آخر تحديث للموقع :

الثلاثاء 16 صفر 1441هـ الموافق:15 أكتوبر 2019م 10:10:56 بتوقيت مكة
   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

عقيدة الدروز - عرض ونقد ..
الكاتب : محمد الخطيب
هذا الكتاب في الأصل رسالة أعدت من المؤلف لنيل درجة الماجستير في العقيدة والمذاهب المعاصرة من كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض
وكانت بإشراف فضيلة الأستاذ زيد بن عبد العزيز الفياض
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الثالثة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله ، وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين ، وبعد .
فهذه الطبعة الثالثة من كتاب (عقيدة الدروز ) أقدمها إلى القارئ الكريم ، راجيًا أن تلقى منه القبول والرضى كما في الطبعتين الماضيتين .
وقد عملت على تنقيح بعض ما جاء في الطبعة الماضية ، وزيادة بعض المواضيع والنقاط ، التي وجدت فيها أمورًا هامة يجب أن يتضمنها الكتاب .
ويهمني في هذه المقدمة أن أوضح بأن هذا الكتاب ليس موجهًا إلى طائفة أو أشخاص بعينهم ، وإنما هو توضيح وبيان يظهر الحقائق التي يجب على المسلم أن يعرفها عن عقائد الطوائف التي تعيش معه ؛ لأن المسلم وإن كان مطلوبًا منه أن يحسن معاملة من يعيشون معه – من غير دينه - ، إلا أنه – وفي الوقت نفسه – محرم عليه أن يجامل على حساب دينه وعقيدته .
لذا فإني وإن كنت لا أطعن في وطنية كل مَنْ ينتسب إلى الطائفة الدرزية ، إلا أني – وفي الوقت نفسه – لا يمكن أن أنسب هذه الطائفة إلى الإسلام ، رغم أن هذا لا يعجب بعضًا من الدروز ، لكن الموضوعية والوصول إلى حقائق الأمور ، هي التي يجب أن تضيء لنا الطريق في هذه القضية .
وكم وددت أن يصلني – عند صدور الطبعة الأولى – بدل التهديدات والشتائم ، رسالة موضوعية من الدروز توضح فيه الحق من الباطل ، والصواب من الخطأ ، ولكن مع الأسف لم تكن الموضوعية طريق هؤلاء ، فأمطروني بدل منها برسائل السب والشتم والتهديد .
ورغم ذلك ، فإني أكرر وأقول لست من الدين يُؤَلِّبُون صدر الدروز ، وإنما أريد أن أصل إلى حقائق الأمور في موضوع عقائدهم ، وأملي من الدروز أن يظهروا عقلية حكيمة ، وأن لا يبخلوا عليَّ ببعض التوضيحات والأمور التي يجدون فيها الصواب ، فلعل في هذه الطريقة ما يوصلنا إلى طريق الحق الذي نبتغيه .
وفي الختام ، أرجو الله العلي القدير أن يهدينا سواء السبيل ، سبيل الذين أنعم عليهم ، وأن ينفع بهذا الكتاب ، وبالله التوفيق .
                                                    الدكتور محمد أحمد الخطيب
                                                     4 جمادى الأولى 1408 هـ
                                                     25 كانون أول 1987 م

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله . فلا مضل له ، ومَنْ يضلّ ، فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسائر من اهتدى بهديهم إلى يوم الدين ، وبعد .
فمنذ أن بزغ فجر الإسلام على هذه الأرض ، وأعداؤه من اليهود والصليبيين والمجوس وغيرهم يحيكون الفتن والمؤامرات ضد هذا الدين الحنيف ، محاولين أن يزعزعوا أركانه ، ويشككوا بفرائضه ، وينتقصوا من رسوله صلوات الله عليه ، ليطفئوا نوره .
ولهذا توالت الخناجر المسمومة من هؤلاء الأعداء ، يحاولون أن يغرزوها في جسم المجتمع الإسلامي ، وكان أول هذه الخناجر حركة الارتداد عن الإسلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والذي وقف في وجهها بكل قوة وحسم الخليفة الصديق أبو بكر رضي الله عنه والتي دبرها المجوس واليهود .
ولما وجد هؤلاء الأعداء أن هذه الطريقة لم تجد في تفتيت هذا المجتمع اتخذوا وسيلة أخرى ليزرعوا خنجرهم المسموم ، وكان أن قام بهذا عبد الله بن سبأ اليهودي الحاقد ، والذي حاول من خلال تشيعه لعلي وآل البيت أن ينفث سمومه وأفكاره الهدامة ، بادعاء ألوهية علي بن أبي طالب ، والتحريض على قتل عثمان بن عفان رضي الله عنهما . وبالفعل فقد أصبح ابن سبأ أستاذًا لكل الفرق الأخرى التي ظهرت فيما بعد ، من خلال الأفكار الملحدة التي طرحها ، فظهرت فرق هدامة كثيرة ، كالفرقة الخطابية التي ادعت ألوهية جعفـر الصادق ، ودعت أيضًا إلى الإباحية والتحلل من كل شيء .
وكان من تلامذة هذه الفرقة " ميمون القداح " ، ذلك المجوسي الحاقد على الإسلام والمسلمين ، والذي ادعى حب جعفر الصادق وتشيعه له ، فاستطاع بهذا وبمساعدة ابنه عبد الله أن يبثوا أفكارهم الإلحادية في نفس محمد بن إسماعيل حفيد جعفر الصادق ، فكانت أن ظهرت الباطنية الإِسماعيلية على يد القداح وابنه ، حيث قسمت إلى تسعة مراتب يترقى بها الداخل في هذه الفرقة ، فيتحلل أثناء ذلك من كل ارتباط له بالإسلام .
وادعى عبد الله بن ميمون بعد ذلك أنه من نسل آل البيت ، وبهذا الادعاء استطاع أن يؤسس أحفاده الدولة العبيدية في المغرب ، والتي كانت عونًا لكل مَنْ يكيد للإسلام والمسلمين متسترة بالإِمامة لآل البيت ، ولهذا فقد تَقَوَّى بها القرامطة ، فكانوا يتلقون أوامرهم منها ومن ملوكها ، ومع مرور الزمن زادت هذه الدولة قوة بفتحها لمصر سنة 385 هـ على يد جوهر الصقلي في ملك المعز العبيدي ، فأصبحت منذ ذلك الحين مركزًا لهذه الدولة .
وفي سنة 386 هـ تولى الحكم ملك جديد في هذه الدولة هو الحاكم بأمر الله ، والذي كان عنوانًا للغموض والأفعال الغريبة المنافية للعقل الصحيح ، سفاكًا للدماء ، يقتل بلا حساب ولا روية .
وما كانت هذه الأفعال إلا مقدمة لما كان يعتلج في نفسه بادعائه للألوهية ، فالتف حوله أشخاص حاقدون على الإسلام والمسلمين زينوا له هذه الفكرة الخبيثة ، فكان أن ظهر محمد بن إسماعيل الدرزي أولاً بهذا الادعاء ، وتبعه حمزة بن علي سنة 408 هـ ، الذي يعتبر مؤسس مذهب الدروز – الذي نحن بصدد بحثه - ، ذلك المذهب الذي لا يزال أتباعه للآن موجودين في سوريا ولبنان وفلسطين .
ونظرا لكثرة الفرق الضالة والموجودة بين ظهراني المسلمين ، والمزروعة في جسم المجتمع الإِسلامي ، أمثال هذه الفرقة ، وفرق النصيريين ، والإِسماعيليين ، والبهائيين وغيرهم ، وبسبب جهل أكثر المسلمين بهذه الفرق ، حتى أن بعضهم يعتبرها مذاهب إسلامية ، لذلك رأيت أن يكون عنوان رسالة الماجستير المقدمة مني هو عن ( عقيدة الدروز ) محاولاً فيها أن أبين لعامة المسلمين حقيقة مذهب هؤلاء ليتبين لهم الحق من الباطل .
وعلى هذا لست بالذي يزعم ، أني أسير في طريق لم يسلك من قبل ، فقد كتب في هذا الموضوع الوعر الشاق كثيرون([1])، ولم يخل الأمر من كتابات رائدة أدت دورًا مشكورًا ، ولكن مازال هنالك مجال واسع لمزيد من الدراسات لتتضح جنبات هذا الموضوع الشائك ، وتبرز كل خفاياه .
ومع الأسف الشديد ، فإن كل الدراسات الجيدة التي ظهرت عن الدروز ، كانت تختفي بعد طبعها من الأسواق بسرعة نادرة ، وما هذا إلا طريقًا من طرق الدروز في التعمية والتستر على ما يعتقدون ، فهم يسارعون إلى شراء الكمية من الأسواق ليبقى الناس على جهل بهم .
وكلي تَوَجُّه إلى الله سبحانه وتعالى ، أن يجعل دراستي هذه ، ذات أثر فعال في إعطاء المزيد من الضوء على هذه الطائفة ، بحيث أكون قد قدمت خدمة جليلة إلى المجتمع الإِسلامي ، بعونه تعالى وتوفيقه ، في سبيل أن يظهر الحق من الباطل .
وسيقوم بحثي هذا على دراسة العقيدة الدرزية من كل جوانبها ، متعرضًا لبعض الجوانب الرئيسية فيها بالبحث والنقض ، وخاصة القضيتين الرئيسيتين في هذه العقيدة ، وهما ألوهية الحاكم ، وتناسخ الأرواح .
وقد فرضت عليَّ طبيعة البحث ، أن أقوم بدراسة تاريخية لبعض الجوانب ، وخاصة حياة الحاكم ؛ لأنها الجانب الرئيسي التي استقى الدروز عقائدهم منها ، لذا كان لابد من استعراض جوانب كثيرة من حياة الحاكم لتكتمل الصورة في ذهن القاريء . وكذلك لحياة دعاة الدروز الأوائل ، والذين قام على أيديهم هذا المذهب .
وقد قمت بتقسيم هذا البحث إلى ثلاثة أبواب ، يسبقها تمهيد عن الطائفة الإِسماعيلية الباطنية ، والتي انبثق عنها الدروز وأخذوا منها الكثير من عقائدهم ، وفي نهاية الأبواب الثلاثة خاتمة أتحدث فيها عن نتيجة هذا البحث ، وحكم الإِسلام فيهم وفي معاملتهم ، فيكون الهيكل العام للرسالة على الشكل التالي :
التمهيد : نشأة الدروز وصلتهم بالإِسماعيلية الباطنية :
وهو بحث لابد منه بين يدي دراستنا ، وفيه أتحدث عن نشأة الإِسماعيلية الباطنية ، والظروف التي نشأت فيها ، والعقائد التي تأثرت بها ، وكذلك عن كيفية قيام الدولة العبيدية ، والتي اتخذت عقائد الإِسماعيلية عقائد لها ، وأخيرًا عن كيفية قيام المذهب الدرزي في عهد الحاكم بأمر الله ، على يد الدرزي وحمزة بن علي ، متعرضًا خلال ذلك لكثير من العقائد التي أخذها الدروز عن الإِسماعيلية .
وبهذا تتضح كل الأمور الرئيسية التي لابد من بيانها ، قبل الدخول في هذا البحث .
الباب الأول – شخصية الحاكم بأمر الله ، وأثرها في عقيدة الدروز ، وأشهر دعاة الدروز وآراؤهم :
ويحوي هذا الباب ثلاثة فصول هي :
الفصل الأول : الحاكم بأمر الله : حياته وآراؤه وأثرها في عقيدة الدروز .
أعرض في هذا الفصل ، لتفاصيل كثيرة من حياة الحاكم بأمر الله ، وجوانب هامة من آرائه عند الدروز على أنها أفعال تصدر من إله ، معتمدًا في كل هذا على نصوص كثيرة من رسائلهم وكتبهم المقدسة .  
الفصل الثاني – تطور المذهب الدرزي بعد الحاكم :
وأعرض فيه ، عن التطورات التي جدت على عقائد الدروز بعد مقتل الحاكم ، وكذلك عن تطورها في الوقت الحاضر بظهور ما يسمى بـ ( مصحف الدروز ) .
الفصل الثالث – أشهر دعاة الدروز وآراؤهم : أتحدث فيه عن أشهر دعاة الدروز الذين قام المذهب على أيديهم ، وخاصة الدرزي ، وحمزة بن علي ، والفرغاني ، والظروف التي قاموا بها ، والخلافات التي قامت بينهم ، وأشهر العقائد التي نادوا بها .
الباب الثاني – عقيدة الدروز والرد عليها :
ويتضمن فصلين اثنين :
الفصل الأول – عقيدة الدروز :
ويحوي المباحث التالية عن عقائدهم ، والتي أدرسها بتفصيل ، معتمدًا في ذلك على نصوص رسائلهم وكتبهم :
1 – ألوهية الحاكم عندهم .
2 – التناسح والتقمص والحلول .
3 – الحدود الخمسة .
4 – عقيدتهم في اليوم الآخر والثواب والعقاب .
5 – عقيدتهم في الأنبياء .
6 – عقيدتهم في التستر والكتمان .
7 – رسائلهم وكتبهم المقدسة .
الفصل الثاني – الرد على عقيدتهم .
ويتضمن مبحثين اثنين :
أرد فيهما على عقيدتين مهمتين من عقائدهم ، وهما مفهومهم في الألوهية ، وحلول اللاهوت في الناسوت ، والثاني إبطال قولهم بالتناسخ والرجعة ، معتمدًا في ذلك على كثير من الآيات القرآنية الكريمة التي نقضت هذه المفاهيم من أساسها :
1 – إبطال مفهوم للألوهية ، وحلول اللاهوت في الناسوت .
2 – إبطال قولهم بالتناسخ والرجعة .
وقد اخترت هاتين العقيدتين للرد عليهما ، لأنهما اللبنة الرئيسية في العقيدة الدرزية ، وبإبطالهما يتبين بطلان هذا المذهب .
الباب الثالث – شريعة الدروز وتقسيم المجتمع عندهم وموقفهم من الأديان والفرق الأخرى .
ويحوي فصلين اثنين :
الفصل الأول – شريعة الدروز وتقسيم المجتمع عندهم .
ويتضمن المباحث التالية :
1 – نقضهم أركان الإسلام ، وفرضهم بدلها سبع دعائم تكليفية : وأتحدث فيه عن موقفهم من أركان الإِسلام ، في رسالة حمزة الخاصة بنقض هذه الأركان ، وعن فرضه بدلها ما سماه بسبع دعائم تكليفية ، وفي هذا يتبين موقفهم العام من الإِسلام .
2 – الزواج والطلاق والوصية عندهم : وأتحدث فيه عن أهم الأحكام والشرائع الخاصة بهم ، وخاصة في الزواج والطلاق والوصية وغير ذلك .
3 – تقسيم المجتمع الدرزي : أتحدث في هذا المبحث عن تقسيم المجتمع الدرزي ، إلى عقال ، وجهال ، وطبقاتهم ، وكيفية دخول الجاهل في سلك العقال .
الفصل الثاني – موقف الدروز من الأديان والفرق الأخرى .
 وأتحدث فيه عن موقفهم من اليهودية والمسيحية والطائفة النصيرية ، وذلك من خلال رسائلهم التي تتحدث عن ذلك .
وبعد هذه الأبواب الثلاثة ، يصل البحث إلى خاتمته ، وأهم النتائج التي خرجت بها من هذا البحث . وحكم الإِسلام في هذه الطائفة ، وحكم معاملتهم .
وأما بالنسبة للمراجع والمصادر ، فقد اهتممت بكل ما كتب عن هذه الطائفة ما لهم وما عليهم قديمًا وحديثًا ، أما القديم فمن رسائلهم المخطوطة والموجودة في كثير من مكتبات الجامعات الأجنبية ، ومن الكتب التاريخية التي تحدثت عنهم وعن عقائدهم مطبوعها ومخطوطها ، وأما الحديث منها ، فمن كتب عنهم مادحًا أو ذامًا لهم ، وقد يكون فيه فائدة ونفع .
وهذا لا يعني أني أخذت كل ما فيها دون روية وتمحيص ، بل عمدت جاهدًا إلى البحث المستقصى ، ولذلك لم أعتمد على نسخة واحدة من مخطوطات رسائلهم ، بل قارنت بين نسخ كثيرة من رسائلهم الموجودة في أماكن متفاوتة ، لأصل بعد ذلك إلى النتائج السليمة ، بعون الله .
وأخيرًا ... فهذا الجهد هو جهد مُعَرَّضٌ للخطأ والصواب ، فلابد من هفوة أو هفوات ، وإلا لكان الكمال لمن خُلِقَ ضعيفًا وهذا لا يكون .
ولا يفوتني ، في ختام هذه المقدمة ، أن أتقدم بالشكر الجزيل وعظيم الامتنان والتقدير لفضيلة الأستاذ زيد بن عبد العزيز الفياض الذي منحني من وقته وعلمه ما لا أقدر على شكره ، وإلى كل مَنْ مَدَّ إليَّ يد العون والمساعدة وخاصة الأستاذ زهير الشاويش ، راجيًا الله العلي العظيم أن يُوَفِّقَ الجميع لما يحبه ويرضاه .
وختامًا أدعو الله سبحانه وتعالى ، أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه تعالى ، وأن ينفع به ، وأن يُوَفِّقَ الجميع لما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ...
* * * * *

التمهيد
نشأة الدروز وصلتهم بالإِسماعيلية الباطنية
-1-
الدروز لغة :
جاء في القاموس ما يلي :
(( الدَّرْزُ : واحد دُرُوز الثوب ونحوه ، وهو فارسي معرَّب ، ويقال للقمل والصِّئْبَان : بنات الدُّرُوز )) . وبنو دَرْزٍ : الخياطون والحاكة ، وأولاد دَرْزَةَ : الغوغاء . والعرب تقول للدَّعِيِّ : هو ابن دَرْزَةَ ، وذلك إذا كان ابن أَمَةٍ تُساعي فجاءت به من المُسَاعاة ولا يعرف له أب )) ([2]).
أما طائفة الدروز فهم فرقة باطنية يعتبرون أنفسهم منذ ما يقرب من ألف سنة في دور الستر ، فلا يكشفون أمر عقائدهم بما يلقي الضوء على مذهبهم .
( والباطنية بعامة مذهب خفي اتخذه أصحابه وقاء من نقمة مخالفيهم في الاعتقاد ، شرعة اليونان القدماء ، فهو منسوب إلى أرسطو وأفلاطون وأتباع فيثاغورس . ومن هذه المصادر الثلاثة انحدر المذهب إلى الدروز ، الذين يعتبرون هؤلاء الفلاسفة أسيادهم الروحيين ، ثم طبقوا هذا المذهب على التعاليم الإِسلامية ، ثم أحاطوه بالحذر والكتمان حتى اليوم ) ([3]) .
( واسم الدروز كان – ولا يزال – مثار مناقشات عديدة بين الكُتَّاب والمؤرِّخين ، فالمعروف أن هؤلاء الأقوام لا يحبون أن يلقبوا بهذا اللقب ، ويستنكرون أن ينسبهم أحد إلى الداعي نوشتكين الدرزي ، الذي رأينا أنهم يرمونه بالإِلحاد .
والخروج عن دعوتهم وعقيدتهم ، ويطلقون على أنفسهم اسم ( الموحِّدين ) وهو الاسم الذي عرفوا به في كتبهم المقدسة ) ([4]).
وهذا يوضح أن لقب الدروز ، كان نسبة إلى نشتكين الدرزي ، ولكن الأستاذ سليم أبو إسماعيل يقول : ( إن الدرزية نسبة عسكرية لا مذهبية ، وأنهم ينتسبون إلى القائد الفاطمي أبي منصور أنوشتكين الدرزي ) ([5]) .
ولا شك أن هذا الكلام لا يستند إلى أي واقع تاريخي ، ذلك لأن هذا القائد قد ظهر بعد عصر الحاكم ، ولا يوجد أية علاقة بينه وبين هذه الطائفة .
وهناك مَنْ يقول أن نسبهم يعود إلى ( الكونت دي دروكس ) الفرنسي أحد قادة الصليبيين الذين هربوا إلى جوار الدروز بعد هزيمتهم في عكا ، بينما تقول كاتبة أخرى أن اسم الدروز جاء من حمزة نفسه : ( إذ ثبت تلامذته قائلاً : اذهبوا الآن ، فأنتم لستم بعد الآن ( متدارسَين ) بل ( متدارسِين ) ، لأنكم قد التزمتم علومًا وغرز الإِيهام فيكم كما يغرز الخيط البزوز ) ([6]).
وهذه المزاعم أيضًا لا تؤيدها أية أخبار تاريخية ، وإنما هي تخيلات لا أساس لها من الصحة .
ولا ريب أن المكان الذي انتشرت به العقيدة الدرزية ، هو وادي تيم الذي كانت تقيم فيه قبائل عربية هاجرت من الجزيرة العربية في الجاهلية ، حيث قطنت هذا المكان ، واعتنقوا الإِسلام ، ولكن المذهب الإِسماعيلي انتشر بينهم في أيام الدولة العبيدية ، وكان لاعتناقهم المذهب الإِسماعيلي أثر كبير في سرعة استجابتهم للدرزي ، حينما هربه الحاكم إلى هناك ، والتفافهم حوله وتأليههم للحاكم .
وهذا كله يؤكد لنا أن الدروز من القبائل العربية ، مع أن كمال جنبلاط يرجع أصل طائفته إلى هرمس المثلث الحكمة ، ويعترف أن ذلك يعود إلى خمسة آلاف سنة من التاريخ([7]).
ولكي نتابع تاريخ وعقائد طائفة الدروز ، يجب أن نلم بتاريخ وعقائد الطائفة الإِسماعيلية الباطنية ، والتي استمد الدروز منها الكثير من عقائدهم .
فالمتبع لتاريخ الطائفة الإسماعيلية يجد أن الكثير من الطوائف التي خرجت عن الإسلام وكادت له ، انبثقت وأخذت من هذه الطائفة .
فالقرامطة جزء من الطائفة الإِسماعيلية ، حاربوا الدولة الإِسلامية عشرات السنين ، وكانت الدولة العبيدية في المغرب ومصر تمدها بالعون المادي والمعنوي .
وكذلك نجد أن أخوان الصفاء كانوا إسماعيليين اعتقادًا وسلوكًا ، ورسائلهم كانت تدوينًا لهذا المذهب ودعوة له في وعاء فلسفي .
وطائفة الدروز التي نحن بصدد دراستها ، سنجد أن الكثير من عقائدها أخذته من عقائد الإٍسماعيليين .
أما الحشَّاشُون الذين ظهروا في زمن صلاح الدين الأيوبي بعد انهيار الدولة العبيدية ، فقد عانى المجتمع الإِسلامي الكثير منهم ومن كيدهم حيث كانوا عونًا للتتار والصليبيين على المسلمين ، والذي أود قوله أن الحشاشين فرقة من فرق الإِسماعيليين .
هذا قليل من كثير لتاريخ هذه الطائفة ، إذن علينا أن نبدأ مع بداية ظهورها . فالطائفة الإِسماعيلية الباطنية ، فرقة من فرق الشيعة ، أخذت أصولها المذهبية عن الأصول الشيعية التي وجدت قبل ظهور الإِسماعيلية . ( وكان الخلاف في أول الأمر بسيطًا لا يعدو أن يكون حول الإِمامة ، ولكنه استفحل بعد ذلك ، وبمضي الزمن أدخلت آراء جديدة وأصول للعقيدة تبعد عما كانت عليه الطائفة قبل خروجها عن حلبة التشيع العامة ) ([8]).
وقد انقسمت الشيعة بعد وفاة جعفر الصادق([9]) لى فرقتين ، فرقة نادت بإمامة موسى الكاظم بن جعفر الصادق . وسلسلوا الإِمامة في الأكبر سنًا من عقبه ، ولذلك لقبوا بالإِمامية الأثني عشرية . أما الفرقة الثانية التي تفرعت عن الشيعة فهي فرقة الإسماعيلية ، الذين قالوا بإمامة إسماعيل بن جعفر ، والذي تنسب إليه هذه الفرقة .
(( ومُؤَرِّخو الإِسماعيلية يقولون : إن سبب انشقاق أتباع جعفر إلى هاتين الفرقتين ، أن جعفر نص على أن يتولى إسماعيل الإِمامة من بعده ، ولكن إسماعيل توفي في حياة أبيه ، وبذلك انتقلت الإمامة إلى ابنه محمد بن إسماعيل بن جعفر ، لأن الإِمامة لا تكون إلا في الأعقاب ، ولا تنتقل من أخ إلى أخيه إلا في حالة الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب فقط . أما الأئمة بعد الحسن والحسين فلابد أن تنتقل من أب إلى ابن ، وأَوَّلوا الآية الكريمة { وجعلها كلمة باقية في عقبه } ([10]). بأن معنى الكلمة هي الإِمامة ، وأنها لابد أن تكون في الأعقاب دون غيرهم . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فقد كان محمد بن إسماعيل أكبر سنًا من عمه موسى الكاظم ، فبناء على التقليد الشيعي الذي يوجب تسلسل الإِمامة في أكبر أهل البيت سنًا ، كان محمد بن إسماعيل إذن أحق من عمه موسى الكاظم بالإِمامة )) ([11]).
على أن هناك روايات كثيرة تفيد أن جعفر لم يكن راضيًا عن تصرفات ابنه إسماعيل ، (( وأنه قد تَبَرَّأَ من أعمال إسماعيل ، وعزله عن الإمامة ، قبل موت إسماعيل ، لأنه كان مدمنًا على شرب الخمر ولوعًا بالنساء )) ([12]) .
(( غير أن أنصار إسماعيل أنكروا على جعفر هذا التصرف ، وقالوا أن إسماعيل معصوم ، وأنه إن كان قد شرب الخمر فإن هذا لا يفسد عصمته )) ([13]).
وهناك من المؤرخين المعاصرين من يجعل لهذا التبدل من جعفر نحو ابنه عللاً وأسبابًا أخرى أهم من شرب الخمر والولوع بالنساء . (( ذلك أن إسماعيل كان من أصدقاء الأسدي الفاسق الملحد([14])الذي ادَّعَى ألوهية جعفر – وتنسب إليه الحركة الخطابية – مما جعل جعفر يتبرأ منه وتلعنه ولا يرضى عن الصلة التي كانت بينه وبين إسماعيل )) ([15])
وهذا يؤيده ما نقله برنارد لويس أن كنية أبي الخطاب كانت ( أبو إسماعيل ) . وذلك يشير إلى أن أبا الخطاب كان المتبني لإِسماعيل والأب الروحاني له ([16]).
ومن ادعاءات ومزاعم أبي الخطاب هذا : (( أن الأئمة أنبياء ، ثم آلهة ، وقال بإلهية جعفر ، وإلهية آبائه وهم أبناء الله وأحباؤه ، والإلهية نور في النبوة ، والنبوة نور في الإِمامة ، ولا يخلو العالم من هذه الآثار . وأن الجنة هي التي تصيب الناس من خير ونعمة وعافية ، وأن النار هي التي تصيب الناس من شر وبلية ومشقة ، واستحل الخمر والزنا وسائر المحرمات ، وأباح ترك الصلاة وجميع الفرائض )) ([17]).
(( وادّعى أيضًا التناسخ , وأن الإيمان سبع درجات )) ([18])
ونستطيع أن نستنتج من كل هذا ، أن إسماعيل كان ذا صلة وثيقة بالملاحدة والفساق ( أمثال أبي الخطاب ) ، والذين أوجدوا الفرقة المسماة باسمه ، وبأن عزل جعفر له كان لهذه الصلة الغريبة . ( ويعزز هذا الرأي العلاقة القوية التي كانت تربط بين محمد بن إسماعيل وميمون القداح ([19])وريث أبي الخطاب ) ([20])في الدعوة الباطنية .
ويؤكد المستشرق برنارد لويس على خطورة حركة ( أبي الخطاب ) ودوره الذي اضطلع به ، فيورد مجموعتين من التصانيف .
أولاهما : ( أم الكتاب ) وهو كتاب سري مقدس عند الإِسماعيليين في آسيا الوسطى ([21])، وهذا الكتاب يجعل لأبي الخطاب مقامًا خطيرًا في هذه الحركة فيعتبره مؤسس المذهب إذ يقول : ( إن المذهب الإسماعيلي هو ما أوجدته ذرية أبي الخطاب الذين شروا أنفسهم بحب أحفاد جعفر الصادق وإسماعيل ) .
وثانيهما : كتابات النصيرية ([22]) وفيها فقرات وعقائد شبيهة بتلك ، وهي أيضًا تعتبر أبا الخطاب مؤسس الفرقة وميمونًا القداح تابعًا له ، وتعزو إليه أغلب العقائد التي يختص بها المذهب الإسماعيلي ([23]) .
أما بالنسبة لارتباط الإِسماعيلية بالنصيرية ، فإن عارف تامر ( الإِسماعيلي ) ينفي هذا الارتباط أو أي علاقة أخرى ويقول : ( ونحن إذ ننفي هذا القول نفيًا قاطعًا نقول : إن النصيرية فرقة من الشيعة الأثني عشرية ، افترقت عن الإِسماعيلية بعد وفاة الإِمام جعفرالصادق ، فالإِسماعيليون تبعوا إسماعيل ، بينما سارت النصيرية وراء موسى الكاظم ، وبعد هذا لم يحدثنا التاريخ عن أي التقاء ) ([24]).
وبعد موت أبي الخطاب تحولت فرقة من الخطابية إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ، وجعلوه الإِمام وأعلنوا ولاءهم له ، فكانت فرقة الإِسماعيلية هي الخطابية نفسها ، أو بمعنى أصح نشأت الإِسماعيلية من الخطابية ) ([25]).
وهكذا نجد أن أصول الإِسماعيلية ترجع إلى الغلاة الملاحدة ، وأن الحركة الإِسماعيلية استمرار للحركة الباطنية الإِلحادية التي خلعت ربقة الإِسلام من عنقها .
ولقد كان لتزعم الإِسماعيلية لحركة الباطنية هذه ، أثر كبير في معتقداتها . حيث تشكلت هذه العقائد وتأصلت في وعاء فلسفي ، والذي يتابع العقيدة الإِسماعيلية يمكنه أن يربط بينها وبين الأفلاطونية ([26])في أكثر أفاقها .
(( فنظرية أفلاطون تقول بأن ما في العالم الحسي أشباح لمثل ما في العالم العلوي ، و الإِسماعيلية تقول أن ما في عالم الدين مثل لممثولات في العالم الروحاني )) .
وأيضًا أخذ الإِسماعيلية عن الأفلاطونية الحديثة رأيهم في الإِبداع ، وظهور النفس الكلية عن العقل الكلي ، وأن العالم خلق بواسطة اللوجوس ( الكلمة ) ([27]). فقال الإِسماعيلية : إن الكلمة التي خلق عنها العالم هي كلمة ( كن ) التي وردت في الآية الكريمة { إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون }([28]) [ يس : 82 ] . وأن كلمة ( كن ) مكونة من الكاف والنون ، فالكاف رمز على القلم أو العقل الكلي ، والنون رمز على اللوح أي النفس الكلية ، ولذلك فسَّر الإِسماعيلية قوله تعالى { ن والقلم }([29]) [ القلم : 1 ] ، أن الله يقسم بأعز مخلوقين عنده وهما اللوح والقلم )) ([30]).
ولذلك فإن الدكتور محمد البهي يقول عن أفلاطون : ( أنه قد وضع بدل الحلول اتصال النفس الكلية بالعالم ، وبدل الاتحاد العودة والرجوع ) ([31]).
والكثير من المؤرخين عندما يذكرون اسم ( الباطنية ) يقرنونه ( بالإِسماعيلية ) . ( وإنما لزمهم هذا اللقب لحكمهم بأن لكل ظاهر باطنًا ، ولكل تنزيل تأويلاً ) ([32]).
والتأويل حسب المفهوم الإِسماعيلي – وكما يوضحه مصطفى غالب الإِسماعيلي – يختلف تمام الاختلاف عن التفسير ، فالتأويل يقصد به باطن المعنى أو رموزه وإشاراته . وهو من اختصاصات الإِمام عليّ والأئمة من بعده إلى يوم الدين ) ([33]).
و الإِسماعيلية تنكر صفات الله جميعها الواردة في القرآن الكريم ويقولون : ( بأنه لا يصح أن نصف الله بصفات مما نصف بها البشر ، فلا يقال أنه عالم ، وجاهل ، أو أنه موجود ، أو لا موجود ، فإن ذلك يجعلنا نقع في خطأ تشبهه بالمخلوقات ) ([34]) .
وأيضًا فإن الإِثبات الحقيقي للصفات يقتضي شركة بينه وبين سائر الموجودات ، وذلك تشبيه ، فلم يمكن الحكم بالإِثبات المطلق ، والنفي المطلق ، بل هو إله المتقابلين ، وخالق الخصمين ، والحاكم بين المتضادين ) ([35]).
وهم في سبيل برهان هذه الأقوال يزعمون : ( أن النصوص الدينية والآيات القرآنية ، رموز وإشارات إلى حقائق خفية وأسرار مكتوبة ، وأن الطقوس والشعائر ، بل والأحكام العملية هي رموز وإشارات وأسرار ، وأن عامة الناس هم الذين يقنعون بالظواهر والقشور ، ولا ينفذون إلى المعاني الخفية المستورة ) ([36]) .
ونعود إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر ( الذي اضطر إلى ترك مسقط رأسه المدينة المنورة ، وهاجر إلى خوزستان ( جنوب غرب إيران ) ، ثم تركها إلى بلاد الديلم ( جنوب بحر قزوين ) ، ولم يسمع عنه شيء بعد ذلك ) ([37]) .
وبعد اختفاء محمد بن إسماعيل ، تولى أمور الدعوة ميمون القداح ، وميمون هذا مولى جعفر الصادق ، وهو من المتسترين بالتشيع والدعوة لآل البيت ، وقد قبض عليه مع جماعة من أصحابه وسجنوا بالكوفة ، وفي السجن وضع ميمون وأصحابه دعوتهم ، وأسسوا مذهبهم الشهير بمذهب الباطنية ، ولما خرج من السجن ادَّعى أنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ([38]).
وحمل الدعوة بعد ميمون ، ولده عبد الله ، وكان مثله في الذكاء ، والبراعة ، والتبحر في المباحث الفقهية والكلامية . والنظريات الفلسفية ، فنظم الدعوة الباطنية الإِسماعيلية ، وصاغها في تسع مراتب ، ودعا لإِمامة آل البيت الذين يزعم الانتساب إليهم . وكان يدَّعي علم الغيب والأسرار الروحية ، والعلوم الخفية ، ويزعم أنها انتهت إليه من جده محمد بن إسماعيل بن جعفر ) ([39]).
وهكذا حمل عبد الله بن ميمون دعوة أبيه ونظمها ، واتخذ بلدة ( ساباط ) ([40])مركزًا لدعوته حينًا من الدهر مستترًا بثوب عميق من التشيع والورع والدعاء لآل البيت . وكان عبد الله بارعًا في طب العيون وعلاجها ، وفي أعمال التنجيم والكيمياء ، وكانت براعته في هذه الشؤون وسيلة للتأثير في العامة .
ولما شعر أولو الأمر بخطورته ، هموا بمطاردته ففرَّ إلى البصرة ، ومعه حسين الأهوازي من أقطاب شيعته ، فلما طورد فرَّ مع الحسين إلى الشام ونزل ببلدة ( سلمية ) ([41])، واتخذها مركزًا لدعوته ، وحمل الدعوة بعده ولده أحمد ، وسير الحسين إلى العراق . وكان مجيئه البصرة سببًا في ثورة القرامطة ([42])، وخلف أحمد في حمل الدعوة ابنه الحسين ، ثم أخوه محمد بن أحمد – المعروف بأبي الشلعلع - ، وبعث محمد بدعاته إلى المغرب وعلى رأسهم أبو عبد الله الحسين ([43])– المعروف بالشيعي – فنشر الدعوة هناك ، وأخذ يبشر بالإِمام المنتظر ([44]) ثم قام بالدعوة سعيد بن الحسين .
ويقول بعض المنكرين لنسبهم إلى السيدة فاطمة الزهراء ، ( إن سعيدًا هذا ليس ولد الحسين ، وإنما هو ولد زوجته اليهودية ، رباه ولقنه أسرار الدعوة واختاره للزعامة والإِمامة من بعده ) ([45]).
وسعيد هذا هو الذي فرَّ إلى المغرب وتسمى بعبيد الله المهدي ، وأسس دولة العبيدين أو الدولة الفاطمية ، ومن هناك استطاع أحد ملوكهم وهو المعز أن يفتح مصر سنة 359 هـ ، ويتخذها مركزًا للدولة .
ولكن فخر الدين الرازي يأتي برواية أخرى عن نسب هؤلاء ويقول : ( إنه لما هرب محمد بن إسماعيل إلى مصر مع عبد الله بن ميمون القداح ، كانت لكل منهما جارية ، قد حملتا منهما ، فلما مات محمد بن إسماعيل قتل ابن القداح جارية محمد بن إسماعيل أيضًا . فلما ولدت جاريته قال للناس : إنه قد ولد لمحمد بن إسماعيل ابن ، ولما كبر ، علمه الزندقة ، وقال للناس إن الإِمامة صارت من محمد إلى ابنه هذا ) ([46]).
والمهم هنا أن كثيرًا من المؤرخين يشك في نسب هؤلاء ، وذلك ما تؤكده دعاويهم ومزاعمهم بالعصمة ومعرفة الغيب والتأويل وغير ذلك .
وينقل الدكتور عبد العزيز الدوري عن المستشرق دوزي في مقدمته لكتاب ( أصول الإٍسماعيلية ) ، ( أن عبد الله بن ميمون كان فارسيًا في الصميم ، ينظر إلى آل علي كنظرته إلى سائر العرب ، وإنما استخدمهم وسيلة لتحقيق غاياته ) .
وكان يعتقد أن إنشاء دولة علوية لن يحقق للفرس شيئًا ، ولذا فإنه لم يبحث عن أنصاره الحقيقيين بين الشيعة ، بل بين المانوية ([47])، والكفار ، ووثني حران ([48])، وأهل الفلسفة اليونانية ([49]).
ولهؤلاء وحدهم يمكن الإفضاء تدريجيًا بالسر ، وهو أن الأئمة والأديان والأخلاق ليست إلا ضلالاً وسخرية . أما بقية الناس – أو الحمير – كما يسميهم عبد الله ، فليسوا بقادرين على فهم هذه المبادئ .
ولكنه في سبيل التوصل إلى غايته لم يستهن بمساعدتهم ، بل كان يلتمسها ، ولاحظ أن يحشد المؤمنين في المراحل الأولى للدعوة ، وكان دعاته – الذين أفهمهم بأن أول واجباتهم إخفاء حقيقة ميولهم ومجاراة عقائد من يدَّعون – يظهرون في أثواب مختلفة ، ويكلمون كل شخص بلغة خاصة ، فيجذبون العامة الجاهلين البسط لشعوذات يجعلونها تظهر كمعجزات ، أو بأحاديث مبهمة خفية تثير حب استطلاعهم ، ويتظاهرون أمام المؤمنين بمظهر الفضيلة والتعبد ، ويتظاهرون بالتصوف أمام الصوفية ويشرحون المعاني الخفية للأمور الظاهرة ) ([50]) .
ولذلك فإن الدعوة الإِسماعيلية صادفت هوى في نفوس – بعض أفراد من جماعات مختلفة في العنصر والدين ، ليكيدوا من خلالها للإِسلام .
ومن ثم وجد الزرادشتية ([51])، والمانوية ، والمزدكية ([52])، والصابئة ([53])، واليهود ، والنصاري ، - وغيرهم في المذهب الإِسماعيلي كل ما يهدفون إليه من هدم لأركان الإِسلام - ، وقد قلد الإِسماعيلية في ذلك جماعة العيسوية الأصفهانية اليهودية ([54])، التي كانت تنادي بصحة نبوة موسى ومحمد عليهما السلام ) ([55]).
وخير تعبير عن هذا نجده في رسائل أخوان الصفاء ([56])، ومنها نقتبس الفقرة التالية ، التي تمثل التعمة العامة للحرية الدينية : ( وينبغي لإِخواننا – أيدهم الله – أن لا يعادوا علماً من العلوم ، أو يهجروا كتابًا من الكتب ، ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب ، لأن رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلها ، ويجمع العلوم جميعها ) ([57]).
هذه هي وسيلتهم في نشر مذهبهم الباطني ، أما عن عقائدهم ، فإنها تقوم كما ذكرت على : ( تنزيه الله سبحانه وتعالى عن الصفات ، والأسماء ، فهو ليس أيسًا ([58])، ولاليسًا ([59])، لأنه ليس من جنس العقول ، وليس بجسم حتى يراه البصر .
وأنه سبحانه أبدع العقل الكلي الذي أطلق عليه الفاطميون اسم السابق واسم المبدع الأول ، واسم القلم - ، ثم بواسطة المبدع الأول وجدت النفس الكلية التي أطلقوا عليها اسم التالي ، واسم المبدع الثاني ، واسم اللوح المحفوظ . وبواسطة السابق الثاني وجدت المخلوقات كلها العلوية والجسمانية ، وتمسكوا بالحديث المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم : ( أول ما خلق الله العقل ، فقال له : أقبل فأقبل ، وقال له : أدبر فأدبر ، فقال : بعزتي وجلالي ما خلقت خلقًا هو أعز منك ، بك أثيب ، وبك أعاقب ) ([60]) .
وذهبوا إلى أن العقل هو أرفع مبدعات الله وأقربهم إليه ، وهو عندهم الخالق الحقيقي ، وأولوا أسماء الله الحسنى وصفاته الواردة في القرآن الكريم إلى أنها أسماء وصفات العقل الكلي هذا ) ([61]).
فلذلك فإن معبـود الإِسماعيلية الحقيقي هو العقل ويعتبرونه الصورة الخارجية لله ولهذا يقولون :
( إذا كان لا يصلي لكائن لا يدرك ، فإن الصلاة تتجه نحو صورتها الخارجية وهي العقل ) ([62]).
و الإِسماعيلية يسمون العقل ( الحجاب ) أو ( المحل ) أو ( الصلة ) ، ولبلوغ السعادة عندهم ينبغي على الإِنسان تحصيل العلم ، ولا يمكن تحصيل السعادة التي هي العلم إلا بحلول العقل الكلي في إنسان هو النبي ، وفي الأئمة الذين يخلفونه .
والعقل الحال يسمى ( ناطقًا ) ، والنفس الحالة تسمى ( أساسًا ) ، والناطق هو النبي الذي يبلغ الكلام المنزل ، و ( الأساس ) هو الإِمام الذي يفسره ( أي الكلام المنزل ) معتمدًا على التأويل ، ولذلك يقولون : إن محمدًا هو الناطق ، وعليًا هو الأساس ) ([63]).
ويقول الدكتور محمد كامل حسين : ( وبتطبيق نظرية ( المثل والممثول ) نستطيع أن نعرف ، أن الإِمام الفاطمي هو ممثل للعقل الكلي ، وأن جميع مناقب وصفات العقل الكلي تطلق على الإِمام ، فهو الواحد الأحد ، والفرد الصمد ، المحيي والمميت ) ([64]).
وأن الإِمام هو ( وجه الله ) و ( يد الله ) و ( جنب الله ) ، وأنه هو الذي يحاسب الناس يوم القيامة فيقسمهم بين الجنة والنار .
وأنه هو ( الصراط المستقيم ) و ( الذكر الحكيم ) و ( القرآن الكريم ) إلى غير ذلك من الصفات .
ولهم في ذلك كله أدلة – كما يزعمون – يسوقونها لكل صفة من الصفات ، فمثلاً يقولون : إن الإِنسان لا يعرف إلا بوجهه ، ولماكان الإِمام هو الذي يدل العالم على معرفة الله ، فبه إذن يعرف الله ، فهو وجه الله ، أي الذي به يعرف الله .
وأن اليد هي التي يبطش بها الإِنسان ويدافع بها عن نفسه ، والإِمام هو الذي يدافع عن دين الله ويبطش بأعدائه ، فهو على هذه المثابة يد الله .
وهكذا يقولون عن بقية الصفات التي خلعوها على الإِمام ([65]) .
وتتفرع من هذه العقيدة آراء أخرى ، نذكر منها : ( انبعاث العقول الروحانية من العقل الكلي والنفس الكلية ، وأهم هذه العقول هي تلك التي أطلقوا عليها : الجد ، والفت : والخيال . وهؤلاء عندهم الملائكة الروحانية الذين يعرفهم العالم الإِسلامي باسم إسرافيل ، وميكائيل ، وجبرائيل ، وهؤلاء مع العقل الكلي والنفس الكلية يكونون الأشباح الخمسة العلوية أو الحدودية العلوية ، وجعلوهم ممثولات للقائمين على الدعوة الإِسماعيلية . فالعقل الكلى ( السابق ) ممثولاً للناطق في عصره ، والوصي والإِمام والنفس الكلية ( التالي ) ممثولاً للوصي في حياة الناطق أو باب الأبواب .
والجد : ممثول للحجة .
والفتح : ممثول للداعي المأذون .
والخيال : ممثول للداعي المكالب ( المكاسر ) .
ومن ثم جعل الفاطميون مراتب الدعاة من المراتب الروحية التي تقام عليها دعوتهم ، وعلى كل من يعتنق مذهبهم أن يعترف بهؤلاء الدعاة ، على أن يكون هذا الاعتراف من صميم العقيدة . وتجب طاعتهم طاعة عمياء وتصديق كل ما يقولون ، والاقتداء بما يفعلون ، وأطلقوا على هؤلاء الدعاة اسم الحدود الجسمانية ، إمعانًا في تقديسهم ورفع شأنهم ) ([66]).
وينقل مصطفى غالب ( الإِسماعيلي ) عن الداعي حميد الدين الكرماني ([67]) مراتب الدعوة كما يلي :
1 – الناطق : وله رتبة التنزيل .
2 – الأساس : وله رتبة التأويل .
3 – الإِمام : وله رتبة التأويل .
4 – الباب : وله رتبة فصل الخطاب .
5 – الحجة : وله رتبة الحكم فيما كان حقًا أو باطلاً .
6 – داعي البلاغ : وله رتبة الاحتجاج وتعريف المعاد .
7 – الداعي المطلق : وله رتبة تعريف الحدود العلوية ، والعبادة الباطنية .
8 – الداعي المحدود : وله رتبة تعريف الحدود السفلية ، والعبادة الظاهرة .
9 – المأذون المطلق : وله رتبة أخذ العهد والميثاق .
10 – المأذون المحدود : وله رتبة جذب الأنفس المستجيبة ، ويعرف بالمكاسر .
11 – لاحق . 12- جناح ، ولهما رتبة مؤازرة المأذون المحدد والقبام بمهمته أثناء غيابه ([68]).
والإِسماعيلية يعظمون هؤلاء الدعاة ويجلونهم ويزعمون : ( أن هؤلاء الدعاة كانوا مع النطقاء والأئمة في كل دور من الأدوار الكبرى والصغرى ، وذلك أنهم يعتقدون بظهور الأنبياء والأئمة في صور متعددة ، ولكن أصلهم واحد ، فآدم ، ونوح ، وإبراهيم ، وعيسى ، ومحمد ، وهم الأنبياء عند الفاطميين ظهروا في هذه الصور الآدمية المختلفة وفي عصور متفاوته ، ولكنهم جميعًا شخص واحد في الحقيقة .
ولما كان أوصياؤهم وأئمتهم في كل دور ورثة الأنبياء ، ولهم كل خصائص الأنبياء ، فهم والأنبياء شخص واحد ، فالجميع مثل للعقل الكلي ، ففكرة التناسخ ظهرت في العقيدة الفاطمية في صورة جديدة هي ( نظرية الدور ) ، وكان لهذه الفكرة أثر كبير عند الدروز . والدور الكبير – في نظرهم – هو الدور الذي من ظهور بآدم ( النبي ) الناطق ، وظهور قائم القيامة ( المهدي المنتظر ) ، لأن آدم عندهم ليس أول الخلق بل هو أول ناطق في دوره ) ([69]).
( وإنما كان قوم عاش آدم بينهم ، وآدم هذا كان له حجة ، رمز القرآن إليه ( بحواء ) ، فحواء هذه لم تك أنثى ولم تتزوج بآدم ، وإنما كانت أقرب دعاته إليه ، وكان كلاهما ينعم في دعوة الإِمام الذي كان سابقًا لآدم ، وكانت دعوته إسماعيلية ، وهي التي عبر عنها القرآن ( بالجنة ) ، ثم تطلع آدم إلى مرتبة أعلى فأخرجه الإِمام من الجنة أي ( الدعوة ) ([70]) .
أما الأدوار الصغرى في نظرهم ( فهي التي بين ظهور ناطق وناطق ، فالدور الذي بين ظهور آدم ، وظهور نوح هو الدور الصغير لآدم ، ونحن الآن في دور محمد وسينتهي دوره بظهور قائم القيامة ، وكذلك ينتهى دور آدم الكبير ، ويأتي بعده دور آدم آخر .
ولأثبات أن ما حدث في دور كل نبي ، حدث مثله في جميع الأدوار الأخرى : فمثلاً قصة الطوفان في التأويل الباطن عند الفاطميين تدل على كثرة الأضداد المخالفين لمن أقامه الله وصيًا لنوح وتغلبهم عليه ، وأن المؤمنين هم الذين اتبعوا الوصي الذي رمز إليه ( بسفينة نوح ) ، وفي كل دور من أدوار النطقاء ، ظهر هذا الطوفان وجرت السفينة .
وبهذا يؤولون الحديث المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم : ( مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق في الطوفان ) ([71]).
وللأعداد والحروف وحساب الجمل في عقيدة الإِسماعيلية أصول دينية واسعة ولهذا فقد :
اتخذ الإسماعيلية الأعداد أصولاً دينية يثبتون بها عقيدتهم في الإِمامة ، وجعلوا محور المذهب يقوم على العدد سبعة ([72])، أما ما دون ذلك فيقوم على العدد ( اثني عشر ) ، وهم يستدلون على ذلك بأمور منها : أن الله تعالى خلق النجوم التي بها قوام العالم سبعة ، وجعل أيضًا السموات سبعا ، والأرض سبعًا ، والبروج اثنى عشر ، والشهور اثنى عشر ، ونقباء بني إسرائيل اثنى عشر ) ([73]).
وكذلك أول الإِسماعيلية الفرائض والأركان تأويلاً خاصًا ([74])، ( فالنية للصلاة هي ولاية الأئمة ، والطهارة هي أخذ علم الباطن لتطهير النفوس ، والصلاة هي الدعوة الفاطمية ، والكعبة هي الإِمام الذي يتوجه إليه المستجيبون ) ([75]).
وهكذا جعل الإِسماعيليون لكل فريضة وركن تأويلاً باطنًا لا يعلمه إلا الأئمة وكبار الدعاة .
ومن هذا التعريف السريع بعقائد الإِسماعيليين ، نستطيع بعدها أن نصل إلى طائفة الدروز ، لنعرف كيفية قيامها ، ومن أين استقت عقائدها ؟ .
-        3 –
ذكرنا فيما سبق ، كيف استطاع عبيد الله المهدي أن يؤسس الدولة العبيدية في المغرب ([76])، بدعوى أنه من نسل آل البيت ، حيث استطاعت هذه الدولة أن توطد أركانها هناك ، وتتطلع إلى فتح مصر ، وتم لها ذلك على يد القائد الفاطمي جوهر الصقلي عام 358 هـ في عهد المعز لدين الله الفاطمي ، وبقي المعز على سدة الملك حتى توفى سنة 365 هـ . وخلفه ولد العزيز بالله الذي بقي في الملك إحدى وعشرين سنة حتى توفي عام 386 هـ ، وهو في طريقه لمحاربة الخارجين على الدولة بالشام . فخلفه ولده وولي عهده أبو علي منصور ، ولقب بالحاكم بأمر الله ، وكان عمره آنذاك أحد عشر سنة ، حيث عهد والده إلى ثلاثة من كبار رجال الدولة برعايته وتولى شؤون الدولة ، وبقي الأمر كذلك حتى سنة 390 هـ حينما استطاع الحاكم قتل أحد الأوصياء عليه ، وتولى منذ ذلك الحين زمام الأمور هناك ([77]).
وقد بدأ الحاكم حكمه بقتل عدد من كبار رجال الدولة ، وإصدار سجلات غريبة شاذة يحرم فيها أشياء كثيرة ، ثم يعود بعد ذلك إلى إباحتها بشكل متناقض . واتبع ذلك بقتل الكثير من خدم قصره والكتبة ومن عامة الناس . وكان كل هذا تمهيدًا لإِعلان ما يعتلج في نفسه من ادعاء بالربوبية ([78]).
والحاكم بأمر الله ، هو محور عقيدة الدروز ، وقد أنشأ سنة 395 هـ معهدًا رسميًا خاصًا لبث الدعوة الفاطمية السرية ، ويكون مركز الإِعداد والتوجيه ، وسماه : ( دار الحكمة ) ، ولهذه التسمية مغزى يدل على الاتجاه الفلسفي الذي أُريد أن يتخذه هذا المعهد ، وقد استقطبت هذه الدار الدعاة الفاطميين من كل مكان ) ([79]).
فاحتشد في ذلك الوقت طائفة من الدعاة الملاحدة ، فالتفوا حول الحاكم بأمر الله ، وزينوا له فكرة ( ألوهيته ) ، مما جعله وراء هذه الدعوة يرعاها ، ويرقب تطوراتها ، ويتصرف على ضوئها .
ومع أن بداية الدعوة إلى ألوهية الحاكم ظهرت بشكل جلي سنة 408 هـ ، إلا أن الدكتور محمد كامل حسين يذكر : ( أن هناك نصوصًا من رسائلهم تفيد أن الحاكم أظهر ألوهيته أول مرة سنة 400 هـ ) ([80]).
ويقول مصطفى غالب ( الكاتب الإِسماعيلي المعاصر ) : ( بأن حمزة بن علي بن أحمد الزوزني ([81])، وفد على مصرسنة 405 هـ ، وانتظم في سلك دعاة الفرس الذين كانوا يختلفون إلى دار الحكمة لحضور مجالس الحكمة التأويلية . وما عتم أن أصبح ممثلاً لدعاة الفرس ، وهمزة وصل بينهم وبين الحاكم بأمر الله ، الذي ضمه إلى حاشيته ، وأسكنه في قصره . ويضيف قائلاً : وفي بعض الوثائق الإِسماعيلية السرية ما يشير إلى أنه أصبح من الدعاة الذين يكونون دائمًا في معية الإِمام ، ولا يفارقون مقر قيادته أبدًا . وسرعان ما أصبحت له حظوة عند الحاكم ، بعدما أظهره من إخلاص ، وما بذله من جهد في تقوية أواصر الدعوة وتركيز دعائمها في فارس كما أنه ساهم مساهمة فعالة في خوض غمار الجدل الديني ، وفلسفة المذهب الذي يبشر به ، واستطاع أن يجمع حوله بعض الدعاة ، ويتفقوا سرًا للدعوة إلى تأليه الحاكم بأمر الله ، معتمدًا في دعوته هذه على أصول وأحكام جديدة استنطبها من صميم الأصول والأحكام الإِسماعيلية ) ([82]).
وكان على رأس هؤلاء الدعاة الذين التفوا حول حمزة : محمد بن إسماعيل الدرزي ([83])، والحسن بن حبيدرة الفرغاني ([84])، والظاهر من رسائل الدروز ، أن حمزة ابن علي – وكما يتضح من رسائله – قد اتفق مع دعاته ألا يجهرُ أحد أو يكشف عن مضمون المذهب ، إلا بعد تلقى الأوامر من حمزة نفسه ، ولكن الداعي الدرزي المعروف ( بنشتكين ) تسرع في الكشف عن أسرار الدعوة ، مما أثار حفيظة حمزة وغضبه ، ومما دفع عامة الناس لمحاربة الدعوة الجديدة ، ومحاولة الأتراك أنفسهم – الذي ينتسب إليهم الدرزي – قتله ، لولا حماية الحاكم له ، حيث فر إلى قصر الحاكم ، وهربه من هناك إلى بلاد الشام ، فدعا إلى المذهب الجديد ، واستمال الكثير من سكان وادي تيم ([85])الذي نزل فيه ولكنه انحرف بعد ذلك عن مبادئ حمزة ، مما دفع – حمزة – إلى الأمر بقتله . ورغم قتله إلا أن تعاليم الدرزي كانت على درجة من الإِغراء في إتباعها ، وهكذا فالإنقسام لم يستأصل بتاتًا ولم يزل الدروز حتى اليوم قسمين ، ومع أنهم جميعهم متفقون في الاعتقاد بالحاكم وحمزة فمنهم من هم عاملون بموجب تعاليم حمزة ، ومن هم عاملون بموجب تعاليم الدرزي المتساهلة ([86]).
( وأما حمزة ، فقد هاجمه الناس أيضًا في مقر إقامته في مسجد ريدان ، وكان معه اثنا عشر رجلاً فقط ، وكادوا يقتلونه لو لم يصدر أمر الحاكم بوقف القتال ) .
ويبدو أن الخلافات ما بين حمزة والدرزي إنما كانت بسبب زعامة المذهب وقيادته ([87]).
أما الداعي الآخر الحسن بن حيدرة الفرغاني ، المعروف بالأخرم أو الأجدع ، ( فقد كان يبعث بالرقاع إلى الناس يدعوهم فيها إلى العقيدة الجديدة ، وكان يطلب من العلماء وكبار الدعوة أجوبة على رقاعه ، مما جعل الحاكم أن يخلع عليه ويركبه فرسًا مطهمًا ، ويسيره في موكبه ، ويوليه عطفه ورعايته . غير أنه لم تمض على ذلك عدة أيام حتى وثب على الفرغاني رجل من السنة وقتله وقتل معه ثلاثة رجال من أتباعه ، بينما كان يسير معهم بالقاهرة ، فغضب الحاكم بأمر الله ، وأمر بإعدام قاتله ، ودفن الأخرم على نفقة القصر ) ([88]).
وممن كتب إليهم الأخرم : ( الداعي الإِسماعيلي أحمد حميد الدين الكرماني ، يعرض عليه نظريته الجديدة ، فرد عليه الكرماني في رسالة عنوانها ( الرسالة الواعظة ) ، ومما طرحه – الأخرم – من ألقاب وصفات على الحاكم قوله : ( من عرف منكم إمام زمانه حيًا فهو أفضل ممن مضى من الأمم من نبي أو وصي أو إمام ...وأن من عبد الله من جميع المخلوقين ، فعبادته لشخص لا روح فيه ... وقد قامت قيامتكم ، وانقضى دور ستركم ... ) ([89]).
وبعد اختفاء الدرزي ، والأخرم ، صار أمر الدعوة كله إلى حمزة بن علي ، ولقب نفسه بعدة ألقاب مثل ( هادي المستجيبين ) و ( قائم الزمان ) إلى غير ذلك من ألقاب يجدها الباحث في رسائله ، التي تتضمن أصول وعقائد دعوته .
هذا وصف موجز لبداية نشأة الدروز ، وفي ظل هذه الأجواء والمعتقدات الإِلحادية انبثقت عقيدتهم ، فكانت – عقيدتهم – تعطي بالفعل انطباعًا تامًا عما يحاك لعقيدة الإِسلام من فتن ومؤامرات .
ويمكننا أن نقدم ملخصًا للأصول والقواعد التي يقوم عليها مذهبهم – حتى اليوم – لنستطيع من خلاله أن نتعرف على عقيدتهم :
فهم على ما دعا إليه حمزة منذ أكثر من تسعة قرون ينكرون الألوهية في ذاتها ، ويعتقدون بألوهية الحاكم بأمر الله ، وفي رجعته آخر الزمان ، وينكرون الأنبياء والرسل جميعًا .
بيد أنهم ينتسبون ظاهرًا إلى الإِسلام ، ويتظاهرون أمام المسلمين بأنهم مسلمون ([90])، وذلك لأنهم عاشوا في وسط إسلامي ، ودول مسلمة ، غير أنهم يتظاهرون أمام النصارى أيضًا بأنهم قريبون منهم ، لأن المسيح في نظرهم هو حمزة بن علي .
وهم الآن في الأرض المحتلة ( إسرائيل ) يتظاهرون بالتقرب إلى اليهود ، وقد رأينا أيضًا كبار مفكريهم المعاصرين يحجون إلى الهند متظاهرين بأن عقيدتهم نابعة من حكمة الهند .
والحقيقة أنهم يبغضون في الباطن جميع أبناء الأديان الأخرى ، ولاسيما المسلمين ، ويعتقدون أن الشياطين هم باقي الملل ، وأن العقال ([91])هم الملائكة ولا يأخذون بشيء من أحكام وعبادات الإِسلام ، كالصلاة ، والصوم ، والزكاة ، والحج ، بل ينكرون أصول الإِسلام جميعها ، والشريعة الإِسلامية كلها .
وقد جعل الدروز بدل أركان الإِسلام ، سبع خصال توحيدية ، وهم يعتقدون بتناسخ الأرواح ، وانتقالها إلى الأجساد الإِنسانية ، ويقولون في القرآن الكريم ، أنه من صنع سلمان الفارسي ، وكذلك فإنهم لا يعتقدون بالجنة والنار ، والثواب والعقاب . وإنما يكون الثواب بانتقال النفس إلى منزلة أرفع حينما تنتقل من جسد إلى جسد ، ويكون العقاب بتدني منزلتها .
بل أنهم يرجعون أصول مذهبهم إلى مسالك الحكمة والعرفان المتقدمة في أدوار التاريخ حيث يقول كمال جنبلاط ([92])في مقدمته لكتاب ( أضواء على مسلك التوحيد – الدرزية ) : ( وفي رأينا أنه لا يمكن النظر إلى مسلك التوحيد منفصلاً ومستقلاً عن مسالك الحكمة والعرفان المتقدمة في أدوار التاريخ المعروف والمجهول ، والتي عمرت بها حياة المؤمنين الأولين الموحدين في مصر الفرعونية القديمة وفي الهند ، وإيران ، وبلاد التبت ، وما وراء الواحات ، وفي بابل وأشور وفي اليونان وجزر البحر الأبيض المتوسط وعلى انفراج شواطئه ، ثم بعد ذلك في الإِسلام مرورًا بالنصرانية الأولى ، وما قبلها ([93])، فيما تكشف عنه مغاور البحر الميت في فلسطين ([94])، وبالمذاهب العرفانية التي انتشرت في كل صقع من صقاع العالم القديمة ، فالحكمة لا تنفصل ، في أي زمان أو مكان ) ([95]).
ولم يقف جنبلاط ، وهو الدرزي المثقف عند هذا الحد ، بل أرجع أصول هذا المذهب إلى حكماء الهند حيث يقول : ( ومن أغرب ما عثرنا عليه في هذه المخطوطات ، صلة هذا المسلك التوحيدي بحكماء الهند والسند ، وكنا نعتقد ولا نزال أن الحكمة واحدة في كل مثوى وزمان ، لا تتجزأ ولا تختلف في الجوهر ، لوحدة الحقيقة ، ووحدة الكشف عنها ، ووحدة الروح والعقل البشري .
وكنا نعلم ارتباط الموحدين بحكماء الهند ، وتقديرهم إياهم وتنويههم ببعض هذه الوجوه المباركة ، وكنا خاصة تتبعنا قصة كتاب ( بلوهر الحكيم ) ، المنتشر بين الموحدين وهو من كتب وعظهم ، وإذا بالموحدين ، على حق فيما يعتقدون بأنهم في هذه الديار ، هذا الوجه الباطن الظاهر للحكمة الإِنسانية الشاملة ) ([96]).
هذا ملخص لمذهب الدروز ، وإنها لصفحة من أغرب صفحات الثورة على الإِسلام ، بل وعلى العقل والمنطق ، وأشدها غلوًا وإغراقًا .
وفي بداية حديثنا عن هذا المذهب ، لابد لنا أن نستجلي غوامض شخصية الحاكم بأمر الله ، تلك الشخصية التي كانت وراء دعاة هذا المذهب ، يرعاهم بالمال والرجال ، فدعونا نتعرف على هذه الشخصية وآرائها ، وآراء دعاته ، وهو عنوان الباب الأول .
*******

 
 
 
 
الباب الأول
شخصية الحاكم بأمر الله
وأثرها في عقيدة الدروز  وأشهر دعاة الدروز وآراؤهم
 
ويتضمن ثلاثة فصول :
الفصل الأول : الحاكم بأمر الله : حياته وآراؤه وأثرها في عقيدة الدروز .
الفصل الثاني : تطور المذهب الدرزي بعد الحاكم .
الفصل الثالث : أشهر دعاة الدروز وآراؤهم .

 
الفصل الأول
الحاكم بأمر الله – حياته وآراؤه ، وأثرها في عقيدة الدروز
لابد لمن يتصدى للتعريف بالمذهب الدروزي ، من أن يلقى الضوء على شخصية ذلك الرجل الذي يدعي أتباعه الدروز ، أن اللاهوت ظهر في صورته الناسوتية .
هذا الرجل هو أبو علي المنصور بن العزيز بالله بن المعز لدين الله الفاطمي ، والذي لقب بـ ( الحاكم بأمر الله ) .
ولد الحاكم بأمر الله سنة 375 هـ الموافق لعام 985 م ، وقد تولى الملك بعد موت أبيه مباشرة في رمضان سنة 386 هـ ، وكان سادس الملوك العبيديين .
ولكي تتمكن من أخذ فكرة واضحة قدر الإِمكان عن حياة هذا الحاكم الغامض ، قسمنا حياته إلى ثلاثة أقسام أو أدوار ([97])، متمايزة عن بعضها تمام التمايز .
فالدور الأول : وهو دور حداثته ، يبدأ من توليه الملك في الحادية عشرة من عمره ، وينتهي بمقتل ( برجوان ) ([98])في سنة 390 هـ الموافق لعام ( 1000 م ) .
ويبدأ الدر الثاني : من تاريخ هذا الحادث حتى سنة 408 هـ الموافق لعام ( 1017 م ) ، وهي السنة التي ادعى فيها الألوهية على يد حمزة بن علي .
أما الدور الثالث : فيبدأ من سنة 408 هـ ، حتى اختفائه ومقتله سنة 411 هـ الموافق لعام ( 1021 ) .
الدور الأول من سنة 386 – 390 هـ ( 996 – 1000 م ) :
( ولي الحاكم بأمر الله الخلافة حدثا دون الثانية عشرة ، في نفس اليوم الذي مات فيه والده ( العزيز ) ، وكانت أمه أم ولد ([99])، وقد كانت حسبما تقول الرواية النصرانية المعاصرة ، جارية رومية نصرانية من طائفة الملكية ([100])، وكان لها أيام العزيز نفوذ عظيم في الدولة ، وكان لهذا النفوذ أثره بلا ريب في سياسة التسامح ([101])الواضح التي اتبعها العزيز نحو النصاري ، وفي تقوية جانبهم ونفوذهم ، وتمكنهم من مناصب النفوذ والثقة ) ([102])
وأوصى العزيز قبل موته بولده ثلاثة من أكابر رجال الدولة وهم : ( برجوان الصقلبي خادمه وكبير خزائنه ، والحسن بن عمار زعيم كتامة ، أقوىالقبائل المغربية ، وعماد الدولة الفاطمية منذ نشأتها ، ومحمد بن النعمان قاضى القضاة ، وكانت الوصاية الفعلية إلى الأول والثاني ، ولم يلبث أن نشب الخلاف بين الرجلين واشتدت المنافسة بينهما .
وقام ابن عمار بتدبير الشؤون باديء ذي بدء ، ولقب في سجل تعيينه بأمين الدولة ، وظهر ابن عمار بمظهر الطاغية المطلق ، فكان يدخل القصر ويغادره راكبًا ، وألزم جميع الناس بالترجل له ، وأغلق بابه إلا على الخاصة والأكابر من شيعته .
وأخيرًا وقع الانفجار ، ووثبت جماعة كبيرة من الزعماء والجند بتحريض برجوان وتدبيره ، وهاجمت الكتاميين في ظاهر القاهرة وأثخنت فيهم ، فتوارى ابن عمار حينًا ، واضطر أن يترك الميدان حرًا لمنافسه ، عندئذ قبض برجوان على زمام الأمور ) ([103]) .
( وأوصبح برجوان مطلق السلطان ، وركبه الزهو والغرور ، وانغمس في الملذات ينعم بثروته الطائلة ) ([104]).
فماذا كان موقف الحاكم خلال هذه الفترة الأولى من ملكه ؟
( ولقد كان برجوان بلا ريب يحجبه ما استطاع عن الاتصال برجال الدولة وشؤونها ، ويدفعه ما استطاع إلى اللهو واللعب ، ولم يلبث أن فطن الحاكم إلى موقف برجوان واستئثاره بالسلطة ، واستبداده بالشؤون ، وكان الحاكم قد أشرف – في ذلك الوقت – على الخامسة عشر من عمره ، وأصبح الطفل فتى يافعًا شديد اليقظة والطموح ، وبدأ يثور لسلطته المسلوبة ، ولذلك فقد حكم على برجوان بالموت ، فاستدعى الحاكم الحسين بن جوهر ، وعهد إليه بتلك المهمة . ومنذ ذلك الحين تناول الحاكم إدارة الدولة بيديه ، ونظم له مجلسًا ليليًا يحضره أكابر رجال الدولة ، وتبحث فيه الشؤون العامة ) ([105]).
الدور الثاني من سنة 390 – 408 هـ ( 1000 – 1017 م ) :
افتتح الحاكم عهده الجديد كما ذكرنا بقتل برجوان وصيه ومدبر دولته ، ( غير أن الحاكم ما لبث أن اتبع ضربته بضربة دموية أخرى هي مقتل الحسن بن عار زعيم كتامة – وأحد الأوصياء عليه – وفي سنة 393 هـ قتل الحاكم وزيره فهد بن إبراهيم النصراني ، بعد أن قضى في منصبه زهاء ستة أعوام ، وأقام الحاكم مكانه على بن عمر العداس ([106])، ولكن لم تمض أشهر قلائل حتى سخط عليه وقتله ، وقتل معه الخادم ريدان الصقلي حامل المظلة .
ثم قتل عددًا كبيرًا من الغلمان والخاصة سنة 394 هـ ، ثم تبع بذلك بمقتلة أخرى كان من ضحاياها الحسين بن النعمان الذي شغل منصب القضاء منذ سنة 389 هـ ، فقتل وأحرقت جثته ، وزهق فيها عدد كبير من الخاصة والعامة ، فقتلوا أو أحرقوا ) ([107]).
ولكي نعطي صورة واضحة عن هذه الشخصية الغامضة ، نستعرض فيما يلي أقوال بعض المؤرخين ممن كانوا معاصرين لعهد الحاكم ، أو كانوا قريبين من عهده :
ونبدأ بابن تغري بردي في ( النجوم الزاهرة ) الذي ينقل عن أبي المظفر بن قزأ وغلي في تاريخه ( مرآة الزمان ) ما يلي عن الحاكم :
( وقد كانت خلافته متضادة بين شجاعة وإقدام ، وجبن وإحجام ، ومحبة للعلم وانتقام من العلماء ، وميل إلى الصلاح وقتل الصلحاء .
وكان الغالب عليه السخاء ، وربما بخل بما لم يبخل به أحد قط ، وأقام يلبس الصوف سبع سنين ، وامتنع عن دخول الحمام ، وأقام سنين يجلس في الشمع ليلاً ونهارًا ، ثم عنَّ له أن يجلس في الظلمة فجلس فيها مدة ، وقتل من العلماء والكتاب والأماثل ما لا يحصى ، وكتب على المساجد والجوامع سبب أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم في سنة خمس وتسعين وثلثمائة ، ثم محاه في سنة سبع وتسعين .
وأمر بقتل الكلاب ، وبيع الفقاع ([108])ثم نهى عنه ، ورفع المكوس ([109])عن البلاد وعما يباع فيها ، ونهى عن النجوم وكان ينظر فيها . ونفى المنجمين ، وكان يرصدها ويخدم زحل وطالعه المريخ ، ولهذا كان يسفك الدماء ([110]).
وبنى جامع القاهرة ، وجامع راشدة على النيل بمصر ، ومساجد كثيرة ، ونقل إليها المصاحف المفضضة ، والستور الحرير ، وقناديل الذهب والفضة ، ومنع من صلاة التراويح عشر سنين ، ثم أباحها . وقطع الكروم ومنع من بيع العنب ، ولم يبق في ولايته كرمًا ، وأراق خمسة آلاف جرة عسل في البحر ، خوفًا من أن تعمل نبيذًا ، ومنع النساء من الخروج من بيوتهن ليلاً ونهارًا ) ([111]).
ويروي ابن خلطان عن الحافظ أبي الطاهر السِلَفي ([112]):
( أن الحاكم كان جالسًا في مجلسه العام وهو حفل بأعيان دولته ، فقرأ بعض الحاضرين قوله تعالى { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسلميا } ([113]) [ النساء : 65 ] ، والقارئ في أثناء ذلك يشير إلى الحاكم ، فلما فرغ من القراءة ، قرأ شخص آخر يعرف بابن المشجر ، وكان رجلاً صالحًا { يا أيها الناس ضرب مثلٌ فاستمعوا له ، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له ، وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنفذوه منه ، ضعف الطالب والمطلوب . ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزير } ([114]) [ الحج : 73 ] .
فلما أنهى قراءته تغير وجه الحاكم ، ثم أمر لابن المشجر المذكور بمائة دينار ، ولم يطلق للآخر شيئاً ، ثم إن بعض أصحاب ابن المشجر قال له : أنت تعرف الحاكم وكثرة استحالاته ، وما نأمن أن يحقد عليك ، وأنه لا يؤاخذك في هذا الوقت ثم يؤاخذك بعد هذا فتتأذى معه ، ومن المصلحة عندي أن تغيب عنه . فتجهز ابن المشجر للحج ، وركب في البحر فغرق ، فرآه صاحبه في النوم ، فسأله عن حاله ، فقال : ما أقصر الربان معنا ، أرسى بنا على باب الجنة ، رحمه الله تعالى ، وذلك ببركة جميل نيته وحسن قصده ) ([115]).
ويقول السيوطي : ( إنا الحاكم أمر الرعية إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوموا على أقدامهم صفوفًا إعظامًا لذكر ، واحترامًا لاسمه ، فكان يفعل ذلك في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين . وكان أهل مصر على الخصوص إذا قاموا خروا سجدًا ، حتى أنه يسجد بسجودهم في الأسواق وغيرهم ، وكان جبارًا عنيدًا ، وشيطانًا مريدًا ، كثير التلون في أقواله وأفعاله ) ([116]) .
ومن أفعاله ( أنه كان يعمل الحسبة بنفسه ، فكان يدور بنفسه في الأسواق على حمار له – وكان لا يركب إلا حمارًا - ، فمن وجده قد غش في معيشة ، أمر عبدًا أسود معه يقال له مسعود ، أن يفعل به الفاحشة العظمى ) ([117]).
وقد بنى بين الفسطاط والقاهرة مسجدًا عظيمًا على ثلاثة مشاهد ([118])كانت هناك ، وجعل فيه سدنة وخدمًا يوقدون فيه السرج الليل كله ، وكان يريد أن ينقل إليه جسد النبي صلى الله عليه وسلم ، غير أن الله سبحانه دفع ، وأظهر الله عز وجل أهل المدينة على ذلك ) ([119]).
وكان يحتال بكل حيلة لإِقناع الناس بقدرته وعلمه ، ( ومن ذلك أنه أرسل مرة وراء بعض الأشقياء ، وعلمهم أن يسرقوا من مخازن مصر في أحد الليالي أشياء معلومة فأطاعوا أمره ، وكان قبل ذلك قد أمر الناس بترك بيوتهم ودكاكينهم مفتوحة طوال الليل بدعوى أن السرقة لا تجوز في أيامه ، وتعهد لكل من يسرق له شيء برده ومعرفة السارق .
فلما دار الذين استأجرهم للسرقة ، وأخذوا ما أخذوه ، تقدم إليه أصحاب الحاجيات يشكون إليه الأمر فقال : اذهبوا إلى أبى الهول الذي صنعته يخبركم بما تريدون ، وكان صد صنع تمثالاً من النحاس على صورة أبي الهول ، ووضع من داخله رجلاً يعرف أسماء السارقين ، والذين سرقت الأشياء من دكاكينهم ، فإذا جاء الرجل منهم وقص حكايته ، أجابه الرجل من داخل الصنم أن اذهب إلى بيت فلان تجد حاجتك ، وصحت أقاويله ، فهال الناس الأمر واعتقدوا في الخليفة أشكالاً وألوانًا ) ([120]).
وينقل الأستاذ محمد عبد الله عنان عن كتاب ( أخبار الدول المنقطعة ) عن الحاكم وعن خطته الدموية ما يأتي : ( وكان مؤاخذًا بيسير الذنب ، حادًا لا يملك نفسه عند الغضب ، فأفنى أمما وأباد أجيالاً ، وأقام هيبة عظيمة وناموسًا ، وكان يفعل عند قتله الشخص أفعالاً متناقضة وأعمالاً متباينة . وكان يقتل خاصته وأقرب الناس إليه ، فربما أمر بإحراق بعضهم ، وربما أمر بحمل بعضهم وتكفينه ودفنه وبنى تربة عليه ، وألزم كافة الخواص ملازمة قبره والمبيت عنده ، وأشياء من هذا الجنس يموه بها على عقول أصحابه السخيفة ، فيعتقدون أن له في ذلك أغراضًا صحيحة استأثر بعلمها وتفرد عنهم بمعرفتها ) ([121]).
ومن حوادث القتل والسفك التي اقترفها الحاكم : ( أنه في سنة 399 هـ قبض على جماعة كبيرة من الغلمان ، والكتاب ، والخدم الصقالبة بالقصر ، وقطعت أيديهم من وسط الذراع ثم قتلوا . وقتل الفضل بن صالح ([122])من أعظم قواد الجيش ، وفي العام التالي وقعت مقتلة أخرى بين الغلمان والخدم ، وقتل جماعة من العلماء السنية . وقبض على صالح بن علي الروذباري لأسابيع قليلة من عزله وقتل ، وعين مكانه ابن عبدون النصراني ، ثم صرف وقتل لأشهر قلائل ، وخلفه أحمد بن محمد القشوري في الوساطة والسفارة ، ثم صرف لأيام قلائل من تعيينه وضربت عنقه لأنه كان يميل إلى الحسين بن جوهر ([123])ويعظمه .
وللحاكم قصة دموية مروعة مع خادمه ( غين ) وكاتبه ( أبي القاسم الجرجرائي ) ([124])، وكان غين من الخدم الصقالبة الذين يؤثرهم الحاكم بعطفه وثقته ، فعينه في سنة 402 هـ للشرطة والحسبة ولقبه بقائد القواد ، وعهد إليه بتنفيذ المراسيم الدينية والاجتماعية ، وعهد بالكتابة إلى أبي القاسم الجرجرائي ، وكان الحاكم قد سخط على غين قبل ذلك ببضعة أعوام وأمر بقطع يده ، فصار أقطع اليد ، ثم سخط عليه كرة أخرى وأمر بقطع يده الثانية ، فقطعت وحملت إلى الحاكم في طبق ، فبعث إليه الأطباء للعناية به ووصله بمال وتحف كثيرة ، ولكن لم تمض أيام قلائل على ذلك حتى أمر بقطع لسانه ، فقطع وحمل إلى الحاكم أيضًا ، ومات غين من جراحه .
وأما أبو القاسم الجرجرائي فقد أمر الحاكم بقطع يديه لوشاية صدرت في حقه ، ولكنه أبقى على حياته ، وعاش أقطع اليدين ، وفي سنة 405 قتل الحاكم قاضى القضاة مالك بن سعيد الفارقي ([125])، وقتل الوزير الحسين بن طاهر الوزان ([126])، وعبد الرحيم بن أبي السيد الكاتب ، وأخاه الحسين متولي الوساطة والسفارة ، وقلد الوساطة فضل بن جعفر بن الفرات ، ثم قتله لأيام قلائل من تعيينه .
وهكذا استمر الحاكم في الفتك بالزعماء ورجال الدولة والكتاب والعلماء حتى أباد معظمهم ، هذا عدا من قتل من الكافة خلال هذه الأعوام الرهيبة ، وهم ألوف عديدة . وتقدر الرواية المعاصرة ضحايا الحاكم بثمانية عشر ألف شخص من مختلف الطبقات ) ([127]).
وكان أشد الناس تعرضًا لهذه النزعات الدموية ، أقرب الناس إلى الحاكم من الوزراء والكتاب والغلمان والخاصة ، ولم يكن عامة الناس أيضًا بمنجاة منها ، فكثيرًا ما عرضوا للقتل الذريع لأقل الريب والذنوب أو لاتهامهم بمخالفة المراسيم والأحكام الشاذة التي توالي صدورها طوال حكمه ، وكان رجال الدولة ورجال القصر وسائر العمال والمتصرفين يرتجفون رعبًا وروعًا أمام هذه المذابح الدموية ، وكان التجار وذوو المصالح والمعاملات يشاطرونهم ذلك الروع .
ويروي لنا المُسبِّحي ([128])صديق الحاكم ومؤرخه فيما بعد ، أن الحاكم أمر سنة 395 هـ بعمل شونة كبيرة مما يلي الجبل ملئت بالسنط والبوص والحلفا ([129])، فارتاع الناس وظنه كل من له صلة بخدمة الحاكم من رجال القصر أو الدواوين أنها أعدت لإعدامهم ، وسرت في ذلك إشاعات مخيفة . فاجتمع سائر الكتاب وأصحاب الدواوين والمتصرفون من المسلمين والنصاري في أحد ميادين القاهرة ، ولم يزالوا يقبلون الأرض حتى وصلوا القصر ، فوقفوا على بابه يضجون ويتضرعون ويسألون العفو عنهم ، ثم دخلوا القصر ورفعوا إلى أمير المؤمنين عن يد قائد القواد الحسين بن جوهر رقعة يلتمسون فيها العفو ، فأجابهم الحاكم على لسان الحسين إلى ما طلبوا ، وأمروا بالانصراف والبكور لتلقي سجل العفو .
واشتد الذعر بالغلمان والخاصة على اختلاف طوائفهم ، وتوالى صدور الأمانات لمختلف الطبقات ) ([130]).
هذه السجلات وأمثالها التي أصدرها الحاكم تدل على مدى خوف الناس من بطشه ، حتى التمسوا منه إصدار سجلات الأمان .
ولا يوجد ثمة ريب في أن القتل كان في نظر الحاكم خطة مقررة ، ولم تكن فورة أهواء فقط ، وقد لزم الحاكم هذه الخطة طوال حياته ، وفي هذا المعنى يقول الكوثري : ( من علم أن مدة الحاكم هذا من سنة 386 هـ إلى سنة 411 هـ ، يرى الاعتذار عنه بأنه كان مجنونًا كلاما لا يلتفت إليه ، لأن من المحال في جاري العادة أن يستبقي حاكم وهو مجنون مدة خمس وعشرين سنة ) ([131]) .
وينقل الأستاذ محمد عبد الله عنان عن المستشرق ميللر في الحاكم ما يلي :
( وليس لدينا إلا أن نعتقد أنه إما باطني متعصب ، توهم في نفسه الإِغراق والألوهية ، وإما أمير ذكي بارع في تاريخ أسرته ومذهبها . اعتقد أنه يستطيع أن يسمو فوق البشر وأن يحتقرهم ويصنفهم كالشمع طوع إرادته ، وربما كان يجمع في طبيعته المتناقضة بين شيء من هذا وشيء من ذاك ) ([132]).
ولقد كانت معاملة الذميين من أهم ظواهر عصر الحاكم بأمر الله ، وكانت بلا ريب سياسة مقررة ، ولم تحمل في مجموعها طابع التناقض .
ففي سنة 395 هـ أصدر الحاكم أمره للنصارى واليهود بلبس الغيار ، وشد الزنار ، ولبس العمائم السود . وفي سنة 399 هـ أمر بهدم كنائس القاهرة ونهب ما فيها ، وصدر مرسوم خاص بهدم كنيسة القيامة في بيت المقدس . وفي العام التالي صدر مرسوم جديد بالتشديد على اليهود والنصارى في لبس الغيار وتقليد الزنار ، وألغيت الأعياد النصرانية كعيد الصليب والغطاس ، وعيد الشهيد ([133]).
وقد خفت هذه المعاملة للذميين تباعًا ، وخاصة قبل مقتل الحاكم سنة 411 هـ ، إذ أصدر عدة سجلات بإلغاء ما أصدره من قبل في حقهم . ومما يلحظ في هذا الصدد ، أن موقف الحاكم إزاء النصارى واليهود هو من المواقف القليلة التي ثبت فيها الحاكم على سياسة واحدة ، وأنه لم يجنح فيه من الشدة إلى اللين إلا في أواخر عصره ، حينما ظهر دعاة تأليهه ، يدعون إلى دين جديد وعقائد جديدة ) ([134]). فكان لابد من تغيير هذه المعاملة ، محاولة منه لاستمالتهم إلى ما تصبو إليه نفسه ؟ .
أما موقف الحاكم من أحكام وأركان الإسلام ، ( فقد أصدر سنة 400 هـ سجل بإلغاء الزكاة والنجوي ( أو رسوم الدعوة ) ([135])، وأعيدت صلاة الضحى والتراويح ( بعد أن منعها ) . وفي بعض الروايات أنه حاول أن يعدل بعض الأحكام الجوهرية كالصلاة والصوم والحج ، وقيل إنه شرع في إلغائها ، أو أنه ألغاها بالفعل .
ومن ذلك أنه ألغى الزكاة كما رأينا ، وألغى صلاة الجمعة ( التي يصليها ) في رمضان ، وكذلك ألغى صلاته في العيدين ، وألغى الحج ، وأبطل الكسوة النبوية ([136])، وفي سنة 395 هـ أمر بسب السلف ( أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة ومعاوية وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم ) ، وكتب ذلك على أبواب المساجد ، ولاسيما جامع عمرو في ظاهره وباطنه ، وعلى أبواب الحوانيت والمقابر ، ولون بالأصباغ والذهب ، وأرغم الناس على المجاهرة به ونقشه في سائر الأماكن ) ([137]).
وقد أمر نائبه على دمشق أن يضرب رجلاً مغربيًا ، ويطاف به على حمار ، ونودي عليه : هذا جزاء من أحب أبا بكر وعمر ، ثم أمر به فضربت عنقه ) ([138]).
ولكنه في سنة 397 هـ أمر بمحو كل ما كتب على المساجد والدور وغيرها ، وفي سنة 401 هـ قرئ بجامع عمرو سجل بالنهي عن معارضة أمير المؤمنين ( الحاكم ) فيما يفعل أو يصدر فيه من الأمور والأحكام ، وترك الخوض فيما لا يعني . وكانت النفوس قد اضطربت من جراء هذه الأوامر والقيود المضنية ، وأمر في نفس السجل بإعادة ( حي على خير العمل ) في الأذان ، وإسقاط ( الصلاة خير من النوم ) ([139])، والنهي عن صلاة التراويح والضحى ) ([140]).
وأما عن شغفه بالليل ، فقد كان من أظهر خواص هذا الدور من حكمه ، (( فقد كان يعقد مجالسه ليلاً ، ويواصل الركوب كل ليلة ، وينفق شطرًا كبيرًا من الليل في جوب الشوارع والأزقة .
وجنح الحاكم في تلك الفترة إلى نوع من التصوف المدهش ([141])، فأطلق شعره حتى تدلى على أكتافه ، وأطلق أظافره ، واستعاض عن الثياب البيضاء بثياب سود ، فكان يرتدي جبة من الصوف الأسود العادي ([142])، وقد لا يغيرها مدة طويلة حتى يعلوها العرق والرثاثة ، وقد يرتدي أحيانًا جبة مرقعة من سائر الألوان .
وأضرب عن جميع الملاذ الحسية والنفسية ، واقتصر في طعامه على أبسط ما تقتضيه الحياة من القوت المتواضع . وفي سنة 405 هـ ازداد الحاكم شغفًا بالطواف في الليل ، فكان يركب مرارًا في اليوم ، بالنهار والليل ، وكان يقصد غالبًا إلى المقطم ([143])حيث أنشأ له منزلاً منفردًا يخلو فيه إلى نفسه ويهيم في عوالمه وتصوراته ، ومرصدًا خاصًا يرصد منه النجوم ويستطلعها .
وكان يؤثر ركوب الحمير ، ولاسيما الشهباء منها ، ويخرج دون موكب ولا زينة ومعه نفر قليل من الركابية ، وكان يبدأ كعادته بالتجوال في شوارع القاهرة ، ويحادث الكافة ، ويستمع إلى ظلامات المتظلمين .
وقد انتهت إلينا أحاديث ونوادر كثيرة عن المناظر التي كانت تقترن بهذا الطواف ، وعما كان ينزع إليه الحاكم أحيانًا من الأهواء العنيفة خلال طوافه ، ومن ذلك أنه كان يأمر بإحراق الشونة ليتمتع بمرأى النيران ، وأنه لقى ذات مساء عشرة من الناس سألوه الإِحسان فأمر أن ينقسموا إلى فريقين يتقاتلان ، حتى يغلب أحدهما فينعم عليه ، فتقاتلا حتى فنى منهم تسعة وبقي واحد ، فألقى عليه الدنانير ، فلما انحنى ليأخذها عاجله الركابية بقتله .
وأنه مر ذات ليلة على دكان شواء ، فانتزع منه سكينًا وقتله بها أحد الركابية المقربين لديه بغير ما سبب معروف ، وقد تركت الجثة في موضعها ، وفي اليوم التالي أنفذ الحاكم إليه كفنًا جليلاً ، ودفن مع التكريم ) ([144]).
(( ويحكى أنه عَنَّ له في أثناء ركوبه بالليل رأي سخيف ، فكان يأمر أحد رجاله بأن يأتي شيخًا خليعًا بمشهد منه ومن الجمع الحاضر ، ويضحك من هذا المنظر القبيح ويطرب له ) ([145]).
هذا بعض ما أورده المؤرخون عن الحاكم ، وما أوردناه لم يكن مجرد سرد تاريخي لحياة الحاكم ، ولكنه من صلب العقيدة التي نتحدث عنها وهي عقيدة الدروز ، حيث سترى بعد قليل أن هذه الوقائع التاريخية لحياة الحاكم كان لها أكبر الأثر في عقيدة هذه الطائفة ، لأنهم أولوا جميع هذه الأعمال الشاذة على أنها دليل على ألوهيته وربوبيته ، وليست كما يظهر لنا في الظاهر .
الدور الثالث : من سنة 408 – 411 هـ ( 1017 – 1021 م ) :
في رسالة ( مباسم البشارات ) التي كتبها الكرماني ، أحد أكابر الدعاة الإِسماعيليين في ذلك الوقت ، والتي جاءت بعد اضطراب الأحوال في مصر حينما وفد إليها – الكرماني – سنة 408 هـ ، إشارة واضحة إلى حالة الدعوة الإِسماعيلية ، فقد جاء فيها : ( بأن عهود الدعوة التي كانت قبل ذلك قد درست ، وأن مجالس الحكمة التأويلية أبطلت ، وتقلبت الأحوال بالناس ، فالعالي قد اتضع ، والسافل قد ارتفع ، والذين آمنوا بالدعوة الفاطمية اضطربت أحوالهم ، وكل واحد يرمي صاحبه بالإِلحاد ، وبعضهم غالى في رأيه ، والبعض الآخر خرج عن عقيدته .. إلى غير ذلك ) ([146]) .
فالصورة التي صورها الكرماني لهذا الاضطراب الذي ظهر في المجتمع كان بسبب ظهور دعوة جديدة تقول : بأن الحاكم بأمر الله ما هو إلا ناسوت للإِله ، ولاشك أن الدعاة الذين نادوا بهذه الدعوة الذين نادوا بهذه الدعوة الجديدة ، ظلوا يعملون لها مدة طويلة في الخفاء ، ويعدون عدتهم للظهور بها في الوقت الملائم ) ([147]).
لذلك نستطيع أن نقول : إن سلوك الحاكم ، إنما كان بتأثير فكرة الألوهية ، وأن كل ما صدر عن الحاكم بأمر الله من أعمال وأقوال ، إنما كان بدافع واحد هو تأليهه .
(( فالحاكم تولى مقاليد الحكم وهو صغير السن ، وقد أحيط بهالة خاصة مما أسبغته العقيدة الإِسماعيلية عن أئمتها ، فتأثر بهذه العقائد ، إلى جانب أنه رأى حاشيته ورعيته يسجدون له كلما مر بهم ، فشاع طموحه – وهو في مثل هذا السن الصغير – أن يكون إلهًا مثل الملوك الأقدمين – من الفراعنه - ، واختمرت هذه الفكرة في نفسه ، ولكنه لم يعلنها للناس ، ولعله أسر بها إلى بعض الدعاة حوله ، فتسابقوا إلى إشباع نزوته وتنميتها مع مرور الزمن )) ([148]).
(( وربما أوحى بعض الدعاة إليه بكل ما قام به من أعمال ، ولكن ليس لدينا من كتب التاريخ ما يؤيد أي افتراض ، والشيء المؤكد أن هذه السياسة التي اتبعها الحاكم كانت مقررة ، ليفهم من أفعاله أنه هو الخالق ، وأنه هو المحيي والمميت ، والرازق والوهاب ، إلى غير ذلك من أسماء الله الحسنى ، وصفاته العلى . فها هو الحاكم بأمر الله يسرف في القتل ليقال : إنه مميت ، ويرزق الناس ويهبهم ليقال : إنه رزاق وهاب ، ويعفو عمن يستحق القتل ليقال : إنه محيي  )) ([149]).
ويؤيد هذا ما ورد في رسالة ( السيرة المستقيمة ) التي ألفها حمزة بن علي ، وجاء فيها : (( ولكني أذكر لكم في هذه السيرة وجوها قليلة العدد ، كثيرة المنفعة ، لمن تفكر فيها ، فأول ما أختصر في القول ما فعله المولى سبحانه مع برجوان وابن عمار ، وهو يومئذ ظاهر لا يراه العامة إلا على قدر عقولهم ، ويقولون صبي السن ، وملك المشارقة كافة مع برجوان ، ولابن عمار ملك المغاربة . فأمر مولانا بقتلهم فقتلوا قتل الكلاب ، ولم يخش من تشويش العساكر والاضطراب ، وأما أمر ملوك الأرض فما يستجري أحد منهم على مثل ذلك ، ثم أمر بقتل ملوك كتامة وجبابرتها بلا خوف من نسلهم وأصابهم ، ويمشي أنصاف الليالي في أوساط ذراريهم وأولادهم بلا سيف ولا سكين .
شاهدتموه في وقت أبي ركوة الوليد بن هشام الملعون ، وقد أضرم ناره ، وكانت قلوب العساكر تجزع في مضاجعهم مما رأوه من كسر الجيوش ، وقتل الرجال ، وكان المولي جلت قدرته يخرج أنصاف الليالي إلى صحراء الجب ، ويلتقي به حسان بن عليان الكلبي في خمسمائة فارس ، ويقف معهم بلا سلاح ولا عدة ، حتى يسأل كل واحد منهم عن صاحبه ، ثم إنه يدخل في ظاهر الأمر إلى صحراء الجب ، وليس معه غير الركابية والمؤذنين ... إلى أن يقول : ( إنكم ترون من أمور تحدث بما شاهدتموه من المولى ما لا يجوز أن تكون أفعال أحد من البشر ، لا ناطق ، ولا أساس ، ولا إمام ، ولا حجة ، فلم تزدادوا بذلك إلا عمي وقلة بصيرة ) ([150]) .
(( وقد بدأ ظهور المذهب الجديد ، حينما قام الدرَزي ( وهو أحد دعاة المذهب في أول ظهوره ) ، وأعلن الدعوة سنة 407 هـ ، ثم قام سنة 408 هـ ومعه خمسمائة من أصحابه وأتباعه بالحج إلى قصر الحاكم فهاجمهم الناس والجند ) ([151]).
والمؤرخون يذكرون ثلاثة من الدعاة الكبار الذين أسسوا هذا المذهب ، وهم : حمزة بن علي بن أحمد الزوزني ( الذي أصبح إمام المذهب فيما بعد ) ، ومحمد ابن إسماعيل الدرزي المعروف بـ ( نشتكين ) ، والحسن بن حيدرة الفرغاني المعروف بـ ( الأخرم أو الأجدع ) .
(( ويرجح الدكتور محمد كامل حسين أنهم كانوا جميعًا من حاشية الحاكم الذين لم يفارقوه مدة الوصاية عليه ، وخاصة حمزة بن علي ، الذي استأثر بكل شيء وبالتمجيد كله )) ([152]).
وقد وقع الخلاف بين حمزة ، والدرزي منذ ذلك الحين ، لتسرع الدرزي في الكشف عن المذهب الجديد ، ولذلك نجد أن حمزة عمد إلى إظهار دعوى ألوهية الحاكم سنة 408 هـ ، والتي يعتبرها الدروز أولى سني تقويمهم ، وبعد هذه الدعوى اضطربت الأحوال في مصر ، وهاجمت الناس هؤلاء الدعاة في كل مكان ، مما دفع الدرزي إلى الاحتماء في قصر الحاكم ، والهرب فيما بعد إلى الشام . واضطر حمزة بعد الذي حدث ، أن يغيب عن الأنظار في سنة 409 هـ ، والتي يعتبرها سنة غيبة .
من كل هذا نرى أن الحاكم كان يقف من هذه الدعوة موقف التأييد والرعاية ، ويشد أزرهم ويمدهم بالمال والنصح ، ويسهر على حمايتهم من الناس ، ويقول حمزة في رسالة ( الغاية والنصحية ) مؤكدًا على حماية الحاكم له ولأتباعه ، عندما هاجمهم الناس والجند في المسجد الذي كان يحتمي فيه : ( وقد اجتمعت عند المسجد سائر الأتراك بالجيوش ، والزرد ، والخوذ ، والتحافيف ، ومن جميع العساكر والرعية زائدًا عن عشرين ألف رجل ، فقد نصبوا على القتال بالنفط ، والنار ، ورماة النشاب ، والحجار ، ونقب الجدار والتسلق إلى الحيطان بالسلالم يومًا كاملاً ، وجميع من كان معي في ذلك اليوم اثنتعشر ([153])نفسًا ، منهم خمسة شيوخ كبار ، وصبيان صغار لم يقاتلوا ، فقتلنا من المشركين ([154])ثلاث أنفس ، وجرحنا منهم خلقًا عظيمًا لا يحصى ، حتى طال على الفئة القليلة الموحدة القتال ، وكادت الأرواح تتلاشى وتبلغ التراق ، وخافوا كثرة الأضداد والمراق ، وغلبة المنافقين والفساق ، فناديتهم : معاشر الموحدين : اليوم أكملت لكم دينكم بالجهاد ، وأتممت عليكم نعمته والسداد ، وأرضى لكم التسليم لأمره بالجهاد ، وما يصيبنا إلا ما كتب الله علينا هو مولانا وعليه فليتوكل المؤمنون .
معاشر الموحدين قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ([155])، قاتلوا أقوامًا نكثوا أيمانهم يعني عهدهم وهموا بإخراج الرسول ، وهو قائم الزمان ، وهم بدؤوكم أول مرة ، يعني دفعة الجامع ، فلا تخشوهم فمولانا جل ذكره أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ، قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم وينصركم عليهم ويشفي صدور قوم مؤمنين .
فما استتميت ([156])كلامي لهم ، حتى صار مولانا جل ذكره وتجلى للعالمين بقدرته سبحانه ، فصعقت من في السموات والأرض ، فانقلبوا المنافقين على أعقابهم خائبين ، فلمولانا الحمد والشكر أبد الآبدين ) ([157]).
ونستطيع أن نذهب إلى أبعد من ذلك ، فنقول : أن الحاكم كان يشرف على توجيه الدعوة ، ويشترك في تنظيمها وتغذيتها بطريقة فعلية ، وهذا ما يذكره لنا حمزة في رسائله ، فمثلاً في رسالة ( البلاغ والنهاية ) يقول ما يلي : ( تأليف عبد مولا جل ذكره ، هادي المستجيبين ، المنتقم من المشركين بسيف مولانا جل ذكره ، رفع نسختها إلى الحضرة اللاهوتية بيده في شهر المحرم الثاني من سنينه المباركة ) ([158]).
ويقول في رسالة ( الصبحة الكائنة ) ما يلي : ( فتأييد مولانا سبحانه واصل إلي ، ورحمته وأفضاله ظاهرة وباطنة علي ، وجميع أصحابي المستجيبين عزيزين مكرمين في الشرطة ، والولاية ، وأصحاب السيارات ، مقضون الحوائج دون سائر العالمين ، ورسلي واصلة بالرسائل والوثائق إلى الحضرة اللاهوتية التي لا تخفى عنها خافية ، لا في السر ، ولا في العلانية ، وقد أوعدني مولانا جلت قدرته في ظاهر الأمر مضافًا إلى مواعيده الحقيقة التأييدية ، وهو منجز مواعيده وقت يشاء كيف يشاء بلا تقدير عليه ) ([159]).
غير أن مطاردة دعاة الحاكم وتمزيقهم بهذه القسوة من الناس ، دون إكتراث لما أولاهم به من رعاية ظاهرة ، قد أثار في نفسه غضبًا على الجند والناس ، لأنهم تجارأوا على ذلك ، وعول على الانتقام لنفسه وللدعاة .
وينقل الأستاذ محمد عبد الله عنان عن الوزير جمال الدين في ( أخبار الدول المنقطعة ) تفصيلاً دقيقًا لما حدث فيقول : ( اعتزم الحاكم أن ينكل بمصر وأهلها ، فاستدعى العرفاء والقادة ونظم معهم خطة العمل ، وعهد إلى مقدمي العبيد وغيرهم من الطوائف بافتتاح الهجوم ، فأخذوا يغيرون على أحياء مصر في هيئة عصابات ، وينهبون الحوانيت والسابلة ، ويخطفون النساء من الدور ، والشرطة تغضي عن جرائمهم ، والحاكم معرض عن كل شكاية وتضرع ، وكان ذلك في جمادي الآخرة سنة 411 هـ .
ثم اتسع نطاق الاعتداء ، فهاجمت قوى العبيد والترك والمغاربة مصر من كل صوب ، وأضرموا النار في أطرافها ، وهب أهل مصر للدفاع عن أنفسهم ، واستمرت المعارك بين الفريقين ثلاثة أيام ، وألسنة اللهب تنطلق من المدينة القديمة إلى عنان السماء ، والحاكم يركب كل يوم إلى الجبل ، ويشاهد النار ، ويسمع الصياح ، ويسأل عن حقيقة الأمر ، فيقال له : إن العبيد يحرقون مصر وينهبونها ، فيظهر الأسف والتوجع ، ويقول : ومن أمرهم بهذا لعنهم الله ؟ ! .
وفي اليوم الرابع اجتمع الأشراف والكبراء في المساجد ورفعوا المصاحف وضجوا بالبكاء والدعاء ، فكف الأتراك والمغاربة عن متابعة الاعتداء ، واستمر العبيد في عدوانهم ، وأهل مصر يدفعونهم بكل ما استطاعوا . وطلب الأتراك والمغاربة إلى الحاكم أن يأمر بوقف هذا الاعتداء على أهل مصر ، وعلى أموالهم ، خصوصًا  وأن لهم بين المصريين كثيرًا من الأصهار والأقارب ، ولهم في مصر كثير من الأملاك ، فتظاهر بإجابة مطلبهم ، ولكنه أوعز إلى العبيد أن يستمروا في القتال ، وأن يتأهبوا لمدافعة الترك والمغاربة، فاشتدت المعارك بين الفريقين ، ودافع الترك والمغاربة عن أهل مصر ، ومزقوا جموع العبيد ونكلوا بهم ، ثم هددوا الحاكم باقتحام القاهرة وحرقها ، إذا لم يوضع حد لتلك  الجرائم ، فخشى الحاكم العاقبة ، وأمر العبيد بالتفرق ولزوم السكينة ، واعتذر لأشراف مصر وزعماء الترك والمغاربة عما وقع ، وتنصل من كل تبعة فيه ، وأصدر أمانًا لأهل مصر قريء على المنابر .
وسكنت تلكك الفتنة الشنعاء بعد أن لبثت الفسطاط بضعة أسابيع مسرحا لمناظر مروعة من السفك والعبث والنهب ، وأحرقت معظم شوارعها ومبانيها ، وخربت معظم أسواقها ، ونهبت ، وسبي كثير من نسائها ، واعتدى عليهن ، وانتحر كثير منهن خشية العار ، وتتبع المصريون أزواجهم وبناتهم وأمهاتهم وافتدوهن من الخاطفين ) ([160]).
وبأسلوب آخر ، يؤكد حمزة هذه الحوادث ، وأنها كانت انتقامًا لما حصل للدعاة من تنكيل وتمزيق ، فيقول في رسالة ( الرضى والتسليم ) : ( لأنه سبحانه أنعم عليكم ما لم ينعم على في الأدوار ، وأظهر لكم من توحيده وعبادته ، ما لم يظهره في عصر من الأعصار ، وأعزكم في وقت عبده الهادي ما لم يعز أحدًا في الأقطار ، ولم يكن لصاحب الشرطة والولاية والسيارات عليكم سبيل إلا بطريق الخير ، ثم إن المنافقين قتلوا من إخوانكم ثلاثة أنفر ، فأمر مولانا جل ذكره بقتل مائة رجل منهم ، والذي قال في القرآن النفس بالنفس لا غير فلم تشكروه على ذلك ، ولم تعبدوه حق ما يجب عليكم من عبادته ، ولم تكن نياتكم خالصة لوحدانيته ) ([161]).
ويحاول عدد من الكتاب المعاصرين ، الذين كتبوا عن الحاكم وعن الدروز ، أن ينفوا عن الحاكم كل هذه الأمور ، ويصوروها كأنها افتراءات من المؤرخين ، أو يجعلوا لها تبريرًا لا يستسيغه عقل ولا منطق .
من هؤلاء الكتاب الدكتور أحمد شلبي ، الذي حاول أن يصور أخبار شذوذ الحاكم واضطرابه ، على أنه اتفاق بين المؤرخين ، يأخذ الواحد قضية ، فيسلم بها الآخر ، وأن تاريخ الحاكم قد كتب أثر وفاته ، وقد عادت السلطة إلى من اضطهدهم ، الذين كان يهمهم أن يبرزوه معتوهًا أو مجنونًا أو مدعيًا للألوهية ، ليصرفوا الناس عن البحث عن القتلة الذين قتلوا الحاكم ؟! .
بل يحاول الدكتور شلبي أن يبرر كل تصرفاته ، حتى إنه يجعله مخلصًا لدولته كفؤا لحمل أعبائها ، وهو في القمة من المفكرين في إنشائه دار الحكمة ([162]).
ولا أدري على ماذا اعتمد الدكتور شلبي ، في دفاعه القوي عن الحاكم ، ولكن يبدو أن معلومات الدكتور فيليب حتي ، أقوى عنده من كل ما كتبه المؤرخون ؟!
وهناك قضية أخرى يحاول بعض الكتاب إيرادها ، وهي صلة الحاكم بحمزة بن علي وغيره من الدعاة ، وهذا ما يحاول الأستاذ عبد الله النجار ([163])أن ينفيه في كتابه ( مذهب الدروز والتوحيد ) ، مع أن الدروز حتى الوقت الحاضر ينفون مثل هذه الأقوال ، ويعتبرونها تقويضًا للمذهب التوحيدي ، ففي كتاب ( أضواء على مسالك التوحيد ) يورد بايزيد في توطئته للكتاب ، وفي معرض رده على ما كتبه الأستاذ عبد الله النجار في كتابه يقول :
( ونرى المؤلف الكريم يسعى إلى التفرقة والفصل بين حمزة بن علي والحاكم بأمر الله ، وإنكار صلة الحاكم بالمذهب وانتسابه إليه . وفي ذلك ما فيه ، علاوة على نية تقويض أساس المعتقد العرفاني ، والمذهب التوحيدي ( أي الدرزية ) ، كما هو مشهور ومعلوم ، قد أخذ وغرف المحتوى الأخير لمنهجه ولعقيدته ودعوته من مجالس الحكمة ، التي كانت تعقد في حضرة مولانا الحاكم وتوجيهه ، وفي دار الحكمة التي أسسها على غرار أكاديمية أفلاطون عليه السلام ؟! ) ([164]).
وهناك رسالة من رسائل حمزة ، عنوانها ( الرسالة المنفذة إلى القاضي أحمد بن العوام ) ([165])، ( تثبت أن حمزة أصبح في مكانة استطاع منها أن يخاطب قاضي القضاة بمثل هذا الخطاب ) ([166]) ، ( وتدل على مدى المكانة التي بلغها حمزة في ذلك التاريخ ) ([167])، ولو لم يكن وراء حمزة من يحميه ويدفع عنه الأذى ما كان يجرؤ على كتابة مثل هذا الخطاب ، يقول حمزة في هذه الرسالة : ( توكلت على أمير المؤمنين جل ذكره ، وبه أستعين في جميع الأمور ، معل علة العلل ، صفات العلة بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد أمير المؤمنين ومملوكه حمزة بن علي بن أحمد هادي المستجيبين ، المنتقم من المشركين بسيف أمير المؤمنين وشدة سلطانه ، ولا معبود سواه ، إلى أحمد بن محمد بن العوام ، الملقب بقاضى القضاة ، أما بعد :
فقد تقدمت لنا إليك رسالة نسألك عن معرفتك بنفسك ، فقصرت عن الإِجابة ، قلة علم منك بالحق وإهجانًا به ، وكيف يجوز لك أن تدعي هذا الاسم الجليل وهو قاضي القضاة ، وليس لك علم بحقائق القضايا والأحكام ، فقد صح بأنك مدع لما أنت فيه ، فيجب عليك أن تعلم نفسك وتدربها ، فإن كنت قد جهلتها فأنت فرعون الزمان ، وفعلك لاحق بعثمان بن عفان ، فيجب عليك أن تقلع عما أنت فيه ، وتتبع سير أصحابك المتقدمين أبي بكر وعمر ([168]) ، وتزيل تلثيمة البياض عن رأسك والعمامة والطيلسان ، وتلبس دنية سوداء بشقائق صفر طوال مدلاة على صدرك ، وتلبس درَّاعة بلا جيب ، بل تكون مشقوقة  الصدر ، وتكون مرقعة بالأحمر ، والأصفر ، والأديم الأسود الطائفي ، وتكون قصيرة عليك لتلحق في الشكل بعمر بن الخطاب ، ويكون لك درة على فخذك لتقيم بها الحدود على من تجب عليه وأنت جالس في الجامع ، ويكون لك في كل سوق صاحب يتزيي بزيك وبيده درة يقيم بها في سوقه الحدود على من وجبت عليه مثل الزاني والسارق والقاذف وشارب الخمر ، ممن هو من أهل ملتك ، وتكون تتولى الخطبة بنفسك ، وتطلع على المنبر بلا سيف تتقلد به ، ويكون ممرك ومجيئك من دارك إلى الجامع ، وأنت ماش حافيًا لتكون في ذلك لاحقًا بأصحابك المتقدمين أبي بكر وعمر .
وإياك ثم إياك أن تنظر لموحد في حكم لاأنت ولا عادلتك ، في شهادة نكاح ولا طلاق ، ولا وثيقة ، ولا عتق ، ولا وصية ، ومن جلس بين يديك على حكم فتسأل عنه أن يكون موحدًا فترسله إليّ مع رجالتك لأحكم أنا عليه بحكم الشريعة الروحانية ([169])، التي أطلقها أمير المؤمنين سلامة علينا ، فانظر لنفسك فقد أعذرتك مرة بعد أخرى وأنذرتك ) ([170]).
وإلى هذه الرسالة يشير حمزة في رسالة ( البلاغ والنهاية ) فيقول : ( وقد أرسلت إلى القاضي عشرين رجلاً إلى الحضرة ([171])اللاهوتية ، فأبى القاضي واستكبر ، وكان من الكافرين ، واجتمعت على غلماني ورسلي الموحدين لمولانا جل ذكره ، زهاء مائتين من العسكرية والرعية ، وما منهم رجل إلا ومعه شيء من السلاح فلم يقتل من أصحابي إلا ثلاثة نفر وسبعة عشر رجلاً من الموحدين ، في وسط مائتين من الكافرين ([172])، فلم يكن لهم إليهم سبيل حتى رجعوا إلى عندي سالمين ) ([173]).
وفي ختام هذا الفصل نقف وقفة طويلة مع رسالة حمزة بن علي بن أحمد الموسومة ( بكتاب فيه حقائق ما يظهر قدام مولانا جل ذكره من الهزل ) ، وقد رأيت أن أنقل هنا نص هذه الرسالة ، ليتبين لنا مدى تأثر العقيدة الدرزية بأفعال وأقوال الحاكم ، والتي يعتبرونها دليلاً على ألوهيته ، حيث تلمس لها حمزة تأويلات باطنية ، ( واتخذ منها دلالات على صدق ألوهية الحاكم ، وأن كل ما أتى به الحاكم هو رمز وإشارة وله تأويل باطني لا يفقهه الناس ) ([174])، ولهذه الرسالة أهمية خاصة فيما يتعلق بتأييد الأخبار المروية في كتب المؤرخين عن أفعال الحاكم الغريبة ، إذ فيها تأييد لها وتوكيد ، ودليل قاطع على أن هؤلاء المؤرخين لم يفتروا شيئًا ولم ينقلوا إشاعات كاذبة ) ([175]).
وفيما يلي نص هذه الرسالة : ( الحمد لمولانا وحده ، وشدة سلطانه ، توكلت على مولانا الباري العلام العلي الأعلى ، حاكم الحكام ، من لا يدخل في الخواطر والأوهام ، جل ذكره عن وصف الواصفين وإدراك الأنام . بسم الله الرحمن الرحيم ، صفات عبده الإِمام ، الحمد والشكر لمولانا – جل ذكره – وبه أستعين في الدين والدنيا وإليه المعاد ، الذي يحي ويميت ، وهو الحي الذي لا يموت ، الذي هو في السماء عال ، وفي الأرض متعال ، حاكمًا ، عليه توكلت ، وبه أستعين ، وإليه المصير ، وهو المعين ، وصلوات مولانا جل ذكره وسلامه على الذي اصطفاه من خلقه واختاره من عبيده ، وجعلهم الوارثين لديار أعدائهم بقوته وسلطانه ، الحاكم ، القادر ، العزيز القاهر ، وهو على كل شيء قدير .
أما بعد ، معاشر الإخوان الموحدين ، أعانكم المولى على طاعته ، إنه وصل إليّ من بعض الإِخوان الموحدين – كثر المولى عددهم وزكى أعمالهم ، وحسن نياتهم – رقعة يذكرون فيها ما يتكلم به المارقون من الدين ، الجاحدون لحقائق التنزيه ، ويطلقون ألسنتهم بما يشاكل أفعاله الردية ، وما تميل إليه أديانهم الدنية – فيما يظهر لهم من أفعال مولانا – جل ذكره – ونطقه ، وما ييجري قدامه من الأفعال التي فيها حكمة بالغة شتى فيما تغني النذر ([176])، وتمييز العالم الغبي الذين من أعمالهم الهزل ، وأقوال فيها صعوبة وعدل ، ولم يعرفوا بأن أفعال مولانا – جل ذكره – كلها حكمة بالغة ، جدًا كانت أم هزلاً ، يخرج حكمة ويظهرها بعد حين ، ولو تدبروا ما سمعوه من الأخبار المأثورة عن جعفر بن محمد بن علي بن عبد مناف بن عبد المطلب ([177]): ( إياكم الشرك بالله والجحود له ، بما يختلج في قلوبكم من الشك في أفعاله كيفما كانت ، ولا تنكروا على الإِمام فعله ، ولو رأيتموه راكبًا قصبة ، وقد عقد ذيله خلف ثوبه ، وهو يلعب مع الصبيان بالكعاب ، فإن تحت ذلك حكمة بالغة للعالم وتمييزًا للمظلوم من الظالم ) .
فإذا كان هذا القول في جعفر بن محمد ، وجعفر وآباؤه وأجداده كلهم عبيد لمولانا جل ذكره ، فكيف أفعال من لا تدركه الأوهام والخواطر بالكلية ، وحكمته اللاهوتية التي هي من رموزات وإشارات لبطلان النواميس ، وهلاك الجواميش ، وتمييز الطواويس ، فلمولانا الحمد على ما أنعم به علينا بعد استحقاق نستحقه عنده ، وله الشكر على ما أظهر لنا من قدرته خصوصًا دون سائر العالمين إنعامًا وتفضلاً ، ونسأله العفو والمغفرة بما يجري منا من قبائح الأعمال وسوء المقال ، ونعوذ به من الشرك والضلال ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وهو العلي المتعال ، ولو نظروا إلى أفعال مولانا جلت قدرته بالعين الحقيقية ، وتدبروا إشاراته بالنور الشعشعاني ، لبانت لهم الألوهية والقدرة الأزلية ، والسلطان الأبدية ، وتخلصوا من شبكة إبليس وجنوده الغوية ، ولتصور لهم ركوب مولانا – جل ذكره – وأفعاله ، وعلموا حقيقة المحض في جده وهزله ، ووقفوا على مراتب حدوده ، وما تدل عليه ظواهر أموره ، جل ذكره وعز اسمه ولا معبود سواه .
فأول ما أظهر من حكمة ما لم يعرف له في كل عصر وزمان ، ودهر وأوان ، وهو ما ينكره العامة من أفعال الملوك : من تربية الشعر ، ولباس الصوف ، وركوب الحمار بسروج غير محلاة لا ذهب ولا فضة .
والثلاث خصال معنى واحد في الحقيقة ، لأن الشعر دليل على ظواهر التنزيل ، والصوف دليل على ظواهر التأويل ، والحمير دليل على النطقاء ( الأنبياء ) ([178])، بقوله لمحمد : ( يا بني أقم الصلاة وآت الزكاة ، وأمر بالمعروف ، وانه عن المنكر ... ، إن ذلك من عزم الأمور . ولا تصعر خدك للناس ) ([179])، ( ولا تمش في الأرض مرحًا ، إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ) ([180]).
كل ذلك كان عند ربك محذورا ، وانقص من مشيك ، ( واغضض من صوتك ، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) ([181]).
والعامة ([182])يرون أن هذه الآية حكاية عن لقمان الحكيم لولده ، فكذبوا وحرفوا القول ، إنما هو قول السابق ، وهو سلمان ، وإنما سمي الناطق ولده لحد التعليم والمادة ، إذ كان سائر النطقاء والأوصياء أولاد السابق المبدع الأول ، وهو سلمان ، فقال لمحمد :
( أقم الصلاة ) إشارة إلى توحيد مولانا جل ذكره ، ( وآت الزكاة ) يعني طهرقلبك لمولانا جل ذكره ولحدوده ودعاته . ( وأمر بالمعروف ) وهو توحيد مولانا جل ذكره ، ( وانه عن المنكر ) يعني شريعته وما جاء به من الناموس والتكليف ، ( إن ذلك من عزم الأمور ) يعني الحقائق وما فيها من نجاة الأرواح من نطق الناطق ، ( ولا تصعر خدك للناس ) وخده وجه السابق ، وتصغيره ستره فضيلته ، ( ولا تمش في الأرض مرحًا ) والمرح هو التقصير واللعب في الدين ، والأرض هاهنا هو الجناح الأيمن ، والأيمن هو الداعي إلى التوحيد المحض ، ( إنك لن تخرق الأرض ) يعني بذلك ، لن تقدر عليك تبطيل دعوة التوحيد ، ( ولن تبلغ الجبال طولا ) والجبال هم الحجج الثلاثة الحرم ، ورابعهم : السابق الذي يعبده العالم دون الثلاثة .
وأجلهم الحجة العظمي ، واسمه في الحقيقة : ذومعة ، لأن قلبه وعى التوحيد والقدرة من مولانا جل ذكره بلا واسطة بشرية ، ( وانقص من مشيك ) ([183])يعني اخفض من دعوتك في الظاهر ، الذي يمشي في العالم مثل دبيب النملة السوداء على المسح الأسود في الليلة الظلماء ، وهو الشرك بذاته .
مثل النار إذا وقعت في التبن لا يشعر بضوئها إلا بعد هلاكه ، كذلك محبة الشريعة والإِصغاء إلى زخرفه ، والتعلق بناموسه ، يعمل في الأعضاء ويجري في العروق ، كما قال بلسانه وقوة بأسه وسلطانه ، ولطافه تجري في العروق مجاري الدم حتى يتمكن في القلب ويغري سائر العالمين .
وقال الناطق : ([184]) ( ما زج حبي دماء أمتي ولحومهم ، فهم يؤثرونني على الآباء والأمهات ) ، فرأينا الخبرين واحدا معناهما . وقد قال القرآن : ( قل أعوذ برب الناس ) ([185]) ورب الناس هاهنا هو التالي ، وهو في عصر محمد : المقداد ([186])، ( ملك الناس إله الناس ، من شر الوسواس الخناس ) ([187])يعني زخرف الناطق ، ( الذي يوسوس في صدور الناس ) ([188])، يعني الدعاة والمأذونين والمكاسرين ، حتى يردهم عن توحيد مولانا الحاكم بذاته ، المنفرد عن مبدعاته ، جل ذكره .
والذات هو لاهوته الحقيي ، الذي لا يدرك ولا يحس ، سبحانه وتعالى . ( واغضض من صوتك ) يعني بذلك اخفض وانقص واستر نطقك بالشريعة ( إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) يعني الدعوة الظاهرة ، ( لصوت الحمير ) : يعنى بذلك أشر كلام وأفحشه نطق الشرائع المذمومة في كل عصر وزمان ، فمنهم تظهر الشكلية والضدية والجنسية .
فأظهر مولانا جل ذكره لبس الصوف ، وتربية الشعر وهو دليل على ما ظهر من استعمال الناموس الظاهر ، وتعلق أهل التأويل بعلي بن أبي طالب وعبادته .
وركوب الحمير دليل على إظهار الحقيقة على شرائع النطقاء ، وأما السروج بلا ذهب ولا فضة فدليل على بطلان الشريعتين : الناطق والأساس ([189]).
واستعمال حلي الحديد على السروج دليل على إظهار السيف على سائر أصحاب الشرائع وبطلانهم . واستعمال الصحراء في ظاهر الأمر ، وخروج مولانا جل ذكره في ذلك اليوم من السرداب إلى البستان ، إلى العالم دون سائر الأبواب .
والسرداب والبستان الذي يخرج مولانا جل ذكره منهما ليس لأحد إليهما وصول ، ولا له بهما معرفة ، إلا أن يكون كمن يخدمهما أو خواصهما . وهو دليل على ابتداء ظهور مولانا سبحانه بالوحدانية ومباشرته بالصمدانية بالحدين اللذين كانا خفيين عن سائر العالمين ، إلا لمن يعرفهما بالرموز والإِشارات ، وهما الإِرادة والمشيئة ، كما قال : ( إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون ، فسبحان الذي بيده ... كل شيء وإليه ترجعون ) ([190])، والإرادة هي ذومعة ، والمشيئة تالية ، كما قال : ( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ) ([191])، فليس يعرفهما إلا الموحدون لمولانا جل ذكره .
ومن السرداب يخرج إلى البستان ، كذلك العلم يخرج من ذي معة إلى ذي مصة ، الذي هو بمنزلة الجنة صاحب الأشجار والأنهار ، ثم يخرج منها إلى المقس ([192])، فأول ما يلقى بستان برجوان ([193])، وهو المعروف بالحجازي ، فلا يدخله ، ولا يدور حوله في مضيه ، وهو دليل على الكلمة الأزلية .
ثم يمضي إلى البستان المعروف ( بالدكة ) وهي دليل على السابق ، وهو دكة العالم ، وعلومهم منهم ، وهذا البستان المعروف بالدكة ، على شاطيء البحر ، وكذلك علم التأويل ممثوله البحر ، والمستجيب للعهد إذا بلغ علم السابق ومعرفته ، حسب أنه قد بلغ الغاية والنهاية في العبادة .
وبستان الدكة ، مع جلالته ، ملاصق لموضع الفحشاء والمنكر ، دون سائر البساتين ، دليل على أن علم السابق واصل بالنطقاء ، الذين هم معادن النواميس الفانية الحشوية ، والأعمال الفاحشة الدنية .
والمقس دليل على الناطق ، وما في المقس من الفحشاء والمنكر دليل على شريعته ، والنساء الفاسدات اللواتي فيه ، دليل على دعاة ظواهر شريعته ، وارتكابهم الشهوات البهيمية في طاعته .
ثم إنه علينا سلامه ورحمته ، يخرج إلى الصناعة ([194])ويدخل من بابها ، ويخرج من الآخر . والصناعة دليل على صاحب الشريعة ، والصناعة ممنوعة من دخول العالم فيها والخروج لإضافة الشريعة ، فدخول مولانا جل ذكره فيها من باب وخروجه من باب ، دليل على تحريم الشريعة وتعطيلها .
ثم إنه – علينا سلامه ورحمته – يدور حول البستان المعروف بالحجازي ، وهو دليل على الكلمة الأزلية ، والدوار حوله بلوغ إلى الكشف بلا سترة تحوط بالدين ، ثم إنه – جل وعز سلطانه – يبلغ إلى القصور ، وهما قصران عظيمان خرابان دليل على بطلان الشريعة وخرابها .
ثم إنه – علينا سلامه ورحمته – يدخل من باب البستان المعروف بالمختص ، وهو دليل على التالي ، إذ كان التالي مختصًا بعلمه الأساسي والتأويل . وأكثر العالم يميلون إليه ، وهو هيولي العالم الجرماني .
ومن الشيعة من يعتقد ويعبد التالي ، ومن الشيعة من يقول بأن التالي مولانا ، وهذا هو الكفر والشرك . وإنما هو التالي الذي عجز الناس عن معرفته ، وهو الجنة المعروفة بالمختص ، متصلة بالجنة المعروفة بالعصار . والعصار دليل على الناطق ، لأنه يعصر علم التالي فيخرج منه الحقيقة والتوحيد ، فيكتمه عن العالم الغبي ويظهر لهم الثفل ، وهو الكسب ([195])الذي لا ينتفع به غير البهائم .
كذلك البستان المعروف بالعصار ، وهو خراب من الفواكه والأشجار والرياحين والأثمار ، وبستان المختص عامر بالفاكهة والأزهار ، والرياحين والأشجار ، ومنه يخرج الماء إلى الحوض الذي تشرب منه البهائم . والماء هو العلم ، والحوض هو المادة الجارية من التالي ، والدواب هم النطقاء والأسس . كذلك العلم يخرج من التالي إلى الأساس في كل عصر وزمان ، والسابق ممد الناطق ، ومن الفاتق إلى الراتق ، ومن السابق إلى الطالب الطارق .
وهذان البستانان بين المسجدين المعروفين بمسجد تبر ([196])، ومسجد ريدان ([197])، فمسجد ريدان محاذي بستان العصار ، ومسجد تبر محاذي بستان المختص .
ومسجد تبر دليل على الناطق ، والتبر دليل على الذهب ، والذهب دليل على إذهاب شريعته ، وهذا المسجد لم تصل فيه صلاة جماعة قط ، دليل على أن ليس للناطق ولا لمن تبعه اتصال بالتوحيد .
ومسجد ريدان ، دليل على حجة الكشف القائم بالسيف والعنف ، الداعي إلى التوحيد المنكر عند سائر العالمين ، كما نطق عبد مولانا جل ذكره في القرآن على لسان الناطق السادس ( يوم يدع الداع إلى شيء نكر ) ([198])، وهو عبادة مولانا جل ذكره وتوحيده ، الذي أنكره سائر النطقاء والأسس أئمة الكفر ، كما قال عبد مولانا – جل ذكره – في كتابه ( قاتلوا أئمة الكفر ، إنهم لا أيمان لهم ، لعلهم ينتهون ) ([199]).
أراد لا أيمان لهم بمعرفة مولانا – جل ذكره – والإِيمان هو التسديق ( التصديق ) ([200]).
وتوحيد مولانا – جل ذكره – صعب مستصعب ، لا يحمله نبي مرسل ، ولا وصي مكمل ، ولا إمام معدل ، ولا ملك مفضل . بل يحمله قلب صاف لبيب ، أو موحد راغب من الأديان والطرائق ، وعبد مولى الأساس والناطق ، ومبدع التالي والسابق الحاكم على جميع النطقاء والشرائع ، المنفرد عن جميع المخلوقات والبدائع .
ولكل شيء ضد بين يديه ، فبإزاء الباطل ، الذي هو جنة العصار ، وهو دليل على الناطق حتى يرفع وهو مسجد ريدان ، وهو ذومعة ، وبإزاء الحق الذي هو جنة المختص وهو التالي باطل يطلب فساده ، وهو مسجد تبر ، وهو الناطق ، والمولى جل ذكره ينصر أولياءه ، ويهلك أعداءه ، ويتم نوره ولو كره المشركون المتعلقون بعلي بن عبد مناف ([201])، والكافرون المتعلقون بالناطق وعدمه .
وريدان خمسة أحرف ، دليل على خمسة حدود ، النفسانيين ، والنورانيين ، والروحانيين ، والجرمانيين ، والجسمانيين . وهو ذومعة العقل الكلي النفساني ، وذومصة ، النفس الروحاني والجناح الرباني ، والأيمن الباب الأعظم ، وهو السابق والتالي ، معدن العلوم ومنه ابتناؤها .
وريدان كلمتان ، ( ري ) و ( دان ) ، و ( ري ) الأشياء وهم الحجج والدعاة والمأذونين والمكاسرين ، كما قال عبد مولانا جل ذكره ( وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ) ([202])، الأشياء الحقيقية ، والذي الأزلي ، والتوحيد الأبدي على يد ريدان ، يوم الدين ، وهو عبد مولانا ومولى الخلق أجمعين ، جل ذكره ، وعز اسمه ، ولا معبود سواه ، سبحانه جل وعلا أن يكون ديان أو سلطان أو برهان أو الله أو الرحمن ، إذ كان الكل عبيده في سائر الأدوار ، المستغفرين له في الليالي والأسحار ، العابدين له طوعًا وكرهًا في العيان ، سبحانه عن إدراك الأوهام والخواطر ، أو يعرف الإِعلان والسرائر ، أو بباطن أو بظاهر ، إذ كان لا يدرك بعض ناسوته ، وقدرة مقام جبروته ، وعظم جلال لاهوته .
وما من المساجد مسجد سقطت قبته ، وهو المسجد بكماله غير مسجد ريدان ، فأمر مولانا سبحانه وتعالى بإنشاء قبته ، وزاد في طوله وعرضه وسموه دليل على هدم الشريعة الظاهر على يد عبده الساكن فيه ([203]). وإنشاء توحيد مولانا جل ذكره فيه بالحقيقة ظاهرًا مكشوفًا ، وابتداء الشريعة الروحانية في بسيط روحاني توحيدي لاهوتي حاكمي لا يعبدون غيره وحده ، ولا يشركون به أحدًا في السر والإِعلانية ، سبحانه وتعالى عما يقول المشركون علوًا كبيرًا ([204]) .
ثم إن مولانا علينا سلامه ورحمته ، ظهر لنا في الناسوت البشرية ، ونزوله عن الحمار إلى الأرض ، وركوبه محاذي باب المسجد ، دليل على تغيير الشريعة ، وإثبات التوحيد ، وإظهار الشريعة الروحانية على يد عبده حمزة بن علي بن أحمد ، ومملوكه وهادي المستجيبين المنتقم من المشركين ، بسيف مولانا وشدة سلطانه ، وحده لا شريك له .
ووقوفه في ظاهر الأمر ، وحاشاه من الوقوف والسير والجلوس والنوم واليقظة ، ( لا تأخذه سنة ولا نوم ، له ما في السموات وما في الأرض ) يعني النطقاء والأسس ، ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) يعني من ذا الذي يقدر على إطلاق داع أو مأذون إلا بمشيئته ، ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) يعني من آدم إلى محمد بن إسماعيل ، ( ولا يحيطون بشيء من علمه ) يعني حجته ، ( إلا بما شاء ) وهو المشيئة أعظم الدرجات ، ( وسع كرسيه السموات والأرض ) والكرسي هو التأييد الذي يصل إلى الحدود العالية ، ( ولا يؤوده حفظهما ) وهما الجناح الأيمن والجناح الأيسر ، ( وهو العلي العظيم ) ([205])العالي على كل من تقدم ذكره ومن تأخر ممن ينتظرهم الشيعة المشركون .
وكان وقوفه عند الميل ([206])، والميل دليل على التأييد ، إذ كانت الأميال يستدلون بها على الطريق ، كذلك التأييد بطرق العبد من المعبود ، ويعود إلى الوجود ، ونزوله إلى الأرض محاذي باب المسجد إشارة منه إلى عبد باب حجابه على خلقه ، والداعي إليه بتأييده وأمره ، إذ كان التأييد هو الأمر العالي الذي يكون بلا واسطة بشريه ، والباب دليل على الحجة .
ونزوله عن الحمار إلى الأرض وركوبه آخر كان في نفس آذان الزوال ، وصلاة الزوال دليل على الناطق ، وتغيير مولانا جل ذكره الحمار في نفس وقت الأذان ، دليل على إزالة الظاهر .
ويكون اعتمادهم من موضع تغييره ، وهو يسمى المقام المحمود ، والمشهد الموجود ، والمنهل العذب المورود إلى قصر مولانا الحاكم بذاته ، وهو المقام المحمود ، محاذي باب شريعة روحانية وعلوم حاكمية ، وأنا أذكرها لكم في غير هذا الكتاب إن شاء مولانا ، وبه التوفيق في جميع الأمور ، ولا حول ولا قوة إلا به ، وهو حسبي ونعم النصير المعين .
ثم إن مولانا علينا سلامه ورحمته ، لابد له في كل ركبة من الإِعادة إلى البساتين المعروفين بالمقس ، دليل على إظهار النشوء الثالث الخارج من الكفر والشرك ، وهما الظاهر والباطن ، وهو توحيد مولانا جل ذكره .
ودخوله إلى القصر من الباب الذي يخرج منه ، والسرداب بعينه دليل على إثبات الأمر ، وكشف الطرائق بكتب الوثائق ، ورجوع الأمر إلى ما منه بدأ روحانية غير تكليفية ، ولا ناموسية شيطانية ، ولا زخرف هامانية ، أعاذنا المولى وإياكم من الشك فيه ، والشرك به بمننه وفضله ، إنه ولي ذلك والقادر عليه .
وأما نزوله في ظاهر الأمر إلى مصر ، وما شاهدناه ، ففيها تمكن الشيطان الغوي لعنه الله من قلوب العامة الحشوية ([207])، والعقول السخيفة الشرعية مما يسمعون من ألسن الركابية قدام مولانا جل ذكره بما يستقر في عقولهم السخيفة من كلام الهزل والمزاح ، ولم يعرفوا أن فيه ( حكمة بالغة فما تغني النذر ) ([208]) .
فأول مسيره إلى المشاهد الثلاثة ، وليس فيها آذان ولا إقامة ولا صلاة جماعية ، إلا في الأوسط الذي هو المنهج الأقوم ، والطريق الأسلم التي من سلكها نجا ، ومن تخلف عنها هلك وغوي .
ثم إنه علينا سلامه ورحمته ، يسير إلى راشده ([209])، أيضًا ثلاثة مساجد متفاوتات في بنيانها ، وأحسن ما فيهم وأعلاهم وأفضلهم ، الذي يصلي الخطيب فيه يوم الجمة ، وتصلي فيه خمس صلوات على دائم الأيام ، وهو الوسطاني ، وهو دليل على توحيد مولانا جل ذكره ، وإثبات خمسة حدود علوية فيه ، وهو دليل على حجة الكشف .
والمسجدان اللذان معه متفاوتان في البناء ، دليل على الناطق والأساس ، وكذلك الناطق في ترتيب حدوده ، أفضل من الأساس ، والأساس أعظم شأنًا في ترتيب الباطن ورموزه من الناطق في المعقولات والبيان ، فلما ظهر التوحيد زالت قدرتها جميعا ، وسميت ( راشدة ) لأن بمعرفة الحجة وهدايته ، والأخذ منه يرشد المستجيبون ويبلغون نهاية توحيد مولانا جل ذكره .
ثم إن علينا سلامه ورحمته ، يدور حول هذا المسجد الوسطاني في ظاهر الأمر دليل على التأييد لعبده ، وقدام المسجد عقبة صعبة الصعود لمن يسلكها ، وليس إلى القرافة ([210])محجة إلا على هذه العقبة دليل على البراء من الأبالسة ، أصحاب الزخرف والناموس وليس للعالم نجاة إلا بالبراءة منهم ، كما أن المحجة على هذه العقبة ، وهي صعبة مستصعبة لكن فيها افتكاك الرقبة ، وهو التخلص من الشريعتين الظاهر والباطن .
أما ما يرونه من وقوفه في الصوفية ، واستماعه لأغانيهم ، والنظر إلى رقصهم ، فهو دليل على ما استعمل من الشريعة التي هي الزخرف واللهو واللعب ، وقدرنا هلاكهم .
وأما بئر الزئبق ، فهو دليل على الناطق ، من فوقه واسع ، ومن أسفله ضيق ، كذلك الشريعة دخولها سهل واسع ، والخروج منها صعب ضيق ، لكن من يقفز في هذا البئر ويعرف سره ويقف على معناه ، ويريد المولى نجاحه خرج من بابه ، وهو دليل على أساسه ، والوقوع في الشريعة لابد منه حتما لزما لكل أحد ، ويخلص المولى من يشاء برحمته منها ، كما قال الناطق في القرآن ( وإن منكم إلا واردها ) ([211])يعني السابق ، ( حتمًا مقضيا ) ، ( ثم ينجي الذين اتقوا ) من الناطق ( ويذر الظالمين ) يعني أهل الظاهر ، ( فيها جثيا ) ([212])يعني حيران حزينًا دائمًا .
ومن خرج من هذا البئر سالمًا أخذ من الحكام ما يستنفع به ، كذلك من كان تحت الشريعة وعلم التأويل ورموزه وتخلص من شبكتيهما جميعًا وعلم ما يراد منه ، وصل إلى التوحيد ، واستنفع بدينه ودنياه ، ومن قفز فيهما : ... لا قوة ، وهما السابق والتالي انكسرت رجلاه واندق عنقه ، دليل على أن من انقطع من السابق والتالي الذين هما الأصلان المحمودان وخالفهما ( خسر الدنيا والآخرة ، ذلك الخسران المبين ) ([213]).
وأما بئر الحفرة ، فهو دليل على الأساس ، وهو أشد عذابًا من بئر الزئبق ، وأتعب خرجا ، لأن من اعتقد الظاهر ، وهي الشريعة ، إذ بلغ الباطن اعتقد أنه ليس فوق الأساس شيء ، وأنه الغاية والمعبود ، فيبقى في العذاب الأبدي ، إلى أن يريد المولى منجاته ، فيحتاج الداعي أن يتعب معه من قبل أن يكسره ويجبره ويخرجه مما هو عليه من الكفر والشرك .
وأما لعب الركابية بالعصي والمقارع ([214])، قدام مولانا جل ذكره فهو دليل على مكاسرة أهل الشرك والعامة وتشويههم بين العالم ، وإظهار أديانهم المغاشم ويكشف زيفهم باستجرائهم على المخاطبة بحضرته .
أما الصراع ، فهو دليل على مفاتحة الدعاة بعضهم لبعض ، وقد كان للعالم في قتل سويد والحمام عبرة لمن اعتبر ، ونجاة من الشرك لمن تدبر ، لأنهما كانا رئيسين في الصراع ، ولكل واحد منهما عشيرة وأتباع وهما دليلان على الناطق والأساس ، وقتلهما دليل على تعطيل الشريعتين التنزيل والتأويل ، والهوان بالطائفتين أهل الكفر والتلحيد .
وأما ما ذكره الركابية من ذكر الفروج والأحاليل ، فهما دليلان على الناطق والأساس ، وقوله : ( أرني قمرك ) يعني اكشف عن أساسك وهو موضع يخرج منه القذر ، دليل على الشرك فإذا كشف عن أساسه وأخرج قبله ، أي عبادة أساسه ، نجا من العذاب والزيغ في اعتقاده ، ومن شك هلك . كما أن الإِنسان إذا لم يبل ولا يتغوط أخذه القولنج فيهلك .
والنار ها هنا علم الحقيقة وتأييده جل ذكره فيحرق ما أتت به الشريعتان ، كما أنهم يحرقون فروج بعضهم بعضًا في النار ، دليل على احتراق دولتهما وانقضاء مدتهما ، وإظهار توحيد مولانا جل ذكره بغير شاك فيه ، لا يشرك به لا ناطق جسماني ، ولا أساس جرماني ، ولا سابق روحاني ، ولا تال نفساني ، ولا يبقى لمنافق جولة ، ولا لمشرك دولة ، ويكون أولو الأمر منكم وأهل الحساب منكم والمتصوفون في جميع الدواوين منكم ، والعمال منكم ، ويكون الموحدون لمولانا جل ذكره في نعيم دائم وإحسان غانم ، وملك قائم ... فعليكم معاشر الإخوان الموحدين لمولانا جل ذكره ، العابدين له وحده دون غيره بالحفظ لإِخوانكم ، والتسليم لمولانا جل ذكره ، والرضا بقضائه في السراء والضراء ، تنجوا من عذاب الدين وشقوة الدنيا ، بمنة مولانا وقوته ) ([215]).
وهكذا نرى أن حمزة لم يأت بجديد في موضوع ألوهية الحاكم ، وإن فاق الكثير دهاء ومكرا وعداوة للإِسلام ، وتلاعبًا بالألفاظ وتآويل حلزونية .
وحمزة بعد هذا كله لم يأت بدليل على ألوهية الحاكم ، إذ لينه وتواضعه وكرمه دليل على اللاهوت ، وشجاعته وشدته دليل أيضًا ، بل سدل شعره وارتداؤه الصوف واللعب بالاحليل والفرج دليل كذلك .
وهكذا فإن الإِنسان العاقل وهو يقرأ هذه السخافات لا يستطيع إلا أن يرثي لحال هؤلاء الذين – لا يزال حمزة – يلعب بعقولهم فيؤمنون بأقواله وسخافاته ... ويقف حائرًا أو حزينًا أمام هذه الأقوال ( المقدسة عندهم ) وإلى تبتر الخيط الرفيع بين الدرزي والإِسلام ؟ ! .
*****

الفصل الثاني
تطوير المذهب الدرزي بعد الحكم
أشرنا فيما تقدم إلى شغف الحاكم بالطواف بالليل ، ولاسيما في جنبات جبل المقطم ، وكان يتوغل في الجبل ، ( وفي ليلة الاثنين 27 شوال سنة 411 هـ ( 1021 م ) خرج الحاكم كعادته للطواف – في الجبل ، وليس معه أحد إلا ركابي وصبي ) ([216]).
ولكن الحاكم لم يعد ، وأرجح الروايات أن أخته ست الملك قد دبرت اغتياله ، وكما يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي ( فقد دفعها إلى تدبير اغتياله أمران :
1 – أنها لما رأت أعمال الحاكم الشنيعة ، خافت أن يخرب بيت الخلافة الفاطمية على يديه ، فقد كرهته قبيلة كتامة صاحبة الفضل الأكبر في قيام الدولة الفاطمية في المغرب ، والتي كانت لها مكانة عالية في مصر بعد فتحها ، بسبب إعدامه لكثير من وجهائها ، وحده من نفوذها ، كما كرهه أهل مصر لتصرفاته الشاذة ، وكرهه الجند أيضًا بسبب تصرفاته مع قوادهم ، ومعهم أنفسهم .
2 – أنها خافت على نفسها من بطشه ، إذ اتهمها بسوء سلوكها مع الرجال ، وما أيسر أن ينفذ وعيده لها ، لهذا آثرت أن تقضي عليه قبل أن يقضي عليها ) ([217]) .
وتؤكد الروايات التاريخية هذين الأمرين ، ومما أورده المؤرخون ما نقله ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة عن ابن الصابيء : ( أن الحاكم لما بدت عنه هذه الأمور الشنيعة استوحش الناس منه ، وكان له أخت يقال لها ست الملك ، من أعقل النساء وأحزمهن ، فكانت تنهاه وتقول : يا أخي ، احذر أن يكون خراب هذا البيت على يديك . فكان يسمعها غليظ الكلام ويتهددها بالقتل ، وبعث إليها يقول : رفع إلي أصحاب الأخبار أنك تدخلين الرجال إليك وتمكنينهم من نفسك ، وعمل على إنفاذ القوابل لاستبرائها ، فعلمت أنها هالكة ) ([218]).
ويضيف ابن الجوزي في المنتظم : ( وراسلت ست الملك قائدًا يقال له : ابن دواس ( من شيوخ كتامة ) ، كان شديد الخوف من الحاكم أن يقتله ، فقالت : إني أريد أن ألقاك ، إما أن تتنكر وتأتيني ، وإما أن أجيء أنا إليك فجاءت إليه ، فقبل الأرض بين يديها وخلوا ، فقالت له : لقد جئتك في أمر أحرس نفس ونفسك ، فقال : أنا خادمك ، فقالت : أنت تعلم ما يعتقده أخي فيك ، وأنه متى تمكن منك لم يبق عليك ، وأنا كذلك ، ونحن معه على خطر عظيم ، وقد انضاف إلى ذلك ما قد تظاهر به ، وهتكه الناموس الذي قد أقامه آباؤنا ، وزيادة جنونه ، وحمله نفسه على ما لا يصبر المسلمون على مثله ، فأنا خائفة أن يثور الناس علينا فيقتلوه ويقتلونا وتنقضي هذه الدولة أقبح القضاء . قال : صدقت فما الرأي ؟ قالت : تحلف لي وأحلف لك على كتمان ما جرى بيننا من السر وتعاضدني على ما فيه الراحة من هذا الرجل ، فقال لها : السمع والطاعة ، فتحالفا على قتله وأنهما يقيمان ولده مقامه ، وتكون أنت صاحب جيشه ومديره ، وقالت : اختر لي عبدين من عبيدك تثق بهما على سرك وتعتمد عليهما في مهمك ) ([219]).
ويقول ابن كثير : ( فجهز من عنده عبدين أسودين شهمين ، وقال لهما : إذا كانت الليلة الفلانية فكونا في جبل المقطم ، ففي تلك الليلة يكون الحاكم هناك في الليل لينظر في النجوم ، وليس معه أحد إلا ركابي وصبي ، فاقتلاه واقتلاهما معه ، واتفق الحال على ذلك ... وفي تلك الليلة ركب وصحبه صبي وركابي ، وصعد الجبل المقطم فاستقبله ذانك العبدان فأنزلاه عن مركوبه وقطعا يديه ورجليه ، وبقرا بطنه ، فأتيا به مولاهما ابن دواس ، فحمله إلى أخته فدفنته في مجلس دارها ، واستدعت الأمراء والأكابر والوزير وقد أطلعته على الجلية ، فبايعوا لولد الحاكم أبي الحسن علي ، ولقب بالظاهر لإعزاز دين الله ) ([220]).
ولكن ابن الأثير يقول : ( أنه توجه إلى شرقي حلوان ([221])ومعه ركابيان فأعادت أحدهما مع جماعة من العرب إلى بيت المال ، وأمر لهم بجائزة ، ثم عاد الركابي الآخر ، وذكر أنه خلفه عند العين والمقصبة . وبقي الناس على رسمهم يخرجون كل يوم يلتمسون رجوعه إلى سلخ شوال ، فلما كان ثالث ذي القعدة خرج مظفر الصقلبي ، صاحب المظلة وغيره من خواص الحاكم ، ومعهم القاضي ، فبلغوا عفان ([222])، ودخلوا إلى الجبل ، فبصروا بالحمار الذي كان عليه راكبًا ، وقد ضربت يداه بسيف وعليه سرجه ولجامه ، فاتبعوا الأثر ، فانتهوا به إلى البركة التي شرقي حلوان ، فرأوا ثيابه ، وهي سبع قطع صوف وهي مزررة بحالها لم تحل ، وفيها أثر السكاكين فعادوا ولم يشكوا في قتله ) ([223]).
وينفي المقريزي هذه الروايات ويقول : ( وقيل أن أخته قتلته ، وليس بصحيح ) ([224]).
ويروي أيضًا عن المسبحي : ( وفي محرم سنة خمس عشرة وأربعمائة قبض على رجل من بني حسين ثار بالصعيد الأعلى فأقر بأنه قتل الحاكم بأمر الله في جملة أربعة أنفس تفرقوا في البلاد وأظهر قطعة من جلدة رأس الحاكم ، وقطعة من الفوطة التي كانت عليه ، فقيل له : لم قتلته ؟ فقال : غيرة لله وللإِسلام ، فقيل له : كيف قتلته ؟ فأخرج سكينًا ضرب بها فؤاده فقتل نفسه ) ([225]).
ولما طويت صفحة الحاكم ، واستقر في الأذهان مصرعه ، وصفا جو الريبة التي ثارت حول اختفائه ، أخذ الظاهر بوحي عمته ست الملك ، في نقض سياسة أبيه تباعا ، فألغى أحكام التحريم التي أصدرها الحاكم ، وطورد الملاحدة أصحاب حمزة والمنادون بألوهية الحاكم في عهده بمنتهى الشدة ، وقبض على زعمائهم وشيعتهم ، وقتل كثيرون منهم ، وصدرت الأوامر بتتبعهم في سائر الأنحاء وهرب زعيمهم حمزة بن علي .
أما الدروز فيقولون بغيبة الحاكم ، وهذا يتمشى مع اعتقادهم أن الألوهية قد حلت في ناسوته : وكان لاختفاء الحاكم على هذا النحو فرصة لإِذكاء دعوتهم وتغذيتها ، واتخذوا من هذا الاختفاء وظروفه الغامضة مستقى جديدا لدعوتهم . فزعموا أن الحاكم لم يقتل ولم يمت ، ولكنه اختفى أو ارتفع إلى السماء ، وسيعود عندما تحل الساعة فيملأ الأرض عدلاً ، وأصبح هذا الادعاء أصلاً مقررًا من أصول عقيدتهم .
ويوجد بين رسائل الدروز رسالة عنوانها ( السجل الذي وجد معلقًا على المشاهد في غيبة مولانا الإِمام الحاكم ) ، وتاريخها في شهر ذي القعدة سنة 411 هـ ، أي بعد اختفاء الحاكم بأيام قلائل .
( وتبدأ الرسالة بـ ( التوبة ) إلى الله تعالى ، وإلى وليه وحجته على العالمين ، وخليفته في أرضه ، وأمينه على خلقه أمير المؤمنين ) ... إلى أن تقول : وأنه قد سبق إليكم ، أعني إلى الناس من الوعد والوعظ والوعيد من ولي أمركم ، وإمام عصركم ، وخلف أنبيائكم ، وحجة باريكم ... إلخ ) ([226]).
ويقول الدكتور عبد الرحمن بدوي عن هذا السجل : ( ونحن نعتقد أن هذا السجل ليس من وضع حمزة بن علي ، لأنه يخالف كل العقائد التي دعا إليها حمزة ، - وذلك لأمرين - :
1 – فهو ينعت الحاكم بأنه ( ولي أمركم ، وإمام عصركم ، وخلف أنبيائكم ) ، وأنه ولي الله و ( خليفته في أرضه ) و ( أمير المؤمنين ) ، وهذه الصفات تتنافي مع ما ذهب إليه حمزة في رسائله ، وخصوصًا في ( ميثاق ولي الزمان ) حيث نعت الحاكم بأنه ( مولانا الأحد ، الفرد الصمد ) .
2 – إن هذا السجل يمجد في الحاكم بأمر الله أنه أحيا ( سنة الإِسلام والإِيمان ) التي هي الدين عند الله ، وبه شرفتم وظهرتم في عصره على جميع المذاهب والأديان ... فدخلوا في دين الله أفواجًا ، وبنى الجوامع وشيدها ، وعمر المساجد وزخرفها ، وأقام الصلاة في أوقاتها ، والزكاة في حقها وواجباتها ، وأقام الحج والجهاد ، وعمر بيت الله الحرام ، وأقام دعائم الإِسلام ) :
فكيف يتفق تمجيد الحاكم بسبب أحيائه سنن الإِسلام ، والسهر على أركانه ، مع ما يذهب إليه حمزة بن علي في ( ميثاق ولي الزمان ) من أن يدخل في ديانة التوحيد التي دعا إليها ، فعليه أن يتبرأ من جميع المذاهب والمقالات والأديان والاعتقادات كلها ) ([227]).
وأرى أن هذا السجل ، لا يمكن أن يكون من وضع حمزة أو أحد دعاته ، لأنه  في الواقع ينفي كل ما ذهب إليه الدروز في اعتقاداتهم بأن الحاكم هو الإِله ، وليس الإِمام أو الخليفة ، وكما سنرى في الفصول القادمة ، فإن هذه الألقاب لا يجوز أن يوصف بها الحاكم .
ويرى الدكتور عبد الرحمن بدوي أيضًا : ( أن صاحب المصلحة في ذلك ، كان أصحاب السلطة والوزراء ، أو من شابههم ، وذلك حتى يكون إعلانًا عامًا للناس ، وطمأنة لهم ، وتخويفًا في نفس الوقت ، خصوصًا وأن الناس يكرهون الحاكم ، وأنه قد يحدث بعد وفاته اضطراباً في الأمن واختلالاً في أحوال الدولة ) ([228]).
وإلى جانب هذا السجل ، هناك رسالة أخرى كتبها أحد أكابر الدعاة وأحد الحدود الخمسة عند الدرز ، وهو المقتني بهاء الدين ([229])وعنوانها ( رسالة الغيبة ) .
يقول فيها : (( معشر الموحدين ، إذا كنتم تتحققون أن مولاكم لا تخلو الدار منه ، وقد عدمته أبصاركم ... وإذا فسدت المعدة ضرت البصر ، فهكذا إذا كانت المادة واصلة إلى النفوس الصحيحة ، فينظروا صورة الناسوت نظرًا صحيحًا ، وإذا كانت المادة من فعل الأبالسة ومادة النطقاء والأسس وشرائعهم ، فيفسد النظر ، وما ينظر إلا بشر ... ثم يقول : ألم تعلموا أن مولاكم يراكم من حيث لا ترونه .
معشر الإخوان ، أحسنوا ظنكم بمولاكم يكشف لكم عن أبصاركم ما قد غطاها من سوء ظنكم ) ([230]).
( وهذا وقد مضى إلى اليوم عشرة قرون ، ولا يزال الدروز يؤمنون برجعته ويرقبونها ، ولم يحدد لنا الدعاة متى تكون هذه الرجعة ؟ ولكن يقولون :
إنه متى حلت الساعة ، يقوم جند الموحدين من ناحية الصين ، ويقصدون إلى مكة في كتائب جرارة ، وفي غداة وصولهم يبدو لهم الحاكم على الركن اليماني من الكعبة ، وهو يشهر بيده سيفا مذهبا ، ثم يدفعه إلى حمزة بن علي فيقتل به الكلب والخنزير وهما عندهم رمز الناطق والأساس .
ثم يدفع حمزة السيف إلى محمد ( الكلمة ) وهو أحد الحدود الخمسة عندهم ، وعندئذ يهدم الموحدون الكعبة ، ويسحقون المسلمين والنصارى في جميع أنحاء الأرض ، ويملكون العالم إلى الأبد ، ويبسطون سلطانهم على سائرالأمم ، ويفترق الناس عندئذ إلى أربع فرق ، الأولى : الموحدون ، والثانية : أهل الظاهر وهم المسلمون واليهود ، والثالثة : أهل الباطن وهم النصارى والشيعة ، والرابعة : المرتدون وهم الجهال ([231])، ويعمد حمزة إلى أتباع كل طائفة غير الموحدين ، فيدمغهم في الجبين أو اليد ، بما يميزهم من غيرهم ، ويفرض عليهم الجزية وغيرها من فروض الذلة والطاعة ) ([232]) . وكما يزعم جنبلاط فإن هذا الدور سيكون في حدود سنة ( 2000 م ) ، حيث سيكون بتحلٍ إلهي حر بفتح الطريق للناس من جديد للإِيمان بالحاكم ([233]).
وفي رسالة ( الإعذار والإِنذار ) يصرح حمزة فيها بأنه الإِمام وأنه سيغيب أيضا ، على أن يرجع مرة أخرى بعد قليل ، ويصرح بهاء الدين المقتني أنه عندما غاب المعبود ( أي الحاكم ) ، امتنع قائم الزمان ( أي حمزة ) عن الوجود ، فمن ذلك كله نقول : إن حمزة خاف على نفسه بعد اختفاء الحاكم ، واختفى هو الآخر .
وقد قام بأمر الدعوة في غيبة حمزة ، الداعي بهاء الدين أبو الحسن على بن أحمد السموفي ، المعروف بالضيف ، لأن مرتبته في الدعوة هي مرتبة الجناح الأيسر أو التالي ، وهذه المرتبة يكون صاحبها لسان الدعوة ، واستمر بهاء الدين الضيف يحمل عبء هذه الدعوة ، ويكتب رسائله إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الدخول في مذهبه ، كما كتب إلى الذين خرجوا عن المذهب بعد أن كانوا من دعاته أمثال سكين ([234]).
وقد كثرت الآراء الجديدة من معتنقي المذهب الجديد ، مما جعل بهاء الدين يهدد أتباعه باعتزال الدعوة ، وبالفعل اعتزلها سنة 434 هـ ، بعد أن أقفل باب الاجتهاد ، حرصًا على المباديء التي وضعها حمزة والتميمي وبهاء الدين نفسه ، ولذلك لم يظهر مشرعون بعد بهاء الدين ، بل أصبح شيوخ الدروز يشرحون رسائل حمزة والتميمي وبهاء الدين ) ([235]).
تلك هي نظرية دعاة الدروز ومزاعمهم في غيبة الحاكم وفي رجعته ، ولم يجد أصحاب هذه الدعوة ملجأ لها ، إلا وادي التيم في الشام بعد انهيار دعوتهم في مصر ، وحاولوا بشروحهم ومزاعمهم الجديدة أن يستبقوا ولاء شيعتهم وأنصارهم هنالك ، من قبيلة تنوخ وغيرهم الذين استمالهم الدرزي عندما هرب من بطش الجند والناس في مصر ، ومازالت بقيتهم إلى يومنا هذا ، ( وهم طائفة الدروز حيث يعيشون الآن لبنان وسوريا وفلسطين ) ([236])، في مجتمع مغلق على نفسه بسرية تامة ، فلا يسمحون لأي إنسان أن يعتنق مذهبهم أو أن يتعرف أحد على مبادئه ، فلا جدوى عندهم أن تعرض على أي كادر أن يصبح درزيًا ، فكل إنسان يظل على ما هو عليه ، لأن الروح الدرزية تنتقل بعد الموت وتتقمص في جسد درزي آخر ([237]).
هذا وقد ظهر بين الدروز في القرن التاسع الهجري ( الخامس عشر الميلادي ) ، أي بعد قيام الدعوة الدرزية بأكثر من أربعة قرون ونصف ، عالم درزي اسمه الأمير جمال الدين عبد الله التنوخي ([238])، والذي تذكر عنه الروايات أنه كان صالحًا فقيهًا حاول أن يعيد الدروز إلى الإسلام من جديد ، وذلك بدعوتهم لقراءة القرآن وبناء المسجد والقيام بأركان الإسلام ، ولكن يبدو أن ثمرة جهوده قد اندثرت بعد وفاته وعاد الدروز إلى ما كانوا عليه .
وقد عثرت على مخطوط عنوانها ( رسالة في معرفة سر ديانة الدروز ) ومؤلفها مجهول ، ويبدو أنها كتبت قبل فترة ليست بالطويلة ، وذلك من خلال أسلوبها ولهجتها اللبنانية ، وسنورد بعض المقتطفات فيها هنا ، وهي تبين لنا بشكل واضح أهم معتقدات الدروز وتطورها بعد مقتل الحاكم ، والرسالة كتبت على طريقة السؤال والجواب كما يلي :
س : أدرزي أنت ؟
ج : نعم بنعمة مولانا الحاكم سبحانه .
س : ما هو الدرزي ؟
ج : هو الذي كتب الميثاق بعد مولانا الخالق .
س : ماذا فرض عليكم ؟
ج : صدق اللسان ، وعبادة الحاكم ، وباقي الشروط السبعة .
س : بماذ تعرف أنك درزي موحد ؟
ج : بأكل الحلال ، وترك الحرام .
س : ما هو الحلال والحرام ؟
ج : الحلال هو مال العقال ، والفلاحين ، وأما الحرام فمال الحكام والمرتدين .
س : كيف ومتى كان ظهور مولانا الحاكم ؟
ج : كان في السنة الأربعمائة من الهجرة الإسلامية ([239]).
س : وكيف ظهر وقال . أنه من نسل محمد حتى أنه أخفى لاهوته ولِمَ أخفاه ؟
ج : لأن عبادته كانت قليلة والذين يحبونه ليسوا كثيرين .
س : ومتى ظهروأشهر لاهوته ؟
ج : بعد ثماني سنين بعد الأربعماية .
س : وكم سنة أقام لاهوته بالأشهاد ؟
ج : السنة الثامنة بكمالها ، وغاب التاسعة لأنها سنة استتار وظهر أول العاشرة والحادية عشرة ، ثم اختفى في الثانية عشرة ولم يظهر بعدها حتى يوم الدين .
س : وما هو هذا يوم الدين ؟
ج : هو اليوم الذي يظهر فيه الناسوت ، ويحكم فيه العالم بالسيف والعنف ..
س : ومتى يكون ذلك ؟
ج : إن ذلك أمر غير معلوم ، ولكن العلائم تظهر .
س : وما هي هذه العلائم ؟
ج : إذا رأيت الملوك انقلبت ، والنصارى قويت على المسلمين .
س : وفي أي شهر يكون هذا ؟
ج : هذا يكون في جمادى أو رجب على حساب المعاجزين .
س : وكيف يكون حكمه على الطوائف والملل ؟
ج : يظهر عليهم بالسيف والعنف ويهلك الجميع .
س : وبعد هلاكهم ماذا يكون ؟
ج : يرجعون بالولادة ثانية على حكم التناسخ ثم يحكم بينهم كما يريد .
س : كيف يكونون وهو يحكم بينهم ؟
ج : يكونون أربع فرق : نصارى ، ويهود ، ومرتدين ، وموحدين .
س : لماذ إنكار كتب سوى القرآن ؟
ج : اعلم أنه من حيث لزمنا الاستتار بدين الإسلام ([240])، وجب علينا الإقرار بكتاب محمد ، ولا خلل علينا بذلك ، وصلاة الجنازة على الموتى بموجب الاستتار لا غير ، لأن المذهب الطاهر اقتضى ذلك ([241]).
س : من أين عرفنا شرف قيام الحق من حمزة بن علي سلامه علينا ؟
ج : من شهادته لنفسه حيث قال في رسالة ( التحذير والتنبيه ) : ( أنا أصل مبدعات المولى ، وأنا سراطه والعارف بأمره ، وأنا الطور والكتاب المسطور والبيت المعمور ، أنا صاحب البعث والنشور ، أنا النافخ في الصدور ، وأنا الإِمام المتين ، وأنا صاحب النعم ، وأنا ناسخ الشرائع ومبطلها ، وأنا مهلك العالمين ، وأنا مبطل الشهادتين ، وأنا النار الموقدة التي تطلع على الأفئدة ) .
س : وما هو دين التوحيد الذي عليه الدروز ، والعقال مستدلون ؟
ج : هو الكفر بكل الملل والطوائف ، لأن بالذي كفروا نؤمن نحن ، كما قيل في رسالة ( الإعذار والإِنذار ) .
س : فإذا عرف أحد دين مولانا ، وصدق به ([242])، وانقاد إلى دين التوحيد وعمل بحسبه ، فهل له خلاص ؟
ج : كلا ، لأنه غلق الباب ، وتم الكلام ، وإذا مات يرجع إلى ملته ودينه القديم .
س : متى خلقت نفوس العالم كلها ؟
ج : بعدما خلق العقل ، الذي هو حمزة بن علي ، ثم خلقت الأرواح ، كلها من نوره ، وهي معدودة لا تزيد ولا تنقص مدى الزمان .
س : أيليق أن يسلم التوحيد للنساء ؟
ج : نعم لأن مولانا كتب عليهن العهد ، وأطعن إلى دعوة الحاكم كما هو مذكور في رسالة ( ميثاق النساء ) ، وكذلك في رسالة ( البنات ) .
س : وكيف تقول في بقية الملل الذين يقولون أننا نعبد الرب الذي خلق السماء والأرض ؟
ج : إنهم ، وإن قالوا كذا فلا يصح ، لأن العبادة لا تصح بلا معرفة فإن قالوا عبدنا ولم يعرفوا أن الرب هو الحاكم بذاته فتكون عبادتهم باطلة .
س : مَنْ مِنَ الحدود يصف حكمة المولى سبحانه الذي عليه مبنى ديننا ؟
ج : إن وصف ذلك ، ثلاثة من الحدود ، وهم حمزة وإسماعيل وبهاء الدين .
س : كيف نعرف أخانا الموحد إذا رأيناه في الطريق ومر بنا يقول إنه فينا ؟
ج : بعد اجتماعنا فيه والسلام ، تقول له في بلدكم فلاحون يزرعون الأهليلج ، فإن قال : نعم مزروع في قلوب المؤمنين ، فنسأله عن معرفة الحدود ، فإن أجاب ، وإلا فهو الغريب .
س : ما هي الحدود ؟
ج : هم أنبياء الحاكم الخمسة ، حمزة وإسماعيل ومحمد الكلمة وأبو الخير وبهاء الدين .
س : هل للجهال من الدروز خلاص أو مرتبة عند الحاكم إذا ماتوا على ما هم عليه من غير عقل ؟
ج : لا خلاص لهم بل يكونون عند مولانا الحاكم في اللباس والمعيار أبدًا .
س : ما هي نقطة البيكار ؟
ج : هو حمزة بن علي .
س : ما هو القديم والأزل ؟
ج : إن القديم هو حمزة ، والأزل أخوه إسماعيل .
س : ما هي حروف الصدق وكم عددها ؟
ج : مائة وأربعة وستون حرفا ، وهي الدعوة والتقي والمكاسرون وهم الأنبياء التي كانت لمولانا الحاكم .
س : ما هي حروف الكذب ؟
ج : ستة وعشرون ، وهي دليل إبليس وأولاده ورفاقه ، وهم محمد وعلي وأولاده الاثنا عشر ، وهذا على إمام المتاولة ([243]).
س : ما هو معنى ركوب مولانا الحمير بلا سروج ؟
ج : الحمار مقال الناطق ، وركوبه دليل على هدم شريعته وإبطالها ، وقد قال القرآن تصديقًا لهذا ( إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) يعني الأنبياء الذين جاؤوا بالشريعة الظاهرة .
س : ما معنى لبس مولانا الصوف الأسود ؟
ج : إن ذلك ليس بدليل على الحزن ، إنما علي المحبة التي صارت على عبادة الموحدين بعده ([244]) .
س : وما هو سبب ظهوره في كل شريعة ؟
ج : أن يؤيد الموحدين ويثبتوا في عبادة الحاكم ولا يصدقوا إلا منه .
س : وكيف ترجع النفوس إلى أجسادها ؟
ج : كلما مات إنسان ولد آخر والدنيا هكذا .
س : كيف يستدل على أن دين الحاكم حق وغيره باطل ؟
ج : إن هذا كلام كفر وعدم تصديق بالحاكم ، لأن الموحدين قد أشرطوا على أنفسهم في كتب الميثاق أنهم سلموا كل أرواحهم وأجسادهم وشعرهم ، وسرهم وصهرهم بيد الحاكم من غير محض ولا جدال ، فإذا هم في طاعته ، وإن قالوا : غير هذا فقولهم كفر ، كما قال في رسالة ( الرضى والتسليم ) ولحمزة عبد مولانا الحاكم وملاكه ، وهذا الأمر ثابت .
س : ما المراد بالجن والملائكة والأبالسة في كتاب حمزة ؟
ج : إن المراد بالجن والأبالسة الناس الذين لم يطيعوا دعوة مولانا الحاكم ، وأما الشياطين فأرواح خبيثة لا أجسام . أما المراد بالملائكة المقربين والمستجيبين لدعوة الحاكم بأمره ، فهو الرب المعبود في كل الأدوار .
س : ومن هم الحرم الأربعة ؟
ج : هم إسماعيل ومحمد وسلامة وعلي ، وهم الحكمة ، النفس ، بهاء الدين ، ابن أبي الخير .
س : ولماذا تسموا حرما ؟
ج : لأن حمزة هو بمقام الرجال ، وهم نسوان ، لأنهم عنده بمنزلة النساء في طاعتهم له .
س : وما ذكر الأحاليل والفرج ؟
ج : أشار إلى حالة ولا محلة ، لأن الأحليل يقوي ويعمل الحركة ، على فرج المرأة ، وكذلك مولانا جعل سلطان لاهوته يغلب المشركة كما رأينا في رسالة يقال لها ( حقائق الهزل ) .
س : ولماذا أوصانا حمزة بن علي بأن نخفي الحكمة ولا نكشفها ؟
ج : لأن فيها أسرار مولانا وعهوده ، فلا يجب أن نكشفها إلى أحد لأنها خلاص النفوس وهي حياة الأرواح .
س : ألعلنا نحن نخلص ، ولا نريد كل الناس أن تخلص ؟
ج : هذا ليس من طريقته ، لأن الدعوة ارتفعت وغلق الباب وكفى من آمن ، وكفر من كفر .
س : وما معنى إبطال الصدقة على بعض الناس ؟
ج : إن الصدقة لا تجوز عندنا ، إلا على أخينا الموحد العاقل ، وأما على غيره فهي حرام أبدا ([245]) .
والدروز في الوقت الحاضر ، يحاولون أن يطوروا دينهم ، بما يتناسب وروح العصر ، وذلك بطباعة ما يسمى بـ ( مصحف الدروز ) ([246])أو المنفرد بذاته ، والذي ينسب تأليفه إلى كمال جنبلاط أحد زعمائهم ([247])بالتعاون مع عاطف العجمي .
ويحاول كاتب هذا المصحف أن ينسبه إلى حمزة بن علي  ولكن من المؤكد أن هذا المصحف قد كتب حديثًا ، والدليل على ذلك ألفاظه وأسلوبه العصري ، والتي تدل على أنه كتب في العصر الحاضر ، لذلك لا نستبعد أن يكون كاتبه كمال جنبلاط .
وكاتب هذا المصحف ، يحاول فيه أن يحاكي القرآن الكريم ، بل يحاول أن يقتبس الكثير من الآيات القرآنية ، والتي توافق هواه ، فيبدل ويحور فيها ، ويضيف ما يشاء من عنده ، ليبرهن إلى ما يرمي إليه .
وقد حاولت أن أجمع الآيات ، التي حورها وبدلها ، فتبين لي أن الآيات كانت فقط آيات مشاهد القيامة ، والجنة والنار ، وكذلك آيات الوعيد للكافرين بالعذاب والجحيم ، وآيات الجنة والنعيم للمؤمنين .
وكل هذه الآيات يحورها إلى ما يرمي إليه ، وهو أن العذاب سيكون لكل من يكفر بألوهية الحاكم ، والنعيم سيكون للموحدين الذين يعبدون الحاكم .
ومن أمثلة ذلك ما جاء في عرف الأمر والتقديم إذ يقول :
( أنتم وما تعبدون مكبكبون على وجوهكم ، يوم ينادي منادى مولاكم الحاكم من مكان بعيد : هذا يومكم الذي فيه توعدون ، تتلوها أيام العذاب إنكم لخالدون ولات محيص ... إلى أن يقول : وإلا فقولوا لي أيها الضالون المعاندون ، فهل جاء لكم رب غيره مع جنوده ، أروني إن كنتم صادقين ) ([248]).
ويقسم هذا المصحف إلى أربع وأربعين عرفا ، ويقع في مائتين وتسع وستين صفحة ، ويقول كاتبه في مقدمته : ( جرى تقسيم هذا المصحف المكرم وفق المواضيع لتسهيل الاطلاع عليه . ووضع لكل فصل تسمية تنطبق مع ما ورد فيه من معان ، ولقد اخترنا اسم العرف تناسبا مع ما يطلق على أبناء التوحيد : كنيتم بالأعراف ووصفتم بالأشراف ) ([249]).
وفي أوائل صفحات هذا المصحف ، يعرف كاتبه بالأسماء والعبارات والإشارات التي وردت في ثناياه ، ومما يذكر أن في بعض أعراف هذا المصحف عبارات غريبة ، كتبت بأحرف عربية ، ولكنها لغة غير معروفة ، لا يعرف معناها ، والظاهر أنها ألغاز ، ولذلك يقول كاتبه : أنه لا يريد أن يظهر معناها ، لأن لها معان سرية لا يجوز لكل واحد الاطلاع عليها .
ومن أمثلة ذلك ما ورد في عرف ( شمس المغيب ) : ( يوديلووهكا طران كنان وهقويكان سهى وهطمكل واطغظلوا أو هكهز كان بطكة وعد ودلولذوسلر ) ([250]).
وقد بدأ هذا المصحف بـ ( عرف الفتح ) نورده هنا ، لنعرف بعض ما يرمون إليه من هذا المصحف :
( به ، والحمد له على هذا النور ، والشكر والفضل لذوي الصلات موالينا الحدود ([251]) صلى الله عليهم ومن قبل ومن بعد ، والموحدون في صياصيهم ([252])يرجعون ما أمر المولى به أن يوصل .
الحمد أبدأ للذي وفقنا لحفظ الحكمة في صدورنا من مصحفه المنفرد بذاته ، نرتله مستضيئين ، وهو الذي انشقت عنه سماء القدرة بمنة آلاء التجليات ، فانفجرت منه اثنا عشرة عينا قد علم الموحدون مشربهم ([253]).
الحمد لك مولانا ([254])، أنت الذي فتحت أبواب قلوبنا على حكمه وأحكامه ، وآدابه وتأويله وإعرابه ، وأنت الذي ألهمتنا تدبر معانيه في حقيقته ومجازه ، وإيجازه وإسهابه ، ودعوتنا إلى الاعتصام بأمتن أسبابه .
ونشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ، شهادة مشاهد موحد عارف موقن ، مؤمن بأيام حسابه ، ونشهد أن موالينا وساداتنا الحدود الخالقين ، صليت عليهم ، هم فصل خطابك وألسنة ذاتك ، وهم موصلو حبال الحق ، وجامعو الموحدين على مائدة المعبود ، فعليهم منك صلات الصلاة مادامت عين اليقين .
مولانا بك آمنا ، ولك أقررنا أن مصحفك هذا ، نور الصراط المستقيم هو مسوق إلينا ، معروض علينا ، دان إلى أفهام قلوب ألبابنا ، عال بأسراره وأبنائه ، لا يمل من تلاوته ، ولا ينزف من حلاوته ، ظاهره أنيق ، وباطنه عميق ، قريبه حكمه ، وبعيده علمه ، وهو المجيز عند الخصام ، والأسوة سببها لجميع الموحدين ما بين العالمين مدى حيوات الأنام ، أسهمه لا تنبو ، وعادياته لا تكبو ، هو الكل والبعض والجمع والفرق ، به تبدل الأعيان ، ولا عدة إلا به ، والجميع إليه .
مولانا ، نستفتح به مصلين حامدين شاكرين ، وقد طوينا البيد مؤمنين ، وسرنا في رياض جنة المنتهى غير محجوبين عن عيونك ، وهذه آيات حكمة مصحفك ترتلها أفئدتنا كرما منك ، لتصون بها وجوه كوننا من إحراق العدم .
ففي تلاوتها يا مولانا ، نرى كشف النور والظلم ، وفي نومنا قرارنا ، وظعننا وأسفارنا ، وسلمنا وحربنا ، وصحتنا ومرضنا ، وفي مهودنا صابين ، وفي شيخوختنا عاجزين ، وفي حيواتنا وموتنا ، وفي الدنا وفوق أشياخ النجوم .
إنك مولانا ، نعم المولى ونعم النصير ) ([255]).
ويبدو أن جنبلاط كان له الأثر العميق في الدرزية فقد اعترف بذلك في كتابه ( هذه وصيتي ) فدراسته للمذهب الدرزي أتاحت له الشروع في عمل تحليلي ، حيث قارن مذهبه على هدى تعاليم الفيدا الهندوكية والفلسفة اليونانية اللتين أتاحتا له اكتشاف مفاتيح الأسرار الدرزية – كما يزعم – وأعطاه خربًا من السلطة الروحية مما جعل مشايخ الدروز يطلبون رضاه ([256]).
وهذا يوضح لنا قدرة جنبلاط وإحاطته بالدين الدرزي ، ويؤكد القول بأن المصحف المنفرد بذاته من تأليفه .
ولإِعطاء صورة أوضح عن حقيقة العقيدة الدرزية في الوقت الحاضر ، نورد حديثًا شخصيًا مع الأستاذ كمال جنبلاط ، الرجل الذي ينسب إليه مصحف الدروز ، وقد أجراه معه الدكتور مصطفى الشكعة ، في كتابه إسلام بلا مذاهب حيث يقول فيه جنبلاط :
يرجع تاريخ الدروز إلى ثلاثمائة وثلاث وأربعين مليونا من السنين حين كانت الأرواح بلا أجساد ([257]).
-    الدروز يؤمنون بالتقمص ، أي تقمص الأرواح ، بمعنى أن الذي يموت لا تصعد روحه إلى السماء بل تتقمص جسد مولود جديد ولذلك فهم لا يزيدون عددا ولا ينقصون لأن النقص عملية دائمة متواصلة بين أرواحهم ، وهم لذلك يقولون إن الحياة البرزخية غير موجودة .
-    الدروز موجودون منذ الأزل ، واعتنقوا كثيرا من الديانات على مر الدهور ، واعتنقوا الإِسلام في مرحلة من مراحل عقيدتهم ، ولما كانت العقيدة عندهم متطورة فقد تحولوا عن الإِسلام إلى دين آخر مستقل هو الدين الدرزي ، أي أن الدرزية كانت مذهبًا إسلاميًا ثم تطورت وأصبحت دينًا مستقلاً ، والأقطاب هم الذين يجددون الدين من زمن إلى زمن ، وهم يجيئون بأسماء مختلفة بين الفينة والفينة بدافع نظرية التقمص التي يؤمن بها الدروز ولذلك فالدرزية دين متطور يتطور من زمن إلى آخر .
-    الشريعة الدرزية مأخوذة من القرآن ، ومن ستة عشر كتابًا خطيًا لا يسمح لأحد بالاطلاع عليها ، كما أنها تأخذ تعاليمها من الفلسفة اليونانية وبخاصة الأفلاطونية القديمة ، والمسيحية والإِسلام والبوذية والفرعونية القديمة ، ويعتبرون إخوان الصفا من الدروز لتشابه الأفكار بينهما ، فقد كان إخوان الصفا يطالبون بمزج الشريعة الإِسلامية بالفلسفة اليونانية ، وبهذه المناسبة يخلط البعض خطأ بين الدرزية والإِسماعيلية ، والواقع أن الفرق بينهما شاسع كبير .
-    محمد ( صلى الله عليه وسلم ) له مكانة محدودة عندهم ، وهو ليس إلا واسطة الرسالة وحسب ([258])، وللدروز خمسة أقطاب منذ القدم ، خامسهم وآخرهم الحاكم بأمر الله الفاطمي ([259])، ولأبي يزيد البسطامي مكانة عالية سامية ([260])، وأما الصحابة فمنهم أربعة لهم مكانة عليا عندهم وهم : سلمان الفارسي ، والمقداد بن الأسود ، وعمار بن ياسر ([261])، وأبو ذر الغفاري ([262]).
-    لا يقبل الدروز أحد في دينهم ولا يسمحون لأحد بالخروج منه ، وحتى هؤلاء الذين يخرجون لا يعترف الدروز بأنهم قد خرجوا ، ولذلك فإن عدد الدروز في ظل هذه النظرية ونظرية التقمص لا يزيد ولا ينقص ، وقد أغلقت أبواب القبول في الدين الدرزي بعد قبول الأمير بنشير الشهابي الذي يعتبره الدروز درزيًا ([263]).
-    الدين الدرزي دين صوفي يعتمد على الداخليات والجواهر ، ولا يهتم بالشكليات ، والطهارة الداخلية أي النفسية الروحية هي الأساس ، وأما الطهارة الخارجية فلا قيمة لها .
وقد كان الشيوخ يصلون في المساجد إلى عهد قريب ، ويصومون رمضان ، ويحجون البيت ، ولكن هذه الفرائض جميعًا قد رفعت عنهم واستبدلت بتكاليف أخرى ) ([264]).
وفي حديث شخصي آخر أجراه الدكتور الشكعة مع شيخ عقل الدروز الشيخ محمد أبي شقرا ، والذي كان أكثر سرية ومورابة في أجوبته ، وأقل صراحة من كمال جنبلاط ، ومما قاله شيخ العقل :
الصلاة تختلف عن صلاة جمهور المسلمين ، فالفروض وإن كانت خمسة إلا أن عدد الركعات في كل صلاة تختلف عن عدد الركعات المعروفة ، وربما طريقة الصلاة نفسها ، هذا والوضوء ليس ضروريًا مادام المصلي نظيفًا .
-    الصوم معناه الامتناع عن الرفث ، ومعنى ذلك أنه لا يجوز الأكل والشرب مع الصوم ، وهو عشرة أيام في ذي الحجة تنتهي بالعيد ، كما أن صوم رمضان مستحسن عن غيره لأن الصوم فيه مضاعف الثواب .
-        الزكاة معطلة ولا حدود لها ، ويمكن أن تكون في شكل صدقات ، وهي اختيارية ، وهي بالتالي ليست فريضة ) ([265]).
ولعل من المفيد ونحن نتحدث عن تطور المذهب الدرزي بعد الحاكم ، أن نعطي بعض الملامح لتاريخ الدروز منذ موت الحاكم وحتى القرن الحالي .
فعندما جاء الزحف المغولي إلى بلاد الشام سنة 657 هـ بزعامة هولاكو ، كانت السيطرة على لبنان بيد أمراء الدروز التنوخيين ، ولما دخل ( كتبغا ) ابن هولاكو دمشق جاءه الأمير التنوخي جمال الدين حجي الثاني معلنًا خضوعه له ، مما جعل ( كتبغا ) يقر الأمير الدرزي على مقاطعة الغرب ، ولكن مجيء بيبرس من مصر على رأس جيش المماليك لمقاتلة المغول ، قلب موازين القوى – في ذلك الوقت - ، وهنا ارتأى الدروز أن ( يلعبوا على الحبلين ) ، وذلك أن يبقى أحدهم وهو الأمير جمال الدين بجانب كتبغا ، فيما ينضم الأخر أي الأمير زين الدين إلى جانب المماليك ، بحيث يكون على قول صالح بن يحيى : ( أي من انتصر من الفريقين كان أحدهما معه فسيدخله رفيقه وخلة البلاد ) ، لأن الانحياز إلى أحد القوتين كان يعني المجازفة بمصيرهم فيما لو خسر الجانب الذي قد ينضمون إليه ([266])؟ ! .
وبعد انتصار المماليك على المغول ، استولوا على بلاد الشام دون أن يتعرضوا لمناطق الدروز بسوء ، ولذلك وجهوا اهتمامهم لاحتلال المناطق الساحلية التي كانت لا تزال بيد الصليبيين ، ولكن بيبرس كانت تساوره الشكوك في حقيقة موقف الدروز ، وغدا مليئًا بالشك والحذر منهم ، وذلك بعدما نما إلى علمه أن أمراء الدروز على اتصال بوالي طرابلس الصليبي ، فأمر بسجنهم ليتسني له أن يلتفت لغدر الصليبين ([267]).
وكل هذا كان قبل قيام الدولة العثمانية ، أما بعد قيامها ، فقد راودتهم الأحلام القديمة بقيام دولة مستقلة لهم ، وخاصة أنهم رأوا الفرصة سانحة لهم لإِنشغال العثمانيين بقتال الدول الأوربية المجاورة ، فكان أن عملوا على تحقيق هذه الأحلام في عهد الأمير فخر الدين الثاني المنحدر من المعنيين ، الذي اتخذ في سبيل ذلك أسلوب المداورة عن طريق حروبه المحلية لبسطة نفوذه على سائر بلاد الشام ، ولكن سياسته هذه جعلت العثمانيين يوجسون منه خوفًا ، بيد أن تحركه على الصعيد الخارجي عززت تلك المخاوف وأثارت شكوك الباب العالي في ولائه للعثمانيين ، وخاصة أن أهدافه الحقيقية بدأت بالوضوح عندما عقد مع دوق توسكانا معاهدة تجارية تضمنت بنودًا عسكرية ضد الدولة العثمانية ؟ ! فقرر السلطان العثماني التلخص من فخر الدين ، فجرد عليه حملة قوية برًا وبحرًا سنة 1022 هـ / 1613 م ، فهرب إلى أوربا عن طريق ميناء صيدا بمساعدة سفينتين إحداهما فرنسية وأخرى هولندية ، وهناك أراد أن يؤلب الدول الأوربية ضد الدولة العثمانية ، فسعى جاهدًا للحصول على مساعدات عسكرية من أسبانيا وفرنسا والفاتيكان ضد العثمانيين ، ولكن مسعاه فشل لأن الظروف الدولية في ذلك الوقت كانت غير صالحة ([268]).
وبحكم علاقة فخر الدين أمير الدروز الوطيدة بدول أوربا فقد كان يعطف على الإِرساليات الأوربية ويسمح بإنشاء مراكز لها في لبنان وفلسطين ، وفضلاً عن ذلك فقد بسط يد الحماية لجميع النصارى في بلاد الشام ، حتى صار الأوربيون يدعونه ( حامي النصارى في الشرق ) ، وكان عطف الأمير على الموازنة وتحالفه معهم من أبزر مميزات سياسته الداخلية ، وكان أيضًا عاملاً في هجرة الموارنة من مناطقهم إلى مناطق المسلمين ، وانتشارهم في أكثر من ثلثي لبنان الحالي ، مما قوى مركزهم السياسي في لبنان بعد ذلك ([269])؟! .
وكما يذكر كمال جنبلاط فإن إمارة درزية أخرى كانت قائمة في الدولة العثمانية خاضعة لحكم أحد أجداده ، ووجدت في شمال سوريا وكانت تشمل حمص وحماة وحلب ودمشق وجزءًا من تركيا الأنضولية ، وشأن الدولة المعينية ، فقد عقدت هذه الإِمارة أيضًا معاهدات عسكرية مع الفاتيكان ودوقية توسكانا وأسبانيا ، وتلقى جده مقابل ذلك دعمًا سياسيًا وعسكريًا ([270]).
وفي سنة 1253 هـ / 1837 م ، قام الدروز بتمرد على محمد علي باشا والي مصر ، وكان ذلك في جبل الدروز بحوران بسبب تجريدهم من السلاح وتجنيدهم في الجيش ، وبقي هذا التمرد مشتعلاً بعد أن انضم إليه دروز وادي التيم ، رغم محاولات محمد علي القضاء عليه ، إلى أن جرد عليه حملة قوية سنة 1256 هـ / 1840 م .
وبعد أن وجدت الدول الأوربية الضعف في الدولة العثمانية ، عملت على استمالة الأقليات الموجودة داخله ، وخاصة في لبنان ، الذي كانوا يرون فيه مدخلاً مهمًا لكل مؤامراتهم على الدولة العثمانية ، وكانت فرنسا ترى في نفسها مدافعًا شرعيًا عن موارنة لبنان ، وقد اتخذت هذه الحجة الواهية ذريعة في سبيل تدخلها في شؤون الدولة العثمانية ، وهذه السياسة الفرنسية خوفت بريطانيا مما جعلها سنة 1841 م تعمل على استمالة الدروز إلى جانبها وتقيم علاقات رسمية وودية معهم ومع زعمائهم ، ويظهر أن الإِنجليز قد فهموا أحلام الدروز بإقامة دولة لهم ، فاستغلوها لاستمالتهم وإقامة العلاقات الوطيدة معهم ([271]).
وقد بات هذا واضحًا عندما ثار الدروز في جبلهم على الدولة العثمانية سنة 1851 م إذ امتنعوا عن دفع الضرائب ، فجردت الدولة العثمانية حملة لتأديبهم ، فتدخلت بريطانيا لدى الباب العالي ، وصدرت الأوامر من الأستانة بحل المشكلة الدرزية سلمًا ، وجاء في برقية الصدر الأعظم الموجهة إلى مدحت باشا ( والي الشام ) بهذا الصدد : ( أن الأنجليز لا يسرون بما تتخذه من التدابير لتأديبهم ) ، وهذا التدخل شجع الدروز ، إذ ما لبثوا أن اعتدوا على المكرك وأم الولد وحرقوا زرعهما في سنة 1296 هـ / 1880 م ، وعلى قرية ( المسمية ) في حوران سنة 1308 هـ / 1890 م .
ثم ثاروا في سنة 1311 هـ / 1893 م و 1313 هـ / 1985 م وكذلك في سنة 1328 هـ / 1910 م . وكانت اعتداءات الدروز على أهالي حوران قد أثيرت في مجلس المبعوثان العثماني ، حيث ندد مبعوث حوران باعتداءات الدروز ، مطالبًا الدولة باتخاذ الإِجراءات العسكرية الرادعة ضدهم بعد اعتدائهم على الجيش والأهالي ، وأنهى خطابه بمطالبة الحكومة بسوق قوة عسكرية على حوران ( لصيانة العرض والدين والمال وتأمين الرعية من الخوف ) ([272]).
مما تقدم يتضح لنا بأن دروز حوران كانوا في شبه ثورة دائمة ضد الدولة العثمانية ، وعندما كانت الولاية تعرض عليهم برامج الإِصلاح وتطلب من زعمائهم مساعدتها في تطبيقها ، كان الزعماء يقبلون ذلك ثم يرفضونه وهكذا ، وبالرغم من ذلك فقد حاولت ولاية سوريا إصلاح الأوضاع الإِدارية والاجتماعية في منطقة جبل الدروز عن طريق نشر التعليم بين الدروز بإنشاء المدارس وتعليمهم مباديء الدين الإِسلامي ، واتبعت سياسة اللين والرفق مع رؤسائهم الروحانيين ، وذلك باستدعائهم إلى دمشق وبذل المساعي لإِقناعهم بقبول الإِصلاحات ، فيبدي الزعماء رضاهم التام لدرجة المطاوعة الانقياد ، ولكنهم لم يثبتوا على ذلك طويلاً ([273]).
وهكذا يبدو أن ثورات الدروز المستمرة ضد الدولة العثمانية وخاصة بعد سنة 1841 م ، كانت تهدف بالدرجة الأولى الاستقلال عن الدولة وبسط السيطرة الدرزية على لواء حوران بمساعدة وتأييد بريطانيا .
وبعد استعمار فرنسا لسوريا ، عملت عن طريق عملائها وبكل ما نستطيع من إمكانيات وإغراءات أن تستميل الدروز إلى جانبها ويتركوا الإِنجليز ، ومن أجل ذلك تابعت فرنسا استمالة زعماء الدروز ، فاستطاعت في 20 نيسان 1921 عن طريق الجنرال ( غورو ) أن تقنع الأمير سليم الأطرش بإعلان دولة درزية في جبل الدروز وتشكيل حكومة درزية وانتخاب مجلس نيابي مكون من ( 40 ) عضوًا ، ورفرف لأول مرة في تاريخ الدروز علمهم المكون من خمسة ألوان ([274]).
وعندما رأت بريطانيا أن نفوذها سيزول عند الدروز بسبب هذه الدولة استمالت أحد أمراء الجبل ، والذي كان من أهم العوامل التي أثرت على عدم بقاء هذه الدولة وسقوطها .
والحديث عن تاريخ الدروز في القرن الحالي يدفعنا لإِعطاء صورة موجزة عن موقف الدروز من دولة إسرائيل ، حيث كانوا بعد قيام هذه الدولة على أرض فلسطين من أهم المدافعين عن وجودها ، بل إن إسرائيل استطاعت أن تكون كتيبة منهم فيما يسمى بـ ( حرس الحدود ) كان له دور خطير ومهم في حروب إسرائيل مع الدولة العربية .
لذا فإن كمال جنبلاط في كتابه ( هذه وصيتي ) يعتبر وجود الدروز في إسرائيل مشكلة ، ولكن في الوقت نفسه يدافع عن تعاملهم مع دولة العدو وينتقد الفلسطينيين الذين هربوا وتركوا أرضهم وبلادهم ولم يقلدوا الدروز في بقائهم في فلسطين ، ولو أنهم بقوا لشاركوا بسهولة في اقتصاد إسرائيل وبالتالي في السلطة السياسية ويكونون أقلية قوية وفعالة في البرلمان ، وبالتالي فإن الدروز فيما فعلوه مع إسرائيل قاموا بواجبهم بتعقل ، فهم يعلمون أنه لا جدوى في الهجوم على طواحين الهواء – كما يزعم جنبلاط – ([275]).
وفي سنة 1982 عندما احتلت إسرائيل لبنان ، رفضت مليشيات الدروز ( الحزب التقدمي الاشتراكي ) قتال الجيش الإِسرائيلي ورفضت مدفعيته الموجودة في الجبل مساعدة الفلسطينيين ، ولذلك استطاع الجيش الإِسرائيلي دخول مناطق الدروز دون أن تطلق رصاصة واحدة ، وبقيت الأسلحة في يد الدروز رغم وجود الجيش الإِسرائيلي في مناطقهم .
******

الفصل الثالث
أشهر دعاة الدروز وآراؤهم
ترتبط بداية المذهب الدرزي بثلاثة من الدعاة هم : حمزة بن علي بن أحمد الزوزني ويعرف باللباد ، والحسن بن حيدرة الفرغاني المعروف بالأخرم ، ومحمد بن إسماعيل الدرزي المعروف بـ ( أنوشتكين أو نشتكين ) .
والمؤرخون مختلفون في ترتيب أسبقيتهم في الدعوة الجديدة ، ومع أن اسم الدروز مرتبط باسم ( الدرزي ) ، إلا أن بعضهم يجعل البداية لحمزة – وهو الأرجح كما سنرى – والبعض الآخر يجعلها لمحمد الدرزي .
أما الدروز فيعتبرون حمزة هو مؤسس المذهب وهو الإمام ، وأن الدرزي قد حاد عن تعاليم حمزة ، وأنه كان أحد أتباعه ، مما جعل حمزة يهاجمه في كثير من رسائله ، لذلك فإن الدروز يكرهون الدرزي هذا ويلعنونه .
أما الأخرم فالأرجح أنه كان داعيًا من دعاة حمزة في أول ظهوره . ولكي نعطي لمحة وافية عن هؤلاء الدعاة ، نتحدث عن كل واحد منهم ، ونبدأ بحمزة بن علي :
حمزة بن علي بن أحمد الزوزني : ( ولد حمزة في مدينة ( زوزن ) في خراسان مساء الخميس في الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة 375 هـ ، وهو اليوم الذي ولد فيه الحاكم بمصر ، ولعل ذلك هو السبب في أن الدروز يقيمون الصلاة الأسبوعية مساء كل خميس ) ([276]).
واختلف المؤرخون في زمن وفوده إلى مصر ، فالبعض منهم يجعلها متقدم كثيرًا في سنة 395 هـ ، حيث كان عمره عشرين عامًا ) ([277]).
وغالبية المؤرخين تجعل موعد قدومه حوالي سنة 405 هـ أو قبلها بقليل ) ([278]).
وانتظم حمزة بين الدعاة الإِسماعيليين الذين كانت تغص بهم القاهرة يومئذ ، ويرجح الدكتور محمد كامل حسين أنه لم يكن من الدعاة ، بل كان يؤدي عملاً في القصر ، وكان على اتصال دائم بالحاكم ، ويضيف قائلاً : ( ويغلب على ظني أن حمزة كان أحد الخدم الخصوصيين للحاكم ، وكان خادمًا ذكيًا لبقًا ذا حيلة ودهاء وخيال خصب ، وكان بحكم عمله في القصر يستمع إلى مجالس الحكمة التأويلية فوعاها وحفظ منها كثيرًا ، وربما قرأ كتب الدعوة التي كانت بالقصر فأفادته في تلوين عقليته وتوجيه أفكاره إلى ما يرضي طموحه ويحقق آماله ، وظل هذه السنوات يهيء نفسه لذلك ) ([279]).
ومما يؤكد هذا الرأي ركاكة ألفاظه في رسائله – إذ كما يقول الدكتور محمد كامل حسين : - ( لم يكن من الكتاب لأن أسلوبه في رسائله وكتبه ليس به هذا الإشراق ، وتلك الديباجة ، وهذه الرصانة ، التي عرفت عن كتاب الفاطميين ودعاتهم ) ([280]).
لذلك – وكما يقول الأستاذ عبد الله النجار - : ( تنم من تعابيره كلمات فارسية دخيلة على أسلوب الإنشاء العربي ) ([281]).
وتقول بول هنري بوردو عن حمزة وأهدافه البعيدة : ( وكان حمزة في الحقيقة داهية دهياء متعمقًا في المباحث الدينية القديمة ، وأن العقائد التي نادى بها تدل تمامًا على أنها ذات العقائد التي كان ينادي بها المقنع الخراساني ([282])، هذا اليهودي الذي هاج في خراسان سنة 160 هـ) ([283]).
وسرعان ما أصبحت لحمزة حظوة عند الحاكم ، بعدما أظهره من إخلاص ، واستطاع بحنكته ودهائه أن يجمع حوله بعض الدعاة ويتفقوا سرا للدعوة إلى تأليه الحاكم بأمر الله ، ومن هؤلاء كان محمد بن إسماعيل الدرزي .
ويظهر أن حمزة بن علي ، وكما يتضح في رسائله ، قد اتفق مع دعاته ألا يجهر أحدهم أو يكشف عن مضمون المذهب الجديد ، إلا بعد تلقي الأوامر منه نفسه ، ولكن الدرزي تسرع في الكشف عن أسرار الدعوة الجديدة سنة 407 هـ ، مما أثار الناس ، وحمل حمزة على الكشف عن دعوته سنة 408 هـ .
يقول حمزة في ( رسالة الغاية والنصحية ) موضحًا هذه النقطة :
(( وغطريس هو نشتكين الدرزي الذي تغطرس على الكشف بلا علم ولا يقين ، وهو الضد الذي سمعتم بأنه يظهر من تحت ثوب الإِمام ، ويدعى منزلته ... إلى أن يقول : وكذلك الدرزي كان من جملة المستجيبين حتى تغطرس وتجبر وخرج من تحت الثوب ، والثوب هو الداعي ، والسترة التي أمره بها إمامه حمزة بن علي بن أحمد الهادي إلى توحيد مولانا جل ذكره )) ([284]).
ومهما يكن من شيء فإن الدعاة إلى المذهب الجديد ظلوا في سترهم مدة طويلة يعملون في الخفاء ، ويدعون الناس سرًا لمبادئهم وتعاليمهم ، حتى قام الدرزي وأعلن الدعوة سنة 407 هـ ، والذي كما يقال : ( قد فتح سجلاً في مساجد القاهرة تكتب فيه أسماء المؤمنين بألوهية الحاكم ، فاكتتب من أهل القاهرة سبعة عشر ألفا كلهم يخشون بطش الحاكم ) ([285]).
ويبدو أن هذا الأمر قد أحرج حمزة ، مما حمله على الجهر بدعوته الجديدة – كما سبق ذكره – سنة 408 هـ ، فثار الناس على هؤلاء الدعاة ثورة شديدة ساعدهم فيها الجند الأتراك ، مما جعل الدرزي – على أرجح الروايات – يختفي في قصر الحاكم ، حيث عمل على تهريبه بعد ذلك إلى وادي التيم في بلاد الشام ، والذي كان يقطن به التنوخيون ، والذين كانوا يدينون بالولاء للعبيديين ، حيث عمل هناك على بث آرائه ومعتقداته بينهم ، فانضموا إليه وآمنوا بدعوته .
وبسبب شدة الثورة التي قام بها أهل مصر ، على دعاة حمزة وأتباعه ، اختفى حمزة أيضًا سنة 409 هـ ، واعتبرها سنة اختفاء وغيبة .
ويصف حمزة سنة 409 هـ : ( بأنها سنة المحنة والامتحان والعذاب ، وأن القصد من الغيبة أن يمتحن الخلق بغيبته ، والمحنة هي غيابه الذي عاقبهم فيه ) ([286]).
(( ويبدو أن غيبته في هذه السنة ، كانت استعدادًا للظهور بقوة جديدة للتنظيم بعد ثورة الناس عليه في العام الفائت )) ([287]).
ويتبين من رسائل حمزة ، أنه في خلال هذه الفترة جعل مقره السري خارج القاهرة في مسجد ( تبر ) ، ولكن خصومه هاجموا مقره وأحرقوا باب المسجد ، ثم وجدوا داخل المسجد بابا من الحجر لا تعمل فيه النار ويصعب نقب جداره ) ([288]).
مما تقدم يتضح بداية الخلاف بين حمزة والدرزي ، والظاهر أن هذا الخلاف قد تفاقم بعد هروب الدرزي إلى الشام ، حيث دعا هناك إلى أراء جديدة خالف بها آراء حمزة ، من ذلك تسمية نفسه بـ ( سيف الإِيمان ) و ( سيد الهادين ) ، وكان أيضًا يلعن مخالفي المذهب ، بينما يقول حمزة : ( اللعنة لا تزيد في الدين ولا تنقص منه ) ([289])، وكذلك ( دعوته للحرية الجنسية ) ([290]).
وأرى أن هذا الاختلافات ، لم تكن بتلك الأهمية لتأجج الخلاف بين الرجلين ، وأن جوهر الخلاف – كما يفهم من كتابات حمزة – إنما كان ( بسبب رئاسة الدعوة الجديدة ، وهذا الأمر أغضب حمزة ، وجعله يعزل الدرزي من مصبه في الشام ، ويؤلب عليه أتباعه في الشام فقتلوه سنة 411 هـ ) ([291]).
وهذا الخلاف يؤكده حمزة في ( رسالة الغاية والنصحية ) إذ يقول : ( وكذلك الدرزي سمى نفسه في الأول بسيف الإِيمان ، فلما أنكرت عليه ذلك وبينت له أن هذا الاسم محال وكذب ، لأن الإِيمان لا يحتاج إلى سيف يعينه ، بل المؤمنون محتاجون إلى قوة السيف وإعزازه ، فلم يرجع عن ذلك الاسم وزاد عصيانه ، وأظهر فعل الضدية في شأنه ، وتسمى باسم الشرك وقال : أنا سيد الهادين ، يعني أنا خير من أمامي الهادي ) ([292]).
هذا وكانت مدة ظهور حمزة ثلاث سنوات هي : 408 ، 410 ، 411 ، وأما سنة 409 هـ فإنها – كانت سنة غيبة له . كذلك فقد اختفى بعد سنة 411 هـ ، - وهي السنة التي قتل فيها الحاكم - ، حيث مرت سنوات من الكتمان ، أيضًا لم يظهر فيها ، فقد طورد من قبل الظاهر ابن الحاكم والملك الجديد ، ( مما اضطره إلى الرحيل إلى بلاد الشام ) ([293]).
وبقي حمزة مختفيًا حتى أزيح الستار قليلاً عن نشاطه ، برسائل أرسلت إلى سواه وذُكر فيها ، أو وجهت إليه ، بعد قرابة عشرين سنة من غيابه ، منها رسالة المواجهة ، التي يتبين منها ، أن حمزة كان لا يزال على اتصال سري بدعاته ، وعلى الخصوص بـ ( المقتني ) بهاء الدين كاتب الرسالة ، والذي يبدأها بـ ( السلام على الإِمام ) موجهًا إليه ( عبيده الزائرين ... رسل العبد الذليل ) ([294]) .
أما غيبة حمزة الثانية والأخيرة ، ( فإن رسالة بهاء الدين في ( رسالة السفر ) والتي يطلب فيها من المؤمنين ، الإِيمان برجوع حمزة ، وإلى طاعة ولي الحق الإِمام المنتظر ، توضح هذه الرسالة – والتي كتبت في السنة الثانية والعشرين من سني حمزة أي سنة 430 هـ - أن حمزة قد اختفى أو مات سنة 430 هـ ) ([295]).
مع أن هناك من يقول : ( أنه مات سنة 422 هـ ( 1030 م ) ) ([296]).
وأما مكانة حمزة عند الدروز ، فهو الإِعظام والإِجلال ، ( فالحديث عنه مقرون دائمًا عندهم بالإِجلال والإِعظام سواء أكان ذلك في مجرى حديث لسان أو على مسرى صفحة من كتاب مطبوع ، أو ورقة من سفر مخطوط ) ([297]).
وهو عندهم – وكما سمى نفسه في رسائله - ، الإِمام ، وقائم الزمان ، وهادي المستجيبين المنتقم من المشركين ، وعلة العلل ، والعقل الكلي ، والإِرادة ، والقلم ، والطور ، والكتاب المسطور وهو أيضًا المسيح الحق ... إلى غير ذلك من الأسماء والألقاب التي أطلقها على نفسه .
وحمزة يفتتح رسائله غالبًا بهذه الديباجة ، وكما وردت في ( رسالة البلاغ والنهاية ) : ( تأليف عبد مولانا جل ذكره ، هادي المستجيبين ، المنتقم من المشركين سيف مولانا جل ذكره ) ([298]) .
وكذلك نجده في ( الرسالة الموسومة بسبب الأسباب ) يصف نفسه بهذه الألقاب أيضًا بأنه : ( الإِرادة فهو علة العلل ، وهو العقل الكلي ، وهو القلم ، وهو القاف ، وهوا القضاء ، وهو الألف بالابتداء ، هو الألف بالانتهاء ... إلى أن يقول : وهو سبحانه منزه عن الكل ([299])، وجميع ما في القرآن والصحف ، وما تركه على قلبي من البيان والأسماء الرفيعة فهو يقع على عبده الإِمام ) ([300]).
وفي هذه الرسالة ينفي حمزة عن نفسه بأنه اخترع هذا الأمر من عند نفسه فيقول : ( وها هنا باب ثان مذموم ، أعاذك المولى سبحانه منه ، وذلك قول من يقول من كافة الناس بأني اخترعت هذا الأمر من روحي ، ووضعت العلم من ذاتي ، وقوتي ، ومولانا جلت قدرته لا يعلم بذلك ولا يرضاه ... وأنا أعيذك من ذلك وجميع الموحدين المخلصين ) ([301]).
وكما أشرت سابقًا ، فإن الدروز يجلون ويعظمون حمزة ، فنجد المقتني بهاء الدين يخاطب حمزة في ( رسالة المواجهة ) بقوله : ( وتطول عليهم بالمسامحة من الغلط والسهو في صحائف التوحيد ، نظمها العبد بتأييد مولاه ، وألفها ، ورسائل إلى دعاة الحق ثناها على التنزيه وعظمها . فما كان يا مولاي في هذه الصحائف والمراسلات والكتب والملطفات التي سيرها العبد من خطاب جزل ، ومنطق صائب ، وقول فصل ، فهو من منه إمام العصر ، ومؤاد ([302])قائم الزمان ، وما كان فيها من خطأ وخطل فهو منسوب إلى العبد الأصغر ، الملهوف الظمآن ، يتوسل في تقصيره إلى لطف مولاه ) ([303]).
وفي كتاب النقط والدوائر – وهو من كتب الدروز الدينية ولا يعرف مؤلفه – يصف كاتبه حمزة بهذه الأوصاف : ( فهو صلوات الله عليه النور الكلي ، والجوهر الأزلي ، والعنصر الأولي ، والأصل الجلي ، والجنس العلي ، فيه بدأت الأنوار ، ومنه برزت الجواهر ، وعنه ظهرت العناصر ، ومنه تفرعت الأصول ، وبه تنوعت الأجناس ... إلى أن يقول : فهو الإِمام ، والدليل على عبادة الله ، والداعي إلى توحيد الله ، والناطق بحق الله ، والبرهان على الله ، والرسول الذي أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) ([304]).
ولا يزال الدروز إلى الآن على هذا التعظيم لحمزة - ، يقول كمال جنبلاط في مقدمته لكتاب ( أضواء على مسلك التوحيد ) : ( ويجب أن يبقى أبناء التوحيد محافظين على هذا التكريس والتهيؤ التقليدي والاجتباء الإِنساني لفكرة الولاية ، لأنه في النهاية وفي الحقيقة ، لا ولاية على الموحدين ، ولا على الأنام كافة ، إلا للعقل الأرفع ، صلوات المهيمن عليه ([305]).
ويضيف الدكتور سامي مكارم : ( وهذا المعتقد التوحيدي يعتمد العقل في استكشافاته ، ولا يراد بالعقل الأدنى ، أي البشري أو الدنيوي إن صح التعبير ، بل العقل الأرفع أو الكلي الذي هو المبدع الأول ، أبدع من النور الشعشعاني المحض صورة صافية كاملة فتضمن في سره معنى ما كان وما يكون دفعة واحدة بدون زمان ، فكان قوة كاملة وفعلاً تامًا ، وكان علة العلل وأصل الوجود وغايته معًا ) ([306]).
مما سبق يتبين أن الإِيمان بإمامة حمزة – وأنه المبدع الأول وغير ذلك – هي من أهم معتقدات الدروز ، وأصل عظيم من أصولهم ، لأنه أول الحدود الخمسة الذين يعتقدون بهم ، وهو أيضًا في نظرهم نبي الحاكم .
وقد جاء في مخطوط ( شرح ميثاق ولي الزمان ) ([307])ما يلي ثم من تسليم الروح ومعرفة العقل صفي الرب صلى الله عليه ، وتمييزه عن أخوته الأربعة ، وهم : النفس ، والكلمة ، والسابق ، والتالي ، وتمييزه عنهم بأحوال كثيرة 235 .
وفي شعر – مخطوط – لدرزي يسمى بـ ( الشيخ أبي عبيد ) يقول فيه :
ألا صلوا على قلم القضايا         رسول الله أفضل من أجابا
رسول الله حمزة يا خليلي            فأولى من أتانا بالكتابا ([308])
وحسب عقيدة التناسخ والأدوار عند الدروز ، فقد ظهر حمزة في الأدوار الكبرى ، والأدوار الصغرى بأسماء مختلفة : فهو شطنيل في دور آدم ، وفيثاغورس في دور نوح ، وداود في دور إبراهيم ، وشعيب في دور موسى ، واليسوع في دور عيسى ، وأنه – أي حمزة – هو المسيح الحقيقي الأبدي ، وسلمان الفارسي في دور محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ([309])، وهو الذي أمل القرآن على محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وهكذا ...
هذه لمحة سريعة عن حمزة ، إمام الدروز ، وقائم زمانهم ، تبين بوضوح ذكاء ودهاء هذا الرجل ، فقد استطاع أن يكون نموذجًا للدعاة الملاحدة ، الذين ظنوا أنهم يستطيعون أن يقوضوا أركان الإِسلام ودعائمه ، فلم ينفع ذكاؤهم ولا مهارتهم في هذا الدين شيء ، بل حفظ الله هذا الدين . وخابت كل مساعيهم .
ونأتي بعد ذلك إلى الداعي الآخر وهو : الحسن بن حيدة الفرغاني ([310]) ( الأخرم ) : هذا الداعي لا نعرف عنه إلا الشيء القليل ، ذلك أنه ظهر بمدينة القاهرة عقب ظهور حمزة بقليل ، وكما يقول ابن العماد في شذرات الذهب أنه ظهر ( في الثاني من رمضان سنة 409 هـ ) ([311]).
وقد دعا إلى مثل ما دعا إليه حمزة من التناسخ والحلول ، وألوهية الحاكم ، وذاعت دعوته بسرعة في جماعة من المغامرين والمرتزقة ، فاستدعاه الحاكم وخلع عليه وأركبه فرسا مطهما ، وسيره في موكبه ) ([312]).
غير أنه لم تمض على ذلك أيام قلائل ، حتى وثب عليه رجل من أهل السنة وقتله وقتل معه ثلاثة رجال من أتباعه ، فغضب الحاكم وأمر بإعدام قاتله ودفن الأخرم على نفقة القصر في حفل رسمي ، كما أن جمهور أهل السنة احتفلوا بمأتم القاتل ودفنوه مكرمًا ) ([313]). ( ولكن القبر نبش بعد أيام واختفت جثته ، وكان ذلك على ما يظهر بوحي الحاكم ورغبته ) ([314]).
هذا تلخيص لكل ما ذكره المؤرخون عن هذا الداعية ، والظاهر من رسائل حمزة أنه لم يكن ضد الأخرم ، كما كان ضد الدرزي ، على أن ( الرسالة الواعظة ) لأحمد حميد الدين الكرماني ، تفيدنا بعض الشيء عن مهمة الأخرم وهي رسالة موجهة إلى الأخرم ردًا على رقعة بعث بها الأخرم إليه ، حيث يتضح من هذه الرسالة أن الأخرم هو الذي كان يقود حركة الدعاية للمذهب الجديد وأنه هو الذي كان يبعث بالرقاع إلى الناس يدعوهم فيها إلى عقيدته الجديدة وكان يطلب من العلماء وكبار الدعاة أجوبة فكتب إليه الكرماني ( الرسالة الواعظة ) .
وأول ما يراه الكرماني في رقعة الأخرم أنها خالية من البسملة ومن الصلاة على النبي ، وعلى الأئمة من ذريته ، ويضيف الكرماني قائلاً : ولا تخلو أن تكون في تظاهرك بولاء أمير المؤمنين عليه السلام ، إما متبعًا له ، أو غير متبع ، فإن كنت متبعًا فبمخالفتك إياه فيما أمرك به من السجلات المكرمة من السلام عليه في جميع المكاتبات وقعودك عن الاقتداء فيما يفعله من تصدير سجلاته وجميع مكاتباته وخطبه بسم الله الرحمن الرحيم ، والاستفتاح به ، والصلاة على سيد المرسلين وخاتم النبيين والتبرك بها قد كفرت .
ومن الأفكار التي قالها الأخرم في رقعته للكرماني : من عرف منكم إمام زمانه حيًا ، فهو أفضل ممن مضى من الأمم من نبي أو وصي أو إمام ... وأن من عبد الله من جميع المخلوقين ، فعبادته لشخص واحد لا روح فيه ، ويتساءل عن معنى الآية الكريمة ( عينًا تسمى سلسبيلاً ) ([315]) [ الدهر : 18 ] ، وعن : الإسلام وشرائطه ؟ وعن : الذي يتقرب به إلى المعبود ؟ وهل الشريعة محدثة أم قديمة مع الدهر ؟ وما النفس ؟ وما العقل ؟ ثم ينتهي به القول إلى أن الشريعة والتنزيل والتأويل خرافات وقشور وحشو ولا تتعلق بها نجاة ، وأن الناس لا يوجهون وجوههم إلى القبلة لأنها حائط ، وأن المعبود هو الحاكم ) ([316]).
وهذا يدل على أن الأخرم كان من مؤسسي هذه الدعوة ، وكان لسان دعايتها ، ولا ندري تمامًا مرتبته بين الحدود ، لأنه قتل قبل أن يتبلور مركز الحدود ومراتبهم ، ولا ندري ماذا يكون مصيره مع حمزة لو قدر له أن يعيش .
أما الداعية الآخر ، والذي ينسب إليه الدروز فهو : محمد بن إسماعيل الدرزي ( نشتكين ) : في حديثنا فيما سبق عن حمزة بن علي ، ذكرنا أن أول من كشف عن عقائد المذهب الدرزي ، كان محمد بن إسماعيل الدرزي سنة 407 هـ ، مما اضطر حمزة إلى الإِعلان والكشف عن دعوته لتأليه الحاكم سنة 408 هـ .
والدرزي على الأرجح من أصل تركي ، ويذكر المؤرخون أنه وفد على مصر سنة 407 هـ ، فخدم الحاكم وتقرب إليه ، ولكن الذي يرجحه الدكتور محمد كامل حسين : أن الدرزي كان قبل هذا التاريخ في مصر واتصل بحمزة بن علي مدة طويلة قبل إظهار الدعوة ، وعملاً معًا في رسم خططها ) ([317]).
ويصرح حمزة في ( رسالة الغاية والنصيحة ) : بأن الدرزي كان يضرب الدنانير والدراهم ، وهذا مما يؤكد أن الدرزي كان قريبًا من حمزة والحاكم .
ولاشك أن الدرزي كان من أقوى رسل حمزة وأشدهم عزمًا وجرأة ، وكان يسير على طريقة حمزة في الدعوة ، ( ومن الغريب أن حمزة في إحدى رسائله يتهم الدرزي بأنه لا يقر إلا بإنسانية الحاكم بأمر الله ، دون ألوهيته ، مستندًا في هذا إلى أن الدرزي يقول : أن روح آدم انتقلت إلى علي بن أبي طالب ، ثم انتقلت روح علي إلى الحاكم ، وعلي هو الأساس ، والأساس هو مجرد إمام ، وليس إلهًا ) ([318]).
أما عن مصير الدرزي بعد أن كشف عن هذا المذهب ، فيختلف المؤرخون في ذلك ، فمنهم من يقول بقتله في ذلك الوقت على يد الأتراك .
ومنهم من يرجح أنه لم يقتل في هذا الظرف ، ولكنه اختفى في القصر أيامًا بحماية الحاكم حتى هدأت العاصفة وسكن الجند ، ثم دبر الحاكم له سبيل الفرار ، وعانه بالمال ، فسار إلى الشام ونزل ببعض قرى بانياس ([319])وأذاع في الناس دعوته ، فكانت أصل مذهب الدروز الذي سمى باسمه ، وحاول هناك أن ينقلب على حمزة ويدعي الإِمامة والرئاسة له ، فقتل بتحريض من حمزة سنة 411 هـ ، والأرجح أن هذا هو السبب الوحيد والجوهري لغضب حمزة عليه .
ويفهم من رسائل حمزة بأن الدرزي لم يكن وحيدًا ، بل كان معه دعاة آخرون أمثال البرذعي ، وعلي بن أحمد الحبال ، ويذكر ذلك في ( رسالة الغاية والنصيحة ) فيقول : ( وفرعون البرذعي ، وهامان علي بن الحبال ، لأن فرعون كان داعي وقته ، فلما أبطأ الناطق قال : ( أنا ربكم الأعلى ) ([320])يعني إمامكم الأعظم ، وهامان الذي فتح له باب المعصية ) ([321]).
ويقول أيضًا في رسالة ( الصبحة الكائنة ) : ( وما منكم أحد إلا وقد نصحته بحسب الهداية إلى دعوته ، فمنكم من استجاب ، ونكث مثل علي بن أحمد الحبال الذي كان مأذونًا لي ، وعلى يده استجاب نشتكين الدرزي ) ([322]).
ويذكر كذلك في ( رسالة الرضا والتسليم ) : ( وأما البرذعي فأنا أرسلت إليه ودعوته إلى توحيد مولانا جل ذكره ، فلما أرسل إليه الدرزي رسوله ومعه ثلاثة دنانير وأوعده بالمركوب والخلع فمضى إلى عنده وفتح له أبواب البلايا والكفر ، أما أصحابه كلهم فمكتوبة عندي عليهم وثائق بالشهود العادلة لأن لا يراجعوا عما سمعوه مني أبدًا ).
ومن خلال هذه الرسالة يتبين لنا أن حمزة عندما عرض على البرذعي أمر الاستجابة إلى دعوته ، شرط عليه أن يأتيه بتوقيع الحاكم ، ( وهذا يعني أن الحاكم كان يعلم بدعوة حمزة ، وكان على اتصال وثيق به ) ([323]).
وفي ختام حديثنا عن دعاة الدروز ، لابد أن نلم قليلاً باثنين من حدودهم الخمسة وأكابر دعاتهم وهما :
أبو إبراهيم إسماعيل بن حامد التميمي ، صهر حمزة ويليه في مرتبة الحدود ، والذي يلقب بالنفس ، وذومصة ، والمشيئة ، وإدريس زمانه ، وأخنوخ أوانه .
والداعية الثاني هو : بهاء الدين أبو الحسن علي بن أحمد السموقي ، المعروف بالضيف ، وهو الحد الخامس من الحدود ، ومرتبته الجناح الأيسر ، أو التالي .
أما التميمي ، فلاشك أنه من الحدود الكبار – عند الدروز – الذين قام المذهب على أكتافهم ، ( وتؤكد النصوص التاريخية أن حمزة كان يعتمد على صهره وساعده الأيمن الذي ينفذ بدقة ونشاط أصعب المهمات وأشدها خطرًا ) ([324]).
وقد كتب التميمي عدة رسائل من مجموع رسائل الدروز منها : رسالة في تقسيم العلوم ، والزناد ، والشمعة ، والرشد والهداية ، وله أيضًا شعر يمجد فيه الحاكم اسمه ( شعر النفس ) .
ومع ذلك فنحن نعجب لسكوت كتب التاريخ ، ورسائل الدروز عن هذا الداعية بعد غياب حمزة سنة 411 هـ ، إذ لا يوجد لدينا أي شيء عن هذا الداعية بعد هذا التاريخ .
ونأتي بعد ذلك إلى الداعية الآخر بهاء الدين ، والذي كان له أكبر الأثر في انتشار مذهب الدروز وقيامه بعد غياب حمزة سنة 411 هـ ، وذلك لأن مرتبته في الدعوة هي مرتبة الجناح الأيسر أو التالي ، وسنرى في حديثنا عن الحدود في العقيدة الدرزية ، أن من يشغل هذه المرتبة يكون لسان الدعوة ، وله من الحدود : الجد ، والفتح ، والخيال .
وقد استمر بهاء الدين يحمل أعباء الدعوة إلى مذهبه ، فكتب الرسائل إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الدخول في مذهبه ، كما كتب إلى الذين خرجوا عن المذهب بعد أن كانوا من دعاته أمثال الداعي ( سكين ) ([325])الذي ادعى أنه الإِله المعبود ، وأنه الحاكم بأمر الله .
ومما يذكر أن الكثير من رسائل الدروز ، قد كتبها بهاء الدين ، ومن هذه الرسائل : ( رسالة التنبيه والتأنيب والتوبيخ ) ، ( رسالة التعنيف والتهجين ) ، ( ورسالة القسطنطينية ) ، وغير ذلك من رسائل كثيرة كتبها ، وأغلبها في الرد على الآراء الجديدة التي حاول الخارجون عليه أن يبثوها ، لذلك تحمل أكثر العناوين من رسائله التأنيب والتوبيخ والتعنيف .
ولما شعر بهاء الدين باضطراب الأحوال ، بعد أن كثرت الآراء الدخيلة في المذهب ، أخذ يهدد أتباعه باعتزال الدعوة ، وبالفعل اعتزلها سنة 434 هـ ، بعد أن أقفل باب الاجتهاد حرصا على الأصول والأحكام التي وضعها حمزة ، والتميمي ، وما وضعه هو نفسه ) ([326]).
هؤلاء هم دعاة الدروز ، وعلى أيديهم قام المذهب الجديد ، وسنعرض عند الحديث عن حدود الدروز باقي هؤلاء الدعاة .
ولاشك أن حمزة كان إمامهم وداعيتهم الأكبر ، وكان طموحه كبيرًا وكان بهاء الدين بالفعل متممًا حقيقيًا لما بدأه حمزة ، ولولا بهاء هذا لانقرض هذا المذهب بعد غياب حمزة .
******
 

(1) من أمثلة ذلك : الدراسة الجيدة عن الدروز التي كتبها الدكتور محمد كامل حسين بعنوان ( طائفة الدروز ) سنة 1962 م وما كتبه من قبل الشيخ زيد بن عبد العزيز الفياض بحلقات في مجلتي المنهل وراية الإسلام الصادرتين بجدة والرياض في 1379 ، 1380 ، 1381 هـ
(2)  ابن منظور / لسان العرب ج 5 ص 348  .
(3)  عبد الله النجار / مذهب الدروز والتوحيد ص 28  .
(4)  محمد كامل حسين / طائفة الدروز ص 8  .
(5) سليم أبو إسماعيل / الدروز ـ وجودهم مذهبهم وتوطنهم – ص 64 , 65 .
(6)  بول هنري بوردو / أمير بابلية لدى الدروز ص 29 .
(7)  كمال جنبلاط / هذه وصيتي ص 46 .
(8)  محمد كامل حسين / طائفة الإِسماعيلية ص 3
(9)   و جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، سادس الأئمة الأثني عشر عند الامامية . كان من أجلاء التابعين ، ولقب بالصادق لأنه لم يعرف عنه الكذب . ولد بالمدينة المنورة سنة 80 هـ وتوفي فيها سنة 148 هـ
(10)  سورة الزخرف : آية 28
(11)   محمد كامل حسين / طائفة الإِسماعيلية ص 12  .
(12)  محمد كامل حسين / طائفة الإِسماعيلية ص 13  .
(13)  د . مصطفى الشكعة / إسلام بلا مذاهب ص 217  .
(14) هو محمد بن أبي زينب الأسدي الأجدع ، مؤسس الحركة الخطابية .
(15)  الشهر ستاني / الملل والنحل ح ص 15 – ومحمد كامل حسين / طائفة الإِسماعيلية ص .
(16) برنارد لويس / أصول الإِسماعيلية ص 110.
(17) الشهر ستاني / والملل والنحل ج 2 ص 16.
(18) د . محمد السعيد جمال الدين / دولة الإسماعيلية في إيران ص 20.
(19)  هو المؤسس الحقيقي للدعوة الباطنية الإسماعيلية ، مجوسي العقيدة والأصل ، تبنى محمد بن إسماعيل وعلى يديه قامت أسس الإسماعيلية ، والواقع أنه كان ذا دهاء وذكاء استغله بالكيد للإسلام وتحطيم عقيدته.
(20)  برنادر لويس / أصول الإسماعيلية ص 111  .
(21)  ) والمقصود في شبة القارة الهندية ، حيث ينقسم الإسماعيليون إلى قسمين ، قسم يسمى الإسماعيلية ، والقسم الآخر هم البهرة .
(22)  النصيرية : فرقة باطنية ، تعتقد بألوهية علي بن أبي طالب ، وبتناسخ الأرواح حتى إلى الحيوانات ، ويطلق عليهم الآن ( العلويين ) ويقطن أكثرهم في شمال سوريا في جبل العلويين قرب اللاذقية ، وفي الفترة الأخيرة أخذوا ينزحون إلى أكثر المدن السورية ، وهم أيضا يتسترون على مذهبهم ، ويزعمون أنهم         مسلمون .
(23)  برنارد لويس / أصول الإسماعيلية ص 104  .
(24)  ) عارف تامر / القرامطة .
(25)  ) د . محمد السعيد جمال الدين / دولة الإسماعيلية في إيران ص 21  .
(26)  نسبة إلى أفلاطون ، أحد فلاسفة اليونان المشهورين ، والذي قال أن للعالم محدثا مبدعا أزليا واجبا بذاته ، فأبدع العقل الكلي ، وبتوسط العقل انبعثت النفس الكلية انبعاث الصورة في المرأة .. وبعده بقرون جاء أفلاطون وأخذ مبادئه ودونها وتنسب إليه الأفلاطونية الحديثة .
(27)  وكذلك أخذ النصارى مفهوم ( الكلمة ) التي جاءت في الانجيل وحوروها إلى هذا المفهوم.
(28)  يس : 82 .
(29)  القلم : 1 .
(30)  د . مصطفى الشكعة / إسلام بلا مذاهب ص 247  .
(31)  د . محمد البهي / الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي ص 326  .
(32)  الشهرستاني / الملل والنحل ج 2 ص 29 – ومحمد فريد وجدي / دائرة معارف القرن العشرين ج 2 .
(33)  مصطفى غالب / الحركات الباطنية في الإسلام ص 93 .
(34)  دائرة المعارف الإسلامية ج 3 ص 290.
(35) الشهرستاني / الملل والنحل ج 2 ص 29.
(36)  د . عبد الرحمن بدوي / مذاهب الإسلاميين ج 2 ص 7  .
(37) محمد كامل حسين / طائفة الإِسماعيلية ص 14 .
(38)  عبد القادر البغدادي / الفرق بين الفرق ص 266.
(39)  عمر الدسوقي / أخوان الصفا ص 20  .
(40)  بلدة معروفة بما وراء النهر ، على بعد عشرين فرسخا من سمرقند – انظر ياقوت الحموي / معجم البلدان ج 3 ص 166 وهناك موضع آخر قرب المدائن بالعراق ، ويعرف بساباط كسرى .
(41)  بفتح أوله وثانية ، وأصلها تسلم مائة ، ثم حرف الناس اسمها فقالوا : سلمية ، وهي بلدة من أعمال حمص – في سورية – انظر : ياقوت الحموي / معجم البلدان ج 3 ص 240  .
(42)  نسبة إلى حمدان القرمطي ، وقد عرف في الكوفة عام 258 هـ ، وأظهر دعوته عام 265 هـ ، ودعوتهم تعد خطوات الإسماعيلية ، ولهم غاية أساسية هي القضاء على الإسلام . ولذلك عملوا على إشعال الفتنة في الدولة الإسلامية بمقاتلتها ، وأسسوا دولة لهم بعد مدة من ظهورهم وبقيت فترة طويلة مصدر فتنة حتى قضى عليهم سنة 476 هـ ، انظر : ابن الجوزي / القرامطة ص 13 ومحمود شاكر القرامطة ص 8  .
(43)  ويلقب بالمعلم ، وهو الذي مهد الطريق لقيام دولة العبيديين – الفاطميين – بنشر الدعوة الإسماعيلية هناك ، حتى جاء عبيد الله المهدي وأقام الدولة عام 296 هـ ، وقد قتله المهدي نفسه عام 298 هـ .
(44) ) عقيدة رئيسية وهامة عند كل فرق الشيعة ، والإمام في نظرهم معصوم عن الأخطاء ، ولا شك في كون هذا المعتقد سببا رئيسيا في بقاء الشيعة إلى الآن ، وكذلك كان سببا لظهور الفتن بادعاء كثيرين أنهم الإمام.
(45) ابن تغري بردى / النجوم الزاهرة ج 4 ص 75 ومحمد عبد الله عنان / الحاكم بأمر الله ص 32  .
(46) فخر الدين الرازي / اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص 77  .
(47)  أصحاب ماني بن فاتك ، وهي من ديانات فارس ، وأخذت أصولها عن المجوسية والنصرانية وتؤمن بأن العالم مصنوع من مركب من أصلين قديمين ، أحدهما نور ، والآخر ظلمة ، وأنهما أزليان . انظر الشهرستاني / الملل والنحل ص 81 ج 2  .
(48) بتشديد الراء ، وهي على طريق الموصل والشام ، وتطلق أيضًا على قريتين بالبحرين ، وعلى قرية بغوطة دمشق ، انظر ياقوت الحموي : معجم البلدان ج ص 235 ، 236 . وتعتبر مجمع بقايا الديانات من الصابئة والنصارى وغيرهم . وهي في شمال شرق تركيا الآن .
(49) والمقصود أتباع فلاسفة اليونان مثل أرسطو وأفلاطون وغيرهم .
(50) ) برنادر لويس / أصول الإسماعيلية ص 12 ، 13 – وانظر ما قاله ابن الجوزي في القرامطة ص 51 ، 52 ، 53.
(51) أصحاب زرادشت بن بورشب ، وزعموا أن الله عز وجل خلق من وقت ما في الصحف الأولى ، وأنه جعل روح زرادشت في شجرة أنشأها في أعلى عليين ، وأن النور والظلمة متضادان ، وقد أتبعه الملك بشتاسب ، وقهر الناس على اتباعه ، وبنى في عهده بيوت النيران . انظر الشهرستاني / الملل والنحل ج 2 ص 77.
(52)  أصحاب مزدك ، وقولهم كقول المانوية في الكونين والأصلين ، إلا أن مزدك يقول أن النور يفعل بالقصد والاختيار ، والظلمة تفعل على الخبط والاتفاق . ويدعون أيضًا إلى شيوعية المال والنساء لأنهما سبب الشرور . انظر الشهرستاني / الملل والنحل ج 2 ص 86  .
(53) قوم يقولون أن مدير العالم وخالقه هذه الكواكب السبعة والنجوم ، فهم عبدة الكواكب . انظر كتاب فخر الدين الرازي في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص 90  .
(54)  أتباع أبي عيسى بن يعقوب الأصفهاني ، وهم فرقة يهودية يثبتون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكن إلى العرب فقط ، وكانوا أيضا يوجبون تصديق المسيح ، وقد حرموا الذبائح كلها ، وخالفوا اليهود في أكثر أحكامهم . انظر الشهرستاني في الملل والنحل ج 2 ص 55 / والفخر الرازي في اعتقادات فرق فرق المسلمين والمشركين ص 83  .
(55) ) د . حسين إبراهيم / طه أحمد شرف – عبيد الله المهدي إمام الشيعة الإسماعيلية ص 292 – بتصرف -  .
(56) جماعة ظهرت في منتصف القرن الرابع الهجري ، باطنية إسماعيلية تأثرت بالشيعة والفلسفة والوثنية ، كتبوا هذه الرسائل . ولكن الإسماعيليين في الوقت الحاضر يزعمون أن مؤلفها إمام مستور من أئمتهم هو أحمد بن عبد الله بن محمد ، وينسبونها إليهم.
(57) رسائل أخوان الصفاء / الرسالة رقم 45 / ج 4 ص 105.
(58)  والمقصود أنه ليس موجودا مثل سائر الموجودات المخلوقة ، متعلق بغيره مستند في وجوده إلى آخر .
(59)  والمقصود أنه لا معلوم بدون علة ، والموجودات يستند وجودها إلى موجود آخر وهكذا تستند هذه الموجودات إلى ( الله ) ، إذ لو كان ليسا ، لكانت الموجودات أيضا ليسا ، فلما كانت الموجودات موجودة كان ليسيته باطلة . انظر الكرماني / راحة العقل .
(60) ) حديث موضوع ، والصحيح ما رواه أحمد والترمذي ( أول ما خلق الله  القلم ) . انظر العجلوني في (( كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث )) ج 1 ص 263  .
(61)  محمد كامل حسين / طائفة الدروز ص 87  .
(62)  محمد كرد علي / خطط الشام ج 6 ص 257  .
(63)  د . مصطفى الشكعة / إسلام بلا مذاهب ص 236  .
(64) محمد كامل حسين / طائفة الدروز ص 87  .
(65)  محمد كامل حسين / طائفة الإسماعيلية ص 157  .
(66)  محمد كامل حسين / طائفة الدروز ص 88  .
(67)  ) أحمد بن عبد الله الكرماني حميد الدين ، ويلقب بحجة العرافين ، من دعاة الإسماعيلية وكتابهم . كان داعي الدعاة للحاكم بأمر الله الفاطمي ، له رسالة ( مباسم البشارات بالإمام الحاكم ) يرد بها على الذين ألهوا الحاكم من الدروز ، وله أيضا مجموعة رسائل أخرى ، توفي بعد سنة 412 هـ . انظر الأعلام للزركلي ج 1 ص 149 وديوان المؤيد في الدين داعي الدعاة ص 9  .
(68) مصطفى غالب / الحركات الباطنية في الإسلام ص 121 ، 122 وانظر دولة الإسماعيلية في إيران ص 35  .
(69) محمد كامل حسين / طائفة الدروز ص 89 – وسنجد ذلك فيما بعد عند التحدث عن عقائد الدروز أثر هذه النظرية في عقائدهم وكيف استمدوها من الفاطميين ؟  .
(70)  د . مصطفى الشكعة / إسلام بلا مذاهب ص 246  .
(71)  محمد كامل حسين / طائفة الدروز ص 89 ، 90  .
(72)  وهذا الاعتقاد سنجد أثره أيضا في عقائد الدروز ، عند تحدثهم عن الأدوار السبعة .
(73) د . محمد السعيد جمال الدين / دولة الإسماعيلية في إيران ص 27.
(74)  وأيضا أول الدروز كل هذه الأركان ، بل نقضوها ، في إحدى رسائل حمزة واسمها ( النقض الخفي ) ، والتي أوردتها فيما بعد .
(75)  محمد كامل حسين / طائفة الدروز ص 91  .
(76)  تأسست هذه الدولة – كما ذكرنا سابقا – سنة 296 هـ على يد عبيد الله المهدي في المغرب ، وسقطت سنة 567 بعد موت العاضد الفاطمي على يد صلاح الدين الأيوبي – انظر الروضتين في أخبار الدولتين ج / ص 193 .
(77)  انظر القرماني في أخبار الدول وآثار الأول ص 189 – 191 ، وكذلك العصامي المكي في سمط النجوم العوالي ج 3 ص 414، 415 ، 424  .
(78) انظر المصدرين السابقين ، الأول ص 191 ، والثاني ص 424 – 429.
(79)  محمد عبد الله عنان / الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ص 164  .
(80)  محمد كامل حسين / طائفة الدروز ص 75  .
(81)  المؤسس الرئيسي لمذهب الدروز ، من كبار الدعاة الباطنيين ، ومن أكثرهم التصاقا بالحاكم بأمر الله ، توفي على الأرجح سنة 433 هـ ، وسيفصل الكلام عنه عند الكلام عن دعاة الدروز / انظر الأعلام للزركلي ج 2 ص 310  .
(82)  مصطفى غالب / الحركات الباطنية في الإسلام ص 241.
(83)  أحد أصحاب الدعوة لتأليه الحاكم ، وإليه نسبة الطائفة الدرزية ، مع أن الدروز يتبرأون منه بسبب انشقاقه عن حمزة ، تركي الأصل على الأرجح ويقال فارسي ، هرب إلى الشام بعد مهاجمته من قبل الناس ، ومات هناك سنة 411 هـ . انظر الأعلام للزركلي ج 6 ص 259
(84)  ) أحد الذين جاهروا بتأليه الحاكم بأمر الله ، وهو الذي سلم القاضي ابن العوام رفعة تطلب منه الاعتراف بألوهية الحاكم ، وقد قتل على يد أهل السنة عام 409 هـ . انظر النجوم الزاهرة ج 4 ص 183  .
(85)  هو ما يعرف الآن بالشوف وكذلك المناطق المجاورة لها في لبنان .
(86)  تشارلز تشرشل / بين الدروز والموارنة ترجمة فندي الشعار ص 15  .
(87)  مصطفى غالب / الحركات الباطنية في الإسلام ص 244  .
(88)  المصدر السابق ص 245  .
(89)  المصدر السابق ص 246  .
(90) ولكنهم في الوقت الحاضر ، وبسبب تغيير الظروف . يحاولون جهدهم في الابتعاد عن لفظ ( الإسلام ) ويبرزون تسمية أنسفهم بـ ( الموحدين )  .
(91)  لفظ يطلقه الدروز على مشايخهم ودعاتهم . وهم الذين يعرفون أسرار العقيدة الدرزية ، ولا يسمحون لغيرهم بالاطلاع عليها ، والمجتمع الدرزي ينقسم إلى قسمين عقال ، وجهال ، فالجهال لا يعرفون شيئا من مذهبهم إلا الأمور الرئيسية فيه ، ولا يدخل أحدا منهم في العقال إلا بعد امتحان طويل .
(92) زعيم درزي معاصر ، وهو من السياسيين اللبنانيين ، معروف بثقافته واطلاعه على ديانات الهند القديمة ، ويحاول كثيرا أن يقارب بينهما وبين عقيدة الدروز ، وقد قتل في لبنان عام 1397 هـ 1977 م .
(93)  يعني اليهودية ، غير أنه تجنب ذكر اسمها لأسباب سياسية محلية .
(94) مع أن ما نشر عن أوراق البحر الميت لا يدل على شيء من ذلك.
(95)  د . سامي مكارم / أضواء على سلك التوحيد ( الدرزية ) ص 26  .
(96) د . سامي مكارم / أضواء على مسلك التوحيد ( الدرزية ) ص 51.
(97)  انظر دائرة المعارف الإسلامية ج 7 ص 266 – 270 ، التي قسمت حياة الحاكم إلى ثلاثة أدوار . وكذلك انظر ما قسمه الدكتور حسن إبراهيم حسن – في تاريخ الإسلام السياسي والديني ج 3 ص 153 – لحياة الحاكم إلى أربعة أقسام ، الأول من 386 هـ - 390 ، الثاني من 390 – 395 هـ ، والثالث من 396 – 401 هـ ، والرابع من 401 – 411 هـ .
(98)  أحد الأوصياء الثلاثة ، الذين عهد إليهم العزيز برعاية الحاكم حتى بلوغه ، وكان خصيا .
(99)  وهي المملوكة التي تبقى في الرق ، ويكون لها أولاد من مالكها ، وبعد موته تعتق لوجود ولد لها .
(100)  حدث في سنة 451 م انشقاق في الكنيسة القبطية ، على أثر ما وقع في مجمع خلقيدونة الكنسي من الجدل اللاهوتي ، ورفض الأقباط الخضوع لقرارات هذا المؤتمر ، فاعتبرهم الإمبراطور الرومي كفرة ، واختار للأسكندرية بطريقا من قبله عرف أتباعه بالملكية ، وهم الكاثوليك ، وعرف الباقون باليعاقبة .
(101)  أو قل التخاذل لأن من سبقه في الدولة العبيدية كانوا متخاذلين حقا ؟! .
(102)  محمد عبد الله عنان / الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ص 41 ، 42  .
(103)  محمد عبد الله عنان / الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ص 45 – 47 .
(104)  دائرة المعارف الإسلامية / مجلد 7 ص 267  .
(105)  محمد عبد الله عنان / الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ص 48 – 50  .
(106)  أحد وزراء الدولة الفاطمية ، تولى الوزارة لأول مرة بعد وفاة يعقوب بن كلس اليهودي أيام العزيز .
(107) محمد عبد الله عنان / الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ص 54  .
(108)  شراب يتخذ من الشعير ، يعلوه الزبد والفقاعات ، ويشبه ( البيرة ) الوقت الحاضر .
(109) الجمارك .
(110) كذا في مرأة الزمان ، ولا يخفى ما في ذلك من مخالفة للشرع ، فإن النجوم والمطالع لا ينسب إليها فعل أحد ، فقد كان سفاكا للدماء بفعله القبيح ، ونفسه المجرمة . ومن اعتقد في النجوم خلاف ذلك من تأثير على الناس في الحظوظ والسعادة والشقاء فقد كفر بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم .
(111) ابن تعرى بردى / النجوز الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج . ص 176 ، 177.
(112)  هو الحافظ أبو الطاهر أحمد بن محمد السلفي ، بكسر السين وفتح اللام ، ولد في أصبهان سنة 475 على الأرجح وطلب الرحلة للحديث حتى استقر في الأسكندرية . توفي سنة 576 / انظر أبو الطاهر السلفي / د . حسن عبد الحميد صالح .
(113)  النساء : 65 .
(114)  الحج : 73 .
(115)  ابن خلكان / وفيات الأعيان / مجلد ( 5 ) ص 295  .
(116) السيوطي / حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة ج 1 . ص 601 ، 601.
(117)  ابن كثير / البداية والنهاية ج 12 ، ص 9  .
(118) المشاهد : هي القبور التي يبنى عليها ، وتقصد للتبرك ، بل إن كثيرا منها ليس فيه أحد مقبور ، وإنما جعل من قبل أهل الضلال ، ولا يكاد يخلو بلد من مشهد للحسين عند الشيعة ، وللخضر وغيره عند جهال أهل السنة ، طهر الله أرض المسلمين من هذه الأوثان ، ومن جميع مظاهر الشرك .
(119)  الحميري / الروض المطار في خبر الأقطار ص 450 .
(120)  كريم ثابت / الدروز والثورة السورية ص 17.
(121)  محمد عبد الله عنان / الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ص 59 .
(122)  هو الفضل بن جعفر بن الفضل بن الفرات ، كان في أيام الحاكم بأمر الله ، وأمره بالجلوس للوساطة ، فجلس خمسة أيام وقتله سنة 405 هـ .
(123)  قائد القواد في أيام الحاكم ولاه القيادة سنة 390 هـ ، فأقام نحو ثلاث سنوات ، ثم هرب خوفا من بطش الحاكم ، حتى استطاع أن يظفر به وقتله سنة 401 هـ .
(124)  علي بن أحمد الجرجرائي ، وزير ، وتنقل في الأعمال أيام الحاكم ، حتى قطع يديه سنة 404 هـ ، ثم ولي بعد ذلك ديوان النفقات سنة 406 هـ ولقب سنة 407 هـ نجيب الدولة ، توفي سنة 436 هـ .
(125)  من قضاة الديار المصرية ، ولاه الحاكم القضاء سنة 398 هـ ، ثم أضيف إليه النظر في المظالم سنة 401 هـ ، وعلت منزلته عند الحاكم ، واستمر في القضاء حتى 405 هـ حين ضرب الحاكم عنقه .
(126)  كان يتولى بيت المال في أوائل ملك الحاكم ، ثم ولاه الوزارة سنة 403 هـ ، وبينما كان مع الحاكم خارج القاهرة ضرب عنقه ودفنه في مكانه ، وكان ذلك سنة 405 هـ .
(127)  محمد عبد الله عنان / الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ص 57 ، 58  .
(128) هو محمد بن عبيد الله المسبحي ، مؤرخ وعالم بالأدب ، ولد بمصر سنة 366 هـ ، اتصل بخدمة الحكم ، وحظي عنده وولاه ديوان الترتيب ، له كتاب كبير في ( تاريخ المغاربة ومصر ) ويعرف بـ ( مختار المسبحي ) وكتب كثيرة أخرى ، توفي سنة 420 هـ .
(129)  الشونة : المخزن الكبير ، والسنط : نوع من الخشب يستعمل في البناء ، والحلفا : نبات طويل الورق تصنع منه القفف وينبت بالمستنقعات .
(130)  محمد عبد الله عنان / الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ص 55  .
(131)  محمد زاهد الكوثري / من عبر التاريخ ص 9  .
(132)  محمد عبد الله عنان / الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ص 96  .
(133)  الذي ألغاه الحاكم هو السماح لهم بجعل هذه الأعياد الخاصة بهم ، أعيادا شعبية يظهرون فيها التحدي للشعور الإسلامي العام من إظهار وشرب للخمر ورفع للصلبان ... إلخ ، والتي كان يسمح بها الحاكم ومن سبقه في الدولة العبيدية.
(134)  محمد عبد الله عنان / الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ص 78 – 71 و ص 92  .
(135)  يؤيد هذا ما ذكره الدكتور محمد كامل حسين معتمدا على رسائل الدروز أن بداية ادعاء الحاكم الألوهية كانت سنة 400 هـ.
(136)  إننا ونحن ننقل هذه الأشياء التي استنكرت من الحاكم ، لأنها كانت متبعة من قبله وألفها الناس ، من غير نظر لما فيها من مخالفات شرعية أو بدع ما أنزل الله بها من سلطان ، فما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بحاجة إلى كساء يطرح على قبره الشريف . بل نهى صلى الله عليه وسلم عن كل ذلك ، ولو أن الحاكم امتنع عن هذه الأشياء اتباعا للدين وأوامره لمدحت منه ، غير أنه كان يفعلها ليخالف المألوف وينقض المعروف ، بناء على تصورين الأول ما ذكرته من أن هذا ليس اضطرابا بل خطه مقررة والثاني أن هذا اضطراب في عقله وتصرفاته لا يستغرب عنه .
(137)  محمد عبد الله عنان / الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ص 76 ، 78  .
(138)  آدم متز / الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ج 1 ص 132.
(139)  الثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعلها في الأذان الأول في الفجر ، ولم تستعمل في الأذان الثاني أو في الإقامة إلا بعد زمن طويل من وفاته صلى الله عليه وسلم.
(140)  محمد عبد الله عنان / الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ص 66.
(141) إن التصوف لم يكن في يوم من الأيام من شعائر الشيعة ، بل لا يكاد يوجد بينهم متوصف واحد ، ولعل ما يقصده الأستاذ محمد عبد الله عنان ، ما ظهر به الحاكم من لباس مخالف للمألوف وشكل غريب ، وهذا ما يظهر به المتصوفه في مصر وغيرها بثياب مخالفة للمألوف .
(142)  وهذا يدلنا على ما يتمسك به ( أجاويد ) طائفة الدروز حتى اليوم ، من لبس الثياب السوداء من القماش المعروف بـ ( كلمنظا ) وهو قماش قطني رخيص متين .
(143) بضم أوله ، وفتح ثانية ، وهو الجبل المشرف على القرافة ( مقبرة الفسطاط والقاهرة ) وهو جبل يمتد من أسوان وبلاد الحبشة على شاطيء النيل الشرقي ، حتى يكون منقطعه طرف القاهرة ، ويسمى في كل موضع باسم وعليه مساجد وصوامع للنصارى ، لكنه لا نبت فيه ولا ماء . انظر ياقوت الحموي في معجم البلدان ج 5 ص 176 .
(144)  محمد عبدالله عنان / الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية 62 ، 63 ، 87 ، 111  .
(145)  آدم متز / الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ج 2 ص 168  .
(146) أورد الأستاذ مصطفى غالب الرسالة بأكملها في كتابه الحركات الباطنية في الإسلام من ص 205 : 233.
(147)  محمد كامل حسين / طائفة الدروز ص 75  .
(148)  أحمد الفوزان / أضواء على العقيدة الدرزية ص 23  .
(149)  محمد كامل حسين / طائفة الدروز ص 44  .
(150)  رسالة السيرة المستقيمة .
(151)  أحمد الفوزان / أضواء على العقيدة الدرزية ص 16  .
(152)  محمد كامل حسين / طائفة الدروز ص 75  .
(153)  هكذا وردت ، والصحيح ( اثنا عشر )  .
(154)  يقصد المسلمين .
(155) يبدأ حمزة بإيراد هذه الآيات من سورة التوبة بشكل محرف وحسب ما يريد ويبغي والآيات الصحيحة هي كما  يلي : ( وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر أنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ، ألا تقاتلون قومًا نكثوا أيمانهم بعد عهدهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تحشوه أن كنتم مؤمنين . قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قومٍ مؤمنين ) . [ التوبة : 112 – 114 ]  .
(156)  هكذا وردت والصحيح ( استتمت )  .
(157) رسالة الغاية والنصحية .
(158)  رسالة البلاغ والنهاية .
(159)  رسالة الصبحة الكائنة .
(160)  محمد عبد الله عنان - الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ص 119 – 120  .
(161)  الرسالة الموسومة بالرضا والتسليم .
(162)  د. أحمد شلبي – التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ص 116 – 122  .
(163)  سياسي لبناني ، من طائفة الدروز ، تقلد عدة مناصب رفيعة في الدولة اللبنانية ، وألف كتابا عن الدروز أسماه ( مذهب الدروز والتوحيد ) ، حاول فيه أن يبين ويظهر عقيدة طائفته للناس والجهال طائفته ، ولكن الدروز ، وخاصة مشيخة العقل ، هاجموه بشدة ، وأتلفوا كتابه ، حتى طبع مرة ثانية في مصر ، ولكنهم عادوا وحاولوا جمع ما يستطيعون منه وإتلافه ، وأصدروا كتابا للرد عليه اسمه ( أضواء على سلك التوحيد ) للدكتور سامي مكارم ، ولم يكتفوا بذلك ، فاستغلوا أحداث لبنان الأخيرة وقتلوه غيلة عام 1978 م .
(164) د . سامي مكارم / أضواء على مسلك التوحيد ( الدرزية ) ص 72 ، 73  .
(165)  أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي العوام السعدي . قاضي مصر وبرقة وصقلية والشام والحرمين ، من فقهاء الحنابلة ، مصري ، ولي القضاء في أيام الحاكم بمصر سنة 405 هـ ، وفي أيامه غاب الحاكم ( أو قتل ) ، توفي سنة 418 هـ ، انظر الأعلام للزركلي ج 1 ص 104  .
(166)  د . محمد كامل حسين / طائفة الدروز ص 81  .
(167)  د . عبد الرحمن بدوي / مذاهب الإسلاميين ج 2 ص600  .
(168)  والملاحظ هنا ، أن حمزة بن علي ، مع طعنه بعثمان بن عفان رضي الله عنه ، فقد طلب من هذا القاضي أن يتشبه في زيه وعلمه بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، ولا يخلو نصحه هذا من تبكيت وغمز بعمر وأبي بكر .
(169)  ومن هنا يظهر أن حمزة بن علي فرق بين ( جماعته ) من جهة ، وبين السنة والشيعة من جهة أخرى ، وذلك من منعه للقاضي أن يقضي بين الموحدين .
(170) الرسالة المنفذة إلى القاضي أحمد بن العوام .
(171)  هكذا وردت في المخطوط ، ولعله يقصد ( من )  .
(172)  ويبدو أنه يشير إلى ثورة الناس على أتباعه ، وقتلهم لهم ، والنجاء الباقي إلى الحاكم .
(173) رسالة البلاغ والنهاية في التوحيد.
(174)  د . محمد كامل حسين / طائفة الدروز ص 44  .
(175) د . عبد الرحمن بدوي / مذاهب الإسلاميين ج 2  ص 757.
(176)  يشير إلى الآية الكريمة ( حكمة بالغة فما تغن النذر ) سورة القمر آية 5  .
(177)  والملاحظ هنا كيفية إيراده لنسب جعفر ، ونسبة على إلى جده عبد مناف ، وسنلاحظ أن جميع رسائله يذكر نسب على رضي الله عنه  بهذا الشكل ؟! .
(178)  يطلق حمزة غالب على الأنبياء هذا الاسم ؟! .
(179) سورة لقمان آية 17 ، 18 ، وقد أنقص من الآية الأولى بعد ( انه عن المنكر ) ( واصبر على ما أصابك ) وزاد ( وآت الزكاة ).
(180)  الإسراء : 37  .
(181)  سورة لقمان آية 19 ، غير أن كلامه هنا يخالف نص القرآن الكريم في سورة لقمان بقوله تعالى : { يا بني أقم الصلاة ، وأمر بالمعروف ، وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك أن ذلك من عزم الأمور ، ولا تصعر خدك للناس ، ولا تمش في الأرض مرحا ، إن الله لا يحب كل مختال فخور ، واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } . سورة لقمان ، آيات 17 ، 18 ، 19  .
(182)  إن لفظ العامة عند إطلاقه عند عموم الشيعة يقصد به أهل السنة ، ويقابله عندهم عن أنفسهم لفظ الخاصة .
(183)  حرفت الآية الكريمة والأصل ( واقصد في مشيك )  .
(184)  يعني محمد صلى الله عليه وسلم .
(185)  الناس : 1  .
(186)  هو المقداد بن عمرو ، ويعرف بابن الأسود ، صحابي ، من الأبطال ، وهو أحد السبعة الذين كانوا أول من أظهر الإسلام وهو أول من قاتل على فرس في سبيل الله ، شهد بدرا وغيرها ، وسكن المدينة وتوفي فيها سنة 33 هـ .
(187)  الناس آيات 2 – 4 .
(188)  الناس آية 5.
(189)  يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
(190)  يس آية 82 ، وقد أسقطت من الآية كلمة ( ملكوت ) قبل ( كل شيء )  .
(191)    الإنسان 30 ، سورة التكوير آية 29  .
(192) مكان في الجهة الغربيه للقاهرة ، وكانت بساتين يحدها من الغرب النيل ، وفيه جامع المقس ، واسم المقس يطلق على المكس ، والمقسم ، وأم دنين أيضا ، وهي واقعة على شاطيء النيل .
(193) بستان برجوان ، ويقصد برجوان الصقلبي الخادم ، وحامل المظلة للحاكم ، وقد قتله الحاكم وكان له بستان يعرف ببستان برجوان .
(194)  يقصد دار الصناعة .
(195)  وهي التفل الذي يتخلف عن المواد التي تعصر مثل السمسم والقمح وبذر القطن ، وما شابه ذلك ، وتقدم علفا للبهائم ، وقد جرى الآن تجفيفها بطرق صناعية ، وأصلها فارسية ( كشب ) ، قال في لسان العرب هي عصارة الدهن ، غير أن المعروف الآن ما ذكر أولاً .
(196)  مسجد قرب القاهرة بجانب منطقة ( المطرية ) ، وينسب إلى تبر الأخشيدي ، الذي ثار على كافور الأخشيدي ، ودفن في هذا المسجد .
(197) الراجح أن نسبة هذا المسجد إلى ريدان ، الوزير الذي ولاه الحاكم الوزارة .
(198)    القمر : 6.
(199) التوبة : 12.
(200)  وجدت على هامش إحدى المخطوطات بخط الأستاذ زهير الشاويش – في مكتبته الخاصة – ( أن كتابة الدروز الكلمة التصديق بالسين بدلا من الصاد في كل كتبهم مرتبط عندهم بحساب ( الجمل ) المستعمل عندهم وعند بعض المتصوفة لأغراض لا مجال لذكرها .
(201)  يلاحظ هنا أنه نسب عليا إلى جده .
(202) يس : 12  .
(203)  كان حمزة يسكن في هذا المسجد .
(204)  يقصد الآية الكريمة ( سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ) سورة الأسراء آية 17  .
(205) سورة البقرة آية 255 ( وهي آية الكرسي ) ، وقد أسقطت كلمة ( عنده ) في قوله تعالى ( من ذا الذي يشفع عنده ).
(206)  منار يبنى للمسافر في أنشاز الأرض وأشراقها ، وقيل للأعلام المبنية في طريق مكة أميال لأنها بنيت على مقادير مدى البصر من الميل إلى الميل ، وكل ثلاثة أميال منها فرسخ . انظر لسان العرب ج 11 ص 639  .
(207)  هذا التعبير يستعمله الشيعة ، ويقصدون به ذكر أهل السنة ، وقد تبعهم على ذلك من غير وعي بعض الكتاب في القديم والحديث .
(208)  سورة القمر آية 5  .
(209)  يقصد جامع راشدة ، وهو الذي بناه الحاكم ، على القرب من ( الرصد ) ، وكان قبل ذلك جانب المكان الذي بني عليه جامع راشدة ، جامع بهذا الاسم ، ولما بني هذا الجامع سمي بهذا الاسم ، وهو نسبة إلى قبيلة عربية اسمها ( راشدة ).
(210)  وهي مقبرة القاهرة ، وتسمى بهذا الاسم .
(211)  مريم : 71  .
(212)  يشير إلى الآية الكريمة ( ثم ننجي الذين اتقوا ، ونذر الظالمين فيها جثيا ) ، سورة مريم 72  .
(213)  سورة الحج آية 11 ، وقد أسقط كلمة ( هو ) بعد كلمة ( ذلك )  .
(214)  يقول الأستاذ زهير الشاويش عن هذا : ( أنه من الأعمال التي مازالت حتى اليوم في مصر ويسمى ( الضرب بالشوم ) ويشبه إلى حد ما ، ما يسمى في الشام بلعب ( الحكم ) .
(215)  كتاب فيه حقائق ما يظهر قدام مولانا جل ذكره من الهزل .
(216)  ابن كثير : البداية والنهاية مجلد 6 ، ج 12 ، ص 10 .
(217)  د . عبد الرحمن بدوي : مذاهب الاسلاميين مجلد 2 . ص 609.
(218) ابن تغرى بردي : النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة . ج 4 . ص 186  .
(219)  ابن الجوزي : المنتظم في تاريخ الملوك والأمم . ج 7 . ص 298 ، 299 .
(220)    ابن كثير : البداية والنهاية مجلد 6 ، ج 22 ، ص 10  .
(221)  قرية من أعمال مصر ، بينها وبين الفسطاط نحو فرسخين ، مشرفة على النيل ، وكان أول من اختطها عبد العزيز بن مروان لما ولي مصر . انظر معجم البلدان ، ج 2 ، ص 293  .
(222)  الظاهر أن المقصود هو الدير الذي في أعلى الجبل ، وهو مطل على الصحراء والنيل واسمه دير القصير ( المكان المعروف قرب حلوان )  .
(223)  ابن الأثير / الكامل في التاريخ مجلد 9 ص 314  .
(224) المقريزي : الخطط المقريزية ، ج 3 ص 253  .
(225)  المقريزي : الخطط المقريزية . ج 3 ، ص 253.
(226)  نسخة السجل الذي وجد معلقا على المشاهد في غيبة مولانا الإمام الحاكم .
(227)  د . عبد الرحمن بدوي : الإسلاميين ، ج 2 ، ص 620 ، 621  .
(228)  د . عبد الرحمن بدوي : مذاهب الإِسلاميين مجلد 2 ، ص 623  .
(229)  ستأتي ترجمته عند حديثنا عن أشهر دعاة الدروز في الفصل القادم.
(230)    رسالة الغيبة .
(231) وهو القسم الثاني من الدروز ، حيث ينقسمون إلى عقال وجهال ، والعقال بيدهم كل أسرار المذهب الدرزي ، والجهال لا يعرفون شيئا من هذا .
(232)  محمد عبد الله عنان : الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ، نقلا عن مخطوط بدار الكتب المصرية عن طوائف لبنان تحت رقم 16 ( ص 147 ، 148 )  .
(233)  كمال جنبلاط / هذه وصيتي ص 50  .
(234) أحد دعاة الدروز ، والذي أصدر بهاء الدين كتابا بتقليده ، ثم انقلب بعد ذلك عليه ، حيث ادعى أنه الحاكم بأمر الله وذلك بعد مقتل الحاكم بمدة طويلة ، وهذا بسبب الشبه الظاهري بينهما ، مما جعل بهاء الدين يتبرأ منه ويذمه .
(235)  محمد كامل حسين : طائفة الدروز ، ص 83 ، 84  .
(236)  سليم أبو إسماعيل : الدروز – وجودهم ومذهبهم وتوطنهم ، ص 41 – 45 .
(237)  كمال جنبلاط / هذه وصيتي ص 54  .
(238)  يقول الأستاذ زهير الشاويش عن التنوخي : ( هو المعروف عندهم بالسيد ، وقبره ظاهر في بلدة ( عبية ) ، في جنوب عالية وسوق الغرب في جبل لبنان )  .
(239)  يلاحظ هنا أنه ترك ما قبلها من مولد الحاكم سنة 375 هـ إلى سنة 400 هـ ، فلم يعتبر إلا وقت ظهور ألوهيته ؟!  .
(240)  وهذا يوضح أن الاسلام قناع يتخذونه للتستر عما يعتقدون ، وصلاة الجنازة بموجب ذلك .
(241) علق الأستاذ زهير الشاويش على صلاة الجنازة عند الدروز بما يلي : ( ومن المشاهد حتى اليوم ، أنهم يقرأون الفاتحة في صلاة الجنازة ، وتكون هذه القراءة من مجموعة من مشايخهم ، ويقفون حول الصندوق الذي فيه الميت ، أما في ( الخلوة ) أو في ( الساحة ) قبل المقبرة . وينقسمون إلى أربع مجموعات يحيطون بالميت ، ويتولى أكبر الموجودين رتبة الإشارة إلى إحدى المجموعات ، فيقرأون فاتحة الكتاب بصوت مرتفع ونغمة تختلف عن المعروف من تجويد القرآن ، فإذا انتهت هذه المجموعة أشار إلى مجموعة أخرى وهكذا دواليك . ويلاحظ أن هذه المجموعات يرأسها شخص يلبس عباءة ذات خطوات ملونة ، وأما رأس الجميع فتخالف ألوان عباءته عباءة الآخرين ، وأما من كان في رتبة ( جويد ) فيقتصر على الثياب السوداء العادية ، وهي قميص قصير وسروال يرتفع عن الكعبين ، ونعل يكون غالبا من الأنواع المتينة الرخيصة فضفاض ، وأما العباءة التي يلبسها الأجاويد والمتقدمون فهي بلا أكمام ، وقد يربطها بحزام ولا تصل إلى ركبته ، وهي ما يسمونها ( البشت ) . كما يلاحظ الناظر إلى إلزامهم جميع الأطفال والمراهقين بغطاء الرأس – ولو بالطواقي – وأما الكبار فيلبسون العمائم البيضاء على الطرابيش الحمراء .
(242)  وهذا الكلام مبني على أن هذا ( الأحد ) ، لم يكن من أهل الدعوة في السابق ، أو من أهلها في التناسخ ؟  .
(243)  تكن واضحة في الأصل ، فقد تقرأ ( المتأولة ) بهمزة على الألف ، وهذا ينطبق على الإسماعيلية . وقد تقرأ (التأولة ) بلا همزة على الألف ، وهذا تعبير مستعمل ويقصد به الشيعة الإثنى عشرية .
(244)  كما أسلفنا . فإن عقال الدروز للآن يلبسون هذا اللباس الأسود.
(245) رسالة ( في معرفة سر ديانة الدروز ) مخطوط في جامعة ييل .
(246)  اطلعت على هذا المصحف في المكتبة الخاصة لأحد الأشخاص ، وقد طبع منه عدد قليل جدا ، وبشكل سري قبل بضع سنوات ، وهو مكتوب بخط جميل .
(247)  أحد زعماء الدروز المرموقين ، وهو من السياسيين اللبنانيين المخضرمين ، وكان كثير التعمق في الديانات الهندية القديمة ، لذلك كثرت سفراته إلى هناك . وقد قتل بعد أحداث لبنان الأخيرة في سنة 1397 هـ الموافق 1977 م .  .
(248) مصحف الدروز – عرف الأمر والتقديم – ص 10 ، 11.
(249)  مصحف الدروز – ص 1 .
(250)  مصحف الدروز : عرف شمس المغيب – ص 230  .
(251)  يقصد الحدود الخمسة ، والذي سيأتي ذكرهم بالتفصيل في فصل أشهر الدعاة الدروز .
(252)  الظاهر أن المقصود بهؤلاء هم العقال الذين يسكنون الخلوات .
(253)  يلاحظ هنا كيفية تحور الآية إلى ما يرمون إليه ، والآية الكريمة المشار إليها هي : ( وإذا استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر . فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم . كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) سورة البقرة : آية 60  .
(254)  المقصود بمولانا هنا هو ( الحاكم بأمر الله ).
(255) مصحف الدروز : عرف الفتح – ص 1 – 5  .
(256) كمال جنبلاط / هذه وصيتي ص 50  .
(257)  لقد كنا أوردنا تعليقات حول بعض السخافات التي قالها الأقدمون من هذه النحلة ، وقد يكون قولهم مبنيا بقصد التعمية والتشويش أو الاعتقاد . ولكن مثل هذا القول من رجل مشهود له بالثقافة والاطلاع ، وفي هذا العصر ، أفلا يعتبر ضحكا على الناس واستهزاء بعقولهم وبالتاريخ ؟ وإلا فمن أين علم بوجودهم بهذا التاريخ وهو من الأمور التي يأت بها وحي منزل ، ولم يسندها تارخ مكتشف . وكم كان يسرنا لو ذكر عدد الشهور والأيام والساعات ، ولو تفضل أيضا بذكر الدقائق والثواني لتحقق الموضوع تحقيقا كاملا ؟! والظاهر أن الأستاذ جنبلاط قد اعتمد في تقديره هذا على ما جاء في رسالة ( الأسرار ومجالس الرحمة والأولياء ) أن ( الأدوار السابقة سبعون دورا وبين كل دور وآخر سبعون أسبوعا ، وكل أسبوع سبعون سنة ، وكل سنة ألف سنة ، وهذا الاعتماد لا تقوم به حجة ، بل هو مضحك للغاية ؟ انظر ص 140 .
(258)  في هذا الأمر يغالط كمال جنبلاط ، ويموه في الجواب ، لأنه في الحقيقة – وكما سيرد في الفصول القادمة – فإنهم لا يحترمون الرسول صلى الله عليه وسلم بل يسمونه إبليس اللعين . وأن الذي كان يمده بالقرآن هو سلمان الفارسي .
(259)  يقصد الظهورات التي ظهر فيها المعبود بالصورة الناسوتية .
(260)  هو طيفور بن عيسى البسطامي ، أبو يزيد ، ويقال بايزيد ، ونسبته إلى بسطام ( بلدة بين خراسان والعراق ) ، وكان ابن عربي يسميه أبا يزيد الأكبر ، وكان يقول بوحدة الوجود ، وأول من قال بمذهب الفناء ، ولد سنة 188هـ وتوفي سنة 261 هـ . انظر الأعلام للزركلي . ج 3 ، ص 339  .
(261)  هو عمار بن ياسر بن عامر الكناني المذحجي العنسي القحطاني ، صحابي ، وهو أحد السابقين إلى الإسلام والجهر به ، هاجر إلى المدينة ، وشهد بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان ، وهو ممن بنوا مسجد قباء ، وولاه عمر الكوفة ، وشهد وقعة الجمل ووقعة صفين مع علي ، وقد قتل في صفين سنة 37 هـ وعمره ثلاث وتسعون سنة . انظر الأعلام للزركلي ج 5 ، ص 192  .
(262)  جندب بن جنادة من بني غفار ، من كنانة بن خزيمة ، صحابي وهو خامس من أسلم ، هاجر بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بادية الشام . انظر الأعلام للزركلي . ج 2 ، ص 137  .
(263)  بشير بن قاسم بن عمر الشهابي ، ولد في قرية غزير سنة 1173 هـ ، وقد ولاه أحمد باشا الجزار والي عكا إمارة لبنان سنة 1203 هـ فكانت له حوادث كثيرة وعزل مرات وأعيد ، حتى نفي إلى مالطا ، ثم إلى الأستانة حتى مات سنة 1266 هـ . ومن المعلوم أن الأمير بشير انحدر من أصلاب مسلمة ، ثم قيل إنه قد تنصر ، والآن يأتي جنبلاط ويقول أنه دخل في الدرزية ، وهذا الكلام الأخير محل شك أن لم تؤيده البراهين ، لأننا نعلم يقينا أن هذا الباب ( الدخول ) قد أغلق منذ زمن بعيد .
(264)  د . مصطفى الشكعة : إسلام بلا مذاهب . ص 288 – 291 .
(265)  د . مصطفى الشكعة : إسلام بلا مذاهب . ص 292 – 293  .
(266)  انظر تفصيل ذلك في كتاب تاريخ الموحدين الدروز / د . عباس أبو صالح و د . سليمان مكارم ص 112  .
(267)  انظر تفصيل ذلك أيضا في المصدر السابق ص 113 ، 114  .
(268)  المصدر السابق ص 133 – 136  .
(269)  المصدر السابق ص 142 – 143  .
(270)  كمال جنلاط / هذه وصيتي ص 40 .
(271)  عباس أبو صالح وسامي مكارم / تاريخ الموحدين الدروز ص 245 ، 246.
(272)  محمد عبد العزيز عوض / الإدارة العثمانية في ولاية سورية ص 193 ، 291 ، 292  .
(273)  المصدر السابق ص 293  .
(274)  د . وجيه كوثراني / بلاد الشام – السكان والاقتصاد والسياسة الفرنسية ص 93 .
(275)  كمال جنبلاط / هذه وصيتي ص 56 ، 57.
(276)  عبد الله النجار : مذهب الدروز والتوحيد . ص 123 .
(277)  أحمد الفوزان : أضواء على العقيدة الدرزية . ص 28  .
(278)  خير الدين الزركلي : الأعلام . ج . ص 310 – ومحمد عبد الله عنان : الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ، ص 113 – وأحمد عطية : القاموس الإسلامي ، ج 2 ، ص 156  .
(279)  محمد كامل حسين : طائفة الدروز . ص 76.
(280) المصدر السابق ، ص 76  .
(281) عبد الله النجار : مذهب الدروز والتوحيد ، ص 123 – 124  .
(282)  هو المقنع الخراساني الحاولي ، الذي اتخذ لنفسه وجها من الذهب ، فلم ينزعه قط ، لئلا يطلع الناس على وجهه المشوه ، وكان يدعي أن الله تعالى قد حل في نفسه بالانتقال والمناسخة .
(283)  بول هنري بوردو : أميرة بابلية لدى الدروز : ص 26 – 28  .
(284)  رسالة الغاية والنصحية : حمزة بن علي .
(285)    خير الدين الزركلي : ج 8 . ص 2464  .
(286) عبد الله النجار : مذهب الدروز والتوحيد . ص 115.
(287)  المصدر السابق : ص 124  .
(288)  مصطفى غالب : الحركات الباطنية في الإسلام ، ص 249  .
(289)  محمد كامل حسين : طائفة الدروز ، ص 77  .
(290)  سعيد الصغير : بنو معروف ( الدروز ) ، ص 236  .
(291)  المصدر السابق ، ص 236 ( بتصرف ) .
(292)  رسالة الغاية والنصحية .
(293)  خير الدين الزركلي : الأعلام . ج 2 ، ص 310  .
(294)  عبد الله النجار : مذهب الدروز والتوحيد ، ص 125  .
(295)  المصدر السابق : ص 120 – 126  .
(296)  أحمد عطية : القاموس الإسلامي ، ج 2 ، ص 156  .
(297)  د . مصطفى الشكعة : إسلام بلا مذاهب ، ص 273  .
(298)  رسالة البلاغ والنهاية في التوحيد .
(299)  يقصد الإله المعبود ( الحاكم ) ، فالإله في نظره منزه عن كل الصفات المذكورة في القرآن الكريم – لأنها جميعها تقع على العقل وهو ( حمزة ).
(300)  الرسالة الموسومة بسبب الأسباب .
(301)  الرسالة الموسومة بسبب الأسباب .
(302)  هكذا وردت في المخطوط ولعل الصحيح ( ومراد )  .
(303)  رسالة المواجهة .
(304)  كتاب النقط والدوائر ، 9 – 12 .
(305)  د . سامي مكارم : أضواء على مسلك التوحيد ، ص 20  .
(306)  المصدر السابق ، ص 81  .
(307)  مخطوط في جامعة شيكاغو رقم 3737 : أخذت عن نسخة الجامعة الأردنية شريط رقم 29  .
(308)  مخطوط في جامعة شيكاغو رقم 3737 : أخذت عن نسخة الجامعة الأردنية شريط رقم 29 .
(309)  عبد الله النجار : مذهب الدروز والتوحيد . ص 123  .
(310)  نسبة إلى فراغان ، بالفتح . مدينة واسعة بما وراء النهر متاخمة لبلاد التركستان . بينها وبين سمرقند خمسون فرسخا . انظر ياقوت الحموي في معجم البلدان ، ج 4 ، ص 253 .
(311) ابن العماد : شذرات الذهب ، ج 3 ، ص 194  .
(312)  محمد عبد الله عنان : الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ، ص 115  .
(313) محمد كامل حسين : طائفة الدروز ، ص 78  .
(314)  محمد عبد الله عنان : الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ، ص 115  .
(315)  سورة الدهر : آية 18  .
(316)  محمد كامل حسين : طائفة الدروز ، ص 79.
(317)  محمد كامل حسين : طائفة الدروز ، ص 79.
(318)  د. عبد الرحمن بدوي : مذاهب الإسلاميين ،ج ، ص 595.
(319)  هما بلدان على الساحل السوري ، وعند القنيطرة .
(320)  يشير إلى الآية الكريمة ( فحشر فنادى ، فقال أنا ربكم الأعلى ) سورة النازعات : آية 24 .
(321)  رسالة الغاية والنصيحة .
(322)  رسالة الصبحة الكائنة.
(323)  مصطفى غالب : الحركات الباطنية في الإسلام ، ص 243 .
(324)  مصطفى غالب : الحركات الباطنية في الإسلام ، ص251.
(325)  أحد دعاة الدروز الأوائل ، وكان يشبه الحاكم في بعض ملامحه ، فلما قتل الحاكم ادعى أنه الحاكم ، فاجتمع حوله بعض المفتونين ، واستطاع أن يدخل القصر على أنه الحاكم ، ولكن لم يلبث أن عرف الحراس حقيقته فقتل ، ويعتبره الدروز مارقا وخارجا عن مذهبهم.
(326)  مصطفى غالب : الحركات الباطنية في الإسلام ، ص 252. 

 
ملف رقم (2)
الباب الثاني
عقيدة الدروز والرد عليها
الفصل الأول : عقيدة الدروز ...
ويتضمن ما يلي :
1.    ألوهية الحاكم عند الدروز .
2.    التناسخ والتقمص والحلول .
3.    الحدود الخمسة .
4.    عقيدتهم في اليوم الآخر والثواب والعقاب .
5.    عقيدتهم في الأنبياء .
6.    عقيدتهم في التستر والكتمان .
7.    رسائلهم وكتبهم المقدسة .
الفصل الثاني : الرد على عقيدتهم ...
ويتضمن ما يلي :
1.    إبطال مفهومهم للألوهية ، وحلول اللاهوت في الناسوت .
2.    إبطال قولهم بالتناسخ والرجعية .

الفصل الأول
عقيدة الدروز
1 – ألوهية الحاكم عند الدروز :
لعل أهم عقيدة نراها في كتب ورسائل حمزة بن علي وغيره من الدعاة ، أن للحاكم بأمر الله حقيقة لاهوتية لا تدرك بالحواس ولا بالأوهام ، ولا تعرف بالرأي ولا بالقياس ، ومهما حاول الإنسان أن يفكر فيه لمعرفة كنهه فيه فهو محاولة فاشلة لأن لاهوته ليس له مكان ، ولكن لا يخلو منه مكان ، وليس بظاهر كما أنه ليس بباطن .
ولا يوجد اسم من الأسماء يمكن أن يطلق عليه ، لأنه لا يدخل تحت الأسماء ، إذ لا يتصف بصفات ، ولا يمكن التعبير عنه بلغة من اللغات .
وهكذا يتفق ذكر التوحيد في رسائل الدروز ، وحديثهم عن لاهوتية المعبود ، يتفق تمام الاتفاق مع ما ورد في كتب الدعوة الإِسماعيلية عن الله سبحانه وتعالى ، ففي كتاب ( راحة العقل ) لأحمد حميد الدين الكرماني ، الذي كان معاصرًا لحمزة بن علي ، نجد سورًا كاملاً ذا سبعة مشارع في التوحيد والتقديس ، وحديثه في ذلك كله هو حديث رسائل الدروز .
فقد جعل الكرماني المشرع الأول : في بطلان كونه تعالى ليسًا ([1])، والمشرع الثاني : في بطلان كونه تعالى أيسًا ([2])والمشرع الثالث : في أنه تعالى لا ينال بصفة من الصفات وأنه لا بجسم ولا في جسم ولا يعقل ذاته عاقل ... ثم ختم السور بالمشرع السابع : الذي جعله من قبيل نفي الصفات الموجودة في الموجودات وسلبها عنه تعالى ) ([3]).
وكنت قد أوردت في فصل سابق رسالة مهمة تتحدث عن هذا المعتقد هي ( كتاب فيه حقائق ما يظهر قدام مولانا جل ذكره من الهزل ) حيث اتضح لنا من خلافات كيف ينظر حمزة وأتباعه إلى أفعال الحاكم ويظهرونها أفعالاً تدل على الألوهية .
وبما أن عقيدة ألوهية الحاكم ، هي المرتكز الرئيسي لعقيدة الدروز فلابد لنا من استعراض بعض ما كتبوه في رسائلهم حول هذا الأمر .
ومع أن الدروز يحاولون – تسترًا وكتمانًا – أن ينفوا هذا المعتقد أمام الأخرين ، وذلك تجنبًا لثورة الناس عليهم ، وهو ما أمرت به رسائلهم ، والذي يفهم منها أنه يجوز للموحد أن ينفي عبادته للحاكم أمام الضد .
وأبدأ أولاً بـ ( ميثاق ولي الزمان ) ، وهو نص العهد الذي وضعه حمزة بن علي ليؤخذ على الداخلين في دعوته :
(( توكلت على مولانا الحاكم الأحد ، الفرد الصمد ، المنزه عن الأزواج والعدد . أقر فلان بن فلان ، إقرارًا أوجبه على نفسه ، وأشهد به على روحه ، في صحة من عقله وبدنه ، وجواز أمره ، طائعًا غير مكره ولا مجبر .
أنه قد تبرأ من جميع المذاهب والمقالات والأديان والاعتقادات ، كلها على أصناف اختلافاتها ، وأنه لا يعرف شيئًا غير طاعة مولانا الحاكم جل ذكره ، والطاعة هي العبادة ، وأنه لا يشرك في عبادته أحدًا مضى أو حضر أو ينتظر ، وأنه قد سلم روحه وجسمه وماله وولده وجميع ما يملكه لمولانا الحاكم جل ذكره ، ورضي بجميع أحكامه له وعليه ، غير معترض ولا منكر لشيء من أفعاله ساءه ذلك أم سره .
ومتى رجع عن دين مولانا الحاكم جل ذكره الذي كتبه على نفسه وأشهد به على روحه ، أو أشار به إلى غيره ، أو خالف شيئًا من أوامره . كان بريئا من الباري المعبود ، واحترم الإِفادة من جميع الحدود ، واستحق العقوبة من البار العلي جل ذكره .
ومن أقر أن ليس في السماء إله معبود ، ولا في الأرض أمام موجود إلا مولانا الحاكم جل ذكره كان من الموحدين الفائزين .
كتب في شهر كذ وكذا من سنة كذا وكذا من سنين عبد مولانا جل ذكره ومملوكه حمزة بن علي بن أحمد ، هادي المستجيبين ، المنتقم من المشركين والمرتدين بسيف مولانا جل ذكره وشدة سلطانه وحده ) ([4]).
وقد ورد هذا الميثاق أيضًا في مصحف الدروز في ( عرف العهد والميثاق ) بوصفه : ( العهد الذي أمر مولانا الحاكم جل ذكره ، بكتابته على جميع الموحدين الذين آمنوا به ، جل ذكره ) ([5]) .
ولكن ورد في هذا المصحف ، وقبل الميثاق ، عهد جديد ، لا نعرفه إلا من هذا المصحف سمي بـ ( العهد ) ، وهذا يعطي انطباعًا لقاريء مصحفهم أن العهد والميثاق متلازمان في العقيدة الدرزية ، ولذلك نورد فيما يلي نص هذا العهد ، لأهمية ذلك في إيضاح نظرة الدروز وعقيدتهم والباقية للآن في ألوهيتهم للحاكم : ( آمنت بالله ، ربي الحاكم ، العلي الأعلى ، رب المشرقين ، ورب المغربين وإله الأصلين والفرعين ، منشيء الناطق والأساس ، مظهر الصورة الكاملة بنوره ، الذي على العرش استوى ، وهو بالأفق الأعلى ، ثم دنا فتدلى ، وآمنت به ، وهو رب الرجعى وله الأولى والآخرة ، وهو الظاهر والباطن .
وآمنت بأولي العزم من الرسل ، ذوي مشارق التجلي المبارك حولها وبحاملي العرش الثمانية ، وبجميع الحدود ، وأومن عاملاً قائمًا بكل أمر ومنع ينزل من لدن مولانا الحاكم ، وقد سلمت نفسي وذاتي وذواتي ، ظاهرًا وباطنًا ، علمًا وعملاً ، وأن أجاهد في سبيل مولانا ، سرًا وجهرًا بنفسي ومالي وولدي وما ملكت يداي ، قولاً وعملاً ، وأشهدت على هذا الإِقرار جميع ما خلق بمشارقي ومات بمغاربي .
وقد التزمت وأوجبت على هذا نفسي وروحي بصحة من عقلي وعقيدتي ، وإني أقر بهذا ، غير مكره أو منافق ، وإنني أشهد مولاي الحق الحاكم ، من هو في السماء إله وفي الأرض إله ، وأشهد مولاي هادي المستجيبين ، المنتقم من المشركين المرتدين ، حمزة بن علي بن أحمد ، من به أشرقت الشمس الأزلية ، ونطقت فيه وله سحب الفضل : إنني قد برأت وخرجت من جميع الأديان والمذاهب والمقالات والاعتقادات قديمها وحديثها ، وآمنت بما أمر به مولانا الحاكم الذي لا أشرك في عبادته أحدًا في جميع أدواري .
وأعيد فأقول : إنني قد سلمت روحي وجسمي وما ملكت يداي وولدي لمولانا الحاكم جل ذكره ، ورضيت بجميع أحكامه لي أو علي ، غير معترض ولا منكر منها شيئا ، سرني ذلك أم ساءني ، وإذا رجعت أو حاولت الرجوع عن دين مولانا الحاكم جل ذكره ، والذي كتبته الآن وأشهدت به على روحي ونفسي ، أو أشرت بالرجوع إلى غيري ، أو جحدت أو خالفت أمرًا أو نهيًا من أوامر مولاي الحاكم جل ذكره ونواهيه .
كان مولاي الحاكم جل ذكره ، بريئًا مني واحترمت الحياة من جميع الحدود ، واستحقت على العقوبة في جميع أدواري من باريء الأنام جل ذكره ، وعلى هذا أشهدك ربي ومولاي ، من بيدك الميثاق ، وأقر بأنك أنت الحاكم الإِله الحقيقي المعبود ، والإِمام الموجود جل ذكره ، فاجعلني من الموحدين الفائزين الذي جعلتهم في أعلى عليين ، ثلة من الأولين ، وقليل من الآخرين ، مولاي إن تشاء آمين ) ([6]).
وقد أورد القلقشندي نصا غريبا ليمينهم هذا ، لا يتوافق مع معتقداتهم ، وخاصة بالنسبة للدرزي ، الذي يصفه هذا القسم بأنه : الحجة الرضية ، وهذا ما لا يقبله الدروز ويرفضونه ([7]) ، وهكذا فإن هذا الميثاق وغيره يبتر حبل الصلة بين المستجيب وكل ما يؤمن به سواه ، ويدفعه لتلقي كل ما يرويه حمزة وتلاميذه – مرورًا ببهاء الدين وانتهاء بجنبلاط – عن الحاكم بالرضى والتسليم .
ويوضح حمزة في ( الرسالة الموسومة بكشف الحقائق ) لماذا أظهر اللاهوت ناسوته ؟ فيقول :
(( لكنه سبحانه أظهر لنا حجابه الذي هو محتجب فيه ، ومقامه الذي ينطق منه ليعبد موجودًا ظاهرًا ، رحمة منه لهم ورأفة عليهم ، والعبادة في كل عصر وزمان لذلك المقام الذي نراه ونشاهده ونسمع كلامه ونخاطبه ، فإن قال قائل : كيف يجوز أن نسمع كلام الباري سبحانه من بشر ، أو نرى حقيقته في الصور ؟
قلنا له : بتوفيق مولانا جل ذكره وتأييده ، أنتم جميع المسلمين واليهود والنصارى ، تعتقدون بأن الله عز وجل خاطب موسى بن عمران من شجرة يابسة ، وخاطبه من جبل جامد أصم ، وسميتموه كليم الله لما كان يسمع من الشجرة والجبل ، ولم ينكر بعضكم على بعض ، وأنتم تقولون بأن مولانا جل ذكره ملك من ملوك الأرض ، ومن وُلي على عدد من الرجال ، كان له عقل الكل ، ومولانا جل ذكره يملك أرباب ألوف كثيرة ما لا يحصى ولا يقاس فضيلته بفضيله ، شجرة أو حجر ، وهو أحق بأن ينطق الباري سبحانه على لسانه ، ويظهر للعالمين قدرته منه ، ويحتجب عنهم منه . فإذا سمعنا كلام مولانا جل ذكره قلنا : قال الباري سبحانه : كذا وكذا ، لا كما كان موسى يسمع من الشجرة هفيفًا فيقول : سمعت من الله كذا وكذا ، وهذه حجة عقلية لا يقدر أحدكم ينكرها .
وقد اجتمع في القول بأن لمولانا جل ذكره عقول الأمة ، وأن الشجرة والحجر لا تفهم وتعقل عن الله ([8])، ومن يفهم ويعقل عن الله أحق بكلام الله وفعله ممن لا يعقل عنه ، وإن كانت الشجرة حجابه ، فالذي يعقل ويفهم أحق أن يكون حجاب الله ممن لا يعقل ولا يفهم ، وكيف يجوز الباري سبحانه أن يحتجب في شجرة ويخاطب كليمه منها ثم تحرق الشجرة ويتلاشى حجابه ، سبحان الإِله المعبود عما يصفون ، لا يدرك ولا يوصف مولانا الحاكم جل ذكره وحجابه في كل عصر وزمان باختلاف الصور والأسماء ، كما نطق القرآن : ( كل يوم هو في شأن لا يشغله شأن عن شأن ) ([9]).
وفي مصحف الدروز يدعي أن العباد كانوا يتوسلون ظهور الواحد الأحد ، فيقول : ( انظروا ثم انظروا ، واسترجعوا الأيام السالفة ، فكم من العباد كانوا يتوسلون منتظرين ظهور الواحد الأحد ، والحاكم الصمد ، والفرد بلا عدد ، في الهياكل القدسية ، على شأن وصفة يعلمها كل من ألقى السمع وهو شهيد .
ها قد تفتحت أبواب العناية ، وارتفعت غمة المكرمة ، وظهرت شمس الغيب في أفق القدرة .
والآن وبعد الآيات البينات ، قمتم على تكذيب ما تنتظرون ورفض أحكم الحاكمين ، وفوق كل ذلك ، أنكم تبتعدون عن لقائه الذي هو عين لقاء الله ، كما صرح به الكتاب : ( وجاء ربك والملك صفا صفا ) ([10]).
وإلا فقولوا لي أيها الضالون المعاندون : فهل جاء لكم رب غيره مع جنوده ، أروني إن كنتم صادقين ، أو لم تعاهدوه ، وتضعوا أيديكم في يده ، أو لم ينادكم ، وأخذه عليكم ميثاقًا ، وقال : { يد الله فوق أيديهم }([11]) [ الفتح : 10 ] ( وبذلك شهد الكتاب ) ([12]).
لذلك فإنه يعيب على الذين كفروا بالحاكم ، ذلك لأن في قلوبهم مرض ويقول : ( لقد كبر  على الذين كفروا ، أن يروا الله جهرة كأمثالهم ، وضلت ألبابهم وظنوه كأجسامهم وهياكلهم .
إن الذين في قلوبهم مرض ، فزادهم الله مرضا ، وأمدهم في طغيانهم يعمهون ([13])، وأما الذين آمنوا ، وسبقت ، منه لهم ، كلمة الحسنى ، فإنه ظهر لهم ليمنحهم نعم الإِيمان ، المكنونة في سدرة المعرفة المخزونة التي استظل بها أولو العزم من الرسل ، حتى لا تحرم الهياكل الفانية من أثمار المشاهدة الباقية عساهم يفوزون ويؤتون الحكمة بتجلي ذي الجلال الحاكم ) ([14]) .
ولهذا فإن لهم عذابًا شديدًا لكفرهم بدعوة الحاكم ، ويقول مصحفهم :( لئن ينتعل أحدكم بنعلين من نار ، يغلي بهما دماغه من حرارة نعليه ، إنه لأهون ، وأدنى عذابًا ، من رافض دعوة مولاه الحاكم ، بعد إذ تبين الرشد من الغي ... إلى أن يقول : ولو أن من في الأرض استغفر لهم لن يغفر الله مولاهم الحاكم الصمد ، والفرد بلا عدد ، والواحد الأحد ، خطيئاتهم ، ولو افتدى أحدهم بما في الأرض جميعًا فلا ينجيه ) ([15]).
والدروز ينفون عن الحاكم أنه ابن العزيز ، أو أبو علي ، أو له أب أو ولد ، وهذا ما ينفيه حمزة في ( رسالة البلاغ والنهاية في التوحيد ) ويقول :
لأن مولانا سبحانه ( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) ([16]) [ غافر : 16 ] ( وما من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ، ولا أدنى من ذلك إلا هو معهم ) ([17]) [ المجادلة : 7 ] سبحانه وتعالى عن إدراك العالمين والعاليين والملائكة المقربين والناس أجمعين علوا كبيرا .
فالحذر الحذر ، أن يقول واحد منهم بأن مولانا جل ذكره : ابن العزيز ، أو أبو علي ، لأن مولانا سبحانه هو في كل عصر وزمان يظهر في صورة بشرية وصفة مرئية كيف يشاء حيث يشاء ... إلى أن يقول : وهو سبحانه لا تغيره الدهور ولا الأعوام ولا الشهور ، وإنما يتغير عليكم بما فيه صلاح شأنكم ، وهو تغيير الاسم والصفة لا غير ، وأفعاله جل ذكره تظهر من القوة إلى الفعل كما يشاء ( كل يوم هو في شأن ) ([18]) [ الرحمن : 29 ] ، أي كل عصر في صورة لا يشغله شأن عن شأن .
وأما من قال واعتقد بأن مولانا جل ذكره ، سلم قدرته ونقل عظمته إلى الأمير علي ، أو أشار إليه بالمعنوية فقد أشرك بمولانا سبحانه ، غيره وسبقه بالقول ... فمن منكم يعتقد هذا القول فليرجع عنه ويستقيل منه ويستغفر المولى جل ذكره ويقدس اسمه من ذلك ... ولا يجوز لأحد يشرك في عبادته ابنًا ولا أبًا ، ولا يشير إلى حجاب يحتجب مولانا جل ذكره فيه إلا بعد أن يظهر مولانا جل ذكره أمره ، ويجعل فيمن يشاء حكمته ، فحينئذ لا مرد لقضائه ولا عاصيًا لحكمه في أرضه .
ويضيف قائلاً : والنور الشعشعاني التمام ، ومعبود جميع الأنام ، الصورة المرئية الظاهر لخلقه بالبشرية المعروف عند العالم بالحاكم .
وما أدراك ما حقيقة الحاكم ؟ ولم تسمى بالحاكم في هذه الصورة ؟ دون سائر الصور ؟ ومولانا جل ذكره غير غائب عن ناسوته ، فعله فعل ذلك المحجوب عنا في نطقه ذلك النطق ، لا يغيب اللاهوت عن الناسوت إلا أنكم لا تستطيعون النظر إليه ، ولا لكم قدرة بإحاطة حقيقته .
وأراد بالحاكم ، أي يحكم على جميع النطقاء والأسس والأئمة والحجج ويستعبدهم تحت حكمه وسلطانه ، وهي عبيد دولته ومماليك دعوته الحاكم بذاته ... وترك الاعتراض فيما يفعله مولانا جل ذكره ، ولو طلب من أحدكم أن يقتل ولده لوجب عليه ذلك بلا إكراه قلب ، لأن من فعل شيئًا وهو غير راض به لم يثب عليه ، ومن رضي بأفعاله وسلم الأمر إليه ، ولم يراء إمام زمانه ، كان من الموحدين الذين لا خوف عليهم .
واعلموا أن الشرك خفي المدخل ، دقيق الستر والمسبل ، وليس منكم أحد إلا وهو يشرك ولا يدري ، ويكفر وهو يسري ويجحد وهو يزدري ، وذلك قول القائل منكم : بأن مولانا سبحانه صاحب الزمان ، أو إمام الزمان ، أو ولي الله أو خليفته ، أو ما شاكل ذلك من قولكم : الحاكم بأمر الله ، أو سلام الله عليه ، أو صلوات الله عليه ) ([19]).
وبالإِضافة إلى الرسالة – السابق ذكرها – ([20]) ( كتاب ما يظهر قدام مولانا من الهزل ) هناك رسالة أخرى لحمزة هي ( رسالة السيرة المستقيمة ) يعطينا فيها حمزة المزيد من تأويلاته لأفعال الحاكم الغريبة ، ومما يقوله :
ومن رسوم مولانا جل ذكره الركوب في الهاجرة ، والمسير في الرمضاء وفي الشتاء ، إذا كان يوم جنوب صعب وغبار عظيم يتأذون الناس في بيوتهم من ذلك الريح والغبار .
ثم يركب المولى سبحانه في ظاهر الأمر إلى حجر الجب ، ويرجع وما في الموكب أحد إلا وقد دمعت عيناه من الغبار والريح ، وكلت ألسنتهم عن النطق الفصيح ، ونالهم من المشقة والتعب ما لم يقدر عليه أحد ، ومولانا سبحانه على حالته التي خرج بها من الحرم المقدس ، ولم يراه ([21])أحد قط في وقت الهاجرة الهائلة والسموم القاتلة قد اسود له وجه في ظاهر الأمر ، ولا لحقه شيء من تعب ، ولا يقدر أحد منهم يقول بأنه لحقه شيء من ذلك .
ومع هذا فقد ترك خلق كثير ممن هو معه في المواكب وكدهم بالنظر إليه لمثل هذه الأمور ، فلم يروا منها شيئا ، ولا يقدر أحد يقول من حضر مع مولانا سبحانه في ظاهر الأمر في مواضع لا يحصرها كل الناس ، أنه شاهد ([22])يفعل شيئًا مما ذكرناه من تعب أو أكل أو شرب حاشاه سبحانه من ذلك .
وأيضًا ما يزعم المشركون به مما أوراهم ([23])من علة جسم من حيث أعلال قلوبهم ، وهو في ظاهر الأمر يركب في محفة يحملها أربعة من الأضداد المشركين وتشق به أوساط المارقين الناكثين والمنافقين ، وما من العساكر إلا وقد قتل ساداتهم ، والرعية كلهم أعداؤه في الدين ، إلا شرذمة يسيرة موحدين له مؤمنين به راضين بقضائه ، ومن رسوم الملوك أنهم لا يثقوا بأحد من عساكرهم ، ولا من أولادهم خوفًا من غدرهم .
فكيف يزعمون أنه مريض ، وليس يقدر يمشي ، وقد قتل جبابرة الأرض وملوكهم ، ويمشي بينهم في محفة ، وهو الذي ذكرته لكم في هذه السيرة وأصناف هذه الأفعال ليس هي فعل أحد من البشر ، وما هو شيء يستعظم للمولى سبحانه ) ([24]).
إذن فكل هذا القتل ، والسفك ، وغير ذلك من أفعاله ، لم تكن طبيعية ، بل هي مقررة ، تمت بخطة يستوعبها الناس على أن هذا ليس من فعل بشر ، وإنما هو فعل إله : يقتل ، ويحيي ، ويرزق ، ويمنع .
أما لماذا تسمى الإِله المعبود بأسماء العباد ؟ فهذا أيضا ما يوضحه حمزة في ( رسالة السيرة المستقيمة ) بقوله : ( فإن قال قائل : فلم تسمى المولى سبحانه باسم العبد ، وما الحكمة فيه ؟
قلنا له بتوفيق مولانا جل ذكره وتأييده : أن جميع ما يسمون الباري جل ذكره في القرآن وغيره فهو لعبيده وحدوده ، وأجل اسم عندهم في القرآن ( الله ) ، وظاهره خطوط مخلوقة ، وباطنه حدود مرئية مرزوقة وظاهره اسم وباطنه مسمى ، والمعبود غيرهما وهو الاسم الحقيقي ، وهو لاهوت مولانا سبحانه وتعالى عما يصفون .
فلما كانت العبيد عاجزين عن النظر إلى توحيد باريهم إلا من حيث هم وفي صورهم البشرية ، أوجبت الحكمة والعدل أن يتسمى بأسمائهم حتى يدركون بعض حقائقه ) ([25]).
ولكي يبرهن دعاة الدروز على أن عبادتهم وتأليههم للحاكم هي العبادة الصحيحة ، يحاولون أن يثبتوا أن عبادة جميع أهل النحل والأديان الأخرى ، هي عبادة عدم ، لأنها بلا معرفة ولا مشاهدة . يقول المقتني بهاء الدين في ( الرسالة الموسومة بالشافية لنفوس الموحدين ) ما يلي :
وذلك أن جميع أهل النحل والأديان يعترفون بالمعبود وينكرون إذا دعيوا إلى حقيقته – الوجود – كما قال : ( يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ) ([26])، أي يقرون أن لهم باريا ، فإذا دعيوا إلى معرفة توحيده أنكروا وجوده ، وكلهم أعني من قدمت ذكره من جميع أهل النحل والأديان يوجبون على أنفسهم عبادة يرجون بها ثوابه ويفرون بها من عقابه ، والعقل يقطع ويشهد ويوجب أن الثواب لا يصح ولا يثبت إلا من بعد معرفة المثيب إذ كان الخلق إلى معرفة المثيب هم أحوج منه إلى معرفة ثوابه ، وأيضًا جميع أهل الشرع والمذاهب المتقدمة .
وأيضًا فإن كان معدومًا فقد سقطت الحجة عن جميع الخلق وكانت الكل معذورين في توقفهم عن طلب الحق ، ويؤيد ما ذكرته ما تقدم به الخلق من أقوالهم ، أن الله لا يحتجب عن خلقه لكن حجبته عنهم أعمالهم ) ([27]).
وفي هذا المعنى أيضًا يقول في ( رسالة من دون قائم الزمان والهادي إلى طاعة الرحمن ) ما يلي : ( وجميع العالم على شك ، والشك هو الكفر لأنهم يعبدون من لا يسمع ولا يُسمع ، ولا يضر ولا ينفع ، ولا يدرون هل عبادتهم مراده ، أو أراد منهم شيئًا مما أجازته عقولهم .
وأيضًا فقد تقدم القول بأن المولى جل ذكره عادل غير جائر ، تعالى وجل عما يقوله الملحدون علوا كبيرا ، فأي عدل يقتضي أن يكون فوق سبع سموات على كرسي فوق السماء السابعة كما يزعم المشركون ([28])، وقد كلفنا مع هذا عبادته ومعرفته ، فهل في وسع أحد أن يعرف ما خلف الجدار الذي هو أقرب إليه من كل قريب إن لم يكشف عنه وينظره بعينه ، فنعوذ بالمولى أن ننسبه أنه احتجب بهذه الحجبة ، ثم كلفنا مع ذلك عبادته ومعرفته ، بل ظهر تعالى بهذه الصورة الناسوتية التي تشاكلنا من حيث المجانسة والمقابلة ، فهذا نفس العدل .
ووجه آخر أن ابن آدم غرض الباري من جميع المخلوقات ، فلما صح عند ذوي العلم والمعرفة والفهم ، أن ابن آدم أفضل الأشياء كلها وجب أن يحتجب الباري جلت قدرته في أجل الأشياء ، واحتجب بأشرف المخلوقات ، واحتجب بأعلم الأشياء ، فنعوذ بالمولى من سوء اعتقاد من يعتقد أنه في الأموات ، وأيضًا فإن العالم كله ما اخلتفوا في أن الباري قادر فأين قدرته لو غاب الدهر كله لا يظهر ، أليس يكون عجز عن الظهور ؟
وأيضًا فلو ظهر الدهر كله ، ثم لم يغب لعجز عن الغيبة ، ولو ظهر في كل الظهورات بصورة واحدة وعلى حالة واحدة لكان ذلك عجزًا ) ([29]).
بهذه الطريقة يحاول حمزة ودعاته أن يثبتوا أن ظهور الاهوت بصورته الناسوتية ( الحاكم ) ، كان رحمة للناس وعدلاً لهم منه ، وفي زعمهم أن أهل الأديان الأخرى لا يعبدون إلا العدم الذي لا يسمع ولا ينفع ولا يضر ، فكان ظهوره هذا رحمة للموحدين .
أما لماذا تسمى الحاكم – ( الإمام ) ؟ فيجيبنا حمزة على ذلك بقوله : ( ولو كان في العالمين شيء أفضل من الإِمامة ، لكان المولى جل ذكره في ظاهر الأمر تسمى به ، فلما لم يظهر في الناسوت إلا باسم الإِمامة علمنا أنه أجل أسماء المولى جلت قدرته ) ([30]).
وعن نهي الحاكم تقبيل الأرض بين يديه ، وتأويل ذلك ، تجيب عنه ( الموسومة برسالة النساء الكبيرة ) إذ تقول : ( ألم تسمعن ما تلي عليكم في السجل المكرم أيضا ، بالنهي عن تقبيل الأرض بين يدي مولانا جل ذكره ، ألم تعلمن أن الأرض هي الأساس ، وأن التقبيل أخذ علمه ، وقد نهاكن عن ذلك ) ([31]).
وفي شرح ( ميثاق ولي الزمان ) يشرح قول حمزة في الميثاق : ( وأنه لا يعرف شيئًا غير طاعة مولانا جل ذكره ) بقوله :
المعرفة ها هنا بالفعل لا بالعلم ، يعني أنه لا يدخل في عبادة الحاكم سبحانه ولا يعتقد سواه ، كقوله : لم أعرف غيره ولم أتوجه إلا إليه ، وكقوله : لم ينطلق في الدعوة الشركية ولا يعرف غير الدعوة اللاهوتية .
والطاعة هي العبادة ، لأن العبادة في هذا الموضع تأليه وتقديس ، وفي غير هذا الموضع العبادة هي الاتباع والطاعة مطلقًا ، ويجوز للعبد أن يقول عن نفسه : أنه يعبد الإِمام أي يتبعه ويطيعه ، كقوله : ( إن كنتم إياه تعبدونه ) ([32])أي تطيعون وتتبعون .
وإنما أظهر لنا الناسوت رفقًا بنا وطمأنينية لقلوبنا ، لأن ليس في طاقتنا مقابلة الأهوة . وقال : ولو انكشف لها معرفة مبدعها من غير تأنيس ولا تدريج لصعقت لقدرته وخرت ، فلو تجلي جل جلاله للخلق من حيث هو لتلاشي كل شيء لعظم إشراق ضوء شعاع نور الأهوة .
ويجب على من أقر بصورة الناسوت أنه يعلم علما يقينا أن اللاهوت فيها غير منفصل عنها كقوله : إن الحجاب هو المحجوب ، والمحجوب هو الحجاب ذلك هو ، وهو ذلك لا فرق بينهما ، وكقوله لا يغيب اللاهوت عن الناسوت ، ومثل الناسوت في اللاهوت مثل الخط من المعنى ، فالخط مثل الناسوت ) ([33]).
ولا يزال الدروز حتى الآن يؤمنون ويقولون بهذه الأقوال ، من هؤلاء الدكتور سامي مكارم الذي يقول :
(( ويمكننا أن نقول : إن الناسوت من اللاهوت كالخط من المعنى ، وكما أن فكر الإِنسان المحدود بالكيفية والإِضافة والزمان وما شابه ذلك لا يستطيع أن يدرك المعاني مجردة من الخط أو الصورة أو الصوت ، كذلك لا يمكن أن يدرك اللاهوت بوجه من الوجوه ، وإنما يتجلي الله في الناسوت ، ويكون هذا الناسوت قد تنزه عن كل ما ليس هو في حقيقته وشموله ، فأضحى تشخيصًا للإِنسان الكامل ، أي ناسوتًا مجردًا متطهرًا مثاليًا متنزلاً بتجرد الباقي السرمدي فيه عن التوهم والفناء .
وهذا هو التأنيس بالنسبة للآخرين بغية التعرف من خلاله إلى حقيقة الموجود في سعي بعضهم ، وتقربهم ، وطلبتهم للمشاهدة والتوحيد الآخر ) ([34]).
والدروز يعتقدون أن الإِله المعبود اتخذ له في الأدوار الماضية صورًا ناسوتية أخرى ، ويعتقدون أيضًا أن هذه الأدوار كانت سبعة أدوار وأن الإِله المعبود قد أظهر ناسوته في هذه الأدوار عشر مرات أو ( مقامات ) ، وفي ( رسالة السيرة المستقيمة ) حديث طويل عن هذه الأدوار ، يقول حمزة في هذه الرسالة :
وهو القسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ، هو الحاكم جل ذكره نطق بأن مولانا جل ذكره هو القائم على كل نفس بما كسب ، وهو المعز ، وهو العزيز ، وهو الحاكم جل ذكره ، يظهر لنا في أي صورة شاء كيف يشاء ( إن الدين عند الله الإِسلام ) ([35])، أي سلموا أمورهم إلى المولى سبحانه ورضوا بقضائه ، فهم المسلمون له حقا ، والمؤمنون به ، والموحدون له تأليهًا وسدقًا .
وتسمى مولانا جل ذكره بالقائم لأن أول ما ظهر للعالم بالملك والبشرية في أيام النطقاء الناموسية والشركية ، فقام على العالمين بالقوة والقدرة ) ([36]).
فتغيير صور ناسوته إنما كان لصلاح شأن الناس ، لأن ناسوته لا يفارق لاهوته طرفة عين ، لذلك ظهر في مقام القائم باسمه ووصفه ، وظهر في مقام المنصور جلت قدرته ، وهو في مقام المعز جلت عظمته ، وفي مقام العزيز أيضًا جل جلاله ( العزيز والمعز هما أب وجد الحاكم بأمر الله ) ، وكل هؤلاء واحد لا يشغله شأن عن شأن ، يعني لا يشغله ظهوره في صورة عن ظهوره في صورة أخرى ) ([37]).
والمقامات الناسوتية التي ظهر فيها المعبود هي كما يعتقد بها الدروز :
1.    العلي .
2.    البار .
3.    أبو زكريا : ظهر في وقت السماء الثالثة سنة 220 هـ .
4.    عليا : ظهر في وقت السماء الرابعة .
5.    المُعل : ظهر في وقت السماء الخامسة .
6.   القائم : كان طفلاً استودعه مع سر إمامته أبوه المعل برعاية سعيد المهدي الملقب بـ ( عبيد الله ) سنة 280 هـ ، وكان سعيد في العشرين من عمره ، هرب بالقائم من وجه العباسيين إلى مصر سنة 289 هـ ، ثم إلى شمال أفريقية سنة 308 هـ ، وهو مؤسس الدولة الفاطمية .
تلاه المنصور الذي حكم من سنة 334 إلى سنة 341 هـ ، ثم المعز من سنة 341 إلى سنة 365 هـ ، وهما مع القائم يعتبرون في المذهب الدرزي ذاتًا واحدة .
7.    العزيز : من سنة 365 إلى سنة 386 هـ ، وأخيرًا الحاكم بأمر الله ) ([38]).
والاعتقاد بهذه المقامات العشرة ، واجب مؤكد على الدرزي ، ففي رسالة درزية مخطوطة ، مجهولة المؤلف وعنوانها ( ذكر ما يجب أن يعرفه الموحد ويعتقد به ويحفظه ويسلك بموجبه ، وهو قول موجز عن كتاب الفرائض ) يقول فيها مؤلفها :
ويجب معرفته تعالى في المقامات العشرة الربانية وهم : العلي ، والبار ، وأبو زكريا ، وعليا ، والمعل ، والقائم ، والمنصور ، والمعز ، والعزيز ، والحاكم ، وكلهم إله واحد لا إله إلا هو .
فالعلي الأعلى كل زمان تجريد ولا إمامة فيه ، ولم يكن قبله شيء وظهر في أول الدنيا ، ثم البار تجريد عن الإِمامة وظهوره في أواخر أدوار الدنيا ، وبين العلي والبار تسع وستون كشفة ، وبين كل كشف وكشف سبع شرائع ، وبين كل شريعة وشريعة سبعة أئمة ، ومدة كل إمام مائة ألف سنة ، فتكون الأدوار والشرائع من العلي إلى البار ثلثمائة ألف سنة .
ثم بعد غيبة مقام البار سبحانه وتعالى ، ظهر آدم الجزي الذي هو أحنوخ بشريعة توحيدية يدعو إلى توحيد البار سبحانه ، وظهر بعده سبعة أئمة من حروف الصدق وحدوا حدوده ، ثم ظهرت بعدهم الشرائع الناموسية بالنطقاء التكليفية الذين هم : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، ومحمد ، وسعيد المهدي ، وكلهم نفس واحدة ، وبين كل ناطق وناطق سبعة أئمة ، ودخل أهل الحق في هذه الشرائع المذكورة ([39]).
وأما ظهور أبي زكريا وعليا ([40])والمعل ، كان بإمامة مستورة في دور محمد بن إسماعيل ، ثم بعد سعيد المهدي ظهر البار سبحانه في مقام القائم والمنصور والمعز والعزيز ، وذلك في الخلافة الظاهرة والإِمامة الباطنة .
وأما مقام الحاكم فظهر بالثلاث منازل المذكورة ، ثم تجرد بالوحدانية وكشف توحيده مدة من السنين ، ثم أعطى الخلافة والإِمامة لعلي الظاهر ([41])، الذي هو الدجال ، وأعطى الإِمامة الحقيقية إلى صاحبها الذي هو القائم المنتظر حمزة بن علي صلى الله عليه ) ([42]).
ومما يذكر أن حمزة أيضًا أيضًا وجميع الحدود الآخرين كانوا يظهرون في هذه الأدوار بأسماء وصور مختلفة .
وفي ( رسالة السؤال والجواب ) هذا الحوار أيضًا عن المقامات الناسوتية التي ظهر بها اللاهوت :
س : وكم مرة ظهر مولانا الحاكم بالصورة الجسمانية ؟
ج : ظهر عشر مرار ، وتسمى بالمقامات وهم : العلي ، البار ، عليا ، المعل ، القائم ، المعز ، العزيز ، أبو زكريا ، المنصور الحاكم .
س : فأول المقامات الذي هو العلي ، أين ظهر ؟
ج : ظهر في الهند في مدينة يقال لها حين ما حين .
س : والبار أين ظهر ؟
ج : بالعجم في مدينة يقال لها أصبهان ([43])ولأجل هذا تقول الفرس بارخدا ، وعليا ظهر في اليمن ، والمعل ظهر بالمغرب ، في صورة رجل مكاري على ألف جمل ، والقائم ظهر بالمغرب في مدينة يقال لها المهدية ([44])، ومنها جاء إلى مصر ، وأبو زكريا والمنصور ظهرا في المنصورة ([45])، والمنصور كان اسمه إسماعيل .
س : وكيف نقول في باقي الملل ، الذين يقولون أننا نعبد الرب الذي خلق السماء والأرض ؟
ج : ولو قالوا ذلك لا يصح معهم ، لأن العبادة لا تصح بلا معرفة ، ولو قالوا عبدنا ولم يعرفوا أن الرب هو الحاكم بذاته فتكون عبادتهم كاذبة ) ([46]).
ويقول الدكتور محمد كامل حسين : ( وليس لنا أن نناقش هذه العقيدة ، إلا أننا نحب أن نسجل أن ظهور أبي زكريا القرمطي كان أسبق من ظهور القائم بأمر الله .
ثم قولهم في ( رسالة السيرة المستقيمة ) : أن القائم كان بمصر وبنى بها بابا يسمى الرشيدية ، كل ذلك بعيد عن الحقيقة التاريخية ، حقيقة حاول القائم بأمر الله فتح مصر أكثر من مرة ولكن لم يوفق ، فكيف أقام بها وشيد بها بابًا ؟ ) ([47]).
والحقيقة أن الدارس لرسائل الدروز وخاصة رسائل حمزة يجد المغالطات التاريخية التي لا تخفي على أحد ، وخصوصًا عندما يتحدث حمزة عن ظهوراته أيضًا في المقامات المختلفة من زمن آدم عليه السلام إلى زمن محمد صلى الله عليه وسلم .
وكل هذا يدل دلالة واضحة على الشعوذات والمغالطات التاريخية التي أتبعها حمزة في إثبات معتقداته .
غير أن هناك نقطة مهمة في هذا الموضوع أحب أن أوضحها ، وهي أن المقام الأخير من ظهور اللاهوت بالناسوت – أعني ظهور الحاكم – كان الظهور الأخير من ظهور المعبود .
لأن المعبود غضب – بعد ذلك – على كل خلقه ماعدا الموحدين ؟! ولذلك أغلق باب دعوته فغاب إلى داخل السور المسمى ( سد الصين ) ليبقى إلى أن يشاء ثم يظهر يوم الدين .
وهذا ما يقوله حمزة في ( رسالة الأسرار ومجالس الرحمة والأولياء ) ، أما متى سيكون يوم الدين فهذا ما تحدث عنه حمزة مرارا بأنه سيكون قريبًا ، وبذلك يكون انتهاء هذا الدور ، كما صرح حمزة : أن الأدوار السابقة سبعون دورًا ومن كل دور واحد سبعون أسبوعًا وكل أسبوع سبعون سنة ، وكل سنة ألف سنة من السنين التي يعدها البشر ([48])، وفي كل هذه الأدوار ظهر المعبود في نفس الصور التي ظهر في هذا الدور الذي نعيش فيه ، وبذلك يكون عدد ظهور المعبود في كل الأدوار حوالي سبعمائة مرة ) ([49]). والغريب أن كمال جنبلاط يحدد ظهور التجلي الإِلهي الجديد في حدود سنة ( 2000 م ) ، حيث يتنبأ بظهور التجلي الإِلهي والحكيم من جديد ، وعندها يفتح الطريق من جديد ويصير بإمكان جميع الناس في كافة أصقاع العالم سلوكها ([50]).
ويقول المقتني بهاء الدين عن يوم الدين حسب وجهة نظره :
وأنتم تعلمون معاشر الإِخوان ، وفقكم المولى لطاعته وسددكم عرضاته ، أن قد صح عندكم أن الدنيا قد أفناها مولانا الحاكم سبحانه ، وأنكم في أوائل الآخرة ودليلكم على ذلك واضح ، وذلك أن مولانا سبحانه أظهر لكم إمام توحيده فنادى بكم وأرشدكم ... واعلموا معاشر الإِخوان ، أن لو كان المعبود سبحانه ينتقل بعد هذا الظهور في الأقمصة المختلفة لكان هذا أمر لا نفاذ له ، وأمد لا آخر له ، وكانت تنفذ الديانة الآن ، ويكون هذا يدل على أن من عمل عملاً لم يجازي عليه من ضد وولي ) ([51]) .
ونختتم هذا المبحث عن ألوهية الحاكم ، بـ ( شعر النفس ) الذي نظمه أحد حدودهم : إسماعيل بن محمد التميمي صهر حمزة ، وهو موجود بين رسائلهم ، يمجد فيه الحاكم الإله المعبود ، يقول التميمي في هذا الشعر :
إلى غاية الغايات قصدي وبغيتي                        إلى الحاكم العالي على كل حاكم
إلى الحاكم المنصور عوجوا وأتمموا                    فليس فتى التوحيد فيه ينادم
هو الحاكم الفرد الذي جل اسمه                       وليس له شبه يقاس بحاكم
حكيم عليم قادر مالك الورى                           يؤانس بالاسم المشاع بحاكم
هو الحاكم المولى بناسوته يُرى               ولاهوته يأتي بكل العظائم
تسمى إمامًا والإِمام عبده                      يتقظى ولا يصغى إلى كل نائم
وقد ظهر المولى فآنس عبيده                   بأفعالهم أنسا بحكم حاكم
ظهورا بأفعال العبيد وشكلهم               ويؤنسهم والخلق شبه بهائم ([52]).
إن النصوص السابقة وأخرى كثيرة مثلها ، تدل صراحة على تأليه الحاكم من قبل الدروز :
وأمام هذه النصوص الواضحة والجلية ، أتساءل : لماذا يحاول الدروز للآن أن ينفوا ظاهرًا هذا عن معتقدهم ؟ مع أنهم يؤكدونها في مجالسهم الخاصة . يقول الأستاذ عبد الله النجار ( وهو درزي ) : ( وإني لأذكر عتاب كبير الأشياخ الثقات ، لأني ذكرت في أحد الكتب المطبوعة : أن أم الحاكم كانت صقلبية ، إذ قال لي : أن الحاكم لا أم له مرددا ما جاء في الرسالة 26 : حاشا مولانا جل ذكره من الابن والعم والخال ، ( لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) ([53]) .
ولقد حاولت جهدي أن لا أعلق كثيرًا على ما تضمنته هذه الرسائل ، لأن ما تحويه لا تجعل مجالاً لأي تعليق ؟ وما تضمنته يغني عن أية زيادة ؟!
2 – التناسخ والتقمص والحلول .
يستدل من النصوص الواردة في رسائل الدروز ، بأن الدروز يعتقدون بالتناسخ والتقمص ، أي بانتقال النفس من جسم بشري إلى جسم بشري آخر ، باعتبار أن النفس لديهم لا تموت ، بل يموت قميصها ( الجسم ) ، ويصيبه البلي ، فتنتقل النفس إلى قميص آخر .
وهذا خلاف التناسخ الذي تعتقده فرق أخرى – كالنصيرية - ، والذين لا ينحصر عندهم التناسخ بين الناس ، بل يكون أحيانًا بينهم وبين البهائم – أي بمعنى المسخ - ) ([54]).
وعقيدة الدروز تنكر المسخ في التناسخ إنكارًا صريحًا ، وتنفيه نفيًا قاطعًا ، حتى إنها استبدلت لفظة التناسخ بـ ( التقمص ) ، لأن في انتقال النفس إلى جسم حيوان ظلم له ، ولأن العقاب والثواب بني – حسب ما يزعمون – على قاعدة العدل الإِلهي في محاسبة الأرواح بعد مرورها في الدهر الطويل ، لا في مدى حياة واحدة ، بخيرها وشرها ، وقصرها أو طولها ، بحيث يمنحها الدهر الطويل فرص الاكتساب والتطور ، والامتحان والتبدل ، لكي تحاسب حسابًا عادلاً على مجموع ما كتب ، فلا تكون الأرواح كيانات مبهمة غير واعية ) ([55]).
ولكن الدروز يعتقدون بالمسخ المعنوي أو المجازي ، يقول الأستاذ عبد الله النجار : ( المسخ في اللغة تحويل الصورة إلى أقبح منها ، فيقال مسخه الله قردًا ، وهذا دينيا ، ورد ذكره ، مجازي معنوي ، المقصود منه التحقير ، والذم ، والتوبيخ ، وهو تعبير مجازي وليس حسيا على الإِطلاق .
وإنما تكون الحكمة في عذاب رجل يفهم ويعرف العذاب ، ليكون مأدبة له وسببا لتوبته ... وإنما يكون العذاب الواقع في الإِنسان ، نقلته من درجة عالية إلى درجة دونها في الدين ، وفي قلة معيشته وعمى قلبه في دينه ودنياه ) ([56]).
ومن اعتقادهم في هذا الموضوع : ( أن العالم قد خلق دفعة واحدة ، وأن البشر خلقوا سوية وليسوا بمتناسلين من أب واحد ، بل من حين الخليقة وجد الحايك في نوله ، والبناء على الحائط ، وأن عدد أنفس البشر لا يزيد ولا ينقص ) ([57]).
وفي هذا المعنى جاء في رسالة ( من دون قائم الزمان ) ما يلي :
( أليس قد صح عند كل ذي عقل ومعرفة بالحقيقة والفضل ، أن هذه الأشخاص أعني عالم السواد الأعظم لم يتناقصوا ولم يتزايدوا ، بل هي أشخاص معدودة من أول الأدوار إلى انقضاء العالم والرجوع إلى دار القرار .
والدليل على ذلك أن هذه الخلقة أعني العالم العلوي والسفلي ليس لها وقت محدد ، ولا أمد عند العالم معدود ، أليس لو زاد العالم في كل ألف سنة شخصًا واحدًا لضاقت بهم الأرض .
ثم إنه لو نقص في كل ألف سنة شخص واحد لم يبق منهم أحد ، فصح عند كل ذي عقل راجح ، ومن هو بالحقيقة لنفسه ناصح ، أن الأشخاص لم تتناقص ولم تتزايد ، بل تظهر بظهورات مختلفات الصور على مقدار اكتسابها من خير وشر ) ([58]).
وكذلك نجد في ( رسالة ذكر الرد على أهل التأويل الذين يوجبون تكرار الإِله في الأقمصة المختلفة ) ما يلي :
عرفوني يا شيوخ التجريد هذه القوى التي تفارق الأجسام أين مستقرها ؟ وأين يكون ثباتها ؟ فإن قلتم : فيما بين الأرض والسماء ، فهي لكثرة النشوء تسد ما بين العالمين ، وتخالط الهوى وتأتي عليها الطبائع ويدخل عليها من التضاد والفساد ما يدخل على غيرها ، وإن أوجبتم أن ثباتها فوق السماء فهي تملأ الأفق ) ([59]).
والملاحظ في رسائل حمزة أن العذاب الواقع بالإِنسان يكون بنقلته من درجة عالية إلى درجة دونها من درجات الدين ، ويستمر تنقله من جسد إلى جسد بتناسخ روحه وتقمصها في الأجساد ، وهو كلما تنتقل روحه من جسد إلى جسد تقل منزلته الدينية .
أما الجزاء في الثواب مادام يتكرر في الأجساد فهو زيادة درجته في العلوم الدينية وارتفاعه من درجة إلى درجة ) ([60]).
وهكذا تمر النفس في دورانها بحالات مختلفة وتظل كذلك حتى تتطهر – إن كانت صالحة - ، وبعد هذا التطهير يكون الزمن الذي يعقب قيام القيامة التي يترقبها الدروز ، أما النفس الشريرة فتظل معذبة بجميع أنواع العذابات المعروفة .
والعذاب الأكبر هو عذاب الضمير ، وعذاب الندم على ما فات ، لأنها لم تنتفع من أدوارها الماضية ) ([61]).
وهم يعتقدون أنه : ( كلما مات إنسان انتقلت روحه لمولود جديد ، ويسمى ذلك عندهم الفرقة والخلقة ، ويشبهون النفس بالسائلات التي تحتاج إلى إناء يضبطها فإذا كسر فلابد من تلقي السائل في إناء غيره لئلا يهرف ويضيع ) ([62]).
وبناء على ذلك فإذا مات أحد من مذهبهم فإنه يولد ثانية على نفس هذا المذهب ، ولهذا فلا يقبلون أحدا في مذهبهم حتى ولو اطلع الإِنسان على كتبهم وعرف ديانتهم واعتقد صحتها وسلك بموجبها فلا فائدة من ذلك ، بل حين موته ترجع روحه إلى مذهبه القديم .
وكذلك إذا انتقل أحد من مذهبهم إلى غيره ، فإنهم لا يعترفون بذلك ، لأن روحه في النقلة الأخرى ستعود إلى مذهبه القديم ([63]).
يقول الدكتور سامي مكارم عن هذه النقطة : ( ففي عقيدتهم أن الذين نقلوا الدعوة وتعرضوا إلى الحقيقة في الماضي لا يزالون يولدون من تقبل الدعوة .
كذلك فإن التقمص في معتقد التوحيد ليس تطورًا للروح في هذا الدور ، بل هو تقلب الروح في شتى الأحوال ، لكي يتسني لها أن تختبر هذه الأحوال .
فمن لم يتقبل نداء الحق ، حسب معتقد التوحيد ، لا يمكنه إلا أن يحصد نتيجة أعماله في حيواته التالية ، وكذلك هي الحال بالنسبة لمن تقبل هذا النداء وتعرف إلى الحقيقة .
والتقمص يتضمن – عند الدروز أيضًا – تمييزًا جنسيًا ، فالذكر يولد ذكرًا ، والأنثى أنثى ) ([64]).
ونتيجة لهذه النظرية عندهم ؛ فإنهم يقولون : ( عن ذوي العاهات والمصابين كالأعمى والأعرج والفقير والجاهل ، أن مصابهم هو قصاص عن ذنوبهم في مدة حياتهم السابقة ، ويحتجون بذلك على النصارى فيما ورد بالإِنجيل حينما سأل الرسل السيد المسيح : عن ذلك الأعمى هل هو أخطأ أم أبواه ؟ حتى ولد أعمى ، ويقولون : إنه إذا كان قد أصيب بالعمى وقت ميلاده لخطيئته ظهرت منه .
ويعتقدون أيضًا : أن إيليا النبي هو يوحنا المعمدان ، وأن المسيح أي حمزة أخبر عنه في إنجيل متى : بأن يوحنا هو إيليا ، ويجعلون هذا برهانا على التقمص ، وهكذا يجعلون الغني والعالم والجاهل ، إنما استحقوا ذلك مكافأة لهم ) ([65]).
ويتسدل الدروز بآيات من القرآن الكريم ليثبتوا فيها اعتقادهم بالتناسخ ، مؤولين معناها ليتفق مع ما يزعمون ، ومن ذلك ما استدل به الأستاذ فؤاد الأطرش من آيات القرآن الكريم ، زاعمًا أنها تدل على التناسخ :
{ كلما نضجت جلودهم ، بدلناهم جلودًا غيرها }([66]) [ النساء : 56 ] .
{ كيف تكفرون ( بنعمة ) الله ، وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون } ([67]).
لا ينفع نفسًا إيمانها ( إن ) لم تكن آمنت من قبل وكسبت في إيمانها خيرًا ) ([68]).
{ منها خلقناكم ، وفيها نعيدكم ، ومنها نخرجكم تارة أخرى }([69]) [ طه : 55 ] .
{ يخرج الحي من الميت ، ويخرج الميت من الحي ، ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون } ([70]) [ الروم : 19 ] .
ويزعم الأستاذ الأطرش أيضًا : ( أن تشبيه النفس بالأرض إثبات مادي على التقمص لا يقبل الجدل ، فلنتأمل في أدوار الأرض ومواسمها وموتها ثم حياتها .
والإِنسان يرفض هذه الفكرة لأنها تناقض مبدأ الذاتية وتحطم أحلامه ، ويضع الإِنسان أمام الواقع الروحي موضع المنافح في سبيل خلاصه من أسر مادية التفكير والحياة ) ([71]).
وبسبب اعتقادهم بالتقمص ، يعتقدون أيضًا بالنطق ، ( والنطق هو : أن الروح حين تنتقل من جسد إلى جسد تحمل معلومات عن دورها في الجيل السابق – يعني في الجسم الذي كانت تتقمصه قبل قميصها الحالي ، وفي هذه الحالة تتحدث أو تنطق بما تذكره من وقائع عن حياتها السابقة ) ([72]).
ولكن هناك من الدروز مثل الأستاذ عبد الله النجار ، من ينفي نظرية ( النطق ) هذه من أساسها ، ويعتبرها خرافات ومن سذج العامة ويستشهد على ذلك بنصوص من رسائلهم ، ومما ذكره نقلاً عن الرسالة 67 : ( فإن قال قائل : ما لنا لا نعرف ما مضى من الأدوار ؟ قال له المحتج بالحقيقة : إنك لو ذكرت ، وعرفت ، لشاركت المبدع في غيب حكمته ، ولكان ذلك عجزًا من الباري ، ولكان يفسد النظام ) ([73]).
غير أن الدكتور سامي مكارم يقول في معرض ردِّه على الأستاذ النجار : ( ويمكننا القول أن منطق عملية التقمص لا يتعارض مع تذكر الماضي ، خاصة عندما ندرك أن نزعات الفكر اللطيفة ، حسب عقيدة التوحيد ، تنطوي عند الموت ، في أعماق النفس المتنقلة من جسد إلى جسد .
وهذه النزعات والأفكار اللطيفة ، كبذور انطلاقة الحياة التالية ، هي التي تحدد وضع التقمص المقبل ، فلابد لبعض الأذهان إذا صادفت بعض الحالات المناسبة ، أن تتذكر الماضي المباشر الذي كانت تعيش فيه ) ([74]).
ولابد لنا – بعد ذلك – إلا أن نرجح الرأي الذي يقول باعتقاد الدروز بـ ( النطق ) ، ذلك لأن كتاب أضواء على مسلك التوحيد ، كان في الحقيقة ردًا من مشيخة العقل عندهم على الأستاذ عبد الله النجار .
أما الحلول : فهو نوع من التقمص ، لكنه يختلف عنه في أن النفس المنتقلة من جسم إلى آخر ، تنتقل معها أحيانًا جميع صفاتها ، أو بعض صفاتها البارزة .
ومن ذلك نشأ الاعتقاد أن نفوس الأنبياء والمرسلين تنتقل من دور إلى دور ، مستكملة أروع صفاتها ، فحمزة بن علي في دور الحاكم هو نفس سلمان الفارسي في دور النبي صلى الله عليه وسلم ) ([75]).
وقد استنتج الدكتور محمد كامل حسين من نظرية التناسخ هذه : ( أن لهذه العقيدة علاقة بمذهب التناسخ في الديانة البوذية ، والديانة الهندوكية ، ففي الديانة البوذية ظهر بوذا على هيئة حيوانات وطيور وشجر وصور أنسية حوالي ألف مرة ([76]) .
وفي الديانة الهندوكية ظهر شيفا على صور أنسية عديدة ، كذلك ظهر مذهب التناسخ عند فلاسفة اليونان وقدمائهم ، ففي ديانة قدماء اليونان تظهر آلهتهم في صور مختلفة ، وعند فلاسفة اليونان التناسخ عندهم عدة أقسام : نسخ ومسخ وفسخ ورسخ ) ([77]).
وهكذا نستطيع أن نربط هذا الاعتقاد ، بهذه الاعتقادات التي كانت سائدة في فارس والهند واليونان .
3 – الحدود الخمسة :
في العقيدة الإِسماعيلية مبدأ أساسي في التوحيد والإِيمان ، (( هو أن توحيد الله لا يكمل إلا بمعرفة مراتب الحدود الروحانية ، والحدود الجسمانية ، والإِيمان بهم وطاعتهم طاعة تامة ، وهذه الحدود هي : ( العقل ، والنفس ، والجد ، والفتح ، والخيال ) . وهذه الحدود العلوية ممثولات لحدود الدين الجسمانية الذين هم النطقاء ، والأوصياء والأئمة والحجج والدعاة ) ([78]) .
وذهب الفاطميون كذلك إلى أن الله تعالى أبدع العقل الكلي وبوساطته وجدت النفس الكلية ، وبوساطتها وجدت المخلوقات كلها .
فالعقل الكلي عند الإِسماعيلية هو الخالق الحقيقي ، ومن هنا قالوا أن أسماء الله الحسنى الواردة في القرآن الكريم هي أسماء للعقل الكلي ، واعتبروا أن الإِمام الفاطمي ممثل للعقل الكلي ، وأن جميع مناقب العقل الكلي وصفاته تطلق أيضًا على الإِمام ) ([79]).
وجاء دعاة الدروز وأخذوا آراء الفاطميين في الحدود ، وحوروها حتى تتفق مع مبادئهم وآرائهم ، فخالفوا بذلك آراء الفاطميين مخالفة جوهرية .
من ذلك : (( أن الحدود الروحانية هم نفسهم الحدود الجسمانية ، فلا يوجد عندهم مثل وممثول ، أي أن الحدود الجسمانية هم أنفسهم الحدود العلوية ، فذهبوا إلى أن المعبود أبدع من نوره العقل الكلي ، وهو الإِرادة ، وهو علة العلل ، وهو القلم ، هو القضاء ، وهو ألف الابتداء وألف الانتهاء ، وهو قائم الزمان حمزة بن علي ) ([80]).
ويناقش حمزة رأي الفاطميين في حدود الدين في ( رسالة كشف الحقائق ) فيقول :
(( اعلموا معاشر الموحدين رحمكم البار العزيز الجبار ، بأن جميع المؤمنين والشيوخ المتقدمين تحيروا في أمر السابق وضده التالي ونده ، فبعضهم قالوا : بأن السابق هو الغاية والنهاية ، والعبادة له وحده دون غيره في كل عصر وزمان ، وهذا نفس الكفر .
وقالت طائفة منهم : إن السابق نور الباري ، لكنه نور لا تدركه الأوهام والخواطر ، وهذا نفس الشرك بأن يكون الباري سبحانه لا يدرك ، وعبده لا يدرك ، فأين الفرق بين العبد والمعبود ، وهذا محال ونفس الشرك والضلال ) ([81]).
وهكذا أظهر حمزة الحدود في صور تختلف عما عهده أصحاب العقيدة الفاطمية ، فحمزة بن علي هو نفسه العقل الكلي ، وهو الإِرادة ، وهو علة العلل ، وهو القلم ، وهو القضاء إلى غير ذلك من الألقاب التي منحها لنفسه ، وهذا العقل الكلي ليس هو السابق ، إنما السابق مرتبته أقل بكثير من مرتبة العقل الكلي ، فإنه في المرتبة الرابعة من مراتب الحدود عند حمزة .
كذلك عن التالي ، وهو النفس الكلية عند الفاطميين ، فقد جعل حمزة مرتبة التالي في المرتبة الخامسة ، وجعل الفاطميون – الكلمة – مكونة من السابق والتالي ، بينما جعل حمزة – الكلمة – هي المرتبة الثالثة من مراتب الحدود ) ([82]).
(( وجميع هؤلاء الحدود مشخصون ليس في زمن الحاكم وحسب ، بل في جميع العصور ) ([83]). فقد زاروا العالم بظروف وأدوار مختلفة . إذ هم ليسوا مولودين بل موجودين ، لا يمسهم الموت ، إذ هم الروح الحقيقي الذي لا يخلوا منه عصر ، وهم رسل الحاكم في كل دور وإن أخذوا أسماء مختلفة وأقمصة متعددة .
ويوضح إسماعيل التميمي في ( الرسالة الموسومة بالشمعة ) مراتب الحدود وأسمائهم فيقول :
الحمد لمن أبان توحيده بإقامة حدوده ، وكشف عن مجيده بمراتب آياته ، وضرب بذلك الأمثال ليعبدوه ذوي الألباب ([84])، فقال : ( وما يتذكر أولو الألباب ) ([85]).
والشمعة أقيمت كاملة بجميع آلاتها على التوحيد المحض ، فشمعة : خمسة أحرف دليل على الخمس جواهر المكنونة وهم : الإِرادة ، والمشيئة ، والكلمة ، والسابق ، والتالي ، فهؤلاء شمعة التوحيد .
وعلى بعض الوجوه ، إن الشمع لا يقد إلا بالقطن ، والقطن لا تقد إلا بالشمع ، ولم يقع عليها اسم شمعة كاملة يستضاء بنورها إلا بتعلق النار فيها ، والنار الذي يتعلق فيها فهو لطيف وكثيف ، فاللطيف فيه لسان العالي الأحمر الذي تعتريه زرقة يختفي مرة ويظهر مرة ، فذلك دليل على قائم الزمان حمزة بن علي بن أحمد ، والنار الذي يوقد الشمع دليل لعلى حجته : إسماعيل بن محمد بن حامد ، والشمع دليل على الكلمة محمد بن وهب ، والقطن دليل على السابق سلامة بن عبد الوهاب ، والطست الذي هو الحسكة دليل على التالي على بن أحمد السموقي فهذه الخمسة حدود .
كذلك من عدم معرفة هذه الخمسة حدود لم يعرف التوحيد في وقتنا هذا ، وكان توحيده دعوى ، فليعلموا الموحدون ذلك ويعتقدون ولا يعبدون المولى بلا معرفة ، فقد قال : { وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه }([86]) [ الطلاق : 1 ] .
ويصف ( كتاب النقط والدوائر ) الحدود بما يلي :
فالأصلان القديمان : هما العقل الكلي والنفس الكلية ، والكلمة البسيطة هو مولاي الكلمة سلام الله عليه ، والنور البسيط هو مولاي أبو الخير ، والحكمة اللطيفة هو مولاي بهاء الدين سلام الله عليهما . فصارت أربعة جوانب ، أي الحدود الأربعة جوانب حول العقل الكلي ، لأنهم له بمحل الأجنحة ، كما قال : ( أولي الأجنحة مثني وثلاث ورباع ) ([87]).
وعلى ضوء ما ورد في رسالة ( ذكر معرفة الإِمام وأسماء الحدود العلوية روحانية وجسمانية ) نستطيع أن نرتب حدود الدروز الخمسة على الشكل التالي :
أولا : النفس ، وهو ذو معة ، علة العلل ، والآمر قائم الزمان ، وهو الإِرادة ، وهو الإِمام الأعظم حمزة بن علي بن أحمد هادي المستجيبين .
ثانيا : النفس ، وهو ذو مصة ، وهو المشيئة ، إدريس زمانه ، وأحنوخ أوانه ، هرمس الهرامسة ، الحجة الصفية الرضية ، الشيخ المجتبى ، أبو إبراهيم إسماعيل بن محمد بن حامد التميمي ، صهر حمزة بن علي .
ثالثًا : الكلمة ، وهو سفير القدرة ، ذو مصة فخر الموحدين ، وبشير المؤمنين ، وعماد المستجيبين ، الشيخ الرضى ، أبو عبد الله محمد بن وهب القرشي .
رابعا : السابق ، وهو الجناح الأيمن ، نظام المستجيبين وعز الموحدين ، أبو الخير سلامة بن عبد الوهاب السامري .
خامسًا : التالي ، وهو الجناح الأيسر ، لسان المؤمنين وسند الموحدين ، ومعدن العلوم ، الذي يقوم بالأفعال الصحيحة المعلومة ، والناصح لكافة الخلق أجمعين ، الشيخ المقتني بهاء الدين أبو الحسن علي بن أحمد السموقي المعروف بـ ( الضيف ) ([88]).
والحدود الأربعة الذين يلون العقل الكلي ، هم الأربعة الحرم ، وهؤلاء الحدود يظهرون في كل عصر في صور مختلفة وأسماء متباينة ، فمثلاً عندما ظهر المعبود في صورة أبي زكريا ، ظهر حمزة في صورة قارون ، وظهر إسماعيل التميمي النفس الكلية في صورة أبي سعيد الملطي ) ([89]).
وعندما ظهر حمزة في صورة سلمان الفارسي في زمن محمد صلى الله عليه وسلم ، ظهرت الحدود الأربعة الأخرى بصورة أربعة من الصحابة وهم : المقداد ، وأبو ذر ، وعمار بن ياسر ، والنجاشي ) ([90]).
ومما يذكر أن التالي – أي بهاء الدين – له ثلاثة حدود هم :
1.    الجد : وهو أيوب بن علي .
2.    الفتح : وهو رفاعة بن عبد الوارث .
3.    الخيال : وهو محسن بن علي .
               وهؤلاء الثلاثة يتلقون أوامرهم من بهاء الدين ، وليس لهم المكانة التي               للحدود الحرم ) ([91]) .
وسمي الحدود الأربعة حرما ، لأن حمزة مقامه منهم مقام الرجال ، وهم نساؤه ، ولأنهم عنده بمنزلة النساء في طاعتهم له ) ([92]).
وحتى يكون التوحيد شاملاً ، جعلوا لمرتبة العقل سبعين حجة ، وعن هؤلاء الحجج السبعين تفرعت الحدود جميعا بين دعاة ومأذونين ومكاسرين .
وجميع الحدود الحرم وغير الحرم كلهم من قبل العقل ، يسقط من يريد ويرفع درجة من يشاء ، والحدود السبعون هم الذين أتى على ذكرهم القرآن الكريم بقوله تعالى : { ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا فاسلكوه }([93]) [ الحاقة : 32 ] ، يعني حدود دعوة التوحيد سلسلة بعضها في بعض وهم سبعون رجلاً موزعين ومنظمين حسب الشكل التالي :
أولاً : النفس الكلية ، ولها اثنا عشر حجة في الجزائر ، وسبعة دعاة للأقاليم .
ثانيا : الكلمة ، ولها اثنا عشر حجة وسبعة دعاة .
ثالثًا : السابق ، وله اثنا عشر حجة فقط .
رابعًا : التالي ، وله اثنا عشر حجة فقط .
خامسًا : الداعي المطلق ، وله مأذون واحد ومكالبان – أو مكاسران - ) ([94]).
وقد أوضحت ( الرسالة الموسومة بكشف الحقائق ) هذه الحدود بقولها : ( فهؤلاء الحدود السبعون التي ذكرناهم ، هم أذرع السلسلة الذي قال في القرآن : { خذوه فغلوه }([95]) [ الحاقة : 30 ] ، أي ضد الإِمام إذا بلغ غايته وتمت نظرته ، خذوه بالحجج العقلية وغلوه بالعهد وهو الذبح الذي قالوا بأن القائم يذبح إِبليس الأبالسة ، {ثم الجحيم صلوه }([96]) [ الحاقة : 31 ] ، أي غوامض علوم قائم الزمان الذي يتحتم العلماء والفهماء عند علمه ، أي يصمتوا ويتخيروا ، { ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا فاسلكوه } أي ميثاق قائم الزمان الذي هو سلسلة بعضها في بعض ، وهم سبعون رجلاً في دعوة التوحيد .
فهذه السلسلة الحقيقية ، ومعانيها كما ذكره الجهال الحشوية([97])، ولو كان كما قالوا الظاهر لم يكن قولهم حكمة لأن من كان في غل جهنم وعليه متوكلون الزبانية لا يحتاج إلى سلسلة ، لأنه لا يستطيع الخروج من النار ، ولو كان نسيا ، فكيف وقد غلوه ؟ فإن قالوا : بأن الله أراد بالسلسلة تهديد أهل النار والتعظيم عليهم ، فقد بطلت حجتهم هاهنا لأنه قال سبعون ذراعًا ، ولو كان بسبب التعظيم لكان يجب أن يكون ألف ذراع ، فلما لم يذكر غير سبعين ذراعًا ، أعلمنا أنه أراد بذلك أشخاصًا معروفة دينية توحيدية لا يجوز لأحد أن يتجاوز حدهم ولا يزيد ولا ينقص ) ([98]).
وقالوا في تأويل ( بسم الله الرحمن الرحيم ) أنها : ( تسعة عشر حرف إشارة إلى حدود حمزة تسعة عشر رجلاً ، فلذلك عندما يكتبون ( بسم الله الرحمن الرحيم ) يلحقونها بقولهم : حدود عبده الإِمام ) ([99]).
فعندهم ( بسم الله ) سبعة أحرف دليل على سبعة دعاة أصحاب الأقاليم السبعة ، و ( الرحمن الرحيم ) اثنا عشر حرفا دليل على اثني عشر دعاة الجزائر ) ([100]).
وقد ورد هذا التأويل في ( الرسالة الموسومة بسبب الأسباب ) التي كتبها حمزة حيث يقول : ( وفي السطر الرابع صفات العلة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وهم صفات هذه العلة المذكورة الذي هو الإِمام ، لأن ( بسم الله ) سبعة أحرف دليل على سبعة دعاة أصحاب الأقاليم السبعة ، و ( الرحمن الرحيم ) اثنا عشر حرفا دليل على اثنا عشر داعيًا ، أصحاب الاثنا عشر ([101]) جزيرة ، وأيضًا دليل على سبعة أفلاك ، واثنا عشر برجًا ، وهم كلهم موجودون في عصر مولانا جل ذكره مستخدمون تحت أمر هذا الإِمام ) ([102]).
ولهذا نجد في مقدمة كثير من رسائل الدروز ذكر ( بسم الله الرحمن الرحيم ) على أنها حدود عبده الإِمام ، من ذلك ( الموسومة برسالة النساء الكبيرة ) حيث يقول : ( توكلت على مولانا البار العلام العلي الأعلى على جميع الأنام ، جل ذكره عن وصف الواصفين وإدراك الأنام حروف ( بسم الله الرحمن الرحيم ) عبده الإِمام ) ([103]).
(( واحترام الحدود عندهم ، معتقد أكيد ، لأنهم وسائط الله تعالى وأبوابه وسفراؤه ، ومنهم الوصول إليه ، ولا مطمع لأحد من الخلق في الوصول إلى الخالق أبدا إلا بهم ومنهم وعلى يدهم وبتعليمهم وإرشادهم )) ([104]).
فهم أشرف خلق الله تعالى بعد سيدهم الإمام الأعظم ، وهم معصومون عن الزواج والخطايا ) ([105])
والحدود الخمسة – عندهم – بالإضافة إلى الجد والفتح والخيال ، هم الثمانية الذين يحملون العرش ) ([106]).
ولذلك يقول حمزة في ( رسالة التحذير والتنبيه ) : ( واعرفوا الحدود بأسمائهم وصفاتهم ، ونزَّلوهم في رتبهم ، ومنازلهم ، فإنه أبواب الحكمة ، ومفاتيح الرحمة ) ([107]).
وبعد هذا التعريف العام عن الحدود ومكانتهم عند الدروز ، نتحدث عن كل واحد منهم على انفراد :
العقل : هو أول الحدود ، وإمامهم ، ظهر في جميع الأدوار بأسماء مختلفة :
1.    في دور آدم كان اسمه شطنيل .
2.    في دور نوح كان اسمه فيثاغورس .
3.    في دور إبراهيم كان اسمه داود .
4.    في دور موسى كان اسمه شعيب .
5.    في دور عيسى كان اسمه المسيح يسوع ، وهو المسيح الحقيقي صاحب الإنجيل .
6.    في دور محمد - صلى الله عليه وسلم - كان اسمه سلمان الفارسي .
7.    في دور الحاكم ، كان اسمه حمزة ([108]).
وقد خص حمزة نفسه بعدة ألقاب وصفات ، لم يسبغها نبي من الأنبياء على نفسه ، فهو الآية الكبرى ، والعقل الكلي ، والإِرادة ، وعلة العلل ، وذومعة . ووصف نفسه في ( رسالة التحذير والتنبيه ) : بأنه أصل المبدعات ، وأنه سراط المولى المعبود ، والعارف بأمره ، وأنه الطور والكتاب المسطور والبيت المعمور ، وأنه صاحب البعث والنشور والنافخ في الصور ، وأنه ناسخ الشرائع ومهلك العالمين ، والنار الموقدة التي تطلع على الأفئدة ، وأنه هو الذي أملى القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك من النعوت التي أسبغها على نفسه وزخرت رسائله بها ) ([109]).
وفي رسالة ( السيرة المستقيمة ) حديث عن النطقاء والأسس ، وعن تأويل قصص الأنبياء ، ويتساءل الدكتور محمد كامل حسين عن مصدر ما أتى به حمزة في هذه القصص ويقول : ( هل هناك علاقة بين اسم شطنيل – الذي يأتي به حمزة – واسم شانطي الذي يطلقه الصينيون على القديسين المسيحين ؟
ويقول : ربما سمع حمزة بهذه الكلمة من أحد الصين ، أو أحد الذين سافروا ، فاستغلها بعد أن حرفها إلى شطنيل ... وبعد أن يذكر – الدكتور محمود كامل حسين – بعض الأمثلة للأكاذيب التاريخية التي يطلقها حمزة ، يضيف قائلاً : كل هذه مسائل كان حمزة هو الوحيد بين الكتاب في ذكرها على هذا النحو ، ولاشك أنه أدرى بكل شيء لأنه علة العلل ؟! ) ([110]).
وعن شنطيل هذا يقول حمزة في ( رسالة السيرة المستقيمة ) أنه ( وجد في ابتداء دورنا الحالي ثلاثة رجال ، كل واحد منهم اسمه آدم ، كانوا يعيشون في وقت واحد في بلد واحد ، وهم آدم الصفا ، وآدم العاصي ، وآدم الناسي ، وجميعهم ولدوا من ذكر وأنثي ، أما آدم الصفا ، فهو آدم الصفا الكلي ذومعة – أي حمزة بن علي – وكان أحد حدود دعوة التوحيد في الدور الذي كان قبل دورنا هذا ، وقد ولد آدم الصفا الكلي في بلدة آرمينية ببلاد الهند ، وكان اسم شطنيل واسم أبيه دانيل ) ([111]).
ولحمزة – كما سبق ذكره – أعظم ذكر وأجله بعد الحاكم حتى اليوم عند الدروز ، باعتباره العقل الكلي والإِمام وقائم الزمان ، يقول الدكتور سامي مكارم عن هذا الإِجلال ما يلي : ( إن العقل الأرفع أو الكلي ، حسب عقيدة التوحيد ، هو مصدر انبثاق جميع الكائنات ، وهو عين بقائها في هذا الوجود الظاهر ، ومنه ابتدعت ، فهي لا تنفصل عنه ولا ينفصل عنها من حيث العلة والمعلول ، فالعقل الأرفع هو واسطة الكشف والمعرفة ، أداة المشاهدة في كل نفس مؤمنة ) ([112]).
وفي رسالة ( من دون قائم الزمان ) يستدل على إمامة قائم الزمان بأنه : دعا إلى عبادة موجود ظاهر وإله في جميع الأمور قادر ويقول :
(( وأول دليل على إمامة القائم أنه أتى بضد العالم ، لأن جميع النطقاء والأسس وأصحاب الأدوار والأكوار أشاروا إلى عدم موهوم ، وأبعدوه عن حواس العالم ، وأن قائم الزمان والهادي إلى طاعة الرحمن عليه من المولى السلام دعا إلى موجود ظاهر وإله في جميع الأمور قادر ، وكل من دعا إلى الحاكم المعبود الإِله الموجود فقد أنصف من نفسه .
ووجه آخر أنه أظهر أغراضه في دفعة واحدة ، وقد علم أهل الشرق والغرب أنه دعا إلى توحيد مولانا جل ذكره ، ثم بعد ذلك خيروا العالم ومكنوا من أديانهم وإظهارها فصح أن ذلك لأهل التوحيد ... وأيضًا فإن عمارة الكنائس ، وإزالة حمل الصلبان ، وعزهم على المسلمين في كل مكان أدل دلالة على أن الإِسلام قد اضمحل وبطل  وأنه الحق قد أنار واشتعل ، والحق هو توحيد مولانا جل ذكره الحاكم بذاته المنفرد عن مبدعاته )) ([113]).
(( ومن أدلة إمامته – أيضًا - : أنه صاحب القيامة والجزاء ، لأنه الملك المظفر المسعود ، ديان القيامة أي القهار والقاضي والحاكم والسايس والمحاسب والمجازي )) ([114]).
أما الحد الثاني من الحدود الخمسة فهو :
النفس : وهو أبو إبراهيم ، إسماعيل بن محمد التميمي ، ثاني الحدود ، (( باعتبار أن النفس فيض من العقل ، وجزء متمم له انبثقت عنه ، فنسبت إلى العقل كنسبة العقل إلى الخالق )) ([115]).
وقد وجه إليه حمزة مرسوم تقليد أسماه ( سجل المجتبى ) جاء فيه : (( إلى أخيه وتاليه ، وذي مصة علمه ، وثانيه آدم الجزوي ، الذي اجتباه بعلمه وهداه بحلمه ، وغداه بسلمه أحنوخ الأوان ، وإدريس الزمان هرمس الهرامسة أخي وصهري أبو إبراهيم إسماعيل بن محمد التميمي ... إلى أن يقول : إني نظرت إليك بنور مولانا جل ذكره ، وبما أيدني به مولانا علينا سلامه ورحمته ... فجعلتك خليفتي على سائر الدعاة والمأذونين والنقباء والمكاسرين ... وأسميتك بصفوة المستجيبين وكهف الموحدين وذي مصة علم الأولين والآخرين ، وجعلت لك الأمر والنهي على سائر الحدود ، فتولى من شئت وتعزل من شئت )) ([116]).
وللتميمي – كما ذكرت سابقًا – عدة رسائل من رسائل الدروز ، منها : ( رسالة في تقسيم العلوم ) ، و ( رسالة الزناد ) و ( رسالة الشمعة ) ، و ( رسالة الرشد والهداية ) .
ومع أن – للتميمي – هذه القيمة عند الدروز ، إلا أنه بعد اختفاء حمزة ، إثر مقتل الحاكم سنة 411 هـ ، لم تذكره لنا رسائل الدروز مطلقًا ، ولم يقم بأي نشاط ، غير أن الأستاذ عبد الله النجار يفترض أنه بقى حيًا حتى سنة 427 هـ ([117])، وهذا يعنى أنه اختفى مع حمزة وباقي الدعاة حتى مات في هذه السنة .
أما الحد الثالث فهو :
الكلمة : وهو أبو عبد الله محمد بن وهب القرشي ، ثالث الحدود ، وأول الثلاثة الذين أضيفوا إلى العقل والنفس .
(( ومعلوماتنا عنه نجدها في تقليده الذي قلده إياه حمزة واسمه : ( تقليد الرضى سفير القدرة ) ، وذلك حين رفعت درجته ، وعين خلفا لسلفه ( المرتضى ) المتوفي )) ([118]).
إذ أن التقليد يقول : (( هي المنزلة التي كانت للشيخ المرتضى قدس الله سره ، وأنت تسلمت علومه وحده ، وقد سلمت إليك جميع كتبه التوحيدية ، وجعلتك مقدمًا على جميع الدعاة والمأذونين والنقباء والمكاسرين والمستجيبين الموحدين ، لا فوقك أحد أعلى منك غير صفوة المستجيبين وكهف الموحدين ، ([119]).
وكما أن التميمي ليس له ذكر بعد الحاكم ، كذلك ابن وهب لم يصلنا عنه أي خبر بعد هذا التقليد .
والحد الرابع هو :
السابق : وهو أبو الخير سلامة بن عبد الوهاب السامري ، رابع الحدود ، ولم نجد في رسائل الدروز الموجودة الآن ، تقليد خاص للسابق أسوة بسواه ممن قُلِّدوا مِن قِبَلِ حمزة .
ويقول الأستاذ عبد الله النجار : ( ولكن لا شك أن السابق قلد السلطة بمرسوم لم ينقل إلينا ، دليلنا في ( تقليد المقتني ) عبارة : تالي السابق بن عبد الوهاب السامري ، وقوله : إذ كان الأيمن قد تقدمك ، وهو سلامة بن عبد الوهاب المصطفى ) ([120]).
والسابق هو الجناح الأيمن في الحدود ، وهو والتالي يعتبران الينبوع الذي يجري بالمعرفة الإِنسانية .
أما الحد الأخير والخامس فهو :
التالي : هو أبو الحسن علي بن أحمد السموقي ، خامس الحدود ، اشتهر باسم بهاء الدين ، بالإِضافة إلى الأسماء والنعوت التي أطلقت عليه مثل : ( لسان المؤمنين ) ، ( وسند الموحدين ) ، ( والعبد المقتنى ) ، وغير ذلك من الألقاب التي أطلقها عليه حمزة .
ويعتبر بهاء الدين ، من أخطر دعاة الدروز بعد حمزة ، إذ قام بأعظم قسط في نشر المذهب الدرزي بعد اختفاء حمزة ، فلولا جهوده لما بقي لهذا المذهب أثر يذكر .
ومما يذكر أن الكثير من رسائل الدروز هي من تأليف بهاء الدين هذا ، ومن هذه الرسائل : ( التنبيه والتأنيب ) ، ( ومثل ضربه بعض حكماء الديانة ) ، ( والإِيقاظ والبشارة ) ، ( ورسالة اليمن ) . ( ورسالة الهند ) وغير ذلك من الرسائل .
وقد جاء في نسخة تقليده ما يلي : ( فاخدم ببركة المولى في الحد الجليل الذي أهلت له ، واستعد لك كأخيك الجناح الأيمن ثلاثين حدا دعاة مأذونين ونقباء ومكاسرين ، واعلم أن أول السبعة المفترضات : سدق اللسان ، والسدق هو المولى وضده الكذب ، والسدق والكذب يتشابهان في التخطيط ، كذلك الصدق يتشبه بالمولى ، لأن المولى جل اسمه لا ضد له .
وكذب ثلاثة أحرف ، وسدق ثلاثة أحرف ، فإذا أحسبناها في حساب الجمل افترقا ، لأنك تقول : ( ك ) عشرون ، ( ذ ) أربعة ، ( ب ) اثنتان ، الجميع ستة وعشرون حرفًا ...
والسدق : ( س ) ستون ، ( د ) أربعة ، ( ق ) مائة ، فذلك مائة وأربعة وستون حرفا دليل على مائة وأربعة وستين حدًا ، يكون للإِمام منها تسعة وتسعون حدًا ، كما قال ([121]) : ( إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة ) ، أي لإِمام التوحيد تسعة وتسعين داعيًا من عرفهم دخل حقيقة دعوته ) ([122]).
ويبدو أن بهاء الدين ، كان على اتصال مع حمزة ، أثناء غيابه بعد مقتل الحاكم ، وكان أيضًا على معرفة بمقره السري الذي يختبئ به ، وكان يتلقى منه الأوامر والتوجيهات ، وقد قام بهاء الدين بجهود كبيرة لإِبعاد من حاولوا أن يغيروا شيئًا من المذهب من أمثال سكين وغيره ، من الذين انقلبوا على أراء حمزة ، لذلك نجد بهاء الدين يبعث إليهم برسائل التأنييه والتأنيب والتوبيخ ، على ما حاولوا تغييره في المذهب .
وهو لهذا أعلن غيبته سنة 434 هـ في منشور الغيبة ، والذي أعلن فيه إقفال باب الاجتهاد في المذهب ، وذلك ليحافظ على آراء حمزة ، وآراء الحدود والدعاة الآخرين مثل حمزة والتميمي .
ومما يذكر في هذا المقام أن لكل حد من الحدود الخمسة لون مخصص له ، فاللون الأخضر مخصص لحمزة ، والأحمر مخصص للتميمي ، والأصفر مخصص للقرشي ، والأزرق لسلامة بن عبد الوهاب السامري ، أما الأبيض فهو لبهاء الدين ، ولهذا عندما أعلن الاستعمار الفرنسي قيام ( إمارة جبل الدروز المستقلة ) ارتفع علم ذو ألوان خمسة مكون من الأخضر والأحمر والأصفر والأزرق والأبيض على المراكز الرسمية في الجبل ، ولايزال هذا العلم يرتفع على بيت الطائفة الدرزية في بيروت ([123]).
4 – عقيدتهم في اليوم الآخر والثواب والعقاب :
اليوم الآخر في المذهب الدرزي ليس يوم القيامة ، إذ ليس فيه موت للأرواح ، ولا قيامة لها ، ولا بعث .
(( فالأرواح لا تموت لتبعث ، ولا تنام لتوقظ بل إن يوم الحساب نهاية مراحل الأرواح وتطويرها ، إذ يبلغ التوحيد غايته من الانتصار من العقائد الشركية ، وينتهي الانتقال والمرور في الأقمصة المختلفة )) ([124]).
(( وفي هذا اليوم – كما يزعمون – يظهر المعبود ( الحاكم بأمر الله ) في الصورة الناسوتية ، ولم تحدد رسائل الدروز تاريخ هذا اليوم ، ولكنها تقول أنه سيكون في شهر جمادى أو رجب ، وعلامة قرب هذا اليوم : هو عندما يتسلط المسيحيون واليهود على البلاد ، ويستسلم الناس إلى الآثام والفساد والآراء الفاسدة ، ويتملك شخص من ذرية الإِمامة يعمل ضد شعبه وأمته ، ويضع نفسه تحت سلطان المخادعين ، ويتملك اليهود بيت المقدس ، إلى غير ذلك من علامات الساعة التي يذكرونها )) ([125]).
أما مكان ظهوره ، ( فكما تقول رسالة الأسرار سيكون في بلاد الصين يخرج وحوله قوم يأجوج ومأجوج – ويسمونهم القوم الكرام – ويكونون مليونين ونصف من العساكر مقسومة إلى خمسة أقسام ، كل قسم منها يترأس عليها أحد الحدود ، فيدخلون مكة المكرمة .
وفي صباح ثاني يوم وصولهم ، يتجلى لهم الحاكم بأمر الله على الركن اليماني من الكعبة ، ويتهدد الناس في سيف مذهب ، يسده ويدفعه إلى حمزة فيقتل فيه الكلب والخنزير – يريدون فيهما الناطق والأساس .
ثم يدفع حمزة السيف إلى محمد ( الكلمة ) ، الذي هو أحد الحدود الخمسة ، وحينئذ يهدمون الكعبة ويفتكون بالمسلمين والنصارى في جميع جهات الأرض ويستولون عليها إلى الأبد ، ومن بقي يكون عندهم في الذل والهوان .
وتصير الناس إلى أربعة فرق :
أولا : الموحدون ، وهم عقال الدروز ، وهم الوزراء والحكام والسلاطين .
ثانيا : أهل الظاهر ، وهم المسلمون واليهود .
ثالثا : أهل الباطن ، وهم النصارى والشيعة .
رابعا : المرتدون ، وهم جهال الدروز .
ويجعل حمزة لكل طائفة غير أصحابه سيمة في جبينه أو يده ، وعذابا يتأذى به ، وجزية يؤديها كل عام ، ونحو ذلك من الهوان )) ([126]).
وعن قوم يأجوج ومأجوج يقول ( مصحف الدروز ) .
(( حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ، وهم من كل حدب ينسلون ، واقترب الوعد الحق ، فإذا هي شاخصة أبصارهم ، أبصار الذين كفروا ، ياويلنا قد كنا في غفلة من هذا ، بل كنا ظالمين ، لقد نسي هؤلاء هذا اليوم ، وقد وقع لهم ، ووقعوا فيه ، وهم لا يشعرون وكبكبوا على وجوه قبلتهم ، حتى غشيتهم الغاشية .
أولم ير هؤلاء كيف مد لهم مولانا الحاكم الحياة أمدا ، الآن حصحص الحق )) ([127]).
وفي ذلك اليوم ، كما ورد في ( رسالة الزناد ) الذي ألفها التميمي ينادي حمزة : (( أين شركائي الذين زعمتم أنهم فيكم شفعاء ، لقد انقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون ([128])، يعني يوم قيامة القائم صاحب القيامة بالسيف ، فيناديهم : أين شركائي ، يعني رؤساء أهل الظاهر وشياطيهم ، الذين أضلوهم بغير علم ، وأحلوهم دار البوار التي هي الشريعة ، وما ألقوه من التكاليف الشرعية ، التي هي من حيث العقل والنار بالفعل ، وما تمسكوا به من زخارف أهل الجهل وأباطيلهم ، فلم يستطيعوا جوابًا ، إلا أن يقولوا : ربنا غلبت علينا شقوتنا ، وكنا قوما طاغين ) ([129]).
وحمزة في هذا اليوم ، هو صاحب الجزاء والقصاص ، ولذلك يخاطب في ( الرسالة الموسومة بالأعذار والإِنذار ) أتباعه بقوله :
(( يوم قيامي بسيف مولانا الحاكم سبحانه ومجازاتي للخلائق أجمعين ، وأخذي لكم الحق والقصاص ، وإنالة إحساني لأهل الوفاء منكم والإِخلاص ، وانتزاعي النفوس من الأجساد ، من أهل الفسوق والعنادة وقتلى الوالدين والأولاد وأنيلكم أموالكم )) ([130]).
(( أما الثواب والعقاب ، فيفهم من كتابات حمزة أن العذاب الواقع بالإِنسان نقلته من درجة عالية إلى درجة دونها من درجات الدين ، وقلة معيشته وعمى قلبه في دينه ودنياه ، ويستمر تنقله من جسد إلى جسد بتناسخ روحه في الأجساد ، وهو كلما تنتقل روحه من جسد إلى جسد ، تقل منزلته الدينية .
أما الثواب فهو زيادة درجته في العلوم الدينية وارتفاعه من درجة إلى درجة إلى أن يبلغ إلى درجة حد – المكاسر - )) ([131]).
وهم ينكرون وجود الجنة والنار ، ويسخرون من القائلين بهما ، يقول التميمي في ( رسالة الزناد ) :
(( وأما زعمهم بأن الجنة عرضها السموات والأرض ([132])، فقد جهلوا معنى هذا القول ، فإذا كان عرضها السموات والأرض ، فكيف يكون طولها ؟ وأين تكون النار فيها ؟ ولو عرفوا الطول عرفوا العرض ، وكل شيء طوله أكثر من عرضه ، وإذا رجعنا إلى المعاني الحقيقية ، التي بها يتخلصون الموحدون من جهلهم من داء الشرك .
وأما معنى الطول والعرض ، فإن طولها هو العقل الكلي ، الذي هو قائم الزمان إمام المتقين بالحق ، ومجرد سيف التوحيد ، ومفني كل جبار عنيد ، وكان عرضها مثل النفس القابل لبركات العقل والتأييد .
وأما النار فهي من حيث المحسوس المحرقة للأجسام ، ومن أسمائها ما يحمد ومنها ما يذم ، وأما النار الكبرى والنار الموقدة التي تطلع على الأفئدة ، فإنها مثل العقل لأنه مطلع على سرائر العالم ، وأما المذموم منها نار العذاب وهي الهاوية ، والجحيم ، وهذه الأسماء معنى الشريعة التي هو وأهلها غووا ولقحوا فيها العذاب )) ([133]).
إلى هذا الحد ، تذهب العقيدة الدرزية في اليوم الآخر ، وفي الثواب والعقاب ، وهي كما نرى لا تؤمن بالغيبيات وترفضها جميعها ، ولهذا فهم ينكرون وجود الملائكة والجن ، فالملائكة في نظرهم هم أتباع المذهب الدرزي ، والشياطين هم مخالفي هذه العقيدة .
ومن المفارقات العجيبة والمضحكة ما رواه مؤلف ( أيها الدرزي عودة إلى عرينك ) عن أحد مشايخ الدروز ويدعى الشيخ داود أبو شقرا والذي أعلن أن يوم القيامة سيكون في 6 آب 1952 وهو يوم القيامة التي وعدت به الرسائل المخطوطة معتمدًا في ذلك على مستند الحروف والجمل ، وبالفعل فقد اقتنع بذلك بعض شيوخ لبنان وحوران وذاع الخبر ، ولكن مع الأسف فإن هذه القيامة لم تقم كما توقعوا ؟! ([134]).
5 – عقيدتهم في الأنبياء :
(( الدروز ينكرون جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وينسبونهم إلى الجهل ، ذلك أنهم كانوا يشيرون إلى توحيد العدم ، وما عرفوا المولى – أي الحاكم - )) ([135]).
ويرون أن المعجزة يمكن أن يصل إليها كل إنسان ذي نزاهة إزاء نفسه ([136]) .
وحمزة يرى وجوب محاربة جميع الأنبياء ، أصحاب الشرائع الظاهرة آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ، ووجوب البراءة من شرائعهم وعقائدهم الفاسدة وأديانهم المضللة ، إذ هي النار والهاوية .
فالناطق والأساس عندهم هما إبليس والشيطان ، فالأول – أي إبليس – ظهر في جسم آدم ثم انتقل إلى نوح ، ثم إلى إبراهيم ، ثم إلى موسى ، ثم إلى عيسى ، ثم إلى محمد ، ثم إلى سعيد .
وأما الثاني – أي الشيطان – فظهر أولاً في جسم شيت بن آدم ، ثم في سام ، ثم في إسماعيل ، ثم في يشوع بن نون بعدها رون ، ثم شمعون الصفا ، ثم في علي بن أبي طالب ، ثم في قداح ) ([137]) .
ولذلك فهم يقذفون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأسماء وألفاظ فاحشة ، كالقبل والدبر والغائط والبول ، ولا يتركون مجلسًا من التشنيع عليهم ، وأكثر كراهيتهم متجه نحو المسلمين ) ([138]) .
فيقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله : ( بأنهم حروف الكذب ، هي ستة وعشرون وهم : دليل إبليس وأولاده وزوجاته وهم : محمد وعلي وأولاده الإثنى عشر إمامًا ) ([139]).
وكما سبق – ذكره فإنهم يعتقدون أن حمزة ظهر بصور مختلفة في جميع الأدوار ، وكان في زمن محمد صلى الله عليه وسلم بصورة سلمان الفارسي ، ( ولهذا فإنهم يزعمون أن القرآن قد أوحي حقيقة إلى سلمان الفارسي ، وأنه كلامه ، وأن محمدًا أخذه وتلقاه عنه ، حتى زعموا بأن خطاب لقمان الذي خاطب به ولده :
يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ([140]) هو خطاب سلمان لمحمد ([141]) .
وهم لهذا يحاولون أن يؤولوا من آيات القرآن ما يمكنهم تأويله حسب معتقدهم وينكرون ما عداه .
وبسبب كراهيتهم للرسول صلى الله عليه وسلم يقولون عنه :
(( فهذه الدعامة – يقصدون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله – المقدم ذكرها هي تكليفية ناموسية ، لأن العبادة للمعدوم تكليف ، وما أحد قط نصح له عبادة معدوم ، ولا تصح رسولية لكافر مشرك منافق ابن مشرك – يقصدون محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ثم أقام دعامة الجهاد ، به قام إبليس لعنه الله وجعله فرضًا على المسلمين ، فالحاكم جل ذكره أبطله وحرمه ... ثم أقام دعامة الولاية لقوله ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) ([142])  على زعمهم أن الله فوق السماء ، ومحمدًا رسول الله ، كذبوا لعنهم الله فما في السماء ولا في الأرض إله إلا الحاكم جل ذكره ([143]).
ويزعمون أيضًا أنه : ( عندما يتجلى الحاكم في الركن اليماني – من الكعبة – وفي يده السيف ، ينادي على المشركين بالغضب والزجر ، ويعطي السيف حمزة فيقتل شخصين لا غير أحدهما متقمص فيه محمد بن عبد الله صاحب دين الإِسلام ، والثاني علي بن أبي طالب ، ثم يرسل الصواعق على الكعبة فتدك دكا ) ([144]).
ويقولون كذلك : ( إن الفحشاء والمنكر هما أبي بكر وعمر ، وأن الآية الكريمة التي تقول : ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ) ([145]).
يراد بذلك الخفاء الراشدين الأربعة ، وأنهم من عمل محمد بن عبد الله ) ([146]).
وأما موقفهم من آدم عليه الصلاة والسلام ، فإنهم لا يعتبرونه أول الخلق وأبو البشر ، بل كان أكثر من آدم في ذلك الدور ، ولهذا فهم ينكرون أن آدم بلا أب وأم وأن آدم وباقي البشر قد خلقوا من تراب ، وعن هذا يقول حمزة في ( رسالة السيرة المستقيمة ) : ( وأما قولهم أنه بلا أب ولا أم ، فهو من المحال أن يكون جسمًا ناطقًا إلا من جسم مثله ذكر وأنثى . وأما التراب الطبيعي فما يظهر منه خلق غير الحيات والعقاب والخنافس وما شاكل ذلك ، وأما بشر فلا يجوز أن يكون من التراب ولو كان كما قالوا بأنها فضيلة لآدم حيث لا يخرج من ظهر ولا يدخل في رحم ، ولا يتدنس بدم ، فقد كان يجب بأن يخلق محمدًا من التراب ، ولم يخرجه من ظهر كافر ، ولم يدنسه بدم جاهلة كافرة .
والمسلمون كلهم يعتقدون بأن والدي محمد كانا وماتا كافرين ، وأن محمدًا لا يقدر يشفع في أمته إلا بعد أن يترك أمه وأباه ويتبرأ منهما ، ويختار أمته على والديه ويتركهما في جهنم ، وهذا كلام قبيح ظاهر وضيع باطنه ، ولا يليق بالعقل ولا يقبله عاقل .
وآدم هم ثلاثة : آدم الصفا الكلي ، ومن قبله آدم العاصي الجزوي ومن دونه آدم الناسي الجرماني ، وجميعهم من ذكر وأنثى لا كما قالوا أهل الزخاريف الحشوية بأنهم من التراب ، حاشا الباري سبحانه وعز سلطانه أن يخلق صفيه وخليفته من التراب وهو من أهون الأشياء ) ([147])  .
وأما عن حواء ، فهي ليست زوجته ، وإنما هي حجته وأحد دعاته ولقبت بحواء لأنها احتوت على جميع المؤمنين .
وقد سبق أن ذكرنا أيضًا موقفهم من موسى عليه السلام ، فهم ينكرون عليه أنه ( كليم الله ) لأنه كلم الشجر والجبل ، وهذا ما لا يليق بالله في نظرهم ) ([148]).
أما عن كلمة ( الضد ) ومفهومها عند الدروز فقد كثرت في رسائل حمزة هذه الكلمة وقصد بذلك الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وقد يطلقها بصورة صريحة على رسول الله محمد صلى صلى الله عليه وسلم .
أما كلمة ( عجل ) فيقول صاحب مذكرة ( أيها الدرزي عودة إلى عرينك ) عن مدلولها عند الدروز وما ترمي إليه بقوله : ( إن هذه الكلمة تحمل معنى لا يدركه إلا الراسخون في الحمزوية ، إذ هي مشتقة من الاستعجال ، ولذا حاول ( العجل ) أن يشبه نفسه بحمزة ، أي حاول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أن يأتي بشريعة كشريعة حمزة .
ويضيف قائلاً : ولا ريب أن الحمزوي العميق يدرك المقصود من هذه الكنايات ، إذ لا يخفى أن حمزة سار بالنظر لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وسيدنا علي رضي الله عنه تدريجيًا ، إذ رآهما أولاً مستخدمين عند الحاكم دالين على مدلول هذا المقصود ، ثم حرمهما من هذه المنزلة ( منزلة العبودية للحاكم ) ...فدعا محمدًا ( ضدا وعجلا ) ، وسلب من علي درجة الأساس ودعاه اللعين ... بل كثيرًا ما أردف تلاميذه هاتين الكلمتين أو ( لعنة الله ) أو ( أبعده الله من الرحمة ) كما نرى هذا في النقط والدوائر ص 12 ) ([149]).
ويبدو أن حقيقة هذه الكلمة وما ترمز إليه قد جعل بعض الناس يضعون إشارات استفهام على مدلولها ، ولهذا يقول صاحب مذكرة ( أيها الدرزي عودة إلى عرينك ) : ( هذه حقيقة العجل التي كاد ذوو الأنوف السليمة يستنشقونها فاندفعت مجلة الضحى عدد كانون الثاني 1966 تضاعف حولها الغبار وتكثف الغيوم وتحدثنا عن العجل بالعهد القديم والقرآن الكريم وتفيض بأمجاد قبيلة بني عجل الذين اشتركوا بموقعة ذي قار ) ([150]).
6 – عقيدتهم في التستر والكتمان :
(( السرية والكتمان عند الدروز ليستا من باب التقية ، وإنما هي سرية مشروعة في أصول عقيدتهم ، وأصول عقيدتهم – كما هو معروف – خليط من نظريات وأفكار الفلاسفة القدامى من يونان وفرس وهنود وفراعنة ، ولعل الدروز قد عمدوا إلى السرية التي ضربوها على مذهبهم تمشيًا مع بعض آراء الفلاسفة القدامى الذين كانوا يوصون بحجب آرائهم وسترها عن جمهور الناس )) ([151]) .
ويقول الدكتور سامي مكارم في معرض رده على الأستاذ عبد الله النجار : (( لقد أصاب باعتبار أفلاطون ، وأتباع فيثاغورس من مصادر السرية في مسلك التوحيد ، ولكن لم يصب في تجاهله مصادر أخرى لهذه السرية كان لها من الأهمية ما لأفلاطون وفيثاغورس وأتباعه ، فهناك هرمس ، وهو معروف بصيانته الشديدة للأسرار ، وهو مكرم عند الدروز ، ينظرون إليه بعين التقديس ويجعلونه في مصاف الأنبياء ) ([152]).
(( ولذلك فالدروز يحرصون أشد الحرص على كتمان عقائدهم السرية ، وينكرون ما يؤخذ منها ، بل قد يذمونها أمام المعترضين رياء واستتارا ، وقد حرص الدروز على هذا الكتمان المطبق لأصول مذهبهم وعقائدهم طيلة القرون ، ولم تعرف خفايا مذهبهم إلا منذ قرن حينما غزا إبراهيم باشا مناطقهم الجبلية ) ([153])، ووقع الغزاة على بعض كتبهم المقدسة ، وعرفت محتوياتها )) ([154])، وهكذا نرى أن الكتمان لا يعني إلا التظاهر بشيء أو تفسير الرموز بشيء والاحتفاظ بشيء آخر ، فأصبح عادة مستحكمة تحمل على النفاق ، وتفرض على الشخص أن يغاير ما بنفسه ، ويتظاهر بما لا يؤمن فهو درس في وجوب الكذب الصريح .
يقول حمزة في ( رسالة الموسومة بحفظ الأسرار ) : (( أن أكثر الآثام وأعظمها إظهار سر الديانة وإظهار كتب الحكمة ، والذي يظهر شيئًا من ذلك يقتل حالاً اتجاه الموحدين ولا أحد يرحمه ... ويقول : عليكم أيها الإِخوان الموحدون في دفن هذه الأسرار ولا يقرأها إلا الإِمام على الموحدين في مكان خفي ، ولا يجوز أن تظهر كتب الحكمة الذي كلها رسم ناسوت مولانا سبحانه ، وإن وجد شيء من هذه الأسرار في يد كافر فيقطع إربًا إربا ، فأوصيكم أيها الموحدون بكنة الأسرار )) ([155]).
ويقول أيضًا في ( رسالة التحذير والتنبيه ) : (( وصونوا الحكمة عن غير أهلها ، ولا تمنعوها لمستحقها ، فإن من منع الحكمة عن أهلها فقد دنس أمانته ودينه ، ومن سلمها إلى غير أهلها فقد تغير في اتباع الحق بيقينه ، فعليكم بحفظها وصيانتها عن غير أهلها والاستتار بالمألوف عند أهله ، ولا تنكشفوا عند من غلبت عليه شقوته وجهله ، فأنتم ترونهم من حيث لا يرونكم ، وأنتم بما في أيديهم عارفون ، وعلى ما ألقوه من زخرف قولهم مطلعون ، وهم عما في أيديكم غافلون ، وعما اقتبستموه من نور الحكمة محجوبون ، ولقد أخرسوا ونطقتم ، وأبكموا وسمعتم ، وعموا وأبصرتم ، وجهلوا وعرفتم )) ([156]).
وفي شرح الميثاق ، يعتبر – كاتبه – التستر والكتمان من صحة العقيدة ، ويقول : (( حتى ولو أخر الإِنسان بعض رسائل الحكمة بلا حفظ ، ويحفظ عوض ما يقيم المساترة ، كان ذلك واجب ، لأن الإِنسان إذا غرس بستان ولم يصنه بشيء لم يسلم أبدًا ، وإذا غرسه ونقص بعض غراسه ، وجعل عوض ذلك النقص حاجزًا يصونه كان ذلك أرب لسلامته وأنتج فيه .
وكذلك مذهب التوحيد ما يصح لأحد كاملة إلا بالاستتار ، والاستتار بالمألوف هو : إن كان المحق ساكنًا بين أهل الظاهر التنزيلية ([157])فليتساتر بمذهبهم من صلاة وصيام وحجج وتقديم أبي بكر وعمر وعثمان على علي بن أبي طالب وغيره .
وإن كان ساكنًا بين التأويلية في بلاد غالب عليه الشيعة ، فليتساتر في مذهب التأويل ، ويتزايا بزيهم ويقدم علي بن أبي طالب على الصحابة كلهم ، ويسب أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة ، ويكون موافقهم في دينهم في ظاهر الأمر .
وإن كان بين النصارى فيتزايا بزيهم وهذا الحال رحمة من الله على أهل التوحيد ، أن يكون توحيده في قلوبهم ، ويتزايوا بزي كل طائفة ([158]) في ظاهرهم ([159])  .
ويورد الدكتور عبد الرحمن بدوي شرحا آخر للميثاق ([160])  ، ومما جاء فيه عن هذا الموضوع ما يلي :
لا يحل لأحد يتمسك بدين التوحيد أن يهمل المساترة ، بل يجب عليه أن يعرف موجبات الصلاة والوضوء ونواقضه ، ويقرأ ما تيسر من القرآن قراءة صحيحة على شيخ ، وإن كان ذا يسر فيزكي من ماله ، ويعرف أمر الصيام ومفطراته ، بحيث لا ينكشف عند الشرائع أمر دين التوحيد ) ([161])  .
وإنكار ألوهية الحاكم – في ظاهر الأمر – يعتبر أيضًا من المساترة ، وهذا ما تضمنه شرح الميثاق كذلك حيث يقول : ( إن أنكر ألوهية الحاكم سبحانه بحضرة الضد فيجوز له ذلك ، وليس يقع في ذلك ارتداد في الحقيقة ، لأن المقر بألوهية الحاكم تعالى ، الكاتب على نفسه الميثاق أمر بالمساترة عند الشرائع ، وإنكار ألوهية الحاكم سبحانه باللسان ، وهذا مشروع في الدين من غيبة الحاكم سبحانه إلى يوم القيامة .
ولا جناح على الموحدين في إنكار الحاكم بحضرة الشرائع ، إذ سئل وطلب منه مثل ذلك ، وأما من تلقاء نفسه ، أعني نفوس الموحدين بلا طلب ولا سبب فلا يجوز اللفظ بالإنكار ألبتة ، كما لا يجوز اعتقاد بشريته ) ([162]) .
وكذلك سب ولعن ( حمزة ) ظاهرًا لا بأس به ، يقول بهاء الدين في منشور الغيبة : (( فمن وقعت به منكم محنة ، وطلب منكم سب هذا العبد ( حمزة ) فتبرءوا منه وسبوه ، وإن طلب منكم لعنه فالعنوه ، هذا عند الاضرار ، والله يعلم بما تظهرون وتكتموه ) ([163]).
ويتحدث تقرير قدمته الاستخبارات الفرنسية أثناء الاستعمار الفرنسي على سوريا ولبنان عن طبيعة الدروز فيقول : ( إن الدروز مرنون بحق ، فهم يتبعون حرفيًا نصيحة مؤسس دينهم : اتبعوا كل أمة أقوى من أمتكم ، وحافظوا علي داخل قلوبكم . لذلك فعندما يحتكون بطوائف أقوى من طائفتهم كالمسلمين أو المسيحيين فإنهم يتظاهرون بالتسليم ببعض معتقداتهم وهكذا ، فمثلاً يرددون بكل طيبة خاطر الشهادتين ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) .
مما تقدم يتضح أن التستر والكتمان نهج أساسي من أصول عقيدتهم ، فهم دوما مع القوي والمتمكن ، يتظاهرون بالدين الغالب في أي قطر ، ومصداق ذلك ما نراه منهم في فلسطين المحتلة بإخلاصهم التام لليهود هناك .
كذلك فهم في كثير من الأحيان لا يناقشون من يكتب عن ديانتهم مناقشة موضوعية بل يحاولون أن يلصقوا به الصفات القبيحة ويشتمونه بأقدح الشتائم متسترين بهذه الألفاظ على حقيقة دينهم وما يحويه من كفر ، وهذا ما حدث مع الشيخ زيد بن عبد العزيز الفياض عندما بدأ بكتابة حلقات عن حقيقة مذهبهم في مجلتي المنهل وراية الإِسلام ([164]) اللتين كانتا تصدران في جدة والرياض ردًا على فتوى شيخ الأزهر باعتبارهم مسلمين ([165]).
فقامت حينئذ ضجة شديدة بين الدروز وقدم كبارهم الاحتجاج ، وأصدر شيخ العقل في لبنان فتوى ضده ، وردوا على الشيخ الفياض بأقذع الألفاظ والشتائم في عدة صحف ومنها صحيفة الصفاء التي كانت تصدر في بيروت سنة 1961 م والتي كان مدير تحريرها شخص اسمه محمد آل ناصر الدين ، حيث لم يستطيعوا أن ينفوا هذه الحقائق عن دينهم ، فما كان منهم إلا أن يناقشوه بالسب والشتم ليتستروا بذلك على الحقيقة المرة فاتهموه بالإِلحاد والزندقة والصهينة وغير ذلك من الاتهامات التي لا يجوز ذكرها ([166]).
وكان أن قام الأستاذ عبد الله النجار وهو من طائفة الدروز بعد هذه الحادثة بسنوات قليلة بإصدار كتابه ( مذهب الدروز والتوحيد ) والذي يبين بقلم درزي حقيقة هذا المذهب ، وقامت ضجة أشد من الأولى على هذا الكتاب وصاحبه ، وحاكمه مشايخ الدروز لفضحه أسرار المذهب وجمعوا نسخ الكتاب من الأسواق وأحرقوها ، وصدر بأمر من مشيخة العقل كتاب ألفه الدكتور سامي مكارم وقدم له الأستاذ كمال جنبلاط يرد فيه على كتاب الأستاذ النجار ([167]).
ويظهر أن الدروز قد غيروا هذه المرة من استراتيجيتهم فعملوا بشيء من الموضوعية ، ولكن للأسف كانت هذه الموضوعية ستارًا يتسترون به على ما يريدون القيام به ، حيث يقال أنهم استغلوا أحداث لبنان الأخيرة وقاموا باغتيال الأستاذ النجار .
وهذه الأمثلة تدل دلالة ساطعة على خطورة موضوع التستر في عقيدتهم ، وعن كيفية تعاملهم مع من يكشف عن حقيقة دينهم .
ومما يذكر في هذا المجال أن أقلامًا عديدة من الدروز طالبوا بشدة مشيخة عقل الدروز بالإِفراج والإِعلان عن حقيقة العقيدة الدرزية ، ولكن مشيخة العقل أصمت أذنيها عن كل هذه الأصوات وخاصة أصوات الدروز في المهجر وفي مقدمتهم الدكتور نجيب العسراوي الذي ما فتأ يطالب بذلك ، وعندما يئس من ذلك أصدر كتابًا عن هذه العقائد باللغة البرتغالية حتى لا يقرأه كل إنسان .
وقد ذكر هذا الموضوع بتفصيل صاحب مذكرة ( أيها الدريّ عودة إلى عرينك ) ومما قاله : ( الدكتور نجيب العسراوي رئيس الرابطة الدرزية بالبرازيل استشار الأمير شكيب أرسلان عام 1927 بشأن الإِفراج عن العقائد الدرزية المدفوعة بالرسائل فأجابه : بعدها عجرا ؟
وكأن العسراوي وأمثاله كعدنان بشير رشيد رئيس الرابطة الدرزية في استراليا وجدوا تلك العجرا أصبحت سائرة في طريق النضوج ، فأخذوا يكاتبون مشيخة العقل طالبين شيئًا يعرضونه على أطفالهم الذين يعرفون الدرزية بـ ( ليست إسلامية ولا مسيحية ولا يهودية ) ، كتبوا هذا وطالبوا وأصروا بل وتذمروا ... إلى أن يقول : خشى نجيب العسراوي – أحد لامعي المهاجرين في البرازيل وعدنان بشير رشيد رئيس الرابطة الدرزية في أستراليا عاقبة هذا البعد وألحا عن مشيخة العقل طالبين تأليف ما يستطيع منه الدروز فهم دينهم ، ولكن هذه اعتصمت بالمواعيد ، فاضطر العسراوي أن يصدر كتابه ( الدرزية ) باللغة البرتغالية ، ومنه عرف الناس شيئًا .
جعلت مشيخة العقل أصابعها في آذانها واستهانت بأصوات المنادين بوجوب التأليف حول الدرزية ، ولم تعترف بجهود العسراوي رغم أنه سد ثغرة كانت هي الأجدر بسدادها ، وبعد أن صدر عبد الله النجار كتابه تزحزحت وكلفت سامي مكارم بتأليف كتاب ( أضواء على مسلك التوحيد ) بعد اعتذار عجاج نويهض .
ألف مكارم وجنبلاط ولكن لا ليسدا فراغا بل ليردوا على عبد الله النجار في كتابه المحجوز الذي سد فراغا أو بعض الفراغ ، وباركا الكتمان والتمسا عذرا للدرزية ، ورأياها نابعة عن العقل الأرفع الذي لا يحتمل الخطأ ... أما سواها من أهل المذاهب والأديان فمن العقل الطبيعي المعرض للخطأ ) ([168]).
7 – رسائل الدروز وكتبهم المقدسة :
للدروز مجموعة من الرسائل المقدسة عندهم ، إذ منها يستمد عقالهم مباديء مذهبهم ، وتسمى أحيانًا باسم ( رسائل الحكمة ) وعدد هذه الرسائل 111 رسالة ، مقسمة إلى أربعة مجلدات ، ( تتوالى فيها الرسائل بصورة مطردة في جميع المخطوطات قديمها وحديثها ، ومثل هذا الاطراد لا يمكن أن يكون قد تم عرضا ، إذ الرسائل منسوبة إلى أكابر أصحاب المذهب القدماء ، وهذا يدل على أن تقتنيها في هذه الصورة المنتظمة الموحدة قد تم في وقت لاحق ) ([169])  .
والملاحظ في هذه الرسائل ، أن بعضها يحتوي على سجلات صدرت في عصر الحاكم ، وبعضها يحتوي على رسائل بعث بها حمزة بن علي إلى أشخاص كانوا يحتلون مكانه في الدولة مثل ولي العهد عبد الرحيم بن إلياس ، والقاضي أحمد بن العوام ، أو رسائل بعث بها لدعاة الدعوة ، ومنها ما كتبه حمزة عن العقيدة نفسها ، ثم نجد بعد ذلك رسائل للداعي محمد بن إسماعيل التميمي ، ورسائل لبهاء الدين المعروف بالمقتني ) ([170]).
وللدروز أيضًا مصحفا يسمونه ( المنفرد بذاته ) ، كتب حديثا ، ويعتقد أن كاتبه هو الأستاذ كمال جنبلاط الزعيم اللبناني المعروف والذي اغتيل قبل سنوات . ويقال أنه تعاون في وضعه ووضع رسائل أخرى مع عاطف العجمي وبخط الشيخ عبد الخالق أبو صالح ([171]).
ويتألف هذا المصحف – كما ذكرت سابقًا – ([172]) من أربع وأربعين عرفا ، يحاكي فيه كاتبه القرآن الكريم بترديد ما في رسائل الدروز ، ولذلك فقد حاول أن يقلد أسلوب القرآن الكريم في أكثر أعرافه ، وكذلك فإنه أخذ من آيات القرآن الكريم ما يناسب بغيته ومرماه ، وخاصة آيات النعيم والعذاب ، حيث جعلها خاصة بمن يعبد الإِله المعبود عندهم – الحاكم بأمر الله – فمن عبده فله النعيم ، ومن كفر به فقد حق عليه العذاب . ( ويعلق عاطف العجمي على هذا المصحف وغيره من الرسائل التي وضعوها بقوله : تكاد تفوق القرآن بلاغة ) ([173]).
ولا يزال هذا المصحف يتداول بين الدروز بشكل سري ، لذلك لا يعرف بينهم إلا بشكل محدد جدًا ([174])، ولا يستغرب أن ينكروا وجوده ([175]).
ومن كتب الدروز الدينية أيضًا : ( كتاب النقط والدوائر ) ، والذي يتحدث عن الكثير من العقائد الدرزية ، وقد طبع هذا الكتاب في البرازيل سنة 1920 م بإشراف الأستاذ منير اللبابيدي ، ويقول مؤلف ( أيها الدرزي عودة إلى عرينك ) أنه من تأليف الشيخ عبد الغفار تقي الدين البعقليني المقتول سنة 900 هـ ([176]).
ومنها كذلك ( شرح ميثاق ولي الزمان ) ، ويصف كاتبه نفسه بـ ( الحقير محمد حسين ) ، وهذا الشرح – كما يستدلون من أسلوبه – كتب قبل فترة ليست بالطويلة ، ويدل على حقيقة اعتقادات الدروز التامة وبشكل أوضح من الرسائل أحيانًا .
ومن الكتب الدرزية التي لم أستطع العثور عليها وذكرها مؤلف ( أيها الدرزي عودة إلى عرينك ) ، على أنها من وضع كمال جنبلاط بالتعاون مع عاطف العجمي ما يلي :
أ – الصحف الموسومة بالشريعة الروحانية في علوم البسيط والكثيف ، وهو كتاب آخر كالمنفرد بذاته مؤلف من نحو 360 صفحة وهو مؤلف من عدة رسائل منها :
1.    رسالة ركز العاجلة .
2.    رسالة شرعة الإِبداع .
3.    رسالة شرعة المثالات .
4.    رسالة شرعية استبانة الشريعة .
5.    شرعة الأمة الواحدة .
وملخص في هذه الرسائل :
1.    إثبات كل ما جاء عن حمزة .
2.    حض قوي جدا على الكتمان ، ورؤية منكري الحكمة معرضين لتقمصات مختلفة .
3.    إثبات قصة الدينونة .
4.    فرض العبادة ليلة الاثنين مع المحافظة على فرضها ليلة الجمعة .
5.    إدخال الفكر البوذي ونظام البوكا والاعتماد على التعاويذ لشفاء الأمراض .
ب – رسائل الجام الجاحدين وما بعدها ، وهو كتاب كالمنفرد بذاته والبسيط والكثيف وضعا وخطا واقتباسا من القرآن ) ([177]).
ويعلق مؤلف هذه المذكرة بقوله : ( وكأن جنبلاط الذي لا أكاد أرتاب بأنه مؤلف هذه الرسائل ، كأنه أحس أن كل شيء لدى الدروز أصبح كاملاً ولم يعد ينقصهم إلا النصائح الطبية والاعتماد على معرفة أنباء المستقبل من الكواكب والأفلاك ومعرفة ما يضمر الناس بواسطة سحن وجوههم ولذا كتب نحو مئة صفحة حول الطب والفراسة وأسند آراءه كعادته إلى حمزة ... ويضيف قائلاً في صفحة أخرى : ( وهكذا نرى حمزة كبهاء الدين قديما وكمال جنبلاط حديثًا يسيرون في طريق يفضي للإِجهاز على الأديان ، لاسيما الإِسلام ، تنفيذًا لتصاميم يهودية مجوسية ) ([178]).
وفيما يلي سرد لأسماء رسائل الدروز ، والتي تتكون من أربعة مجلدات :
المجلد الأول من رسائل الدروز :
1.    نسخة السجل الذي وجد معلقًا على المشاهد في غيبة الحـــــــــــــــــاكم وتاريخه سنة 411 هـ ([179])  .
2.    السجل المنهي فيه عن الخمر ([180]).
3.  خبر اليهود والنصارى : وهو بدون تاريخ ، ومروي عن الذين كانوا مع الحاكم بأمر الله ، حينما جاءه وفد من اليهود والنصارى يطلبون منه الأمان ([181]).
4.    نسخة ما كتبه القرمطي إلى الحاكم بأمر الله ، وجواب الحاكم عليه .
5.    ميثاق ولي الزمان : وهو الذي يؤخذ على كل مستجيب للمذهب الدرزي .
6.  الكتاب المعروف بالنقض الخفي ، وتاريخ شهر صفر سنة 408 هـ السنة الأولى من سنوات حمزة ، وهو الكتاب الذي نقض به حمزة الشرائع جميعًا ، وخاصة أركان الإِسلام الخمسة .
7.  الرسالة الموسومة ببدء التوحيد لدعوة الحق : من كتابات حمزة ، وتاريخها شهر رمضان سنة 408 هـ ، السنة الأولى من سنوات حمزة ، وتتضمن الخصال السبعة التي فرضها على أتباعها ، وإسقاط الفرائض الأخرى عنهم .
8.  ميثاق النساء : وهي من كتابات حمزة أيضًا ، وليس لها تاريخ ، وفيها تقرير قواعد الأداب التي ينبغي على الدعاة أن يتبعوها في تعليم النساء ، وكذلك العهود التي تؤخذ عليهن حتى يحتفظن بعفافهن ومكارم أخلاقهن .
9.  رسالة البلاغ والنهاية في التوحيد إلى كافة المتبرئين من التلحيد ، من تأليف حمزة ، وتاريخها شهر المحرم سنة 409 هـ ، وفيها عن مآل الكافرين ومصير الموحدين ، ويوم القيامة .
10.           رسالة الغاية والنصيحة ، من تأليف حمزة ، وتاريخها شهر ربيع الآخر سنة 409 هـ ، وفيها يتحدث عن الخلاف بينه وبين الدرزي ([182]).
11.           كتاب فيه حقائق ما يظهر قدام مولانا الحاكم جل ذكره من الهزل ، من كتابات حمزة ، وبدون تاريخ ، ويرجح أنه كتبها في سنة 409 هـ أثناء اختفائه ، وفي هذا الكتاب تأويل لجميع أفعال الحاكم اليومية ([183]).
12.            السيرة المستقيمة ، من كتابات حمزة ، كتبها في جمادي الأولى سنة 409 هـ ، وهي سيرة الحاكم وحياته ، ويراد من إيرادها البرهنة على ألوهيته .
13.            كشف الحقائق ، من كتابات حمزة ، وتاريخها شهر رمضان سنة 409 هـ ، وهي من حدود الدين عندهم ومراتبهم .
14.           الرسالة الموسومة بسبب الأسباب وكنز لمن أيقن واستجاب ، من كتابات حمزة وبدون تاريخ ، ويتحدث فيها عن سبب تسميته علة العلل ، ويتحدث فيها عن سبب تسميته علة العلل ، وتأويل ( بسم الله الرحمن الرحيم ) .
المجلد الثاني من رسائل الدروز :
15.           الرسالة الدامغة في الرد على الفاسق النصيري ، لعنه المولى في كل كور ودور : من كتابات حمزة ، ومن أهم الرسائل في هذا المجلد ، وهي تعطي فكرة عن آراء بعض الفرق التي طرحت الأديان كلها ، واتجهت إلى الإِباحية الجنسية ، وأيضًا عن الثواب والعقاب عند النصيرية والدروز .
16.           الرسالة الموسومة بالرضى والتسليم ، من كتابات حمزة ، وتاريخها سنة 409 هـ ، ويتحدث فيها عن خلافه مع الدروز .
17.           رسالة التنزيه : كتبها حمزة ، وتاريخها جمادى الآخرة سنة 409 هـ ، وفيها يتحدث عن الحدود الخمسة ومراتبهم وأضدادهم .
18.           رسالة النساء الكبيرة : لم يذكر فيها الكاتب ولا التاريخ ([184])، وتتضمن تأويلاً للسجلات التي أصدرها الحاكم ، وكذلك تأويل لأركان الإِسلام .
19.           رسالة الصبحة الكائنة ، من كتابات حمزة ، وتاريخها شعبان سنة 409 هـ ، بعثها إلى أصحاب الدرزي الذين قبض عليهم الحاكم ، وفيها عتاب لهم وكيف حذرهم ليلة ثورة المصريين ضد دعوة تأليه الحاكم ، وكيف هرب هو والتجأ إلى مخبأ .
20.                       نسخة سجل المجتبى : من رسائل حمزة ، وهي تقليد وتعيين إسماعيل التميمي في حده ومرتبته الدينية .
21.            تقليد الرضى سفير القدرة ، من رسائل حمزة ، وتاريخها شوال سنة 409 هـ ، وفيها تعيين محمد بن وهب في مرتبته .
22.            تقليد المقتني ، من رسائل حمزة ، وتاريخها شعبان سنة 410 هـ ، وهي خاصة بتعيين علي بن أحمد السموقي ( بهاء الدين ) في مرتبته .
23.                       مكاتبة إلى أهل الكدية البيضاء ( حسن بن هبة ) عما يعن لهم من أمور دينهم .
24.            رسالة حمزة إلى الموحدين من أهل أنصنا ([185])، وتاريخها جمادى الآخرة سنة 410 هـ ، ويدعوهم فيها إلى الصبر .
25.                       شرط الإِمام صاحب الكشف : لم يذكر كاتبها ولا تاريخها .
26.            الرسالة التي أرسلت إلى ولي العهد ، عهد المسلمين ، عبد الرحيم بن إلياس : وهي من رسائل حمزة بعثها إلى ولي عهد الحاكم ويدعوه فيها إلى الاعتراف بألوهية الحاكم .
27.            رسالة إلى خمار بن جيش السليماني العكاوي ، وهي من رسائل حمزة ، يحذر فيها خمار من القول بأنه شقيق الحاكم .
28.            الرسالة المنفذة إلى القاضي : وقد بعث بها حمزة إلى قاضى القضاة أحمد بن العوام ، وتاريخها ربيع الأول سنة 409 هـ ، ويدعوه فيها إلى خلع نفسه من ولاية القضاء على الموحدين ، لأنه لا يؤمن بألوهية الحاكم .
29.                       المناجاة ، مناجاة ولي الحق : الموجهة من ولي الحق ( حمزة ) إلى الحاكم .
30.                       الدعاء المستجاب ، وهي مناجاة أخرى .
31.                       التقديس ، دعاء السادقين : دعاء لنجاة الموحدين العارفين .
32.            ذكر معرفة الإِمام ، وأسماء الحدود العلوية روحانيًا وجسمانيًا ، لم يذكركاتبها ، وهي عن أسماء وألقاب الحدود .
33.            رسالة التحذير والتنبيه ، من رسائل حمزة ويتحدث فيها عن عظيم المهمة الموكولة إليه ، ويبشر الموحدين بما ينتظرهم من جزاء ، وما ينتظر العصاة من عقاب .
34.            الرسالة الموسومة بالإعذار والإِنذار ، الشافية لقلوب أهل الحق من المرض والاختيار : من رسائل حمزة ، ويتحدث فيها عن ضرورة التمسك بعقيدة التوحيد ، ويحاول فيها اجتذاب أتباع خصومه وهو ابن البربرية .
35.            رسالة الغيبة ، التي وردت على يد أبي يعلى ، وهي التي بعث بها حمزة إلى الدعاة في الشام بعد غيبة الحاكم ، يحضهم فيها على التمسك بالعقيدة وعدم التخاذل ، فيكون تاريخها على هذا سنة 411 هـ .
36.            كتاب فيه تقسيم العلوم ، من تأليف إسماعيل التميمي ، وتاريخه شهر المحرم سنة 410 هـ ، وفيه تقسيم العلوم إلى خمسة أقسام والتفريق بين اللاهوت والناسوت ، والحدود في كل دور .
37.                       رسالة الزناد : من تأليف التميمي أيضًا ، ولا تاريخ لها ، وفيها تأويل لكثير من آيات القرآن الكريم .
38.            رسالة الشمعة ، كذلك من تأليف التميمي ، وكتبت في عهد الحاكم لأنه يذكر فيها أنها ( رفعت إلى الحضرة اللاهوتيه ) ، وعنونت بالشمعة ، لأن حدود الدعوة خمسة ، ويشبهون في هذا أجزاء الشمعة المضيئة .
39.            رسالة الرشد والهداية ، من كتابات التميمي ، وفيها تمجيد لمرتبته ودعوة الموحدين إلى المثابرة وعدم الاستسلام .
40.           شعر النفس : قصيدة نظمها التميمي ، يمجد بها الحاكم ( الإِله ) .            المجلد الثالث من رسائل الدروز :
41.                      الجزء الأول من السبعة الأجزاء : وفيه عرض للفرض الأول من فرائض ديانة التوحيد .
42.            الرسالة الموسومة بالتنبيه والتأنيب والتوبيخ والتوفيق ، كتبها بهاء الدين سنة 422 هـ ، إلى معد بن محمد ، وطاهر بن تميم الداعيين لتثبيت إيمانهما .
43.                       مثل ضربه بعض حكماء الديانة توبيخًا لمن قصر عن حفظ الأمانة .
44.                      رسالة إلى بني أبي حمار ، من كتابات بهاء ، ويتحدث فيها عن أن الألوهية لم تنتقل من الحاكم إلى ابنه علي .
45.                      تقليد لاحق ، من كتابات بهاء ، وفيه يقلد الشيخ المختار ، سنة 408 هـ .
46.           تقليد سكين : من كتابات بهاء ، وتاريخه سنة 418 هـ ، وفيه يقلد سكين رئيسًا للمذهب في ( سورية ) ، ومما يذكر أن سكين هذا ادعى فيما بعد أنه الحاكم .
47.                      تقليد الشيخ أبي الكتائب : مرسوم تعيين أبي الكتائب داعيًا في البيضاء .
48.           تقليد الأمير ذي المحامد ، كفيل الموحدين أبي الفوارس ، معضاد بن يوسف ، الساكن بفلجين ، وكان هذا داعيًا تحت إمرة سكين .
49.           تقليد بني جراح : وهم الذين ثاروا على الحاكم في حياته ، ثم استمالهم بالأموال حتى عادوا إلى طاعته ، ثم آمنوا بألوهيته بعد ذلك ، ويصدر لهم بهاء الدين تقليدًا بذلك .
50.           الرسالة الموسومة بالجميهرية : كتبها بهاء الدين ، وتاريخها سنة 418 هـ ، وموجهة إلى الدعاة والشيوخ في قبيلة تنوخ بوادي تيم .
51.           الرسالة الموسومة بالتعنيف والتهجين لجماعة من سنهور من كتامة الكاتمين العجيسيين ، من كتابات بهاء الدين سنة 418 هـ ، وبعث بها إلى قوم من كتامة يدعوهم فيها إلى الحذر .
52.                       رسالة الوادي : من رسائل بهاء الدين .
53.            الرسالة الموسومة بالقسطنطينية ، المنفذة إلى قسطنطين متملك النصرانية : من رسائل بهاء الدين ، بعث بها إلى امراطور الروم سنة 419 هـ ، يدعوه فيها وشعبه إلى الدخول في مذهب التوحيد .
54.           الرسالة الموسومة بالمسيحية وأم القلائد النسكية ، وقامعة العقائد الشركية : بعث بها بهاء الدين إلى المسيحيين جميعًا ، وفيها يثبت أن حمزة هو المسيح حقًا .
55.           الرسالة الموسومة بالتعقب والافتقاد لآراء ما بقي علينا من هدم شريعة النصارى الفسقة الأضداد ، بعث بها بهاء الدين إلى الأمير ميخائيل صهر إمبراطور الروم ، وفيها تأويل لآيات الإِنجيل يتفق مع عقيدة تأليه الحاكم .
56.                      الرسالة الموسومة بالإِيقاظ والبشارة لأهل الغفلة وأهل الحق والطهارة : من رسائل بهاء الدين وتاريخها سنة 423 هـ ، بعث بها إلى أهل العراقين وفارس ، يبشرهم بقرب ظهور حمزة ([186]) .
57.           الرسالة الموسومة بالحقائق والإِنذار والتأديب لجميع الخلائق : من رسائل بهاء الدين ، وتاريخها سنة 425 هـ ، أرسلت للذين اعتنقوا الدعوة في وادي التيم .
58.           الرسالة الموسومة بالشافية لنفوس الموحدين ، الممرضة لقلوب المقصرين الجاحدين : وهي في وعظ أتباع المذهب .
59.           رسالة العرب ، من رسائل بهاء الدين ، بعث بها إلى أهل سورية والحجاز واليمن والعراقين ، يدعوهم فيها إلى مذهبه ، وتاريخها سنة 422 هـ .
60.           رسالة اليمن وهداية النفوس الطاهرات ، ولم الشمل وجميع الشتات : رسالة بهاء الدين إلى أهل اليمن المعتنقين لمذهبه .
61.           رسالة الهند الموسومة بالتذكار والكمال إلى الشيخ الرشيد المسدد المفضال : رسالة بهاء الدين إلى أتباعه في الهند ، وتاريخها سنة 425 هـ .
62.             الرسالة الموسومة بالتقريع والبيان وإقامة الحجة لولي الزمان : أرسلها بهاء الدين إلى أهل القاهرة والفسطاط لعدم تصديقهم ألوهية الحاكم .
63.            الرسالة الموسومة بتأديب الولد العاق من الأولاد ، الغافل عن تغيير السور ( الصور ) العاصية عند الانتقال في دار المعاد ، ورجوع أنفسها إلى الانسفال بعد العلو بمصاحبة الأضداد : وهي عن تناسخ الأرواح .
64.           الرسالة الموسومة بالقاصعة للفرعون الدعي ، الفاضحة لعقيدة الكذاب المعتوه الشقي ، وتاريخها سنة 426 هـ ، وهي رد على من يدعى بـ ( ابن الكردي ) ، الذي ادعى أنه روح الحاكم .
65.                      كتاب أبي اليقظان ، وما توفيقي إلا بطاعة حدود ولي الزمان : من رسائل بهاء الدين بعث به إلى أبي اليقظان .
66.                      الرسالة الموسومة بتمييز الموحدين الطائعين من حزب العصاة الفسقة الناكثين .
67.                      رسالة من دون قائم الزمان والهادي إلى طاعة الرحمن : يعتقد أنها من كتابات بهاء الدين .
68.           رسالة السِفر إلى السادة في الدعوة لطاعة ولي الحق الإِمام القائم المنتظر ، من كتابات بهاء الدين سنة 430 هـ ، وأرسلت إلى شيوخ العرب في الإِحساء .           المجلد الرابع من رسائل الدروز :
69.                      الرسالة الموسومة بمعراج نجاة الموحدين ، وسلم حياة المعرفين .
70.                      رسالة في ذكر المعاد ، والرد على من عبر بالغلط والإِلحاد .
71.           الرسالة الموسومة بالتبيين والاستدراك ، لبعض ما لم تدركه العقول في كشف الكفر المحجوب من الإِلحاد والإِشراك : وهي في شرح عقائد بعض الفرق .
72.            الرسالة الإِسرائيلية الدامغة لأهل اللدد والمجون ، أعني الكفرة من أهل شريعة اليهود : وهي في الرد على عقائد اليهود .
73.            الرسالة الموسومة بأحد وسبعين سؤالا ، سأل بها بعض المدعين الفسقة الجهال وأئمة الجور والضلال : وهي أسئلة من مخالفي العقيدة والرد عليها .
74.           الرسالة الموسومة بإيضاح التوحيد لمن تنبه من سنة الغفلة وعرف الحق وانتصر ، وإثبات الحجة ببرهان الدين ، والرد على من أشرك بالباري وشك فيه وجحد الحد والحق وأنكره : من كتابات بهاء الدين سنة 430 هـ ، وهي في الرد على من أنكر ألوهية الحاكم .
75.                      ذكر الرد على أهل التأويل الذين يوجبون تكرار الإِله في الأقمصة المختلفة .
76.                      توبيخ ابن البربرية ، الرسالة الموسومة بالدامغة للفاسق النجس ، الفاضحة لأتباعه أهل الردة والبلس .
77.                      توبيخ لاحق : لما نسب إليه من تصرفات مخالفة لقواعد ديانة التوحيد .
78.           توبيخ ابن أبي حصية : من كتابات بهاء الدين ، ويحذر فيها أتباعه من آراء هذا الشخص الذي أباح كثيرًا مما حرمه حمزة .
79.                      توبيخ سهل .
80.                      توبيخ حسن بن معلا .
81.                      توبيخ الخائب محلى : الذي كان يدعو إلى الإِباحة ، ويبيح لغيره الاتصال بزوجته .
82.                       رسالة البنات الكبيرة .
83.                       رسالة البنات الصغرى .
84.                      المقالة في الرد على المنجمين .
85.                      الرسالة الموسومة ببدء الخلق ، ومؤلفها بهاء الدين .
86.                      الرسالة الموسومة بالموعظة ، ومؤلفها ، بهاء الدين ، وتاريخها سنة 428 هـ .
87.           المواجهة : بعث بها بهاء الدين إلى حمزة يوصي فيها ببعض الأشخاص الذين أرسل معهم نسخًا من كتب مختلفة ألفها بهاء الدين عن ديانة التوحيد ([187]) .
88.                      مكاتبة الشيخ أبي الكتائب .
89.                      منشور إلى آل عبد الله .
90.                      جواب كتاب السادة : وفيه يبشر بقرب ظهور حمزة ( قائم الزمان ) .
91.                      الكتاب المنفذ على يد سرايا : ويتحدث فيه عن أمور تجارية ، أظن أنها ألغاز .
92.                       مكاتبة تذكرة .
93.                       مكاتبة نصر بن فتوح .
94.                      السجل الوارد إلى النصر .
95.                      منشور الشيخ أبو المعالي طاهر .
96.                      منشور إلى جماعة أبي تراب .
97.           رسالة جبل السماق : مؤلفها بهاء الدين سنة 429 هـ ، بعث بها إلى الموحدين في جبل السماق ، يبشرهم بقرب ظهور حمزة ([188]) .
98.                      منشور إلى آل عبد الله ، وآل سليمان .
99.                      منشور أبا علي التنوخي .
100.                 منشور رمز لأبي الخير سلامة .
101.                 منشور الشرط والبط : ويعني الحجامة .
102.                 مكاتبة إلى الشيوخ الأوابين .
103.                 منشور في ذكر إقالة سعد : من تأليف بهاء الدين .
104.         مكاتبة رمز إلى الشيخ أبو المعالي : تتكلم هذه الرسالة عن الحراثين والبذور والأوقاف ، وهذه الألفاظ رموز وإشارات تؤول على أساس الدعوة .
105.         منشور إلى المحل الأزهر الشريف : في تبرئة بعض الموحدين ، مما شاركوا به في وضع الضلالات في ديانة التوحيد .
106.                 منشور نصر بن فتوح : وينصحه بهاء الدين بالسرية التامة .
107.                 مكاتبة رمز إلى آل أبي تراب : يحذر فيها بهاء الدين من ابن الكردي .
108.         الرسالة الواصلة إلى الجبل الأنور ، من كتابات بهاء الدين سنة 433 هـ ، ويوضح فيها الذين أفسدوا ديانته .
109.                 مكاتبة الشيخ أبي المعالي ، من كتابات بهاء الدين سنة 433 هـ .
110.         رسالة منسوبة بالغيبة : مؤلفها بهاء الدين ، ويودع فيها أتباعه ، ويعلن عزمه على الغيبة ، ويوصيهم التمسك بالآراء التي علمهم إياها .                                                       ويلاحظ في هذه الرسائل ، أن أكثر رسائل حمزة كتبت في سنة غيابه عام 409 هـ ، وهي السنة التي أراد بها أن يقوي مذهبه ، ويلاحظ أيضًا أن غالبية الرسائل كتبت من قبل بهاء الدين ، الذي قاد المذهب بعد اختفاء حمزة سنة 411 هـ .
أما عناوين الأعراف التي يتألف منها مصحف الدروز فهي كما يلي :
1.    عَرفُ الفتح : فيه حديث عن هذا المصحف ، وتمجيد بما يحويه .
2.  عَرفُ الأمر والتقديم : فيه دعوة إلى الإِيمان ، بألوهية الحاكم ، والتهديد لمن لا يؤمن به بالعذاب والويل ، وفيه آيات من القرآن الكريم حُرفت بشكل واضح .
3.    عَرفُ نداء الحضرة : فيه حديث عن نداء الإِله في أدواره وظهوراته المختلفة للأيمان به ومشاهدته .
4.    عَرفُ النزلة والتجلي .
5.  عَرفُ التنبيه والهداية : وفيه توبيخ لمن أنكروا أن يروا الله جهرة كأمثالهم ( أي أن يروا الحاكم ) . وفيه أيضًا تحريف لآيات من القرآن الكريم .
6.    عَرفُ الإِنذار والحساب : وفيه تهديد بالعذاب لمن رفض دعوة الحاكم .
7.    عَرفُ الجحود والتوبة .
8.    عَرفُ المظاهر القدسية .
9.    عَرفُ الإِيمان والردة : وفيه تهديد للذين يرتدون عن هذا الدين .
10.                      عَرفُ النيزين .
11.           عَرفُ الجيش العجيب المجر : وفيه عن مهاجمة جموع الناس لمقر حمزة أثناء اختفائه بعد ثورتهم ، وعن نصر الحاكم ( الإِله ) له بعد ذلك وحمايته .
12.                       عَرفُ الزلزلة .
13.                       عَرفُ الأمثال : وفيه وصف لعذاب الذين كفروا بالحكم .
14.                      عَرفُ صلاة اللقاء : فيه دعاء موجه إلى الحاكم ، على أنه صلاة .
15.                      عَرفُ صلاة الرواح : فيه كذلك حدث عن العذاب الذي سَيحل بمن كفروا بالحاكم بعد أن رأوه جهرة .
16.           عَرفُ كتاب أبي إسحق أو مراتب العباد : موجه إلى شخص اسمه : أبي إسحق محمد اللُّدي ، وفيه حديث عن ظهور المعبود ، وعن يوم القيامة وقوم يأجوج ومأجوج .
17.                      عَرفُ صلاة الفجر : وفيه دعاء ومناجاة للحاكم .
18.                      عَرفُ تجلي شمس الحقيقة وتغريد الحمامة الأزلية .
19.                      عَرفُ العهد والميثاق : وفيه نص العهد والميثاق .
20.                       عَرفُ صلاة الشكر والحمد على الإيمان .
21.                       عَرفُ الرحمة .
22.                       عَرفُ الوصية : وفيه عن أحكام الوصية في مذهبهم .
23.            عَرفُ صلوات الشرائع : وفيه تحذير لأتباع المذهب من الاستماع إلى المسلمين ، ويتحدث فيه أيضًا عن فرائض الإِسلام بشكل استهزائي ؟
24.                       عَرفُ أنباء الأولين والتجلي في بلاد السند والهند .
25.                       عَرفُ طلائع الموحدين  .
26.                       عَرفُ مشارق التوحيد .
27.                       عَرفُ المحرمات : وفيه حديث عن المحرمات التي حرمها مولاهم الحاكم عليهم .
28.                       عَرفُ صلاة التسبيح .
29.                       عَرفُ فرائض الأحكام : وفيه عن تحريم الزنا على أتباع المذهب .
30.                       عَرفُ المشاهدة وكوثر التجليات .
31.                       عَرفُ خلائف العدل : وفيه عن تحريم الرشوة بينهم .
32.            عَرفُ برازخ الكاف والنون أو الشفع والوتر : وفيه عن شكر مولاهم لأنه أخرجهم من عبادة العدم إلى أنوار المشاهدة .
33.                       عَرفُ حقيقة الصلاة والايمان .
34.                       عَرفُ الثِقلين .
35.                       عَرفُ الدعوة والعدل والتوكل والرحمة والفيض .
36.                       عَرفُ كتاب البيان إلى دولة الموحدين .
37.                       عَرفُ صلاة التجلي .
38.                       عَرفُ شمس المغيب
39.                       عَرفُ الأكسير .
40.                      عَرفُ الأمم في السموات والأرضين .
41.                      عَرفُ مائدة الكمال أو ألواح المقادير والإِثبات والمحو والتنزيل .
42.            عَرفُ عاقبة المكذبين : ويعتبر فيه القرآن صحف كتبت من قِبل آباء الجاحدين لحكمة التوحيد ، فهم لذلك في ضلال مبين .
43.                       عَرفُ الأعراف أو تسبيح مؤذني نواقيس الأختام .
44.                      بلاغ المحرمات وعَرفُ مسك الختام .
هذا وهناك أيضًا رسالة صغيرة مخطوطة بعنوان ( دعاء سيدنا الشيخ الصالح ) ويبدو أنها لأحد مشايخهم المتأخرين ، على شكل دعاء يناجي به الحاكم ، وقد بدأ بما يلي :
( اللهم لك الحمد على نعمة وجودك ، ولك الحمد على معرفة وليك وحدودك ، ولك الحمد على معرفة ظهوراتك ) ([189]).
وهناك كذلك رسالة أخرى بعنوان ( ذكر ما يجب أن يعرفه الموحد ويعتقد به ويسلك بموجبه ) ، وهو موجز عن كتاب الفرائض ، وهو عبارة عن تفصيل لكثير من عقائد الدروز .
ويؤكد كمال جنبلاط أن الدروز ورثوا في كتبهم المقدسة المستورة فلسفة فيثاغورس وسقراط وأفلاطون ، وكذلك الأفلاطونية الحديثة ، وهذه الفلسفات والأفكار هي التي يجب أن يعتد بها ، لأن أساس عقيدتهم قائم على طلب الحكمة لذا لا يستيطع أي كان أن يقرأ كتب الدروز المقدسة سوى الحكماء ([190]) .
*******

 
الفصل الثاني
الرد على عقيدتهم
ويتضمن ما يلي :
1 – إبطال مفهومهم للألوهية ، وحلول اللاهوت في الناسوت .
2- إبطال قولهم بالتناسخ والرجعة .
1 – إبطال مفهومهم للألوهية ، وحلول اللاهوت في الناسوت :
عقائد الدروز – كما بينت سابقًا – تقوم أساسًا على الاعتقاد بتجسد الإِله في صورة الحاكم بأمر الله ، وأن اللاهوت حل في الناسوت على هذه الصورة .
وهذا الاعتقاد هو اللبنة الرئيسية التي تقوم عليها أركان العقيدة الدرزية ، وفكرة الحلول أصلاً مستقاة من الفلسفة اليونانية ، وتكاد تكون عنصرًا رئيسيًا في الفلسفة الهندية ، ( والمسيحية استمدت هذه الفكرة من الهندوكية ) ([191]).
يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية عن هذه الفكرة ما يلي :
ولا ريب أن هذا القول – الحلول والتجسيد – كفر صريح باتفاق المسلمين ، فقد ثبت في صحيح مسلم ، أن النبي ^  قال : ( واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت ) ([192])، فإذا قيل : ظهر في صورة إنسان وتجلى فيه ،  فإن اللفظ يصير مشتركًا بين أن تكون ذاته فيها ، وأن تكون قد صارت بمنزلة المرآة التي يظهر فيها ، وكلاهما باطل ، فإن ذات الله ليست في المخلوقات ، ولا في نفس ذاته ترى المخلوقات كما يرى المرئي في المرآة ) ([193]).
وينقل الأستاذ أنور الجندي أيضًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية ما يلي :
إن الاتحاد بين الخالق والمخلوق ممتنع ، لأن الخالق والمخلوق إذا اتحدا ، فإما أن يكونا بعد الاتحاد اثنين كما كانا قبله ، وهذا تعدد وليس باتحاد ، وإما أن يستحيلا إلى شيء ثالث كما يتحد الماء واللبن والنار والحديد فيلزم أن يكون الخالق قد استحال وتبدلت حقيقته كسائر ما يتحد مع غيره ، وهذا ممتنع على الله ، إذ الاستحالة تقتضي عدم ما كان موجودًا والله تعالى واجب الوجود بذاته وصفاته الملازمة له والتي هي كمال ، والتي إذا عدمت كان ذلك نقصًا يتنزه الله تعالى عنه ) ([194]).
ولاشك أن الإِله الخالق من فوق هذا الكون ، وليس هو أي جزء فيه ، ( ولو كان جزءًا من الكون لكان من الممكن أن يكافئه جزء آخر منه ، وقد يكون ذلك المكافيء – ولو من جهة من الجهات – أصغر منه وأضعف بوجه عام . ومتى وجد المكافيء أمكن أن يحتال عليه ويغلبه ، أو أن تتعارض قواهما تعارضًا يعطل كل طـرف منها الآخر وبذلك يتعرض الكون للفساد والدمار ) ([195]).
ولهذا فوجود الله كامل ذاتي ( بمعنى أنه موجود لذاته لا لعلة مؤثرة فيه ، ومن خصائص الوجود الذاتي أنه لا يقبل العدم ، وأما وجود ما عداه فوجود ناقص وتبعي ، يمعنى أنه مستمد من غيره ، وأنه متوقف على القوة الموجدة له ) ([196]).
(( وعقيدة ( الألوهية ) ، عقيدة وظيفتها خلق الإِيمان ، وإشعال وقده الشوق والحب لذات الله ، وإثارة عواطف الإِجلال والإِكبار له ، وعقيدة هذا شأنها وخطرها ، وتلك وظيفتها وعملها ، يجب أن تبقى بحيث تكون قادرة على أن تمد الإِنسان بهذه المعطيات التي تجعل لله ما يجب أن يكون له ، من تقديس وإجلال ، ولن تحقق هذا المعنى إلا إذا ظلت متأبية عن أن تنزل إلى عالم الحس )) ([197]).
وبسبب ذلك فإن الذي يرجح الإيمان في القلوب ، ويحتفظ به حيا في النفوس ، هو هذا الحاجز الذي يحجز الناس من مشاهدة الله .
ذلك أن الإنسان يهدف بتقديسه لله إلى حقيقة خارجة عن نطاق الأذهان ، وإن كانت تعبر عنها الأذهان ، فإنها في هذا التعبير تشير إلى ذات مستقلة قائمة بنفسها ، ليست مجرد عوض من الأعراض أو لقب من الألقاب .
ثم إن هذا التقديس ليس تقديسًا لذات أيا كانت ، وإنما هو تقديس لذات لها صفات خاصة ، وأهم مميزاتها أنها ليست مما يقع عليه حس الإنسان ، ولا مما يدخل في دائرة مشاهداته الدنيوية ، وإنما هي شيء غيبي لا يدركه إلا بعقله ووجدانه )) ([198]).
وكيف تستطيع حواس الإِنسان المحدودة التي تدور في مجال محدود من مجالات الوجود المحسوس ، أن تحيط بذات الله لو تجلي لها ؟
وكيف تستقيم حياة الإِنسان ، وهو يرى الله – عيانا – وهو قائم عليه ؟
وكيف يكون سلـوك الناس وهـم يشهدون الله شهودًا صريحًا محسوسًا في كل زمـان ومكان ؟
إنها أسئلة كثيرة تقف فورًا عند طرح هذه الفكرة ، التي لا يستسيغها عقل ولا يقبلها منطق ، يقول أبو حامد الغزالي :
(( إن الحلول لا يمكن تصوره بين عبدين ، فكيف يكون تصوره بين العبد وربه ؟ )) ([199]).
والحلول محال على الله لأسباب كثيرة ، ذلك لأن القديم يختلف عن الحادث لاختلاف الماهية في كل منهما ، وهذا الاختلاف يوجب استحالة حلول القديم في الحادث .
ثم إن الله واجب الوجود ، وهذا الوصف ينفي الحلول لأنه في حالة حدوثه يصبح الحال تابعًا لما حل فيه ، كما يصبح معلولاً لهذا المحل ومتأثرًا به ، بل إنه ليصبح في غير الإِمكان تصور الحال إلا بتصور المحل ، إذن ينتفي الحلول في هذه المرة كما استحال في الأولى .
وينقل الأستاذ أنور الجندي عن أبي حامد الغزالي قوله عن فكرة الاتحاد بين الله والإِنسان : (( إن قول القائل : إن العبد صار هو الرب كلام يتناقض مع نفسه ، بل ينبغي أن ينزه الرب سبحانه عن أن يجري اللسان في حقه بأمثال هذه المحاولات .
وطريقة البرهنة على فساد ذلك عند الغزالي ، هي أن يورد ثلاثة احتمالات لمثل هذا الاتحاد المزعوم :
1 – إما أن تظل كل ذات من الذاتين موجودة .
2 – وإما أن تفنى إحداهما وتبقى الأخرى .
3 – وإما أن تفنيا معا .
وفي الحالة الأولى لا يكون هناك اتحاد ، وفي الثانية كيف يمكن الزعم بأن هناك اتحادًا بين موجود ومعدوم ؟ وفي الثالثة : لا يكون هناك محل للحديث عن الاتحاد ، بل الأولى أن نتكلم عن الانعدام ، والتناقض واضح في جميع هذه الاحتمالات .
والعقل هو الذي يقرر وجود هذا التناقض ، بعد أن جاء الشرع يبين فساد فكرة الاتحاد عند النصارى )) ([200]).
وفي القرآن الكريم مواقف كثيرة تكشف عظم هذا القول ، واجتراءه على الله ، يقول تعالى عن اليهود : (( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون )) ([201]).
ولهذا جاءت الآية الكريمة التالية كاشفة كفر اليهود والنصارى بما قالوا واعتقدوا في هذا الموضوع : (( وقالت اليهود عُزير ابن الله ، وقالت النصارى المسيح ابن الله ، ذلك قولهم بأفواههم يُضاهئون قول الذين كفروا من قبل ، قاتلهم الله أنى يؤفكون . اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم ، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون )) ([202]).
وتكذيبًا لما قالوا وزعموا بين تعالى حقيقة ذاته : (( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )) ([203]).
(( وذات الله – مع أنها فوق أن تُدرك وأن تُحد – قد وصفت في القرآن بصفات كثيرة كالإِرادة والعلم والقدرة وغيرها ، وهي صفات كاملة الكمال المطلق )) ([204]). وبهذه الطريقة تقبل السلف الصالح موضوع الذت الإلهية .
وإرسال الرسل والأنبياء من قبل الله تعالى ، يدحض كل مزاعمهم بالحلول والاتحاد ، إذ بظهوره أو اتحاده في الإنسان ، ما كانت هناك حاجة للرسل والأنبياء .
ونستنتج مما تقدم أن فكرة تجسد الإِله في صورة إنسانية ، هي اجتراء على الله الذي ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) ، وضرب من المستحيلات لاختلاف ماهية كل منهما ، وكذلك فهي زعزعة ليقظة الإِيمان في النفوس .
لهذا أستطيع أن أقول : أن ادعاء الحاكم الألوهية بالإِضافة إلى مظهر الكفر والإِلحاد فيه وفي مباديء مذهبه التي روجت فيما بعد كان كذلك ما يسمى بـ ( جنون العظمة ) والرغبة بالحكم والسلطان ، وشهوة الظلم والقتل والاعتداء على الآخرين ، حتى تخيل أنه الإِله ، وزين له ذلك الأذناب الذين كانوا حوله من أمثال حمزة بن علي والدرزي والفرغاني وغيرهم ،  فازداد قتله وبطشه بالناس ، وأخذه أموال الناس بغير حق ، وإعطاؤها بغير حق أيضًا ، ليقال عنه : المميت والمحيي ، والرزاق والمانع .
ولو أن هؤلاء الذين لازالوا يعتقدون بألوهية الحاكم ، ومازالوا في الضلالات والمتاهات التي وضعها حمزة بن علي ، أصغوا إلى نداء عقولهم ما بقى واحد منهم على هذا الاعتقاد الواهي ، الذي لا يصدقه عقل ، ولا تستسيغه نفس .
2 – إبطال قولهم بالتناسخ والرجعة :
وهو قولهم : بأن الجسد قميص للروح ، فعندما يموت الجسم ، تنتقل إلى جسم آخر ، باعتبار أن الروح لديهم لا تموت ، بل يموت قميصها الجسم ويصيبه البلى .
وتصور التناسخ بهذا الشكل ، من الأوهام التي جاءت من قدماء اليونانيين ، ( والتي كان يعتقد بها الفراعنة ، وظهرت في زمن فرعون الذي كان فيه موسى عليه الصلاة والسلام ) ([205])، ( وهي العقيدة التي نجدها أيضًا في إنجيل بوذا ) ([206]).
ودليل بطلان هذا الاعتقاد يثبت بالشرع والعقل والحس المشاهد :
وأما ما ثبت بالشرع فقد ورد به القرآن الكريم ، والسنة النبوية الشريفة ، فما جاء عن سؤال الملكين ، وعذاب القبر ، يدل بوضوح على بطلان ما يتوهم به البعض من أن الأرواح تظل متنقلة بين الأجساد ، كلما انتسخ وجود واحدة منها في جسدها التي هي فيه ، انتقلت منه إلى جسد آخر ، وهكذا دواليك .
(( فالله سبحانه وتعالى يرسل ملكين إلى الإِنسان عقب وفاته ، يسألانه عن دينه الذي عاش عليه ، وعما علمه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، فأما أن يتعرض إلى لون العذاب ، أو لون النعيم ، ولقد ثبت الخبر المتواتر من الكتاب والسنة عن سؤال القبر وعذابه ، وأنهما واردان على روح الميت بيقين ، إذ لا يتصور بدون ذلك خطاب ولا نعيم أو عذاب ، إذا فالروح مشغولة بصاحبها محبوسة له أو عليه .
كما قال الله عز وجل : ( كل نفس بما كسبت رهينة ) ([207])، ولا يمكن أن تتصرف مولية عنه لتسكن جسدًا آخر تستقبل فيه سلوكًا جديدًا ووجودًا آخر )) ([208]).
قال تعالى مخبرا عن حياة البرزخ – هذه – (( فلولا إذا بلغت الحلقوم ، وأنتم حينئذ تنظرون ، ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ، فلولا إن كنتم غيرَ مدينين ، ترجعونها إن كنتم صادقين ، فأما إن كان من المقربين ، فروح وريحان وجنة نعيم ، وأما إن كان من أصحاب اليمين ، فسلام لك من أصحاب اليمين ، وأما إن كان من المكذبين الضالين ، فنُزلٌ من حميم ، وتصلية جحيم ) ([209]).
وقوله ( وجاءت سكرة الموت بالحق ) ([210])أي جاءت بما بعد الموت من ثواب وعقاب ، وهو الحق الذي أخبرت به الرسل . وقوله : ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) ([211])، واليقين ما بعد الموت ، كما قال ^ : ( أما عثمان بن مظعون فقد جاءه اليقين من ربه ) .
وذكر تعالى عذاب القيامة والبرزخ معا في ذكره قصة آل فرعون فقال : ( وحاق بآل فرعون سوء العذاب ، النار يعرضون عليها غدوا وعَشيا ، ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) ([212]). وقد ثبت في الصحيحين أن النبي^لما أتى المشركين يوم بدر في القليب ناداهم : ( يا فلان ، يا فلان ، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ، فقد وجدت ما وعدني ربي حقًا ) ([213]).
وهذا دليل على وجودهم وسماعهم ، وأنهم وجدوا ما وعدوه بعد الموت من العذاب . وقال تعالى : ( ولا تحسبن الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون ) ([214]) [ آل عمران : 169 ] ، وأيضًا قال تعالى : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ، فيُمسك التي قضى عليها الموت ، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ) ([215]) [ الزمر : 42 ] ، وهذا بيان لكون النفس تُقبض وقت الموت ، ثم منها ما يمسك فلا يرسل إلى بدنه وهو الذي قُضي عليه بالموت ، ومنها ما يرسل إلى أجل مسمى .
وقال تعالى : { حتى إذا جاء أحدَهم الموت قال : رب ارجعون ، لعلي أعمل صالحًا فيما تركت ، كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون }([216]) [ المؤمنون : 99 – 100 ] .
وقد أخبرنا تعالى أيضًا بأن هذه الأبدان التي فيها أرواحنا ستشهد علينا يوم القيامة بما عملت ، قال تعالى : { ويوم يُحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون ، حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم .. مما تعملون }([217]) [ فصلت : 19 – 22 ] .
مما تقدم من الآيات والأحاديث ، دليل خبري حاسم على بطلان التناسخ ، إذ بذلك ينتفي العدل الإلهي عن بني الإِنسان ([218]).
يقول ابن حزم الظاهري : ( ويكفي من الرد عليهم ، إجماع جميع أهل الإِسلام على تكفيرهم ، وعلى أن من قال بقولهم فإنه على غير الإسلام ، وأن النبي ^ أتى بغير هذا ، وبما المسلمون مجمعون عليه من أن الجزاء لا يقع إلا بعد فراق الأجساد للأرواح بالنكر أو التنعيم قبل يوم القيامة ، ثم بالجنة أو النار في موقف الحشر فقط إذا جمعت أجسادها مع أرواحها التي كانت فيها ) ([219]).
وهذه الدعوى لا تعتمد على برهان حسي أو عقلي ، وقد قامت الأدلة على حدوث العالم ، وما كان حادثًا فلابد له من نهاية ) ([220]).
وانتفاء تساوي نفسين في جميع الخصائص أمر حقيقي يقول ابن حزم :
( إن تساوي نفسين في جميع الخصائص أمر غير ممكن ، فليس في العالم كله شيئان متشابهان بجميع أعراضهما اشتباها تامًا من كل وجه ، يعلم هذا من تدبير اختلاف الصور واختلاف الهيئات وتباين الأخلاق ، وإنما يقال هذا الشيء يشبه هذا على معنى أن ذلك في أكثر أحوالهما لا في كلها ، ولو لم يكن ما قلنا ما فرَّق أحد بينهما ألبتة ) ([221]).
هذا من ناحية النفس الإِنسانية أما من ناحية الأخلاق ( فإن الأخلاق تتباين ، والأخلاق محمولة على النفس التي هي محل لها . ومتى تباينت الأخلاق تباينت النفوس من ناحيتها ، وإذا تباينت النفوس كانت نفس كل بدن من الأبدان من أي نوع كان خلاف التي في غيره من أبدان ذلك النوع بالضرورة ، وإذا يبطل القول بانتقال نفس من بدن هي مستعدة له إلى آخر من نوع ذلك البدن تصلح له نفس أخرى له خصائصها وأخلاقها ) ([222]).
وينقل ابن حزم عن القائلين بالتناسخ قولهم : ( إلى أن التناسخ هو على سبيل الجزاء ، ذلك أن الله تعالى عدل حكيم رحيم كريم ، فإذا هو كذلك فمحال أن يعذب من لا ذنب لهم بالجدري والقروح ، فعلمنا أنه تعالى لم يفعل ذلك إلا وقد كانت الأرواح عصاة مستحقة للعقاب بكسب هذه الأجساد لتعذب فيها ) ([223]).
وهذا مشابه لاعتقاد الدروز أن من يولد أعمى وبه عاهة ، إنما كان ذلك لعصيان هذه الأرواح في حيواتها السابقة .
ويرد ابن حزم على ذلك بقوله : ( ويكفي بطلان هذا الأصل الفاسد أن يقال لهم أن الحكيم العدل الرحيم على أصلكم لا يخلق من يعرضه للمعصية حتى يحتاج إلى إفساده بالعذاب بعد إصلاحه ، وقد كان قادرًا على أن يظهر كل نفس خلقها ولا يعرضها للفتن ويلطف بها ألطافًا فيصلحها بها حتى تستحق كلها إحسانه والخلود في النعيم ، وما كان ذلك ينقص شيئًا من ملكه . وحكم الشريعة أن كل قول لم يأت عن نبي تلك الشريعة فهو كذب وفرية ، فإذا لم يأت عن أحد من الأنبياء عليهم السلام القول بالتناسخ فقد صار قولهم به خرافة وكذبًا وباطلاً ) ([224]).
ويقول الأستاذ سعيد حوى عن هذه العقيدة أنه لا يقبلها عقل سليم ، ويضيف قائلاً : ( لأجل هذا فإن الإنسان على قدر ما نال من التقدم والرقي في ميدان العقل والعلم صارت تبطل في نظره عقيدة تناسخ الأرواح ، إلا أنها ما بقيت الآن إلا في أمم همجية أو متخلفة جدًا في ميدان الرقي العلمي والعقلي ، ومن الحقيقة – مع هذا – أن هذه العقيدة مثبطة للهمم ، ومميتة لروح التقدم ، بحيث أن أمة إذا أصبحت قائلة بها انعدمت فيها روح الإِقدام والجرأة والشجاعة والجندية ، ويكون نتيجة هذا الضعف المضاعف أن تضرب عليها الذلة والمسكنة ولا تحيا في الدنيا إلا مغلوبة على أمرها ، أو تنضم إلى أمم غالبة قوية أخرى .
والمضرة الأخرى لعقيدة تناسخ الأرواح ، أنها تعادي المدينة والحضارة ، وتجر الإِنسان جرا إلى الرهبانية وترك الدنيا . أنه لمما يعتقده القائلون بهذه العقيدة أن الشهوة هي أصل كل فساد في الأرض ، وهي التي تلوث الروح بالذنوب والآثام ، ولأجلها تنتقل الروح من قالب إلى قالب ، وتذوق وبال أعمالها مرة بعد مرة ، فالإِنسان أذا أودي بها وقضى عليها ولم يشغل نفسه بمشاغل الدنيا وشواغبها فلروحه أن تنال الخلاص من دورة التناسخ ) ([225]).
ومن مزاعم واعتقادات الدروز أيضًا ، أن أنفس العالم لا تزيد ولا تنقص ، ولا أجد ردًا على هذا الزعم ، إلا الإحصاءات السكانية التي تتوالي من جميع بلاد العالم عن الانفجار السكاني ، وتزايد أعداد السكان في العالم يوما بعد يوم .
وهو ما تحذر منه الأمم المتحدة ، لقلة الغذاء في العالم ، وموت الكثير من الناس جوعًا ، وأتساءل لماذا لايزال الدروز إلى الآن يؤمنون بهذا الاعتقاد والذي يدحضه العقل والمنطق السليم ؟ .
وبعد هذا نقول : ( إن تصور التناسخ إنما هو شيء يتعلق بالمغيبات ، والأمور الغيبية لا سلطان للعقل عليها طالما أن بينه وبينها حجابًا ، فالخيال قد يذهب في تصور هذه المغيبات كل مذهب ، ولكن العقل لا يصدق أي مذهب منها ما لم يقم عليه البرهان السليم ، ولولا أن أخبارًا يقينية متواترة قد وردت عن الله عز وجل أو عن رسوله صلوات الله عليه بشأن بعض المغيبات لكان موقف العقل منها نفس الموقف ، أي الإِنكار والجحود طالما أنه لا برهان عليها ، ولكن لما ورد الخبر اليقيني على وجوده وصدقه ، كان ذلك موجبًا للتصديق والإِذعان ) ([226]).
* * * * *
 

(2)  أي محال ليسيته ، إذ لو كان ليسا لكانت الموجودات أيضا ليسا ، فلما كانت الموجودات موجودة ،كانت ليسيته باطلة.
(3)  أي موجود مثل سائر الموجودات المخلوقة.
(3)  محمد كامل حسين : طائفة الدروز ص 104 ، 105.
(4)  ميثاق ولي الزمان.
(5)  مصحف الدروز : عرف العهد والميثاق ، ص 111.
(6)  مصحف الدروز : عرف العهد والميثاق ، ص 107 – 110.
(7)  انظر القلقشندي : صبح الأعشى ، ج 13 ، ص 294.
(8)  وقد تعامي عن أن الله قادر على إنطاق الحجر والشجر.
(9)  الرسالة الموسومة بكشف الحقائق : وهنا يشير إلى الآية الكريمة ( يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن ) سورة الرحمن : 29.
(10)  سورة الفجر : آية 22.
(11)  سورة الفتح : آية 10 ، وهل يعني بهؤلاء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيعة الرضوان ؟!.
(12)  مصحف الدروز : عرف الأمر والتقديم ، ص 10 – 11.
(13)  يلاحظ هنا كيفية اقتباسه الآيتين الكريمتين في سورة البقرة : ( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ) آية 10 ، وقوله تعالى ( الله يستهزيء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) آية 15.
(14)  مصحف الدروز : عرف التنبيه والهداية ، ص 18.
(15)  المصدر السابق : عرف الإنذار والحساب ، ص 19 – 25.
(16)  سورة غافر : آية 19.
(17)  يشير إلى الآية الكريمية ( ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ) سورة المجادلة : آية 7.
(18)  سورة الرحمن : آية 29.
(19)  رسالة البلاغ والنهاية في التوحيد.
(20)  وردت في فصل ( الحاكم بأمر الله حياتة وآراؤه ).
(21)  كذا في الأصل.
(22)  كذا في الأصل.
(23)  كذا في الأصل.
(24)  رسالة السيرة المستقيمة.
(25)  رسالة السيرة المستقيمة.
(26)  يشير إلى الآية الكريمة ( يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون ) سورة النحل : آية 81.
(27)  الرسالة الموسومة بالشافية لنفوس الموحدين.
(28)  لقد حرصت منذ بداية البحث حتى الآن على ضبط النفس . والمناقشة الهادئة ، على كثرة ما مر بي من مخالفة للعقل أو النقل . وأما هاهنا ، فإن هذا الكلام لا أجد مجالا للسكوت عنه ، وإلا فكيف يعتبر شركا من أثبت لله جل وتعالى ما أثبت هو لنفسه من العلو المطلق فوق سبع سماوات ، والأيات في كتاب الله صريحة الدلالة ، كما أن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تثبت هذا في المواضع الكثيرة . وأي مخالفة للعقل في قول ذلك ؟ إذا قلنا أن الله سبحانه وتعالى منزه عما نسبتم إلى عبد من مخلوقاته الحاكم أو غيره ؟ وجعلتم ذلك شركا ، فيا سبحان الله ( إنها  لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) المؤلف .
(29)  رسالة من دون قائم الزمان والهادي إلى طاعة الرحمن .
(30)  رسالة الصيحة الكائنة .
(31)  الموسومة برسالة النساء الكبيرة .
(32)  يشير إلى الآية الكريمة ( ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ، لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ، واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون ) سورة فصلت : آية 37.
(33)  شرح الميثاق : كاتبه محمد حسين . مخطوط في جامعة شيكاغو رقم 3737 : ويوجد شريط عنه في الجامعة الأردنية رقم 29.
(34)  د . سامي مكارم أضواء على مسلك التوحيد ، ص 128.
(35)  سورة آل عمران :آية 19.
(36)  رسالة السيرة المستقمية.
(37)  مخطوط في تقسم جبل لبنان . مؤلف مجهول ، مخطوط في الجامعة الأمريكية رقم 31 ، ويوجد عنه شريط في الجامعة الأردنية رقم 699.
(38)  عبد الله النجار : مذهب الدروز والتوحيد ، ص 95 – 96.
(39)  يقصد بأهل الحق . الدروز.
(40)  كذا بالأصل.
(41)  يقصد خليفة الحاكم وابنه علي.
(42)  مخطوط ذكر ما يجب أن يعرفه الموحد ، مخطوط في مكتبة القديس بولس في الجامعة الأمريكية ببيروت رقم 206 ويوجد شريط عنه في الجامعة الأردنية رقم 715.
(43)  مدينة عظيمة مشهورة في بلاد فارس .
(44)  مدينة اختطها المهدي عبد الله ، وهي في أفريقية قرب القيروان.
(45)  وهي في موضعين ، الأول في أرض السند ، والثانية أيضا قرب القيروان في أفريقية استحدثها المنصور بن القائم بن المهدي بالمغرب سنة 337 هـ.
(46)  رسالة السؤال والجواب : مخطوط في مكتبة القديس بولس في الجامعة الأمريكية ببيروت رقم 206 ، وعنه شريط في الجامعة الأردنية رقم 715.
(47)  محمد كامل حسين : طائفة الدروز ، ص 107.
(48)  بعملية حسابية بسيطة تكون عدد السنين هذه ( 343 ) مليونا ، وهذا ما يرجعنا إلى ما قاله كمال جنبلاط أن الموحدين ظهوروا منذ ( 343 ) مليونا من السنين ، ويبدو أنه اعتمد على ما قالته هذه الرسالة وجعلها حجة ؟! انظر ص 99.
(49)  محمد كامل حسين : طائفة الدروز ، ص 109.
(50)  كمال جنبلاط / هذه وصيتي ص 50.
(51)  رسالة بني أبي حمار.
(52)  شعر النفس : إسماعيل التميمي.
(53)  عبد الله النجار : مذهب الدروز : والتوحيد : 105 ، 106 ، وهنا يشير إلى الآيتين الكريمتين في سورة الإخلاص : آية 3 – 4.
(54)  مخطوط في تقسم جبل لبنان : مخطوط في الجامعة الأمريكية ببيروت رقم 31 ، ويوجد شريط عنه في الجامعة الأردنية رقم 699.
(55)  عبد الله النجار : مذهب الدروز والتوحيد ص 62.
(56)  الله النجار : مذهب الدروز والتوحيد ص 61 - 62.
(57)  كريم ثابت : الدروز والثورة السورية ، ص 34.
(58)  رسالة من دون قائم الزمان والهادي إلى طاعة الرحمن.
(59)  رسالة ذكر الرد على أهل التأويل الذين يوجبون تكرار الإله في الأقمصة المختلفة.
(60)  مصطفى غالب . الحركات الباطنية في الإسلام ، ص 263.
(61)  سعيد الصغير : بنو معروف ( الدروز ) ، ص 239.
(62)  كريم ثابت : الدروز والثورة السورية ، ص 34.
(63)  المصدر السابق ، ص 47.
(64)  د . سامي مكارم : أضواء على مسلك التوحيد ، 121 – 122.
(65)  كريم ثابت : الدروز والثورة السورية ، ص 48.
(66)  سورة النساء : آية 56.
(67)  سورة البقرة : آية 28 ، وقد وردت الآية هكذا ، ويلاحظ أن ( كلمة نعمة ) غير موجودة في الآية ، والصحيح ( كيف تكفرون بالله ).
(68)  سورة الأنعام : أية 158 ، وقد زاد في الآية أيضا كلمة ( إن ) والصحيح ( لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ... ).
(69)  سورة طه : آية 55.
(70)  سورة الروم : آية 19.
(71)  فؤاد الأطرش : الدروز – مؤامرات وتاريخ وحقائق ، ص 187 – 188.
(72)  د . مصطفى الشكعة : إسلام بلا مذاهب ، ص 280.
(73)  عبد الله النجار : مذهب الدروز والتوحيد ، ص 69 – 71  .
(74)  د . سامي مكارم : أضواء على مسلك التوحيد ، ص 127.
(75)       أمين طايع : أصل الموحدين الدروز : ص 100 – 101  .
(76)  راجع كتاب البوذية وتأثيرها في الفكر والفرق الإسلامية المتطرفة – محمد على الزغبي – وعلى زيعور ، ص 147 – 149.
(77)  محمد كامل حسين : طائفة الدروز ، ص 109.
(78)  محمد كامل حسين : طائفة الدروز ، ص 110.
(79)  أحمد الفوزان : أضواء على العقيدة الدرزية ، ص 35.
(80)  محمد كامل حسين : طائفة الدروز ، ص 110.
(81)  رسالة كشف الحقائق.
(82)  محمد كامل حسين : طائفة الدروز ، ص 112.
(83)  عبد الله النجار : مذاهب الدروز والتوحيد ، ص 138.
(84)  كذا في الأصل.
(85)  سورة الزمر : آية 9 ، ولكن الصحيح ( إنما يتذكر ... ).
(86)  الرسالة الموسومة بالشمعة ، وهنا يشير إلى الآية الكريمة في سورة الطلاق : آية.
(87)  كتاب النقط والدوائر . وهنا يشير إلى الآية الكريمة ( الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ... ) سورة فاطر : آية 1.
(88)  رسالة ذكر معرفة الإمام وأسماء الحدود العلوية روحانية وجسمانية.
(89)  محمد كامل حسين : طائفة الدروز ، ص 114.
(90)  كريم ثابت : الدروز والثورة السورية ، ص 36 ، واعتبار النجاشي صحابيًا لا يصلح بالتعريف المعتمد لأنه لم يشاهد النبي صلى الله عليه وسلم.
(91)  محمد كامل حسين : طائفة الدروز ، ص 114.
(92)  مخطوط ، ذكر ما يجب أن يعرفه الموحد ويعتقد به : مكتبة القديس بولس في الجامعة الأمريكية ببيروت رقم 206 ، ويوجد شريط عنه في الجامعة الأردنية رقم 715.
(93)       سورة الحاقة : آية 32  .
(94)  مصطفى غالب : الحركات الباطنية في الإسلام ، ص 262 – 263.
(95)  سورة الحاقة : آية 30.
(96)  سورة الحاقة آية 31.
(97)  يقصد المسلمين.
(98)  الرسالة الموسومة بكشف الحقائق.
(99)  مخطوط في تقسم جبل لبنان : الجامعة الأمريكية في بيروت رقم 31 ، ويوجد شريط عنه في الجامعة الأردنية رقم 699.
(100)  محمد كامل حسين : طائفة الدروز ، ص 115.
(101)  كذا في الأصل.
(102)  الرسالة الموسومة بسبب الأسباب.
(103)  الموسومة برسالة النساء الكبيرة.
(104)  شرح الميثاق : محمد حسين ، مخطوط في جامعة شيكاغو رقم 3737 ، ويوجد شريط عنه في الجامعة الأردنية رقم 29.
(105)    ذكر ما يجب أن يعرفه الموحد ويعتقد به : مخطوط في الجامعة الأمريكية ، مكتبة القديس بولس رقم 206 ، ويوجد شريط عنه في الجامعة الأردنية رقم 715  .
(106)  محمد كامل حسين : طائفة الدروز ، ص 115.
(107)  رسالة التحذير والتنبيه.
(108)  عبد الله النجار : مذهب الدروز والتوحيد ، ص 123 – وذكر ما يجب أن يعرفه الموحد ويعتقد به مخطوط في الجامعة الأمريكية ببيروت – مكتبة القديس بولس رقم 206 ، ويوجد شريط عنه في الجامعة الأردنية رقم 715.
(109)  محمد كامل حسين : طائفة الدروز ، ص 115.
(110)  محمد كامل حسين : طائفة الدروز ، ص 116 – 117.
(111)  المصدر السابق ، ص 116.
(112)  د . سامي مكارم : أضواء على مسلك التوحيد ، ص 123 – 124.
(113)  رسالة من دون قائم الزمان والهادي إلى طاعة الرحمن.
(114)  شرح الميثاق : محمد حسين ، مخطوط في جامعة شيكاغو رقم 3737 – ويوجد شريط عنه في الجامعة الأردنية رقم 29.
(115)  أمين طليع : أصل الموحدين الدروز ، ص 94.
(116)  سجل المجتبى.
(117)  عبد الله النجار : مذهب الدروز والتوحيد ، ص 140.
(118)  عبد الله النجار : مذهب الدروز والتوحيد ، ص 140.
(119)  تقليد الرضى سفير القدرة.
(120)  عبد الله النجار : مذهب الدروز والتوحيد ، ص 141.
(121)  يقصد النبي صلى الله عليه وسلم.
(122)  تقليد المقتنى.
(123)  انظر بتفصيل مذكرة ( أيها الدرزي عودة إلى عرينك ) ، ص 112.
(124)  عبد الله النجار : مذهب الدروز والتوحيد ، ص 81.
(125)  محمد كامل حسين : طائفة الدروز ، ص 124.
(126)  مخطوط في تقسيم جبل لبنان : مكتبة الجامعة الأمريكية في بيروت – ويوجد شريط عنه في الجامعة الأردنية رقم 699.
(127)  مصحف الدروز : عرف كتاب أبي اسحق أو مراتب العباد ، ص 85.
(128)  يشير إلى الآية الكريمة ( أين شركائي الذين كنتم تزعمون ) سورة القصص : آية 62 ، والآية الكريمة ( لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون ) سورة الأنعام : آية 94.
(129)  مخطوط في تقسيم جبل لبنان : مكتبة الجامعة الأمريكية في بيروت رقم 31 – ويوجد شريط عنه في الجامعة الأردنية 699 ، ويشير هنا إلى الآية الكريمة ( قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ) سورة المؤمنون : آية 106.
(130)  الرسالة الموسومة بالإعذار والإنذار.
(131)  محمد كامل حسين : طائفة الدروز ، ص 125.
(132)  يشير إلى الآية الكريمة ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ) سورة آل عمران : آية 133 ، والآية الكريمة ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتية من يشاء ... ) سورة الحديد : آية 21.
(133)  رسالة الزناد.
(134)  أيها الدرزي عودة إلى عرينك ، ص 90.
(135)    محمد كرد على : خطط الشام ، ج 6 ، ص 264  .
(136)    كمال جنبلاط / هذه وصيتي ص 41 .
(137)  مخطوط في تقسيم جبل لبنان : الجامعة الأمريكية ببيروت رقم 31 – ويوجد شريط عنه في الجامعة الأردنية رقم 31 – ومخطوط بعنوان ( لبعضهم قول وجيز ) مؤلف مجهول – الجامعة الأمريكية – مكتبة القديس بولس رقم 206 – ويجد شريط عنه في الجامعة الأردنية رقم 715.
(138)    مخطوط في تقسيم جبل لبنان السابق ذكره .
(139)  مخطوط ذكر ما يجب أن يعرفه الموحد : الجامعة الأمريكية ببيروت رقم 206 ، ويوجد شريط عنه في الجامعة الأردنية رقم 715.
(140)  سورة لقمان : آية 17.
(141)  محمد كرد على : خطط الشام ، ج 6 ، ص 265 – 266.
(142)  سورة التغابن : آية 12.
(143)  مخطوط في تقسيم جبل لبنان السابق ذكره.
(144)  مخطوط ( حصر اللثام عن الإسلام ) رزق حسونة الحلبي : الجامعة اليسوعية في بيروت رقم 967 – ويوجد شريط عنه في الجامعة الأردنية رقم 749.
(145)  سورة المائدة : آية 90.
(146)  مخطوط ( في تقسيم جبل لبنان ) السابق ذكره.
(147)  رسالة السيرة المستقيمة.
(148)  راجع مبحث ألوهية الحاكم في هذا الفصل.
(149)    أيها الدرزي عودة إلى عرينك ، ص 77 – 78  .
(150)  أيها الدرزي عودة إلى عرينك ، ص 78.
(151)  د . مصطفى الشكعة : إسلام بلا مذاهب ، ص 276.
(152)  د . سامي مكارم : أضواء على مسلك التوحيد ، ص 145.
(153)  مع أن الكتب التي كتبت عنهم ، قبل حملة إبراهيم باشا ، ذكرت شيئا من عقائدهم.
(154)  محمد عبد الله عنان : الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ، ص 203.
(156)  مخطوط ( لبعضهم قول وجيز ) مكتبة القديس بولس في الجامعة الأمريكية ببيروت رقم 206 – ويوجد شريط عنه في الجامعة الأردنية رقم 715  .
(156)  رسالة التحذير والتنبيه.
(157)  يقصد المسلمين.
(158)  يلاحظ هنا مطاطية هذا التعبير ، والذي يمكن أن يؤخذ على تأويلات كثيرة.
(159)  شرح الميثاق : محمد حسين ، مخطوط في جامعة شيكاغو رقم 3737 – ويوجد شريط عنه في الجامعة الأردنية رقم 29.
(160)  نقلا عن مخطوط في المكتبة الأهلية بباريس رقم 1436 عربي.
(161)    د . عبد الرحمن بدوي : مذاهب الإسلاميين ، ص 688 ، ج 2  .
(162)  شرح الميثاق : محمد حسين – الذي ورد ذكره سابقا.
(163)  منشور الغيبة.
(164)  انظر المنهل جزء 3 مجلد 20 شهر ربيع ثاني 1379 هـ ، وراية الإسلام ، الأعداد الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر من السنة الأولى عام 1380 هـ ، والعددان الأول والثاني من السنة الثانية عام 1381 هـ.
(165)  كان شيخ الأزهر قد أعلن عام 1379 هـ الموافق 1959 م أن الدروز موحدون مسلمون مؤمنون ؟! فقد نقلت جريدة السياسة اللبنانية بلسان صاحبها أسعد المقدم في العدد 810 تاريخ 26 محرم 1379 هـ ، آب 1959 م ما يلي :      بعد أن تحدث فضيلة شيخ الأزهر عن اقتراح تقدم به لسيادة الرئيس جمال عبد الناصر بإنشاء مجمع علمي أكاديمي يضم علماء الشيعة والسنة يلتقون فيه لتحقيق الوحدة المنشودة . سأله أسعد المقدم : هل ستدعون علماء الدروز إلى المجمع الذي ذكرتموه ، وهل تشمل دعوتكم إلى الوحدة إخواننا أبناء الطائفة الدرزية ؟ .أجاب : لقد أرسلنا من الأزهر بعض العلماء كي يتعرفوا أكثر على المذهب الدرزي وجاءت التقارير الأولى : تبشر بالخير فالدروز موحدون مسلمون ؟! نقلا عن مجلة المنهل الصادرة في جدة ، ج 3 مجلد 20 ربيع ثاني 1379 هـ.
(166)  انظر صحيفة الصفاء البيروتية العدد رقم 3185 وتاريخها 31 كانون الثاني 1961 م.
(167)  انظر كتاب ( أضواء على مسلك التوحيد (( الدرزية )).
(168)  أيها الدرزي عودة إلى عرينك ، ص 123.
(169)  د . عبد الرحمن بدوي : مذاهب الإسلاميين ، ج 2 ، ص 514.
(170)  محمد كامل حسين : طائفة الدروز ، ص 92.
(171) انظر ( أيها الدرزي عودة إلى عرينك ) ص 49  .
(172)  راجع فصل تطور المذهب الدرزي بعد الحاكم.
(173)  أيها الدرزي عودة إلى عرينك ، ص 52.
(174)  هناك نسخة من هذا المصحف في المكتبة الخاصة لأحد الأشخاص ببيروت.
(175)  سنذكر بعد سردنا لأسماء رسائلهم . أسماء الأعراف التي يتضمنها هذا المصحف ، وما يتضمنه بعضها.
(176)  أيها الدرزي عودة إلى عرينك ، ص 54.
(177)  أيها الدرزي عودة إلى عرينك ، ص 49 – 50.
(178)  أيها الدرزي عودة إلى عرينك ، ص 50 – 53.
(179)  يقول الدكتور محمد كامل حسين : أن هذا السجل لا يمت لعقيدة الدروز بشيء ، لأنه يظهر من السجل أنه فاطمي العقيدة ، فالحاكم ليس بمعبود في هذا السجل ، إنما هو ولي الله وخليفته ، وهذا ما رفض حمزة أن يعترف به . راجع طائفة الدروز ، ص 93.
(180)  وهو أيضا من سجلات الدولة الفاطمية التي أصدرها الحاكم بأمر.
(181)  هذا اللقاء المزعوم لم يثبت تاريخيا ، ولم يروه مؤرخ من قبل.
(182)  كذلك يتحدث عن هذا الخلاف في رسالة الرضى والتسليم.
(183)  ذكرت كاملة في الفصل الأول من الباب الأول ( حياة الحاكم بأمر الله وآراؤه ).
(184)  ولكن الدكتور محمد كامل حسين يقول أنها من أسلوب التميمي : طائفة الدروز ، ص 95.
(185)  يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي أنها ( أسنا ) في صعيد مصر : مذهب الإسلاميين ، ج 2 ، ص 525.
(186)  وهذا يعني أن بهاء الدين حتى هذا الوقت ، كان على اتصال بحمزة ، وأن حمزة كان مختفيا ويهيء نفسه للظهور.
(187)  ينقل الدكتور عبد الرحمن بدوي عن المستشرق دي ساسي أنه : يستدل من هذه الرسالة أن حمزة حتى تاريخ هذه الرسالة كان يوجه الطائفة من مخبأه . مذاهب الإسلاميين ، ج 2 ، ص 543.
(188)  وينقل الدكتور عبد الرحمن بدوي أيضا عن المستشرق دي ساسي : أنه يستدل من هذه الرسالة ومن رسائل سابقة أنه حتى هذا التاريخ كان بهاء الدين لا يزال يأمل في خروج حمزة من مخبأه وقيادة الموحدين – مذاهب الإسلاميين ، ج 2 ، ص 545.
(189)  دعاء سيدنا الشيخ الفاضل.
(190)  كمال جنبلاط / هذه وصيتي ص 46 ، 49.
(191)  أنور الجندي : المؤامرة على الإسلام ، ص 53.
(192)  رواه مسلم في كتاب الفتن ورواه الترمذي في كتاب الفتن.
(193)  ابن تيمية : مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ، مجلد 2 ، ص 179 – 180.
(194)  أنور الجندي : المؤامرة على الإسلام ، ص 54.
(195)  عبد الرحمن حبنكة : العقيدة الإِسلامية وأسسها ، ص 194.
(196)  د . محمد سعيد رمضان البوطي : كبرى اليقينيات الكونية ، ص 93.
(197)  عبد الكريم الخطيب : الله ذاتًا وموضوعا ، ص 315.
(198)  محمد عبد الله دراز : الدين ، ص 41.
(199)  أنور الجندي : الإِسلام والفلسفات القديمة ، ص 138.
(200)  أنور الجندي : المؤامرة على الإسلام ، ص 55.
(201)  سورة البقرة : آية 55.
(202)                  سورة التوبة : آية 31 ، 32  .
(203)  سورة الشورى : آية 11.
(204)  عبد الكريم الخطيب : الله ذاتا وموضوعا ، ص 405.
(205)  ابن الجوزي : تلبيس ابليس ، ص 80.
(206)  محمد على الزعبي وعلى زيعور : البوذية وتأثيرها في الفكر والفرق الإِسلامية المتطرفة ، ص 148.
(207)  سورة المدثر : آية 38.
(208) د . محمد سعيد رمضان البوطي : كبرى اليقينيات الكونية ، ص 296.
(209)  سورة الواقعة : آيات : 83 – 94.
(210) سورة ق : آية 19  .
(211)  سورة الحجر : آية 99.
(212)  سورة غافر : آية 45 ، 46.
(213)  رواه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد.
(214)  سورة آل عمران : آية 169.
(215)  سورة الزمر : آية 42.
(216)  سورة المؤمنون : آية 99 ، 100.
(217)  سورة فصلت : آيات 19 – 22.
(218)  ابن تيمية : فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية مجلد 4 ص 363 – 270.
(219) ابن حزم الظاهري : الفصل في الملل والأهواء والنحل ، ج 1 ، ص 91.
(220)  محمد البشبيشي : الفرق الإِسلامية ، ص 88.
(222)  ابن حزم الظاهري : الفصل في الملل والأهواء والنحل ، ج 1 ص 93.
(223)  محمود البشبيشي : الفرق الإِسلامية ، ص 88.
(224)  ابن حزم الظاهري : الفصل في الملل والأهواء والنحل ، ج 1 ، ص 93.
(224)  ابن حزم الظاهري : الفصل في الملل والأهواء والنحل ، ج1 ، ص 93 – 94.
(225)                  سعيد حوى : الإسلام ، ج 4 ، ص 130  .
(226)  د . محمد سعيد رمضان البوطي : كبرى اليقينيات الكونية ، ص 296. 

ملف رقم (3) والأخير

 
الباب الثالث
شريعة الدروز وتقسيم المجتمع عندهم
وموقفهم من الأديان والفرق الأخرى
يتضمن فصلين اثنين :
الفصل الأول : شريعة الدروز وتقسيم المجتمع عندهم ... ويتضمن ما يلي :
1 – نقضهم أركان الإِسلام ، وفرضهم بدلها سبع دعائم تكليفية .
2 – الزواج والطلاق والوصية عندهم .
3 – تقسيم المجتمع الدرزي .
الفصل الثاني : موقف الدروز من الأديان والفرق الأخرى ... ويتضمن ما يلي :
1 – موققهم من اليهود .
2 – موقفهم من النصارى .
3 – موقفهم من طائفة النصيرية .

الفصل الأول
شريعة الدروز وتقسيم المجتمع عندهم
1 – نقضهم أركان الإِسلام ، وفرضهم بدلها سبع دعائم تكليفية .
إن أول ما بدأه دعاة الدروز بعد إعلان ألوهية الحاكم ، هو نقض الشريعة الإِسلامية وأركانها حتى يتسنى لهم أن يأتوا بشريعة تخالف وتنسخ شريعة الإِسلام ، ففي رسالة ( الجزء الأول من السبعة أجزاء ) توضيح لذلك إذ تقول :
اعلموا معاشر الموحدين لمولانا الحاكم ، المقرين بإمامة عبده القائم ، أن لما غابت صورة المعبود وامتنع قائم الزمان عن الوجود ، أيست كثير من النفوس عند غياب العيان المحسوس وتشاجروا في الحلال والحرام ، وقالوا : هل فرض الباري سبحانه على لسان الإِمام فرائض يتمسك بها الأنام ، وقال بعضهم : لابد للأمة من فرائض تضبطها عن الأهواء المحلومة من خوف أن تربطها ، ولو لم يكن ذلك لزال الحفاظ .
فلما رأيت ذلك وما قد وقع في نفوسهم من الأياس ... فتأملت كتابا وصلني من حضرة مولاي قائم الزمان عليه من معبوده أفضل التحية والسلام ، يرسم لي فيه وضع الكتب وقراءتها على أهل البصائر ... ويأمرني بإيضاح ما اشتكل على الطائفة من العلوم ، واشتهار ما علمته من الفرائض والرسوم ، فوضعت هذا الكتاب وهو الجزء الأول من السبعة أجزاء تشتمل على فرائض فرضها مولانا سبحانه ذو المنة والإِحسان ، ونطق بها عبده قائم الزمان ، تتلوا بعضها بعضا ) ([1]).
(( فمسلك التوحيد في اعتقادهم تجاوز الدعائم الإِسلامية من حيث معناها المادي الظاهر ، ليسموا بها إلى معانيها ومقاصدها الحقيقية )) ([2]).
ولهذا فقد اتخذ له فرائض توحيدية وردت في ( رسالة ميثاق النساء ) حيث تقول : ( ويجب على سائر الموحدات أن يعلمن أن أول المفترضات عليهن معرفة مولانا جل ذكره وتنزيهه عن جميع المخلوقات ثم معرفة قائم الزمان وتمييزه عن سائر الحدود الروحانيين ، ثم معرفة الحدود الروحانيين بأسمائهم ومراتبهم وألقابهم ...
فإذا علمن ذلك وجب أن يعلمن أن مولانا جل ذكره قد أسقط عنهن السبع دعائم التكليفية الناموسية ، وفرض عليهن سبع خصال توحيدية دينية ، أولها وأعظمها : سدق اللسان ، وثانيها : حفظ الإِخوان ، وترك ما كنتم عليه وتعتقدوه من عبادة العدم والبهتان ، ثم البراءة من الأبالسة والطغيان ، ثم التوحيد لمولانا جل ذكره في كل عصر وزمان ودهر وأوان ، ثم الرضى بفعله كيف ما كان ، ثم التسليم لأمره في السر والحدثان . فيجب على سائر الموحدين والموحدات حفظ هذه السبع خصال والعمل بها وسترها عمن لم يكن من أهلها ) ([3]).
ونفهم من هذه الرسالة أن المولى قد أسقط عنهم سبع دعائم تكليفية ناموسية ، وفرض عليهم سبع خصال توحيدية هي :
1 – أولها وأعظمها : سدق اللسان – ونلاحظ دائمًا أن الدروز لا ينطقون كلمة الصدق بالصاد ، إنما ينطقونها ويكتبونها بالسين ، وسبب ذلك هو حساب الجمل ، فالسين تساوي ستين ، والدال تساوي أربعة ، والقاف مائة ، فيكون المجموع مائة وأربعة وستين هم عدد حدود الدروز ، ذلك أن حد الإِمامة تسعة وتسعون ( أي أسماء الله الحسنى ) ، أي أن للإِمام تسعة وتسعين داعيًا ، ولكل من الجناح الأيمن والجناح الأيسر ثلاثون داعيًا مجموعهم ستون داعيًا . يضاف إلى ذلك أربعة حدود علوية ، فالمجموع الكلي مائة وثلاثة وستون حدا ، يبقى بعد ذلك حد ، وهو قائم الزمان حمزة بن علي ، ومن هنا نطقوا كلمة صدق ومشتقاتها وكتبوها بالسين حتى تتفق مع حروف الجمل على هذا النحو .
2 – حفظ الأخوان : هذا لا يعني الأخوة الإِنسانية بل تعني بالأخ من شاطرها هذه الخصال .
3 – ترك ما كان عليه الموحدون وما اعتقدوه من عبادة العدم والبهتان : أي أن كل عبادة تقدم لسوى الحاكم لا تصادف إلا عدما .
4 – البراءة من الأبالسة والطغيان – والمقصود الأنبياء - .
5 – التوحيد للمولى في كل عصر وزمان .
6 – الرضا بفعله كيفما كان .
7 – التسليم لأمره في السر والحدثان .
ولا عجب في تفاني حمزة بالحث على الرضا والتسليم إذ يعلم أن القوم سوف يقرأون ما كتبه عن أفعال الحاكم مما يثير الاعتراض وسوء الظن ولذا شدد على ذلك وقال في رسالة الرضا والتسليم : ( إياكم أن تكرهوا شيئا من أفعال مولانا فيكم ، أو تظنوا به ظن السوء ) .
وهذه السبع فرائض التوحيدية هي عوض السبع دعائم التكليفية :
فصدق اللسان عوض الصلاة .
وحفظ الإخوان عوض الزكاة .
وترك عبادة العدم والبهتان عوض الصوم .
والبراءة من الأبالسة والطغيان عوض الحج .
والتوحيد لمولانا عوض الشهادتين .
والرضا بفعله كيفما كان عوض الجهاد .
والتسليم لأمره في السر والحدثان عوض الولاية ) ([4]).
وفي كتاب النقط والدوائر حديث عن هذه الفرائض ، ومركز كل منها في معتقد الدروز ، حيث يقول كاتب هذا الكتاب :
والتوحيد هو المركز الأوسط ، لأنه بمحل الهيولي الساري في الطبائع ، فهكذا التوحيد ساري في الفرائض الأربعة المذكورة فما تقوى إلا به ، وكذلك التوحيد لا يقوى ولا يكمل في نفس الموحد إلا بعلمه بهذه الفرائض ، كما قال : إن سدق اللسان هو الإِيمان والتوحيد بكماله .
وقال عن حفظ الإِخوان : وأن بحفظهم يكمل إيمانكم أي توحيدكم . وقال عن ترك العدم : إن العدم مضاد للوجود وسبيل يستدرج إلى الإِنكار والتعطيل والجحود . وقال عن البراءة : فمن اعترف منكم منهم بولد أو والد أو أخ أو ذكر أو أنثى ، فهو ناكث للدين بريء من عظام الحجج والآيات .
ثم إنك إذا نظرت إلى دائرة هذه الفرائض ، فترى كل فريضة مقابلة ضدها وهي في ذاتها دائرة ، فترى سدق اللسان مقابلة ترك العدم ، وترى حفظ الإخوان قبالة البراءة من الأبالسة ، وفي ذلك أيضا فائدة ، وهي لما كانت هذه الفرائض قسمان : أمر ونهي ، فكان في هذه الدائرة اثنتان أمر وهما : سدق اللسان وحفظ الإخوان واثنتان نهي وهما : ترك العدم والبراءة من الأبالسة .
وأما المركز الذي هو التوحيد ، فهو الوجود والتنزيه الذي هو قاعدة العبادات والفرائض كلها لكونه في عدد الفرائض خامسًا ، لأنه غاية ونهاية ، وكذلك لكون مجتمع القوة في الخامس من كل شيء ، والحجج أربعة والإِمام خامسهم وهو أفضلهم ، وكذلك اجتمعت القوة في الناطق الخامس والأساس اخامس والإِمام الخامس ، وكذلك المقامات الخمسة التي ظهرت بالمُلك خامسهم الحاكم وهو الذي كشف التوحيد .
وأما الرضى والتسليم فهما فروع ، كما أن أصول الدعائم خمسة ، والجهاد والولاية فروع أيضًا .
ولما كان لا وصول إلى توحيد الباري سبحانه إلا بعد معرفته ، فلذلك جعلت المعرفة أول الفرائض كما قال : ويجب على سائر الموحدين أن يعلموا أن أول المفترضات عليهم معرفة مولانا جل ذكره عن جميع المخلوقات .
وهذه الفريضة التي هي المعرفة تفرعت عن الفريضة الخامسة التي هي التوحيد .
وأما السدق فيلزم العبد في عشرة أحوال ، وهي أصول لفروع كثيرة :
1)   التسديق بألوهية الباري سبحانه ووجوده في الصورة الناسوتية ، وتنزيهه عن الصفات البشرية .
2)  ثم التسديق بإمامة قائم الزمان صلوات الله عليه ، وأنه الإِمام السادق فيما بينه وشرعه وحلله وحرمه وأمره ونهاه .
3)    ثم التسديق بفضيلة الحدود صلوات الله عليهم أعني الأربعة وشرفهم وكمالهم .
4)   ثم التسديق ببقية حروف السدق سلام الله عليهم .
5)   والتسديق بفريق الهدى أنهم الأمة الناجية من جميع الأمم .
6)   ثم التسديق بالحكمة الشريفة أنها الدين الناجي .
7)   ثم التسديق بانتقال النفوس الناطقة في الأجسام البشرية .
8)   ثم التسديق بالقضاء والقدر وأنه عدل جاري من الله .
9)   ثم التسديق بالقيامة أنها آتية بغتة لا ريب فيها ولابد منها .
10)                ثم التسديق للإخوان الثقات فيما يقولوه . 
أما البراءة من الأبالسة والطغيان ، فالأبالسة والطغيان مجتمع كل فريق الضلال أولهم إبليس اللعين ، فكلهم أبالسة وكلهم طغيان والأبلاس هو الإياس من الرحمة والبعد عن الغير ([5]).
وقد خصصت إحدى رسائل الدروز الكبرى ، والتي ألفها حمزة لنقض وإسقاط فرائض الإِسلام وعنوانها ( الكتاب المعروف بالنقض الخفي ) نورد هنا مقتطفات منها لأهميتها البالغة في معرفة نظرة الدروز إلى فرائض الإِسلام ، يقول حمزة في هذه الرسالة : ( أما بعد ، فقد سمعتم قبل هذه الرسالة نسخ الشريعة بإسقاط الزكاة عنكم ، وأن الزكاة هي الشريعة بكاملها . وقد بينت لكم في هذه الرسالة نقضها دعامة دعامة ، ظاهرها وباطنها ، وأن المراد في النجاة من غير هذين جميعًا ، وقد سمعتم بأن يصير هذا الباطن المكنون الذي في أيديكم ظاهرًا والظاهر يتلاشى ويظهر معنى حقيقة الباطن المحض ، وهذا وقته وأوانه وتصريح بيانه للموحدين ، لا للمشركين ، إلى أن يظهر السيف فيكون ظاهرًا مكشوفًا ، طوعًا وكرها ، وتؤخذ الجزية من المسلمين والمشركين كما تؤخذ من الذمة ، وقد قرب إن شاء مولانا وبه التوفيق .
فأول البناء وقبة النهاء شهادة ( لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ) ، التي حقن بها الدماء ، وصين بها الفروج والأموال ، وهي كلمتان : دليل على السابق والتالي ، وهي أربعة فصول : دليل على الأصلين والأساسين ، وهي سبع قطع : دليل على النطقاء السبعة ، وعلى الأوصياء السبعة ، وسبعة أيام ، وسبع ليالي ، وسبع أرضين ، وسبعة جبال ، وسبعة أفلاك ، وأمثال هذا أسابيع كثيرة ، وهي اثنا عشر حرفا ، دليل على اثني عشر حجة الأساسية ، وثانية بالمعرفة محمد رسول الله  ، ثلاث كلمات دليل على ثلاثة حدود : الناطق والثاني فوقه ، والسابق فوق الكل .
وهي ست قطع دليل على ستة نطقاء ، وهي اثنا عشر حرفا دليل على اثنتي عشرة حجة له بإزاء الأساسية .
إلى أن يقول ... : وكذلك اللام راجع إلى الألف ، والألف الذي في ( اللام ) دليل على الإِمام ، والألف الثاني دليل على التالي ، واللام دليل على الناطق ، إذ كان الناطق من التالي انبعث ، ومنه كانت مادته ، فالألف الثالث من ( إلا ) بمنزلة السابق ، إذ هو بمنزلة رابع الحدود ، دليل على الحجة والداعي والمأذن ، والألف الذي في اللام ليس له حد واحد تاليه ، وكذلك الداعي يرجع إلى الإِمام لا غير ، والناطق إلى التالي ، والسابق بالحدود كلها . كذلك الألف الذي في ( الله ) واللامان المتصلان به بحد الناطق والتالي ، والهاء التي هي ختامهم رتبت بمنزلة أسامة ، فقال : ( لا إله إلا الله ) ألفا عن الكل المعنوية ، وأشار إلى أسامة وألزمهم بأن يقولوا ( محمد رسول الله ) وهي ثلاث كلمات لأنه ثالث السابق ، وهي ست قطع دليل على أنه سادس النطقاء .
ثم أقام بعد الشهادتين ، وبأساسه الصلاة في خمسة أوقات ، وقد روى كثير من المسلمين عن الناطق ([6]) بأنه قال : ( من ترك صلاته ثلاثًا متعمدًا فقد كفر ) وقال : ( من ترك الصلاة ثلاثًا متعمدًا ، فليمت على أي دين يشاء ) .
وقد رأينا كثيرًا من المسلمين يتركون الصلاة ، ومنهم من لم يصل قط ، ولم يقع عليه اسم الكفر ، فعلمنا أنه بخلاف ما جاء في الخبر ، وقد اجتمع كافة المسلمين بأن المصلي بالناس صلاته صلاة الجماعة فعله فعلهم وقراءته قراءتهم ([7])، حتى أنه لو سها في الفرض الذي لا تجوز الصلاة إلا به ، كان عليه الإِعادة مثل ما عليهم .
فإذا كان رجل مصل بالناس يقوم مقام أمته ، وتكون صلاته مقام صلواتهم ، فكيف مولانا سبحانه الذي لا يدخل في عدد التشبيه ؟ وله سنين بكثرة ما صلى بناس ولا صلى على جنازة ، ولا نحر في العيد الذي هو مقرون بالصلاة بقوله : ( فصل لربك وانحر ، إن شانئك هو الأبتر ) ([8]) فصار فرضًا لازمًا ، فلما تركه مولانا جل ذكره ، علمنا بأنه قد نقض الحالتين جميعًا الصلاة والنحر ، وأنه يهلك عدوه بغير هاتين الخصلتين ، وأن لعبيده رخصة في تركهما ، إذ كان إليه المنتهى ومنه الابتداء في جميع الأمور ، فبان له نقضه ، وقد بطل صلاة العيد وصلاة يوم الجمعة بالجامع الأزهر ، وهو أول جامع بني في القاهرة ([9])، وكذلك أول ما بطل هو ، فهذا ظاهر الصلاة ونقضها .
وأما الباطن فقد سمعتم في المجالس بأن الصلاة هي العهد المألوف ، وسمي ( صلاة ) لأنه صلة بين المستجيبين وبين الإِمام ، يعني علي بن أبي طالب ، واستدلوا بقوله : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) ([10]) ، فمن اتصل بعهد علي بن أبي طالب انتهى من محبة أبي بكر وعمر ، وقد رأينا كثيرًا من الناس اتصلوا بعهد علي بن أبي طالب وكانوا محبين لأبي بكر وعمر ، وكانوا يمضون إلى معاوية ويتركون علي بن أبي طالب ، وقالوا : إن العهد في وقتنا هذا هو الصلاة ، لأنه صلة بينهم وبين مولانا جل ذكره ، والفحشاء والمنكر : أبو بكر وعمر ، وقد اتصل بعهد مولانا جل ذكره في عصرنا هذا خلق كثير لا يحصيهم غير الذي أخذ عليهم ، ولم يرجعوا عن محبة أبي بكر وعمر ، ولا عن خلاف مولانا جل ذكره وعصيان أوامره .
فقد صح عندنا أنه بخلاف ما سمعنا في المجالس ، ورأينا مولانا جل ذكره قد نقض الباطن الذي سمعناه ، لأنه أباح لسائر النواصب إظهار محبة أبي بكر وعمر ، وقريء بذلك سجل على رؤوس الأشهاد ... فعلمنا بأنه علينا سلامه ورحمته قد أسقط الباطن مثلما أسقط الظاهر ، فنظرنا إلى ما ينجينا من العذابين جميعًا ، ويخلصنا من الشريعتين سريعًا ، ويدخلنا جنة النعيم التي وعدنا بها ، فعلمنا بأن الصلاة هي لازمة في خمسة أوقات فإن تركها أحد من سائر الناس كافة ثلاثًا فقد كفر ، هي صلة قلوبكم بتوحيد مولانا جل ذكره لا شريك له على يد خمسة حدود : السابق ، والتالي ، والجد ، والفتح ، والخيال ، وهم موجودون في وقتنا هذا ، وهذه هي الصلاة الحقيقية ، لأن الصلاتين : الظاهر والباطن ، ومن مات ولم يعرف إمام زمانه وهو حي ، مات موتة جاهلية ، وهو معرفة توحيد مولانا جل ذكره ، وقوله : ( حي ) يعني دائمًا أبدًا في كل عصر وزمان ، والفحشاء والمنكر هما الشريعتان الظاهر والباطن .
فمن وحد مولانا جل ذكره ، ينهاه توحيد مولانا جل ذكره عن التفاته إلى ورائه وانتظاره العدم المفقود ، وقال : ( من ترك الصلاة ثلاثًا متعمدًا فقد كفر ) يعني توحيد مولانا جل ذكره على يد ثلاثة حدود وهم : ذومعة ، وذومصة ، والجناح ، الحاضرون في وقتنا هذا ، وهم موجودون ظاهرون للموحدين ، لا للمشركين ، وأنا أبين لكم أشخاصهم مع أشخاص حدودهم ، وأشخاص ( لا إله إلا الله ) وأشخاص ( الحمد لله رب العالمين ) في غير هذا الكتاب بتوفيق مولانا جل ذكره .
تتلوه الزكاة ، وقد أسقطها مولانا جل ذكره عنكم بالكلية ، وقد سمعتم في مجالس الحكمة الباطنية بأن الزكاة ولاية علي بن أبي طالب والأئمة من ذريته ، والتبري من أعوانه أبي بكر وعمر وعثمان ، وقد منع مولانا جل ذكره عن أذية أحد من النواصب ... فبان لنا بأن مولانا جل ذكره بطل باطن الزكاة الذي في علي بن أبي طالب ، كما بطل ظاهرها ، وأن الزكاة غير ما أشاروا إليه في المجلس جميعا ، وأنه في الحقيقة توحيد مولانا جل ذكره ، وتزكية قلوبكم وتطهيرها من الحالتين جميعًا ، وترك ما كنتم عليه قديمًا ، وذلك قوله ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) ([11]) ، والبر هو توحيد مولانا جل ذكره ونفقة ما تحبون ، الظاهر والباطن ، ومعنى نفقة الشيء تركه ، لأن النفقة لا ترجع إلى صاحبها أبدًا .
الصوم عند أهل الظاهر وكافة المسلمين يعتقدون بأن الناطق قال لهم : ( صوموا لرؤيته ) ويرون في اعتقاداتهم أن من أفطر يومًا واحدًا من شهر رمضان ، وهو يعتقد أنه قد أخطأ ، وجب عليه صوم شهرين وعشرة أيام كفارة ذلك اليوم ، وإن اعتقد أن إفطاره ذلك اليوم حلال له ، فقد هدم الصوم كله ، ومولانا جل ذكره هدم الصوم بكامله مدة سنين كثيرة بتكذيب هذا الخبر ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) وأمرنا بالإِفطار في ذلك اليوم الذي يعتقد المسلمون كلهم بأنه خاتم الصوم ، ولا يكون في نقض الصوم أعظم من هذا ولا أبين منه لمن نظر وتفكر وتدبر .
وباطن الصوم فقد قال فيه الشيوخ : بأن الصوم هو الصمت بقوله لمريم . وهي حجة صاحب زمانه ( كلي واشربي وقري عينا ) ([12]) يعني بالأكل علم الظاهر ، وبالشرب علم الباطن ، ( وقرى عينا ) لمزيده ، ( فإما ترين من البشر أحدا ) يعني أهل الظاهر ( فقولي إني نذرت للرحمن ) بالأكل على الظاهر ، وبالشرب على الباطن ، ( وقرى عينا ) لمزيده ، ( فأما ) يعني الإِمام ( صوما ) أي السكوت ... فبان لنا نقض ما كان في المجلس ، وما وصفه الشيوخ من باطن الصوم وسكوته ، وأن مولانا جل ذكره فطر الناس في ظاهر الصوم ، وفطرهم في باطنه ، وهو بالحقيقة غير الصومين المعروفين من الشريعتين ، وهو صيانة قلوبكم بتوحيد مولانا جل ذكره ، ولا يصل أحد إلى توحيده إلا بتمييز ثلاثين حدا ومعرفتهم روحاني وجسماني وهي : الكلمة ، والسابق ، والتالي ، والجد ، والفتح ، والخيال ، والناطق والأساس ، والمتم ، والحجة ، والداعي ، والأئمة السبعة ، والحجج الاثنا عشرية ، فصار الجميع ثلاثين حدًا .
قال ([13]) : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) ([14])، قال أهل الظاهر عن الناطق : إن الحج هو المجيء إلى مكة والوقوف بعرفات وإقامة شروطه ، ورأيت بخلاف قوله : ( من دخله كان آمنا ) ، قالوا : الحرم بمكة ، والحرم اثنا عشر مهلا من كل جانب ، وقد شاهدنا في هذا الحرم قتل الأنفس ، ونهب الأموال ، وداخل الكعبة أيضًا السرقة ، وهذا من الخلاف والمحال ، وجميع ما يعملون به من شروط الحج فهو ضرب من ضروب الجنون ، من كشف الرؤوس وتعرية الأبدان ، ورمي الجمار ، والتلبية من غير أن يدعوهم أحد ، وهذا من الجنون .
ومولانا جل ذكره قد قطع الحج سنين كثيرة ، وقطع عن الكعبة كسوتها ، وقطع كسوة الشيء كشفه وهتكه ، ليبين للعالم بأن المراد في غيرها ، وليس فيها منفعة .
وقال الشيوخ في الباطن : بأن الحرم هي الدعوة ، وهو اثنا عشر ميلاً من كل جانب ، وكذلك للدعوة اثنا عشر حجة ، والبيت دليل على الناطق ، والحجر دليل على الأساس ، والطواف به سبعة هو الإِقرار به في سبعة أدوار ، والوقوف بعرفات معرفتهم بعلم الناطق ، ومنى ما كان يتمنى الراغب من الوصول إلى الناطق والأساس وحدودهما : وقد رأينا مولانا جل ذكره بطل الحج بإظهار محبة أبي بكر وعمر ، وخمود ذكر علي بن أبي طالب ، فعلمنا بأن الحج غير هذا الذي كانوا يعتقدون ظاهرًا وباطنًا ، كما قال مولانا المنصور :
هلم أريك توقن أنه                  هو البيت بيت الله لا ما توهمت
أبيت من الأحجار أعظم حرمة             أم المصطفى الهادي الذي نصب البيت
والبيت هو توحيد مولانا جل ذكره ، موضع السكن والمأوى الذي يطلب المعبود فيه ، كذلك الموحدون أولياء مولانا جل سكنت أرواحهم فيه ، ورب البيت هو مولانا جل ذكره في كل عصر وزمان كما قال : ( فليعبدوا رب هذا البيت ) ([15]) يعني مولانا جل ذكره .
أما الجهاد وبه قام محمد وأظهر الإسلام ، وجعله فرضًا على سائر المسلمين كافة ، وقد رفعه مولانا جل ذكره عن سائر الذمة ، إذ كانت الذمة لا تطلب إلا جبرًا ، والمسلمون الجاحدون ، والمؤمنون المشركون يقاتلونك في بيتك ، وهم أذية لأهل التوحيد ، وكل جهاد لا يجاهد فيه إمام الزمان فهو مسقوط عن الناس ، وما قريء في المجلس وألفه الشيوخ في كتبهم بأن الجهاد الباطن هو الجهاد للنواصب الحشوية الغاوية لهم ، وقد منع مولانا جل ذكره عداوتهم والكلام معهم ، فعلمنا بأنه قد نقض باطن الجهاد وظاهره ، وأن الجهاد الحقيقي هو الطلبة والجهد في توحيد مولانا جل ذكره ومعرفته ، ولا يشرك به أحد من سائر الحدود ، والتبري من العدم المفقود .
قال : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) ([16]) ، قال أهل الظاهر وسائر المسلمين كافة بأن الولاية لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وكانت في بني أمية ، ثم إنها رجعت إلى بني العباس ، وكل واحد منهم إذا جلس في الخلافة كانت ولايته واجبة على المسلمين كافة ، وقد نقضها مولانا جل ذكره ، وكتب لعنة الأولين والآخرين على كل باب ، ونبشهم من قبورهم .
وأما باطن الولاية ومعرفة حقيقتها بإظهار محبة علي بن أبي طالب والبراءة من أعدائه ، واستدلوا بقوله : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) ([17]) .
يعني علم الباطن ( ورضيت لكم الإِسلام دينا ) ([18]) يعني تسليم الأمر إلى علي بن أبي طالب وقد نقضها مولانا جل ذكره بقراءة سجل على رؤوس الأشهاد ، فبان لنا بأن جل ذكره نقض باطن الولاية الذي في علي بن أبي طالب وظاهرها .
وأما الرتب الظاهرة والباطنة التي كانت للناطق والأساس ، فقد جعلها مولانا جل ذكره لعبيده ومماليكه ... وكل ما يقال فيه من الأسماء مثل الإِمام وصاحب الزمان وأمير المؤمنين ، ومولانا ، كلها لعبيده وهو أعلي وأجل مما يقاس ويحد أو يوصف لكن بالمجاز لا بالحقيقة ضرورة لا إثباتًا ، نقول : أمير المؤمنين جل ذكره من حيث جرت الرسوم والتراتيب على ألسنة الخاص والعام ، ولو قلنا غير هذا لم يعرفوا لمن المعنى المراد ، وتعمى قلوبهم عنه ، وهو سبحانه ( ليس كمثله شيء وهو العلي ([19]) العظيم ([20]).
وفي هذه الرسالة نجد ما يلي :
1.  أن الشهادتين في نظر الدروز تدلان على عبادة الحاكم وعلى أئمة دعوة الدروز ، ولا يقصد بهما ما يقصده أهل السنة ، ولا الإِسماعيلية .
2.    وأن الصلاة هي صلة قلوب الدروز بعبادة الحاكم على يد خمسة حدود ، وهذه هي الصلاة الحقيقية في نظرهم .
3.    وأما الزكاة فهو عبادة الحاكم ، وتزكية قلوبهم وتطهيرها وترك ما كانوا عليه .
4.    وفيما يتعلق بالصوم ، فهو صيانة قلوبهم .
5.    وكذلك الحج صار له معنى مختلف ، هو توحيد الحاكم .
6.  أما الجهاد فقد أسقطوه عن الناس ، لأن الجهاد الحقيقي – كما يزعمون – هو السعي والاجتهاد في توحيد الحاكم ومعرفته وعدم الإِشراك به . وهكذا فإن هدم الشريعة الإِسلامية هو الهدف الأول والأخير من جميع الحركات الباطنية وفي مقدمتهم الدروز وإذا صنفنا الهدامين جاء حمزة في طليعتهم ، ولذا لا نعجب إذا مهد لهذا بهذه الرسالة .
ولهذا فإنه يعتبر نفسه مبيد الشريعة وناسخها ، يقول في رسالة ( التحذير والتنبيه ) : ( أنا ناسخ الشرائع ومهلك أهل الشرك والبدائع ، أنا مهدم القبلتين ، ومبيد الشريعتين ومدحض الشهادتين ) ([21]).
وفي مصحف الدروز حديث استهزائي عن فرائض الإِسلام إذ يقول : ( يا أيها الموحدون ، خذوا حذركم ، ود الذين ظلوا على أصنامهم عاكفين لو يرجعونكم إلى دينهم وعقائدهم الباطلة ، فتستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير وحق . إن صلواتهم ذات الركوع الجسدي والسجود الظاهري ، واتخاذهم كلام الكتاب رثاء ووسيلة ، يخادعون بها الله الحاكم البر والموحدين ، وما يخدعون إلا أنفسهم وهم يعملون .
لقد ضل قوم اتجهوا بأجسادهم إلى بيت حجارة قلوبهم ، وغلوا في كفرهم ، فألبس عليهم كل يوم خمس صلوات في نهج صاحب البيت ، جل ذكره ، وهو معهم ، وتجلى لهم في مشرق شمس الناسوتية ، ذات المشرقين والمغربين ، تعالى الله مولى الموالي عن نقص المنقصين ، وبهتان المتكبرين ، وفي أنفسهم وما يبصرون ، وغرتهم الأماني أصنام كعبتهم وأربابها ) ([22]).
ويضيف في مكان آخر من هذا المصحف استهزاء بالمسجد الحرام فيقول : ( قل ، ليس الإِيمان أن تولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام ، مثل بيت الأوثان ، أو شطر المشرق والمغرب ، أو التصعيد في جبل الذنوب والأصنام ، أو اتباع سنة الجاهلية الأولى ، ولكن الإِيمان والتوحيد هو فيمن آمن بمولانا الحاكم ربًا إلهًا لا معبود سواه ) ([23]).
ويعتبر بهاء الدين في ( الرسالة الموسومة برسالة السفر إلى السادة ) أن جميع اعتقادات الأمم الأخرى تمويهات ويقول : ( وهذه الفرق من الأمم فهم النصرانية والمسلمين واليهودية والمجوسية أعني الإِبراهيمية الحشوية ، ومن المذاهب كالنصيرية والقطيعة وأصحاب إسحق الأحمر وهم الحمرواية ، وجميع من لم نسميه فقد بطلت دعاويهم لأنها تمويهات على الأمم وغير جائزة إلا على أشباه البقر والغنم ، والعقل يقطع ، والحق يدفع ويمنع صحة قول كل أحد من جميع من ادعته هذه الفرق ) ([24]).
ويحذر التميمي في رسالة ( الشمعة ) الموحدين من التمسك بشيء من الشرع فيقول : ( وكل من ذكر عن نفسه أنه موحد وهو متمسك بشيء من الشرع فقد أبطل وكذب في قوله ، بل هو ملحد كافر ) ([25]).
ولهذا نجد في مصحف الدروز أيضًا ، إنكارًا للقرآن الكريم ، بل يعتبرونه فرية ، ويقول : ( لقد ضل الذين جحدوا الحكمة واتبعوا فرية صحف اكتتبوها ، فهي قبلة آبائهم ، يتلونها بكرة وعشيا ، وقالوا هذا من عند الله المعبود ، ونسعوا ما يتلون ) ([26]).
بل وينكر هذا المصحف التقرب إلى الله بالعبادة ويقول : ( مولانا نستعيذ بك من أن نكون من الذين يتقربون إليك بالعبادة ، أو الذين يعملون للصالحات لتقربهم إليك زلفى ، أف لتلك الأنفس وويل لها ، لقد منيت بهوى شديد أضلها عن السبيل ) ([27]).
ويظهر لي من خلال رسائل الدروز ومصحفهم هذا ، أن نقض الشريعة الإِسلامية والاستهزاء بأركانها ورسولها صلوات الله عليه ، هما الشغل الشاغل لدعاة الدروز ، باعتبار أن الإِسلام هو عدوهم الأول ، وتقويض أركانه يمهد لهم الطريق لما يريدون وما يبتغون .
ويؤكد هذا القول ما جاء في رسالة ( الغاية والنصحية ) التي كتبها حمزة ، والتي ينفي فيها نبوة محمد ^ . ويثبتها لنفسه فيقول : ( وأنتم تعلمون أن لمحمد أربعمائة سنة وعشر سنين لم يظهر دينه على الأديان كلها ، واليهود والنصارى أكثر من المسلمين ، والهند والسند والزنج والحبشة أكثر منهم ، والنوبة والزغاوة وأشكالهم من السودان أكثر من المسلمين ، والأتراك والسقالبة ([28]) أكثر منهم ، فلو كان الرسول محمد له أديان هؤلاء النطقاء لكان يجب أن يكون المسلمين أكثر العالمين أغلبهم في الأولين والآخرين ، فلما لم يصح للمسلمين ذلك علمنا بأن الرسول الحقيقي هو عبد مولانا جل ذكره وهاديًا إليه وإمامًا على أمره لعبيده ) ([29]).
حتى أنهم يزعمون : أن الرسول عليه الصلاة والسلام طمس الرسالة ولم يبلغها وهذا ما ورد في ( الرسالة الموسوم بالإِسرائيلية ) إذ تقول : ( كقول من نصب أحداهم ([30]) ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) ([31])فما بلغها كما أمر الله تعالى ، بل طمس معالمها بالظلم والإِبلاس ، وجميع أصحاب الشرع فعلى هذا السنن يجرون ) ([32]).
ويصف كتاب النقط والدوائر الرسول ^ بقول : ( وكان محمد كثير العتو والظلم والفساد )([33]).
وهم أيضًا يعتبرون النبي^ إبليس اللعين ، يقول شارح الميثاق : ( ويعرف تكملة حروف الكذب الستة وعشرين معرفة عددا ، لا معرفة فلان ابن فلان ، بل يعرف أن محمد بن عبد الله هو إبليس اللعين ، وأن علي بن أبي طالب هو زوجته ، اثنا عشر حجة ظاهرة ، ولعلي بن أبي طالب اثنا عشرة حجة باطنة كملت السنة وعشرين حروف الكذب ... ويعلم أن كل ما في الخلق من المعاصي والعقائد الفاسدة والفواحش الظاهرة والباطنة هي منهم وهم ينابيعها وأصلها ومركزها ) ([34]).
وفي ( رسالة من دون قائم الزمان ) كذلك حديث استهزائي عن فريضة الحج إذ تقول : ( ولعمري إنه ما تعجب إلا من قوم قطعوا المفاوز ولقوا في سفرهم الهزاهز إلى بلد لم يكونوا بالغية إلا بشق الأنفس ([35])، قصدًا إلى حجر أسود وبيت جلمد ليس فيه حياة ولا نطق ، فأي عجب أعجب من قوم هذا فعلهم ثم إنهم أنكروا على هذه الطائفة النورانية المضيئة ، أعني أهل التوحيد عبادة الواحد المجيد الحاكم على كل الأشياء شهيد ، فياليت شعري ما نفعهم من تقبيل الحجر الأسود وما اكتسابهم من الفوائد العقلية والعلوم الحقيقية الإِلهية ، هل فعلهم إلا كفعل النصارى في الصليب ، بل هم أشد عتوا ، لأن الصليب موجود في كل البلاد ، والحجر الأسود يسافروا إليه أهل الضلالة من جميع العباد ، وقبل وبعد ، فإنما عظموا إكرامًا بزعمهم لنبيهم ، أليس من قام مقام نبيهم في كل عصر وزمان أحق بالتفضيل والإِكرام والتبجيل ؟ أليس هذا في العقول مستحيل ؟ بأن قوما طلبوا إلههم طول أعمارهم لم يصح لهم منهم إلا اسما إذا كشف عنهاا لم يجد لها حقائق إلا بوجودة صورة حية ناطقة مميزة ، فلما ظهر المعبود وصح ما أشارت إليه الحدود أبوا واستكبروا وقالوا : إن هذا إلا بشر مثلنا وغرهم المولى جل ذكره الغرور ) ([36]).
وتعظيمهم للصدق ، لا يعني ذلك على غير الموحدين ، فالصدق لا يكون من الموحد إلا لأخيه الموحد ، ولا يجوز أن يصدق أهل الطوائف والأديان الأخرى حتى ولو كان ذلك في جريمة قتل ، بل يجب عليه الكذب ، تقول رسالة ( الجزء الأول من السبعة أجزاء ) : ( وليس يلزمكم أيها الأخوان أن تسدقوا لسائر الأمة أهل الجهل والغمة والعمى والظلمة ، وأن لا يلزمكم فيه شيئًا لهم . وليس لأحد من الموحدين فسحة من الكذب لإِخوانه إلا أن يكون هناك ضد حاضر لا يمكن كشف الأمور إليه ، ولا شرحها بين يديه ، وإن أمكن الصمت فهو أحسن ، وإن لم يكن فلا بأس أن يحرف القول بحضرته أعني الضد ، ويجب عليه أن يرجع بسدق الحديث لإِخوانه بعد خلوهم من الشيطان .
ولا بأس بالسدق فيما لا يضر عند الأضداد لأنه يرفع ، وهو ضرب من ضروب الجمال ، ومثل أن يكون أحدكم قد قتل رجلاً من عالم السواد ، فإذا سألوه عن ذلك جاز أن لا يسدقهم وألا يحققوا عليه القتل بإقراره ، وأقاموا عليه الشهادة بقلة إنكاره ، وما أشبه ذلك مثل أن يكون قد أخذ لأحدهم شيئًا أو غصبه على ريع أو مال ، أو كان للضد عنده دين بغير وثيقة أو وديعة بغير بينة ، وكان معسرًا عن وفائه غير واصل إلى رضائه ، يجوز له الإِنكار وقلة السدق عند الإِعسار ، وخيفة من ثبوت البينة عليه ) ([37]).
وجاء في مصحفهم حديث عن المحرمات المحرمة عليهم فيقول : ( ولقد حرم مولاكم عليكم الخمرة ، ومن يتخذها سكرا ، فقد خلف خلفا أضاعوا الرشد واتبعوا الشهوات ) ([38])، فاذكروا يا أولي الألباب .
ولا تقرضوا أموالكم لتأخذوا الربا أضعافًا مضاعفة ، إن ذلك كان على الموحدين محذورا ، ولقد عفا مولاكم عن الذين يأخذونه من غير الموحدين ، مضطرين غير عادين .
وإن أحد من الموحدين استجاركم ، فأجروه ، ثم أبلغوه مأمنه ، أو أصابته مصيبة ، فكلكم يكفله ، إنما الموحدون تتكافأ دماؤهم ، وهم يد على من سواهم ، وكان مولاكم بما تعملون خبيرا .
ولا تركنوا للذين رفضوا الدعوة واستكبروا إنهم إن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاَّ ولا ذمة ، يقولون بأفواههم الحق وتأبى قلوبهم ([39])، وأكثرهم فاسقون ، فاعتبروا يا أولي الألباب .
والذي أكره منكم على الكفر أو الفحشاء ، وهو مؤمن موحد ، أو عمل سوءا لجهالة ، أو غم عليه فنسى ، فلا يؤاخذ مولانا إلا الذين اقترفوا الإِثم وهم يعلمون ، فأولئك لهم عذاب موقوت .
وقال الذين كفروا منكم ، إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم وعليه وجدنا آبائنا ، قل لو كنتم على الهدى لآمنتم به ، ولكنكم لا تعلمون غير ما تهواه أنفسكم ، وأنتم تجهلون ، نحن أعلم بما في أيديكم ونحن المنزلون .
لقد ضل هؤلاء الذين يريدون أن يحكموا بالقرآن ، ويتخذوه سبيلا ، ثم به يكفرون بعد أن تبين لهم الحق ، قل أليس الحق أحق أن يتبع ) ([40]).
ومع أن الدروز لا يجيزون صوم شهر رمضان ، لكونه من فرائض الإسلام ، إلا أنهم يصومون في أيام خاصة ، وهي التسعة أيام الأولى من شهر ذي الحجة ، وصيامهم هو نفس الصيام الإسلامي من امتناع عن الأكل والشرب ، ( ويبيحون أيضًا الصوم في أي شهر غير شهر رمضان ) ([41]). ( وعيدهم الأكبر والوحيد هو عيد الأضحى ) ([42]).
وفد بنى الدروز المساجد في قراهم ومدنهم تسترا من المسلمين الذين كانوا يعيشون بين ظهرانيهم وتقربا منهم وتمويها عليهم ، وذلك حتى يأمنوا منهم على أنفسهم وينفوا عنهم تهمة الردة وحدها ، ولكنهم بدأوا يبتعدون عن هذه السرية ، ويعلنون حقيقة أمرهم . ( ولما قامت فتنة سنة 1860 م في لبنان ، بدأت آخر دلالة شعائرية بالانقراض ، ونعني بها شعائر الصلاة في المساجد الكثيرة التي كانت منتشرة في القرى الدرزية ، ولجأ الدروز إلى الخلوات وتركوا المساجد نهائيًا ) ([43]).
حتى وصل بهم الأمر في الوقت الحاضر أن يمنعوا قيام المساجد للمسلمين الموجودين في قراهم ، وقد حدثني أحدهم ممن كان يقيم في جبل الدروز بسورية ، أن المسلمين المقيمين هناك حاولوا بناء مسجد في مدينة السويداء عاصمة جبل الدروز ، وعندما حضروا في اليوم التالي وجدوا ما بنوه مهدومًا ، ولم يقم هذا المسجد إلا بعد الاستعانة بقوة عسكرية لحمايته ([44]).
ونظرة الدروز إلى العبادات تتوافق مع عقليتهم التي ترى في هذه الطقوس والشعائر أمرًا لا فائدة منه بل يعتبر عملاً مهجورًا كما صرح بذلك جنبلاط ([45]).
فالدروز يعتبرون أنفسهم ملة الوحدة الإساسية بين الأشياء والكائنات والله ([46])، ولذلك فقد سقطت عنهم العبادات بكل مظاهرها وشعائرها لأن الدرزي اتحد مع الوجود ومع الله – جلا وعلا - .
لهذا فالشخصية الدرزية لا تبالي بالحياة الخارجية تحفل بها ، فالمظاهر هي المظاهر ، والحقيقة يمكن أن يجدها أينما كانت وفي كل الديانات ، حتى أن جنبلاط يرى أن الدرزي هو كل توحيدي ، أي كل من يعتقد بوحدة أديان العالم كافة ، وكائنًا ما كان طقوسها وشعائرها ، فهم اسم ينصرف إلى مسيحيين وبوذيين ومسلمين وهندوكيين ، أي كما يشبهه جنبلاط جماعة ( وردة الصليب ) ([47]).
ويورد جنبلاط مثالاً حيًا على عقلية الدروز هذه فيقول : أن الأميرين فخر الدين الأول والثاني وُلدا درزيين وعاشا مسيحيين وماتا مسلمين .
2 – الزواج والطلاق والوصية عندهم :
توصى رسالة ( شرط الإِمام صاحب الكشف ) بالنساء ، وتوجب على الدرزي أمورًا أخرى خاصة بهن حيث يقول : ( والذي توجبه شروط الديانة أنه إذا تسلم أحد الموحدين بعض أخواته الموحدات فيساويها بنفسه وينصفها من جميع ما في يده ، فإن أوجب الحال فرقة بينهم فأيهم كان المعتدي على الآخر .
فإن كانت الامرأة خارجة عن طاعة زوجها وعلم أن فيه القوة والإِنصاف لها ، وكان لابد للامرأة من فرقة الرجل ، فله من جميع ما تملكه النصف إذا عرفوا الثقات بعديها عليه وإنصافه لها . وإن عرفوا الثقات أنه محيف عليها وخرجت من تحت ضرورة ، خرجت بجميع ما تملكه ، وليس له معها شيء في مالها .
وإن كانت هي المخالفة له ، وليست تدخل من تحت طريقته فلها النصف من جميع ما تملكه ، ولو أن ثوبها الذي في عنقها ، وإن اختار الرجل فرقتها باختياره بلا ذنب لها إليه فلها النصف من كل ما يملكه من ثوب ورحل وفضة وذهب ودواب ، وما حاطته يده لموضع الإِنصاف والعدل ) ([48]).
وهكذا نجد أن الدرزي إذا اضطر إلى الطلاق ، ( فينبغي أن يعرف من منهما المقصر في معاملته الآخر ، فإذا كانت الزوجة هي التي ترغب في الطلاق فيكون لزوجها نصف ما تملكه ، بعد أن يشهد عدول أنها هي المقصرة في حق زوجها ، وأنه كان يعاملها معاملة حسنة ، وإذا شهد بأنه كان يهينها ولا يعاملها بالمساواة فلها أن تأخذ معها كل ما هو لها دون أن يسمح له بأن يأخذ منها شيئا ، وإذا شاء الرجل أن يطلق زوجته من تلقاء نفسه دون أن تكون قد أذنبت ، يكون لها نصف ما يملكه من بيته وأثاثه وأمواله ودوابه ) ([49]).
(( وإذا طلق الدرزي زوجته فلا يجوز له أن يتزوجها مرة أخرى ، سواء بمحلل أو غير محلل ، فهم لا يميزون بين الطلاق الرجعي ، والطلاق البائن بنوعيه بينونة صغرى ، وبينونة كبرى ، بل الطلاق عندهم طلاق واحد ، ولا يجوز بعده أن يرجع الرجل إلى مطلقته )) ([50]).
ويقول صاحب كتاب ( الدروز والثورة السورية ) : ( أن المقصود من الزواج عندهم إيلاد البنين فقط ، لا اقتضاء الشهوة ، ومتى صار للرجل من زوجته أربعة أولاد إذا كان غنيا ، وإذا كان فقيرا حتى لا يكون ضيق عليه في تقديم لوازم المعيشة ، فيجب عليه حينئذ أن يبتعد عن زوجته بقية العمر ) ([51]).
ولكن صاحب كتاب ( بنو معروف – الدروز - ) يقول : ( وهذه القاعدة لا يحافظ عليها إلا أفرادا قلائل من عقالهم الذين يعتبرون أن الزواج لحفظ النسل فقط ) ([52]).
يقول شارح الميثاق : ( فإذا قصد جماع الزوجة فيكون مقصوده ونيته في ذلك الولدية لا غير ، فأول مرتبته وجود الولد ، فلا يجوز للرجل جماع زوجته مع حملها أبدًا للخوف من إفساده ) ([53]).
ولا يجوز عندهم زواج الدرزية من غير الدرزي ، ولا زواج الدرزي من غير الدرزية ، فإذا حدث زواج من هذا القبيل فإنه يكون باطلاً ولا يجوز أيضًا تعدد الزوجات ، والتزوج بأكثر من واحدة ، بل يجب الاقتصار على زوجة واحدة ) ([54]).
يقول الأستاد أمين طليع في كتابه الذي قدمه الشيخ محمد أبو شقرا شيخ عقل الدروز عن تعدد الزوجات ما يلي : ( إن تعدد الزوجات ممنوع قطعًا ، فإذا جمع الرجل بين زوجتين ، كان زواجة من الثانية باطلاً حكمًا ) ([55]).
والوصية عندهم تجوز بجميع المال لوارث ولغير وارث ، فللدرزي أن يوصي قبل موته بأملاكه لمن يشاء ، ولكن بشرط أن تكون الوصية بالمال الذي اكتسبه بسعيه هو نفسه ، أما إذا كان قد ورثه فلأولاد الموصي أن يطلبوا القسمة إن كان قد ورث ما في يده عن آبائه ، لأن ذلك – ما للبيت – تستوي فيه الأصول والفروع ، فإن كان قد اكتسبه بسعيه لم يكن لهم ذلك ، لأن مال الشخص ينفرد فيه بنفسه ) ([56]).
ويطلب مصحف الدروز منهم أن يوصوا بجزء من أموالهم ، وخاصة الموسرين منهم ، لعقالهم ومساكينهم ، ويقول : ( يا أيها الموحدون ، كتب عليكم ، إذا حضر أحدكم الموت وكان ذا ميسرة ، فليوص لذوي العسرة والمساكين  منكم ، الذي لا يسألون الناس إلحافا ، والقائمين على شؤون دينكم في الحكمة والموعظة الحسنة ، بجزء من اثني عشر جزءا مما ترك ، وليكفل القسمة أولئك القائمون منكم على شؤون دينكم ، الذين يتلون  حكمة وصلوات هذا المصحف المنفرد بذاته ، العاملون عليه ، الحاكمون به الموحدين بالعدل ، الذين جعلوا خلائف الحدود ) ([57]).
3 – تقسيم المجتمع الدرزي إلى عقال وجهال نظام الخلوات عندهم :
يعيش الدرزي الآن في ( لبنان ، وسورية ، وفلسطين ) .
وينقسم المجتمع الدرزي من الناحية الدينية إلى قسمين :
( روحاني ، وجثماني ، فأما الروحاني فهو الذي بيده أسرار الطائفة ويقسم إلى ثلاثة أقسام : رؤساء ، وعقلاء ، وأجاويد .
والجثماني : وهو الذي لا يبحث في الروحيات بل يبحث في الدنيويات ويقسم إلى قسمين : أمراء وجهال .
فالرؤساء بيدهم مفاتيح الأسرار العامة ، والعقال بيدهم مفاتيح الأسرار الداخلية والأجاويد بيدهم مفاتيح الأسرار الخارجية ، والأمراء الجثمانيون بيدهم مفاتيح الأسرار الخاصة ، وزعماء الجهال بيدهم قبضة السيف والزعامة ) ([58]).
والعقال ينقسمون بدورهم إلى درجات ثلاثة : ( منهم الطبقة التي تعرف بالمنزهين ، وأصحاب هذه الطبقة في أشد العبادة والورع ، فمنهم من لا يتزوج حتى يموت ، ومنهم من يصوم كل يوم إلى المساء ، ومنهم من لا يأكل اللحم في جميع حياته .
والطبقة الأخرى : هي الشراح ، ويرخص لهؤلاء بالاطلاع على ما كتبه الأمير عبد الله التنوخي أحد مشايخهم ، وهو الذي بنى المساجد وجدد الجوامع وكان على ما قيل يريد أن يرجع بالدروز إلى مذهب أهل السنة والجماعة ) ([59]).
ويبدو لي أن الأجاويد من طبقات الثلاث للعقال .
(( ويجتمع العقال في أماكن العبادة التي تعرف بالخلوات ( جمع خلوة ) لسماع ما يتلى عليهم ، وبعد تلاوة المقدمات ، يخرج من الخلوة الطبقة الدنيا من العقال ، ثم بعد تلاوة بعض الرسائل البسيطة التي ليس بها تأويلات تخرج الطبقة الثانية بحيث لا يبقى إلا رجال الدرجة الأولى الذي لهم وحدهم الحق في سماع الأسرار العليا للعقيدة ، أما الجهال فلا يسمح لهم بحضور هذه الخلوات ، أو لسماع شيء من الكتب المقدسة إلا في يوم عيدهم الوحيد ، وهو يوافق عيد الأضحى عند المسلمين )) ([60]).
(( والعقال يعملون لهم مناسك يبنونها بعيدًا عن البلدان التي هم بها نحو مسافة نصف ساعة وغالبًا يكون بناؤها على مرتفع ويتفردون فيها أكثر الأيام ليلاً ونهارًا ويسمون هذه المناسك خلوات البياضة ، هي على سطح جبل فوق قرية حاصبيا – في لبنان - ، تزيد على ستين خلوة )) ([61]).
( والعقال يستحرمون ([62])أيضًا مال أولياء الأمور من أي جهة كان ، وجميعهم يستحلون أموال التجار من أي جهة كانت ، فإذا قبضوا دراهم محرمة أتوا بها إلى التاجر ليبدلونها منه . وكل عاقل لا يتناول شيئًا من المسكرات ونحوها على الإِطلاق ولو كان مدمنًا عليها في أيام الجهل ، وهذا التحريم قد تظاهروا به منذ مائتي سنة فقط بإرشاد الأمير التنوخي ، وأما قبل زمن فلم يكونوا يتحاشوه ، ولا يفحش العاقل في كلامه على كل حال ولو كان قبل ذلك من السفهاء ، ولا يسرف في طعامه وشرابه ولو دعت الحاجة إلى ذلك الإِسراف ) ([63]).
(( وأما الجاهل في نظرهم كالحارس الذي يحرس بيتًا في الخارج ويجهل معرفة أسراره الداخلية ، وهكذا يعيش الجاهل منهم درزيًا ولا يعلم من الدرزية سوى شيء يسير جدًا ، كالأعتقاد بألوهية الحاكم ، وإمامة حمزة والأربعة حدود ، والتقمص ، والعلامة السرية التي يجعلونها لمعرفة بعضهم البعض )) ([64]).
(( ولا يسمح لطبقة الجهال بالانتقال إلى طبقة العقال إلا بعد امتحان عسير شاق يقوم على ترويض النفس وإخضاع شهواتها مدة طويلة ، وقد يستمر الامتحان أكثر من سنة حتى يثق الشيوخ بأحقية الطالب أن ينتقل من طبقة الجهال إلى طبقة العقال .
والعقال في المجتمع الدرزي يعرفون بعمائهم ولبس القباء الأزرق الغامق ، ويطلقون لحاهم ([65]) على أن الذين يسند إليهم وظائف حكومية يباح لهم ترك هذه الملابس وارتداء الزي الذي يطلبه منصبه الرسمي .
والنساء في المجتمع الدرزي ، ينقسمن أيضًا إلى عاقلات وجاهلات مثل الرجال تمامًا ، والنساء العاقلات يلبس النقاب وثوبا اسمه ( صاية ) )) ([66]).
(( وإذا وجدت هناك عاقلة زوجة لأحد الجهال ، فلا يجوز لها أن تخاطبه بشيء من أمور الديانة ، ولا تطلعه على شيء منها ، وتخفي كتبها عنه ضمن صندوق مقفول )) ([67]).
وفي رسالة صغيرة عنوانها ( من تعليم دين التوحيد ) ملحق على طريقة السؤال والجواب حول كيفية دخول الرجل في سلك العقال ، والعهد الذي يؤخذ عليه ، وفيما يلي نصه :
س : بأي وجه يكون دخول الإِنسان في دين مولانا ، ومن يدخله ؟
ج : يُدخله الإِمام ، وذلك باتحاده مع الموحدين مدة عامين لكي يتقبلوه بينهم ، وأن يكون واحدًا منهم ، ومتى قبلوه يدخله الإِمام بينهم يسلك مسلكهم .
س : كيف يكون تقدمه ؟
يقدمه جماعة الموحدين أمام الإِمام ويحرضه على حفظ السر ويعلن له الحقائق والطرائق ، ويطعمه تينا ، ويقول له : يا رجل أتؤمن بدين النبي ؟ وتريد أن تأخذ هذا الدين وتصير من جملة المتوحدين ، فيجيب : نعم أؤمن ، فيسلم الحجاب ويصير واحدًا منهم صحيحًا تمامًا .
س : كيف يجب أن يكون سلوكه بعد دخوله ؟
ج : يجب أن يتظاهر بالحشمة والأداب ، وطول للروح ، والكلام اللائق والهدوء ، والسلام والكلام اللين ، وبما يضاهي به أخوانه الموحدين .
س : ما هو العهد الواجب عليه وما هي صورته ؟
ج : هذه صورته : باسم الإِمام مولانا الأعظم المنزه عن العاهات والوالد القادر ، الذي لم يخلق ولم يولد ، ولم يكن له كفوءا أحد ، أنا فلان ابن فلان قد نويت وعزمت أن أضع نفسي وجسدي ومالي وحريمي وأولادي وأرزاقي وأعلامي ، وكلما تملك يدي تحت يد الطاعة ، لسيدي ومولاي الحاكم بأمره العلي العلامة أمير الحكام صاحب الجبروت القادر على جميع الكائنات قد سلمت حالي إليه ، ووعدته باتكالي عليه ، وأقر الإِقرار التام ، وأشهد أمام إخواني الموحدين وسيدي الإِمام ، أني قد تبريت من الأديان ، ولا أريد شيئًا يخالف أو يناقض الوحدانية ، ولا أقر أن في السماء إلهًا معبودًا ، ولا في الأرض إمامًا موجودًا سوى سيدي ومولاي الحاكم بأمره العالي المقتدر الحكيم بتدبيره ، وهو نصيري ومجيري وإليه فوضت كل أمري وتدبيري ، وكرهت ورذلت كلما يبعدني عن عبادته وطاعته وصدقه .
وقد كتبت هذه الوثيقة على نفسي وأنا بصحة العقل والجسم ومن كل إراداتي وخاطري من دون اغتصاب ، وقد قريت بالدعوات والحدود الباقية المقرين بمولانا الحاكم بأمره الأمين ، وأذنت بالشهود علي ، وأقر أمام الشهود بكذا وكذا من سنة مولانا ومملوكه حمزة بن الهادي عدو المشركين والمنتقم منهم بسيف مولانا وسلطانه وحده لا معبود سواه ) ([68]).
وللدروز رئيس ديني يلقب بـ ( شيخ العقل ) ([69])ويتولى منصبه بالانتخاب أو الاتفاق بين الزعماء وكبار رجال الطائفة ، ولشيخ العقل أعوان في كل قرية أو بلد ([70]).
هذا بالنسبة إلى التقسيم الديني ، أما من الناحية الاجتماعية ، فالنظام السائد في المجتمع الدرزي هو النظام الإقطاعي الديني الذي كانوا عليه منذ عدة قرون ، فالقرى خاضعة لشيخ القرية الذي يختاره الأمير ، وشيوخ القرى خاضعون للأمراء الذين يتوارثون الإِمارة ولذلك يأبى الدروز منذ عصورهم الأولى أن يخضعوا إلا لمشايخهم فقط ، ولا يعترفون بسلطة أحد سوى أمرائهم ([71]).
ويقيم عقال الدروز عادة في مناطق نائية تسمى ( الخلوات ) ، وعن هذه الخلوات يحدثنا صاحب مذكرة (( أيها الدرزي عودة إلى عرينك )) ، عن كيفية قيامها وطريقة الوعظ فيها فيقول :
(( قبل عام 1762 م لم يكن للدروز خلوات ، أو كانت ولكن ليست ظاهرة ، ولا شيوخ عقل بل كانوا تحت جناح الإِسلام مباشرة وبقى شيوخ العقل يتخبطون في خلواتهم بين الرسائل والشروح ، إلى أن تسلم الرياسة الروحية في جبل حوران الشيخ إبراهيم البجري ، فقرر قراءة الكتابين الأولين ( أي ميثاق ولي الزمان وكشف الحقائق ) مع شيء من الكتاب الثالث ( أي مناجاة ولي الحق ) على كل درزي تتوفر فيه الشروط الدينية .
ثم قسم الشيخ إبراهيم الكتاب الثاني والثالث إلى ثمانية أقسام ، وعين لكل ليلة من ليالي الأسبوع قسما منها ، وضم لها أقسامًا معلومة من رسائل أخرى ، ودعى هذا كله دورا .
فدور مساء الخميس مثلاً ، الميثاق والكشف والتنزيه وشعر النفس ، ودور مساء الجمعة الميثاق والدامغة والرضا وشعر النفس ... وهكذا لكل ليلة دورها الخاص ، مع الملاحظة أن الاجتماع الرسمي هو مساء الخميس ، والقراءة في الجمعة وسواها جماعية .
وهناك بعض فصول من الرسائل ، رأى الشيخ إبراهيم وجوب قراءتها كل صباح ، وقد دعا هذا الترتيب فرضا ، ومازل عليه الناس في جبل حوران وسواه حتى يومنا هذا ، وإن رأينا تعديلا في بعض المناطق ، فهو لا يعدو إبدال فصل بفصل من رسالة واحدة أو رسالتين متغايرتين )) .
وقد ثابر القوم على هذا المنهاج واعتبروه واجبا على كل درزي تتوفر فيه الشروط الدينية :
وعن هندسة هذه الخلوات يقول :
إن الشيخ إبراهيم أمر أن يقام في كل قرية درزية خلوة كبيرة تتسع لأكبر عدد من سكان القرية ، وأطلق على هذا البناء اسم ( مجلس حمزة ) وهو يتألف من غرفة كبيرة تتوسطها مصطبة – طاولة ثابتة – بارتفاع سبعين سنتم تقريبًا ، يعلوها ستار من القماش السميك بارتفاع متر ونصف تقريبًا ، كأنها تقسم الغرفة قسمين وتحجب بينهما .
يجلس الرجال في قسم والنساء في القسم الآخر ، ولكل قسم باب ونافذة في مكان واحد . أما السبب في إقامة هذا الحاجز فهو :
1 – فصل النساء عن الرجال والحيلولة دون رؤية بعضهما .
2 – إيصال صوت الرجال إلى النساء اللواتي جئن لاستماع الحكمة .
أما ترتيب الشيوخ في المجلس فهو على النحو التالي :
يجلس الإمام – شيخ عقل القرية – في صدر المجلس قريبا من الزاوية ، ويولي ظهره للقاطع – المصطبة ثم يجلس الشيوخ عن يمينه وشماله بصفوف غير منتظمة ، تاركين أمامه فسحة صغيرة مستعدين لأداء الطقوس .
أما كيفية ترتيب الطقوس فهو كما يلي :
1 – الوعظ : وهو قصص وحكايات صوفية ، كقصص مالك بن دينار وذي النون المصري وإبراهيم بن أدهم وسواها من القصص الخفيفة التي نراها في كتاب ( روض الرياضين ) . أما إذا كانت هذه الليلة ليلة العيد الكبير ، ضموا للوعظ قصة ( الثواب والعقاب ) وهما تصوران ما يلاقيه الكافر والمرتد من أهوال مجروية القيامة . وهذه الجلسة متاحة للجميع ، يحضرها المدخن والسكير حتى ولو كان ليس درزيًا .
2 – الشرح : المرحلة الأولى : ويجوز حضوره لكل درزي ونرى الحاضرين فيه كثيرين في ليالي الجمعة وليالي العشر من ذي الحجة ، يفتتحه الإِمام قائلاً : علينا أن نمسي الحدود ( أي نقول لهم : مساكم الله بالخير ) ، وقد يقول هذه الكلمة شخص آخر إذ هي لكل شخص من الحاضرين .
وتمسية الحدود هي تحية وسلام وتسبيح على كل حد من الحدود الثمانية :
( العقل ، النفس ، الكلمة ، السابق ، التالي ، الجد ، الفتح ، الخيال ) . وهذه صيغة التمسية ، يقدمونها أولا للعقل قائلين :
ألف المسا مساك           يا عقل من مولاك
يا نور صاق محض         سبحان من صفاك
يا لابس الأخضر           يا زينة المحضر
قلبي يميل إليك           عيني تريد رؤياك
قلبي يميل إليك           صلى الإِله عليك
                                            صلى عليك الله          يا نور عرش الله
                                           صلى عليك ربي            نحن دخيل حماك
ثم يتجهون للنفس فيمسونه بنفس هذه الأبيات مع إبدال كلمة الأخضر الموجودة في صدر البيت الثالث بالأحمر ، ثم يتجهون للكلمة بنفس الأبيات ويضعون بدل الأخضر كلمة أصفر ، ثم يخصون السابق باللون الأبيض والتالي باللون الأسود بنفس الأبيات والتريب . أما الحد والفتح والخيال فتقدم لهم التسمية دون ذكر البيت الثالث ، إذ الثلاثة الباقون ليس لهم كسوة خاصة .
وقد ترنم بعض الخلوات بهذه الترنيمة أيضًا :
صلوا على القائل                        صاحب الجود والفضائل
                              صلوا على ولي الهدايا               صاحب النعم والكفايا
                              صل وسلم يارب عليه             وأسعـــــــــــدنا برضاه
صلوا على السيد الهادي الإِمام الأعلى ، نور القيام ، المنتظر لنجاة الأنام ، الهادي إلى طاعة المولى العلي حاكم الحكام ، إمام الرضاة المظفر المصطفى ، صلى يارب وسلم على سيدنا وحبيب قلوبنا ورجانا ( حمزة بن علي ) .
وبعد الانتهاء من هذه التحية الأدبية ، يطلب الإِمام من أحد الشيوخ أن يعظ الناس ، وهذا يتلو بعض أخبار الصالحين من الصوفيين ويطلب من آخر أن ينشد بعض الأناشيد الدينية ، ويختم المجلس بنشيدة جماعية .
المرحلة الثانية : يقف الشيخ – الإِمام – فيقفون جميعًا رجالاً ونساء – قائلين بصوات واحد : يا سميع ، احترامًا للأمير السيد عبد الله التنوخي ثم يجلسون ، وفي هذه اللحظة ينصرف الجهال ، كالقاتل والزاني والسكير وشارب التبغ ... وسواهم من المحرومين الذين لا يستحقون سماع الشرح .
على أن بعض هؤلاء الجهال يقف متأدبًا واضعًا كفيه تحت إبطيه ويكلم المشايخ بأدب وتواضع قائلاً : الله يمسيكم بالخير حضرات المشايخ ، فيجيبون : الله يمسيك بألف خير ، ثم يقول بذل وانكسار : نطلب الحلم وصفاء الخاطر من الله ومنكم ، العبد يخطيء والسيد يعفو .
وهنا يتجه المشايخ إلى بعضهم قائلين . احلموا علينا وعليه يا مشايخ وفي هذه اللحظة يأتي دور الإِمام وله أن يفوه بإحدى كلمتين : إما أن يسمح عن ذاك المستشفع قائلاً : تفضل أقعد ، وهذه معناها : السماح بحضور المرحلة الثانية فقط . وأما أن يقول : ما قدامنا وقدامكم إلا الخير ، وهذه معناها الإِصرار على إبعاده وعدم السماح له بالجلوس وهنا يخرج المستشفع خجلاً كسير النفس .
وبعد خروجه تبدأ المرحلة الثانية فيقرأ الإِمام أو يكلف أحد الشيوخ بتلاوة شرح إحدى الرسائل المقررة ، وبعد الانتهاء من القراءة يقفون جميعا قائلين : يا سميع .
وفي هذه الفترة يخرج الذين لا يجوز لهم حضور المرحلة الثالثة . وإذا طلب أحد هؤلاء السماح يبقى واقفًا متأدبًا مكررًا الكلمات السابقة ، وليس له إلا أحد الجوابين السابقين ، وقد يوكل أحد الشيوخ فيقف هذا موقف المذنب التائب ، ويتكلم بالنيابة عن المستشفع وبنفس الجمل ، وهنا إما أن يجاب أو يرفض .
المرحلة الثالثة : ثم يتوجه الإِمام للمشايخ قائلاً : تفضلوا احلموا ، وهنا تبدأ قراءة الدور قراءة جماعية ، وكلهم يحفظ الدور الواجب تلاوته ، فيبدأون بالميثاق ، ثم بالرسائل المقررة لتلك الليلة ، ويجعلون شعر النفس ختامًا ، ويسجدون عند كلمة ( هو الحاكم المولى بناسوته يرى .. ) ويرفعون أيديهم مبتهلين ، ثم ينصرفون مرددين بعض الأدعية .
هذه الخلوات ، تشبه بعضها بعضا ، وإن اختلف بناؤها باختلاف القرى أو تخلفها ، وفي مقدمتها من حيث التاريخ خلوات الزنبقية ، قرب كفر نبرخ بلبنان ، وإن فاقتها الآن خلوات البياضة ( حاصبيا لبنان ) وحلت محل الصدارة .
أما الشيوخ الذين يقومون بإدارة تلك الخلوات ، فيتفاوتون ليس بالعلم أو الخدمة العامة ، بل بشهادات السلوك والمثابرة على الخلوات والزهد الذي قد يصل لدرجة رهبان البراهمة ؛ ذلك لأنهم يخالون العكوف على دراسة الرسائل كل شيء في العالم ، ولذا ضاق أفقهم ، وأصبحوا يستشهدون بما يتلهى به الأطفال كملحمة حسان التبعي .
أولئك الشيوخ طبقات :
1 – طالبو الدخول بالمشيخة ( البراني ) أي الذين يعدون أنفسهم ليصبحوا شيوخا .
2 – شيوخ المجالس السرية ( الجواني ) .
3 – شيوخ العقل .
أما الأزارقة – لابسوا الأزرق – فهم أضيق أفقا من سواهم ) ([72]).
*******

الفصل الثاني
موقف الدروز من الأديان والفرق الأخرى
ويتضمن ما يلي :
1 – موقفهم من اليهود .
2 – موقفهم من النصارى .
3 – موقفهم من طائفة النصيرية .
1 – موقفهم من اليهود :
ذكرنا فيما مضى موقف الحاكم بأمر الله من اليهود والنصارى ، واضطهادهم وهدم كنائسهم وبيعهم ، وكيف تحول في آخر عمره عن هذا الاضطهاد المنظم ، وذلك بعد أن ظهرت الدعوة الجديدة لتأليهه على يد حمزة .
أما موقف الدروز من اليهود ، فهو دعوتهم للدخول في ديانة الدروز ، وإثبات أن المسيح الذي بشر به موسى هو حمزة بن علي ، وقد ورد موقفهم هذا في ( الرسالة الموسومة بالإِسرائيليات الدامغة لأهل اللدود والجحود أعني الكفرة من أهل شريعة اليهود ) وهي من تأليف بهاء الدين .
وقد بدأ بهاء الدين هذه الرسالة بالرد على اليهود في عدم جواز نسخ الشرائع حيث يقول : ( العلة التي أوجب بها اليهود إرسال موسى لا تزال باقية ، وإلا لم تقم حجة موسى على أصحابه ولا على من أقر بإبراهيم ) ([73]).
وحجة أخرى : ( هي أن من شرع شريعة هو محدث ، فموسى محدث مخلوق ، ولاشك أن الشارع للشريعة أفضل من الشريعة التي شرعها ، إذ أن الشريعة لا تقوم بنفسها ، بل هي محتاجة إلى القائم بها العالم الفاضل ، وإذا كان واجبًا رفع القائم بالشريعة وفناؤه وزواله فممكن إبطال الشريعة ورفعها ) .
ولذلك يقرر بهاء الدين : أن اليهود يترقبون من سيكون الفرج على يديه ، وهو أفضل من موسى ومن إبراهيم ، وأنه يأتي بالآيات والبراهين ، ويدعو الخلق إلى توحيد رب العالمين ، ويستدل على ذلك من التوراة ، إذ بشرهم بها موسى بمجيء المسيح ، فجحدوا ذلك وعموا عنه وأنكروه وتبرأوا منه .
ودليل بهاء الدين من التوراة على ظهور المسيح ودعوته اليهود والنصارى إلى التوحيد والدين الصحيح قول التوراة : ( أنه سيجيء من ساعير نور ، من اتبعه نجا ، ومن تخلف عنه هلك وغوى ، وساعير بشراة وبها قرية تدعى ناصرة ، ولذلك قيل لأمته النصارى ) .
ويأتي ذلك بدليل آخر هو قول شعيا عن الله : ( هأنذا أخلق سماء جديدة ، وأرضًا جديدة ، وليس يُذكر الأول ولا يقع بقلب أحد ..
أنا الله ، وهذا اسمي ، ولا أعطي جلالي ومجدي لغيري ، ما كان في القديم قد أدبر ، وأنا مبشر بالجديد قبل أن يظهر ، فعرفهم بظهور المسيح الذي هو حمزة بن علي .
ومما استدل به أيضا على ظهور قائم الزمان حمزة بن علي قول التوراة : ( صوت مناد في القفار ، انصبوا لله طرقا ، وأقيموا في الفيافي طرقكم ، سترتفع الوطأة ، وتنخفض الجبال والكداة ، وتكون المعوجة مستقيمة ، والوعرة تكون طريقها سهلة ، ويظهر جلال الله ) .
وأيضًا قول داود في الزبور بذكر قائم الحق وهو : قال السيد لسيدي اجلس عن يميني حتى أجعل عدد أعدائك كرسي رجليك ، فعظم داوود وسوره وأقر له بالخنوع والخضوع ، لأنه يملك جميع الدنيا ويحوز من البحر إلى لدن الأنهار إلى منقطع الأرض ، والذي تنحر الجبابرة له بين يديه على ركبهم ، ويجلس أعداؤه على التراب ، وتأتيه الملوك بالقرابين ويسجد له وتدين الأمم كلها بطاعته ، والانقياد لأنه يخلص المضطهد البائس ممن هو أقوى منه مالك الجميع صلى الله عليه .
ويضيف بهاء الدين مخاطبًا اليهود : ( فهذه صفات لا يدعيها أحد من الأنبياء ، ومناقب ليست تكون إلا لقائم الحق ، قائم القيامة .. وأنتم أيها اليهود وجميع أهل الشرع في سكرتكم تعمهون ، وقد ضللتم عما كان عليه الأسلاف المحقون له ينتظرون ، فلو كنتم يا جماعة اليهود رجعتم إلى الباري واتبعتم هاديه ودليله وقبلتم أمره ، وسلكتم طريق الحق وسبيله ، وحفظتم ميثاق الذي واثقكم عليه ، وسلمتم عن أمر تم بالتسليم إليه ، لرجع إليكم بالمغفرة وتلقاكم بالتوبة وأنقذكم من أيدي أعدائكم ) .
هذا هو موقف الدروز من اليهود ، ولكن يبدو أن هذا الموقف قد تبدل في الوقت الحاضر من العداء إلى الود والتأييد ، وهو ما نراه في فلسطين المحتلة ، فإن الكثير من جنود جيش الدفاع الإسرائيلي هو من الدروز ؟! .
2 – موقفهم من النصارى :
موقف الدروز من النصارى تحدده أربع رسائل هي :
1 – رسالة خبر اليهود والنصارى .
2 – الرسالة الموسومة بالمسيحية ، وأم القلائد النسكية ، وقامعة العقائد الشركية .
3 – الرسالة الموسومة بالقسطنطينية ، المنفذة إلى قسطنطين متملك النصرانية .
4 – الرسالة الموسومة بالتعقب والاقتفاء لآداء ما بقى علينا من هدم شريعة النصارى الفسقة الأضداد .
الرسالة الأولى تذكر أن بعض أهل الذمة ، وقفوا بين يدي الحاكم وهو بالقرافة ( مقبرة القاهرة ) ، وقالوا أنهم يهود ونصارى ويريدون أن يسألوه عن مسائل في الدين ، ولكنهم خائفون منه ، فأمنهم .
ويبدو أن هذه المقابلة لم تحدث مطلقًا ، وإنما هي تلفيق ، وكتبت حتى تثبت أن ظهور الحاكم وحمزة كان ينتظره اليهود والنصارى .
ويضيف مؤلف هذه الرسالة قوله : ( أن الرسول ^ قد أتاه رؤساء شريعة اليهود والنصارى ، فطلب منهم أن يؤمنوا بشريعته ، فقالوا له : ما أنت الذي كنا منتظرين لزمانه متوقعين شخصه ، ولا الذي نرجو الفرج مع ظهوره . والدليل على ذلك ثلاث خصال : إحداها : ليس اسمه كاسمك ، إذ اسمك محمد ، والذي بشرنا به اسمه أحمد .
والثانية : مدته ، قد بقى لها أربعمائة سنة من يوم مبعثك إلى حين ظهور هذا المنظر ، وقد خالفته في الاسم والمدة .
والثالثة : المنتظر إنما يدعو إلى توحيد ربه ، بلا تعطيل ولا تشبيه ولا كلفة تلحق نفوسنا ، وصفة المنتظر عندنا رفع التكليفيات ، وانقضاء الشرور ، ورفع المصائب والشكوك ، وأن لا يتجاوزه في عصره كافر ولا منافق ، وأنت أكثر أصحابك يظهرون النفاق عليك ، وإنما بغلبة سيفك عليهم سلموا لأمرك .
وتنتهي الرسالة إلى ما كانت تبغيه إذ تقول على لسان الحاكم : ( فأي حجة بقيت لكم عليه وعلى بعدما أوضحناه ، وأي أمر تعديت فيه ، بزعمكم عليكم إذا كنت بشرطكم أخذتكم ، وما كنتم تنتظرونه أقمته عليكم ، وقد أسعتكم حلما وعدلا ؟ ) .
إذن ها هي المدة قد انقضت ( أي الأربعمائة سنة ) ، وظهر الإِله المعبود ، قائم الزمان الذي يدعي إليه ، فعليكم الإِيمان به وتصديقه ؟
وقد كذب الدكتور عبد الرحمن بدوي هذه الرواية التاريخية ، إذ لم يثبت في أي من كتب التاريخ والسيرة أن قامت مناقشات بين النبي ^ ، وبين اليهود والنصارى ، إلا ما جرى مع وفد نجران سنة 10 هـ ويؤكد ذلك كما قال الدكتور بدوي ثلاث حجج :
1 – فالحجة الأولى ، وهي الخاصة باسم – أحمد – ساذجة لا يعتقد صدورها عن النصارى في عهد النبي ^ إذ أحمد ومحمد واحد .
2 – والثانية غير معقولة أصلا ، بسبب ما فيها من تحديد سنوات لا ينطبق إلا على الحاكم بأمر الله .
3 – والثالثة باطلة ، لأن أفعال النبي ^ تؤكد أنه أحل الطيبات وحرم الخبائث ، ووضع الإصر والأغلال عن اتباعه ([74]).
أما الرسالة الثانية : ( الموسومة بالمسيحية ) فهي تقريع بأقسى الألفاظ وأفحشها بالمسيحيين ؛ لأنهم لا يعملون بوصية المسيح ، ولا يحذرون من المسيح الضال الكذوب ، ولا يقرون بالمسيح الحق الذي ظهرت علاماته في جميع أنحاء العالم .
ومؤلف الرسالة هو ( بهاء الدين ) الذي يتحدث عن حمزة بن علي ، على أنه المسيح وهو السيد ، ويأخذ بها الدين – في هذه الرسالة – على النصارى : ( أن عقولهم تصور لهم أن السيد المسيح لا يظهر إلا عندهم ، ولا ينتظر مجيئه سواهم ، مع أن المسيح سيظهر للعالم كله والسيد – أي حمزة – قد عرف أن ظهوره لخلاص الأمم من الخطيئة ... ولهذا يقرع النصارى فيقول : فتنبهوا أيها الجهلة من مراقد الغفلة ، وارجعوا إلى الحق مع أولياء السيد قبل انقضاء المهلة ، فقد دارت الأدوار وظهر توحيد الأب من حيث العالم ) .
والرسالة الثالثة هي الرسالة ( القسطنطينية ) والتي أرسلت إلى قسطنطين الثامن إمبراطور الروم ، الذي تولى الحكم وعمره سنتان عام 963 م ، وتوفي في عام 1028 ، وكاتبها هو بهاء الدين ، ( الذي يتودد فيها للإمبراطور وكبار رجال الدين المسيحي في بيزنطة ، وينعتهم بالقديسين ، ويقرب ما بين دعوة الدروز وبين العقائد النصرانية ، هادفا من وراء ذلك إلى بيان أن : الفار قليط الذي أعلن عن قدومه المسيح عيسى بن مريم هو نفسه حمزة بن علي ، وأن على المسيحيين أن يؤمنوا بأن حمزة وديانة التوحية التي دعا إليها هو الفار قليط ، الذي أعلن عن مجيئه المسيح ، وبهاء الدين يلجأ في سبيل ذلك إلى تأويل أحداث حياة السيد المسيح تأويلاً يؤدي إلى ما يهدف إليه ، وكذلك إلى تأويل آيات الإِنجيل تأويلاً يتفق مع مآربه ([75]).
أما الرسالة الرابعة والأخيرة من الرسائل الأربعة الموجهة ضد النصاري ، فهي ( الموسومة بالتعقب والاقتفاء لأداء ما بقى علينا من هدم شريعة النصاري الفسقة الأضداد ) وكاتبها هو بهاء الدين ، ويصف نفسه بأنه : ( محلل معاقد الملل وناسخ الأديان ) وقد وجهها إلى ميخائيل إمبراطور الروم عام 1034 م ، وواضح من لهجة الرسالة أنها بالغة في العنف والإِقذاع بعكس الرسالة السابقة المتوددة ، حيث لم تأتِ بنتيجة . وأن العلاقات ازدادت سوءً إلى أبعد حد بين الدروز ونصارى القسطنطينية ، لأن بهاء في الرسالة يحمل بشدة عليهم لاضطهادهم أتباع ديانة التوحيد ، ومساعدتهم دجالا أبرص أعور كان عدوا لديانة التوحيد .
والدروز يعتقدون أن المسيح الذي صلب ، هو ( المسيح الكذب ) ابن يوسف النجار ، وهذا ما ورد في ( رسالة السؤال والجواب ) .
س : وكيف الإِنجيل الذي عند النصارى ، وماذا تقول عنه ؟
ج  : الإِنجيل حق ، من قول السيد المسيح الذي هو سلمان الفارسي في دور محمد ، وهو حمزة بن علي ، والمسيح الكذب هو الذي ولد من مريم لأنه ابن يوسف النجار .
س : وأين كان المسيح الحق لما كان المسيح الكذاب مع التلاميذ ؟
ج : كان معه من جملة تلاميذه ، وكان ينطق بالإِنجيل ([76])، وكان يعلم المسيح ابن يوسف ويقول له : اعمل ما هو كذا أو كذا ، حسب مرسوم دين النصرانية ، وكان يسمع منه كل قوله ، ولما خالف قول السيد المسيح الحق ألقي في قلب اليهود بغضه فصلبوه .
س : وكيف صار بعد الصلب ؟
ج : وضعوه في قبر وجاء المسيح الحق وسرقه من القبر ، وطمره في البستان ، وقال للناس : إن المسيح قام من الموتى .
س : ومن الذي قام من القبر ، ودخل للتلاميذ والأبواب مغلقة ؟
ج : المسيح الحي الذي لا يموت ، وهو حمزة ، عبد مولانا ومملوكه ([77]).
والخلاصة أن ما يرمي إليه الدروز – في ذلك الوقت – هو إثبات أن المسيح الحق هو حمزة بن علي عبد مولاهم الحاكم بأمر الله .
ولكن يظهر أنهم غيروا أيضًا من طريقتهم هذه ، وصاروا يحسنون معاملة النصارى ، وخاصة في لبنان ، حيث يسيطر النصارى على الموقف ، يقول يوسف خطار أبو شقرا مؤلف كتاب ( الحركات في لبنان ) وهو درزي ما يلي :
(( لم يكن فيما مضى ما بين الدروز والنصارى في لبنان ، ما كان بينهم منذ سنة 1800 م من الشقاق والنفور ، بل كانت الطائفتان محبة أحداهما بالأخرى ، آنسة إليها ، وبعبارة أخرى كانت الجماعتان كجماعة واحدة تعملان على وتيرة واحدة )) ([78]).
وتقول المستشرقة ( بول هنري بوردو ) : ( وأعجبت بتساهل هذا الشعب ( الدرزي ) وإرساله صغاره إلى المدارس المارونية ، وصلاته في الكنائس والجوامع على السواء ، حتى يلتبس على فلاحي لبنان الإِجابة لو سئلوا : هل الدروز نصارى أم مسلمون ؟ ! ) ([79]).
وجاء في كتاب ( لبنان في التاريخ ) للمؤرخ اللبناني فيليب حتى ما يلي عن علاقة الدروز بنصارى لبنان :
(( وقد دهش فولتي كونت وهو عالم فرنسي من شدة الشبه بين الدروز والموارنة من  ( المسيحيين ) في أساليب العيش ، وفي نظام الحكم .. وفي اللهجة وفي العادات وفي الآداب العامة فإن عائلات درزية ومارونية تعيش جنبا إلى جنب متصافية متوادة ، وأحيانا يصطحب الموارنة جيرانهم الدروز إلى الكنائس .
ويؤمن الدروز بفعل الماء المقدس الذي يصلي عليه الكاهن وأحيانا إذا ألح المبشر في تبشير الدرزي فقد يقبل الدرزي سر المعمودية . وقد لاحظ ماريتي الراهب الإيطالي الذي زار البلاد سنة 1760 م قبل مجيء فولتي بقليل : أن الدروز يظهرون خالص الود والاحترام للنصارى ويحترمون دينهم ، والدرزي يصلي في كنيسة للروم الأرثوذكس كما يصلي في مسجد تركي .
ويقول فريدرك بلس : أن الدروز لكي يتخلصوا من الخدمة العسكرية التركية كانوا يعلنون أنهم بروتستانت . ويؤكد ضابط فرنسي كان مقر خدمته حوران : أن العائلات الدرزية الأرستقراطية إذا فقدت طفلا أو أكثر يعمدون الطفل الذي يولد بعده ، وقد عمد الابن الثاني لسلطان الأطرش سنة 1924 م ، وقد تكون ممارسة هذا التقاليد نوعا من التقية ، وليس بمستغرب أن يتبرع درزي يقطن قرية أكثر سكانها من النصارى بالمال لكنيسة القرية ) ([80]).
3 – موقفهم من طائفة النصيرية :
طائفة الدروز تعيش في مناطق قريبة لمناطق تواجد طائفته النصيرية ، ومن الطبيعي أن يقوم النزاع بينهما ، وخاصة بسبب الاختلاف الرئيسي في العقيدة ، فالدروز يؤلهون الحاكم بأمر الله ، بينما النصيرية يؤلهون علي بن أبي طالب .
ومع أن الخلاف قد اشتد بين الطائفتين في بعض الأحيان ، فإنه لم يصل إلى أيدينا شيء عن هذا ، غير رسالة ألفها حمزة بن علي يرد فيها على عقائد النصيري لعنه المولى في كل كور ودور ) .
وواضح مما ورد في هذه الرسالة أن حمزة كان يردّ على كتاب أَلَّفَه النصيري اسمه ( كتاب الحقائق وكشف المحجوب ) والموجه ضد ديانة الدروز ، والذي يحاول فيه النصيري أن يقرب بين الدروز والنصيرية ، مستعينا بما كتبه حمزة لإثبات أن مذهب الدروز هو بعينه مذهب النصيرية ، مما أغضب حمزة وجعله يقول في الرسالة :
(( إن من قبل كتابه عبد ابليس ، واعتقد التناسخ ([81])، وحلل الفروج ، واستحل الكذب والبهتان ... وحاشا دين مولانا جل وعز من المنكرات ، وحاشا الموحدين من الفاحشات )) .
ويأتي حمزة بعد ذلك على الأقوال والعقائد التي يقول بها النصيري ويرد عليها ، وأول العقائد التي يرد بها حمزة على النصيري : ( أن جميع ما حرموه من القتل والسرقة والكذب والبهتان والزنا واللياطة فهو مطلق للعارف والعارفة بمولانا جل ذكره ) ويرد حمزة على هذا فيقول أنه ( كذب بالتنزيل والتأويل ) .
وأما قوله – أي النصيري - : أنه يجب على المؤمن ألا يمانع أخاه من ماله ولا جاهه ، وأن يظهر لأخيه المؤمن عياله ولا يعترض عليهم فيما يتجري بينهم ، وإلا فما يتم إيمانه ) . فيرد عليه حمزة بقوله :
(( فقد كذب لعنه الله وسرق الأول من مجالس الحكمة ([82])بقوله : لا يمنع أخاه من ماله ولا من جاهه ... وإلا فمن لا يغار على عياله فليس بمؤمن ، بل هو خرمي طالب الراحة والإباحة ... إذ كان الجماع ليس هو من الدين ولا ينتسب إلى التوحيد ، إلا أن يكون جماع الحقيقة ، وهو المفاتحة بالحكمة بعد أن يكون مطلقا للكلام )) .
وأما قوله – أي النصيري - : بأنه يجب على المؤمنة ألا تمنع أخاها فرجها ، وأن تبذل فرجها له مباحا حيث شاء ، وأن لا يتم نكاح الباطن إلا بنكاح الظاهر ، ونسبه إلى توحيد مولانا جل ذكره ، فقد كذب على مولانا عز اسمه ، وأشرك به ، وألحد فيه ... وأما وسائط مولانا جل ذكره ، فما منهم أحد طلب من النساء مناكحة الظاهر ، ولا ذكر بأنه لا يتم لكن ما تسمعنه إلا بملامسة الظاهر ، فعلمنا بأنه لم يكن لهذا الفاسق النصيري لا ينفسد أبدا ، لكنه طلب الشهوة البهيمية التي لا ينتفع بها في الدين ولا الدنيا ) .
وأما قوله : الويل كل الويل على مؤمنة تمنع أخاها فرجها ، لأن الفرج مثل أئمة الكفر ، والإ حليل إذا دخل فرج الامرأة دليل على الباطن ، وممثوله على مكاسرة أهل الظاهر وأئمة الكفر ... ومن عرف الباطن فقد رفع عنه الظاهر ، فقد كذب على دين مولانا وحرف وأغوى المؤمنين وأفسد المؤمنات الصالحات ، وليس كل من عرف باطن الشيء وجب عليه ترك ظاهره ، وكل رجل ينكح امرأة مؤمنة بغير الشروط التي تجب عليه في الحقيقة والشريعة الروحانية كان منافقا على مولانا جل ذكره ، إذ كان فيه هتك الدين وهدم التوحيد ، ومن كانت لها بعل فلا شروط لها إلا لبعلها )) .
ويرد حمزة أيضا على النصيري في قضية التناسخ التي يختلفون بها ويقول : ( وأما قوله بأن أرواح النواصب والأضداد ترجع في الكلاب والقردة والخنازير إلى أن ترجع في الحديد ، وتحمى وتضرب بالمطرقة ، وبعضهم في الطير والبوم ، وبعضهم ترجع إلى الامرأة التي تثكل ولدها ، فقد كذب على مولانا سبحانه بأن يعصيه رجل عاقل لبيب فيعاقبه في صورة كلب أو خنزير ، وهم لا يعقلون ما كانوا عليه في الصورة البشرية ، ولا يعرفون ما جنوه ، ويصير حديدا ويحمى ويضرب بالمطرقة ، فأين تكون الحكمة في ذلك والعدل فيهم ؟!
وإنما تكون الحكمة في عذاب رجل يفهم ويعرف العذاب ليكون مأدبة لها وسببا لتوبته . وأما العذاب الواقع بالإنسان فهو نقلته من درجة عالية إلى درجة دونها في الدين وقلة معيشته وعمى قلبه في دينه ودنياه ، وكذلك نقلته من قميص إلى قميص على هذا الترتيب ، وكذلك الجزاء في الثواب مادام في قميصه فهو زيادة درجته في العلوم ، وارتقائه من درجة إلى درجة في اللهوات إلى أن يبلغ إلى حد المكاسرة ، ويزيد في ماله وينبسط في الدين من درجة إلى درجة إلى أن يبلغ إلى حد الإمامة ، فهذه أرواح الباطنية وثوابها ، وما تقدم أرواح الأضداد وعقابها ، فمن اعتقد هذا كان عالما بتوحيد مولانا جل ذكره ... ومن اعتقد التناسخ مثل النصيرية المعنوية ، في علي بن أبي طالب وعبده فقد خسر الدنيا والآخرة , ذلك هو الخسران المبين .
وهنا يأتي حمزة إلى النقطة الحاسمة في الخلاف ، وهو اختلافهم في ألوهية الحاكم – كما يقول الدروز - ، وألوهية علي بن أبي طالب كما يقول النصيرية ، فيقول حمزة : ( ثم إنه إذا ذكر عليا – أي النصيري – يقول : علينا سلامه ورحمته ، وإذا ذكر مولانا جل ذكره يقول : علينا سلامه ، فيطلب الرحمة من المفقود المعدوم ، ويجحد الموجود الحاكم بذاته المنفرد عن مبدعاته ، ولا يكون في الكفر أعظم من هذا ، فصح عند العارف بأن الشرك الذي لا يغفر أبدا هو بأن يشرك بين علي بن أبي طالب وبين مولانا جل ذكره ، ويقول علي مولانا الموجود ، ومولانا هو علي لا فرق بينهما ، والكفر ما اعتقده هذا الفاسق من العبادة في علي بن أبي طالب والجحود لمولانا جل ذكره ) .
وأما قوله بأن محمد بن عبد الله هو الحجاب الأعظم الذي ظهر لمولانا الحاكم منه ، ومن لم يسدق بهذا الكتاب فهو من أصحاب هامان والشيطان وإبليس ... فقد كذب في جميع ما قاله المنجوس النصيري ، فما عرف الدين ولا الحجاب ، ومحمد كان حجاب علي بن أبي طالب ، وأما حجاب مولانا جل ذكره فلا ، وهذا قول من عقله سخيف ، ودينه ضعيف ، والحجاب هو سترة الشيء ليس إظهاره ، والذي أظهر المولى جل اسمه نفسه منه كيف يشاء بلا اعتراض عليه يقال له حجة القائم ، وهو المهدي ، وبه دعا الخلق بنفسه إلى نفسه ، وباشر العبيد بالصورة المرئية ومخاطبة البشرية ، وكنه مولانا لا تدركه الأوهام والخواطر ) .
بعد هذا الرد من حمزة على النصيري ، نورد نصا غريبا على طريقة السؤال والجواب ، يفيد أن النصيرية فرقة من فرق الدروز ، وانفصلت عنها ، مع أن هذا لم يؤيده أي مصدر تاريخي أو أي مصدر من مصادر الدروز والنصيرية ، والنص كان كما يلي :
س : وكيف انفصلت النصيرية عن الموحدين ، وخرجوا عن دين التوحيد ؟
ج : انفصلوا بدعوة النصيري لهم حيث زعموا أنه عبد مولانا أمير المؤمنين ، وأنكر لاهوت مولانا الحاكم ، واعترف بلاهوت علي بن أبي طالب الأساس ، وقال إن اللاهوت ظهر في الأئمة الإثني عشر آل البيت . وغاب بعد أن ظهر في محمد المهدي القائم ، واختفى في السماء ولبس الحلة الزرقاء وسكن الشمس ، وأن النصيرية كلما صفى منهم واحد بطريق الانتقال في الأدوار رجعت العالم ولبس ثوب البشرية بعد الصفا يرجع يصير نجما في السماء وهو مركزه الأول . وإن عمل معصية تخالف الوصية علي أمير المؤمنين الرب الأعلى يعد يهوديا أو مسلما سنيا أو نصرانيا ، ثم يتكرر إلى أن يصير مثل الفضة في الروباص ، ويرجع يصير نجما في السماء ، وإن الكفرة الذين ما عبدوا عليا بن أبي طالبا كلهم يصيرون جمالا وبغالا وحميرا وكلابا وخرفانا للذبح وأمثال ذلك لكن الوقت إلى شرحها ضيق ، وخاصة انتقال نفوس البشر إلى البهائم والحيوانات ، ولهم مناقب وكتب كفرية مثل ذلك ) ([83]).
ولأهمية علاقة الدروز بالنصيرية والتقائهما في كثير من العقائد ، نورد نص ما جاء في مخطوطة ( في تقسيم جبل لبنان ) عن العقائد المتشابهة بين النصيرية والدروز :
1 – قضية التناسخ : بانتقال أرواح من مات منهم إلى جسم آخر ، ولكن الدروز يقتصرون على انتقال الأرواح من الإنسان إلى الإنسان فقط ، حتى أنهم يزعمون أن روح الدرزي لا تنتقل لجسد غير درزي ، وهكذا المسلم ينتقل إلى مسلم ، والنصراني إلى نصراني وهلم جرّا .
وإذا تنصر واحد منهم مثلا ومات نصرانيا ، وأسلم ومات مسلما ، فلابد أن تكون والدته قد جاءت به من الزنا مع رجل مسلم أو نصراني أو يهودي ، بحسب الملة التي انتقل إليها ذلك الرجل أنه لابد من بقاء أنفس كل ملة على مقدار ما هي عليه ، وهكذا لو أن نصرانيًا مثلا اطلع على دين الدروز واعتقده وعمل بموجبه ومات على ذلك فترجع روحه إلى ملته القديمة لأن الباب قد قفل بعد ظهور الحاكم بأمره وآمن من آمن ، وكفر من كفر وانقطع الأمل ولم يبق وجه لدخول أحد في دينهم .
وأما النصيرية فيعتقدون بانتقال الأرواح من البشر إلى البهائم والحشرات حتى من الممكن انتقال روح أحدهم إلى المعادن كالحديد مثلا لكي تحمى بالنار ويتطرق بالمراذب على السدان ، وذلك لأجل القصاص ، ثم ترجع تلك الروح ثانية إلى البشر ولا تزال تتكرر حتى تتطهر وحينئذ تصير تلك الروح نجمة تلمع في السماء ، وأن الكواكب هي أرواح الصلحاء الذين ماتوا منهم .
2 – قضية العاقل والجاهل : فالعقال يسترون دينهم عن الجهال منهم وإذا أراد أحد الجهال أن يدخل في أمور الديانة ، فلا يسلمون الديانة إلا بالتدريج بعد أن يتتلمذ إلى أحد مشايخ دينهم ويتخذه والدا دينيا له .
3 – يتفقون معهم باستباحة وقتل وسلب من يخالف معتقدهم .
4 – يتفقون معهم بقدمية زمان إيجاد العالم ، وأن العالم قد خلق على ما هو عليه الآن لا يزيد ولا ينقص .
5 – يتفقون معهم بقضية الأدوار والأئمة والناطق والأساس والسابق والتالي ، ولكن يختلفون في صفات أصحاب الأدوار ، فالبعض من هؤلاء الأشخاص يكرمونهم بأكثر مما يكرمهم الدروز ، ويكرمون بعض الأشخاص الممقوتين من الدروز كمحمد وعلي وعيسى وبطرس وموسى ويوشع وإبراهيم وإسماعيل ونوح وسام وآدم وهابيل ثم شيت .
6 – وهم يعتقدون بالقرآن ويفسرونه على ما يطابق معتقداتهم التي هي مؤلَّفة من جملة معتقدات مختلفة ) ([84]).
ونستنتج من هذا أن نقطة الخلاف الرئيسية بين الدروز والنصيرية هي ألوهية الحاكم عند الدروز ، وألوهية علي عند النصرانية ، أما بقية العقائد فقد يلتقون في شيء منها ، ويختلفون في شيء آخر منها ، كما هو في عقيدة التناسخ ، فالدروز يصورونها على أنها تقمص من جسد انسان إلى جسد إنسان آخر ، بينما النصيرية يجيزون أن تتحول النفس الإنسانية إلى حيوان أو نبات أو جماد .

الخاتمة
وأخيرا ، وبعد أن أجملنا في هذه الرسالة معظم عقائد الدروز ، وما تقوم عليه ديانتهم ، مستندين في ذلك إلى مراجع متعددة كتبت بأقلام كتاب مختلفين من الدروز وغيرهم ، وأيضًا إلى مخطوطات دعاتهم ، والتي أوضحت بشكل جلي حقيقة عقيدتهم .
أقول بعد هذا : فإنه لا يزال بين من كتبوا عن الدروز إلى الآن – وبعد كل هذا الوضوح – من يعتبرهم مسلمين مرتبطين بالإسلام والمسلمين ، مثل الشيخ محمد علي الزعبي صاحب كتاب ( الدروز ظاهرهم وباطنهم ) الذي انطلق في كتابته عن نية طيبة في عودة الدروز إلى الأصل الذي انفصلوا عنه وهو الإِسلام ، ولكن أما كان يغنيه أن يكتب هذا الكلام عن الدروز في فلسطين حيث يقول :
(( لم يتعاون ولن يتعاون ، هؤلاء العرب المغاوير ، مع تلك العصابة ، إذ بروز نيوب الأسد ، لا يعني تبسمه ورضاه ، بل تحضره لافتراس من حاول ايقاع الأذى ... إن موحدي فلسطين ، يراقبون ساعة الزمن ، التي تسجل على صهيون ، نكثه وغدره ... ان ابن عمنا ، النائب في مجلس اسرائيل ، سيف الدين الزعبي ، هو هدم الآن ، من كيان إسرائيل كذا وكذا ، لكن بيد ناعمة ، وليهد من إذا واتاه الرياح ، من هذا الكيان أكثر مما هدم البطل المجاهد الشيخ نايف الزعبي ... إنهم لا شغل لهم إلا أن ينتظروا أن تدور الدوائر على اليهود ، حتى ينتفضوا عليهم ، ويقضوا مضاجعهم ، ويكونوا للعرب وللمسلمين معينا وسندا متينا ) ([85]).
وسامح الله الشيخ الزعبي ، فكأني به لم يسمع أبدا عن الدروز العاملين في جيش الدفاع الإسرائيلي ، وعن بلائهم معه في حروبه ضد المسلمين وعن معاملتهم للمسلمين من سكان فلسطين ؟!
وكذلك نجد من المؤلفين من يقف موقف الحيران أمام هذه الحقائق ، كالدكتور مصطفى الشكعة ، والذي لم يستطع أن يحدد موقفا من الدروز فيقول : ( لقد لاحظت أن كل طفل درزي إذا سئل عن دينه قال : أنه درزي ؟ فإذا قيل له : يعني مسلم ، أبدى استغرابا شديدا ، وكأنه ليس ثمة علاقات تربط بينه وبين الإِسلام ؟ ) ([86]).
وكأني بالدكتور الشكعة لا يزال يربط بين الدرزية والإِسلام ؟
لهذا أقول : إن النتيجة التي يخرج بها الباحث في المذهب الدرزي ، أن هذا المذهب لا صلة له بالإِسلام والمسلمين مطلقا ، وأن كل مزاعم أتباع هذا المذهب عن إسلاميتهم لم يكن إلا تسترا ونفاقا أمام المسلمين ، فالسرية والكتمان عقيدة واجبة عندهم ، فهؤلاء – كما يقول الشيخ محمد أبو زهرة : ( قد خلعوا ربقة الإِسلام ، وأطرحوا معانيه ، ولم يبقوا لأنفسهم إلا الاسم يتسترون به عن حقيقتهم ) ([87]).
وهذا الشيء قد عرفه علماء الإٍسلام عن الدروز منذ زمن ظهورهم ، ولم يعاملهم أهل الإِسلام إلا على هذا الأساس ، قال ابن عابدين في حاشيته عن حكم القاضى الدرزي : ( ظهر من كلامهم حكم القاضي المنصوب في بلاد الدروز في القطر الشامي ويكون درزيا ويكون نصرانيا ، فكل منهما لا يصح حكمه على المسلمين ، فإن الدرزي لا ملة له كالمنافق والزنديق وإن سمى نفسه مسلمًا ، وقد أفتى في ( الخيرية ) بأنه لا تقبل شهادته على المسلم ) ([88]).
وعن شهادة الدرزي يقول أيضا في تكملة حاشية ابن عابدين : ( واختلفوا في شهادة مرتد على مثله ، والأصح عدم قبولها بحال ... ويلحق به الدرزي كما أفتى به الخير الرملي ، والعلامة علي أفندي المراددي في رسالة ( أقوال الأئمة العالنة في أحكام الدروز والتيامنة ) قال العلامة السيد محمود أفندي حمزة مفتي دمشق في فتواه في جواب سؤال رفع إليه في شهادة أهل الأهواء المكفرة هل تقبل على بعضهم سواء كانوا متفقين في الاعتقاد أم مختلفين ، وسواء كانوا أهل كتاب أم لا ؟
فكتب حفظه الله تعالى جوابا حاصله ، بعد ذكر النقول والتفصيل : وأما شهادة الكفار الذين لا يقرون ما هم عليه من العقيدة كأهل الأهواء المكفرة والمنافقين والباطنية والزنادقة والمجوس والدروز والتيامنة والنصيرية والمرتدين فلا تقبل شهادتهم على أحد سواء كان مثلهم في الاعتقاد أو مخالفا لهم لعدم ولايتهم ) ([89]).
وفي النصف الأول من شهر آب عام 1973 ، وقع في جبل الدروز في سوريا طلاق ما بين سني وسنية من سكانه ، وطلب محامي الزوج شهودا من الدروز ، فرفض قاضي الشرع وعلل الرفض بقوله : لا يحق لدرزي أن يشهد في قضية سني على اعتبار أن الدروز ليسوا إسلاما ) ([90]) .
وكذلك وجه السؤال التالي إلى رئيس المحكمة الشرعية العليا – في سورية الشيخ محمد علي الأنيس : ما قول السادة الفقهاء في رجل مسلم وتوفي وترك أخا درزيا وابن أخ مسلما ( سنيا ) ، فهل يمنع الأخ الدرزي من إرث أخيه المسلم ، أو يعود إرث هذا المتوفي لابن أخيه المسلم لتباين العقائد بين الدروز والمسلمين في أساس الإرث ؟
وكان جوابه : نعم إن الوارث شرعا لهذا المتوفي والحال ما ذكر هو ابن أخيه المسلم ، أما أخوه الدرزي فهو ممنوع من الإرث ، لأن الدرزي بالنظر لعقائدهم الدينية المخالفة للعقائد الإسلامية لا توارث بينهم وبين المسلمين ) ([91]).
وكان شيخ الإِسلام ابن تيمية أكثر وضوحا وبيانا عندما سئل رحمه الله عن الدروز والنصيرية حيث أجاب : ( هؤلاء الدرزية والنصيرية كفار باتفاق المسلمين لا يحل أكل ذبائحهم ، ولا نكاح نسائهم ، بل ولا يقرون بالجزية فإنهم مرتدون عن دين الإِسلام ، ليسوا مسلمين ، ولا يهود ، ولا نصارى ولا يقرون بوجوب الصلوات الخمس ، ولا يوجب صوم رمضان ، ولا وجوب الحج ، ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الميتة والخمر وغيرهما وإن اظهروا الشهادتين مع هذه العقائد فهم كفار باتفاق المسلمين ... والدرزية هم أتباع هشتكين الدرزي ، وكان من موالي الحاكم أرسله إلى أهل وادي تيم الله بن ثعلبة ، فدعاهم إلى إلاهية الحاكم ويسمونه الباري العلام ، ويحلفون به ، وهم من الإسماعيلية القائلين بأن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبد الله ، وهم أعظم كفرا من الغالية ، يقولون بقدم العالم ، وإنكار المعاد ، وإنكار واجباب الإِسلام ومحرماته ، وهم من القرامطة الباطنية ، الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب ، وغايتهم أن يكونوا فلاسفة على مذهب أرسطو وأمثاله ، أو مجوسا ، وقولهم مركب من قول الفلاسفة والمجوس ويظهرون التشيع نفاقا ... وكفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون ، بل من شك في كفرهم فهو كافر مثلهم ، لا هم بمنزلة أهل الكتاب ولا المشركين ، بل هم الكفرة الضالون فلا يباح أكل طعامهم ، وتسبى نساؤهم ، وتؤخذ أموالهم ، فإنهم زنادقة مرتدون لا تقبل توبتهم ، بل يقتلون أينما ثقفوا ، ويلعنون كما وصفوا ، ولا يجوز استخدامهم للحراسة والبوابة والحفاظ ، ويجب قتل علمائهم وصلحائهم لئلا يضلوا غيرهم ، ويحرم النوم معهم في بيوتهم ، ورفقتهم ، والمشي معهم ، وتشييع جنائزهم إذا علموا موتها ، ويحرم على ولاة أمور المسلمين إضاعة أمر الله من إقامة الحدود عليهم بأي شيء يراه المقيم ولا المقام عليه ) ([92]).
ويتحدث بتفصيل أكثر عن حكم معاملتهم فيقول : ( ولا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين ، ولا يصلي على من مات منهم ، فإن الله سبحانه وتعالى نهى نبيه ^ عن الصلاة على المنافقين كعبد الله بن أبي ونحوه ، وكانوا يتظاهرون بالصلاة والزكاة والصيام والجهاد مع المسلمين ولا يظهرون مقالة تخالف دين الإِسلام ، لكن يسرون ذلك ... فكيف بهؤلاء الذين هم مع الزندقة والنفاق يظهرون الكفر والإِلحاد .
وأما استخدام مثل هؤلاء في ثغور المسلمين أو حصونهم أو جندهم فإنه من الكبائر ، وهو بمنزلة من يستخدم الذئاب لرعي الغنم ، فإنهم أغش الناس للمسلمين ولولاة أمورهم ، وهم أحرص الناس على فساد المملكة والدولة ... وعلى تسليم الحصون إلى عدو المسلمين ، وعلى إفساد الجند على ولي الأمر وإخراجهم عن طاعته ، والواجب على ولاة الأمور قطعهم من دواوين المقاتلة فلا يتركون في ثغر ، ولا في غير ثغر ، فإن ضررهم في الثغر أشد .
وإذا أظهروا التوبة ففي قبولها منهم نزاع بين العلماء ، فمن قبل توبتهم إذا التزموا شريعة الإِسلام أقر أموالهم عليهم ، ومن لم يقبلها لم تنقل إلى ورثتهم من جنسهم ، فإن مالهم يكون فيئا لبيت المال ، لكن هؤلاء إذا أخذوا فإنهم يظهرون التوبة ، لأن أصل مذهبهم التقية وكتمان أمرهم ، وفيهم من يعرف ، وفيهم من قد لا يعرف ، فالطريق في ذلك أن يحتاط في أمرهم ، فلا يتركون مجتمعين ، ولا يمكنون من حمل السلاح ، ولا أن يكونوا من المقاتلة ، ويلزمون في شرائع الإِسلام ، من الصلوات الخمس ، وقراءة القرآن ، ويترك بينهم من يعلمهم دين الإِسلام ...
ولا ريب أن جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكثر الواجبات ، وهو أفضل من جهاد من لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب ، فإن جهاد هؤلاء من جنس جهاد المرتدين ، والصديق وسائر الصحابة بدأوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب ، فإن جهاد هؤلاء حفظ لما فتح من بلاد المسلمين .
ويجب على كل مسلم أن يقوم في ذلك بحسب ما يقدر عليه من الواجب . فلا يحل لأحد أن يكتم ما يعرفه من أخبارهم ، بل يفشيها ويظهرها ليعرف المسلمون حقيقة حالهم ... والمعاون في كف شرهم وهدايتهم بحسب الإمكان له من الأجر والثواب ما لا يعلمه إلا الله تعالى ، فإن المقصود بالقصد الأول هو هدايتهم ) ([93]).
وقد طبق ابن تيمية ذلك عمليا ، وكان من السباقين لمقاتلة هؤلاء ، يروي ابن كثير في تاريخه عن حوادث سنة 699 هـ ما يلي : ( وفي يوم الجمعة العشرين من شوال ركب نائب السلطنة جمال الدين آقوش الأفرم في جيش دمشق إلى جبال الجرد وكسروان ، وخرج الشيخ تقي الدين بن تيمية ومعه خلق كثير من المتطوعة والحوارنة لقتال أهل تلك الناحية ، بسبب فساد نيتهم وعقائدهم وكفرهم وضلالهم ، وما كانوا عاملوا به العساكر لما كسرهم التتر وهربوا حين اجتازوا ببلاد لهم ، وثبوا عليها ونهبوهم وأخذوا أسلحتهم وخيولهم ، وقتلوا كثيرا منهم ، فلما وصلوا إلى بلادهم جاء رؤساؤهم إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية فاستتابهم وبين للكثير منهم الصواب وحصل بذلك خير كثير ، وانتصار كبير على أولئك المفسدين ، والتزموا برد ما كانوا أخذوه من أموال الجيش ، وقرر عليهم أموالا كثيرة يحملونها إلى بيت المال ، وأقطعت أراضيهم وضياعهم ، ولم يكونوا قبل ذلك يدخلون في طاعة الجند ولا يلتزمون أحكام الملة ، ولا يدينون دين الحق ، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ... وفي سنة 704 هـ عاد ابن تيمية رحمه الله إلى مقاتلة هؤلاء ومعه جماعة من أصحابه إلى جبل الجرد والكسروانيين ومعه نقيب الأشراف ورجع مؤيدا ناصرا ) ([94]).
وفي فضائح الباطنية يتحدث أبو حامد الغزالي عن ارتداد الباطنية جميعا ، وعن حكمهم ، وحكم توبتهم ، فيقول :
(( والقول الوجيز فيه أنه يسلك بهم مسلك المرتدين ، في النظر إلى الدم والمال والنكاح والذبيحة ونفوذ الأقضية وقضاء العبادات ... فإن قيل : ولماذا حكمتم بإلحاقهم بالمرتدين ، والمرتد من التزم بالدين الحق وتطوقه ثم نزع عنه مرتدا ومنكرا له ، وهؤلاء لم يلزموا الحق قط ، بل وقع نشوؤهم على هذا المعتقد – فهلا ألحقتموهم بالكافر الأصلي - ؟ قلنا : ما ذكرناه واضح في الذين انتحلوا أديانهم وتحولوا إليها معتقدين لها بعد اعتقاد نقيضها أو بعد الانفكاك عنها . وأما الذين نشأوا على هذا المعتقد سماعا من آبائهم فهم أولاد المرتدين ، لأن آبائهم وآباء آبائهم لابد أن يفرض في حقهم تنحل هذا الدين بعد الانفكاك عنه ، فإنه ليس معتقدا يستند إلى نبي وكتاب منزل كاعتقاد اليهود والنصارى ، بل هي البدع المحدثة من جهة طوائف من الملحدة والزنادقة في هذه الأعصار القريبة المتراخية ، وحكم الزنديق أيضا حكم المرتد لا يفارقه في شيء أصلا ... وقد ألحقنا هؤلاء بالمرتدين في سائر الأحكام ، وقبول التوبة من المرتد لابد منه ، بل الأولى ألا يبادر إلى قتله إلا بعد استتابته وعرض الإِسلام عليه وترغيبه فيه . وأما توبة الباطنية وكل زنديق مستتر بالكفر يرى التقية دينا ، ويعتقد النفاق واطهار خلاف المعتقد عند استشعار الخوف حقا ، ففي هذا خلاف بين العلماء . ذهب ذاهبون إلى قبولها ، لقوله ^ ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ) ([95])، ولأن الشرع إنما بني الدين على الظاهر فنحن لا نحكم إلا بالظاهر والله يتولى السرائر ...
وذهب ذاهبون إلى أنه لا تقبل توبته ، وزعموا أن هذا الباب لو فتح لم يكن حسم مادتهم وقمع غائلتهم ، فإن من سر عقيدتهم التدين بالتقية والاستسرار بالكفر عند استشعار الخوف . فلو سلكنا هذا المسلك لم يعجزوا عن النطق بكلمة الحق وإظهار التوبة عند الظفر بهم ، فيلهجون بذلك مظهرين ويستهزئون بأهل الحق مضمرين ... ولكن أبو حامد الغزالي يقسم هؤلاء إلى ثلاثة أقسام :
الحالة الأولى : أن يتسارع إلى إظهار التوبة واحد منهم من غير قتال ولا إرهاق واضطرار ، ولكن على سبيل الإيثار والاختيار متبرعا به ابتداء من غير خوف ، واستشعار هذا ينبغي أن يقطع بقبول توبته ...
الحالة الثانية : الذي يسلم تحت ظلال السيوف ، ولكنه من جملة عوامهم وجهالهم ، لا من جملة دعاتهم وضلالهم ، فهذا أيضا تقبل توبته ، فمن لم يكن مترشحا للدعوة فضرر كفره مقصور عليه في نفسه ...
الحالة الثالثة : أن نظفر بواحد من دعاتهم ممن يعرف منه أنه يعتقد بطلان مذهبه ، ولكنه ينتحله غير معتقد له ليتوصل إلى استمالة الخلق وصرف وجوههم إلى نفسه ، طلبا للرياسة وطمعا في حطام الدنيا – هذا هو الذي يتقى شره . والأمر فيه منوط برأي الإِمام ليلاحظ قرائن أحواله ويتفرس من ظاهره في باطنه ، ويستبين أن ما ذكره يكون إذعانا للحق واعترافا به بعد التحقق والكشف ، أو هو نفاق وتقية ، وفي قرائن الأحوال ما يدل عليه . والأولى ألا يوجب على الإِمام قتله لا محالة ولا أن يحرم قتله ، بل يفوض إلى اجتهاده ) ([96]).
وواضح بعد هذا أن هؤلاء القوم مرتدون عن الإِسلام ، لتركهم عبادة الله تعالى ، وإنكارهم فرائض الإِسلام ، ولكن لابد لنا بعد هذا من أن نطالب بأن يعمل على نشر الإِسلام بين صفوف الدروز ، وأن يحال بينهم وبين مشايخهم أو عقالهم ، الذين لا يزالون يصرون على هذه الضلالات السخيفة المهينة للعقل الإِنساني ، فتزول بذلك الغشاوة عن الأعين ، وفي ذلك يقول الشيخ محمد رشيد رضا .
(( والجدل معهم عبث ، فإنه لا قانون في دينهم للاستدلال ... على أن العارفين بالدين منهم قليلون وهم الذين يدعونهم العقال ، وقد رأينا من المتعلمين على الطريقة العصرية ، ومن أهل البصيرة النباهة من يتمنون نشر التعاليم الإِسلامية في قومهم ، ولو وجد للمسلمين نهضة للتعليم ورقي في العلم والاجتماع لسهل عليهم جذب معظم هذه الطائفة في زمن يسير ) ([97]).
وفي نهاية هذا البحث ، أرجو الله أن أكون قد وفقت في عرضي لعقيدة الدروز ، والتي لم يكن قصدي منها إلا بيان الحقيقة ، عن قوم لا يزالون للآن يعيشون بين ظهراني المسلمين ، ويعتبرهم الكثير من أهل الإِسلام ، مسلمين بسبب الجهل في حقيقتهم ، وأيضا بسبب كتمانهم وتسترهم على عقيدتهم ، وإظهار أنفسهم كأنهم مذهب من مذاهب الإِسلام ، لذا رأيت من واجبي أن أظهر حقيقة هؤلاء أمام المسلمين ليتبين لنا الحق من الباطل .
راجيا الله أن يوفقنا جميعا إلى رؤية الحق حقا ، ويرزقنا اتباعه ، والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
*****

المراجع والمصادر
1.  ابن الأثير – علي                                                                                                الكامل في التاريخ / دار صادر – بيروت 1966 م .
2.  ابن تيمية – أحمد                                                                                                           فتاوي شيخ الإِسلام ابن تيمية – الرياض سنة 1381 هـ .
3.  ابن الجوزي – عبد الرحمن                                                                                            المنتظم في تاريخ الملوك والأمم / بيروت .
4.  ابن الجوزي – عبد الرحمن                                                                                            القرامطة / تحقيق محمد الصباغ – المكتب الإِسلامي – بيروت 1968 م
5.  ابن الجوزي – عبد الرحمن                                                                                            تلبيس إبليس / دار الكتب العلمية – بيروت .
6.  ابن تغرى بردى – يوسف                                                                                            النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة / وزارة الثقافة المصرية
7.  ابن حزم – علي بن أحمد                                                                                                الفصل في الملل والأهواء والنحل / دار المعرفة – بيروت .
8.  ابن عابدين                                                                                                                   حاشية ابن عابدين – دار إحياء التراث – بيروت .
9.  ابن خلكان                                                                                                                   وفيات الأعيان وأنباء أبناء زمان / دار صادر – بيروت 1968 م .
10.           ابن كثير – أبو الفداء                                                                                         البداية والنهاية – مكتبة المعارف – بيروت 1977 م .
11.           ابن منظور – أبو الفضل                                                                                               لسان العرب – دار صادر ودار بيروت – بيروت1956 م .
12.            أبو إسماعيل – سليم                                                                                                     الدروز – وجودهم ومذهبهم وتوطنهم .
13.            أبو زهرة – محمد                                                                                               المذاهب الإسلامية / مكتبة الآداب – القاهرة .
14.           أبو شقرا – يوسف :                                                                                         الحركات في لبنان إلى عهد المتصرفية / مطبعة الاتحاد – بيروت .
15.           أبو صالح – د . عباس أبو صالح ود . سامي مكارم                                          تاريخ الموحدين الدروز السياسي في المشرق العربي – منشورات المجلس الدرزي للبحوث والإِنماء .
16.           أبو مصلح – حافظ                                                                                           واقع الدروز – معتقداتهم ، خلواتهم ، أدباؤهم – المكتبة الحديثة / بيروت .
17.           أخوان الصفا                                                                                                    رسائل أخوان الصفا وخلان الوفاء / تحقيق خير الدين الزركلي / المكتبة التجارية بمصر 1928 م .
18.           الأطرش – فؤاد                                                                                               الدروز – مؤامرات وتاريخ وحقائق
19.           ابن العماد الحنبلي                                                                                               شذرات الذهب في أخبار من ذهب / المكتب التجاري – بيروت .
20.            بدوي – عبد الرحمن                                                                                         مذاهب الإِسلاميين / دار العلم للملايين – بيروت 1973 م .
21.            البغدادي – عبد القاهر                                                                                     الفرق بين الفرق / دار الآفاق الجديدة – بيروت 1978 م .
22.            البهي – محمد                                                                                                   الجانب الألهي في التفكير الإِسلامي / دار الكاتب العربي بالقاهرة 1967 م .
23.            بوردو – بول هنري                                                                                          أميرة بابلية لدى الدروز – تعريب ميشيل سليم كميدر – المطبعة العصرية بالفجالة بمصر 1931 م .
24.            البوطي – محمد سعيد رمضان                                                                           كبرى اليقينات الكونية / دار الفكر – بيروت 1388 هـ .
25.            البشبيشي – محمود                                                                                            الفرق الإسلامية / المكتبة التجارية بمصر 1932 م .
26.            تامر – عارف                                                                                                    القرامطة – دار مكتبة الحياة / بيروت .
27.            ثابت – كريم خليل                                                                                          الدروز والثورة السورية وسيرة سلطان باشا الأطرش .
28.            جمال الدين – محمد السعيد                                                                               دولة الإسماعيلية في إيران / مؤسسة سجل العرب بالقاهرة 1975 م .
29.            جنبلاط – كمال                                                                                                المصحف المنفرد بذاته – طبعة بيروت .
30.            جنبلاط – كمال                                                                                                هذه وصيتي – مؤسسة الوطن العربي / باريس 1978 م .
31.            جلي – د . أحمد محمد أحمد                                                                                 دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين ( الخوارج والشعية ) مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإِسلامية / الرياض 1986 م / 1406 هـ .
32.            الجندي – أنور                                                                                                  الإسلام والفلسفيات القديمة / دار الاعتصام بالقاهرة .
33.            الجندي – أنور                                                                                      المؤامرة على الإِسلام / دار الاعتصام بالقاهرة .
34.             حبنكة – عبد الرحمن حسن                                                                             العقيدة الإسلامية وأسسها / دار القلم – دمشق 1979 م .
35.            حتي – فيليب                                                                                                  لبنان في التاريخ – ترجمة الدكتور أنيس فريحة دار الثقافة – بيروت 1959 م .
36.            حسن – حسن إبراهيم وطه أحمد شرف                                                                        عبيد الله المهدي إمام الشيعة الإسماعيلية / مكتبة النضهة المصرية بالقاهرة 1947 م .
37.            حسن – حسن إبراهيم                                                                                                 تاريخ الإسلام السياسي والديني والاجتماعي / مكتبة النهضة المصرية .
38.            حسين – محمد كامل                                                                                         طائفة الإسماعيلية / مكتبة النهضة المصرية – القاهرة 1959 م .
39.            حسين – محمد كامل                                                                                         طائفة الدروز – تاريخها وعقائدها / دار المعارف بمصر 1962 م .
40.           الحلبي – رزق حسونة                                                                                      حسر اللثام عن الإسلام / مخطوط في الجامعة اليسوعية في بيروت رقم 697 / ويوجد شريط عنه في الجامعة الأردنية / مركز الوثائق والمخطوطات رقم 749 .
41.           الحموي – ياقوت                                                                                             معجم البلدان / دار صادر 1968 م بيروت .
42.            الحميري – محمد بن عبد المنعم                                                                          الروض المعطار في خبر الأقطار – تحقيق د . إحسان عباس / مكتبة لبنان 1975 م .
43.                       حوى – سعيد                                                                                                  الإسلام – بيروت .
44.           الخطيب – عبد الكريم                                                                                      الله – ذاتا وموضوعا / دار المعرفة – بيروت 1975 م .
45.           الخطيب – د . محمد أحمد                                                                                   الحركات الباطنية في العالم الإسلامي – عقائدها وحكم الإسلام فيها مكتبة الأقصى / عمان وعالم الكتب / الرياض 1404 هـ / 1984 م .
46.           دروز – رسائل                                                                                                 بعض رسائل الدروز / المطبوعة على استانسل ، وموجودة في مكتبة الشيخ علي آل ثاني في الدوحة بقطر رقم 758 .
47.           دروز – رسائل                                                                                                             بعض رسائل الدروز / المطبوعة على استانسل ، وموجودة في مكتبة الشيخ علي آل ثاني في الدوحة بقطر رقم 758 .
48.           دروز – رسائل                                                                                                             بعض رسائل الدروز ورد شيخ الإسلام وغيره عليهم / مخطوط في المكتبة السعودية بالرياض – مكتبة دار الإِفتاء – تحت رقم 252 / 86 .   
49.           دروز – رسائل                                                                                                             رسائل الدروز / مخطوطات في جامعة شيكاغو تحت الأرقام التالية 3736 ، 3740 ، 3741 ، 3744 ، 3745 – ويوجد أشرطة أفلام عنها في الجامعة الأردنية / مركز الوثائق والمخطوطات وأرقامها فيه على التوالي : 27 ، 29 .
50.           دروز – رسائل                                                                                                             رسائل الدروز / مخطوطات في جامعة برنستون – مجموعة جاريت ، تحت الأرقام التالية : 1618 ، 1614 ، ب 395 ، 1612 ، ويوجد أشرطة أفلام عنها في الجامعة الأردنية / مركز الوثائق والمخطوطات وأرقامها فيه على التوالي : 133 ، 132 ، 135 .
51.           دروز – رسائل                                                                                                             رسائل الدروز / مخطوطات في جامعة ييل – مجموعة سالزبوري ، تحت الأرقام التالية : 45 ، 14 ، 47 ، 46 – ومجموعة العربي تحت رقم : 64 ومجموعة لاندبيرخ تحت رقم 733 – ويوجد أشرطة أفلام عنها ف الجامعة الأردنية / مركز الوثائق والمخطوطات وأرقامها على التوالي : 1 ، 2 ، 19 .
52.            دروز – رسائل                                                                                                             رسائل الدروز / مخطوطات في جامعة أكسفورد – مجموعة بودلي – مكتبة بودليان ، تحت الأرقام التالية : 454 ، 398 ، ومجموعة مارتس تحت رقم : 221 ، ويوجد أشرطة أفلام عنها في الجامعة الأردنية / مركز الوثائق والمخطوطات وأرقامها على التوالي : 530 ، 562 ، 563 .
53.            دروز – رسائل                                                                                                             رسائل الدروز / مخطوط في جامعة كولومبيا – مجموعة سميث – تحت رقم 20 ، ويوجد شريط فيلم عنه في الجامعة الأردنية / مركز الوثائق والمخطوطات تحت رقم 411 .
54.           دروز – رسائل                                                                                                             رسائل الدروز / مخطوطتان في الجامعة الأمريكية ببيروت – مكتبة القديس بولس ، تحت الأرقام التالية : 205 ، 1 ، ويوجد شريطي فيلم عنهما في الجامعة الأردنية / مركز الوثائق والمخطوطات تحت الرقمين التاليين .                                                                  715 ، 718 .
55.           دروز – مصحف الدروز :                                                                                مخطوط في مكتبة أحد الأشخاص ببيروت .
56.           الدسوقي – عمر                                                                                               أخوان الصفاء / دار إحياء الكتب العربية / القاهرة 1947 م .
57.                      دعاء – سيدنا الشيخ الفاضل                                                                            دعاء سيدنا الشيخ الفاضل ، من أدعية الدروز ، ويوجد مخطوط يد عنه في مكتبة أحد الأشخاص ببيروت مع مجموعة رسائل للدروز .
58.           الرازي – فخر الدين                                                                                        اعتقادات فرق المسلمين والمشركين / مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة 1938 م .
59.           رضا – محمد رشيد                                                                                           فتاوي الإمام محمد رشيد رضا – تحقيق د . صلاح الدين المنجد دار الكتاب الجديد – بيروت 1970 م .
60.           الزركلي – خير الدين                                                                                        الأعلام – قاموس وتراجم / الطبعة الثالثة .
61.           الزعبي – محمد علي الزعبي                                                                               الدروز – ظاهرهم وباطنهم .
62.            الزعبي – محمد علي الزعبي وعلي ريعور                                                                        البوذية وتأثيرها في الفكر والفرق الإسلامية المتطرفة قدم له كمال جنبلاط مطبعة الإنصاف – بيروت 1964 م .
63.            السيوطي – جلال الدين                                                                                              حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة – دار إحياء الكتب العربي القاهرة 1967 م . 
64.           شاكر – محمود                                                                                                  القرامطة – المكتب الإسلامي – بيروت 1979 م . 
65.           الشكعة – مصطفى                                                                                           إسلام بلا مذاهب / الدار المصرية للطباعة – بيروت .
66.           شلبي – أحمد                                                                                                    التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية / مكتبة النهضة المصرية – القاهرة
67.           الشنتاوي – أحمد ورفاقه ( ترجمة )                                                                    دائرة المعارف الإسلامية / وزارة المعارف العمومية – القاهرة .
68.           الشهرستاني – محمد                                                                                          الملل والنحل – دار المعرفة – بيروت .
69.           صالح – حسن عبد الحميد                                                                               أبو الطاهر السلفي / المكتب الإسلامي – بيروت .
70.           الصغير – سعيد                                                                                                            بنو معروف ( الدروز ) في التاريخ / مطبعة الاتقان – بيروت 1374 هـ
71.           طليع – أمين                                                                                                     أصل الموحدي