آخر تحديث للموقع :

الثلاثاء 16 صفر 1441هـ الموافق:15 أكتوبر 2019م 10:10:56 بتوقيت مكة
   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

تسديد الإصابة فيما شجر بين الصحابة ..
الكاتب : ذياب الغامدي
w w w . t h i a b . c o m
تَسْدِيدُ الإِصَابَة
فِيْما شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَة
راجَعَه وقَرَّظَه
فَضِيْلَةُ الشَّيْخِ العَلامَةِ
صَالحِ بنِ فَوْزانَ الفَوْزان
تأَليِْفُ
ذيابِ بنِ سَعْدٍ آلِ حَمْدانَ الغَامِدِيِّ
w w w . t h i a b . c o m
" والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي اﻟﻠﻪ عنهم ورضوا
عنه "
"خَيْرُكُمْ قَرْنيِ ثمَُّ الذَِّينَ يَلُونهَُمْ ثمَُّ الذَِّينَ يَلُونهَُمْ" متفق عليه
مَثَلُ  " تلَِكَ دِمَاءٌ طهَّرَ اﻟﻠﻪ يَدِي منها؛ أفلا أُطَهِّرُ منها لسَِاني ؟ مَثَلُ أصْحَابِ رَسُولِ اﻟﻠﻪ
العُيُون، ودَوَاءُ العُيُونِ ترَْكُ مَسَّها" عمر بن عبد العزيز
" ما أقُولُ فيهم إلاَّ الحُسْنَى" أحمد بن حنبل
" أدْرَكْتُ مَنْ أدركتُ من صَدْرِ هذه الأمَّةِ بعضُهم يقولُ لبعضٍ : اذْكُروا مَحَاسِنَ أصْحابِ
لتأتلَِفَ عليها القلوبُ، ولا تذَْكُروا ما شَجَرَ بينهم فَتُجَسِّروا النَّاسَ عليهم"  رسول اﻟﻠﻪ
العَوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ
" لا يَزَالُ طَالبُِ العِلْمِ عِنْدِي نبَِيلاً حتَّى يَخُوضَ فيما جَرَى بينَ السَّلَفِ الماضين، ويَقْضِي
لبعْضِهم على بعْضٍ" تاجُ الدِّينَ السُّبكي
w w w . t h i a b . c o m
١

تَْ قرِيْظٌ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
ا َ لحمْدُ للهِ رَبِّ العَاَلمِيْنَ، والصَّلاُة والسَّلامُ عََلى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وعََلى آلِهِ، وأصْحَابِهِ،
والتَّابِعِيْنَ َلهُم بإحْسَانٍ إلى يَوْمِ الدِّيْنِ . أمَّا بَعْدُ :
فإنَّ اللهَ َفضَّ َ ل صَحَابََة رَسُوْلِهِ عََلى سَائِرِ الأمَّةِ، وأخْبَرَ أنَّه رَضِيَ عَنْهُم وأرْضَاهُم،
وشَرَعَ اتِّبَاعَهُم بإحْسَانٍ، فَقَا َ ل تَعَاَلى : " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار
والذين اتبعوهم بإحسانٍ رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها
الأﻧﻬار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم" .
وأْثنَى عََلى الَّذِيْنَ يَتَوَلَّوْنَهُم ويَسْتَغْفِرُوْ َ ن َلهُم، فَقَا َ ل : " والذين جاءوا من بعدهم
يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غ ً لا للذين
أمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم" .
وقَا َ ل النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عََليْهِ وسَلَّمَ : " لا تَسُبُّوْا أصْحَابِي، َفوَالَّذِي نَ ْ فسِي بِيَدِه َلوْ
أنَْفقَ أحَدُ ُ كم مِثْ َ ل أُحُدٍ َ ذهَبًا مَا بََل َ غ مُدَّ أحَدِهِم ولا نَصِيَْفه"، ولِهَذا كَا َ ن مَذْهَبُ أهْلِ
السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ مُوَالاَة أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عََليْهِ وسَلَّمَ، والتَّرَضِّي عَنْهُم،
w w w . t h i a b . c o m
٢
والاْقتِدَاءَ بِهِم، وال َ كفَّ عَنِ ا َ لخوْضِ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَهُم؛ لأنَّهُم فِيْه مُجْتَهِدُوْنَ، إمَّا
مُصِيْبُوْ َ ن َفَلهُم أجْرَانِ، وإمَّا مُخْطِئُوْ َ ن َفَلهُم أجْرٌ وَاحِدٌ، وا َ لخ َ طأ مَغُْفوْرٌ .
وَلكِنْ تَأبَى فِئَاتُ الحَاقِدِيْنَ عََلى الإسْلامِ والمُسْلِمِيْنَ مِنَ اليَهُوْدِ، والنَّصَارَى،
واَلمجُوْسِ إلاَّ أ ْ ن تُظْهِرَ مَا فِي نُفُوْسِها مِنَ الحِقْدِ عََلى صَحَابَةِ رَسُوْلِ الله صَلَّى اللهُ عََليْهِ
وسَلَّمَ مِنْ َفجْرِ التَّارِيْخِ حِيْنَ َ ظهَرَ اليَهُوْدِيُّ الحَاقِدُ : عَبْدُ اللهِ بنِ سَبَأ اليَهُوْدِي الَّذِي
ادَّعَى الإسْلامَ مَ ْ كرًا وخِدَاعًا، وصَارَ يَتَ َ كلَّمُ فِي ا َ لخلِيَْفةِ الرَّاشِدِ عُثْمَا َ ن بنِ عَفَّا َ ن 
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وأرْضَاهُ  .
وصَارَ يَنْفُثُ سُمُوْمَه بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ حَتَّى الْتَفَّ إَليْه جَمَاعَةٌ مِنَ الأوْبَاشِ وا َ لحاقِدِيْنَ
وهَجَمُوْا عََلى عُثْمَا َ ن فِي بَيْتِه َفَقتَلُوْهُ شَهِيْدًا صَابِرًا مُحْتَسِبًا، ومِنْ وَقْتِها حَصََلتِ الفِتْنَةُ
العَظِيْمَةُ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ إلى أ ْ ن حُسِمَتْ بِتَنَازُلِ ا َ لحسَنِ بنِ عَلِيٍّ  رَضِيَ اللهُ عَنْهُما 
لِمُعَاوِيََة بنِ أبِي سُفْيَا َ ن  رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، وسُمِّيَ َ ذلِكَ العَامُ عَامَ ا َ لجمَاعَةِ، وتَحَقَّقَ
بِ َ ذلِكَ َقوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عََليْهِ وسَلَّمَ فِي ا َ لحسَنِ : " إنَّ ابْنِي هَ َ ذا سَيِّدٌ، وسَيُصْلِحُ اللهُ
بِه بَيْنَ فَِئتَيْنِ عَظِيْمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ"، وَلكِنَّ الشَّيْعََة اليَهُوْدِيََّة، واَلمجُوْسِيََّة لا تَزَا ُ ل عََلى
مَنْهَجِ ابنِ سَبأ تَسُبُّ الصَّحَابََة، وتُوْقِدُ الفِتْنََة، وتَأثَّرَ بِهِم بَعْضُ ال ُ كتَّابِ ا ُ لجهَّالِ َفصَارُوا
w w w . t h i a b . c o m
٣
يتَ َ كلَّمُوْ َ ن فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ مُخَالِفِيْنَ بِ َ ذلِكَ مَنْهَجَ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ مِنَ الكَفِّ
عَنْ َ ذلِكَ .
َفَقيَّضَ اللهُ مَنْ قَامَ بالرَّدِّ عََليْهم، والذَّبِّ عَنْ أعْرَاضِ صَحَابَةِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ
عََليْهِ وسَلَّمَ، ومِنْ هَؤُلاءِ أخُوْنا َفضِيَْلةُ الشَّيْخِ : ذِيَابِ بنِ سَعَدٍ آلِ حَمْدَا َ ن الغَامِدِي،
فِي كِتَابِه ( تَسْدِيْدِ الإصَابَةِ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ) سَالِ ً كا مَنْهَجَ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ
فِي َ ذلِكَ، فَجَاءَ كِتَابُه هَ َ ذا وَافِيًا باَلم ْ قصُوْدِ، وَاضِحًا فِي مَبَاحِثِه ومَضَامِيْنِه .
فَجَزَاهُ اللهُ خَيْرَ الجَزَاءِ عَمَّا وَضَّحَ وبَيَّنَ، ونََفعَ اللهُ بِجُهُوْدِه وبَارَكَ فِيْه
وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ عََلى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وآلِهِ وصَحْبِه
َ كتَبَه
صَالِحُ بنُ فَوْزَا َ ن بنِ عَبْدِ اللهِ الفَوْزَا ُ ن
عُضْوُ هَيَْئةِ كِبَارِ العُلَمَاءِ
١٤٢٣ ه /٦/١٥
* * *
w w w . t h i a b . c o m
٤
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الحمدُ للهِ رَبِّ العَالمين، والصَّلاُة والسَّلامُ على عبدِه ورسولِه الأمين، وعلى آلِه،
وزوجاتِه أُمَّهاتِ المؤمنين، وعلى أصحابِهِ الغُرِّ اَلميَامين، ومَنْ تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ
الدِّين .
أمَّا بَعْدُ : فإنَّ كَمَا َ ل الشَّيءِ مَرْهُونٌ بحقيقةِ َلفْظِهِ ومَعْنَاه، لا َأحَدُهُما دو َ ن سِوَاه !
َفإذا عُلِمَ هذا على َقصْدِه ومُبْتَغَاه، ظهر لِكُلِّ ذِي عينٍ وبصيرةٍ أنَّ دِيْنَ الإسلامِ َقدْ
حَازَ التَّمامَ وال َ كمَا َ ل في عُُلومِه وُفنُونِه، وشَرْعِه وشُؤُونِه؛ حَيْثُ َأخَ َ ذ مِنَ التَّمامِ َأعْلاه،
ومِنَ الكَمَالِ مُنْتَهاه، فقد اتَّسَقَ اتِّساقَ الَقمَرِ، واكْتَمَ َ ل اكْتِما َ ل البَدْرِ، وانْتَ َ ظمَ انْتِ َ ظامَ
العِ ْ قدِ، َفهَذِه ُأصُوُله َقدْ ُأحْكِمَتْ، وهذه ُفرُوعُه َقدْ رُتِّبَتْ… حتَّى إنَّك إذا أرَدْتَ
مَسْألًة جَليلًة أو دَقِيقًة مِنْ مَسَائِلِه َلمْ تَجِدْها شَرِيدًة هنا أو هناك، أو مُبَعْثرًة في كِتَابٍ
َ طاَلمَا َأ ْ غوَاك؛ بل تَرَاهَا َقدْ رُتِّبتْ تَحْتَ مَسَائِلَ، والمسائ ُ ل تحتَ ُفصُولٍ، والُفصُو ُ ل تحتَ
َأبْوابٍ، والكلُّ يَجْمعُه كتابٌ؛ َفهَذا كتابُ "المغني"، وذَاكَ كتابُ "التوحيد" ... إلخ .
َفَليْتَ شِعْرِي!؛ هَ ْ ل وَجَدْتَ دِيْنًا كهذا، أو عِلْمًا ﺑﻬذا، أو مَسْألًة مِنْ هذا...؟!؛ كلاَّ
والَّذِي َفَلقَ الحبََّة، وبَرََأ النَّسَمََة !
* * *
w w w . t h i a b . c o m
٥
ومن تِلْكُمُ المسائِلِ التي نحن بِصَدَدِ البحثِ عنها والحديثِ فيها؛ مسألُة : "الفِتْنَة"
التي وقعت بين الصحابةِ رضي الله عنهم، وبعد النَّظرِ والتَّتبُّعِ إ ْ ذ بنا نجدُها قد تنازَعَتْها
ثلاثُة ُفنُونٍ مِنَ العُُلومِ الشرعيَّةِ :
* عِلْمُ العقيدةِ .
*عِلْمُ التَّاريخِ .
* عِلْمُ الحديثِ .
فأمَّا كتبُ العقيدة؛ فقلَّما يخلو كتابٌ من ذكرها؛ إلاَّ أنَّها في الغالبِ الأعمِّ لم تُعْنَ
بتفصيل مجرياتِها، أو تَهْتَمْ بطولِ أحداثِها؛ اللَّهمَّ ما كان من الحديثِ عمَّا يجبُ أ ْ ن
يَعْتَقِدَه اُلمسلمُ تُجَاهَها، والنَّ َ ظرَ حيَالها ... وهو : ( السكوت عمَّا شجر بينهم ) !
أمَّا كتبُ التَّاريخ؛ فقلَّما يخلو كتابٌ من ذكر هذه الفتنة على التفصيل، والتحليل،
من أحداثٍ، وأخبار …!
أمَّا عِلْمُ الحديثِ فهو الميزا ُ ن العِْلمي، والنَّاقدُ اُلمعتمدُ، والحجَُّة القاطعُة في الفصلِ بين
صحيح الأخبارِ وضعيفها، ومَ ْ قبُولِها ومَرْدُودِها !
فهو المُهَيْمِنُ على جميعِ عُُلومِ الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ؛ ابْتِداءً بالعقيدَةِ، والفقهِ، وانْتِهاءً
بالتَّفسير، والتاريخ … إلخ .
w w w . t h i a b . c o m
٦
* * *
لذا مَنْ أرادَ أ ْ ن يأخ َ ذ حظَّه مِنَ النَّ َ ظرِ في هذه المسألةِ ( الفتنةِ ) فلابدَّ له مِنْ أخْذِ
أزِمَّةِ كتبِ العقيدةِ والتأريخِ والحديثِ جنْبًا بجنْبٍ؛ كي تَثْبُتَ قدَمُه على َ طريقِ اليَقِينِ
ودَرَجةِ التَّسليمِ؛ لأنَّ هذه المسألَة مِنْ مسائلِ الأُصولِ العِظامِ؛ هذا إذا علمنا أنَّ جمهرًة
كبيرًة من أهلِ الفِرَقِ الإسلاميةِ قد افْتَرَقتْ عندها افتراقًا كبيرًا ما بين غالٍ كالرَّافضةِ،
وجافٍ كالخوارجِ، ووَسَطٍ كأهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ؛ لذا كانت مَسْأَلتُنا هذه لا تَنَْفكُ
بحالٍ عن هذه العلومِ الثلاثةِ : ( العقيدة، والتأريخ، والحديث ) والله تعالى أعلم .
* * *
لذا أحببتُ أن أقفَ مع هذه المسالةِ بشيءٍ من التَّفْصيلِ الَقرِيبِ، لا التَّطويلِ
الغريبِ، وما هذا إلاَّ لأهميتِها؛ لا سيَّما إذا عَلِمنا أنَّ هناك منَ الدُّعاةِ  في أيامنا هذه
 من أثارَ هذه المسألَة، وتكلَّمَ عنها بالنَّظرِ إلى كُتُبِ التاريخِ فقط، دون اعْتِبارٍ لِمَا
لغيره من العلومِ، وكذا مع قلَّةِ العلمِ، وانْتِشارِ الجهلِ بين كثيرٍ مِنَ اُلمسلمين .
كما لا ننس أيضًا أنَّ هنالك من أهلِ الأهواءِ والبدعِ مَنْ يسعى حثيًثا إلى نَشْرِ ما
حَصَ َ ل بين الصَّحابةِ؛ لا سيما الرافضُة، وا َ لخوارجُ، والعلمانيون وغيرُهم؛ بُغيَة قذْفِ
w w w . t h i a b . c o m
٧
اُلمتشاﺑﻬاتِ في قُلوبِ المسلمين حتَّى تتزعْزَعَ عقائدُهم بعامَّةٍ، وبالصَّحابةِ خاصًَّة، والله
المستعان على ما يصفون .
* * *
فلأجْلِ هذا وغيره؛ قمتُ ولله الحمدُ بكتابةِ ما ُأراهُ سيخدمُ هذا الموضوعِ "الفتنة"
تأصي ً لا وتدلي ً لا، وتقريرًا ور  دا تحت عُنوانِ : " تسديدِ الإصابةِ فيما شَجَرَ بين
. الصَّحابةِ" ١
وقد نظمتُ خطََّة رسالتي في ثمانيةِ َأبْوَابٍ، وفي كلِّ بابٍ فصولٌ، كما يلي:
الباب الأول : وفيه ثلاثة فصول .
الفصل الأول : التعريف بالتاريخ .
الفصل الثاني : أهميَّة التاريخ .
الفصل الثالث : خطورة الكلام في التاريخ دون علم .
الباب الثاني : وفيه فصلان .
الفص ُ ل الأول : موضوع الفتنة، وموقعة ( الجمل، وصفِّين )، وذلك من خلال خطأين :
الخطأ الأول : ما يتعلق بالأخبار والآثار من حيث الرَّدِّ والَقبُول .
١ وقد خرج هذا الكتابُ مُخْتصرًا في مجلةِ البيان، تحت عنوان "فضيلة الإمساك عمَّا شجر بين الصحابة !"،
العدد ( ١٣٤ ) شوال ( ١٤١٩ ه ).
w w w . t h i a b . c o m
٨
الخطأ الثاني : ما يتعلق بذكر أصل الموضوع ( ما حصل بين الصحابة رضي الله
عنهم ) .
الفصل الثاني : عَدَدُ الصَّحابةِ الذين حَضَرُوا الفِتْنة .
الباب الثالث : مُجْم ُ ل ما دار بين الصحابة رضي الله عنهم، وذلك في ثلاثة أمور.
الأمر الأول : تحديدُ بدايةِ التَّشاجرِ بين الصحابةِ رضي الله عنهم .
الأمر الثاني : الدَّافعُ الذي حَمَ َ ل الصحابَة رضي الله عنهم على التَّشاجرِ بينهم .
الأمر الثالث : وجوُبُ السُّكوتِ عمَّا شَجَرَ بين الصحابةِ رضي الله عنهم .
الباب الرَّابع : فضائل الصحابة رضي الله عنهم، وفيه ستة فصول .
الفصل الأول : فضائل الصحابة رضي الله عنهم .
الفصل الثاني : وجوب محبَّةِ الصحابةِ رضي الله عنهم .
الفصل الثالث : وجوب الدعاء والاستغفار للصحابة رضي الله عنهم .
الفصل الرابع : عدالة الصحابة رضي الله عنهم .
الفصل الخامس : حكم من سبَّ الصحابة رضي الله عنهم .
الفصل السادس : فضائل مُعاوية رضي الله عنه .
w w w . t h i a b . c o m
٩
الباب الخامس : أقوا ُ ل السلف في وجوب السكوت عمَّا شجر بين الصحابة رضي
الله عنهم .
الباب السَّادس : الآثار السلبيَّة مِنْ نَشْرِ ما حَصَ َ ل بين الصحابة رضي الله عنهم
لدى عامة المسلمين .
الباب السَّابع : الإيرادات، وذلك من خلال إيرادين .
الإيرادُ الأوَّ ُ ل : حكمُ مَنْ أرادَ أن يَذْكُرَ ما شَجَرَ بين الصحابةِ رضي الله عنهم على
وجه المحبَّةِ، وسلامةِ الصَّدر، وحسنِ الظَّنِّ ﺑﻬم ؟
الإيرادُ الثَّاني : حُكمُ من أرادَ أ ْ ن يَذْكُرَ ما شَجَرَ بين الصحابةِ رضي الله عنهم ُأسْوًة
بما هو موجودٌ في كتبِ التاريخ المشهورةِ ؟
الباب الثامن : خُلاصُة البحث .
الفهارس العامة :
وكتبه
ذياب بن سعد آل حمدان الغامدي
١٤٢٣ ه /١/١
الطائف
w w w . t h i a b . c o m
١٠
الباب الأول
الفصل الأول : التعريف بالتأريخ
الفصل الثاني : أهميَّة التأريخ
الفصل الثالث : خطورة الكلام في التأريخ دون علم
w w w . t h i a b . c o m
١١
الفصل الأول
التَّعريفُ بالتاريخ
إنَّ فنَّ التاريخِ من الفنونِ التي تَتَداوُلها الأممُ والأجيا ُ ل، وتُشدُّ إليه الرَّكائبُ
والرِّحا ُ ل، وتَسْمُو إلى معرفتِه السَّوَقُة والأ ْ غَفا ُ ل، وتَتَنافسُ فيه الملوكُ والأقيا ُ ل،
ويتساوى في َفهْمِه العلماءُ والجُهَّا ُ ل .
لهذا نجدُ النفوسَ تَشرئِبُّ إلى معرفةِ بداياتِ الأشْياءِ، وتُحِبُّ سمَاعَ أخبارِ الأنبياءِ،
.( وتَحِنُّ إلى مُطالعةِ سِيَرِ اُلملوكِ وا ُ لح َ كماءِ، وتَرْتاحُ إلى ذِكْرِ ما جرى للُقدَماء( ١
* * *
" إلاَّ أنَّ التاريخَ الإسلامي تاريخُ دينٍ وعقيدةٍ قب َ ل أ ْ ن يكو َ ن تاريخَ دُوَلٍ، ومَعَاركَ،
ونُظُمٍ سياسيَّةٍ؛ لأنَّ العقيدَة هي التي أنْشَأتْ هذه الكياناتِ مِنْ الدُّوَلِ واُلمجْتمعاتِ
بِنُظُمِها السَّياسيَّةِ، والإداريَّةِ، والتَّعليميَّة، والاْقتِصاديَّة وغيرها ..
ولذلك فإنَّ المسلمَ عندما يُدَوِّنُ واقعاتِ التاريخِ وأحداَثه، وعندما يدرُسُها ينبغي أن
لا يكو َ ن تدوينُه ودراستُه بدو َ ن غايةٍ واضحةٍ، وهدفٍ يخدمُ عقيدتَه، وتَصَوُّرَه الإيماني .
. (١١٥ / ٣)، و"المنتظم في تاريخ الملوك والأمم" لابن الجوزي ( ١ / ١  انظر "مقدمة ابن خلدون" ( ١
w w w . t h i a b . c o m
١٢
وأنَّه لا بدَّ أ ْ ن يربُ َ ط عَمََله التاريخي بعقيدتِه ومنهجِه لكي يَسْتفيدَ مِنَ الأحْداثِ
التاريخيَّةِ دُرُوسًا وتوجيهاتٍ مُثمِرًَة، ولكي يُدْرِكَ من خِلالِ الوقائعِ سُنَنَ الله، وَقدَرَه
وهيمنتَه على الكونِ، ومث ُ ل هذه المعرِفةِ والإدراكِ تَزِيدُ مِنْ إيمانِه وطاعتِه لله، وتُتِيحُ له
ا ُ لحصُو َ ل على الثَّمراتِ التي يرجوها المسلمُ من دراسةِ تاريخِه .
فالتزامُ الباحثِ بمنهجِ العقيدةِ؛ يَرْسُمُ له َ طريَقَة التَّعاملِ مع ا َ لحدَثِ، وكيفيََّة مُعَا َ لجتِه
. ودَرْسِه، وَأخْ َ ذ العِ َ ظةِ منه" ١
* * *
فلمَّا كان هذا شأ ُ ن التاريخ بعامَّةٍ؛ أردنا أ ْ ن نقفَ مع تعريفِهِ كي يَتَسَنَّى لنا َفهمُه
وتَصَوُّرُه .
 فالتاريخُ في اللُّغة :
الإعلامُ بالوَْقتِ، يُقَا ُ ل أرَّخْتُ الكِتَابَ ووَرَّخْتُهُ بمعنىً، أي بَيَّنِتُ وََقتَ كِتَابَتِه .
١ انظر "منهج كتابة التاريخ الإسلامي" للشيخ محمد بن صَاملٍ السُّلمي، فكتابه هذا يُعدُّ من أنفعِ الكتبِ المنهجيَّةِ
في تحقيقِ وتقريرِ مناهجِ كتابةِ التاريخ الإسلامي، فكان جديرًا أن ينظُرَ فيه أه ُ ل الاختصاصِ اُلمشتغلين بالتاريخ
. ( الإسلامي، وأن يكون قانونًا للمعايير الكتابيَّةِ في التاريخ !، ص( ٦،١٩٧
w w w . t h i a b . c o m
١٣
قال الجَوْهريُّ : التَّأريخ تَعْريفُ الوَْقتِ، والتَّوْرِيخُ مِْثُله، يُقَا ُ ل : َأرَّخْتُ ووَرَّخْتُ،
وقيل اشْتَِقاُقه من الأَرْخِ؛ يعني بفتحِ الهمزةِ وكسرِها، وهو صِغَارُ الأُنَْثى مِنْ بَقَرِ
. ( الوَحْشِ؛ لأنَّه شيءٌ حَدَ َ ث كما يَحْدُثُ الوََلدُ …( ١
 وفي الاصْطِلاحِ :
"َفَقدْ اختلفتْ عباراتُ العلماءِ في تحديدِ تعريفٍ له، ولعلَّ ذلك راجعٌ إلى كثرةِ
الموضوعاتِ التي تدخ ُ ل في مفهومِ التاريخ .
ومن الملاحظِ أنَّ المؤرِّخين في القرونِ الثلاثةِ الأولى من الهجرةِ النَّبويَّةِ لم يُدَوِّنو
تعريًفا كام ً لا لعلمِ التاريخ، وإنَّما كانوا يكتفون بذكرِ فوائدِه وأغراضِه، ومن اَلمعُلومِ أنَّ
. العلمَ قد يُعرَّفُ ببعضِ أنواعِه، أو أمثلتِه، أو بذكرِ غاياتِه" ٢
إلاَّ أنَّنا مع هذا الخلافِ، والنَّظرِ في جملةِ التعاريفِ عند أهلِ العلمِ نستطيعُ أن نخرجَ
بتعريفٍ جامعٍ : هو مَعْرِفُة أحْوالِ الطَّوائفِ، وبلدانِهم، ورُسُومِهم، وعاداتِهم، وصَنائِعِ
. ( أشْخاصِهم، وأنْسَابِهم، ووََفياتِهم إلى غير ذلك( ٣
٢٠٠ )، و"لسان العرب" لابن / ١  انظر "الإعلان بالتوبيخ" للسخاوي ص ( ١٦ )، و"الصحاح" للجوهري ( ١
. (٤٨١/ منظور ( ٣
. ( ٢  "منهج كتابة التاريخ الإسلامي" للشيخ محمد السلمي ( ٥٤
٢٥٥ )، و"مفتاح السعادة ومصباح السيادة" لطاش كبرى زاده / ٣  انظر "كشف الظنون" لحاجي خليفة ( ١
. ( ٢٣١ )، و"الإعلان بالتوبيخ" للسخاوي، ص ( ١٨ /١)
w w w . t h i a b . c o m
١٤
الفصل الثاني
أهميَُّة التَّأريخ
ومِنْ خلالِ هذا التَّعريفِ الجامِعِ لعلمِ التَّاريخِ تَبَيَّنَ لدينا أنَّ فَنَّ التاريخِ فَنٌّ عَزيزُ
اَلم ْ ذهَبِ، جمُّ الفوائدِ، شَريفُ الغايةِ؛ إ ْ ذ هو يُوقُِفنا على أحوالِ الماضين من الأُممِ في
أخلاقِهم، والأنبياءِ في سِيَرِهم، والملوكِ في دُوَلِهم وسياسَتِهم، حتى تَتِمَّ فائدُة الإقتداءِ
. ( في ذلك لمن يَرُومَه في أحْوالِ الدِّينِ والدُّنْيا( ١
لذا نجدُ التَّاريخَ الإسلاميَّ قد أخ َ ذ مكانًة عظيمًة عند عُلماءِ اُلمسْلمين حَيْثُ اعْتَنَوْا
به عِنايًة فائقًة، لهذا نجدُهم قد دَوَّنُوه وأ ْ كَثرُوا، وجَمَعُوا تَواريخَ الأُممِ واُلملوكِ والدُّولِ
في العالِمِ وسَطَّرُوا؛ إلاَّ أنَّ الذين َ ذهَبُوا منهم بَِفضْلِ الشُّهْرَةِ والأمانةِ المُعْتبرةِ قليلون لا
يكادون يَتَجاوزون عَدَدَ الأناملِ مثل : ابنِ إسحاقَ المَطْلبيِّ ( ١٥١ ه)، وابنِ جريرٍ
الطَّبريِّ ( ٣١٠ ه)، وابنِ الجوزيِّ ( ٥٩٧ ه)، وابنِ الأثيرِ ( ٦٣٠ ه)، وابنِ كثيرٍ
٧٧٤ ه)، وابنِ خُلْدُون ( ٨٠٨ ه)، وغيرِهم . )
ومنهم مَنِ اسْتَوْعَبَ ما َقبْ َ ل المِلَّةِ مِنَ الدُّولِ والأُممِ، والأَمَرِ العَمَمِ، كاَلمسْعُودي
٣٤٦ ه) ومَنْ نَحا مَنْحَاه . )
. ( ٩ / ١  انظر "مقدمة ابن خلدون" ( ١
w w w . t h i a b . c o m
١٥
ومنهم مَنْ عَدَ َ ل عَنِ الإ ْ طلاقِ إلى التَّقييدِ، ووََقفَ في العُمومِ والإحَاطةِ عن الشَّأوِ
البعيدِ، فقيَّدَ شَوارِدَ عَصْرِه، واسْتَوعَبَ أخبارَ أُفُقِهِ وُق ْ طرِه، واقْتَصرَ على أحاديثِ دَوْلتِه
ومِصْرِه، كا َ لخطِيْبِ البَغْدَادِيِّ ( ٤٦٣ ه )، وابنِ عَسَاكِرَ ( ٥٧١ ه ) و َ غيْرِهِما.
وهكذا دَوَاليك تَتَابعَ العُلماءُ على كتابةِ التاريخِ الإسلامي وتخليصِهِ مِنْ شَوائِبِه
وغرائِبِه، وكلٌ على َقدْرِ جُهدِه واجتِهادِه .
* * *
وفي الوقتِ نفسِهِ نجدُ للدُّعاةِ وا ُ لخطباءِ صَوْتًا جَهْوَرِيا وحَدِيثًا ذا شُجُونٍ حَوْ َ ل
التاريخِ الإسلامي؛ وكلُّ ذلك منهم رَغْبًة في عَوْدَةِ الأُمَّةِ الإسلاميَّةِ عَوْدًَة صَادقًة إلى
تاريخِها التَّليدِ وعِزِّها العَريقِ !
وهو كذلك؛ لأنَّ الدَّعوَة إلى الله تعالى حقٌّ مُشاعٌ بين المسلمين "يقومُ بذمَّتِهم
أدناهم"؛ ولكنْ بِشَرْطِه، وهو الدَّعوة إلى الله تعالى : بعلمٍ؛ لذا كان على كلِّ مسلمٍ أن
يَدْعُوَ على َقدَرِ عِْلمِه، َ كمَا عََليْه أ ْ ن يَحْ َ ذرَ الشَّهْوََة ا َ لخفِيََّة !
فإنَّا ما نخشاه ونخافه : أن تُسلَّ َ ط الأضواءُ وتَشْرَئِبُّ الأبْصَارُ إلى بعضِ الدُّعاةِ
اُلمشاركين في الدَّعوةِ … حتى تسيرَ ﺑﻬم عجلُة الشُّهرةِ إلى التَّصدُّرِ للفتوى، والتَّنظيرِ
w w w . t h i a b . c o m
١٦
والتَّرشيدِ للمسلمين ( بغير علم )! . َفْليَحْ َ ذرْ هَؤلاءِ مِنْ َ طرْقِ هَذِه السَّبيل، فإنَّها هُلْكَةٌ
َله، ومَهَْل َ كةٌ للأمَّةِ مَعًا !
* * *
w w w . t h i a b . c o m
١٧
الفصل الثالث
خُ ُ طورُة الكلامِ في التَّأريخِ دون عِْلم
لاشكَّ أنَّ الشُّروعَ في بُحُورِ التَّاريخِ، أو ا َ لخوْضَ فيه ( سواءٌ كان تأليفًا أو تحديثًا )
ليس مِنَ السَّهْلِ بمكان، وما كان مَرْتعًا خَصْبًا لكلِّ أحدٍ؛ ك ً لا !
فهذا العلامُة ابنُ خلدون رحمه الله ( ٨٠٨ ه)، يشير إلى نحو هذا الكلام  بعد أن
تكلَّمَ عن أهميةِ التاريخ  قائ ً لا : ".... فهو مُحْتاجٌ إلى مآخ َ ذ مُتَعدِّدةٍ ومَعَارفَ
مُتَنوِّعةٍ، وحُسْنِ نظرٍ وتثبُّتٍ يَفْضيانِ بصاحبِهما إلى الحقِّ ويُنكِّبان به عن المزلاَّتِ
والمغالطِ؛ لأنَّ الأخبارَ إذا اعتُمِدَ فيها على مُجَرَّدِ النَّ ْ قلِ، ولم تُحْ َ كمْ ُأصُو ُ ل العادةِ،
وقواعدُ السِّياسةِ، وطبيعُة العُمْرانِ والأحوا ُ ل في الاجتماعِ الإنساني، ولا قِيسَ الغائبُ
منها بالشَّاهدِ، والحاضرُ بالذَّاهبِ؛ فربَّما لم يُؤمنْ فيها من العُُثورِ، ومَزلَّةِ الَقدَمِ، وا َ لحيْدِ
عن جادَّةِ الصِّدْقِ .
وكثيرٌ ما وََقعَ للمؤرِّخين والمفسِّرين وأئمةِ النَّقلِ المغال ُ ط في الحكاياتِ والوقائعِ،
لاعتمادِهم فيها على مُجَرَّدِ النَّقلِ َ غًثا أو سَمْينًا، لم يَعْرِضُوها على ُأصولِها، ولا قاسُوها
بأشباهِها، ولا سَبَرُوها بمعيارِ الحكمةِ، والوُُقوفِ على طبائعِ الكائناتِ، وتَحْكيم النَّ َ ظرِ
والبصيرةِ في الأخبارِ، َفضَلُّوا عن الحقِّ وتاهوا في بَيْداءِ الوَهْمِ والغََلطِ، ولا سيما في
w w w . t h i a b . c o m
١٨
إحصاءِ الأعدادِ من الأموالِ والعساكرِ إذا عُرضت في الحكاياتِ إ ْ ذ هي مَظِنَّةُ ال َ كذِبِ
. ( ومَطيَُّة ا َ له َ ذرِ، ولا بدَّ من رَدِّها إلى الأصولِ وعرضِها على القواعدِ "( ١
فإذا عُلِمَ هذا؛ كان من الخطأ أ ْ ن نجع َ ل من التاريخِ مادًَّة سَهْلًة، ومَرْتعًا خَصْبًا لِكُلِّ
مَنْ هَبَّ ودَبَّ !
* * *
فعندئذٍ؛ نستطيعُ أن نُجْمِ َ ل التَّعام َ ل مع الأحاديثِ والآثارِ التي في كُتُبِ التاريخِ
وغيرِها في قسمين :
القسمُ الأوَّ ُ ل : ما كان منها ضعيًفا، وهذا القسمُ لا يخ ُ ل من حالتين :
الأولى : أن يكون مغمورًا ساق ً طا ليس مُتداوَ ً لا على الألسنَةِ، فمث ُ ل هذا لا يُلتفتُ
إليه بحالٍ ولا مقالٍ غالبًا.
الثانية : أن يكون مشهورًا على ألسنَةِ الناس، منشورًا في الكتُبِ الإسلامية، وهذا
أيضًا لا يخ ُ ل من ثلاثةِ أنواعٍ .
النوع الأول : أن يكون مُخالًفا للحقِّ ( القرآن، والسنة، والقواعد الشرعية )،
فهذا يجبُ ردُّه، وكشْفُ عَوَارِه .
. ( ١  "مقدمة ابن خلدون" ص ( ٩
w w w . t h i a b . c o m
١٩
النوع الثاني : أن يكون مُوافًقا للحقِّ ( القرآن، والسنة، والقواعد الشرعية )، فهذا
كان الأولى تر ُ كه واطِّراحُه، والاكتفاءُ بما صَحَّ من أدلَّةِ الحقِّ .
عِْلمًا أنَّ في ذِكْرِ هذا النَّوعِ خِلاًفا بين أهلِ العلمِ، وإن كان الرَّاجحُ تر ُ كه،
والاكْتِفَاءُ بِمَا صَحَّ مِنْ َ غيْرِه .
النوع الثالث : أن يكون سِْلمًا لا مُوافًقا ولا مخالًفا لشيءٍ من الحقِّ، فذِكْرُ مثل هذا
. النَّوعِ محلُّ خلافٍ بين أهل العلمِ ما بين : مُبيحٍ، ومانِعٍ ١
القسمُ الثاني : ما كان منها صحيحًا ثابتًا، وهذا القسمُ لا يخ ُ ل أيضًا من حالتين :
الحالُة الأولى : أن يكون مُوافًقا للحقِّ ظاهرًا وباطنًا، فهذه الحالة حقٌّ لا شِيََة فيها،
فلازمُ الحقِّ حقٌّ .
الحالُة الثانية : أن يكون ظاهرُه يُخالفُ الكتابَ، أو السُّنَة، أو القواعدَ الشرعية،
فهذه الحالُة ميدا ُ ن الرَّاسخين من أهلِ العلمِ في توجيهها، والجمعِ بينها، وبيانِ
ناسِخِها… إلخ . ومِنْ هذه المسائِلِ : الفِتْنُة!
* * *
١ انظر هذه المسألة في كُتُبِ عُلومِ الحديث، وهي : حُكْمُ رِوايةِ الحديثِ الضَّعيفِ .
w w w . t h i a b . c o m
٢٠
وقد رَسَمَ الإمامُ السُّبْكي رحمه الله ( ٧٧١ ه)، وكذا السَّخاوي ( ٩٠٢ ه)
منهجًا عِلميًا، ومَعَالِمَ مُهمًَّة كان على صاحبِ التاريخ أ ْ ن يتقيَّدَ ﺑﻬا (كتابًة أو إلقاءً )،
وقد جمعها الشيخُ محمَّدُ السُّلمي، وزادَ عليها مع التَّرتيبِ والتَّهذيبِ أشياءَ، فبلغت
عَشرَ نُقاطٍ كما يلي :
١ استعمال الدَّليلِ والوثيقةِ بعد التَّأكُّدِ من صِحَّتِها .
٢ حُسْنُ الاستدلالِ باتِّباعِ التَّنظيمِ والتَّرتيبِ المُلائمِ للأدلَّةِ، مع حُسْنِ العَرْضِ،
وتحريرِ المسائلِ .
٣ الإيما ُ ن بكلِّ ما دلَّ عليه الكتابُ والسُّنُة، ومن ذلك الإيما ُ ن بالغيبِ، وبا َ لجزَاءِ،
والحسابِ، والقضاءِ والَقدَر، وردُّ كلِّ ما خالفها .
٤ الأمانُة في اسْتِقصاءِ الأدلَّةِ وإيرادِها، مع الجمعِ والتَّرجيحِ بين الرِّواياتِ
المختلفةِ وُْفًقا للقواعِدِ المُقرَّرةِ .
٥ بيا ُ ن المَصادرِ والمراجِعِ التي أخ َ ذ عنها .
٦ الاعتِمادُ على النُّصُوصِ الشرعيَّةِ، والحقائقِ العلميَّةِ، وعدمُ الارتِباطِ بالأوهامِ
والطِّلْسِماتِ والظُّنُونِ .
٧ التَّجرُّدُ من الهوى والميلِ الذَّاتيين .
w w w . t h i a b . c o m
٢١
٨  تحكيمُ اللُّغةِ العربيَّةِ، والالتزامُ بقواعِدِها وبدلالةِ الألفاظِ؛ فلا يؤو ُ ل اللَّف ُ ظ،
. ولا يُخْرجُ عن دلالتِه دون قرينةٍ صارفةٍ صَحِيْحَةٍ ١
٩ عدمُ قَبُولِ اُلمتناقضاتِ، أي : لا يُسلِّمُ لِما يُنق ُ ل عن المشايخِ وهو مُخالفٌ
للدِّين، وإن وُجِدَ مث ُ ل هذا؛ فهو لا يخ ُ ل من أمرين، إمَّا َ كذِبٌ، أو غلطٌ .
١٠  حُسْنُ الأدبِ مع كلامِ الله سبحانه وتعالى، ومع الأنبياءِ والعلماءِ والابتعادُ
عن التَّجريحِ الشَّخصي، والاقتصارُ في النَّقدِ على بيانِ الأخطاءِ، مع الاعتذارِ لهم،
وحملِ كلامِهم على أحْسَنِ الوُجُوه ما أمكن، فهذه هي أصو ُ ل وقواعدُ البحثِ العلمي
. عند المسلمين ٢
* * *
وهذه اَلمعالمُ والقواعدُ وإ ْ ن كانت منَ الأهميَّةِ بمكان؛ إلاَّ أنَّ الأهميََّة تزدادُ وتَعْظُمُ في تَتَبُّعِ وتقصِّي
تاريخَ الفِتْنةِ التي وقعتْ بين الصَّحابةِ رضي الله عنهم، وﺑﻬذا الصَّددِ يقو ُ ل الشيخُ السُّلَميُّ : "
وكان ما دُوِّ َ ن من مِثْلِ هذه الأخبارِ عَوْنًا للمُستشرقين والحاقدين على الإسلامِ وعُلمائِه، فيما
نشرُوه من دِراساتٍ عن التاريخِ الإسلاميِّ، حتى َأخَْفوْا معاَلمه الأساسيَّةِ، وأظهروه في صورةٍ
1 انظر "كف المخطئ عن الدعوة إلى الشعر النبطي" للمؤلف، ففيه بيان فضل اللغة العربية، والتحذير من
مزاحمتها بلغةٍ أجنبيةٍ، أو محليَّةٍ !
،(٢٢/ ١٤٠ )، و" طبقات الشافعية" للسبكي ( ٢ - ٢ انظر "منهج كتابة تاريخ الإسلامي" للسُّلمي ( ١٣٩
. (٦٥- و"الإعلان بالتوبيخ" للسخاوي ( ٦٤
w w w . t h i a b . c o m
٢٢
قاتمةٍ شوْهاءَ لا تزيد على كوﻧﻬا صِراعًا على السُّلطةِ، وتَكاُلبًا على الشَّهواتِ، وفسَّرُوا
. التاريخ الإسلامي كما يَحُْلوا لهم تفسيرًا ماديًا، أو قوميًا عِْلمانيًا" ١
* * *
. (٢٧٩- ١ "منهج كتابة تاريخ الإسلامي" للسُّلمي ( ٢٧٨
w w w . t h i a b . c o m
٢٣
الباب الثاني
الفص ُ ل الأول : موضوع الفتنة، وموقعة ( الجمل، وصفِّين )
الفصل الثاني : عَدَدُ الصَّحابةِ الذين حَضَرُوا الفِتْنَة
w w w . t h i a b . c o m
٢٤
الفصل الأول
موضوع الفتنة، وموقعة ( الجمل، وصفِّين )
كان من المناسبِ أ ْ ن أكْشِفَ للقارئ الكريمِ  بادِئ ذِيْ بَدْءٍ  حقيقَة الموضوعِ
الذي دار بين الصحابةِ رضي الله عنهم .
أقول : إنَّ الموضوعَ الذي جَرَى بين الصَّحابةِ رضي الله عنهم؛ في مَوْقِعةِ ا َ لجمَلِ،
وصِفِّين مِنْ تَشَاجُرٍ وتَناحُرٍ وقِتالٍ؛ هو ما يُسَمَّى عند أهلِ التاريخِ : بأيامِ الفتنةِ !
فقد حَصَل بين الصَّحابةِ بعضُ التَّنازعِ والتَّشاجرِ ممَّا أدَّى إلى القتالِ في مَوْقِعَتَيْ :
ا َ لجمَلِ، وصِفِّينَ؛ فعند ذلك كانت لهاتين الموقِعتَيْن أثرٌ كبيرٌ في التاريخ الإسلامي، ومنه
كانت هذه المرحلُة التاريخية من أخطرِ المراحلِ تحقيًقا وتدقيًقا، تحريرًا وتنظيرًا .
وعلى هذا؛ لا نستغربُ ولا نعجبُ إذا علِمنا أنَّ مُعظمَ أهلِ الأهواءِ والبدعِ لم تُطِل
برأسِها، ولم تنطلقْ في نشرِ ضلالِها إلاَّ إبَّان هذه الفترةِ التاريخية .
* * *
كما أنَّ هذه الفترة للأسفِ لم تَقْتصِرْ على أهل الباطلِ؛ بل امْتدَّتْ إلى بعضِ
(الدُّعاةِ ) يومَ خاضوا غِمارَها دون تفتيشٍ وتحقيقٍ لأخبارِها؛ اللهمَّ سَرْدُ الأخبارِ
w w w . t h i a b . c o m
٢٥
والآثارِ من هنا وهناك؛ حتى وقعوا في تناقضاتٍ ومخالفاتٍ ما كان لها أن تنا َ ل شيًئا من
! ( أقلامِهم أو أْلسِنتِهم إلاَّ أنَّهم لم يكونوا من أهْلِ التَّحقيقِ والنَّظرِ( ١
وهم مع اجْتِهادِهم وحِرْصِهم في ا َ لجمْعِ والتَّوفيقِ بين الرِّواياتِ والأخْبارِ لم يَسَْلموا
مِنَ الخطأ والزَّللِ، وذلك يَكْمُنُ في خطأين مُعْتبرين لا يَسَعُ السُّكوتُ عنهما؛ وهما كما
يلي :
الخطأ الأول : ما يتعلَّقُ بالأخبارِ والآثارِ من حَيْثُ القَبُولِ والرَّدِّ .
عِْلمًا أنَّ ذِكْرَ هذه الأخبارِ والآثارِ التي رُوِيَتْ في هذه ا ُ لحقْبةِ الزَّمنيةِ من الأهميةِ
بمكان كما ذكرناه؛ بل كان مِنَ الوَاجبِ الاعْتِناءِ بِها أكَْثرَ ما يكو ُ ن مِنْ غيرِها، لاسيما
وأنَّ التَّاريخَ الإسلامي لم تَعَْلقْ به الشُّبُهاتُ، ويَسْرِ فيه التَّشْويه إلاَّ مُنْ ُ ذ هذه الفترةِ
الخَطِيرةِ حيث وَجَدَ أعداءُ الإسْلامِ في مِثْلِ هذه الفِتَنِ مَرْتعًا خَصْبًا ووَقْتًا مُناسِبًا في
تَحْريفِ الحَقائقِ التاريخية، وتَرْويجِ باطلِهم على اخْتِلافِ مَشَاربِهم ونِحَلِهم؛ وهو
١- هناك بعض الرسائل الجامعية ، والكتب الإسلامية قد كتبها أصحاﺑﻬا لخدمت التاريخ الإسلامي وذلك في كشف
باطله، وإخراج ما ليس منه، ومناقشة الأخبار والحوادث على ضوء الصناعة الحديثية، فجزاهم الله خيرًا، ومن ذلك
ما كتبه أستاذ التاريخ المحقق أكرم ضياء العُمري في مصنَّفاتِه، وكتاب "عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في
صدر الإسلام" لسليمان العودة ، و"أثر التشيع على الروايات التاريخية" لعبد العزيز ولي، و"مرويات أبي مِخْنَفٍ في
تاريخ الطبري" ليحي اليحي، و"استشهاد عثمان ووقعة الجمل" لخالد الغيث، و" تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة"
لمحمد أمحزون وغيرها كثير .
w w w . t h i a b . c o m
٢٦
كذلك لمن تَدَبَّرَ التاريخ الإسلامي( ١)؛ بل إخالك تَعَْلمُ أنَّ هذا اُلمنْع َ طفَ التاريخي لم يأخ ْ ذ
في ُ ظهُورِه واتِّساعِهِ إلاَّ إبَّان هذه الحقبة الخطيرة . لذا نجدُ ا َ لجهابِ َ ذَة مِنَ العلماءِ الذين
هُمْ صَيارَِفةُ الحديثِ والأخبارِ قد خَاُفوا مِنَ ا َ لخوْضِ والوُُلوجِ في ذِكْرِ ما حَصَ َ ل بين
الصحابةِ رضي الله عنهم لِمَا في ذلك من مَزَلَّةِ أْقدامٍ، ومَضَلَّةِ أفْهامٍ إلاَّ لما لا بُدَّ منه،
والضَّرورُة تَُقدَّرُ بَِقدَرِها .
لهذا كان مِنَ الوَاجِبِ العِْلمي التَّرَيُّثُ والتَّأنِي في ذِكْرِ مَا ُ ذكِرَ، وكذلك ا َ لخوْضُ في
نَبْشِ ما كان حَقَّهُ السُّكوت .
الخطأ الثاني : ما يَتَعَلَّقُ بذِكْرِ أصْلِ اَلموْضُوعِ، وهو ما حَصَ َ ل بين الصحابةِ رضي الله
عنهم من تَشَاجُرٍ وقِتَالٍ ونحوِه .
فهذا بيتُ القَصِيدِ مِنْ ذِكْرِ وكِتابةِ هذه الرِّسالةِ، إ ْ ذ هو مِنَ الخطأ بمكانٍ لِتَعَلُّقِه
بالعقيدةِ السَّلفيَّةِ، فهو ليس كسَابِقِه ممَّا له تَعَلُّقٌ بالأخبارِ ومُنَاقشةِ أسانيدِها كلاَّ !؛ بل
هو َفوْقَ ذلك .
١- هناك – للأسف – كثير من كتب التاريخ الإسلامي، لم تسلم من العبث التاريخي الذي صنعته أيدي الشيعة
وغيرهم من أهل البدعِ والأهواءِ، لا سيما كتب الأدب  ولا أدب !  ابتداءً من الأغاني، و"البيان والتَّبيُّن"،
وانتهاءً بالعقد الفريد . والله المستعان !
w w w . t h i a b . c o m
٢٧
لذا سَوْفَ أذْ ُ كرُ بعضَ ما يُسْعُِفني ذِ ْ كرُه تُجُاه هذا الموضوعِ اسْتِجْلاءً للحُكْمِ
الشَّرعي، وَلسْتُ هنا أنْتَزِعُ حُ ْ كمًا، أو أصْدُرُ رأيًا بَِقدْرِ ما أسْتَخْلِصُه من أحْ َ كامٍ وَفوَائدَ
وكلامِ أهلِ العلمِ إ ْ ن شاءَ الله تعالى . ، من كتابِ الله تعالى، وسُنَّةِ رسُولِه
* * *
ومن خلالِ هذا أحببتُ أ ْ ن أقِفَ بالمسلمِ على تحريرِ موقِعتِيْ ( الجمل وصفِّين )
تحريرًا مُختصرًا بعد التَّنقيحِ والتَّرجيحِ لأخبارهما، مستعينًا بالله تعالى ثمَّ بتحريراتِ
وتحقيقاتِ أهلِ العلمِ اُلمحقِّقين ابتداءً بشيخِ اُلمفسِّرين : محمد بن جرير الطبري
٣١٠ ه)، وانتهاءً بشيخِ الإسلامِ ومن بعده من أهل العلمِ والرُّسوخِ، كلُّ هذا )
. لأهميةِ هذه الفترةِ التاريخيةِ كما أسْلفتُ آنًفا ١
وممَّا شجَّعني أيضًا على ذِكْرِ وتحريرِ هاتين الموقِعتَيْن أنَّ بعضَ شُداةِ العلمِ من أهل
السُّنَّةِ كلَّما مَرَّوْا ﺑﻬذه ( الفتنةِ ) في كتبِ التاريخِ يقعون في حَرَجٍ وَلبْسٍ في تحريرِ بعضِ
الأخبارِ والآثارِ؛ مع ما تُبْقِيهِ مِنْ سَؤُلاتٍ ومحاراتٍ تَ ْ فتَقرُ عندهم إلى إجاباتٍ وإحالاتٍ!
١ ومن أحسنِ ما وقفتُ عليه من الكتبِ العلمية المُحرِّرةِ في شأنِ الصحابةِ؛ لا سيما موقعة ( الجمل وصفِّين ) ما
كتبه الأخ محمد أمحزون في كتابه المفيد "تحقيق مواقف الصحابةِ في الفتنة من مرويات الطبري"، فقد قام حفظه الله
بتحريرٍ وتحقيقٍ علمي مع توجيه الروايات، وكذا ناصر بن علي الشيخ في كتابِه الفذِّ " عقيدة أهل السنة والجماعةِ
في الصحابةِ"، و"استشهاد عثمان ووقعة الجمل" لخالد الغيث، وغيرهم كثير .
w w w . t h i a b . c o m
٢٨
كما أنَّني هنا لم أكنْ ( ابنُ جَلا و َ طلاَّعُ الثَّنايا ) في تحرير هذه الفترةِ؛ اللهمَّ ناقلٌ مع
بعضِ التَّقديمِ والتَّأخيرِ، والتَّنقيحِ والتَّرجيحِ على قواعدِ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ.
وأخيرًا؛ دونك أخي المسلم هاتين اَلموْقِعَتَيْن ( الجمل، وصفِّين ) بعد تحريرٍ واختصارٍ،
والله أسأ ُ ل أن أكون قد قرَّبْتُ لك الطَّريقَ، وذللَّتُ لك السَّبيل، فإلى اَلموْعُوْدِ .
* * *
w w w . t h i a b . c o m
٢٩
( موقعة ا َ لجمَلِ( ١
لقد دَارَتْ رَحا ا َ لحرْبِ فيها بين عليٍّ رضي الله عنه ومن معه، وبين أمِّ المؤمنين
عائشَة وطلحَة والزُّبيرِ رضي الله عنهم ومن معهم، وكانت سنة ( ٣٦ ه).
لمَّا وقع قت ُ ل عثمان  رضِيَ اللهُ عَنْهُ  بعد أيامِ التَّشريق سنة ( ٣٥ ه) كان
ُأمَّهاتُ المؤمنين قد خرجنَ إلى الحجِّ في هذا العامِ فِرارًا من الفِتْنةِ، فلمَّا  أزواجُ النَّبيِّ
بلغ الناسَ أنَّ عثما َ ن قد ُقت َ ل أَقمْنَ بمكََّة، وقد تجمَّعَ بمكَّة خَلْقٌ كثيرٌ وجمٌّ غفيرٌ من
سادات الصحابة، منهم طلحة والزُّبير حي ُ ث استأذنا عليًا في الاعتِمارِ فأذ َ ن لهما،
فخرجا إلى مكََّة وتبعهما كثيرٌ من الناسِ، وكذا قدِمَ إلى مكَة ابنُ عُمرَ، ومن اليمنِ
يعلى بن ُأميَّة عام ُ ل عثمان عليها، وعبدُ الله بنُ عامرٍ عامُله على البصْرةِ، ولم يزلِ الناس
حينذاك يفِدُون على مكََّة، ولمَّا كثروا فيها قامت فيهم ُأمُّ المؤمنين عائشُة رضي الله
عنها، فحثَّتْهم على القيامِ بطلبِ دمِ عثمان، وذكرتْ ما افتاتَ به أولئك من قتْلِه في
وقد سفكوا الدِّماءَ وأخذوا  بلدٍ حرامٍ وشهرٍ حرامٍ، ولم يَرْقُبُوا جَوارَ رسولِ الله
الأموا َ ل، فاستجابَ الناسُ لها، وطاوعوها على ما تراه من الأمرِ بالمصلحةِ، وقالوا لها :
،(٤٥٦/ ١٨٢ )، و"تاريخ الطبري" ( ٤ / ١ انظر وقعة الجمل "تاريخ خليفة" ( ١٨١ )، و"تاريخ اليعقوبي" ( ٢
. (١٥٣/ ٢٣٠ )، و"تاريخ ابن خلدون" ( ٢ / و"البداية والنهاية" لابن كثير ( ٧
w w w . t h i a b . c o m
٣٠
حيُثما سِرْتِ سِرْنا معكِ، وبعد أ ْ ن تعدَّدتْ آراؤهم في تحديدِ الجهةِ التي يَسِيرون إليها
أجمعوا على الذَّهابِ إلى البصرةِ، فلمَّا أتَوْا البصرَة منعهم من دخولِها عثمان بن حَنيفٍ
عام ُ ل عليٍّ عليها حينذاك، وجرتْ بينه وبينهم مُراسلةٌ ومُحاورةٌ … ثمَّ ما لبثوا أن
اصْطلحوا بعد ذلك إلى أ ْ ن يَقْدِمَ عليٌّ رضي الله عنه؛ لأنَّه بلغهم أنَّه متوجِّهٌ إليهم …
فأخ َ ذ عليٌّ رضي الله عنه في الاتِّجاهِ بعدهم في جمعٍ كبيرٍ قاصدًا الشام، وهو يرجو أ ْ ن
يُدْرِ َ كهم قب َ ل وُصُولِهم إلى البصرةِ، فلمَّا علِمَ أنَّهم قد فاتُوه، اسْتَمرَّ في طريقِه إليهم
. قاصدًا البصرَة من أرضِ العراقِ ١
كما استنَفرَ عليٌّ رضي الله عنه أه َ ل الكوفة لِيَلْحَقُوا به، وقد استجاب للنفير كثيرٌ
من الناس وعلى رأسهم الحسنُ بن علي وعمار بن ياسر …، وَقدِمُوا على عليٍّ رضي
الله عنه فتلقَّاهم بذِي َقارٍ ٢ إلى أثْناءِ الطَّريقِ في جماعةٍ، منهم ابنُ عباسٍ فرحَّبَ ﺑﻬم،
وقال : يا أه َ ل الكوفةِ أنتم لقيتُم مُُلوكَ العَجَمِ وَفضَضْتُم جُمُوعَهم، وقد دَعَوْتُكم
لتشْهَدُوا معنا إخْواننا من أهلِ البصرةِ، فإ ْ ن يَرْجِعُوا فذاك الذي نُرِيدُه، وإ ْ ن أبَوْا
٢٢٢ )، و"البداية - ٢٢١/ ٤٥٥ )، و"الكامل" لابن الأثير ( ٣ / ١ "تاريخ الأمم والملوك" لابن جرير الطبري ( ٤
. (٢٥٥/ والنهاية" لابن كثير ( ٧
٢ ذو قار : ماءٌ لبكرِ بن وائلٍ، قريبٌ من الكوفة بينها وبين واسط … وفيه كانت الوقع ُة المشهور ُة بين بكرِ بنِ
. (٢٩٣/ وائلٍ، والفُرْسِ "معجم البلدان" لياقوت الحموي ( ٤
w w w . t h i a b . c o m
٣١
دَاوَيْناهم بالرِّفْقِ حتى يبدؤنا بالظُّْلمِ، ولنْ نَدَعَ أمرًا فيه صَلاحٌ إلاَّ آَثرْناه على ما فيه
. الفَسَادُ إن شاء الله تعالى ١
* * *
وفي هذا توضيحٌ لمقْصَدِ أميرِ المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه، وأنَّ مَ ْ قصدَه الأوَّ َ ل
والأخيرَ : هو َ طَلبُ الإصْلاحِ، وأنَّ القِتا َ ل كان غيرُ مُحَبَّبٍ إليه، لا سِيَّما مع إخْوانِه
وهكذا كان مَقْصَدُ ُأمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، البرَرَةِ أصْحابِ رسولِ الله
وطلحَة والزُّبيرِ مِنْ خُرُوجِهم مِنْ مكَة إلى البَصْرةِ مِنْ أرْضِ العِراقِ : هو الْتِمَاسُ
الإصْلاحِ بين المسلمين بأمرٍ يَرْتَضِيه َ طرَفا النِّزَاعِ، ويُحْسَمُ به الاخْتِلافُ، وتَجْتَمِعُ به
كلمُة المسلمين، ولم يَخْرُجُوا مُقاتلين ولا دَاعين لأحَدٍ منهم لِيُوَلُّوه الخلافَة، وهذا ما
َقرَّرَهُ العُلماءُ من أهلِ السنَّةِ .
قال ابنُ حزمٍ رحمه الله : " وأمَّا ُأمُّ المؤمنين والزُّبيرُ وطلحُة رضي الله عنهم، ومن
معهم فما أبْ َ طُلوا قَطُّ إمامَة عليٍّ، ولا َ طعَنُوا فيها، ولا ذكروا فيه جَرْحًَة تَحُطُّه عن
الإمامةِ، ولا أحْدَُثوا إمامًة ُأخْرى، ولا حَدَّدُوا بيعًَة لغيرِه هذا ما لا يَقْدِرُ أ ْ ن يَدَّعيه أحَدٌ
٢٣٢ )، و"البداية – ٢٢٧/ ٤٧٨ )، و"الكامل" لابن الأثير ( ٣ – ٤٧٧/ ١ "تاريخ الأمم والملوك" للطبري ( ٤
. (٢٥٨ – ٢٥٧/ والنهاية" لابن كثير ( ٧
w w w . t h i a b . c o m
٣٢
بوجْهٍ من الوُجُوهِ؛ بل يَقْ َ طعُ كُلُّ ذِي علمٍ على أنَّ كُلَّ ذلك لم يكنْ، إذ لا شكَّ في كُلِّ
هذا َفَقدْ صَحَّ صِحًَّة ضَرُوريًة لا إشْكا َ ل فيها أنَّهم لم يَمْضُوا إلى البصرَةِ لحربِ عليٍّ،
ولا خِلاًفا عليه، ولا نَ ْ قضًا لبيعَتِه، ولو أرادوا ذلك لأحْدَُثوا بَيْعًَة غيرَ بيعتِهِ، هذا ممَّا لا
يَشُكُّ فيه أحَدٌ، ولا يُنْكِرُه أحدٌ .
َفصَحَّ أنَّهم إنَّما نَهَضُوا إلى البصرةِ لسَدِّ الَفتْقِ الحادِثِ في الإسْلامِ مِنْ َقتْلِ أميرِ
المؤمنين عثمان رضي الله عنه ُ ظْلمًا، وبُرْها ُ ن ذلك أنَّهم اجْتَمَعُوا ولم يَ ْ قتَتُِلوا ولا
تَحَارَبُوا!، فلمَّا كان اللَّي ُ ل عَرَفَ قَتَلُة عثما َ ن أنَّ الإرا َ غَة ( أي : الطَّلب )، والتَّدبيرَ
عليهم َفبَيَّتُوا عَسْكرَ طلحَة والزُّبيرِ، وبَ َ ذلُوا السَّيفَ فيهم َفدََفعَ القومُ عن أنُْفسِهِم في
دَعْوى حتى خَالطوا عَسْ َ كرَ عليٍّ فدََفعَ أهُْلهُ عن أنْفُسِهِم، وكلُّ طائفةٍ تظنُّ ولا شَكَّ أنَّ
الأخْرى بُدِئ ﺑﻬا بالقِتالِ، واختَل َ ط الأمرُ اخْتِلا ً طا لم يَ ْ قدِرْ أحدٌ على أكَْثرِ مِنَ الدِّفاعِعن
نَفْسِه، والَفسََقةُ مِنْ قَتَلةِ عثما َ ن لا يَفْتَرُون مِنْ شَنِّ ا َ لحرْبِ وإضْرامِه!، فكلتا الطَّائفتين
. مُصِيبةٌ في َ غرَضِها ومَقْصَدِها مُدَافِعًة عن نَفْسِها" ١
وكذا يُقرِّرُ هذا اَلمقْصَدَ الذي لأجلِه خرجتْ عائشة ومن معها من مكَة إلى البصرةِ
أبُو بَكْرٍ ابنُ العَرَبِيِّ  رَحِمَهُ اللهُ  بقوله : " ويُمْكِن أنَّهم خَرَجُوا في جَمْعِ َ طوائفِ
. (١٥٨/ ١ "الفِصَلُ في المللِ والأهواءِ والنِّحلِ" لابن حزمٍ ( ٤
w w w . t h i a b . c o m
٣٣
المسلمين، وضَمِّ نَشْرِهم، ورَدِّهم إلى قانُونٍ واحِدٍ حتى لا يَضْ َ طربُوا َفيَ ْ قتَتُِلوا، وهذا هو
. الصَّحيحُ لاشيءَ سِواه" ١
وهذا ما يؤكِّدُه ابنُ حجرٍ رحمه الله أنَّ عائشَة رضي الله عنها ما خرجت إلاَّ
للإصْلاحِ : " ويدلُّ لذلك أنَّ أحَدًا لم يَنُْق ْ ل أنَّ عائشَة ومن معها نازَعُوا عليًا في الخلافةِ،
. ولا دَعُوا إلى أحدٍ منهم لِيُوَلُّوه الخلافَة" ٢
وكذا قال شيخ الإسلامِ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : " وبل َ غ الخبرُ (مقتل
عثمان) عائشَة، وهي حاجَّةٌ ومعها طلحُة والزُّبيرُ، فخرجوا إلى البصْرةِ يُريدون
. الإصْلاحَ بين الناسِ، واجْتِماعَ الكلمةِ" ٣
* * *
فأه ُ ل السُّنةِ والجماعةِ مُجْمِعُون على أنَّ ُأمَّ المؤمنين عائشَة رضي الله عنها ما
َقصَدَتْ بِخُرُوجِها إلى البَصْرةِ إلاَّ الإصْلاحِ بين بَنِيْها من المسلمين ٤، وﺑﻬذا وردت أخبارٌ
منها :
. ( ١ "العواصم من القواصم" لابن العربي ( ١٥١
. (٥٦/ ٢ "فتح الباري" لابن حجر ( ١٣
. ( ٣ "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم" لمحمد بن عبد الوهاب ( ٢٥١
. (٧٠٧- ٤ انظر "عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة" لناصر الشيخ ( ٧٠٤
w w w . t h i a b . c o m
٣٤
" أنَّ عليًا رضي الله عنه لمَّا نَزَ َ ل بذي قارٍ دَعَا الَقعْقاعَ بنَ عمرٍو، فأرْسََله إلى أهلِ
البصرةِ، وقال له : الْقِ هذين الرَّجُلين ( طلحة والزبير ) يا ابنَ الحنْظَليَّةِ فادْعُهُما إلى
الأُْلفةِ والجماعةِ، وعَظِّمَ الفُرَْقَة .. فخرجَ القعقاعُ حتى َقدِمَ البصرَة فبدأ بعائشَة رضي
الله عنها فسلَّمَ عليها، وقال : أيْ ُأمَّه! ما أشْخَصَكِ وما أقْدَمَكِ هذه البَلْدََة ؟
قالت : أيْ بُنَيَّ إصْلاحٌ بين الناسِ، قال : فابْعَثِي إلى طلحَة والزبيرَ حتى تَسْمَعِي
كلامِي وكلامَهُمَا، فبعثتْ إليهما فجاءا فقال : إنِّي سألْتُ ُأمَّ المؤمنين ما أشْخَصَها
وأقْدَمَها هذه البلادَ ؟
فقالتْ : إصْلاحٌ بين الناسِ، فما تَُقولان أنْتُما ؟ أمُتَابِعَانِ أم مُخَالِفَانِ ؟
قالا : مُتَابعانِ، قال : فأخْبِراني ما وَجُهْ هذا الإصْلاحِ ؟ فوالله لئن عَرَْفنَاه َلنُصْلِحَنَّ،
ولإ ْ ن أنْ َ كرناه لا نُصْلِحُ، قالا : َقتََلةُ عثما َ ن رضي الله عنه!، فإنَّ هذا إ ْ ن تُرِكَ كان تَرْ ً كا
. للقرآن" ١
فلمَّا رَجَعَ القعقاعُ بنُ عمرٍو إلى عليٍّ رضي الله عنه أخْبَرَه أنَّ أصْحابَ الجملِ
اسْتَجابُوا إلى ما بَعََثهُ به إليهم  فأذْعَنَ عليٌّ لذلك، وبع َ ث إلى طلحَة والزبيرِ يقول : "
٢٣٣ )، و"البداية / ٤٤٨ )، و"الكامل" لابن الأثير ( ٣ / ١ انظر "تاريخ الأمم والملوك" لابن جرير الطبري ( ٤
. (٢٥٩/ والنهاية" لابن كثير ( ٧
w w w . t h i a b . c o m
٣٥
إ ْ ن كنتم على ما فارْقتُم عليه القعقاعَ بنَ عمرٍو َف ُ كفُّوا حتى نَنْزِ َ ل َفنَنْظُرَ في هذا الأمْرِ،
. فأرْسَلا إليه : " إنَّا على ما فارقنا عليه القعقاعَ بنَ عمرٍو مِنْ الصُّلْحِ بين الناسِ" ١
ففي هذه الأخبارِ دليلٌ واضحٌ على أنَّ ُأمَّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها ومن معها
لم ي ْ قصدُوا بِخُرُوجِهم تَ ْ فريًقا بين المسلمين كما يزعُمُ ذلك مُبْغِضُوا الصَّحابة مِنَ
الرَّافضةِ، وإنَّما الغَرَضُ الذي كانوا يريدونه : هو الإصلاح بين الناسِ !
* * *
كما أنَّ الذين طلبوا ا ُ لخرُوجَ من ُأمِّ المؤمنين عائشَة، وهم طلحُة والزُّبيرُ ومن معهما
أنَّهم كانوا يُعَلُِّقو َ ن آما ً لا على خُرُوجِها في حَسْمِ الاخْتِلافِ، وجَمْعِ ال َ كلِمةِ، ولم يَخْ ُ طرْ
على بالِهم َقتْلُ أحَدٍ؛ لأنَّهم ما أرادوا إلاَّ الإصْلاحَ ما اسْتَطاعُوا !
وعلى هذا يقو ُ ل أبو بكر ابن العربي : " فخرجَ طلحُة والزُّبيرُ وعائشُة ُأمُّ المؤمنين
رضي الله عنهم رَجَاءَ أ ْ ن يَرْجِعَ الناسُ إلى ُأمِّهم، َفيُرَاعُوا حُرْمََة نَبِيِّهم، واحْتَجُّوا عليها
عندما حاوَلتْ الامْتِناعَ بقولِ الله تعالى : "لا خيرَ في كثيرٍ من نجواهم إلا من أمر بصدقة
قد خَرَجَ  أو معروف أو إصلاح بين الناس"[النساء ١١٤ ]، ثم قالوا لها : إنَّ النبيَّ
. (٢٦١/ ١ انظر "البداية والنهاية" لابن كثير ( ٧
w w w . t h i a b . c o m
٣٦
في الصُّلحِ وأرْسَ َ ل فيه، َفرَجَتِ المَُثوبََة واغْتَنَمَتِ الُفرْصََة، وخرجَتْ حتى بََلغَتْ الأُقْضِيَةُ
. مََقادِيرَها" ١
وكذا قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية " فإنَّ عائشَة لم تَُقاتِ ْ ل، ولم تَخْرُجْ لِقِتَالٍ، وإنَّما
خَرَجتْ بَِقصْدِ الإصْلاحِ بين المسلمين … لا قاتََلتْ، ولا أمَرَتْ بقتالٍ هَ َ كذا َ ذ َ كرَ غيرُ
. واحدٍ من أهلِ المعرَِفةِ بالأخْبارِ" ٢
وقال الحاف ُ ظ ابنُ حجرٍ رحمه الله مُبينًا الَقصْدَ الذي خرجتْ من أجْلِه عائشُة رضي
الله عنها هي ومن معها بقولِه : " والعُذْرُ في ذلك عن عائشَة أنَّها كانت مُتأوِّلًة هي
وطلحُة والزبيرُ، وكان مُرَادُهم إيقاعَ الإصْلاحِ بين الناسِ، وأخْ َ ذ القَصَاصِ من َقتَلةِ
عثما َ ن رضي الله عنهم أجمعين، وكان رأيُ عليٍّ : الاجتماعَ على الطَّاعةِ، و َ طَلبَ أولياءِ
. المَقْتُولِ القَصَاصَ ممَّنْ يَثْبُتُ عليه الَقتْلُ بِشُرُوطِه" ٣
* * *
. ( ١ "العواصم من القواصم" لابن العربي ( ١٥٢
. (١٨٥/ ٢ "منهاج السنة" لابن تيمية ( ٢
. (١٠٨/ ٣ "فتح الباري" لابن حجر ( ٧
w w w . t h i a b . c o m
٣٧
فلا مَقْصَدَ إذن مِنْ خروجِ ُأمِّ المؤمنين عائشَة رضي الله عنها هي ومن مَعَها من
الصَّحابةِ مِنْ مكَة إلى البَصْرةِ : إلاَّ بُغْيَة الإصلاحِ بين المسلمين، ولم تَخْرُجْ لقتالٍ، ولا
أمَرَتْ به .
ثم إنَّ إرادَة الصُّلحِ لم يكن من جانبِ عائشَة رضي الله عنها هي ومن معها فحَسْبُ؛
بل كان أيضًا إرادَة عليٍّ رضي الله عنه ومن معه، وقد تََقدَّمَ معنا قريبًا أنَّ عليًا رضي
الله عنه عندما بعث إلى طلحَة والزُّبيرِ يقول : " إ ْ ن كنتم على ما فارْقتُم عليه القعقاعَ
بنَ عمرٍو َف ُ كفُّوا حتى نَنْزِ َ ل َفنَنْظُرَ في هذا الأمْرِ، فأرْسَلا إليه : " إنَّا على ما فارقنا عليه
القعقاعَ بنَ عمرٍو مِنْ الصُّلْحِ بين الناسِ" ١. ولمَّا كان جوابُهم على عليٍّ رضي الله عنه
ﺑﻬذا " اطْمأنَّتِ النُّفُوسُ وسَ َ كنتْ واجْتَمَع كُلُّ َفريقٍ بأصحابِه مِنَ ا َ لجيْشَيْنِ فلمَّا أمْسَوْا
بَعَ َ ث عليٌّ عبدَ الله بنَ عباسٍ إليهم، وبعُثوا إليه محمَّدَ بنَ طلحَة السَّجَّادَ وعَوَُّلوا جميعًا
. على الصُّلحِ، وباتُوا بخيرِ ليلةٍ، لم يَبِيْتُوا بِمِثْلِها للعافِيَةِ" ٢
" ولمَّا أرسلتْ أمُّ المؤمنين عائشُة رضي الله عنها إلى عليٍّ رضي الله عنه تُعْلِمُه أنَّها
إنَّما جاءتْ للصُّلْحِ َفرِحَ هؤلاء وهؤلاء لاتَِّفاقِهم على رأيٍ واحدٍ : وهو الصُّلحُ، ولمَّا
. (٢٦١/ ١ انظر "البداية والنهاية" لابن كثير ( ٧
٢٤٢ )، و"البداية والنهاية" لابن / ٦)، و"الكامل" لابن الأثير ( ٣ -٥/ ٢ انظر "تاريخ الأمم والملوك" للطبري ( ٤
.(٢٦١/ كثير ( ٧
w w w . t h i a b . c o m
٣٨
رجعَ القعقاعُ بنُ عمرٍو مِنْ عندَ ُأمِّ المؤمنين وطلحَة والزُّبيرِ بِمِثْلِ رأيهم" جَمَعَ عليٌّ
وذكرَ  الناسَ ثمَّ قام خطيبًا فيهم : فحمد الله عزَّ وجلَّ وأثنى عليه وصلَّى على النبيِّ
الجاهليَة وشقاءها، والإسلامَ والسَّعادَة وإنْعَامَ الله على الأمَّةِ بالجماعةِ بالخليفَةِ بعد
ثمَّ الذي يليه، ثمَّ حَدَ َ ث هذا ا َ لحدَثُ الذي جَرَّه على هذه الأمةِ أقوامٌ ، رسولِ الله
َ طَلبُوا هذه الدُّنيا، حَسَدُوا مَنْ أفاءها الله عليه على الفضيلةِ، وأرادوا رَدَّ الأشياءِ على
أدْبارِها، والله بالغٌ أمْرَه، ومُصيبٌ ما أراد؛ ألا وإنِّي راحِلٌ غدًا فارْتَحُِلوا، ألا ولا
. يَرْتَحَِلنَّ معي أحَدٌ أعَا َ ن على َقتْلِ عثما َ ن في شيءٍ من ُأمُورِ الناسِ" ١
وهكذا بات الصُّلحُ بين الفريقين محلَّ اتِّفاقٍ، وذلك في وُجُوبِ إقامةِ الحدِّ، وتنفيذِ
القَصَاصِ في قتلةِ عثما َ ن، ولم يخ ُ طرْ القتا ُ ل على بالِ أحَدٍ منهم، ولكنَّ اُلم ْ فسدين في
الأرْضِ الذين قتلوا عثما َ ن رضي الله عنه أصابَهُم الغَمُّ وأدْرَكهم ا َ لحزَنُ مِنِ اتِّفاقِ
الكلمةِ، وجَمْعِ الشَّملِ، وأيَْقنُوا أنَّ الصُّلحَ هذا سيكْشِفَ أمْرَهم، وسَيُسَلِّم رُؤوسَهم
إلى سيفِ الحقِّ، وقَصَاصِ الخليفةِ، فباتُوا يُدبِّرُون أمْرَهم بليلٍ، فلم يَجِدُوا سبي ً لا
لنجاتِهم إلاَّ بأ ْ ن يَعْمَلُوا على إبْطالِ الصُّلحِ، وتفريقِ صُُفوفِ المسلمين !
.(٢٦٠/ ٤٩٣ )، و"البداية والنهاية" لابن كثير ( ٧ / ١ "تاريخ الأمم والملوك" للطبري ( ٤
w w w . t h i a b . c o m
٣٩
"كما قضَّ مَضَجَعَهم قو ُ ل عليٍّ رضي الله عنه في خُ ْ طبتِه التي ذكرناها آنًفا : ألا
وإنِّي راحِلٌ غدًا فارْتَحُِلوا، ألا ولا يَرتَْحَِلنَّ معي أحَدٌ أعَا َ ن على َقتْلِ عثما َ ن في شيءٍ من
. ُأمُورِ الناسِ" ١
* * *
" فلمَّا قال هذا اجْتَمَعَ من رؤوسِهم جماعةٌ : كالأشْتَرِ النَّخَعِي، وشُريحُ بنُ أوفى، وعبدُ
الله بنُ سبأ - المعروفُ بابنِ السَّوْداءِ -، وساُلم بنُ َثعَلبَةَ، وعلياءُ بنُ الهيثمِ وغيرُهم في
ألفين وخمسمائة، وليس فيهم صحابيٌّ  ولله الحمدُ  فقالوا : ما هذا الرأيُ ؟ وعليٌّ
واللهِ أعَْلمُ بكتاب الله ممَّنْ يَطْلُبُ َقتََلَة عثما َ ن، وأقْرَبُ إلى العَمَلِ بذلك، وقد قال ما
سمعْتُم غدًا يجمعُ عليكم الناسَ، وإنَّما يُريدُ القومُ ُ كلُّهم : أنتم! فكيف بكم وعَدَدُكم
قليلٌ في َ كثْرَتِهم ؟
فقال : الأشترُ : قد عَرَفنا رأيَ طلحَة والزُّبيرَ فينا، وأمَّا رأيُ عليٍّ فلم نَعْرِْفه إلى
اليومِ؛ فإ ْ ن كان اصْطَلحَ معهم فإنِّما اصْ َ طلحُوا على دِمائِنا، فإن كان الأمرُ هكذا ألحقنا
عليًا بعثما َ ن، َفرَضِيَ القومُ منَّا بالسُّكوتِ، فقال ابنُ السَّوداءِ : بئسَ ما رأيتَ لو
.(٢٦٠/ ٤٩٣ )، و"انظر البداية والنهاية" لابن كثير ( ٧ / ١ "تاريخ الأمم والملوك" للطبري ( ٤
w w w . t h i a b . c o m
٤٠
قتلناهم ُقتِْلنا، فإنَّا يا معشرَ قتلة عثما َ ن في ألفين وخمسمائة، وطلحُة والزُّبيرُ وأصحابُهما
في خمسة آلافٍ، لا طاقَة لكم ﺑﻬم، وهم إنَّما يُرِيدُونَكم !
فقال علياءُ بنُ الهيثم : دَعُوهم وأرْجِعُوا بنا حتى نَتَعَلَّقَ ببعضِ البلادِ فنَمْتَنِعَ ﺑﻬا،
فقال : ابنُ السَّوداءِ : بئسَ ما ُقلتَ، إ ً ذا واللهِ كان يَخْ َ طُف ُ كم الناسُ، ثمَّ قال ابنُ
السَّوداءِ : يا قومُ إنَّ عِزَّكم في خَلْ َ طةِ الناسِ، فإذا اْلتَقى الناسُ فأنْشِبُوا ا َ لحرْبَ والقِتَا َ ل
بين الناسِ، ولا تَدَعُوهم يَجْتَمِعون، فمَنْ أنتم معه لا يَجِدُ بُدًا مِنْ أن يَمْتَنِعَ، ويَشْغُ َ ل اللهُ
طلحَة والزبيرَ ومن معهما عمَّا يُحبُّون، ويأتيهم ما يكرهون، فأبْصَرُوا الرأيَ وتََفرَّقُوا
. عليه" ١
فاجتمعوا على هذا الرأيَ الذي تََفوَّه به الخبي ُ ث عبدُ الله بنُ سبأ اليهوديُّ، " َفغَدَوْا
مع الغََلسِ وما يشعُرُ ﺑﻬم جيرانُهم، فخرجوا مُتَسلِّلين وعليهم ُ ظْلمةٌ، فخرجَ مَضَرِيُّهم
إلى مَضَرِيِّهم، ورَبِيعُهم إلى رَبِيعِهم، ويَمَانِيُّهم إلى يَمَانِيِّهم، َفوَضَعُوا فيهم السِّلاحَ بَغْتًَة،
فثارَ أه ُ ل البصرةِ، وثارَ كلُّ قومٍ في وُجُوه أصحابِهم الذين أتَوْهُم، وبلغ طلحَة والزُّبيرَ
ما وََقعَ من الاعتداءِ على أهلِ البصرةِ، فقالا : ما هذا ؟ قالوا : َ طرََقنا أه ُ ل الكوفةِ لي ً لا،
وفي نفسِ الوقْتِ حَسَبَ خِطَّةِ أولئك المفسدين َ ذهَبتْ منهم فِرقْةٌ ُأخْرى في ُ ظلْمةِ اللَّيلِ
.(٢٦٠/ ١ "البداية والنهاية" لابن كثير ( ٧
w w w . t h i a b . c o m
٤١
ففاجأتْ مُعَسْكرَ عليٍّ بوضعِ السَّيفِ فيهم، وقد وَضَعتِ السَّبئيَُّة رج ً لا قريبًا من عليٍّ
يُخْبِرُه بما يُرِيدُون فلمَّا سَمِعَ عليٌّ الصَّوتَ عندما هَجَمُوا على مُعَسْ َ كرِه قال : ما هذا ؟
. قال ذلك الرَّجُ ُ ل : ما شَعَرْنا إلاَّ وقومٌ من أهلِ البَصْرةِ قد بَيَّتُونا" ١
فثارَ كلُّ فريقٍ إلى سلاحِه، وَلبِسُوا اللأْمََة ورَكِبُوا الخيو َ ل، ولا يَشْعُرُ أحدٌ منهم بما
وقع الأمرُ عليه في نفس الأمرِ، وكان أمرُ الله قدرًا مَقْدورًا، وقامتِ الحربُ على َقدَمٍ
وساقٍ!، وتبارَزَ الُفرْسان، وجالتِ الشُّجعان، َفنَشِبَتِ الحربُ وتَوَافقَ الفريقان، وقد
اجتمع مع عليٍّ عشرون ألًفا، واْلتَفَّ على عائشَة ومن معها نحو من ثلاثين ألًفا، فإنَّ لله
وإنَّا إليه راجعون!، والسبئيَُّة أصحابُ ابنُ السَّوداءِ – َقبَّحَه الله – لا يَفْتَرُون عنِ
الَقتْلِ، ومُنادِي عليٍّ يُنادي : ألا كُفُّوا، ألا ُ كفُّوا!، فلا يسمعُ أحَدٌ ٢، فاشْتدَّتِ المعركُة
وحَمِيَ الوَطِيسُ، " وقد كان من سُنَّتِهم في هذا اليومِ أنَّه لا يُ َ ذفَّفُ ( لا يُجْهَزُ عليه )
على جَريحٍ، ولا يُتَّبَعُ مُدْبرٌ، وقد قُتِ َ ل من هذا خَلْقٌ كثيرٌ جدًا" ٣، حتى حَزِ َ ن عليٌّ رضي
الله عنه أشدَّ ا ُ لحزُنِ، وجَعَ َ ل يقول لابنِه ا َ لحسَنِ : يا بُنَيَّ َليْتَ أباكَ ماتَ مُنْ ُ ذ عشرين
٢٤٢ )، و"البداية والنهاية" / ٥٠٧ )، و"الكامل" لابن الأثير ( ٣ – ٥٠٦/ ١ "تاريخ الأمم والملوك" للطبري ( ٤
. (٥٦/ ٢٦٢ )، و"فتح الباري" لابن حجر ( ١٣ – ٢٦١/ لابن كثير ( ٧
. (٢٦٢/ ٢ "البداية والنهاية" لابن كثير ( ٧
٣ السابق .
w w w . t h i a b . c o m
٤٢
سنةٍ، فقال له : يا أبَه، قد ُ كنْتُ أنْهاكَ عن هذا!، قال : يا بُنَيَّ إنِّي لم أرى أنَّ الأمرَ يَبْلُغُ
. هذا!" ١
* * *
ثمَّ نَزَ َ ل بن ْ فسِه إلى ميدانِ المعركةِ لإنْهاءِ القتالِ، " وطلبَ طلحَة والزُّبيرَ لِيُ َ كلِّمَهما
فاجتمعوا حتى الْتََقتْ أعناقُ خُيُولِهما، فذكَّرَهما بما َ ذكَّرَهما به فانْتَهى الأمرُ بِرُجُوعِ
الزُّبيرِ يومَ الجملِ، وفي أثناء رجوعِه رضي الله عنه، " نز َ ل وادِيًا يُقا ُ ل له : وادي
. السِّباعِ، فاتَّبَعَهُ رجلٌ يُقا ُ ل له : عمرُو بنُ جُرْمُوزٍ، فجاءه وهو نائمٌ فقتََله غِيَْلًة" ٢
وأمَّا طلحُة رضي الله عنه فإنَّه بَعْدَ " أن اجتمعَ به عليٌّ َفوَعَ َ ظه تأخَّرَ َفوََقفَ في بعضِ
الصُُّفوفِ فجاءَه سَهْمٌ غَربٌْ َفوََقعَ في رُ ْ كبتِه ( وقي َ ل في رََقبَتِه والأوَّ ُ ل أشْهَرُ )، فانْتَ َ ظمَ
السَّهمُ رِجَْله مع فرسِه َفجَمَحَتْ به الَفرَسُ، وجع َ ل يقو ُ ل : إليَّ عبادَ الله، إليَّ عبادَ الله،
فأدْرَ َ كهُ مو ً لى له َفرِ َ كبَ وراءَه فأدْخََله البَصْرََة، فماتَ بدارٍ فيها، ويقال : إنَّه ماتَ
. باَلمعْركةِ" ٣
.(٢٦٢/ ١ "البداية والنهاية " لابن كثير ( ٧
٢٦٤ )، و"الرياض النضرة في / ٥٣٥ )، و"البداية والنهاية" لابن كثير ( ٧ / ٢ "تاريخ الأمم والملوك" للطبري ( ٤
.(٢٨٨/ مناقب العشرة" للمُحب الطبري ( ٤
.(٢٦٦/ ٢٧٠ ، ٢٦٤ )، و"الرياض النضرة" للمحب الطبري ( ٤ / ٣ "البداية والنهاية" لابن كثير ( ٧
w w w . t h i a b . c o m
٤٣
وأمَّا عليٌّ رضي الله عنه " أقامَ بظاهِرَةِ البصرةِ ثلاًثا، ثمَّ صلَّى على الَقتْلى من
الَفرِيقين … ثمَّ جَمَعَ ما وَجَدَ لأصْحَابِ عائشَة في اُلمعَسْكرِ، وأمَرَ به أ ْ ن يُحْمَ َ ل إلى
مسجدِ البصرةِ؛ َفمَنْ عَرَفَ شيًئا هو لأهْلِهم فليأخُ َ ذه، إلاَّ سِلاحًا كان في ا َ لخزَائنِ عليه
. سِمُة السُّلطان" ١
" ولمَّا أرادتْ أمُّ المؤمنين عائشُة ا ُ لخرُوجَ مِنَ البصرةِ بَعَ َ ث إليها عليٌّ رضي الله عنه
بكُلِّ ما يَنْبَغِي مِنْ مَرْكبٍ وزادٍ ومتاعٍ وغيرِ ذلك، وأذِ َ ن لِمَنْ نَجَا ممَّنْ جاءَ في الجيشِ
معها أ ْ ن يرْجِعَ إلاَّ أ ْ ن يُحِبَّ اُلمَقامَ، واختارَ لها أربعين امرأًة مِنْ نِساءِ أهلِ البصرةِ
اَلمعْروفاتِ، وسَيَّرَ معها أخاها مُحمَّدَ بنَ أبي بكرٍ، فلمَّا كان اليومُ الذي ارْتَحَلتْ فيه،
جاء عليٌّ فوقفَ على البابِ، وحَضَرَ الناسُ وخَرَجَتْ مِنَ الدَّارِ ٢ في ا َ لهوْدَجِ فَوَدَّعَتِ
الناسَ، ودَعَتْ َلهُم، وقالت : يابَنِيَّ لا يَعْتَبْ بَعْضُنا على بعضٍ إنَّه والله ما كان بيني
وبين عليٍّ في الَقدِيمِ إلاَّ ما يكون بين المرأةِ وأحمائِها، فقال عليٌّ : صَدََقتْ واللهِ ما كان
في الدُّنيا والآخرةِ، وسارَ عليٌّ معها مُودِّعًا  بيني وبينها إلاَّ ذاك، وإنَّها َلزَوْجَةُ نَبِيِّكم
ومُشَيِّعًا أميا ً لا، وسَرَّحَ بَنِيْه معها بقيََّة ذلك اليوم، وكان يومَ السَّبتِ مُسْتَهَلَّ رجبٍ سنة
. (٢٦٧/ ٥٣٨ )، و"البداية والنهاية" لابن كثير ( ٧ / ١ "تاريخ الأمم والملوك" للطبري ( ٤
،(٥٣٩/ ٢ هي دار عبد الله بن خلف ا ُ لخزاعي، وهي أعظمُ دارٍ كانت في البصرة، انظر "تاريخ الطبري" ( ٤
. (٢٦٧/ و"البداية والنهاية" لابن كثير ( ٧
w w w . t h i a b . c o m
٤٤
سِتٍّ وثلاثين، وقصدَتْ في مَسِيرِها ذلك إلى مكَة، فأقامَتْ ﺑﻬا إلى أ ْ ن حَجَّتْ عامَها
. ذلك، ثمَّ رجعَتْ إلى المدينةِ رضي الله عنها" ١
* * *
وممَّا تقدَّمَ ذِ ْ كرُه بشأنِ مَوقِْعَةِ الجمَلِ تَبَيَّنَ أنَّ القتا َ ل وََقعَ بين الصحابةِ فيما بينهم
كان بدونِ َقصْدٍ منهم ولا اخْتِيارٍ، وأنَّ حقيقَة اُلمؤامرَةِ التي قام ﺑﻬا َقتََلةُ عثما َ ن خَفِيَتْ
على كِلا الَفرِيقين حتَّى ظَنَّ كُلٌّ منهما أنَّ الفَرِيقَ الآخَرَ َقصَدَه بالقِتَالِ .
وَقدْ وَضَّحَ حقيقَة هذه المؤامرةِ العلامُة ابنُ حزمٍ، وشيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية رحمهما
الله، و َ غيْرُهما مِنَ المُحَقِّقِيْنَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ .
قال أبو محمدٍ بنُ حزمٍ : " وأمَّا أه ُ ل ا َ لجمَ َ ل فما َقصَدُوا قَطُّ قتا َ ل عليٍّ رضوان الله
عليه، ولا َقصَدَ عليٌّ رضوان الله عليه قِتَاَلهم، وإنَّما اجْتَمَعُوا بالبصرةِ للنَّ َ ظرِ في قَتَلَةِ
عثما َ ن رضوان الله عليه، وإقامةِ حقِّ الله تعالى فيهم، وتَسَرَّعَ الخائفون على أنُفسِهم
أخْ َ ذ حَدِّ الله تعالى منهم، وكانوا أعدادًا عظيمًة يَقْرُبُون من الألوف، فأثارُوا القِتَا َ ل
. (٢٦٩ – ٢٦٨/ ١ "البداية والنهاية" لابن كثير ( ٧
w w w . t h i a b . c o m
٤٥
خِفْيًَة حتَّى اضْطَرَّ كُلُّ واحدٍ مِنَ الفريقين إلى الدِّفاعِ عن أنُْفسِهم إذ رَأوْا السَّيفَ قد
. خاَل َ طهم" ١
وقال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية رحمه الله : " لم ي ُ كنْ يومَ الجملِ لهؤلاء ( الصحابة )
قَصْدٌ في القتالِ، ولكنْ وقعَ الاْقتِتَا ُ ل بغيرِ اخْتِيارِهم، فإنَّه لمَّا تَرَاسَ َ ل عليٌّ وطلحُة والزُّبيرُ
وَقصَدُوا الاتِّفاقَ على اَلمصَْلحَةِ، وأنَّهم إذا تَمَكَّنُوا َ طَلبُوا قتََلَة عثما َ ن أه َ ل الفِتْنَةِ، وكان
عليٌّ غيرَ راضٍ بَقتْلِ عثما َ ن، ولا مُعِينَ عليه كما كان يحلِفُ، فيقو ُ ل : " والله ما َقتَلْتُ
عُْثما َ ن، ولا مالأتُ على َقتْلِهِ" ٢، وهو الصَّادِقُ البَارُ في يَمِينِه، فخشيَ القَتَلُة أ ْ ن يَتَّفِقَ
عليٌّ معهم على إمْسَاكِ الَقتَلةِ، َفحَمَلُوا دَْفعًا عن أنُْفسِهِم َف َ ظنَّ عليٌّ أنَّهم حَمَلُوا عليه،
. فحَمَ َ ل دَْفعًا عن نَفْسِه، فوَقعَتِ الفتنُة بغيرِ اخْتِيارِهم" ١
فهكذا سعى قَتَلُة عُثمان رضي الله عنه بإذكاءِ نارِ الفتنةِ، وأشعُلوا القتا َ ل بين عليٍّ ومن
مَعه، وبين عائشَة وطلحَة والزُّبيرِ ومن مَعهم، دون أ ْ ن يَفْ َ طنَ لذلك الصَّحابُة رضي الله عنهم
وأرضاهم . * * *
. (٨٥/ ١ "الإحكامُ في أصول الأحكام" لابن حزمٍ ( ٢
،(٤٥٠/ ٢٠٩ )، و"المصنف" لعبد الرزاق الصنعاني ( ١١ – ٢٠٨/ ٢ انظر "المصنف" لابن أبي شيبة ( ١٥
. (٩٥/ و"المستدرك" للحاكم ( ٣
w w w . t h i a b . c o m
٤٦
خُلاصُة ما جاء في موقِعةِ الجملِ
١ إنَّ َ ذهابَ عائشَة ومن معها إلى البصرةِ كان لأجلِ الإصلاحِ بين المسلمين، وهو
أخْ ُ ذ الَقصاصِ من قَتَلةِ عُثمان رضي الله عنه .
٢ إنَّ عائشَة وطلحَة والزُّبيرَ لم يدَّعوا الخِلافَة لأحَدٍ منهم، ولم يُنازعوا عليًا في
خِلافتِه.
٣ إنَّ الصُّلحَ حَص َ ل بين الفريقين، وهو أخ ُ ذ القَصَاصِ من قَتَلةِ عثمان رضي الله عنه.
٤ إنَّ القِتال دار بين عليٍّ ومن معه، وبين عائشَة وطلحَة والزُّبيرِ دون علْمٍ منهم
جَمِيْعًا.
٥ إنَّ أصحابَ الفتْنَةِ من الثُّوَّارِ والأعرابِ همُ الذين انْشَبُوا ا َ لحرْبَ بين الفريقين،
هروبًا من أخْذِ القَصَاصِ منهم .
٦ إنَّ القِتا َ ل دار بين الفريقين ظنا منهما أنَّ الواحِدَ منهم يَدْفعُ عنه صَوَْلَة الآخَرِ .
٧ إنَّ الصَّحابَة جميعًا لم يُشاركْ أحدٌ منهم في قتالِ الجملِ البتَّة .
٨ إنَّ الحربَ ابْتَدأتْ وانْتَهتْ وُقُلوبُ الصَّحابةِ مؤتلفةٌ مُتحابَّةٌ في الله تعالى، متراضيةٌ
متراحمةٌ فيما بينها . * * *
. (١٨٥/ ١ "منهاج السنة" لابن تيمية ( ٢
w w w . t h i a b . c o m
٤٧
( مَوقعُة صِفِّين( ١
صِفِّين : موضعٌ بقربِ الرِّقةِ على شاطئ الُفراتِ من الجانب الغربي بين الرِّقةِ
وبالِسَ.
وفيه كانت موقعُة صفين التي دارت رحاها بين أهل العراقِ من أصحابِ علي رضي
الله عنه، وبين أهلِ الشامِ من أصحابِ معاوية رضي الله عنه؛ في شهر صفر سَنََة (
٣٧ ه ).
وذلك أنَّ عليًا رضي الله عنه لمَّا َفرَ َ غ مِنْ وَْقعةِ ا َ لجمَلِ، ودَخَ َ ل البصرَة، وشَيَّعَ ُأمَّ
المؤمنين عائشَة رضي الله عنها لمَّا أرادتِ الرُّجُوعَ إلى مكَة، ثمَّ سارَ مِنَ البصرةِ إلى
الكُوفةِ فدخََلها، وكان في نِيَّتِه أن يَمْضِيَ لِيُرْغِمَ أهْ َ ل الشامِ على الدُّخُولِ في طاعَتِه كما
كان في نِيَّةِ مُعَاوية ألاَّ يُبَايعَ حتَّى يُقَامَ الحَدُّ على قَتَلةِ عُثما َ ن رضي الله عنه، أو يُسَلَّمُوا
إليه ليَ ْ قتَُلهم، ولما دخل عليٌّ رضي الله عنه الكوفَة شَرَعَ في مُرَاسَلةِ مُعَاويَة بنِ أبي
سُفيان رضي الله عنهما، فقد بَعَ َ ث إليه جَرِيرَ بنَ عبدِ الله البَجَليِّ، ومعه كِتابٌ أعَلمَه
فيه باجتماعِ اُلمهاجرين والأنْصارِ على بَيْعَتِه، ودَعَاه فيه إلى الدُّخُولِ فيما دَخَ َ ل فيه
١٨٤ )، و"تاريخ الطبري" / ١ انظر موقعة صِفِّين "تاريخ خليفة" ( ١٩١  ١٩٧ )، و"تاريخ اليعقوبي" ( ٢
٢٥٣ )، و"تاريخ ابن / ٣٨٤ )، و"البداية والنهاية" لابن كثير ( ٧ / ٥٦١ )، و"مروج الذهب" للمسعودي ( ٢ /٤)
. ( ٤١٤  ٤١٥ / ١٦٩ )، و"معجم البلدان" للحموي ( ٣ / خلدون" ( ٢
w w w . t h i a b . c o m
٤٨
الناسُ، فلمَّا انْتَهى إليه جَريرُ بنُ عبدِ الله أعطاه الكتابَ ف َ طَلبَ مُعاويُة عمرَو بنَ العاصِ
ورؤوسَ أهلِ الشامِ، فاسْتَشَارَهم فأبَوْا أن يُبَايِعُوا حتَّى يَقْتُ َ ل قَتَلَة عُثما َ ن، أو أ ْ ن يُسَلِّمَ
. إليهم قَتَلَة عثما َ ن رضي الله عنه َفرَجَعَ جريرٌ إلى عليٍّ فأخبرَه بما َقاُلوا ١
" ومكث عليٌّ يومين لا يُكاتِبُ معاويَة، ولا يُكاتِبُه مُعاويُة، ثمَّ دعا عليٌّ بَشِيرَ بنَ
عَمْرٍو الأنْصَارِيَّ وسعيدَ بنَ قَيسٍ ا َ لهمْدَاني، وشب َ ث بنَ رِبْعِي التَّميمي فقال لهم : اْئتُوا
هذا الرَّجُ َ ل ( معاوية ) فادْعُوه إلى الطَّاعةِ وا َ لجماعَةِ، واسْمَعُوا ما يقو ُ ل لكم : فلمَّا
دخَُلوا على معاويَة جَرَى بينَه وبينهم حِوَارٌ لم يُوصِْلهم إلى نتيجةٍ، فما كان من مُعاويَة
. إلاَّ أ ْ ن أخْبَرَهم أنَّه مُصَمِّمٌ على القيامِ بِ َ طَلبِ دَمِ عُثما َ ن الذي قُتِ َ ل مَ ْ ظُلومًا" ٢
ولمَّا رَجَعَ أولئك النَّفرُ إلى عليٍّ رضي الله عنه، وأخبرُوه بجوابِ معاويَة رضي الله عنه
لهم، وأنَّه لن يُبايعَ حتى يَقْتُ َ ل الَقتَلةَ، أو يُسْلِمَهم، عند ذلك نَشَبَتِ الحربُ بين الفريقين
… فعند ذلك رََفعَ أه ُ ل الشَّامِ المَصَاحِفَ فَوقَ الرِّماحِ، وقالوا : هذا بيننا وبينكم، قد
َفنَى الناسُ فمنْ لُِثغُورِ أهلِ الشَّامِ بعد أهلِ الشامِ ؟، ومَنْ لُِثغُورِ العراقِ بعد أهلِ
العِراقِ؟، فلمَّا رأى الناسُ اَلمصاحِفَ قد رُفِعَتْ قالوا : نُجِيبُ إلى كتابِ الله عزَّ وجلَّ،
٢٨٦ )، و"البداية والنهاية" -٢٨٥/ ٥٧٣ )، و"الكامل" لابن الأثير ( ٣ / ١ انظر "تاريخ الأمم والملوك" للطبري ( ٤
. (٢٨٠/ لابن كثير ( ٧
٢ انظر السابق .
w w w . t h i a b . c o m
٤٩
ونُنِيبُ إليه" ١، ولمَّا رُفعتِ المَصاحفُ فوقَ الرِّماحِ توقَّفتِ الحربُ، … فتمَّ الاتِّفاقُ بين
الفريقين على التَّحكيمِ بعد انتهاءِ موقعةِ صِفِّينَ، وهو أ ْ ن يُحَكِّمَ كُلُّ واحدٍ منهما رج ً لا
من جِهَتِه، ثمَّ يَتَّفِقَ الحكمانِ على ما فيه مَصْلحةُ المسلمين، فوكَّ َ ل مُعاويُة عمرَو بنَ
العاصِ، ووكَّ َ ل عليٌّ أبا مُوسى الأشعري رضي الله عنهم جميعًا، ثمَّ أخ َ ذ الحكمانِ مِنْ
عليٍّ ومُعاويَة ومِنَ الجُنْدَيْنِ العُهُودَ واَلموَاثيقَ أنَّهما آمِنَانِ على أنُْفسِهما وأهْلِهما، والأمَُّة
لهما أنْصارٌ على الذي يتقاضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كليهما
عَهْدُ الله، وميثاُقه أنَّهما على ما في ذلك الكتابِ، وأجَّلا القضاءَ إلى رمضان، وإن أحَبَّا
. أ ْ ن يؤخِّرا ذلك فعلى تراضٍ منهما ٢
فلمَّا اجتمع ا َ لح َ كمان وتَرَاوَضَا على اَلمصْلحةِ للمسلمين، ونَ َ ظرَا في تَقْديرِ الأمورِ، ثمَّ
اتَّفقا على أن يكون الَفصْلُ في مَوْضُوع النِّزَاعِ بين عليٍّ ومُعَاويَة يكون لأعْيانِ الصَّحابةِ
،(٢٨٧-٢٨٦/ ٥)، و"الكامل" لابن الأثير ( ٣ / ٥٧٥ )و ( ٥ -٥٧٤/ ١ انظر "تاريخ الأمم والملوك" للطبري ( ٤
.(٢٨١– ٢٨٠/ و"البداية والنهاية" لابن كثير ( ٧
٣١٨ )، و"البداية -٣١٦/ ٤٩ )، و"الكامل" لابن الأثير ( ٣ -٤٨/ ٢ انظر "تاريخ الأمم والملوك" للطبري ( ٥
.(٢٩٩-٢٩٨/ والنهاية" لابن كثير ( ٧
w w w . t h i a b . c o m
٥٠
وهو راضٍ عنهم، هذا ما اتَّفقَ عليه ا َ لح َ كمانِ فيما بينهما لا  الذين تَوَفَّى رسو ُ ل الله
! شيءَ سِواهُ ١
* * *
قال ابنُ كثيرٍ : " وا َ لح َ كمانِ كانا مِنْ خَيَارِ الصَّحابةِ، وهما : عَمْرُو بنُ العاصِ
السَّهْمِيُّ  من جهةِ أهلِ الشامِ ، والثاني : أبو مُوْسى عبدُ الله بنُ قيسٍ الأشعريُّ –
من جِهَةِ أهلِ العراقِ  وإنَّما نُصِّبَا لِيُصْلِحا بين الناسِ، ويَتَّفِقا على أمْرٍ فيه رِفْقٌ
. بالمسلمين، وحَقْنٌ لدِمائِهم وكذلك وََقعَ" ١
وإذا كان قرارُهما الذي اتَّفقا عليه لم يَتِمَّ فما في ذلك تَقْصيرٌ منهما!؛ لأنَّهما قد قاما
بمُهِمَّتِهما بِحَسَبِ ما أدَّاه إليه اجْتِهادُهما واْقتِنَاعُهما، ولو لم تُ َ كلِّ ْ فهما الطَّائفتان معًا بأدَاءِ
هذه المُهِمَّةِ َلما تَعَرَّضا لها ولا أبْدَيا رأيًا فيها، َفرَضِيَ اللهُ عَنْهُما، وعَنْ بَقِيََّة الصَّحَابَةِ
أجْمَعِيْنَ !
* * *
٦٧ )، و"الكامل" لابن الأثير / ٣٠٩ )، و"الأمم والملوك" للطبري ( ٥ – ٣٠٢/ ١ "البداية والنهاية" لابن كثير ( ٧
. (٣٢٩/٣)
w w w . t h i a b . c o m
٥١
تَحْقِيْقُ قِصَّةِ ا َ لح َ كمَيْنِ
، أمَّا ما ي ْ ذ ُ كرُه المؤرِّخون مِنْ أنَّ ا َ لح َ كمَيْنِ لمَّا اجْتَمعا بأذْرُحَ مِنْ دُوْمةِ الجندلِ ٢
وتفاوَضَا على أ ْ ن يَخَْلعا الرَّجُلين ( عَليا، ومُعَاوِيََة )، فقال عمرُو بنُ العاصِ لأبي مُوسى
: اسْبِقْ بالَقوْلِ، فتََقدَّمَ فقال : إنِّي نَ َ ظرْتُ َفخََلعْتُ عليًا عن الأمْرِ، وين ُ ظرُ المسلمون
لأنفسِهم كما خََلعْتُ سَيْفِي هذا مِنْ عُنُقِي، وَأخْرَجُه من عُنُقِه َفوَضَعه في الأرضِ، وقام
عمرُو فوضعَ سيَْفه في الأرضِ، وقال : إنِّي نَ َ ظرْتُ فأثْبَتُّ مُعاويَة في الأمْرِ : كما أُثْبِتُ
سَيْفِي هذا في عاتِقِي وتََقلَّدَه، فأنْ َ كرَ أبو مُوْسى !، فقال عمر وٌ : كذلك اتَّفقنا،
. وتفرَّقَ الجمعُ على ذلك من الاخْتِلافِ ٣
فهذه الحكايُة وما يَشْبَهُها من اختلاقِ أهلِ الأهواءِ والبدعِ الذين لا يعرفون َقدرَْ أبي
موسى وعمرِو بنِ العاص رضي الله عنهما، ومترَلتَهما في الإسلامِ !
* * *
.(٢٤٥/ ١ انظر "البداية والنهاية" لابن كثير ( ٦
٢ أذْرُحُ : بلدٌ في أطرافِ الشام، ودُومة الجندل : اسمُ مكانٍ على سبع مراح َ ل من دِمشق، انظر "معجم البلدان"
. ( ٤٨٦/٢) ،(١٧٤/ لياقوت الحموي ( ١
،( ٧١/ ١٧٦ )، و"تاريخ الأمم والملوك" للطبري ( ٥ – ٣ انظر "العواصم من القواصم" لابن العربي ( ١٧٤
٣١٠ )، و"مروج – ٣٠٩/ ٣٣٣ )، و"البداية والنهاية" لابن كثير ( ٧ – ٣٣٢/ و"الكامل" لابن الأثير ( ٣
. (٦٨٥ – ٦٨٤/ الذهب" للمسعودي ( ٢
w w w . t h i a b . c o m
٥٢
قال أبو بكر ابن العربي مُبيِّنًا َ كذِبَ هذه القصَّةِ : " هذا ُ كلُّه َ كذِبٌ صُراحٌ ما جَرَى
منه حَرْفٌ َقطُّ، وإنِّما هو شيءٌ أخبرَ عنه اُلمبْتدعُة، ووضعَتْهُ التَّاريخيَُّة ( القصَّاصون )
. للمُُلوكِ، فتَوَارََثه أه ُ ل المُجانَةِ وا َ لجهَارةِ بمعاصِي اللهِ والبِدَعِ" ١
ولم يَكْتفِ الواضِعُون من أهلِ التَّاريخِ ﺑﻬذا؛ بل وَسَمُوا ا َ لح َ كمَيْنِ بِصِفاتٍ مرذولةٍ
هزيلةٍ يتَّخِذون منها وَسيلًة للتََّفكُّه والتَّندُّرِ !
فقد وصَُفوا عمرَو بنَ العاص رضي الله عنه : بأنَّه كان صاحبَ غَدْرٍ وخِداعٍ،
ووصَُفوا أبا موسى رضي الله عنه أنَّه كان أبَْلهًا، ضَعيفَ الرَّأيِ، مَخْدوعًا في القولِ،
. كما وصَُفوه بأنَّه كان على جَانِبٍ كبيرٍ من الغَ ْ فلة ٢
ونختمُ كلامَنا بما قاله ناصر الشيخ : " وكُلُّ ما تَقدَّمَ ذِ ْ كرُه في هذا المبحث عن
مَوْقِعتَيْ ( الجملِ وصفِّين )، وقضيةِ التَّحكيمِ : هو اللائقُ بمَقَامِ الصَّحابةِ فهو خَالٍ ممَّا
دَسَّه الشِّيعُة الرَّافضُة وغيرُهم على الصَّحابةِ في تلك المواطنِ من الحكاياتِ اُلمخْتلَقةِ،
والأحاديثِ الموضوعةِ وممَّا يَعْجَبُ له الإنسا ُ ن أنَّ أعداءَ الصَّحابةِ إذا دُعُوا إلى الحقِّ
. ( ١ "العواصم من القواصم" لابن العربي ( ١٧٧
٣٣٣ )، و"مروج الذهب" للمسعودي – ٣٣٢/ ٧٠ )، و"الكامل" لابن الأثير ( ٣ / ٢ انظر "تاريخ الطبري" ( ٥
. (٦٨٥ – ٦٨٤/٢)
w w w . t h i a b . c o m
٥٣
أعْرَضُوا عنه، وقالوا : لنا أخبارُنا ولكم أخبارُكم، ونحن حينئذٍ نقول لهم كما قال تعالى
. : "سلامٌ عليكم لا نبتغي الجاهلين" ١
وا َ لحمْدُ للهِ رَبِّ العَاَلمِيْنَ
* * *
. (٧٢٦/ ١ "عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة" لناصر الشيخ ( ٢
w w w . t h i a b . c o m
٥٤
سَبَبُ القِتَالِ بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعَاوِيََة رَضِيَ اللهُ عَنْهُما
وقبل الخروجِ من موقعةِ ( صفِّين ) أحببنا أن نردَّ على منْ ساوى بين قتالِ عليٍّ
رضي الله عنه للخوارجِ بقتالِ مُعاويَة رضي الله عنه ومن معه !
فهذا ابنُ حزْمٍ رحمه الله يبيِّنُ لنا البَوْ َ ن الفارقَ بين القتالين بقولِه : "وأمَّا أمرُ مُعاوية
رضي الله عنه فبخلافِ ذلك، ولم يُقَاتِْلهم عليٌّ رضي الله عنه لامْتِناعِه مِنْ بَيْعتِه؛ لأنَّه
كان يَسَعُه في ذلك ما وَسِعَ ابنَ عمرَ وغيره ١، لكن قاتََله لامْتِناعِهِ من إنْفَاذِ أوامرِه في
جميعِ أرْضِ الشامِ، وهو الإمامُ الواجبُ طاعتُه، فعليٌّ المُصِيبُ في هذا، ولم يُنْكِرْ مُعاويُة
قَطُّ َفضْ َ ل عليٍّ واسْتِحْقاَقه الخِلافة، لكنَّ اجْتِهادَه أدَّاه إلى أن رأى تَقْديمَ أخْذِ الَقوْد مِنْ
قتلةِ عُثمان رضي الله عنه على البيعةِ، ورأى نَ ْ فسَه أحقَّ بطَلبِ دَمِ عُثمان"
إلى أ ْ ن قال " فلم يَ ْ طُلبْ معاويُة إلاَّ ما كان له مِنَ الحقِّ أن يَ ْ طُلبَه، وأصابَ في ذلك الأَثرِ
الذي ذكرنا وإنَّما أخطأ في تقديمِه ذلك على البيعةِ فقط، فله أجرُ الاجتهادِ في ذلك، ولا إثْمَ
أنَّ لهم :  عليه فيما حُرِمَ من الإصابةِ كسائرِ اُلمخْطئين في اجْتِهادِهم الذين أخبرَ الرَّسُو ُ ل
١ كانت عادُة ابنِ عمر رضي الله عنه : أنَّه لا يُبايعُ أحدًا في حالِ الاختلافِ، وكان يبايع عند اجتماعِ الكلمة،
وهو ما أخرجه يعقوب بن سفيان في "تاريخه" عن ابنِ عمر أنَّه قال : " ما كنتُ لأعْطي بيعتي في ُفرْقةٍ، ولا أمنعُها من
. (١٩٥/ جماعةٍ" ذكره ابن حجر في "فتح الباري" ( ١٣
w w w . t h i a b . c o m
٥٥
أجْرًا واحِدًا، وللمُصيبِ أجْرانِ – إلى أن قال – وقد عَلِمْنا أنَّ مَنْ َلزِمَه حَقٌّ واجبٌ وامْتَنَعَ
من أدائِه وقَاتَ َ ل دونَه فإنَّه يَجِبُ على الإمامِ أن يُقَاتَِله، وإ ْ ن كان مِنَّا، وليس ذلك بِمُؤثِّرٍ في
عداَلتِهِ وَفضْلِه، ولا بِمُوجبٍ له فِسًْقا؛ بل هو مأجُورٌ لاجْتِهادِه ونِيَّتِه في َ طَلبِ ا َ لخيْرِ، فبهذا
َق َ طعنا على صَوابِ عليٍّ رضي الله عنه، وصِحَّةِ إمامتِه، وأنَّه صاحبُ الحقِّ، وأنَّ له أجران
أجْرُ الاجتهادِ، وأجْرُ الإصابةِ، وَق َ طعْنا أنَّ معاويَة رضي الله عنه ومن مَعه مُخْطئون مُجْتَهدون
. مأجُورون أجْرًا واحِدًا" ١
فابنُ حزمٍ رحمه الله يقرِّرُ في كلامِه هذا أنَّ التراعَ الذي كان بين عليٍّ ومعاويَة إنَّما
هو في شأنِ قَتَلةِ عُثما َ ن، وليس اختلاًفا على الخلافةِ، إذ أنَّ مُعاوية رضي الله عنه لم
يُنْكِرْ َفضْ َ ل عليٍّ واستحقاقِه للخلافةِ، وإنَّما امتنع عن البيعةِ حتى يُسَلِّمَهُ الَقتَلَة، أو
يَ ْ قتَُلهم، وكان عليٌّ رضي الله عنه يستمْهُِله في الأمْرِ حتى يَتَمكَّنَ هو بأخذِ قَتَلةِ عُثمان
رضي الله عنه .
ورحم الله معاويَة إذ لم يملك عينَه من البكاءِ؛ عندما جاءه الخبرُ بموتِ عليٍّ رضي
الله عنه!؛ فقيل له في ذلك، فقال : " وَيْحَ ُ كمْ! إنَّما أبكي لِما فقدَ الناسُ من حِْلمِه،
. وعِلْمِه، وَفضْلِه، وسوابِقِه، وخيرِه" ٢
. (٣٠٦/ ١٦١ )، و"تفسير القرآن العظيم" لابن كثير ( ٤ – ١٥٩/ ١ "الفصل في الملل والنحل" لابن حزمٍ ( ٤
. (١٢٩/ ٢ انظر "البداية والنهاية" لابن كثير ( ١١
w w w . t h i a b . c o m
٥٦
* * *
خُلاصُة ما جاء في صفِّين
١ إنَّ مُعاويَة بن أبي سفيان رضي الله عنه لم يُقات ْ ل أو يُنازعْ عليًا رضي الله عنه على
خِلافةٍ، أو أفضليَّةٍ قطُّ .
٢ إنَّ مُعاويَة بن أبي سفيان رضي الله عنه لم يُعْطِ عليًا رضي الله عنه البيعَة حتَّى يَقْتُ َ ل
قتلَة عُثمان، أو يُسَلِّمَهم إليه .
٣ إنَّ عليًا رضي الله عنه لم يُ ْ قدِمْ على القتالِ حتى أمه َ ل مُعاوية عَسَاه يرضي بتقديمِ
البيعةِ أو ً لا على أخذِ الحدِّ من القَتَلةِ .
٤ إنَّ مُعاويَة بن أبي سفيان رضي الله عنه اجتهدَ في تأخيرِ البيعةِ، وتقديمِ أخذِ
القَصَاصِ من القَتَلةِ وللمُجتهدِ أجرُه!، وحسبنا أنَّ مُعاويَة من أهل الاجتهادِ، مع ما
عنده من صِدْقِ نِيَّةٍ، وبَذْلِ وُسْعٍ فيما أقدمَ عليه .
٥ إنَّ ما قي َ ل في شأنِ التَّحكيم بأنَّ عمرَو بنَ العاصِ مكرَ بأبي موسى الأشعري رضي
الله عنهما، كلُّه َ كذِبٌ وإفكٌ شرعًا وعق ً لا، وهو من دسائسِ الشِّيعةِ ال َ ك َ ذبَةِ .
* * *
w w w . t h i a b . c o m
٥٧
الفصل الثاني
عَدَدُ الصَّحابةِ الذين حَضَرُوا الفتنَة
أمَّا عددُ الصَّحابةِ الذين حضروا أيام الفتنة ( الجمل وصفَّين ) فهو قليلٌ ج  دا، لا
يكادون يتجاوزون الثلاثين قطعًا، وهم أيضًا مع حضُورِهم هذا لم يُقاتِ ْ ل منهم أحدٌ، أمَّا
! أكابرُ الصَّحابةِ رضي الله عن الجميع فلم يدخُلوا في فتنةٍ قطُّ ١
وعلى هذا؛ ندفعُ كثيرًا ممَّا هو موجودٌ في كُتُبِ التَّاريخِ اُلمعْتمَدِ منها أو اُلمنْتَقد، أو
ممَّا يتناقُله الناسُ على ألسنتِهم، أو في مَجالسِهم : أنَّ القتا َ ل كان بين جمهورِ الصحابةِ !
* * *
نعم؛ إنَّ أيامَ الفتنةِ في الصَّدرِ الأوَّلِ إذا ُأطلقت لا تَنْصرفُ إلاَّ للصَّحابةِ، إلاَّ أنَّ
هذه النِّسْبةِ إليهم خرجتْ مِنْ بابِ تسميةِ المعاركِ باسمِ ُأمرائِها وأشْرافِها …
والصَّحابُة وقتئذٍ هم ُأمراءُ الناسِ وأفاضُِلهم …!
* * *
1 من المقرر عند أهل السنة والجماعة : أنَّ أحدًا من الصحابةِ  رضِيَ اللهُ عَنْهُم  لم يدخل في بدعةٍ، أو فتنةٍ
مضلَّةٍ بدافعِ الهوى، أو الفساد، أو حبِّ الدنيا كلا؛ اللهم ما كان من تأويلٍ واجتهادٍ كما هو ظاهرُ مَعْرَ َ كتَيْ
(الجمل، وصفيِّن )، فهم قطعًا بين أجرين وأجرٍ !
w w w . t h i a b . c o m
٥٨
وقد َ ذ َ كرَ ابنُ تيمية رحمه الله ( ٧٢٨ ه) في كتابِه العُجابِ العُبابِ "منهاج السُّنَّةِ
 النبويَّةِ" ١ بعضَ الآثارِ السَّلفيَّةِ التي تزيدُ المُسْلِمَ يقينًا على أنَّ أصَحابَ رَسُولِ الله
كانوا على السَّلامةِ واُلمسالمةِ حياًة ومماتًا : " قال عبدُ الله بنُ أحمدَ حدَّثنا أبي، حدَّثنا
إسماعي ُ ل ( يعني ابن عُليََّة )، حدثَّنا أيوبُ السِّخْتِياني، عن مُحمَّدِ بنِ سيرين قال : "
عشرة آلاف، فما حضرها منهم مائة، بل لم  هاجتْ الفِتْنُة وأصحابُ رسولِ الله
يبلغُوا ثلاثين".
وهذا الإسنادُ قال عنه ابنُ تيمية رحمه الله : " من أصحِّ الأسانيدِ على وجهِ الأرضِ،
ومحمد بن سيرين من أوْرَعِ الناسِ، ومراسِيُله من أصحِّ المراسيل!"
غيرُ عليٍّ،  وقال الشَّعبي رحمه الله : " لم يشْهدْ ا َ لجمَ َ ل من أصحابِ رسولِ الله
وعمَّارٍ، وطلحَة، والزَّبير، فإن جاءوا بخامسٍ فأنا كذَّابٌ" .
. (٤٧٤/ ٢٣٧ )، و" البداية والنهاية" لابن كثير ( ١٠ -٢٣٦/ ١ "منهاج السنة" لابن تيمية ( ٦
* أمَّا كتاب "منهاج السنة النَّبويَّة" فهو بحاجةٍ إلى تقريبٍ لطلابِ العلم تقريبًا علميًا وﺗﻬذيبًا مُحرَّرًا مع فهارسَ
دقيقةٍ لمسائله وفوائده، كلُّ هذا لأنَّ الكتاب بحجمه هذا أضحى للأسف في زماننا ( حِجْرًا محجورًا ) على طلابِ
العلم المعتنين بالعقيدة !!، فالكتابُ يضمُّ بين دفَّتَيْه أصو ً لا وفروعًا، وفوائدَ وفرائدَ … تحتاج إلى تقريبٍ وترتيبٍ؛
لاسيما أنَّ أكثرَ مسائله لها تعلُّقٌ بالشيعةِ الرَّافضةِ الذين يزدادون يومًا بعد يومٍ، فحسبنا الله ونعم الوكيل!، اللهم لا
ت َ ذرْ منهم على الأرضِ ديَّارًا، إنَّك إ ْ ن تذرهم يضلُّوا عبادَك ويؤذوا صَحَابَة نبيِّك … اللهمَّ آمين !
w w w . t h i a b . c o m
٥٩
وقد روى ابنُ بطََّة عن بُكيرِ بنِ الأشجِّ قال : " أمَّا أنَّ رِجا ً لا من أهلِ بدْرٍ لزموا بُيُوتَهم
بعد مَقْتلِ عثما َ ن، فلم يَخْرجوا إلاَّ إلى ُقبُورِهم".
قال ابنُ تيمية :" وأمَّا الصَّحابُة َفجَمْهُورُهم، وجُمْهورُ أفاضِلِهم ما دَخَُلوا في
. فتْنةٍ" ١
فالحمدُ لله ربِّ العالمين
* * *
w w w . t h i a b . c o m
٦٠
الباب الثالث
مجمل ما دار بين الصحابة، وذلك في ثلاثة أمور
الأمر الأول : تحديدُ بدايةِ التَّشاجرِ بين الصحابةِ
الأمر الثاني : الدَّافعُ الذي حَمَ َ ل الصحابَة على
التَّشاجرِ بينهم
الأمر الثالث : وجوُبُ السُّكوتِ عمَّا شَجَرَ بين
الصحابةِ
. (٢٣٦/ ١" منهاج السنة" لابن تيمية ( ٦
w w w . t h i a b . c o m
٦١
الفصل الأول
مُجْمَلُ ما دَارَ بين الصَّحابةِ رضي الله عنهم، وذلك في ثلاثةِ أمور
ولنا أ ْ ن نُجمِ َ ل ما دارَ بين الصحابةِ رضي الله عنهم في ثلاثةِ أمورٍ لا رابعَ لها كما أجمعت
عليه ُ كتُبُ التَّواريخِ اَلموْثُوقةِ المشهورةِ، وهو ما عليه قاطبُة أهلِ السُّنةِ والجماعةِ من السَّلفِ
والخلفِ، ومَنْ تأوَّ َ ل فيها غير ذلك فقد أضاعَ نصيبَه، وتَكلَّفَ ما ليس له به علمٌ، وقال على
الصَّحابةِ ما هم منه بُراء .
* * *
الأمر الأول : تحديدُ بدايةِ التَّشاجرِ بين الصحابةِ رضي الله عنهم .
لقد اتَّفقتْ ُ كتُبُ التاريخِ على أنَّ بدايَة التشاجرِ بين خيرِ الُقرُونِ كان بعد مَقْتَلِ ثالثِ
ا ُ لخلفاءِ الرَّاشدين ذي النُّورين عثما َ ن بنِ عفان رضي الله عنه، وبدايةِ خلافةِ رابعِ الخُلفاءِ
.( الرَّاشدين أبي ا َ لحسَنِ علي بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه، وعن الصَّحابة أجمعين( ١
وهذا فيه ردٌّ على الشِّيعةِ الغالين الذين يَرَوْ َ ن أنَّ الخلافَ بين الصَّحابةِ رضي الله
عنهم كان بعد وفاةِ النَّبي صلى الله عليه وسلم  زعموا  وهو أنَّ النَّبي صلى الله
عليه وسلم قد أوصى بالخلافةِ لعلي رضي الله عنه؛ إلاَّ أنَّ الصحابَة خَاَلُفوا هذه الوصيَة
١٧٨ )، و"البداية / ٣٦٥ وما بعدها )، و"الكامل في التاريخ" لابن الأثير ( ٣ / ١  انظر "تاريخ الطبري" ( ٤
. (١٨٦/ والنهاية" لابن كثير ( ٧
w w w . t h i a b . c o m
٦٢
النبويََّة وأخ ُ ذوا الخلافَة من عليٍّ َقهْرًا و ُ ظْلمًا في حين أنَّ عليًا رضي الله عنه أحْتَمَ َ ل هذا
الظُّلمَ، وصَبَرَ من ُ ذ خلافةِ أبي بكرٍ رضي الله عنه حتى مَقْتَ َ ل عثما َ ن بنِ عفان رضي الله
عنه، وهذا وغيرُه لاشكَّ أنَّه مِنْ خُرافاتِهم، وسَخَافاتِهم ممَّا تأباهُ العُُقو ُ ل اُلمسْتقيمُة،
والفِ َ طرُ السَّليمُة !
لذا؛ لن أتكلَّفَ الرَّدَّ على هذا القولِ؛ لأنَّ أصحابَه َ غدَوْا : سُبََّة بَنِي آدَمَ !، هذا إذا
! علمتَ أنَّهم : أك َ ذبُ النَّاسِ في النَّقلياتِ، وأجهُلهم في العقليَّاتِ ١
* * *
الأمر الثاني : الدَّافعُ الذي حَمَ َ ل الصحابَة رضي الله عنهم على التَّشاجرِ بينهم .
وقد أتََّفقَ أه ُ ل السنةِ على أنَّ الدَّافعَ الذي حَمَ َ ل الصَّحابَة رضي الله عنهم على
ذلك لم يكنْ هوىً، أو رِياسًَة، أو غيرَ ذلك ممَّا هو مِنْ أطْمَاعِ الدُّنيا، أو حُظُوظِ
.( النَّفْسِ( ٢
١ ومن الأمورِ المُشاهدةِ التي تزيدُ أه َ ل السُّنةِ يقينًا إلى يقينِهم، وتزيدُ الشِّيع َة َ غيْضًا إلى َ غيْضِهم  أنَّ الشِّيع َة منذ
أن عرفهم التاريخُ وهم يرجعون عن تشيُّعِهم وباطلِهم متزمِّلين دِثارِ السُّنَّةِ !!، ولا أقول هذا لعامَّتِهم؛ بل هو
مشهورٌ عند رؤوسِهم وكبرائهم ( علمائهم !)، حي ُ ث نراهم يتراجعون وُحْدانًا وزَرَافاتٍ، وهم مع هذا لا يكتفون
بالتَّوبةِ ممَّا كانوا فيه من تخريفٍ وضلالٍ؛ بل يصيحون بباطلِ الشِّيعةِ وبيانِ ضلالِهم، وكشفِ خرافاتِهم …!، وفي
اُلمقابلِ لم نسمع _ ولله الحمدُ – أحدًا من علماءِ السُّنَّةِ أو طلابِ العلمِ ارْتدَّ عن سُنِّيَّتِه إلى التَّشيُّعِ !!
٢١٢  ٢١٣ و / ٦ )، و"الكامل في التاريخ" لابن الأثير ( ٣ / ٤٦٢  ٤٦٤ )، و( ٥ / ٢  انظر "تاريخ الطبري" ( ٤
. ( ٢٥١  ٢٥٣ ) و ( ٢٨١  ٢٨٢ / ٢٨٦ )، و"البداية والنهاية" لابن كثير ( ٧
w w w . t h i a b . c o m
٦٣
وهذا فيه ردٌّ أيضًا على ما يُثِيرُه أعداءُ الدِّينِ من اليهودِ، والنَّصارى، واُلمسْتشرقين
وأ ْ ذنابِهم من العِْلمانيين اُلمنافقين .
" وعليٌّ رضي الله عنه لم يُقات ْ ل أحدًا على إمامَةِ منْ قاتَله، ولا قاتَلهُ أحدٌ على إمامتِه
نفسه، ولا ادَّعى أحدٌ قطُّ في زَمَنِ خِلافتِه أنَّه أحقُّ بالإمامةِ منه : لا عائشُة، ولا طلحُة،
ولا الزُّبيرُ، ولا مُعاويُة وأصحابُه، ولا الخوارجُ؛ بل كلُّ الأُمَّةِ كانوا معترفين بفضْلِ
عليٍّ وسابقتِه بعد َقتْلِ عثمان، وأنَّه لم يَبْقَ بعد الصَّحابةِ من يُماثُِله في زمنِ خلافتِه، كما
كان عُثما ُ ن، كذلك : لم يُنازعْ أحدٌ قطُّ من اُلمسلمين في إمامتِه وخلافتِه، ولا تَخاصمَ
اثنانِ في أنَّ غيرَه أحقُّ بالإمامةِ منه، فض ً لا عن القتالِ على ذلك، وكذلك أبو بكرٍ
وعمرُ رضي الله عنهما .
وبالجُملةِ فكلُّ منْ كانت له خِبْرةٌ بأحوالِ القومِ يعلمُ ضروريًا أنَّه لم يَكنْ بين
المسلمين مُخاصمةٌ بين طائفتين في إمامةِ الثَّلاثةِ، فضْ ً لا عن قِتالٍ ! … والخلفاءُ الأربعُة
لم يكنْ على عهدِهم طائفتان يظهرُ بينهم النِّزاعُ، لا في تَقْديمِ أبي بكرٍ على مَنْ بعده
وصحَّةِ إمامتِه، ولا في تقديمِ عمرَ وصحَّةِ إمامتِه، ولا في تقديمِ عثما َ ن وصحَّةِ إمامتِه،
ولا في أنَّ عليًا مُقدَّمٌ على هؤلاء .
w w w . t h i a b . c o m
٦٤
وليس في الصحابةِ بعدهم من هو أفض ُ ل منه، ولا تنازعَ طائفةٌ من المسلمين بعد
خلافةِ عثما َ ن في أنَّه ليس في جيشِ عليٍّ أفضل منه، ولم تُفضِّ ْ ل طائفةٌ معروفةٌ عليه
طلحة والزُّبير، فض ً لا أ ْ ن يُفضَّ َ ل عليه مُعاوية !
فإ ْ ن قاتُلوه مع ذلك لِشُبْهةٍ عرضتْ لهم، فلم يكنِ القتا ُ ل له لا على أنَّ غيرَه أفض ُ ل
منه، ولا أنَّه الإمامُ دونه، ولم يَتَسَمَّ قطُّ طلحُة والزُّبيرُ باسمِ الإمارةِ، ولا بايعهما أحدٌ
على ذلك .
وعليٌّ بايعَهُ كثيرٌ من المسلمين، وأكثرُهم بالمدينةِ على أنَّه أميرُ المؤمنين، ولم يُبايعْ
طلحَة والزُّبيرَ أحدٌ على ذلك، ولا طلبَ أحدٌ منهما ذلك، ولا دعا إلى نفسِه، فإنَّهما
رضي الله عنهما كانا أفض َ ل وأجلَّ َقدْرًا من أن يفعلا مثل ذلك .
وكذلك مُعاويُة لم يُبايعه أحدٌ لمَّا ماتَ عثما ُ ن على الإمامةِ، ولا حين كان يُقات ُ ل عليًا
بايعه أحدٌ على الإمامةِ، ولا تَسَمَّى بأميرِ المؤمنين، ولا سمَّاهُ أحدٌ بذلك، ولا ادَّعى
مُعاويُة وِلايًة قبل حُكمِ ا َ لح َ كمَيْنِ .
وعليٌّ يُسمِّي نفسَه أميرَ المؤمنين في مُدَّةِ خلافتِه، والمسلمون معه يُسمُّونَه أميرَ
المؤمنين، لكن الذين قاتلوه مع اعترافهم بأنَّه ليس في القومِ أفض ُ ل منه، ادَّعَوْا موانِعَ
تمنعُهم عن طاعتِه .
w w w . t h i a b . c o m
٦٥
ومع ذلك فلم يُحاربُوه، ولا دَعَوْهُ وأصْحابَه إلى أن يُبايعَ مُعاويَة، ولا قالوا : أنت،
وإ ْ ن كنتَ أفض َ ل من مُعاويَة، لكن مُعاويُة أحقُّ بالإمامةِ منك، فعليك أ ْ ن تَتَّبِعَهُ؛ وإلاَّ
. قاتلناك!" ١
* * *
فعلى هذا؛ كان الذي حمل الصحابة رضي الله عنهم على التَّشاجر والتَّناحر كما
هو مُقَرَّرٌ عند سلفِ هذه الأمَّةِ؛ هو اُلمطالبُة الَفوْرِيَُّة، ووُجُوبُ المُسارَعَةِ بأخْذِ القَوْدِ
والَقصَاصِ من َقتََلةِ عثما َ ن رضي الله عنه؛ لاسيما الذين تَوَلَّوْا كِبْرَ الفِتنةِ مِنَ الثوَّارِ
أمثالِ : أمِّ المؤمنين عائشَة، وطلحَة،  اُلمعْتدين، حيث نَرى طائفًة من أصحابِ النبي
والزبيرِ، ومعاويَة رضي الله عنهم أجمعين كانوا يَرَوْ َ ن أنَّه لابُدَّ مِنَ المُطالبةِ بِدَمِ عثمان
رضي الله عنه، ووُجُوبِ الإسْراعِ بإقامةِ حَدِّ الله عليهم كما أمَرَ الله تعالى بذلك في
كتابِه وسُنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ في حين كان يَرَى الخليفُة الرَّاشدُ عليٌّ رضي الله
عنه إرْجَاءَ وتأخيرَ ما يُرِيدُونَه مِنْ وُجُوبِ الإسْراعِ بأخْذِ الَقوْدِ من الَقتََلةِ حتى يُبَايِعَهُ
أه ُ ل الشَّامِ جميعًا كي يَسْتَتِبَّ له الأمْرُ، ومِنْ َثمَّ يَتَسنَّى له بعد ذلك القبضُ عليهم !
. (٣٣١-٣٢٨/ ١ "منهاج السنة" لابن تيمية ( ٦
w w w . t h i a b . c o m
٦٦
لاسيما والحالُة التي يَعِيشُها الخليفُة الرَّاشدُ عليٌّ رضي الله عنه، والوَضْعُ الذي
أدْرَ َ كه حينذاك، خِلافَ ما يَظُنُّهُ اُلمطالبون بِدَمِ عثما َ ن رضي الله عنه مِنْ أهلِ الشَّامِ
وغيرِهم، وذلك يَكْمُنُ في أمُورٍ جِدُّ خَطيرة لها اعْتِبارُها ومُلابَسَاتُها ممَّا نَحْسِبُه قد خَفِيَ
عليهم، منها :
١ إنَّ َقتََلَة عثما َ ن مِنْ أهلِ الفتنةِ كثيرون ج  دا؛ فكان من الصَّعْبِ مُطاَلبَتُهم؛ في
حين نرى الفِتْنَة تَزْدادُ يومًا إثْرَ يوم .
٢  إنَّ قَتَلَة عثما َ ن مِنْ أهل الفتنةِ هم في جيشِ عليٍّ رضي الله عنه، ومِنْ َقبائ َ ل
كثيرةٍ مُخْتلفةٍ، يَعْسُرُ مُطالبتُهم والبَحْ ُ ث عنهم، والأمْرُ بَعْدُ لم يَسْتَتِبْ لِخَليفةِ اُلمسْلمين،
وقد تََقرَّرَ عند فَُقهاءِ اُلمسْلمين أنَّ ا ُ لحدُودَ َقدْ تُأخَّرُ  لا تُتْرَكُ بال ُ كليَّةِ  عن أصحابِها
حالَة الجهادِ والفِتَنِ، كما هو مَتْرُوكٌ للمَصْلحةِ العامَّةِ التي يَرَاها وَلِيُّ أمْرِ المسلمين إذا
خافَ كبيرَ مَ ْ فسدةٍ؛ بل نَجِدُ قاعدَة : ( دَرْءُ اَلمَفاسدِ مُقدَّمٌ على جَلْبِ المَصَالحِ ) مِنَ
القواعدِ المُعْتبرةِ التي هي مِنْ مَقاصِدِ الشَّريعةِ الإسلاميةِ .
٣  إنَّ َقتََلَة عثما َ ن مِنْ أهلِ الفتنةِ لا يزالون في تَمْكِينٍ واسْتِيلاءٍ على بعضِ
الأمورِ، وكذلك لهم عَدَدٌ وأعْوانٌ حينذاك يُخْشَى من مُطالبتِهم، في وقتٍ يَرَى فيهعليٌّ
رضي الله عنه أ ْ ن تَجْتَمعَ الكلمُة، وتأتَلِفَ القلوبُ، ويَسُودَ الأمْنُ، وتَنْتَظِمَ الأمُورُ، ومِنْ
w w w . t h i a b . c o m
٦٧
َثمَّ تَتَبَيَّنُ وتَنْكشِفُ الغُمَُّة ويَتَعَرَّ الَقتََلةُ مِنْ أعْوَانِهم وعَدَدِهم، وتُقَامُ ا ُ لحدودُ الشَّرعيُة
. ( فيهم وفي غيرِهم، والله أعلم( ١
* * *
يقول القاضي أبو يعلى ( ٤٥٨ ه) : " ووَجْه اجتهادِ عليٍّ رضي الله عنه في
الامتناع؛ أشياء :
أحدها : أنَّه لم يعرْفهُم بأعيانِهم، ولا أقامتْ شهادةٌ عليهم بَِقتْلِهم، وقد كان كثيرًا
ما يقول : مَنْ َقتَ َ ل عثما َ ن َفْليَُقمْ . فيقومُ أربعة آلاف مَُقنَّعٍ – أي مُلْبَسٌ بالحديدِ –
وقيل أكثر .
والثاني : لو عرَفهُم بأعيانِهم وخافَ َقتْ َ ل ن ْ فسِه، وفِتْنًَة في الأمَّةِ تَؤُو ُ ل إلى إضعافِ
الدِّينِ، وتعطيلِ ا ُ لحدُودِ، فكان الكفُّ عن ذلك إلى وقتِ انْحِسامِ الفتنةِ وزوالِ الخوفِ،
وهذه حا ُ ل عليٍّ في أتْباعِه؛ مثل : الأشْتَر، والأشعث بن قيس، والأمراء، وأصحاب
الرَّاياتِ، وكثرة اختلافهم …  إلى أن قال  ولولا ما أخ َ ذ الله تعالى مِنَ الميثاقِ
١٩٥  ١٩٦ )، و"البداية / ٤٣٧ )، و"الكامل في التاريخ" لابن الأثير ( ٣ / ١ انظر "تاريخ الطبري" ( ٤
. ( ٢٤٨  ٢٤٩ / والنهاية" لابن كثير ( ٧
w w w . t h i a b . c o m
٦٨
على العلماءِ؛ لكان تَرْكُ الكلامِ في ذلك والإمْساكُ عمَّا جَرَى بينهم أولى؛ لأنَّ هذه
. طريقُة أئمَّةِ المسلمين" ١
يقول ابن تيمية رحمه الله : " وأمَّا الحربُ التي كانت بين طلحَة وبين عليٍّ فكان كلُّ
منهما يُقات ُ ل عن ن ْ فسِه ظانًا أنَّه يَدْفعُ صَوْ َ ل غيرِه عليه، لم يكن لعليٍّ غرضٌ في قتالِهم،
ولا لهم غرضٌ في قتالِه؛ بل كانوا قبل قُدومِ عليٍّ يَطْلُبُون َقتََلَة عثما َ ن، وكان من الَقتََلةِ
من قبائِلِهم من يَدَْفعُ عنهم، فلم يتمكَّنوا منهم، فلمَّا َقدِمَ عليٌّ وعرَُّفوه مَ ْ قصُودَهم،
عرَّفهم أنَّ هذا أيضًا رأيه، لكن لا يتمكَّن حتى ينْتَظِمَ الأمرُ، فلمَّا عَلِمَ بعضُ القَتَلَةِ
ذلك، حَمَ َ ل على أحدِ العَسْكرَيْنِ، فظنَّ الآخرون أنَّهم بدأوا بالقتالِ، فوقعَ القتا ُ ل
. بقصدِ أهلِ الفتْنةِ، لا بقصدِ السَّابقين الأوَّلين" ٢
* * *
الأمر الثالث : وُجوُبُ السُّكوتِ عمَّا شَجَرَ بين الصحابةِ رضي الله عنهم .
فقد أجْمَعَ أه ُ ل السنةِ قاطبًة على الكَفِّ والإمْسَاكِ عمَّا شَجَرَ بين الصحابةِ رضي
الله عنهم، والسُّ ُ كوتِ عمَّا حَصَ َ ل بينهم مِنْ قتالٍ وحُرُوبٍ، وعَدَمِ البحثِ والتَّنْقيبِ
١ "تتريه خال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان" لأبي يعلى الحنبلي ( ٨٥ ) . ومعنى خال المؤمنين : أي أنَّه أخو أمِّ
المؤمنين حبيبةِ بنتِ أبي سفيان زوجِ النَّبي صلى الله عليه وسلم .
. (٣٣٩/ ٢ "منهاج السنة" لابن تيمية ( ٦
w w w . t h i a b . c o m
٦٩
والتَّنْقيرِ عن أخْبارِهم أو نَشْرِها بين العامَّةِ، وكذلك بينَ آحادِ العُلماءِ لما لها أَثرٌ سيئٌ في
إثارةِ الفتنةِ والضَّغائِنِ، وإيغارِ الصُّدورِ عليهم، وسُوءِ الظَّنِّ ﺑﻬم ممَّا يَُقلِّلُ الثَِّقَة ﺑﻬم ...!
وبعد أ ْ ن تقرَّرَتْ لدينا هذه الأمورُ الثلاثُة التي َ غدَتْ ولله الحمد عُمْدًة عند أهْلِ
السُّنَةِ، وعَقِيدًة عند سائرِ الأمَّةِ؛ كان من الخطأ الكبيرِ والشَّرِّ اُلمسْتَطيرِ مُخالفتُها، أو
مُناَقشَتُها بوَجْهٍ أو آخر .
* * *
w w w . t h i a b . c o m
٧٠
الباب الرابع
الفص ُ ل الأو ُ ل : فضائ ُ ل الصَّحابةِ رضي الله عنهم
الفصل الثاني : وجوب محبَّةِ الصحابةِ
الفصل الثالث : وجوب الدعاء والاستغفار للصحابة
الفصل الرابع : عدالة الصحابة
الفصل الخامس : حكم من سبَّ الصحابة
الفصل السادس : فضائ ُ ل مُعاويَة رضي الله عنه
w w w . t h i a b . c o m
٧١
الفص ُ ل الأو ُ ل
فضائ ُ ل الصَّحابةِ رضي الله عنهم
إنَّ َفضَائ َ ل وشَمَائ َ ل الصَّحابةِ رضي الله عنهم في الكتابِ والسُّنةِ، وكلامِ السَّلفِ،
أكَْثرُ مِنْ أ ْ ن تُحْصَرَ وأشْهَرُ مِنْ أ ْ ن تُ ْ ذ َ كرَ؛ فهذه المكتبُة الإسلاميُة مليئةٌ بكُتُبِ َفضَائلِهم
وشَمائِلِهم ومَناقِبِهم وسِيرِهم، وهذا لا يخفى على أحدٍ من المسلمين ولله الحمدُ والمنَُّة،
. وبه التَّوفيقُ والعِصْمُة ١
إلاَّ أنَّنا أحْبَبنا أ ْ ن نَقِفَ بالقارئ الكريمِ على بعضِ ما ذُكِرَ في فَضَائِلِهم بعامَّةٍ، أمَّا
ذِكْرُ ما وَرَدَ في فضائلِهم على وَجْهِ ا ُ لخصُوصِ فلم نُشِرْ إليه؛ لأنَّه ليس مَحَلَّ بحثِنا؛
اللَّهمَّ ما كان من ذِكْرِ فضائلِ : مُعاويةِ رضي الله عنه؛ لأنَّ الكلامَ حوُله قد أخ َ ذ منحىً
آخَرَ عند بعضِ أهل الأهواءِ والبدعِ، وعليه تأثَّرَ بعضُ المسلمين به إمَّا جَهْ ً لا، وإمَّا سُوْء
طويَّةٍ عيا ً ذا بالله !
١ ومن الكتبِ التي ساهمتْ في تراجمِ وفضائل الصحابة بعامَّةٍ : "فضائل الصحابة" للإمامِ أحمد، و"معرفة
الصحابة" لابن منده، و"الاستيعاب" لابن عبد البر، و"ُأسد الغابةِ" لابن الأثير، وغيرها كثيرٌ، ومن آخرِها "الإصابة
في تمييز الصحابة" لابن حجر، وهو من أجمعها وأنفعها تحقي ًقا وتدقي ًقا، تحريرًا وتمييزًا إلاَّ أنَّه رحمه الله لم يُكمْله بشكلِه
النِّهائي، لأنَّه خصَّصَ بابًا للمُبهمات في آخِره ولم نَرَه فيه !، كما أنه في حاجَّةٍ مُلحَّةٍ لتحقيقه تحقي ًقا علميا؛ لا سيما
أن مخطوطاته موجودة، كلُّ ذلك نصرًة لأصحابِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عََليْهِ وسَلَّمَ، وبِ  را لابنِ حجرٍ رَحِمَهُ اللهُ تعالى .
w w w . t h i a b . c o m
٧٢
أمَّا فض ُ ل الصَّحابةِ بعامَّةٍ فهاك طرًفا منها، عساني ُأشنِّفَ سمعك، وأُثْلِجُ صدرَك إن شاء
الله تعالى :
قال الله تعالى :
فهذه الآيُة قد اشْتَمَلت على أبلغِ الثَّناءِ مِنَ الله ربِّ العالمين على السَّابقين الأوَّلين
من اُلمهاجرين والأنْصارِ والتَّابعين لهم بإحْسانٍ، حي ُ ث أخبرَ تعالى أنَّه رَضِيَ عنهم،
ورَضُوا عنه بما مَنَّ عليهم وأكْرَمَهم من جَنَّاتِ النَّعيمِ، والنَّعيمِ المُقيمِ خالدين فيها أبدًا،
وقد خَسِرَ نَ ْ فسَه بَعْدَ هذا مَنْ ملأ َقلْبَه ببُغْضِهم، واسْتَعْمَ َ ل لِسَانه في سبِّهم، والوقيعةِ
فيهم عيا ً ذا بالله !
وقال الله تعالى :
w w w . t h i a b . c o m
٧٣
وقد أطبقَ كثيرٌ من السَّلفِ أنَّ اُلمصْ َ طفِين هنا في الآيةِ : هم أصْحَابُ النَّبي صلَّى الله
عليه وسلم؛ بل هم أوْلى النَّاسِ يقينًا ﺑﻬذه الآيةِ بعد الأنبياء .
قال ابنُ جريرٍ الطبري رحمه الله ( ٣١٠ ه) : " … الذين اصطفاهم يقو ُ ل : الذين
اجتباهم لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم َفجَعََلهم أصحابَه ووُزَراءَه على الدِّينِ الذي
بعثه بالدُّعاء إليه دون المشركين به الجاحدين نُبوََّة نبيِّهم، ُثمَّ ذكرَ بإسنادِه إلى ابنِ عباسٍ
في تأويلِ هذه الآيةِ، قال : أصْحابُ مُحَمدٍ اصْطفاهم الله لنبيِّه "( ١)، وهو قول الثوري
. ( وابن المبارك( ٢
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ( ٧٢٦ ه) في مَعْرَضِ تَفْسيرِ هذه الآيةِ : قال
طائفةٌ من السَّلفِ : هم أصْحابُ محمدٍ صلَّى الله عليه وسلم، ولا رَيْبَ أنَّهم أفض ُ ل
. ( اُلمصْطفين من هذه الأمة"( ٣
وقال السَّفَّاريني رحمه الله ( ١١٨٩ ه) في مَعْرضِ تفسيرِ هذه الآيةِ : " هم أصْحابُ
محمدٍ صلَّى الله عليه وسلم"( ٤). وقال تعالى :
. ( ٢/ ١ "جامع البيان" لابن جرير الطبري ( ٢٠
٢ السابق .
. ( ١٥٦/ ٣  "منهاج السنة" لابن تيمية ( ١
. ( ٣٨٤/ ٤ "لوامع الأنوار البهية" للسَّفاريني ( ٢
w w w . t h i a b . c o m
٧٤
وهذه الآية كذلك تَضَمَّنتْ مترَِلَة الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلم بالثَّناءِ عليه، ُثمَّ ثناءَ
الله تعالى فيها بالثَّناءِ على سائِرِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم أجمعين .
وعَنْ َأبِي بُرْدََة عَنْ َأبِيهِ قَا َ ل صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عََليْهِ وَسَلَّمَ ُثمَّ
ُقْلنَا َلوْ جََلسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ قَا َ ل َفجََلسْنَا َفخَرَجَ عََليْنَا فَقَا َ ل مَا زِْلتُمْ هَاهُنَا
ُقْلنَا يَا رَسُو َ ل اللَّهِ صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ ُثمَّ ُقْلنَا نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ َقا َ ل
َأحْسَنْتُمْ َأوْ َأصَبْتُمْ قَا َ ل َفرََفعَ رَأْسَهُ إَِلى السَّمَاءِ وَكَا َ ن َ كثِيرًا مِمَّا يَرَْفعُ رَأْسَهُ إَِلى السَّمَاءِ
فَقَا َ ل " النُّجُومُ َأمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ َفإِ َ ذا َ ذهَبَتِ النُّجُومُ َأتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ وََأنَا َأمَنَةٌ لأصْحَابِي
َفإِ َ ذا َ ذهَبْتُ َأتَى َأصْحَابِي مَا يُوعَدُو َ ن وََأصْحَابِي َأمَنَةٌ لأُمَّتِي َفإِ َ ذا َ ذهَبَ َأصْحَابِي َأتَى
. ُأمَّتِي مَا يُوعَدُو َ ن " ١
. (١٩٦/ ١ أخرجه مسلم ( ٤
w w w . t h i a b . c o m
٧٥
فهذا الحدي ُ ث قد تَضَمَّنَ فضيلَة الصَّحابةِ رضي الله عنهم على وجْهِ العُمومِ كما
اشْتَمَ َ ل على بيانِ مترلتِهم ومكانتِهم العاليةِ في الأمَّةِ وذلك بأنَّهم في الأمةِ بمترلةِ النُّجومِ
من السَّماءِ .
وعن عِمْرَا َ ن بْنَ حُصَيْنٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَا َ ل : قَا َ ل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عََليْهِ وَسَلَّمَ "خَيرُْكُمْ
َقرْنِي ُثمَّ الَّذِينَ يَُلونَهُمْ ُثمَّ الَّذِينَ يَُلونَهُمْ "، قَا َ ل عِمْرَا ُ ن : لا َأدْرِي َأَ ذ َ كرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عََليهِْ
وَسَلَّمَ بَعْدُ َقرْنَيْنِ َأوْ َثلاَثًة ؟، قَا َ ل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عََليْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ بَعْدَ ُ كمْ َقوْمًا يَخُونُو َ ن ولا
. ( يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُو َ ن ولا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُو َ ن ولا يَُفو َ ن، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ "( ١
وقال شيخُ الإسلام ابن تيمية بعد أ ْ ن َ ذ َ كرَ بعضَ الأحاديثِ اُلمتَقدِّمِ ذكرها : " وهذه
الأحادي ُ ث مُسْتفيضةٌ؛ بل مُتَواترةٌ في فضائلِ الصَّحابةِ والثَّناءِ عليهم، وتَفْضيلِ َقرْنِهم على مَنْ
. ( بَعْدِهم من الُقرُونِ، والَقدْحُ فيهم قَدحٌْ في القرآنِ والسُّنةِ"( ٢
* * *
أمَّا ذِكْرُ َفضَائلِهم عند السَّلفِ الصَّالحِ َفحَديثٌ ذو شُجُونٍ لا تَشْبعُ منه النُُّفوسُ،
فهاك بعض ما قاله حَبْرُ الأمَّةِ تُرْجُمان القرآن عبدُ الله بنُ عباسٍ رضي الله عنه : " إنَّ
الله  جَلَّ ثناؤُه وتََقدَّست أسماؤُه  خَصَّ نبيَّه مُحمدًا صَلَّى اللهُ عََليهِْ وسَلَّمَ بصحابةٍ
. (١٩٦٣/ ٢٨٨ )، ومسلم ( ٤ / ١ أخرجه البخاري ( ٢
. (٤٣٠/ ٢ "مجموع الفتاوى" لابن تيمية ( ٤
w w w . t h i a b . c o m
٧٦
آَثرُوه على الأنْفُسِ والأمْوالِ، وبَ َ ذلُوا النَّفْسَ دونه في كُلِّ حالٍ، ووَصََفهم الله في كتابه
فقال :
قامُوا بمعالِمِ الدِّينِ، وناصَحُوا الاجتهادَ للمسلمين حتى تَهَذَّبت ُ طرُُقه، وقويتْ
أسبابُه و َ ظهَرَتْ آلاءُ الله، واسْتَقرَّ دينُه ووضحت أعلامُه، وأذلَّ ﺑﻬم الشَّركَ، وأزا َ ل
رؤوسَه ومَحَا دعائمَه، وصارتْ كلمُة الله العلياء، وكلمُة الذين كفروا السُّفلى،
فصلواتُ الله ورحمتُه وبركاتُه على تلك النُّفوسِ الزَّكيةِ، والأرواحِ الطَّاهرةِ العاليةِ، فقد
كانوا في الحياةِ لله أولياءَ، وكانوا بعد الموتِ أحياءَ ( بذكرِهم )، وكانوا لعبادِ الله
.( نُصَحَاءَ، رَحَلُوا إلى الآخرةِ قبل أ ْ ن يَصِلُوا إليها، وخَرَجُوا مِنَ الدُّنيا وهم بَعْدُ فيها "( ١
* * *
w w w . t h i a b . c o m
٧٧
وروى ابنُ بطََّة بإسنادِه عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه أنَّه قال : " مَنْ كان
مِنْ ُ كم مُسْتنًا فلْيَسْتَنَّ بمن قد ماتَ؛ فإنَّ الحيَّ لا تُؤمنُ عليه الفتنُة، أولئك أصْحابُ
مُحمدٍ كانوا والله أفْضَ َ ل هذه الأمَّةِ، وأبرَّها ُقُلوبًا، وأعمََقها عِلمًا وأقلَّها تَ َ كلًُّفا، َقوْمًا
أختارَهُم الله لِصُحْبَةِ نبيِّه، وإقامةِ دينِهِ، فاعْرُِفوا َلهُم َفضَْلهم، واتَّبِعُوهم في آثارِهم،
.( وتَمَسَّكُوا بما اسْتَ َ طعتُم مِنْ أخلاقِهم ودينِهم؛ فإنَّهم كانوا على ا ُ لهدَى اُلمسْتقيمِ "( ٢
وروى أبو نُعيمٍ الأصبهاني بإسنادِه عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما ( ٣) نَحو
كلامِ ابنِ مسعودٍ .
وروى الإمامُ أحمدُ بإسناده إلى قتادَة بنِ دعامة أنَّه قال : " أحَقُّ مَنْ صَدَّْقتُم أصحابَ
.( رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الذين اختارَهم الله لِصُحْبةِ نبيِّه، وإقامَةِ دينِهِ"( ٤
قال الإمام أبو زرعة رحمه الله : " إذا رأيتَ الرَّج َ ل يَنْتَقِصُ أحدًا من أصْحابِ
عندنا حَقٌّ، والقرآ ُ ن حقٌ،  فاعَْلمْ أنَّه زنديقٌ، وذلك أنَّ الرَّسو َ ل  رسولِ الله
وإنَّما يُرِيدُون أ ْ ن ، وإنَّما أدَّى إلينا هذا القرآ َ ن والسُّنَنَ أصْحابُ رسولِ الله
. (٧٥/ ١ "مروج الذهب ومعادن الجوهر" للمسعودي ( ٣
. (١٦٦/ ٢  انظر "منهاج السنة" لابن تيمية ( ١
.(٢١٤/ ٣٠٥  ٣٠٦ )، وذكره البغوي عن ابن مسعود ( ١ / ٣  "حلية الأولياء" ( ١
. (١٣٤/ ٤ أخرجه أحمد ( ٣
w w w . t h i a b . c o m
٧٨
يَجْرَحُوا شُهُودَنا لِيُبْطِلُوا الكتابَ والسُّنَة، وا َ لجرْحُ ﺑﻬم أولى وهم زنادقةٌ" ١رواه
الخطيب، وابن عساكر .
وقال الَفضْلُ بن زيادٍ سمعتُ أبا عبدِ الله، وسُئِ َ ل عن رَجُلٍ انْتََقصَ مُعاويَة، وعمرَو
بنَ العاصِ أيُقَا ُ ل له : رافضيٌ ؟ قال : إنَّه لم يَجْتَرِ عليهما إلاَّ خبيثُة سُوءٍ، ما يُبْغِضُ أحدٌ
. إلاَّ وله دَاخَِلةُ سُوْءٍ" ٢  أحدًا من أصْحابِ رسولِ الله
وقال العلامة السَّفاريني : " ولا يرتابُ أحدٌ من َ ذوِي الألبابِ أنَّ الصحابَة الكرامَ
هم الذين حازوا َقصَباتِ السَّبْقِ، واسْتَوَْلوْا على مَعالي الأمورِ من الَفضْلِ والمَعْروفِ
والصِّدقِ، فالسَّعيدُ من اتَّبعَ صِرا َ طهُم المستقيمَ واْقتََفى منهجَهم القويمَ، والتَّعيسُ مَنْ
عَدَ َ ل عن طريقِهم، ولم يَتَحقَّقْ بتحقِيقِهم ... فلا مَعْروفَ إلاَّ ما عنهم عُرِفَ، ولا بُرها َ ن
إلاَّ بعُُلومِهم ُ كشِفَ، ولا سبي َ ل نجاةٍ إلاَّ ما سََل ُ كوا، ولا خيرَ سعادةٍ إلاَّ ما حَقَّقُوهُ
.( وحَ َ كوْهُ، َفرِضْوانُ الله تعالى عليهم أجمعين"( ٣
وقد قيل : " كلُّ خيرٍ فيه المسلمون إلى يومِ القيامةِ مِنَ الإيمانِ، والإسلامِ، والقرآنِ،
والعلمِ، والمعارفِ، والعباداتِ، ودُخُولِ الجنَّةِ والنَّجاةِ منَ النَّارِ، وانْتِصارِهم على
. (٣٢/ ١ "الكفاية" للخطيب البغدادي ( ٩٧ )، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر ( ٣٨
. ( ٢١٠ )، و"السنة" للخلال ( ٤٤٧ / ٢ "تاريخ دمشق" لابن عساكر ( ٥٩
. ( ٣٧٩  ٣٨٠ / ٣  "لوامع الأنوار البهية" للسفاريني ( ٢
w w w . t h i a b . c o m
٧٩
الكفارِ، وعُُلو كلمةِ الله  فإنَّما هو ببركةِ ما َفعََلهُ الصَّحابُة الذين بَلَّغُوا الدِّينَ،
وجاهدوا في سبيلِ الله، وكُلُّ مؤمنٍ آمَنَ بالله فللصَّحابةِ رضي الله عنهم الَفضْلُ إلى يومِ
. القيامةِ" ١
* * *
وﺑﻬذا نكتفي بما جاءَ في َفضْلِهم، والثَّناءِ عليهم رضي الله عنهم أجمعين، ومن أراد
زيادًة عن فضلِهم فعليه بكُتُبِ السُّنَّةِ، والسِّيرِ، لا سيما ال ُ كتُبُ التي عَنَتْ بتَرَاجِمِهم .
لذلك لمَّا وقفَ علماءُ الأمةِ رحمهم الله سلفًا وخلفًا حيا َ ل هذه الأدلَّةِ الشرعيةِ،
والأحاديثِ النبويةِ، والآثارِ السَّلفيةِ الدَّالةِ على َفضْلِ الصحابةِ رضي الله عنهم، قابَُلوها
بالتَّسليمِ والَقبُولِ مع اعتقادِ َفضْلِهم، والتَّرحُّمِ عليهم، وذِكْرِ مَحَاسنِهم بين الناسِ ممَّا
يَحْصُلُ بذلك سَلامُة صُدُورِهم وُقُلوبِهم تُجَاه الصَّحابةِ رضي الله عنهم، وهذا ُ كلُّه لا
يستقيمُ ولا يكو ُ ن إلاَّ باعتقادِ ضِدِّه، ومُنابذةِ خِلافِه .
وذلك بالكفِّ عمَّا شَجَرَ بينهم، وعَدَمِ ذِ ْ كرِه بين الناسِ ممَّا يَحْصُل به سُوءُ َ ظنٍّ،
وضِيْقُ صَدْرٍ، وإثارُة شُبَهٍ عليهم؛ وهذا يَتَنَافى مع ما يَجِبُ في حَقِّهم مِنْ حُبٍّ، وتَرَضِّي
عنهم، وتَرحُّمٍ عليهم، وحِفْظِ َفضَائِلِهم، والاعْتِرافِ لهم بسوابِقِهم، ونَشْرِ مناقِبِهم،
١ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وانظر "طريق الهجرتين" لابن القيم ( ٣٦٢ ) نق ً لا عن "عقيدة أهل السنة
w w w . t h i a b . c o m
٨٠
وأنَّ الذي حَصَ َ ل بينهم إنِّما كان عن اجتهادٍ؛ فالقات ُ ل والمقتو ُ ل منهم في الجنَّةِ، ولم يُجَوِّزْ
أه ُ ل السنَّةِ والجماعةِ ا َ لخوْضَ فيما شَجَرَ بينهم كما هو مَعْلومٌ عند عامَّةِ النَّاسِ، ولا
يُخَالِفُ ذلك إلاَّ مُبتدعٌ أو جَاهِلٌ !
* * *
والجماعة" لناصر .
w w w . t h i a b . c o m
٨١
ما وََقعَ بين الصَّحابةِ قد دلَّتْ عليه النُّصوص الشَّرعيُة
هناك نُصُوصٌ شرعيَّةٌ قد أشارتْ وأخْبرتْ بما سَيََقعُ بين الصَّحابةِ رضي الله عنهم
مِنْ قِتالٍ ونِزَاعٍ مَعَ بيانِ َفضْلِهم واصْطِفائِهم كما مرَّ معنا آنًِفا، فمنها :
ما رواه الشيخان عَنْ َأبِي هُرَيْرََة رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عََليْهِ وَسَلَّمَ قَا َ ل
.( : " لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِ َ ل فَِئتَانِ فَيَ ُ كو َ ن بَيْنَهُمَا مَقْتََلةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ "( ١
فالمرادُ بالفئتين في هذا الحديثِ جماعُة عليٍّ، وجماعُة معاويَة رضي الله عنهما، واُلمرادُ
. ( بالدَّعْوةِ أيضًا الإسلامُ على الرَّاجِحِ، وقيل اُلمرادُ : اعْتِقادُ كُلٍّ مِنْهما الحَقَّ ( ٢
وعن أبي بَكْرََة رضي الله عنه قال : بَيْنَا النَّبيُّ صَلَّى الله عليه وسَلَّم يَخْطُبُ جَاءَ
ا َ لحسَنُ، فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " ابْنِي هذا سَيِّدٌ، وَلعَلَّ اللهَ أ ْ ن يُصْلِحَ به بينَ
.( فَِئتَين مِنَ اُلمسْلمين "( ٣
ففي هذا الحديثِ شهادةٌ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم بإسلامِ الطَّائفتين  أهلِ
العراقِ وأهلِ الشَّامِ  لذا كان يقو ُ ل سُفيا ُ ن بنُ عُيَيْنَة رحمه الله : " قوُله : فئتين من
المسلمين، يُعْجِبُنا جِ  دا "، قال البَيْهقِيُّ : " وإنَّما أعَجَبَهم لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم
. (٢٢١٤/ ٢٣١ )، ومسلم ( ٤ / ١ أخرجه البخاري ( ٤
. ( ٣٠٣/ ٢ انظر "فتح الباري" لابن حجرٍ ( ١٢
. (٣٧٤٦) ،( ٣ أخرجه البخاري ( ٢٧٠٤
w w w . t h i a b . c o m
٨٢
سَمَّاهما مُسْلمينَ، وهذا خَبَرٌ مِنْ رَسُولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بِما كان مِنَ الحَسَنِ
. ابنِ عليٍّ بعد وَفَاةِ عَليٍّ في تَسْلِيمِهِ الأمْرَ إلى مُعَاويَة بنِ أبي سُفيان" ١
* * *
وهذا عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه يقول فيما رواه حمزُة بن يسارٍ عن أبيه قال :
وقف عليُّ بنُ أبي طالبٍ على َقتْلاه وَقتَْلى مُعَاويَة، فقال : " َ غَفرَ اللهُ لكم" للفرِيقين
. جميعًا" ٢
وقال أيضًا فيما رواه عبدُ الله بنُ عُروة ( ١٢٦ ه) قال : أخْبَرني مَنْ شَهِدَ صِفِّينَ،
قال : رأيتُ عليًا خَرَجَ في بعضِ تلك اللَّيالي َفنَ َ ظرَ إلى أهلِ الشام، فقال : "اللَّهمَّ ا ْ غفِرْ
. لي ولهم" ٣
وروى الشَّعبيُّ ( ١٠٤ ه) قال : قلت للحارثِ بن مالك : ما شأ ُ ن ا َ لحسَنِ ( ابن
عليٍّ ) بايَعَ معاويَة ؟
قال : إنَّه سَمِعَ مِنْ أميرِ المؤمنين عليِّ بنِ أبي طالبٍ ما سَمِعُتُ .
قلتُ : وما سَمِعْتَ ؟
. (٦٦/ ١ "الاعتقاد" للبيهقي ص ( ١٩٨ )، و"فتح الباري" لابن حجر ( ١٣
. ( ٢ "تتريه خال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان" لأبي يعلى الحنبلي ( ٩٢
. ( ٢٩٧ )، انظر "تتريه خال المؤمنين معاوية" لأبي يعلى ( ٩٣ / ٣ أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" ( ١٥
w w w . t h i a b . c o m
٨٣
قال : سمعْتُه يقو ُ ل : " لا تَكْرَهُوا إمارَة مُعاويَة، فإنَّكم لو فقدتُّمُوه رأيتم رؤوسًا
تَبْدُرُ عن كَوَاهِلِها كأنَّها ا َ لحنْ َ ظلُ" ١ ابن أبي شيبه.
فإنَّ الله قد أمرنا ، وقال ابنُ عباس رضي الله عنهما : " لا تَسُبُّوا أصحابَ محمدٍ
. بالاسْتِغفارِ لهم، وهو يعلمُ أنَّهم سَيَقْتَتُِلون" ٢
* * *
وهذه الأحادي ُ ث والآثارُ اُلمتقدِّمُ ذِ ْ كرُها قاطعةٌ بأنَّ أه َ ل العِرَاقِ من الصَّحابةِ الذين
كانوا مع علي بنِ أبي طالبٍ، وأه َ ل الشَّامِ من الصَّحابةِ الذين كانوا مع مُعَاويَة بن أبي
سفيا َ ن بأنَّهم مِنْ أُمَّةِ مُحَمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، ومُتَعلُِّقون جَميعًا با َ لحقِّ، كما شَهِدَ
. لهم النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بذلك ٣
" والكتاب والسنة قد دلا على أنَّ الطَّائفتين مسلمون، وأنَّ تركَ القتالِ كان خيرًا
من وُجُودِه، قال تعالى : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت
إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فاصلحوا
. ( ٢٩٣ )، وانظر "تتريه خال المؤمنين" لأبي يعلى ( ٩٣ / ١ أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ( ١٥
.(٣٣/ ٢ " الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة" لابن بطة ( ١١٩ )، وأورده القرطبي في "تفسيره" ( ١٨
٣ وفي هذا ردٌّ على طائفتين ضالتين : الخوارج الذين كفروا الصحابة، والشيعة الذين كفروا مُعظم الصحابة
رضي الله عنهم.
w w w . t h i a b . c o m
٨٤
بينهما بالعدلِ وأقس ُ طوا إنَّ الله يُحبُّ اُلمقسطين"[الحجرات ٩]، فسمَّاهم مؤمنين إخْوًَة
. مع وُجُودِ الاقتِتَالِ والبغِيِّ" ١
* * *
. (٤٥٠-٤٤٩/ ١ انظر"منهاج السنة" لابن تيمية ( ٤
w w w . t h i a b . c o m
٨٥
أقوال النَّاسُ فيما وََقعَ بين الصَّحابةِ
فلا ريب أنَّ ما وقع بين العَسْكرين ( عسكر عليٍّ ومُعاويَة بصفِّين )، لم يكن لعليٍّ
ومُعاويَة رضي الله عنهما اختيارٌ في الحربِ ابتداءً؛ بل كانا من أشدِّ الناسِ حِرْصًا على
أ ْ ن لا يكون قتالٌ .
وقتا ُ ل صفِّين للناسِ فيه أقوا ُ ل :
الأول : من يقو ُ ل : كلاهما كانا مُجتهدًا مُصيبًا، وبه قال أكثرُ أهلِ الكلامِ،
والفقهِ، والحديث ممَّن يقو ُ ل : كلُّ مُجتهدٍ مُصيبٌ !!، وهو قو ُ ل كثيرٍ من الأشعريَّةِ،
والكُّرَّاميَّةِ وغيرِهم .
الثاني : من يقو ُ ل : بل اُلمصيبُ أحدهما لا بِعَيْنِه .
الثالث : من يقو ُ ل : عليٌّ هو المٌصيبُ وحدَه، ومُعاويُة مُجتهدٌ مُخطئ، وهو قو ُ ل
طوائفِ من أهلِ الكلامِ، والفقهاءِ أهلِ المذاهبِ الأربعةِ، وقد حكى هذه الأقوا َ ل
الثلاثةِ أبو عبد الله بن حامد عن أصحابِ أحمدَ وغيرهم .
الرابع : من يقو ُ ل : كان الصَّوابُ أ ْ ن لا يكو َ ن قِتالٌ، وكان تركُ القتالِ خيرًا
للطَّائفتين، فليس في الاقتِتالِ صوابٌ، ولكنْ عليٌّ كان أقربَ إلى الحقِّ من مُعاويَة،
w w w . t h i a b . c o m
٨٦
والقتا ُ ل قِتالُ فِتْنةٍ ليس بواجبٍ ولا مُستحبٌ، وكان تركُ القتالِ خيرًا للطَّائفتين، مع أنَّ
عليًا كان أولى بالحقِّ !
وهذا هو قو ُ ل أحمد، وأكثرُ أهلِ الحديثِ، وأكثرِ أئمَّةِ الفقهاءِ، وهو قو ُ ل أكابرِ
. الصَّحابةِ، والتَّابعين لهم بإحْسانٍ ١
* * *
٤٤٨ ) بتصرف . -٤٤٧/ ١ انظر "منهاج السنة" لابن تيمية ( ٤
w w w . t h i a b . c o m
٨٧
أيُّهما أولى بالحقِّ عليٌّ أم مُعاوية ؟
ومع ما ذَكْرناهُ آنًِفا؛ فلا نَشُكُّ أنَّ عليًا ومن معه أولى بالحقِّ من مُعاويةِ ومن معه،
أنَّه قال : " تَمْرقُ مارقةٌ على خيرِ فِرْقةٍ من اُلمسلمين، تَقْتُُلهم  كما ثبت عن النبي
أوْلى الطَّائفتينِ بالحقِّ " ١ مسلم، فدلَّ هذا الحدي ُ ث على أنَّ عليا أولى بالحقِّ ممَّنْ قاتله؛
. فإنَّه هو الذي قت َ ل الخوارجَ لمَّا افْتَرقَ المسلمون ٢
ومَعَ هَ َ ذا؛ إذا ُقْلنَا : إنَّ عَليا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَا َ ن أوَْلى بالحَقِّ مِمَّنْ َقاتََله، إلاَّ أنَّ
الصَّوَابَ والحَقَّ ُ كلَّه كَا َ ن فِي تَرْكِ القِتَالِ؛ لأنَّ القِتَا َ ل قِتَا ُ ل فِتْنَةٍ َليْسَ بِوَاجِبٍ، ولا
مُسْتَحَبٍّ، ف َ كا َ ن تَرْكُ القِتَالِ خَيْرًا للطَّائَِفتَيْنِ َق ْ طعًا!
* * *
جميعُ ما يُطعنُ به فيهم أكثرُه َ كذِبٌ، والصِّدقُ منه  " … فأصحابُ رسولِ الله
غايتُه أ ْ ن يكو َ ن ذنبًا، أو خطًأ، والخطأ مغفورٌ، والذَّنبُ له أسبابُ متعدِّدةٌ تُوجِبُ
. ( ١ أخرجه مسلم ( ١٠٦٥
. (٥٧/ ٢ "منهاج السنة" لابن تيمية ( ٧
w w w . t h i a b . c o m
٨٨
المغفرةِ، ولا يُمكن أحدٌ أ ْ ن يَقْطعَ بأنَّ واحدًا منهم َفعَ َ ل من الذُّنُوبِ ما يُوجِبُ النَّارِ لا
. محالة" ١
" وبا ُ لجمْلةِ ليس علينا أ ْ ن نَعْرِفَ كلَّ واحدٍ تابَ، ولكن نحنُ نَعْلمُ أنَّ التَّوبَة
مشروعةٌ لكلِّ عبدٍ : للأنبياءِ ولمن دونِهم، وأنَّ الله سبحانه، يرفعُ عبْدَه بالتَّوبةِ، وإذا
ابْتلاهُ بما يتُوبُ منه، فالمَقْصُودُ كما ُ ل النِّهايةِ، لا نَقْصَ البِدايةِ، فإنَّه تعالى يُحبُّ التَّوَّابين
. ويُحبُّ اُلمتطهِّرين، وهو يُبدِّ ُ ل بالتَّوبةِ السَّيئاتِ حَسَناتٍ" ٢
* * *
. (٤٦١- ٤٦٠/ ١ السابق ( ٥
. (٢٠٩/ ٢ السابق ( ٦
w w w . t h i a b . c o m
٨٩
الفصل الثاني
وجوب محبَّةِ الصحابةِ رضي الله عنهم
، لقد بات مِنْ عقائدِ أهلِ السنةِ والجماعةِ : وُجُوبُ مَحَبَّةِ أصحابِ رسولِ الله
وتعظيمِهم، وتوقيرِهم، وتكريمِهم، والإقتداءِ ﺑﻬم، والأخذِ بآثارِهم، وحُرْمُة ضِدِّ ذلك
من : بُغْضِهم، أو ازدرائِهم، أو ذِكْرِ مساوئهم …!
قال تعالى : " والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين
.[ سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غ ً لا للذين أمنوا ربنا إنك رءوف رحيم"[الحشر ١٠
ففي هذه الآية دليلٌ على وُجُوبِ محبَّةِ الصَّحابةِ، لأنَّه تعالى جَعَ َ ل لِمَنْ بعدهم ح ً ظا في
الفيءِ ما أقامُوا على مَحَبَّتِهم، ومُوَالاتِهم، والاستغفارِ لهم، وأنَّ مَنْ سبَّهم، أو واحِدًا منهم،
أو اعْتََقدَ فيه ش را : أنَّه لا حَقَّ له في الفيءِ، رُوِيَ ذلك عن مالكٍ وغيرِه، قال مالك : " من
أو كان في َقلْبِهِ عليهم غِلٌّ فليس له حَقٌّ في فيءِ ، كان يُبْغِضُ أحدًا من أصحابِ محمدٍ
. المسلمين، ثمَّ قرأ : "والذين جاءوا من بعدهم" ١
وقال الطَّحاوي رحمه الله مبيِّنًا ما يجبُ على المسلم اعْتِقادُه في مَحبَّةِ أصحابِ رسولِ
ولا نُفْرِطُ في حُبِّ أحدٍ منهم، ولا نَتَبرَّأُ من ، ونُحِبُّ أصحابِ رسولِ الله "  الله
.(٣٢/ ١ " الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ( ١٨
w w w . t h i a b . c o m
٩٠
أحدٍ منهم، ونُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضْهم وبغيرِ الخيرِ يَ ْ ذ ُ كرْهم، ولا نَ ْ ذ ُ كرُهم إلاَّ بخيرٍ، وحُبُّهم
. دِينٌْ وإيمانٌ وإحسانٌ، وبُغْضُهم كُفْرٌ ونِفاقٌ وطُغيانٌ" ١
* * *
فعلى المسلمِ أ ْ ن يَسْلُكَ في حُبِّ الصَّحابةِ مَسْلكَ السَّلفِ الصَّالحِ، بحيث يُحِبُّهم
جميعًا، ولا يَفْرُطُ في حُبِّ أحدٍ منهم، وأن يتبرَأ من طريقةِ الشِّيعةِ الرَّافضةِ الذين
يتديَّنُون بِبُغْضِهم وسَبِّهم، ومن َ طريقِ النَّواصِبِ وا َ لخوَارجِ الذين ابْتُُلوا ببغضِ أهلِ بيتِ
!  رسولِ الله
قال ابنُ تيمية رحمه الله : " ويتبرؤون ( أي السلف ) من طريقةِ الرَّوافضِ والشِّيعةِ
الذين يُبْغضو َ ن الصَّحابَة ويَسُبُّونَهم، وطريقةِ النَّواصبِ والخوارجِ الذين يؤذون أه َ ل
. البيتِ بقولٍ أو عَمَلٍ" ٢
وبعد هذا؛ من أراد السَّلامَة لدينِه فليُحِبَّهم جميعًا، وأ ْ ن يختمَ ذلك على نفسِه، وعلى
كلِّ أبناءِ جِنْسِه؛ لأنَّ ذلك واجبٌ على جميعِ الأمَّةِ، واتََّفقَ على ذلك الأئمَُّة، فلا يَزُو ُ غ
* * * . عن حُبِّهم إلاَّ هالكٌ، ولا يَزُوغ عن وُجُوبِ ذلك إلاَّ آفكٌ ٣
. ( ١ "شرح الطحاوية" لابن أبي العز ( ٤٦٧
. ( ٢ "شرح العقيدة الواسطية" لمحمد خليل هراس ( ١٧٣
. (٣٥٤/ ٣ انظر "لوامع الأنوار البهية" للسفاريني ( ٢
w w w . t h i a b . c o m
٩١
الفصل الثالث
وُجُوبُ الدُّعاءِ والاسْتِغفارِ للصَّحابةِ رضي الله عنهم
واجبٌ على كلِّ مسلمٍ جاءَ بعد الصَّحابةِ رضي الله عنهم من عبادِ الله المؤمنين أ ْ ن
يدعُوا لهم، ويستغفرَ لهم، ويَتَرحَّمَ عليهم لِمَا لهم مِنَ الَقدْرِ العظيمِ، ولما حَازُوهُ منَ
المَنَاقِبِ الحميدةِ، والسَّوابقِ القديمةِ، والمحاسِنِ اَلمشْهُورةِ، ولما لهم مِنْ الفضْلِ الكبيرِ على
. كُلٍّ مَنْ أتَى بعدهم ١
وأخرج عبدُ بنُ حُمَيْدٍ، وابنُ اُلمنْذرِ، وابنُ أبي حاتمٍ، وابنُ الأنْباريِّ في "المصاحف"،
وابنُ مردَوَيْه عن عائشَة رضي الله عنها، قالت : " أُمِرُوا أ ْ ن يَسْتغْفِرُوا لأصْحابِ
َفسَبُّوهم!، ثم قرأتْ : " والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ، النَّبي
. ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان" الآية" ٢
 قال النَّوويُّ رحمه الله : " أمَّا قولها : " ُأمروا أن يستغفروا لأصحابِ النبي
فسبُّوهم"، قال القاضي : الظَّاهرُ أنَّها قالت هذا عندما سَمِعتْ أه َ ل مِصْرَ يقولون في
عثما َ ن ما قالوا، وأه َ ل الشامِ في عليٍّ ما قالوا، والحروريََّة في الجميعِ ما قالوا!، وأمَّا
. ( ١ انظر"طريق الهجرتين" لابن القيم ( ٥٣٧
. (١١٣/ ٢ "الدر المنثور" للسيوطي ( ٨
w w w . t h i a b . c o m
٩٢
الأمرُ بالاستغفارِ الذي أشارت إليه فهو قوله تعالى : " والذين جاءو من بعدهم يقولون
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان" الآية.
وﺑﻬذا احْتَجَّ مالكٌ في أنَّه لاحَقَّ في الفيءِ لمن سَبَّ الصَّحابَة رضي الله عنهم؛ لأنَّالله
. تعالى إنَّما جَعََله لمن جاء بعدهم ممَّنْ يَسْتَغْفِرُ الله لهم، والله أعلم" ١
فإنَّ الله قد أمرنا ، وقال ابنُ عباس رضي الله عنهما : " لا تَسُبُّوا أصحابَ محمدٍ
. بالاسْتِغفارِ لهم، وهو يعلمُ أنَّهم سَيَقْتَتِلُون" ٢
* * *
وذكر البغوي رحمه الله عند تفسيره لقوله تعالى : "والذين جاءوا من بعدهم" الآية،
عن مالكِ بنِ مغولٍ قال : قال عامرُ بنُ شُراحيل الشَّعبي : يا مالكُ تََفاضََلتْ (أي :
َفضُلتْ ) اليهودُ والنصارى الرَّافضَة بِخِصْلةٍ!، سُئلتِ اليهودُ مَنْ خيرُ أهلِ مِلَّتِكم؟
فقالت : أصحابُ موسى عليه السلام، وسُئَلتِ النصارى : مَنْ خيرُ أهل مِلَّتِكم؟ فقالوا
: حَوَاريُّ عيسى عليه الصلاة والسلام، وسُئَِلتِ الرَّافضُة : مَنْ شَرُّ أهلِ مِلَّتِكم؟ فقالوا
أُمِرُوا بالاستغفارِ لهم َفسَبُّوهم، فالسَّيفُ عليهم مَسْلولٌ إلى يومِ . : أصحابُ محمدٍ
. (١٥٩ – ١٥٨/ ١ "شرح مسلم" للنووي ( ١٨
.(٣٣/ ٢ " الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة" لابن بطة ( ١١٩ )، وأورده القرطبي في "تفسيره" ( ١٨
w w w . t h i a b . c o m
٩٣
القيامةِ، لا تَقُومُ لهم رايةٌ، ولا يَثْبُتُ لهم َقدَمٌ ، ولا تَجْتَمِعُ لهم َ كلِمةٌ، ُ كلمَّا أوَْقدُوا نارًا
للحَرْبِ أ ْ طفأها الله بسفِكِ دمائِهم وتفريقِ شَمْلِهم وإدْحَاضِ حُجَّتِهم، أعاذنا الله
. وإياكم من الفِتَنِ المُضِلَّةِ" ١
* * *
وأخيرًا هاك ما قاله الإمامُ الشوكاني رحمه الله بعد أن َ ذ َ كرَ قوَله تعالى : "والذين
جاءوا من بعدهم"الآية : " أمرَهم الله سبحانه بعد الاستغفارِ للمُهاجرين والأنْصارِ أن
يَطْلُبُوا مِنْ الله سبحانه أ ْ ن يَنْزَعَ من ُقُلوبِهم الغِلَّ للذين أمنوا على الإ ْ طلاقِ، َفيَدْخُلُ في
ذلك الصحابُة دُخُو ً لا أوَّليًا لكونِهم أشْرفَ المؤمنين، ولكو َ ن السِّياق فيهم، فمن لم
يستغفرْ للصَّحابةِ على العُمُومِ، ويَ ْ طُلبْ رِضْوا َ ن الله لهم َفَقدْ خَاَلفَ ما أمَرَ الله به فيهذه
الآيةِ!، فإ ْ ن وَجَدَ في قلبِهِ غِ ً لا لهم فقد أصابَه نَزْغٌ من الشيطانِ وحَلَّ به نَصِيبٌ وافرٌ مِنْ
وانَْفتح له بابُ ا ُ لخذْلانِ يَفِدُ به على نارِ ، عِصْيان الله َلعَدَاوةِ أوليائِه وخيرِ أُمَّةِ نبيِّهِ
جهنَّمِ إ ْ ن لم يَتَدَارَكْ نفسَه باللَّجأ إلى الله سبحانه، والاستغاثةِ به بأ ْ ن يَنْزِعَ عن قلبِهِ ما
َ طرََقهُ مِنْ الغِلِّ لِخَيْرِ الُقرُونِ وأشْرفِ هذه الأمةِ، فإ ْ ن جَاوَزَ ما يَجِدُه مِنَ الغِلِّ إلى شَتْمِ
٣٣ )، وانظر أيضًا "منهاج / ٥٤ )، وذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ( ١٨ / ١ "تفسير البغوي" ( ٧
. (٥٣٢ – ٧)، و"شرح الطحاوية" لابن أبي العز ( ٥٣١ – ٦/ السنة" لابن تيمية ( ١
w w w . t h i a b . c o m
٩٤
أحَدٍ منهم، َفَقدْ انْقَادَ للشيطانِ بزمامٍ، ووَقعَ في َ غضَبِ الله وسَخَطِه، وهذا الدَّاءُ
العُضَا ُ ل إنَّما يُصَابُ به من ابْتُلِيَ بمُعَلِّمٍ مِنَ الرَّافضةِ، أو صَاحبٍ من أعداءِ خيرِ الأمةِ
الذين تلاعبَ ﺑﻬم الشيطا ُ ن، وزيَّنَ لهم الأكاذيبَ اُلمخْتلفَة، والأَقاصيصَ اُلم ْ فتَراه،
وا ُ لخرافاتِ اَلموْضُوعَة، وصرفهم عن كتابِ الله الذي لا يأتيه الباط ُ ل من بين يَدَيْه ولا
المنقُولةِ إلينا برواياتِ الأئمةِ الأكابرِ في كُلِّ عَصْرٍ  من خَلْفِه، وعن سُنةِ رسولِ الله
من العُصُورِ فاشْتَرَوْا الضَّلالَة با ُ لهدَى، واسْتَبدَُلوا الخُسْرا َ ن العظيمَ بالرِّبْحِ الوَافرِ، وما
زا َ ل الشيطا ُ ن الرَّجيمُ يَنْقُلُهم من مَنْزَِلةٍ إلى مترلةٍ، ومِنْ رُتْبَةٍ إلى رتبةٍ حتى صاروا أعْداءَ
كتابِ الله، وسنةِ رسولِه، وخيرِ ُأمته، وصالِحِي عبادِه، وسائرِ المؤمنين، وأهْمَُلوا َفرائضَ
الله، وهَجَروا شعائرَ الدِّينَ، وسَعُوا في َ كيْدِ الإسلامِ وأهلِهِ كُلَّ السَّعْيَ، ورَمَوْا الدِّينَ
. وأهَله بِكُلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ والله من ورائِهم مُحي ُ ط" ١
* * *
فهذه النُّصُوصُ التي سُ ْ قناها في هذا المبحثِ عن اُلمتقدِّمين واُلمتأخرين من أهلِ السنةِ
والجماعةِ ُ كلُّها تُبَيِّنُ : أنَّهم هم الفائزون بسلامةِ الصُّدُورِ من الغِلِّ والحِقْدِ لأصحابِ
وأﻧﻬم يعتقدون أنَّ مِنْ حقِّ الصَّحابةِ الكرامِ على من بعدهم التَّرحُّمُ ، رسولِ الله
. (٢٠٢/ ١ "فتح القدير" للشوكاني ( ٥
w w w . t h i a b . c o m
٩٥
، عليهم، والاستغفارُ لهم، فأه ُ ل السنةِ والجماعةِ يترحَّمون على أصحابِ رسولِ الله
صغيرِهم وكبيرِهم، وأوَّلِهم وأخرِهم، ويَ ْ ذ ُ كرون مَحَاسِنَهم، ويَنْشُرون َفضائَِلهم،
ويقتدون بِهَدْيِهم، ويَقْتَفُون آثارَهم، ويعتقدون أنَّ الحقَّ في كُلِّ ما قالوه، والصَّوابَ
. فيما َفعَلُوه ١
وبعد هذا؛ فليس من أهلِ السُّنةِ وا َ لجماعةِ مَنْ لم يَتَرحَّمْ على الصَّحابةِ، ويستغفرْ
لهم، وليس له حظٌ في شيءٍ من فيءِ اُلمسْلمين كما ذكرَه الإمامُ مالكُ رحمه الله وغيرُه .
* * *
. (٢٦٥ – ١ انظر "الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة" لابن بطة ( ٢٦٤
w w w . t h i a b . c o m
٩٦
الفصل الرابع
عَدَالُة الصَّحابةِ رضي الله عنهم
أجمعَ أه ُ ل السنةِ والجماعةِ على : أنَّ الصَّحابَة جميعَهم عُدُولٌ بلا اسْتِثناءٍ سواءٌ مَنْ
ولما لهم ، لابَسَ الفِتْنََة منهم أو لا، نظرًا لما أكرَمَهم الله به من شرفِ الصُّحبةِ لنبيِّه
منْ مناصرةٍ، ومؤازرةٍ، وإيمانٍ، ،  من المآثِرِ الجليلةِ، والمواقفِ العظيمةِ مع النَّبي
ومُتابعةٍ، وإيثارٍ، وجهادٍ، بين يديْهِ…
وقد نقل الإجماعَ على عَدَالتِهم جَمْعٌ غفيرٌ من أهلِ العلمِ :
قال الخطيبُ البغدادي رحمه الله ( ٤٦٣ ه) بعد أ ْ ن ذكرَ الأدلََّة من كتابِ الله،
التي دلَّت على عَدَالةِ الصَّحابةِ وأنَّهم ُ كلُّهم عُدُولٌ، قال : " هذا ، وسنةِ رسولِ الله
. مذْهَبُ كافَّةِ العلماءِ، ومَنْ يَعْتَدُّ بقولِهم مِنَ الفَُقهاءِ" ١
وقال ابنُ عبدِ البرِّ أيضًا : " ونحنُ وإ ْ ن كان الصَّحابُة رضي الله عنهم قد ُ كفِينا
البحْ َ ث عن أحوالِهم لإجْماعِ أهلِ الحقِّ من المسلمين وهم أه ُ ل السنةِ والجماعةِ على :
. أنَّهم ُ كلُّهم عُدُولٌ، فواجبٌ الوُُقوفُ على أسمائِهم" ٢
. ( ١" الكفاية" للخطيب ( ٦٧
. (٨/ ٢ "الاستيعاب" لابن عبد البر ( ١
w w w . t h i a b . c o m
٩٧
وقد نق َ ل الإجماعَ على عَدالةِ الصَّحابةِ كثيرٌ من أهل العلمِ كالإمامِ ا ُ لجويني،
والغزالي، وابنُ الصَّلاحِ، والنَّووي، وابنُ كثيرٍ، والعراقي، وابنُ حجرٍ، والسَّخاوي،
. والأُلوسي وغيرهم ممَّا لا تسعُهم هذه الرِّسالة ١
* * *
وبعد هذا؛ نختمُ بقولِ أبي زرعة الرَّازي رحمه الله كما مرَّ معنا : " إذا رأيتَ الرَّج َ ل
فاعَْلمْ أنَّه زنديقٌ … وإنَّما يُرِيدُون أ ْ ن  يَنْتَقِصُ أحدًا من أصْحابِ رسولِ الله
يَجْرَحُوا شُهُودَنا لِيُبْطِلُوا الكتابَ والسُّنَة، وا َ لجرْحُ ﺑﻬم أولى وهم زنادقُة" ٢رواه
الخطيب.
فقد صَدَقَ رحمه الله فلا يَتَجرأُ على تَجْريحِ الصَّحابةِ إلاَّ مَجْرُوحٌ في دينِه ودُنياه،
زنديقٌ في مُعتقدِه، عبدٌ لهواه، عدوٌ لله وأوليائه .
١٦٤ )، و"معرفة علوم الحديث" / ١١٢ )، و"تدريب الراوي" للسيوطي ( ٢ / ١ انظر "فتح المغيث" للسخاوي ( ٣
١٤٩ )، و"شرح مختصر علوم الحديث" لأحمد شاكر / ١٤٧ )، و"شرح مسلم" للنووي ( ١٥ - لابن الصلاح ( ١٤٦
. (١٧/ ١٤ )، و"الإصابة" لابن حجر ( ١ -١٣/ ١٨٢ )، و"التبصرة والتذكرة" للعراقي ( ٣ -١٨١)
. (٣٢/ ٢ "الكفاية" للخطيب البغدادي ( ٩٧ )، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر ( ٣٨
w w w . t h i a b . c o m
٩٨
وأخيرًا؛ فهذا ما عليه اعْتِقادُ أهلِ السنة والجماعةِ في عَدَالةِ الصَّحابةِ : وهو أنَّهم
ُ كلُّهم عُدُولٌ مَنْ لابَسَ الفِتَنَ ومَنْ لم يُلابِسْها، وما أحسنَ ما قاله الإمام الذَّهبي رحمه
الله ( ٧٤٨ ه) في هذه المسألة حيث قال : " فأمَّا الصَّحابُة رضي الله عنهم َفبُسَا ُ طهم
مَطْوِيٌّ وإن جَرَى ما جَرَى، إ ْ ذ على عَدَالتِهم وقَبُولِ ما نََقلُوه العَمَ ُ ل، وبه نَديْنُ الله
. تعالى" ١
* * *
. ( ١ "الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الردّ" للذهبي ( ٤٦
w w w . t h i a b . c o m
٩٩
الفصل الخامس
حكم من سبَّ الصحابة رضي الله عنهم
مُحرَّمٌ بالكتابِ، والسُّنةِ، وإجماعِ السَّلفِ ، إنَّ سَبَّ أصحابِ رسول الله
والخلفِ، وهو ما عليه اعْتِقادُ أهلِ السَّنةِ والجماعةِ، وعلى هذا جاءتِ الأدلَُّة الشرعيَُّة
كما يلي :
قال تعالى : " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان
.[ رضي الله عنهم ورضوا عنه" الآية"[التوبة ١٠٠
لا تَسُبُّوا أصْحابي، فوالَّذي نَ ْ فسِي بِيَدِه لو أنَّ أحَدَ ُ كم أنَْفقَ مِثْ َ ل " :  وكذا قوُله
أُحُدٍ َ ذهَبًا ما أدْرَكَ مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيَفه" ١البخاري .
وهو عند مسلمٍ من حديثِ أبي سعيدٍ رضي الله عنه بلفظٍ، قال : كان بين خالدِ بنِ
. فذكره ٢  الوليدِ، وبين عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ شيءٌ َفسَبَّه خالدٌ فقال : رسو ُ ل الله
قال : " مَنْ سَبَّ أصْحَابي َفعَليه َلعْنَةُ  وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ
. اللهِ، والملائِ َ كةِ، والنَّاسِ أجمعين" ١
. (٢٩٢/ ١ أخرجه البخاري ( ٢
. (١٩٦٨ – ١٩٦٧/ ٢ أخرجه مسلم ( ٤
w w w . t h i a b . c o m
١٠٠
قال : " َلعَنَ اللهُ مَنْ سَبَّ  وعن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما أيضًا أنَّ النبيَّ
أصْحَابي" ٢. قال الإمامُ النَّوويُّ رحمه الله ( ٦٧٦ ه) : " واعلم أنَّ سبَّ الصَّحابةِ
رضي الله عنهم حرامٌ من فواحشِ المحرماتِ، سواءٌ من لابَسَ الفِتَنَ منهم ومِنْ غيرِهم
لأنَّهم مُجْتهدون في تلك ا ُ لحرُوبِ متأوِّلون" ٣. قال ابنُ تيمية رحمه الله ( ٧٢٦ ه) : "
فإ ْ ن قيل : فلِمَ نَهى ( رسول الله ) خالدًا على أن يَسُبَّ أصحابَه إذا كان من أصحابِه
أيضًا ؟ وقال : " لو أنَّ أحَدَ ُ كم أنَْفقَ مِثْ َ ل أُحُدٍ َ ذهَبًا ما بل َ غ مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيفَه". قلنا
: لأنَّ عبدَ الرَّحمن ونظراءه هم مِنَ السَّابقين الأوَّلين الَّذين صَحِبُوه في وَقْتٍ كان خالدٌ
وأمثاُله يُعَادُونه فيه، وأنَْفُقوا أمواَلهم َقبْ َ ل الفتحِ وقاتُلوا وهم أعظمُ درجًة من الذين
أنفقوا من بَعْدِ الفتح وقاتلوا، وك ً لا وعَدَ الله ا ُ لحسْنى، فقد انفردُوا مِنَ الصُّحبةِ بما لم
يَشْرَ ْ كهم فيه خالدٌ ونظراؤه ممَّن أسلمَ بعد الفتحِ  الذي هو صُلْحُ ا ُ لحديبيَّةِ  وقاتل،
١٧٤ )، وقد ذكره السيوطي في "الجامع الصغير " ورمز له ب ( بالحسن )، انظر "فيض / ١ أخرجه الطبراني ( ٣
٢٩٩ )، وقال : حسن، و"الصحيحة" / ١٤٦ )، وأورده الألباني في "صحيح الجامع" ( ٥ / القدير" للمناوي ( ٦
.(٢٣٤٠)
٢٧٤ )، وأورده / ٢ ذكره السيوطي في "الجامع الصغير" ورمز له ( بالصحة )، انظر "فيض القدير" للمناوي ( ٥
٢٣ )، وقال : حسن . / الألباني في "صحيح الجامع" ( ٥
. (٩٣/ ٣ "شرح صحيح مسلم" للنووي ( ١٦
w w w . t h i a b . c o m
١٠١
فنهى أ ْ ن يَسُبَّ أولئك الذين صَحِبُوه َقبَْله، ومن لم يَصْحَبْه قَطُّ نِسْبَتُه إلى مَنْ صَحِبَه
َ كنِسْبَةِ خالدٍ إلى السَّابقين وأبْعَدُ.
وقوله : " لا تَسُبُّوا أصحابي" خطابٌ لكلِّ أحدٍ أ ْ ن لا يَسُبَّ مَنِ انَْفردَ عنه بِصُحْبَتِه
عليه الصَّلاُة والسَّلامُ، وهذا كقوله عليه الصلاُة والسلامُ في حديثٍ آخَرَ : " أيُّها
الناس إنِّي أتيتُكم، فقلتُ : إنِّي رسو ُ ل الله إليكم، فقلتم : َ ك َ ذبْتَ، وقال أبو بكرٍ :
قال ذلك ، صَدَْقتَ، َفهَلْ أنتُمْ تارِ ُ كوا لي صاحبي ؟ ١"… أو كما قال بأبي هو وُأمِّي
لما عَايَرَ بعضُ الصَّحابةِ أبا بكرٍ، وذلك الرَّج ُ ل من ُفضَلاءِ أصْحابِه، ولكن امْتَازَ أبو بكرٍ
. عنه بصحْبَتِه وانَْفردَ ﺑﻬا عنه" ٢
* * *
فهو كافرٌ وإ ْ ن صامَ ، قال بِشْرُ بنُ الحارثِ : " مَنْ شَتَمَ أصحابَ رسولِ الله
وصلَّى وزَعَمَ أنَّه من المسلمين" ٣، وقال الأوزاعي : " مَنْ شَتَمَ أبا بكرٍ الصديق رضي
. الله عنه فقد ارتَْدَّ عن دينِه، وأباحَ دَمَه" ٤
. (٣٠٣/ ١ أخرجه "البخاري مع الفتح" ( ٨
. (٥٧٧ – ٢ "الصارم المسلول على شاتم الرسول" لابن تيمية ( ٥٧٦
. ( ٣ "الشرح والإبانة" لابن بطة ( ١٦٢
. ( ٤ السابق ( ١٦١
w w w . t h i a b . c o m
١٠٢
وقال المرْوزيُّ : سألت أبا عبدِ الله ( الإمام أحمد ) : عمَّنْ شَتَمَ أبا بكرٍ، وعمرَ،
. وعثما َ ن، وعائشَة رضي الله عنهم، فقال : " ما َأرَاهُ على الإسْلامِ" ١
وقال أبو طالبٍ للإمامِ أحمد : الرجُ ُ ل يَشْتُمُ عثما َ ن ؟ فأخبروني أنَّ رج ً لا تكلَّمَ فيه
. فقال : "هذه زَنْدقةٌ" ٢
* * *
١ السابق .
. (٤٩٣/ ٢ "السنة" للخلال ( ٣
w w w . t h i a b . c o m
١٠٣
أقوا ُ ل أهل العلم في حُكْمِ من سَبَّ الصَّحابة
على قولين :  اختلفَ أه ُ ل العلمِ في حُكْمِ مَنْ سَبَّ أصحابَ رسولِ الله
الأوَّ ُ ل : ذهب جمعٌ من أهلِ العلمِ إلى القولِ بتكفيرِ مَنْ سَبَّ الصَّحابةِ رضي الله
عنهم، أو انْتََقصهم و َ طعَنَ في عدالتِهم وصَرَّحَ بِبُغْضِهم، وإنَّ مَنْ كانت هذه صَِفتُه َفَقدْ
أباحَ دَمَ نَفْسِه، وحَلَّ َقتُْله؛ إلاَّ أ ْ ن يتوبَ مِنْ ذلك ويترَحَّمَ عليهم .
وممَّن ذهب إلى هذا القولِ من السلف الصحابي الجليل عبدُ الرَّحمن بن أبزى، وغيره
من كبارِ التَّابعين مث ُ ل عبدِ الرَّحمن بن عمرو الأوزاعي، وأبو بكر بن عياش، وسفيان بن
عُيينة، ومحمد بن يوسف الفريابي، وبشر بن الحارث المروزي، ومحمد بن بشار العبدي
. وغيرهم كثير ١
فهؤلاء الأئمُة صرَّحُوا بكُفْرِ من سَبَّ الصحابَة، وبعضهم صَرَّحَ مع ذلك أنَّه يُعاَقبُ
بالقتْلِ، وإلى هذا القولِ ذهب بعضُ العلماءِ من الحنفيةِ، والمالكيةِ، والشافعيةِ،
والحنابلةِ، والظاهرية .
١٦٢ )، و" الصارم المسلول" لابن تيمية ( ٥٧٠ )، و"فتاوي السبكي" - ١ انظر "الشرح والإبانة" لابن بطة ( ١٦٠
. (٥٨٠/٢)
w w w . t h i a b . c o m
١٠٤
قال الإمام الطَّحاوي : " وحبُّهم  أي الصحابة  دِينٌْ وإيمانٌ وإحسانٌ، وبُغْضُهم
كُفْرٌ ونِفاقٌ وطُغْيانٌ" ١، ومن سَبَّهم و َ طعَنَ فيهم فقد زادَ على بُغْضِهم .
وقال الإمامُ السرخسي الحنفي رحمه الله ( ٤٨٣ ه) : " فأمَّا من َ طعَنَ في السَّلفِ
من نُفاةِ القياسِ لاحْتِجاجِهم بالرأي في الأحكامِ فكلامُه كما قال الله تعالى : " كبرت
كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا"[الكهف ٥]، لأنَّ الله تعالى أثنى عليهم في
غيرِ موضعٍ من كتابِه، كما قال تعالى : " محمدٌ رسول الله والذين معه أشداء على
.[ الكفار رحماء بينهم"[الفتح ٢٩
وصََفهُم بأنَّهم خيرُ الناسِ فقال : " خيرُ الناسِ قرني الذي أنا  ورسو ُ ل الله
فيهم" ٢، والشَّريعُة بََلغَتْنا بِنَ ْ قلِهم، فمَنْ َ طعَنَ فيهم فهو مُلْحِدٌ مُنابِذٌ للإسلامِ، دواءُه
. السَّيفُ إ ْ ن لم يَتُبْ" ٣
وﺑﻬذا قال كلٌّ من الحُمَيْدِيِّ القرشي، والقاضي حسين المروزي، والإمامِ الذهبي،
. والسبكي، والقاضي أبي يعلى، وابنِ تيمية وغيرهم كثير ٤
. ( ١ "شرح الطحاوية" لابن أبي العز ( ٥٢٨
. ( ٢  أخرجه مسلم ( ٢٥٣٥
. (١٣٤/ ٣ انظر "أصول السَّرخسي" ( ٢
٥٤٦ )، و"الشرح والإبانة" لابن بطة ( ١٦٢٩ )، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي / ٤ انظر"مسند الحميدي" ( ٢
. (٥٨٢- ٩٣ )، و"الصارم المسلول" لابن تيمية ( ٥٨١ / ٢٩٧ )، و"شرح مسلم" للنووي ( ١٦ /١٦)
w w w . t h i a b . c o m
١٠٥
قال شيخُ الإسلامِ ابن تيمية رحمه الله : " وقد َق َ طعَ طائفةٌ من الفَُقهاءِ مِنْ أهْلِ
. الكوفة وغيرِهم بقتلِ مَنْ سَبَّ الصَّحابَة وكُفْرِ الرَّافِضََة" ١
وقال أيضًا " فمن سبَّهم فقد زاد على بُغْضِهم، فيجِبُ أ ْ ن يكون مُنافًقا، لا يؤمنُ
. بالله ولا باليومِ الآخرِ" ٢
* * *
الثاني : ذهب فريقٌ آخرُ من أهلِ العلمِ إلى أنَّ سابَّ الصَّحابةِ لا يَكْفُرُ بسبِّهم؛ بل
يَفْسُقُ ويُضَلَّ ُ ل؛ بل يكتَفِي بتأدِيبِه وتَعْزِيرِه تعزيرًا شديدًا يَرْدَعُه ويَزْجُرُه حتى يَرْجِعَ عن
ارْتِكابِ ضلالِه وجُرْمِه، وإن لم يَرْجِعْ تُ َ كرَّرُ عليه العُُقوبُة حتى يُ ْ ظهرَ التَّوبَة .
فقد روى اللالكائي عن الحارث بن عتبة، قال : إنَّ عمرَ بنَ عبد العزيز أُتِيَ برجلٍ
سَبَّ عثمان، فقال : ما حَمََلكَ على أ ْ ن سَبَبْتَه ؟، قال : أُبْغِضُه، قال : وإ ْ ن أبْغَضْتَ
رج ً لا سَبَبْتَه ؟، قال : فأمَرَ به َفجُلِدَ ثلاثين سَوْ ً طا" ٣. وممَّن ذهب إلى ما ذهب إليه عمرُ
. بنُ عبد العزيز : عاصمُ الأحول، والإمام مالك، والإمام أحمد وكثير من العلماء ٤
٥٧٠ )، و"عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة" لناصر الشيخ - ١ "الصارم المسلول" لابن تيمية ( ٥٦٩
١٣٦ وما بعدها ). / ٨٣١ وما بعدها )، و"تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة" لمحمد أمحزون ( ١ /٢)
. (٥٨٢- ٢ السابق ( ٥٨١
. ( ٣ ذكره ابن تيمية في "الصارم المسلول" ( ٥٦٩
. (٢٦٧/ ٥٦٩ )، و"الشفاء" للقاضي عياض ( ٢ - ٤ انظر"الصارم المسلول" لابن تيمية ( ٥٦٨
w w w . t h i a b . c o m
١٠٦
* * *
وبعد ذِكْرِ هذه الأقوالِ في حكمِ من سبِّ الصحابةِ إلاَّ أنَّ في المسألةِ تفصيلٌ به
ينحلُّ الخلافُ وتجتمعُ الأقوال إن شاء الله وهو أنَّ السَّبَّ نوعان ( دِينيٌّ، ودِنيويٌّ ) :
الأوَّ ُ ل : أنَّ من سبَّهم أو سبَّ أحدَهم لأمرٍ مُتعلِّقٍ بدينِهم وعدالتِهم، كصُحبتِهمأو
أو الجهادِ معه، أو زعم أنَّهم ارتدُّوا أو فسُقوا فهذا مرتدٌ ، نُصْرَتِهم لرَسُول الله
زنديقٌ عيا ً ذا بالله .
الثاني : أنَّ من سبَّهم لا لشيءٍ ممَّا سبق ذِ ْ كرُه، ولكنْ لأمرٍ خارجٍ عنه، فهذا أيضًا
على ثلاثةِ أقسامٍ :
القسمُ الأول : من سبَّ الصَّحابَة ُ كلَّهم، كقوله مث ً لا : إنَّهم جُبناء أو بُخلاء …
فهذا لا شكَّ عندي أنَّه كافرٌ زنديقٌ؛ لأنَّ في وصْفِه هذا لهم تكذيبٌ للكتابِ والسنَّةِ
والإجماع !
القسم الثاني : من سبَّ أحدَ الصَّحابةِ، بالجُبْنِ أو البُخلِ مث ً لا؛ ممَّن ورد النَّصُّ
القاطعُ على َ كرَمِه وشَجَاعتِه … فهذا لا شكَّ عندي أنَّه كافرٌ زنديقٌ؛ لأنَّ فيه تكذيبٌ
للكتابِ والسنَّةِ !
w w w . t h i a b . c o m
١٠٧
القسمُ الثالث : من سبَّ أحدَ الصَّحابةِ، بالجُبْنِ أو البُخلِ مث ً لا؛ ممَّن لم يرِدِ النَّصُّ
القاطعُ على َ كرَمِه وشَجَاعتِه … فهذا فاسقٌ مبتدعٌ على الحاكم أن يُنَكِّ َ ل به نَكا ً لا
شديدًا حتى يُظْهِرَ التَّوبَة، ويرجعَ عن َ طعْنِه في الصَّحابةِ، ويدعو لهم ويترحَّم عليهم .
* * *
w w w . t h i a b . c o m
١٠٨
 حُكْمُ من سبَّ أزوجَ النبيِّ
ففيه مطلبان : ، أمَّا من سبَّ أزواجَ النَّبي
المطلبُ الأول : حُكْمُ من سبَّ عائشة رضي الله عنها .
أمَّا حكمُ مَنْ سبَّ عائشَة رضي الله عنها ( بقذفٍ ) فهو كافرٌ بالإجماع، وقد دلَّ
على ذلك الكتابُ، والسنُة والإجماعُ، وأقوا ُ ل السَّلفِ .
وقد ساق ابن حزمٍ رحمه الله ( ٤٥٦ ه) بإسنادِه إلى هشامِ بن عَمَّارٍِ، قال : سمعتُ
مالكَ بنَ أنسٍ يقول : " مَنْ سَبَّ أبا بكرٍ وعمرَ جُلِدَ، ومَنْ سَبَّ عائشَة ُقتِل، قيل له :
لِمَ يُ ْ قتَ ْ ل في عائشَة ؟، قال : لأنَّ الله تعالى يقول في عائشَة رضي الله عنها : "يعظكم الله
أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين"[النور ١٧ ]. قال مالكٌ : فمنْ رماها فقد خَاَلفَ
القرآ َ ن، ومن خَالفَ القرآن ُقتِل . قال ابنُ حزمٍ : قو ُ ل مالكٍ ههنا صحيحٌ، وهي رِدَّةٌ
. تامَّةٌ، وتكذيبٌ لله تعالى في َق ْ طعِه ببراءتِها" ١
١٣٥٦ )، و"الشفاء" للقاضي عياض / ٥٠٤ )، و"أحكام القرآن" لابن العربي ( ٣ / ١"المحلى" لابن حزم ( ١٣
.(٢٦٧/٢)
w w w . t h i a b . c o m
١٠٩
قال القاضي أبو يعلى الحنبلي : " من َق َ ذفَ عائشَة بما بَرَّأها الله منه كَفَرَ بلا
خلافٍ، وقد حَ َ كى الإجماعَ على هذا غيرُ واحدٍ، وصَرَّحَ غيرُ واحدٍ من الأئمةِ ﺑﻬذا
. الحكم" ١
وقال ابن أبي موسى : " ومن رَمَى عائشَة رضي الله عنها بما برَّأها الله منه فقد مَرَقَ
من الدِّينِ، ولم يَنْعَقِدْ له نِكاحٌ على مُسْلمةٍ" ٢، وهو قو ُ ل ابنُ قدامة ٣ وغيره من أهل
العلم.
وقال الإمام النووي في شرح حديث الإفك : " براءُة عائشةِ رضي الله عنها من
الإْفكِ، وهي براءةٌ قطعيةٌ بنصِّ القرآنِ العزيزِ، فلو تَشَكَّكَ فيها إنسانٌ والعيا ُ ذ بالله
صار كافرًا مُرْت  دا بإجماعِ المسلمين، قال ابنُ عباسٍ وغيرُه : لم تَزْنِ امْرَأُة نَبِيٍّ مِنَ الأنبياءِ
. صََلوَاتُ الله وسلامُه عليهم أجمعين، وهذا إكرامٌ مِنَ الله تعالى لهم" ٤
وقد حكى ابنُ القيَّمِ اتِّفاقَ الأمَّةِ على كُفْرِ قَاذِفِ عائشَة رضي الله عنها حيث قال
. : " واتََّفَقتْ الأمُة على كُفْرِ قاذِفِها" ٥
. (٥٦٧ – ١ "الصارم المسلول" لابن تيمية ( ٥٦٦
. ( ٢ السابق ( ٥٦٨
. ( ٣ "لمعة الاعتقاد" لابن قدامة ( ٢٩
. (١١٨-١١٧/ ٤ "شرح مسلم" للنووي ( ١٧
. (١٠٦/ ٥ "زاد المعاد" لابن القيم ( ١
w w w . t h i a b . c o m
١١٠
ومن خلالِ هذه الأقوالِ : يكون قذفُ عائشَة رضي الله عنها كُفرٌ وزندقةٌ، ويُقت ُ ل
فاعُله ردًَّة، نعو ُ ذ بالله من ذلك !
* * *
. المطلبُ الثاني : حُكْمُ مَنْ سَبَّ غيرَ عائشَة مِنْ أزواجِهِ
ففيه لأهلِ العلمِ قولان :  وأمَّا حكمُ من سَبَّ غيرَ عائشَة مِنْ أزواجِهِ
. أحدُهما : أنَّه كسَابِّ غيرِهِنَّ مِنَ الصَّحابةِ على حَسَبِ ما تََقدَّم ذِ ُ كرْه ١
الثاني : أنَّ مَنْ َق َ ذفَ واحدًة منهنَّ فهو كَقذْفِ عائشَة رضي الله عنها، وهو الأصحُّ
مِنَ القولين على ما سيتَّضِحُ من أقوالِ أهلِ العلمِ .
ففيه قولان :  قال شيخ ابنُ تيمية : " وأمَّا مَنْ سَبَّ غيرَ عائشَة مِنْ أزواجِه
أحدهما : أنَّه كسابِّ غيرِهنَّ من الصحابة .
والثاني : وهو الأصحُّ أنَّه مَنْ قذفَ واحدًة من أمَّهاتِ المؤمنين فهو َ كَقذْفِ عائشَة رضي
وأذى له أعْ َ ظمُ من ، الله عنها … وذلك لأنَّ هذا فيه عارٌ و َ غضَاضةٌ على رسولِ الله
. أذاه بنكاحِهِنَّ" ٢
١ انظر ص ( ) .
. ( ٢"الصارم المسلول" لابن تيمية ( ٥٦٧
w w w . t h i a b . c o m
١١١
وممَّا يرجِّحُ القو َ ل الثاني ( أنَّهُنَّ مث ُ ل عائشَة في حُكْمِ السَّبِّ )؛ أنَّه لمَّا كان رَمِيُ
لُعِنَ صاحِبُه في الدُّنيا والآخرةِ، ولهذا قال ابنُ عباسٍ :  أُمَّهاتِ المؤمنين أ َ ذىً للنَّبي
لا تُقْبَلُ توبتُه إذا تابَ من الَقذْفِ حتى يُسْلِمَ  "ليس فيها توبةٌ"؛ لأنَّ مُؤْذي النَّبي
إسلامًا جديدًا، وعلى هذا َفرَمْيَهنَّ نفاقٌ مبيحٌ للدَّمِ .
* * *
ما خرَّجاه في الصحيحين في حديث الإفكِ  وممَّا يدلُّ على أنَّ قذفَهُنَّ أذىً للنبيِّ
فاسْتَعْ َ ذرَ مِنْ عبدِ الله بنِ ُأبَيِّ بنِ سَُلولٍ، قالت  عن عائشة، قالت : فقامَ رسو ُ ل الله
وهو على المنبرِ : " يا معشرَ المسلمين من يَعْ ُ ذرُني مِنْ رجلٍ قد  : فقال رسول الله
بلغني أذاه في أهلِ بيتي!، فوالله ما علمت على أهلي إلاَّ خيرًا، ولقد ذكروا رج ً لا ما
علمتُ عليه إلاَّ خيرًا، وما كان يدخ ُ ل على أهلي إلاَّ معي"، فقام سعدُ بنُ معاذٍ
الأنصاري، فقال : " أنا أعْ ُ ذرك منه يا رسو َ ل الله إ ْ ن كان من الأوْسِ ضربْنَا عُنَُقه، وإن
. كان من إخْوانِنا مِنَ ا َ لخزْرَجِ أمرتَنَا ففعلنا أمْرَكَ" ١
. (٢١٣٦-٢١٢٩/ ١٦٣ )، ومسلم ( ٤ / ١ أخرجه البخاري ( ٣
w w w . t h i a b . c o m
١١٢
. وهنالك أدلَّةٌ غير ما ُ ذكر ١
والحمدُ لله ربِّ العالمين، ولا عُدوان إلاَّ على الظَّالمين
* * *
. (٨٧٨/ ١ انظر" عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة" لناصر الشيخ ( ٢
w w w . t h i a b . c o m
١١٣
الفص ُ ل السادس
فضائ ُ ل مُعاويَة رضي الله عنه
أمَّا فضائ ُ ل الصحابةِ فكما ذكرنا؛ فإنَّها أكثرُ مِنْ أ ْ ن تُحْصَرَ، وأشْهَرَ مِنْ أ ْ ن تُنْكرَ،
حيث دلَّ على فضلِهم والثَّناءِ عليهم الكتابُ والسُّنُة وإجماعُ سلفِ الأمَّةِ، وعى هذا
مشى عُلماءُ الأمَّةِ وعامَّتُهم على صِحَّةِ العقيدةِ، وسَلامةِ الصُّدُور، ونزَاهةِ الألْسُنِ على
لا يِْلوُو َ ن على قولٍ مبتدعٍ، أو رأيٍّ مُخترعٍ . ، أصحابِ الرَّسُولِ
* * *
ومع هذا؛ فإنَّ طائفًة من أهل البدع والأهواء لم تُمْسِكْ عمَّا شجرَ بين الصحابةِ
رضي الله عنهم فوَقعَتْ فيما لا يُحْمَدُ عُقباهُ في الدُّنيا والآخِرَةِ !
فأمَّا الدُّنيا : فقد نََفرَ منهم أهل السُّنَّةِ عامًَّة، وصاحُوا ﺑﻬم بين الناسِ تحذيرًا وتنفيرًا،
وبارزوهم بالحُجَّةِ والبيان، ونابذوهم بالتشهير والتَّعييرِ، فهم بين أهلِ السَّنَّةِ ( كا َ لجمَلِ
الأجربِ !) منبو ُ ذون مَ ْ قهُورون مَخْ ُ ذوُلون … ولله الحمدُ والمنَُّة .
وأمَّا في الآخِرةِ : فيومٌ تجتمعُ في ا ُ لخصُومُ، وتُوضعُ الموازينُ، وتُنشرُ الصُّحُفُ،
وتُسعَّرُ جهنَّمُ، وفيه يغْضبُ ربُّنا غضبًا لم يغضبْ قبله مثله ولا بعده … فحينئذٍ سيقومُ
w w w . t h i a b . c o m
١١٤
يُخاصِمُ عن أصحابِه، وينتصرُ لهم من أعدائهم … فعندئذٍ حسابٌ وعذابٌ،  النَّبيُّ
وذِلَّةٌ ونارٌ !، اللهمَّ أحف ْ ظ لنا ُقُلوبَنا وأْلسِنَتَنَا ما أبَْقيْتَنا … آمين !
* * *
مِصْداًقا لقولِ عائشَة  فلا تثريبَ ولا غرابَة !، أن يُنا َ ل من أصحابي رسُولِ الله
قالتْ : ،!  رضي الله عنها، لمَّا قيل لها : إنَّ ناسًا يتناولون أصحابَ رسولِ الله
"أتَعْجبو َ ن من هذا ؟! إنَّما َق َ طعَ ( الله ) عنهم العَمَ َ ل، وأحَبَّ أ ْ ن لا ي ْ ق َ طعْ عنهم الأجْرَ" ١
ابن عساكر .
وقال المغيرُة بنُ شعبَة رضي الله عنه : " لا جَرَمَ لمَّا انْقطعَتْ أعمارُهم، أرادَ الله أ ْ ن
. لا يَقْ َ طعَ الأجْرَ عنهم إلى يومِ القيامةِ، والشَّقِيُّ مَنْ أبْغَضَهم، والسَّعيدُ مَنْ أحَبَّهم" ٢
* * *
عِلمًا أنَّ نابتًة نَكِدًة ممقُوتًة في زمانِنا هذا قد أطلَّتْ برأسِها تُريدُ أ ْ ن تَنْفُ َ ث سُمُومَ
مرضِها وباطِلها بين المسلمين للنَّيْلِ من مُعاويَة رضي الله عنه، وكأنِّي ﺑﻬا عَمْياءُ شَوْهاءُ
لا حِراكَ لها تُريدُ أ ْ ن تُزاحِمَ ما عليه سلفُ الأمَّةِ من صفاءٍ ونقاءٍ تُجاه الصَّحابةِ رضي
. ( ١ أخرجه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ( ٤٢٣
. (٤١١/ ٢ "جامع الأصول" لابن الأثير ( ٩
w w w . t h i a b . c o m
١١٥
الله عنهم؛ لذا رأيتُ أ ْ ن ُأضمِّنَ كتابي هذا فص ً لا عن فضلِ مُعاويَة رضي الله عنه، حي ُ ث
لاكتْهُ أْلسِنةٌ، ونََفرَتْ عنه ُقُلوبٌ مَرْضى !
ومُعاويُة رضي الله عنه؛ كان كما قال أئمُة السَّلفِ : " مُعاويُة رضي الله عنه بِمَنْزَِلةِ
. حَلَْقةِ البابِ : مَنْ حَرَّ َ كهُ اتَّهمناه على مَنْ َفوَْقه" ١
فإذا  وعنه قال الرَّبيعُ بن نافعٍ : " معاويُة بنُ أبي سُفيان سِتْرُ أصْحابِ النَّبي
. َ كشَفَ الرَّجُ ُ ل السِّتْرَ اجْتَرَأ على ما وَرَاءه" ٢
* * *
وبعد هذا؛ فهذه بعضُ فضائِلِ مُعاوية رضي الله عنه، مع كشفِ بعضِ ما دارَ حوله
من شُبهٍ وأقوالٍ مُحرَّفةٍ على غيرِ وجْهِها .
أمَّا فضائُله رضي الله عنه فكثيرةٌ ٣، نأخ ُ ذ منها على وجْهِ الاختصارِ ما يلي :
. (٢١٠/ ١ "تاريخ دمشق" لابن عساكر ( ٥٩
. ( ٢٠٩/ ٢ السابق ( ٥٩
٣ هناك جمهرةٌ من أهل السُّنةِ لهم جُهودٌ مَشْكورةٌ في الذَّبِّ عن معاويَة رضي الله عنه، وذلك في تصانيفَ مُستقلَّةٍ،
منها :
"أخبار معاوية"، و"حِ َ كمُ معاوية" كلاهما لابن أبي الدنيا ( ٢٨١ ه)، و"جزء في فضائل معاوية" لعبيد الله بن محمد
السقطي ( ٦٠٤ ه)، و"سؤال في معاوية بن أبي سفيان" لابن تيمية ( ٧٢٨ ه)، و"تتريه خال المؤمنين معاوية بن
أبي سفيان"لأبي يعلى الحنبلي ( ٤٥٨ ه)، و"شرح عَقْدِ أهل الإيمان في معاوية بن أبي سفيان" لأبي على الأهوازي
٤٤٦ ه)، و"تطهير الجنان واللسان" لابن حجر الهيتمي ( ٩٧٣ ه)، و"والنَّاهية" للفرهاروي وغيرها . )
w w w . t h i a b . c o m
١١٦
لا يشكُّ أحدٌ أنَّ مُعاوية رضي الله عنه من أكابرِ الصَّحابةِ عِلْمًا، وحِلْمًا، ونَسَبًا،
والحالُة هذه فمحبَّتُه حينئذٍ واجبةٌ بالإجماعِ ! ، وُقرْبًا من النبيِّ
على وَحْي ربِّه، حي ُ ث كان أحَدَ  كما أنَّه رضي الله عنه : أمينُ رسُولِ الله
كما صحَّ في مسلمٍ ١ وغيره .  الكتَّابِ للرسولِ
حَسَنَ الكِتابةِ ، قال أبو نُعيمٍ رحمه الله : " كان مُعاويُة مِنْ ُ كتَّابِ رسُولِ الله
. فصيحًا حليمًا وَُقورًا " ٢
* * *
وناهيك ﺑﻬذه المرتبةِ الرَّفيعةِ : كتابُة الوحي !، ومنْ ثمَّ نق َ ل القاضي عِياض أنَّ رج ً لا
قال للمُعافى بن عُمران : أين عمرُ بنُ عبد العزيز منْ مُعاويَة ؟ فغضِبَ غضبًا شديدًا!،
أحدٌ !، ومُعاويُة صاحبُه، وصِهرُه، وكاتِبُه، وأمينُه  وقال : لا يُقاسُ بأصحابِ النبيِّ
. ( ١ انظر "صحيح مسلم" ( ٢٥٠١
. (٢٣٢/ ٢ انظر "الإصابة" لابن حجر ( ٩
w w w . t h i a b . c o m
١١٧
على وَحْي الله " ١. وبمثله قال ابنُ حاتم ( ٣٢٧ ه) لمَّا سُئل عن معاوية وعمر بن عبد
. العزيز ٢
أحدٌ ؟ قال : معا َ ذ الله، قيل  وقيل للإمامِ أحمد : هل يُقاسُ بأصحابِ رسولِ الله
خيرُ " : : فمعاويُة أفض ُ ل مِنْ عمرَ بنِ عبدِ العزيز ؟ قال : أي لعَمْرِي، قال النبيُّ
. الناسِ قرني " ٣
ومثل ذلك قال عبد الله بن المبارك، حي ُ ث سُئ َ ل : يا أبا عبد الرحمن أيُّما أفض ُ ل
مُعاويُة أو عمرُ بن عبد العزيز ؟ فقال : " والله إنَّ الغُبارَ الذي دخ َ ل أنفَ َفرَسِ مُعاويَة
فقال  أفض ُ ل من عُمرَ بألفِ مرَّةٍ، صَلَّى معاويُة خلف رسولِ الله  مع رسول الله
سمع الله لمنْ حَمِدَه، فقال مُعاويُة رضي الله عنه : ربنا ولك الحمدُ، :  رسول الله
. فما بعدَ هذا الشَّرفِ الأعْظم ؟!" ٤
،( ٢٠٨ )، و" مختصر تطهير الجنان واللسان" لابن حجر ( ٤٧ / ١ انظر "تاريخ دمشق " لابن عساكر ( ٥٩
اختصره سليمان الخراشي .
. (٢٢٧/ ٢ انظر"جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر ( ٢
. ( ٣ "السنة" للخلال ( ٤٣٥
. ( ٤ السابق ( ٤٨
w w w . t h i a b . c o m
١١٨
قال أحمد بن محمد الصَّائغ : وجَّهنا رِْقعًة إلى أبي عبدِ الله : ما تقو ُ ل رحمَكَ الله فيمن
قال : لا أقو ُ ل أنَّ معاوية كاتبُ الوحيِّ، ولا أقو ُ ل إنَّه خا ُ ل المؤمنين، فإنَّه أخذها
بالسَّيْفِ َ غصْبًا ( أي : البيعة )؟، قال أبو عبدِ الله : هذا قو ُ ل سُوْءٍ رديءٍ يُجَانَبُون
. هؤلاء القومَ، ولا يُجَالسون ويُبَيَّنُ أمْرُهم للنَّاسِ" ١
قيل للحسنِ البصري : يا أبا سعيدٍ إنَّ هاهنا قومًا يَشْتُمون أو يلعنون مُعاويَة، وابنَ
الزُّبيرِ، فقال : على أولئك الذين يَْلعَنُو َ ن : َلعْنَةُ الله" ٢
وجاء رجلٌ إلى الإمام إبي زرعة الرَّازي فقال : يا أبا زُرْعة، أنا ُأبغضُ معاويَة؟ قال :
لِمَ ؟ قال : لأنَّه َقاتَل علي بن أبي طالب، فقال أبو زرعة : إنَّ رَبَّ مُعَاويَة رَبٌّ رحيمٌ،
. وخَصْمُ مُعَاويَة خَصْمٌ كريمٌ. فأيش دُخُولك أنْتَ بينهما رضي الله عنهم أجمعين ؟" ٣
* * *
وأمينُه على ، ثمَّ إذا تقرَّرَ للجميعِ أنَّ مُعاويَة رضي الله عنه كاتبُ رسولِ الله
وَحْي ربِّه؛ كان لزامًا أ ْ ن نأمنَه على أمورِ دُنْيانا قطعًا، والحالُة هذه فمُعاويُة رضي الله
عنه قد حازَ ا ُ لحسنيين ( دُنيا وآخرة ) !
. (٤٣٤/ ١ "السنة" للخلال ( ٢
. (٢٠٦/ ٢ "تاريخ دمشق" لابن عساكر ( ٥٩
. (١٤١/ ٣ السابق ( ٥٩
w w w . t h i a b . c o m
١١٩
* ومِنْ غُرَرِ فضائِلِه رضي الله عنه ما رواه أحمدُ في "مُسندِه"، والتِّرمذي في "سُننِه"
. دعا له، فقال : " اللَّهمَّ اجْعََله هَاديًا مَهْديا، واهْدِ به" ١  أنَّ رسول الله
فإ ْ ن قلتَ : هذان اللَّفظان : " هاديًا مهدِيًا "، مُترادفان، أو مُتلازمان؛ فِلِمَ جمعَ النبي
بينهما ؟! 
قلتُ : ليس الأمرُ كذلك؛ فلا تلازمٌ بينهما ولا تَرادُفٌ !، لأنَّ الإنسا َ ن قد يكو ُ ن
مُهتديًا في نفسِهِ غيرَ هاديًا لغيرِه !، وكذا قد يكو ُ ن هاديًا لغيرِه غيرَ مُهتديًا في نفسِه،
فالأوَّ ُ ل قد أصْلحَ ما بينه وبين الله، وأفْسَدَ ما بينه وبين الناس، والآخرُ قد أصْلحَ ما بينه
إنَّ الله يُؤَيِّدُ هذا " :  وبين الناس، وأفْسَدَ ما بينه وبين الله، وقد قال رسول الله
الدِّينَ بالرَّجُلِ الفاجِرِ" ٢ متفق عليه .
لِمُعاويَة حِيازةِ هاتين الصِّفتين العظيمتين !  فلأجلِ هذا طلبَ النَّبيُّ
* * *
٢١٦ )، والترمذي ( ٣٨٤٢ )، وهو صحيح، انظر "صحيح الترمذي" ( ٣٠١٨ )، و"السلسلة / ١ أخرجه أحمد ( ٤
. ( الصحيحة" للألباني رحمه الله ( ١٩٦٩
. ( ٢ أخرجه البخاري ( ٣٠٦٢ )، ومسلم ( ١١١
w w w . t h i a b . c o m
١٢٠
قال في حقِّ مُعاوية : " اللَّهُمَّ عَلِّمْ مُعاويَة  ومنها ما رواه أحمدُ أنَّ رسُو َ ل الله
الكِتابَ، والحِسابَ، وقِهِ العَذابَ" ١. فحسبُك أخي المسلم هذا الدُّعاءُ الجامعُ النَّبويٌّ
!  اُلمستجابُ من الرَّسُولِ
* * *
ومنها : أنَّ عمرَ بن الخطَّابِ رضي الله عنه مَدَحه، وأثنى عليه، ووَلاه دِمِشقَ مُدََّة
خلافةِ عمر، وكذلك عثمان رضي الله عنه، وناهيك ﺑﻬذه منقبةٌ عظيمةٌ من مناقبِ
!؟ مُعاويَة، ومَنِ الذي كان عمرُ بن الخطَّابِ يرضى به لهذه الولايةِ الواسعةِ اُلمستمرَّةِ ٢
* * *
وهذا فقيه الأمَّةِ وحبْرُها ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنه يقول في معاويَة رضي الله عنه
فيما رواه البخاري، حين سُئ َ ل : أنَّ مُعاويَة أوترَ بركعةٍ ؟ فقال ابنُ عباسٍ : "إنَّه فقيهٌ "،
.٣"  وفي روايةٍ : " إنَّه صَحِبَ النّبيَّ
٣٥٦ ) وقال : "رواه البزار وأحمد في حديثٍ / ١ أخرجه أحمد ( ١٧١٥٢ )، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ( ٩
طويلٍ، والطبراني، وفيه الحارث بن زياد ولم أجد من وثَّقه، ولم يروِ عنه إلاَّ يونس بن سيف، وبقيَّ ُة رجاله ثقات، وفي
" : (٩١٣/ بعضهم خلاف"، والحديث أخرجه أيضًا ابن حبان ( ٧٢١٠ )، وقال محقق كتاب "فضائل الصحابة" ( ٢
إسنادُه حسنٌ لغيرِه " وساق له شاهدًا، وﺑﻬذا يكو ُ ن الحدي ُ ث حسنًا ولله الحمد .
. (٦٣- ٢ انظر "مختصر تطهير الجنان واللسان" ص ( ٦٢
١٣٠ ) مع الفتح . / ٣ أخرجه البخاري ( ٧
w w w . t h i a b . c o m
١٢١
وقال أيضًا رضي الله عنه : " ما رأيتُ للمُلْكِ أعلى مِنْ مُعاويةِ " ١ البخاري في
تاريخه.
* * *
ومنها : ما جاء عن أبي الدَّرداءِ رضي الله عنه، أنَّه قال عن مُعاوية : " ما رأيتُ أحدًا
مِنْ أميرِكم هذا" ٢ يعني مُعاويَة !  أشْبَهَ صلاًة برسُولِ الله  بعد رسول الله
وهذا عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه يقو ُ ل في شأنِ مُعاوية : " لا تَكْرَهُوا إمارَة
مُعاويَة، فإنَّكم لو فقدتُّمُوه رأيتم رؤوسًا تَبْدُرُ عن كَوَاهِلِها كأنَّها الحَنْظَ ُ ل" ٣ ابن أبي
شيبه.
* * *
مائة حديثٍ وثلاثًة وستين حديًثا، اتَّفق  ومنها : أنَّه رَوَى عن رسول الله
البخاري ومسلمٌ على أربعةٍ، وانَْفردَ البُخاري بأربعةٍ، ومسلمٌ بِخمسةٍ .
* * *
. (٢٣٣/ ١ انظر "الإصابة" لابن حجر ( ٩
٣٦٠ ) وقال عنه : " رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير قيس بن / ٢ انظر "مجمع الزوائد" للهيثمي ( ٩
الحارث المذحجي، وهو ثِقةٌ" .
. ( ٢٩٣ )، وانظر "تتريه خال المؤمنين" لأبي يعلى ( ٩٣ / ٣ أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ( ١٥
w w w . t h i a b . c o m
١٢٢
َ كساهُ  ومنها : أنَّه لمَّا حضرتْهُ الوَفاةُ أوْصى أ ْ ن يُكفَّنَ في قميصٍ كان رَسُو ُ ل الله
فأوْصى أن  إيَّاهُ، وأ ْ ن يُجْع َ ل ممَّا يلي جَسَدَه، وكانت عنده ُقلامُة أظفارِ رَسُول الله
. تُسْحقَ وتُجع َ ل في عيْنَيْه وَفمِه ١
واتَّفقوا أنَّه تُوفي بدِمِشق، والمشهور أنَّ وفاتَه كانت لأربعٍ خََلوْ َ ن من رجبٍ سنة
٦٠ ه)، وهو ابنُ اثنتين وثمانين سنةٍ . وﺑﻬذا نكتفي ﺑﻬذا الَقدْرِ من فضائِلِه رضي الله )
عنه وأرضاه .
* * *
. (١٦٢/ ١ انظر "سير أعلام النبلاء" للذهبي ( ٣
w w w . t h i a b . c o m
١٢٣
الشُّبهُ حول مُعاوية، والرَّدُّ عليها
أمَّا ما دَارَ حول مُعاويَة رضي الله مِنْ شُبهٍ وأقوالٍ مُحرَّفةٍ على غيرِ وجْهِها فكثيرٌ لا
كثَّرها الله، قد أفْرَزَها أه ُ ل الأهواءِ والبدعِ بدافعِ عقائدَ فاسِدَةٍ، وآراءَ باطِلةٍ ما كان لها
أن تأخ َ ذ حَيِّزًا من عقائدِ اُلمسلمين؛ إلاَّ مع وُجُودِ انْتِشارِ ا َ لجهْلِ ودُعاتِه، وقِلَّةِ العِلْمِ
ودُعاتِه !
ومهما يكنْ من أمرٍ؛ فلن تَُقومَ للباطلِ دولةٌ؛ اللَّهم صَوْلةٌ وجَوْلةٌ ثمَّ يُزهُِقه الله
ويدْمَغُه بالحقِّ، فالحمدُ لله ربِّ العالمين .
* * *
لذا؛ رأيتُ أ ْ ن أقفَ مع بعضِ ما قِيْ َ ل حو َ ل مُعاويَة من شُبهٍ مشبوهةٍ لا سيما ما كان
! منها مُستندُه الدَّلي ُ ل الصَّحيحُ، أو التَّعلي ُ ل القوي ١
الشبهة الأولى : ما رواه مُسلمٌ عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنَّه كان يلعبُ مع
فهَرَبَ وتَوارَى منه، فجاء له فضَرَبَه ضرْبًة بين  الصِّبيان؛ فجاءه النَّبيُّ رَسُول الله
َ كتِفيْه؛ ثمَّ قال : " ا ْ ذهَبْ فادْعُ لي مُعاويَة" قال : فجِئْتُ فقلتُ : هو يأ ُ ك ْ ل . ثمَّ قال : "
١ أمَّا الأدلُة الضعيف ُة والموضوع ُة، والتعليلات اَلمعلولةُ فلم أعيرَها اهتمامًا، ولم أتكلَّفْ توجيهها رأسًا؛ لأنَّ تتبُّعَ
الباطل بكلِّ ما فيه لا ينتهي أمرُه، ولا ينفني أهُله، فيكفينا من القِلادةِ ما أحا َ ط بالعُنُقِ !
w w w . t h i a b . c o m
١٢٤
ا ْ ذهَبْ فادْعُ لي مُعاويَة" قال : فجِئْتُ فقلتُ : هو يأ ُ ك ْ ل؛ فقال : " لا أشْبَعَ الله بطْنَه" ١
مسلمٌ .
قلتُ : لا نقْصَ على مُعاويَة ﺑﻬذا الحديثِ لأمورٍ، منها :
يدعُوكَ فتبطَّأ، وإنَّما  الأول : ليس فيه أنَّ ابنَ عباسٍ قال لمُعاويةِ : رَسُو ُ ل الله
بأنَّه يأك ُ ل،  يحتم ُ ل أنَّ ابنَ عباسٍ لمَّا رآه يأك ُ ل استَحْيى أن يدْعُوه فجاء وأخبر النبيَّ
وكذا في المرَّةِ الثانيةِ .
من غيرِ قصْدٍ، كما قال  الثاني : فيحتم ُ ل أنَّ هذا الدُّعاءَ جرى على لِسانِه
لبعضِ أصحابِه : " تَرِبتْ يميِنُكَ"، ولبعضِ أمَّهاتِ المؤمنين : "عَقرى حَلقى"متفق عليه،
ونحو ذلك من الألفاظِ التي تجري على ألسِنتِهم بطريقِ العادَةِ من غيرِ أ ْ ن ي ْ قصدُوا
حقيقتَها .
الثالث : ما أشار إليه الإمامُ مسلمٌ رحمه الله، أنَّ مُعاويَة رضي الله عنه لم ي ُ كنْ أه ً لا
لهذا الدُّعاءِ؛ وذلك حينما أوردَ تحت باب "فضائل مُعاوية" حديث : " اللَّهمَّ إنِّي
أغضبُ كما يغضبُ البشرُ، فمن سببْتُه، أو لعنتُه، أو دعوتُ عليه وليس أه ً لا لذلك
. ( ١ أخرجه مسلم ( ٢٦٠٤
w w w . t h i a b . c o m
١٢٥
فاجع ْ ل اللَّهمَّ ذلك له زكاًة، وأجرًا، ورحمًة" ١ مسلم . ثمَّ أتبعه بحديثِ : " لا أشبع الله
بطنَهُ .." . وﺑﻬذا التَّوجيه ذهب كثيرٌ من أهلِ العلم .
* * *
الشبهة الثانية : أنَّ بعضَهم زعمَ أنَّه لم يصحْ في فضائل مُعاويَة رضي الله عنه شيئًا؛
في فضْلِ مُعاويَة  مُحتجًا بقولِ إسحاقَ بنِ راهَوَيْه، حيث قال : " لا يصحُّ عن النَّبي
. بنِ أبي سفيان شيء" ٢
قلتُ : أمَّا ما ُأثرَ عن ابن راهويه؛ فهو أثرٌ لا يصحُّ؛ سندًا ومتنًا :
فأمَّا سندًا : ففيه رجلٌ مجهو ُ ل الحال .
أمَّا متنًا : فقد وردتْ أحادي ُ ث صحيحةٌ، وآثارٌ ثابتةٌ في فضْلِ مُعاوية، ممَّا يُقْطعُ بردِّ
ما جاء عنِ إسحاقِ بن راهوية رحمه الله .
* * *
الشبهة الثالثة : وكذا احتجوا بصنِيعِ البخاري رحمه الله في صحيحه حيث قال :
"باب ذِ ْ كر مُعاوية"، ولم يق ْ ل : " فضائل أو مناقب معاوية" !
. ( ١ أخرجه مسلم ( ٢٦٠٠
. (٢٤/ ٢ رواه عنه ابن الجوزي في "الموضوعات" ( ٢
w w w . t h i a b . c o m
١٢٦
قلتُ : أمَّا قو ُ ل تصرُّفُ البخاري في صحيحه فليس فيه حجَّةٌ لهم؛ بل هو حجَّةٌ
عليهم، كما يأتي :
أو ً لا : أنَّ هذا تفنُّنٌ من البخاري رحمه الله لا غير؛ وهذه عادتُه في صحيحه هذا لمنْ
سَبَرَ عِلْمَ البخاري في صحيحه من تراجمَ، وتبويب، وتعليقٍ، وتقطيعٍ للأحاديث …
وهكذا .
ثانيًا : نجدُ البخاري نفسه رحمه الله صَنَع مثل هذا التَّبويب في بعضِ الصَّحابةِ مثل :
ُأسامَة بن زيدٍ، وعبدِ الله بن سلامٍ، وجُبيرِ بن مُطعمٍ بن عبد الله؛ وهؤلاء لا يشكُّ أحدٌ
. في فضائلهم، في حين أنَّه رحمه الله ذكر لهم فضائ َ ل جليلًة ١
ثالًثا : أنَّ البخاري له شر ُ طه الخاصُّ في ذكرِ الحديثِ في "صحيحيه"، ومنه لم يُدخ ْ ل
البخاري شيًئا من فضائل معاوية في كتابِه لأنَّها ليست على شرطِه، وليس معنى هذا
١ ونحوُ هذه الشُبهة ( المشبوهةِ ) ما ذكرها لي أحدُ رؤوس الرَّافضةِ في مجلسِ مُناظرةٍ كان بيني وبينه في المسجد
المكي، وهي بشأن البخاري و"صحيحه"،  وهو أحدُ مُتحدِّثي الشيعة في إذاعة طهران، وله كتبٌ غبراء  ونصُّ
شبهته : "أنَّ البخاري متَّهمٌ في كتابِه؛ لأنَّه ذكر لأبي هريرة من الأحاديثِ أكثر ممَّا ذكر لعليٍّ، علمًا أنَّ عليًا كان
أكثر ملازم ًة للنبي من أبي هريرة !!"، فقلتُ له : إذا كانت هذه الشبهة عندكم بمكان، فنحنُ أولى ﺑﻬا  عيا ً ذا بالله
 ! فقال لي : كيف هذا ؟، فقلت : لأنَّ البخاري قد ذكر لأبي هريرة رضي الله عنه من الأحاديثِ أكثر ممَّا ذكر
لأبي بكرٍ وعُمر وعثمان؛ علمًا أنَّهم أكثرُ ملازم ًة للنبي صلى الله عليه وسلم من أبي هريرة !!، ومع هذا لم نَزْدَدْ نحن
أه َ ل السنةِ إلاَّ يقينًا بأمانةِ البخاري في "صحيحه"، فعند هذا غُصَّ بريقِه !، علمًا أنَّ هذا الرَّافضي (المرفوض) كان
محشورًا ببعض اُلمتشاﺑﻬات والضلالات، لذا فإنني عازمٌ على إخراجِ ما دار بيني وبينه في رسالةٍ صغيرةٍ إذا نشطتُ
لذلك إن شاء الله !
w w w . t h i a b . c o m
١٢٧
نفي الصِّحَّة مُطلًقا، وكم حديثٍ قال عنه البخاري صحيحٌ إلاَّ أنَّه لم يُدخْله في
"صحيحه" وأدلُّ شيءٍ على هذا صنيعُ التِّرمذي في "سُننِه" حيث يقول : سألتُ أباعبد
الله البُخاري عن هذا الحديث، فقال : صحيح، وعلى هذا لا نجدُه في "صحيحه" لأنَّه
! ليس على شرطِه ١
* * *
الشبهة الرابعة : قولهم : إنَّ الذين قاتلوا عليًا رضي الله عنه، كانوا بُغاًة بنصِّ
عن عمَّارٍ : " وَيْحَ عَمَّارٍ، تَ ْ قتُُله الفَِئةُ البَاغِيَُة، يَدْعُوهُم إلى الجنَّةِ،  حديث رسولِ الله
ويَدْعوُنَه إلى النَّارِ" ٢ البخاري .
قلتُ : نعم؛ إنَّ هذا الحدي َ ث صريحٌ بأنَّ الذين قتلوا عمَّارَ بن ياسرٍ رضي الله عنه
هم الذين كانوا في عسكرِ مُعاوية رضي الله عنه؛ إلاَّ أنَّ للحديث توجيهاتٍ عند أهلِ
العلمِ ترُدُّ ما يدَّعيه أهل الأهواءِ والبدعِ، ومن ذلك :
أو ً لا : هل لف ُ ظ "البغي" في الحديث عامٌ أم خاصٌ ؟
* فإن كان خاصًا؛ َفمِنِ المقصودِ به هنا ؟ مُعاوية أم قاتِلُ عمَّارٍ ؟
١ انظر"النَّاهية" للفرهاروي ( ٣٤ )، و"مختصر تطهير اللسان" للهيتمي ( ٤٥ )، و"الفصول في سيرة الرسول" لابن
. ( كثير ( ٣٣٧
. ( ٢ أخرجه البخاري ( ٤٣٦
w w w . t h i a b . c o m
١٢٨
فمن قال : إنَّ مُعاويَة رضي الله عنه هو المقصودُ به، فهو مردودٌ من وُجُوه :
١ أنَّ مُعاويَة رضي الله عنه لا يشكُ أحدٌ من المسلمين أنَّه لم يقت ْ ل عمَّارًا؛ بل لم
يَْثبُتْ مُطلًقا أنَّ أحدًا من الصحابةِ قت َ ل صحابيًا مثَله !
٢ لا نعلمُ أحدًا من أهل السُّنَّةِ : وَصَفَ مُعاويَة رضي الله عنه بالبغيِّ والضلالِ!
وإن كان المقصودُ به قات َ ل عمَّارٍ؛ فهذا ممَّا لاشكَّ فيه، وعليه فلا إشكال حينئذٍ .
* * *
ومن قال : إنَّ اللَّف َ ظ عامٌ يشم ُ ل مُعاويَة ومن معه، فهذا هو محلُّ خِلافِ وتوجيهِ
أهلِ العلمِ كما هو الآتي .
ثانيًا : هل كلمة "البغي" الواردةِ في الحديثِ شرعيةٌ أم لا ؟، والجوابُ أنَّها شرعيَّةٌ
ولا شكَّ، فعندئذٍ كان حم ُ ل هذه الكلمة على الوجه الشرعي َثبُوتًا ومنعًا؛ كما قال
تعالى : "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على
الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل
.[ وأقسطوا إن الله يحب المقسطين"[الحجرات ٩
لذا نجدُ أكثرَ علماءِ السَّلفِ وأهل العلم كأبي حنيفَة، ومالكٍ، وأحمدَ وغيرهم
يقولون : لم يوجدْ شرْ ُ ط قتالِ الطائفةِ الباغيةِ؛ فإنَّ الله لم يأمرْ بقتالِها ابتداءً؛ بل أمرَ إذا
w w w . t h i a b . c o m
١٢٩
اقتتلت طائفتان أن يُصلحَ بينهما، ثمَّ إن بغت إحداهما على الأخرى ُقوتلت التي تبغي،
وهؤلاء ( عسكر معاوية ) قوتلوا ابتداءً قبل أن يبدؤوا بقتالٍ، ولهذا كان القتا ُ ل عند
. مالكٍ، وأحمدَ وغيرهما : قتا َ ل فتْنةٍ ١
* * *
ثالًثا : البغاُة لا يخرجون عن ثلاث حالاتٍ :
١ أن يكونوا متأوِّلين بشبهةٍ، وهو ما عليه أه ُ ل العلمِ والدِّين الذين اجتهدوا، واعتقد
بعضُهم حِلَّ ُأمُورٍ، واعتقد الآخرُ تحريمَها … فقد جري ذلك وأمثاُله من خيارِ السَّلفِ،
فهؤلاء المتأوِّلون اﻟﻤﺠتهدون غايتُهم أنَّهم مُخطئون، وقد قال تعالى : " ربنا لا تؤاخذنا إن
نسينا أو أخطأنا"[ البقرة ٢٨٦ ]، ومن خلالِ هذا يكون صاحبُ هذا القسمُ من اﻟﻤﺠتهدين
المتأوِّلين؛ لأنَّه اعتقد أنَّه مُحِقٌّ!، وإن قلنا : إنَّه مُخطئٌ في اجتهادِه لم تكن تسميتُه "باغيًا"
. موجبًة لإثمِه، أو فِسْقِه ٢
٢ أن يكونوا متأوِّلين بشهوةٍ، وهذا ما عليه أهل الفساد .
٣ أن يكونوا متأولين بشبهةٍ وشهوةٍ معًا.
* * *
. (٣٩١-٣٩٠/ ١ انظر "منهاج السنة" لابن تيمية ( ٤
. (٧٦-٧٥/ ٢ انظر"مجموع الفتاوى" لابن تيمية ( ٣٥
w w w . t h i a b . c o m
١٣٠
رابعًا : ولو قلنا أيضًا : إنَّ كلَّ من قات َ ل عليًا باغيًا، فليس كلُّ ذلك بمُخرِجِه من
الإيمان، ولا بمُوجبٍ له النيران، ولا مانعٍ له من الجنانِ؛ فإنَّ البغيَّ إذا كان بتأويلٍ كان
صاحبُه مجتهدًا، ولهذا اتَّفقَ أه ُ ل السنةِ على أنَّه لم تَفْسُقُ واحدةٌ من الطَّائفتين، وإن قالوا
في إحداهما : إنَّهم كانوا بُغاًة لأنَّهم كانوا متأوَّلين مُجتهدين، واﻟﻤﺠتهدُ اُلمخطئ لا يُكفَّرُ
. ولا يُفسَّقُ ١
يقول ابن تيمية عند قولِه تعالى : "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما
"[الحجرات ٩]، "فقد جعلهم مع وُجُودِ الاقتتالِ والبغي مؤمنين إخوًة؛ بل مع أمرِه
بقتالِ الفئةِ الباغيةِ جعلهم مؤمنين، وليس كلُّ ما كان بغيًا و ُ ظلمًا، أو عُدوانًا يُخْرِجُ
عُمُومَ الناسِ عن الإيمان، ولا يُوجِبُ لعْنَتَهم؛ فكيف يُخرجُ ذلك من كان من خير
القرون !
وكلُّ من كان باغيًا، أو ظاًلما، أو مُعْتديًا، أو مرتكبًا ما هو ذنبٌ فهو قسمان :
متأوِّلٌ، وغير متأوِّلٍ … أمَّا إذا كان الباغي مُجتهدًا ومتأوِّ ً لا، ولم يتبيَّن له أنَّه باغٍ؛ بل
. (٣٩٤/ ١ السابق ( ٤
w w w . t h i a b . c o m
١٣١
اعتقدَ أنَّه على الحقِّ وإن كان مُخطًئا في اعتقادِه : لم تكن تسميته "باغيًا" موجبًة لإْثمِه؛
. فض ً لا عن أ ْ ن تُوجِبَ فِسَقه" ١
عن الحسنِ كما مرَّ معنا : " أنَّ ابنيَ هذا سيِّدٌ، ولعلَّ الله  ويدلُّ على ذلك قوُله
أ ْ ن يُصْلِحَ به بين فئتين من المسلمين" ٢ البخاري، لذا كان يقو ُ ل سُفيا ُ ن بنُ عُيَيْنَة رحمه
الله : " قوُله : فئتين من المسلمين، يُعْجِبُنا جِ  دا "، قال البَيْهقِيُّ : " وإنَّما أعَجَبَهم لأنَّ
النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم سَمَّاهما مُسْلمينَ، وهذا خَبَرٌ مِنْ رَسُولِ الله صلَّى الله عليه
وسلَّم بِما كان مِنَ ا َ لحسَنِ ابنِ عليٍّ بعد وَفَاةِ عَليٍّ في تَسْلِيمِهِ الأمْرَ إلى مُعَاويَة بنِ أبي
. سُفيان" ٣
* * *
خامسًا : هناك من أهل العلمِ من طعَنَ في الحديثِ، ومنهم من تأوَّله : على أنَّ المرادَ
بالباغية هنا هم الفئة التي تبغي أخ َ ذ الثأر بدمِ عثمان، كما قالوا : نبغي ابنَ عفَّان
بأطرافِ الأسل، ومنهم من قال : أنَّ الباغية هي التي جاءت بعمَّارِ للَقتْلِ لا القاتلة…
وكلُّها ضعيفةٌ، والثال ُ ث أضعُفها تأوي ً لا !
. (٧٦-٧٤/ ١ "مجموع الفتاوى" لابن تيمية ( ٣٥
. ( ٢ أخرجه البخاري ( ٢٧٠٤
. (٦٦/ ٣ "الاعتقاد" للبيهقي ص ( ١٩٨ )، و"فتح الباري" لابن حجر ( ١٣
w w w . t h i a b . c o m
١٣٢
* * *
سادسًا : من أهل العلم من قال : إنَّ هذا الحديث ليس ن  صا في عسكرِ معاوية ومن
معه؛ بل يمكن أنَّه ُأرِيدَ به تلك العِصابة التي حملت على عمَّارٍ رضي الله عنه فقتلتْهُ،
وهي طائفةٌ من العسكرِ، ومن رضي بقتلِ عمَّارٍ كان حكمُه حُكمها، ومن المعلومِ أنَّ
أحدًا من الصَّحابةِ لم يرضَ بقتل عمَّارٍ لا معاوية ولا عمرو ولا غيرهما رضي الله عن
الجميع؛ بل أكثرُ الناسِ كانوا منكرين قتَله رضي الله عنه!، وهذا ما ذهب إليه شيخ
. الإسلام ابن تيمية ١
وأخيرًا؛ ُأعيذك بالله أخي المسلم أن تَتَفوَّه بشيءٍ فيه غَمْزٌ أو َلمْزٌ بأصحابِ رَسُولِ
لاسيما كاتبُ رسولِ الله وأمينُه على وحيِّ ربِّه : مُعاوية بن أبي سفيان رضي ، الله
الله عنه وأرضاه، وجعل جنََّة الفردوسِ مأواه، وطيَّبَ بالرَّحمةِ ثراه .. آمين !
والحمدُ لله ربِّ العالمين، ولا عُدوان إلاَّ على الظَّالمين
* * *
w w w . t h i a b . c o m
١٣٣
الباب الخامس
أقوا ُ ل السَّلفِ في وُجُوبِ السُّكوتِ
عمَّا شَجَرَ بين الصَّحابةِ رضي الله عنهم
لمَّا عَلِمَ علماءُ المسلمين أنَّ الحدي َ ث والكلامَ عمَّا شَجَرَ بين الصحابةِ رضي الله عنهم
سببٌ للفتنةِ، والتَّنقُّصِ، والنَّيْلِ منهم ممَّا يُخالِفُ النُّصُوصَ الشَّرعيََّة، والآثارَ السَّلفيَة،
قاموا مُجتهدين على َقدَمٍ وسَاقٍ إلى َقفْلِ هذا البابِ، وسَدِّ ُثغُورِه ما أمكن إلى ذلك
سبي ً لا؛ حتى يَسَْلمَ للمُسْلِمِ دينُه، وسلامُة صَدْرِه، وحِفْظُ لسانِه؛ لذا نَرَاهم قد أجْمَعُوا
قاطبًة على : ( السُّكوتِ عمَّا شَجَرَ بين الصَّحابةِ رضي الله عنهم ) !
فكان الواجبُ على اُلمسْلمِ أ ْ ن يَسْلُكَ في اعْتِقادِه فيما حَصَ َ ل بين الصحابةِ الكرامِ
رضي الله عنهم مَسَْلكَ الفِرَْقةِ النَّاجيةِ أهلِ السُّنَّةِ وا َ لجمَاعةِ، وهو الإمْسَاكُ عمَّا حَصَ َ ل
بينهم .
و ُ كتُبُ أهلِ السنَّةِ مَمْلُوءةٌ ببيانِ عقيدتِهم الصَّافيةِ في حَقِّ الصَّحابةِ الكرامِ رضي الله
عنهم، وقد حَدَّدُوا مَوْقَِفهم من تلك الفِتْنَةِ التي وََقعَتْ بينهم في أقوالِهم الصَّريحةِ
ا َ لحسَنَةِ التي منها .
. (٧٧- ٧٦/ ١ انظر "مجموع الفتاوى" لابن تيمية ( ٣٥
w w w . t h i a b . c o m
١٣٤
. قال الإمامُ عبد الله بن المبارك رحمه الله : " مَنِ اسْتَخَفَّ بالعَُلماءِ َ ذهَبَتْ آخِرَتُه" ١
وقال الإمام الطحاوي : " وعلماءُ السَّلفِ من السَّابقين ومن بعدهم مِنَ التَّابعين
أه ُ ل الخيرِ والأثرِ، وأه ُ ل الفقه والنَّظرِ – لا يُ ْ ذكرون إلاَّ بالجميلِ، ومن ذكرهم بِسُوءٍ
. فهو على غيرِ سبيل" ٢
وقال الحافظ ابنُ عساكرٍ : " واعلم يا أخي وفقنا الله وإيَّاك لمرضاتِه وجعلنا ممَّنْ
يَخْشاه ويَتَّقيه حقَّ تَُقاتِه : أنَّ ُ لحومَ العلماءِ رحمة الله عليهم مسمومةٌ، وعادَة الله في
هَتْكِ أسْتَارِ مُنَتَقِصِيهم مَعُْلومةٌ؛ لأنَّ الوقيعَة فيهم بما هم منه براءٌ أمْرٌ عظيمٌ، والتَّناوُ َ ل
لأعْراضِهم بالزُّورِ والافْتِراءِ مَرْتَعٌ وَخِيمٌ، والاختلاقَ على مَنِ اختارَ الله منهم لِنَعْشِ
. العلمِ خُُلقٌ ذميمٌ" ٣
* * *
وأكبرُ ظلمًا وأسوُأ حا ً لا من هذه البليةِ العظيمةِ احْتِرافُ هذه الظَّاهرةِ في الصحابةِ
رضي الله عنهم ، وإطلاقُ العَنانِ للِّسانِ يَ ْ فرِي في أعْراضِهم وعدالتِهم، والتَّنقيبُ عن
مساوئهم، وبثِّها بين الناسِ !
. ( ٢٥١/١٧- ٤٠٨/ ١ "سير أعلام النبلاء" للذهبي ( ٨
.( ٢"شرح الطحاوية" لابن أبي العز ( ٥٨
.( ٣"تبيين كذب المفتري" لابن عساكر ( ٤٩
w w w . t h i a b . c o m
١٣٥
وقد عدَّ أه ُ ل العلمِ الطعنَ للصحابةِ زندقةٌ مفضوحةٌ، وقرَّرُوا أنَّه : " لا يَبْسُطُ لِسَانَه
. وصحابتِه، والإسلامِ، والمسلمين" ١ ، فيهم إلاَّ مَنْ ساءتْ َ طويَّتُه في النَّبيِّ
وهذا َقوْلُ عُمَرَ بنِ عبد العزيز رحمه الله حين سُئِ َ ل عن القِتَالِ الذي حَصَ َ ل بين
الصَّحابةِ فقال : " تَِلكَ دِمَاءٌ طهَّرَ الله يَدِي منها؛ أفلا أُ َ طهِّرُ منها لِسَاني ؟ مََثلُ أصْحَابِ
.( مََثلُ العُيُون، ودَوَاءُ العُيُونِ تَرْكُ مَسَّها"( ٢  رَسُولِ الله
وقال بنَحْوِه أيضًا : " تلك دماءٌ طهَّرَ الله منها يدي، فلا ُأحِبُّ أ ْ ن ُأخَضِّبَ ﺑﻬا
لِساني" . وقال آخرُ : " تلك أمَّةٌ قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون
.٣"( عمَّا كانوا يعملون"(البقرة ١٣٤
وسُئِ َ ل الحسنُ البصري رحمه الله عمَّا حَصَ َ ل بين الصحابة فقال : " قِتَالٌ شَهِدَهُ
.( وغِبْنا، وعَلِمُوا وجَهِْلنا، واجْتَمَعُوا فاتَّبَعْنا، واخْتََلفُوا َفوََقفْنا" ( ٤  أصحابُ محمدٍ
.( ١ "الإمامة" لأبي نُعيم الأصبهاني ( ٣٧٦
٣٩٤ )، و"الجامع لأحكام القرآن" / ٢ "مناقب الشافعي" للرازي ص( ١٣٦ )، و"الطبقات" لابن سعد ( ٥
. ( ١٢٢ )، و"الإنصاف" للباقلاني ص ( ٦٩ / للقرطبي ( ١٦
. (٢٥٤/ ٣ انظر "منهاج السنة" لابن تيمية ( ٦
. (٣٣٢/ ٤ "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ( ١٦
w w w . t h i a b . c o m
١٣٦
ومعنى كلام الحسنِ البصري هذا : " أنَّ الصحابَة كانوا أعَْلمَ بما دَخَلُوا فيه منَّا،
وما علينا إلاَّ أ ْ ن نَتَّبعَهم فيما اجْتَمَعُوا عليه، ونَقِفَ عند ما اخْتََلفُوا فيه، ولا نَبْتَدِعُ رأيًا
. منَّا، ونَعَْلمُ أنَّهم اجْتَهَدُوا وأرادُوا اللهَ عَزَّ وجَلَّ إ ْ ذ كانوا غيرَ مُتَّهَمِين في الدِّينِ " ١
وقال الإمامُ أحمدُ رحمه الله بعد أ ْ ن قِيْ َ ل له : ما تَقُو ُ ل فيما كان بين عليٍّ ومعاويَة ؟،
.( قال : " ما أقُو ُ ل فيهم إلاَّ ا ُ لحسْنَى"( ٢
وقال ابنُ أبي زَيْدٍ الَقيْرَوَاني في صَدَدِ بيانِ ما يَجِبُ أ ْ ن يعتقدَه المُسْلِمُ في أصْحابِ
وما يَنْبَغِي أن يُذْ َ كرُوا به فقال : " وأ ْ ن لا يُذْ َ كرُ أحدٌ مِنْ صَحابَةِ  رسولِ الله
الرَّسولِ إلاَّ بأحْسَنِ ذِ ْ كرٍ، والإمْسَاكِ عمَّا شَجَرَ بينهم، وأنَّهم أحَقُّ الناسِ أ ْ ن يُلْتَمَسَ
.( لهم أحْسَنَ اَلمخَارِجِ، ويُظَنُّ ﺑﻬم أحْسَنَ المَذَاهِبِ "( ٣
وقال أبو عبد الله بنُ بطََّة رحمه الله أثْناءَ عَرْضِه لعقيدةِ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ : "ومِنْ
وَقدْ شَهِدُوا اَلمشَاهدَ معه،  بعد ذلك نَكُفُّ عمَّا شَجَرَ بين أصْحابِ رَسُولِ الله
وسَبَقُوا النَّاسَ بالَفضْلِ َفَقدْ َ غَفرَ الله لهم، وأمَرَكَ بالاسْتِغْفارِ لهم، والتََّقرُّبِ إليه بمحبَّتِهم،
١  السابق .
. ( ٢ "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ( ١٤٦
. ( ٣ "رسالة القيرواني مع شرحها الثمر الداني في تقريب المعاني" لصالح الأزهري، ص ( ٢٣
w w w . t h i a b . c o m
١٣٧
وَفرَضَ ذلك على لِسَانِ نبيِّه وهو يَعَْلمُ ما سَيَكُو ُ ن منهم أنَّهم سَيَ ْ قتَتُِلون، وإنِّما ُفضُِّلوا
.( على سائرِ الخلقِ لأنَّ الخطأ العَمْدَ قد وُضِعَ عنهم، وكُلُّ ما شَجَرَ بينهم مغفورٌ لهم"( ١
وقال أبو عَُثما َ ن الصَّابوني في صَدَدِ بيانِ عقيدةِ السَّلفِ وأصْحابِ الحديث :
وتَطْهيرَ الألْسِنَة عن ذِكْرِ ما ، "ويَرَوْ َ ن الكَفَّ عمَّا شَجَرَ بين أصْحابِ رسولِ الله
.( يَتَضَمَّنُ عَيْبًا لهم ونَقْصًا فيهم، ويَرَوْ َ ن التَّرحُّمَ على جميعِهم، واُلموالاَة لكافَّتِهم"( ٢
وقال أبو عبدِ الله الُقرْ ُ طبي رحمه الله : " لا يَجُوزُ أ ْ ن يُنْسَبَ إلى أحَدٍ منَ الصَّحابةِ خطٌأ
مَقْطُوعٌ به؛ إ ْ ذ كانوا ُ كلُّهم اجْتَهدُوا فيما َفعَُلوه، وأرادُوا اللهَ عزَّ وجلَّ، وهم ُ كلُّهم لنا أئمٌَّة،
وقد تُعِبِّدْنا بالكَفِّ عمَّا شَجَرَ بينهم، وألاَّ نَ ْ ذ ُ كرْهم إلاَّ بأحْسَنِ الذِّكْرِ ُ لحرْمةِ الصُّحبةِ، ولنَهْي
.( عن سَبِّهم، وأنَّ الله َ غَفرَ لهم، وأخْبَرَ بالرِّضى عنهم…"( ٣  النبيِّ
قال يحي بنُ أبي بكرٍ العامري رحمه الله ( ٨٩٣ ه) : "وينبغي لكلِّ صَيِّنٍ مُتَديِّنٍ
مُسامحُة الصَّحابةِ فيما شَجَرَ بينهم مِنَ التَّشَاجُرِ، والاعْتذارُ عن مُخْطئِهم، وطَلَبُ
اَلمخَارجِ الحَسَنةِ لهم، وتسليمُ صحَّةِ إجماعِ ما أجمعوا عليه على ما عَلِمُوه فهم أعلمُ
بالحالِ والحاضِرِ يرى ما لا يَرَى الغائبُ، وطريقُة العارفين الاعتذارُ عن اَلمعائِبِ،
. ( ١ "الإبانة على أصول السنة والديانة" ص ( ٢٦٨
.(١٢٩/ ٢ "عقيدة السلف وأصحاب الحديث" ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ( ١
.(٣٢٢-٣٢١/ ٣ "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ( ١٦
w w w . t h i a b . c o m
١٣٨
وطريقُة اُلمنافقين تَتَبُّعُ اَلمثالِبِ، وإذا كان اللازمُ من طريقةِ الدِّينِ سِتْرَ عوراتِ عامَّةِ
لا تَسُبُّوا أحدًا " : المسلمين، فكيف الظنُّ بصحابةِ خاتمِ النَّبيين ؟!، مع اعْتِبارِ قولِه
من أصحابي" ١، وقوله : " مِنْ حُسْنِ إسلام المرء تَرْ ُ كه ما لا يعنيه" هذه طريقُة صُلحاءِ
. السَّلفِ، وما سِواها مَهاوٍ وتََلفٌ" ٢
وقال شيخُ الإسلامِ ابن تيميه رحمه الله في عَرْضِه لعقيدةِ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ فيما
شَجَرَ بين الصحابةِ رضي الله عنهم : " ويُمْسِكو َ ن عمَّا شَجَرَ بين الصَّحابةِ، ويقولون :
إنَّ هذه الآثارَ المَرْويََّة في مَسَاويهم منها ما هو َ كذِبٌ!، ومنها ما َقدْ زِيْدَ فيه ونُقِصَ
وغُيِّرَ عن وَجْهِه!، والصَّحيحُ منه هُمْ فيه مَعْ ُ ذورون، إمَّا مُجْتهدُون مُصِيبون، وإمَّا
.( مُجْتَهدُون مُخْطِئون"( ٣
وقال أيضًا : " وإذا كان كذلك فنقو ُ ل : ما عُلِمَ بالكتابِ والسُّنةِ والنَّقلِ اُلمتواترِ،
من مَحاسنِ الصَّحابةِ وفضائِلِهم، لا يَجُوزُ أ ْ ن يُدْفعَ بِنُُقولٍ بعضُها مُنْقطعُ، وبعضُها
مُحرَّفٌ، وبعضُها لا يَقْدَحُ فيما عُلِمَ، فإنَّ اليقينَ لا يزُو ُ ل بالشَّكِّ، ونحنُ قد تيقَّنا ما دلَّ
. (١٩٧٨-١٩٦٧/ ١ أخرجه مسلم ( ٤
٣٠١ )، نق ً لا عن "عقيدة أهل السنة – ٢ "الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة" ( ٣٠٠
.(١١٠/ والجماعة في الصحابة" لناصر الشيخ ( ٢
. ( ٣ "العقيدة الواسطية" مع شرحها لمحمد هراس ص ( ١٧٣
w w w . t h i a b . c o m
١٣٩
عليه الكتابُ والسُّنَّةُ وإجماعُ السَّلفِ قبلنا، وما يُصَدِّقُ ذلك من المنْقُولاتِ اُلمتواترةِ من
أدلَّةِ العقلِ، من أنَّ الصَّحابةِ رضي الله عنهم أفض ُ ل الخلْقِ بعد الأنبياءِ، فلا يَقْدَحُ في
. هذا ُأمورٌ مشكوكٌ فيها، فكيف إذا عُلِمَ بُ ْ طلاﻧﻬا ؟!" ١
وقد شرح شيخُنا ابنُ عثيمين رحمه الله كلامَ ابن تيمية هذا بقولِه : " وهذا الذي
حَصَ َ ل  أي بين الصحابة  مَوْقِفُنا نحن منه له جهتان :
الجهة الأولى : ا ُ لحكْمُ على الفاعلِ .
والجهُة الثانية : مَوْقِفُنا مِنْ الفاعلِ .
أمَّا ا ُ لحكْمُ على الفاعلِ فقد سَبَقَ، و( هو ) أنَّ ما نُدِينُ الله به، أنَّ ما جَرَى بينهم
فهو صادرٌ عن اجتهادٍ، والاجتهادُ إذا وََقعَ فيه الخطُأ فصاحِبُه معذورٌ مغفورٌ له .
وأمَّا مَوْقِفُنا من الفاعلِ، فالواجبُ علينا الإمْسَاكُ عمَّا شَجَرَ بينهم، لماذا نَتَّخِذُ مِنْ
فِعْلِ هؤلاء مَجا ً لا للسَّبِ والشَّتْمِ والوقيعةِ فيهم، والبغضاء بيننا ؟، ونَحْنُ في فعلنا هذا
إمَّا آثمون، وإمَّا سالمون، ولسنا غانمين أبدًا .
. (٣٠٥/ ١ "منهاج السنة" لابن تيمية ( ٦
w w w . t h i a b . c o m
١٤٠
فالواجب علينا تُجاه هذه الأمُورِ أ ْ ن نسكُتَ عمَّا جرى بين الصحابةِ، وأ ْ ن لا نُطالعَ
الأخبارَ أو التاريخَ في هذه الأمور؛ إلاَّ المراجعة للضَّرُورةِ"( ١). وانظر ما ذكرَه شيخنا
. عبد الله الجبرين عند شرحه لكلامِ ابن تيمية هذا في كتابه "التعليقات الزكية" ٢
ونقل ابنُ حجرٍ عن أبي اُلمظفَّرِ السَّمعاني رحمه الله ( ٤٨٩ ه) أنَّه قال في كتابه
"الاصطلام ": " التَّعرُّضُ إلى جانِبِ الصَّحابةِ علامَةٌ على خُذْلانِ فاعلِه؛ بل هو بدعةٌ
. وضلالةٌ" ٣
* * *
فهذه طائفةٌ مُختصرةٌ مِنْ كلامِ أكابرِ عُلماءِ الإسلامِ مِنْ سلفِ هذه الأمَّةِ وخََلفِها؛
تَبَيَّنَ لنا من خِلالِها : الموقف الواجب على المسلمِ أ ْ ن يَقَِفه تُجاه ما حَصَ َ ل بين الصَّحابةِ
رضي الله عنهم أجمعين من شِجَارٍ وخِلافٍ، خاصًَّة في حَرْبِ ا َ لجمَلِ وصِفِّين، وهو :
صيانُة الَقَلمِ واللِّسانِ عن ذِكْرِ ما لا يَلِيقُ ﺑﻬم، وإحْسَا ُ ن الظَّنِّ ﺑﻬم، والتَّرضِّي عنهم
أجمعين، ومعرفُة حقِّهم ومَنْزِلتهم، والتِمَاسُ أحْسَنِ اَلمخَارجِ لما َثبَتَ صُدُورُه من بعضِهم،
والاعْتِقادُ بأنَّهم مُجْتهدون، واﻟﻤﺠتهدُ مغفورٌ له خَ َ طؤُه إ ْ ن أخطأ، وإنَّ الأخبارَ المرويَة في
. (٦١٨-٦١٧/ ٦١٨ )،ضمن "مجموع الفتاوى" ( ٨ - ١ "شرح العقيدة الواسطية" لابن عثيمين ص ( ٦١٧
. (٢٣٩/ ٢ "التعليقات الزكية" لابن جبرين ( ٢
. (٣٦٥/ ٣ "فتح الباري" لابن حجر ( ٤
w w w . t h i a b . c o m
١٤١
ذلك منها ما هو كذبٌ، ومنها ما َقدْ زِيْدَ فيه، أو نُقِصَ منه حتى تَحَرَّفَ عن أصلِهِ
وتَشَوَّه، كما تَبَيَّن من هذه النُّقولِ المُتقدِّمِ ذِ ْ كرُها أنَّ عقيدَة الفرقةِ الناجيةِ أهلِ السنةِ
والجماعةِ فيما شَجَرَ بينهم هو : الإمْسَاكُ عنه َل ْ ف ً ظا وخَطًّا .
* * *
فإذا تَبَيَّنَ لنا أنَّ الإجماعَ قد وََقعَ مِنْ عَُلماءِ اُلمسْلمين على السُّكوتِ عمَّا شَجَرَ بين
الصَّحابةِ، وعَدَمِ التَّنقِيبِ أو التَّنْقيرِ عمَّا حَصَل بينهم مِنْ حُرُوبٍ وقِتَالٍ؛ ولو حَسُنَتْ
نِيَّةُ اُلمتَ َ كلِّم أو السَّامِعِ، كان مِنَ اُلمنَاسِبِ أ ْ ن نَعْرِفَ مَعْنى السُّكوتِ نحوهم .
* معنى السُّ ُ كوت : أمَّا مَعْنى السُّكوتِ عمَّا شَجَرَ بين الصَّحابةِ رضي الله عنهم :
فهو عَدَمُ ا َ لخوْضِ فيما وََقعَ بينهم مِنَ ا ُ لحرُوبِ والخلافاتِ على سَبِيلِ التَّوَسُّعِ وتَتَبُّعِ
.( التَّفصيلاتِ، ونَشْرِها بين العامَّةِ بطريقٍ أو آخَرَ( ١
وفيه قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " إذا ذُكِرَ أصحابي فامْسِكوا، وإذا ُ ذكِرتِ
. النُّجومُ فأمْسِكوا، وإذا ذُكِرَ القَّدَرُ فأمْسِكوا " الطبراني ٢
وللحديث هذا معنيان ( باطلٌ، وحقٌّ ) :
٧٤٠ ) بتصرف. / ١ انظر "عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة "لناصر الشيخ ( ٢
٢ أخرجه الطبراني في الكبير ( ١٤٢٧ )، وفيه يزيد بن ربيعة وهو ضعيف، وقد صحح الحديث اللألباني رحمه الله،
. ( انظر "السلسلة الصحيحة" ( ٣٤
w w w . t h i a b . c o m
١٤٢
الأوَّ ُ ل : هو عَدَمُ ذِكْرِ فضائلهم، ومحاسنِهم، وسيرِهم … وهذا المعنى غيرُ مُرادٍ
قطعًا؛ بل هو مُخالفٌ لإجْمَاعِ الأمَّةِ القاطعِ بذكرِ فضائلهم ومحاسنِهم .
الثاني : هو عَدُمُ ذِكْرِ ما شَجَرَ بينهم، أو التَّنقيبِ عن مساوئهم …، وهذا المعنى
مُرادٌ قطعًا، كما وقع عليه إجماعُ السَّلفِ والخلفِ !
وهذا الإمامُ الحافظ الذَّهبي رحمه الله يُحقِّقُ لنا معنى السُّكوتِ قائلا : " ... بأنَّ
كثيرًا ممَّا حَدَ َ ث بين الصَّحابةِ مِنْ شِجَارٍ وخِلافٍ يَنْبَغي طيَّهُ وإخفاؤه؛ بل إعْدَامُه، وأنَّ
كِتْما َ ن ذلك مُتَعيِّنٌ على العامَّةِ؛ بل آحادِ العُلماءِ، وقد يُرَخَّصُ في مُ َ طالعةِ ذلك خُلْوًَة
للعالِمِ المُنْصِفِ العَرِيِّ مِنَ ا َ لهوَى، بِشَرْطِ أ ْ ن يَسْتَغْفِرِ لهم كما عَلَّمَنا الله تعالى حي ُ ث
يقول ( واّلذين جَاءوا من بَعدِهم يقولو َ ن ربَّنا اغفر لنا ولإخوانِنا الذين سَبقونا بالإيمان
ولا تَجعل في قلوبِنا غ ً لا للذين أمنوا )، فالقومُ لهم سَوابقُ وأعمالٌ مُ َ كفِّرَةٌ لما وََقعَ منهم،
.( وجِهَادٌ محَّاءٌ، وعِبادَةٌ مُمَحِّصَةٌ"( ١
وهذا الكلام من الحافظ الذهبي؛ هو والله الكلامُ الَقويمُ، والسَّبي ُ ل اُلمسْتقيمُ َفدْونَك
إيَّاهُ أخي المسلم !
والحمدُ لله ربِّ العالمين
. (٩٢/ ١  "سير أعلام النبلاء" للذهبي ( ١٠
w w w . t h i a b . c o m
١٤٣
الباب السادس
الآثارُ السِّلبيَّة مِنْ نَشْرِ ما حَصَ َ ل بين الصحابة
قد أنكر الإمامُ أحمدُ رحمه الله على مَنْ جَمَعَ الأخبارَ التي فيها طعنٌ على بعضِ
و َ غضِبَ لذلك َ غضَبًا شديدًا وقال : " لو كان هذا في أفْناءِ ، أصحابِ رسولِ الله
وقال : " أنا لم أكْتُبْ هذه ،"  الناس لأنْ َ كرْتُه، فكيف في أصحابِ رسول الله
الأحادي َ ث!"، قال المروزيُّ : قلتُ لأبي عبدِ الله : َفمَنْ عَرَْفتُه يَكْتُبُ هذه الأحادي َ ث
الرَّديئَة ويَجْمعُها أيُهْجَرُ ؟ قال : نعم!، يستأهِ ْ ل صَاحِبُ هذه الأحاديثِ الرديئةِ
. الرَّجْمُ!" ١
* * *
لا شكَّ أنَّ نَشْرَ وذِكْرَ ما حَصَ َ ل بين الصَّحابةِ رضي الله عنهم من شجارٍ وخلافٍ
لهو الشَّرُّ اُلمستطيرُ، والفسادُ الكبيرُ !
نعم؛ إنَّ لها من الآثارِ السَّلبيةِ التي لا يُحْمَدُ عُ ْ قباها  ما تَنُوءُ به ُأُلوا القُّوَّةِ  فمن
ذلك :
٢٦٩ ) و"شرح أصول اعتقاد أهل السنة – ٥٠١ )، و"الشرح والإبانة" لابن بطة ( ٢٦٨ / ١ "السنة" للخلال ( ٣
. (١٠٨٥/ ١٢٧٠ )، و"الصارم المسلول" لابن تيمية ( ٣ –١٢٤١/ والجماعة" للالكائي ( ٧
w w w . t h i a b . c o m
١٤٤
 أنَّها تُوقِفُ المسلمين على ما لا يَنْبَغِي لهم أ ْ ن يَقُِفوا عليه شرعًا .
 أنَّ بثَّها والحدي َ ث عنها عند عامَّةِ الناسِ مُخَالَفةٌ لما عليه السلفُ الصا ُ لح .
 أنَّها تُفسِدُ على المسلمين سَلامََة صُدُورِهم، وصَفَاءَ ُقُلوبِهم على الصَّحابةِ رضي
الله عنهم، ولا يُخَالِفُ في ذلك إلا مُكَابرٌ أو جَاهِلٌ !
 أنَّها تُثيرُ بين الناسِ الشُّبُهاتِ، وتُضاعِفُ لدِيهم الأوْهَامَ حَوْ َ ل الصَّحابةِ الكرامِ
رضي الله عنهم؛ ومنه تُزعْزَعُ الثَِّقةُ بالصَّحابةِ عند كثيرٍ من النَّاسِ .
 إنَّ في نَشْرِها بين عامَّةِ المسلمين خِلافًا للحِكْمَةِ الدَّعَويَّةِ، والطُّرُقِ التَّعليميةِ، كما
قال عليٌّ رضي الله عنه : " حَدُِّثوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُو َ ن َأتُحِبُّو َ ن َأ ْ ن يُكَذَّبَ اللَّهُ
.( وَرَسُوُلهُ"( ١
* * *
w w w . t h i a b . c o m
١٤٥
الباب السابع
الإيرَاداتُ
وقبل الانتهاءِ وا ُ لخرُوجِ ممَّا أرَدْتُ بيانَه، كان من الواجبِ أ ْ ن أُجيبَ على بعضِ
الأسئلةِ التي هي في حُكْمِ الإيرَاداتِ والشُّبُهاتِ حَوْ َ ل هذا الموضوع .
* الإيرادُ الأول :
لعلَّ قائ ً لا يقو ُ ل : قد سَلَّمنا لكم بما َ ذ َ كرْتُموه وقرَّرتُمُوه آنفًا، وهو : السُّكوتُ عمَّا
شجرِ بين الصحابةِ؛ لكن هذا مَحْمُو ُ ل على مَنْ أرادَ ذِكْرَ ما شَجَرَ بين الصحابةِ رضي
الله عنهم على وَجْهِ التَّنْقيصِ والبُغْضِ، وسُوْءِ الظَّنِّ ﺑﻬم ونحوه ممَّا هو مََثارَةٌ للفتْنَةِ عيا ً ذا
بالله .
أمَّا مَنْ أرادَ ذِكْرَ ذلك على وجْهِ اَلمحَبَّةِ للجَميعِ مَعَ سَلامةِ الصَّدْرِ، والتَّرَحُّمِ
عليهم، وحُسْنِ الظَّنِّ ﺑﻬم فهذا ليس مَحَلُّ نزاعنا !
أقو ُ ل : نحن لا نُسلِّمُ لك ما قلته لِعِدَّةِ مُخَالفاتٍ شَرْعيةٍ؛ منها :
١  أنَّ هذا القو َ ل خِلافُ الأصْلِ المَُقرَّرِ عند عامةِ السَّلفِ والخلفِ، وهو
السُّكوتُ عمَّا شَجَرَ بين الصحابةِ رضي الله عنهم، سَوَاءٌ كان الحدي ُ ث عنهم عَنْ حُسنِْ
. ( ١ "صحيح البخاري"( ١٢٤
w w w . t h i a b . c o m
١٤٦
ظنٍّ، أو سُوْء ظنٍّ لما في ذلك دَرْءٌ للمفسدةِ الحاصَِلةِ، وسَدٌ للذَّريعة اُلم ْ فضيةِ للشُّبَهِ
والفِتْنَةِ كما هو مَعْلومٌ مِنَ الوَاقِعِ بالضَّرورَةِ .
فهذا العَوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ رحمه الله ( ١٤٨ ه) يَُقرِّرُ هذا الأص َ ل قائ ً لا : " أدْرَ ْ كتُ
مَنْ أدركتُ من صَدْرِ هذه الأمَّةِ بعضُهم يقو ُ ل لبعضٍ : ا ْ ذ ُ كروا مَحَاسِنَ أصْحابِ
رسول الله صلى الله عليه وسلم لتأتَلِفَ عليها القلوبُ، ولا تَ ْ ذ ُ كروا ما شَجَرَ بينهم
.( فتحرِّشوا( ١) النَّاسَ عليهم"( ٢)، وبلفظٍ آخَرَ قال : "... َفتُجَسِّروا( ٣) الناسَ عليهم"( ٤
٢  وكذلك هو أيضًا خِلافٌ للأصْلِ اُلمحَقَّقِ، وهو الوُُقوعُ في الفِتْنَةِ، لهذا لا
يَجُوزُ لك أ ْ ن تُخَالِفَ أصْ ً لا مُحَقَّقًا رَجَاءَ سَلامَة صَدْرٍ مَظْنُونةٍ !
فقد قال رسو ُ ل الله صلى الله عليه وسلم : " الحلا ُ ل بيِّنٌ والحرامُ بيِّنٌ، وبينهما
مشبهاتٌ لا يَعَْلمُها كثيرٌ من الناسِ، َفمَنِ اتََّقى اُلمشْبهاتِ اسْتَبْرَأ لدينِهِ وعِرْضِه، ومن
وََقعَ في الشُّبُهاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوَلْ الحِمَى يُوْشِكُ أ ْ ن يُوَاقِعَه، ألا وإنًّ لكلِّ مَلِكٍ
. ( ٢٧٩/ ١ التحريش : هو الإغراء بين الناس، انظر مختار الصحاح ( ١٣٠ )، ولسان العرب ( ٦
. ( ٢ "الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة" لابن بطة ( ١٦٥
. ( ١٣٦/ ٣  أي : تشجعوهم ، انظر لسان العرب ( ٤
. ( ٣٣/ ٤  "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ( ١٨
w w w . t h i a b . c o m
١٤٧
حِمًى، ألا إنَّ حِمَى الله في أرْضِه مَحَارِمُه، ألا وإنَّ في ا َ لجسَدِ مُضْغًَة إذا صََلحتْ صََلحَ
.( الجسدُ كلُّه، وإذا َفسَدَتْ َفسَدَ ا َ لجسَدُ كلُّه ألا وهي الَقلْبُ "( ١
وعن الحسنِ بنِ عليٍّ رضي الله عنه قال : " حَفِظْتُ مِنْ رسولِ الله صلى الله عليه
.( وسلم : " دَعْ ما يُرِيبُكَ إلى مَا لا يُرِيبُكَ"( ٢
٣  أيضًا في ذِكْرِ ما حَصَ َ ل بين الصَّحابةِ رضي الله عنهم مَعَ ادِّعَاءِ أمْنِ الفِتْنَةِ
وسَلامَةِ الصَّدْرِ؛ أمنٌْ مِنْ مَكْرِ الله تعالى عِيا ً ذا بالله !
قال الله تعالى في سُورَةِ الأعراف :
وكذلك فيه تَعَرُّضٌ للفِتَنِ التي طالما اسْتَعَا َ ذ منها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فعنِ
المِقْدادِ بنِ الأسْوَدِ قال : أيْمُ الله لقد سَمِعْتُ رسو َ ل الله صلى الله عليه وسلم يقول :
"إنَّ السَّعيدَ َلمَنْ جُنِّبَ الفِتَنَ، إنَّ السَّعيدَ َلمَنْ جُنِّبَ الفِتَنَ، إنَّ السَّعيدَ َلمَنْ جُنِّبَ
.( الفِتَنَ، ولِمَنِ ابْتُلِيَ َفصَبَرَ َفوَاهًا"( ٣
١ أخرجه البخاري ( ٢٠٥١ ، ٥٢ )، ومسلم ( ١٥٩٩ ) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما .
٢٠٠ )، وهو صحيحٌ، انظر "صحيح / ٣٢٧ )، والترمذي ( ٢٥١٨ )، وأحمد ( ١ / ٢ أخرجه النسائي ( ٨
الترمذي" ( ٢٠٤٥ ) للألباني .
٤٢٦٣ )، وهو صحيح، انظر "صحيح أبي داود" ( ٣٥٨٥ ) للألباني . / ٣ أخرجه أبو داود ( ٤
w w w . t h i a b . c o m
١٤٨
٤  لو سَلَّمْنا أنَّ أحَدًَا خَاضَ فيما شَجَرَ بين الصَّحابةِ رضي الله عنهم؛ ثمَّ خَرَجَ
من ذلك بسَلامةِ صَدْرٍ، وصَفَاءِ َقْلبٍ؛ لكَا َ ن هذا تَحْصِي َ ل حاصِلٍ، ونَوْعَ عَبَثٍ،
ومُخَالفًة لمنهجِ السَّلفِ الصَّالح تُجَاه هذه الفتنةِ؛ بل هو في الحقيقةِ ضَربٌْ مِنَ ا َ لخيَالِ،
وخِلافُ الواقعِ المألوفِ .
٥  ثمَّ إذا كان الأمْرُ كذلك  كما َ ذ َ كرَ المُعْتَرِضَ ، فهذا يكون إ ْ ن كان ولا
بُدَّ لآحادِ العلماءِ خاصًَّة لا عامَّتِهم، كما ذكرَهُ الإمام الذهبي  رحمه الله  آنًفا :
"بأنَّ كثيرًا ممَّا حَدَ َ ث بين الصَّحابةِ مِنْ شِجَارٍ وخِلافٍ يَنْبَغي طيَّهُ وإخفاؤه؛ بل إعْدَامُه،
. ( وأنَّ كِتْما َ ن ذلك مُتَعيِّنٌ على العامَّةِ؛ بل آحادِ العُلماءِ"( ١
" لأنَّه لا مصلحَة شرعيَّة ولا عِلميََّة من وراءِ هذا النَّشْرِ، وبالأسُلوبِ أو الطَّريقةِ
التي ذكرْنا، أمَّا في ظلِّ الموازين العلميَّةِ اُلمستقيمةِ اُلمهتديَّةِ بالنُّصُوصِ الشَّرعيَّةِ فإنَّ
البح َ ث في هذا الموضوعِ لا يمتنِعُ إذا قُصِدَ به بيان الأحكامِ الشَّرعيَّةِ، وما كان ذِكْرُ
العلماءِ اُلمعتبرين للحروبِ والخلافاتِ التي وقعتْ بين الصَّحابةِ رضي الله عنهم إلاَّ على
هذا السَّبيلِ، أو لبيانِ المواقفِ الصَّحيحةِ، وتصحيحِ الأغاليطِ التاريخيَّةِ التي ُأثيرتْ حو َ ل
. ( ١ انظر "سير أعلام النبلاء" للذهبي ( ١٠  ٩٢
w w w . t h i a b . c o m
١٤٩
مواقفهم في تلك الحروبِ" ١، ومع ذلك انْتقدَ بعضُ العلماءِ طريقَة ابنِ عبدِ البرِّ في
كتابِه " الاستيعاب في معرفةِ الأصحابِ" لذ ْ كرِه ما شجرَ بين الصَّحابةِ رضي الله عنهم
. من خِلافٍ ٢
قال ابن تيمية رحمه الله : " ولهذا كان من مذهبِ أهلِ السُّنةِ الإمساكُ عمَّا شجرَ
بين الصحابةِ، فإنَّه قد ثبتت فضائُلهم، ووجبتْ موالاتُهم، ومحبَّتُهم، وما وََقعَ منه ما
يكو ُ ن لهم فيه عُذْرٌ يَخْفى على الإنْسانِ، ومنه ما تابَ صاحبُه منه، ومنه ما يكو ُ ن
مغُْفورًا، فالخوضُ فيما شَجَرَ يُوقِعُ في نُُفوسِ كثيرٍ من النَّاسِ بُغضًا وذما، ويكو ُ ن هو في
ذلك مُخطًئا؛ بل عاصيًا، فيَضُرُّ نفسَه، ومن خاضَ معه في ذلك، كما جَرى لأكثرِ مَنْ
تكلَّمَ في ذلك؛ فإنَّهم تكلَّموا فيما لا يُحبُّه الله ولا رَسُوُله : إمَّا مِنْ ذمِّ منْ لا يَسْتحقُّ
الذَّمَ، وإمَّا مِنْ مدْحِ أُمورٍ لا تستحقُّ المدحَ . ولهذا كان الإمْساكُ طريقَة أفاضلِ
. السَّلفِ" ٣
. ( ١ انظر "منهج كتابة التاريخ" للسلمي، ( ٢٥٣
٢ قال السَّخاوي رحمه الله في "الإعلان بالتوبيخ" للسخاوي ( ٦٤ ) : " ورحم الله منقِّح المذهبِ المحيوي النَّووي
– الإمام النَّووي – فإنَّه لمَّا أثنى على فوائد الاستيعاب للحافظ الحجَّةِ ابن عبد البرِّ قال : لولا ما شانه من ذِكْرِ كثيرٍ
ممَّا شَجَرَ بين الصَّحابةِ، وحِكايته عن الإخباريين الغالبُ عليهم الإكثارُ والتَّخلي ُ ط " !
. (٤٤٩-٤٤٨/ ٣ "منهاج السنة" لابن تيمية ( ٤
w w w . t h i a b . c o m
١٥٠
وقال أيضًا : " وحُ ْ كمُ اُلمت َ كلِّمِ باجتهادِه في العلمِ والدِّينِ حُكمُ أمثالِه من اُلمجتهدين،
ثمَّ قد يكو ُ ن مُجتهدًا مُخطًئا أو مُصيبًا، وقد يكو ُ ن كلٌّ من الرَّجُلينِ المُختلفينِ باللِّسانِ
أو اليدِّ مُجتهدًا يعتقِدُ الصَّوابَ معه، وقد يكونان جميعًا مُخطَِئيْنِ مَغُْفورًا لهما، كما
ذكرنا نظيرَ ذلك ممَّا كان يجري بين الصَّحابةِ .
ولهذا يُنْهى عمَّا شجرَ بين هؤلاء سواءٌ كانوا من الصَّحابةِ أو ممَّن بعدهم، فإذا تشاجرَ
مُسلِمانِ في قضيَّةٍ، ومضَتْ ولا تعلُّقَ للنَّاسِ ﺑﻬا، ولا يعرُفو َ ن حقيقتَها، كان كلامُهم فيها
كلامًا بلا عِلْمٍ ولا عَدْلٍ يتضمَّنُ أذاهُما بغيرِ حقٍّ!، ولو عرفوا أنَّهما مُذنِبانِ مُخطئانِ، لكان
ذِكْرُ ذلك من غيرِ مصلحةٍ راجحةٍ من بابِ الغِيْبةِ اَلم ْ ذمومةِ !
لكنَّ الصَّحابَة رضوان الله عليهم أجمعين أعْظمُ حُرمًة، وأجلُّ َقدْرًا، وأنْزهُ أعراضًا، وقد
ثبتَ من فضائِلِهم خُصُوصًا وعُمُومًا ما لم يَثْبُتَ لغيرِهم، فلهذا كان الكلامُ الذي فيه ذمُّهم
. على ما شَجَرَ بينهم أعظمَ إْثمًا مِنَ الكلامِ في غيرِهم" ١
بِسُوءٍ  وقال الإمامُ أحمد رحمه الله : " إذا رأيتَ أحدًا يَذْكُرُ أصحابَ رسولِ الله
. فاتَّهِمْهُ على الإسلامِ!" ٢
. (١٤٧-١٤٦/ ١ "منهاج السنة" لابن تيمية ( ٥
١٢٥٢ )، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر / ٢ "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" للألكائي ( ٧
.(٢٠٩/٥٩)
w w w . t h i a b . c o m
١٥١
* * *
الإيراد الثاني : لعَلَّ قائ ً لا يقو ُ ل : إنَّنا نجدُ كثيرًا من كُتُبِ التاريخِ المَشْهورةِ المرْضِيَّةِ
عند عامَّةِ المسلمين قد َ ذ َ كرَتْ ما جَرَى، وحَصَ َ ل بين الصحابةِ رضي الله عنهم بكُلِّ
تَفْصِيلٍ وتحليلٍ، فلنا فيهم ُأسْوةٌ حَسَنةٌ َفيَسَعُنا ما يَسَعُهم ؟!
أقو ُ ل : إنَّ هذا الَقوْ َ ل حَقٌّ لا شَكَّ فيه، فقد َ ذ َ كرَتْ ُ كتُبُ التاريخِ بعامَّةِ ما شَجَرَ
بين الصحابةِ رضي الله عنهم، بَيْدَ أنَّها لم تَ ْ ذ ُ كرْ ذلك للاسْتِئْناسِ والتَّشَوُّفِ لأخبارِهم
والتََّفكُّهِ بِحُرُوبِهم وقِتالِهم ونحوِ ذلك؛ فحاشاهم رحمهم الله تعالى، َفهُمَ َأبْعَدُ الناسِ عن
ذلك !
كما لا ننسى أيضًا أنَّه كما َثبَتَ في كُتُبِهم ما شَجَرَ بين الصحابةِ رضي الله عنهم؛
فكذا قد َثبَتَ تَ ْ قرِيرُهم لِمُعْتََقدِ السَّلفِ عن الكَفِّ والإمْسَاكِ عمَّا شَجَرَ بينهم .
وهذا لم يَ ُ كنْ منهم مَحْضُ التَّناقُضِ كما يَزْعُمُه مَنْ ليس له أدْنى عِلُمٌ بحالِهم، فهؤلاء
الأئمَُّة قد َ ذ َ كرُوا ذلك وسَطَّرُوه في كُتُبِهم لأمُورٍ مَهِمَّةٍ منها :
الأمر الأول : إبراءً للذِّمةِ، فكان من الأمانةِ العلميةِ أ ْ ن يَ ْ ذ ُ كروا ذلك حِفْظًا للتاريخِ
الإسلامي مِنْ عاديةِ اُلمحَرِّفين أهلِ البدعِ والأهواءِ؛ كي لا يَدْخُل فيه ما ليس منه، أو
إخراجُ ما هو منه، لذا جعلوا من أنُْفسِهم حُرَّاسًا على تاريخِ الأمَّةِ الإسلاميةِ .
w w w . t h i a b . c o m
١٥٢
* * *
الأمر الثاني : كان هذا منهم إتْمَامًا للتَّاريخِ الإسلاميِ، فكما بدؤوا بِ َ كتْبِ أوَّلِهِ،
فكذا سَارُوا إلى آخِرِه دون نَقْصٍ أو َثْلبٍ؛ ممَّا َقدْ يُجْعَلُ للطَّاعنين علينا سبي ً لا؛ لذا كان
في جمعِ ما وَرَدَ من رِوَاياتٍ وأخْبارِ حَوْلِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم جُنًَّة يَتَصدَّى ﺑﻬا
السََّلفيُّ في وَجْهِ كلِّ مُبْتدِعٍ، وخَنْجرًا في نَحْرِ كلِّ ضالٍ، كما يقول ابن تيمية رحمه الله
: " لكن إذا ظهر مُبْتدعٌ يقْدحُ فيهم  في الصحابةِ  بالباطلِ، فلا بدَّ من الذَّبِّ
. عنهم، وذِكْرُ ما يُبْطِلُ حُجَّتَه بِعِلْمٍ وعَدْلٍ" ١
فهذه الأممُ أجْمَعُ لا تَعْتَزُّ إلاَّ بِعِزِّ تاريخِها، ولا تُذلُّ إلاَّ بِضَياعِ تاريخِها أو بَعْضِه؛
فتأمَّ ْ ل يا رعاكَ الله !
* * *
الأمر الثالث : كذلك أرادُوا مِنْ ذِكُرِ وحِفْظِ أخبارِهم رضي الله عنهم العِبْرََة
والعِ َ ظَة لِمَنْ بعدِهم، كما َ ذ َ كرَ ذلك أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله بقولِه : " واعَْلمْ
أنَّ في ذِكْرِ السِّيرِ والتَّواريخِ َفوائِدَ كثيرًة؛ أهمًّها فائدتان :
. (٢٥٤/ ١ "منهاج السنة" لابن تيمية ( ٦
w w w . t h i a b . c o m
١٥٣
أحدهما : أنَّه إ ْ ن ُ ذكِرتْ سِيرُة حَازمٍ، ووُصَِفتْ عاقبُة حالِه عَلِمَتْ حُسْنَ التَّدبيرِ
واسْتِعمالِ ا َ لحزْمِ، وإ ْ ن ُ ذكِرتْ سيرُة مَُفرِّطٍ ووُصَِفتْ عاقبتُه خِفْتَ مِنْ التَّفريطِ…
ويتضمَّنُ ذلك شَحْ َ ذ صَوارِمِ العُُقولِ، ويكو ُ ن روضًة للمُتَنَزِّه في اَلمنُْقول .
الثانية : أ ْ ن يَطَّلعَ بذلك على عَجائِبِ الأمُورِ، وتََقلُّباتِ الزَّمانِ، وتَصَاريفِ الَقدَرِ،
.( والنَّ ْ فسُ تَجِدُ راحًة بسماعِ الأخبارِ"( ١
وﺑﻬذا نعلمُ أنَّ بَعْضَ الأحكامِ الشَّرعيةِ قد تبيَّنتْ من خِلالِ ما حَصَ َ ل بين الصحابةِ رضي
الله عنهم ؛ فمن ذلك :
* أحْ َ كامُ قِتَالِ أهْلِ البَغِي كما َقرَّرَ ذلك عليٌّ رضي الله عنه مع اُلمخَالفين، وهذا بابٌ واسعٌ
. ( ومهمٌّ؛ ولولا ما حَصَ َ ل بينهم مِنْ قِتَالٍ لما عُلِمَ ذلك، والله أعلم( ٢
* * *
الأمر الرابع : كذلك نَجِدُهم لم يذكرُوا أخبارَ وحواد َ ث هذه الفتنةِ سَرْدًا بلا زِمامٍ أو
خِطامٍ!؛ بل أسْنَدُوها إبراءً للذِّمةِ، في حين نَرَاهم لم يَغَْفلُوا هذا الجانب رأسًا؛ بل لهم عِنايةٌ
بنَقْدِ كثيرٍ من هذه الرِّواياتِ والأخبارِ مع بيانِ صحيحِها من سقيمِها، وتَوْجِيه ما أمكن
توجيهُهُ .
. (١١٧/ ١ "المنتظم" لابن الجوزي ( ١
٤٣٤ وما بعدها ) . / ٢ انظر " مجموع الفتاوى" لابن تيمية ( ٤
w w w . t h i a b . c o m
١٥٤
وهذا ما قرَّرَه ابنُ جريرٍ رحمه الله في مُقدِّمةِ كتابه "تاريخ الأمم والمُلوك" : " …
فما يكنْ في كتابي هذا من خَبَرٍ ذكرْناه عن بعضِ الماضين ممَّا يَسْتَنكِرُه قارُئه، أو
يسْتشنِعُه سامعُه، من أجلِّ أنَّه لم يْعرِفْ له وجهًا في الصِّحَّةِ، ولا معنىً في الحقيقةِ،
فليعَْلمْ أنَّه لم يُؤتَ في ذلك من قِبَلِنا، وإنَّما أُتِيَ من قِبَلِ بعضِ ناقليه إلينا، وأنَّا إنِّما أدَّينا
. ذلك على نَحْوِ ما أُدِّيَ إلينا" ١
* * *
الأمر الخامس : كذلك لم يَ ُ كنْ قصدُهم من ذِكْرِ وكتابةِ ما شَجَرَ بين الصحابةِ
رضي الله عنهم نَشْرَها وتَرْويجَها بين الخاصَّةِ والعامةِ من المسلمين كلاَّ !  ما هذا
أرادُوه  بل غايُة عِلْمِهم أنَّ الذي سَيَقِفُ مُستِفِيدًا مِنْ كُتُبِهم هم العُلماءُ خاصًَّة دون
عامةِ المسلمين كما هو مألوفٌ لدى الجميعِ .
ومن نفائسِ الكلامِ ودُرَرِه، ممَّا هو جديرٌ بطالبِ العلمِ (في زماننا !) أن يُنعِمَ النَّ َ ظرِ
فيه؛ هو ما قاله الإمامُ السُّبْكي رحمه الله ( ٧٧١ ه) في كتابه "طبقات الشافعية
. (٨/ ١ "تاريخ الأمم والملوك" لابن جرير الطبري ( ١
w w w . t h i a b . c o m
١٥٥
ال ُ كبْرى" : " لا يَزَا ُ ل طَالِبُ العِلْمِ عِنْدِي نَبِي ً لا حتَّى يَخُوضَ فيما جَرَى بينَ السََّلفِ
. الماضين، ويَ ْ قضِي لبعْضِهم على بعْضٍ" ١
* * *
وبعد هذا : هاك أخي اُلمسلمُ الكريمُ ما قاله الإمام المحدِّ ُ ث أبو بكر الآجُرِّيرحمه الله
٣٦٠ ه) كي تََقرَّ عينُك، ويَطْمَئِنَّ قلبُك لما سَطَّرنا لك آنفًا حي ُ ث نراه يَرُدُّ على )
بعضِ الاعتراضاتِ والإيراداتِ نحو ما شَجَرَ بين الصحابة رضي الله عنهم :
قال رحمه الله باختصارٍ : يَنْبَغِي لِمَنْ تَدَبَّرَ ما رَسَمْنا مِنْ فضائلِ أصحابِ رسولِ الله
صلى الله عليه وسلم، وفضائلِ أهلِ بيتِه رضي الله عنهم أجمعين أ ْ ن يُحِبَّهم، ويتَرَحَّمَ
عليهم، ويستغفرَ لهم، ويُثْنيَ عليهم ويَشْكُرَ الله العظيم إ ْ ذ وفََّقه لهذا، ولا يَذْكُرُ ما شَجَرَ
بينهم، ولا يُنَقِّرُ عنهم، ولا يَبْحَثُ .
فإذا عَارَضَنا جاهلٌ مَفْتُونٌ قد خُطِيَ به عن َ طريقِ الرَّشادِ، فقال : لِمَ قَاتَ َ ل فلانٌ
لفلان ؟، ولِمَ َقتَ َ ل فلانٌ لفلانٍ وفلانٍ ؟!
قيل له : ما بِنَا وبِكَ إلى ذِكْرِ هذا حاجةٌ تَنَْفعُنَا، ولا اضْ َ طرَرْنا إلى عِلْمِها .
فإن قال قائلٌ : ولِمَ ؟
. (٢٢/ ١ "الطبقات الكبرى" للسبكي ( ٢
w w w . t h i a b . c o m
١٥٦
قيل : لأنَّها فِتَنٌ شاهدَها الصَّحابُة رضي الله عنهم، فكانوا فيها على حَسَبِ ما
أرَاهم العِلْمُ ﺑﻬا، وكانوا أعَْلمَ بتأويلِها مِنْ غيرِهم، وكانوا أهدى سبي ً لا ممَّنَ جاءَ بعدَهم،
لأنَّهم أه ُ ل الجنَّةِ، عليهم نَزَ َ ل الُقرآ ُ ن، وشَاهدُوا الرَّسو َ ل صلَّى الله عليه وسلم،
وجاهدُوا معه، وشَهِدَ الله لهم عَزَّ وجلَّ بالرِّضْوان، والمغفرةِ، والأجْرِ العظيمِ، وشَهِدَ لهم
الرَّسو ُ ل صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّهم خَيْرُ َقرْنٍ، فكانوا بالله عزَّ وجلَّ أعْرَفَ، وبرسولِه
صلَّى الله عليه وسلم، وبالقرآنِ وبالسنَّةِ، ومنهم يُؤخَذُ العلمُ، وفي قولِهم نَعْيشُ،
وبأحْكامِهم نَحْ ُ كم، وبأدبِهم نتأدَّبُ، ولهم نَتَّبِعُ، وبِهذا ُأمِرْنا .
فإ ْ ن قال قائلٌ : وَأيْشٍ الذي يَضُرُّنا مِنْ مَعْرَِفتِنا لما جَرَى بينهم، والبحْثِ عنه ؟
قيل له : لاشكَّ فيه، وذلك أنَّ عُُقو َ ل القومِ كانت أكبْرَ مِنْ عُُقولِنا، وعُُقوُلنا أنَْقصُ
بكثيرٍ، ولا نَأمَنُ أ ْ ن نَبْحَ َ ث عمَّا شَجَرَ بينهم، َفنَزِلُّ عنْ طريقِ الحقِّ، ونَتَخَلَّفُ عمَّا ُأمِرْنا
فيهم .
فإ ْ ن قال قائلٌ : وبِمَ ُأمِرْنا فيهم ؟
قيل : ُأمِرْنا بالاسْتِغفارِ لهم، والتَّرحُّمِ عليهم، واَلمحَبَّةِ لهم، والاتِّباعِ لهم ...
فإن قال قائلٌ : إنَّما مُرادي مِنْ ذلك لأ ْ ن أكو َ ن عالمًا بِمَا جَرَى بينهم فأكو ُ ن َلمْ
يذهبْ عليَّ ما كانوا فيه لأنِّي ُأحِبُّ ذلك ولا أجْهَُله .
w w w . t h i a b . c o m
١٥٧
قيل َلهُ : أنْتَ َ طالبُ فِتْنَةٍ؛ لأنَّك تَبْحَثُ عمَّا يَضُرُّكَ ولا يَنَْفعُكَ، ولو اشْتَغْلتَ
بإصْلاحِ ما لله عزَّ وجلَّ عليك فيما تَعَبَّدَك به مِنْ أداءِ فرائِضِه، واجْتِنابِ مَحَارِمِه كان
أوْلى بك .
.( وقيل له : ولا سيَّما في زمانِنا هذا مَعَ قُبْحِ ما َقدْ َ ظهَرَ فيه مِنَ الأهواءِ الضَّالةِ( ١
وقيل له : اشْتِغالُكَ بِمَطْعَمِك، ومَْلبَسِك مِنْ أين هو أوْلى بك، وتَمَسُّكُكَ بِدِرْهَمِك
من أينَ هو، وفِيمَ تُنْفُِقه أوْلى بك ؟
وقيل : لا نَأمَنُ أ ْ ن تكو َ ن بِتَنْقِيرِكَ وبَحْثِكَ عمَّا شَجَرَ بين القومِ إلى أ ْ ن يَمِي َ ل قلبُكَ
َفتَهْوى ما لا يَصْلُحُ لك أ ْ ن تَهْواه، ويَلْعَبُ بك الشَّيطا ُ ن َفتَسُبَّ وتُبْغِضُ مَنْ أمَرَكَ الله
.( بمحبتِهِ والاستغفارِ له وباتِّباعِه، َفتَزِلَّ عن َ طريقِ ا َ لحقِّ، وتَسْلُكَ َ طريقَ الباطلِ…"( ٢
* * *
١ ليت شعري! إذا كان هذا الخوفُ من الآجري رحمه الله على أهلِ زمانِ الَقرْنِ الرَّابعِ !؛ فكيف الحا ُ ل إذًا بأهلِ
الَقرْنِ الخامِسِ عَشَر ؟ فالله المستعان !
٢٤٨٧ ) باختصارٍ وتَصَرُّفٍ . -٢٤٨٥/ ٢ "الشريعة" للإمام الآجري ( ٥
w w w . t h i a b . c o m
١٥٨
الباب الثامن
خلاصُة البحث
هذه خلاصةٌ جمعناه بين يدي القارئ بعد انتقاءٍ محرَّرٍ، فيها إجما ُ ل ما حوته الأبوابُ
والفصول، بعد بحثٍ وتحقيقٍ تأخ ُ ذ بيد القارئ إلى رياض الحقِّ كما نصَّ عليه الكتابُ،
فهي إجماعاتٌ ، والسنة، والإجماع، وأقوا ُ ل السَّلفِ نحو : أصحابِ الرسولِ
واتِّفاقاتٌ يأخُ ُ ذ بعضُها برِقابِ بعضٍ ولله الحمدُ، فهاكها في نُقاطٍ ثمان :
١ أجمعَ أه ُ ل السُّنةِ والجماعةِ على أنَّ ُأمَّ المؤمنين عائشَة وطلحَة والزُّبيرَ رضي الله
عنهم لم يقْصُدُوا بِخُرُوجِهم إلى البَصْرةِ إلاَّ الإصْلاحَ بين المسلمين .
٢ وأجمعوا أيضًا على أنَّ عائشَة وطلحَة والزُّبيرَ لم يدَّعوا الخِلافَة لأحَدٍ منهم، ولم
يُنازعوا عليًا في خِلافتِه، وأنَّ الصُّلحَ قد حَص َ ل بينهم، وهو أخ ُ ذ الَقصَاصِ من َقتَلةِ
عثمان رضي الله عنه .
٣ وأنَّ ما وََقعَ في ( الجمل ) من قتالٍ بين عليٍّ، وبين عائشَة وطلحَة والزُّبيرِ كان
دون علْمٍ منهم؛ بل أصحابُ الفتْنَةِ من الثُّوَّارِ والأعرابِ همُ الذين انْشَبُوا ا َ لحرْبَ بين
الفريقين مكرًا وزُورًا، فعندئذٍ وقعَ القِتالُ بين الفريقين ظنا منهما أنَّ الواحِدَ منهم يَدفْعُ
عنه صَوَْلَة الآخَرِ .
w w w . t h i a b . c o m
١٥٩
٤ أنَّ مُعاويَة بن أبي سفيان رضي الله عنه لم يُقات ْ ل أو يُنازعْ عليًا رضي الله عنه على
خِلافةٍ، أو أفضليَّةٍ قطُّ، اللَّهم أنَّه لم يُعْطِ عليًا البيعَة حتَّى يَقْتُ َ ل قتلَة عُثمان، أو يُسَلِّمَهم
إليه، كما أنَّ عليًا رضي الله عنه لم يُ ْ قدِمْ على القتالِ حتى أمه َ ل مُعاوية عَسَاه يرضي
بتقديمِ البيعةِ أو ً لا .
٥ أنَّ مُعاويَة بن أبي سفيان رضي الله عنه اجتهدَ في تأخيرِ البيعةِ، وتقديمِ أخذِ
القَصَاصِ من القَتَلةِ وللمُجتهدِ أجرُه!، وحسبنا أنَّ مُعاويَة من أهل الاجتهادِ، مع ما
عنده من صِدْقِ نِيَّةٍ، وبَذْلِ وُسْعٍ فيما أقدمَ عليه، عِْلمًا أنَّ دعواهما حقٌّ إلاَّ أنَّ عليًا
كان أقربَ إلى الحقِّ من مُعاويَة رضي الله عنهما .
٦  أنَّ عددَ الصَّحابةِ الذين حضورا أيام الفتنة ( الجمل وصفَّين ) قليلٌ ج  دا، لا
يكادون يتجاوزن الثلاثين قطعًا، وهم أيضًا مع حضُورِهم هذا لم يُقاتِ ْ ل منهم أحدٌ، أمَّا
أكابرُ الصَّحابةِ رضي الله عن الجميع فلم يدخُلوا في فتنةٍ قطُّ !
٧ أجْمَعَ أه ُ ل السنةِ قاطبًة على وُجُوبِ محبَّةِ الصحابةِ رضي الله عنهم، والدُّعاءِ لهم،
وأنَّهم ُ كلَّهم عُدُولٌ بلا استثناءٍ سواءٌ مَنْ لابَسَ الفتْنَة منهم أو لا، وأنَّ سبَّهم زندقةٌ
ورِدَّةٌ، وأنَّ مُعاويَة رضي الله عنه أفْضَلُ مُُلوكِ المسلمين قاطبًة بعد الخلفاء الأربعةِ ( أبي
بكرٍ، وعُمَرَ، وعُثما َ ن، وعليٍّ )، وأنَّ مُل َ كه مُلْكُ رحمةٍ .
w w w . t h i a b . c o m
١٦٠
٨ أجْمَعَ أه ُ ل السنةِ على الكَفِّ والإمْسَاكِ عمَّا شَجَرَ بين الصحابةِ رضي الله عنهم،
والسُّ ُ كوتِ عمَّا حَصَ َ ل بينهم مِنْ قتالٍ وحُرُوبٍ، وعَدَمِ البحثِ والتَّنْقيرِ عن أخْبارِهم أو
نَشْرِها بين المسلمين لما لها أَثرٌ سيئٌ في إثارةِ الفتنةِ والضَّغائِنِ، وإيغارِ الصُّدورِ عليهم،
وسُوءِ الظَّنِّ ﺑﻬم ممَّا يَُقلِّلُ الثَِّقَة ﺑﻬم ...!
وأخيرًا؛ هذا ما أحببتُ رَسْمُه في كتابي " تَسْدِيدِ الإصَابةِ فيما شَجَرَ بين الصَّحابةِ"
مِنْ خِلالِ ثمانيةِ أبوابٍ، والثَّمانيُة أيضًا في ثمانِ نُقاطٍ عسى أن تكون سببًا لدخولي من
أيِّ أبوابِ الجنَّةِ الثَّمانية، اللَّهمَّ أمين !
واللهَ أسْأ ُ ل أ ْ ن يُرِيَنا الحقَّ حَقًّا ويَرْزَُقنا اتِّبَاعَه، والباطِ َ ل باط ً لا ويَرْزَُقنا اجْتِنَابَه آمين
والصَّلاُة والسَّلامُ على عَبْدِه ورَسُولِهِ الأمين، وعلى آلِهِ وصَحْبِه الميامين
وكتبه
ذِيابُ بنُ سَعْدٍ آلُ حَمْدان الغامدي
w w w . t h i a b . c o m
١٦١
َثبَتُ اَلمراجِع
١. القرآن الكريم .
٢. أحكام القرآن . للقرطبي .
٣. أصول السرخسي . للسرخسي .
٤. الإحكام في أصول الأحكام . لابن حزم .
٥. الإصابة في تمييز الصحابة . لابن حجر .
٦. الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ . للسخاوي .
٧. الإمامة . لأبي نعيم الأصبهاني .
٨. الاستيعاب . لابن عبد البر .
٩. البداية والنهاية . لابن كثير .
١٠ . الجامع لأحكام القرآن . للقرطبي .
١١ . الحلية . لأبي نعيم .
١٢ . الدُّر المنُثور . للسيوطي .
١٣ . السلسلة الصحيحة . للألباني .
١٤ . السنة . لعبد الله بن أحمد .
w w w . t h i a b . c o m
١٦٢
١٥ . السنة . للخلال .
١٦ . السنن الأربعة .
١٧ . الشرح والإبانة الصغرى . لابن بطة .
١٨ . الشريعة . للآجري .
١٩ . الشفاء . للقاضي عياض .
٢٠ . الصارم المسلول . لابن تيمية .
٢١ . العواصم من القواصم . لابن العربي .
٢٢ . الفِصل في الأهواء والنِّحل . لابن حزم .
٢٣ . الكامل . لابن الأثير .
٢٤ . المحلى . لابن حزم .
٢٥ . المستدرك . للحاكم .
٢٦ . المغني . لابن قدامة .
٢٧ . المنتظم . لابن الجوزي .
٢٨ . الناهية . للفرهاروي .
٢٩ . تاريخ ابن خلدون . لابن خلدون .
w w w . t h i a b . c o m
١٦٣
٣٠ . تاريخ الأمم والملوك . لابن جرير الطبري .
٣١ . تاريخ اليعقوبي . لليعقوبي .
٣٢ . تاريخ خليفة . لخليفة .
٣٣ . تاريخ دمشق . لابن عساكر .
٣٤ . تبيين المفتري . لابن عساكر .
٣٥ . تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة . لمحمد أمحزون .
٣٦ . تفسير القرآن العظيم . لابن كثير .
٣٧ . تتريه خال المؤمنين . لأبي يعلى الحنبلي .
٣٨ . جامع البيان . لابن جرير الطبري .
٣٩ . جامع بيان العلم وفضله . لابن عبد البر .
٤٠ . حلية الأولياء . لأبي نُعيمٍ الأصفهاني .
٤١ . زاد المسير . لابن الجوزي .
٤٢ . زاد المعاد . لابن القيم .
٤٣ . سير أعلم النبلاء . للذهبي .
٤٤ . شرح أصول اعتقاد أهل السنة . للالكائي
w w w . t h i a b . c o m
١٦٤
٤٥ . شرح العقيدة الطحاوية . لابن أبي العز .
٤٦ . شرح العقيدة الواسطية . لمحمد الهراس .
٤٧ . شرح مسلم . للنووي .
٤٨ . صحيح البخاري .
٤٩ . صحيح الترغيب . للألباني .
٥٠ . صحيح الجامع . للألباني .
٥١ . صحيح السنن الأربعة . للألباني .
٥٢ . صحيح مسلم .
٥٣ . طبقات الشافعية الكبرى . للسبكي .
٥٤ . عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة . لناصر الشيخ .
٥٥ . علوم الحديث . لابن الصلاح .
٥٦ . فتح الباري . لابن حجر .
٥٧ . فتح القدير . للشوكاني .
٥٨ . لسان العرب . لابن منظور .
٥٩ . لوامع الأنوار البهية . للسفاريني .
w w w . t h i a b . c o m
١٦٥
٦٠ . مجموع الفتاوى . لابن تيمية .
٦١ . مختصر الجنان واللسان . لابن حجر الهيتمي .
٦٢ . مروج الذهب . للمسعودي .
٦٣ . مستدرك الحاكم .
٦٤ . مسند أحمد .
٦٥ . معاجم الطبراني .
٦٦ . معجم البلدان . للحموي .
٦٧ . منهاج السنة النبوية . لابن تيمية .
٦٨ . منهج كتابة التاريخ الإسلامي . لمحمد بن صامل السُّلمي .
w w w . t h i a b . c o m
١٦٦
فهارس الآيات القرآنية
……………………………………………………………
……………………………………………………………
……………………………………………………………
……………………………………………………………
فهارس الأحاديث النبوية
……………………………………………………………
……………………………………………………………
……………………………………………………………
……………………………………………………………
w w w . t h i a b . c o m
١٦٧
الَفهَارِسُ الموضوعيَُّة ١
تقريظ الشيخ صالح الفوزان . ( )
المقدّمَةُ : ( )
العلوم الثلاثة التي لها تعلُّقٌ بخبرِ الفِتْنةِ. ( )
خِطَّةُ الرِّسالة في ثمانيةِ أبواب . ( )
الباب الأول : وفيه ثلاثة فصول . ( )
الفصل الأول : التعريف بالتأريخ . ( )
التعريف بكتاب "منهج كتابة التاريخ الإسلامي" للسُّلمي/ح . ( )
التاريخ لغًة . ( )
التاريخ اصطلاحًا . ( )
الفصل الثاني : أهميَّة التأريخ . ( )
الشَّهوة الخفيَّة : ا ُ لجرأُة على الفتوى بغير علمٍ . ( )
الفصل الثالث : خطورة الكلام في التأريخ دون علم . ( )
أقسام الأحاديث والآثار في التاريخ، وهي قسمان . ( )
١ كلُّ ما كان من استدراكٍ، أو فائدةٍ، أو غيرها في الحاشية، فقد رمزنا له بحرف الحاء اُلمهملةِ ( ح ) تمييزًا لها عن
w w w . t h i a b . c o m
١٦٨
القسم الأول . ( )
القسم الثاني . ( )
ا ُ لخ ُ طواتُ العامة لمنهج توثيق الرِّواية . ( )
طرق المنهج العلمي في التَّعامل مع التاريخ . ( )
الباب الثاني : وفيه فصلان . ( )
الفصل الأول : موضوع الفتنة، وموقعة ( الجمل وصفِّين ). ( )
خطأ بعضُ الدُّعاةِ في ذِكْرِ الفتنةِ، وذلك في خطأين . ( )
الخطأ الأول : ما يتعلَّقُ بالأخبار والآثار من حيث القبول والردِّ . ( )
أسماء بعض الكتب التي ساهمت في خدمة التاريخ /ح . ( )
الخطأ الثاني : ما يتعلَّقُ بأصلِ الموضوع، وهو ذكْرُ الفتنة . ( )
ذكر موقعة الجمل . ( )
أسماء الكتب التي حرَّرت موقعة الجمل /ح . ( )
خلاصة ما جاء في موقعة الجمل . ( )
ذكر موقعة صفِّين . ( )
أصلِ الكتاب .
w w w . t h i a b . c o m
١٦٩
تحقيق قصة الحكمين . ( )
سبب القتال بين علي ومعاوية رضِيَ اللهُ عَنْهُما . ( )
خلاصة ما جاء في موقعة صفِّين . ( )
الفصل الثاني : عددُ الصَّحابةِ الذين حضروا الفتنة. ( )
توجيه نسبةِ "الفِتْنةِ إلى الصَّحابةِ" . ( )
وقفة مع كتاب "منهاج السنة النبوية" لابن تيمية /ح . ( )
فائدة : عدد الصحابة الذين شاركوا في الفتنة . ( )
الباب الثالث : مُجْم ُ ل ما دار بين الصحابة رضي الله عنهم، وذلك في ثلاثة أمور.
( )
الأمر الأول : تحديدُ بدايةِ التَّشاجرِ بين الصحابةِ رضي الله عنهم . ( )
توبة كثير من الشيعة إلى السُّنة /ح . ( )
الأمر الثاني : الدَّافعُ الذي حَمَ َ ل الصحابَة رضي الله عنهم على التَّشاجرِ بينهم .
( )
الأمور التي خفيت وتلبَّست على معاوية ومن معه . ( )
الأمر الثالث : وجوُبُ السُّكوتِ عمَّا شَجَرَ بين الصحابةِ رضي الله عنهم( )
w w w . t h i a b . c o m
١٧٠
الباب الرَّابع : فضائل الصحابة رضي الله عنهم، وفيه ستة فصول . ( )
الفصل الأول : فضائل الصحابة رضي الله عنهم . ( )
أسماء الكتب التي ساهمت في تراجم وفضائل الصحابة /ح . ( )
النُّصُوصُ الشرعيَُّة الدَّالُة على ما وَقعَ بين الصحابة . ( )
أقوا ُ ل الناسِ فيما وََقعَ في صفِّين . ( )
أيُّهما أولى بالحقِّ عليٌّ أم مُعاوية ؟ ( )
الفصل الثاني : وجوب محبَّةِ الصحابةِ رضي الله عنهم . ( )
الفصل الثالث : وجوب الدعاء والاستغفار للصحابة رضي الله عنهم.( )
الفصل الرابع : عدالة الصحابة رضي الله عنهم . ( )
الفصل الخامس : حكم من سبَّ الصحابة رضي الله عنهم . ( )
أقوا ُ ل أهل العلم في حُكْمِ من سَبَّ الصحابة، وهو على قولين . ( )
القول الأول : أنَّ من سبَّ الصحابة كفر . ( )
القول الثاني : أنَّ من سبَّ الصحابة لا يكفر . ( )
الجمع بين القولين، وذلك بأنَّ السبَّ نوعان . ( )
حكمُ من سبَّ أزواجِ النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه مطلبان . ( )
w w w . t h i a b . c o m
١٧١
المطلبُ الأول : حكم من سبَّ عائشة رضي الله عنها . ( )
المطلبُ الثاني : حكم من سبَّ غير عائشة من أزواجه صلى الله عليه وسلم، وفيه
قولان . ( )
القول الأول : أنَّه كسابِّ غيرهنِّ من الصحابةِ . ( )
القول الثاني : أنَّه كسبِّ عائشة رضي الله عنها . ( )
الفصل السادس : فضائل مُعاوية رضي الله عنه . ( )
أسماء الكتب التي ساهمت في بيان فضل معاوية والذب عنه /ح . ( )
ذكر الشُّبه التي دارت حول مُعاوية رضي الله عنه، والردُّ عليها . ( )
الشبهة الأولى : حديث : " لا أشبع الله بطنَه "، وتوجيهه . ( )
الشبهة الثانية : قول ابن راهوية : " لا يصح في فضل معاوية شيء" وردُّه سندًا
ومتنًا. ( )
الشبهة الثالثة : قول البخاري : " باب ذكر معاوية" ولم يقل : "فضل معاوية"،
وتوجيهه . ( )
ذكرُ شُبهةِ الرافضةِ حول البخاري و"صحيحه"، والرَّدُّ عليها /ح . ( )
الشبهة الرابعة : حديث :" ويح عمار تقتله الفئة الباغية"، وتوجيهه . ( )
w w w . t h i a b . c o m
١٧٢
الباب الخامس : أقوا ُ ل السلف في وجوب السكوت عمَّا شجر بين الصحابة رضي
الله عنهم . ( )
معنى السُّكوت عمَّا شجر بين الصحابة رضي الله عنهم . ( )
شرح حديث : " إذا ذُكِرَ أصحابي فأمْسِكوا" . ( )
الباب السَّادس : الآثار السلبيَّة من نشر ما حصل بين الصحابة . ( )
الباب السَّابع : الإيرادات، وذلك من خلال إيرادين . ( )
الإيرادُ الأوَّ ُ ل : حكمُ مَنْ أرادَ أن يَذْكُرَ ما شَجَرَ بين الصحابةِ رضي الله عنهم على
وجه المحبَّةِ، وسلامةِ الصَّدر، وحسنِ الظَّنِّ ﺑﻬم ؟ والردُّ عليه . ( )
استدراك النووي على ابن عبد البر في كتابه "الاستيعاب" /ح . ( )
الإيرادُ الثَّاني : حُكمُ من أرادَ أ ْ ن يَذْكُرَ ما شَجَرَ بين الصحابةِ رضي الله عنهم ُأسْوًة
بما هو موجودٌ في كتبِ التاريخ المشهورةِ ؟ والردُّ عليه . ( )
ذِكْرُ الأمور التي كانت سببًا في ذِكْرِ الفتنةِ في كتب التاريخ ! . ( )
الأمر الأول : إبراء للذِّمَّةِ . ( )
الأمر الثاني : إتمامٌ للتاريخ الإسلامي . ( )
الأمر الثالث : أخ ُ ذ العِبْرة والعِظة . ( )
w w w . t h i a b . c o m
١٧٣
الأمر الرابع : ذكر الأسانيد مع تمحيصها . ( )
الأمر الخامس : حفظها بين أيدي العلماء . ( )
قو ُ ل الإمامِ الآجرِّي فيما شَجَرَ بين الصحابةِ . ( )
الباب الثامن : خلاصة البحث، وهو في ثمان نقاط . ( )
َثبَثُ المراجع : ( )
فهرس الآيات : ( )
فهرس الأحاديث : ( )
الفهارس الموضوعية : ( )
العنوان: تسديد الإصابة فيما شجر بين الصحابة .. العداد: 2 الحجم: 771.00KB
عدد مرات القراءة:
5312
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :