعنا
هنيئا لطفل أزمع السير عنهم
 
  فودع من قبل التعارف ظاعنا
هذه حال الشيعة في نسبتها إلى الأمة، والتشيع على شكله الذي نراه اليوم في بلاد الشيعة، وكنا نراه من قبل، لم يكن في العصر الأول وعهد الخلافة الراشدة. والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، قد ألف الله بين قلوبهم، وكان كل يحب أهل البيت، ويحترم بيت النبوة.
قد وقع في تاريخ الإسلام أمران مران، كل واحد منهما أمرّ من الآخر، لا ندري أيهما أفجع وأشد وقعاً وأذهب بالدين والشرف:
الأول: قتل الإمام المُحرِم عثمان في الحرم النبوي، وهو خليفة رسول الله r في الرسالة المحمدية، ورئيس الأمة في الدولة الإسلامية، رابع الأمة في إقامة الدين، وثاني الأمة في المصاحف وفتوحات المؤمنين.  وأهل الثورة فئة حقيرة بطرت معيشتها فبغت وثارت بغياً وتمرداً.
الثاني: من الأمرين قتل الحسين وكل من معه من أهل بيت النبوة، بقساوة فاحشة ووحشية متناهية، تدعوه شيعة أهل البيت بآلاف من الكتب والرسائل، وعدد كثير من الوفود دعوة نفاق وخداع، ثم تسلمه لأعداء أهل البيت إسلام خذل يخزي كل جبان، ولو كان في نهاية الضعف، ويقتله وكل من معه، ويمثل به مثلات بكل إهانة جيش الدول الإسلامية ابتغاء مرضاة مسرف مفسد ماجن.
يروي «الوافي» عن «الكافي» (2/6) عن الصادق: «أن الوصية نزلت على محمد قبل وفاته، كتاباً بخط إلهي مشاهد، وعلى الكتاب خواتيم من ذهب، دفعه النبيّ إلى عليّ، وعليّ فتح الخاتم الأول وعمل بما فيه، والحسن فتح الثاني، ومضى لما فيه. فلما فتح الحسين الثالث وجد «قاتل، واقتل. وتقتل، وأخرج بأقوام للشهادة. لا شهادة لهم إلا معك».
ولا أرى إلا أن الشيعة لم تضع على لسان الصادق هذا الحديث إلا احتيالاً إلى التخلص من خزي الخذل المخزي، ولا خلاص ولات حين مناص، لأن خروج الإمام الحسين عليه السلام ولو كان «بكتاب من الله مختوم بذهب لاستعد له، عملا بقول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا} [النساء:71]، ورفع الراية وحولها قوته، على حد قول الله: {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال:62]؛ لأن الأمر الإلهي لا يكون إلا بالتأييد، وعلى حد قول الله: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} [النساء:84]، ولكان جواب الإمام لشيعة الكوفة: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا} [النساء:63]؛ لأن شيعة العراق قد جربها أبوه «الإمام علي» وأخوه «الحسن».
وما كان الحسين لينسى قول أبيه في الشيعة: «الذليل من نصرتموه! أنتم كثير في الباحات، قليل تحت الرايات، أضرع الله خدودكم، وأتعس جدودكم، لا تعرفون الحق مثل معرفتكم الباطل، ولا تبطلون الباطل مثل إبطالكم الحق». ولو صح «نهج البلاغة» لكان يعلمه الحسين، وأكثر خطبه شكوى ولعنة، وهل كان يخذل علياً إلا شيعته.
ولِعلي كلمات مُرة خطاباً للشيعة، وهي كلها صادقة، أخفها وأحقها ما في الصفحة (183) من المجلد الثاني لشرح ابن أبي الحديد.
"كشف الغطاء" للإمام المجتهد الشيعي النجفي «جعفر بن الشيخ خضر» هو كتاب يعتمد عليه شيعة اليوم، قد كشف كل الغطاء عن كل قلوب الشيعة، فلنا أن نقول لهذا الإمام المجتهد:
لقد كنت تخفي بغض الأصحاب خيفة   فبح  الآن  منهـا  بالذي  أنت  بائح
وانطلق قلم الشيخ ولسانه، فأخذ يبث ما في قلبه من العلوم والعقائد، وطفق يستدل على فضل عليّ:
1-        بحديث «لا يجوز على الصراط إلا من كان بيده جواز من ولاية علي».
2-        وبخبر نزول: «لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي» في واقعة أحد.
3-        بحديث رد الشمس عليه بعد المغرب مرة أو مرتين أو ستين مرة.
ثم جعل يقول: «لو أمعنت النظر واقتفيت الأثر لعلمت من مجموعه أنه لم يكن بعد النبي أهل للقيام بأعباء الخلافة سوى من أقامه الله لها وهو علي».
وجاهر جهاراً بلعن الصديق والفاروق، وقال: «إن عثمان كان كافراً قتله أصحاب علي برضا علي، على مرأى منه ومسمع». فكشف بمثل هذا التحقيق كل الغطاء عن وجه الشهادتين: شهادة الإمام عثمان، وشهادة الحسين.
لا لوم إلا على من كان يخذل علياً في حياته، وسعى في قتل أولاده بعد شهادته ومماته. أنا لا أريد أن أكذب القرآن الكريم والتوراة إذ يقولان: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}  [الفتح:29].
علي والمهاجرون والأنصار براء من دم عثمان براءة الذئب من دم يوسف، ولو تقولت الشيعة إن عليّاً رضي بقتل عثمان، وأمر أخص خواصه فقتل بيده عثمان، فيزيد وفعله أكبر وأفحش وأشنع من كل كفر، له حق كل الحق في قتله الحسين بذنب أبيه، فرحم الله صاحب "اللزوميات" إذ يقول في الشيعة:
يقول كلاماً فوك يوجد بعده
 
  كذي نَجَسٍ يحتاج منه إلى الغسل
وفي الصفحة (17) عقد باباً لمثالب الصحابة وأهل البيت: «أمهات المؤمنين» فقال: المثالب الثابتة للقوم - يريد بالقوم: الصديق، الفاروق، وعامة الصحابة وأمهات المؤمنين - التي تأبى الإسلام فضلاً عن الإيمان والعدالة، فكثيرة لا يمكن ضبطها.
وقال في (ص19): «روى البخاري في "صحيحه" عن نافع عن ابن عمر قال: قام النبي خطيباً فأشار نحو مسكن عائشة، وقال: الفتنة تطلع من هنا (ثلاثاً) حيث يطلع قرن الشمس». ويقول: «روى البخاري قال: خرج النبي من بيت عائشة وقال: رأس الكفر من هنا، من حيث يطلع قرن الشمس».
يقول كاشف الغطاء عن وجه أحاديث الأمة: إن كتب الأمة مملوءة من ذم عائشة وذم أبيها بأحاديث النبي.
هذه شواهد تدل على قدر الإيمان والأدب والأمانة لأقلام مجتهدي الشيعة، والروح في كتب الشيعة في قديمها وفي جديدها متفقة: هي العداء للعصر الأول، ولعن الصديق والفاروق، وإكفار عامة الصحابة، وأمهات المؤمنين، وعلى رأسهم عائشة وحفصة. وهذه - كما قلت مراراً - هي التي لا تتحملها الأمة ولا الأدب ولا العقل ولا الدين.
إمام مجتهدي شيعة اليوم: محمد الحسين آل كاشف الغطاء، رأيته أول مرة بالقدس، ثم عرفته تمام المعرفة، إذ كنت أجالسه في المؤتمر القدسي أياماً، كان يجلس عن يميني في الصف الأول، ثم بعد مدة زرته في بيته بالنجف الأشرف، فأعطاني كتابه: «أصل الشيعة»، وقال: طالعه تجد فيه حقائق كثيرة، قد استحسنه علماء الغرب حتى قرظه البعض. ثم زرته مرة ثانية واقتديت به مرات في صلاة الجماعة.
ثم بعد أيام قرأت كتابه «أصل الشيعة»، والكتاب صغير يمر به الراغب في سويعات قبل أن يقوم من مقامه، وقد يطوي الله لنا طول الكتاب في عدد مجلداته وحزونته في بياناته طي المسافة وطي الزمان، فأرى المعاني مستقرة عندي قبل أن يرتد إلي طرف أفكاري.
أحطت بكل ما في «أصل الشيعة» في جلسة، وقد وقفت مطي أفكاري وقفه طويلة في (ص21) عند قوله: «إمام الشيعة: عليّ بن أبي طالب الذي يشهد الثقلان أنه لولا سيفه ومواقفه في بدر وأحد وحنين والأحزاب ونظائرها، لما اخضر للإسلام عود، وما قام له عمود، حتى كان أقل ما قيل في ذلك:
ألا إنما الإسلام لولا حسامه
 
  كعفطة  عنز  أو  قلامة ظافر
وقفت مطية فكري وتفكرت: دين أنزله الله من العرش العظيم إلى سيد المرسلين وخاتم النبيين، ليكون ديناً للعالمين إلى يوم الدين في كتاب: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء:88] كيف يقول فيه قائل له عقل: إن أقل ما يقال فيه إنه عفطة عنز، أو قلامة ظافر، أو ضرطة عنز بذي الجحفة؟!!
وهل لعلي فضل سوى أنه صحابي بين الصحابة وبطل من أبطال جيش الإسلام، لولا الإسلام لما كان لعليّ ولا لعرب الحجاز ذكر: {هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا} [الإنسان:1]. {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر:10]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر:15]. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ*وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [إبراهيم:19-20].
    ومن كان له أدب، فليس من أدبه أن يمنّ على الله بشيء من عمله: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات:17].
    ولو صدق قول إمام الشيعة: "لولا سيف عليّ لما اخضر للإسلام عود وما قام له عمود" لكان النبي في قوله: «أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» كاذباً كذب كفران! ولكان قول الله جل جلاله: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال:19] باطلاً بطلان عدوان.
فإن كان معتزلي اعتزل دينه شبه الإسلام بضرطة أنثى المعز، فقد كان أجهل الناس بالإسلام، وأبعد الناس عن الإيمان، وشر منه قول من جعل قول المعتزل أقل ما يقال فيه: فأي شيء أقل من ضرطة العنز؟ جئ به ترفضاً تشيعاً حتى تكون أبلغ بليغ.
فقل الآن: أي شيء، بعد قولك هذا، أكثر ما يقال فيه؟!
طالعت بعد مدة كتاب «الدين والإسلام» وهو كتاب جليل، كتبه مؤلف «أصل الشيعة» في سورة شبابه، ولا ينبع مثل هذا الكتاب إلا من منبع يمده علم وإيمان، لولا أن المؤلف يقول فيه: ولنأخذ على جامح القلم هنا بعنان الإمساك، فإنا نخشى أن يبث القلم من الأسرار ما لا تتحمله الأملاك ولا الأفلاك.
يقولون حدثنا فأنت أمينها
 
  وما أنا  إن حدثتهم  بأمين
 (219:1) ولا يعجبني من أحد مثل هذا العجب، فإن أكثر من يعجب هذه الدرجة من الإعجاب إذا أخذ يحدث حديثا، يأخذ يحدث حدثاً، فإن الانتحال لا يكون إلا كذلك.
وبعد أن طالعت «الدين والإسلام» تعجبت عجباً من قول مؤلفه في كتابه «أصل الشيعة»: «يشهد الثقلان: إنه لولا سيف عليّ لكان أقل ما يقال في الإسلام إنه عفطة عنز أو قلامة ظافر»؛ فإن مثل هذه الشهادة لن يؤديها أحد له عقل، وعنده شيء من الدين، فقول المؤلف فرية بهيتة على كل أحد حتى لا يقول بمثل هذه الشهادة أحد من الشيعة، ولو جاريت المؤلف في مبالغته لقلت: إن شيخ الشريعة قد تاب عن قوله في "أصل الشيعة"، لأن صاحب كتاب مثل «الدين والإسلام» لن يتقول أبداً بمثل هذا الكلام. وإمام الأئمة عليّ أمير المؤمنين، أول من يتبرأ من مثل هذا الكلام، وأفضل أحوال عليّ أن يكون خامس الأئمة، ورابع الصحابة، وقد جعله الله كذلك، رضي هو في حياته بذلك، وقد كان يقول: «دنياكم عندي كعفطة عنز في فلاة»، ومثل هذا الكلام في مثل هذا المقام له وقع، وله بلاغة.
أما انتحاله في الإسلام «لولا سيف عليّ» فلم ولن يرتكبه أحد؛ إذ لا شرف لعليّ وسيفه إلا بإسلامه، والإسلام في شرفه غني عن العالمين غنى الله، منه بدأ وإليه يعود: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} [الإسراء:86].
 
 
 
 
 
17- الدكتور عبد المنعم النمر
 
 
- الفقيه والمفكر الإسلامي المعروف .
- عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر .
- وزير الأوقاف المصرية سابقاً.
- درس في العديد من الجامعات الإسلامية في العالم .
- له أكثر من 30 كتاباً .


الشيعة
[في كتابه: "الشيعة. المهدي. الدروز. تاريخ.. ووثائق.." بين الحوار الذي دار بينه وبين الشيخ محمد علي تسخيري داعية التقريب فكان هذا حقيقة التقريب! و نقلنا لك أيها القارئ الكريم أيضاً من الفصل الأول : تعريف الشيعة].
مقدمة الطبعة الرابعة:
باسم الله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين. وبعد: فقد رأيت - أخي- أن أجعل مقدمة هذه الطبعة الرابعة، حديثاً جرى بيني وبين سماحة الأخ الشيخ محمد علي تسخيري، أحد علماء إيران الذي ينوب أحياناً كثيرة عن حكومته في المؤتمرات والندوات الإسلامية، وهو رجل وسيم فصيح ولبق، إذا تحدث باللغة العربية كان كأحد أبنائها، ويظهر أنه تلقى تعليمه وقضى شطراً كبيراً من شبابه في رحاب المدن المقدسة الشيعية في العراق.
كان هذا اللقاء في «مسقط» عاصمة سلطنة عمان، وفي رحاب جامعة السلطان قابوس الحديثة والفخمة المتسعة في مبانيها، والتي تقع على بعد نحو 40 كيلو متراً من العاصمة «مسقط» حيث عقدت «ندوة الفقه الإسلامي» التي دعت السلطنة لعقدها في المدة من (السبت 22 شعبان - 9 أبريل إلى الأربعاء 26 شعبان سنة 1408 - 13 أبريل سنة 1988م)، وحضرها كثير من كبار العلماء والمشتغلين بالفقه الإسلامي، والحركة الإسلامية وعلى رأسهم فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر.
التقيت بالشيخ محمد علي تسخيري في أول جلسة، وتبادلنا التحية، والمصافحة، وذكرني بأن أول لقاء كان في أحد الملتقيات الفكرية في مدينة قسنطينة بالجزائر في أوائل الثمانينات..
وفي اليوم الثاني خرجنا سوياً من الجلسة للاستراحة، ودار بيننا حديث بدأه هو، حين قال لي: لقد ظلمتنا كثيراً فيما كتبته عنا.
قلت له: أنا مستعد من الآن والكتاب عندك ليس بعيداً عنك، أن أتقبل منك أي تصحيح لخطأ وقع مني، وأنشره في الطبعة القادمة، ورحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي، وأنا لم أكتب شيئا إلا بمراجعه ووثائقه من كتبكم..
قال: لقد ظلمتنا حين نسبت إلينا أننا نقول بتحريف القرآن، وأن الصحابة الذين جمعوه، قد أسقطوا منه سوراً وكلمات، تثبت حق علي t في الإمامة بعد الرسول.
قلت له: نعم ذكرت ذلك، معتمداً على ما جاء في كتبكم، وذكرت هذه الكتب، وعلى رأسها كتاب «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب» الذي ألفه عالمكم الكبير «الشيخ حسين النوري الطبرسي» في آخر القرن الثالث عشر الهجري، وطبع في إيران (سنة 1298هـ)، ونقلت بعض ما جاء في هذا الكتاب بالنص، فكيف أكون قد ظلمتكم وأنا لم أذكر كلمة في ذلك إلا من نص كتبكم، وما قرره علماؤكم، وقد أحطتم مؤلف كتاب «فصل الخطاب» هذا بكل تكريم عند وفاته (سنة1320هـ)، حيث دفن في مشهد الإمام المرتضوي بالنجف أشرف البقاع عندكم..
قال: هذا الكتاب لا يساوي شيئاً، وأنا أضعه تحت قدمي (وضرب الأرض بقدمه) وهو منفعل.
قلت له: ولماذا تبقون عليه مُعتبراً عنكم، إذا كان الأمر كذلك؟ لماذا لم تعلنوا أنكم لا تقرون ما جاء في هذا الكتاب، وتنشروا هذا على نطاق واسع، حتى أعلم أنا وغيري أن هذا الكتاب لا يعبر عن رأيكم ولا رأي المذهب والمتمذهبين به؟ وهل صدر قرار أو بيان على الأقل من المرجع الأعلى للشيعة وهو الآن «آية الله الخميني» بعدم صحة ما جاء في كتبكم وعلى رأسها كتاب الطبرسي هذا، من اتهامكم للصحابة الذين جمعوا القرآن بأنهم حرفوه؟ وذلك حتى تقوموا بحذف هذه الاتهامات من هذه الكتب عند إعادة طبعها، أتعجزون عن هذا؟
لم يحصل منكم شيء من ذلك، وأنا أعرف أن بعض علمائكم يتبرءون في مجالسهم من ادعاء تحريف القرآن، لكن الصوت العالي والرواج هو للرأي الذي يدعي أن الصحابة حرفوا القرآن، فلماذا لم تصدروا بياناً للشعب الذي يتعلم من هذه الكتب، باستنكاركم لهذا الاتهام؟
قال لي: وقد تحدثت أيضاً عن قولنا بأن هناك مصحفاً يقال له «مصحف فاطمة»، ونحن لا نقول بهذا.
قلت له: نعم تحدثت عما تقوله أوثق المصادر عندكم من أن الوحي كان ينزل على السيدة فاطمة عليها السلام بعد وفاة والدها، وكان علي t هو كاتب الوحي، حتى تجمع من ذلك ما سميتموه «مصحف فاطمة».
وكان أول علمي بهذا اطلاعي على خطبة للخميني أذاعتها إذاعة طهران قال فيها حين كان يخطب في اجتماع للسيدات بمناسبة الاحتفال بذكرى مولد السيدة فاطمة عليها السلام: إنني أجد نفسي عاجزاً عن الحديث عن السيدة فاطمة، ولكني أكتفي برواية مدعمة بالأدلة ذكرها كتاب «الكافي».. وذكر للسيدات هذه الرواية.
وكتاب «الكافي» للإمام الكليني عندكم هو البخاري عندنا، وقد اضطرني هذا إلى أن أذهب للنجف في زيارة أحد علمائكم الكبار، واستطعت أن أطلع في مكتبته على ما ذكره من هذا الكتاب «الكافي» وهو مطبوع في إيران.
وقد أثبتُّ في كتابي الجزء والباب الذي ذكر نزول الوحي على فاطمة، ومصحفها بكل صراحة. فهل أكون متجنياً عليكم وظالماً لكم حين أستقي معلوماتي من أوثق المصادر عندكم؟ وأنقلها بالنص من كتبكم؟
قال لي: هذه الكتب لا قيمة لها، ولا يوثق بها.
قلت له: كيف، وأنتم تنشرون كتاب "الكافي" هذا على نطاق واسع في العالم، حتى في أمريكا، بل وتترجمونه إلى اللغة الإنجليزية ليقرأه كل من يعرف الإنجليزية في الغرب والشرق، وتحت يدي ملازم من الطبعة الجديدة من الترجمة، فهل يمكن أن يقال عن كتاب «الكافي» هذا إنه لا قيمة له عندكم، وأنتم تبذلون ما تبذلون من جهد ومال في طباعته وترجمته بمئات الآلاف من النسخ لتوزعوه في أنحاء العالم كدعاية لكم ولمذهبكم؟ هل يعقل هذا؟
قال: إن عندكم كتباً في التفسير فيها كثير من الإسرائيليات فهل معنى ذلك أنكم تقرونها؟
قلت: صحيح أن هناك إسرائيليات وأحاديث غير صحيحة، ولكن كان بعض المفسرين ينبهون إليها، ويقررون كذبها، ونحن الآن نحاربها ونؤلف الكتب في بيانها والتحذير من تصديقها، وقام بعض علمائنا بتهذيب هذه الكتب وإبعاد ما جاء فيها من إسرائيليات، وأحاديث موضوعة وغير صحيحة .. بينما نراكم تعنون بتجديد طباعة كتب تقولون عنها الآن إنها لا قيمة لها، بل وتترجمونها وتطبعون الترجمة على أوسع نطاق!! فأيهما نصدق؟ الكلام الذي ينقصه الدليل ولو ضعيفاً أو الواقع وهو أقوى دليل؟
وكان بعض الحاضرين قد تجمعوا حولنا، واندس أحد الصحفيين بمسجله الذي كان يحمله فسجل ما دار أو بعضه، ولعله مندوب إحدى المجلات الإسلامية، وأبحث الآن للعثور عليه، وعلى نسخة مما سجله ... وظن بعض الأخوة العمانيين أننا مشتبكون، وأن الأمر ربما يكبر، فأخبر أخانا الفاضل مفتي عُمان، ورئيس الندوة، مع أنني كنت أتكلم وأنا أبتسم، وشديد المراعاة للظروف .. لكن هكذا ظنوا، وجاء المفتي الشيخ أحمد الخليلي، فوجد أن حديثنا قد انتهى، وأخذت سماحة الشيخ تسخيري متأبطاً ذراعه إلى حيث نلتمس شيئاً من المرطبات أو الشاي والحلويات، لنستأنف الجلسة بعد هذه الاستراحة بنشاط.
وثاني يوم في الجلسة الصباحية أخبرني أحد الأخوة من العلماء أن سماحة الشيخ قد أصابته حالة مفاجئة في القلب ونقل على أثرها لمستشفى السلطان في جناح خاص، فأسفت أن أكون قد تسببت فيما حصل له، وسارعت إلى زيارته في المستشفى حيث وجدته جالساً على سريره وقد أفاق، فطمأنني إلى أن ما أصابه كان بسبب قرحة في الاثني عشر اشتدت عليه، وأخذ الدواء المناسب لها، وحضر - ونحن نتحدث - وزير خارجية إيران «سعادة علي أكبر ولايتي» يزور الشيخ فقام بتعريفنا بعضنا لبعض، وجلست قليلاً .. ثم استأذنت لأخلي لهما الجو.
وثاني يوم رغب أخي الدكتور محمد الأحمدي أبو النور في زيارته فذهبنا سويّاً، ووجدنا حجرته خالية من الزوار، ورغب في استئناف الحديث .. فقلت له: موضوع الحرم، كيف تفعلون فيه هذا الذي لم يقبله أحد من المسلمين؟
قال: إن الإمام الخميني يحتاج إلى فتوى شرعية من علماء المسلمين وهو يستجيب لها فوراً..
قلت له: وهل موضوع أمن الحرم في حاجة إلى فتوى منا بعد النصوص الصريحة التي تؤكد ضرورة الأمن في الحرم .. هل بعد قوله تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران:97]، وبعد أن أمن الله كل ما في الحرم حتى الطير والشجر، وحرّم مجرد الجدال فيه، هل بعد هذا نحتاج إلى فتوى من أحد؟ وهل جلب المتفجرات مع حجاج إيران، وتسيير المظاهرات تهتف باسم خميني، تسد الشوارع، وتؤذي المارة فيها، وتتجه إلى دخول الحرم، وهو مزدحم غاية الازدحام، وهي تضم عشرات الآلاف من المتحمسين الثائرين، ونتيجة هذا كله معلومة، هل يتفق هذا مع الأمن الذي طلب الله منا أن نوفره للحرم؟
وتسرب الحديث سريعاً إلى الحرب ورفض السلام، فذكر لنا بعض الاقتراحات الحلوة، ووعد بأن يخرج مساء اليوم، ونلتقي، وتعقد بعض الجلسات، والذي نتفق عليه يقوم بتبليغه للمسئولين هو في إيران، ونحن رأساً إلى الرئيس صدام، وأظهرت له استعدادي لأن أحضر إلى إيران ... وقلت: من يدري؟ وفي أمثالنا مثل يقول: «يوضع سره في أضعف خلقه» لعل الله ينفخ في صورتنا وفي سعينا فيسوق الخير على أيدينا لأمتنا، وتحمس معي أخي الدكتور الأحمدي وقال له: والله إننا مستعدون لأي جهد، ولأية تضحية، وتعال نجتمع الليلة، لعل الله يجعل من بعد عسر يسراً..
اتفقنا على هذا، وخرجنا والأمل يداعبنا، ويلاعب أفكارنا، ويسرح بنا الخيال ويرسم لنا الصور الجميلة التي نحبها، برغم بعض الظنون التي كانت تساورنا. ولكن مر الوقت، وانتهت جلسات الندوة، وخرجنا من آخر جلسة، فرأيته سائراً أمامي على بعد قليل، وعرفت أنه كان جالساً خلفي مباشرة. ولم أشعر به ... ولم يتحدث معي حتى ليشكرني على زيارتي له مرتين وهو بالمستشفى!!
أخي .. حرصت على ذكر هذه الوقائع لك لتزداد معرفة بالكتاب الذي بين يديك، ولنعرف جميعاً طبائع وسلوك هؤلاء الذين نتعامل معهم، نحن المسلمين العرب على الأقل. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
من هم الشيعة
الإجابة عن هذا السؤال ضرورية لكل مسلم، ولاسيما الذين لم يعايشوا الشيعة، ولم يحتكوا بهم في حياتهم، كما هو الحال في مصر، وبعض الدول الإسلامية التي تخلو من الشيعة، وتعيش على المذهب السني.. فلا تعرف غيره. وكلمة «شيعة» تعني في المعنى اللغوي العام، الأحباب والأنصار والأتباع، وما في معنى ذلك .. مما يفيد الالتفاف حول فكرة، أو أحد من الناس. كما هو الحال في كلمة «حزب» الآن.  
جاء في مفردات القرآن([298]) في مادة «شيع» الشياع: الانتصار والتقوية، يقال شاع الخبر أي كثر وقوي، والشيعة: من يتقوى بهم الإنسان، وينتشرون عنه، يقال: شيعة وشيع وأشياع، ومنه قوله تعالى: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ} [الصافات:83]، وقوله: {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص:15]، وكان يطلق على أنصار معاوية أنهم شيعته، وكذلك عبد الله بن الزبير، أو عثمان رضي الله عنهم، كما تطلق هذه الكلمة الآن.
فأية جماعة متجانسة مجتمعة حول فكر أو مبدأ أو رجل واحد، يقال عنها: إنها شيعة هذا الفكر أو المبدأ أو الرجل ، أي أنصاره وأحبابه. ولذلك أطلق على المسلمين الذي يختصون علياً بالحب، ويتعصبون له، على أنه كان الأولى بالخلافة من أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عن الجميع، وأن الحكم بعد الرسول r مباشرة هو لعلي ولذريته من بعده إلى يوم القيامة، واتخذوا لهم فكراً خاصاً، وتعليمات خاصة مبنية على عقيدتهم في الإمام علي وأحقيته بالخلافة، فعادوا أبا بكر وعمر وتعدوا عليهما بالألفاظ السيئة، وصلت إلى حد لعنهما هما وكل من التف حولهما من أصحاب رسول الله r، وزوجاته كالسيدة عائشة والسيدة حفصة ... إلخ.
قيل عن هؤلاء: إنهم شيعة، أي شيعة([299]) علي وبنيه..
والحقيقة الواضحة أننا جميعاً نحب عليّاً وبنيه، ونحب الصحابة كلهم دينا ونضع كل واحد منهم في موضعه من رسول الله r، وبذله وتضحياته في سبيل نصرة الإسلام، وكلهم صاحبوا الرسول وآزروه، وإن اختلف عطاؤهم في الصحبة والمؤازرة: {وَمَا لَكُمْ أَلا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد:10].
ونحن - أهل السنة في مصر - نجلّ آل البيت جميعاً إجلالاً خاصاً، لقربهم من رسول الله، واعتقادنا أن حبهم من حبنا لرسول الله، ومقاماتهم ومساجدهم في مصر تأخذ وضعاً خاصاً من عناية الدولة والشعب، كمسجد الإمام الحسين، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة ..إلخ . لكننا نفرق بين هذا الحب الديني العاطفي، وبين موضوع الحكم والسياسة، وأحقية علي t في الحكم بعد رسول الله r مباشرة. فهذا شيء،وذاك شيء آخر.
لكن الشيعة ركزوا فكرهم على الحكم وأحقية علي فيه، هو وذريته إلى يوم القيامة، ورووا في ذلك روايات لم تصح عند أهل السنة، وزادوا على أركان الإسلام الخمسة كما وردت في حديث رسول الله «بني الإسلام على خمس... »؛ زادوا ركناً سادساً، هو الإيمان بالإمام المعصوم، وهو علي وبنوه من بعده، على طريقة النص عليه بولاية عهده، وأن هذا الإمام هو الخليفة والحاكم للمسلمين حتى قيام الساعة، ومن لم يؤمن بالركن السادس فليس بمؤمن، كما تنص على ذلك كتبهم وكما يتحدث علماؤهم الخواص، لكن هذا سرى إلى عامة الشيعة بأن من لم يؤمن بما يؤمنون به فليس بمسلم، وهو مخلد في النار... شأن من لم يؤمن بالله، ولا بوجوب الصلاة ..إلخ.
ولذلك يشيع في ذهن عامة الشيعة اعتقاد أننا كفار، وإن كان علماؤهم يتحفظون على ذلك ويقولون: هو كلام العامة الجهلاء!! ولكن من الذي علم هؤلاء وأوحى إليهم بفكرهم هذا؟
ثم كيف نجد في كتبهم التي ألفها كبار حكمائهم بالطبع إصرارهم على لعن الخليفتين أبي بكر وعمر، ووصفهما بأحط الأوصاف التي يأنف من الاتصاف بها مسلم عادي، أو أي إنسان عادي بدعوى أنهم انتزعوا الحكم من علي؟
ثم كيف نجد علماءهم حتى الكبار والقادة منهم يتحدثون - حتى الآن - ويكتبون أن أبا بكر وعمر وعثمان كفار؟! وأنهم خالفوا القرآن والسنة عمداً؟!! وذلك بتوليهم الحكم، وإبعاد علي عنه، وهو الأولى به والمتعين له؟
وهم يعتمدون في ذلك على حديث قالوا إن الرسول قاله، وهو راجع من حجة الوداع عند «غدير خم» وعين عليّاً ليخلفه في حكم المسلمين. وهو حديث لم يصح بهذا المعنى عند أهل السنة، ومحال أن يكون الصحابة أو بعضهم قد سمعوا هذا الحديث عن الرسول ثم خالفوه، ولاسيما أبو بكر وعمر، ولو عرف الصحابة هذا الحديث، وهو في أمر عظيم وليس سريّاً؛ ما اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، والرسول لا يزال مُسجى في بيته، ليختاروا خليفة من بعده، وقد بدأ الأنصار في ذلك ثم لحقهم المهاجرون. فلو أن الحديث قد عين عليّاً لسمعه أو سمع به الصحابة وعرفوه، وقد مكث الرسول بعد عودته نحو ثلاثة شهور، ولقام من سمعوه حين الاختلاف على من يكون خليفة - وكان خلافاً خطيراً - وقالوا لهم: أريحوا أنفسكم، فالرسول عين عليّاً خليفة من بعده، ولم يكن هذا ليخفى على كل هؤلاء الصحابة، وما كانوا ليعصوا أمراً للرسول([300]).
فالرسول - إذن - لم يختر عليّاً ليكون خليفة وحاكماً بعده بتسلسل الحكم في ذريته، ولم يرسل ليكون من مهماته أن يورث الحكم لأقاربه وأهل بيته، وإنما ترك أمر خليفته لاختيار المسلمين عملاً بمبدأ الشورى، وإن كانت له إشارات لها معناها، لمن تتجه إليه الأنظار، ويوضع موضع الترشيح، وهو أبو بكر حين رضيه ليقوم مقامه في إمامة المسلمين في الصلاة. وكان علي حاضراً، وعمر.
ثم كيف يأمر القرآن بالشورى ويمدح من يأخذ بها، ويجعلها صفة المؤمنين كالصلاة فيأتي الرسول فيجهز عليها، ويخالف أمر ربه، في أهم أمر من أمور المسلمين، وهو الحكم، فيعين عليهم عليًّا وذريته حكاماً إلى يوم القيامة؟! إن الحاكم هو الذي يختاره المسلمون، ولو كان عبداً حبشيًّا، ولكن الشيعة ذهبوا إلى غير هذا، واعتبروا الخلفاء الراشدين قبل علي معتدين وكفاراً.
كتاب «كشف الأسرار» واتهامه للشيخين
تأليف «روح الله خميني» المطبعة الإسلامية (طهران 1941)
وأمامي الآن الكتاب الذي يجادل فيه «روح الله خميني» مخالفيه من أهل السنة ويسوق الأدلة على صحة الاعتقاد بالركن السادس «الإمامة» وضرورة الإيمان به لكل مسلم. وينتهي في كتابه إلى الآتي:
«مخالفة أبي بكر لنصوص القرآن»([301]). ويبدأ فيتحدث عما جاء في القرآن عن وراثة الملك: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل:16]. {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم:5-6] ...إلخ، ليخرج من هذا بصحة نظريتهم في أن علياً يرث الملك والحكم عن الرسول r. ثم أخذ يسوق أدلته على أن أبا بكر خالف نصوص القرآن حسب هواه وخطته لإبعاد آل البيت عن الحكم واضطهادهم في معيشتهم حين اخترع حديث «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة».
ثم ينتقل «ص 114» إلى مخالفة عمر لكتاب الله. ويذكر أحداثاً يستنتج منها ما يريده. ويأتي بما حدث من الرسول r حين طلب أن يكتب لهم كتاباً .. إلخ، وقول عمر في ذلك. ثم يقول بعد أن أورد مصادره: «وهذا يؤكد أن هذه الفرية صدرت من ابن الخطاب المفتري (هكذا!!)».
ثم بعد سطرين يقول عن كلمات ابن الخطاب في هذا إنها «قائمة على الفرية، ونابعة من أعمال الكفر والزندقة»!! (ص116)، وفي الصفحة نفسها كتب عنواناً: «خلاصة كلامنا حول ذلك». قال تحته: «من جميع ما تقدم يتضح أن مخالفة الشيخين للقرآن لم تكن عند المسلمين شيئاً مهماً جدّاً». ويعلل ذلك بأنهما لم يكونا يستمعان لرأي أحد، ولا كانا مستعدين لترك المنصب، ولا كان أهل السنة مستعدين للتخلي عنهما، حتى لو قال عمر: إن الله أو جبريل أو النبي قد أخطئوا في إنزال هذه الآية، كما قاموا بتأييده فيما أحدثه من تغييرات في الدين الإسلامي!! ..إلخ «ص117».
إلى هذا الحد يكتب «خوميني» عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، يكتبه لأتباعه أولاً ليغرس فيهم، كما غرس فيهم سابقوه كل في زمانه، هذا الاعتقاد في أبي بكر وعمر، وهو بالطبع اعتقاد لا نرضاه، ونعوذ بالله ممن يصدقه. ولذلك لم يكن عجباً ولا بعيداً ما نقل عن أقوال الخوميني وكتبه من أنه يطلق على الشيخين: الجبت والطاغوت، ويسميهما «صنمي قريش»، ويرى كجماعته أن لعنهما واجب، وأن لعنهما ولعن السيدة عائشة، والسيدة حفصة، له ثواب عند الله! (هكذا)، وكذلك الحال بالنسبة للخليفة عثمان t([302]).
وكذلك لم يكن عجباً - وذلك هو رأي خوميني في أبي بكر وعمر ومن ساندهما - أن يصدر عنهم نص دعاء يتجهون جميعاً به إلى الله([303]) يسمونه «دعاء صنمي قريش» يقولون فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم صل على محمد وآل محمد .. اللهم العن صنمي قريش؟! وطاغوتيهما؟ وإفكيهما، وابنتيهما، اللذين خالفا أمرك، وأنكرا وحيك، وجحدا إنعامك، وعصيا رسولك، وقلبا دينك، وحرفا كتابك، وأحبا أعداءك، وجحدا آلاءك، وعطلا أحكامك، وأبطلا فرائضك، وألحدا في آياتك، وعاديا أولياءك، وواليا أعداءك، وخربا بلادك، وأفسدا عبادك، اللهم العنهما وأتباعهما  وأولياءهما. وأشياعهما، ومحبيهما، فقد خربا بيت النبوة، وردما بابه، ونقضا سقفه، وألحقا سماءه بأرضه، وعاليه بسافله، وظاهره بباطنه، واستأصلا أهله، وأبادا أنصاره، وقتلا أطفاله، وأخليا منبره من وصيه ووارث علمه - يريدون عليّاً - وجحدا إمامته، وأشركا بربهما فعظم ذنبهما، وخلدهما في سقر وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر. اللهم العنهم بعدد كل منكر أتوه، وحق أخفوه، ومنبر علوه، ومنافق ولَّوه، وولي آذوه، وطريد آووه، وصادق طردوه، وكافر نصروه، وإمام قهروه، وفرض غيروه، وأثر أنكروه، وشر آثروه، ودم أراقوه، وخير بدلوه، وكفر نصبوه، وكذب دلسوه، ووارث غصبوه([304])، وفيء اقتطعوه، وسحت أكلوه، وخمس استحلوه، وباطل أسسوه، وجور بسطوه». ويستمرون على هذا المنوال إلى أن يقولوا: «اللهم العنهم بعدد كل آية حرفوها، وفريضة تركوها، وسنة غيروها .. اللهم العنهم في مكنون السر، وظاهر العلانية لعناً كبيراً .. أبداً .. دائماً دائباً سرمداً لا انقطاع لعدده، ولا نفاذ لأمده، لعنا يعود أوله، ولا ينقطع آخره .. العنهم ومحبيهم ومواليهم والمسلمين لهم والمائلين إليهم.. والناهقين باحتجاجهم والمقتدين بكلامهم والمصدقين بأحكامهم. "قل أربع مرات" اللهم عذبهم عذاباً أليماً يستغيث منه أهل النار .. آمين يا رب العالمين».
يا ستار! كل هذا ينصب على أبي بكر وعمر ومن معهما وتابعهما؟ .. أعوذ بالله من الحقد والحنق .. فماذا أبقى هؤلاء للذين كفروا بالله ورسوله؟ .. يا حفيظ!.. ويتجرءون حتى يقفوا أمام الله يدعونه بهذا الدعاء؟!! وعلى رأس هؤلاء الآن «الخوميني»؟. علماً بأن عمر t قد زوجه علي t بابنته «أم كلثوم» بنت «السيدة فاطمة» رضي الله عن الجميع وأخت الحسن والحسين.. فهل كان الإمام علي يرى في عمر ما يرون ثم يزوجه ابنته؟.
وأعتقد أن رأي خوميني الآن فينا نحن الذين نجل الخلفاء الراشدين والصحابة جميعاً - رأيه ظاهر واضح فينا.. كفار نستحق اللعنة!!
ولذلك لم يكن عجباً أيضاً أن يعلن في مستهل عهده شعار: تصدير الثورة للبلاد العربية. طبعاً ثورته لا في الحكم فحسب ولكن على أساس مذهبه، ليحولنا من الكفر إلى إسلامه هو، ومذهبه هو!! ونشترك جميعاً في دعاء لعن صنمي قريش: أبي بكر وعمر .. ليحصل لنا الثواب من الله!!!
وهذا أمر سيفرضه علينا حتماً لو انتصر على العراق، وسيطر بجيوشه على البلاد العربية .. لا قدر الله .. وسيأتي مزيد بيان في هذا..
كيف نشأت الشيعة وتطورت؟
هل يستبعد أحد أن يتطلع بعض الصحابة أو أحدهم ليكون حاكماً على المسلمين بعد وفاة رسول الله r؟ أنا لا أستبعد ذلك عن طبيعة النفوس البشرية، ولذلك رأينا الأنصار يجتمعون والرسول مسجى في بيته لما يدفن، ليختاروا واحداً منهم، وهم أهل المدينة الأصلاء فيها وأصحاب رسول الله وناصروه. وغيرهم طارئ وافد عليهم، فلهم وجهة نظر. والمهاجرون تطلعوا، ورأوا أنهم أصحاب رسول الله الأول وحاملو دعوته قبل الأنصار، والمجاهدون في سبيلها منذ بدأت، فهم أهل الدعوة الأول، وهم الأحق بأن يخلفوا الرسول في حكمه للمسلمين، وهم من قريش. وغير هؤلاء وهؤلاء. كان الإمام علي باعتبار قرابته القريبة من رسول الله r، وباعتبار جهاده وبلائه العظيم منذ صباه.
لا أعتبر هذا شيئاً غير طبيعي في النفوس. وسواء ولي الخلافة هذا أو ذاك، فمن المنتظر، أو لابد أن تسير السفينة، وقد تحاور الأنصار والمهاجرون في هذا الأمر، كل يدعي أحقيته به، وانتهى الأمر إلى المهاجرين وقد أدلوا بحجتهم في هذا، ورضي بذلك الأنصار، واختير أبو بكر t، وكان لهذا الاختيار مرشحاته وحيثياته القوية، فهو «ثاني اثنين إذ هما في الغار»، وهو ألزم الصحابة لرسول الله، وأقربهم إلى قلبه، وكان الصحابة في عهد الرسول يلمسون هذه المنزلة له، ويحسون فضله أكثر حين عهد إليه الرسول بأن يكون بدله، ويقف موقفه من إمامة الناس في الصلاة وقد منعه المرض من الخروج إليهم، فقال «مروا أبا بكر فليصل بالناس» ولم يكن بد لأبي بكر من الامتثال، مع إحساسه بثقل الموقف على نفسه إلى حد بعيد، كما أحست بنته السيدة عائشة وحاولت صرفها لغيره .. وأخذ عامة الصحابة من هذا إشارة إلى أن أبا بكر هو أصلح الصحابة لخلافة الرسول وقالوا: «ارتضاه الرسول لأمر ديننا، أفلا نرضاه لأمر دنيانا..».
وكان الانتهاء من اختيار الخليفة والحاكم سريعاً أمراً لا بد منه، لمصلحة المسلمين، وكان ما حدث من حسن توفيق الله لهم، ومن حسن تقديره وعنايته بالدعوة الإسلامية. وجثمان الرسول لا يزال في بيته، حوله أهل بيته وفي مقدمتهم علي، والكل مأخوذ بروعة الموقف..
قد ينظر إلى تسرع الأنصار واجتماعهم بالسقيفة ليختاروا واحداً منهم نظرة فيها شيء، وليكن. ولكنها إرادة الله وحسن تدبيره ليسوق المهاجرين للاجتماع بهم ومحاورتهم، والنفوس في شدة تأثرها بوفاة الرسول، وعبرة الموت تملأ نفوسهم، ليبتوا في الأمر، ويختاروا القائد، فلا يوارى جثمان الرسول r حتى يكون أصحابه قد أعدوا عدتهم تماما لاستئناف السير تحت راية خليفة حاكم، يسوس أمورهم. وهكذا تفعل الدول الملكية الآن وتسارع إلى إعلان الملك: «مات الملك يحيا الملك».
لقد كان المهاجرون وفي مقدمتهم كبار الصحابة وأعيانهم مضطرين، حين تركوا بيت الرسول وفيه جثمانه، ليلحقوا بالأنصار، ويبتوا في أمر الخلافة والحكم بعد الرسول، وربما عاب أحد عليهم ذلك، ولكن أليس تداركهم لأمر الخلافة واشتراكهم في اختيار من يحكم، هو الأمر السريع الآني الذي لا يحتمل تأخيراً، بينما يمكن أن يحتمله دفن الرسول وتأجيله لعدة ساعات؟
ماذا كان يحدث لو أن الأنصار اختاروا الخليفة منهم وحدهم - كما كانوا يريدون - وتركوا المهاجرين وأهملوهم؟ هل كان من السهل بعد أن يختاروا فلاناً خليفة، ويعاهدوه، أن يرجعوا تحت ضغط المهاجرين؟ وماذا كان يحدث نتيجة لهذا؟
تساؤلات كفانا الله وكفى المسلمين شر أجوبتها الواقعية، وحمى وحدة المسلمين حول أبي بكر .. هل كان علي t يتوقع أن يكون هو الخليفة وفيه مرشحات الخلافة، كما في بعض كبار الصحابة؟
لا نستبعد هذا .. ولا بد أنه كان فيه محبون له يتوقعون له هذا ويتمنونه .. ومع ذلك، تأخر علي t عن مبايعة أبي بكر بضعة شهور، إلا أنه لم يشغب على أبي بكر، ولم يجمع حوله مناوئين للخليفة، بل سارع بعد هذه الشهور القليلة إلى مبايعة أبي بكر ومعاونته، ثم إلى مبايعة عمر ومعاونته، ثم إلى مبايعة عثمان ومعاونته رضي الله عن الجميع .. مع أن تأخر الخلافة عنه واختيار غيره لا بد أنه كان على غير ما يتوقعه، لكنه كان الصحابي الجليل، والفارس في كل مجال الذي يختار مصلحة المسلمين ووحدتهم .. على كل اعتبار، لكن لو كان هناك حديث عن رسول الله في هذا، كان علي t يحتكم إليه معهم ويحاججهم به ولكنا لم نر هذا..؟
وكان إخوانه الخلفاء يجلونه كل الإجلال، ويعرفون له حقه كل المعرفة، حتى كان المرجع لهم في الرأي والفتوى، وكان عمر يقول «قضية ولا أبا حسن لها» مفتخراً به مقدراً له .. وقد اختاره واحداً من ستة رشحهم لاختيار خليفة منهم بعده، ولكن علياً t لم يوافق على كل الشروط التي وضعت لاختيار الخليفة على أساسها، فاختاروا الذي قبلها، وهو عثمان بن عفان رضي الله عنهم جميعاً.
وكان هناك المتربصون بالإسلام والحاقدون ممن فجعهم المسلمون في سلطانهم وكيانهم، سواء من اليهود أو الفرس، وقد تآمر الفرس على قتل عمر t، وفازوا في تآمرهم، وربما حملهم هذا على الاستمرار والتوغل أكثر منتهزين أية فرصة أو ثغرة ينفذون منها، وقد تزيوا بزي الإسلام وأظهروا الإخلاص له، وانفتح أمامهم الباب ليتحدثوا ويدلوا بآرائهم ويتحركوا كمسلمين وفي نفوسهم ما فيها.
وانتهز بعض أحبار اليهود الذين أسلموا كعبد الله بن سبأ - وقد أسلم في عهد عثمان - الفرصة ليبث أفكاره الهدامة اليهودية وسط المسلمين، مدعياً حبه للإسلام ولآل البيت. وكانت الفتنة على عثمان ا فرصة، فانتهزها الحاقدون لخدمة أغراضهم، وهم من المسلمين وإن ظاهراً.
وتولى علي t أمر الخلافة في أصعب الظروف. وكان الفرس
بحكم ما ألفوه من وراثة الحكم عندهم؛ يعتقدون أن علياً كان هو الأولى بالحكم بعد الرسول مباشرة، فوقفوا معه وادعوا أنهم من محبي آل البيت، وقد رأى المتربصون في هذا حلقة من حلقات الإسلام يتعلقون بها.
وقد جابه الإمام خلافات شديدة مع بعض الصحابة، حتى الذين بايعوه، كطلحة والزبير والسيدة عائشة رضي الله عن الجميع، ووصلت إلى حد القتال معهم، وقتل كثير من الصحابة من الجانبين، ومنهم طلحة والزبير، وانتهت بانتصار علي وجيشه الذي معه، وأعاد الإمام السيدة عائشة مكرمة معززة للمدينة.
ولكن بقيت جبهة قوية أمامه هي جبهة معاوية الذي لم يبايعه، واشترط للبيعة أن يأخذ علي أولاً بثأر عثمان من قتلته، وكان شرطاً يعتبر كما نقول «وضع العقدة أمام المنشار» لحاجة في نفس يعقوب.
فكيف يستطيع الإمام أن يقتص من الثوار القاتلين، وهم بغلبتهم وقوتهم يسيطرون على مجرى الأحداث وكانت لهم الكلمة في اختياره؟ وكيف يستطيع الإمام أن يكسر أنف هؤلاء، ويقتص منهم في هذه الظروف التي يسيطرون فيها، وهو لما تتم له البيعة من نواحي الدولة الإسلامية كلها وفي مقدمتها معاوية والي الشام؟ ظروف قاسية وشديدة، وضع فيها الإمام.
وقد انتهى أمر هذه الفتنة العمياء إلى تغلب جبهة معاوية على جبهة الإمام وقيام الدولة الأموية!! جرى هذا كله بين العرب المسلمين يعادي بعضهم بعضاً، ويقتل بعضهم بعضاً!!
وتتسع الثغرة، ويجد الفرس الحاقدون الذين انضموا لآل البيت ومناصرة علي والحسن والحسين رضي الله عنهما، يجدون فرصة ليضعوا طابعهم وبصمتهم على مجرى الأحداث. ثم جاء خروج الحسين من مكة إلى الكوفة لينضم إلى مناصريه الذين استدعوه إليهم في محاربة ظلم الأمويين، وإعلان دولة آل البيت من هناك.
ولم يسكت الأمويون بالطبع، فوجهوا للحسين جيشاً يقضي على ثورته، وكانت المأساة الفاجعة حين تخاذل عنه أنصاره وتفرقوا كما خذلوا أباه من قبل، وتمكن أنصار الأمويين من قتل الحسين والكثيرين ممن كانوا حوله، والإساءة لكريمات آل البيت. وزادت المأساة حين حملوهن وساقوهن في غير تكريم لهن إلى يزيد في دمشق، وحملوا رأس الحسين إليه زيادة في التنكيل! مما لم يكن يفعله مسلم في قلبه ذرة من إيمان.. لكنها الحرب!.
كانت المأساة والفاجعة التي مزقت قلوب المسلمين جميعاً، حتى الكثيرين ممن كانوا يناصرون الأمويين، وحتى قيل إن «يزيد» لم يستطع أن يتحمل هذا المنظر، أو هذا الجرم، فتبرأ ممن صنعوه، وقال لهم: ما أمرتكم بهذا.
كانت هذه الحادثة جرحاً عميقاً غائراً في جسم الأمة الإسلامية، يفوق كل ما حدث قبله، ظل مفتوحاً ينزف، ويحدث «غرغرينا» لم تبرأ منها الأمة، ولن تبرأ.
حين ذهبت إلى مثوى الإمام الحسين في كربلاء، وشاهدت المكان الصغير الذي جعلوه يمثل مكان قتل الإمام، وقد اختاروا له رخاماً معرجاً بالألوان، ويبدو فيها اللون الأحمر كأنه يمثل الدم الزكي المراق، لم أستطع أن أتمالك، وأنا أتخيل الموقف، وهاجمتني الأفكار من كل ناحية .. واضطررت للبعد عنه وإن لم يبرح مخيلتي حتى الآن.
هكذا يفعل الحكم بالمتعلقين به، أو المحافظين عليه؟ وتساءلت: ماذا كان على الإمام الحسين t لو استمع لنصيحة الناصحين، وعلى رأسهم عبد الله بن العباس لو ظل في مكة، ولم تستهوه دعوة أنصار له في العراق للخروج إليهم ليحاربوا معه ظلم الأمويين؟ وقد خذلوا أباه من قبل؟ ثم بعد أن يخرج إليهم يتخاذلون عن نصرته، ويتركونه مع قلة معه، ومع كرائم آل البيت من السيدات، أمام سطوة الجيش الأموي؟
ماذا كان على الإمام الحسين t لو أنه استمع إلى النصائح التي بذلت له ليترك النساء من آل بيته بمكة على الأقل وعدم السير بهن إلى العراق، والصدام مع الأمويين أمر مؤكد، وتعرضهن للأخطار على أي حال شيء مؤكد، انتصر أم انهزم؟
لم يكن رضي الله عنه ذاهباً إلى نزهة، ولكنه ذاهب إلى حرب الدولة الفتية التي لا بد أن تحافظ على نفسها وهيبتها، ويحارب بمن ادعوا أنهم أنصاره وحماته، ويحارب جيش دولة منظماً وقويّاً!! فماذا كان عليه لو ترك النساء، وذهب بمن خرج معه من الرجال لينضم إلى أنصاره، ما دام إيمانه بضرورة الوقوف في وجه الظلم قد ملك عليه كل تفكيره وحمله على أن يترك مكة إلى العراق؟
وماذا كان التاريخ سيكتب لو لم يقتل الحسين، ولم يحدث ما حدث للكريمات من آل بيته؟ وماذا؟ وماذا؟ تساؤلات كثيرة. ولكن ماذا تغني، وقد وقع القدر، وكان ما كان؟ وهز المسلمين هزّاً عنيفا مقتل الحسين أكثر مما هزهم من قبل مقتل والده، لأن علياً لم يكن ابن بنت النبي كما كان الحسين([305]).
لقد عاد الذين تخاذلوا عن الإمام الحسين، وأسلموه لجيش يزيد، يؤنبون أنفسهم، وقد فجعتهم النتيجة، واعتبروا أنفسهم أنهم السبب في كل ما حدث من المآسي، فصار أكثرهم أشد التصاقا بآل البيت مما كانوا من قبل، تعويضاً عن خطيئتهم، وناصبوا الأمويين العداء. والفرس الذين أسلموا عن صدق أو عن تظاهر، واعتقدوا أن الحكم يجب أن يستمر في آل البيت كما يستمر الملك، فجعهم كذلك ما حدث، فتحمسوا أكثر لآل البيت، صدقاً أو تظاهراً، ووجد الحاقدون فرصة لتنفيذ خططهم المسمومة ضد الإسلام في هذا الجو. وتكون من هؤلاء المناصرين لآل البيت من العرب ومن الفرس ما يمكن أن يسمى حزباً متميزاً أو «شيعة» وفيهم من يناصرون حق آل البيت في الحكم، ويبغضون الأمويين عن صدق، وفيهم من تظاهر بذلك بينما هم يبغضون الجميع، ويريدون التخلص من الإسلام والمسلمين ودولتهم، ليعيدوا دولتهم هم، ويعيدوا مجد فارس الذي حطمه المسلمون.
ولم تنقطع الدعوة إلى حق آل البيت في الحكم، بل كان يحملها داع أو إمام مستور أو ظاهر، حسب الظروف، وكان يجد له أنصاراً، ولو في الخفاء عن صدق وإخلاص، أو كما قيل «لا حباً في علي ولكن كراهة في معاوية» أو كراهة للجميع.
ولم يكن انقسام الناس هذا انقسام دين، ولكن انقسام رأي سياسي ونظري للحكم: من أحق به؟ وانضمت قوة آل العباس، إلى بني عمومتهم من العلويين في تأليب النفوس على الأمويين مع أنهم سلكوا في حكمهم مسلكاً متميزاً في الانتصار والتعصب للعرب والإسلام مما زاد في تأليب الفرس ومن إليهم على العرب والإسلام، والدولة الأموية.
لقد أعلت الدولة الأموية من شأن العرب حقّاً، وجعلتهم متميزين على كل الأجناس الأخرى من المسلمين. كانت دولة عربية خالصة، لم يخالط حكمها أو يؤثر عليه جنس آخر. كانت تمثل عزة العرب وشموخهم بعروبتهم، وعزة المسلمين بينهم. أمام أولئك الذين لا يزال الكثيرون منهم بعد إسلامهم يعتزون بدولتهم الفارسية، ويعتزون بجنسيتهم، ويشعرون في أنفسهم أنهم متميزون على العرب بحضارتهم.
وكان اعتزاز الأمويين بعروبتهم هذا الاعتزاز سبباً كبيراً في تحول الكثيرين من الفرس إلى مناصرة آل البيت والتشيع لهم، حتى كان الفرس ومن إليهم من الأجناس الأخرى في الشرق أكبر ذخيرة بشرية مناصرة لآل البيت، المعادين للأمويين، ومتشيعة ومتحزبة لآل البيت. ومن خلال هذا كله كان ينفذ الحاقدون إلى أغراضهم في تسميم الفكر الإسلامي، وإدخال الكثير من عقائد ومراسم الأديان القديمة التي كانوا يدينون بها وقضى الإسلام عليها.
ومن هنا أطلت الشعوبية الفارسية برأسها ليتغنى الفرس بذكرى أمجادهم الماضية، ويفخروا بجنسهم ويغضوا من شأن العرب، ويحيوا في النفوس الأسى لضياع هذه الأمجاد، ويذكوا فيها العمل على استعادتها كما ظهر ذلك في أدبهم العربي، والفارسي أيضاً. فإن شعب فارس ومن وراءه، وإن تعلم الكثير منهم العربية، وأجاد في خدمتها، إلا أن هذه الشعوب ظلت فيما بينها تتحدث بلغاتها الأصلية، على عكس ما حدث في الشام والشمال الإفريقي، وبلاد أخرى أسلمت، فصارت عربية.
يقول الدكتور خالد العزي وهو يتحدث عن مظاهر الشعوبية الفارسية([306]): «فهذا شاعرهم (الفردوسي)([307]) الذي احتفلت إيران بعيده الألفي عام 1934، وأطلقت اسمه على أكبر ميادين طهران .. يتفنن في التغني بأمجاد فارس في مطولته الشعرية (الشاهنامة) ويلعن الفلك الدوار، إذ تطاول العرب بالتربع على عرش كسرى»!.
ويقول العزى: «لقد وقف الكتاب والشعراء موقف التصدي لهذه الحملات الشعوبية، ودعوا إلى الاحتفاظ بسلامة اللغة العربية، وربطوا بينها وبين الدين الإسلامي، من أجل حماية الفصحى».
«وعندما لم تكتف الشعوبية الفارسية بالدس للغة العربية وللقيم العربية كالكرم والشجاعة، وعلى التقليل من أهمية العرب في حمل الرسالة الإسلامية، رد عليهم «البلاذري» بتأليف كتابه «فتوح البلدان» من أجل أن يظهر الدور الضخم الذي قام به العرب في نشر الإسلام، وتكوين الدولة الإسلامية..
وحين حاولت الشعوبية تشويه سمعة المرأة العربية، وتصوير احتقار العرب لها مستغلة موضوع: «وأد البنات» رد العرب عليهم، ووضحوا أن الوأد لم يكن في كل العرب، بل في فخذين من قبيلتي «ربيعة وتيم»، ووقع عندهما لأسباب اضطرارية، ولفترة محدودة سبقت ظهور الإسلام .. فقد وقعت غارة على جماعة من قبيلة ربيعة، ونهبت بنت الأمير، ولما تم الصلح أراد أبوها أن يأخذها، ولكنه وجدها تخذله وتختار من هي عنده، فغضب وسن وأد البنات، وكذلك حدث مثل هذا لجماعة من ربيعة، فهذه مسألة جزئية محلية لظروف اضطرارية، بينما العرب كانوا يعتزون بالمرأة، وتاريخ ذلك معروف.
ولقد كان للشعراء العرب الفضل في التنبيه على ما تريده الشعوبية الفارسية من شر مستطير بالأمة العربية وتراثها، فكتب «نصر بن سيار» أبياتا أنفذها إلى «مروان الثاني» الأموي، يحفزه وينبهه ويستثيره للحيلولة دون الخطر الشعوبي: فقال:
أرى بين الرمـاد ومـيض جمر   وأخشى أن يكـون له ضرام
فقـلت من التعجب ليت شعـري   أأيقـاظ أميـــة أم نيــام
فإن يقـظت فذاك بقـــاء ملك   وإن رقــدت فإنـي لا ألام
فإن يك أصبحـوا وثـووا

نيامـا
  فقـل قومـوا فقـد حان القيام
ولاحظ أن هذا الخطر الشعوبي الفارسي كان له هذا الأثر في نفوس الغيارى؟! والدولة دولة الأمويين العرب، المحافظين على عروبة الدولة وإسلامها، فما بالك بما سيأتي في زمن العباسيين؟ وقد قامت دولتهم([308]) بسيوف الأعاجم، وقادها أبو مسلم الخراساني؟.
ومع أن أبا جعفر المنصور تنبه لخطر أبي مسلم وقضى عليه، إلا أن الفرس قد أخذوا وضعا متميزا في الدولة العباسية، وبلاط الخلفاء، حتى استفحلوا وعلوا على الخليفة نفسه، مما حدا بالرشيد إلى القضاء على البرامكة الذين كانوا يمثلون النفوذ الفارسي في ملكه.
ومع هذا لم يستطع التخلص من نفوذ الفرس والشعوبية، حيث تولى غيرهم من الفرس مكانهم، وصار الأمر على ذلك، وحتى تغلب المأمون وأمه فارسية بواسطة جيشه الفارسي على الأمين العربي وأصبح نفوذ الشعوبية الفارسية طاغياً، حتى انتهى إلى أن كان الخلفاء كالدمى في أيديهم، ولم يكونوا مخلصين للإسلام إخلاصهم لمجدهم ودياناتهم القديمة.
وقد أنشد الأصمعي ينبه الرشيد إلى مخاطر ومساوئ البرامكة الذين استفحل أمرهم فقال:
إذا ذكــر الشرك في مجلس
 
  أضاءت وجـوه بنـي برمك
ولــو تلــيت بينهم آية   أتــوا بالأحـاديث من مزدك
«ومزدك» صاحب الديانة المزدكية عندهم قبل الإسلام.
كما كتب بعض الشعراء ينبه الخليفة الأمين فقال:
قل لأمين الله في أرضه
 
  ومـن إليـه الحل والعقـد
هذا ابــن يحيـى قد غدا
 
  مثــلك ما بينكمــا حـد
أمــرك مردود إلى أمـره
 
  وأمـــره ليــس له رد
وكان هذا يمثل ما كان عليه الخلفاء كما يمثل الغصة التي في حلوق العرب من نفوذ الجنس الفارسي في بلاط الخلفاء حتى وجدنا شاعراً عربياً يرسل للرشيد سراً بعض أبيات لها مغزاها، وكان لها أثرها البالغ في نفس الرشيد، حيث أججت النار التي كانت في صدره من نفوذ البرامكة الجارف، وهي:
ليت هنـدا أنجزتنـا ما تعد
 
  وشفت أنفسنـــا مما تجد
واستبـدت مرة واحــدة
 
  إنما العاجـز من لا يستبد
فأهاجت الرشيد حتى قضى على البرامكة الذين كانوا حوله، ولكنه مع ذلك لم يستطع كما قلنا لا هو ولا الخلفاء من بعده، التخلص من طغيان العنصر الفارسي في بلاطهم حتى انتهى أمرهم إلى أن صاروا ألعوبة في يد الفرس، وتماثيل عباسية ليست لها حركة ولا شأن في الحكم، وتولى الأمر وزراء وسلاطين من الشيعة.
وإنك لترى الشعوبية الفارسية ظاهرة فيما كان من الأدباء والشعراء الفارسيين من شعر عربي رائع، حيث كانوا يعيرون العرب بأنهم أولاد رعاة الشياه والإبل، بينما كان آباؤهم ملوكاً..
وأذكر لك هنا نموذجاً خفيفاً جدّاً من هذا الشعر، الذي حفلت به بطون الكتب العربية، وهو للشاعر الفارسي «مهيار الديلمي»([309]). واسمه يدل على أصله، مع براعته في العربية. يقول مفتخرا بقومه "الفرس" وأمجادهم:
قومي استولوا على الدهر فتـى   ومشوا فوق رءوس الحقب
عممــوا بالشمس هامــاتهم   وبنــوا أبيـاتهم بالشهب
قد ورثت المجـد عن خير أب
 
  وورثت الديـن عن خير نبي
 
فضمـمت الفخـر من أطرافـه   سؤدد الفـرس وديـن العرب
ولاحظ هنا قوله «ودين العرب»!! ولقد كان مجوسياً وقدم لبغداد فأسلم، وتشيع وتعصب في تشيعه، حتى سب الصحابة الذين لم يلتفوا حول الإمام على وبنيه. وكان في مقدمتهم بالطبع أبو بكر وعمر، كشأن الشيعة!
وقد استرسلت معك في ذكر نماذج من روحهم لاسيما تلك التي كانت تهدف إلى هدم الإسلام، والقضاء على النفوذ العربي ليعيدوا على أطلال ذلك دولتهم ومذهبها القديم قبل الإسلام، مما شعر به العرب وحذروا الخلفاء منه... بل كونوا دولة أو دولاً باسمهم، حتى كان الاجتياح المغولي لبلاد ما وراء النهر وأرض فارس، وتدميرهم لدولة الخلافة في بغداد، وكل معالم حضارتها (سنة656هـ) وكان الوزير العلقمي الشيعي وزير المستعصم هو الذي مهد لهم([310]).
ومع ذلك كله ومع دواه أخرى أصابت أرض الإسلام في البلاد العربية، ظل الإسلام السني عتيداً راسخاً في نفوس العرب جميعاً، إلا نسبة ضئيلة جداً منهم تشيعت، ولكنها لم تفقد ولاءها الوطني العربي. حتى المصريين تركوا مذهب الدولة الشيعية الفاطمية وتمسكوا جميعا بالمذهب السني.
وأرى من المهم جداً أن نذكر هنا خلال مسيرة تاريخ الشيعة وتاريخ أئمتهم، أن المذهب الشيعي لم يتبلور تماماً كمذهب وحزب إلا متأخراً، وأن كبار آل البيت كانوا مصدر إشعاع ديني لكل المسلمين وموضع تكريم، ولم يكونوا يرضون عن مغالاة المغالين فيهم، وفيمن سبقوهم حتى الإمام علي، بل كانوا يبعدونهم عن مجالسهم وينبذونهم، ولم يكونوا يفرقون بين مسلم ومسلم إلا إذا غالى هنا أو هناك. المهم عندهم أن يعرفوا عنه أنه لا يمس آل البيت بسوء، وليس هناك من المسلمين من يذهب إلى هذا وينال من آل البيت.
والسلسلة التي نعرفها الآن ومنذ زمن، لأئمة الشيعة من الإمام علي إلى الإمام الثاني عشر، كما يرى الشيعة الإثنا عشرية، أو يراها غيرهم من فرق الشيعة، لم تكن بهذا التحديد وقت حياة الأئمة حتى الإمام جعفر. لم يكن هؤلاء أئمة للشيعة وحدهم، ولكنهم كانوا أئمة في العلم والهدى للجميع شيعة وسنة وحتى تتلمذ عليهم بعض الأئمة الأربعة كأبي حنيفة.
والشيعة أنفسهم قد اختلفوا فيما بينهم في تحديد هؤلاء الأئمة فبعضهم قال بإمامة ابن الإمام علي المعروف «بمحمد ابن الحنفية» وأحاطوا به، ومنهم من رفض ذلك، وآثر الحسين، ومنهم من لم يقر إمامة «محمد الباقر» ورأى أن الإمامة بعد علي زين العابدين المتوفى (سنة93هـ) تكون في «زيد» رأس الفرقة الزيدية المعروفة حتى الآن في اليمن.
وكان الإمام زيد له رأي خاص في الإمامة، فهو يرى أنها تصح في المفضول مع وجود الأفضل ورفض ما عليه الآخرون وأدى رأيه هذا إلى تصحيحه لخلافة أبي بكر، مع رأيه بأن الإمام علياً هو الأفضل. فخلافة الخلفاء قبل علي صحيحة في رأيه، على عكس بقية الشيعة.
وبعد الإمام جعفر الصادق المتوفى (148هـ) اختلفوا فيمن يكون الإمام بعده: هل يكون من ذرية إسماعيل الذي مات في حياة أبيه، أو تنتقل إلى موسى الكاظم ابن جعفر الصادق. ونتج عن هذا فرقة الإسماعيلية، وفرقة الموسوية التي سارت الإمامة فيها من موسى إلى ابنه علي الرضا، ثم محمد الجواد، ثم علي الهادي، ثم الحسن العسكري، ثم ابنه الطفل محمد، الذي مات في سن الخامسة في السنة التي توفى فيها أبوه (سنة260هـ) وقالوا عنه: إنه اختفى في سرداب، وإنه المهدي المنتظر .. إلخ! وسيظهر آخر الزمان .. إلخ.
وافترقت الشيعة أكثر من هذا إلى عشرات الفرق، كما هو معلوم، لكن يجمعهم كلهم القول بوجوب الإمامة وأن الرسول r قد عين الإمام علياً بعده، فتكون إمامة غيره بعد الرسول غير صحيحة، وتكون منتزعة من صاحبها علي، وبسبب هذا وقفوا من أبي بكر وعمر وعثمان موقف العداء كما سبق ذلك.
فالشيعة كلهم على مختلف فرقهم: إمامية على هذا الاعتبار، ويرون أنها تكون في الإمام علي وذريته إلى يوم القيامة .. يتولون الإمامة في الدين وفي الدنيا، بمعنى أن يكونوا هم حكام المسلمين كما يجمعهم أيضاً القول بعصمة الأئمة من أي خطأ، وعصمتهم كعصمة الأنبياء، فكلام الأئمة كلام معصومين، ولا يصح البحث فيه، وإذا انتهت إليهم رواية حديث، فلا يصح أن تبحث: من الذي روى عنه الإمام، لأن كلامه معصوم عن الخطأ والتدليس مثل كلام الرسول r، ولذلك ترى أغلبية الأحاديث مروية عنهم، وتقف عندهم سلسلة الإسناد، فلا ترفع حتى الرسول غالباً، لأنه يكفي أن تكون مروية عن إمام!!
وهذا الإمام المعصوم، هو الحاكم الدنيوي على الناس، وكلامه وأوامره ونواهيه في أي شأن من شئون الدنيا معصوم فيه من الأخطاء، وعلى الناس أن يسمعوا ويطيعوا ولا يتشككوا، وهو إذا رضي عن أحد كان رضاؤه علامة على رضاء الله وعلامة على أنه داخل الجنة، وإذا غضب عليه كان غضبه من غضب الله، وكان إيذاناً بمصيره إلى النار فمصير المسلم مرهون برضائه أو غضبه، ومثلهم في ذلك نوابهم القائمون مقامهم!!
ولعله من هنا خرجت مقولة أن الجنود الإيرانيين الآن يذهبون إلى ميادين القتال وهم يعلقون في رقبتهم صكّاً بدخولهم الجنة، من الإمام خوميني كما وجدوه في رقاب الأسرى، وهذا غير مستبعد ما دام مصير أي واحد من أتباعه معلقاً بكلمة منه!! والجندي يحمل معه ضمان دخوله الجنة، وما عليه أن يقتل بعد ذلك!.
وهذه الفكرة في الإمام أو نائبه جعلتهم يخضعون خضوعاً لا إراديّاً لهم متى كانوا متدينين، وجعلهم كما رأيتهم يحيون أئمتهم، يطأطئون رءوسهم، وينحنون حتى يكادون يلمسون الأرض، وهم يمرون أمامهم، ولا يصافحونهم أو يلمسونهم، ويؤدون لهم ما قرره عليهم من مال، بمنتهى الطاعة والاستسلام، باسم الخمس أو غيره، فالإمام معصوم وهو في الكمالات دون النبي وفوق البشر([311]).
وقد كتب الأستاذ أحمد أمين عن صفات الإمام وخصائصه نقلاً عما ورد في كتاب «الكافي» للكليني وهو من أوثق كتب الإمامية الإثني عشرية([312]) فذكر منها:
-         اعتقادهم بأن الإمام يوحى إليه، وإن اختلفت طريقة الوحي عن النبي والرسول.
-         أن من لا إمام له أصبح ضالاًً. ومن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق. قال الإمام الرضا: «الناس عبيد لنا في الطاعة»([313]).
-         الأئمة هم نور الله الذي قال عنه: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [التغابن:8] وليس المراد بالنور هنا القرآن، ولكن الأئمة.
-         الأئمة أركان الأرض أن تميد بأهلها.
-         الإمام مطهر من الذنوب، مبرأ من العيوب، مخصوص بالعلم.
-         أعمال الناس ستعرض على النبي r وعلى الأئمة.
-         الأئمة موضع الرسالة، ومختلف الملائكة، وموضع سر الله في الأرض ووديعته بين عباده.
-         عند الأئمة جميع الكتب المنزلة على الرسل من عند الله، وهم يعرفونها بلغتها.
-         لم يجمع القرآن وعلمه إلا الأئمة، عن طريق التوارث من علم الإمام علي.
-    إنهم يعلمون علم ما كان، وما يكون، ولا يخفى عليهم شيء. فالله لم يعلم نبيه علماً إلا أمره أن يعلمه عليّاً، ثم انتهى هذا العلم إلى الأئمة من بعده.
-         كان مع رسول الله روح أعظم من جبريل وميكائيل، وهذا الروح مع الأئمة.
-         الملائكة تدخل بيوت الأئمة، وتطأ بسطهم، وتأتيهم بالأخبار.
-    الأرض كلها للإمام، وأهل البيت هم الذين أورثهم الله الأرض، كما تقول الآية: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء:105]، والعباد الصالحون هم الأئمة([314]).
    وهذا وإن قررته الشيعة الإثنا عشرية كما جاء في كتبهم، إلا أن الفرق الأخرى الإسماعيلية وما تفرع عنها لا تختلف عن ذلك كثيراً بل ربما كان لها غرائب في أفكارها جعلت الإثني عشرية لا تعترف بها.
 
 
 
 
 
 
 
18- الدكتور عمر عبد الله كامل
 
-  خبير بمجمع الفقه الإسلامي .
- من رموز الصوفية السعودية المعاصرة .


 حوار مع أفكار الشيعة
 [هذا البحث في الأصل مقالين نشرا في "مجلة التصوف الإسلامي"، والتي يصدرها المجلس الصوفي الأعلى في مصر، العدد (303،304)، سنة2004م].
 
في هذا المقال أحاور أهم أفكار الشيعة معتمداً على القرآن الكريم والأحاديث الواردة في فضل آل البيت على ألسنة الصحابة من كتب السنة، واعتمد على العقل كذلك في الحوار، ويظهر من هذا الحوار تهاوي فكرة البغضاء بين آل بيت رسول الله r وبين أصحابه، وأنها أكذوبة مدسوسة على المسلمين انتفع بها ذوو النوايا السيئة.
الآيات الواردة في فضل الصحابة من القرآن
في سورة الفتح وردت آية: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح:29].
في هذه الآية مدح الله محمداً رسول الله r والذين معه، فمن هم الذين معه؟ أليسوا آل البيت وزوجاته وصحابته؟ وهل يمدح أناساً يعلم أنهم سوف ينقلبون على أعقابهم؟ فالمقصود في هذه الآية هم أصحاب رسول الله r.
وهنا سؤال نوجهه إلى مبغضي أصحاب رسول الله r: هل يرضى مبغضو الصحابة أن يكونوا في صف واحد مع الكفار؟.
والجواب ما قاله الإمام مالك: «من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله r فقد أصابته هذه الآية: {وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح:29].
قد يحتج عليّ ويقال: ما هو تعريف صحابة الرسول r؟ فأقول: لقد اختلف الناس في تعريف من هم الصحابة؟ ولكن المقطوع به بشكل لا يختلف عليه المسلمون أنهم المهاجرون والأنصار، وعلى رأسهم أهل بدر، وهذا ما ورد في الآية: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:100]، وذكر الله ـ فيها السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
فمن هم المهاجرون السابقون إذا لم يكونوا أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً؟ هذا أمر لا خلاف فيه، فهذه الآية تثبت رضى الله ـ عنهم أجمعين، وإذا رضي الله عن عبد فلن يغضب عليه أبداً، فما بالك إذا كانت الشيعة تنازعنا فيمن حضروا بدراً والعشرة المبشرين بالجنة ومنهم: أبو بكر وعمر وعثمان.
فأي وهم تقودهم إليه أهواؤهم بعد هذه الآية: {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة:117].
وفي هذه الآية يبين الله أنه تاب على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة، ومنطوق هذه الآية والصيغة التي وردت بها «لقد تاب» فأمر التوبة بالنسبة للصغائر وما يحدث للإنسان بحكم بشريته من خوف وجزع وقلق عند تأخير نصر الله وما شابه ذلك من مستلزمات الطبيعة البشرية الضعيفة، كل هذه الأعمال تاب الله على النبي وعلى المهاجرين والأنصار منها بمنطوق هذه الآية.
فإذا استنكرتم على سيدنا عمر بن الخطاب t وعلى أجلاء الصحابة ترددهم في صلح الحديبية وهم يرون إصرار قريش على أن يمحى اسم رسول الله r، وتصر على أن تثبت محمد بن عبد الله فقط، وقد استنكر سيدنا علي بن أبي طالب، بل كتبها ثم محاها رسول الله r، وكاد عقل سيدنا عمر t أن يتزلزل وهو يرى افتراء قريش، وما عمر بعالم للغيب عن طريق الوحي كرسول الله r،، وما إيمان عمر أو أحد من الخلق كإيمان المصطفى r، الثابت الذي لا يتزلزل، وهو الذي يناجي ربه فإن وجد شيئاً اتبعه.
هذا عن الصحابة الذين تاب الله عليهم، فهو موقف اعتزاز بدينهم، وربهم أعلم بهم فكيف يؤخذ عليهم هذا الأمر؟ ولقد ظل سيدنا عمر بن الخطاب t يستغفر الله عن هذه الحادثة حتى توفي، أليس هذا من ورعه؟
وبالرغم من أن منطوق هذه الآية يدل على أن الله تاب على المهاجرين والأنصار الذين كادت قلوبهم تزيغ، ليس هذا وحسب، بل اقرأ آخر الآية حيث أردف  بتوبة أخرى لقوله تعالى: {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة:117]، فالله رءوف رحيم على الإطلاق، وفي حق الأنصار والمهاجرين بالتخصيص بموجب هذه الآية.
والآية: {وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور:22]، وهذه الآية نزلت في قصة أبي بكر الصديق t ومسطح بن أثاثة، وذلك أنه كان ابن خالته، وكان من المهاجرين البدريين، وكان أبو بكر ينفق عليه لمسكنته وقرابته، فلما وقع أمر الإفك، وقال فيه مسطح ما قال، حلف أبو بكر ألا ينفق عليه، فجاء مسطح فاعتذر، فقال له أبو بكر: لقد شاركت فيما قيل ومر على يمينه فنزلت الآية. فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: لا أنزعها أبداً.
فهذه الآية تنص على فضل المهاجرين، وأن هجرتهم في سبيل الله، وتنص على فضل سيد الصحابة الصديق ووصف الله سبحانه له بأنه من أولي الفضل والسعة،وأن الله سبحانه قد غفر له.
ثم الآية: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} [الأحزاب:6].
هذه الآية يذكر الله فيها أن النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ويصف زوجاته بأنهن أمهات المؤمنين، ومنهن السيدة عائشة الصديقة بنت الصديق، حتى وإن اجتهدت في الخروج في موقعة الجمل فهي أمنا، فقد استبانت الحق وندمت على ما فعلت، وتمنت أن يكون لها عديد من الأبناء استشهدوا في سبيل الله، ولم تطع ابن الزبير في مخرجها ذلك. وهذا علي يقول عن السيدة عائشة: «خليلة رسول الله r». ويقول أمير المؤمنين ذلك في حق عائشة مع ما وقع بينهما، فرضي الله عنهما.
ولا ريب أن عائشة ندمت ندامة كلية على مسيرها إلى البصرة، وحضورها يوم الجمل، وما ظنت أن الأمر يبلغ ما بلغ، فعن عمارة بن عمير، عمن سمع عائشة إذ قرأت: {وقَرن في بيوتكنّ} بكت حتى تبلل خمارها.
وقد أخبر النبي r علياً أنه سيكون بينه وبين عائشة أمر، ففي الحديث عن أبي رافع أن رسول الله r قال لعلي بن أبي طالب: «إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر. قال: أنا يا رسول الله؟ قال: نعم. قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله. قال: لا، ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها». أما الآية: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر:8]، ففي هذه الآية يذكر الله المهاجرين الذي أخرجوا من ديارهم لنصرة الله ورسوله ويصفهم بأنهم الصادقون.
أبعد وصف الله تعالى لهم بالصدق يأتي من يشكك فيهم؟ ألا تقف هذه الآيات، وهي في كتاب الله القرآن الكريم الذي نتعبد به، مانعاً عن الخوض في خير أمة أخرجت للناس؟ فقد مدحهم الله ـ بأنهم خير أمة لقوله سبحانه: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران:110]، فلم يشرك معهم أحداً في هذا الفضل والإحسان.
ألم يسمع أولئك قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال:72]. وكذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال:74] .
وفي هذه الآيات يصف الله المهاجرين والأنصار بأنهم المؤمنون حقاً، أبعد ذلك تشككون فيهم؟ ألم تقرءوا في هذه الآيات أن بعضهم أولياء بعض، فما معنى أولياء بعض؟ أيتولى المسلم المنافق إن كنتم تزعمون فيه نفاقاً أو فسوقاً، فكيف هذا؟ أيستقيم ذلك مع العقل السليم، والنص الثابت الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟.
ألم تسمعوا قول الله: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة:40]، ألم تنزل هذه الآية في سيدنا محمد وصاحبه أبي بكر، ما رأيك في اثنين الله ثالثهما؟ ألا تكفي هذه الآيات في فضل أبي بكرt؟
ومن هؤلاء من اتهم كبار الصحابة رضوان الله عليهم بالردة استناداً إلى قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران:144]، فهذه الآية نزلت بسبب انهزام المسلمين يوم أحد، وظن بعضهم أن رسول الله قد قتل، فقال المنافقون للمسلمين: «إن كان محمد قتل فالحقوا بدينكم، فقال بعضهم: إن كان محمد قد أصيب، ألا تمضون على ما مضى عليه نبيكم حتى تلحقوا به فأنزل الله هذه الآية».
قال القرطبي: «فهذه الآية من تتمة العتاب من المنهزمين، أي لم يكن لهم الانهزام وإن قتل محمد». وقال أيضا: «هذه الآية أدل دليل على شجاعة الصديق وجراءته، فإن الشجاعة والجرأة حدهما: ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبي r، فظهرت عندها شجاعته وعلمه».
فهذه الآية التي يستدل أعداء الصحابة على أنهم ارتدوا وانقلبوا على أعقابهم، تدل على فضلهم، لأنهم ثبتوا معه r ودافعوا عنه. حتى ولو قلنا بأنها تتعلق بالمنهزمين والرماة الذين خالفوا أمر الرسول، فإن الله سبحانه قد تاب عليهم وعفا عنهم، فقد نزل بعد هذه الآية قوله سبحانه: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:152].
نأتي إلى العقل
فبالعقل عرفنا الله، والقرآن لا يزال يكرر: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}[البقرة:164]، و{إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}  [يونس:24] و{وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} [الأنعام:98] ... إلخ وكل هذه العبارات تدل على إعمال العقل، فلنناقش دعاواهم بهدوء مستخدمين الحوار العقلي المجرد.
محمد رسول الله r: إذا كنتم تؤمنون بعصمة الأئمة الاثني عشر وأنهم منزهون عن الخطأ، أفلا تؤمنون بأن الرسول r معصوم من الخطأ؟!
لقد كان الهدف من العصمة هو إبلاغ الرسالة على أتم وجه، أما آل البيت والصحابة الذين استقاموا بعد وفاته r فهذه منقبة تحمد لهم بأن استقاموا وليسوا معصومين، فانتصارهم على النفس جهاد أكبر.
فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ليسوا معصومين من الآثام، فإن العصمة لا تجب لأحد من أصحاب رسول الله r ولا تجب لأحد عند أهل السنة إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإنما هم محفوظون عن أن تجرح الذنوب في عدالتهم الثابتة، فإذا بدرت منهم هفوة بمقتضى البشرية بادروا إلى الإقلاع والتوبة عن تلك الزلة وتلافيها بالانقياد لإقامة الحد عليهم إن كان، وبمحاسبة النفس وتقريعها والاستكثار من الأعمال الصالحة، حتى أن الزلة ربما تكون سبباً لعلو درجاتهم ورفعة مقاماتهم عند الله تعالى.
وإن كان للأمة من فضل فإنما هو بسبب رسول الله r، ونحن لا نشك في أن لهم فضلاً، ولكن هذا الفضل بسبب قرابتهم لرسول الله r، فالرسول r اختاره الله من الخلق جميعاً، واختار له الأمهات والآباء الذين تسلسل منهم فكان خياراً من خيار، وما افترق الناس فرقتين إلا كان في خيرهما، واختار الله له أصحابه وآل بيته، فكما أن فضل الأمة مرتبط بفضل أنبيائهم فكذلك آل البيت والصحابة.
وما دمنا نؤمن بأن رسول الله r معصوم من الخطأ، فكيف يخطئ في اختيار أصحابه إليه وأدناهم منه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والعشرة المبشرين وأهل بدر. أيجوز أن يخطئ في الاختيار؟ خصوصاً وأن هذا الأمر يترتب عليه أمر ديني، فهم الناقلون عنه r وهم المعايشون له، أفيخطئ بعد ذلك في انتقائهم ويوهم الأمة بفضلهم، إن لم يكن لهم فضل؟ حاشا أن يفعل ذلك، وحاشا أن يوقعه ربه في الخطأ، ليس هذا وحسب، بل لقد أمرنا رسول الله r أن نتخير لنطفتنا، أفنشك في أنه تخير لنطفته r في اختياره لزوجاته كلهن رضوان الله عليهن، فيظهر من يشككون في عدالة أبي بكر وعمر وعثمان ي ويتزوج بناتهم ويزوج عثمان ذا النورين، ويكرر الخطأ مع نفس الأشخاص الذين تكرهونهم وهو القائل: «إن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي».
ثم ما بالكم ترون في عمر t ما ترون وقد زوجه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ابنته، فإن لم يكن كفؤاً ما كان علي كرم الله وجهه أن يزوجها له وهو الذي لا يخشى في الله لومة لائم، فأين عقولكم؟؟ ألم تسمعوا قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال:75]، أليسوا ذوي رحم رسول الله r، أتراه قاطعها وهو صلى الله عليه وسلم خيرنا لأهله.
ولنقرأ هذه الآية من سورة الحديد: {لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد:10]. فهذا وعد الله سبحانه للسابقين الأولين وللذين أسلموا بعد الفتح، فقد وعد الله سبحانه الفريقين الحسنى، وهي الجنة؟ فما هو موقف أعداء صحابة رسول الله r من هذه الآية؟!
يوم الرزية
لقد ذكروا يوم الرزية، حيث كان الصحابة مجتمعين في بيت رسول الله r وطلب الرسول أن يكتب لهم كتاباً لا يضلوا بعده أبداً، ومنعه عمر بن الخطاب t؛  قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس، اشتد برسول الله r وجعه فقال: هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كلام الله، فاختلف أهل البيت واختصموا منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي كتاباً لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر. فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي، قال لهم رسول الله r قوموا عني».
ونحن نرى أنه شفقة بمرضه r منعه رضي الله عنه، وأنتم تقولون إن عمر t قال: إن النبي كان يهذي، وحاشا لله أن يصدر ذلك من عمر، وهو الذي ظل يتأسف عن يوم الحديبية إلى أن توفي، فكيف تصدر هذه اللفظة من سيدنا عمر بحق الرسول r، فالرسول كما قال الله عز وجل عنه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3-4].
وقد تكلم العلماء على الحديث بما يشفي العليل ويروي الغليل، وقد أطال النفس في الكلام عليه محيى الدين النووي في شرح مسلم وأتى فيه بنفائس، فرأيت أن أنقله مع اختصار له.
قال رحمه الله تعالى: «اعلم أن النبي r معصوم من ترك بيان ما أمر ببيانه وتبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه، ليس معصوماً من الأمراض والأسقام العارضة للأجسام ونحوها مما لا نقص فيه لمنزلته ولا فساد لما تمهد من شرعيته. فإذا علمت ما ذكرناه، فقد اختلف العلماء في الكتاب الذي همَّ النبي r فقيل: أراد أن ينص على الخلافة في إنسان معين لئلا يقع فيه نزاع وفتن، وقيل: أراد كتاباً يبين فيه مهمات الأحكام ملخصة ليرتفع النزاع فيها ويحصل الاتفاق على المنصوص عليه، وكان النبي r همَّ بالكتاب حين ظهر أن هناك مصلحة أو أوحي إليه بذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه أو أوحي إليه بذلك، ونسخ ذلك الأمر الأول. وأما كلام عمر t، فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره، لأنه خشي أن يكتب صلى الله عليه وسلم أموراً ربما عجزوا عنها، واستحقوا العقوبة عليها لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها، فقال عمر: حسبنا كتاب الله لقوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام:38]، وقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة:3]، فعلم أن الله تعالى أكمل دينه فأمن الضلال على الأمة وأراد الترفيه على رسول الله r، فكان عمر أفقه من ابن عباس وموافقيه، قال البيهقي: ولو كان مراده صلى الله عليه وسلم أن يكتب ما لا يستغنون عنه لم يتركه لاختلافهم ولا لغيره، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [المائدة:67].
وفي تركه صلى الله عليه وسلم الإنكار على عمر دليل على استصوابه، وقال البيهقي: وقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ثم ترك ذلك اعتماداً على ما علمه من تقدير الله تعالى ذلك، كما همَّ بالكتاب في أول مرضه حين قال: وارأساه! ثم ترك الكتاب وقال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، ثم نبه أمته على استخلاف أبي بكر بتقديمه إياه في الصلاة».
ومن المؤسف ما صدر عن أحد دعاتهم المعاصرين حيث رمى سيدنا عمر بن الخطاب بالجهل، مستنداً في ذلك إلى ذكره ما البخاري - على حد زعمه - أن رجلاً لم يجد ماء فقال له عمر: لا تصل، وكأنه لا يعرف شيئاً عن التيمم، كما أن امرأة سألته عن الصداق فقال: لا أدري، ويستنتج من ذلك أنه جاهل، فكيف يتجرأ هذا وأمثاله على رجل من أكابر تلاميذ رسول الله r حتى يتهمه بالجهل! فأين هؤلاء من فقه عمر؟
بل إنه ينكر حديث: «لو كان نبي بعدي لكان عمر» أما قول عمر t: «ولولا علي لهلك عمر»، فهو من تواضعه وعرفانه لأهل الفضل، وأنه كان دائم التقدير لسيدنا علي كرم الله وجهه، مما ينفي بغضه لعلي الذي يدعيه هؤلاء، بل إنه كان يقدره ويستشيره ويستنير بآرائه.
جيش أسامة
ومن جانب آخر ذكروا أن الصحابة اعترضوا على تعيين أسامة بن زيد أميراً للجيش، فبلغ ذلك الرسول r بعد حادثة الرزية المزعومة بيومين، فقام الرسول r يتكئ على شخصين حتى صعد المنبر، وقال: «أيها الناس! ما مقالة بلغت عن بعضكم في تأمير أسامة، ولئن ضقتم في تأمير أبيه من قبل، وأيم بالله إنه كان خليقاً بالإمارة،, وإن ابنه لخليق بها».
وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن عبد الله بن عمر: «بعث رسول الله بعثاً، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمارته، فقال رسول الله r: «إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إلىَّ بعده».
ففرق بين هذه الرواية الثابتة الصحيحة: أن بعض الناس طعن في إمارته، وبين دعوى السماوي الرافضي أن الصحابة اعترضوا على تعيين أسامة، والذين انتقدوا إمارته هم المنافقون وبعض الصحابة، «وممن تكلم في ذلك عياش بن أبي ربيعة المخزومي، فرد عليه عمر وأخبر النبي r فخطب بما ذكر «الحديث» فأين هذا من التهويل الذي يدعيه الرافضي السماوي؟!!.
ولما تمت البيعة لأبي بكر بعد انتقال الرسول r إلى الرفيق الأعلى أمر أبا بكر بإنفاذ بعث أسامة إلى الشام وتحقيق وصية النبي r، رغم الحاجة إلى جيش أسامة بوقوع الردة.
روى الترمذي عن أسامة بن زيد t قال: «كان رسول الله r قد عقد لي لواءً في مرضه الذي مات فيه، وبرزت بالناس، فلما ثقل رسول الله r أتيته يوما، فجعل رسول الله r يضع يده عليَّ ويرفعها، فعرفت أنه كان يدعو لي، فلما بويع لأبي بكر، كان أول ما صنع، أمر بإنفاذ تلك الراية التي كان عقدها لي رسول الله r، إلا أنه كان سألني في عمر: أن أتركه له ففعلت».
وقد قام الصديق بتشييع أسامة ماشياً، وأسامة راكب .. وأوصاه وصيته التاريخية المشهورة بأسمى مبادئ المدنية والحضارة. ونجح أسامة في مهمته، وعاد بجيشه سالماً غانماً إلى المدينة، ولما سمع المسلمون بقدومهم، خرج أبو بكر مع المهاجرين، وخرج أهل المدينة حتى العواتق وسروا بسلامة أسامة ومن معه، وفي هذا الاستقبال الحافل ردد الناس قول النبي r: «إنه لخليق للإمارة، وإن كان أبوه لخليقا لهاً».
ومرة أخرى نتساءل كيف يتحامل الرسول r على نفسه حتى يصل المنبر ويثبت تأمير أسامة؟ فهل تأمير أسامة أهم للمسلمين من أمر الخلافة إن كان سيوصي بها لعلي؟ فلماذا لا يذكر صلى الله عليه وسلم صراحة خلافة علي كرم الله وجهه من على المنبر على رءوس الأشهاد؟ فلم يكن الرسول r يكتب كل أحاديثه وإنما كان ينطقها شفاهة، ونقلت لنا من الصحابة رضوان الله عليهم هكذا، فإن لم يكتب تلك الوصية وإن كانت كما تزعمون أنها خاصة بخلافة علي والأئمة الاثني عشر، ما كان ليكتمها صلى الله عليه وسلم وهو الذي نزلت عليه الآية: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة:67].
فهل يسع الرسول إلا أن يبلغ هذا الأمر وهو مأمور من ربه وهو الصادق الأمين، والذي نشهد له بأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، أيخشى نفراً من الناس ويكتم الحق؟.
حاشاه صلى الله عليه وسلم، فما عمر وما الناس جميعاً بمانعيه عن إبلاغ الرسالة، والله يقول في هذه الآية: {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67]، فقد كان الله قادراً على أن يخسف بعمر وغيره إن أراد الوقوف في وجه الرسالة، فأين عقولكم؟
ثم إذا حاولتم بجدل أن تثبتوا أن الرسول r ما كان يترك الأمة بدون أن يحدد لهم طريقة الخلافة، فهل تشهدون عليه بالعجز عن تبليغ الرسالة؟ لا والله لا يكون هذا! لقد تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وهذا الدستور الخالد القرآن الكريم ينظم أمر الحكم، فأمرهم شورى بينهم قاطعة النص، فقد تركهم لنظام متكامل لشريعة خالدة بصحابة علماء يهمهم من أمر المسلمين كل شيء. ونجدهم يزعمون:«أن الله طلب من الرسول r أن يشاور في الأمر لحكمة من الله، وبذلك يستشف من أحوال الصحابة الكاذب من الصادق والمنافق من المؤمن».
فهل الرسول r يخفى عليه من هذه الأمور شيء، وهو الذي لم ينقطع عنه خبر السماء حتى يحتاج إلى أن يظهرهم بأقوالهم، فهو لم يصرح بكثير مما يعلم من خبايا الناس لأمر التشريع، وإلا لم يكن يخفى عليه حال أحد من الناس صادقهم وكاذبهم، وقد أشارت إحدى الآيات إلى ذلك: قال: {وَلَوْ نَشَاء لأرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} [محمد:30].
ألا تشير هذه الآية إلى أن الرسول r يعلم الكاذب من الصادق والمؤمن من الكافر بسيماهم؟ أتدعون لأئمتكم علم الغيب والعصمة وتنكرونها على الرسول r؟ ماذا دهاكم؟ أنسيتم أن مهمة رسول الله r هي التشريع؟ فقد كان ينسيه ربه الصلاة وهو الذي تنام عيناه ولا ينام قلبه، فكيف ينسى الصلاة إلا لغرض التشريع؟ كذلك الشورى ألزمه بها ربه حتى يعلمنا التشاور، وأنه أصل من أصول الدين.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
19- الأستاذ محمد عبد الله عنان
 
-  ولد في  1896م بمصر .
-  حصل على شهادة الحقوق سنة 1914م .
-  يعد من أشهر المؤرخين المعاصرين و الكتاب المرموقين .
-  له العديد من الكتب القيمة .
 
 


أصل الشيعة
[من كتابه«تاريخ الحركات السرية» (ص:23-27)].
 
لما توفي النبي العربي ثار الخلاف واختلفت كلمة القبائل على مسألة الحكم، وهدأت ثورة هذا الخلاف حيناً في عهد أبي بكر أول الخلفاء وعهد خلفه عمر، ولكنها تفاقمت في عهد عثمان ثالث الخلفاء وانتهت بمقتله، وتولى علي بن أبي طالب الخلافة من بعده. وكان لعلي حزب ينادي بخلافته عقب النبي مباشرة، ويرى أنه هو وبنوه أحق الناس بها، بيد أن هذا الحزب لم يكن في البداية من القوة بحيث يستطيع أن يحول دون خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فلما اشتد ساعده تحققت غايته بتولية علي، ثم نهض معاوية يسعى إلى نيل الخلافة مستتراً بالثأر لعثمان، فاجتمع حول علي كل أنصار الشورى ليقاوموا أطماع معاوية، وأخذوا يتلمسون من النصوص والوثائق الدينية ما يؤيدون به حق علي وأسرته.
معنى الاصطلاح
هذا الحزب الذي التف حول علي منذ وفاة النبي وساعده على نيل الخلافة، وأيده ضد معاوية إلى النهاية، ثم التف حول بنيه من بعد مقتله، هو حزب الشيعة، أي الأتباع والصحب، والشيعة في عرف علماء الكلام هم أتباع علي وبنيه. ويقال لهم شيعة آل البيت.  ومن الخطأ أن يقال إن الشيعة إنما ظهروا لأول مرة عند انشقاق الخوارج، وأنهم سموا كذلك لبقائهم إلى جانب علي، فشيعة علي ظهروا منذ وفاة النبي، كما قدمنا، ولبثوا يرقبون الحوادث والفرص حتى ولي الخلافة علي.
مذهب الشيعة في الإمامة
ومذهبهم جميعاً هو أن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة ويختار القائم بها بتعيينهم، بل هي ركن من أركان الدين لا يجوز لنبي إغفاله ولا تفويضه إلى الأمة، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم، وأن يكون هذا الإمام معصوماً من الكبائر والصغائر، وأن علياً هو الذي عينه النبي للخلافة من بعده، وهم يؤيدون ذلك بآيات من القرآن يفسرونها طبقاً لرأيهم، وأحاديث ينسبونها إلى النبي، ليس من موضوعنا أن نتعرض لبحثها ومناقشتها.
فرقهم
والشيعة فرق عدة أهمها:
الإمامية: وهم الذين يتبرءون من أبي بكر وعمر ويطعنون في إمامتهما، لأنهما لم يقدما علياً ويبايعاه طبقاً للنصوص التي يقولون بها. ويسمون كذلك لقولهم باشتراط معرفة الإمام وتعيينه في الإيمان.
والزيدية: وهم لا يتبرءون من أبي بكر وعمر ولا يطعنون في حقهما مع قولهم بأن علياً أفضل منهما، لكنهم يجيزون إمامة المفضول مع وجود الأفضل، وهم أتباع زيد بن علي بن الحسين.
ومن الشيعة طوائف يسمون الغلاة قالوا بألوهية هؤلاء الأئمة، إما على أنهم بشر اتصفوا بصفات الألوهية، أو أن الإله حل في ذواتهم البشرية، وهو قول بالحلول يوافق مذهب النصارى. ومنهم من قال إن كمال الإمام لا يكون لغيره، فإذا مات انتقلت روحه إلى إمام آخر ليكون فيه ذلك الكمال، وهو قول بالتناسخ. ومن هؤلاء من يقف عند واحد من الأئمة لا يتجاوزه إلى غيره، ويقول إنه حي لم يمت إلا أنه غائب عن الأعين، ومن ذلك قول الإثني عشرية - نسبة إلى الثاني عشر من أئمة الإمامية وهو محمد بن الحسن العسكري - أنه لم يمت بل اختفى، وأنه يخرج آخر الزمان فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ويلقبونه بالمهدي المنتظر، إلى غير ذلك من النظريات والمزاعم.
اختلافهم في مساق الخلافة
وقد اختلف الشيعة فيما بينهم في مساق الخلافة بعد علي، فمنهم من ساقها في ولد فاطمة «ابنة النبي وزوج علي» بالنص عليهم واحداً بعد واحد وهم الإمامية. ومنهم من ساقها في ولد فاطمة بالاختيار واشترطوا أن يكون الإمام منهم عالماً زاهداً جواداً شجاعاً، وأن يخرج داعياً إلى إمامته وهم الزيدية، ومنهم من ساقها بعد علي وابنيه الحسن والحسين «ابنا فاطمة» إلى أخيهما محمد ابن الحنفية، وهم الكيسانية نسبة إلى مولاه كيسان.
وأما الكيسانية فساقوا الإمامة من بعد محمد ابن الحنفية إلى ابنه ثم افترقوا فساقها بعضهم إلى أخيه علي ثم إلى ابنه الحسن، وزعم آخرون أن أبا هاشم أوصى بالإمامة إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وأوصى محمد بها إلى ابنه إبراهيم المعروف بالإمام، وأوصى إبراهيم إلى أخيه عبد الله الملقب بالسفاح، وهو أول خلفاء بني العباس، وأوصى السفاح إلى أخيه أبي جعفر المنصور، ثم انتقلت في ولده بالنص والعهد.
وأما الزيدية فساقوا الإمامة على مذهبهم فيها باعتبار أنها تقوم باختيار الأمة لا بالنص، فقالوا بإمامة علي فابنه الحسن فأخيه الحسين فابنه علي زين العابدين فابنه زيد وهو إمام المذهب. وقد خرج زيد بالكوفة داعياً إلى الإمامة فقتل، فقال الزيدية بإمامة ابنه يحيى، وسار يحيى إلى خراسان داعياً فقتل أيضاً بعد أن أوصى بالإمامة إلى محمد بن عبد الله من ولد الحسن، وهو المعروف بالنفس الزكية، وقد خرج بالحجاز وتلقب بالمهدي وحاربته عساكر المنصور فقتل، فقال بعض الزيدية إن الإمام من بعده أخوه إدريس الذي فر إلى المغرب الأقصى، واختط مدينة فاس، وأسس دولة الأدارسة، وخالفهم آخرون منهم، وتشعبت آراؤهم في ذلك.
الإثنا عشرية: وأما الإمامية فقالوا علي ثم ابنه الحسن بالوصية ثم أخيه الحسين، فابنه زين العابدين، فابنه محمد الباقر، فابنه جعفر الصادق، ومن هنا اختلفوا إلى فرقتين: قالت الأولى بإمامة ابنه إسماعيل وهم الإسماعيلية ولقبوه بالإمام.
وقالت الأخرى بإمامة ابنه موسى الكاظم، فابنه علي الرضا، فابنه أبو جعفر محمد، فابنه علي، فابنه الحسن العسكري، فابنه محمد المهدي وهو الثاني عشر من هؤلاء الأئمة، ولذا سميت هذه الفرقة بالإثني عشرية. وإلى هنا تقف بأئمتها وتقول: إن خاتمهم وهو المهدي لم يمت وإنما اختفى وتغيب حين اعتقل مع أمه، ولا يزال مختفياً إلى آخر الزمان ثم يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ويسمونه بالمهدي المنتظر.
الإسماعيلية: وأما الإسماعيلية فقالوا بإمامة إسماعيل الإمام، ثم ابنه محمد المكتوم وهو أول الأئمة المستورين؛ لأن الإمام عندهم قد لا يكون ذا شوكة فيستتر، فإذا كانت له شوكة ظهر وأظهر دعوته، ثم من بعده إلى ابنه جعفر الصادق ثم ابنه محمد الحبيب وهو آخر المستورين، ثم ابنه عبيد الله المهدي الذي فر إلى إفريقية وقام بدعوته هنالك وملك القيروان وأسس دولة العبيديين، وأسس بنوه دولة الفاطميين في مصر، ويسمى هؤلاء الإسماعيلية أيضاً بالباطنية نسبة إلى قولهم بالإمام المستور، أي الباطن.
وقد عنينا بذكر ما تقدم من فرق الشيعة، وترتيب أئمتهم وأنسابهم، تمهيداً لما سنذكره من تاريخ هذه الفرق، بيد أنا لن نُعنى كما قدمنا بهذا التاريخ إلا من حيث أن الفرق ثورية أو سرية.
تنازل الحسن ومقتل الحسين
لما قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بايع الشيعة ابنه الحسن بوصية منه، غير أن بيعة الحسن لم تكن إلا صورة، وكان مقتل عليّ نذير الانحلال في صفوف العراقيين فانفض الجند عن الحسن، واضطر أن ينزل عن الخلافة لمعاوية كما رأينا، فنقم الشيعة منه ذلك والتفوا حول أخيه الحسين، ولحق الحسين أولاً بمكة، ثم عاد فاعتزم السير إلى الكوفة حينما استدعاه بعض أشرافها، وأخذوا له البيعة، وسار الحسين إلى الكوفة في نفر قليل من شيعته بعد أن انصرف عنه معظم أصحابه.
ولقيه جند عامل الكوفة الأموي عبيد الله بن زياد على مقربة منها، وكانت بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص، وحاول القوم إرغامه على الذهاب معهم إلى الكوفة ثم أنزلوه في مكان قفر لا ماء فيه في ظاهر كربلاء. ولكن الحسين أبى وآثر القتال في صحبه القلائل؛ وكانوا اثنين وثلاثين فارساً وأربعين راجلاً، بينما بلغ جند ابن زياد أربعة آلاف مقاتل، وكان ذلك في العاشر من المحرم (سنة:61هـ) «10 أكتوبر سنة680م)». وقتل الحسين بعد صلاة الظهر من سهم أصابه، ثم تعاقبت عليه الطعان ومثل بجثته واجتز رأسه، وقتل معه عدة من أولاده وأخوته، وأرسلت رءوسهم جميعاً إلى يزيد بن معاوية. وكان لمقتل الحسين على هذا النحو المؤسف وقع عميق في العالم الإسلامي، وكان من أعظم العوامل التي صدعت من هيبة الخلافة الأموية، ثم أدت في النهاية إلى سقوطها.
خروج المختار بن أبي عبيد
ومن ذلك الحين ألفى الطامعون من الزعماء في ثورة الشيعة سلاحاً يشهرونه وقت الحاجة، وفي نظرياتهم وتعاليمهم وسيلة لاستهواء الناقمين والبسطاء، وكان أول من اشتهر بالدعوة الشيعية المختار بن أبي عبيد الثقفي، كان خارجياً ثم صار شيعياً، وقد خرج بالكوفة (سنة:66هـ) مطالباً بثأر الحسين وقتال الظلمة واستولى عليها، وطارد قتلة الحسين وقتلهم، ونادى بإمامة محمد بن الحنفية، وحرَّف تعاليم الشيعة إلى ما يوافق خططه ومشاريعه، وزعم أنه يعرف الخفي من العلوم والأسرار.
وكان يحمل في حروبه كرسياً قديماً غشاه بالديباج وزينه بأنواع الزينة ويزعم أنه من ذخائر علي بن أبي طالب، وأنه كالتابوت عند بني إسرائيل. وقويت شوكته بالكوفة حتى سار إليه مصعب بن الزبير (سنة67هـ - 686م) فقتله ومزق جموعه.
خروج بعض أئمة الشيعة ومقتلهم
ثم تشعبت مبادئ الشيعة، واختلفت طوائفهم فيمن هو أحق بالأمر من آل البيت، وبايعت كل طائفة لصاحبها سراً، واجتاح سلطان بني أمية كل الأقطار بالسيف، فلما أن اعتور الوهن سلطان بني أمية وبدت عليه علائم الانحلال، وضعف أمر الولاة في الأقطار البعيدة عن الحكومة المركزية، عاد الشيعة إلى التحرك، فخرج زيد بن علي بن الحسين في الكوفة (سنة:121هـ )، وهو إمام فرقة الزيدية كما قدمنا، والتف حوله الشيعة، فقاتله والي العراق وقتله، وفر ابنه يحيى إلى خراسان فرفع بها لواء الثورة (سنة125هـ) فبعث إليه حاكم الولاية بالجند فقتلوه أيضاً، وانقرض شأن الزيدية.
وكانت شيعة محمد ابن الحنفية أكثر شيعة أهل البيت، وكانوا يرون كما قدمنا أن الإمامة من بعده لابنه أبي هاشم عبد الله، وأن أبا هاشم أوصى بها إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان من أكبر علماء الشيعة بالعراق وخراسان، ثم من بعده إلى ابنه إبراهيم الملقب بالإمام الذي ظهر في خراسان، فقبض عليه مروان الثاني وسجنه حتى مات.
ظهور دعوة بني العباس
في ذلك الحين أي حوالي (سنة129هـ) ظهرت دعوة بني العباس بخراسان. وبنو العباس هم أبناء عمومة النبي وقد لبثوا زمناً يتطلعون إلى الملك، ولما لم تكن لهم عصبية كافية اندمجوا في الحركة الشيعية ووجدوا في التذرع بها وسيلة ناجعة لاستهواء الجموع، وكانت أول بادرة خطيرة لحركتهم قيام أبي مسلم الخراساني في خراسان بالدعوة إلى إبراهيم الإمام.
فلما توفي إبراهيم زعم بنو العباس أنه أوصى بالإمامة إلى أخيه عبد الله أبى العباس المعروف بالسفاح، واشتدت دعوة أبي مسلم في خراسان وقوي أمره، وحارب عمال بني أمية في تلك الأنحاء واستولى عليها، وفي نفس الوقت سار أبو العباس السفاح إلى الكوفة داعياً إلى نفسه بعهد من أخيه إبراهيم، ودخلها وبايعه أنصاره بالخلافة، ثم انبث بنو العباس في نواحي العراق ونزعوها من أيدي عمال بني أمية، ثم كانت واقعة الزاب المشهورة التي هَزمت فيها جيوش السفاح، مروان الثاني آخر خلفاء بني أمية في (سنة132هـ) وكانت قبراً لملك بني أمية في المشرق. وهكذا استعمل بنو العباس حركة الشيعة في شق طريقهم إلى الملك، وقامت الدولة العباسية أزهر دول الإسلام في المشرق.
غدر بني العباس بالشيعة
والواقع أن الدعوة الشيعية لم تكن في نظر بني العباس إلا وسيلة، فلما ظفروا بغايتهم قلبوا للشيعة ظهر المجن، وأخذوا في مطاردتهم، فزج المنصور إلى السجن جماعة من أسرة الحسن بن علي، وفي سنة145هـ، خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن المعروف بالنفس الزكية في المدينة واستولى عليها، فأرسل إليه المنصور جنده فقتلوه وشتتوا أنصاره؛ وخرج إبراهيم أخو النفس الزكية في البصرة واستولى عليها ودعا بالبيعة إلى أخيه قبل أن يصل إليه خبر مقتله، وبث أنصاره في تلك النواحي، فلما قتل أخوه بالمدينة سار إلى الكوفة وسير المنصور جيوشه إليه فهزم أصحابه وقتل.
وفي عهد موسى الهادي ظهر في المدينة الحسين بن علي من ولد علي بن أبي طالب، ودعا بالإمامة لنفسه، فقاتله جند الهادي وقتلوه أيضا.
وفي عهد الرشيد خرج يحيى بن عبد الله من ولد علي كذلك، فسير إليه الرشيد جيشاً كثيفاً ثم قبض عليه وسجنه حتى مات.
ونحن نقف عند هذا الحد من ذكر أخبار الخارجين من آل البيت أبناء علي بن أبي طالب على دولة بني العباس، وإن استمر دعاتهم من بعد ذلك في الخروج من وقت لآخر، ومقاتلة عمال بني العباس بالنواحي، وقد أوردنا هذه الأمثلة لنرى كيف أن بني العباس لم يروا في الدعوة الشيعة إلا سلماً لارتقاء الملك، وكذلك سوف نوضح كيف أسفر نضال الشيعية الخفي لقلب الدولة العباسية عن انفجار ثوري هائل هز تعاليم الإسلام إلى الأعماق، ودفع إلى قبضة الشيعة بمعظم أقطار الدولة العباسية([315]).
 
 
 
 

 
 
 
 
 
 
 

 
 
 
 
 
20- الشيخ مصطفى السّباعي
 
-  ولد عام 1915م في مدينة حمص وتوفي عام 1964م .
-  شارك في مقاومة الاحتلال الفرنسي لسوريا ، وهو شاب .
-  درس بالأزهر .
-  رأس جماعة الإخوان المسلمون في سوريا .
-  عميد كلية الشريعة بجامعة دمشق .
 

 
 

الشيعة
[هذا البحث من كتابه: «السُّنة ومكانتها في التشريع الإسلامي»(ص127-133 )]
 
«نحن نقرأ بالألم الممزوج بالحسرة ما كان من الفتن الدموية بين علي ومعاوية حول الخلافة، ثم ما جرت وراءها من ذيول لا نزال نلمس آثارها حتى اليوم، وأنا لا أشك في أن أعداء الله اليهود، وكثيراً من الأعاجم الذين استولى الإسلام على بلادهم، كان لهم أثر كبير في إيقاد نار تلك الفتن، ثم في توسيع شقة الخلاف بين المسلمين بالكيد والدسائس واختلاق الأكاذيب على رسول الله r في أحاديث ينسبونها إليه.
وأعتقد أن جمهور المسلمين - وهم أهل السنة - كانوا أكثر إنصافاً وتأدباً مع صحابة رسول الله r، وهم الذين أثنى الله عليهم في كتابه ورضي عنهم ونوَّه بفضلهم في الهجرة والنصر، فليس من الجائز ولا المعقول ولا اللائق بكرامة دين الله ورسوله أن ينقلب هؤلاء الأصحاب بعد وفاة الرسول إلى الحالة التي تصورهم بها مصادر الشيعة، ولو أنك قرأت وسمعت ما يكتبونه ويقولونه في مجالسهم في حق هؤلاء الأصحاب، لقلت: إنهم أشبه ما يكونون بعصابة من اللصوص وقطاع الطرق، لا دين لديهم ولا ضمائر عندهم تردعهم عن الكذب والتآمر والتهالك على الدنيا وحيازة أموالها ولذائذها: "لشدَّ ما تحلَّبا شطريها"([316]).
مع أن الثابت الصحيح من تاريخهم أنهم كانوا أتقى لله وأكرم في السيرة من كل جيل عرفته الإنسانية في القديم والحديث، ومع أن الإسلام لم ينتشر في العالم إلا على أيديهم وبجهادهم ومفارقتهم الأهل والبلد في سبيل الله والحق الذي آمنوا به.
ومن الواضح أن السبب الذي بدأت به الفرقة، وهو النزاع حول الأحق بالخلافة ورئاسة الدولة، لم يعد موجوداً في عصرنا هذا، بل منذ عصور كثيرة، فقد أصبحنا جميعاً تحت سلطة المستعمرين، فلم يبق لنا ملك نتقاتل عليه، ولا خلافة نختلف من أجلها، وذلك مما يقتضي جمع الشمل وتقريب وجهات النظر، وتوحيد كلمة المسلمين على أمر سواء، وإعادة النظر في كل ما خلفته تلك المعارك من أحاديث مكذوبة على صحابة رسول الله وأصفيائه، وحملة شرعه وحاملي لوائه.
وقد بدأ علماء الفريقين في الحاضر يستجيبون إلى رغبة جماهير المسلمين في التقارب، ودعوة مفكريهم إلى التصافي، وأخذ علماء السنة بالتقارب عملياً، فاتجهوا إلى دراسة فقه الشيعة ومقارنته بالمذاهب المعتبرة عند الجمهور، وقد أدخلت هذه الدراسة المقارنة في مناهج الدراسة في الكليات وفي كتب المؤلفين في الفقه الإسلامي، وإنني شخصياً - منذ بدأت التدريس في الجامعة - أسير على هذا النهج في دروسي ومؤلفاتي.
ولكن الواقع أن أكثر علماء الشيعة لم يفعلوا شيئاً عملياً حتى الآن، وكل ما فعلوه جملة من المجاملة في الندوات والمجالس، مع استمرار كثير منهم في سب الصحابة وإساءة الظن بهم، واعتقاد كل ما يروى في كتب أسلافهم من تلك الروايات والأخبار، بل إن بعضهم يفعل خلاف ما يقول في موضوع التقريب، فبينما هو يتحمس في موضوع التقريب بين السنة والشيعة، إذا هو يصدر الكتب المليئة بالطعن في حق الصحابة أو بعضهم ممن هم موضع الحب والتقدير من جمهور أهل السنة.
في عام (1953) زرت عبد الحسين شرف الدين في بيته بمدينة «صور» في جبل عامل، وكان عنده بعض علماء الشيعة، فتحدثنا عن ضرورة جمع الكلمة وإشاعة الوئام بين فريقي الشيعة وأهل السنة، وأن من أكبر العوامل في ذلك أن يزور علماء الفريقين بعضهم بعضاً، وإصدار الكتب والمؤلفات التي تدعو إلى هذا التقارب.
وكان عبد الحسين رحمه الله متحمساً لهذه الفكرة ومؤمناً بها، وتم الاتفاق على عقد مؤتمر لعلماء السنة والشيعة لهذا الغرض، وخرجت من عنده وأنا فرح بما حصلت عليه من نتيجة، ثم زرت في بيروت بعض وجوه الشيعة من سياسيين وتجار وأدباء لهذا الغرض، ولكن الظروف حالت بيني وبين العمل لتحقيق هذه الفكرة، ثم ما هي إلا فترة من الزمن حتى فوجئت بأن عبد الحسين أصدر كتاباً في أبي هريرة مليئاً بالسباب والشتائم!!
ولم يتح لي حتى الآن قراءة هذا الكتاب الذي ما أزال أسعى للحصول على نسخة منه، ولكني علمت بما فيه مما جاء في كتاب أبي رية من نقل بعض محتوياته ومن ثناء الأستاذ عليه، لأنه يتفق مع رأيه في هذا الصحابي الجليل([317]).
لقد عجبت من موقف عبد الحسين في كلامه وفي كتابه معاً، ذلك الموقف الذي لا يدل على رغبة صادقة في التقارب ونسيان الماضي، وأرى الآن نفس الموقف من فريق دعاة التقريب من علماء الشيعة، إذ هم بينما يقيمون لهذه الدعوة الدور، وينشئون المجلات في القاهرة، ويستكتبون فريقاً من علماء الأزهر لهذه الغاية، لم نر أثراً لهم في الدعوة لهذا التقارب بين علماء الشيعة في العراق وإيران وغيرهما، فلا يزال القوم مصرين على ما في كتبهم من ذلك الطعن الجارح والتصوير المكذوب لما كان بين الصحابة من خلاف، كأن المقصود من دعوة التقريب هي تقريب أهل السنة إلى مذهب الشيعة، لا تقريب المذهبين كلٍّ منهما إلى الآخر.
ومن الأمور الجديرة بالاعتبار أن كل بحث علمي في تاريخ السنة أو المذاهب الإسلامية مما لا يتفق مع وجهة نظر الشيعة، يقيم بعض علمائهم النكير على من يبحث في ذلك، ويتسترون وراء التقريب، ويتهمون صاحب هذا البحث بأنه متعصب معرقل لجهود المصلحين في التقريب، ولكن كتاباً ككتاب المرحوم الشيخ «عبد الحسين شرف الدين» في الطعن بأكبر صحابي موثوق في روايته للأحاديث في نظر جمهور أهل السنة، لا يراه أولئك العاتبون أو الغاضبون عملاً معرقلاً لجهود الساعين إلى التقريب!..
ولست أحصر المثال بكتاب «أبي هريرة» المذكور، فهنالك كتب تطبع في العراق وفي إيران وفيها من التشنيع على عائشة أم المؤمنين وعلى جمهور الصحابة ما لا يحتمل سماعه إنسان ذو وجدان وضمير، مما يذكّر الناس بآثار الماضي، ويؤجج نيران التفرقة من جديد، وكتاب «أبي رية» هو من هذه الكتب التي إن رضي الشيعة عما جاء فيه بحق الصحابي الجليل أبي هريرة t، فإنه - بلا شك - سبب لفتح أبواب العداوة من جديد، أو على الأقل سبب للأخذ والرد، وتذكر موقف الشيعة من صحابة رسول الله r.
فإذا كنا نأخذ عليه اعتماده على مصادر الشيعة في كتابه المذكور، وإذا كنا نتحدث عن موقف الشيعة من الحديث فإنما نبحث ذلك أولاً في حدود النطاق العلمي التاريخي، وحقائق التاريخ لا مجاملة في الحديث عنها حين يكون المجال مجال علم ودراسة وتحقيق، وثانياً لتصحيح الأخطاء التاريخية التي استمدها من كتب الشيعة.
ولقد كنت كتبت بحث «موقف الشيعة من السنة» في هذا الكتاب - وهو أطروحة علمية تقدم إلى علماء في معهد علمي لنيل شهادة علمية - ومع ذلك فلقد كنت أرجئ نشر هذا الكتاب - المقدم للطبع الآن - لأسباب عديدة:
منها أنني أريد أن أقدم لبحثي ذاك بتمهيد أوضح فيه رأيي بضرورة التقارب بين السنة والشيعة في هذا العصر الذي نعيش فيه، وأنني لم أقصد ببحثي الإساءة إلى شعور الشيعة أو استثارة عداوتهم، لا لشيء إلا لأني كنت وما أزال من دعاة التقارب الصحيح وتصفية آثار الماضي.
ولما أخذت إحدى المجلات العلمية مني النسخة الوحيدة التي عندي من كتابي هذا رغبة في نشر بعض أبحاثه، لفتُّ نظر المسئول عنها إلى أن فيه بعض الأبحاث التي أريد التمهيد لها ببعض الإيضاح، ولكنني فوجئت وأنا في بيروت للاستشفاء أن هذه المجلة نشرت البحث المتعلق بموقف الشيعة من السنة، وأن ذلك ترك أثراً غير مستحب في الأوساط الشيعية، وعلقت عليه بعض مجلاتهم، أخبرني بذلك الشاعر الكبير الأستاذ «أحمد الصافي النجفي» الذي أقدر فضله وأدبه، فأوضحت له موقفي من هذا الموضوع وأنه نشر بغير علمي.
وهكذا أريد أن ألفت النظر الآن مرة أخرى إلى أن كل ما جاء في هذا الكتاب إنما هو عرض تاريخي لابد منه لكل من يؤرخ للسنة وتحدث عن مراحل جمعها وتدوينها، ولا يستطيع أن يغفل ذلك عالم يحترم نفسه ويريد من العلماء أن يحترموا كتابه، ولم أكتب فيه إلا ما أعتقد أن البحث العلمي يؤيده ويثبته.
ومع هذا فليس فيما كتبته ما يسيء إلى أية شخصية يحترمها الشيعة ويجلونها كما يفعلون هم بالنسبة إلى جمهور الصحابة، ذلك أنا نحب علياً t ونجله ونعرف مكانته من الإسلام والعلم والفضل، كما نحب أئمة أهل البيت من ذرية علي t، ونحترم علمهم وفضلهم، وحبذا لو يفعل الشيعة كما نفعل، فنلتقي على كلمة سواء!
وأعود فأكرر دعوتي للمخلصين من علماء الشيعة، وفيهم الواعون الراغبون في جمع كلمة المسلمين، أن نواجه جميعاً المشاكل التي يعانيها العالم الإسلامي اليوم، من انتشار الدعوات الهدامة التي تجتث جذور العقيدة من قلوب شباب السنة ولعل في الحوادث الجارية الآن([318]) في بعض بلادنا العربية ما يؤكد ما أقول به، وأكرر دعوتي بوضع أسس التقارب الصحيح العملي لا القولي.
وفي مقدمة ذلك الاتفاق على تقدير صحابة رسول الله r، الذين على أيديهم انتقل هذا الدين إلينا، وبواسطتهم أخرجنا الله من الظلمات إلى النور([319]).
السُنة مع الشيعة والخوارج
لم يكن الصحابة في عهد رسول الله r يخالجهم أدنى شك في أن أمر الرسول واجب الاتباع وأنه مرسل إلى الناس كافة، وأن عليهم أن يبلغوا رسالته إلى الناس جميعاً وإلى الأجيال المتلاحقة من بعدهم، ولقد أنبأنا التاريخ الثابت أنهم في حياة الرسول لم يكن بعضهم ينظر إلى بعض نظر الريبة أو العداء، بل كانوا إخوة متحابين، تجمعهم عقيدة واحدة وأهداف واحدة، ويربط بين قلوبهم جميعاً حب نبي واحد وكتاب واحد وشرع واحد، ولقد أخبر الله عنهم بما يدل على تمكن الأخوة فيما بينهم بقوله: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح:29]. وقال تعالى في الأنصار خاصة: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9].
وقد كانوا فيما بينهم مضرب الأمثال في الحب والتعاون والإيثار، لا يختلفون إلا في حق، وإذا اختلفوا فسرعان ما يفيئون إلى الحق حين يتبين لهم، ثم هم في خلافهم أكمل الناس أخلاقاً، وأوفرهم آداباً، وأكثرهم صيانة للحرمات، هكذا كانوا: لا يكذب بعضهم بعضاً، ولا يتهم بعضهم بعضاً، يعرفون للمتقدم منهم في إسلامه فضله، ويشكرون للمكثر منهم إنفاقه على الدعوة وبذله، ولا يحسد بعضهم بعضاً على ما آتاهم الله من خير وبركة، فحسبهم من الخير المشترك بينهم جميعاً، أنهم أصحاب رسول كريم، ودعاة شرع قويم، أنقذهم الله من الضلالة إلى الهدى فكانوا أسعد الناس وأحسنهم حالاً.
ولما توفي رسول الله r، كان أول خلاف وقع بين الصحابة اختلافهم فيمن يتولى الخلافة عنه، ومع أنه كان خلافاً في أمر من أشد شئون الجماعات والأمم خطراً، وهو الرئاسة العليا للدولة، فقد كان حديثهم وتبادلهم للآراء ودفاع كل منهم عن رأيه، وانتهاؤهم إلى الرأي الذي وافقوا عليه جميعاً، لقد كان ذلك عجباً من العجب، في ضبط النفس، وحسن الأداء، وحرمة الصحبة، ونشدان الحق، لا نعرف له مثيلاً في تاريخ المجالس النيابية في العصر الحاضر، فكيف بتلك العصور التي لم تعرف فيها الأمم مبدأ الشورى، ولا كان للشعوب حق في اختيار ولاتها وأمرائها.
إنك لتقرأ في مصادر التاريخ الصحيحة أخبار سقيفة بني ساعدة، كيف اجتمع فيها الأنصار عقب وفاة الرسول ليختاروا من بينهم أمير المسلمين وخليفته من بعده، وكيف سارع شيوخ المهاجرين وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، إلى إخوانهم الأنصار، وكيف استمعوا إلى حججهم بأدب واحترام، وكيف أدلى أبو بكر برأيه ورأي المهاجرين، فوفّى الأنصار حقهم من فضل النصرة للإسلام والذود عن رسول الله، وإيواء المهاجرين والترحيب بهم، ثم ذكر فضل المهاجرين بلا تبجح ولا غرور.
وذكر أن العرب لا يدينون إلا لهذا الحي من قريش، وأنه إن كان الأمير من الأوس نفست عليهم الخزرج، وإن كان من الخزرج نفست عليهم الأوس، ثم كيف عدل الأنصار عن رأيهم في الانفراد بالخلافة إلى أن يكون منهم أمير ومن المهاجرين أمير، وكيف أجابهم المهاجرون بأن هذا أول الوهن والضعف، وكيف اقترح أبو بكر على الحاضرين أن يبايعوا عمر أو أبا عبيدة، فإذا عمر يقول لأبي بكر: أنت أفضل مني، فيقول أبو بكر لعمر: ولكنك أقوى مني، فيقول عمر: إن قوتي مع فضلك، ثم يسرع فيبايع أبا بكر فيبايعه المهاجرون، فيتسابق الأنصار إلى مبايعته حتى إنهم ليكادون يطئون زعيمهم «سعد بن عبادة»، وهو الذي كان مرشحا منهم للخلافة، فينتهي الأمر بإجماع من في السقيفة على مبايعة أبي بكر فيبايعه الجمهور بعد ذلك، إلا عليَّا ونفراً معه تريثوا قليلا ثم بايعوا.
وبذلك تمت الخلافة له وانتهى هذا المشكل الخطير دون أن تراق قطرة دم أو تشتبك الأحزاب فيما بينها، أو توغر الصدور بالتهم الباطلة والتحامل المثير، إنك لتقرأ هذا وأمثاله، فإذا هو يعطيك صورة واضحة لأدب القوم وسموِّ نفوسهم وتماسك مجتمعهم، وقوة صلات التعاون والإخاء فيما بينهم، واستمر الأمر على ذلك طيلة خلافة أبي بكر وعمر وصدراً من خلافة عثمان، يتعاونون على الخير في أوسع معنى التعاون، ويتناصحون بالمعروف في أروع صور التناصح، ويختلفون في التشريع في أدق معاني الاختلاف، ثم لا يصرفهم عن الجهر بالحق صداقة ولا مجاملة ولا رئاسة ولا فضل، صرحاء صراحة العربي الذي لا يعرف نفاقاً ولا خداعاً، أدباء أدب الحضري الذي لا يعرف قسوة ولا فظاظة، متعاونون تعاون الأخوة لا يعرفون علوّاً ولا استكباراً، مطيعون طاعة الجندي لا يعرفون تمرداً ولا اختلافاً، بناءون في كيان الدولة الجديدة والشرع الجديد والأمة الجديدة، كأتم ما يكون البناءون دقة نظر، وسعة علم، وبذل جهد، واستقصاء وسيلة.
حتى إذا كانت الفتنة أواخر خلافة عثمان، واندس بينهم أعداء الله من يهود وأعاجم تظاهروا بالإسلام، وكان ما قضى الله به من مقتل الخليفة الثالث ثم الخليفة الرابع، ثم استتب الأمر لمعاوية، هناك رأينا ألسنة السوء تتطاول على هؤلاء الأصحاب، وتتستر بحب علي t، لتروي غيظها ممن أقاموا قواعد الدين الجديد بسواعدهم ودمائهم وأرواحهم.
وكما تطاول المتظاهرون بالتشيع لعلي تطاول الخوارج أيضاً بعد التحكيم، وكفَّروا جمهور الصحابة الموجودين يومئذ، لأنهم خالفوا أمر الله في زعمهم، ومن خالف أمر الله كفر، بينما وقف الجمهور من اختلافات الصحابة موقف المعتدل، فهم يرون أن الخلفاء الثلاثة أحق من عليّ بالخلافة، ويرونه أحق من معاوية بها، ولكنهم مع تأييدهم للخلفاء قبل علي ثم لعلي مع معاوية، يلتزمون جانب الأدب مع جميع هؤلاء الأصحاب، فيعتذرون للمخطئ منهم بأنهم مجتهدون فيما قاموا به، ولا إثم على المجتهد فيما يخطئ ما دام الحق رائده.
وهؤلاء الأصحاب لهم من بلائهم في الإسلام، وخدمتهم في نشر لوائه، وتفانيهم دون رسول الله وشريعته، وصحبتهم له وتأدبهم بأدبه، ولهم من تاريخهم الأول قبل الفتنة وأدبهم وأخلاقهم وسُمُوِّ نفسهم، ما يجعلنا نعتقد فيهم الخير جميعاً، ونذهب إلى أنهم كانوا جميعاً مجتهدين يريدون الحق، فللمصيب منهم أجران وللمخطئ أجر، كما أخبر بذلك رسول الله ^ في حديث مشهور حول اجتهاد الحاكم([320]).
ولو كان الخلاف محصوراً ضمن دائرة هؤلاء الصحابة الكبار ومن شايعهم من جمهور الصحابة والتابعين، لبقي مطبوعاً بطابعهم الذي عرفوا به، من حسن الأدب واحترام الصحبة، مع الجهر بالحق والصراحة به، ولكن دسائس خصوم الإسلام ودخول غمار الشعوب المسلمة في هذه المعارك الخلافية، أضاف إلى تاريخ هؤلاء الصحابة كلاماً لم يقله بعضهم في حق بعض، ولم يعرف عنهم قط أنهم ينزلقون إلى منحدره.
ومع الأسف فقد وجدت هذه النقول المكذوبة آذاناً صاغية عند جمهور الشيعة، بل إن أول من تطاول على الصحابة وملأ المجالس بالأحاديث المكذوبة عليهم وفي حق عليٍّ وفضله، هم الشيعة باعتراف المحققين كما سبق لنا نقله عن ابن أبي الحديد.
رأي الخوارج
وأياً ما كان، فقد أدى هذا الخلاف بين الصحابة إلى أن يكون لكل من الخوارج والشيعة رأيٌ في الصحابة غير رأي الجمهور من المسلمين، فالخوارج على اختلاف فرقهم يعدلون الصحابة جميعاً قبل الفتنة ثم يكفرون عليًّا وعثمان وأصحاب الجمل والحكمين ومن رضي بالتحكيم وصوَّب الحكمين أو أحدهما([321])، وبذلك ردوا أحاديث جمهور الصحابة بعد الفتنة، لرضاهم بالتحكيم واتباعهم أئمة الجور على زعمهم فلم يكونوا أهلاً لثقتهم.
رأي الشيعة
وجمهور طوائف الشيعة - ونعني بهم من ظلوا في دائرة الإسلام - يجرحون أبا بكر وعمر وعثمان ومن شايعهم من جمهور الصحابة، ويجرحون عائشة وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص ومن انغمس معهم في اغتصاب الخلافة من عليّ، وبالأحرى أنهم يجرحون جمهور الصحابة إلا نفراً ممن عرفوا بولائهم لعليٍّ t، وقد ذكر بعضهم أنهم خمسة عشر صحابياً فقط، وأقاموا على ذلك مذاهبهم من رد أحاديث جمهور الصحابة، إلا ما رواه أشياع عليّ منهم، على أن يكون رواية أحاديثهم من طرق أئمتهم لاعتقادهم بعصمتهم، أو ممن هو على نحلتهم. والقاعدة العامة عندهم أن من لم يوالِ علياً فقد خان وصية الرسول، ونازع أئمة الحق، فليس أهلاً للثقة والاعتماد، وقد خالف جمهور الشيعة في هذا الرأي فريق منهم، وهم الزيدية القائلون بتفضيل عليّ على أبي بكر وعمر، مع الاعتقاد بصحة خلافتهما والإشادة بفضلهما، وهؤلاء يعدون أكثر طوائف الشيعة اعتدالاً، وفقههم قريب من فقه أهل السنة.
رأي الجمهور
أما جمهور المسلمين فقد حكموا بعدالة الصحابة جميعاً، سواء منهم من كان قبل الفتنة أو بعدها، وسواء منهم من انغمس فيها أو جانبها، ويقبلون رواية العدول الثقات عنهم، إلا ما جاء عن طريق أصحاب عليّ فإنهم لا يقبلون منها إلا ما كان من رواية أصحاب عبد الله بن مسعود، لأنهم ثقات مأمونون لم يستجيزوا الكذب على عليٍّ كما فعل أشياعه من الرافضة.
كان من آثار هذا الاختلاف في النظر إلى الصحابة أن هوجمت السنة التي جمعها الجمهور وحققها أئمتهم ونقادهم، منذ عصر الصحابة حتى عصر الجمع والتدوين، من قبل الشيعة التي وصمت أحاديث الجمهور بالكذب والوضع، وخاصة ما كان منها في فضائل الصحابة الذين يخاصمهم جمهور الشيعة، ولم يقبلوا من أحاديث أهل السنة إلا ما وافق أحاديثهم التي يروونها عن أئمتهم المعصومين في نظرهم، وبذلك حكموا على أحاديث بالوضع هي عند الجمهور من أرقى طبقات الصحيح.
وخذ لذلك مثلاً الحديث الذي أخرجه البخاري من أن النبي r أمر بسد كل خوخة تُطِلُّ على المسجد من بيوت الأصحاب، إلا خوخة أبي بكر، فهذا الحديث الذي استكمل شرائط الصحة عند الجمهور وارتفع عن مستوى الضعف أو الشك في نظر النقد العلميِّ الصحيح، هو عند الشيعة مكذوب وموضوع، لمقابلة حديث زعموا صحته وهو أن النبي أمر أن تسد الأبواب كلها إلا باب علي.
وخذ لذلك مثلا آخر يدلك على العكس، وهو حديث "غدير خم"، فهذا الحديث الذي يكاد يكون عمدة المذاهب الشيعية كلها ودعامتها الأولى، والأساس الذي أقاموا عليه نظرتهم إلى الصحابة وخصومتهم للخلفاء الثلاثة وأشياعهم من جمهور الصحابة، هو عند أهل السنة حديث مكذوب لا أساس له، لفقه غلاة الشيعة ليبرروا به هجومهم وتجنيهم على صحابة الرسول، وقد قدمنا لك كيف قضت القواعد التي وضعها أئمة الجمهور لنقد الحديث بكذب هذه الرواية. وأعتقد أنه لا يسع المنصف المحايد من موافقة الجمهور على ذلك، إذ إن العقل يحكم باستحالة كتمان جمهور الصحابة أمر الوصية التي زعم الشيعة أنها كانت علانية على ملأ منهم، كما يحكم باستحالة اتفاقهم جميعاً على غمط عليٍّ، وكتمانهم أمر رسول الله r، وهم الذين بلغ حرصهم على نشر دين الله وتأدية أحكامه كاملة غير منقوصة، أن يجهروا بالحق مع ولاتهم دون أن يخافوا حساباً أو عقاباً، هذا في أمور بسيطة كمهور النساء أو القعود في خطبة الجمعة فكيف بوصية أوصى بها رسول الله r صحابته جميعاً وعيّن من يكون الخليفة بعده؟!
ومعلوم أن مخالفة الرسول عن عمد عصيان فسق إلا إذا كان مع استحلال فيكون كفراً، ليت شعري إذا كذب صحابة الرسول جميعاً على رسول الله وكتموا أمره بالوصاية لعلي حتى أصبحوا جميعاً فساقاً أو كفاراً؛ كيف نطمئن إلى هذه الشريعة التي لم تُروَ إلا عن طريقهم؟ وهل يليق برسول الله r أن يكون صحابته كذابين مخادعين اجتمعوا كافتهم على كتمان الحق ومناصبة صاحبه العداء؟!
وكما وقف الشيعة من حديث الجمهور ذلك الموقف، كذلك وقف الخوارج موقفاً شبيهاً به، وهم وإن لم ينغمسوا في رذيلة الكذب على رسول الله r كما فعل أغمار الشيعة، نظراً لصراحتهم وتقواهم وبداوة طباعهم وبعدهم عن الأخذ بمذهب التقية الذي يؤمن به الشيعة، لكنهم خالفوا الجمهور في مواقف تشريعية كثيرة، فرويت عنهم أحكام غريبة، مثل إباحتهم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وإنكارهم حكم الرجم الوارد في السنة، ولم يكن سبب ذلك كما زعم بعض الكاتبين جهلهم بالدين وجرأتهم على الله واستحلالهم لما حرم الله ورسوله، بل كان سببه ما ذهبوا إليه من رد الأحاديث التي خرجت بعد الفتنة أو التي اشترك رواتها بالفتنة.
وإنه لبلاء عظيم أن نسقط عدالة جمهور الصحابة الذين اشتركوا في النزاع مع عليّ أو معاوية، أو نسقط أحاديثهم ونحكم بكفرهم أو فسقهم، وهم في هذا الرأي لا يقلون عن الشيعة خطراً وفساد رأي وسوء نتيجة، وإذا كان مدار الاعتماد على الرواية هي صدق الصحابيّ وأمانته فيما نقل - وقد كان ذلك موفوراً عندهم - وكان الكذب أبعد شيء عن طبيعتهم ودينهم وتربيتهم، فما دخل ذلك بآرائهم السياسية وأخطائهم؟
أليس ذلك كمن يسقط زعيما وطنياً أبلى في القضية الوطنية أحسن البلاء وناضل الاستعمار بقلمه وماله ونفسه، من عداد الزعماء ويجرده من صفة الوطنية، وينكر فضائله كلها، ويرد أخباره كلها، لأنه كان زعيم حزب تولى الحكم فأخطأ، أو لأنه حارب زعيماً وطنياً آخر وناصبه العداء، إذا كان هذا لا يجوز في حكم التاريخ والإنصاف والحق، فأولى ألا يجوز حكم الشيعة والخوارج على الصحابة الذين لم يوافقوا علياً t في بعض المواقف السياسية، بإسقاط عدالتهم، وتجريحهم في مروياتهم، ووصمهم بأوصاف لا تليق بعامة الناس، فكيف بأصحاب رسول الله الذين كان لهم في خدمة الإسلام والرسول قدم صدق، لولاها لكُنَّا نتيه في الظلمات ولا نعرف كيف نهتدي سبيلاً؟.
خلاصة القول
أن السنة الصحيحة لقيت من عنت الشيعة والخوارج عناء كبيراً، وكان لآرائهم الجامحة في الصحابة أثر كبير في اختلاف الآراء والأحكام في الفقه الإسلامي، وفيما أثير حول السنة من شبه، ستطلع عليها عند الكلام عن شبه المستشرقين وأشياعهم.
 


فهرس المواضيع والفوائد
نشأة الشيعة:
تنظيم سري، 39
ابن سبأ، 78، 96، 100، 128، 171،128، 225، 171،
تأثر التشيع بالفلسفات الفارسية، 78
تأثر التشيع بالمسيحية، 90
أثر اليهود في الشيعة، 140،142
تاريخ التشيع، 168
مراتب التشيع، 55، 76، 99
سبب التسمية بالروافض، 8
أقسام الشيعة، 225
عقائد الشيعة:
الإمامية، 10، 121، 206، 226، 302
الإمامة، 8، 10، 27، 33، 48، 75، 82، 101، 178، 131، 237، 165، 301
البداء، 123، 151
عداء المهدي للعرب والمسلمين، 141
التأويل، 143
التجسيم 148
الرجعة، 36، 129، 154، 226
عقيدة الوصية، 97، 170، 155
الخميني، 33، 40، 44، 68 ، 157، 185، 261
ولاية الفقيه، 157، 178، 187
الدستور الإيراني، 159، 186
عقيدة الشيعة في القرآن، 40، 122، 161، 217، 235، 260
قصة تحريف، .... 92
العبيديون ليسوا من نسل فاطمة، 129
جعفر الصادق، 12، 27
المهدي، 14، 38
علاقة الشيعة بالمعتزلة، 15
الحكومات الشيعية، 16
عواطف الشيعة، 18
المتعة، 29
التقية، 30، 121
علي والخلافة، 45
الصراع على الخلافة، 53
علي في كتل أهل السنة، 54
الصحابة، 66
العبيديون، 129
معاوية، 193
لعن الشيخين وأمهات المؤمنين، 69، 196، 202، 246، 252، 265، 311، 312، 319،
تكفير الشيعة لسائر الفرق الإسلامية، 197، 233
الزيدية، 121، 221، 305
الإسماعيلية، 10، 13، 123، 304
أسس المناظرة مع الشيعة، 201
إنكار صحبة أبي بكر كفر، 43، 209
اتهام عائشة كفر، 43، 209
أدلة ترتيب الخلفاء، 209
نفي التقية عن علي، 210
الرافضة ينسبون التقية للنبي، 210، 212
مفهوم آل البيت، 218
حصول الفرق بين المسلمين، 223
تكفير الصحابة، 43، 122، 232
كتاب الكافي، 235
كيف يتسرب التشيع، 241
محمد الحسين آل كاشف الغطاء، 253
محمد علي تسخيري، 259
الشعوبية، 374
العصمة، 9، 12، 83، 123، 281، 292
فضل الصحابة، 287، 315
الرد على فرية يوم الرزية، 293
عبد الحسين شرف الدين، 302


الفهرس
مقدمة................................................................. 2
1- الأستاذ أحمـد أمـين. 5
الشيعة 7
الإمامة 8
الإمام جعفر الصادق. 12
اتفاق الشيعة والمعتزلة 15
تأييد الحكومات للشيعة 16
عواطف الشيعة 18
2- الدكتور مصطفى الشكعة 23
الشيعة الإمامية 25
زواج المتعة 29
التقية 30
تصور الشيعة للإمام والإمامة 33
الغلو في تقديس الأئمة 34
الرجعة 36
هل الإمام الثاني عشر شخصية حقيقية؟ 38
زيارة قبور الأئمة ثوابها الجنة!!! 39
تحريف المصحف.. 40
شتم الصحابة 43
سيدنا علي والخلافة 45
رأي الإمام علي في الخلفاء الراشدين. 47
الإمامة كمنصب إلهي قضية اخترعت في زمن متأخر. 48
3- الشيخ سعيد حوّى. 51
التشيع. 53
4- الشيخ أبو الحسن علي الندوي. 63
حقيقة ثورة الخميني. 65
5- الإمام محمد أبو زهرة 73
الشيعة 75
المواطن الذي نشئوا فيها وزمان نشأتهم 76
أثر الفلسفة القديمة في المذهب الشيعي. 78
الإمامية الإثنا عشرية 80
منزلة الإمام عند «الإمامية». 82
6- الشيخ محمد منظور نعماني. 87
الشيعة 89
نشأتها وفرقها المختلفة 89
الشيعة والمسيحية 90
المسيح والمسيحية 91
بداية التشيع في الإسلام 95
فرق الشيعة المختلفة 99
المذهب الإثنا عشري وأساسه 101
مسألة الإمامة 101
أقوال الأئمة المعصومين في مسألة الإمامة 105
والتدليل عليها بروايات كتب الشيعة 105
ما هو مصحف فاطمة؟ 113
7- الشيخ عطية صقر. 119
الشيعة 121
8- الأستاذ محمد زاهد الكوثري. 125
من عبر التاريخ. 127
صبر النبي r وأصحابه في حفظ الدين. 127
مكايدُ اليهود 127
العبيديون. 129
نشأتهم، عقائدهم، تاريخهم 129
9- الدكتور صابر طعيمة. 137
الجذور العقدية والتاريخية للإمامية 139
تمهيد 139
اليهود وعقائد الإمامية 140
أثر اليهودية في المنهج الإمامي. 143
التشبيه والتجسيم 148
البداء عند الإمامية 151
"الرجعة" عند الإمامية 154
عقيدة الوصي. 155
الخمينية والمذهب الإمامي. 157
دستور الحكومة الإسلامية 159
عقيدة الشيعة في القرآن. 161
10-الدكتور محمد عمارة 165
التشيع سابق لظهور الشيعة كفرقة 168
نظرية الإمامة الشيعية 175
أما صفات الإمام عند الشيعة، فمنها: 180
الخميني .. ونظرية الإمامة 185
11 -الأستاذ محمد كرد علي. 191
12- الشيخ أحمد بن زيني دحلان. 199
رسالة في كيفية المناظرة مع الشيعة والرد عليهم 201
13- العلامة محمد الطاهر ابن عاشور التونسي. 215
14- شيخ الأزهر محمد الخضر حسين. 221
بحث موجز في أشهر الفرق الإسلامية 223
وحدة العقيدة في الصدر الأول. 223
انقسام المسلمين إلى فرق مختلفة 223
عوامل هذا الانقسام 224
الفرق الإسلامية 225
الشيعة 225
15- الشيخ محمد عرفة. 229
16- العلامة موسـى جـار الله.. 243
في بلاد الشيعة 245
بين كتب الشيعة 247
17- الدكتور عبد المنعم النمر. 253
من هم الشيعة 259
كتاب «كشف الأسرار» واتهامه للشيخين. 262
كيف نشأت الشيعة وتطورت؟ 265
18- الدكتورعمر عبد الله كامل. 279
حوار مع أفكار الشيعة 281
الآيات الواردة في فضل الصحابة من القرآن. 283
نأتي إلى العقل. 285
يوم الرزية 287
جيش أسامة 289
19- الأستاذ محمد عبد الله عنان. 293
أصل الشيعة 295
فرقهم 296
تنازل الحسن ومقتل الحسين. 298
خروج المختار بن أبي عبيد 299
غدر بني العباس بالشيعة 300
20- الدكتور مصطفى السّباعي. 303
السُنة مع الشيعة والخوارج. 309
رأي الخوارج. 312
رأي الشيعة 313
رأي الجمهور. 313
فهرس المواضيع والفوائد.............................................317
المحتويات ..............................................................................................321
 
             

(1)          كتاب "حياتي"، الجزء الثاني، أحمد أمين. طبعة جريدة "القاهرة" (2003م).
(1)          انظر القصيدتين في الديوانين.
(1)          "الكافي" (ص:82).
(2)          المرجع السابق: (ص:85).
(3)          المرجع السابق: (ص:92).
(1)          هذا ليس صحيح ، فالإمام جعفر الصادق كذب عليه الشيعة الكثير الكثير من الروايات ، ومنها هذا الغلو في الإمام. الراصد.
(1)          هذا غير صحيح لأن هذه الروايات مدسوسة على جعفر الصادق «الراصد».
(1)          "بحار الأنوار" للمجلسي.
(2)          انظر: "بحار الأنوار" للمجلسي.
(3)          انظر كتابنا: "المهدي والمهدية".
(1)          "وقفة الزائرين" للمجلسي.
(2)          انظر في الجزء الثالث من "ضحى الإسلام".
(1)          "الكامل في التاريخ" (9/309).
(1)          المجلسي.
(1)          هذه الأدعية ومئات أمثالها في "تحفة الزائرين" للمجلسي.
(1)          طبع هذا الكتاب في طهران.
(1)          الطبعة الخامسة عشرة (189-216) باختصار يسير.
(1)          "الملل والنحل" (1/ 147).
(2)          كاشف الغطاء "أصل الشيعة" (ص102).
(1)    لكن ثبت باليقين أن أعداد جرائم الزنا وأولاد الرذيلة تضاعفت في إيران لما روج أصحاب العمائم للمتعة، ويمكن العودة إلى كتاب شهلة الحائري «المتعة حالة إيران (1978- 1982)» لمعرفة المزيد من المخازي. أما الشروط فلا وجود لها في الواقع فضلاً عن فتاوى السادة التي تتجاوزها. الراصد.
(2)          أحمد أمين: "فجر الإسلام" (274) الهامش.
(3)          "فرق الشيعة" (52، 53).
(1)          المصدر السابق (56)
(2)          "كشف الأسرار" (ص:148).
(1)          "الشيعة والتصحيح" (ص:55).
(2)          المرجع السابق، (ص:57).
(1)          "كشف الأسرار"، تأليف آية الله الخميني، ترجمة الدكتور محمد البندارى (ص:54).
(1)          "الحكومة الإسلامية" (ص54).
(2)          "الكافي" (ص255).
(3)          المرجع السابق (ص258).
(4)          المرجع السابق (ص260).
(5)          المرجع السابق (ص228).
(6)          المرجع السابق (ص231).
(1)          "الكافي" (ص397).
(2)          "كشف الأسرار" (ص92)، وهو الحديث الخامس من كتاب "مرآة العقول"، في شرح "الكافي" (ص354).
(3)          "الشيعة والتصحيح" (82) وما بعدها.
(1)          "الشيعة والتصحيح" (ص83، 84).
(1)    "كتاب الإرشاد في تاريخ حجج الله على العباد"، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان المشهور بالشيخ المفيد، (ص398-402) طبعة حجر - إيران.
(1)          "الشيعة والتصحيح" (ص:142-143).
(1)          "كشف الأسرار" (ص:8).
(1)          "تحرير الوسيلة" (1/141).
(2)          "كشف الأسرار" (ص192، 193).
(1)          "كشف الأسرار" (ص130).
(2)          المصدر السابق (ص:149).
(1)          "الكافي" (ص228)، طبعة سنة (1381هـ).
(2)          المصدر السابق، (ص238).
(1)          "الشيعة والتصحيح" (ص134-136).
(1)          "تنقيح المقال في أحوال الرجال" لآية الله المامقاني (1/207) المطبعة المرتضوية بالنجف (1353هـ).
(2)          "مفتاح الجنان" (ص:114).
(3)          "كشف الأسرار" (ص:123).
(4)          المصدر السابق (123، 124).
(1)          "الشيعة والتصحيح" (ص10).
(1)          "نهج البلاغة" (1/182).
(2)          المصدر السابق (2/184).
(3)          "الشيعة والتصحيح" (ص14).
(4)          "الشيعة والتصحيح" (ص19، 20).
(1)          المصدر السابق، (ص35).
(1)          "الشيعة والتصحيح" (ص:47، 48).
(1)          "الشيعة والتصحيح" (ص:38).
(2)          المصدر السابق (ص:44، 45).
(3)          المصدر السابق (ص:45).
(1)          "صحيح البخاري" (3610).
(1)          "السير" (3/245) فما بعدها.
(2)          "السير" (3/280).
(3)          المرجع السابق (4/387).
(4)          المرجع السابق (4/ 398).
(5)          المرجع السابق (4/ 401).
(6)          المرجع السابق (6/255).
(1)          (ص5).
(1)          "الموقظة": تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، (ص:51).
(2)          "مقدمة الفتح" (ص:459).
(3)          "التهذيب" (1/94).
(1)          "فضائح الباطنية" (ص:7-8).
(1)          من كتاب" التشيع بين مفهوم الأئمة والمفهوم الفارسي"، تأليف محمد البنداري من (ص5-16).
(1)          وهي الفرقة المسيطرة على إيران، والتي قامت بثورة الخميني، وهي الكثرة الكاثرة في فرق الشيعة، ويصفها بعضهم بالاعتدال.
(2)          (ص:75).
(1)    كانت نتيجة هذه العقائد الهدامة أن أصبح الصحابة الكرام - حتى في رأي الخميني - وهم الذين وصل عددهم في حجة الوداع فقط إلى أكثر من مائة ألف صحابي، جماعة - معاذ الله - مرتدة عن الإسلام إلا أربعة. والمعروف أن الخميني قال بأن القرآن قد حرف وبدل، وأن أئمة البيت - بسبب التقية، وهي فرض ديني - قد أخفوا أصل القرآن لإخفاء الحق. انظر كتب الفرقة الإثني عشرية، ومنها: "أصول الكافي"، و"فصل الخطاب"، ومؤلفات الخميني نفسه: "الحكومة الإسلامية"، و"كشف الأسرار". كما يلاحظ ما جاء في الكتاب الذي بين يدي القارئ الآن.
(1)          "الحكومة الإسلامية" (52).
(2)          "كشف الأسرار" بالفارسية، (ص113-114)، وهو مطبوع بالعربية لدى دار عمار/الأردن.
(1)          الحقيقة أنهما مأساتان ... وليسا مجرد أمرين، وهما شاهدان على ما وصل إليه أمر غياب العقل المسلم من تدهور.(المراجع).
(2)          انظر كتابنا: "دستور الحياة"، فصل تحت عنوان: طبيعة الدين الإسلامي وسماته البارزة، (ص20).
(1)          للمزيد من التفصيل انظر كتابنا "رجال الدعوة" القسم الرابع.
(1)          "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد.
(1)          راجع في ذلك "فجر الإسلام" للأستاذ المرحوم الدكتور أحمد أمين.
(2)          "السيادة العربية".
(3)          "الفصل" (4/4/م180).
(1)          "الملل والنحل" للشهرستاني.
(1)          "أصل الشيعة وأصولها"، (ص29).
(1)          "الشافي" للشريف المرتضى، (ص40) طبع حجر بفارس.
(2)          "تلخيص الشافي" للطوسي، (ص319).
(1)          "تلخيص الشافي" للطوسي، (ص310) طبع فارس على حجر.
(1)          أشار إلى هذا الشريف المرتضى في عدة مواضع من كتابه "الشافي" الذي رد به على قاضي القضاة.
(1)          هناك حديث مشهور للشيعة في "نهج البلاغة" يروى عن علي، تتشابه ألفاظه مع ألفاظ الحديث المذكور. "نهج البلاغة" (1/261)، طبعة مصر.
(2)          انظر "مشكاة المصابيح"، ص (565)، و"كنز العمال" (11/623).
(1)    يمكن لمن يرغب في مطالعة تفاصيل تلك الحقائق التاريخية أن يقرأ ما كتب عن هذا الموضوع في كتاب "إظهار الحق" لرحمة الله هندي كيرانوي، المهاجر إلى مكة، وقد كتب الكتاب أولاً بالعربية منذ مئة وخمسة وعشرين عاماً، ثم نشرت ترجماته بلغات عديدة، ونشرت ترجمة الأردية الرائعة للشيخ محمد تقي عثمان نجل الشيخ مفتي محمد شفيع، وقد نشر مع مقدمة في ثلاثة مجلدات في كراتشي، وتعد المقدمة بذاتها مؤلفاً عظيماً، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
(1)    ومن المعروف أن العالم المسيحي قد صدق كلام اليهود أعداء المسيح، وأنه قد أعدم صلباً، وهذا قائم على أساس عقيدة الكفارة، وقد تم إيضاح هذا في الأناجيل - التي ثبت تحريفها بالدلائل القاطعة - إلا أن القرآن يؤكد فشل خطة اليهود لصلب المسيح، فقد رفعه الله إلى السماء، وقد شبه لهم: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم}، وطبقاً لبعض الروايات أن من صلب كان رجلاً منافقاً غداراً يقوم بالتجسس، وجاء مسيحي صالح من حواريي عيسى يدعى بريناس "برنابه"، يتطابق ما جاء في إنجيله بما جاء في القرآن الكريم، إلا أن المسيحي قد تأثر بمحاولات بولس الشيطانية، واتخذ من "التثليث والكفارة" عقيدة له، وقام النصارى بسحب الثقة من إنجيل "برنابه".
(1)    ونتساءل هنا: لماذا لم يستخدم عثمان رضي الله عنه القوة مع عبد الله بن سبأ وجماعته؟ كان عبد الله وجماعته مسئولين عن تلك الفتنة التي استشهد على أثرها عثمان رضي الله عنه، فقد كانت خطته التي ذكرناها قبلاً قائمة على التخريب وإيجاد الفرقة بين المسلمين للإضرار بالإسلام ذاته، وكسر شوكته، وإضعاف قوته، وكان كل ما قام به في حياته موجهاً لهذا الهدف، ومن هنا وجب على الحكومة الإسلامية، ووجب على عثمان رضي الله عنه أن يستخدم القوة ضد هؤلاء المفسدين، لقمع جذور الفتنة، فلم تكن القضية قضية ذاتية، فلماذا لم يستخدم عثمان القوة ضد المتمردين؟! هناك حقيقة نذكرها، وهي أن حركة هؤلاء الناس كانت سرية، وكان كل شيء يتم في الخفاء، ومن هنا لم تظهر هذه الحقائق على السطح، بل ظهرت نتيجة للأحداث التالية، وعرفت فيما بعد من بين طيات التاريخ، وعندئذ اتضح أن هؤلاء الناس كانوا يعملون ضد بقاء عثمان على رأس الحكومة الإسلامية، ومن هنا آثر عثمان التضحية بروحه وبسلطته حقناً للدماء، ورأى أن ذلك هو الصواب، وأنه خير للإسلام، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.
(1)    يفهم من بعض الروايات أن المعتقدين بألوهية علي ومن يدعو بها من هؤلاء الشياطين قد صدر الأمر بقتلهم وألقوا في النار، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة" (ا/7)، وجاء في الكتاب المعتمد بأسماء رجال الشيعة "رجال الكشي" نقلاً عن روايات متعددة للإمام جعفر الصادق أن عبد الله بن سبأ كان يؤمن بألوهية علي المرتضى ويدعو إليها، وفي النهاية ألقاه علي في النار فقضى عليه. "رجال الكشي" (ص70) طبعة بمباي، (1317هـ).
(1)    يفهم مما عرضناه عن ظهور الشيعة في الإسلام والفرق المختلفة للشيعة أن عبد الله بن سبأ وضع فقط أساس التشيع، ووضع بذوره، وبعدها ظهرت فرق الشيعة من تأليف أولئك الناس الذين رباهم عبد الله بن سبأ مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، والفرقة الإثنا عشرية أيضاً كانت من تأليف بعض الناس. وأنا أعرف أن علماء الشيعة قد أعلنوا البراءة من عبد الله بن سبأ، بل قال بعض منهم في عصر قريب بالقول بأن شخصيته كانت شخصية افتراضية، وأنكروا وجوده، إلا أن هذا الادعاء لا أساس لـه، وذكر كتاب أسماء رجـال الشيعة "رجال الكشي" عبد الله بن سبأ، وروى بأكثر من سند عن جعفر الصادق أنه قال بألوهية علي، وقد ألقاه علي t في النار. وفي نفس الكتاب جاء عن عبد الله بن سبأ ما يلي: "ذكر بعض أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً، فأسلم، ووالى عليّاً t، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بالغلو، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله r في علي رضي الله عنه مثل ذلك، وكان أول من اشتهر بالقول بفرض إمامة علي، وأطهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه "رجال الكشي" (ص71)، طبعة بمباي، سنة 1317هـ.
(1)          ومن الملاحظ أن التاريخ يشهد، والبحث يؤكد، أن الحسن بن علي العسكري لم يكن له ابن، وهذا ما صرح به شقيقه جعفر بن علي.
(1)    ونذكر هذا الأمر هنا، لأن مؤلف كتاب "الجامع الكافي" أو جامع أبي جعفر يعقوب الكليني الرازي، وجد في زمان أطلق عليه بالمصطلح الإثني عشري زمان الغيبة الصغرى، أي في الوقت الذي كان السفراء يحملون الأسرار الخاصة، ويتوافدون على الإمام الغائب، الإمام المهدي. ومعروف لدى علماء الشيعة كما جاء في بعض كتبهم أن أبا جعفر يعقوب الكليني بعد أن ألف كتابه هذا، وصل إلى الإمام الغائب من خلال سفير خاص، وقد شاهد الكتاب، وصدق عليه ووثقه، وقال: "هذا كاف لشيعتنا"وطبقاً لهذه الرواية المشهورة، أو الحكاية، فهذا الكتاب "مصدقة" الإمام المعصوم، بينمـا نحن - أهل السنة - نرى أن "صحيح البخاري" ليس لأي شخصية مصدقة معصومة. ومن الواضح أن ما كتب عن الإمام الغائب والغيبة الصغرى وورود السفراء سراً هو عقيدة أهل المذهب الإثني عشري. ويبقى سؤال: ما هي حقيقة هذا الأمر؟ والإجابة سنعرضها على القارئ في حينها، حين نفصل الحديث عن الإمام الغائب وغيبته.
(1)          "أصول الكافي" (ص103).
(2)          "أصول الكافي" (ص104).
(1)          "أصول الكافي" (ص105).
(2)          المرجع السابق، (ص106).
(3)          المرجع السابق، (ص276).
(4)          المرجع السابق، (ص117).
(1)          "أصول الكافي" (ص 109).
(2)          المرجع السابق، (ص110).
(3)          المرجع السابق، (ص111).
(4)          المرجع السابق، (ص109).
(5)          "الصافي في شرح الكافي" (3/1/58).
(1)          "أصول الكافي" (ص278).
(2)          "الصافي في شرح أصول الكافي" (3/2/149).
(3)          "أصول الكافي" (ص121ـ 122).
(1)          ملخص ما ورد في "أصول الكافي" (ص244).
(2)          "أصول الكافي"، (ص146).
(1)          "حق اليقين" بالفارسية، (ص126)، طبعة إيران.
(2)          "حياة القلوب" (3/10).
(3)          "أصول الكافي" (ص238).
(4)          "أصول الكافي"، (ص238).
(1)          "أصول الكافي" (ص117).
(2)          "المرجع السابق"، (ص160).
(1)          "أصول الكافي" (ص112).
(2)          المرجع السابق، (ص113).
(3)          المرجع السابق (ص137).
(4)          المرجع السابق، (ص147).
(1)    يفهم من القسم الأول لهذه الرواية الحقيقة الكاملة للمذهب الشيعي، فأئمة المذهب الشيعي من مثل الإمام الباقر والإمام جعفر الصادق، وغيرهم من الأئمة الذين ينقل عنهم أبو بصير وزرارة وغيرهم من خاصة الشيعة تعاليم وإرشادات المذهب الشيعي، كانوا يستمعون لأقوال الرواة الذين كانوا يطلبون دائماً الانفراد بأسرار المذهب الشيعي التي تخبرهم بها الأئمة، فلا يوجد أحد مع الإمام وكاتم أسراره، وهكذا يخرج هؤلاء إلى الناس، يقولون لهم ما يشاءون، وينسبون للأئمة ما يريدون، وهكذا فعلوا. هذه هي الحقيقة الأساسية للمذهب الشيعي، ولا يمكن مقارنة هؤلاء بجمهور أمتنا المحمدية، وعباد الله الصالحين، الذين اتصفوا بالتقوى والورع، وكان ظاهرهم كباطنهم، وقدموا تعاليم الدين علانية، لا تشوب حياتهم شائبة من نفاق الحياة الذي أسماه الشيعة التقية.
(2)          "أصول الكافي"، (ص146).
(1)          "أصول الكافي"، (ص147).
(2)          المرجع السابق، (ص134).
(1)          "الصافي" (3/1/140).
(2)          "أصول الكافي" (ص135).
(3)          "أصول الكافي" (ص155).
(1)          المرجع السابق، (ص156).
(2)          "أصول الكافي" (ص85).
(3)          "الصافي" (2/229).
(4)          "أصول الكافي"، (ص153).
(5)          "أصول الكافي"، (ص158).
(1)          "أصول الكافي" (ص159).
(2)          المرجع السابق، (ص140).
(3)          المرجع السابق، (ص142).
(4)          المرجع السابق، (ص258).
(1)    وهو الأمير أبو عبد الرحمن عبد الله بن عامر القرشي العبشميَ (ت59هـ)، فاتح خراسان وغيرها، ولاّه سيدنا عثمان رضي الله عنه البصرة، كان جواداً سخياً شجاعاً فيه رفقٌ وحلم. انظر: "سير النبلاء" (3: 18)، وهناك مصادر ترجمته.
(2)          انظر: "تاريخ الأمم والملوك" لابن جرير الطبري (4: 340) وما بعدها.
(1)          والقول به موجودٌ في تلمودهم، وهو ينافي دعوة رسول الله (ز).
(2)          يعني ابن سبأ.
(3)    أبو عبد الله محمد بن علي بن رزام الطائي الكوفي، له تصنيف في الرد على الإسماعيلية الباطنية على ما في "التنبيه والإشراف" للمسعودي (ص396)، و"الفهرست" لابن النديم، (ص186)، ونقل هذا الأخير عنه، ونقل عنه كذلك الذهبي في "سير النبلاء" (5/323). قال الإمام الكوثري في تقدمته لكتاب "قواعد عقائد آل محمد"، (ص6): "وكنت رأيت قطعةً جيدةً من كتاب ابن رزام بين كتب الأستاذ حمدي السفرجلاني، ولا أدري أين استقرت هذه القطعة".
(1)    انظر "الفهرست" لابن النديم، (ص187) و"الفرق بين الفرق" لعبد القاهر البغدادي، (ص283)، و"المنتظم" لابن الجوزي (حوادث سنة 402هـ)، و "الأنساب" للسمعاني (1/255الإسماعيلي)، و"الإعلان بالتوبيخ" للسخاوي (ص177)، و"اللمعات البرقية في النكت التاريخية" لابن طولون (ص90). وقـال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في "سير النبلاء" (15/ 141- 142) في ترجمة عبيد الله المهدي مؤسس الدولة العبيدية: "أول من قام من الخلفاء الخوارج العبيدية الباطنية الذين قلبوا الإسلام وأعلنوا بالرفض وأبطنوا مذهب الإسماعيلية .. وادّعى هذا المدبر أنه فاطمي ... والمحققون على أنه دعيٌّ".
(2)          انظر "مقدمة ابن خلدون" (1/ 309)، و"الكامل" لابن الأثير (8/24 حوادث 296هـ)، "اتعاظ الحُنفا بأخبار الفاطميين الخلفا" للمقريزي (1/22).
(3)    وللعلامة البارع المؤرخ الوزير جمال الدين ابن ظافر الأزدي (ت 613هـ) كلامٌ نفيسٌ في كتابه البديع "أخبار الدول المنقطعة" حول إبطال نسب العبيديين، ومما قاله هناك: "والسبب في خفاء زورهم في ادّعائهم الشرف - حتى إننا لا نجد في عصرنا من يمج سمعه ذلك إلا اليسير من الناس - أن القوم كانوا في إبتداء ملكهم ووقت ادّعاء زورهم لا يسمعون بمنكر لأمرهم طاعن على مذهبهم إلا بادروه بالعطايا وأتحفوه بالأموال والرغائب وطلبوا الكف منه، فإن أبى عملوا على قتله بأنواع من الحيل والمكر التي عليها بني مذهبهم. هذا أحوال سُراة الناس ورؤسائهم، وأما الطغام فإنهم دخلوا في دعوتهم لاستحواذ الدعاة عليهم، وطال الوقت وامتدت المدة حتى انتهت إلينا وقد نسي ما كان منهم، وذهل عما صدر عنهم، وقد كانوا على أيام المنعوت منهم بالعزيز كاد كذبهم يذهب مع الريح، وزورهم أن يرجع كالهباء المنثور لمّا ملك عضد الدولة فنّاخسرو بغداد، لأنه حشر الأشراف الطالبيين من جميع آفاق العراق وسألهم عنهم، فكلهم أنكرهم ونفاهم وتبرأ منهم، فأخذ خطوطهم.."إلخ ما ذكره في "أخبار الدول المنقطعة" ص (4-5) من نشرة أندريه فريه للقسم الخاص بالفاطميين منه.
(4)    قال ياقوت في "معجم البلدان" (3/240): "سلمية: بفتح أوله وثانيه وسكون الميم وياء مثناة من تحت خفيفة ... وأهل الشام يقولون: سَلَمِيّة، بفتح أوله وثانيه وكسر الميم وياء النسبة" ولا تزال سلمية حتى الآن موطناً للإسماعيلية.
(1)    انظر أخباره في "الإشارة إلى من نال الوزارة" لابن الصيرفي (ص19)، و "المنتظم" (وفيات 380هـ) و"وفيات الأعيان" (7/27- 35)، و"سير النبلاء" (16/442)، و"إنباء الأمراء بأنباء الوزراء" لابن طولون (ص58)، وغيرها.
(2)    ويكاد لا يوجد بين رجالات تلك الدولة من يوازي النعمان بن محمد هذا فيما خدم به دعوتهم من تدوين عقائدهم وأخبار أئمتهم، إذ له ما يقرب من خمسين مصنفاً في ذلك، طبع منها حتى الآن: "دعائم الإسلام"، "تأويل الدعائم"، "الاقتصار"، "أساس التأويل"، "افتتاح الدعوة"، "الأرجوزة المختارة"، "شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار"، "المجالس والمسايرات". انظر: مقدمة تحقيق "المجالس والمسايرات" بقلم الأستاذ إبراهيم شبوح ورفيقه.
(3)    وقال عنه في "سير النبلاء" (16/150): "العلامة المارق، قاضي الدولة العبيدية. كان مالكياً فارتد إلى مذهب الباطنية، وصنف لهم أسَّ الدعوة، ونبذ الدين وراء ظهره، وألف في المناقب والمثالب، ورد على أئمة الدين، وانسلخ من الإسلام فسحقا له وبعداً".
(4)    اسمه تحديداً "افتتاح الدعوة"، حققه الدكتور فرحات الدشراوي سنة 1961، وتأخر نشره حتى سنة (1975)بتونس، وخلال ذلك أصدرت الدكتورة وداد القاضي نشرتها للكتاب سنة 1970،عن دار الثقافة، ببيروت.
(1)    في "العبر للذهبي (وفيات 363هـ): "وفيها أبو بكر النابلسي... الشهيد، سلخه صاحب مصر، المعز، وكان قد قال: لو كان معي عشرة أسهم لرميت الروم سهماً ورميت بني عبيد تسعةً، فبلغت القائد جوهر، فلما قرره اعترف وأغلظ لهم، فقتلوه. وكان عابداً صالحاً زاهداً قوالاً بالحق". وقد حشوا جلده تبناً وصلب، وكان الحافظ الإمام أبو الحسن الدارقطني يذكره ويبكي، ويقول: كان يقول وهو يُسلخ: {كان ذلك في الكتاب مسطورا}. "كتاب الروضتين" لأبي شامة (2/220).
(2)    ذكره ابن ظافر الأزدي في "أخبار الدول المنقطعة" (ص2)، والسبكي في "طبقاته الكبرى" (7/18)، وابن كثير في "البداية والنهاية" (12/268 وفيات 566هـ)، وابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة" (4/75) وغيرهم.
(3)    ذكر ابن النديم في "الفهرست" (ص 189) أن من كتب الباطنية الإسماعيلية: "البلاغات السبعة"، فالبلاغ الأول للعامة، والثاني لمن فوقهم قليلاً، والثالث لمن دخل في المذهب مدة سنة، والرابع لمن دخل لمدة سنتين، والخامس لثلاث سنين، والسادس لأربع سنين، أما السابع ففيه نتيجة المذهب والكشف الأكبر، قال: "قال محمد بن إسحاق: قد قرأته فرأيت فيه أمراً عظيماً من إباحة المحظورات والوضع من الشرائع وأصحابها". وفي "الفرق بين الفرق" للإمام عبد القاهر البغدادي (ص 294) أن "البلاغ الأكبر والناموس الأعظم" هو رسالة عبيد الله بن الحسين القيرواني إلى سليمان بن الحسن بن سعيد الجنابي.
(1)          ذكره الإمام أبو شامة لنفسه في كتابه "الروضتين" (2/222) وفي "ذيله" (ص39)، وذكره غير واحد من مترجميه كذلك.
(2)          الإمام الحافظ الفقيه أبو الحسن علي بن محمد المعافري القروي القابسيّ المالكي (324- 403هـ)، إمام المالكية في عصره.
(3)          نقله الذهبي في "سير النبلاء" (15/145)، وغيره.
(4)          إشارة إلى وقوع الزلل مع الاضطرار.
(5)          "المنتظم" لابن الجوزي (حوادث سنة 402هـ)، "البداية والنهاية" لابن كثير (11/345: حوادث سنة 402هـ).
(6)    وفي المحضر الذي أصدره أهل العلم (سنة 402هـ) أنهم: "أدعياء لا نسب لهم في ولد علي رضي الله عنه"، ومن جملة من وقع عليه الشريفان الرضي والمرتضى، وأبو محمد الأكفاني القاضي، وأبو حامد الإسفراييني، وأبو الحسين القدوري، وغيرهم من كبار الأئمة، وهذا حكمٌ =
=  شرعيٌ يجب الخضوع له، ولو أعطي هؤلاء الدنيا بحذافيرها لما حكم بما يخالف الحق(ز). قلت: و"كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة" هذا من تأليف العلامة محمد بن مالك الحمادي اليماني (ت حوالي 450هـ)، قدم له الشيخ الكوثري وعلق عليه، ونشره تلميذه عزة العطار، وطبع بمطبعة الأنوار بالقاهرة سنة (1357هـ - 1939م).
(1)          "خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر" للمؤرخ محمد أمين المحبي (3/268)، في ترجمة الأمير فخر الدين بن قرقاس بن معن الدرزي.
(2)    نسبة إلى كتامة: قبيلةٌ بربرية كبيرةٌ بالمغرب، من أشد قبائل البربر بأساً وأكثرهم عدداً، وكانوا ممن شايع العبيديين. تكلم عنهم ابن خلدون في"العبر"، وغيره. وانظر للتوسّع كتاب "دور كُتامةَ في تاريخ الخلافة الفاطمية". للدكتور موسى يقبال (الجزائري).
(3)    وقد سرد الحافظ الذهبي تراجم أئمة العبيديين من أولهم "عبد الله