آخر تحديث للموقع :

الثلاثاء 16 صفر 1441هـ الموافق:15 أكتوبر 2019م 10:10:56 بتوقيت مكة
   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

صورتان متضادتان عند أهل السنة والشيعة الإمامية ..
الكاتب : علي الحسني الندوي
كلمة عن الكتاب:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد: فإن هذا الكتاب الذي بين يدي القراء ليس كتاب جدلٍ كلامي وعقائدي أو مناظرة دينية، يثبت مذهباً دينياً خاصاً، وينتصر لمدرسة فكرية معينة، أو ينفي معتقدات فرقة وجماعة ويزيفها، فالذي يقرأ هذا الكتاب من خلال هذه النظرة لا يعود بطائل، فإنَّ موضوع نقد ديانة خاصة والرد عليها تحويه مكتبة واسعة بلغات المسلمين المتعددة- وخاصة بالعربية والفارسية والأردية- زاخرة بمواد ومعلومات، لا يتسنى استعراضها بسهولة، فضلاً عن استيعابها.
أما هذا الكتاب الصغير ففيه صورةٌ لتأثير التعاليم الإسلامية ونتائج المجهودات التربوية والدعوية، التي قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم في العهد الأول وتاريخ الإسلام النموذجي -وهو عهد الرسالة والصحابة-، وبيان للميزة الخاصة التي تميز بها سيد الأنبياء وأشرف المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، عن دعاة العالم ومصلحيه ومربيه، الذين قاموا بدور الإصلاح والتربية في مجالاتهم في عصور مختلفة، وحققوا نجاحاً محدوداً يذكر ويشكر.
هذا الكتاب يعرض وضع المجتمع الإسلامي الأول الذي كان غرْس دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتربيته وحده، في ضوء التاريخ الموثوق به، ويبيِّن النظام الغيبي الإلهي لصيانة الصحيفة التي جاء بها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وهي كتاب الله الأخير والدستور الدائم لحياة الإنسان.
وفي الكتاب محاولة مخلصة لتوضيح الفرق الأساسي بين الموقف الذي يتخذه منشؤو الحكومات ودعاة الانقلاب نحو أسرهم وعائلاتهم، وشأن رسول الإنسانية صلى الله عليه وآله وسلم مع أقاربه وأسرته وأهل بيته، مع بيان ما اتصف به أهل بيته وأسرته،، ومن كان ينتمي إليه، من أخلاق وسمات يتميزون بها عن أسر العظماء ومنشئي الحكومات، وقادة الشعوب والزعماء. وفيه أضواء على أهمية عقيدة (وحدة النبي) و(خاتميته) التي أجمعت عليها الأمة، والإيمان بأنه هو الشارع والمطاع وحده، منذ ظهور الإسلام حتى تقوم الساعة.
ويقابل ذلك كله ما يدين به الشيعة الإمامية في نتائج جهود الرسول الدعوية والتربوية، وفي الجيل المثالي الذي كان، ويجب أن يكون، النموذجَ الدائم لتعاليم الإسلام ومقياس نجاح من بعث بها ودعا إليها، وقد اتخذت هذه الفرقة هذه النظرة السلبية القاتمة شعارَ جماعتها وفرقتها، مؤسَّساً كل ذلك على ما كتبه أئمة الشيعة وعلماؤهم الكبار الثقات عند هذه الفرقة، وما جاء في كتبهم ومؤلفاتهم الموثوق بها- منذ عهد مؤسسها الأول إلى الخميني - كما أنَّ كل ما عزوناه إلى أهل السنة من العقائد ووجهات النظر عُرِفَتْ عنهم بطريق التواتر والإجماع، وما ذكرناه من حقائق علمية وتاريخية عن تاريخ الإسلام وعهد الصحابة والحياة النبوية، يعتمد على كتب التاريخ المحايد، وشهادات المسلمين وغير المسلمين المنصفين المحققين.
وقد تركنا إلى الفطرة السليمة والذوق الصحيح والعقل العام وحده -ولا يخلو منه زمان- الحكمَ في اختيار التصوير والتعبير الذي يليق بشأن نبيٍّ يُعتبر أعظمَ هادٍ ومرب ومصلح في تاريخ الإنسانية، وأنجح نبيٍّ بنص القرآن وشهادة التاريخ، وهذا ما تقتضيه بطريق الضرورة والبداهة الخصائص النبوية الفذّة التي اتَّصف بها بين الأنبياء والمرسلين فضلاً عن الدعاة والمربين، وذلك ما تضافرت عليه شهادات المؤرخين المسلمين وغير المسلمين.
وتساءلنا بعد ذلك: هل يتفق التصوير الذي يلحُّ عليه الشيعة الإمامية لجهود النبي صلى الله عليه وسلم وللجيل المثالي الأول وما اتفقت عليه كلمتهم، وما هو كاللازم لما يثبتونه ويقررونه، مع الدين الذي يوجِّه إلى الإنسانية كلها رسالة الهداية والسعادة، والحب والإيثار والتضحية، ويضمن التغيّر الجذري العميق في سلوك الإنسان وأخلاقه إذا أخذ بهذه التعاليم، في كل عهد وجيل، ويتحمل مسؤولية إنقاذه من حضيض البهيمية الأخيرة إلى قمة الإنسانية العالية؟!
وقد وُضع هذا الكتاب أصالة في أردو، ونقله الأستاذ سعيد الأعظمي الندوي رئيس تحرير مجلة البعث الإسلامي إلى العربية، وأضاف إليه المؤلف زيادات ذات قيمة بقلمه، وللمترجم شكر المؤلف.
أبو الحسن علي الحسَني الندوي
المجمع الإسلامي العلمي لكهنؤ (الهند)
19/ 2/ 1405هـ
14/ 11/ 1984م
 

أربعة شروط للدين العالمي الخالد:
1- إبراز إنسان جديد، وإظهار جيل رائع في حياة الرسول نفسه.
2- تميز نبي هذا الدين عن الحكام السياسيين، والغزاة الفاتحين.
3- حفظ الله سبحانه لكتاب هذا الدين وصيانته له.
4- أن يكون النبي ذاته هو مركز الهداية والقيادة.
أربعة شروط للدين العالمي الخالد، الذي يحمل لواء الإصلاح البشري والثورة العالمية
تمهيد:
إن حكم العقل السليم، ودراسة الفطرة البشرية، وتاريخ الديانات الموسعة التحليلية، والاطلاع الواسع العميق على نفسية الأمم والملل، وأفراد النوع البشري، وكذلك الاستعراض الصريح الحر لمجهودات التاريخ الإنساني وحركاته الثورية والإصلاحية، ونتائجها التي سجلتها صفحات التاريخ، كل ذلك يثبت أنه لابد من توافر أربع صفات وخصائص للدين الذي يخاطب النوع البشري كله، ويوجه إليه دعوة الالتزام بالعقيدة السليمة والعمل الصالح، والأخلاق الفاضلة والإصلاح الشامل، والثورة الجذرية، ويدعي تنظيم المجتمع الإنساني على أساس من الإيمان والتقوى وصياغة الحضارة صياغة نبوية جديدة، ويصلح لذلك كله أن يكون دين الله الذي أكمل، ورسالته التي ختمت بها الرسالات، وكُتب لها الخلود إلى يوم الدين، والتي تستطيع أن تنهض بمهمة التعليم والتربية، والدعوة والإرشاد على اختلاف الأزمنة والأمكنة، وتنوع البيئات والطبقات.
 
 الشرط الأول:
 
 أ- إبراز إنسان جديد، من غير اعتماد على الطرق المعروفة السائدة، والوسائل المعلومة الشائعة:
إنَّ ما تقتضيه طبيعة الرسالات السماوية ودراسة تاريخ حمَلتها هو أن تتحقق معجزة صنع الإنسان كما لو كانت ولادته من جديد، ويكون لدعوتهم وصحبتهم من التأثير وقلب طبائع الأشياء، ما لو ذكر بإزائه تأثير (حجر الفلاسفة) الأسطوري (والكيمياء)، لدلَّ على الجهل بالحقائق التاريخية، واعتبر إهانة للنبوة والأنبياء.
وكذلك يجب أن تتحقق هذه النتيجة الخارقة للعادة، من غير اعتماد على الأساليب والوسائل التربوية والإعلامية التي تستخدمها طبقة الحكماء والمثقفين، ومعلمي الأخلاق وخبراء التعليم والقادة السياسيين، والتي تعتمد عليها المؤسسات التربوية والحكومات الذكية، مثل عملية تدوين العلوم والفنون الواسعة، وتأليف الكتب البارعة، وإلقاء الخطب الساحرة، وإنشاء المدارس الكثيرة، واستخدام الأدب والشعر، وتجسيد الحقائق والمعاني لغرس الفكرة وتحبيبها وترسيخها، ومنح الجوائز والمناصب والوظائف العالية، وما إلى ذلك من وسائل مؤثرة، وأساليب حكيمة.
ثم إنَّ المقارنة بين تربية ذلك النبي وصحبته -الذي كان أميّاً محضاً بعيداً عن جميع ملابسات العلم، مضافاً إلى ذلك تفرده بمشكلات ومعوِّقات، وفقد وسائل، لا يمنى به غالب المشتغلين بتعليم شعوبهم وتربيتها- وبين تربية المعلمين والقادة العاديين، تدل دلالةً واضحة على الفرق الهائل بين جنسَيْ التأثيرين والانقلابين، وعلى تباين مصدريهما، فإنَّ ما يتحقق من التحوّل في العقائد والميول، والسيرة والأخلاق، في ظل تعاليم الرسول وفي أحضانه، ينبثق من رعاية الله وتأييده الغيبي ولا يمكن أن يعبر عنه بكلمة غير (نور النبوة) و(بركات الصحبة).
إن الذين يسعدون بتربية الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبته، إنما تتحلى حياتهم بالصلة الوثيقة بالله، وبالإخلاص والعبودية والتواضع والإيثار وهضم النفس، وذوق العبادة، والانصراف عن حطام الدنيا والاهتمام بالآخرة، ومحاسبة النفس محاسبة دقيقة أمينة، والاستقامة على الدين، وهي الذروة الإيمانية والخلقية التي لا سبيل إليها ولا مطمع فيها للذين يتلقون التربية على أيدي الحكماء والفلاسفة، وخبراء التعليم ومعلمي الأخلاق.
ولقد صَوَّر القرآن الكريم هذه التربيةَ النبويةَ والتأثير الثوري الجذري الذي يَتمًّ على يد الرسول عليه الصلاة، السلام، ففي سورة الجمعة:
((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [الجمعة:2].
ويقول عز وجل: ((وَلَكِنَّ الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)) [الحجرات:7].
وكذلك يقول: ((فَأَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا)) [الفتح:26].
ويقول: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ الله وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)) [الفتح:29]
 ب- ضرورة أن تثمر الدعوة في حياة الرسول نفسه، وأن تنتج جيلاً جديداً لا يشبه الأجيال القديمة، ولا يقبل انتقاصاً ولا انتكاساً:
إنَّ ظهور معجزة التأثير والهداية فِي حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وظهورَ الثورة في الأخلاق والعقائد وبروزَ نماذج إنسانية عملية -من أروع ما شاهد التاريخ من نماذج وأجملها- يشق الطريق للإسلام، وتترامى بفضله وتأثيره أممٌ وأقطار في أحضان الإسلام، ويتكوّن مجتمع كامل حي يعتبر مجتمعاً مثالياً نموذجياً من كل جهة.
ويجب أن يتحقق كل ذلك في حياة الرسول وعلى إثر وفاته، حيث إنَّ الدين الذي لا يستطيع أن يقدِّم أمام العالم عدداً وجيهاً من نماذج عملية ناجحة بَنَّاءة، ومجتمعاً مثالياً في أيام الداعي وحامل رسالته الأول، لا يعتبر ناجحاً، كما أنَّ الشجرة التي لم تؤت ثمارها اليانعة الحلوة، ولم تنفتح أزهارها العطرة الجميلة، أيام شبابها وفي موسم ربيعها -وهو عهد النبوة- لا تعتبر شجرةً مثمرةً سليمة، وكيف يسوغ لدعاة هذه الدعوة والدين وممثليهما الذين ظهروا بعد أن مضى على عهد النبوة زمن طويل، أن يوجهوا إلى الجيل المعاصر والعالم الحاضر دعوة إلى الإيمان والعمل والدخول في السلم كافة والتغيير الكامل في الحياة، وهم عاجزون-في ضوء مذهب الشيعة وأقاويلهم- عن تقديم نتائج حية باهرة للألباب، مسلَّمة عند المؤرخين، للمجهودات التي بذلت في العهد الأول وفي فجر تاريخه، في سبيل إبراز أمة جديدة، وإنشاء جيل مثالي، يمثل التعاليم النبوية أصدق تمثيل ويبرهن على تأثيرها ونجاحها.
 الشرط الثاني: ميزة الرسول صلى الله عليه وسلم عن مؤسسي الحكومات والقادة الماديين حول تأسيس المملكة الوراثية وازدهارها:
كذلك من البدهيات اللازمة أن يكون هذا الداعي الأول والمرسل من الله وحامل رسالته، متميزاً عن مؤسسي الحكومات والفاتحين والغزاة والقادة السياسيين، والزعماء الماديين، في طبيعته وأذواقه وسلوكه وعمله ومقاصده ونتائجه تميزاً واضحاً، ويكون هنالك تناقض بينه وبين هذه الطائفة.
إنَّ محور الجهود التي يبذلها مؤسسو الحكومات وفاتحو البلدان، وزعماء العالم، من أصحاب الطموح ومجربي الحظوظ، وهدفهم الأعلى -أو النتيجة الحتمية الطبيعية على أقل تقدير- إنما هو قيام مملكة خاصة، وتأسيس حكومة وراثية.
إنها ظاهرة طبيعية وحقيقة تاريخية على مرِّ القرون والأجيال يشهد بذلك تاريخ ازدهار الأسر الرومية، والبزنطية، والساسانية، والكيانية، وأسرتي (سورج بنسي) و(جندر بنسي)([1]). أما إذا لم يتحقق قيام دولة قبلية أو عالمية لسبب قاسر، فأقل درجة لدى هؤلاء المؤسسين للحكومات، والفاتحين والغزاة، وزعماء السياسة- الذين تم لهم ألنجاح في التحركات التي قاموا بها- أن يمتلكوا العزة والثراء الفاحش وأسباب التنعم والترف الموسعة، فهم يتقلبون في أعطاف النعيم، ويتأرجحون في أراجيح الذهب والفضة، وشأنهم في ذلك شأن أسد في الغابة يفترس لنفسه، ويأكل من بقايا صيده مئات من الوحوش، إنَّ قصة النعيم والترف الذي تقلَّبت في أعطافه أسر المتربعين على عروش الحكم في رومة والدولة الكيانية، تشبه أساطير خيالية وقصصاً جنية، ولولا أنَّ وراءها شهاداتٍ تاريخيةً لما صدقها العقل([2])، ويمكن تقدير ذلك من تلك الأبهة العظيمة التي وجدت في بلاط كسرى، وبالتفاصيل المدهشة التي يتحدث عنها المؤرخون عن (فرش بهار)([3])وعن الأسر المالكة في الدول الرومية والفارسية والهندية، وعن أساليب الحياة لأتباعهم وبذخهم بذخاً لا يتصور.
بالعكس من ذلك فإنَّ الرسول المبعوث من الله لا يؤسِّس مملكة وراثية، ولا يقوم بتوفير فرص وإمكانيات التنعم والترف التي تمتد إلى مدة طويلة لأفراد أسرته، ولا يهتم بالحدب على مصالحهم لكي يتمكنوا بفضل ذلك من العيش في رفاهية وتفرغ من الهموم ومتاعب الحياة، بخلاف طبقات الأمة الأخرى، بل بالعكس من ذلك يعيش أفراد أسرته- في حياته وبعد مماته- حياةَ زهدٍ وتقشّف، وقناعة وإيثار، وتنازل عن كثير من أسباب الرفاهية والرخاء، ويعتمدون على مجهوداتهم وكفاءاتهم الذاتية، دون أن يعيشوا مترفين متنعمين على حساب غيرهم، مثل أُسَر البراهمة عند الهنادك، (والأكليروس) (Glergy- رجال الدين المسيحي) أو كأي جنس مقدس([4]).
 الشرط الثالث: الصحيفة السماوية المنزلة على الرسول يجب أن تكون محفوظة صالحة للفهم العام، وفي متناول الجماهير:
أما الشرط الثالث: فهو أن يتولى الله حفظ هذه الصحيفة السماوية التي أنزلت على الرسول والتي تكون أساساً لدينه ومصدراً لدعوته وتعاليمه، وأكبر وسيلة لربط الخلق وتوثيق علاقتهم به، وسبباً قوياً لإثارة الربانية الصادقة في أتباعه، محدداً للعقائد مبيناً لها -وخاصة لعقيدة التوحيد- إلى يوم الدين محافظاً لها ومهيمناً عليها، وأن تكون تلك الصحيفة كتابَ هداية للإنسانية جمعاء، قد تولَّى الله تعالى نشره وإذاعته في العالم مع تمكين الناس من فهمه، ويكون قد هيأ الله سبحانه وتعالى الجوَّ المناسب والفرص المؤاتية لقراءته وكثرة تلاوته وحفظه واستحضاره، بدرجة لا يوجد لها نظير في الدنيا؛ ذلك لأنه كتاب الله الأخير وسفينة نجاةٍ للإنسانية، ويجب أن يكون بعيداً من كل تصرف إنساني ومن كل تغيير وتبديل، وحذف وزيادة، ومن أي شائبة من التحريف، إذ إنه لا يمكن بغير ذلك أن توجه دعوة إلى الناس للإيمان بهذا الكتاب، ولا أن يقدم أمام العالم كشهادة، كما لا يمكن أن يستفاد أو يفاد منه.
إنَّ تاريخ الكتب التي ظهرت في العصر القديم والجديد (التوراة والإنجيل) والصحف السماوية يدل([5]) على ما واجهته هذه الكتب والصحف السماوية من تصرفات أعداء الدين، وهجمات المهاجمين الظالمين، وما تعرضت له من التحريفات اللفظية والمعنوية التي قام بها زعماء الديانات المغرضون الماديون، وقد ظلت مجالاً واسعاً للأغراض الخسيسة والتغافل البشري، وما هذا الفرق بين هذه الكتب والصحف السماوية وبين القرآن إلا لأن صيانة هذه الكتب المذكورة إنما تولاها أتباعها وحملتها ((بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ)) [المائدة:44]، أما القرآن فقد تكفَّل الله نفسه بحفظه([6]) فقال: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9].
 الشرط الرابع: يجب أن يكون النبي بذاته مركز الهداية الوحيد، والشارع والمطاع:
الشرط الرابع: أن يكون النبي بذاته مركزَ الهداية، ومصدرَ القيادة، ومحور العلاقة القلبية والانقياد الفكري للأمة، فتعتقد بكونه خاتم الرسل، ومنير السبل، ومقتدى الكل، ولا تسمح لأحد بعده بالمشاركة في النبوة والتشريع المطلق، ولا تعتقد في أحد آخر العصمة وتعتبره مورد الوحي.
إنَّ وحدة هذه الأمة ومركزها واجتماع شملها، وابتعادها عن الاعتقادية والعملية وبقاء طاقتها الداخلية وقوتها الإيمانية، يرتبط كل ذلك بعقيدة (ختم النبوة) إلى حد كبير([7])، وإنَّ عقيدة المشاركة في النبوة تضاد عقيدة (ختم النبوة)([8]).
والآن نتناول هذه الشروط الأربعة شرطاً شرطاً باستعراض موضوعي في ضوء التاريخ الموثوق به وشهادات المثقفين الأفاضل من المسلمين وغيرهم، واعتماداً على الوقائع والأحداث التي رواها المؤرخون الثقات الأثبات.

الشرط الأوّل: إبراز إنسان جديد وإظهار جيل رائع في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه:
 
 أعظم مأثرة نبوية للإصلاح والتربية وقلب الماهية:
بالنسبة إلى الشرط الأول فإنَّ من الواقع المحقق أن كل نبوة قامت في عهدها بصياغة الإنسان صياغة جديدة، وتربيته تربية فاضلة، وأعدَّت أفراداً منحوا هذا العالم حياة من جديد، وألبسوا الحياة لباس الهدف والمعنى، الحياة التي كانت قد تجردت عن الهدف بقصر نظر الإنسان وفكره الزائغ وجهله بحقيقة الحياة.
ولكن أعزَّ مأثرةٍ تلمع على جبين الحياة الإنسانية من بين مآثر النبوة، هي المأثرة الكبرى التي قام بها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سجل التاريخ مآثره النبوية في تفصيل لا يوجد له نظير في غيره من الأنبياء، فإنَّ التوفيق الذي أكرمه الله به في مجال تربية الإنسان وصياغته، إنما تفرد به من بين الأنبياء والمرسلين فضلاً عن المعلمين والمربين، إن المستوى الذي بدأ منه النبي صلى الله عليه وسلم عمله في بناء الإنسانية لم يعهده أي نبي أو مصلح أو مربٍ، فقد كان ذلك آخر مستوى التدني والإسفاف في المعاني الإنسانية الكريمة، تنتهي فيه حدود الحيوانية وتبدأ منه حدود الإنسانية، وكذلك فإنَّ المستوى الأعلى الذي بلغ إليه النبي صلى الله عليه وسلم في عمل البناء للإنسانية لم يكن للإنسان عهد به في أيِّ عصر ولا جيل، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بدأ عمله من المستوى الأخير السافل للإنسانية، فإنه قد بلغ به إلى أرفع قمة للإنسانية وأعلاها.
 أجمل صورة في مجموع الصور الإنسانية العالمي:
وكلُّ فردٍ من أفرادِ الجيل الذي أعدَّه الرسول الكريم كان نموذجاً رائعاً للتربية النبوية، ومفخرةً وشرفاً للنوع الإنساني، لا توجد صورة في المصور الإنساني العالمي الواسع، بل في الكون كله، أجمل وأروع وأشرف من هذه النماذج الإنسانية والأنماط البشرية، باستثناء الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم أجمعين.
إنَّ إيمانهم الراسخ، وعلمهم العميق، وقلبهم الصادق، وحياتهم الساذجة، وتواضعهم وخشيتهم لله، وعفَّتهم وطهرهم وعطفهم ورأفتهم، وشجاعتهم وجلادتهم، وتذوقهم للعبادة وحنينهم إلى الشهادة، وفروسيتهم بالنهار، وقيامهم بالليل، وتحررهم من سلطان الثروات، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة واستهوائها، وزهدهم في زخارف الدنيا، وعدلهم وحسن تدبيرهم، كل ذلك مما لا يوجد له نظير في الدنيا، ومن مآثر النبوة أنها صنعت رجالاً كانوا أفذاذاً من نوعهم في التاريخ، ولولا شهادات تاريخية متواترة عن هؤلاء الرجال، لما عدا ذلك أن يكون خيالاً شعرياً، وقصةً أسطورية، ولكنها الآن حقيقة تاريخية، وواقع معلوم لا مجال فيه للشك.
 خلق يجمع بين صفات الطين والنور:
إنَّ جماعة الصحابة الكرام رضي الله عنهم كانت مجموعة إنسانية تتميز بصفات إنسانية متناقضة، بفضل إعجاز النبوة، وقد عبر عن ذلك شاعر الإسلام محمد إقبال بما معناه:
(إنِّ المؤمن عبدٌ لله، أصلُه من تراب، وفطرته من نور، تخلَّق بأخلاق الله، واستغنى عن العالمين، آماله ومطامعه قليلة، وأهدافه ومطامحه رفيعة جليلة، ألقي عليه الحب وكُسِيَ المهابةَ والجمال، رقيقٌ رفيق في الحديث، قوي نشيط في الكفاح، نزيهٌ بريء في السِّلم والحرب، إنَّ إيمانه هو نقطة الدائرة التي يدور حولها العالم، وكل ما عداه وَهم وطَلْسم ومجاز، إنه الغاية التي يصل إليها العقل، ولب لباب الإيمان والحب، وبه نالت هذه الحياة بهجتها وقوتها)([9]).
ونحن ننقل الآن إلى القارئ الكريم شهادات من التاريخ لكي يتحقق أنَّ ما ذكرناه لا يتوقف على مجرد الإعجاب بهذه الشخصيات.
 سيدنا علي المرتضى رضي الله عنه ينعت الصحابة الكرام رضي الله عنهم ويصفهم:
يسعدنا أن نبدأ هذا الموضوع بمقتطفين من خطب علي كَرَّم الله وجهه يحملان شهادته عن الصحابة الكرام -الذين أصبحت شخصيتهم موضعَ بحث لدى بعض الفرق ومدارس الفكر- فإنَّ شهادة عليٍّ رضي الله عنه بمثابة شهادة عينية، إن بيانه نموذج رائع لما عرف به أهل البيت النبوي من الصدق والأمانة، ومثال ناطق للبلاغة التي اشتهر بها سيدنا علي رضي الله عنه وسلمت له، وينبغي أن لا يفوتنا أنَّ وصفه هذا إنما يدور حول رفاقه وزملائه الذين كانوا قد فارقوا الحياة وانتقلوا إلى الدار الآخرة، ولا يجوز أن يختص هذا البيان بالصحابة الأربعة ورفقته الأجلة فحسب- الذين يعتقد الإمامية أنهم هم وحدهم الذين ظلوا أوفياء للإسلام متمسكين بما تركهم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم: سلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، ومقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر - فإنَّ غير واحد منهم كان موجوداً في حياته مسانداً له في شؤونه وأعماله([10]).
هذان المقتطفان مأخوذان من كتابه الموثوق به والمتَّفق عليه بين الشيعة الإمامية الذي يجمع بين خطبه ورسائله وأقواله وهو مجموع نهج البلاغة، وقد ألفه الأديب الكبير والشاعر الهاشمي الشيعي المعروف بـ الشريف الرضي (359- 404هـ) ولا يزال هذا الكتاب متداولاً يتمتع بإجلال واحترام عند الشيعة، ذا قيمة أدبية كبيرة عند علماء الأدب منذ ذلك العهد إلى العصر الحاضر، وقد شرحه العالم الشيعي الشهير والمتكلم ابن أبي الحديد (586- 655هـ) بكثير من الاهتمام والعناية، وليقرأ القارئ الكريم النصين التاليين، وليتذوق ما فيهما من بلاغة أدبيهّ وروعة فنية، يقول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وهو يتحدث عن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم:
(لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فما أرى أحداً يشبههم منكم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، وقد باتوا سُجَّداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأنَّ بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذُكر الله هَمَلت أعينهم حتى تبتل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفاً من العقاب، ورجاءً للثواب)([11]).
ويقول في خطبة ثانية:
(أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرؤوا القرآن فأحكموه، وهِيجوا إلى القتال فَوَلِهُوا وَلَهَ اللقاح إلى أولادها، وسَلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً وصفاً صفاً، بعض هلك وبعض نجا، لا يُبَشَّرون بالأحياء ولا يُعَزَّوْن بالموتى، مُرْهُ العيون من البكاء، خُمْص البطون من الصيام، ذُبْل الشفاه من الدعاء، صُفْر الألوان من السَّهر، على وجوههم غبرة الخاشعين.
أولئك إخوانى الذاهبون! فحُقَّ لنا أن نظمأ إليهم ونعضّ الأيدي على فراقهم)([12]).
يقول العالم الألماني كيتاني (Caetani) في كتابه سنين الإسلام:
(لقد كان هؤلاء الصحابة الكرام ممثلين صادقين لتراث رسول الله الخلقي، ودعاة الإسلام في المستقبل، وحملة تعاليم محمد صلى الله عليه وسلم التي بلغها إلى أهل التقوى والورع، لقد رفع بهم اتصالهم المستمر برسول الله وحبهم الخالص له، إلى عالم من الفكر والعواطف لم يشهد محيط أسمى منه وأرقى مدنية واجتماعاً، والواقع أن هؤلاء الصحابة كان قد حدثت فيهم تحولات ذات قيمة كبيرة من كل زاوية، وأثبتوا فيما بعد في أصعب مناسبات الحروب أن مبادئ محمد صلى الله عليه وسلم إنما بذرت في أخصب أرض أنبتت نباتاً حسناً، وذلك عن طريق أناس ذوي كفاءات عالية جداً، كانوا حفظة الصحيفة المقدسة وأمناءها، وكانوا محافظين على كل ما تلقوه من رسول الله من كلام أو أمر، لقد كان هؤلاء قادة الإسلام السابقين الكرام الذين أنجبوا فقهاء المجتمع الإسلامي وعلماءه ومحدثيه الأولين)([13])
ويقول المؤلف الفرنسي الشهير الدكتور غوستاف ليبان (Gustave Leban) في كتابه حضارة العرب:
(وبالجملة فإنَّ هذا الدين الجديد كان يواجه مناسبات وفرصاً كثيرة، وإنَّ فراسة الصحابة وحسن تدبيرهم قد جعلهم ينجحون لدى كل فرصة ومناسبة، لقد وقع الاختيار للخلافة في العهد الأول على أناس، كان جل غرضهم نشر الدين المحمدي)([14]).
ويقول المؤلف الإنجليزي الشهير جيبون (Edward Gibbon) عن الخلفاء الراشدين في كتابه انقراض وسقوط المملكة الرومية:
(لقد كانت أخلاق الخلفاء الأربعة الأولين وتصرفاتهم نزيهة مضرب المثل، إن نشاطهم وتفانيهم إنما كان بإخلاص تام، ورغم التمكن من الثراء والسلطة، فقد أفنوا أعمارهم في أداء المسؤوليات الخلقية والدينية).([15]).
ويقول الدكتور فيلب حتي (D. Philp Hitti) في كتابه الشهير مختصر تاريخ العرب (A Short History of the Arabs):
(عاش أبو بكر رضي الله عنه، قاهر المرتدين وموحِّد الجزيرة تحت راية الإسلام، حياة ساذجة بسيطة ملؤها الوقار، وفي الأشهر الستة الأولى من خلافته القصيرة، كان يغدو كل يوم من السنح حيث قطن وزوجه حبيبة في بيت وضيع، إلى عاصمة المدينة، ولم يكن يتقاضى راتباً، لأنه لم يكن للدولة إذ ذاك دخل يستحق الذكر، وكان يدير جميع شؤون الدولة في صحن المسجد النبوي.
أما عمر رضي الله عنه، الخليفة الثاني، فكان رجلاً جلداً نشيطاً، ومثالاً حياً للبساطة والاقتصاد، ومن صفاته أنه كان طوالاً أصلع شديد الأدمة، وقد أعال نفسه في إبان عهد خلافته بالمتاجرة، وكانت حياته -شأن حياة أي شيخ بدوي- بعيدة عن الأبهة وحب التظاهر، وتجعل الروايات الإسلامية اسمه أرفع اسم في أوائل الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد مَجَّد عمر الكتّاب المسلمون لتقواه وعدله وتواضعه ووقاره، وحسبوا هذه المناقب التي يجدر لكل خليفة أن يتحلى بها، مشخَّصة فيه، وقالوا: لم يكن لـعمر إلا قميص خَلِق وإزار قطري مرقوع برقعة من أَدَم، وكان ينام على فراش من سَعْف النخل، ولم يهمه من شؤون هذه الحياة الدنيا سوى الدفاع عن شعائر الدين وإقامة العدل وإعلاء شأن الإسلام وتأمين مصالح العرب)([16]).
 مقتطفات الكاتب الإسلامي الكبير القاضي السيد أمير علي:
نقدم فيما يلي مقتطفات عديدة من كتاب (A short History of the Saracens) مختصر تاريخ العرب للكاتب الإسلامي الأكبر (في الإنجليزية) السيد أمير علي([17]) إنه يقول:
(إذا قمنا باستعراض الواقع السياسي الذي عاشه المسلمون في عهود الخلفاء الراشدين تمثل أمام الأعين مشهد مثير لحكومة الجماهير، التي كان رئيسها خليفة انتخبه الناس، لم يكن يتمتع إلا بسلطة محدودة، فقد كانت سلطته الخاصة تدور حول نطاق الشؤون الإدارية، أما سيادة القانون فكانت تعم الجميع، غنياً كان أو فقيراً، رئيساً كان أو عاملاً في المزارع)([18])
ويزيد فيقول:
(لقد كان الخلفاء الراشدون قد وهبوا حياتهم لصالح عامة المسلمين بشيء كثير من الشدة والحيطة، وكانوا يعيشون في غاية من السذاجة بحيث إن ذلك كان تقليداً كاملاً للنموذج الذي ورثوه من النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، إنهم حكموا قلوب الناس بحسن سلوكهم ومكارم سيرتهم، مع الابتعاد التام عن الخدم والحشم، والفخفخة الظاهرة)([19]).
وبالنسبة إلى ما يتعلق بالشيخين -الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، والخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه- فقد اعترف السيد أمير علي بزهدهما في زخارف الحياة واتّسامهما بالاعتدال، وبأعمالهما الجليلة التي عادت بخير كثير على المسلمين، وقد تجلَّت في شهادته هذه رحابة الصدر وقوة القلم والبيان.
يتحدث عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فيقول:
(العرب لا يتوارثون سيادة قبيلة ورئاستها بطريق الإرث، بل إنَّ ذلك يتوقف على الانتخاب، وهم يلتزمون مبدأ حق الانتخاب ويعملون به، وكل فرد من أفراد القبيلة يتمتع بصوته لدى انتخاب رئيس القبيلة، ويتم الانتخاب فيما بين أعقاب المتوفى الذكور، على أساس السن والوجاهة (Seniority) وقد التزم المسلمون هذه العادة القديمة عند انتخاب خليفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وبما أن حرج الموقف لم يكن يسمح بأي تأخير في انتخاب الخليفة، فقد تم انتخاب أبي بكر رضي الله عنه كخليفة للرسول صلى الله عليه وسلم من غير تأخير، نظراً إلى سِنِّه والمكانة التي كان يتمتع بها في مكة، والتي كانت تحسب لها العرب كل حساب.
لقد كان أبو بكر رضي الله عنه يتميز خصيصاً بالحكمة والاعتدال، وأقر علي رضي الله عنه بانتخابه خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك أهل بيت النبوة، بإخلاصهم المتوارث ووفائهم وولائهم للإسلام)
([20]).
ويتحدث عن عمر رضي الله عنه، فيقول:
(لقد انقضى عهد خلافة أبي بكر رضي الله عنه القصير في السعي لاستتْبَاب الأمن بين القبائل الصحراوية، ولم تسنح له فرصة لتنظيمٍ جديد لشؤون الولايات الإسلامية.
ولكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان رجلاً عظيماً حقاً، لما تولَّى الخلافة تتابعت مجهوداته الضخمة حينذاك في منح السعادة لشعوب البلاد المفتوحة، الأمر الذي يعتبر الميزة الخاصة للدول الإسلامية البدائية)([21]).
ويقول في مناسبة أخرى عن عمر رضي الله عنه:
(كانت خلافة عمر رضي الله عنه ذات قيمة عظيمة وغناء كبير للإسلام، إنه كان من الناحية الخلقية، رجلاً ذا سيرة وطبيعة قويتين، أما في شأن العدل فكان ذا مبدأ صلب، وشعور مرهف يمتاز بنضج السيرة وقوة العمل)([22]).
(كانت وفاة عمر رضي الله عنه خسارةً فادحة وحادثاً كبيراً للإسلام، إنه كان شديداً ولكن عادلاً، بعيدَ النظر، واسع الاختبار لطبيعة العرب وسيرتهم، وكان أجدر رجل لقيادة أمة تعودت حياة الفوضى، وقد استطاع بما كان يملكه من قدرة على عقاب المجرمين والمنحرفين، التغلب على الميول الطبيعية التي تميزت بها القبائل المتنقلة وأفرادها العائشون في شبه الوحشية، وحماهم من التدهور الخلقي، حينما كانوا يواجهون أسباب الترف والبذخ في المدن الراقية ووسائل التنعم والثراء في الدول المفتوحة.. إنه كان في متناول يد أدنى فرد من أفراد رعيته، كان يتجوّل في جوف الليالي لتفقد أحوال الناس من غير حارس أو شرطي، هكذا كان يعيش أقوى حاكم (خليفة) في عهده)([23]).
 شهادة سير وليم ميور:
ونختتم هذه الشهادات والتصريحات بمقتطف للمؤرخ الغربي سير وليم ميور (Sir William Muir) الذي عرف بالتحامل على الإسلام ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم حتى اضطر السيد أحمد خان رائد التعليم الغربي العصري في الهند، إلى الرد على كتابه حياة محمد صلى الله عليه وسلم. يقول في كتابه وقائع الخلافة الأولى (Annals of the Early Caliphate):
(لقد كان عمر رضي الله عنه أعظم رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المملكة الإسلامية، فكان من ثمار ذكائه واستقامته أن خضعت في خلال هذه السنوات العشر، كل من مناطق الشام ومصر وفارس، للنفوذ الإسلامي، ولا تزال منذ ذلك الوقت ضمن الأقطار الإسلامية.
ولكنه بالرغم من كونه حاكماً عظيماً لمملكة عظيمة لم تعوزه أبداً الفراسة والمتانة ولا الرؤية العادلة في الأمور والقضايا، فإنه لم يرضَ بأن يلقِّب نفسه بألقاب عظيمة، سوى ذلك اللقب العادي والساذج الذي يدعى به، وهو (رئيس العرب)([24]).
كان الناس يتوافدون إليه من ولايات بعيدة، ويسألون عن عمر الحاكم والخليفة في فناء المسجد النبوي وأنحائه، ثم يتساءلون عما إذا كان أمير المؤمنين موجوداً في المسجد؟ وهو جالس أمامهم في ملابسه العادية)([25]).
ويقول عن الخليفة أبي بكر رضي الله عنه:
(لقد كانت سذاجة مجلس أبي بكر مثلها في حياة محمد صلى الله عليه وسلم، لم يكن عنده خدم ولا حرس ولا مؤشرات تشير إلى أبهة الحكم والخلافة، كان متعوداً على بذل مجهودات واسعة في شؤون الخلافة، وهناك أحداث كثيرة تدل على تعمقه في جزئيات الأمور ودقائقها، كان يتجول الليالي للعثور على المظلومين والفقراء، وكان أرفع من أي محاباة أو دافع انتقام في تعيين العمال وكبار الحكام في الخلافة وكان يتجلى التدبر العميق في تصرفاته وأحكامه([26]).
 سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه:
يشهد التاريخ الموثوق به أن حياة الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه كانت ساذجة، إنه كان يطعم الناس طعام الإمارة، ويدخل بيته فيأكل الخل والزيت([27])، وكان يصوم الدهر ويباشر أعماله بنفسه على الرغم من وجود الخدم.
فقد أخرج ابن سعد عن عبد الله الرومي، قال: كان عثمان رضي الله عنه يلي وضوء الليل بنفسه، فقيل له: لو أمرت بعض الخدم فكفوك، قال: لا، الليل لهم يستريحون فيه([28]).
وكان له عبد فقال له: إني كنت عركت أذنك فاقتصَّ مني، فأخذ بأذنه، ثم قال عثمان رضي الله عنه: ليشدد يا حبذا! قصاص في الدنيا لا قصاص في الآخرة([29]).
وعن عبد الملك بن شداد الهاد قال: رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه يوم الجمعة على المنبر، عليه إزار عدني غليظ، ثمنه أربعة دارهم أو خمسة دراهم.
وعن الحسن البصري قال: (رأيت عثمان بن عفان يقيل في المسجد وهو يومئذ خليفة قال: ويقوم وأثر الحصى بجنبه، قال: فيقال: هذا أمير المؤمنين، هذا أمير المؤمنين)([30]).
وكان يسائل الناس وهو على المنبر عن الأسعار والأخبار اهتماماً بأمر المسلمين، عن موسى بن طلحة قال: (رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه يخرج يوم الجمعة وعليه ثوبان معصفران، فيجلس على المنير فيؤذِّن المؤذن وهو يتحدث، يسأل الناس عن أسعارهم وعن أخبارهم وعن مرضاهم)([31]).
ولا أدل على إيثاره وإنكاره للذات، من أنه لم يرض بقتال أعدائه الذين جاؤوا إليه من مصر، وهاجموه رغم توافر وسائل الدفاع عنده، كراهية أن يقاتل المسلم ويسفك دمه، فاستشهد وهو في حال يتلو فيه القرآن الكريم، كما أنه كره أن يتنازل عن الخلافة التي كان يعتبرها أمانة للمسلمين، وكان مطَّلعاً على الغاية المتوخاة منها، في ضوء الأحاديث والإرشادات النبوية.
يقول أمير علي: (ومن أكبر خصائصه ورعه وتقواه)([32])ويقول وليم ميور: (كان رقيق القلب، ولو أنه كان قد أدرك الخلافة أيام الأمن لنال إعجاباً كبيراً من الناس)([33])ويقول ليفي دلاويدا (Levi della Vida) في موسوعة الإسلام (Short Encyclopaedia of Islam) إنه قد تحدث (ويلهاسن Wellhausen) وكذلك كيتاني (Caetani) بتفصيل أكثر: (إن عثمان نفذ سياسة عمر وأدخل فيها تحسينات)([34]).
إنَّ مدة الخلافة العثمانية التي تمتد إلى اثني عشر عاماً تَمَّت في خلالها فتوحات واسعة عظيمة بسرعة مدهشة، يكاد يتعذر نظيرها في تاريخ سابق، وقد اتَّسع نطاق المملكة الإسلامية في هذه الفترة اتساعاً ملحوظاً، حتى إنَّ حدود هذه المملكة قد امتدت من السند إلى الأندلس، وقامت القوات الإسلامية في هذا العهد بمناورات بحرية، عدا ما أسهمت به في الحروب الكبرى، وفتحت جزائر قبرص ورودس، وأعدت أسطولاً بحرياً عظيماً، مع أنها كانت لا تملك قبل ذلك سفينة واحدة!!
لقد وصل الجيش الإسلامي في عام (32هـ) إلى مضيق القسطنطينية (باسفورس)، وفي عام (25هـ) تمً الزحف العسكري على طرابلس الغرب (ليبيا)، وبعد عامين فقط فتحت تونس والجزائر والمغرب الأقصى، وفي هذا العام نفسه حاصر عبد الله بن نافع الأندلس بعدما عبر البحر، حتى وصلت جيوش المسلمين إلى تفلس وإلى ساحل البحر الأسود، وفي عام (30هـ) زحفوا إلى أرض خراسان وطبرستان، وتمَّ فتح جرجان وخراسان وطبرستان وتقدم عبد الله بن عامر، ففتح سوات وكابل، وسجستان ونيسابور، وأخضع ما والاها من المناطق للخلافة الإسلامية، حتى تم فتح طخارستان، وكرمان، واتسعت حدود الخلافة الإسلامية إلى بحر الخزر (قزوين) وجبل قاف وفي عهده أقبل المسلمون نحو الهند ووصلوا إلى المناطق الساحلية في ولاية غجرات بـالهند([35]).
كما ازدهر في عهد خلافته كل شيء من الحضارة والمدنية والصناعة، والحرف والتجارة، والعلوم والثقافة، وكثر الرخاء والثراء والرفاهية في عهده كذلك، ومن أهم مآثره توسعة المسجد الحرام التي تمت على يده في عام (26هـ)، وفي عام (29هـ) زاد في المسجد النبوي ووسعه وبناه بالحجارة المنقوشة، وأمر ببناء المساجد في المناطق المفتوحة وتوسعة المساجد الموجودة فيها، نظراً إلى توسع نطاق الفتوحات البحرية.
وأجلُّ مأثرة له أنه جمع العالم الإسلامي كله على مصحف واحد وقراءة واحدة، وأنه أمر بكتابة نسخ المصحف وتوزيعها في جميع الأقطار الإسلامية([36]).
 سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
أما ما يتصل بشخصية الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه، فليس هناك من يعارضه سوى الخوارج، وبالمناسبة نكتفي بوصف أحد رفاقه ضرار بن ضمرة، وقد أبدى فيه انطباعاته عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، على طلب من معاوية رضي الله عنه، وتحدَّث فيه عن معلوماته ومشاهداته الشخصية، وحاول أن يصورها بالكلمات، ونستطيع أن نقدِّر بهذا الوصف مدى تورع هذه الجماعة المؤمنة القدسية، حتى في حالة الحكم والخلافة، وقد كانت من المتخرجين في مدرسة النبوة، وتلاميذ الإيمان والقرآن، يقول ضرار بن ضمرة:
(يستوحش من الدنيا وزهرتِها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزيرَ الدمعة، طويلَ الفكرة، يقلِّب كفه، ويخاطب نفسَه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، كان والله كأحدنا يجيبنا إذا سألناه، ويبتدئنا إذا أتيناه، ويأتينا إذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه هيبة ولا نبتدئه لعظمه، فإن تبسَّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظِّم أهلَ الدين، ويحبُّ المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد بالله، لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سجوفَه، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، وكأني أسمعه، وهو يقول: يا دنيا! يا دنيا! أبي تعرضت أم لي تشوَّفْتِ؟ هيهاتَ، هيهاتَ، غُرِّي غيري، قد بتتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، فعُمُرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آه، من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق)([37]).
 حياة الخلفاء الزاهدة، وامتناعهم عن استخلاف فرد من أسرتهم:
ولا أدل على إخلاص هؤلاء الخلفاء الأربعة واتصالهم بالله، وعلى عظمتهم وتفردهم بهذه الخصائص، من أنهم لم يرضوا بالتمتع بذلك الثراء العظيم الهائل، والقناطير المقنطرة التي كانت ثمرة قرون، وبدأت تتدفق كالسيل من الروم وفارس في أيامهم، ولم يعيشوا بالرغم من ذلك عيشة رفاهية، فضلاً عن التنعم والبذخ، بل إنهم اقتفوا آثار الرسول الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم، وآثروا حياةَ الزهد والإيثار على كل متعة ورخاء، بل الواقع أنهم كانوا أرفهَ حالاً وأهنأ بالاً قبل أن يتولوا الخلافة.
يقول جيبون (Gibbon):
(لقد تمت تربية أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم في أحوال القلق والحروب ضد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كانت بشرى الجنة قد أغنتهم عن جميع اللذات والأخطار، ولكنهم تسلَّموا زمامٍ الحكم في سن متقدمة، وكان الدين والعدل قد حلاَّ في أعينهم محلاً أكثر أهمية من الحكومة، وقد كانت حياتهم الساذجة أصبحت عادة لهم، وكانت تنشر الدهشة والاعتبار في نفوس ملوك العالم الذين كان شعارهم الأبهة والشوكة)([38]).
كما أنَّ واحداً منهم لم يستخلف ابنه أو أقرب فردٍ من أسرته، على ما كان يتمتع به من سلطة ومكانة، بل بالعكس من ذلك فإنهم أوصوا أبناءهم وأقاربهم بالابتعاد عن الخلافة، وأوصوا المسلمين كذلك بأن لا يختاروهم لمنصب الخلافة أبداً. الأمر الذي لا تستنبط منه إلا نتيجة واحدة -في ضوء تجارب الفطرة والدوافع الإنسانية، وتقاليد الحكام والحكومات التي تمتد على قرون بل على آلاف السنين- وهي أنهم كانوا مخلصين بكامل معنى الإخلاص، متَّصلين بالله تمام الاتصال، بعيدين عن كل غرض ظاهر وباطن، لم يتولوا مسؤولية الخلافة إلا لابتغاء وجه الله ونشر دينه ودعمه، ولسدِّ أبواب الفتن والأخطار، وإلا -كما تزعم بعض مدارس الفكر- إن صحَّ أن هؤلاء الخلفاء كانوا قد تولوا الخلافة تحقيقاً لأغراضهم الشخصية، وطلباً للجاه والحصول على المنافع المادية، فلا معنى لخسران الآخرة والتعرُّضِ لسخط الله من غير انتفاع بالدنيا، إنه الإثم الخالص الذي ليست وراءه لذة، وذلك ما لا يرضى به عاقل لأنه يرادف المثل الذي يقول: (تمخض الجبل فولد فأراً).
 زهد أبي بكر رضي الله عنه وإيثاره:
نكتفي في المناسبة بتقديم مثال من سيرة أبي بكر رضي الله عنه، وآخر لواقع عمر رضي الله عنه، ويتسنى بعد ذلك لمن لم تتغلب العصبية على عقله وضميره، أن يعدل في الحكم، يقول مؤرخ عهد خلافة أبي بكر رضي الله عنه:
(قيل إن زوجته اشتهت حلواً، فقال: ليس لنا ما نشتري به، فقالت: أنا أستفضل من نفقتنا في عدة أيام ما نشتري به، قال: افعلي، ففعلت ذلك، فاجتمع لها في أيام كثيرة شيء يسير، فلما عرفته ذلك ليشتري به حلواً، أخذه فردَّه إلى بيت المال، وقال: هذا يفضل عن قوتنا، وأسقط من نفقته بمقدار ما نقصت كل يوم، وغرمه لبيت المال من ملك كان له)([39]).
وعن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: (لما احتضر أبو بكر قال: يا عائشة، انظري اللقحة التي كنا نشرب من لبنها، والجفنة التي كنا نصطبغ فيها، والقطيفة التي كنا نلبسها، إنا كنا ننتفع بذلك حين كنا نلي أمر المسلمين، فإذا مت فاردديه إلى عمر، فلما مات أبو بكر أرسلت به إلى عمر، فقال عمر رضي الله عنه: رحمك الله يا أبا بكر لقد أتعبت من جاء بعدك)([40]).
وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه قال: انظروا ما زاد في مالي منذ دخلت الإمارة، فابعثوا به إلى الخليفة من بعدي، فإني قد كنت أستحله)([41]).
وفي رواية: لما حضرته الوفاة قال: (إن حائطي الذي بمكان كذا وكذا يرد إلى بيت المال عوضاً عن المال الذي كنت أخذته من بيت المال في أيام خلافتي)،.. وفي رواية: (تردون إلى بيت المال ثمانية آلاف درهم من مالي فقد أنفق علي بمقدار ذلك أيام الخلافة من بيت المال)، وقال لـعائشة رضي الله عنه وهو يجود بنفسه: (إذا أنا متّ فاغسلي أخلاقي فاجعليها أكفاني، فقالت: يا أبتاه قد رزق الله وأحسن، نكفِّنك في جديد، قال: إن الحيَّ هو أحوج، يصون نفسه ويقنعها، والميت إنما يصير إلى الصديد وإلى البلى)([42]).
 جولة عمر رضي الله عنه الرسمية ورحلته إلى الشام:
والآن نقدم مثالاً لزهد عمر رضي الله عنه وتقشفه فيما كان يحتاج فيه إلى المظاهر الملوكية والفخفخة، ولا بد أن القرَّاء قد اطلعوا على تقارير جولات رسمية لكثير من ملوك ورؤساء للحكومات والجمهوريات، وشاهدوا مشاهد الشوكة والأبهة للجولات التي يقوم بها أكبر حاكم وأعظم خليفة في القرن السابع الميلادي، وهو الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي ركب إلى الشام بمناسبة فتح بيت المقدس في عام (16هـ)، ونترك المؤرخ يحكي هذه الرحلة العجيبة ويصورها بقلمه البليغ:
(لعل القارئ الكريم يتطلع إلى معرفة تفاصيل الجولة التي قام بها عمر الخليفة رضي الله عنه نحو الشام، وقد كانت ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى العدو القوي الذي كان ينتظر أن يرى خليفة الإسلام الذي بعث المهابة في قلوب الناس، ولكن الخليفة خرج في هذه الرحلة دون أن يحمل معه خيمة متواضعة فضلاً عن خدم وحشم وأبهة وشوكة ووفد مرافق من كبار المسؤولين والضباط، إنما ركب على فرس متواضع، ومعه رجال من المهاجرين والأنصار، غير أن نبأ خروج عمر رضي الله عنه نحو الشام، كان يملأ القلوب رعباً وهيبة.
نزل بـالجابية حيث قضى وقتاً لا بأس به، وكتب كتاب الأمن والصلح، ثم سار إلى بيت المقدس وقد توجَّى فرسه الذي كان راكباً عليه فأتوه ببرذون، فركبه فجعل يهملج به فنزل عنه وضرب وجهه، وقال: لا عَلَّم الله من علمك هذا من الخيلاء، ثم لم يركب برذوناً قبله ولا بعده، وسار مشياً على الأقدام، ولما اقترب إلى بيت المقدس جاءه أبو عبيدة وقادة الجيش ليستقبلوه، ولقد كان قميص عمر من كرابيس قد دسم وتخرق جنبه وهو خليفة المسلمين، ففكر الناس فيما إذا رآه النصارى في مثل هذه الحال لم يقيموا له وزناً كبيراً، فقالوا له: لو لبست شيئاً غير هذا وركبت برذوناً لكان ذلك أعظم في أعين الروم، فقال: نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام، فلا نطلب بغير الله بديلاً)([43])
وهذا ما رواه ابن كثير عن هذه الرحلة، يقول:
(قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجابية على طريق إيليا على جمل أورق، تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة، تصطفق رجلاه بين شعبتي الرَّحْل بلا ركاب، وطاؤه كساء أنبجاني ذو صوف، هو وطاؤه إذا ركب وفراشه إذا نزل، حقيبته نمرة أو شملة محشوة ليفاً، هي حقيبته إذا ركب، ووسادته إذا نزل، وعليه قميص من كرابيس قد دسم وتخرق جَنْبه، فقال: ادعوا لي رأس القوم فدعوا له الجلومس، فقال: اغسلوا قميصي وخيطوه وأعيروا لي ثوباً أو قميصاً، فأتي بقميص كتان، فقال: ما هذا؟ قالوا: كتان، قال: وما الكتان؟ فأخبروه، فنزع قميصه فغسل ورقع وأتي به، فنزع قميصهم ولبس قميصه، فقال له الجلومس. أنت ملك العرب، وهذه بلاد لا تصلح بها الإبل، فلو لبست شيئاً غير هذا وركبت برذوناً لكان ذلك أعظم في أعين الروم، فقال: نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام، فلا نطلب بغير الله بديلاً، فأتي ببرذون، فطرح عليه قطيفته بلا سرج ولا رحل فركبه بها فقال: احبسوا، احبسوا، ما كنت أرى الناس يركبون الشيطان قبل هذا، فأتي بجمله فركبه)([44]).
ونبذة عن رحلته الثانية إلى الشام في عام (18هـ)، وقد رواها الطبري، قال:
(خرج عمر وخلّف علياً على المدينة وخرج معه بالصحابة رضي الله عنهم، وأغذوا بالسير واتخذ إيلة (على ساحل البحر الأحمر) طريقاً، حتى إذا دنا منها تنحى عن الطريق، واتبعه غلامه، فنزل فبال، ثم عاد فركب بعير غلامه، وعلى رحله فروٌ مقلوب، وأعطى غلامه مركبه، فلما تلقاه أوائل الناس، قالوا: أين أمير المؤمنين؟ قال: أمامكم -يعني نفسه- فذهبوا إلى أمامهم، فجاوزوه، حتى انتهى هو إلى إيلة، فنزلها، وقيل للمتلقين: قد دخل أمير المؤمنين إيلة ونزلها، فرجعوا إليه)([45]).
 تعاون علي رضي الله عنه مع الخلفاء الثلاثة:
لقد تعاون علي رضي الله عنه مع الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم ولا سيما الشيخين منهم، فقد أشار عليهم بصواب الرأي في أحرج المناسبات، فاعترفوا بعلمه الغزير وفهمه الدقيق، وإصابته في الرأي، وأثنوا عليه بذلك ثناءً بالغاً.
إنَّ الانطباعات التي أبداها علي على وفاة أبي بكر الصديق وعلى شهادة عمر إنما تدل على علاقته المخلصة معهما، ونستطيع أن نطلع على الخطبتين اللتين ألقاهما في هاتين المناسبتين في كتب التاريخ، حيث يتجلى فيهما أسلوبه البليغ وخصائصه البيانية واللغوية والبلاغية بكل وضوح، ولا نذكرهما هنا خوفاً من الإطالة([46]).
وقد جاء فيما كتبه أمير علي: (وافق على خلافة أبي بكر بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، علي بن أبي طالب وأعضاء أسرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم برحابة صدر)([47]).
أما وليم ميور، فإنه على رغم ما تحدث به عن سوء تفاهم بين أبي بكر وعمر حول تركة الرسول الشخصية، أكد مع ذلك زيارة علي لـأبي بكر وحضوره لديه، كما كان يحضر عنده الصحابة الآخرون مع قيامه بواجب القضاء الأعلى.
واعترف وليم ميور أيضاً بأنَّ علياً هو الذي كان يرد على رسائل أبي بكر بوجه عام([48]).
وكذلك تحدث الأستاذ عسكري جعفري في ترجمته الإنجليزية لكتاب نهج البلاغة التي نشرتها الجمعية الإسلامية العالمية للشيعة، أنَّ عمر كان يستشير علياً ويقبل آراءه، وحينما استشاره عمر بمناسبة الحرب ضد الإمبراطورية الرومية، أشار عليه ببقائه هناك وإرسال ضابط محنَّك آخر لقيادة الجيش، وكذلك خالف علي أن يتجه عمر إلى ميدان القتال بمناسبة معركة حاسمة ضد القوات الفارسية، ونهاه عن ذلك([49])، ولكي نجد تصديقاً لهذا الجانب المهم نستطيع أن نراجع نهج البلاغة في خطبتي علي رضي الله عنه، رقم (137-149)([50])
ولما حاصر الناس عثمان ومنعوه الماء فأشرف على الناس، فقال: أفيكم علي؟، قالوا: لا، قال: أفيكم سعد؟، قالوا: لا، فسكت، ثم قال: ألا أحد يبلغ علياً به فيسقينا ماءً، فبلغ ذلك علياً، فبعث إليه بثلاث قرب مملوءة ماءً، فما كادت تصل إليه، وجرح بسببها عدة من موالي بني هاشم وبني أمية حتى وصل الماء إليه، وبلغ علياً أن عثمان يراد قتله، فقال للحسن والحسين: اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحداً يصل إليه([51]).
ولما حاصر الناس بيت عثمان بعث علي الحسن ومولاه قنبراً، وأمرهما بمنع الناس عن الدخول على عثمان، ورمى الناس عثمان بالسهام حتى خضب الحسن بالدماء على بابه، وشجَّ قنبر مولى علي، ولم يتمكن الناس من الدخول على عثمان من ذلك الباب الذي كان عليه الحسن، وتسوروا عليه الجدار من خلفه ودخلوا عليه، وقتلوه وهو يتلو القرآن([52]).
 العلاقة المتبادلة بين أهلِ البيت والصحابةِ الكرام رضي الله عنهم:
لقد وصف القرآنُ الكريم الصحابةَ الكرام رضي الله عنهم، فقال: ((أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) [الفتح:29] ويؤيد هذا النص القرآني حياتهم وعلاقاتهم المتبادلة ومعاملاتهم الأخوية وتحاببهم وإكرامهم بعضهم لبعض، ورعايتهم، وأداء حقوقهم، وقد صدق أمير علي حينما قال: (إنَّ تصلب صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الدين نفسه لأكبر دليل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وإخلاصه للهدف الذي بعث من أجله)([53]).
وكل ما رواه أو يرويه الناس عنهم خلاف هذه الشهادة القرآنية، فإنما يرادف ذلك تكذيب القرآن، وتغليط التاريخ، وسوء الظن والتشكيك في تربية النبي صلى الله عليه وسلم. وننقل هنا بعض الوقائع والأحداث التي تتصل بهم:
جاء فيما رواه البخاري عن عقبة بن الحارث رضي الله عنه، قال: (صلى أبو بكر العصر، ثم خرج يمشي فرأى الحسن يلعب مع الصبيان فحمله على عاتقه وقال: بأبي، شبيه بالنبي صلى الله عليه وسلم لا شبيه بـعلي، وعلي يضحك)([54]).
وقد جاء فيما رواه الحسين بن علي رضي الله عنه قال: (إن عمر قال لي ذات يوم: أي بني لو جعلت تأتينا وتغشانا؟ فجئت يوماً وهو خالٍ بـمعاوية، وابن عمر بالباب لم يؤذن له، فرجعت فلقيني بعد فقال: يا بني! لم أرك أتيتنا؟ قلت: جئت وأنت خالٍ بـمعاوية فرأيت ابن عمر رجع فرجعت، فقال: أنت أحق بالإذن من عبد الله بن عمر، إنما أنبت في رؤوسنا ما ترى، الله، ثم أنتم، ووضع يده على رأسه)([55]).
وروى ابن سعد عن جعفر الصادق عن محمد الباقر عن أبيه علي بن الحسين قال: (قدم على عمر حلل من اليمن، فكسا الناس، فراحوا في الحلل، وهو بين القبر والمنبر جالس، والناس يأتونه فيسلمون عليه ويدعون له، فخرج الحسن والحسين من بيت أمهما فاطمة رضي الله عنها يتخطيان الناس، وليس عليهما من تلك الحلل شيء، وعمر قاطب صارٌّ بين عينيه، ثم قال: والله ما هنأ لي ما كسوتكم، قالوا: يا أمير المؤمنين، كسوت رعيتك فأحسنت، قال: من أجل الغلامين يتخطيان الناس، وليس عليهما منه شيء كبرت عنهما وصغرا عنها، ثم كتب إلى اليمن أن ابعث بحلتين لـحسن وحسين وعجل، فبعث إليه بحلتين فكساهما)([56]).
وعن أبي جعفر أن عمر لما أراد أن يفرض للناس بعدما فتح الله عليه، جمع ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ابدأ بنفسك، فقال: لا والله، بالأقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن بني هاشم رهط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرض للعباس ثم لـعلي، حتى والى بين خمس قبائل حتى انتهى إلى بني عدي بن كعب.
فكتب من شهد بدراً من بني هاشم، ثم من شهد بدراً من بني أمية بن عبد شمس، ثم الأقرب فالأقرب ففرض الأعطيات لهم، وفرض للحسن والحسين لمكانهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم([57]).
يقول العلامة شِبْلي النُّعماني في كتابه الفاروق حول عنوان (رعاية الحقوق والآداب بين الآل والأصحاب):
(إنَّ عمر رضي الله عنه لم يكن يبت برأي في مهمات الأمور قبل أن يستشير علياً رضي الله عنه، الذي كان يشير عليه بغاية من النصح ودافع من الإخلاص، وكان قد حاول أن يوليه قيادة الجيش في معركة نهاوند إلا أنه لم يوافق عليه، ولما سافر إلى بيت المقدس استخلفه في جميع شؤون الخلافة على المدينة، وقد تمثل مدى الانسجام والتضامن بينهما حينما زوجه علي رضي الله عنه من السيدة أم كلثوم التي كانت بنت فاطمة رضي الله عنها)([58]).
ولا أدلَّ على الصلة الوطيدة الخالصة التي كانت بين علي رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه من تزويجه أم كلثوم له رغم وجود زوجاته السابقات وفي مثل سنه المتقدمة، وكذلك تسميته لأبنائه الثلاثة بأسماء الخلفاء الذين سبقوه، وهم أبو بكر وعمر وعثمان([59]). إنَّ ذلك لأوضح مثال للثقة والمودة التي كانا يتبادلانها، وكان يمكننا أن نسوق أمثلة أخرى لهذه الصلة القوية، ولكن نكتفي بما سقناه نظراً إلى الاختصار.
 تصوير رائع لعهد الصحابة رضي الله عنهم بقلم شاعر الهند الكبير ألطاف حسين حالي:
ومن أجل هذه الخصائص فإنَّ هذا المجتمع الإسلامي الأول الذي قام على أساس الصحبة النبوية، والتربية الإيمانية، والتعاليمِ القرآنية، أصبح طاقة زهر جميلة، كانت كل زهرة منها وكل ورقة سبباً لجمالها وزينتها، ولقد تحولت قبائل مختلفة، وأسر متعددة، ورجال طبقات متباينة، إلى أسرة جيدة الأسلوب، متحدة القلوب، وقد جمعتهم تربية النبي صلى الله عليه وسلم، المعجزة وتعاليم الإسلام الساحرة على الحب والثقة، وفي هذه المناسبة لا يسعني إلا أن أنقل قطعة من قصائد الشاعر العظيم ألطاف حسين حالي من ديوانه الشهير الذي يعرف بـمزدوجة حالي وقد صَوَّرَ فيها مجتمع الصحابة الكرام رضي الله عنهم تصويراً رائعاً حياً ومع أن هذه الصورة تنطق بالواقع، فإنها رائعة خلابة بحيث إنها تحل محلاً أولاً ورفيعاً في المجموعة البشرية الواسعة الضخمة بعد سيرة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وتاريخهم.
يقول الشاعر العظيم وهو يتحدث عن الخلافة الراشدة وأحوال الصحابة رضي الله عنهم، ما ترجمته:
(ولما أكرم الله سبحانه أمَّةَ الإسلام بنعمةِ الحق، وقام الرسول صلى الله عليه وسلم بواجبه خيرَ قيام، وتمَّت حجة الله تعالى على العباد، ولحقَ الرسولُ بالرفيق الأعلى، خلَّف وراءه أمةً وَرِثَت الإسلام، ويندر نظيرها في العالم كله.
فقد كان هؤلاء الناس كلهم خاضعين لكلمة الإسلام، ناصرين للمسلمين، أوفياء لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، مواسين للأيتام والأرامل راغبين عن طريق الكفر والباطل، متفانين في سبيل الحق والضمير منتشين بنشوتهما.
إنهم محوا رسومَ الجهل وهدَموا أساسَ الكهانة، أخضعوا رؤوسهم أمام أحكام الدين، وبذلُوا أرواحَهم وأموالهم في سبيل الله تعالى بسخاء، ينصبون أنفسهم جُنَّةً في وجه كل مصيبة، ذلك لأنهم لا يخافون إلا الله.
إذا كان فيما بينهم خلاف في شيء، فلم يكن مصدره إلا الإخلاص، وإذا كانوا يتنازعون حول أمر فكأن ذلك النزاع أفضل من صلح ومسالمة، وما ذلك إلا موجة لتلك الحرية الإيمانية التي اخضرت بها حدائق العالم البشرية.
وما كانوا يتكلفون في الطعام والشراب، ولا كانوا يتوخون الزينة والهندام من وراء اللباس، ولقد كان القائد والجيش في مستوى واحد، وكذلك الغني والفقير كلاهما في حالة واحدة، إن البستاني الكريم كان قد أنشأ حديقة، وغرس فيها أشجاراً متماثلة، لقد كان الخليفة حارس الأمة كما يحرس الرعاة قطعان الغنم، ما كانوا يميزون بين المسلم والذمي، ولا كانوا يقرون بفرق بين الحر والعبد.
وكذلك الصلة بين الأمة والسيدة، كانت كالصلة بين الأخوات والأمهات والبنات، تركزت جل مساعيهم على سبيل الحق، وتوطدت علاقاتهم على مبدأ الحق وحده، ما كانت تستعر نارهم بنفسها، وإنما كان زمامهم في قبضة الشريعة فحسب، فحيثما أُلينوا لانوا، وحيثما استُنفِروا نفروا.
كانوا يراعون الاقتصاد في مكان الاقتصاد، والسخاء في محل السخاء، ويتمسكون بمبدأ الاتزان في الحب والعداوة، فما كانوا يحبون بدون اقتضاء، ولا يبغضون في غير علة، فمن خضع للحق خضعوا له، ومن أعرض عن الحق أعرضوا عنه)([60]).
 الدليل على استجابة الفطرة الإنسانية لجهود الإصلاح، والمفخرة العظيمة للإنسانية:
إنَّ ملامح المجتمع الإسلامي وقامته وصورته التي تتمثل في ضوء الكتاب والسنة والتاريخ الموثوق به، وفوق ذلك ما يتجلى من طبيعة هذا المجتمع واتجاهاته، لا تصور أولئك المسلمين ممن تربوا في أحضان النبوة، وتلقوا توجيهاتهم في مدرسة النبوة والقرآن فحسب، بل إنها تعطي صورة جميلة رائعة لعدد كبير وجيه من أناس لا يوجد لهم نظير -ولو في عدد قليل ورغم تفاوت قرون وتباين زمان ومكان- في جماعة تساويهم في شيء من المستوى والمثالية، ويتوفر في ذلك دليل واضح على ما تتمتع به الفطرة الإنسانية من صلاحية لقبول الخير وإمكانيات واسعة لرقيها ونزاهتها وطموحها- حيث يصعب أن يتصورها الذكاء الإنساني- وعلى المجهودات المخلصة الزكية التي بذلها الرجال المخلصون المصلحون والمؤيدون من الله تعالى، ونجاحهم وتأثيراتهم الباقية، ويحق للإنسانية أن تفتخر من أجلها بنفسها، وللإنسان في كل عصر أن يعتز بما قد وجد- بإذن الله- في بني جنسه من هذا النوع الرفيع العالي، وذلك مما يشفي أفراد النوع البشري من أدواء اليأس ومركب النقص والفرار من المجتمع الإنساني، وترتفع به همم العاملين في الخط السليم، وينشط ويرسخ في النفس دافع الحب الخالص لشخصية خاتم النبيين وإمام المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، ولجميع الأنبياء والمرسلين عامة، ويتحول الإيمان بالغيب إلى الإيمان بالشهود، بمشاهدة آثار ونتائج تربية النبي صلى الله عليه وسلم وتعليمه.
وقد صدق شيخ الإسلام الحافظ ابن تيمية حينما قال:
(وخيار هذه الأمة هم الصحابة، فلم يكن في الأمة أعظم اجتماعاً على الهدى ودين الحق، ولا أبعد عن التفرق والاختلاف منهم، وكل ما يذكر عنهم مما فيه نقص، فهذا إذا قيس إلى ما يوجد في غيرهم من الأمة كان قليلاً من كثير، وإذا قيس ما يوجد في الأمة إلى ما يوجد في سائر الأمم كان قليلاً من كثير، وإنما يغلط من يغلط أنه لينظر إلى السواد القليل في الثوب الأبيض، ولا ينظر إلى الثوب الأسود الذي فيه بياض)([61]).
 الصورة المشوهة المظلمة لعهد الإسلام المثالي والجيل الإسلامي الأول:
ولكن بالعكس من ذلك فإن جماعة تدعي الانتماء إلى الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم -وهي فرقة الإمامية الإثني عشرية - تقدم لهذا المجتمع والعصر صورة معاكسة تهدم المجهودات التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم في مجال التربية والتوجيه، وتثبت له إخفاقاً لم يواجهه أي مصلح أو مُرَبٍّ خبير مخلص لم يكن مأموراً من الله ولا مؤيداً من السماء ولا مورد وحي ولطف إلهي، كما كان الشأن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنها تقدم صورةً مشوّهةً كالحةً لجحود النعمة والجفاء والغدر، وإخفاء الحق، وعبادة النفس، وحب الجاه، واستخدام كل نوع من المساعي والمؤامرات، والتحريفات والافتراءات، وتبريرها لتحقيق أغراضها الخسيسة، إنها الصورة المشوهة الكريهة التي لا تبعث في النفوس اليأس من مصير الجهود الإسلامية والتربوية فحسب، بل إنها تبث اليأس من صلاحية الإنسانية جمعاء ومصيرها ومستقبلها.
إنها ترى أنَّ المجهودات الجبارة التي بذلها محمد صلى الله عليه وسلم ثلاثة وعشرين عاماً، لم تنتج إلا ثلاثة أشخاص (أو أربعة وفقاً لبعض الروايات) ظلوا متمسكين بالإسلام إلى ما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، أما غيرهم فقد قطعوا صلتهم فور وفاته صلى الله عليه وسلم -والعياذ بالله- عن الإسلام، وأثبتوا أن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتربيته أخفقت في مهمته التي توخاها([62]).
وقد جاء في كتاب الجامع الكافي الذي تعتبره الإثنا عشرية أصح كتاب، في الفصل الأخير منه تحت عنوان (كتاب الروضة) رواية عن الإمام أبي جعفر (الإمام محمد الباقر) يقول: (كان الناس على ردة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي رحمة الله عليهم وبركاته)([63]).
 الخميني وأقواله:
إنَّ قائد الثورة اليوم في إيران ومؤسس ما يسمى (الحكومة الإسلامية) فيها، (ونائب الإمام الغائب) الخميني ينعت الصحابة الكرام رضي الله عنهم في كتابه الفارسي كشف الأسرار بأوصاف تثبتهم عُبَّاداً للدنيا متجرئين على الله تعالى، محرِّفين للقرآن الكريم، وفي عاقبة الأمر كافرين، يقول في كتابه كشف الأسرار ما ترجمته:
(أولئك (الصحابة) الذين لم يكن يهمهم إلا الدنيا والحصول على الحكم دون الإسلام والقرآن، والذين اتخذوا القرآن مجرد ذريعة لتحقيق نواياهم الفاسدة، قد سهل عليهم إخراج تلك الآيات من كتاب الله -التي كانت تدل على خلافة علي رضي الله عنه بلا فََصْل، وعلى إمامة الأئمة- وكذلك تحريف الكتاب السماوي، وإقصاء القرآن عن أنظار أهل الدنيا على وجه دائم بحيث يبقى هذا العار في حق القرآن والمسلمين إلى يوم الدين، إن تهمة التحريف التي يوجهونها إلى اليهود والنصارى إنما هي ثابتة عليهم)([64]).
ويقول في موضع آخر:
(هب أن القرآن إذا كان قد عين اسم الإمام فمن أين نستنتج عدم حدوث الخلاف بين المسلمين، ذاك أنَّ الذين كانوا قد ألصقوا نفوسهم بدين الرسول عليه السلام إلى سنوات طويلة، طمعاً في الحكومة والولاية، وكانوا يتآمرون في سبيل ذلك ويتحزَّبون من مدة، ما كان يمكنهم أن يتنازلوا عن أغراضهم نزولاً إلى امتثال أوامر القرآن، وما كانوا يضنون بأي حيلة لتحقيق غايتهم، بل ربما أصبح ذلك سبباً للخلاف فيما بين المسلمين، الذي أدى إلى هدم أساس الإسلام، فقد كان من الممكن للذين كانوا يترقبون الفرص لتأسيس حكومة لهم وتحقيق غرضهم أن يتحزبوا ضد الإسلام، ويعارضوه بكل صراحة وجهر، إذا كانوا قد يئسوا أن غرضهم هذا لا يكاد يتحقق باسم الإسلام)([65]).
أما مرئيات الخميني حول الشيخين وذي النورين وعامة الصحابة رضي الله عنهم- التي لا يسعني أن أنقلها هنا- فليراجع للاطلاع عليها كتابه الفارسي كشف الأسرار أو يرجع إلى كتاب فضيلة الشيخ محمد منظور النعماني الثورة الإيرانية، الإمام الخميني، والشيعية إذ إن نقلها هنا ليس ضرورياً ولا ممكناً.
 تعليق الأمير محسن الملك، المبصر الصريح:
إنَّ تعليق الأمير محسن الملك([66]) (السيد محمد مهدي علي) على معتقدات هذه الفرقة عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم وسلوكهم نحوهم في كتابه: الآيات البينات لا يمكن الزيادة عليه، ولا يسهل إبداء رد فعل يواجهه إنسان رُزق شيئاً من سلامة الطبع بعد علمه بهذا الواقع، بأسلوب أحسن من أسلوبه، إنه يقول:
(الحقيقة أنَّ ما يعتقده الشيعة في الصحابة الكرام رضي الله عنهم يسبِّبُ توجيهَ التهمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويثير الشبهات حول الإسلام في نفوس المطَّلعين على هذه المعتقدات، ذلك لأنَّ من يعتقد في الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، أنهم لم يكونوا صادقين في إيمانهم إلا في ظاهر الأمر، أما في باطنهم فكانوا كافرين -والعياذ بالله- حتى إنهم ارتدوا عن الإسلام على إثر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، لا يستطيع أن يصدق نبوةَ النبي صلى الله عليه وسلم، بل يقول: لو أن النبي كان صادقاً في نبوته لكانت تعليماته ذات تأثير، ووجد هناك من يكون قد آمن به من صميم القلب، ووجد من بين العدد الهائل ممن آمنوا به بعض المئات الذين ثبتوا على الإيمان، فإذا كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم ناقصين في إيمانهم وإسلامهم -كما يزعمون- فمن هم أولئك الذين تأثروا بهداية النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى كم يبلغ عدد الذين استفادوا من نبوته، فإن كان أصحابه -سوى بضعة رجال منهم- منافقين ومرتدين فيما زعموا -والعياذ بالله- فمن دان بالإسلام؟ ومن انتفع بتعليم الرسول عليه الصلاة والسلام وتربيته؟)([67]).
 كلمة الإمام الشعبي في الشيعة:
وما أحسن قول الإمام الشعبي المتوفَّى (110) هـ في مقارنة الشيعة بـاليهود والنصارى، والحكم على أصحاب أنبيائهم، ومعرفة منزلتهم وتأثيرهم بذلك، فقد روي عنه أنه قال: (سُئِلت اليهود: مَنْ خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى: وسئلت النصارى: مَنْ خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواريِّي عيسى. وسئلت الرافضة: مَنْ شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد. أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم)([68]).
 القياس على المتهافتين على حطام الدنيا، والعتاة الذين يطمعون في الولاية والحكم:
يبدو أن أبناء إيران هؤلاء قد قاسوا الصحابة الكرام رضي الله عنهم، والذين تربَّوا في مدرسة النبوة، على مؤسسي الحكومات والمجازفين، وعُبَّاد الجاه والملك، وطمَّاعي المال والثراء، الذين تمثَّلت نماذجهم في ملوك إيران من بهلويين وكيانيين، وأخيراً الصفويين والقاجاريين، وإذا صحَّ أنَّ جد الخميني الأعلى كان قد هاجر إلى إيران من ولاية أوده في الهند فلا شك أنه قاس الصحابة الكرام بمقياس الإقطاعيين والملوك([69]) والدهاة من فرسان التزوير، والمحاكمات، ممن يستسيغون استخدام كل وسيلة ويبررونها للحصول على متاع قليل من أرض، أو امرأة، أو مال. ((ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى)) [النجم:30].
 

الشرط الثاني: تميز نبي هذا الدين عن الحكام السياسيين والغزاة الفاتحين:
 
 الأسوة النبوية في الأقارب وأفراد الأُسرة:
أسلفنا أنَّ الشرطَ الثاني للدين الذي يخاطب النوعَ البشري كله ويدعوه إلى فضائل الأخلاق، وحسن السلوك، والإصلاح والتغيير الأساسي، أن لا يكون هدف الداعية الأول لهذا الدين -شأن مؤسسي الحكومات القدامى، والقادة والزعماء السياسيين العامة، وهم معروفون في تاريخ العالم- تأسيسَ مملكة عائلية، أو حكومة وراثية، بدعوته وتضحياته، وجهوده وعلاقاته العامة، وأن لا يكون نصب عينيه، بمجهوداته التي يبذلها- التي كانت تبدو في حينها أنها مخلصة ومحايدة- تسليطَ أعضاء أسرته على رؤوس الناس، وفرض سيادتهم عليهم مع التركيز على تعبيد الطريق للقيادة والسيادة، والتنعم والرخاء، لأهله وأقاربه إلى مدة طويلة، والحفاظ على مصالحهم إلى أجيال آتية.
حينما ندرس السيرةَ النبويةَ من هذه الزاوية، يهجم علينا عالم مليء بالمعجزات تتجلى فيه بشيء كثير من الوضوح طبيعة النبوة التي تشرَّفت بالتربية الإلهية مباشرة، كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «أدَّبني ربِّي فأحسنَ تأديبي»([70]).
ويتجلى فيه ذلك الخلق العظيم الذي شهد الله به قائلاً: ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) [القلم:4]، ويتراءى فيه تسلسل السيرة النبوية الذي حفظه القرآن الكريم على لسان كل نبي في قوله: ((وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ))([71]).
وهذا السرُّ كان قد تفطَّن له قائد المملكة البيزنطية هرقل (Heraclius)(610 – 640) الذي كان نصرانياً ولم يكن مسلماً، غير أنه كان مطَّلعاً بوجه خاص على الكتب الدينية، وتاريخ الأمم والملل، فلما تلقى كتابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الذي وجهه إليه، أراد أن يعرف أحوال النبي صلى الله عليه وسلم لكي يقطع فيه رأياً صحيحاً، وقد كان عنده في ذلك الحين أحد سادة قريش أبو سفيان، الذي كان يزور مملكته في تلك الأيام، فوجَّه إليه تساؤلات عديدة، ومن بين ما سأله عنه قال: (فهل كان من آبائه من ملك؟ فقال له: لا ثم لما علَّق هرقل على ما دار بينه وبين أبي سفيان من كلام، قال: وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا. فقلت: فلو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه)([72]).
فإذا استعرضنا السيرة النبوية من هذه الزاوية وقسناها بهذا المقياس، وجدنا أمثلة كثيرة تدل على أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد من دعوته وجهاده الذي قام به، أن ينقل الدولة من الأسر الساسانية والرومانية إلى عامة العرب- فضلاً عن بني هاشم وبني المطلب وفضلاً عن قريش فكيف يريد أن يؤسس مملكة هاشمية، أو سيادة مطلبية، حتى إن رؤوس ممثلي هذا الدين والدعوة ممن لم يكونوا في صفِّ كبار الصحابة الأول، كانت نقيَّة في هذا الموضوع، وهم كانوا يتفهمون هذه الحقيقة جيداً، ويمكن أن نقدر مدى ذلك من ذلك الرد الصريح الذي وجهه ربعي بن عامر إلى قائد قوات الجيش الإيراني، والركن الأعظم للدولة الإيرانية رستم، حينما سأله: (ما الذي جاء بكم؟ فقال: (الله ابتعثنا لنخرجَ من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده))([73]).
لم تكن معاملةُ النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل بيته وأقاربه تختلف فحسب عن معاملة السادة الماديين والمتفاخرين بالآباء والأنساب وعامة الحكام، الذين يخضعون لمبدأ (الأقرب فالأقرب)، بل إنما كان يضاد سلوكهم، فقد كان مبدؤه الذي يعمل به أن المرء كلما كان أقرب إليه قدَّمه على الناس في ساعات الامتحان والأخطار، وأخَّره لدى تقسيم الغنائم وإعطاء الجوائز والأموال. ومن لا يدري أن عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ووليد بن عتبة - الذين كانوا من كبار أبطال العرب ومحاربيهم- لما ناشدوا قريشاً وطلبوا المبارزة، نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة، وعلياً، وعبيدة رضي الله عنهم، وقدمهم إلى المبارزة، على أنه صلى الله عليه وسلم كان يعرف مكانة هؤلاء الفرسان المكيين جيداً، وقد كان في المهاجرين عدد من الأبطال والفرسان ممن كانوا يستطيعون أن يبارزوهم بحق، إن هؤلاء الهاشميين الثلاثة الذين كانوا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرحم والقربى، وأحب إليه وأعزَّ لديه، بعثهم مبارزين، ولم يخاطر بغيرهم تفادياً لهم من الخطر، وكتب الله سبحانه وتعالى لهم الغلبة من الخطر والانتصار على العدو، ورجع علي وحمزة رضي الله عنهما مظفرين منتصرين، وجيء بـعبيدة رضي الله عنه جريحاً.
وقد جاء في كلام سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما يؤيد ذلك، إنه يقول في كتاب له: (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا احمرَّ البأسُ وأحجمَ الناس، قدَّم أهلَ بيته فوقى بهم أصحابه حرَّ الأسنة والسيوف، فقُتل عبيدة بن الحارث يوم بدر، وقُتِل حمزة يوم أحد، وقُتِل جعفر يوم مؤتة)([74]).
ولما أعلن النبي صلى الله عليه وسلم فرضية الزكاة -التي هي ركن عظيم وخالد إلى يوم القيامة ومؤسسة عالمية، ووسيلة دائمة للموارد المالية- حَرَّمها على بني هاشم إلى يوم الدين، ولم يجعل لهم فيها أي نصيب، ولكن لما حَرَّم الربا، بدأ تحريمه من عمه العباس بن عبد المطلب، وكذلك حينما وضع دم الجاهلية فبدأ ذلك من ابن أخيه ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وقد أعلن عن ذلك في خطبته التي ألقاها في حجة الوداع، فقال: «وإنَّ أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد، فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله»([75]).
 يقدم في الأخطار ويؤخر في المنافع:
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لدى جميع مناسبات الراحة والعطايا والجوائز والشرف يؤخر دائماً أقرباءَه، ويؤثرُ عليهم غيرهم خلافاً لعادة عامة الملوك والسلاطين، وطريقة الحكام، والزعماء السياسيين.
عن علي رضي الله عنه «أن فاطمة اشتكت ما تلقى من الرحى مما تطحن، فبلغها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتي بسَبْيٍ، فأتته تسأله خادماً فلم توافقه فذكرت لـعائشة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك عائشة له، فأتانا وقد دخلنا مضاجعنا، فذهبنا لنقوم، فقال: على مكانكما، حتى وجدت بَرْدَ قدميه على صدري، فقال: ألا أدلكما على خير مما سألتماه، إذا أخذتما مضاجعكما فكبِّرا اللهَ أربعاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وسبِّحا ثلاثاً وثلاثين، فإنَّ ذلك خير لكما مما سألتماه»([76]).
وفي رواية أخرى أخرجها أحمد من وجه آخر عن علي رضي الله عنه في هذه القصة، وفيها: «والله لا أعطيكم، وأدع أهل الصُّفَّة، تطوى بطونهم من الجوع، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم»([77]).
وهنا نماذج من شأنه صلى الله عليه وسلم مع أحبِّ الناس إليه من أهل بيته وأبناء أسرته، وما هي الحياة التي كان يحبها لهم ونمط العيش الذي يعيشونه، وإلى القرَّاء بعض المقتطفات.
1- عن ابن عمر: «أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج كان آخر عهده بـفاطمة عليها السلام، فإذا رجع كان أولُ عهده بـفاطمة عليها السلام، فلمَّا رَجَع من غزوةِ تبوك، وقد اشترت مقينعة([78]) فصبغتها بزعفران، وألْقَت على بابها ستراً، أو ألقت في بيتها بِسَاطاً، فَلمَّا رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، رجع فأتى المسجد، فقعد فيه، فأرسَلت إلى بلال، فقالت: اذهب فانظر ما ردَّه عن بابي؟ فأتاه فأخبره، فقال: إنّي رأيتها صنعت ثمة كذا وكذا، فأتاها فأخبرها، فهتكت الستر وكل شيء أحدثته، وألقت ما عليها، ولبست أطمارها، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فجاء حتى دخل عليها، فقال: كذلك كوني فداك أبي وأمي»([79]).
2- عن ابن عمر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى منزل فاطمة عليها السلام فرجع ولم يدخل، وجاء عليٌّ عليه السلام فذكرت ذلك له، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت على بابها ستراً ومالي وللدنيا، قال: وكان الستر موشياً، قال: فذكر ذلك علي لـفاطمة عليهما السلام، فقالت: يأمرني بما أحب، فذكر ذلك علي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ابعثوا به إلى آل فلان، فإن بهم إليه حاجة»([80]).
3- عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر كان آخر عهده من أهله بـفاطمة عليها السلام، وأول من يدخل عليها إذا قدم، فقدم من غزاة، وقد علَّقت مسحاً أو ستراً على بابها، وحَلََّت الحسن والحسين عليهما السلام قلبين([81]) من فضة، فقبض ولم يدخل، فظنت أنه إنما منعه أن يدخل ما رأى، فهتكتْ الستر وفككتْ القلبين عن الصبيين، فبكيا وقطعته بينهما، فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما يبكيان، فأخذهما منهما فقال: يا ثوبان، اذهب بهذا إلى فلان أو إلى أبي فلان -قال: أهل بيت بـالمدينة - إنَّ هؤلاء أهل بيتي أكره أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، يا ثوبان اشتر لـفاطمة قلادة من عصب، وسوَارَيْن من عاج»([82]).
هذه الطبيعة النبوية -التي يشارك فيها جميع الأنبياء- تتجلى في كلامه الذي أُثِرَ عنه، والذي جاء فيه: «إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة»([83]).
ولم يكتف بهذا فقط، بل آثر حياة الزهد والقناعة، والبذل والإيثار لأهله إلى يوم القيامة، وجعل ذلك دعاء من الله لهم، فكان دعاؤه: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً»([84]).
 النجاة والرقي في الإسلام يتوقفان على الكفاءة الذاتية، والسعي الشخصي:
هل كان يمكن في مثل هذه الحالة أن يهيئ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسبابَ دولةٍ وراثية أو حكومة شخصية لأفراد أسرته وأقربائه، ويجعل الخلافة والإمامة([85]) محدودةً محفوظةً فيما بينهم([86]). والواقع أنه كان من المناسب جداً للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل ميدان العلم والعمل والسعي والجهد مفتوحاً، للحدب على عمومية الدين والإبقاء على مبادئ الإسلام للمساواة الإنسانية والإعلان الواضح عن مقياس الكرامة والفضيلة في قوله تعالى: ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ)) [الحجرات:13] ولتكافؤ الفرص لجميع أفراد الأمة المحمدية في كل زمان للتوصُّل إلى أسمى المنازل الروحانية والمناصب الدنيوية، بفضل أعمالهم ومساعيهم وعلمهم وإخلاصهم، وبقدر مؤهلاتهم ولإثارة دفع العمل والسباق في الأمة، ويقرع أسماع الأمة النداء القرآني في كل زمان: ((وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ)) [آل عمران:133]، وقد بيَّنَ القرآن حقيقة أن نجاح الإنسان وسعادته وتقدمه، إنما يتوقف على سعيه الخاص الذي يبذله: ((وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى)) [النجم:40-41].
وَصرَّح بأنه لا يحمل أي شخص حمل غيره في الآخرة، وكل شخص مسؤول عن عمله ((وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)) [الأنعام:164].
وفي الحديث الذي رواه البخاري أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سمى قبيلته الخاصة بني عبد مناف، وسمى أقربَ وأعزَّ أفراد أسرته بأسمائهم وقال: سلوني ما شئتم من مالي، ولا أغني عنكم من الله شيئاً([87])، يقول: «يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً، ويا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئاً»([88]).
بل إنه صلى الله عليه وسلم ختم على هذا الواقع بقوله: «من بطَّأَ به عملُه لم يسرع به نسبه»([89]).
 الحكم الإلهية العظيمة في ترتيب الخلفاء وفي معاملة الله تعالى مع أهل البيت:
ليس عندنا من مصادفات الزمان ولا نتيجة لمؤامرة أو تخطيط، أن يخلف النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته رجل من بني تيم بدلاً من أن يشغل هذا المنصب فرد من أفراد الأسرة النبوية -التي كانت تتمتع من غير شك بأوصاف وفضائل إنسانية عالية- وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي قام بأعباء الخلافة باختيار عام واستحسان من المسلمين، على أنه لم يكن من بني هاشم ولا من بني المطلب، ذلك لكي يتبيّن للناس ويرسخ في أذهانهم لأول وهلة، أنَّ الإسلام ليس نظاماً وراثياً ولا قضية عائلية، بل العبرة في الإمامة والخلافة بالكفاءة العملية، والخدمات، وباختيار المسلمين وقضائهم.
كما أنني لا أرى من حِكم المصادفات أو الاضطرار أن يوكل سادة أهل البيت وفضلاؤهم بعد ذلك إلى فضائلهم وسيرتهم وأخلاقهم وزهدهم وحميتهم الدينية وعزمهم الراسخ فيستحقون بذلك تعظيمَ الأمة المحمدية، ويتبوؤن منصب القيادة الدينية والإمامة العلمية، فقد كانت الأمة تقدم إليهم ضريبة الحب والإعجاب، ووفقهم الله سبحانه لنصرة الأمة الإسلامية في أحرج المناسبات عدة مرات، ووقفوا في وجوه أعداء الإسلام حرباً عليهم، ونفخوا في جسم المجتمع الإسلامي قوة وروحاً جديدة بروحانيتهم الصادقة وعزيمتهم الراسخة([90]): ((ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)) [الأنعام:96].

الشرط الثالث: حفظ الله سبحانه لكتاب هذا الدين وصيانته له:
 
 النصوص القرآنية الدالّة على صحة القرآن وسلامته:
لقد أسلفنا أنَّ الشرط الثالث للنبوة الخالدة أن تكون الصحيفة السماوية الأخيرة التي نزلت على النبي الخاتم والتي تعتبر أساساً لدينه، ومصدراً لتعاليمه ودعوته، ووسيلة دائمة لربط الخلق بخالقه، مصونة سالمة في كل حرف من حروفها ونقطها، وجديرة بالفهم وفي متناول الإنسان، وأن يستمر عمل قراءتها وتلاوتها وتحفيظها واستحضارها، وتفهيمها وتعميمها في كل زمان، دون أن تمسَّها يدُ التحريف كالصحف السابقة، وأن لا تودع كأثر تاريخي أو كوثائق ومستندات ووصايا العائلات في طبقة أو أسرة، أو مكتبة خاصة بالنوادر والمخطوطات، فلا تعرض إلا على الخاصة من الناس وهم الذين يطلعون عليها دون غيرهم.
إنَّ تصريحات القرآن الكريم في هذا الشأن قطعية وصريحة، وعندما كان جبريل الأمين يبلغه إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم -وكان الرسول كبير الاهتمام بحفظه وتحفيظه بالنص الأصيل وإبلاغه إلى الآخرين- وعده الله بالجمع والقراءة حيث قال: ((إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)) [القيامة:17-19].
تشير الآيات إلى جمع القرآن في الصدور وتلاوته تلاوةً كاملة غير منقوصة، تم تهيئة الأسباب لشرحه وبيانه، ومسؤولية استمراره إلى يوم الدين، ثم لما وصل القرآن إلى الناس وحفظوه كلياً أو جزئياً في الصدور، ولما قامت بعد ذلك غزوات وحروب، وتفرَّق الناس في البلدان، وحدثت في الزمان ثورات، تولَّى الله سبحانه مسؤولية صيانةِ القرآن بألفاظه إلى يوم القيامة، يقول: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9].
 شهادات المنصفين من غير المسلمين:
يتَّفق على عقيدة سلامة القرآن من كل تحريف جميع المسلمين في القديم والحديث -سوى الفرقة الإثني عشرية - ونحن في المناسبة لسنا بحاجة إلى نقل أقوال أئمة الإسلام وكبار العلماء والأفاضل المسلمين، فإنَّ سلامة القرآن من غائلة كل تحريف وتغيير، عقيدة أهل السنة المتفق عليها([91])، وجزء من الإيمان عندهم، ولكننا نعرض هنا شهادات لغير المسلمين وخاصة للمؤلفين والمؤرخين النصارى:
جاء في دائرة المعارف البريطانية الاعتراف التالي:
(القرآن من أكثر الكتب تلاوة على وجه هذه الأرض)([92]).
أما المستشرقون والمحققون الأوروبيون ممن لا يعتقدون أن القرآن مُنَزَّل على محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحي، فهم كذلك يوافقون على الفكرة المذكورة أعلاه، يقول السيد وليم ميور (Sir William Muir) الذي يُعرف بالتحامل على النبي صلى الله عليه وسلم إلى حد أن السير السيد أحمد خان –حامل لواء التعليم العصري الجديد للمسلمين الهنود- اضطر إلى تأليف كتابه الخطبات الأحمدية رداً على كتاب السيد وليم ميور حياة محمد (Life of Mohammad):
(لم يمض على وفاة محمد ربع قرن حتى نشأت منازعات عنيفة، وقامت طوائف، وقد ذهب عثمان ضحية هذه الفتن، ولا تزال هذه الخلافات قائمة ولكن القرآن ظل كتاب هذه الطوائف الوحيد، إنَّ اعتماد هذه الطوائف جميعاً على هذا الكتاب تلاوة، برهان ساطع على أن الكتاب الذي بين أيدينا اليوم، هو الصحيفة التي أمر الخليفة المظلوم بجمعها وكتابتها فلعله هو الكتاب الوحيد في الدنيا، الذي بقي نصه محفوظاً من التحريف طيلة ألف ومئتي سنة)([93]).
ويقول وهيري (Wherry) في تفسيره للقرآن: (إن القرآن أبعد الصحف القديمة بالإطلاق عن الخلط والإلحاق، وأكثرها صحة وأصالة)([94]).
ويقول لين بول (Lane Poole): (إنَّ أكثر ما يمتاز به القرآن أنه لم يتطرق شك إلى أصالته، إن كل حرف نقرأه اليوم، نستطيع أن نثق بأنه لم يقبل أي تغيير منذ ثلاثة عشر قرناً)([95]).
ويقول باسورث اسمث: (نحن نملك كتاباً هو في أصالته وفي سلامته وفى تفرق مواده، فريد ليس له نظير، غير أنه لم يشك أحد بجدية في جوهر صدقه)([96]).
وهذا البروفيسور آرنلد يقول في كتابه Islamic Faith:
(إن نصوص القرآن ألفاظ تلفظ بها النبي صلى الله عليه وسلم بلسانه)([97]).
وكان يمكننا أن نقدم هنا مزيداً من الشهادات والاعترافات بأصالة القرآن، ولكن نكتفي بهذا القدر.
 عقيدة الفرقة الإثني عشرية عن القرآن الكريم وأقوالها:
وبإزاء ذلك فلنستعرض أقوال الفرقة الإثني عشرية عن القرآن، فإن رجال هذه الفرقة يعتقدون بتحريف القرآن، ويكادون يجمعون على ذلك([98])، وإن نوري الطبرسي قد ألف كتاباً مستقلاً في موضوع إثبات التحريف في القرآن، وسماه فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب([99]).
وقد أورد في كتابه هذا: إن هناك أكثر من ألفي رواية عن أئمتنا المعصومين تؤكد التحريف في القرآن من كل نوع([100])، ولقد كان علماء الشيعة والمؤلفون منهم يدّعون كلاماً وكتابة إلى عصر باقر المجلسي الذي يعتبر خاتم المحدثين للفرقة الإثني عشرية وترجمان مذهب الشيعة في القرن العاشر والحادي عشر الهجري بل وإلى ما بعد عصره، أن القرآن الموجود لا يخلو من تحريف وتغيير ونقص وزيادة([101]).
وقد اطلع القراء الكرام على ما أسلفناه من كلام الخميني: (لقد كان سهلاً عليهم (الصحابة الكرام) أن يخرجوا هذه الآيات من القرآن ويتناولوا الكتاب السماوي بالتحريف، ويسدلوا الستار على القرآن ويغيبوه عن أعين العالمين)([102]).
ثم يقول:
(إنَّ تهمة التحريف التي يوجهها المسلمون إلى اليهود والنصارى، إنما تثبت على الصحابة)([103]).
وفي أصول الكافي الذي يعتبر أوثق كتاب لدى الإمامية، وردت أمثلة للمواضع في القرآن التي أخرجت فيها آيات بكاملها وحُرِّفَ فيها([104])، وقد بلغوا في هذه التهمة إلى أن ادعوا بأن ثلثي القرآن قد أخرج وضُيِّع وكان عدد آياته سبعين ألف آية([105])، إنهم يعتقدون أنَّ أصل القرآن هو ما قد جمعه علي رضي الله عنه، وهو موجود عند الإمام الغائب ويختلف عن القرآن الموجود([106]).
وقال بعض الأئمة منهم: إن لدينا مصحف فاطمة، وهو على ثلاثة أضعاف من القرآن الموجود([107]).
 قِلّة الاعتناء بالقرآن الكريم:
هنا نكتفي بهذا، ونتيجة لما مرَّ من آراء ومعتقدات للشيعة عن القرآن الكريم، فإنهم لا يهتمون بالقرآن ولا يرتبطون به عملياً، ذلك الكتاب العظيم الذي يتلى لدى الأمة المحمدية شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً، والذي يتجاوز عدد حفظته مئات الآلاف، ولا تخلو منه أي قرية أو بقعة صغيرة، وفي رمضان يقرؤونه في كل مسجد مهما كان صغيراً في صلاة التراويح ويختمونه مرة أو مرتين في الشهر المبارك، ومما قد نال شهرة بين الناس أن الشيعة لا يوجد فيهم حفظة للقرآن، وذلك نتيجة نفسية للشك في صحة القرآن الكريم وأصالته، وقد جربت ذلك شخصياً لدى رحلتي إلى إيران عام (1973م).
ولذلك فإن مكتبات الإثني عشرية لا تحتوي على آثار ونماذج كثيرة لخدمة القرآن والتأليف في مختلف موضوعاته، ولا تشهد بالحركة العلمية القوية في بيان إعجازه وما يشتمل عليه من علوم وحقائق، وعلى خلاف ذلك فإن مكتبات الأقطار الإسلامية العامة زاخرة بالمؤلفات في مقاصد القرآن وما يتعلق به، حتى تكوَّنت مكتبة مستقلة من أغنى المكتبات العلمية وأوسعها في تاريخ العلوم والفنون، والنشاط العلمي، والإنتاج التأليفي.
 حجة بيد المنكرين:
في مثل هذا الوضع كيف يمكن للمسلمين أن يعرضوا -مع وجود هذه العقيدة- على العالم دعوة دينهم، وكيف يمكنهم أن يعتمدوا على القرآن كشهادة لصدقهم وصحة دعوتهم، وأفضلية تعاليم دينهم، ثم إنَّ صورة الإسلام والمسلمين التي تبرز مع هذه العقيدة، هل تصلح لدعوة غير المسلمين إلى الإسلام، وهل هي تحمل جاذبية لاستلفات أنظارهم إلى الإسلام، ودراسة شريعته؟ ألا يحق للدنيا بالله -بعد ادّعاء التحريف في القرآن- أن تخاطب الداعية المسلم، وتقول:
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ)) [الصف:2-3].

الشرط الرابع: أن يكون النبي ذاته هو مركز الهداية والقيادة:
 
 تعريف الأئمة وصفاتهم ينافي عقيدة وحدة النبي وختم النبوة:
أما الشرط الرابع الذي كنا قد اشترطناه للنبوة الدائمة والأمة الخالدة: هو أن تكون شخصية الرسول هي مركز الهداية ومحور العلاقة القلبية، والتفويض العقلي للأمة، وأن يكون النبي هو مصدر التشريع، والمستحق لأن يطاع ويمتثل أمره، لا يشاركه في ذلك أحد من أفراد أمته، وقد أجاد الدكتور محمد إقبال -بمناسبة انتقاده للقاديانية - حين قال: (إنا نؤمن يقيناً بأنَّ الإسلام كدين نزل من عند الله سبحانه وتعالى، ولكن الإسلام كمجتمع أو أمة مدين للرسول صلى الله عليه وسلم. إنَّ المسلمين مرهفو الشعور بإزاء الحركات التي تشكل خطراً لوحدته، ذلك لأن الوحدة الإسلامية إنما تتدعم بعقيدة ختم النبوة)([108]).
مقتطفات تلقي الضوء على عقائد الفرقة الإمامية:
والآن يحسن بنا أن نلقي نظرة على معتقدات فرقة الإثني عشرية ومبادئها التي ننقلها ملتقطة من كتابهم أصول الكافي([109]).
هذه الفرقة ترى أن خليفة الرسول والخليفة والإمام أيضاً، قد تمَّ تعيينهم من عند الله، وهم كالنبي معصومون ومفترَضو الطاعة، وأنَّ منزلتهم تساوي منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفوق منزلة الأنبياء الآخرين، إنّ حجة الله لا تقوم على خلقه بدون الإمام، وإنَّ هذا لا يتم ما لم يُعلم به، إنَّ الدنيا لا تقوم من دون الإمام، إنَّ معرفة الأئمة شرط للإيمان، وإنَّ طاعة الأئمة واجبة كطاعة الرسل، إنَّ الأئمة لهم الخيار في تحليل الأشياء وتحريمها، وإنهم معصومون مثل الأنبياء، إنّ المؤمن بالأئمة المعصومين من أهل الجنة وإن كان ظالماً وفاسقاً وفاجراً، إنَّ درجة الأئمة كدرجة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأرفع من جميع الخلق ومن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لقد كان الأئمة يتمتعون بعلم (ما كان وما يكون)، تُعرض على الأئمة أعمال العباد في ليلهم ونهارهم، إنَّ الملائكة تتردد إلى الأئمة ليلَ نهار، وفي ليلة كل جمعة يكرمون بالمعراج، وعلى الأئمة ينزل كتابٌ من عند الله كل عام في ليلة القدر، الموت يكون في سلطتهم، وإنهم يملكون الدنيا والآخرة فأعطوا من شاؤوا ما شاؤوا.
ولقد استنبط المحققون من غير المسلمين نفس هذا المفهوم من تصور الإمامة المذكور، فهذا البطريق هوجيس (Patrick Hugec) يقول:
(إنَّ الشيعة إنما يخلعون على الأئمة صفات الله تعالى)([110])، ومحقق آخر (ايوانو) (W. Ivaow) يقول: (إن استمرار ضوء الإمامة في العالم بصفة دائم، إنما يمنح النبوة مكانة جانبية)([111])ويتحدث المحقق (فيليب ك حتي) (Phillip K. Hitti) عن إمامة الشيعة، فيقول: (إنَّ نبي الإسلام كان قد جعل الوحي -أي القرآن- واسطة بين الله والإنسان، ولكن الشيعة حوّلوا هذه الواسطة إلى شكل الإنسان يعني الإمام، ولقد زاد الشيعة في كلمة الإيمان (آمنت بالله وآمنت بالقرآن الذي ليس مخلوقاً)، كلمة أخرى وهي: (إنني آمنت بالإمام الذي اختاره الله تعالى وهو يشارك صفات الألوهية وهو منقذ للإنسانية)([112]).
 إيران القديمة وعكس معتقداتها:
إنَّ عقيدة الإمامة المغالية التي ذكرناها والتي تصل حدودها وأبعادها إلى تقديس السلالات والبيوتات وتأليهها، تنعكس عليها معتقدات إيران القديمة، فقد كانت السيادة والقيادة الدينية والحكم في قبيلة (ميديا) ثم انتقلت هذه الزعامة إلى قبيلة (المغان) منذ غلبة الديانة الزرادشتية وتأثيرها على إيران، وكان الفرس يعتقدون في طبقة الكهنوت (Priest Class) أنهم ظل الإله على الأرض، ولم يخلقوا إلا لخدمة الآلهة، ولا بد للحاكم أن يكون من هذه القبيلة، فإنَّ ذات الإله تَتَجسَّم فيه، وإنَّ منصب الإشراف على بيت النار وتنظيمه حق يختص بهذه القبيلة وحدها([113]).
يقول الدكتور أحمد أمين، وهو يتحدث عن معتقدات الشيعة في أئمتهم في كتابه الشهير ضحى الإسلام في الجزء الثالث: (وتشيَّع قوم من الفرس خاصة، لأنهم مرنوا أيام الحكم الفارسي على تعظيم البيت المالك وتقديسه، وكأنَّ دم الملوك ليس من جنس دم الشعب، فلما دخلوا في الإسلام نظروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم نظرة كسروية، ونظروا إلى أهل بيته نظرتهم إلى البيت المالك، فإذا مات النبي صلى الله عليه وسلم فأحق الناس بالخلافة أهل بيته)([114]).
 عقيدة الإمام الغائب:
إنَّ معتقدات الشيعة المغالية عن الإمامة والأئمة، تتكفل بالبلوغ بهم إلى درجة المشاركة في النبوة، ومنها إلى المشاركة في الألوهية، وتعتبرهم شخصيات تفوق البشر أجمعين.
أما عقيدتهم عن الإمام الغائب الثاني عشر، فقد بلغت الذروة في الخيال والتطرف، إنَّ عقيدة ولادته وغيبته وحياته وهدايته، في غنى عن العقل والقياس وقانون التكوين والتشريع الذي سنَّه الله، إنَّهم يعتقدون أنَّ الإمام الحادي عشر الإمام الحسن العسكري، قد تغيّب ابنه قبل وفاته بعشرة أيام بجميع ما ورثه عن أسرته وأسباب الإمامة التي كانت عنده، واختفى في غار سُرَّ مَنْ رأى حيث لا يزال هو على قيد الحياة، وسيبقى حياً إلى يوم القيامة ومختفياً فيه، وسيخرج من الغار في الوقت المناسب، ويحكم على العالم كله([115]).
ولم ينته الأمر بهذا، بل إن هذا الإمام الغائب له غيبة صغرى، كان يتردَّد إليه خلال ذلك سفراؤه ورسله بطريق سري، ثم انقطعت هذه السلسلة، وقيل إنَّ مدة الغيبة الصغرى انقضت وابتدأت مع انقضائها عهد الغيبة الكبرى، التي لا يمكن أن يصل إليه أحد فيها ما لم يتم ظهور صاحب الزمان([116]).
 مذهب الخميني وعقيدته في الأئمة:
لعل هنا من يفكر في نفسه ويقول: إن ما ظهر من فرقة الإثني عشرية من غلوٍّ وتطرف، إنما يرجع إلى ما قبل عصر العلم والتحقيق والفكر والدراسة، وقبل ارتباطهم بالعالم الإسلامي وجماعة المسلمين، وقبل انطلاق دعوتهم العامة إلى الثورة الإسلامية وحينما كانوا يعيشون في نطاقهم المحدود، أما الآن فلا يستطيع شخص مثقف من الشيعة ممن يكون مطلعاً على روح الإسلام ومقاصده، وداعية إلى الإسلام، ومتألماً للوضع الذي تعيش فيه الأمة الإسلامية، أن يعتقد بمثل هذه المعتقدات التي لا يكاد يصدقها العقل.
ولكننا نقدم إلى القارئ الكريم عبارة من كتاب الخميني الحكومة الإسلامية تحت عنوان: (الولاية التكوينية) ننقلها هنا بنصها: (فإنَّ للأئمة مقاماً محموداً ودرجةً ساميةً وخلافةً تكوينية، تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون، وإنَّ من ضرورات مذهبنا أنَّ لأئمتنا مقاماً لا يبلغه مَلَكٌ مُقَرَّب، ولا نبيٌّ مرسل، وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث، فإن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم والأئمة (عليهم السلام) كانوا قبل هذا العالم أنواراً فجعلهم الله بعرشه محدقين، وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما لا يعلمه إلا الله)([117]).
وقد ثبت أنَّ الخميني يعتقد بالإمام الغائب وظهوره كما يعتقد به غيره من علماء الفرقة الإثني عشرية ومؤلفيهم، بل إنه يرى أن الإمام الغائب وإن كان قد مضى على تغيبه أكثر من ألف عام، ولكن يمكن أن يمر عليه هكذا مزيد من آلاف السنين([118]).
 رأي شيخ الإسلام الإمام أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي في عقيدة الإمامة:
ونظراً إلى هذه المعتقدات الشركية عن الإمامة، يبدو أن ما توصل إليه الإمام أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي المعروف بـولي الله الدهلوي([119]) (م 1176هـ) من نتيجة وحكم على هذا المذهب، إنما هو واقع صحيح، يقول:
(إنَّ بطلان الإمامية يعرف من لفظ الإمام، فإنَّ الإمام عندهم هو المعصوم، المفترض الطاعة، الموحى إليه وحياً باطنياً، وهذا هو معنى النبي، فمذهبهم يستلزم إنكار النبوة)([120]).
 الشمس المشرقة للعالم واحدة وما عداها فذرات مستنيرة بنورها:
أما شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يكفينا أن نتصل به اتصالاً قانونياً فحسب، بل المطلوب منا أن نرتبط به ارتباطاً روحياً وعاطفياً، ونحبه حباً خالصاً عميقاً يفوق كل حب للمال والنفس، والأهل والأولاد، ولا تشارك في ذلك أي شخصية بعد ذات الله تعالى -وإن كان من كبار الأولياء، أو من الرجال الكاملين، أو فرداً عظيماً من أفراد أهل البيت-.
إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم شمسٌ مشرقةٌ للعالم كلِّه، وكل من عداه سواء كان من الصحابة الكرام أو المجدِّدين، أو مؤسسي الحكومات والممالك أو قادة الثورات، فهو ذرة تستنير بنور هذه الشمس المشرقة وتنير، وهو تراب يتحول إلى إكسير، وحديد ينقلب (حجر الفلاسفة)، وهو أحق وأجدر بالوصف الذي جاء في بيتين عربيين قديمين:
ألا إن وادي الجذع أضحى ترابه                         من المسك كافوراً وأعواده رندا
وما ذاك إلا أن هنداً عشية                      تمشت وجرت في جوانبه بردا
 بين تكلف المديح النبوي وارتجال مناقب أهل البيت والأئمة، عند الشيعة:
ولكن هذه المعتقدات عن الإمام والأئمة لا تعارض الإعجابَ والحبَّ للنبي صلى الله عليه وسلم فحسب، بل إنها تضاده وتتصادم معه، فكانت النتيجة الطبيعية والنفسية أن الشيعة لم يتمكنوا من تأليف كتاب قويٍّ مؤثر في السيرة النبوية، ولم يُوفَّق شعراؤهم النابغون إلى نظم نبويات قوية مؤثرة، ومدائح نبوية تتجلى فيها العاطفة القلبية في المديح الشعري للنبي صلى الله عليه وسلم، تتدفق فيها القريحة الوقادة، كما نرى ذلك في شعر المراثي ومناقب أهل البيت وتصوير ما حدث في كربلاء، بأسلوب ساحر وشاعرية بليغة، ولم ينبغ فيهم شاعر للمديح يضاهي شعراء الهند الذين علا كعبهم في شعر المديح، دع عنك شعراءَ الفارسية في المديح النبوي مثل القدسي والجامي، وهذا ما يقتضيه القياس، وهي قضية معلومة، ومن المناسب في هذه المناسبة أن أنقل ما قلته في رحلتي إلى إيران، في كتاب من نهر كابل إلى نهر اليرموك:
(إننا شعرنا في كل مجتمع ينتمي إلى الطريقة الإمامية أنَّ الصلة العاطفية والحماس الداخلي في حب أهل البيت وتعظيم الأئمة -الذين كانوا أئمة الهدى ومصابيح الدجى، لا يشك في ذلك مسلم- كاد يشغل كل فراغ في النفس والعاطفة، والعقل والضمير، ويخشى أن يكون قد أخذ الشيء الكثير من حق النبوة التي هي مصدر كل خير وسعادة، ومن شخصية الرسول الأعظم الذي نال به أهل البيت الشرف، واستحقوا الحبَّ والتعظيم، وأنه نما وازدهر على حساب الصلة العميقة التي يجب أن تكون بين المسلم ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد ظهر ذلك الأثر في الشعر الذي قاله شعراء إيران في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وفيما قالوا في مناقب أهل البيت، وخاصة في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وسيدنا الحسين بن علي، فيفوق الثاني الأولَ في قوة العاطفة والتعبير عن القلب، والقدرة الشعرية وفيض الخاطر وتدفق القريحة، لمسنا هذا الفرق في الشعر الذي قاله شعراء أردو في الهند من إخواننا الجعفريين والشعر الذي قالوه في المديح النبوي، ولمسناه في الشعر الفارسي، ورأينا هذا الفرق في الكتب التي أُلِّفَتْ في السيرة النبوية وفي مناقب أهل البيت كماً وكيفاً، ورأيناه في الفرق الواسع بين العناية بالمشاهد والعناية بالمساجد، وبين الشوق إلى السفر إلى النجف، وكربلاء و(العتبات العاليات) والسفر إلى الحرمين الشريفين([121]).
إنني أعترف بأنه لا يخلو من رد فعل لما وقع من بعض علماء أهل السنة والمتحمسين من هذه الفرقة في بعض العصور والأوساط من التقصير في التنويه بفضل أهل البيت وما لهم من حقوق على المسلمين، ولكنه أكثر من رد فعل، وعلى كل فقد اتجه تيار الحب والحماسة الدينية والعاطفة الفياضة إلى هذا المركز الروحي، وأحاطت به هالات التقديس، وأهيلت عليه نعوت وصفات، أخشى أن تكون قد جعلت الإمامة منافسة للنبوّة أو مشاركة لها في كثير من الصفات([122]).
 صورة مهينة ومثبطة لكبار أهل البيت:
بالرغم من هذه المعتقدات والتصريحات المغالية نحو أئمة أهل البيت، التي تقرر أنهم أناس فوق البشر، وتخلع عليهم من بعض النواحي صفات الألوهية، تصورهم كتب الشيعة بما يشير أنهم كانوا فاقدي الشجاعة والجراءة في إظهار الحق، بما فيهم أسد الله علي بن أبي طالب رضي الله عنه -والعياذ بالله-، وأنهم كانوا يعيشون في جزع من المخاوف والأخطار ويتبعون سياسة المصالح وإخفاء الحق، ويعتمدون على سلاح (التقية) لا كوسيلة مؤقتة وسلاح شخصي، بل باعتبارها عبادة وذريعة للتقرُّب إلى الله تعالى([123])، وهم يستغلون هذا السلاح في مناسبة وغير مناسبة، ويبعدون الأمة المحمدية عن تعاليم النبوة الحقيقية كما أنهم يحرمون الدين العِزَّة والغَلَبة بمواجهة بعض الأخطار في سبيل ذلك، إنَّ صورة هؤلاء الأئمة العظام التي تصورها الكتب التي أُلِّفت في مناقبهم وفضائلهم -أعاذهم الله تعالى- لا تختلف إطلاقاً عن صورة الماسونية (Free Masons) وجمعية إخوان الصفا([124])، وصورة المنظمات السرية (Underground Organizations) التي توجد في بلاد ودول مختلفة، ولا تثور في النفس بدراستها والاطلاع عليها روح الطموح والعزيمة، والمغامرة والمخاطرة لنشر الدين وتغليب الإسلام، تلك الروح الغالية التي غيَّرت مجرى التاريخ والأحداث في عهود مظلمة متعددة وأوضاع شاذة خلال أربعة عشر قرناً من تاريخ الإسلام، وأرغمت التاريخ على أن ينحو نحواً جديداً.
وبالعكس من ذلك فإنَّ الروايات التاريخية الكثيرة تدل على علو هِمَّة أفرادِ أهلِ البيت الكبار، وأخذِهم بالعزيمة، وحرصهم الشديد على اجتماع كلمة المسلمين وانتظام شملهم، ومما يدل على ذلك ما روي عن البابكي([125]) أحد أصحاب زيد بن علي، قال خرجنا مع زيد بن علي إلى مكة، فلما كان نصف الليل واستقرت الثريا، فقال: يا بابكي أما ترى هذه الثريا، أترى أحداً ينالها؟ قلت: لا! قال: والله لوددت أن يدي ملصقة بها فأقع إلى الأرض أو حيث أقع، فأنقطع قطعة قطعة، وأنَّ الله أصلح بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم([126]).
يصور الكتَّاب الإماميون والمتشيعون لهم سادةَ أهل البيت كأنهم لا همَّ لهم في الحياة ولا شغل، إلا انتزاع الخلافة من أيدي المغتصبين لها، وعندهم غيظ من وقوعها في أيدي الغاصبين الظالمين، وقد أصبح ذلك الشغل الشاغل لهم والخاطر المستولي على أعصابهم وتفكيرهم، لا شأن لهم بالمجتمع الإسلامي المعاصر الذي تكوَّن بجهود جدهم -صلوات الله وسلامه عليه- ودعوته وتربيته، وبهدايته وتوجيهه الديني، ولا شأن لهم بالعبادة والزهادة والإرشاد إلى طرائق الحق، ودعوة الخلق إلى الله.
ولكنَّ التاريخ الذي لم يصطبغ بصبغة طائفية يصورهم تصويراً أجمل وأجدر بمكانتهم في الدين وشرف الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسباً واقتداءً، وهنالك مقتطفات مما جاء في وصف سيدنا جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم.
يقول المؤرخون:
(قد اتََّصف الإمام الصادق التقي بنبل المقصد وسمو الغاية، والتجرد في طلب الحقيقة من كل هوى، أو عَرَض من أعراض الدنيا، فما طلب أمراً دنيوياً، وما طلب أمراً تشوبه الشهوات أو تحفُّ به الشبهات، بل طلب الحقائق النيِّرة الواضحة وطلب الحق، لا يبغي به بديلاً)([127]).
ويصف الإمام مالك حاله فيقول:
(كنت آتي جعفر بن محمد وكان كثير التبسم، فإذا ذكر عنده النبي اخضر واصفر، ولقد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلا على إحدى ثلاث خصال: إما مصلياً، وإما صائماً، وإما يقرأ القرآن، وما رأيته قط يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العُبَّاد الزهاد الذين يخشون الله)([128]).
روي أن الإمام جعفراً الصادق قال: (إياكم والخصومة في الدين، فإنها تحدث الشك وتورث النفاق) ورويت هذه الكلمة مسندة إلى أبيه الإمام محمد باقر([129]).
هذه الأخبار وغيرها مما يشبهها كثير، هي في جملتها تومئ إلى أنَّ الإمام الصادق ما كان يتجه إلى الانتفاض على الحكام، لأنه لا يعتقد أنها تؤدي إلى إقامة الحق وخفض الباطل إذ إنَّ الأهواء قد تحكمت([130]).
إنَّ سادةَ أهلِ البيت وكبراءَهم قد اتَّصفوا بكبر النفس وعلو الهمة واشتغالٍ بمعالي الأمور دون سفسافها، وبقوة الشكيمة ورباطة الجأش، وإيثار اليد العليا على اليد السفلى، وكانوا في سعة الحلم وبعد الأناة كالجبال الراسيات، فإذا جَدَّ الجَدُّ وكان لا بد من خوض المعركة، ثاروا كالليوث، يصدق عليهم ما قاله الشاعر الأموي الحطيئة (م 59) بدلاً ممن قال فيه هذا الشعر البليغ الذي يستحق أن يُعد من غرر المديح ودرره في الشعر العربي:
يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها                     وإن غضبوا جاء الحفيظة والحد
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البِنَـا                        وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شَدُّوا
وإنْ كانت النَّعماء فيهم جزوا بها                        وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا
مطاعين في الهيجا مكاشيفُ للدجى                      بنى لهم آباؤهم وبنى الجد
 سيرة أهل البيت وسلوكهم في مرآة التاريخ:
إنَّ أعضاء الأسرة النبوية وأهل البيت الكرام، وفي مقدمتهم وعلى رأسهم سيدنا علي المرتضى رضي الله عنه وأولاده الأماجد، إنما كانوا غيارى أشد الغيرة في الرَّحِم الذي كان يصلهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كانوا يستغلون هذه النسبة لمصالح دنيوية شأن أبناء أسر الزعماء الدينيين في الديانات والأمم الأخرى، ممن ينالون تقديساً زائداً في كل حال، ويعاملون من أتباعهم كشخصيات تفوق البشر، وكانوا بعيدين كلّ البعد عن كسب حطام الدنيا بأسمائهم، وبناء قصور الفخر على عظامهم، وما تتحدث عنه كتب التاريخ والسيرة من حكايات لإبائهم واستغنائهم وعزة نفسهم، يُصوّر سيرتهم وسلوكهم تصويراً يختلف تماماً عن سيرة الطبقة المحترفة بالدين -من البراهمة والكهنة- في الديانات والملل الأخرى، فإنها تعتبر ذات قدسية وعظمة عن طريق الولادة، فهي لا تحتاج لكسب المعاش، وتحقيق حاجات الحياة إلى بذل شيء من الجهد والسعي، ونقدِّم فيما يلي بعضَ الوقائع من هذا النوع لكي يمكن تقدير مكانةِ أهلِ البيت وسيرتهم المشرقة:
(دخل سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما السوقَ لحاجة يقضيها، فساوم صاحب دكان في سلعة فأخبره بالسعر العام، ثم علم أنه الحسن بن علي رضي الله عنه سِبْطُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقص في السعر إجلالاً له وإكراماً، ولكنَّ الحسنَ بن علي رضي الله عنهما لم يقبل منه ذلك وترك الحاجة وقال: إنني لا أرضى أن أستفيد من مكانتي من رسول لله صلى الله عليه وسلم في شيء تافه.
ويقول جويرية بن أسماء -وهو من أخصِّ خدم سيدنا علي بن الحسين المعروف بـزين العابدين -: (ما أكلَ عليُّ بن الحسين بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم درهماً قط)([131])، وكان إذا سافر كَتَم نفسه، فقيل له في ذلك، فقال: (أنا أكره أن آخذ برسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أعطي به)([132]).
إنَّ السادة أهل البيت وأولاد أسد الله علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وأحفاده إنما كانوا متحلين بالشهامة والشجاعة التي كانت شعار العترة النبوية، وإرث سيدنا علي المرتضى والحسين بن علي شهيد كربلاء، لقد كانوا عاملين بالعزيمة غير مبالين بأي مصيبة ومعاناة في سبيل إعلان الحق ومواجهة كل خطر لتوجيه المسلمين الصحيح، وصيانة الدين عن كل تحريف.
إنَّ زيد بن علي بن الحسين خرج على الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك بن مروان -وكانت حكومته أقوى وأعظم حكومة في عهده- وذلك في عام (122هـ)، وانتصر على جيوش الحكومة المكثفة، وأكرم بالشهادة، ثم صلب، وظل مصلوباً إلى أربع سنين([133]).
وفي رجب عام (145هـ)، خرج محمد بن عبد الله المحض بن حسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، المعروف بـذي النفس الزكية، على الخليفة العباسي المنصور في المدينة المنورة، كما رفع أخوه إبراهيم بن عبد الله راية الجهاد ضد المنصور في البصرة في ذي الحجة عام (145هـ)، وأفتى بالمبايعة له الإمامان الجليلان مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما، وتبرع الإمام أبو حنيفة بهدية مالية إعلاناً لنصرته وحمايته، جرت فيما بعد إلى عتاب المنصور وعقابِه إياه([134]) وقد أكرم محمد بن عبد الله المحض ذو النفس الزكية بالشهادة الغالية في 15 رمضان 145هـ، في موضع أحجار الزيت بـالمدينة المنورة بشجاعةٍ نادرة وشهامة فائقة، وكذلك أخوه إبراهيم بن عبد الله استشهد في الكوفة في (24- ذي الحجة 145هـ).
ويبدو أن هؤلاء السادة الكرام لو لم يجر في عروقهم الدم الهاشمي لما قدروا بالكلية على رفع راية الجهاد ضد الخلفاء العباسيين الذين كانت تشمل دولتهم الرقعة الواسعة المتمدنة في آسيا وإفريقيا، وكان الإسلام يصل عن طريقهم إلى أقطار العالم البعيدة مع استِتْباب الأمن في مقر الخلافة وانتشار العلم الديني وتحقق جزء كبير من تعاليم الإسلام، فلمّا قدّروا ذلك تجنبوا إثارة أي اضطراب أو إهراق دم لا ينتج ثماراً يانعة في الظاهر -كمجهودات من سبقهم من آبائهم الكرام ذوي الجلادة والفتوة- لذلك فإن سكوتهم هذا واشتغالهم بقيادة المسلمين الدينية ونشاطهم في تربيتهم الخلقية والباطنية، لم يكن مؤسساً على تساهل أو انزواء إلى الدعة والراحة، ولا على العمل بأصول (التقيَّة) التي نُسبت إلى هذه الشخصيات العملاقة، والتي قد مر بعض تفاصيلها في الصفحات الماضية.
ويحسن أن ننقل هنا ما قد جاء بمناسبة بيان هذه الحقيقة التاريخية في الجزء الأول من كتابنا رجال الفكر والدعوة في الإسلام:
(يجب أن لا ننسى أن الدين كان لا يزال له السلطان الروحي والمكانة الأولى في قلوب الناس حتى في هذا العصر -عصر بني أمية وبني العباس- وكان الجمهور من الناس ينظر بإجلال إلى العلماء وإلى أصحاب الدين والاستقامة والخلق، ومن أُنِسَ فيهم الزهد في حطام الدنيا والابتعاد عن أصحاب الحكم والسلطان وعفافاً وقناعة وترفعاً عن المطامع والمناصب، واشتغالاً بالدعوة إلى الله، ونشرِ العلم، والنصح لله ولرسوله ولعامة المسلمين.
وكانوا أعزَّ وأكرم عند الجمهور من كثير من أصحاب الجاه والنفوذ والثروة، وحتى من الخلفاء والأمراء في بعض الأحيان، ويمكن أن يقال: إنَّ نفوذ الخلفاء والأمراء كان محصوراً في دائرة خاصة هي الدائرة السياسية، ودائرة الطبقة التي تسمى في هذا العصر (الطبقة الأرستقراطية)، أما خارج هذه الدائرة وفي ما عدا هذا الوسط فكان يسود فيه أهل الصلاح والعلم وأهل الزهد والتقوى والصالحون والعلماء من أبناء الصحابة والسادة من أهل البيت النبوي، فإذا اجتمع من يمثِّل هذه الطبقة الصالحة من سادات التابعين وأهل العلم والدين، ومن يمثل الحكومة والإمارة والجاه والسلطان، غلب سلطان الدين والسلطان الروحي على سلطان السياسة والحكم.
يمثل ذلك أجمل تمثيل ما وقع لـهشام بن عبد الملك يوم كان ولي العهد، مع سيدنا علي بن الحسين المعروف بـزين العابدين، فقد روى المؤرخون: أن هشام بن عبد الملك حج في أيام أبيه وطاف وجهد أن يصل إلى الحجر ليستلمه فلم يقدر عليه لكثرة الزحام، فَنُصِبَ له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس، ومعه جماعة من أعيان أهل الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وكان من أحسن الناس وجهاً، وأطيبهم أرجاً، فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر تنحّى له الناس حتى استلم، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه أهل الشام فيملِّكوه، وكان الفرزدق حاضراً فقال: أنا أعرفه، فقال الشامي: مَنْ هو يا أبا فراس؟ فقال قصيدته السائرة التي مطلعها([135]):
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته                         والبيت يعرفه والحل والحرم
وهذه القصة وإن كانت بسيطة في الظاهر، تدل على ما كان يتمتع به أهل الفضل والدين، ورجال الأسرة النبوية وسادات التابعين، من النفوذ والإجلال، وقد كان لسيدنا الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وابنه عبد الله المحض، وسالم بن عبد الله بن عمر، وقاسم بن محمد بن أبي بكر رضي الله عنه، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، مكانة مرموقة، ومنزلة عالية في قلوب الناس، وتأثير كبير لما يقولونه([136])، وكان لهذه المكانة ولهذا النفوذ الروحي، ولهذا الإجلال والحب العميق الذي يدين به الشعب لهم سلطان يحفظ على الشعب جلال الدين ومهابته، ويمنعه من الاندفاع المتهور إلى الترف الفاحش، والحياة الجاهلية السافرة، والجهر بالمعاصي والمنكرات([137]).

صُورتان مُتضادتان للإسلام والمسلمين في العهد الإسلامي الأول:
كيف كان عهد الإسلام المثالي الأول؟ وما هي النتائج العملية لتعليم أعظم الأنبياء وآخرهم صلى الله عليه وسلم وتربيته؟ وكيف كانت سيرة أولئك الرجال الذين كانوا قد تربوا في أحضان النبوة ومدرستها؟ هل كانت سيرتهم تتميز عن سيرة مؤسسي الحكومات الشخصية والطامعين في السلطة أم لا؟ كيف كان شأنهم مع قراباتهم، وكيف كان عمل هذه القرابات نفسها في استغلال شخصيتها العظيمة والمقدسة، كيف تتجلى سيرة أهل البيت ومنهجهم في دعوتهم إلى الدين وإعلان الحقيقة والصدق، وفي العمل بالعزيمة؟ ثم كيف كان وضع علاقات هذه الطائفة من المسلمين الأولين، وتلاميذ مدرسة النبوة فيما بينهم (بجميع من سعدوا بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم الذين يعرفون بالصحابة، وأعضاء أسرته الذين يلقبون بلقب أهل البيت) والذين تولوا زمام الخلافة والسلطة في هذا العهد المثالي (وهم الخلفاء الراشدون) كيف كانت حياتهم في ضوء التاريخ الموثوق به، ومعاملتهم مع خَلق الله تبارك وتعالى في حدود حكوماتهم الواسعة، وكيف كان مستوى معيشتهم في الحياة المنزلية والشخصية مع توافر السلطة الشاملة، واتساع الإمكانيات، ووسائل الرفاهية والراحة والترف؟ وما حقيقة صحة الصحيفة السماوية التي يقوم عليها أساس الدين بكاملها، ومدى صحتها؟
في ضوء الردود على هذه الأسئلة تتمثل أمام الأعين صورتان متضادتان متوازيتان عرضناهما في الصفحات السالفة، فهناك صورة تتمثل للعالم في ضوء عقائد أهل السنة، وصورة ثانية تتركب بعقائد الفرقة الإمامية الإثني عشرية وتصريحاتها، ومن تصورها الخاص للإسلام، وتفسيرها لتاريخ الإسلام، وشرحها للدين، وكلتا هاتين الصورتين متنافرتان ومتعارضتان.
والآن نترك الحكمَ للعقل السليم، فكلُّ من رزقه الله سلامةَ العقل، وجدارةَ الإنصاف، والفرصةَ المواتيةَ للاطلاع على التاريخ الإنساني، يستطيع أن يحكم بكل سهولة في الصورة التي تصلح للدين وتتفق معه، ذلك الدين الذي أرسله الله إلى العالم كافة، رحمة وهداية للناس، والذي يدّعى أنه صالح للعمل به في كل زمان وتظهر منه نتائج باهرة لحياة الإنسان، ذلك الدين الذي يعتقد ويعلن أنَّ النبي الذي حمله إلى العالم كتب له أكبر نجاح في مجهوداته بالنسبة إلى غيره، وكان عهده في تاريخ هذا الدين ودعوته أسعد وأزهر من كل عهد آخر -وينبغي أن يكون كذلك في ضوء العقل والنقل- وأي صورة تكون أفضل وأنفع وأعظم مفخرة للإنسانية: التي يزخر تاريخها في معظم الأحوال بالتطلع إلى أسباب الأكل والشرب، والترف والنعمة والقتال في سبيل أغراض شخصية وقومية والسعي وراء الفوز بالسلطة والحكم، ثم استغلالها في خدمة مصالحها ومصالح أتباعها؟
وإن الإسلام في عهده الأول لم تقم فيه حياة الأفراد فحسب على أسس المبادئ الثابتة والهداية العامة والسعادة البشرية، بل إن مجتمعاً إنسانياً بأسره، والمدنية ونظام الحكم وأسلوب الحياة، كل ذلك قام على هذه الأسس وكان تاريخه تصديقاً لما قاله الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز في إحدى المناسبات: (إن محمداً صلى الله عليه وسلم إنما بُعث هادياً ولم يبعث جابياً)([138])
بالعكس من ذلك فإنَّ صورة المسلمين الأولين التي تبرز للعيون في ضوء معتقدات الفرقة الإمامية وتصريحاتها تثير تساؤلاً في نفس كل مثقف ذكي بحق، وهو: أنَّ الدعوة الإسلامية إذا لم تتمكن من التأثير العميق في الحياة أيام ازدهارها على يد داعيتها الأعظم، وإذا كان المؤمنون بهذه الدعوة لم يستطيعوا البقاء على الجادة القويمة، ولم يعودوا أوفياء لدعوة نبيهم صلى الله عليه وسلم مع وفاته وذهابه إلى الرفيق الأعلى، ولم يبق على الصراط المستقيم الذي ترك عليه النبي صلى الله عليه وسلم أتباعه، إلا أربعة معدودة فقط، فكيف نسلِّم أنَّ هذا الدين يصلح لتزكية النفس الإنسانية، وتهذيب الأخلاق، وأنه يستطيع أن ينقذ الإنسان من الهمجية والشقاء، ويرفعه إلى قمة الإنسانية؟
هَبْ أن ممثلاً للإسلام يلقي محاضرة بليغة ساحرة في صدق الإسلام في أي عاصمة غربية أو بلد غير مسلم، وفي خلال المحاضرة يقوم رجل ويقاطعه قائلاً: عليك بنفسك ودينك أولاً أيها الرجل فتفقدهما في ضوء التاريخ، فما دامت نتيجة مجهودات نبيكم المضنية في سبيل هذا الدين التي دامت ثلاثاً وعشرين سنة أن اهتدى إلى طريقه أربعة أو خمسة أشخاص فحسب ممن ظلوا قائمين بالدين، فكيف يسوغ لكم أن توجهوا دعوة الإسلام إلى غير المسلمين وماذا يضمن ثباتهم واستقامتهم إذا أسلموا؟
هل يمكننا أن نرد على هذا السؤال؟
 استقامة الخميني على معتقدات الشيعة وإظهارها، والدعوة إليها جهاراً:
ولما قام الخميني بالدعوة الإسلامية قبل أعوام عديدة وأسس الحكومة الإسلامية كما يزعم -بقلب نظام المملكة البهلوية- وبدأ بها عهداً جديداً، توقع الناس -وقد توافرت لذلك علامات ودلائل- أنه لكي تعم دعوته ويكسب إعجاب الناس وقبولهم سوف لا يفتح صفحات تاريخ الخلافات المستمرة القديمة بين الشيعة والسنة، وإذا لم يتمكن من سحبها من كتابه فلن يفتحها من جديد على أقل تقدير، وكانوا يتوقعون أنه إذا كان لا يستطيع أن يعلن براءَته من معتقدات الفرقة الإمامية نظراً إلى مصالح سياسية أو محلية، فعلى أقل تقدير لا يقوم بإعلانها وإظهارها، بل كان يتوقع من زعيم ديني جريء شجاع مثله- الذي استطاع بجراءته وبصرف النظر عن العواقب والنتائج، وبخطابته وتصريحاته الساحرة، أن يطيح بعرش المملكة البهلوية التي عرف العالم وفرة قواتها وتدبيراتها الهائلة لتوطيد دعائمها -أن لا يتأخر- على أساس دراسته، وفكره العميق توخياً لتوحيد صفوف المسلمين ومن أجل جراءته الخلقية -في إعلان الحق، وأنه لا مجال الآن لهذه المعتقدات ولا حاجة إليها، المعتقدات التي تزعزع أساس الإسلام، وتنال من سمعته وقيمته في العالم والتي هي عائق كبير([139]) في سبيل توجيه دعوة الإسلام إلى غير المسلمين، تلك المعتقدات التي أنتجتها مؤامرة خطيرة مناوئة للإسلام منذ القرن الأول وعهد الصحابة، والتي تحققت نتيجة لدافع أخذ الثأر للإمبراطورية الفارسية القائمة من قرون طويلة، بادت على أيدي العرب المسلمين، وكان المعقول أن يقول بصراحة: يجب علينا أن نتناسى الماضي لإعادة سلطة الإسلام وقوته، ولإصلاح الأقطار الإسلامية وللقضاء على فساد المجتمع المسلم، حتى تبدأ صفحة جديدة، تتمثل فيها صورة الإسلام الماضية، والحاضرة المشرقة، وتُقْبِل شعوب العالم الأخرى على الإسلام.
ولكن بالعكس من جميع الآمال والآثار والدلائل، فقد تمثلت أمام الناس رسائله وكتبه وكتاباته الصادرة من قلمه، متحدثاً فيها بكل قوة وصراحة عن نفس تلك المعتقدات الشيعية، إن كتابه الحكومة الإسلامية أو ولاية الفقيه يتضمن أفكاراً عن الإمامة والأئمة ترفعهم إلى مكانة الألوهية، وتثبت أنَّ الأئمة أفضل من كل نبي وملك، وأن هذا الكون خاضع لهم وتابع لسلطتهم بطريق تكويني([140])، وكذلك كتابه الفارسي كشف الأسرار لا يتناول صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم -ولاسيما الخلفاء الثلاثة- بالجرح والنقد فحسب، بل ينطوي على كلمات السب والشتم الموجَّهة إليهم، والتي يمكن أن تطلق على جماعة ضالة مضللة فاجرة فاسقة، زائغة مزيغة ذات مؤامرات([141]) وكلا هذين الجانبين المتضادين يسايران دعوته، وليس ذلك كتعليمات سرية أو في صورة رسائل خاصة، إنما هو مطبوع ومنشور في الرسائل العامة.
 الخميني.. أنصاره والمعجبون به وصرف أنظارهم عن العقيدة:
إن هاتين الفكرتين للخميني (فكرته عن الإمامة والأئمة، وتوجيه الطعن والتهم الموجهة إلى الصحابة الكرام رضي الله عنهم) لم تعودا أمراً خافياً، بل إن رسائله هذه قد وُزِّعت في إيران وخارجها بعدد هائل يبلغ مئات الآلاف، وبناءً على ذلك، فقد كان من المتوقع أن دعوته سوف لا تنال قَبولاً وإعجاباً في طبقة المسلمين السنيين، وهي الكثرة الغالبة في المسلمين، بل تُرفض رفضاً باتاً، خصوصاً بعد ما ثبتَ زيفُ معتقداته وأساسه ونقضه لعقيدة التوحيد الأساسية للأمة الإسلامية، وعقيدة المشاركة في النبوة (التي هي النتيجة الحتمية المنطقية لتعريف الإمامة وامتيازات الأئمة) وبعدما تحقق طعنه وتجريحه لشخصيات الصحابة الكرام رضي الله عنهم، الذين يحتلون أرفع محل في قلوب المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحب والتعظيم، وكان عهد حكمهم أمثل عهد وأفضل نموذج للحياة لا في تاريخ الإسلام فقط، بل في التاريخ الإنساني في العالم كله (في ضوء التاريخ الموثوق به، وعلى إجماع من شهادات المؤرخين المسلمين وغير المسلمين) كان من المتوقع أن لا يعتبر الخميني بعد ذلك كله حاملَ لواء الثورة الإسلامية ومؤسس الحكومة الإسلامية ومنشئها، والقائد المثالي لدى المسلمين السنيين على أقل تقدير، ولكن الذي يبعث على الأسف والاستغراب أن بعض أوساط المسلمين التي تحمل لواء الفكر الإسلامي وتتمنى للإسلام الازدهار والغلبة وتدعو إليه، أحلته محل (الإمام المنتظر)، وأبدت له من الإعجاب والحب ما بلغ إلى حدود العصبية، حيث لا تحتملُ كلمةَ انتقاد له في أي حال، ولقد بلغت بنا التجربة والمشاهدة إلى تقدير أمرين:
 أهمية العقيدة في الإسلام، والنتائج الخطيرة لصرف النظر عنها:
1- لم يعد مقياس المدح والذم والانتقاد والتقريظ في أوساط كثيرة، هو الكتاب والسنة، وأسوة السلف، وصحة العقائد والمذهب، بل إن إقامة حكومة مطلقة باسم الإسلام والفوز بالقوة، أو توجيه تحدٍّ إلى معسكر غربي، وإحداث العراقيل في طريقه، يكفي لمن يتولى ذلك أن يكون قائداً محبوباً ومثالياً.
2- تفقد العقيدةُ أهميتها لدى جيلنا الجديد المثقف إلى حدٍ خطير جداً، وذلك واقع يبعث على القلق والاضطراب، فإنَّ العقيدة هي الخط الفاصل بين دعوات الأنبياء ومقاصد مجهوداتهم وعواملها، وبين دعوات غيرهم، ومقاصد جهودهم، تلك العقيدة التي لا يرضى الأنبياء وخلفاؤهم بالمساومة أو التفاهم عليها بأكبر ثمن، إنَّ مقياس الرفض والقبول والاستحسان والاستهجان، وشروط الفصل والوصل عندهم هي العقيدة، وهذا الدين الذي لا يزال موجوداً بصورته الأصيلة -على الرغم من ضعف المسلمين- إنما هو مدين في بقائه واستمراره للاستقامة والصلابة والحمية والغيرة في شأن العقيدة، فإنَّ حملة الدين ودعاته لم يستسلموا في هذا المجال أمام أي قوة أو جبروت أو إمبراطورية واسعة، ولم يرضوا بالسكوت على عقيدة أو دعوى خاطئة فضلاً عن أن يكونوا قد قبلوها أو وافقوا عليها لمصلحة دنيوية للإسلام والمسلمين، أو طمعاً في تفادي خلاف وشقاق.
إنّ صمود الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة (241هـ) ومقاومته وصبره على ضرب السياط، وآلام التعذيب في السجن من أجل إنكاره عقيدة خلق القرآن تجاه حاكمين مسلمين، بل إزاء حاكمين من أكبر حكام ذلك العصر، وهما الخليفة المأمون بن هارون الرشيد، والخليفة المعتصم بن هارون الرشيد. وكذلك معارضة الإمام أحمد الفاروق السرهندي رحمه الله (المعروف بمجدد الألف الثاني في الهند) المتوفى سنة (1034هـ) لأعظم إمبراطور في عصره، وهو الإمبراطور (أكبر) ضد عقيدته بالألف الثاني، ودعوى الإمامة والاجتهاد ووحدة الأديان التي نادى بها، ثم استمرار الإمام على ذلك وإصراره عليه إلى عهد جهانكير حتى تغير مجرى الحكومة المغولية([142]): مثالان للاستقامة والصلابة في العقيدة والغيرة عليها، وإلا فإنَّ تاريخ الإسلام زاخر بحكايات رائعة لكلمة حق عند سلطان جائر، والعمل بحديث «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»([143]) إنَّ هذا السلطان الجائر قد يكون ملكاً شخصياً، وقد يكون الرأي العام، وأحياناً (الشهرة العامة)، وأحياناً أخرى انتصارات مغرية ودعاوى مدوية، ويشهد التاريخ والتجربة أن المواقف الأخيرة أكثر ابتلاء ومحنة.
الواقع أن تعاليم الإسلام الحقيقية والعقيدة السليمة الصحيحة، هما النهران اللذان لا يتغيَّر مجراهما في أي حال، ولا يغور ماؤهما في أي حين، أما القوى السياسية، والثورات الطارئة، ووجود الحكومات ونهايتها، والدعوات والتحركات، كلها بمثابة الأمواج التي تنشأ وتتلاشى، إذا كان النهر جارياً نحو الوجهة الصحيحة، وكان الماء صافياً جارياً فلا خطر عليه، ولكن العقيدة إذا تسلَّل إليها الفساد، فمعنى ذلك أن النهر قد تغيَّر عن مجراه الصحيح وحلَّ فيه الماء العكر محل الماء الصافي، لذلك فإنه لا يجوز الخضوع أمام أي دعوة أو حركة، وأمام أي ازدهار أو تقدم لبلد، وأمام أي إصلاح جزئي لمجتمع، أو دعاوى ووعود بإصلاح فساد يتظاهر بها أحد، مع فساد العقيدة ووجود الزيغ والضلال، إنها حقيقة يكمن وراءها سر بقاء الملة وصيانة الدين، وهي الحقيقة التي تقلق علماء كل عصر، وحفظة الشريعة والسنة في كل زمان، وترغمهم في بعض الأحيان على أداء مسؤوليتهم التي لا تحمد عاقبتها، وإلى ذلك يشير الحديث الشريف: «يحمل هذا العلمَ من كل خَلَف عدولُه، ينفون عنه تحريفَ الغالين وانتحالَ المبطلين وتأويلَ الجاهلين»([144]).
 العوامل النفسية والسياسية للسحر والتأثير:
من أجل ذلك الانتصار الذي أحرزه الخميني على إمبراطورية الشاه محمد رضا البهلوي، ومن جرَّاء تلك الثورة التي حدثت في المجتمع الإيراني بشكل خاص، وإخفاق أمريكا في بعض المراحل التي هي أكبر قوة في العالم اليوم، وما شاع من روايات الحماس والتفاني في الشباب الإيراني، مع تذمّر طبقة كبيرة من الشباب المسلم في العالم الإسلامي من ذلك الانحطاط الخلقي والديني والأوضاع السيئة ومواضع الضعف التي تسود على عدة دول مسلمة وعربية، وأصبحت شعاراً لها، وإعجاب هذه الطبقة من الشباب بكل ما يصادفونه من شهامة وطموح ومغامرة يقترن بها اسم الإسلام، من جَرَّاء هذه الأسباب كلها، ينال منهم الخميني إعجاباً يشبه ما قد ناله من الإعجاب فيما مضى كمال أتاتورك، وفي أوساط القوميين العرب جمال عبد الناصر، ولا يزال قادة وحكام يتمتعون بإعجاب بعض الأوساط، ممن ينكرون السنة علناً وجهاراً، ويستهزئون بالحديث النبوي الشريف، ويدعون إلى الأخذ بالحضارة الغربية جملة وتفصيلاً، ويحملون أفكار الشيوعية.
ولكنَّ الخميني ينال من هذا الإعجاب والقبول قسطاً كبيراً، نظراً إلى ما يتجلى فيه من لون ديني، وقد بلغ أمر الإعجاب بهؤلاء المعجبين إلى حد أنه إذا أثير موضوع العقيدة، وأشير إلى ما أجمعت عليه الأمة، وعرض هذا المقياس، لم يطيقوا سماعه، وكادوا يفقدون اتزانهم، ويبلغون في الإسفاف والكراهية والغيظ إلى حد الابتذال.
إنَّ هذه الظاهرة تبعث على قلق شديد نظراً إلى مستقبل الدين وروح الإسلام.
وهذا الإشفاق الذي يستند إلى تجارب عملية ودراسات شخصية، اضطرنا إلى كتابة هذه السطور.
((رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)) [آل عمران:8].

المراجع:
•  ابن الأثير: الكامل في التاريخ.
•  الدكتور أحمد أمين: زعماء الإصلاح في العصر الحديث- ضحى الإسلام.
السيد أحمد خان: حياة محمد صلى الله عليه وسلم.
•  الإمام أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي: إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء -حجة الله البالغة- الدر الثمين في مبشرات النبي الأمين.
•  أسعد الكيلاني: الإمام الخميني دعوته وحركته وأفكاره.
•  ألطاف حسين حالي: مَدُّ الإسلام وجزره.
•  الإمام البخاري: صحيح البخاري.
•  الإمام ابن تيمية: منهاج السنّة.
•  أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي: أصول الكافي - فروع الكافي.
•  ابن الجوزي: صِفَة الصَّفوة.
•  العلامة ابن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة - فتح الباري.
•  السيد أبو الحسن علي الندوي: إذا هبت ريح الإيمان- الإمام الذي لم يُوَفَّ حقَّه من الإنصاف والاعتراف - رجال الفكر والدعوة في الإسلام- روائع إقبال - من نهر كابل إلى نهر اليرموك - النبوة والأنبياء في ضوء القرآن.
•  الإمام حماد بن إسحاق بن إسماعيل: تركة النبي صلى الله عليه وسلم والسُّبل التي وجهها فيها، تحقيق الدكتور ضياء العمري.
•  الخميني: الحكومة الإسلامية - كشف الأسرار.
•  ابن خلِّكان: وفيات الأعيان.
•  الإمام أبو داود: السنن.
العلامة أبو زهرة: الإمام الصادق.
•  ابن سعد: الطبقات الكبرى.
•  السيوطي: تاريخ الخلفاء - الجامع الكبير.
•  العلامة شبلي النعماني: الفاروق.
•  الشريف الرضي: نهج البلاغة.
•  عباس محمود العقاد: العبقريات.
•  العلامة السيد عبد الحي الحسني: نزهة الخواطر.
•  علي المتقي بن حسام الدين البرهان فوري: كنز العمال.
•  أبو الفرج الأصفهاني: مقاتل الطالبيين.
•  ابن كثير: البداية والنهاية.
•  محب الدين الطبري: الرياض النَّضِرَة في فضائل العشرة.
•  الأمير محسن الملك: آياتٌ بيّنات.
•  الشيخ محمد منظور النعماني: الثورة الإيرانية، الإمام الخميني، والشيعية.
•  الإمام مسلم: الجامع الصحيح.
•  أبو نعيم: حِلْيَة الأولياء.
•  نوري الطبرسي: فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب.
•  العلامة ولي الدين محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي: مشكاة المصابيح.
•  القاضي أبو يوسف: كتاب الخراج.BIBLIOGRAPHY (ENGLISH)
Arnold, T. W.: Preaching of Islam, London, 1935 - Islamic Faith, London.
Askary Jafery: (tr) Peak of Eloquence)Nahjul Baiagha.
.1955 ,Amir Ali, Justice: The Spirit of Islam, London, 1922 - A Short History of the Saracens, London.
Caetani: Annali dell'Islam, Vol. II.
Christensen A. L: Iran Sous les Sassanides, Paris, 1936.
Gibbon, Edward: The History of the Decline and Fall of Roman Empire, London, 1911, Vol. V.
Gibbs, H. A. R. and J. H. Kramer: Shorter Encyclopaedia of Islam, Leiden, 1953.
Hitti. Phillip K.: A Short History of the Arabs, London, 1953.
Hughes, Thomam Patrick: Dictionary of Islam, London, 1885, p. 574.
Lane and Lane - poole: Selections from the Quran, London, 1879.
Muir, Sir William: Life of Mohammad London, 1912 - Annals of the Early Caliphate, London, 1882.
.1874 ,Smith Bosworth: Mohammad and Mohammadanism, London
.Wherry, E. M.: A Comprehensive Commentary on the Qur'an, London, 1986, Vol. I.

الفهرس
صورتان متضادتان عند أهل السنة والشيعة الإمامية 1
تأليف/ أبي الحسن علي الحسني الندوي. 1
كلمة عن الكتاب: 2
أربعة شروط للدين العالمي الخالد: 4
 الشرط الأول: 4
 أ- إبراز إنسان جديد، من غير اعتماد على الطرق المعروفة السائدة، والوسائل المعلومة الشائعة: 4
 ب- ضرورة أن تثمر الدعوة في حياة الرسول نفسه، وأن تنتج جيلاً جديداً لا يشبه الأجيال القديمة، ولا يقبل انتقاصاً ولا انتكاساً: 5
 الشرط الثاني: ميزة الرسول صلى الله عليه وسلم عن مؤسسي الحكومات والقادة الماديين حول تأسيس المملكة الوراثية وازدهارها: 6
 الشرط الثالث: الصحيفة السماوية المنزلة على الرسول يجب أن تكون محفوظة صالحة للفهم العام، وفي متناول الجماهير: 7
 الشرط الرابع: يجب أن يكون النبي بذاته مركز الهداية الوحيد، والشارع والمطاع: 8
الشرط الأوّل: إبراز إنسان جديد وإظهار جيل رائع في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه: 9
 أعظم مأثرة نبوية للإصلاح والتربية وقلب الماهية: 9
 أجمل صورة في مجموع الصور الإنسانية العالمي: 9
 خلق يجمع بين صفات الطين والنور: 10
 سيدنا علي المرتضى رضي الله عنه ينعت الصحابة الكرام رضي الله عنهم ويصفهم: 10
 مقتطفات الكاتب الإسلامي الكبير القاضي السيد أمير علي: 12
 شهادة سير وليم ميور: 15
 سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه: 15
 سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: 18
 حياة الخلفاء الزاهدة، وامتناعهم عن استخلاف فرد من أسرتهم: 18
 زهد أبي بكر رضي الله عنه وإيثاره: 19
 جولة عمر رضي الله عنه الرسمية ورحلته إلى الشام: 20
 تعاون علي رضي الله عنه مع الخلفاء الثلاثة: 21
 العلاقة المتبادلة بين أهلِ البيت والصحابةِ الكرام رضي الله عنهم: 21
 تصوير رائع لعهد الصحابة رضي الله عنهم بقلم شاعر الهند الكبير ألطاف حسين حالي: 21
 الدليل على استجابة الفطرة الإنسانية لجهود الإصلاح، والمفخرة العظيمة للإنسانية: 21
 الصورة المشوهة المظلمة لعهد الإسلام المثالي والجيل الإسلامي الأول: 21
 الخميني وأقواله: 21
 تعليق الأمير محسن الملك، المبصر الصريح: 21
 كلمة الإمام الشعبي في الشيعة: 21
 القياس على المتهافتين على حطام الدنيا، والعتاة الذين يطمعون في الولاية والحكم: 21
الشرط الثاني: تميز نبي هذا الدين عن الحكام السياسيين والغزاة الفاتحين: 21
 الأسوة النبوية في الأقارب وأفراد الأُسرة: 21
 يقدم في الأخطار ويؤخر في المنافع: 21
 النجاة والرقي في الإسلام يتوقفان على الكفاءة الذاتية، والسعي الشخصي: 21
 الحكم الإلهية العظيمة في ترتيب الخلفاء وفي معاملة الله تعالى مع أهل البيت: 21
الشرط الثالث: حفظ الله سبحانه لكتاب هذا الدين وصيانته له: 21
 النصوص القرآنية الدالّة على صحة القرآن وسلامته: 21
 شهادات المنصفين من غير المسلمين: 21
 عقيدة الفرقة الإثني عشرية عن القرآن الكريم وأقوالها: 21
 قِلّة الاعتناء بالقرآن الكريم: 21
 حجة بيد المنكرين: 21
الشرط الرابع: أن يكون النبي ذاته هو مركز الهداية والقيادة: 21
 تعريف الأئمة وصفاتهم ينافي عقيدة وحدة النبي وختم النبوة: 21
 إيران القديمة وعكس معتقداتها: 21
 عقيدة الإمام الغائب: 21
 مذهب الخميني وعقيدته في الأئمة: 21
 رأي شيخ الإسلام الإمام أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي في عقيدة الإمامة: 21
 الشمس المشرقة للعالم واحدة وما عداها فذرات مستنيرة بنورها: 21
 بين تكلف المديح النبوي وارتجال مناقب أهل البيت والأئمة، عند الشيعة: 21
 صورة مهينة ومثبطة لكبار أهل البيت: 21
 سيرة أهل البيت وسلوكهم في مرآة التاريخ: 21
صُورتان مُتضادتان للإسلام والمسلمين في العهد الإسلامي الأول: 21
 استقامة الخميني على معتقدات الشيعة وإظهارها، والدعوة إليها جهاراً: 21
 الخميني.. أنصاره والمعجبون به وصرف أنظارهم عن العقيدة: 21
 أهمية العقيدة في الإسلام، والنتائج الخطيرة لصرف النظر عنها: 21
 العوامل النفسية والسياسية للسحر والتأثير: 21
المراجع: 21
 

([1]) أُسرتان ملكيتان مشهورتان في الهند قبل الإسلام، حكمتا زمناً طويلاً.
([2]) راجع كتاب (إيران في عهد الساسانيين)، للبروفسور الدنماركي أرثر كرستنسين (Arthur Christensen) الباب التاسع، وتاريخ إيران لمؤلفه شاهين مكاريوس (ص:90).
([3]) هو بساط كان يبسط أيام الخريف وتنعقد عليه مجالس الشرب والغناء، استحضاراً لذكريات الربيع.
([4]) وسيأتي التفصيل في الصفحات القادمة.
([5]) وللاطلاع على تفصيل ذلك يرجع إلى كتاب المؤلف (النبوة والأنبياء في ضوء القرآن) فصل (الصحف السماوية السابقة والقرآن في ميزان العلم والتاريخ)، (ص:198).
([6]) وستأتي شهادات غير المسلمين حول حفظ القرآن الكريم في الصفحات القادمة.
([7]) للاطلاع على التفصيل راجع كتاب المؤلف (النبوة والأنبياء في ضوء القرآن) المحاضرة الثامنة، ختم النبوة (ص: 221-261).
([8]) عقيدة الإمامة وتعريف الإمام وخصائصه لدى الفرقة الإمامية الإثني عشرية تعارض عقيدة (ختم النبوة) وترادف (المشاركة في النبوة) وسيأتي التفصيل في الصفحات القادمة).
([9]) (روائع إقبال) للمؤلف (ص: 147-148) الطبعة الرابعة، طبع المجمع الإسلامي العلمي لكهنؤ (الهند).
([10]) توفي عمار بن ياسر أيام خلافته في عام (37هـ)، وسلمان الفارسي قبله بعام في عام (36هـ)، وأما شهادة علي كرم الله وجهه، فقد كانت في عام (40هـ).
([11]) نهج البلاغة، تحقيق الدكتور صبحي الصالح رحمه الله تعالى، أُستاذ الإسلاميات وفقه اللغة بكلية الآداب بالجامعة اللبنانية، طبع دار الكتب اللبناني (بيروت) (ص: 143).
([12]) المصدر السابق (ص: 177 178).
([13]) Caetani (Annali dell' Islam) Vol. 11, p. 429.
T.W Arnold, Preaching of Islam, London, 1935..
([14]) مقتطف من (حضارة العرب) (ص: 134)، ترجمة شمس العلماء د. السيد علي البلكرامي.
([15]) 85 384.Edward Gibbon The History of the Decline and Fall of the Roman Empire, 1911 pp.
([16]) العرب تاريخ موجز، للدكتور فيلب حتي، دار العلم للملايين، بيروت 1946م (ص: 72 - 73). A Short History of Arabs. London 1915, pp. 175 - 76.
([17]) السيد أمير علي (1849- 1928م) كان سليلَ أُسرة شيعية من السادة، وردت إلى الهند مع الملك نادر شاه الخراساني، تلقى دراسة اللغة الإنجليزية والعربية في الكلية المحسنية بكلكتا (الهند) وقام بدراسة القانون حتى حاز شهادة الحقوق في عام (1873م)، وقد أُحيل إلى المعاش عن محكمة بنغال العليا في، عام (1904م)، وهاجر إلى إنجلترا واستوطنها في عام (1909م) وتمَّ اختياره كأول عضو هندي في اللجنة القانونية للمجلس الملكي البريطاني في لندن، وتوفي في عام (1928م). قلما رزق كاتب هندي قلماً سَيَّالاً للكتابات الإسلامية، واقتداراً على اللغة الإنجليزية كأهلِها، مثل ما كان للسيد أمير علي، يقول المستشرق أوسبورن (Osborn): (كتب السيد أمير علي بأسلوب يدل على ملك كاتبه لناصية اللغة الإنجليزية، أسلوب قلَّ من يستطيع أن يجاريه من الإنجليز المثقفين) (علماء الإصلاح في العصر الحديث)، للدكتور أحمد أمين، (ص:140).
([18]) مقتطف من كتاب The Spirit of Islm, London, 1922. p278.
([19]) The Spirit of Islam, op. cit, p280.
([20]) A short History of the Saracens, op. cit, p21.
([21]) The spirit of Islam, op. cit, p278.
([22]) A short History of the Saracens, op. cit, p27.
([23]) A Short History of the Saracents, op. cit, p43 – 44.
([24]) Annals of the Early Caliphate, op. cit, p283.
([25]) Annals of the Early Caliphate, op. cit, p283.
([26]) Ilaid P.123..
([27]) روى ذلك شرحبيل بن مسلم بسند صحيح، راجع حلية الأولياء لأبي نعيم (1/60).
([28]) طبقات ابن سعد (3/60).
([29]) الرياض النضرة في فضائل العشرة للمحب الطبري، أخرجه ابن السمان في الموافقة عن أبي الفرات ورقة (205) (ب) رقم المخطوط (1784) مكتبة ندوة العلماء.
([30]) حلية الأولياء لأبي نعيم (1/60).
([31]) طبقات ابن سعد (3/59).
([32]) Amil Ali, A short History of the Saracents, p48.
([33]) William Muir, Annals of the Early Caliphate, London, 1882. p341.
([34]) Short Encyclopaedia of Islam, London, 1953, p116.
([35]) نتيجة لهذه الفتوحات العظيمة الواسعة انتشر الإسلام على أوسع نطاق ودخلت أمم وبلاد بأسرها في دين الله، نستطيع أن نقدر ذلك بكل سهولة في ضوء شهادات التاريخ.
([36]) اشتكى رجال من أهل الكوفة إلى علي رضي الله عنه من أن الخليفة الذي سبقه جمع الناس على قراءة واحدة للقرآن، فرد عليهم علي رضي الله عنه مغضباً، قال لهم: اسكتوا فإن عثمان فعل ذلك برأي من كبار الصحابة، ولو كنت أنا في موضعه آنذاك لفعلت كما فعل عثمان. William Muir, annals of the Early Caliphate, London, 1882. p. 308.
([37]) صفة الصفوة لابن الجوزي (ص: 122).
([38]) Edward Gibbon The Decline and Fall of the Roman Empire. London, 1911Vall V.P. 399.
([39]) الكامل في التاريخ لابن الأثير (2/ 423)، طبع دار صادر، بيروت.
([40]) تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص: 78).
([41]) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (3/192) ترجمة أبي بكر رضي الله عنه.
([42]) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (ص: 197).
([43]) الفاروق للعلامة شبلي النعمان (1/142-145)، طبع مطبعة المعارف أعظم كره عام (1956م).
([44]) البداية والنهاية (7/59-60).
([45]) الطبري (4/203-204).
([46]) راجع: الرياض النضرة في فضائل العشرة، لمؤلفه محب الدين الطبري (م 694هـ) ضمن المخطوطات في مكتبة ندوة العلماء، رقم المخطوطة (1784)، (صفحات: 126، 127، 187، 188)، والطبقات الكبرى لابن سعد (3/370)، طبع دار صادر، بيروت.
ملاحظة: لقد تمت طباعة كتاب (الرياض النضرة) ولم يعد من المخطوطات (الناشر).
([47]) A short History of the Saracens, op. cit, p. 21.
([48]) Annals of the Early Caliphate, op. cit, p. 123.
([49]) Peak of Eloquence, Bombay, 1979, p. 57.
([50]) أيضاً (ص: 57، 260 - 270).
([51]) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي، ترجمة عثمان رضي الله عنه، (ص: 159-160) وكتب التاريخ الأخرى.
([52]) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي، ترجمة عثمان رضي الله عنه، (ص: 159-160)، وكتب التاريخ الأخرى.
([53]) Amir Ali, The Spirit of Islam, London, 1922, p. 22.
([54]) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم (1/501)، طبع الهند.
([55]) كنز العمال (7/105)، الإصابة (1/133) بسند صحيح.
([56]) أيضاً (ص:106).
([57]) كتاب الخراج لأبي يوسف (ص: 24- 25).
([58]) جاء بحث مستفيض في هذا الزواج ودلائله والنقاش التاريخي والعلمي والكلامي حول هذا الموضوع، في كتاب الأمير محسن الملك الشهير بـ (آيات بينات) (1/127-164) طبع مرزا فور عام (1870م).
([59]) العبقريات لعباس محمود العقاد المصري، عبقرية الإمام (ص: 95)، طبع دار الفتوح، القاهرة.
([60]) مد الإسلام وجزره (مسدس حالي) (ص: 37-38) طبع مطبعة راجا رام كومار لكهنؤ (الهند).
([61]) منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية (3/242).
([62]) ولولا أنه من إساءة الأدب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفساد الذوق أن نتحدث عن أفراد أُمته- الذين أدركوا ما أدركوه بفضل تربيته- وهدايتهم وتأثيرهم ضمن الحديث عن التأثير الثوري الذي أحدثته صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتربيته، لتحدثنا عن حياة المصلحين الكرام، وهداة الطريق في مختلف العصور، التي تدل على أنَّ من جلس إليهم برهة من الزمان ووضع يده في يدهم تحوَّل إلى معدنٍ كريم، إننا نعلم أن عتاة المجرمين وقساة المنحرفين إذا كتب لهم اللقاء معهم والتوبة أمامهم، عادوا رجالاً أتقياء مثاليين في رسوخ العقيدة، وتجنب الذنوب والسيئات، وقد حدث في التاريخ أن مجرماً متعوداً -كان الناس يفرون منه خوفاً من سوء أخلاقه، وكانت الآمال كلها قد انقطعت عن إصلاحه- صادف أن يبيت على مقربة من بعض هؤلاء الصالحين والمربين ليلة واحدة فقط، فتحول ذلك المجرم إلى رجل تقي ورع يحيي ليله بالنوافل، وظل على هذه الخصلة الربانية إلى آخر لحظة من حياته، لقد حدثت مثل هذه الحكايات منذ عهد الرسالة إلى ما بعده بقرون، حتى في البلدان النائية عن مركز الإسلام كالهند، ومن شاء أن يطلع على التفاصيل فليراجع رسالة المؤلف (الإمام الذي لم يوف حقه من الإنصاف والاعتراف)، وكتابه (إذا هبت ريح الإيمان) وما إلى ذلك من كتب.
([63]) فروع الكافي الجزء الثالث فصل (كتاب الروضة) (ص:115)، طبع لكهنؤ، وبموجب رواية أخرى يعتبر عمار بن ياسر رابع هؤلاء الأربعة.
([64]) كشف الأسرار (ص:114) هذا الكتاب يتعرى عن اسم المطبعة والتاريخ غير أنه من مؤلفات الخميني، وقد أدرجه ضمن مؤلفاته الأستاذ أسعد الكيلاني في كتابه (الإمام الخميني، دعوته وحركته وأفكاره). انظر: (ص:65) من هذا الكتاب، طبع باكستان.
([65]) كشف الأسرار (ص: 113-114).
([66]) هو الأمير محسن الدولة، محسن الملك منير نواز جنك السيد مهدي علي بن السيد ضامن علي الحسيني (1253- 1325هـ) من أفاضل هذا العصر الممتازين ونوابغه، وكان يعتبر من بناة الجيل المثقف في الهند والمحسنين إليه. ولد في بيت شيعي وتمسَّك بمذهب أهل السنة من أجل ما تميَّز به من دراسة عميقة للدين، وسلامة في الطبيعة ومؤهِّلات خاصة بالفكر والرؤية، توجَّه إلى حيدر آباد على دعوة الأمير مختار الملك في عام (1291هـ)، وتبوأ المنصب العالي هناك، وقام هناك بتعديلات وتحسينات كبيرة في الإمارة، وأثبت مدى ما رزقه الله تعالى من مؤهلات عقلية وتنظيمية، سافر إلى إنجلترا في سنة (1305هـ) حيث شاهد المراكز التعليمية، وظل الساعد الأيمن لسر سيد أحمد خان (مؤسس جامعة عليكراه الإسلامية) طول حياته، اختير سكرتيراً لمؤتمر التعليم الإسلامي، وأميناً عاماً لكلية العلوم بعليكراه (M. A. O. College) وظل على هذا المنصب إلى آخر حياته، ولقد تقدمت هذه الكلية في عهده على جميع المستويات، لقد كان الأمير محسن الملك يتَّصف بشخصية كبيرة، وقوةٍ ساحرة في الخطابة والكتابة، يعدُّ كتابه: (الآيات البيّنات) متفرداً في موضوعه، وذا قيمة كبيرة فيه. راجع لترجمته: (نزهة الخواطر) للعلامة السيد عبد الحي الحسني رحمه الله، ج8).
([67]) الآيات البينات (1/6-7)، طبع مرزا فور (الهند) عام (1780م).
([68]) منهاج السنة (1/6).
([69]) كانت الولاية الشمالية -التي كانت فيها أوده- أكبر مركز زمن الحكم الإنجليزي وما بعده للماركسية والحكم الإقطاعي في الهند.
([70]) رواه ابن السمعاني في (أدب الإملاء)، وهو ضعيف.
([71]) الشعراء: (109)، وفي هذه السورة نقل القرآن هذه الآية على ألسنة كل من الأنبياء (نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب) عليهم الصلاة والسلام.
([72]) الجامع الصحيح للبخاري، كتاب بدء الوحي (1/7)، طبع مصطفى البابي الحلبي، القاهرة (1953م).
([73]) البداية والنهاية لابن كثير (7/ 39، مكتبة المعارف 1966م).
([74]) نهج البلاغة (2/10-11)، مطبعة الاستقامة، القاهرة.
([75]) صحيح مسلم كتاب الحج باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، طبع إحياء التراث العربي بيروت (2/188)، وأبو داود، برواية جابر بن عبد الله.
([76]) الجامع الصحيح للبخاري (كتاب الجهاد) باب الدليل على أن الخمس لنوائب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
([77]) فتح الباري شرح البخاري للعلامة ابن حجر العسقلاني (7/37-34) برواية أحمد.
([78]) تصغير (مقنعة) وهي شبيهة بالملحفة التي تغطي بها المرأة رأسها تاج العروس، مادة (قنع).
([79]) الإمام حماد بن إسحاق بن إسماعيل (199- 267هـ) (تركة النبي صلى الله عليه وسلم والسبل التي وجهها فيها) تحقيق: د. ضياء العمري- مطبعة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى (1404هـ- 1984م)- (ص:56)، ورواه البخاري في صحيحه وأبو داود في السنن.
([80]) المصدر نفسه (ص:57)، وأخرجه أحمد من طريق فضيل بن غزوان.
([81]) القلب، السوار كما في لسان العرب لابن منظور.
([82]) المصدر نفسه (ص:57-58)، وأخرجه أبو داود في السنن، وأحمد في المسند وابن ماجة في التفسير.
([83]) صحيح البخاري، وسنن أبي داود.
([84]) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، صحيح مسلم، كتاب الزهد.
([85]) سنتحدث عن مفهوم الإمامة لدى الإثني عشرية وحدودها وامتيازاتها في الصفحات القادمة.
([86]) لقد كان عليٌّ رضي الله عنه فيما تراه الإثني عشرية وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكان خليفته الأول بلا فصل، والإمام المعصوم وفق نص الرسول والآيات القرآنية، إن الدنيا لا تستطيع أن تقوم بغير الإمام الذي يجب أن يكون من أهل البيت، وإن حجة الله تعالى لا تكاد تقوم على خلقه ما لم يوجد الإمام ويعرفه الناس، فإن الإيمان بهؤلاء الأئمة ومعرفته شرط لإيمان المرء انظر: رجال كشي (ص:78)، أصول الكافي (ص:104).
([87]) يعني: لا يغني المرء عند الله تعالى إلا عمله وسعيه.
([88]) الجامع الصحيح للبخاري، كتاب التفسير، باب (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)[الشعراء:214].
([89]) رواه مسلم.
([90]) للاطلاع على التفاصيل راجع تراجم حياة أُولئك الرجال الربانيين والأئمة الروحانيين ومجددي الإسلام من بعد شهادة الحسين بن علي والحسن بن علي رضي الله عنهما، الذين كانوا ينتمون إلى أسر السادة وأهل البيت، وقد أنجدوا الأُمة المحمدية في مناسبات حرجة دقيقة، وتاريخ معظم الأقطار الإسلامية يزدان بمآثرهم مما يعترف به المسلمون، ويعتزون به.
([91]) للاطلاع على تفاصيل حفظ القرآن وكتابته ونشره وطبعه ينبغي أن تراجع الكتب العربية الموثوق بها التي ألفت في هذا الموضوع.
([92]) دائرة المعارف البريطانية، عنوان: القرآن.
([93]) حياة محمد Life of Mohammad.
([94]) تفسير القرآن لوهيري (1/249).
([95]).Selections from the Quran, p. c.
([96]) Basoworth. op. cit. p. 22.
([97]) Islamic Faith, p. 9.
([98]) استثني من هذا الإجماع أربعة أشخاص وهم: 1- صدوق. 2- الشريف المرتضى، 3- أبو جعفر الطوسي، 4- وأبو علي الطبرسي، ولكن ثبت رجوع بعضهم، والبعض الآخر يُشَكُّ في أن يكون قد قال ذلك على سبيل التقيَّة (في ضوء أُصول التقية عند الشيعة).
([99]) لقد تم طبع هذا الكتاب في باكستان أخيراً.
([100]) فصل الخطاب (ص: 227).
([101]) وللاطلاع على التفصيل انظر كتاب فضيلة الشيخ محمد منظور النعماني (الثورة الإيرانية، الإمام الخميني، والشيعة) (ص:156) طبع لكهنؤ، الهند.
([102]) كشف الأسرار (ص: 114).
([103]) كشف الأسرار (ص: 114).
([104]) انظر: أُصول الكافي (ص: 264-267)، طبع لكهنؤ، الهند.
([105]) أصول الكافي (ص: 271).
([106]) أصول الكافي (ص: 271).
([107]) أصول الكافي (ص: 160).
([108]) حرف إقبال (ص: 122-136).
([109]) انظر أصول الكافي (ص: 103-259)، وشرح أصول الكافي الجزء الثاني (ص: 229).
([110]) Thomas Patrick Huges, Dictionary of Islam, London, 1885 P. 574.
([111]) H. A. R. Gibb and J. H. Kramer Shorter Encyclopaedia of Islam Leider, 1953 – p. 248.
([112]) Phillip. K. Hitti. History of the Arabs London - 1953 – p. 248.
([113]) انظر: كتاب تاريخ الديانة الزرادشتية، وكتب تاريخ إيران القديمة وديانتها.
([114]) ضحى الإسلام (3/209).
([115]) انظر: (أصول الكافي)، (ص:202-207).
([116]) انظر: (احتجاج الطبرسي)، (ص:230).
([117]) الحكومة الإسلامية (ص:52)، هذا الكتاب وصل إلينا من إيران مباشرة، وهو مطبوع في (مكتبة برزك الإسلامية) وموجود عندنا.
([118]) الحكومة الإسلامية (ص:71-77).
([119]) هو صاحب الكتابين الشهيرين، حجة الله البالغة، وإزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء، راجع لترجمته كتابنا (الإمام الدهلوي).
([120]) الدر الثمين في مبشرات النبي الأمين (ص:4-5)، طبع المطبعة الأحمدية، دهلي (الهند).
([121]) ولا شك أن هناك تغيراً ملموساً في العناية بأداء فريضة الحج عند الشيعة خصوصاً في إيران، فقد تضخم عدد القاصدين للحج من إيران في الأعوام الأخيرة، ولا يزال في ازدياد ونمو، وهذا فضلاً عن تنظيم حركة الحج الذي فاق فيه الإيرانيون أكثر البلاد الإسلامية.
([122]) مقتطف من كتاب (من نهر كابل إلى نهر اليرموك) (ص: 89- 90).
([123]) ينمى إلى الإمام جعفر الصادق أنه قال لصاحبه ومريده الصادق سلمان: (يا سلمان إنكم على دين من كتمه أعزَّه الله، ومن أذاعه أذله الله)، وكذلك يروى قول الإمام باقر: (إنَّ أحبَّ أصحابي إليَّ وأورَعهم، وأتقاهم أكتمهم لحديثنا) (أُصول الكافي) ص: 485- 486 حتى وجاء فيه: (إن تسعة من عشرة من الدين (تقيَّة) ومن لا يعمل بالتقيَّة، فليس عنده من الدين شيء) (ص:482).
([124]) كانت جمعية سرية لحملة الآراء الفلسفية الحرة، وفيهم عدد من الأطباء، في العهد العباسي، وكانوا قد أطلقوا عليهم لقب (إخوان الصفا)، وكانت بغداد مقرهم في القرن الرابع الهجري، وكان هؤلاء يجتمعون بسرية، ويتبادلون الآراء حول المباحث الفلسفية والأفكار الحرة، ومن دستورهم أنهم كانوا يجتمعون في أوقات خاصة دون أن يحضرهم أي شخص أجنبي، وقد دونوا فلسفتهم في صورة (52) رسالة تعرف برسائل إخوان الصفا، أما محررو هذه الرسائل فقد كتموا أسماءهم، ولقد كان المعتزلة ومن على شاكلتهم يأخذون نقول هذه الرسائل ويحملونها إلى الأقطار الإسلامية بطريق سري، وقد طبعت في ليبزج في (1883م)، وفي بومباي في عام (1886م)، وفي مصر (1889م)، وللاطلاع على التفصيل انظر كتاب (تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب)، لمحمد لطفي جمعة (ص:253-266)، طبع مكتبة المعارف، القاهرة، (1927م).
([125]) اسمه عبد الله بن مسلم بن بابك، (مقاتل الطالبيين ص:129).
([126]) مقاتل الطالبيين (ص:129) لأبي الفرج الاصفهاني (284-356)، تحقيق: سيد أحمد صقر.
([127]) الإمام الصادق للعلامة أبو زهرة (ص:76).
([128]) الإمام الصادق للعلامة أبو زهرة (ص: 77).
([129]) الإمام الصادق للعلامة أبو زهرة.
([130]) الإمام الصادق للعلامة أبو زهرة (ص: 47).
([131]) البداية والنهاية لابن كثير (9/106).
([132]) وفيات الأعيان لابن خلكان (2/434)، طبع مطبعة النهضة، القاهرة (1948م).
([133]) وللاطلاع على التفاصيل، راجع كتب التاريخ لابن جرير، وابن كثير، وابن الأثير.
([134]) كان الإمام أبو حنيفة قد انتصر لزيد بن علي رضي الله عنه جهاراً وأثبت أن خروجه كان حقاً.
([135]) وفيات الأعيان لابن خلكان (5/145)، طبع مكتبة النهضة المصرية.
([136]) اقرأ تراجمهم في وفيات الأعيان لابن خلكان، وصفة الصفوة لابن الجوزي.
([137]) (رجال الفكر والدعوة في الإسلام) (1/37-38).
([138]) كتاب الخراج للإمام أبي يوسف (ص75).
([139]) لأن مفاد هذه المعتقدات أنَّ جماعة الصحابة الكرام رضي الله عنهم التي بلغ عددها في حجة الوداع فقط إلى أكثر من مائة ألف صحابي، ما بقي منهم على الإسلام إلا أربعة فقط، بعدما لحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالرفيق الأعلى، أما غير هؤلاء الأربعة فكلهم سلكوا مسلك الردة- والعياذ بالله- والقرآن مُحرَّف بكامله، وكان أئمة أهل البيت- من وجهة التقيَّة التي تعتبر واجباً دينياً وعزيمة- كاتمين للحق، ومغيبين للقرآن، بعيدين عن كل خوف وخطر، ويلقنون أتباعهم ذلك (انظر الكتب الموثوق بها للفرقة الإثني عشرية كأصول الكافي، وفصل الخطاب، ومؤلفات الخميني نفسه، مثل كشف الأسرار، وما إليه).
([140]) الحكومة الإسلامية (ص: 52).
([141]) كشف الأسرار (بالفارسية) (ص:112-114).
([142]) للاطلاع على التفاصيل في هذا الموضوع، راجع (رجال الفكر والدعوة في الإسلام) الجزء الثالث الخاص بالإمام السرهندي، طبع دار القلم، الكويت.
([143]) رواه الإمام البغوي في شرح السنة بسند صحيح.
([144]) رواه ابن عدي في (الكامل في الضعفاء)، وحسّنه بعض الحفاظ
العنوان: صورتان متضادتان عند أهل السنة والشيعة الإمامية .. العداد: 2 الحجم: 2.85MB
عدد مرات القراءة:
1201
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :