آخر تحديث للموقع :

الثلاثاء 16 صفر 1441هـ الموافق:15 أكتوبر 2019م 10:10:56 بتوقيت مكة
   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

موقف الرافضة من القرآن الكريم ..
الكاتب : مامادو كارامبيري
المقدمة:
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) [آل عمران:102].
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) [النساء:1].
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)) [الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فإن الله تعالى لما بعث رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالإسلام ديناً وأظهره على الدين كله -فانتشر في مشارق الأرض ومغاربها، ودحر الشرك وأهله، وأزيلت دولتهم وملكهم- لم ينفك أعداء الإسلام منذ ذلك الحين يخططون للقضاء على الإسلام وأهله في كل وقت، ويكيدون له كل كيد، وعندما يئسوا من القضاء عليه من ناحية القوة العسكرية توجهوا إلى العمل الفكري؛ فعملوا على تدنيس مقدسات الإسلام وركائزه بتوجيه التهم والمطاعن الكاذبة إليها بهدف التشكيك فيها والتشويش على ضعاف المسلمين، وكان نصيب القرآن الكريم من ذلك أكبر وأعظم؛ لأنهم يعلمون أنه أصل دين الإسلام والهادي إليه، وهو مصدر مجدهم وعزهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، فالتشكيك فيه يعني التشكيك في دين الإسلام كله؛ لأن الكتاب الذي يعتمد عليه غير ثابت وغير موثوق به.
فإنه على الرغم من وعد الله تعالى بحفظ كتابه المجيد، وتكفله ببقائه سالمًا محفوظًا من كل باطل، وعلى الرغم من الجهود الجبارة والعناية الفائقة التي حظي القرآن الكريم بها من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفظه والمحافظة عليه، ومن قِبَل أصحابه الكرام رضوان الله عليهم ومن جاء بعدهم من التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، على الرغم من كل هذه الجهود والعناية التي بذلها المسلمون في المحافظة على القرآن الكريم، قد تسول لأعداء الإسلام الذين يسهرون للقضاء عليه واستئصاله من على وجه الأرض أن يوجهوا كل ما في جعبتهم من مطاعن وشبهات تجاه القرآن الكريم؛ فمرة يقولون: إنه سحر يؤثر، ومرة يقولون: إنه شعر، ومرة يقولون: إنه قول بشر...، إلى آخر ما ورد عنهم من الهذيان في ذلك، وبقيت تلك التُّهم إلى يومنا هذا يرثها أعداء الإسلام خلفاً عن سلف، يرددون التهم والمطاعن ذاتها في كل وقت -وإن صاغوها بصياغة جديدة لم تخرج عن مطاعن أسلافهم-.
وكان الرافضة منذ ظهورهم من أخطر أولئك الأعداء وأخبثهم، لكونهم يلبسون ثوب الإسلام، ويدّعون الانتماء إليه، فخطرهم على الإسلام والمسلمين أعظم من خطر أي عدو آخر باق على ملته؛ لاسيما إذا عرفنا أن تسعة أعشار دين الرافضة في النفاق الذين يسمونه بـ(التقية)؛ فحقيقتهم لا تظهر لكثير من المسلمين، كما أن موقفهم هذا من القرآن الكريم وما استدلوا به على ذلك من الأخبار الضعيفة والموضوعة التي نبشوها وما أثاروا من شبه قد تلقفه المبشرون والمستشرقون وطاروا بها فرحاً، واستعملوها ضد الإسلام والمسلمين، ومن هنا كان لزامًا على المسلمين -لاسيما المتعلمين منهم- دراسة معتقدات هؤلاء الروافض ومواقفهم تجاه الإسلام ومقدساته حتى تنكشف حقيقتهم لجميع المسلمين، ليكونوا على بصيرة من أمرهم.
أسباب اختياري لهذا الموضوع:
وكان اختياري لهذا الموضوع لعدة أسباب، منها:
1- ما تقدم من أهمية هذا الموضوع وضرورته.
2- رغبتي في خدمة كتاب الله العزيز، ودرء مطاعن الأعداء عنه.
3- تبصير المسلمين بمواقف الرافضة نحو القرآن الكريم، حتى يكونوا على بيّنة من أمرهم، فلا ينخدعوا بالشعارات التي يرفعونها من الدعاوى المغرضة؛ كوحدة المسلمين، وتوحيد صفوفهم، وغيرها من أساليب المراوغة التي يستعملونها لاستجلاب الغافلين إلى معتقداتهم، ونشرها بين المسلمين في جميع أقطار الأرض.
4- جهل كثير من المسلمين بحقيقة دين الرافضة، وما يكنونه للإسلام وأهله من العداوة والبغضاء.
5- إبراز بعض جوانب جهود المسلمين في خدمة كتاب الله العزيز من خلال ردودهم على شبه الروافض وغيرهم من أعداء الإسلام.
منهجي في هذا البحث:
أما المنهج الذي سرتُ عليه في إعداد هذا الكتاب، فيتلخص فيما يلي:
1- قسمتُ الرافضة في نقل أقوالهم بتحريف القرآن إلى ثلاث طبقات:
الطبقة الأولى: طبقة المتقدمين منهم، وهم الذين أخذوا عن أئمتهم مباشرة أو رووا عنهم بالإسناد.
الطبقة الثانية: طبقة المتأخرين، وهم الذين نقلوا أقوال أئمتهم بواسطة المتقدمين وبغير إسناد.
الطبقة الثالثة: طبقة المعاصرين، وهم الذين لا يزالون على قيد الحياة، أو من كانت وفاته قريبة، وذلك للدلالة على أن رافضة اليوم هم رافضة الأمس بلا فرق.
2- ألزمت نفسي بأن لا أنسب القول بتحريف القرآن الكريم إلى أحد من الرافضة إلا مما قاله هو نفسه في مؤلفاته.
3- اعتمدت في نقل أقوالهم بالتحريف على نصوصهم، ولم أنقل عنهم بالمعنى إلا نادراً.
4- رتبت الآيات التي ادّعوا وقوع التحريف فيها، والتي أدخلوا فيها تأويلاتهم الباطلة على حسب ترتيبها في سورها، وعلى حسب ترتيب السور في المصحف.
5- عزوت الآيات القرآنية إلى سورها بذكر اسم السورة ورقم الآية.
6- قمتُ بتخريج الأحاديث النبوية، مع نقل حكم العلماء عليها إن وجد، ما لم يكن الحديث في الصحيحين أو في أحدهما، فأكتفي بعزوه إليهما فقط.
7- حاولت أن أترجم لكل من نقلت قوله في تحريف القرآن الكريم من الرافضة، مع نقل ثناء علمائهم عليه وتوثيقهم له؛ للدلالة على مكانته العلمية عندهم من كتب رجالهم.
وأما الأعلام من أهل السنة وغيرهم ممن ورد ذكره في هذا البحث فقد قمت بترجمة مختصرة للبعض منهم.
8- ختمت الرسالة بخاتمة ضمنتها أهم النتائج التي توصلت إليها في البحث.
9- وضعت في آخر البحث فهارس فنية للآيات القرآنية وللأحاديث النبوية المرفوعة، وللمصادر والمراجع الشيعية، وللمصادر السنية وغيرها، وفهرساً عاماً للموضوعات.
خطة البحث:
قد قسمتها إلى: مقدمة، وتمهيد، وثلاثة أبواب، وخاتمة.
ذكرت في المقدمة أهمية الموضوع، وسبب اختياره، والمنهج الذي سرت عليه في كتابة هذا البحث.
وجعلت التمهيد في مبحثين:
المبحث الأول: في تعريف الرافضة، وبيان بعض ما ابتدعوه في الإسلام.
المبحث الثاني: في جهود المسلمين في المحافظة على القرآن الكريم، تحقيقًا لوعد الله تعالى بحفظه.
أما الباب الأول، ففي موقف الرافضة من نصوص القرآن الكريم، وتحته ثلاثة فصول:
الفصل الأول: إجماع الرافضة على القول بتحريف القرآن الكريم، وتحته ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: إجماع المتقدمين منهم على القول بتحريف القرآن الكريم.
المبحث الثاني: استمرار المتأخرين منهم على مذهب من تقدمهم.
المبحث الثالث: رد قول من زعم أن القول بالتحريف مختلف فيه بين الرافضة.
الفصل الثاني: أنواع التحريف المزعوم عندهم في القرآن الكريم وأمثلته، وتحته ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: زعمهم النقص في القرآن الكريم، وتحته ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: السور التي زعموا أنها حذفت في القرآن الكريم.
المطلب الثاني: الآيات التي زعموا أنها حذفت من القرآن الكريم.
المطلب الثالث: الكلمات التي زعموا أنها حذفت من القرآن الكريم.
المبحث الثاني: زعمهم أن في القرآن الكريم تحريفاً بالإبدال وأمثلة ذلك.
المبحث الثالث: زعمهم وقوع التحريف في ترتيب آيات وسور القرآن الكريم وأمثلة ذلك.
الفصل الثالث: شبههم في قولهم بالتحريف وردها.
وأما الباب الثاني: ففي موقف الرافضة من معاني القرآن الكريم، وتحته فصلان:
الفصل الأول: اعتمادهم التأويل الباطل تفسيراً للقرآن الكريم وسبب ذلك.
الفصل الثاني: نماذج من تأويلاتهم الباطلة، وتحته مبحثان:
المبحث الأول: الآيات التي أوّلوها بالإمامة عندهم، وما انبثق عنها.
المبحث الثاني: الآيات التي أوّلوها بمن يزعمون أنهم أعداء لهم.
وأما الباب الثالث: ففي ما ترتب على هذين الموقفين من آثار سيئة، وتحته ثلاثة فصول:
الفصل الأول: عدم اعترافهم بعظمة القرآن الكريم وأحقيته للتشريع، وتحته ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: خرق الإجماع على أن القرآن الكريم محفوظ.
المبحث الثاني: جرح عظمة القرآن الكريم بتقديم مصحف فاطمة رضي الله عنها -المزعوم- عليه.
المبحث الثالث: تقديم أقوال أئمتهم على القرآن الكريم في التشريع.
الفصل الثاني: فتح الباب أمام أعداء الإسلام للطعن في القرآن الكريم وأمثلة ذلك.
الفصل الثالث: مخالفة السواد الأعظم من المسلمين في بعض الأحكام الشرعية.
وأخيراً: الخاتمة.
هذا، وأحمد الله تعالى على ما يسر لي من كتابة هذا البحث، فما أصبت فيه فهو من الله بتوفيقه وفضله، وما أخطأت فيه فهو مني وأنا من البشر، وأستغفر الله وأتوب إليه، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

التمهيد:
وتحته مبحثان:
المبحث الأول: تعريف الرافضة وبيان بعض ما ابتدعوه في الإسلام.
المبحث الثاني: جهود المسلمين في المحافظة على القرآن الكريم تحقيقًا لوعد الله تعالى بحفظه.
المبحث الأول: تعريف الرافضة وبيان ما ابتدعوه في الإسلام:
أ- تعريف الرافضة في اللغة وفي الاصطلاح:
الرفض في اللغة: الترك، تقول: رفض الشيء يرفضه: إذا تركه وفارقه.
قال الجوهري: (الرفض الترك، والروافض: جند تركوا قائدهم وانصرفوا، والرافضة: فرقة من الشيعة)([1]).
وأما في الاصطلاح: فهم الذين يسبون الصحابة، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهم، ويتبرءون منهما ويرفضون إمامتهما.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى لما سأله ابنه عبد الله: مَن الرافضة؟ قال: (الذين يشتمون أو يسبون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما)([2]).
وقال الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله: (وإنما سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر)([3]).
هذا هو الأصل في تسميتهم رافضة.
وأما سبب إطلاق هذه التسمية عليهم فهو راجع إلى الحادثة التاريخية التي حدثت بينهم وبين زيد بن علي بن الحسين رحمه الله تعالى، لما خرج على هشام بن عبد الملك، وتبعه جماعة من الشيعة، وطلبوا منه أن يتبرأ من أبي بكر عمر رضي الله عنهما، فأبى ذلك زيد وقال: إنه يتولاهما، وذكرهما بالخير وترحم عليهما، فتركوه وانفضوا عنه في أحوج ما يكون إليهم، فسموا رافضة لرفضهم زيد بن علي بن الحسين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وأما لفظ الرافضة فهذا اللفظ أول ما ظهر في الإسلام لما خرج زيد بن علي بن الحسين في المائة الثانية في خلافة هشام بن عبد الملك واتبعه الشيعة، فسئل عن أبي بكر وعمر، فتولاهما وترحم عليهما، فرفضه قومٌ، فقال: رفضتموني رفضتموني، فسموا رافضة)([4]).
وقال فخر الدين الرازي: (الروافض: إنما سموا بـالروافض لأن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم خرج على هشام بن عبد الملك، فطعن عسكره في أبي بكر، فمنعهم من ذلك، فرفضوه، ولم يبق معه إلا مائتا فارس، فقال لهم - أي زيد بن علي -: رفضتموني! قالوا: نعم، فبقي عليهم هذا الاسم)([5]).
فمن هنا نعلم أن الذي حملهم على رفض زيد بن علي هو توليه أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وثناؤه عليهما، وهو ما يؤكد لنا أنهم كانوا رافضة قبل هذه الحادثة مع زيد رضي الله عنه.
ويقال لهم أيضًا: الإمامية، لقولهم بالنص على إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه([6])، والأئمة من بعده.
وهم فرق كثيرة جداًَ، أشهرها في وقتنا الحاضر والأكثر انتشارًا في العالم الإسلامي فرقتان: الإسماعيلية (الباطنية) والإثنا عشرية.
أما الإسماعيلية: فهم الذين يسوقون الإمامة من علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى إسماعيل بن جعفر بن محمد الصادق، وهم أيضًا فرق كثيرة.
وأما الإثنا عشرية: فهم القائلون بإمامة اثني عشر إماماً، ويسوقون الإمامة من علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى محمد بن الحسن العسكري -الموهوم- وهو الإمام الثاني عشر -بزعمهم- والمختفي في سرداب بـسر من رأى([7])، وينتظرون خروجه بفارغ صبر([8]).
وهؤلاء الأئمة الاثنا عشر -على حد زعمهم- هم: علي بن أبي طالب ثم ابنه الحسن، ثم أخوه الحسين، ثم ابنه علي زين العابدين، ثم ابنه محمد الباقر، ثم ابنه جعفر الصادق، ثم ابنه موسى الكاظم، ثم ابنه علي الرضا، ثم ابنه محمد الجواد، ثم ابنه علي الهادي، ثم ابنه الحسن العسكري، ثم ابنه محمد القائم المنتظر، فكل إمام ينص على من يأتي بعده([9]).
وموقف هذه الفرقة (أي: الإثني عشرية) من فرق الروافض: من القرآن الكريم هو موضوع دراستي في هذا الكتاب.
ب- بيان بعض ما ابتدعوه في الإسلام:
المعلوم أن دين الروافض عموماً والإثني عشرية خاصة قائم أساسًا على مخالفة جماعة المسلمين في جميع أمور الدين، ولطبيعة هذه المخالفة قد أحدثوا في الإسلام أموراً كثيرة ويقوم عليها دينهم الاعتقادي والتعبدي، وهي أمور كثيرة جداً بحيث لا يمكن حصرها في مثل هذا الكتاب، ولذا سأقتصر على بعضها، لوجود العلاقة القوية بينها وبين موضوع بحثي، ولكونها المؤثرة المباشرة فيه، وهذه الأمور المستحدثة عندهم هي مسألة الإمامة وما تفرع عنها من القول بعصمة الأئمة، والقول بالرجعة، والقول بالتقية، فهذه الأمور هي التي سأقتصر عليها في دراستي هذه مما استحدثوه في الدين، فأقول وبالله التوفيق:
الإمامة:
حقيقتها في اللغة وفي الاصطلاح:
فالإمامة في اللغة: التقدم على الغير، قال ابن منظور: (وأمّ القوم وأمّ بهم: تقدمهم، وهي الإمامة... والإمام: كل ما ائتُمّ به من رئيس وغيره، والجمع أئمة).
وفي التنزيل: ((فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ)) [التوبة:12] الآية، أي اقتلوا رؤساء الكفر وقادتهم الذين ضعفاؤهم تبع لهم([10]).
وأما في الاصطلاح: فقد عرفها علماء المسلمين بما يلي:
يقول الماوردي: (الإمامة: موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا)([11]).
وقال العلامة ابن خلدون: (فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا).
وقال عن وجه تسمية القائم بها إماماً وخليفة: (وإذ قد بيّنا حقيقة هذا المنصب وأنه نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا به تسمى خلافة وإمامة والقائم به خليفة وإماما.ً
فأما تسميته إماماً: فتشبيهاً بإمامة الصلاة في اتباعه والاقتداء به، ولهذا يقال: الإمامة الكبرى، وأما تسميته خليفة: فلكونه يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته، فيقال: خليفة بإطلاق، وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم)([12]).
وعرفها الرافضة بمثل تعريف أهل السنة، وزادوا عليه كلمة: بحق الأصالة بناء على أصلهم في الإمامة.
قال علي البحراني: (عرفها المتكلمون وحدوها بأنها رياسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص إنساني خلافة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونقل عن بعض الفضلاء: أنه عرف الإمامة بأنها رياسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص إنساني بحق الأصالة)([13]).
هذا هو تعريف الإمامة عند أهل السنة، وعند الرافضة.
وأما مكانتها:
فعند أهل السنة وغيرهم من الفرق الإسلامية أنها مصلحة من مصالح الأمة، فيجب عليهم أن ينصبوا لها واحدًا منهم يكون إماماً لهم ينظر في أمورهم الدينية والدنيوية، ويقيم فيها حدود الله وأوامره، ويتم اختياره عن طريق البيعة بأن يبايعه جميع من حضروا أو أكثرهم بمن فيهم أهل العقد والحل، أو يكون بالعهد من الإمام السابق عليه، فإذا تم ذلك وجب على الأمة طاعته ما أقام فيهم أمر الله تعالى، لقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)) [النساء:59].
ولابد أن تتوفر فيمن يختار إماماً للمسلمين جملة من الشروط، منها:
العدالة، والعلم المؤدي إلى الاجتهاد، والكفاية، وسداد الرأي، وسلامة الحواس والأعضاء مما يؤثر في الرأي والعمل، وأن يكون قرشي النسب على الصحيح، إلى غير ذلك مما ذكره العلماء من الشروط المطلوب توفرها فيمن يتولى أمور المسلمين.
هذا هو نظر أهل السنة إلى الإمامة وهي أنها من المصالح العامة التي يفوض إلى الأمة القيام بها([14]).
وأما الرافضة فعندهم أن الإمامة ركن من أركان الإيمان لا يتم الإيمان إلا بها، وأنها أهم مطالب الدين، فلا يجوز تفويضها إلى اختيار الأمة، ولا إغفالها، بل يجب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم تعيين الإمام، ويكون معصوماً من الكبائر والصغائر، ويكون أفضل الناس؛ لأنه لا تصح إمامة المفضول عندهم مع وجود الفاضل.
وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم نص على علي بن أبي طالب، ووصى به من بعده ليكون إمام المسلمين، ونص علي بدوره على ابنه الحسن، والحسن على أخيه الحسين، ثم جرت الإمامة في أبناء الحسين إلى اثني عشر إماماً، كل إمام ينص على الإمام الذي يأتي بعده؛ لأن الإمامة عندهم لا تصح إلا بنص من الإمام السابق، وأوّلوا نصوصاً من القرآن والسنة طبقاً لمزاعمهم هذه في الإمامة كما اختلقوا أخباراً ووضعوها على أئمتهم في ذلك، هي مبسوطة في مواضعها، وستأتي الإشارة إلى بعضها إن شاء الله تعالى.
هذا هو مجمل نظرتهم إلى الإمامة وهي مخالفة لما عليه جماهير المسلمين من أهل السنة وغيرهم من الفرق المنتمية إلى الإسلام، وقد أدت بهم نظرتهم هذه إلى الإمامة إلى استحداث أمور كثيرة في الإسلام؛ كالقول بوجوب النص على الإمامة والقول بالوصية، والقول بعصمة الأئمة إلى غير ذلك من البلايا التي جلبوها إلى المسلمين.
وفي ذلك يقول آية الله إبراهيم الزنجاني: (تعتقد الإمامية الإثنا عشرية أن الإمامة رئاسة الدين والدنيا ومنصب إلهي يختار الله بسابق علمه، ويأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يدل الأمة عليه ويأمرهم باتباعه، والإمام حافظ للدين وتعاليمه من التغيير والتبديل والتحريف، وحيث إن الإسلام دين عام خالد كلف به جميع عناصر البشر، وتعاليمه فطرية أبدية أراد الله بقاءه إلى آخر الدنيا، فلابد أن ينصب الله إماماً لحفظه في كل عصر وزمان لكي لا يتوجه نقض الغرض المستحيل على الحكيم تعالى، ولأجل ذلك أمر نبيه بأن ينص على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بقوله: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)) [المائدة:67]، وأن ينص على أحد عشر إمامًا من ولد علي ظاهراً مشهوراً أو غائباً مستوراً، وهذه سنة الله في جميع الأزمان وفي جميع الأنبياء من لدن آدم إلى خاتم الأنبياء صلى الله عليهم أجمعين...)([15]).
إلى غير ذلك من الأقوال الواردة في الإمامة عندهم، وقد تولى علماء المسلمين قديماً وحديثاً الرد على تخرصاتهم هذه في الإمامة وبيّنوا فساد استدلالهم بالكتاب والسنة على مذهبهم وكشفوا عن زيف عقائدهم، كما ستأتي الإشارة إلى بعضها في حينها إن شاء الله تعالى.
القول بعصمة الأئمة:
العصمة في اللغة: المنع، يقال: عصمه يعصمه عصماً: إذا منعه ووقاه، وفي التنزيل: ((قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)) [هود:43] أي: لا معصوم إلا المرحوم.
واعتصم بالله: امتنع بلطفه من المعصية([16]).
وعرفها الرافضة بأنها: لطف خفي يفعله الله تعالى بالمكلف، بحيث لا يكون له داع إلى ترك الطاعة وارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك.
وفسرها بعضهم بأنها الأمر الذي يفعله الله من الألطاف المقربة إلى الطاعات التي يعلم معها أنه لا يقدم على المعصية بشرط ألا ينتهي ذلك الأمر إلى الإلجاء.
وفسرها البعض الآخر منهم بأنه ملكة نفسانية لا تصدر عن صاحبها المعاصي([17]).
روى الصدوق في معناها عن حسين الأشقر، قال: قلت لـهشام بن الحكم:
ما معنى قولكم: (إن الإمام لا يكون إلا معصومًا؟ قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك فقال: (المعصوم هو الممتنع بالله من جميع محارم الله...))([18]).
يعتقد الرافضة أن أئمتهم معصومون من جميع المعاصي الصغيرة والكبيرة حتى السهو والنسيان، فإنهم معصومون من كل ذلك من ولادتهم إلى وفاتهم لا يرتكبون أي معصية، ولا يجوز لهم ذلك أبداً.
يقول المظفر في عقائده: (ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن، من سن الطفولة إلى الموت عمداً وسهواً، كما يجب أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان؛ لأن الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة بلا فرق)([19]).
وقال المفيد تحت عنوان: (القول في عصمة الأئمة عليهم السلام): (أقول: إن الأئمة القائمين مقام الأنبياء صلوات الله عليهم في تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود وحفظ الشرائع وتأديب الأنام معصومون كعصمة الأنبياء، وإنهم لا يجوز منهم صغير إلا ما قدمت ذكر جوازه على الأنبياء([20])، وأنه لا يجوز منهم سهو في شيء في الدين، ولا ينسون شيئاً من الأحكام، وعلى هذا مذهب سائر الإمامية إلا من شذ منهم وتعلق بظاهر روايات لها تأويلات على خلاف ظنه الفاسد من هذا الباب)([21]).
ويقول الخميني تحت عنوان (منصب العلماء محفوظ دائمًا): (نحن نعتقد أن المنصب الذي منحه الأئمة -ع- للفقهاء لا يزال محفوظًا لهم؛ لأن الأئمة الذين لا نتصور فيهم السهو أو الغفلة...)([22])هذه هي عقيدة جميع الإمامية في أئمتهم أنهم معصومون من جميع الأخطاء ومن السهو والنسيان، لا يقع شيء منهم في ذلك أبدًا، ولم يخالف إني ذلك منهم أحد من علمائهم المتقدمين والمتأخرين، فهم جميعاً على هذه العقيدة.
وهذه العقيدة مما انفردوا بها عن جميع الفرق الإسلامية ولم يوجد من قال بها من المسلمين غير الرافضة.
وفي ذلك يقول الحلي تحت عنوان: (عصمة الأئمة): (فاعلم أن الناس قد اختلفوا في أن الإمام يجب أن يكون معصوماً أم لا؟ مذهب أصحابنا الإمامية ووافقهم الإسماعيلية إلى أن الإمام يجب أن يكون معصوماً من أول عمره إلى آخره عن ارتكاب المعاصي؛ كبائرها وصغائرها، وعن الخطأ في الأحكام، وقال باقي الفرق: لا يجب في الإمامة العصمة، بل تكفي العدالة، والأصح هو مذهب أصحابنا...)([23]).
هذا ما يعترفون به أنفسهم من مخالفتهم جميع الفرق الإسلامية في عقيدتهم هذه الناجمة عن تطرف نظرتهم في مسألة الإمامة.
القول بالرجعة:
الرجعة في اللغة: الانصراف، يقال: رجع يرجع رجوعاً: انصرف، وفلان يؤمن بالرجعة: أي الرجوع إلى الدنيا بعد الموت([24]).
ومعناها عند الرافضة: أن الله يحيي قوماً بعد موتهم ويردهم إلى الدنيا قبل القيامة.
يقول الزنجاني: (الرجعة عبارة عن حشر قوم عند قيام القائم الحجة عليه السلام ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ويبتهجوا بظهور دولته، وقوم من أعدائه ينتقم منهم وينالوا بعض ما يستحقونه من العذاب والقتل على أيدي شيعته، وليبتلوا بالذل والخزي بما يشاهدون من علو كلمته، وهي عندنا الإمامية الإثنا عشرية، تختص بمن محض الإيمان ومحض الكفر([25])، والباقون سكوت عنهم)([26]).
ويقول الحر العاملي: (اعلم أن الرجعة هنا الحياة بعد الموت قبل القيامة، وهي الذي يتبادر من معناها، وصرح به العلماء هنا -كما يأتي- ويفهم من مواقع استعمالها ووقع التصريح به في أحاديثها.
وقد صرح بذلك أيضًا علماء اللغة -إلى أن قال-: (فعلم أن هذا معناها الحقيقي، فلا يجوز العدول عنه في موضع لا قرينة فيه)([27]).
ونستخلص من تعريفاتهم للرجعة: أنها تكون عند قيام قائمهم، وأنها خاصة بالمؤمنين الخالصين منهم وبالكفار الخلص، وليست عامة في عموم الناس، وأن الهدف منها: ابتهاج أنصار قائمهم بظهور دولتهم وبثواب نصرتهم له، والانتقام من أعداء قائمهم، وتسجيل الذل والخزي عليهم، هذا ما صرحوا به في كتبهم عن الرجعة([28]).
وعقيدة الرجعة ثابتة عند جميع الرافضة، بل هي من ضروريات مذهبهم، ومنكرها خارج عن ربقة دينهم كما هو صريح رواياتهم وأقوالهم.
روى الصدوق عن الصادق قال: (ليس منا من لم يؤمن بكرتنا، ويستحل متعتنا)([29])، والكرّة: هي الرجعة.
وغيرها من الروايات الكثيرة المنسوبة إلى أئمتهم في ذلك.
يقول الحر العاملي: (إن ثبوت الرجعة من ضروريات مذهب الإمامية من جميع العلماء المعروفين والمصنفين والمشهورين، بل يعلم العامة أن ذلك من مذهب الشيعة، فلا ترى أحداً يُعرف اسمه ويُعلم له تصنيف من الإمامية يصرح بإنكار الرجعة وتأويلها -إلى أن قال-: والذي يعلم بالتتبع أن صحة الرجعة أمر محقق معلوم مفروغ منه، مقطوع به، ضروري عند أكثر علماء الإمامية أو الجميع، حتى لقد صنفت الإمامية كتباً كثيرة في إثبات الرجعة، كماصنفوا في إثبات المتعة وإثبات الإمامة وغير ذلك)([30]).
وقال عبد الله شبر: (اعلم أن ثبوت الرجعة مما اجتمعت عليه الشيعة الحقة والفرقة المحقة، بل هي من ضروريات مذهبهم)، وقال المجلسي: (أجمعت الشيعة على ثبوت الرجعة في جميع الأعصار، واشتهرت بينهم كالشمس في رابعة النهار، حتى نظموها في أشعارهم، واحتجوا على المخالفين في جميع أمصارهم، وشنع المخالفون عليهم في ذلك، وأثبتوا في كتبهم وأسفارهم منهم: الرازي، والنيسابوري، وغيرهما، وكيف يشك مؤمن بحقيقة الأئمة الأطهار فيما تواتر عنهم في قريب من مائتي حديث صريح رواها نيف وأربعون من الثقات العظام والعلماء الأعلام؟ كثقة الإسلام الكليني، والصدوق محمد ابن بابويه، والشيخ أبي جعفر الطوسي، والمرتضى، والنجاشي -إلى أن قال-: وإذا لم يكن مثل هذا متواتراً، ففي أي شيء يمكن دعوى التواتر مع ما روته كافة الشيعة خلفاً عن سلف، وظني أن من يشك في أمثالها فهو شاك في أئمة الدين، وقد صنف جماعة من القدماء كتباً في حقية الرجعة، فمنهم أحمد بن داود بن سعيد الجرجاني، فال الشيخ في الفهرست: له كتاب المتعة والرجعة، ومنهم الحسن بن علي أبي حمزة البطاني...)([31]) إلى آخر ما قاله هذا الرافضي من إجماعهم على القول بالرجعة وبتظافر أخبارهم عليها.
هذه بعض أقوال علمائهم في نقل إجماعهم على عقيدة الرجعة ومكانتها في دينهم.
وقد اختلقوا أخباراً كثيرة وضعوها على أئمتهم في وجوب الإيمان بالرجعة مبسوطة في كتبهم المعتمدة، وهي كلها أكاذيب وافتراءات على آل البيت الطاهرين، وكذلك تعسفوا في تأويل آيات كثيرة من القرآن طبقاً لعقيدتهم هذه.
فقد تولى علماء المسلمين الرد عليها، وبيان فساد استدلالهم بها، كما ستأتي الإشارة إلى بعضها إن شاء الله تعالى.
القول بالتقية:
تعريفها في اللغة:
في القاموس: (اتقيت الشيء وتقيته أتقيه، وأتقيه تقىً وتقية وتقاء: حذرته)([32]).
وفي الاصطلاح عند الرافضة: قال المفيد: (التقية كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررًا في الدين أو الدنيا)([33]).
وقال ناصر مكارم الشيرازي: (وقال شيخنا الشهيد في قواعده: (التقية مجاملة الناس بما يعرفون، وترك ما ينكرون، حذراً من غوائلهم، والذي يهمنا ذكره في المقام أن التقية ديدن كل أقلية يسيطر عليهم الأكثرون ولا يسمحون لهم بإظهار عقائدهم أو العمل على وفقها، فيخافون على أنفسهم أو النفس مما يتعلق بهم من مخالفيهم المتعصبين...)([34]).
وقال محسن الأمين في التقية: (إظهار خلاف الواقع في الأمور الدينية بقول أو فعل، خوفًا وحذراً على النفس أو المال أو العرض المعبر عنه في هذا الزمن بالشرف على النفس أو على غيره)([35]).
هذا عن تعريف التقية عندهم كما جاء من كتبهم.
وأما عن مكانتها وأهميتها عند الرافضة فهي أن للتقية عندهم مكانة سامية وأهمية عظمى تتمثل في كون التقية تسعة أعشار دينهم، وأنه لا دين لمن لا تقية له، وأن أكرم الناس هو أعلمهم بالتقية، وأن الإيمان بدونها كالجسد بلا رأس، وأنها أحب شيء إلى الله وأوليائه، وغيرها من الخيالات التي ذكروها لهذه العقيدة عندهم، كما جاءت من رواياتهم المنسوبة إلى أئمتهم، منها:
ما روى الصدوق والكليني عن أبي العجمي قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: (يا أبا عمر! إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء إلا في شرب النبيذ والمسح على الخفين).
وروى أيضاً والكليني عن محمد بن مروان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قالى لي: يا محمد! كان أبي عليه السلام يقول: حدّث يا بني، ما خلق الله شيئاً أقرّ لعين أبيك من التقية)([36]).
وروى الكليني بسنده عن حبيب بن بشر قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (سمعت أبي يقول: لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إليّ من التقية، يا حبيب! إنه من كانت له تقية رفعه الله، يا حبيب! من لم يكن له تقية وضعه الله، يا حبيب! إن الناس إنما هم في هدنة، فلو قد كان ذلك كان هذا)([37])-أي لو ظهر قائمهم لتركت التقية-.
وروى أيضًا بسنده عن معمر بن خلاد قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن القيام للولاة، فقال: قال أبو جعفر عليه السلام: التقية ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له).
هذا بعض ما نسبوه إلى أئمتهم في بيان مكانة التقية عندهم ووجوب الأخذ بها في دينهم، هذه هي مكانة التقية عند الرافضة، وهي مكانة فوق جميع شعائر الدين، بينما لا تعدو التقية عند المسلمين عن كونها رخصة رخص الشارع للمسلم أن يحافظ بها على نفس أو عرضه أو ماله من شر أعدائه إذا وقع في أيديهم وأرادوا فتنته عن دينه، فله أن يجيبهم إلى ما يطلبون منه في الظاهر، ولا شيء عليه ما دام قلبه مطمئناً بالإيمان، كما أن من أبى عليهم وأخذ بالعزيمة فليس عليه شيء كذلك.
هذا ما فهمه المسلمون من الآيات التي جاءت بجواز استعمال التقية عند الضرورة فقط، كما أن جواز استعمالها مقصور على أعداء الإسلام من الكفار والمشركين، وهذا بعيد جداً عن مفهوم الرافضة للتقية، فإنها عندهم تعني: الكذب والخيانة والخداع والنفاق([38]) مع المسلمين لا مع الكفار كما ورد به الشرع، فهم يستعملونها مع المسلمين، أما الكفار فهم أصدقاؤهم وأحباؤهم يوالونهم في كل شيء ضد المسلمين، وهنا تظهر أهمية التقية عندهم، فإنهم قد صدقوا على أنفسهم بأنه لا دين لمن لا تقية له، وأن تسعة أعشار دينهم منها، فبدون التقية لا بقاء لهم مع المسلمين، لأنهم كفار يلحق بهم ما يلحق بالكفار، ولذا شددوا في استعمالهم لها، وأوجبوها على أنفسهم حتى لا تنكشف عورتهم للمسلمين، فيجري عليهم ما يستحقون على كفرهم.
كما أنهم استطاعوا بها أن ينشروا عقائدهم الباطلة في أوساط المسلمين حيث انخدع بدعوتهم كثير من المسلمين الذين لا علم لهم بحقيقة هؤلاء الروافض ونفاقهم هذا، فتعاظم خطرها على عوام المسلمين، حتى على بعض من ينتسب إلى العلم وهو يجهل حقيقة عقائد الرافضة.
ويدل على ذلك ما رواه الكليني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (اتقوا على دينكم، فاحجبوه بالتقية، فإنه لا إيمان لمن لا تقية له، إنما أنتم في الناس كالنحل في الطير، لو أن الطير تعلم ما في أجواف النحل ما بقي منها شيء إلا أكلته، ولو أن الناس علموا ما في أجوافكم أنكم تحبونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم ولنحلوكم في السر والعلانية، رحم الله عبدًا منكم كان على ولايتنا)([39]).
وقال المظفر: (لقد كانت شعاراً لآل البيت عليهم السلام، دفعاً للضرر عنهم وعن أتباعهم، وحقناً لدمائهم، واستصلاحاً لحال المسلمين، وجمعاً لكلمتهم، ولمًّا لشعثهم، وما زالت سمة تعرف بها الإمامية دون غيرها من الطوائف والأمم، وكل إنسان إذا أحس بالخطر على نفسه أو ماله بسبب نشر معتقده أو التظاهر لابد أن يتكلم ويتقي في مواضع الخطر)([40]).
المبحث الثاني: جهود المسلمين في المحافظة على القرآن الكريم تحقيقاً لوعد الله تعالى بحفظه:
القرآن الكريم مصدر عز وكرامة للمسلمين وسعادتهم في الدنيا والآخرة، ولذا فقد أولوه اهتمامهم البالغ وعنايتهم الفائقة، وأنزلوه المنزلة اللائقة به، لم يحظ أي كتاب غيره من الكتب السماوية الأخرى والأرضية مثل ما حظي به القرآن الكريم من العناية الشديدة والاهتمام البالغ؛ فقد وجه المسلمون كل جهودهم، وبذلوا كل ما في وسعهم في حفظ القرآن والحفاظ عليه كما أنزله الله تعالى على رسوله الأمين الذي عرف بأمانته حتى قبل بعثته عليه أفضل الصلاة والسلام، وشهد به عدوه قبل مواليه، إلى أن وصل إلينا القرآن سالمًا محفوظًا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها سيبقى القرآن الكريم موضع اهتمام المسلمين وعنايتهم دائماً وأبداً.
ويتجلى مدى عناية المسلمين بالقرآن الكريم وجهودهم في المحافظة عليه في الخطوات التي اتبعوها تجاه القرآن الكريم، بدءًا برسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، ثم أصحابه الكرام رضي الله عنهم، فمن جاء بعدهم من التابعين لهم بإحسان إلى يومنا هذا، فالنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أمين الأرض لقد بلغ من عنايته بالقرآن وحرصه على حفظه وعلى سلامته وشدة اهتمامه به أنه كان يتابع جبريل عليه السلام عند إلقاء الوحي إليه، ويقرأ معه قبل أن ينتهي جبريل عليه السلام من إلقاء الوحي إليه، وكان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك حرصاً منه على حفظ ما يأتي به جبريل من القرآن أولاً بأول لئلا ينساه وينفلت منه بسبب نسيانه، فكان يعالج نزول القرآن أشد المعالجة، إلى أن طمأنه الله تعالى وضمن بقاء القران محفوظاً، وتكفل بجمعه في صدره وبيانه، وأنه لا ينسى منه شيئاً إلا ما أراد الله نسيانه فلا شيء عليه في ذلك.
قال تعالى: ((لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ)) [القيامة:16]* ((إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ)) [القيامة:17]* ((فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)) [القيامة:18]* ((ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)) [القيامة:19].
وقال تعالى: ((وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً)) [طه:114].
وقال تعالى: ((سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى)) [الأعلى:6]* ((إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى)) [الأعلى:7].
هكذا كان حرصه صلى الله عليه وسلم على القرآن واهتمامه به فجمع الله القرآن في صدر رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وأراحه من العناء الذي كان يجده في نفسه من خرف نسيان القرآن وانفلات بعض أجزائه.
وكذلك كان جبريل عليه السلام يعارضه القرآن كل سنة مرة في شهر رمضان، وفي السنة التي توفي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عارضه فيها مرتين، إيذاناً بقرب أجله صلى الله عليه وسلم، وتأكيداً لحفظ القرآن الكريم في صدره الشريف، وبقاء ما لم ينسخ منه من المنسوخ، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة، منها: ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان؛ لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة»([41]).
وروى البخاري أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف في كل عام عشراً، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه»([42]).
وكذلك يدل على عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن اتخاذه كتّاباً، كانوا يعرفون بـ (كُتّاب الوحي) وهم كثيرون، منهم: الخلفاء الراشدون الأربعة، ومعاوية بن أبي سفيان، وأُبي بن كعب، وغيرهم رضي الله عنهم.
فكان صلى الله عليه وسلم إذا نزلت عليه آية أو سورة من القرآن أمر من حضر من هؤلاء الكتّاب بكتابتها مع إرشاده إياهم إلى موضع الآية من سورتها، فكانوا يكتبون كل ذلك فيما يتيسر لديهم من أدوات الكتابة وقتذاك؛ كالرقاع، واللخاف، والأكتاف، والعسب، وما أشبه ذلك من أدوات الكتابة التي كانت متيسرة عندهم في زمانهم ذلك([43]).
ولم ينتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا والقرآن كله مجموع، وإن كان متفرقاً في الرقاع والعسب وغيرها، كما كان صلى الله عليه وسلم يحرص على إقراء الصحابة رضي الله عنهم القرآن الكريم وتحفيظهم إياه، مع بيان معانيه لهم وأحكامه، فكثر منهم حفاظ القرآن الكريم، إما كله وإما أجزاء منه، كل بحسب ما تيسر له منه، فضمن الحفاظ على القرآن بالحفظ في الصدور، بالكتابة في السطور، هذا قليل من كثير من عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم وبسلامته، الذي كان خلقه القرآن.
وأما عناية الصحابة رضوان الله عليهم بالقرآن الكريم فهي استمرار لما بدأه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه صلى الله عليه وسلم مهّد لهم الطريق ورباهم على ذلك.
ويتمثل ذلك في عدة أمور، منها:
حرصهم الشديد على تلقى القرآن مشافهة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظاً ومعنى، واجتهادهم في حفظ ما يتلقون من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات والعمل بأحكامها، فتعلموا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظاً ومعنى وعملاً كما جاءت الأحاديث الكثيرة التي تحدثت عن حرص الصحابة على حفظ القرآن الكريم.
يقول ابن الجزري رحمه الله: (ولما خص الله تعالى بحفظه من شاء من آله أقام له أئمة ثقات تجردوا لتصحيحه وبذلوا أنفسهم في إتقانه وتلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم حرفًا حرفاً لم يهملوا منه حركة ولا سكوناً ولا إثباتاً ولا حذفاً، ولا دخل عليهم في شيء منه شك ولا وهم، وكان منهم من حفظه كله، ومنهم من حفظ أكثره، ومنهم من حفظ بعضه، كل ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم)([44]).
هكذا لا يوجد جزء من القرآن الكريم إلا وهو محفوظ في صدور الصحابة رضي الله عنهم.
ولشدة حرصهم على القرآن الكريم فإنهم لم يكتفوا بحفظهم للقرآن في صدورهم فحسب، بل أضافوا إلى ذلك الكتابة في السطور؛ حيث كان بعضهم يكتب القرآن في أدوات الكتابة المتيسرة لديه من الرقاع واللخاف والأكتاف وغيرها، كل ذلك مبالغة في المحافظة على بقاء القرآن سالماً كاملاً كما أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
ويؤكد ذلك ما قاموا به من جمع القرآن الكريم في الصحف بعد أن كان في أشياء متفرقة، لما خافوا عليه ضياع بعض أجزائه بسبب موت حفاظه في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ حيث أشار إليه بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما استحرّ القتل بقراء القرآن في معركة اليمامة مع مسيلمة الكذاب، كما هو واضح من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه في جمع القرآن على عهد أبي بكر رضي الله عنه عند البخاري رحمه الله تعالى([45]).
وكذلك ما قاموا به في عهد عثمان رضي الله عنه من جمع الناس على مصحف واحد لما خافوا الفتنة التي كادت أن تحدث بين المسلمين بسبب اختلافهم في وجوه القراءات، كما ورد بذلك حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حيث قال لـعثمان بن عفان رضي الله عنه: (يا أمير المؤمنين! أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى...)([46]).
كل هذا يؤكد لنا أنهم كانوا يسهرون على القرآن الكريم وعلى حمايته من أي شيء يكدر صفوه وينقص من قدره، فما يكاد يقرب منه شيء إلا ويتنبهوا لذلك قبل وقوعه، فيبعدونه عنه.
كما كانوا رضوان الله عليهم حريصين على إقراء الناس القرآن الكريم من التابعين وغيرهم ممن لم يتمكنوا من تلقيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعقدوا مجالس كثيرة لتدريس القرآن ومدارسته كما تلقوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ عنهم التابعون الذين كانوا أيضاً مغرمين بالتفقه في الدين وتعلم أحكامه، وحريصين على قراءة القرآن وحفظه وفهم معانيه حتى تخرّج على أيديهم أئمة جهابذة في العلم بالقرآن لفظاً ومعنى وعملاً، تولوا فيما بعد إقراء من جاء بعدهم القرآن الكريم ومدارسته.
هكذا أخذ المسلمون القرآن جيلاً عن جيل مشافهة ولم يعتمدوا على المكتوب في المصاحف فقط، وإنما كان الاعتماد في قراءة القرآن على تلقيه مشافهة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وهكذا كانوا شديدي الحرص على قراءة القرآن وحفظه في صدورهم، فكثر حفاظ القرآن من المسلمين في كل جيل وفي كل بلد من مشارق الأرض ومغاربها، لا توجد بقعة معمورة على وجه الأرض فيها مسلمون إلا وفيهم حفاظ القرآن الكريم، إما كاملاً وإما أجزاء منه.
هذا مما يتعلق بحفظ القرآن في الصدور الذي هو المعتمد عند المسلمين في المحافظة على القرآن الكريم.
وأما ما يتعلق بكتابة القرآن في السطور، فإن الذين جاءوا من بعد عصر الصحابة رضوان الله عليهم الذين أخذوا القرآن عنهم، والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين فإنهم أيضاً لم يهملوا هذا الجانب المهم في المحافظة على سلامة القرآن الكريم، ولم يغفلوه، بل نشطوا في ذلك نشاطاً فاق كل الوصف، لاسيما فيما يعرف بعصر التدوين.
وقد أصبحت الكتابة ميسرة وفي متناول كل أحد يرغب في الكتابة لتوفر أدوات الكتابة وتنوعها، فاتجهوا إلى القرآن الكريم بكل عناية، فدونوا في جميع مجالاته مؤلفات كثيرة لم يشهد لها مثيل في تاريخ البشرية.
وأكتفي هنا بما قاله الأستاذ الدكتور محمد أبو شهبة في كتابه (المدخل لدراسة القرآن الكريم)([47]) تحت عنوان: عناية الأمة الإسلامية بالقرآن، قال:
(فلا عجب -والقرآن كما سمعت- أن عنيت الأمة الإسلامية به عناية فائقة، من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، فحفظوا لفظه، وفهموا معناه، واستقاموا على العمل به، وأفنوا أعمارهم في البحث فيه، والكشف عن أسراره، ولم يدعوا ناحية من نواحيه الخصبة إلا وقتلوها بحثاً وتمحيصاً، وألّفوا في ذلك المؤلفات القيمة؛ فمنهم من ألّف في تفسيره، ومنهم من ألّف في رسمه وقراءته، ومنهم من ألّف في استنباط الأحكام منه، ومنهم من ألّف في ناسخه ومنسوخه، ومنهم من ألّف في مجازه، ومنهم من ألّف في أمثاله...) إلى آخر ما ذكر من أنواع العلوم التي تتعلق بالقرآن الكريم، فلا يوجد علم له علاقة بالقرآن إلا وفيه مؤلفات، مما يؤكد عناية المسلمين الذين جاءوا بعد العصر الأول، في المحافظة على القرآن الكريم كتابة، كما حفظوه في صدورهم.
والمكتبات الإسلامية وغير الإسلامية خير شاهد على ذلك.
وتتجلى عناية المسلمين بالقرآن الكريم واهتمامهم به في هذه العصور المتأخرة بالإضافة إلى ما درج عليه سلفنا الصالح من الخطوات المتبعة في حفظ القرآن الكريم ومدارسته في المساجد والكتاتيب وغيرهما من الوسائل المتاحة لكل أهل عصر، تتجلى تلك العناية في إنشاء مدارس خاصة لتعليم القرآن الكريم ودراسة كل ما يتعلق به من العلوم، من تجويده، والقراءات، والتفسير، وغيرها من العلوم المتعلقة به في جميع مراحل التعليم، الابتدائي، والمتوسط، والثانوي، والجامعي، مثل مدارس تحفيظ القرآن الكريم في المملكة العربية السعودية للبنين والبنات([48])، ومعاهد القراءات في جمهورية مصر العربية، كما توجد بها أيضاً مكاتب التحفيظ القرآن الكريم([49]) وفي غيرهما من الدول الإسلامية.
كما أنشأت بعض الجامعات الإسلامية كليات خاصة لتحفيظ القرآن الكريم ودراسة علومه والقراءات وغيرها من العلوم المتعلقة بالقرآن الكريم، ككلية القرآن الكريم في الجامعة الإسلامية بـالمدينة المنورة، وكلية القرآن الكريم في فرع جامعة الأزهر بـطنطا التي انشئت حديثاً، كما خصصت جامعات أخرى أقساماً خاصة بدراسة القرآن وعلومه كالقراءات وغيرها([50]).
وتتمثل كذلك في إنشاء مطابع لطباعة القرآن الكريم بكل عناية ودقة أحدثها وأدقها وأوثقها في وقتنا المعاصر: مجمع الملك فهد بن عبد العزيز لطباعة المصحف الشريف باسم مصحف المدينة، الذي كان تأسيسه في السادس عشر من شهر محرم عام 1403 من الهجرة، ويقوم المجمع بطباعة المصحف تحت إشراف لجنة مكونة من كبار العلماء في علم القراءات وعلوم القرآن الكريم، وتحت مراقبة فنيين مهرة لضمان خروج المصحف سالماً وخالياً من الأخطاء، ثم توزيعها على المسلمين في جميع أقطار المعمورة.
كما يقوم المجمع كذلك بترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغات كثيرة، وقد تم البعض منها.
وكذلك يقوم المجمع بانتاج تسجيلات صوتية لتلاوة القرآن الكريم بأصوات مشاهير القراء من داخل المملكة وخارجها، كل ذلك تحت إشراف ومراقبة دقيقة ومكثفة لضمان سلامة القرآن الكريم في دقة طباعته.
وكذلك تتمثل العناية بالقرآن الكريم في هذه العصور المتأخرة فيما تقوم به بعض الدول وبعض الجمعيات الإسلامية من تنظيم مسابقات محلية ودولية لحفظ القرآن الكريم وتجويده، وأبرز هذه المسابقات مسابقة القرآن الكريم الدولية التي تنظمها المملكة العربية السعودية بـمكة المكرمة كل سنة لتلاوة القرآن الكريم وتجويده وتفسيره وحفظه، وتمنح المتفوقين جوائز مالية سخية، كما تمنح بقية المشاركين كذلك جوائز تشجيعية، كل ذلك تشجيعاً للمسلمين للإقبال على كتاب الله العظيم حفظاً ودراسة([51]).
كل هذا يعكس مدى عناية المسلمين بالقرآن الكريم والمحافظة على سلامته من أي تحريف أو ضياع، فقد بذلوا كل ما في وسعهم في ضمان بقائه كما أنزله الله تعالى بكل حرص واهتمام بالغ، كيف لا! والقرآن الكريم مصدر عزهم في الدنيا وسعادتهم في الآخرة، لأنه المصدر الأول لتشريع أحكام دينهم، والمنظم لأمور دنياهم من علاقة بعضهم ببعض، وهو كذلك شفاء لما في الصدور، إلى جانب ما ورد من الترغيب والحث على قراءة القرآن وإقرائه، وما في ذلك من الثواب العظيم، والدرجة الرفيعة لحامله، كما وردت بذلك أحاديث كثيرة صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، منها:
ما رواه الشيخان -واللفظ للبخاري- من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل الذي يقرأ القرآن كالأترجة، طعمها طيب وريحها طيب، والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة طعمها طيب ولا ريح فيها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مر ولا ريح لها»([52]).
وما رواه البخاري من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، قال: وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج، قال: (وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا)([53]).
وما رواه أيضاً في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل، ورجل أعطاه الله مالاً فهو يتصدق به آناء الليل وآناء النهار»([54]).
وروى الإمام مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده».
وروى أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقرأوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه»([55]).
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي وردت في فضل القرآن وأهله، وبيان ثواب قراءته مما كان حافزاً كبيراً للمسلمين على أن يتسابقوا إلى قراءة القرآن وحفظه حتى يفوزوا بهذه الدرجات الرفيعة والثواب العظيم الذي أُعدّ لحامل القرآن الكريم.
كما جاءت أحاديث كثيرة أيضاً في الحض على استذكار القرآن وتعاهده حتى لا يتعرض إلى النسيان، فمن ذلك:
ما رواه الشيخان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة؛ إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت»([56]).
ورويا أيضاً من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت؛ بل نُسِّيَ، واستذكروا القرآن؛ فإنه أشد تفصياً من صدور الرجال من النعم»([57]).
إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في الحث على تعاهد القرآن واستذكاره.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله -بعد أن ذكر جملة من الأحاديث الواردة في ذلك-: (ومضمون هذه الأحاديث: الترغيب في إكثار تلاوة القرآن واستذكاره وتعاهده لئلا يعرضه حافظه للنسيان، فإن ذلك خطأ كبير، نسأل الله العافية منه)([58]).
هذه بالإضافة إلى عوامل أخر كثيرة ساعدت المسلمين على المحافظة على القرآن الكريم؛ كالتعبد بقراءته، والأمر بقراءته في جميع الصلوات فرضاً كانت أو نفلاً، وكذلك ما تميز به عن سائر كلام الخلق من البلاغة والفصاحة في معانيه وألفاظه، وفي أسلوبه وحلاوته التي لا ينقضي القارئ من إعجابه بها ولا يسأم من تكرارها كما يحصل لأي كلام آخر، وفوق ذلك كله: وعد الله تعالى بحفظ كتابه العزيز، وتكفله بسلامته وضمان بقائه وتيسيره على الناس حفظه.
قال تعالى: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9]، وقال تعالى. ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)) [القمر:32] وقد تقدم ذكر بعضها([59]).
هده نبذة يسيرة من جهود المسلمين في المحافظة على القرآن الكريم، تحقيقًا لوعد الله تعالى بحفظه، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من حفاظ كتابه العزيز، ومن المحافظين له، إنه سميع مجيب الدعاء.

الباب الأول:
موقف الرافضة من نصوص القرآن الكريم

وتحته ثلاثة فصول:
الفصل الأول: إجماع الرافضة على القول بتحريف القرآن الكريم.
الفصل الثاني: أنواع التحريف المزعوم عندهم في القرآن الكريم وأمثلته.
الفصل الثالث: شبههم في قولهم بالتحريف وردها.
الفصل الأول: إجماع الرافضة على القول بتحريف القرآن الكريم:
المدخل:
يزعم الرافضة أن القرآن الكريم الموجود بين أيدي المسلمين اليوم ليس هو كما أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما وقع فيه تحريف وتغيير على يد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين غصبوا آل محمد حقهم -على حد زعم الرافضة- حيث ادعوا أنهم حذفوا من القرآن الكريم كل الآيات التي نزلت في فضائل آل البيت، والآيات التي نزلت في مثالب الصحابة رضي الله عنهم، وآيات أخر كثيرة حذفوها وأسقطوها من القرآن الكريم -على حد زعم الرافضة- حتى لم يبق من القرآن إلا نحو ثلثه، وزعموا في مقابل ذلك أن القرآن الكامل الذي أنزله الله تعالى، والسالم من أي تحريف هو موجود عند إمامهم الغائب وهو الذي -بزعمهم- جمعه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وسيأتي إبطال هذا الزعم منهم قريباً إن شاء الله تعالى.
هذا ما يقول به جميع علمائهم المتقدمين منهم والمتأخرين ولم يخرج عن ذلك إلا عدد قليل تظاهروا بإنكار القول بتحريف القرآن الكريم من الرافضة، وسيأتي تفصيل موقفهم في ذلك، وهل هم صادقون في قولهم هذا أم هو جار على عادتهم من التقية.
ولزيادة توضيح موقفهم هذا قسمت مباحث هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث:
المبحث ا لأول: إجماع المتقدمين منهم على ذلك وأدلتهم من كتبهم.
المبحث الثاني: استمرار المتأخرين منهم على مذهب من تقدمهم.
المبحث الثالث: رد قول من زعم أن القول بالتحريف مختلف فيه بين الرافضة.
المبحث الأول: إجماع المتقدمين منهم على ذلك وأدلتهم من كتبهم:
القول بوقوع التحريف والتغيير في القرآن الكريم ونقصانه هو إجماع المتقدمين من علماء الرافضة؛ حيث صرحوا بذلك في مؤلفاتهم وشحنوها بالروايات المنسوبة إلى أئمتهم، وكلها صريحة في وقوع التحريف في القرآن الكريم، ولم يخرج عن إجماعهم هذا إلا أفراد قلائل منهم، وقد حصرهم النوري الطبرسي([60]) بأربعة أشخاص فقط كما سيأتي تصريحه في ذلك قريباً، وما عدا أولئك الأربعة فجميع المتقدمين منهم متفقون على القول بتحريف القرآن الكريم.
وهو ما صرح به محدثهم النوري الطبرسي في المقدمة الثالثة من كتابه (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب)؛ حيث قال: (المقدمة الثالثة في ذكر أقوال علمائنا في تغيير القرآن وعدمه، فاعلم أن لهم في ذلك أقوالاً مشهورها اثنان:
الأول: وقوع التغيير والنقصان فيه.
الثاني: عدم وقوع التغيير والنقصان فيه، وأن جميع ما أنزل الله، على رسوله صلى الله عليه وآله هو الموجود بأيدي الناس فيما بين الدفتين وإليه ذهب الصدوق([61]) في عقائده، والمرتضى([62]) وشيخ الطائفة([63]) في التبيان، ولم يعرف من القدماء موافق لهم إلا ما حكاه المفيد عن جماعة من أهل الإمامة والظاهر أنه أراد منها الصدوق -إلى أن قال-: وممن صرح بهذا القول الشيخ أبو علي الطبرسي([64]) في مجمع البيان... وإلى طبقته لم يعرف الخلاف صريحاً إلا من هذه المشايخ الأربعة، وما حكى عنهم المفيد.
وقال أيضاً بعد أن أورد أسماء كثير من علمائهم المتقدمين القائلين بتحريف القرآن الكريم: (ومن جميع ما ذكرنا ونقلنا بتتبعي القاصر يمكن دعوى الشهرة العظيمة بين المتقدمين وانحصار المخالف فيهم بأشخاص معينين)([65]).
هذا ما صرح به محققهم هذا النوري الطبرسي، وهو يدل بجلاء على موقف المتقدمين منهم من القول بتحريف القرآن الكريم وإجماعهم على ذلك وانحصار المخالفين منهم في الأربعة المذكورين فقط، وسيأتي تفصيل موقفهم هذا فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وبعد هذا، أود أن أنقل فيما يلي أقوال بعض علمائهم المتقدمين، وروايات أئمتهم الصريحة في تحريف القرآن، وتبديله، والنقصان منه من كتبهم المعتمدة والمشهورة عندهم؛ للتدليل على صحة قولي عنهم في إجماعهم على هذا الزعم؛ لأنها أقوالهم بأنفسهم وتصريحاتهم، وليست منقولة عن غيرهم، وهي أقوى دليل في معرفة مذهب المرء من قول غيره عنه، فهم قد ملئوا مؤلفاتهم بهذه التصريحات وبالروايات المنسوبة إلى أئمتهم في ذلك.
وأنا أذكر بعضهم هنا -على سبيل التمثيل لا الحصر- حسب تسلسل وفياتهم التاريخية، فأقول وبالله التوفيق:
منهم: سليم بن قيس الهلالي([66])، المتوفى في حدود سنة 90 من الهجرة، فهو من كبار علمائهم المتقدمين، بل أقدمهم، وهو معاصر لـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه كما صرحوا بذلك في كتبهم.
ونجده في كتابه (السقيفة) يروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أخباراً كثيرة صريحة في وقوع التحريف في القرآن الكريم، منها: ما رواه عن سلمان الفارسي رضي الله عنه مما دار بين علي والشيخين ومن معهما من الصحابة -رضي الله عنهم جميعاً- من أمر الخلافة، في خبر طويل فيه: فلما رأى غدرهم وقلة وفائهم له لزم بيته، وأقبل على القرآن يؤلفه ويجمعه، وكان في الصحف والشظاظ([67]) والسيار، والرقاع، فلما جمعه كله وكتبه تنزيله وتأويله والناسخ منه والمنسوخ، بعث إليه أبا بكر أن اخرج فبايع، فبعث إليه علي عليه السلام إني لمشغول، وقد آليت على نفسي يميناً ألا أرتدي رداءً إلا للصلاة حتى أؤلف القرآن وأجمعه، فسكتوا عنه أياماً فجمعه في ثوب واحد وختمه ثم خرج إلى الناس وهم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنادى علي بأعلى صوته: (أيها الناس! إني لم أزل مند قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم مشغولاً بغسله ثم بالقرآن حتى جمعته كله في هذا الثوب الواحد، فلم ينزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم آية إلا وقد جمعتها، وليست منه آية إلا وقد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمني تأويلها ثم قال لهم علي: لئلا تقولوا غداً إنا كنا عن هذا غافلين، ثم قال لهم علي: لا تقولوا يوم القيامة إني لم أدعكم إلى نصرتي ولم أذكركم حقي ولم أدعكم إلى كتاب الله من فاتحته إلى خاتمته، فقال له عمر: ما أغنانا بما معنا من القرآن عما تدعونا إليه).
وأصرح من هذا ما نسبه إلى طلحة من محادثات مع علي، وفيه قال طلحة: (يا أبا الحسن شيء أريد أن أسألك عنه، رأيتك خرجت بثوب مختوم، فقلت: أيها الناس إني لم أزل مشغولاً برسول الله بغسله وتكفينه ودفنه، ثم شغلت بكتاب الله حتى جمعته لم يسقط منه حرف، فلم أر ذلك الذي كتبت وألفت ورأيت عمر بعث إليك حين استخلف أن ابعث به إلي فأبيت أن تفعل فدعا عمر الناس، فإذا شهد رجلان على آية قرآن كتبها، وما لم يشهد عليه غير رجل واحد رماه ولم يكتبه، وقد قال عمر -وأنا أسمع-: قد قتل يوم اليمامة رجال كانوا يقرءون قرآناً لا يقرؤه غيرهم فذهب، وقد جاءت شاة إلى صحيفة وكتاب عمر يكتبون فأكلتها وذهب ما فيها، والكاتب يومئذ عثمان فما تقولون؟ وسمعت عمر يقول وأصحابه الذين ألفوا وكتبوا على عهد عمر وعلى عهد عثمان: إن الأحزاب تعدل سورة البقرة والنور ستون ستون ومائة، والحجرات ستون آية، والحجر تسعون ومائة آية، فما هذا؟ وما الذي يمنعك -يرحمك الله- أن تخرج ما ألفت للناس، وقد شهدت عثمان حين أخذ ما ألف عمر فجمع له الكُتّاب، وحمل الناس على قراءة واحدة ومزق مصحف أُبي وابن مسعود وأحرقهما بالنار فما هذا؟ فقال أمير المؤمنين (ع): يا طلحة، إن كل آية أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم عندي بإملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل حلال وحرام، أو حد، أو حكم شيء تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة عندي حتى أرش الخدش([68])...) الخبر([69]).
ففي هذين الخبرين وغيرهما من الأخبار الكثيرة التي رواها سليم بن قيس في كتابه هذا التصريح بوقوع التحريف في القرآن الكريم، وهو ما يؤكد أنه يقول بتحريف القرآن الكريم؛ لأن روايته هذه الأخبار في كتابه من غير أن ينقدها دليل على قبوله لها، وبما دلت عليه رغم ضعفها، وعدم ثبوتها بإسناد صحيح إلى من رويت عنهم من الصحابة رضي الله عنهم.
فهذه الروايات ضعيفة بجميع طرقها وما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (وأما ما أخرجه ابن أبي داود في المصاحف من طريق ابن سيرين قال: قال علي: (لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم آليت ألا آخد عليّ ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن فجمعه)([70])فإسناده ضعيف لانقطاعه، وعلى تقدير أن يكون محفوظاً، فمراده بجمعه حفظه في صدره).
قال: (والذي وقع في بعض طرقه -حتى جمعته بين اللوحين- وهم من راويه([71]) حيث قال: (لم يذكر المصحف أحد إلا أشعث، وهو لين الحديث وإنما رووا حتى أجمع القرآن، يعني أتم حفظه، فإنه يقال للذي يحفظ القرآن قد جمع القرآن)([72])هذا هو المراد من الخبر على فرض صحته كما بينه الراوي نفسه.
وقد ثبت عن علي نفسه رضي الله عنه أنه أثنى على جمع أبي بكر رضي الله عنه وحبذه، وأنه أول من جمع القرآن، فيما رواه ابن أبي داود عن عبد خير عن علي رضي الله عنه، قال: (رحم الله أبا بكر هو أول من جمع القرآن بين اللوحين)([73])، وإسناده صحيح، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بأنه أصح، وهو المتعمد([74]).
وقال الألوسي رحمه الله تعالى: (وما شاع أن علياً كرم الله وجهه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف بجمعه، فبعض طرقه ضعيف، وبعضها موضوع، وما صح فمحمول -كما قيل- على الجمع في الصدر، وقيل: كان جمعاً بصورة أخرى لغرض آخر ويؤيده أنه كتب فيه الناسخ والمنسوخ فهو ككتاب علم)([75]).
ومع كون الوضع في هذه الأخبار واضحاً فهم يتعلقون بها، ويستدلون بها على دعواهم هذه تجاه القرآن الكريم، وسيأتي المزيد من الرد إن شاء الله.
ومنهم:
الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري([76])، فهو أيضاً من القائلين بتحريف القرآن الكريم؛ حيث صرح بذلك في كتابه (الإيضاح) بقوله: (ذكر ما ذهب من القرآن)، واستدل على ذلك ببعض الأخبار التي ثبتت عن طريق أهل السنة مما يدل على وقوع النسخ لبعض تلك الآيات من القرآن الكريم، وغيرها من الأخبار التي تفيد ظاهرها سقوط شيء من القرآن الكريم وليس كذلك في حقيقة الأمر.
وقد تعلق بتلك الأخبار وجعلها دليلاً على صحة دعواه هذه وهو يرى أنه قد ألزم أهل السنة بهذا القول؛ حيث يقول: (ورويتم أن أبا بكر وعمر جمعا القرآن من أوله إلى آخره من أفواه الرجال بشهادة شاهدين، وكان الرجل الواحد منهم إذا أتى بآية سمعها من رسول الله لم يقبلا منه، وإذا جاء اثنان بآية قبلاها وكتباها)([77]).
وقصده من هذا أنه يريد أن يقول: إن الآيات التي جاء بها واحد ولم تتوفر لها شهادة اثنين قد أسقطت من القرآن وضاعت منه، هذا الذي يقصده من إيراده لهذا الكلام وهو دليل على جهله بعلوم القرآن؛ فإن المعروف أن القرآن الكريم لا يثبت إلا بنقل متواتر، وما ثبت بطريق الآحاد فليس من القرآن إجماعاً.
وقال أيضاً: (ثم رويتم أن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف كانا وضعا صحيفة فيها القرآن ليكتباها فجاءت شاة فأكلت الصحيفة التي فيها القرآن فذهب من القرآن جميع ما كان في تلك الصحيفة)([78]).
هذا كذب ظاهر فإنه لم يرو أحد من علماء المسلمين هذه القصة عن عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، وهو مجرد افتراء وكذب عليهما، قال المعلق في الهامش-وهو منهم-: (هذه القضية بهذا الوجه لم أرها إلى الآن على ما ببالي في كتاب، نعم نظيرها مذكور في الكتب)، وهو إشارة إلى مثل ما يروى عن عائشة رضي الله عنها في آية الرضاعة، وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى، وهو ما يؤكد اختلاقه لهذا الخبر وتعمده الكذب في خدمة أغراضهم الفاسدة، إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في باب النسخ التي تعلق بها هذا الرافضي في موقفه هذا، وسيأتي ذكرها وبيان الوجه الصحيح منها إن شاء الله تعالى مما يبطل تعلقه بها.
وقد نقل عنه -النوري الطبرسي- القول بتحريف القرآن عند ذكره من ذهب إلى هذا القول من علمائهم؛ حيث قال: (وممن ذهب إلى هذا القول الشيخ الجليل الأقدم فضل بن شاذان في مواضع من كتابه الإيضاح ويظهر أن ضياع طائفة من المسلمات عند العامة)([79]).
ومنهم:
محمد بن الحسن الصفار([80])، فقد عقد باباً في كتابه بعنوان: (باب في الأئمة أن عندهم جميع القرآن الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) ثم ساق أخباراً تحت هذا الباب صريحة في وقوع التحريف في القرآن الكريم؛ حيث روى عن أبي جعفر أنه قال: (ما يستطيع أحد أن يدعي أنه جمع القرآن كله غير الأوصياء).
وروى أيضاً بسنده عن سالم بن أبي سلمة قال: (قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام وأنا أسمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبد الله عليه السلام: مه مه، كف عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام فقرأ كتاب الله على حده وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام...)([81])الخبر.
وما أشبه ذلك من الأخبار التي يزعمون بها وقوع التحريف في القرآن الكريم، وقد سبق إبطال تعلقهم بهذه الأخبار وما دلت عليه من أن علياً وحده رضي الله عنه هو الذي جمع القرآن([82])
ومنهم:
فرات بن إبراهيم الكوفي([83])، فقد أورد هو أيضاً في تفسيره عن أئمتهم ما يدل على أنه يقول بتحريف القرآن؛ حيث روى بسنده عن حمران قال: (سمعت أبا جعفر يقرأ هذه الآية: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل محمد على العالمين)([84])، والآية كما هي في القراءة الصحيحة في المصحف العثماني ليس فيها كلمة (آل محمد) وهي مما زادته الرافضة في القرآن الكريم بهدف الطعن على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم أسقطوا بعض آيات القرآن الكريم.
وكذلك روى أيضاً بسنده عن أبي جعفر، قال: (لو أن الجهال من هذه الأمة يعلمون متى سمي أمير المؤمنين لم ينكروا ولايته وطاعته قال: فسألته ومتى سمي علي أمير المؤمنين؟ قال: حين أخذ الله ميثاق ذرية آدم وكذا نزل جبريل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم: (وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم وأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عبدي ورسولي، وأن علياً أمير المؤمنين، قالوا بلى)([85]).
ثم قال أبو جعفر: والله لقد سماه باسم ما سمي أحداً قبله)([86]).
فهذه الآية كسابقتها قد أدخلوا فيها من خرافتهم؛ فإن الآية كما هي في المصحف العثماني ليست فيها جملة (وأن محمداً عبدي ورسولي وأن علياً أمير المؤمنين) فهي من زيادة الرافضة واختلاقهم الكذب على الله سبحانه وتعالى في سبيل خدمة أغراضهم الفاسدة من غير حياء كما هو واضح من قولهم هذا أن الله تعالى هو الذي سمى علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأمير المؤمنين، مع أن الثابت والمعروف لدى جميع المسلمين أن أول من لقب بهذا اللقب هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهذا مجمع عليه بين المسلمين ولم يخالف في ذلك إلا متعصب مكابر عن الحق([87]).
ومنهم:
أبو نصر محمد بن مسعود المعروف بـالعياشي([88])، فهو أيضاً من الذين أكثروا روايات تحريف القرآن في مؤلفاتهم، فإنه قد شحن كتابه التفسير بتلك الروايات المنسوبة إلى أئمتهم والتي تدل على ضياع كثير من القرآن، وعلى زيادة بعض الكلمات فيه ومن ذلك:
ما روى بسنده عن إبراهيم بن عمر، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إن في القرآن ما مضى وما يحدث وما هو كائن كانت فيه أسماء الرجال فألقيت وإنما الاسم الواحد منه في وجوه لا يحصى يعرف ذلك الوصاة).
وروى أيضاً بسنده عن أبي جعفر قال: (لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفي حقنا على ذي حجى ولو قد قام قائمنا فنطق صدقه القرآن).
وهذا الخبر صريح بوقوع الزيادة في القرآن الكريم ونقصانه.
وروى أيضاً بسنده عن أبي بصير قال: قال أبو جعفر بن محمد: (خرج عبد الله بن عمر من عند عثمان فلقي أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فقال له: يا علي! بيتنا الليلة في أمر نرجو أن يثبت الله هذه الأمة، فقال أمير المؤمنين: لن يخفى عليّ ما بيتم فيه؛ حرفتم وغيرتم وبدلتم تسعمائة حرف: ثلاثمائة حرفتم وثلاثمائة غيرتم وثلاثمائة بدلتم ((فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)) [البقرة:79)].
إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة التي رواها في تفسيره هذا وهي كلها صريحة في وقوع التحريف في القرآن الكريم مما يؤكد لنا أنه مع القائلين به لأن إكثاره لهذه الروايات دليل على أنه يسلم بها وبمضامينها حيث لم يتعرض لها بشيء من النقد([89]) مع ما فيها من تنقيص ظاهر لـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بالسكوت على المنكر وعدم تغييره له مع علمه بذلك فهذا خيانة منه -حاشاه لله- لدين الله وللمسلمين عامة، هذا مما يستحيل صدوره عن علي وغيره من الصحابة الذي عرفوا بالصدق مع الله سبحانه وتعالى في جميع مواقفهم، وأنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم، فكيف يتصور صدور مثل هذا الموقف ممن هو هذه صفته؟!!
وهذا ما يبين لنا أن هذه الأخبار مختلقة على هؤلاء الطيبين وأنهم لم يقولوا شيئاً، وإنما هي من اختلاق الرافضة لخدمة أغراضهم الفاسدة لا أكثر ولا أقل.
ومنهم:
علي بن إبراهيم القمي شيخ الكليني([90])، وهو أيضاً من أبرز القائلين بتحريف القرآن ومن المكثرين فيه حيث ملأ تفسيره بالروايات الصريحة في ذلك كما صرح هو نفسه بذلك في مواضع من تفسيره فقد جاء في مقدمة تفسيره من قوله: (فالقرآن منه ناسخ ومنه منسوخ -إلى قوله-: ومنه حرف مكان حرف، ومنه على خلاف ما أنزل الله...) إلخ.
ثم شرع في تفصيل ذلك فقال: (وأما ما كان على خلاف ما أنزل الله فهو قوله: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) [آل عمران:110] الآية، فقال أبو عبد الله عليه السلام لقارئي هذه الآية: (((خَيْرَ أُمَّةٍ)) يقتلون أمير المؤمنين والحسن والحسين بن علي عليه السلام فقيل له: وكيف نزلت يا ابن رسول الله؟ فقال: إنما نزلت: (كنتم خير أئمة أخرجت للناس) ألا ترى مدح الله لهم في آخر الآية: ((تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ))).
قلت: هذا لا يرد على أهل السنة والجماعة، فإنهم لم يقتلوا أحداً من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لا علياً ولا الحسن والحسين ولا غيرهم، ولم يساعدوا أحداً في قتلهم، إنما الذين قتلوهم هم الروافض أنفسهم الذين حملوهم على الخروج ثم خذلوهم وأعانوا عدوهم على قتلهم.
فهذا القول في أنفسهم لا في أهل السنة بأي وجه، فالآية على حالها، فهو مدح لـأهل السنة والجماعة الذين كانوا مع آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما هو خير وطاعة لله سبحانه وتعالى، فمن خالجه شك في ذلك فعليه بكتب التواريخ فإنها خير شاهد على ذلك.
وقال أيضاً: (وأما ما هو محرف منه فهو قوله تعالى: (لكن الله يشهد بما أنزل إليك في علي أنزله بعمله والملائكة يشهدون)([91]))([92]).
هكذا ينقل في تفسيره هذه الروايات، فكلمة (في علي) من زيادة الرافضة في هذه الآية، وأمثال هذه الزيادات كثيرة منهم في القرآن لاسيما في تفسير هذا الرافضي الذي نحن بصدد تقرير مذهبه في القرآن، وستأتي الإشارة إلى بعضها في حينها إن شاء الله تعالى.
وكل ذلك يؤكد كونه من القائلين بتحريف القرآن الكريم، وهو ما أكده غير واحد من علمائهم؛ حيث يقول طيب الموسوي الجزائري في معرض ثنائه على تفسير القمي تحت عنوان (تحريف القرآن)، قال: (بقي شيء يهمنا ذكره وهو أن هذا التفسير كغيره من التفاسير القديمة يشتمل على روايات مفادها أن المصحف الذي بين أيدينا لم يسلم من التحريف والتغيير، وجوابه: أنه لم ينفرد المصنف بذكرها بل وافقه فيه غيره من المحدثين المتقدمين والمتأخرين عامة([93]) وخاصة)([94]).
وقال النوري الطبرسي عن مذهبه: (وهو مذهب الشيخ الجليل علي بن إبراهيم القمي شيخ الكليني في تفسيره صرح بذلك في أوله وملأ كتابه من أخباره مع التزامه في أوله بأن لا يذكر فيه إلا مشايخه وثقاته)([95]).
ومنهم:
محمد بن يعقوب الكليني الرازي([96])، وهو من أكابر الذين تولوا كبر هذا القول، وتزعموه حيث ملأ كتابه الكافي الذي هو أصح الكتب عندهم على الإطلاق والمعتمد عندهم في أمور دينهم بروايات كثيرة دالة صريحة على تحريف القرآن الكريم بحيث لا تقبل أي تأويل، فقد جاءت تلك الروايات في مواضع كثيرة من كتابه أذكر بعضها هنا وأترك البعض الآخر لحينه إن شاء الله تعالى.
فمن ذلك: ما رواه بسنده في باب: (أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة عليهم السلام، وأنهم يعلمون علمه كله).
عن جابر([97]) قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب عليه السلام والأئمة من بعده)([98]).
وكذلك أورد أخباراً كثيرة في باب (نكت ونتف من التنزيل في الولاية) منها:
ما روى بسنده عن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال: (نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله وسلم هكذا: (بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله (في علي) بغياً))([99])
فكلمة (في علي) في هذه الرواية ليست من القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وإنما هي من وضع الرافضة من عند أنفسهم.
وروى أيضاً بسنده عن أبي عبد الله قال: (نزل جبريل بهذه الآية هكذا: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلت في علي نورًا مبينا))([100]).
ولا يخفى على أحد له أدنى معرفة بالقرآن الكريم أن هذا الذي ذكره ليس من القرآن البتة، وإن كان قصده الآية التي في سورة النساء فهي ليست على هذه الصيغة التي ساقها في هذه الرواية وإنما هي: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا)) [النساء:47] الآية فالفرق واضح بين الجملتين وهو دليل على جهلهم بالقرآن وعدم تعلمهم له.
وكذلك أورد في باب النوادر من كتاب فضل القرآن روايات كثيرة في ذلك يأتي ذكرها إن شاء الله.
وفي الروضة كذلك أورد روايات صريحة في تحريف القرآن منها: ما روى بسنده عن أبي جرير القمي عن أبي الحسن عليه السلام: (له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) وغيرها من الأخبار الواردة في هذا المعنى([101]).
فالجملة من قوله (وما بينهما) إلى قوله (الرحمن الرحيم) ليست من القرآن إطلاقًا، وإنما هي من وضع الرافضة وتلاعبهم بكتاب الله تعالى، ولا يخفى على أحد من المسلمين آية الكرسي وصيغتها هذا كله لا يدع مجالاً للشك في أن الكليني مع القائلين بتحريف القرآن الكريم.
قال النوري الطبرسي بعد ذكره مذهب علي بن إبراهيم في ذلك -وهو شيخ الكليني-: (ومذهب تلميذه ثقة الإسلام الكليني على ما نسبه إليه جماعة لنقلها الأخبار الكثيرة الصريحة في هذا المعنى في كتاب الحجة خصوصاً في باب النكت والنتف من التنزيل، وفي الروضة من غير أن يتعرض لردها أو تأويلها، واستظهر المحقق محسن الكاظمي في شرح الوافية مذهبه من الباب، الذي عقده فيه وسماه (باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة عليهم السلام) فإن الظاهر من طريقه أنه إنما يعقد الباب لما يرتضيه، قلت كما ذكره، فإن مذاهب القدماء تعلم غالباً من عناوين أبوابهم...)([102]).
وهو كما قال بلا شك فإنه إنما أورد هذه الأخبار بهذه الكثرة ليستشهد بها على صحة زعمهم في القرآن الكريم.
ومنهم:
أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي([103])، فهو أيضاً من القائلين بتحريف القرآن الكريم، فقد استشهد على ذلك بالخبر الذي يدور في أكثر كتبهم وهو الخبر الذي يدل على أن علي بن أبي طالب هو الذي جمع القرآن الكامل كما أنزل، وهو إشارة منهم إلى أن ما جمعه غير علي غير كامل ولم يسلم كذلك من التحريف، فهو محرف ومغير وأنه ضاع منه أشياء كثيرة.
هذا ما يقصدون من ترديد هذا الخبر في مؤلفاتهم مع اختلاف ألفاظهم في ذلك([104])، وقد تقدم ذكره والرد عليه([105]).
ومنهم:
أبو القاسم علي بن أحمد الكوفي([106])، فقد صرح بوقوع التحريف في القرآن الكريم؛ حيث زعم أن أبا بكر وعثمان رضي الله عنهما إنما قصدا من جمعهما للقرآن حذف الآيات التي تنص على ولاية علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى لا يفسد عليهم أمرهم، وعد هذا العمل الخيري بدعة منهما؛ حيث قال: (ومن بدعه -أبي بكر - أنه لما أراد أن يجمع ما تهيأ له من القرآن صرخ مناديه في المدينة من كان عنده شيء من القرآن فليأتنا به، ثم قال: لا نقبل من أحد منه شيئًا إلا بشاهدي عدل، وإنما أراد هذا الحال لئلا يقبلوا ما ألفه أمير المؤمنين عليه السلام إذ كان ألف في ذلك الوقت جميع القرآن بتمامه وكماله من ابتدائه إلى خاتمته على نسق تنزيله، فلم يقبل منه ذلك خوفاً أن يظهر فيه ما يفسد عليهم أمرهم فلذلك قالوا: لا نقبل القرآن من أحد إلا بشاهدي عدل، هذا مع ما يلزم الحكم عليهم أنهم لم يكونوا عالمين بالتنزيل لأنهم لو كانوا عالمين به لما احتاجوا في قبوله إلى شاهدي عدل...) إلى آخر ما ورد عنه من الهذيان([107])
هذا مجرد تحكم ولدته العصبية العمياء، والحقد المتحكم في نفس هذا الرافضي على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خيار هذه الأمة رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وإلا فكيف يتوجه الطعن إلى العمل بشهادة شاهدي عدل؟! وهو مما أوجبه الله على هذه الأمة بما فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه قد عمل بموجب ذلك في جميع أقضيته إذ لم يرو عنه قط أنه كان يحكم بعلمه مع أنه كان بإمكانه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك.
ومن هنا يعلم أن ما تفوه به هذا الرافضي وغيره وما وجهه من طعن إلى الصحابة رضي الله عنهم بأن عملهم بشهادة شاهدي عدل يدل على عدم علمهم بالتنزيل قول ساقط من الاعتبار لا يقوله إلا من استولت عليه العصبية وأعمت بصيرته فضلَّ عن سواء السبيل.
وكذلك قال في حق عثمان بن عفان رضي الله عنه، وما قام به من العمل الخيري من توحيد كلمة المسلمين تجاه القرآن الكريم؛ حيث قال: (ومنها -أي من بدعه بزعمه-: أنه جمع ما كان عند الناس من صحف القرآن فلم يترك عند أحد صحيفة فيها شيء من القرآن إلا أخذها منه غير عبد الله بن مسعود فإنه امتنع من دفع صحيفته إليه، فطالبه بدفعه فأبى فضربه حتى كسرت منه ضلعان وحمل من موضعه وهو لما به عليل فبقي أياماً ومات في تلك الأيام التي ضرب فيها([108])، ثم عمد إلى الصحف فألف منها هذا المصحف الذي في أيدي الناس- إلى أن قال-: فقد قصد إلى إبطال بعض كتاب الله، وتعطيل بعض شريعته، ومن قصد إلى ذلك فقد حق عليه قوله تعالى: ((أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ)) [البقرة:85] الآية.
وهذا ما مع يلزم فيه من الحجة أنه لم يترك ذلك تعمداً إلا وفيه ما يكرهه ومن كره ما أنزل الله تعالى في كتابه حبط عمله كما قال تعالى: ((ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ)) [محمد:9].
وما أحد يستحق هذه الآية فيه أحق ممن قصد إلى صحف القرآن فطبخها بالماء وغسلها معطلاً لما كان فيها من القرآن مع إجماع أهل القبلة والآثار من الخاص والعام أن هذا الذي في أيدي الناس من القرآن ليس هو القرآن كله، وأنه قد ذهب من القرآن ما ليس هو في أيدي الناس، وهذا مما ألحقه ما قلناه إنه كان في تلك الصحف شيء من القرآن كرهه عثمان فأزاله من أيدي الناس، وكفى بذلك شاهداً على عناده لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم)([109]).
هذا كله قلب للحقائق ورمي الغير بما في نفسه تمويهاً على ضعاف العقول، فما استدل به من الوعيد الشديد الوارد في الآيتين المذكورتين يرجع إليه هو قبل أي واحد؛ لأنه عطل جميع شريعة الله ولم يعمل بشيء منها ونسب الله سبحانه إلى الكذب -تعالى الله عما يصفه الظالمون- واتهم رسوله كذلك بالكذب فإن الله أخبر أنه رضي عن جميع الصحابة بقوله تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ...)) [الفتح:18] الآية، وغيرها من الآيات الكثيرة التي وردت في مدح الصحابة رضوان الله عليهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة»([110])، وبيعة الرضوان إنما حصلت بسبب عثمان رضي الله عنه لما أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم سفيراً إلى أهل مكة وأشيع بأنه قتل.
فهذه شهادة من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم على أن عثمان وغيره من الصحابة في رضوان الله ورحمته، فمن رد ذلك فقد رد شهادة الله ورسوله، ومن رد شهادتهما فهو كافر بلا خلاف، فالوعيد الشديد راجع إلى نفسه لا إلى من يفتري عليهم وهم برآء مما يقوله عنهم.
واستدلاله بهذه الآيات على هذا الوجه هو ضرب من تأويلاتهم الباطلة سيأتي المزيد من الكلام عليها في الباب الثاني من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وإنما الذي يهمني هنا أن أثبت مذهب هذا الرافضي في القرآن من خلال تصريحاته، وقد حصل ذلك والحمد لله فهو من القائلين بتحريف القرآن والغالين فيه.
وأما ما نسبه إلى أهل السنة من القول بأن هذا القرآن الموجود ليس هو القرآن كله فهو كذب محض عليهم وقد سبق الرد عليه([111]).
ومنهم:
محمد بن إبراهيم النعماني([112])، فهو أيضاً في خط من سبقه من علمائهم؛ حيث أورد في كتابه الغيبة أخباراً كثيرة صريحة في وقوع التحريف في القرآن والنقصان منه.
منها: ما نسبه إلى علي بن أبي طالب من قول مع حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما وفيه أنه قال: (فالذي نفس علي بيده لا تزال هذه الأمة بعد قتل الحسين ابني في ضلال وظلمة وعسفة وجور واختلاف في الدين وتغيير وتبديل لما أنزل الله في كتابه وإظهار البدع وإبطال السنن...)([113]).
فهذا الخبر مع ما اشتمل عليه من نسبة علي رضي الله عنه إلى العلم بالغيب حيث تنبأ بما سيحصل لابنه الحسين من القتل وغيره، وأخبر به قبل وقوعه -كما يزعمه الرافضة- فهو صريح أيضاً بوقوع التحريف في القرآن، وهذا الرافضي بنقله هذا الخبر في كتابه هذا من غير أن ينقده دليل على أنه يسلم بما دل عليه الخبر.
وأقول إنه لو صح هذا الخبر لكان دليلاً عليهم؛ لأن علياً رضي الله عنه -كما زعموا- أخبر عن وقوع التحريف بعد قتل الحسين، وهو يدل على أنه قبل قتله كان سالماً لم يقع فيه أي شيء، والذين قتلوا الحسين هم الرافضة أنفسهم حملوه على الخروج ثم خذلوه وأعانوا على قتله([114])، فالخبر دليل عليهم لا على أهل السنة بأي وجه إن سلمنا بصحته؛ فإنهم هم الذين حرفوا القرآن وزادوا فيه بعض الكلمات والآيات والسور كذباً وبهتاناً.
ومنهم:
أبو عبد الله محمد بن النعمان الملقب بالشيخ المفيد([115])، فقد صرح بوقوع التحريف والتغيير في القرآن الكريم كما ادعى استفاضة الأخبار في ذلك عن أئمتهم، يقول في كتابه أوائل المقالات في باب (القول في تأليف القرآن وما ذكر قوم من الزيادة فيه والنقصان): (أقول: إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان فأما القول في التأليف فالموجود يقضي فيه بتقديم المتأخر وتأخير المتقدم ومن عرف الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني لم يرتب بما ذكرناه، وأما النقصان فإن العقول لا تحيله ولا تمنع من وقوعه، وقد امتحنت مقالة من ادعاه وكلمت عليه المعتزلة وغيرهم طويلاً فلم أظفر منهم بحجة أعتمدها في فساده)([116]).
وقال في موضع آخر: (واتفقوا على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا منه عن موجب التنزيل وسنة النبي صلى الله عليه وسلم...) إلخ([117]).
وقال في المسائل السروية: (لا شك أن ما بين الدفتين من القرآن كلام الله تعالى وتنزيله وليس فيه شيء من كلام البشر، وهو جمهور المنزل والباقي مما أنزل الله تعالى عند المستحفظ للشريعة للأحكام لم يقع منه شيء وإن كان الذي جمع ما بين الدفتين لم يجعله في جملة ما جمع والأسباب التي دعته إلى ذلك قصوره عن معرفة بعضه، ومنها شكه فيه وعدم تيقنه، ومنها ما تعمد إخراجه منه إلى أن قال-: (غير أن الخبر قد صح عن أئمتنا أنهم أمروا بقراءة ما بين الدفتين وأن لا يتعداه إلى زيادة ولا نقصان منه حتى يقوم القائم فيقرأ القرآن على ما أنزله الله عز وجل وجمعه أمير المؤمنين، وإنما نهونا عليهم السلام عن قراءة ما وردت في الأخبار من أحرف زيدت على الثابت في المصحف؛ لأنها لم تأت على التواتر وإنما جاءت بها الأخبار وقد يغلط الواحد فيما ينقله...)([118]).
هذا ما صرح به زعيمهم هذا من القول بتحريف القرآن ونقصانه، وهو يبطل ما يدعيه من اختياره للوجهة القائلة منهم أن المراد بالمحذوف والنقص هو ما ورد عن علي رضي الله عنه من تأويلات وتفسيرات للقرآن حيث قال: (وقد قال جماعة من أهل الإمامة أنه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين (ع) من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله وذلك كان ثابتاً منزلاً وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز وقد يسمى تأويل القرآن قرآناً، قال الله تعالى: ((وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً)) [طه:114]، فسمى تأويل القرآن قرآناً، وهذا ما ليس فيه بين أهل التفسير اختلاف([119]) وعندي أن هذا القول أشبه من مقال من ادعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل وإليه أميل)([120]).
أقول: هذا يتعارض تماماً مع ما صرح به في مواضع أخر من نفس الكتاب وما قاله في المسائل السروية كلها تناقض هذا الموقف منه (فإنها صريحة في تحريف القرآن ولا تحتمل أي تأويل لاسيما ما قاله في المسائل السروية من أن أئمتهم أمروهم بقراءة هذا القرآن الموجود إلى أن يقوم قائمهم فيقرأ القرآن كما نزل، فهل هذا الذي سيقرؤه قائمهم من التأويل أم هو من القرآن؟ قطعاً إنه من القرآن؛ لأنه سبق أن قال: إن ما جمعه عثمان رضي الله عنه هو كلام الله، ولكن ليس هو كل ما أنزل الله وأن الباقي من ذلك عند إمامهم الغائب، وهو ما يوضح أن ما سيأتي به قائمهم ويقرؤه -على حد زعمهم- هو من القرآن وليس من التأويل أو التفسير فهو دليل على فساد دعواه تلك؛ إذ لا معنى لذلك؛ فإن التأويل أو التفسير لا يكون قرآناً أبدًا.
ومنهم:
أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي([121])، وهو أيضاً من أكابر الذين صرحوا بهذا القول وأظهروه حيث أورد في كتابه الاحتجاج روايات كثيرة صريحة في تحريف القرآن الكريم، منها:
ما زعم أن زنديقاً اعترض على علي بن أبي طالب رضي الله عنه بوجود تناقضات في القرآن مما يمنعه من الدخول في الإسلام وما ردّ به عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث قال: (جاء بعض الزنادقة إلى أمير المؤمنين وقال له: لولا ما في القرآن من الاختلاف والتناقض لدخلت في دينكم).
ومن جملة ما اعترض به الزنديق -بزعمهم- على علي رضي الله عنه أن القرآن الكريم يظهر أخطاء الأنبياء ويشهّر بها بينما يكني عن أسماء المجرمين ولا يظهرهم، وذكر لذلك أمثلة كثيرة منها:
أنه قال -على حد زعمه-: (وأجده -أي الله- قد شهّر هفوات أنبيائه بقوله: ((وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)) [طه:121] وغيرها من الآيات الكثيرة بهذا المعنى -إلى أن قال-: وأظهر خطأ الأنبياء وزللهم ووارى اسم من اغتر وفتن خلقاً وضل وأضل، وكنى عن أسمائهم في قوله: ((وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً)) [الفرقان:27]* ((يَا وَيْلَتِى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً)) [الفرقان:28]* ((لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي)) [الفرقان:29]، فمن هذا الظالم الذي لم يذكر من اسمه ما ذكر من أسماء الأنبياء؛
فأجاب علي رضي الله عنه -على حد زعمهم- بقوله: (إن الكناية عن أصحاب الجرائر العظيمة من المنافقين في القرآن ليس من فعله تعالى وإنها([122]) من فعل المغيرين والمبدلين الذين جعلوا القرآن عضين، واعتاضوا الدنيا من الآخرة) وقد بين الله قصص المغيّرين بقوله: ((فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً)) [البقرة:79].
وبقوله: ((وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ...)) [آل عمران:78] الآية، وبقوله: ((إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ)) [النساء:108] بعد فقد الرسول صلى الله عليه وسلم مما يقيمون به أود باطلهم حسب ما فعلته اليهود والنصارى بعد فقد موسى وعيسى من تغيير التوراة والإنجيل وتحريف الكلم عن مواضعه، وبقوله: (يريدون ليطفئوا نور الله ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون)([123])، يعني أنهم أثبتوا في الكتاب ما لم يقله الله ليلبسوا على الخليقة فأعمى الله قلوبهم حتى تركوا فيه ما دل على ما أحدثوه فيه، وبين إفكهم، وتلبيسهم، وكتمان ما عملوه منه ولذلك قال لهم: ((لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ)) [آل عمران:71].
وضرب مثلهم بقوله: ((فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ)) [الرعد:17]، فالزبد في هذا الموضع كلام الملحدين الذين أثبتوه في القرآن، فهو يضمحل ويبطل ويتلاشى عند التحصيل، والذي ينفع الناس منه فالتنزيل الحقيقي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والقلوب تقبله، والأرض في هذا الموضع فهي محل العلم وقراره)([124]).
فهو واضح من أقواله هنا أن القرآن الكريم قد وقع فيه التغيير والتبديل من قبل الذين جمعوه ونسبة هذا القول إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه معلوم بطلانها بالاضطرار، فإن هذا الخطأ الفاحش الذي وقع فيما استدل به من الآية والخلط بين الآيتين لمن أقوى الأدلة على بطلان نسبة هذا القول إليه وهو من قدره معلوم في العلم بالقرآن الكريم.
كما أن الاستدلال بهذه الآيات على مدعاهم هذه غير مستقيم أبداً؛ لأن هذه الآيات نازلة في بني إسرائيل، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ إلا أنه لم يأت هنا ما يقتضي كونها في هذه الأمة، وإنما هو ضرب من تأويلاتهم الباطلة إذ يصرفون الآيات النازلة في أهل الفساد من الأمم إلى خيار هذه الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيأتي المزيد من ذلك إن شاء الله.
كما أن استدلاله بقوله تعالى: ((فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً)) الآية، فهو دليل عليهم لا على أهل السنة بأي وجه؛ فإن ما جمعه الصحابة الكرام من القرآن الكريم موجود ومنتشر في كل مكان وفي متناول كل مسلم حتى الروافض أنفسهم فهو موجود عندهم وقد رووا عن أئمتهم أنهم أمروهم بقراءته إلى أن يخرج إمامهم الغائب، فلو لم يكن موجوداً لم تكن لهذا الأمر فائدة فما زعموه أن علياً جمعه ليس له وجود عند أحد حتى الروافض الذين يدعونه لا يوجد عند واحد منهم، كما هو صريح أقوالهم، حيث يقولون: إنه موجود عند إمامهم -الموهوم- وأن علياً رضي الله عنه قال للصحابة: لن تروه بعد اليوم أيضاً، فإذا الذي ذهب هو كتابهم فهو الزبد الذي لا ينفع الناس وقد ذهب جفاءً والذي بقي هو القرآن الكريم الذي جمعه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم وهو الذي ينفع الناس والحمد لله.
ثم قال عن سبب إيداع الله تعالى الرموز في كتابه على حد زعمهم: (وإنما جعل الله تبارك وتعالى في كتابه هذه الرموز التي لا يعلمها غيره وغير أنبيائه وحججه في أرضه لعلمه بما يحدثه في كتابه المبدلون من إسقاط أسماء حججه منه وتلبيسهم ذلك على الأمة ليعينوهم على باطلهم، فأثبت به الرموز وأعمى قلوبهم وأبصارهم لما عليهم في تركها وترك غيرها من الخطاب الدال على ما أحدثوه فيه، وجعل أهل الكتاب المقيمين به، والعاملين بظاهره وباطنه من شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أي يظهر مثل هذا العلم لمحمليه في الوقت بعد الوقت، وجعل أعداءها أهل الشجرة الملعونة الذين حاولوا إطفاء نور الله بأفواههم، فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو علم المنافقون ما عليهم من ترك هذه الآيات التي بينت لك تأويلها لأسقطوها مع ما أسقطوا منه، ولكن الله تبارك اسمه ماضٍ حكمه بإيجاب الحجة على خلقه كما قال تعالى: ((فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ)) [الأنعام:149] أغشى أبصارهم وجعل على قلوبهم أكنة عن تأمل ذلك فالسعداء ينهون عليه والأشقياء يعمون عنه، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور، ثم إن الله جل ذكره لسعة رحمته ورأفته بخلقه وعلمه بما يحدثه المبدلون من تغيير كتابه، قسم كلامه ثلاثة أقسام، فجعل قسماً منه يعرفه العالم والجاهل، وقسماً لا يعرفه إلا من صفى ذهنه، ولطف حسه، وصح تميزه، ممن شرح الله صدره للإسلام، وقسماً لا يعرفه إلا الله وأمناؤه والراسخون في العلم، وإنما فعل ذلك لئلا يدعي أهل الباطل من المستولين على ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم من علم الكتاب ما لم يجعل الله لهم...) إلى آخر ما أورده في ذلك من أقوال صريحة في وقوع التحريف في القرآن.
وقال أيضاً في رده على الزنديق المزعوم: وأما ظهورك على تناكر قوله:
((وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ)) [النساء:3]، وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء، ولا كل النساء أيتام، فهو مما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن، وبين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن([125])، وهذا وما أشبهه مما ظهرت حوادث المنافقين فيه لأهل النظر والتأمل، ووجد المعطلون وأهل الملل المخالفة للإسلام مساغاً إلى القدح في القرآن، ولو شرحت لك كلما أسقط وحرف وبدل مما يجري هذا المجرى لطال، وظهر ما تحظر التقية إظهاره من مناقب الأولياء، ومثالب الأعداء)([126])، إلى غير ذلك من الأقوال الصريحة في تحريف القرآن وهي كثيرة جداً وفيما ذكرت كفاية لمعرفة مذهب هذا الرافضي في القرآن الكريم.
ومنهم:
ابن شهرآشوب([127])، وهو كذلك ممن يقول بتحريف القرآن، فقد أورد في كتابه (مناقب آل أبي طالب) روايات دالة على حذف بعض الكلمات من القرآن الكريم.
روى بسنده عن الباقر في قوله تعالى: (فضلوا فلا يستطيعون سبيلا إلى ولاية علي وهو علي السبيل)([128]).
فجملة (إلى ولاية علي وهو علي السبيل) ليست من القرآن الكريم المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
وروى بسنده أيضاً عن الباقر في قوله: (والذين كفروا بولاية علي بن أبي طالب أولياؤهم الطاغوت)([129]).
وهذه الآية أيضاً كسابقتها فإنهم قد أضافوا إليها بعض أباطيلهم؛ حيث زادوا عليها جملة (بولاية علي) وليست هي موجودة في القرآن الموجود بأيدي المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة التي أوردها في كتابه هذا الصريحة في تحريف القرآن الكريم([130]).
وبعد هذا الاستعراض السريع لأقوال هؤلاء المتقدمين من علماء الرافضة -وهم قلة من كثرة- وما شحنوا بها مؤلفاتهم من روايات أئمتهم الصريحة في التحريف، لم يبق مجال للشك في أن القول بتحريف القرآن الكريم وتغييره ونقصانه، هو قول جميع علمائهم المتقدمين، إلا الأربعة الذين تقدم ذكرهم كما صرح بذلك محدثهم النوري الطبرسي؛ فإنهم إنما أكثروا هذه الروايات التي اختلقوها ونسبوها إلى أئمتهم الذين يزعمون أنهم معصومون ليقووا بها دعواهم تحريف القرآن الكريم وتغييره، وبالجملة فهم مجمعون على هذا القول في القرآن الكريم.
المبحث الثاني: استمرار المتأخرين منهم على مذهب من تقدمهم:
المتأخرون من الرافضة لا يختلفون عن المتقدمين في موقفهم من القرآن الكريم، فالكل متفقون على أن القرآن الموجود بأيدي الناس اليوم غير كامل؛ حيث وقع فيه تحريف وتغيير وحذف -بزعمهم- وإن اختلفت طريقة إثبات هذا القول منهم؛ فالمتقدمون يثبتونه بكل جرأة وصراحة كما تقدمت أقوالهم في ذلك، أما المتأخرون منهم فلعملهم بتقيتهم فقد حاول بعضهم إظهار موافقتهم لـأهل السنة في القول بسلامة القرآن فأظهروا إنكارهم لمذهب من تقدمهم من القول بوقوع التحريف في القرآن الكريم.
ولكن البعض الآخر منهم وهم الأغلب، فقد أظهروا ثباتهم على قول متقدميهم في القرآن الكريم واستمرارهم عليه عند الرافضة جميعاً لأنه من ضروريات مذهبهم([131]) فصرحوا بوقوع التحريف في القرآن ونقلوا أقوال من تقدمهم من علمائهم ورواياتهم المنسوبة إلى أئمتهم الصريحة في ذلك فملئوا مؤلفاتهم بكل ذلك كما ألف بعضهم مؤلفات بخصوص القول بتحريف القرآن مثل كتاب (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب) لمحدثهم حسين محمد تقي النوري الطبرسي([132])، وقد ذكر الأستاذ إحسان إلهي ظهير رحمه الله طرفًا منها في كتابه (الشيعة والسنة.............)([133]) وكذلك ردوا على الذين تظاهروا بإنكار تحريف القرآن وشنعوا عليهم وألزموهم بتناقضاتهم في ذلك.
وفيما يلي أنقل أقوال بعضهم في ذلك من كتبهم المعتمدة عندهم حسب تسلسل وفاياتهم، وأعني بالمتأخرين الذين نقلوا أقوال متقدميهم ورواياتهم المنسوبة إلى أئمتهم بواسطة المصادر، وهم كثيرون جداً أذكر بعضهم على سبيل التمثيل لا الحصر.
فمنهم:
أبو القاسم علي بن موسى الحسني الحسيني([134])، فقد أظهر موقفه من القرآن الكريم عند رده على قول أبي علي الجبائي فيما نقله عنه: (محنة الرافضة على ضعفاء المسلمين أعظم من محنة الزنادقة) ثم شرع يدعي بيان ذلك بأن الرافضة تدعي نقصان القرآن وتبديله وتغييره.
ثم قال في الرد على هذا القول: (فيقال له كل ما ذكرته من طعن وقدح على من يذكر أن القرآن وقع فيه تبديل وتغيير فهو متوجه على سيدك عثمان بن عفان؛ لأن المسلمين أطبقوا أنه جمع الناس على هذا المصحف الشريف وحرف وأحرق ما عداه من المصاحف، فلولا اعتراف عثمان بأنه وقع تبديل وتغيير من الصحابة ما كان هناك مصحف محرق وكانت تكون متساوية. ويقال: أنت مقر بهؤلاء القراء السبعة الذين يختلفون في حروف وإعراب وغير ذلك من القرآن ولولا اختلافهم ما كانوا سبعة بل كانوا يكونوا قارئاً واحداً([135])، وهؤلاء السبعة منكم وليسوا من رجال من ذكرت أنهم رافضة.
ويقال أيضاً: إن القراء العشرة أيضاً من رجالكم وهم قد اختلفوا في حروف ومواضع كثيرة من القرآن وكلهم عندكم على الصواب.
فمن ترى ادعى اختلاف القرآن وتغييره أنتم وسلفكم لا الرافضة)([136]).
قلت: إن ما قاله أبو علي الجبائي عنهم هو الحق بلا أي شك، فإن أمر الزنادقة ظاهر لكل مسلم بخلاف هؤلاء الرافضة الذين يتظاهرون بالإسلام وهم يكيدون له حيث جعلوا النفاق أساس دينهم وتعاملهم مع المسلمين فليس من السهل الوقوف على مؤامراتهم ضد الإسلام وأهله خاصة ضعاف العقول؛ لأن عادتهم هي تلبيس الحق بالباطل، حيث ينقلون بعض النصوص الصحيحة من الأحاديث وغيرها ثم ينفثون خبثهم فيها بحيث يظهر الباطل على صورة الحق وكأنه مجمع عليه، كما يظهر ذلك جلياً من كلام هذا الرافضي فيما يتخيله إلزاماً لـأهل السنة عند رده على الجبائي، فإن قوله: (إن المسلمين أطبقوا على أن عثمان -رضي الله عنه- جمع الناس على هذا المصحف الشريف وحرف وأحرق ما عداه من المصاحف) فالتدليس فيه ظاهر.
فإن حكايته إجماع المسلمين على هذه الأمور الثلاثة -جمع الناس على مصحف واحد وإحراق ما عداه من المصاحف وتحريف القرآن- غير مسلم له أبداً فهو من تلبيسهم الحق بالباطل؛ فإن الإجماع منعقد على جمع الناس على مصحف واحد، وعلى إحراق ما عداه من المصاحف، هذا ما انعقد الإجماع عليه وهو الحق الذي قصد تلبيسه بباطله؛ حيث جعله في الجملة وكأنها من المسلمات.
وأما دعواه الإجماع على تحريف القرآن كما جاء في كلامه هنا فهو محض كذب وافتراء فإنه لم ينقل عن أحد من المسلمين أنه قال بتحريف القرآن فضلاً عن إجماعهم على ذلك، إلا إذا كان قصده بذلك إجماع الرافضة على ذلك فهو صحيح ولكنه ليس بإجماع المسلمين أبداً.
وهذا ما يؤكد لنا أن عادتهم هي محاولة التدليس والتلبيس على المسلمين مما يعطي قول الجبائي فيهم قوة لا يمكن رده.
وإنما الذي وقع عليه إجماع المسلمين في ذلك هو أن عثمان رضي الله عنه قام بما هو واجب عليه نحو كتاب الله سبحانه وتعالى ونحو المسلمين؛ حيث أبقى على وحدة المسلمين وقضى على الفتنة التي كادت أن تضر بوحدتهم، وأنه أيضاً لم يقم بهذا العمل الخيري بمفرده بل وافقه عليه غيره من الصحابة بمن فيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم؛ حيث لم ينقل عنه ولا عن غيره إنكاراً لهذا الفعل، وإنما نقل موافقته له وثناؤه عليه، روى ابن أبي داود عن سويد قال: (والله لا أحدثكم إلا شيئاً سمعته من علي بن أبي طالب رضي الله عنه، سمعته يقول: يا أيها الناس! لا تغلوا في عثمان ولا تقولوا إلا خيراً في المصحف وإحراق المصاحف، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا جميعاً، فقال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك وهذا يكاد يكون كفراً، قلنا: فماذا ترى؟ قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا يكون اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت، قال: فقيل: أي الناس أفصح؟ وأي الناس أقرأ؟ قالوا: أفصح الناس سعيد بن العاص، وأقرؤهم زيد بن ثابت، فقال: ليكتب أحدهما ويملي الآخر، ففعلا وجمع الناس على مصحف، قال: قال علي: والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل)([137])، قال الحافظ ابن حجر عنه: إسناده صحيح([138]).
هذا ما قاله علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في جمع الناس على مصحف واحد ونهيه الناس عن الطعن في عثمان -رضي الله عنه- في ذلك وهو كافٍ لتفنيد افتراءات الرافضة وإبطال مزاعمهم؛ لأن الذي يدعون أنه إمامهم وأنهم من شيعته هذا هو قوله عن عثمان -رضي الله عنه- وعن جمعه الناس على مصحف واحد وإحراق ما عداه من المصاحف، مما يؤكد أنهم ليسوا صادقين في تشيّعهم له وإلا لقالوا بقوله وأخذوا به.
قال الزرقاني([139]) في رده على مزاعم الرافضة في القرآن: (إن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه -وهو الذي يزعمون أنهم يناصرونه ويتشيعون له بهذه الهذيانات- صح النقل عنه بتحبيذ جمع القرآن على عهد أبي بكر ثم عهد عثمان...)([140]).
هذا وغيره من الآثار الكثيرة الواردة في مدح عثمان رضي الله عنه وعمله مما يدل على أن العمل كان باتفاق الصحابة وأنه تم بمشاورتهم كما جاء ذلك في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه صراحة -يأتي ذكره إن شاء الله-.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (وقد جاء عن عثمان أنه إنما فعل ذلك بعد أن استشار الصحابة)([141])، وقد اتضح من كل هذا أنه لا حجة له فيما يحاول أن يتعلق به من جمع الناس على مصحف واحد وإحراق ما عداه من المصاحف فهو عمل مجمع عليه بين الصحابة -رضي الله عنهم- وإجماعهم معصوم من الخطأ بإذن الله تعالى.
وكذلك ما يحاول أن يتمسك به من وجوه القراءات المتعددة من القراءات السبع أو العشر؛ فإنه لا حجة له في شيء من ذلك على مدعاه هذا، فإن هذه القراءات السبع أو العشر كلها من كلام الله تعالى؛ لأنها صحت الرواية بها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقرأ الصحابة بها.
قال الزركشي([142]): (وهذه الوجوه هي القراءات السبع التي قرأها القراء السبعة فإنها كلها صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف وهذه القراءات السبع اختيارات أولئك القراء؛ فإن كل واحد اختار فيما روى وعلم وجهه من القراءة ما هو الأحسن عنده والأولى ولزم طريقة منها ورواها وقرأ بها واشتهرت عنه ونسبت إليه، فقيل حرف نافع، وحرف ابن كثير، ولم يمنع واحد منهم حرف الآخر ولا أنكره بل سوغه وحسنه وكل واحد من هؤلاء روي عنه اختياران وأكثر وكل صحيح)([143]).
وقال الزرقاني: (إن القراءات كلها على اختلافها كلام الله لا مدخل لبشر فيها بل كلها نازلة من عنده تعالى مأخوذة بالتلقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل عليه أن الأحاديث الماضية تفيد أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يرجعون فيما يقرءون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذون عنه ويتلقون منه كل حرف يقرءون عليه، انظر قوله صلى الله عليه وسلم في قراءة كل من المختلفين (هكذا أنزلت)، وقول المخالف لصاحبه: (أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم)([144])([145])، فهو واضح من هذه القراءات، السبع أو العشر وغيرها من القراءات الصحيحة أنها منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليست كما تزعم الرافضة وغيرهم من المبتدعة من أنها تدل على اختلاف في القرآن الكريم، وإنما أضيفت هذه القراءات إلى السبع أو العشر لاستقلال كل واحد منهم بوجه من هذه القراءات واشتهاره بها.
قال ابن الجزري: (ونعتقد أن معنى إضافة كل حرف من حروف الاختلاف إلى من أضيف إليه من الصحابة وغيرهم إنما هو من حيث إنه كان أضبط له وأكثر قراءة به وإقراء به وملازمة له وميلاً إليه لا غير ذلك، وكذلك إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة ورواتهم المراد بها أن ذلك القارئ وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة حسبما قرأ به فآثره على غيره وداوم عليه ولزمه حتى اشتهر وعرف به وقصد فيه وأخذ عنه فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء، وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد)([146]).
ومن هنا يعلم بطلان ما تمسك به هذا الرافضي في إثبات دعواه وقوع التحريف في القرآن الكريم من وجوه القراءات وتعدد القراء.
ومنهم:
أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الإربلي([147])، فقد نقل في كتابه (كشف الغمة في معرفة الأئمة) أخباراً صريحة في وقوع التحريف في القرآن الكريم في جملة ما زعمه من مناقب لـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ حيث عد من ذلك جمع القرآن الذي يزعمون أنه جمعه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم ذكر هذه الرواية عندهم، وبيان عدم ثبوتها وأن قصدهم من إيراد هذا الخبر في كتبهم هو الاستدلال به على أنه هو القرآن الكامل كما أنزله الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن ما جمعه غير علي ناقص ومحرف، هذا هو قصدهم من هذه الرواية في مؤلفاتهم([148]).
وروى بسنده عن أبي جعفر عن أبيه قال: «انقطع شسع([149]) نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعها إلى علي يصلحها ثم مشى في نعل واحدة غلوة أو نحوها وأقبل على أصحابه فقال: إن منكم من يقاتل على التأويل كما يقاتل معي على التنزيل، فقال أبو بكر: أنا ذاك يا رسول الله؟ فقال: لا، فقال عمر: فأنا؟ فقال: لا فأمسكوا، ونظر بعضهم إلى بعض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكنه خاصف النعل، وأومى إلى علي عليه السلام؛ فإنه يقاتل على التأويل إذا تركت سنتي ونبذت، وحرف كتاب الله وتكلم في الدين من ليس له ذلك، فيقاتل على إحياء دين الله».
هكذا أورد هذا الحديث في كتابه هذا على هذا الوجه بينما روى الترمذي هذا الحديث في سننه وليس فيه شيء مما ذكره هذا الرافضي في روايته هذه حيث روى الترمذي بسنده عن ربعي بن حراش عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سهيل بن عمرو وأناس من رؤساء المشركين، فقالوا: يا رسول الله! خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا وليس لهم فقه في الدين، وإنما خرجوا فراراً من أموالنا وضياعنا فارددهم إلينا، قال: فإن لم يكن لهم فقه في الدين سنفقههم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا معشر قريش! لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين قد امتحن الله قلبه على الإيمان، قالوا: من هو يا رسول الله؟ فقال له أبو بكر: من هو يا رسول الله؟ وقال عمر: من هو يا رسول الله؟ قال: هو خاصف النعل، وكان أعطى علياً نعله يخصفها، قال: ثم التفت إلينا علي فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار».
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ربعي عن علي قال: (وسمعت الجارود يقول: سمعت وكيعاً يقول: لم يكذب ربعي بن حراش في الإسلام كذبة...)([150]).
نعم ورد ذكر قتاله على تأويل القرآن عند الإمام أحمد من غير هذه الزيادة التي ذكرها الرافضة في رواياتهم هذه كالتصريح بتحريف كتاب الله تعالى وغيره من الكلمات التي أدخلها الرافضة في هذا الحديث.
ونص الحديث عند الإمام أحمد هكذا: (عن أبي سعيد قال: «كنا جلوساً ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج علينا من بعض بيوت نسائه، قال: فقمنا معه فانقطعت نعله فتخلف عليها علي يخصفها ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضينا معه ثم قام ينتظره وقمنا معه فقال: إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله، فاستشرفنا وفينا أبو بكر وعمر، فقال: لا، ولكنه خاصف النعل، قال: فجئنا نبشره، قال: فكأنه قد سمعه»([151]).
قال عنه الهيثمي: (ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة)([152])، هذا هو نص الحديث عند الترمذي والإمام أحمد رحمهما الله تعالى وليس فيه شيء مما جاء في رواية الرافضة هذه من التصريح بتحريف القرآن، وليس فيه كذلك ما يدل على دعوى الرافضة دلالته على أفضلية علي بن أبي طالب رضي الله عنه على غيره من الصحابة خاصة الشيخين أبا بكر وعمر رضي الله عنهم جميعاً لا من بعيد ولا من قريب، وكل ما في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عن قتال علي الخوارج الذين كانت فتنتهم في تأويل القرآن؛ لأنهم يخرجون في عهده وأما في عهد الشيخين أبي بكر وعمر ومن بعدهما عثمان -رضي الله عنهم- فلم يكن هناك خوارج بالمعنى الذي ظهروا عليه في خلافة علي -رضي الله عنه- هذا هو معنى الحديث عند كل من يعتد بقوله.
ومما يؤكد هذا أن الذين أخرجوا هذا الحديث إنما أخرجوه تحت باب: (إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال علي الخوارج) فكان كما أخبر، فهو علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، هذا هو المراد من الحديث لا أكثر ولا أقل([153]).
ومن الأخبار التي أوردها هذا الرافضي في كتابه هذا: ما رواه بسنده عن زر بن حبيش عن عبد الله قال: (كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك أن علياً مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس))([154]).
فجملة (أن علياً مولى المؤمنين) ليست من الآية في القراءة الصحيحة، وإنما هي مما تختلقه الرافضة من الكلمات في القرآن لخدمة أغراضهم الباطلة، إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة التي أوردها في كتابه هذا وكلها صريحة في أن هذا القرآن الموجود بأيدينا غير كامل وهو ما يؤكد أنه من القائلين بتحريف القرآن الكريم.
ومنهم:
علي بن يونس العاملي النباطي البياضي([155])، فقد أورد في كتابه المسمى بـ (الصراط المستقيم) الأخبار التي استدل بها من تقدمه على تحريف القرآن الكريم، وهي أخبار صريحة في وقوع التحريف في القرآن، فمن ذلك ما نقله عن الكليني قال: (وفي كتاب الكليني في قوله تعالى: (ومن يطع الله ورسوله في ولاية علي بن أبي طالب فقد فاز)، وفيه أن اسم علي مذكور في عشرة مواضع من القرآن، قال ابن شهرآشوب: رأيته في مصحف ابن مسعود في ثمانية مواضع([156]).
فجملة (ولاية علي بن أبي طالب) من اختلاق الرافضة وزيادتهم في القرآن الكريم؛ إذ الآية كما هي في القراءة الصحيحة: ((وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)) [الأحزاب:71]، وليس فيها هذه الجملة التي يذكرها الرافضة في كتبهم.
ويؤكد بطلانها أنه لم يأت ذكر صريح لاسم أحد من الصحابة في القرآن الكريم إلا زيد بن حارثة في قوله تعالى: ((فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا)) [الأحزاب:37] الآية، وأما من عداه من الصحابة فلم يأت ذكر لاسم أحد منهم صريحاً في القرآن الكريم بإجماع كل من يعتد به، وإنما نزلت آيات في بعض الصحابة بمن فيهم علي بن أبي طالب -رضي الله عنهم- يفهم ذلك من سياق الكلام، ومن خلال الحوادث التي نزلت فيها الآية.
ومما استدل به هذا الرافضي أيضاً على هذا القول منهم: خبر جمع علي -رضي الله عنه- القرآن؛ حيث قال: (وفي رواية أبي ذر أنه لما جمع القرآن أتى إلى أبي بكر فوجد فيه فضائحهم فردوه وأمر عمر([157]) زيد بن ثابت، بجمع غيره)([158])إلى غير ذلك من الأخبار التي أوردها في كتابه هذا مما يدل على أنه من القائلين بوقوع التحريف في القرآن الكريم.
ومنهم:
الفيض الكاشاني([159])، فقد صرح بوقوع التحريف في القرآن الكريم، ونقل أخباراً كثيرة دالة على ذلك من كتب المتقدمين عليه، حتى جعله عنوان إحدى مقدمات تفسيره، حيث قال: (المقدمة السادسة في نبذ مما جاء في القرآن وتحريفه وزيادته ونقصه وتأويل ذلك) ثم أورد تحت هذا العنوان روايات كثيرة، فمن تلك الأخبار: ما رواه علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن أبي عبد الله قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لـعلي: إن القرآن خلف فراشي في الصحف والحرير والقراطيس فخذوه واجمعوه ولا تضيعوه...» الخبر، وغيره من الأخبار الكثيرة، وقد تقدم ذكر معظمها([160])([161]).
ثم قال معلقاً على هذه الأخبار: (أقول المستفاد من جميع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله بل منه ما هو خلاف ما أنزله الله ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة منها اسم علي، وفي كثير من المواضع ومنها: لفظة آل محمد صلى الله عليهم غير مرة، ومنها أسماء المنافقين في مواضعها، ومنها غير ذلك، وأنه ليس أيضاً على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وآله وبه قال علي بن إبراهيم...)([162]).
هذا ما صرح به هذا الرافضي من القول بتحريف القرآن، كما أنه ملأ تفسيره هذا بالروايات المنسوبة إلى أئمتهم وأقوال من تقدمه من علمائهم، كما أنه رد على ما يرد على موقفهم هذا من الإشكالات التي سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
ومنهم:
محمد بن الحسن الحر العاملي([163])، فقد أورد في كتابه (وسائل الشيعة) أخباراً صريحة في وقوع التحريف في القرآن الكريم من غير أن يتعرض لها بنقد مما يدل على صحتها عنده والتسليم بما دلت عليه تلك الأخبار، فمن تلك الأخبار: ما نقله عن إبراهيم بن عمر عنه عليه السلام قال: (إن في القرآن ما مضى وما هو كائن وكانت فيه أسماء الرجال فألقيت، وإنما الاسم الواحد على وجوه لا تحصى يعرف ذلك الوصاة)([164]).
فهو واضح من هذه الرواية أن القرآن الكريم قد ذهب بعض أجزائه منه وضاع، وهو بنقله لها في كتابه من أقوى الأدلة على موافقته لها ولمدلولها.
ومنهم:
هاشم بن سليمان البحراني([165])، فهو أيضاً من الذين ملئوا مؤلفاتهم بالأخبار الدالة على تحريف القرآن الكريم، فكتابه المسمى بـ(البرهان في تفسير القرآن) مليء بمثل تلك الروايات وأقوال متقدميهم الصريحة في التحريف، فمن ذلك:
ما نقله عن محمد بن العباس عن الحسن بن علي بن محمد بن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظر إلى علي وأصحابه حوله وهو مقبل فقال: (إن فيك لشبهاً من عيسى ولولا مخافة أن يقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك مقالاً لا تمر بملأ من الناس إلا أخذوا من تحت قدميك التراب يبتغون فيه البركة فغضب من كان حوله وتشاوروا فيما بينهم، وقالوا لم يرض إلا أن يجعل ابن عمه مثلاً لبني إسرائيل فأنزل الله عز وجل: (ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون وقالوا آلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل ولو نشاء لجعلنا من بني هاشم ملائكة في الأرض يخلفون)، قال: قلت لأبي أبي عبد الله: ليس في القرآن بني هاشم ملائكة في الأرض يخلفون! قال: محيت والله فيما محي ولقد قال عمرو بن العاص على منبر مصر: محي من كتاب الله ألف حرف، وحرف منه بألف حرف، وأعطيت مائتي ألف درهم على أن أمحي ((إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ)) [الكوثر:3]، فقالوا: لا يجوز ذلك، فكيف جاز لهم ولم يجز لي، فبلغ ذلك معاوية فكتب إليّ قد بلغني ما قلت على منبر مصر وليست هناك)([166]).
والآية كما في المصحف هكذا: ((وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ)) [الزخرف:60]، وليس فيها كلمة (بني هاشم) هي من زيادة الرافضة في القرآن ولا وجود لها حتى في القراءات الشاذة، وقد ورد هذا الخبر بطرق متعددة لم يخل منه شيء من مقال منها:
ما أخرجه ابن حبان بلفظ غير هذا اللفظ من طريق عيسى بن عبد الله عن علي رضي الله عنه قال: «جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فوجدته في ملأ من قريش فنظر إليّ وقال: يا علي! إنما مثلك في هذه الأمة كمثل عيسى بن مريم أحبه قوم فأفرطوا فيه، وأبغضه قوم فأفرطوا فيه، قال: فضحك الملأ الذين عنده، وقالوا: انظروا كيف شبه ابن عمه بـعيسى قال: ونزل القرآن ((وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ)) [الزخرف:57]».
قال ابن حبان: عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن أبي طالب من أهل الكوفة يروي عن أبيه عن آبائه أشياء موضوعة لا يحل الاحتجاج به كأنه كان يهم ويخطئ حتى كان يجيء بالأشياء الموضوعة عن أسلافه فبطل الاحتجاج بما يرويه لما وصفت)([167]).
فالحديث إذاً ضعيف لا يصح الاحتجاج به، ومما يؤكد ضعفه أن ما ورد فيه من سبب لنزول الآية مخالف لما ثبت بطرق صحيحة عند أهل التفسير وغيرهم من العلماء المعتبرين من سبب نزول الآية، فقد ثبت بطرق صحيحة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش: «إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير، فقالوا: أليس تزعم أن عيسى كان نبياً وعبداً من عباد الله صالحاً، وقد عبدته النصارى فإن كنت صادقاً فإنه كآلهتهم فأنزل الله ((وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ)) [الزخرف:57]».
قال الهيثمي رواه أحمد والطبري بنحوه إلا أنه قال: «فإن كنت صادقًا فإنهم لكآلهتهم» وفيه عاصم بن بهدلة وثقه أحمد وغيره وهو سيئ الحفظ وبقية رجاله رجال الصحيح)([168]).
وقال مقبل الوادعي: (قال السيوطي في لباب النقول([169]): إن سنده صحيح، وأقول (الوادعي) الذي قرره الإمام الذهبي في الميزان أن حديث عاصم حسن)([170]).
هذا هو السبب لنزول هذه الآية التي تكاد تتفق عليه أقوال المفسرين من علماء المسلمين([171]).
وأيضاً فإن ما في روايتهم هذه من التصريح بتحريف القرآن وما اشتملت عليه من الكذب الصريح على عمرو بن العاص ومعاوية -رضي الله عنهما- كافٍ لإبطال هذه الرواية عنهم.
ومما أورده هذا الرافضي من أخبارهم في ذلك ما نقله عن علي بن إبراهيم عن إسحاق بن عمار قال: قال أبو عبد الله: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد (في علي) وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم) هكذا نزلت([172]).
فكلمة (في علي) من زيادة الرافضة في هذه الآية وليس لها وجود في القرآن الكريم، إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة التي أوردها في تفسيره هذا وسيأتي ذكر بعضها في حينها إن شاء الله تعالى.
ومنهم:
محمد باقر المجلسي([173]) فهو من أكابر الذين بذلوا كل ما في وسعهم لإثبات هذا القول منهم وإظهاره؛ حيث ملأ مؤلفاته بالروايات المنسوبة إلى أئمتهم في ذلك كما صرح هو نفسه به أيضاً، وقد تحامل بكل شدة على كل من يحاول منهم إنكار هذا الموقف منهم، فنجده في كتابه (بحار الأنوار) ينقل خبراً طويلاً منسوباً إلى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في معرض حديثه عن الأمور التي يجب معرفتها لمن يريد أن يكون عالماً بالقرآن الكريم ومعانيه؛ حيث قال بعد أن ذكر هذه الأمور: (ولقد سأل أمير المؤمنين صلوات الله عليه شيعته عن مثل هذا فقال: (إن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن على سبعة أقسام كل منها شافٍ كافٍ وهي: أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل ومثل وقصص، وفي القرآن ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه...) إلى قوله: (ومنه ما هو باقٍ محرف عن جهته ومنه ما هو على خلاف تنزيله) وكذلك ذكر الخبر المنسوب إلى علي أيضاً -رضي الله عنه- في احتجاجه على الزنديق -المزعوم عندهم- وفيه: (ولم يكن عن أسماء الأنبياء تجبراً وتعزراً بل تعريفاً لأهل الاستبصار أن الكناية عن أسماء ذوي الجرائر العظيمة من المنافقين في القرآن ليست من فعله تعالى وأنها من فعل المغيرين والمبدلين والذين جعلوا القرآن عضين واعتاضوا الدنيا من الدين) الخبر([174]) وقد تقدم ذكر بعض أجزائه([175]).
وفي كتابه: مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول صلى الله عليه وسلم، صحح الخبر الذي رواه الكليني في الكافي بسنده عن أبي عبد الله قال: (إن القرآن الذي جاء به جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله سبعة عشر آلف آية)([176])فقال معلقاً على هذا الخبر: (فالخبر صحيح ولا يخفى أن هذا الخبر وكثيراً من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة فكيف يثبتونها بالخبر)([177]).
قلت: هذا فيه رد قوي على الذين يتظاهرون بإنكار تحريف القرآن وعلى تأويلاتهم للأخبار الدالة على التحريف.
وكذلك أورد في كتابه تذكرة الأئمة وهي باللغة الفارسية مع تعريب بعض الكلمات منه: سورة النورين وسورة الولاية -المزعومتين عندهم- وبعض الآيات التي يزعمون أنها حذفت من القرآن الكريم([178]) يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى، هذا بعض ما ذكره هذا الرافضي في مؤلفاته من القول بتحريف القرآن وما نقله من أخبار أئمتهم في ذلك.
ومنهم:
نعمة الله الموسوي الجزائري([179]) فهو أيضاً من أبرز القائلين بتحريف القرآن الكريم؛ حيث صرح بذلك في كتابه الأنوار النعمانية وأثبت فيه أنه مذهب الرافضة وأن الأخبار متواترة في ذلك وإجماعهم على صحتها، ولذلك نراه يحاول أن ينفي تواتر القراءات كما يراه أهل السنة؛ لأن ثبوت ذلك يقوض دعواهم تحريف القرآن وإبطال أخبارهم الصريحة في تحريف القرآن والتي يزعم الجزائري أنها صحيحة ومتواترة.
وفي ذلك يقول عند حديثه على القراءات وعدم ثبوتها -بزعمه-: (الثالث: أن تسليم تواترها عن الوحي الإلهي وكون الكل قد نزل به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاماً ومادة وإعراباً مع أن أصحابنا قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها، إلى أن قال: (الخامس أنه قد استفاض في الأخبار أن القرآن كما أنزل لم يؤلفه إلا أمير المؤمنين بوصيته صلى الله عليه وآله، فبقي بعد موته ستة أشهر مشغولاً بجمعه فلما جمعه كما أنزل أتى به إلى المتخلفين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله...) إلى أن قال: (وقد أرسل عمر زمن تخلفه إلى علي بأن يبعث له القرآن الأصلي الذي ألفه وكان عليه السلام يعلم أنه طلبه لأجل أن يحرقه كقرآن ابن مسعود أو يخفيه عنده حتى يقول الناس إن القرآن هو هذا الكتاب الذي كتبه عثمان لا غير، فلم يبعث به إليه وهو الآن موجود عند مولانا المهدي مع الكتب السماوية ومواريث الأنبياء، ولما جلس أمير المؤمنين على سرير الخلافة لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن وإخفاء هذا لما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه كما لم يقدر على نهي عن صلاة الضحى...).
وقال أيضاً: (فإن قلت كيف جاز القراءة في هذا القرآن مع ما لحقه من التغيير؟ قلت: قد روي في الأخبار أنهم عليهم السلام أمروا شيعتهم بقراءة هذا الموجود من القرآن في الصلاة وغيرها والعمل بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان، فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء، ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين، فيقرأ ويعمل بأحكامه)([180]).
هذا ما صرح به هذا الرافضي من القول بتحريف القرآن الكريم وتغييره.
أقول: إن دعواه عدم تسليم تواتر القراءات وثبوتها باطلة ومردودة عليه؛ لما ثبت من إجماع أهل الحق على تواترها ولثبوتها بأسانيد صحيحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم تفصيل ذلك([181])، ولأن ما بنى عليه دعواه هذه باطل وذلك أن الأخبار التي يدعي تواترها وإطباق أصحابهم على صحتها فاسدة عندنا ومردودة لمعارضتها وعد الله سبحانه وتعالى وتكلفه بحفظ كتابه وصيانته من كل باطل، ووعد الله حق لا ريب فيه، فكل ما خالف وعده فهو باطل ومردود على صاحبه.
وكذلك فإن ما اشتملت عليه تلك الأخبار من تنقيص لمن يزعمون أنهم أئمتهم وما فيها من الإساءة إليهم كافٍ لإبطال تلك الأخبار من أساسها لوضوح الوضع فيه؛ لأن العاقل لا يصدر عنه ما يسيء إلى نفسه، كما يظهر ذلك جلياً من قول هذا الرافضي وغيره عن سبب عدم إظهار علي رضي الله عنه القرآن الذي جمعه -على حد زعمهم- وهو الخوف من إظهار الشنعة على من سبقه كما ذكره هذا الرافضي فهو اتهام ظاهر لـعلي رضي الله عنه بالخيانة -حاشاه الله-؛ حيث كتم الحق عن المسلمين، ولم يرشدهم إليه وتركهم على ما يعلم أنه باطل وهو إمامهم والمسئول عنهم فلم ينكر الباطل، هذا ما يقوله الرافضة عن أئمتهم.
وأما عند أهل الحق فهم يؤمنون أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمكنهم السكوت عن الحق خوفًا من أحد أياً كانت مرتبته لأنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم.
ومما يبعث على العجب والضحك من قول الرافضي هذا (أنه لم يظهر القرآن الذي جمعه خوفاً من إظهار الشنعة على من سبقه) أننا نراهم قد نسبوا إلى علي وغيره ممن يزعمون أنهم أئمتهم أخباراً كثيرة صريحة في وقوع التحريف في القرآن الكريم كما في قصته مع الزنديق -المزعوم- ومع طلحة وغيره من الصحابة رضي الله عنهم([182]) فلم تلحقهم الشنعة بهذه التصريحات في الأخبار الكثيرة والمتواترة الواردة عندهم كما يدعيها هذا الرافضي وغيره، وإنما لحقتهم الشنعة بإظهار القرآن الحق السالم -كما يزعمون- أليس هذا تناقضاً ظاهراً؟!!
فهو دليل واضح على أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بريء من هذه الأخبار وبعيد عنها، وإنما هي من افتراءات الرافضة عليه واختلاقهم عليه برّأه الله تعالى بإظهار تناقضاتهم في أقوالهم، وعلى هذا يجري كل ما ورد عنهم في أئمتهم فكلها باطلة ومردودة عليهم.
ومنهم:
أبو الحسن العاملي النباطي([183])، وهو أيضاً من القائلين بالتحريف والذين أظهروا هذا القول منهم من غير تحفظ، حيث صرح بذلك في مواضع كثيرة من مقدمته (مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار) فمن ذلك قوله: (اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء من التغيير، وأسقط الذين جمعوه بعده كثيراً من الكلمات والآيات، وأن القرآن المحفوظ عما ذكر الموافق لما أنزله الله تعالى ما جمعه علي([184]) وحفظه إلى أن وصل إلى ابنه الحسن وهكذا إلى أن انتهى إلى القائم وهو اليوم عنده).
وزعم أيضاً أن الله تعالى إنما استعمل الرموز واكتفى بالإشارة إلى فضائل علي والأئمة ومثالب الصحابة لئلا تحذف وتسقط من القرآن أو يغير؛ حيث قال: (لما أن كان الله عز وجل قد سبق في علمه الكامل صدور تلك الأفعال الشنيعة من المفسدين في الدين وإنهم بحيث كلما اطلعوا على تصريح بما يضرهم ويزيد في شأن علي وذريته الطاهرين حاولوا إسقاط ذلك رأساً أو تغييره محرفين وكان من مشيئته الكاملة ومن ألطافه الشاملة محافظة أوامر الإمامة والولاية وممارسة مظاهر فضائل النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة بحيث تسلم عن تغيير أهل التضييع والتحريف ويبقى لأهل الحق مفادها مع بقاء التكاليف لم يكتف بما كان مصرحاً به منها في كتابه الشريف بل جعل جل بيانها بحسب البطون وعلى نهج التأويل وفي ضمن بيان ما تدل عليه ظاهر التنزيل وأشار إلى جمل برهانها بطريق التجوز والتعريض والتعبير عنها بالرموز والتورية وسائر ما هو من هذا القبيل حتى تتم حججه على الخلائق جميعاً ولو بعد إسقاط المسقطين ما يدل عليها صريحاً بأحسن وجه وأجمل سبيل...)([185]).
ولا يخفى ما في قوله هذا من تنقيص لله سبحانه وتعالى؛ حيث يظهر الله في صورة العاجز الذي لا يستطيع أن يمضي إرادته أمام غيره حتى يلجأ إلى التحايل والتمويه عليه، فتعالى الله عما يصفه الظالمون الملعونون الكافرون علوًا كبيراً.
ثم عقد أربعة فصول للاستدلال بها على صحة قوله في تحريف القرآن الكريم فقال: (ويستبين صدق هذا المقال بملاحظة جميع ما نذكره في هذه الفصول الأربعة المشتملة على هذه الأحوال)([186])، وذكر في هذه الفصول الأربعة الأخبار التي نسبوها إلى أئمتهم وغيرها من الشبه التي يتعلقون بها في موقفهم هذا يأتي الحديث عنها في حينها إن شاء الله تعالى، وبعد أن ذكر تلك الأخبار قال: (ولا تغفل عن دلالة هذه الأخبار أيضاً على وجود القرآن المحفوظ من الزيادة والنقصان في كل عصر مع إمام الزمان وأنه الذي جمعه علي عليه السلام، وأن ما في أيدينا اليوم هو الحجة لدينا بلا لوم إلى أن يظهر الحق وأهله والله الموفق)([187]).
فقد اتضح موقف هذا الرافضي في القرآن من خلال تصريحاته هذه وادعائه تواتر الأخبار الواردة في ذلك عن أئمتهم.
ومنهم:
يوسف بن أحمد البحراني([188])، فقد ذكر أن لأصحابهم في وقوع النقصان والتغيير في القرآن قولين: القول بوقوع التحريف في القرآن، والقول بعدم وقوع ذلك في القرآن، ثم بين أنه مع القائلين بوقوع التحريف فيه وأورد الأخبار الدالة على ذلك عن أئمتهم.
وفي ذلك يقول: (وأما الأخبار الدالة على ما اخترناه من وقوع التغيير والنقصان فمنها: ما رواه في الكافي بإسناده عن بعض أصحابه عن أبي الحسن عليه السلام قال: (قلت له: جعلت فداك إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم فهل نأثم...)([189])، وغيره من الأخبار الكثيرة التي نقلها في كتابه (الدرر النجفية)، وقد تقدم ذكر بعضها ويأتي ذكر البعض الآخر إن شاء الله.
ثم شدد القول على المتظاهرين منهم بإنكار وقوع التحريف في القرآن عند تعليقه على هذه الأخبار التي ساقها في كتابه حيث قال: (أقول: ولا يخفى ما في هذه الأخبار من الدلالة الصريحة والمقالة الفصيحة على ما اخترناه ووضوح ما قلناه، ولو تطرق الطعن إلى هذه الأخبار على كثرتها وانتشارها لأمكن الطعن في أخبار الشريعة كما لا يخفى إذ الأصول واحدة وكذلك الطرق والرواة والمشايخ والنقلة، لعمري إن القول بعدم التغيير والتبديل لا يخرج عن حسن الظن بأئمة الجور، وإنهم لم يخونوا في الأمانة الكبرى مع ظهور خيانتهم في الأمانة التي هي أشد ضرراً على الدين وأحرى على أن هذه الأخبار لا معارض لها كما عرفت سوى مج الدعاوى العارية عن الدليل الذي لا يخرج عن مجرد القال والقيل، وقدمنا ما هو المعتمد من أدلتهم وبينا ما فيه وكشفنا عن ضعف باطله وخافيه)([190]).
هذا ما صرح به هذا الرافضي من القول بوقوع التحريف في القرآن الكريم.
ومنهم:
عبد الله شبر([191])، فهو أيضاً من القائلين بتحريف القرآن الكريم ونقصانه، ويظهر ذلك جلياً من الباب الذي عقده في كتابه (الأصول الأصلية) في وجوب العمل بهذا القرآن الموجود بأيدينا وإن كان محرفاً عندهم؛ حيث قال: (باب وجوب العمل بما في أيدينا من القرآن الكريم وعدم تجاوزه وعدم جواز القراءة بما حذف منه، وإن ما بين الدفتين حجة يجب العمل بها)([192])، فهو واضح من قوله: (وعدم جواز القراءة بما حذف منه) أنه يعترف بوقوع التحريف فيه، وإنما يرى وجوب العمل بالموجود تبعاً لأوامر أئمتهم -على حد زعمه- الذين أصدروا الأوامر إلى شيعتهم بأن يقرءوا هذا القرآن الموجود إلى أن يخرج غائبهم بالقرآن الكامل المحفوظ -على حد زعمهم- فوجوب العمل بهذا القرآن والقراءة فيه عندهم مؤقت بخروج قائمهم، فإذا خرج وأظهر قرآنهم أخذوا به وتركوا هذا لأنه غير كامل -على حسب زعمهم-.
ومنهم:
حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي([193])، فهو من أبرز القائلين بتحريف القرآن الكريم من المتأخرين، ومن أكبر الذين حملوا راية هذا القول منهم وبالغوا فيه؛ حيث أظهر ذلك بكل جرأة وشجاعة وأثبت أن هذا القول هو قول الرافضة جميعاً وكشف عن حقيقتهم وما يبطنونه للإسلام، ولذلك ألف كتابه وبذل فيه كل ما في وسعه لإثبات هذا القول عندهم، فأكثر النقل عن أخبار أئمتهم وتصريحات المتقدمين منهم في ذلك واستدل على ذلك بكل ما ظهر له من شبه وخيال، كما أنه فنّد فيه شبه المنكرين منهم وشنع عليهم وألزمهم بهذا القول من خلال أقوال أنفسهم.
وهو يرى أنه بعمله الخبيث هذا يتقرب إلى الله تعالى؛ حيث قال عن كتابه، وعن سبب تأليفه له: (وبعد فيقول العبد المذنب المسيء حسين تقي النوري الطبرسي جعله الله تعالى من الواقفين ببابه المتمسكين بكتابه، هذا كتاب لطيف وسفر شريف عملته في إثبات تحريف القرآن وفضائح أهل الجور والعدوان، وسميته فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب، وجعلت له ثلاث مقدمات وبابين وأودعت فيه من بديع الحكمة ما تقر به كل عين وأرجو ممن ينتظر رحمته المسيئون أن ينفعني به في يوم لا ينفع مال ولا بنون)([194]).
هذا ما قاله عن كتابه هذا، وما يرجو من وراء تأليفه له، وقد قسم كتابه هذا إلى ثلاث مقدمات وبابين كما ذكره هو نفسه.
ففي المقدمة الأولى: تحدث عن الأخبار التي وردت في جمع القرآن وجامعيه، وسبب جمعه وكونه في معرض النقص بالنظر إلى كيفية الجمع، وأن تأليف القرآن يخالف تأليف الكتب الأخرى التي مؤلفوها البشر وذلك رد منه على بعض أدلة المنكرين منهم يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.
وفي المقدمة الثانية: بين أقسام التحريف الممكن حصوله في القرآن وما لا يمكن دخوله فيه، فذكر أن الذي لا يمكن دخوله في القرآن: زيادة السورة وتبديلها، وزيادة الآية وتبديلها، فهذان النوعان من أنواع التحريف هما اللذان يمتنع دخولهما في القرآن عنده.
وأما الأنواع الممكن حصولها في القرآن فكالآتي:
نقصان السورة، ونقصان الآية، وزيادة الكلمة وتبديلها، وزيادة الأحرف ونقصانه، وتبديله، وتبديل الحركات بعضها ببعض، والترتيب بين السور والآيات، وبين الكلمات، وحدود السور والآيات، هذه الأنواع من التحريف هي التي يزعم إمكان حصولها في القرآن الكريم.
وفي المقدمة الثالثة: بين موقف علمائهم المتقدمين والمتأخرين من القرآن من حيث تحريفه وعدمه وذكر أن لهم قولين في ذلك.
ثم سرد أسماء القائلين منهم بتحريف القرآن ونقل أقوالهم الصريحة في ذلك، وذكر من أسمائهم ما يقرب من أربعين اسماً من علمائهم المتقدمين والمتأخرين الذين ذهبوا جميعاً إلى القول بتحريف القرآن وتبديله من خلال تصريحاتهم في مؤلفاتهم المعتمدة عندهم، وصرح بأنه لم يخالف في ذلك من المتقدمين إلا أربعة أشخاص، وقد تقدمت الإشارة إليهم([195]).
وأما الباب الأول فقد تحدث فيه عن شبههم التي يتعلقون بها في زعمهم هذا وبالغ في إثبات تلك الشبه؛ حيث أوصلها إلى اثنتي عشرة شبهة في الجملة ثم أورد تحت كل شبهة شواهد كثيرة جداً تأتي الإشارة إلى بعضها إن شاء الله تعالى.
وفي الباب الثاني: استعرض أدلة القائلين بعدم تطرق التغيير والنقصان إلى القرآن الكريم منهم وفَنَّدها([196])، هذا هو ملخص ما اشتمل عليه كتاب هذا الرافضي الذي به رفع النقاب عما كانوا يحجبونه عن المسلمين من نواياهم تجاه الإسلام وأهله.
ومنهم:
علي اليزدي الحائري([197])، فإنه قد أورد في كتابه المسمى بـ (إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب) بعض أقوال المتقدمين عليه، وفيها التصريح بتحريف القرآن الكريم منها: ما نقله من محادثة زين الدين علي بن فاضل المازندراني([198]) وبين أستاذه شمس الدين محمد النائب الخاص عن الغائب بأمره، وفيها قال زين الدين: (فقلت: يا سيدي، أرى بعض الآيات غير مرتبطة بما قبلها وبما بعدها كأن فهمي القاصر لم يصل إلى غور ذلك، فقال: نعم الأمر كما رأيته وذلك لما انتقل سيد البشر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله من دار الفناء إلى دار البقاء، وفعل صنما قريش([199]) ما فعلاه من غصب الخلافة الظاهرية، وجمع أمير المؤمنين (ع) القرآن كله ووضعه في إزار وأتى به إليهم وهم في المسجد، فقال لهم: هذا كتاب الله سبحانه أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أعرضه إليكم لقيام الحجة عليكم يوم العرض بين يدي الله تعالى، فقال له فرعون هذه الأمة ونمرودها([200]): لسنا محتاجين إلى قرآنك، فقال: أخبرني حبيبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقولك هذا، وإنما أردت بذلك إلقاء الحجة عليكم...)([201]).
هذا ما صرح به زعيمهم هذا والنائب الخاص عن إمامهم الغائب فهو يؤكد ثبوت هذا القول عندهم، وهذا الرافضي بنقله هذا الكلام في كتابه هذا من غير أن يتعرض له بنقد دليل على رضاه به، فإنه إنما نقله للاستشهاد به على موقفه من القرآن.
وكما أنه لا يخفى على القارئ ما اشتمل عليه هذا الخبر من اتهام ظاهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيانة لأمته -حاشاه لله- حيث علم أحوال هؤلاء الصحابة وبما سيحدثونه في الإسلام بعده ومع كل ذلك اتخذهم وزراء له وقربهم إلى نفسه مما يدل على عدم نصحه لأمته، هذا ما يقول به الرافضة في رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خلاف ما عليه جميع المسلمين من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن دل أمته على كل خير وحذرهم من كل شر، هذا هو موقفهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا غرابة إذاً فيما ينعقون به تجاه الصحابة الكرام الذين رضي الله عنهم وأرضاهم، خير الأمة بعد الأنبياء والمرسلين.
ومنهم:
عدنان علوي آل عبد الجبار الموسوي البحراني([202])، فهو أيضاً من الذين أثبتوا هذا القول بكل صراحة، حيث صرح بذلك في مواضع كثيرة من كتابه (مشارق الشموس) ونقل فيه الأخبار الكثيرة المنسوبة إلى أئمتهم الدالة على وقوع التحريف في القرآن الكريم كما أنه ادعى الإجماع على ذلك من المسلمين كذباً وافتراءً عليهم.
فمن أقواله في ذلك قوله عند ترجيحه مذهب الإخباريين على مذهب المحدثين عندهم: (الثاني من وجهي المنع وقوع التحريف والتغيير والتبديل كما تواترت أخبار الفريقين واتفقت عليه كلمة المسلمين في العصر الأول).
ثم ذكر بعض الآثار التي وردت من طريق أهل السنة مما يفيد نسخ بعض الآيات ورفع حكمها من القرآن الكريم على أنها تدل على وقوع التحريف في القرآن يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى مع بيان الوجه الصحيح الذي حمل عليه العلماء تلك الأخبار مما يبطل نسبتهم هذا القول إلى أهل السنة.
وقال بعد أن أورد بعض تلك الأخبار: (إلى غير ذلك من الأخبار التي لا تحصى كثرة وقد تجاوزت حد التواتر ولا في نقلها كثير فائدة بعد شيوع القول بالتحريف، والتغيير بين الفريقين، وكونه من المسلمات عند الصحابة والتابعين، بل وإجماع الفرقة المحقة، وكونه من ضروريات مذهبهم وبه تظافرت أخبارهم: ففي الكافي بإسناده عن البيزنطي قال: (دفع إلي أبو الحسن (ع) مصحفاً وقال: لا تنظر فيه ففتحته([203]) وقرأت فيه ((لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا)) [البينة:1] فوجدت فيه اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم قال: فبعث إليّ: ابعث إليّ المصحف) وفي تفسير العياشي عن أبي جعفر (ع) قال: (لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفي حقنا على ذي حجى، ولو قد قام قائمنا صدقه القرآن)، وغيرها من الأخبار الكثيرة التي نقلها.
ثم قال: (والحاصل فالأخبار من طريق أهل البيت (ع) كثيرة إن لم تكن متواترة على أن القرآن الذي بأيدينا ليس هو القرآن بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بل قد حذف منه أشياء كثيرة منها اسم علي (ع) في كثير من المواضع، ومنها لفظة آل محمد (ع)، ومنها أسماء المنافقين، ومنها غير ذلك.
وأنه ليس على الترتيب المرضي عند الله، وعند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في تفسير علي بن إبراهيم... إلى أن قال: (والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصى وفيما ذكرناه كفاية، فظهر أن وقوع التحريف والتغيير مما لا يقبل الإنكار والاستتار بل في مرآة العقول: العقل يحكم بأنه إذا كان القرآن متفرقاً منتشراً عند الناس وتصدى غير المعصوم لجمعه يمتنع عادة أن يكون جمعه كاملاً موافقاً للواقع)([204]).
هذا هو موقف هذا الرافضي من تحريف القرآن، فعنده أمر مجمع عليه عندهم وشائع بينهم بحيث لا يمكن إنكاره، كما نسب القول به إلى أهل السنة، فهو مجرد افتراء عليهم يأتي المزيد من إبطال مثل هذه الافتراءات على أهل السنة إن شاء الله تعالى.
فهؤلاء بعض من أظهر القول بتحريف القرآن ونقصانه من علمائهم المتأخرين وصرحوا به في مؤلفاتهم وهم الذين وفقني الله تعالى للوقوف على مؤلفاتهم وعلى أقوالهم الصريحة في ذلك، وهم بالنظر إلى من لم يذكر اسمه هنا قليلون جداً؛ لأنه مما أجمعوا عليه ولا يمكن حصرهم جميعاً في مثل هذا الكتاب.
وفيمن ذكرت منهم الكفاية للاستدلال على قولهم بتحريف القرآن؛ حيث اتضح لنا جلياً من خلال تصريحاتهم واستشهاداتهم بروايات أئمتهم، وبأقوال متقدميهم على أنهم جميعاً على القول بتحريف القرآن ونقصانه، فهم على نفس الخط الذي سار عليه المتقدمون منهم، وأنهم لا يختلفون عنهم في شيء من ذلك إلا أن البعض منهم حاولوا إخفاء مذهبهم هذا والستر عليه تمويهاً على المسلمين وعملاً بتقيتهم، ولكنهم لم ينجحوا في ذلك؛ حيث قام الكثير منهم بإفساد محاولة أولئك إخفاء مذهبهم هذا فأظهروا أنهم على مذهب من تقدمهم وأنهم متمسكون به ولا يمكنهم الفراق عنه؛ لأنه من ضروريات مذهبهم؛ لأن القول بتحريف القرآن فرع عن مسألة الإمامة عندهم.
هذا هو موقف المتأخرين منهم من القرآن الكريم، وهو استمرارهم على مذهب من تقدمهم في القول بتحريف القرآن وتغييره ونقصانه.
وأما المعاصرون منهم فموقفهم غير واضح في تحريف القرآن الكريم، فإنهم اتبعوا في ذلك أسلوباً متسماً بالحذر الشديد؛ حيث أغفل الكثير منهم هذا الموضوع في مؤلفاتهم فتركوا الحديث عنه ولم يتعرضوا له بإثبات ولا بنفي مما يدل على أنهم لا يريدون الكشف عن وجهتهم في هذه المسألة، ويظهر ذلك من فعل مؤلفيهم عندما يتعرض لذكر بعض أخبار أئمتهم التي فيها التصريح بتحريف القرآن فينقل الخبر ويقتصر على الجزء الذي ليس فيه هذا التصريح تهرباً من هذا الموضوع.
فمن ذلك ما فعله آية الله حسين البروجردي([205]) في مواضع من كتابه المسمى بـ(تفسير الصراط المستقيم)، حيث نقل الخبر الذي رواه الصفار عن الصادق قال: (إن في القرآن ما مضى وما يحدث وما هو كائن)([206])، فاقتصر على هذا الجزء مع أن تتمة الخبر: (وكان فيه أسماء الرجال فألقيت، وإنما الاسم الواحد في وجوه لا تحصى تعرف ذلك الوصاة)([207])، وكان الواجب عليه أن ينقل الخبر بتمامه وينقده إلا أنه لم يفعل شيئاً من ذلك، وإنما اكتفى بتهربه منه لئلا تنكشف عورته للمسلمين، ولا يمكن له أن يدعي عدم تعلق الحاجة بنقله كاملاً؛ لأن كلامه في القرآن.
وكذلك نقل خبر جمع علي رضي الله عنه القرآن -بزعمهم- بنفس الطريقة في مواضع أخر من هذا الكتاب([208]).
ومع هذا الحذر الشديد منهم يأبى الله إلا أن يظهر موقفهم للمسلمين في القرآن الكريم، فهذا زعيمهم وإمامهم في عصرنا الحاضر آية الله الخميني([209]) الذي انخدع كثير من المسلمين بدعواته جهلاً منهم بحقيقته وحقيقة عقيدته، فإنه نقل في بعض مؤلفاته أخباراً صريحة في تحريف القرآن الكريم وتغييره من غير أن يتعرض له بنقد كما يظهر ذلك من رسالته شرح دعاء السحر عند كلامه على ما يسميه بـ (الكتاب التكويني) قال: (فهذا الكتاب الإلهي وأوليائه والذين كلهم كتب سماوية نازلون من لدن حكيم عليم وحاملون للقرآن التدويني، ولم يكن أحد حاملاً له بظاهره وباطنه فمن طريق المرضيين كما ورد من طريقهم عليهم السلام.
فمن طريق الكافي عن أبي جعفر أنه قال: (ما يستطيع أحد أن يدعي أن عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء).
ومن طريق الكافي أيضاً عن جابر الجعفي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب وما جمعه وحفظه كما أنزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده عليهم السلام)([210]).
وقال في رسالة أخرى عند بيان علل الاختلاف بين أهل السنة الذين يسميهم بـ (العامة) وبين الرافضة الذين يسميهم بـ (الخاصة): (منها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن بلّغ جميع الأحكام الكلية على الأمة لكن لما لم يكن دواعي الحفظ في صدر الشريعة، وأول بدء الإسلام قوية لم يضبط جميعاً بخصوصياتها إلا من هو بطانته وأهل بيته ولم يكن في الأمة من هو أشد اهتماماً وأقوى ضبطاً من أمير المؤمنين عليه السلام، فهو لشدة اهتمامه ضبط جميع الأحكام وتمام خصوصيات الكتاب الإلهي تفسيرها وتأويلها وما كانت دخيلة في فهم آيات الكتاب وضوابط السنن النبوية.
ولعل القرآن الذي جمعه وأراد تبليغه على الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القرآن الكريم مع جميع الخصوصيات الدخيلة في فهمه المضبوطة عنده بتعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبالجملة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن بلغ الأحكام حتى أرش الخدش على الأمة لكن من لم يفت منه شيء من الأحكام، وضبط جميعها كتاباً وسنة هو أمير المؤمنين عليه السلام في حين فات من القوم كثير منها لقلة اهتمامهم([211]) بذلك)([212]).
فهو واضح من خلال أقواله هذه في رسالتيه هاتين أنه يؤمن بالقول بتحريف القرآن الموجود بأيدينا اليوم، فإنه إذا كان علي رضي الله عنه لم يفته شيء مما بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة، فمعنى ذلك أن غير علي من الصحابة رضي الله عنهم قد فاتتهم أشياء كثيرة بما فيها القرآن الكريم، فيكون ما جمعوه منه غير كامل، كما هو صريح قوله.
هذا هو موقف زعيمهم هذا الذي يدعو إلى الوحدة بين المسلمين وتوحيد صفوفهم من القرآن الكريم ومن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين نقلوا إلينا هذا الدين الحنيف؛ حيث اتهمهم -كذباً وزوراً- بقلة الاهتمام لما يبلغه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمور الدين.
ويكفينا من الرد على افتراءاته هذه ما شهد الواقع به من حرص الصحابة الشديد الذي يفوق الوصف على تلقي أمور دينهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتب التواريخ خير شاهد على ذلك.
وصرح طيب الموسوي الجزائري([213]) بوقوع التحريف في القرآن الكريم في معرض دفاعه عن بعض ما أورد من الاعتراضات على تفسير علي بن إبراهيم القمي من عدم تناسب تفسيره مع الآيات المفسرة كإنزاله الآيات الواردة في مدح بعض الأمم السابقة في أهل البيت، والآيات الواردة في ذم الكفار والمشركين في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرها من التأويلات المتعسفة البعيدة، يقول في ذلك: (الثالث إن الله كان عالماً بأعمال أمة نبيه صلى الله عليه وسلم بعد وفاته بأنهم يلعبون بالدين ويتهتكون بنواميس حماته في كل حين...) إلى أن قال: (فحينئذ لم يؤمن منهم أن لا يبقوا أسامي الأئمة وفضائلهم في القرآن؛ فلذا لم يكن بد إلا أن يبينها الله تعالى بالكناية والاستعارة كما هو دأب القرآن وأسلوبه في أكثر آياته، فإن له ظاهراً يتعلق بشيء وباطناً يتعلق بشيء آخر..) إلى أن قال: (فانكشف بما ذكرنا أن كل ما ورد في القرآن من المدح كناية وصراحة فهو راجع إلى محمد وآله الطاهرين صلى الله عليه وسلم، وكل ما ورد فيه من القدح كذلك فهو لأعدائهم أجمعين السابقين واللاحقين ويحمل عليه جميع الآيات من هذا القبيل وإن كان خلافًا للظاهر؛ لأن أسلوب البيان وحفظه عن النقصان يقتضي الكناية وهي أبلغ من التصريح واللطف..)([214]).
فهذا يدل على اعترافه بهذا الكتاب ورضاه بما فيه من إثبات تحريف القرآن ونقصانه مما يؤكد أنه من القائلين به كما هو ظاهر من أقواله هنا التي اشتملت على تنقيصه لقدرة الله وعظمته.
وقد تقدم الرد على مثل هذا القول منهم وبينت أنه ينزل الله تعالى منزلة العاجز الضعيف أمام غيره الذي لا يستطيع فرض إرادته عليه إلا عن طريق الحيل، فتعالى الله عما يصفه الظالمون علواً كبيراً.
هذا ما يؤكد استمرار هذا القول حتى عند المعاصرين منهم، فكلهم متفقون على أن هذا القرآن وقع فيه تحريف وأسقطت منه أشياء كثيرة سواء من اعترف بذلك صراحة وأظهره أو تظاهر بالإنكار، فإن هذا القول لازم لكل رافضي مؤمن بعقيدة الإمامة.
المبحث الثالث: رد قول من زعم أن القول بالتحريف مختلف فيه بين الرافضة:
لقد عرفنا فيما سبق أن القول بتحريف القرآن قول جميع الرافضة المتقدمين منهم والمتأخرين، حتى المعاصرين منهم؛ فإنهم جميعاً على هذا القول، ودللت على ذلك بأقوالهم الصريحة في ذلك وما نقلوه من الأخبار المنسوبة إلى أئمتهم في ذلك.
إلا أنه ظهر منهم بعض من حاول الخروج عن هذا الإجماع فأظهروا إنكارهم لهذا القول وزعموا أنهم يقولون بسلامة القرآن وحفظه من أي تحريف ونقصان، وادعوا إجماع الرافضة على ذلك من غير أن يقيموا على دعواهم هذه دليلاً صحيحاً، ورموا كل من نقل عن الرافضة القول بتحريف القرآن بالكذب والافتراء.
فمن هؤلاء المتظاهرين بالإنكار من المتقدمين: الصدوق والمرتضى والطوسي وأبو علي الطبرسي([215])، وهم هؤلاء الأربعة فقط من المتقدمين ولا خامس لهم كما صرح بذلك محققهم النوري الطبرسي([216]).
يقول الصدوق عن موقفه في القرآن: (اعتقادنا أن القرآن الذي أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشرة سورة، وعندنا أن الضحى وألم نشرح سورة واحدة، ولإيلاف وألم تر كيف سورة واحدة، ومن نسب إلينا أنا نقول إنه أكثر من ذلك فهو كاذب)([217]).
ويقول المرتضى فيما نقل عنه: (إن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان، والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، فإن العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته وبلغت حداً لم تبلغه فيما ذكرناه؛ لأن القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينية.
وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيراً ومنقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد...).
وقال في موضع آخر: (إن العلم بتفصيل القرآن وأبعاضه في صحة نقله كالعلم بجملته، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة كـكتاب سيبويه، والمزني، فإن أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلها ما يعلمونه من جملتها حتى لو أن مدخلاً أدخل في كتاب سيبويه باباً في النحو ليس من الكتاب لعرف وميز وعلم أنه ملحق وليس من أصل الكتاب، وكذلك القول في كتاب المزني.
ومعلوم أن العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه، ودواوين الشعراء...) إلى أن قال: (إن من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم؛ فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته)([218]).
هذا ما قاله شيخهم هذا، وهو كلام جميل وحق في ذاته، وهو دليل لـأهل السنة في موقفهم من القرآن.
أما هو فهل يسعفه هذا الكلام حتى يكون خارجاً من إجماعهم على القول بتحريف القرآن أم لا؟ سنعرف ذلك قريباً إن شاء الله تعالى.
كما لا يخفى أن نسبته هذا القول إلى بعض أهل السنة محض افتراء يأتي دحضها إن شاء الله تعالى.
ويقول محمد بن الحسن الطوسي الملقب بـشيخ الطائفة عندهم: (وأما الكلام في زيادته ونقصانه مما لا يليق به أيضا؛ لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه وهو الأليق من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى، وهو الظاهر في الروايات، غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من آي القرآن، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع طريقها الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً، والأولى الإعراض عنها، وترك التشاغل بها؛ لأنه يمكن تأويلها ولو صحت لما كان ذلك طعناً على ما هو موجود بين الدفتين، فإن ذلك معلوم صحته لا يعترضه أحد من الأمة، ولا يدفعه)([219]).
ويقول أبو علي الطبرسي: (ومن ذلك الكلام في زيادة القرآن ونقصانه فإنه لا يليق بالتفسير، فأما الزيادة فمجمع على بطلانه، وأما النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييراً ونقصاناً، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه وهو الذي نصره المرتضى)([220]).
هذا ما صرح به هؤلاء المتظاهرون منهم بإنكار تحريف القرآن الكريم من المتقدمين وهم محصورون في الأربعة المذكورين، فكل من جاء بعدهم ممن أظهر الإنكار لهذا القول فبهم يستشهدون وبأقوالهم يستدلون ويرددونها في كل أحوالهم عند تعرضهم للحديث عن القرآن الكريم.
فمن أولئك المتظاهرين بإنكار تحريف القرآن من متأخري الرافضة: محمد حسين آل كاشف الغطاء([221])، يقول عند حديثه عما تعتقده الشيعة الإمامية في النبوة والقرآن: (يعتقد الشيعة الإمامية أن جميع الأنبياء الذين نص عليهم القرآن الكريم رسل من الله... إلى أن قال: وأن الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه للإعجاز والتحدي ولتعليم الأحكام وتمييز الحلال من الحرام، وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة وعلى هذا إجماعهم، ومن ذهب منهم أو من غيرهم من فرق المسلمين إلى وجود نقص فيه أو تحريف، فهو مخطئ نص الكتاب العظيم ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9]، والأخبار الواردة من طرقنا أو طرقهم الظاهرة في نقصه أو تحريفه ضعيفة شاذة وأخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً فإما أن تؤول بنحو من الاعتبار أو يضرب بها الجدار)([222]).
وكذلك صرح محمد رضا المظفر([223]) بعدم وقوع التحريف في القرآن الكريم وأن الموجود بأيدينا هو القرآن الكامل وحكم على كل من قال بغير ذلك بالضلال؛ حيث يقول: (ومن ادعى غير ذلك فهو مخرف أو مغالط أو مشتبه وكلهم على غير هدى)([224]).
وزعم محمد جواد البلاغي([225]) كذلك أن الرافضة يقولون بعدم وقوع التحريف في القرآن الكريم؛ حيث أورد تحت عنوان: (قول الإمامية بعدم النقيصة في القرآن) ما قاله الصدوق في ذلك وغيره من علمائهم، ثم ادعى أن الأخبار التي استدل بها القائلون بتحريف القرآن ضعيفة لا يعول عليها([226]).
وزعم كذلك محمد جواد مغنية عدم وقوع التحريف في القرآن عند الرافضة وعدّ الكلام في ذلك من اللغو والعبث لعدم وجود من يقول بذلك اليوم -على حد زعمه- كما ادعى اتفاق جميع المسلمين على عدم الزيادة في القرآن وفي ذلك يقول: (اتفق المسلمون بكلمة واحدة على أنه لا زيادة في القرآن ما عدا فرقة صغيرة شاذة من فرق الخوارج([227])، فإنها أنكرت أن تكون سورة يوسف من القرآن لأنها قصة غرام يتنزه عن مثلها كلام الله سبحانه ونسب إلى بعض المعتزلة([228]) إنكار سورة أبي لهب؛ لأنها سب وطعن لا يتمشى مع منطق الحكمة والتسامح، ونحن لا نتردد ولا نتوقف في تكفير من أنكر كلمة واحدة من القرآن وأن جحود البعض تماماً كجحود الكل لأنه طعن صريح فيما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بضرورة الدين واتفاق المسلمين.
أما النقصان بمعنى أن هذا القرآن لا يحتوي على جميع الآيات التي نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم فقد قال به أفراد من السنة([229]) والشيعة في العصر البائد، وأنكر عليهم يومذاك المحققون وشيوخ الإسلام من الفريقين وجزموا بكلمة قاطعة أن ما بين الدفتين هو القرآن المنزل دون زيادة أو نقصان للآية (8) من سورة الحجرات ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9]([230])، والآية (41) من سورة فصلت ((لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)) [فصلت:42]([231])، واليوم أصبح هذا القول ضرورة من ضرورات الدين وعقيدة جميع المسلمين إذ لا قائل بالنقيصة لا من السنة ولا من الشيعة، فإثارة هذا الموضوع والتعرض له في هذا العصر لغو وعبث أو دس وطعن على الإسلام والمسلمين...)([232]).
وقال في موضع آخر تحت عنوان: (لا تحريف في القرآن) ونسب إلى الإمامية افتراءً وتنكيلاً نقصان آيات من آي القرآن مع أن علماءهم المتقدمين([233]) والمتأخرين الذين هم الحجة والعمدة قد صرحوا بأن القرآن هو ما في أيدي الناس لا غيره ثم ذكر من أسمائهم: الصدوق والمرتضى والطوسي من المتقدمين، ومن المتأخرين ذكر منهم: جعفر النجفي في كتاب (كشف الغطاء)- ومحسن البغدادي في شرح (الوافية) وعلي الكركي ومحسن الأمين ومحمد جواد البلاغي، فكل هؤلاء من علمائهم صرحوا بعدم تحريف القرآن -على حد زعمه- وادعى أن نسبة التحريف إلى الشيعة كنسبته إلى أهل السنة من حيث عدم بنائها على أساس من الصحة بناءً على ما قاله محسن الأمين ومحمد جواد البلاغي من أن القائلين بالنقصان هم أفراد من شذاذ الشيعة والحشوية من السنة لا يعتد بقولهم([234]).
وكذلك ادعى آية الله إبراهيم الزنجاني([235]) إجماع الإمامية على القول بعدم تحريف القرآن وأن القول بسلامة القرآن من الضروريات عندهم، وأن من نسب إليهم أنهم يقولون بتحريف القرآن فهو مغتر وكذاب ومخرف إلى غير ذلك من الأوصاف الخبيثة التي أطلقها هذا الرجل على من نسب إليهم القول بالتحريف([236]).
وقال محسن الأمين في معرض تقريره أدلة الأحكام الفرعية عند الرافضة: (أما الكتاب فهو القرآن الكريم واعتقادهم أنه كلام الله ووحيه وتنزيله وأنه ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ولا أقل)، ثم أورد ما قاله في ذلك الصدوق ثم قال: (وبذلك قال المرتضى في المسائل الطرابلسيات واحتج عليه وحكى عليه إجماع المسلمين عدا شاذ من الشيعة وحشوية أهل السنة سبقهم الإجماع ولحقهم)([237]).
وزعم أبو القاسم الخوئي([238]) أيضاً أنهم يقولون بعدم وقوع التحريف في القرآن الكريم؟ حيث قال -عند بيانه معاني التحريف وأنواعه وما يجوز وقوعه منها في القرآن وما لا يجوز فيه-: السادس -أي النوع-: التحريف بالنقيصة بمعنى أن المصحف الذي بأيدينا لا يشتمل على جميع القرآن الذي نزل من السماء فقد ضاع بعضه على الناس، والتحريف بهذا المعنى هو الذي وقع فيه الخلاف فأثبته قوم ونفاه آخرون... إلى أن قال: (المعروف بين المسلمين عدم وقوع التحريف في القرآن وأن الموجود بأيدينا هو جميع القرآن المنزل على النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وقد صرح بذلك كثير من الأعلام).
ثم قال بعد أن ذكر أسماء البعض منهم: (وجملة القول أن المشهور بين علماء الشيعة ومحققيهم بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف)([239]).
فهؤلاء هم بعض من تظاهر منهم بإنكار القول بتحريف القرآن وما ادعوا في ذلك من إجماع الرافضة عليه وما رموا به من نسب إليهم القول بالتحريف وغيرها من الأقوال التي أطلقوها في ذلك.
مناقشة موقفهم هذا:
أقول إن المتأمل في أحوال هؤلاء المتظاهرين بإنكار القول بتحريف القرآن من الرافضة -لاسيما الأشخاص الأربعة من متقدميهم- الصدوق، والمرتضى، والطوسي، الذين هم عمدة المتأخرين المتظاهرين بإنكار هذا القول منهم والمرجع عندهم في جميع استشهاداتهم في إنكارهم التحريف، فالناظر في مواقفهم المتضاربة يدرك أنهم غير صادقين في دعواهم هذه، وأنهم إنما أظهروا ذلك لأمور أخر عندهم.
كما أشار إلى ذلك بعض رجالهم الذين التمسوا لهم العذر في أقوالهم هذه، فمن ذلك ما قاله نعمة الله الجزائري: (والظاهر أن هذا القول إنما صدر عنهم لأجل مصالح كثيرة، منها: سد باب الطعن عليها بأنه إذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف بها)([240]).
هذا هو الصحيح وهو المطابق لأحوالهم؛ حيث نجدهم اعتمدوا على بعض الأخبار التي اعتمدها القائلون بتحريف القرآن في دعواهم التحريف، ونقلوها في مؤلفاتهم مستشهدين بها في بعض مواقفهم، وهي صريحة في تحريف القرآن ولم يتعرضوا لها بنقد أو رد مما يدل على رضاهم بها والتسليم بمضامينها.
فهذا الصدوق الذي هو من أبرز المتظاهرين بالإنكار والذي صارت أقواله في ذلك مرجع كل من جاء بعده؛ حيث لا يخلو منها كتاب من كتب متأخريهم المتظاهرين بالإنكار، فقد نقل في كتبه أخباراً صريحة في تحريف القرآن لا تقبل أي تأويل، ففي كتابه (الخصال) روى عن جابر الجعفي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون إلى الله عز وجل: المصحف والمسجد والعترة، يقول المصحف: يا رب حرفوني ومزقوني...»([241]).
وفي كتابه (ثواب الأعمال) روى بسنده عن أبي عبد الله قال: (سورة الأحزاب فيها فضائح الرجال والنساء من قريش وغيرهم...) إلى أن قال: (إن سورة الأحزاب فضحت نساء قريش من العرب وكانت أطول من سورة البقرة ولكن نقصوها وحرفوها)([242]).
وكذلك أورد في كتابه (التوحيد)([243]) الخبر المنسوب إلى علي رضي الله عنه مع الزنديق -المزعوم- وفيه التصريح بتحريف القرآن الكريم، إلا أنه سار على عادتهم من التدليس والتمويه على الناس فاقتصر على الجزء الذي ليس فيه التصريح بتحريف القرآن وترك الباقي، والخبر واحد والراوي واحد، ولا يمكن دعوى صحة جزء دون الجزء الآخر، وكان من الواجب عليه إن كان صادقاً في دعواه عدم التحريف أن ينقل الخبر بكامله ويرد عليه، ولكنه لم يفعل شيئاً من ذلك مما يدل على صحة الخبر عنده.
وغيرها من الأخبار الكثيرة التي نقلها في مؤلفاته وهي صريحة في تحريف القرآن، مما يؤكد عدم جديته في إنكاره تحريف القرآن وهو ما يؤكده غير واحد من علمائهم، يقول النوري الطبرسي في رده على الصدوق وعلى أقواله: (وظاهر قوله (اعتقادنا) وقوله (نسب إلينا) وإن كان اعتقاد الإمامية والنسبة إليهم إلا أنه قد ذكر في هذا الكتاب ما لم يقل أحد غيره أو قال به قليل...) إلى أن قال: (وربما يوجه أن مراده منهم علماء قم كما ذكر في موضع آخر أن علامة الغلاة والمفوضة نسبتهم مشايخ قم وعلمائهم إلى التقصير وليس جميع الإمامية ولكنه يعارض كون مراده به علماء قم بـعلي بن إبراهيم القمي الغالي في القول بالتغيير وكذا الصفار وغيرهما من القميين... إلى أن قال: (والخبر الذي استشهد به -أي خبر جمع القرآن- يدل على نقيض مطلوبه بل كلامه في معاني الأخبار مخالف لما ذكره).
وعلى قوله: (إن من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافه...) إلخ.
قال النوري: (قد عد هو([244]) في الشافي والشيخ في تلخيصه من مطاعن عثمان ومن عظيم ما أقدم عليه جمع الناس على قراءة زيد وإحراق المصاحف وإبطاله ما شك من القرآن ولولا جواز كون بعض ما أبطله أو جميعه من القرآن لما كان ذلك طعناً).
قال أيضاً: قال المحقق الشيخ أسد الله الكاظمي في كشف القناع في جملة كلام له: (فأمر الصدوق مضطرب جداً ولا يحصل من فتواه غالباً علم ولا ظن)([245]).
وقال أبو الحسن العاملي النباطي رداً على ما قاله الصدوق في ذلك بعد أن ذكر أدلتهم على تحريف القرآن: (وعندي في وضوح صحة هذا القول بعد تتبع الأخبار وتفحص الآثار بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع، وأنه من أكبر مفاسد غصب الخلافة فتدبر حتى تعلم توهم الصدوق في هذا المقام حيث قال في اعتقاداته ثم قال بعد نضله ما قاله الصدوق: (وتوجيه كون مراده علماء قم فاسد إن علي بن إبراهيم الغالي في هذا القول منهم)([246]).
هذه هي حال شيخهم هذا الصدوق في القرآن الكريم وهي مضطربة ومتناقضة كما قرر ذلك بعض علمائهم وهي تؤكد كذبه في دعواه إنكار تحريف القرآن الكريم، ويثبت أنه من القائلين بالتحريف وإلا ما استشهد بهذه الأخبار الدالة على تحريف القرآن كما تقدم في كتبه، وكلها صريحة في التحريف ولا تقبل أي تأويل كما ألزمه بها النوري الطبرسي، والله أعلم.
وأما المرتضى فقد رد عليه القائلون بتحريف القرآن وألزموه بتناقض أقواله في ذلك، كما أجابوا عن كل أدلته وشنوا عليه وقد تقدم ما قاله النوري الطبرسي عند رده على الصدوق من أنه في تلخيصه عد من مطاعن عثمان جمع الناس على قراءة زيد وإحراق المصاحف... إلخ([247]).
وقال أيضاً بعد أن أورد ما استدل به المرتضى على إنكاره التحريف (انتهى ما أردنا نقله من الكلمات التي تشبه كلام من لا عهد له بمباحث الإمامة وحال أصحاب النبي صلى الله عليه وآله في الضلالة والغواية في حياته وبعد وفاته)([248])([249]).
وقال أبو الحسن العاملي في رده على المرتضى: (والعجب من مثل السيد أن يتمسك بأمثال هذه الأشياء التي هي محض الاستبعاد بالتخيلات في مقابل متواتر الروايات فتدبر).
وقال عن حكم المرتضى على الأخبار المفيدة للتحريف بأنها ضعيفة لا يعول عليها: (ومن أعجب الغرائب أن السيد في مثل هذا الخيال الضعيف الظاهر خلافه بكونه مقطوع الصحة حيث إنه كان موافقاً لمطلوبه واستضعف الأخبار التي وصلت فوق الاستفاضة عندنا وعند مخالفينا بل كثرت حتى تجاوزت عن المائة مع موافقتها للآيات والأخبار التي ذكرناها في المقالة السابقة كما بينا في آخر الفصل الأول من مقدمتنا هذه ومع كونها مذكورة عندنا في الكتب المعتبرة المعتمدة كـالكافي مثلاً بأسانيد معتبرة، وكذا عندهم في صحاحهم كـصحيحي البخاري ومسلم -مثلاً- اللذين هما عندهم كما صرحوا به تالي كتاب الله في الصحة والاعتماد، بمحض أنها دالة على خلاف المقصود وهو أعرف بما قال والله أعلم)([250]).
هذا ما رد به هذا الرافضي وغيره على المرتضى الملقب عندهم بـعلم الهدى وهو في غاية من الوضوح ومفحم لكل من يزعم أنه ينكر القول بتحريف القرآن مع تمسكه بعقيدة الإمامة عندهم وغيرها من عقائدهم، إلا أن الراد هنا أدخل السم في العسل تلبيساً على المسلمين، فإن ما ادعاه من كون تلك الأخبار موافقة للآيات وكونها مروية في كتب الصحاح عند أهل السنة هي محض افتراء وكذب صريح ليس له أي مستند في ذلك، وكان من الواجب عليه أن يأتي بما يصدق دعواه هذه لو كان صادقاً فيها، وأما مجرد إطلاق القول فغير مقبول في مثل هذه المواقف كما رد هو نفسه على المرتضى مثل هذا الإطلاق المجرد عن الدليل.
وقال يوسف البحراني في رده على الصدوق والمرتضى: (وأما ما احتج به الصدوق في اعتقاداته وكذا المرتضى في جملة كلامه أوهن من بيت العنكبوت وإنه لأهون البيوت)([251]).
هذا بعض ما رد به القائلون بالتحريف على المرتضى في تظاهره بإنكار التحريف.
وكذلك رد على الطوسي بما أورده في كتبه من الأخبار الدالة على التحريف من غير أن ينقدها ويبطلها، فمن ذلك ما نقله في كتابه الغيبة من دعاء منسوب إلى إمامهم الغائب وفيه: (اللهم جدّد ما محي به من دينك وأحي به ما بدل من كتابك وأظهر به ما غير من حكمك حتى يعود دينك به)([252])، ولاشك أنه يؤمن بهذا الدعاء؛ لأنه من إمامهم المعصوم -بزعمهم- وهو صريح في تبديل القرآن.
وفي كتابه (تهذب الأحكام) روى بسنده عن الهيثم بن عروة التميمي قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله تعالى: ((فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)) [المائدة:6]، فقال: ليس هكذا تنزيلها إنما هي: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم من المرافق) ثم أمرّ يده من مرفقيه إلى أصابعه).
فإنه أورد هذا الخبر هنا لتقرير مذهبهم في غسل اليدين بأن المرفق لا تدخل في الغسل؛ حيث ساق هذه الرواية رداً على من اعترض عليهم بأن (إلى) في الآية تفيد الغاية، وهي تدل على خلاف مذهبهم كما هو ظاهر من قوله في آخر كلامه: (وعلى هذه القراءة يسقط السؤال من أصله)([253])، ولا عبرة بتسميته ذلك قراءة بعد أن صرح إمامهم بتنزيل -كما نسبوه إليه-.
فهو بنقله لهذين الخبرين وغيرهما من الأخبار الدالة على التحريف من غير أن يردها يؤكد أنه غير صادق في دعواه عدم التحريف.
قال الفيض الكاشاني في رده على الطوسي: (وليت شعري كيف يجوز لمثل الشيخ أن يدعي أن عدم النقصان ظاهر الروايات مع أنا لم نظفر على خبر واحد يدل عليه، واستبعد أن يصدر من أمثال الطوسي مثل هذا الحكم الذي حكم به على هذه الأخبار بأنها لا تفيد العلم مع أنه اعتمد على أمثالها في مواضع أخرى فيقول: (وكذا قوله: إن الأخبار الدالة على التغيير والنقصان من الآحاد التي لا توجب علماً مما يبعد صدوره عن مثل الشيخ لظهور أن الآحاد التي احتج بها الشيخ في كتابه وأوجب العمل عليها في كثير من مسائله الخلافية ليس بأقوى من هذه الأخبار لا سنداً ولا دلالة على أنه من الواضحات البينة أن هذه الأخبار متواترة معنى مقترنة بقرائن قوية موجبة للعلم العادي بوقوع التغيير إلى أن قال: (ومن الغرائب أن الشيخ ادعى إمكان تأويل هذه الأخبار وقد أحطت خبراً بأن أكثرها مما ليس بقابل للتوجيه)([254]).
وأما الرد على الطبرسي فقد أثبت هو أيضاً في تفسيره (مجمع البيان) بعض الأخبار التي استدل بها القائلون بالتحريف على دعواهم تحريف القرآن؛ حيث أورد تلك الأخبار تحت ستار القراءات لأهل البيت أو تفسير للآيات وتأويلها.
فمن ذلك قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)) [آل عمران:33]، قال: (وفي قراءة أهل البيت (وآل محمد على العالمين)([255])مع أن الروايات الأخرى المنسوبة إلى أئمتهم تصرح بأنها هكذا نزلت([256])، بل في بعضها التصريح بحذفها كما في تفسير العياشي عن أيوب قال: (سمعني أبو عبد الله عليه السلام وأنا أقرأ: ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)) [آل عمران:33] فقال: وآل محمد كانت فمحوها وتركوا آل إبراهيم وآل عمران)([257])، فهو بين من قول إمامهم هذا -كما نسبوه إليه- من أن هذه الكلمة كانت في الآية ومحيت منها، فهو يبطل ما يسميها به الطبرسي بالقراءة فهناك فرق كبير بين القراءة وبين التنزيل.
وفي قوله تعالى: ((فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً)) [النساء:24] قال: (وقد روي عن جماعة من الصحابة منهم أُبي بن كعب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود أنهم قرأوا (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى)([258]).
قلت: هذه القراءة من هؤلاء الصحابة لا تصح الاحتجاج بها على فرض ثبوتها عنهم؛ لأنها قراءة شاذة لا يثبت بها القرآن إجماعاً.
يقول ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: (وأما ما روي عن أُبي بن كعب، وابن عباس من قراءتهما (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) فقراءة بخلاف ما جاءت به مصاحف المسلمين، وغير جائز لأحد أن يلحق في كتاب الله تعالى شيئاً لم يأت به الخبر القاطع العذر عمن لا يجوز خلافه)([259]).
وقال ابن العربي رحمه الله تعالى: (ولم يصح ذلك عنهما فلا تلتفتوا إليه)([260]).
هذا ما حكم به العلماء على هذه الرواية عن ابن عباس وغيره من الضعف وعدم صحتها، ومع كل ذلك فقد أوردها الطبرسي ليسدل بها على جواز نكاح المتعة عندهم مما يدل على أنه يجعلها من القرآن وإلا لما استدل بها على حكم ما.
وفي قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)) [التوبة:73].
قال: وروي في قراءة أهل البيت (جاهد الكفار بالمنافقين) قالوا لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يقاتل المنافقين وإنما كان يتألفهم)([261])فهذا القول من أئمتهم -كما نسبه إليهم- يوضح أن هذه ليست مجرد قراءة كما يسميه الطبرسي وإلا لما نفوا المعنى الذي يدل عليه سياق الآية كما هي في المصحف فنفيهم لذلك دليل على أنها ليست باقية على تنزيلها وإنما دخله التغيير -كما يزعمون- وهو الذي يقصد الطبرسي إثباته هنا إلا أنه عدل عن التصريح بذلك إلى أسلوب المراوغة فأتى به تحت ستار القراءات.
وهو ما قرره عنه النوري الطبرسي في رده على تظاهره بالإنكار، حيث قال: (ولكنه اعتمد في سورة النساء على أخبار تضمنت نقصان كلمة (إلى أجل مسمى) من آية المتعة)([262]).
وبعد هذا ندرك أن أبا علي الطبرسي أيضاً كسابقيه في عدم صدقهم في دعواهم عدم تحريف القرآن؛ حيث لم يأتوا بشيء يثبت صدق تلك الدعوى منهم، ويؤكد جديتهم في موقفهم هذا وإنما أتوا بما يقوض دعواهم؛ حيث أوردوا في كتبهم الأخبار الدالة على تحريف القرآن صراحة واستشهدوا بها في مواطن كثيرة كمسألة الإمامة وعند طعنهم على الصحابة وغيرهما من عقائدهم الباطلة ففي تلك المواطن نجدهم يستدلون بالأخبار المنسوبة إلى أئمتهم الصريحة في تحريف القرآن.
فهذه هي أحوال هؤلاء المتظاهرين بإنكار تحريف القرآن من متقدمي الرافضة، وهي مضطربة ومتناقضة كما أثبت ذلك عنهم غير واحد من القائلين بتحريف القرآن عند ردهم على أقوال أولئك المتظاهرين بالإنكار من المتقدمين.
وأما المتظاهرون بالإنكار من المتأخرين منهم فبطلان دعواهم تلك معلوم بالاضطرار لما علمنا من بطلان دعوى شيوخهم الأربعة من المتقدمين الذين هم عمدتهم في إنكارهم ذلك ومرجعهم الكلي؛ حيث نجد أن كل من تظاهر بالإنكار ممن جاء بعدهم، فهو عالة عليهم وعلى أقوالهم فقط من غير أن يأتوا ولو بدليل زائد على ما قاله أولئك المتقدمون منهم، وقد رد القائلون بوقوع التحريف في القرآن على تلك الأدلة كلها وأجابوا عنها -تأتي الإشارة إلى بعضها قريباً إن شاء الله تعالى-.
كما أن البعض من هؤلاء المتظاهرين بالإنكار من المتأخرين أثبتوا في مواضع أخرى من كتبهم ما يدل على تحريف القرآن الكريم عندهم، مما يناقض دعواهم عدم القول بالتحريف.
فهذا الخوئي الذي هو من زعمائهم في الوقت الحاضر ومن مشاهير علمائهم قد صرح بتحريف القرآن في تفسيره (البيان) عند كلامه عن معاني التحريف، كما بين المراد بقولهم عدم وقوع التحريف في القرآن وهو أن التحريف المنفي عن القرآن عندهم هو التحريف بالزيادة بمعنى أن بعض المصحف الذي بأيدينا ليس من الكلام المنزل، والتحريف بالنقيصة بمعنى أن المصحف الذي بأيدينا لا يشتمل على جميع القرآن المنزل من السماء فقد ضاع بعضه على الناس، هذا هو المراد من قولهم بعدم التحريف.
وأما ما عدا هذين النوعين من أنواع التحريف فقد أثبتها الخوئي في القرآن الكريم.
وهي التحريف بالنقص أو الزيادة في الحروف أو في الحركات فهو واقع في القرآن عنده قطعاً واستدل على ذلك بتعدد وجوه القراءات وعدم تواترها -على حد زعمه- وكذلك التحريف بنقص أو زيادة كلمة أو كلمتين من القرآن فهو أيضاً واقع في القرآن عنده، حيث قال: (والتحريف بهذا المعنى قد وقع في صدر الإسلام وفي زمان الصحابة قطعاً ويدلنا على ذلك إجماع المسلمين على أن عثمان أحرق جملة من المصاحف وأمر ولاته بحرق كل مصحف غير ما جمعه، وهذا يدل على أن هذه المصاحف كانت مخالفة لما جمعه وإلا لم يكن هناك سبب موجب لإحراقها).
قلت: هذا مجرد دعوى يتذرع بها الرافضة في طعنهم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم حرفوا القرآن وسيأتي إبطال هذه الدعوى منهم ببيان السبب الذي جعل عثمان ومن كان من الصحابة رضوان الله عليهم يجمعون الناس على مصحف واحد.
وكذلك التحريف بالزيادة أو النقص في الآية أو السورة فهو أيضاً عنده واقع في القرآن واستدل على ذلك بالخلاف الواقع في البسملة هل هي جزء من القرآن أم لا كما هو مبسوط في مواضعه، فهذه الأنواع الثلاثة واقعة في القرآن قطعاً عنده([263]).
وهو ما قرره القائلون بالتحريف([264]) وليس هناك فرق بينهما إلا في التحريف بالنقصان، بمعنى أن هذا القرآن لا يشتمل على جميع ما أنزل، فإنكار هذا النوع فقط من أنواع التحريف لا يكفي في تبرير دعواهم عدم تحريف القرآن ما داموا يثبتون وقوع الأنواع الأخرى فيه؛ لأن القائلين بالتحريف لم يفرقوا بين هذه الأنواع وإنما أثبتوها كلها إلا التحريف بالزيادة حيث ورد عنهم في ذلك شيء من الإنكار، والتحقيق يدل على أنهم يثبتونها في القرآن كما سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.
ومن هنا يعلم أن إنكارهم التحريف إنكار جزئي لا تثبت به صحة دعواهم هذه، والذي يبعث على العجب من أمر هذا الرافضي أنه يدعي عدم تحريف القرآن ويدعي الإجماع على ذلك من المسلمين عامة مع أنه ينسب القول بالتحريف إلى أهل السنة؛ حيث يزعم أن القول بوقوع نسخ التلاوة هو عين القول بالتحريف، وفي ذلك يقول معلقاً على ما نسبه أبو علي الطبرسي في مجمع البيان إلى أهل السنة من القول بالتحريف: (أقول سيظهر لك بعد هذا أن القول بوقوع النسخ في التلاوة عند علماء أهل السنة يستلزم اشتهار القول بالتحريف).
وقال في موضع آخر: (وغير خفي أن القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف والإسقاط...)([265]).
هذا هو موقف هذا الرافضي من تحريف القرآن الكريم وهو موقف واضح في أنه غير صادق في دعواه هذه، وهو الموقف عند كل من يتظاهر بالإنكار عندهم.
وأما ما استدلوا به على موقفهم هذا وما ردّ به عليهم القائلون بالتحريف فيما يلي:
استدلوا على ذلك بالكتاب والسنة والعقل.
أما الكتاب فبقوله تعالى: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9].
وبقوله تعالى: ((وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ)) [فصلت:41]* ((لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)) [فصلت:42].
وأجاب القائلون بالتحريف عن استدلالهم بهاتين الآيتين بأجوبة منها: أن الوعد بحفظ القرآن الوارد في الآية الأولى أنه يقصد به القرآن الذي جمعه علي رضي الله عنه -بزعمهم- وهو موجود الآن عند إمامهم الغائب وليس المراد به هذا القرآن الموجود بأيدينا الآن.
ومنها: أن الذكر الوارد في الآية المراد به النبي صلى الله عليه وسلم وليس القرآن الكريم، ومنها: أن المراد بحفظه هو حفظه من تطرق شبه المعاندين، وذلك منفي عن القرآن فلا شاهد فيه، وعلى فرض أن يكون الحفظ شاملاً للتغيير أيضاً يكون ذلك للقرآن جملة لا لكل فرد منه، فإن ذلك واقع بل ربما مزق وفرق -على حد زعمهم-([266]).
وأجابوا عن استدلالهم بالآية الثانية: بأن الباطل المنفي عن القرآن ليس المراد به التبديل والتغيير في القرآن وإنما يقصد به أن الشيطان لا يستطيع أن يدخل فيه ما ليس منه قبل الوحي وبعده، وأنه لا يجوز أن يحصل فيه ما يستلزم بطلانه من تناقض في أحكامه أو كذب في إخباراته وقصصه.
روى علي بن إبراهيم القمي عن الباقر قال: ((لا يأتيه الباطل) من قبل التوراة ولا من قبل الإنجيل والزبور (ولا من خلفه) أي لا يأتيه من بعده كتاب يبطله)([267]).
هذا بعض ما أجاب به القائلون بالتحريف عن استدلال المنكرين بهاتين الآيتين.
وأما استدلالهم بالسنة فقد تمسكوا بالأخبار الواردة بالتمسك بالكتاب والرد إليه عند التنازع، على أن ذلك يدل على وجود القرآن كاملاً في كل وقت؛ لأنه لو دخله شيء من التحريف لم تحصل الفائدة من هذا الأمر، كحديث: «إني مخلف فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»([268]).
وأجاب القائلون بالتحريف عن استدلالهم بهذا الحديث بأنه لا منافاة بين وقوع التغيير في القرآن وبين أمره صلى الله عليه وسلم بالتمسك به؛ لأن عدم التمكن من الانتفاع به على الوجه المطلوب لا يدل على انتفاء الفائدة من أصلها في الأمر كما هو الحال في الإمام في حالة غيبته، فإنهم مأمورون باتباعه مع أنهم لا يتمكنون من الوصول إليه ومع ذلك لم تنتف الفائدة من الأمر باتباعه([269]).
قال الفيض الكاشاني: (ويخطر بالبال في دفع هذا الإشكال والعلم عند الله أن يقال: إن صحت هذه الأخبار فلعل إنما وقع فيما لا يخل بالمقصود كثير إخلال كحذف اسم علي وآل محمد صلى الله عليهم وسلم وحذف أسماء المنافقين، فإن الانتفاع بعموم اللفظ باق وكحذف بعض الآيات وكتمانه، فإن الانتفاع بالباقي باق مع أن الأوصياء كانوا يتداركون ما فاتنا منه من هذا القبيل)([270]).
وأجاب النوري الطبرسي عن ذلك بأن قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما يدل على أن الساقط منه لا يضر بالموجود وأن النقص يتعلق بالفضائل والمثالب فقط، أما آيات الأحكام فلم يدخلها التحريف([271]).
هذا بعض ما استدلوا به من السنة وما أجاب به القائلون بالتحريف عن استدلالهم بتلك الأخبار.
وأما ما تعلقوا به من الأدلة العقلية فهي أيضاً كثيرة وسأقتصر على ذكر دليلين منها:
قالوا: إن علماء المسلمين قد بلغوا في حفظ القرآن وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه؛ إعرابه وقراءته وحروفه وآياته فكيف يجوز أن يدخل التحريف والتغيير مع هذه العناية الشديدة والدقة في ضبطه، فلو وقع فيه شيء من ذلك لعلم وتواتر كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام([272]). وأجاب القائلون بالتحريف عن هذا الدليل:
بأن الدواعي كما توفرت للمؤمنين على نقل القرآن وحراسته فكذلك أيضاً توفرت للمنافقين على تغييره لورود فيه ما يضاد رأيهم وهواهم.
وأن التغيير المذكور في القرآن إنما وقع ذلك قبل انتشاره في البلدان واستقراره على ما هو عليه الآن.
وأن الضبط والعناية إنما حصل ذلك بعد كتابته وانتشاره في البلدان، والتغيير إنما وقع في ذلك المكتوب من قبل كاتبيه لا في القرآن الأصلي الذي أنزله الله وهو محفوظ عند إمامهم الغائب -على حد زعمهم-([273]).
ومن أدلتهم العقلية:
قالوا: إن القول بوقوع التحريف في القرآن يرفع الاعتماد عن القرآن رأساً لجواز أن يكون كل آية فيه محرفة ومغيرة، كما أنه يبطل إعجاز القرآن؛ لأن البشر استطاعوا أن يأتوا بمثله، وهو فاسد بالضرورة من الدين، إلى غير ذلك من أدلتهم العقلية التي تمسكوا بها في موقفهم هذا.
وأجيب عن هذا الدليل العقلي عندهم: بأن وقوع النقص في القرآن لا يمنع إعجازه كما لا يرفع الاعتماد عنه؛ لأن اسم القرآن يطلق على جميع القرآن لا على مجموعه فقط فكل سورة بل آية منه فهو قرآن فما ظهر منه وبقي يكون كافياً في الإعجاز([274]).
وفي الجملة فإن أكثر ما تمسكوا به من الأدلة على تظاهرهم بإنكار تحريف القرآن مستقيمة وصالحة في موضع النزاع إلا أنهم لم تساعدهم هذه الأدلة مع قوتها لاضطراب مواقفهم وتناقض أقوالهم في ذلك، مما يدل على عدم صدقهم في تظاهرهم بإنكار التحريف.
وبعد هذا الاستعراض السريع لمواقف هؤلاء المتظاهرين بالإنكار نعلم أن القول بتحريف القرآن هو قول جميع الرافضة ولا عبرة بقول من يتظاهر بخلاف ذلك من الرافضة وهو متمسك بعقائدهم الأساسية كالإمامة وغيرها من عقائدهم الباطلة التي تفرض عليهم مثل هذه الأقوال، كما هو صريح أقوال بعض رجالهم.
يقول محمد باقر المجلسي: (ولعمري كيف يجترئون على التكلفات الركيكة في تلك الأخبار مثل ما قيل في هذا الخبر أن الآيات الزائدة عبارة عن الأخبار القدسية أو كانت التجزئة بالآيات أكثر وفي خبر لم يكن أن الأسماء كانت مكتوبة على الهامش على سبيل التفسير والله تعالى أعلم)([275]).
كما عد الكثير منهم القول بالتحريف من ضروريات مذهب الرفض؛ وذلك لعدم الفرق بين أخبار التحريف وأخبار الإمامة إذ الكل عن المعصومين -بزعمهم- ومن الكتب المعتمدة عندهم([276]).
ومما يؤكد عدم صدقهم في دعواهم سلامة القرآن بالإضافة إلى ما سبق ذكره من مواقفهم المتناقضة عدة أمور منها:
أنهم في تظاهرهم هذا بالإنكار لم يستطع واحد منهم سواء كان من الأربعة المتقدمين أو من المتأخرين أن يأتي بخبر واحد منسوب إلى واحد من أئمتهم على أن القرآن غير محرف، في حين أورد القائلون بالتحريف أخباراً كثيرة صريحة في التحريف منسوبة إلى أئمتهم حتى ادعى البعض منهم استفاضتها بل تواترها، كما قرر ذلك أبو الحسن العاملي عند رده على أبي علي الطبرسي؛ حيث قال: (وليت شعري كيف يجوز لمثل الشيخ أن يدعي أن عدم النقصان ظاهر الروايات مع أنا لم نظفر على خبر واحد يدل عليه)([277]).
ومنها: أنهم نقلوا الأخبار المنسوبة إلى أئمتهم الصريحة في تحريف القرآن في مؤلفاتهم واعتمدوا عليها في بعض مواقفهم مما يدل على تسليمهم بها ورضاهم بمضامينها وعلى صحتها عندهم كما أقر بذلك الخوئي عندما حاول أن يحكم عليها بالضعف، حيث قال: (إلا أن كثرة الروايات تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين عليهم السلام ولا أقل من الاطمئنان بذلك وفيها ما روي بطريق معتبر)([278]).
هذا اعتراف منه بصحة هذه الأخبار عن المعصومين عندهم، وما دامت هذه الأخبار صحيحة عندهم لا يلتفت إلى ما ينعقون به من التأويلات المتعسفة؛ حيث يدعي البعض منهم بأنها تأويلات وليس من القرآن.
ويرد عليهم بأنه قد ورد عن أئمتهم ما يبطل هذه الدعوى منهم -كما نسبوه إليهم- حيث روى الكليني بسنده عن محمد بن الفضل عن أبي الحسن الماضي خبراً طويلاً فيه: (قال سألته عن قول الله عز وجل: ((يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ)) [الصف:8] قال: يريدون ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين عليه السلام بأفواههم.. إلى أن قال: قلت: هذا تنزيل؟ قال: نعم، أما هذا الحرف فتنزيل، وأما غيره فتأويل...)، وقد تكرر هذا منه في مواضع متعددة من هذا الخبر([279]) كما ورد في أكثر تلك الأخبار التي تصرح بسقوط الآيات -على حد زعمهم- هكذا أنزلت.
ومنها: أنهم اعتمدوا على كتب القائلين بتحريف القرآن، خاصة الغالين منهم كـالكليني، وعلي بن إبراهيم القمي، والعياشي وغيرهم من الذين أفرطوا في إثبات هذا القول وملأوا كتبهم بالروايات المنسوبة إلى أئمتهم الصريحة في تحريف القرآن، كما أثنوا عليهم ثناءً بالغاً ووصفوهم بالثقات وبشيوخ الإسلام إلى غير ذلك من ألقاب المجد والاحترام التي أطلقوها على هؤلاء القائلين بالتحريف، مع أنهم نسبوا الكفر إلى كل من يقول بتحريف القرآن الكريم.
انظر إلى ما يقوله في ذلك محمد جواد مغنية: (ونحن لا نتردد ولا نتوقف في تكفير من أنكر كلمة واحدة من القرآن وأن جهود البعض كجهود الكل...) إلى غير ذلك مما ورد عنهم من الحكم بكفر كل من يقول بتحريف القرآن، وقد تقدم ذكر بعض ذلك عنهم([280])، فهم مع هذا فقد اعتمدوا على أقوالهم المدونة في كتبهم وأثنوا عليهم بهذه الأوصاف التي تفوق كل الوصف، كما هو موجود في كتب التراجم والرجال عندهم وغيرها من مؤلفاتهم، فكيف يتفق هذا مع زعمهم أنهم يكفرون كل من يقول بتحريف القرآن الكريم؟!!
فإن كانوا صادقين في زعمهم هذا فمعنى ذلك أنهم يأخذون دينهم من الكفار؛ لأنهم جميعاً قالوا بالتحريف إلا الأشخاص الأربعة الذين قدمنا ذكرهم، أولهم الصدوق الذي توفي سنة (381 هـ) يعني في أواخر القرن الرابع الهجري، وأما قبل هذا القرن فلم يوجد واحد من الرافضة من أظهر إنكار تحريف القرآن.
وفي ذلك يقول الأستاذ/ إحسان إلهي ظهير -رحمه الله تعالى- بعد ذكره الصدوق وموقفه في ذلك: (وهو في القرون الأولى الأربعة أول من قال من الشيعة بعدم التحريف في القرآن، ولا يوجد في الشيعة المتقدمين حتى القرن الرابع وحتى نصفه الأول رجل واحد نسب إليه أنه قال، أو أشار إلى عدم التحريف، وبعكس ذلك يوجد مئات من النصوص الواضحة الصريحة على أن الحذف والنقص في القرآن، والزيادة عليه قد وقع)([281]).
وهو ما قرره محدثهم النوري الطبرسي كما تقدم من قوله في ذلك([282]) ويؤكد ذلك أن كل من تظاهر بالإنكار من المتأخرين لم يذكروا من المتقدمين إلا هؤلاء الأربعة فقط، ولا يمكن لهم دعوى حصر مصادر الرواية عندهم على هؤلاء الأربعة فقط، فهم بلا شك قد أخذوا دينهم وعقيدتهم من أناس كافرين بحكم أنفسهم، فكيف نصدق من يأخذ عن رجل يعتقد هو بكفره وخروجه من الدين؟!!
ومنها: أنهم لم يكلفوا أنفسهم بالرد على القائلين بالتحريف، وإنما اكتفى البعض منهم بالقول عن تلك الأخبار بأنها أخبار آحاد لا توجب العلم، والبعض الآخر منهم بأنها أخبار ضعيفة من غير أن يبينوا أوجه الضعف فيها، كما ادعى البعض الآخر إمكان تأويلها، إلى غير ذلك من الألفاظ المجردة التي أطلقوها في ذلك من غير أن يأتوا على ذلك بدليل. بينما بالغ خصمهم في الرد عليهم وألزموهم بتناقض أقوالهم في ذلك كما تقدم نقل ردودهم في ذلك على هؤلاء المتظاهرين بالإنكار([283])، ويؤكد عدم تكليف أنفسهم بالرد على القائلين بالتحريف أنه لم ينقل عن أحد منهم أنه ألف كتاباً خاصاً في نفي تحريف القرآن والرد على القائلين به إلا ما نسبوه إلى علي بن عبد العالي الكركي([284]) أحد علمائهم من أنه ألف رسالة في النقيصة بعد الإجماع على عدم الزيادة([285]) وما عداها فلم ينقل عن أحد منهم في ذلك شيء.
بينما نقلت عن القائلين بالتحريف مؤلفات كثيرة خاصة بتحريف القرآن منها: كتاب التحريف لـأحمد بن خالد البرقي، وكتاب التنزيل والتغيير لـمحمد بن خالد البرقي كما ذكره النجاشي، وكتاب التنزيل من القرآن والتحريف لـعلي بن الحسن بن فضال، وكتاب التحريف والتبديل لـمحمد بن الحسن الصيرفي، وغيرها من الكتب التي ألفوها في خصوص تحريف القرآن.
وقد تقدم ذكر كتاب فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب لخاتمة محققيهم النوري الطبرسي، فهذه الكتب جميعها وغيرها قد ألفت في خصوص إثبات التحريف كما ورد ذلك عند مترجمي رجالهم كـالطوسي والنجاشي في كتب الرجال عندهم.
وفي ذلك يقول النوري الطبرسي عند تقرير مذهب التحريف: (ويظهر من تراجم الرواة أيضاً شيوع هذا المذهب حتى أفرد له بالتصنيف جماعة) ثم ذكر أسماءهم ومؤلفاتهم في ذلك([286]).
ومنها: استمرارهم على عقيدة الرفض كمسألة الإمامة والطعن على الصحابة رضوان الله عليهم وغيرهما من عقائدهم الفاسدة، فإن البقاء على هذه العقائد يوجب القول بتحريف القرآن لتلازمها ولا يمكن الفصل بينهما.
وقد صرح بذلك يوسف البحراني بعد نقله لأخبارهم الدالة على تحريف القرآن: (أقول: ولا يخفى ما في هذه الأخبار من الدلالة الصريحة والمقالة الفصيحة على ما اخترناه ووضح ما قلناه ولو تطرق الطعن إلى هذه الأخبار على كثرتها وانتشارها لأمكن الطعن إلى أخبار الشريعة كلها كما لا يخفى؛ إذ الأصول واحدة وكذلك الطرق والرواة والمشايخ والنقلة، ولعمري إن القول بعدم التغيير والتبديل لا يخرج عن حسن الظن بأئمة الجور وإنهم لم يخونوا في الأمانة الكبرى مع ظهور خيانتهم في الأمانة الصغرى التي هي أشد ضرراً على الدين وأحرى)([287])
هذه هي بعض الأمور التي تؤكد عدم صدقهم في دعواهم إنكار تحريف القرآن وأن تظاهرهم بإنكارهم هذا مبني على تقيتهم، وقد تقدم قول نعمة الله الجزائري في ذلك([288])
وبذلك صرح يوسف البحراني عند رده على بعض الأخبار المنسوبة إلى أئمتهم التي ورد فيها أنهم أمروا شيعتهم بقراءة هذا القرآن إلى أن يظهر القائم بالقرآن الذي عنده -بزعمهم- مثل ما جاء في الكافي عن محمد بن سليمان بإسناده عن أبي الحسن قال: (قلت له: جعلت فداك! إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما بلغنا عنكم، فهل نأثم؟ فقال: اقرأوا كما تعلمتم فسيجئكم من يعلمكم).
وفيه أيضاً بسنده عن سالم بن سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام حروفاً من القرآن وأنا أسمع ليس على ما يقرأها الناس، فقال أبو عبد الله عليه السلام: (كفّ عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله تعالى على حده...)([289]).
قال بعد إيراده لهذين الخبرين: (أقول المستفاد من هذين الخبرين الأمر بقراءة هذا القرآن الموجود الآن والاقتصار عليه وعدم جواز القراءة بما أخبروا عليهم السلام بحذفه إنما هو من باب التقية والاستصلاح، وأن القائم عليه السلام بعد خروجه وقيامه يقرأ القرآن ويأمر بتعليمه على الوجه الذي أنزل من تلك الزيادات التي منعوا من قراءتها في هذا الزمان، وحمل تلك الآيات التي نهوا عن قراءتها على تأويل لا تنزيل مع كونه تعسفاً محضاً تنافيه دلالة ظاهر الخبرين على أن القائم يقرأ كذلك ويعلمه الناس)([290]).
وأياً كان فسواء أكان هؤلاء المتظاهرون بالإنكار صادقين في دعواهم هذه أم لا فإن القول بتحريف القرآن قول ثابت عند الرافضة ومستقر فيهم لا يمكن دفعه أبداً، والأدلة عليه أظهر من الشمس في رابعة النهار، فإنكار ذلك عنهم مكابرة ومعاندة وتعام عن الحق أعاذنا الله من ذلك.
الفصل الثاني: أنواع التحريف المزعوم عندهم في القرآن وأمثلته:
وتحتة ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: زعمهم النقص في القرآن الكريم.
المبحث الثاني: زعمهم أن في القرآن تحريفاً بالإبدال وأمثلة ذلك.
المبحث الثالث: زعمهم وقوع التحريف في ترتيب آيات وسور القرآن الكريم، وأمثلة ذلك.
المبحث الأول: زعمهم النقص في القرآن الكريم:
وفيه تمهيد وثلاثة مطالب:
المطلب الأول: السور التي زعموا أنها حذفت من القرآن الكريم.
المطلب الثاني: الآيات التي زعموا أنها حذفت من القرآن الكريم.
المطلب الثالث: الكلمات التي زعموا أنها حذفت من القرآن الكريم.
تمهيد: لا خلاف بين الرافضة بوقوع التحريف في القرآن:
لا خلاف بين الرافضة القائلين بوقوع التحريف في القرآن الكريم في أن القرآن الموجود بأيدينا اليوم ليس هو كل القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما حذف منه الذين جمعوه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء كثيرة، ونقصوا منه كما هو صريح أقوالهم، فمن الروايات المنسوبة إلى أئمتهم:
ما رواه العياشي وغيره عن إبراهيم بن عمر قال: قال أبو عبد الله: (إن في القرآن ما مضى، وما يحدث، وما هو كائن، كانت فيه أسماء الرجال فألقيت...)([291]).
وروى أيضاً بسنده عن ميسرة عن أبي جعفر قال: (لولا أنه زيد في كتاب الله، ونقص منه ما خفي حقنا على ذي حجى...)([292]).
فهذان الخبران وغيرهما من الأخبار المنسوبة إلى أئمتهم صريحة في نقصان القرآن، وذهاب أجزاء كثيرة منه، كما تدل على ذلك تصريحات علمائهم.
يقول المفيد: (أقول: إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد باختلاف القرآن، وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان)([293]).
ويقول أبو الحسن العاملي النباطي: (اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه -بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها- أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من التغييرات، وأسقط الذين جمعوه بعده كثيراً من الكلمات والآيات...)([294])، إلى غير ذلك من أقوالهم الكثيرة في ذلك.
المطلب الأول: السور التي زعموا أنها حذفت من القرآن الكريم:
فقد اختلق الرافضة بعض الخرافات وادعوا أنها كانت سوراً من القرآن الكريم وحذفها الذين جمعوا القرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم -على حد زعمهم-.
وهذه السور المزعومة عندهم:
منها: ما يسمونها بسورة النورين، ونصها -كما يزعمون-: (بسم الله، يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنورين اللذين أنزلناهما، يتلوان عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب يوم عظيم، نوران بعضهما من بعض، وأنا السميع العليم...) إلخ([295])، وهذه صورتها كما هي في فصل الخطاب وتذكرة الأئمة للمجلسي.
<PICTURE1216>
 
ومنها: من يسمونها بسورة الخلع وهي: (بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك)([296]).
ومنها ما يسمونها بسورة الحفد، وهي: (بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى نقمتك، إن عذابك بالكافرين ملحق)([297]).
وكذلك تمسكوا بما رواه مسلم وغيره عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه بعث إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن، فقال: (أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم، فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة، فأنسيتها، غير أني قد حفظت منها: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات، غير أني حفظت منها: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة))([298])، هذا بعض ما زعموا حذفه من سور القرآن الكريم.
الرد: الرد على قولهم أنه حذفت سورة من القرآن:
وبالتحقيق نجد أنها مجرد دعوى لا تستند إلى أي دليل صحيح يصح التعويل عليه وتقوم به الحجة، وهي في مجملها لا تخرج عن كونها أكاذيب وافتراءات صريحة، كما هي واضحة من الخبرين الأولين المتمثلين فيما يسمونها بسورة الولاية والنورين؛ فإن هاتين الروايتين لم تثبت عند أحد من المسلمين الذين يعتد بقولهم، ولم يثبت عن أحد أنه عدّ هاتين السورتين المزعومتين من القرآن الكريم.
فالذين اعتنوا بإحصاء عدد سور القرآن وآياته لم ينقل عن واحد منهم أنه ذكر هاتين السورتين ولو بالإشارة، رغم الاختلاف الواقع بينهم في تعيين عدد سور القرآن الكريم.
فعلى هذا يعلم فساد دعواهم هذه وبطلانها؛ لأنه لا مستند لهم في ذلك غير أنفسهم، والمعروف أنهم لا يمنعهم الحياء من الكذب على الله سبحانه وتعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم في سبيل إثبات عقائدهم الباطلة، فعندهم كل الوسائل مباحة لتحقيق أغراضهم الفاسدة، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن من له أدنى معرفة بالقرآن، وما عليه من البلاغة والفصاحة في ألفاظه وأساليبه، وسلامة تركيبه وترابط كلماته، وسمو معانيه وأهدافه وحلاوتها، لم يخالجه أدنى شك في فساد دعواهم هذه، وأنه ليس من كلام الله تعالى، بل استحيى أن يطلق على مثل هذه الأساطير أنها قرآن؛ لما فيها من الركاكة في أسلوبها، والاختلال في تراكيبها، وعدم التناسب بين كلماتها بفعل تكلفاتهم؛ حيث يعمدون إلى بعض آيات القرآن فيأخذون أجزاء منها، ويختمون بها كلماتهم هذه تدليساً على الناس وتلبيساً عليهم حتى يؤمنوا بقرآنيتها، إلى جانب الأخطاء النحوية الكثيرة فيها، فإنها مليئة بهذه الأخطاء مثل: ((إن علياً قانتاً بالليل ساجداً يحذر الآخرة)، وقولهم: (إن لهم في جهنم مقام عظيم، إذا نودي لهم يوم القيامة أين الضالون المكذبين للمرسلين) إلى غير ذلك من أمثال هذه الأخطاء الكثيرة التي اشتملت عليه أسطورتهم هذه، وأيضًا فإن الاختلاف الظاهر وتناقض رواياتهم لهذه الأسطورة يؤكد عدم قرآنيتها أبداً؛ إذ نجد اختلافاً كثيراً بين نصوصهم هذه في مواضع كثيرة كالتقديم والتأخير؛ حيث يقدم بعضهم نصاً بينما يؤخره الآخر، ويرفع نصاً وينصبه الآخر، إلى غير ذلك من أوجه الاختلافات في روايتهم هذه التي نفاها الله تعالى عن كتابه العزيز بقوله: ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)) [النساء:82]، وما هذه الاختلافات الكثيرة في مدعاهم هذه إلا لكونها من عند غير الله، ويظهر ذلك جلياً للقارئ عند مقارنته بين نصوص رواياتهم لهذه الأكاذيب من خلال صورتها من الكتب التي أوردتها، هذا ما يتعلق بهاتين الروايتين عندهم.
وأما السور الأخرى التي ادعوا حذفها من القرآن، فهي وإن كانت قد جاء بها بعض الأخبار والآثار عن أهل السنة، إلا أنه لم ينقل عن أحد منهم أنه عدّها من سور القرآن، وأقصى ما في تلك الأخبار عندهم أن بعضها ثبتت عن طريق الآحاد، وهي لا يثبت بها قرآن بإجماع كل من يعتد بقوله، كما أن البعض منها ثبتت بطرق لا تخلو من مقال.
وعلى فرض صحتها في بعضها، فإنها تكون مما نسخت تلاوته وحكمه، أو تلاوته دون حكمه، أو أنه من تفسيرات من نقلت عنه من الصحابة رضوان الله عليهم.
فما يزعمون من سورتي الحفد والخلع اللتين يدعون حذفهما من سور القرآن الكريم هما دعاء القنوت الذي ورد أن أُبي بن كعب كان يثبته في مصحفه، روى ابن شيبة بسنده عن ميمون بن مهران قال في قراءة أُبي بن كعب: (اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكافرين ملحق)([299])، وأخرجه عبد الرزاق أيضاً من طريق سفيان الثوري([300]).
وإسناد ابن أبي شيبة إسناد حسن؛ لأن مداره على جعفر بن برقان الكلابي عن ميمون بن مهران، وجعفر بن برقان قال فيه عبد الله بن أحمد عن أبيه: (إذا حدث عن غير الزهري فلا بأس به، وفي حديث الزهري يخطئ)، وقال الميموني عن أحمد: (أبو المليح أضبط من جعفر بن برقان، وجعفر ثقة ضابط لحديث ميمون...).
وقال يعقوب بن أبي شيبة عن ابن معين: (كان أمياً، وكان ثقة صدوقاً، وما أصح روايته عن ميمون بن مهران وأصحابه)([301]).
وقال الهيثمي: (ورواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح)([302])، فالحديث إذاً صحيح، إلا أنه ليس فيه ما يثبت أنه قرآن، أو أن أُبي بن كعب رضي الله عنه كان يرى ذلك قرآناً، فإن مجرد كتابته لها في مصحفه لا يكفي لجعلها قرآناً ما لم يقم دليل صريح من أُبي نفسه على ذلك، أو يثبت من غيره، ويتواتر ذلك عنهم، لما علم من بعض الصحابة أنهم كانوا يكتبون في مصاحفهم بعض تفسيرات وتأويلات لبعض الكلمات، وكذلك بعض الأدعية وغيرها مما يسمعونها من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خافوا نسيانهم؛ فمصاحفهم لا تقتصر على القرآن فقط، وإنما تشتمل على القرآن وعلى غيره من هذه الأشياء.
فإذا كانت الحال كذلك لم يجز لأحد أن يطلق على شيء أنه من القرآن بمجرد أنه موجود في مصحف فلان من الصحابة، إلا أن يقوم على ذلك دليل صحيح، ويبلغ حد التواتر؛ لأن القرآن الكريم لا يثبت إلا عن طريق التواتر إجماعاً([303]) مع أنه لم يثبت عن أُبي نفسه أنه قال: إنه قرآن.
يقول أبو بكر الباقلاني: (وأيضاً فإنه لا يروى عن أُبي لفظة واحدة في أن دعاء القنوت قرآن منزل، وإنما روى قوم أنه أثبته في مصحفه، فلعل ذلك -إن صح- إنما أثبته لأنه دعاء لا استغناء عنه)([304]).
وقال الزركشي: (وإن كلام القنوت المروي عن أُبي بن كعب أثبته في مصحفه لم تقم حجة بأنه قرآن منزل، بل هو ضرب من الدعاء، وأنه لو كان قرآناً لنقل نقل القرآن، وحصل العلم بصحته، وأنه يمكن أن يكون منه كلام كان قرآناً منزلاً ثم نسخ وأبيح الدعاء به، وخلط بكلام ليس بقرآن، ولم يصح ذلك عنه، وإنما روي عنه أنه أثبته في مصحفه، وقد ثبت في مصحفه ما ليس بقرآن من دعاء وتأويل)([305]).
ومما يدل على ضعف هذا أيضاً ما ثبت عند ابن أبي داود من طريق عروة بن عمرو عن أبيه قال: (لما استحر القتل بالقراء يومئذ فرق أبو بكر على القرآن أن يضيع، فقال لـعمر بن الخطاب ولـزيد بن ثابت: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه)([306]).
قال عنه الحافظ ابن حجر: (ورجاله ثقات مع انقطاعه)([307]).
فهذا نداء عام لكل من تلقى شيئاً من القرآن الكريم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجد معه غيره شهد بذلك على أنه قرآن قبل منه، وأدخل في المصحف تحقيقاً لسلامة القرآن من الدخول فيه ما ليس منه، أو خروج منه ما كان فيه، فكل شيء لم يدخل في جملة القرآن عند ذلك الجمع فليس بقرآن، وهذا الذي يروى عن أُبي بن كعب هو من هذا القبيل.
ويستبعد مع العناية الشديدة والاهتمام البالغ بالقرآن الكريم من قبل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وحرصهم الشديد على تلقيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا توجد هاتان السورتان عند أي واحد من الصحابة إلا أُبي فقط، هذا بعيد جداً، كما أنه لم ينقل عنه أيضاً أنه عرضه عليهم ورفضوه لعدم الشهادة عليها، فعدم ورود شيء من ذلك عن أُبي من أقوى الأدلة على أن أُبياً لم يكن يرى ذلك من القرآن -على فرض صحة الرواية عنه كما تقدم-.
حتى لو افترضنا أن أُبي بن كعب أثبت هذا الدعاء في مصحفه على أنه قرآن، فإنه لا ينافي ما قلناه؛ لكونه رأياً فردياً خالف فيه جماهير الصحابة رضي الله عنهم كما يحصل ذلك لكثير منهم في بعض المسائل التي ينفرد بها عن جمهور الصحابة، ولا ينقص ذلك من قدر أحد منهم، وفي ذلك يقول ابن قتيبة رحمه الله -بعد أن أورد جملة من المسائل التي ينفرد بها الصحابي عن جمهورهم-: (وإلى نحو هذا ذهب أُبي في دعاء القنوت؛ لأنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو به في الصلاة دعاء دائماً، فظن أنه من القرآن، وأقام على ظنه ومخالفة الجمهور)([308]).
هذا ما وجه به أكثر العلماء الذين تكلموا في علوم القرآن وغيرها قديماً وحديثاً([309]) هذه الرواية عن أُبي بن كعب رضي الله عنه، وبذلك يعلم فساد دعوى الرافضة كونها من القرآن.
ويؤكد كون المروي عن أُبي دعاء القنوت وليس قرآناً ما أخرجه البيهقي وغيره عن عبيد بن عمير أن عمر رضي الله عنه قنت بعد الركوع فقال: (اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات -إلى قوله-: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، بسم الله االرحمن الرحيم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، ولك نسعى ونحفد، ونخشى عذابك الجد، ونرجو رحمتك، إن عذابك بالكافرين ملحق)([310]).
إسناده صحيح.
قال البيهقي عند رده على ما روي موصولاً: (هذا مرسل، وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صحيحاً موصولاً)([311]).
وفي الباب أيضاً عن علي وأبي موسى رضي الله عنهما كلها صريحة في أنهم قنتوا بعد صلاة الفجر بهذا الدعاء([312]).
وأما ما روي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه من ذلك فهو مما نسخ رسمه وحكمه معاً، وهو نوع من أنواع النسخ المتفق على وقوعه في القرآن عند المسلمين، وليس للرافضة في ذلك حجة على مدعاهم نقصان سورة من القرآن، بعد ثبوت نسخه، فإن كل من تكلم في النسخ وأنواعه ذكروا هذا الحديث تحت هذا النوع من النسخ، وهو ما رفع رسمه وحكمه)([313]).
ويؤيد ما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل من طريق الزهري قال: (أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أن رهطاً من جوف الليل يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها، فلم يقدر منها على شيء إلا (بسم الله الرحمن الرحيم) فأتى باب النبي صلى الله عليه وسلم حين أصبح يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، جاء آخر وآخر حتى اجتمعوا، فسأل بعضهم بعضاً ما جمعهم، فأخبر بعضهم بعضاً بشأن تلك السورة، ثم أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبروه خبرهم، وسألوه عن السورة فسكت ساعة، لا يرجع اللهم شيئاً ثم قال: «نسخت البارحة، فنسخت من صدورهم ومن كل شيء كانت فيه»([314]).
المطلب الثاني: الآيات التي زعموا أنها حذفت من القرآن الكريم:
يزعم الرافضة أن هناك آيات كثيرة حذفت من القرآن الكريم أسقطها -بزعمهم- أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين جمعوه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لما فيها من فضائل أئمة الرافضة، أو مثالب الصحابة رضي الله عنهم -على حد زعمهم- أسقطوها من القرآن الكريم حتى يتمكنوا من السيطرة على المسلمين ويفرضوا عليهم خلافتهم.
والآيات التي ادعوا حذفها من القرآن أكثر من ثلثي القرآن الموجود بين دفتي المصحف.
فقد روى الكليني في كتابه الكافي -وهو من أصح الكتب عندهم- بسنده إلى أبي عبد الله، قال: (إن القرآن الذي جاء به جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله سبعة عشر ألف آية)([315])، وقد تقدم قول محمد باقر المجلسي عن هذا الخبر بأنه موثق صحيح، وأنه يدل على نقص القرآن وتغييره([316])، مع أن الموجود بأيدينا الآن لا يجاوز ستة آلاف ومائتي آية بالإجماع، وإن اختلفوا في القدر الزائد على ذلك، هذا ما عليه جميع علماء المسلمين المحققين، وهو كل القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وثبت في العرضة الأخيرة، فلا عبرة بما ينعق به الرافضة من صيحات حول القرآن الكريم بعد تكفل الله تعالى بحفظه على الأمة([317]).
وقد تعلقوا في دعواهم هذه بالآيات التي نسخت تلاوتها مع بقاء حكمها، أو الآيات التي نسخت تلاوتها وحكمها معاً فيما جاء عن طريق أهل السنة من الأحاديث الصحيحة والضعيفة، وما نسبوها إلى أئمتهم من الأخبار في ذلك.
فمن ذلك: دعواهم سقوط أكثر آيات سورة التوبة، فقد تمسكوا في ذلك بما رواه ابن أبي شيبة بسنده إلى حذيفة رضي الله عنه، قال: (التي تسمون سورة التوبة هي سورة العذاب، والله ما تركت أحداً إلا نالت منه، وما تقرأون منها ما كنا نقرأ إلا ربعها)([318])، ورواه الحاكم أيضاً في المستدرك، وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي([319]).
وكذلك ما ورد في سبب ترك البسملة من أولها، وفي بعضها أنه ما منعهم أن يكتبوا أولها بسم الله الرحمن الرحيم إلا أن صدرها لما ذهب ذهب معه بسم الله الرحمن الرحيم([320]).
وادعوا كذلك سقوط أكثر آيات سورة الأحزاب، فمن رواياتهم المنسوبة إلى أئمتهم في ذلك:
ما رواه الصدوق في كتابه ثواب الأعمال بسنده إلى أبي عبد الله في خبر طويل وفيه: (سورة الأحزاب فيها فضائح الرجال والنساء من قريش وغيرهم...) وقد تقدم ذكره([321]).
ونقل النوري الطبرسي عن أحمد بن السيار بسنده عن هشام بن سالم قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن سورة الأحزاب فقال: كانت مثل سورة البقرة مثلها ومثل مثليها).
وفي رواية القاسم الإيادي (كانت سورة الأحزاب سبعمائة آية)([322]).
وتقدم ما ذكره الطبرسي في احتجاجه من الخبر المنسوب إلى طلحة رضي الله عنه، وفيه أنه قال لـعلي رضي الله عنه: (وقد سمعت عمر وأصحابه الذين ألفوا القرآن على عهد عمر وعلى عهد عثمان يقولون: إن الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة، وإن النور ستون ومائة، والحجر تسعون ومائة آية...) وقد تقدم([323]).
فهذا الخبر أيضاً كسابقيه في التصريح بنقصان أكثر آيات سورة الأحزاب، كما تضمن سورتين أخريين أيضاً سورة النور، وسورة الحجر؛ حيث صرح فيه بحذف أكثر آيتهما، كذلك فإن عدد آياتهما في المصحف أقل بكثير مما ورد في خبرهم هذا، حيث لا يتجاوز الموجود من سورة النور (64 آية)، ومن سورة الحجر (99 آية)، فأين ذهب الباقي؟ الجواب عند الرافضة كما مر في خبرهم هذا([324]).
وأما ما تعلقوا به من الأحاديث المروية من طريق أهل السنة المفيدة لنقصان سورة الأحزاب، فمن ذلك حديث زر بن حبيش عن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: (كأين تقرأ سورة الأحزاب؟ أو كأين تعدها؟ قال: قلت: ثلاثاً وسبعين آية، فقال قط! لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم) وفي لفظ: (كم تقرءون سورة الأحزاب)([325]).
وما أخرجه البخاري في تاريخه عن حذيفة رضي الله عنه قال: (قرأت سورة الأحزاب عن النبي صلى الله عليه وسلم، فنسيت منها سبعين آية ما وجدتها)([326]).
وكذلك ادعوا أن أكثر آيات سورة البينة حذفت منها، وفي ذلك يقول الفضل بن شاذان: (إن سورة ((لَمْ يَكُنْ)) [البينة:1] كانت مثل سورة البقرة، قبل أن يضيع منها ما ضاع، وإنما بقي في أيدينا منها ثمان آيات، أو تسع آيات)([327]).
وروى الكليني عن أبي بصير قال: (دفع إليّ أبو الحسن عليه السلام مصحفاً وقال: لا تنظر فيه، ففتحته وقرأت فيه: ((لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)) [البينة:1] فوجدت فيها اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم)([328]).
قال النوري الطبرسي بعد أن نقل هذه الأخبار: (قلت: وهذه الأخبار أيضاً صريحة في سقوط تلك الآية ونقصان سورة ((لَمْ يَكُنْ))، وأن الاآية كانت مثبتة في مصحف أُبي بن كعب...)([329]).
ومما تمسكوا به في ذلك من الأحاديث الواردة من طريق أهل السنة ما رواه الإمام أحمد بسنده عن زر بن حبيش عن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تبارك وتعالى أمرني أن أقرأ عليك القرآن قال: فقرأ ((لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)) قال: فقرأ فيها: (ولو أن ابن آدم سأل وادياً من مال فأعطيه لسأل ثانياً فأعطيه لسأل ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وأن ذلك الدين القيم عند الله الحنيفية غير المشركة، ولا اليهودية، ولا النصرانية، ومن يفعل خيراً فلن يكفره»([330]). ورواه الحاكم أيضاً، وروى بعضه البخاري ومسلم من حديث أنس وغيره رضي الله عنهم([331]).
ومن الآيات التي ادعوا حذفها من القرآن ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها فيما روت عنها عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت: (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن)([332]).
هذه أهم ما تعلقوا بها من الأحاديث في إثبات دعواهم إسقاط آيات كثيرة من القرآن، وهي أحاديث صحيحة في معظمها، إلا أن الرافضة حملوها على غير محاملها؛ فإن من تلك الأحاديث أن هذه الآيات كانت من القرآن ثم نسخت، كما أنه لم تثبت قرآنية بعضها -وسيأتي تفصيل ذلك قريباً إن شاء الله-.
فالمراد بهذه الأحاديث عند أهل السنة الذين رووها -وهم أعلم بالمراد منها- هو أنها تفيد نسخ تلك الآيات من القرآن لا أكثر ولا أقل، فلا حجة إذاً للرافضة فيها على مدعاهم، ولا اعتداد بما رووه عن أئمتهم في ذلك؛ لما عرفوا به من إجازة الكذب ووضع الأخبار عليهم واعتمادهم على رجال مشهورين بالضعف والكذب ووضع الحديث.
وأما ما تعلقوا به من الأحاديث الثابتة عن طريق أهل السنة فقد تقدم جوابها مجملة، وأما الجواب عنها بالتفصيل فيما يلي:
ما تعلقوا به من سقوط البسملة من أول سورة التوبة فيما روي عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، يقول ابن العربي رحمه الله تعالى: (وفي ذلك للعلماء أغراض جماعها أربعة: الأول قال مالك فيما روى عنه ابن وهب وابن القاسم وابن عبد الحكم: (إنه لما سقط أولها سقط بسم الله الرحمن الرحيم معه).
وكذلك يروى عن ابن عجلان أنه بلغه أن سورة (براءة) كانت تعدل البقرة أو قربها، فذهب منها؛ فلذلك لم يكتب فيها (بسم الله الرحمن الرحيم) إلى آخر ما نقله من الأقوال في بيان السبب من ترك البسملة في أول (براءة)([333]). فهذا الذي روي عن الإمام مالك رحمه الله -على فرض صحته- لا يكون حجة للرافضة على مدعاهم سقوط آيات من القرآن لما علم من أن قصد مالك في ذلك أنه نسخت من سورة (براءة) آيات كثيرة، كما توضحه رواية ابن عطية عن مالك في ذلك (روى عن مالك أنه قال: بلغنا أن سورة (براءة) كانت نحو سورة (البقرة) ثم نسخ ورفع كثير منها وفيه البسملة، فلم يروا بعد أن يضعوه في غير موضعه)([334]).
هذا قول مالك نفسه بأنها مما نسخت من القرآن على فرض صحة النقل عنه في ذلك.
وقال ابن عاشوري([335]) بعد نقله لهذا القول عن مالك: (والذي وقفنا عليه من كلام مالك في ترك البسملة من سورة (الأنفال) وسورة (براءة) هو ما في سماع ابن القاسم في أوائل كتاب الجامع الأول من العتيبية قال مالك: (في أول (براءة) إنما ترك من مضى أن يكتبوا في أول (براءة) بسم الله الرحمن الرحيم، كأنه رآه من وجه الاتباع في ذلك كانت في آخر ما نزل من القرآن.
قال ابن رشد([336]) في البيان والتحصيل([337]): (ما تأوله مالك من أنه إنما ترك من مضى أن يكتبوا في أول (براءة) بسم الله الرحمن الرحيم من وجه الاتباع، المعنى فيه -والله أعلم- أنه إنما ترك عثمان بن عفان ومن كان من الصحابة المجتمعين على جمع القرآن البسملة بين سورة (الأنفال وبراءة)- وإن كانتا سورتين بدليل أن (براءة) كانت من آخر ما أنزل الله من القرآن، وأن الأنفال أنزلت في سنة أربع- اتباعاً لما وجدوه في الصحف التي جمعت على عهد أبي بكر وكانت عند حفصة) ولم يذكر ابن رشد عن مالك قولاً غير هذا)([338]).
قلت: وهذا الذي نقله ابن عاشوري عن ابن القاسم عن مالك، وما وجه به ابن رشد هذا القول عن مالك هو الذي يوافق ما ثبت عن عثمان بن عفان لما سأله ابن عباس رضي الله عنهم عن سبب تركهم البسملة في أول (براءة)، وليس فيه شيء مما يتعلق به الرافضة على دعواهم سقوط آيات كثيرة من القرآن، وأياً كان الأمر فهو لا يخرج عن كونها مما نسخ من القرآن الكريم كما هو صريح قول مالك نفسه في رواية ابن عطية عنه، وبمثل ذلك يرد على تعلقهم بحديث حذيفة أيضاً في ذلك.
وأما ما تعلقوا به في دعواهم سقوط آيات من سورة الأحزاب مما ورد في ذلك من الآثار، كأثر أُبي بن كعب عن طريق زر بن حبيش فإسناده حسن، قال الحاكم عنه: (صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي([339]).
وقال الحافظ ابن كثير: (هذا إسناد حسن، وهو يقتضي أنه كان فيها قرآن ثم نسخ لفظه وحكمه أيضاً والله أعلم)([340]).
فهذا الأثر عن أُبي بن كعب رضي الله عنه وغيره من الآثار في هذا الباب تدل على أن هذه الآيات التي ذكروها مما نسخت من القرآن لا أكثر ولا أقل، ويؤكد هذا ما ثبت في الصحيحين والسنن وغيرها من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو جالس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف) -واللفظ لـمسلم -([341]).
فهو واضح من قول عمر هذا: (فكان مما أنزل عليه آية الرجم) أن هذه الآية كانت من القرآن ثم نسخت تلاوتها وبقي حكمها، وهذا القول صدر منه على المنبر أمام جمهور الحاضرين ولم يعترض عليه أحد بشيء مما يزعمه الرافضة من إسقاط تلك الآيات من القرآن، فهذا أكبر دليل على أنها مما نسخت من القرآن الكريم، وليس كما يزعمه الرافضة.
ويؤكده ما في لفظ عند أبي داود: (لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها في القرآن)([342])، وقد أورد ابن الجوزي هذا الحديث تحت عنوان: (ما نسخ رسمه وبقي حكمه)([343]).
وأما ما تعلقوا به في دعواهم سقوط أكثر آيات سورة (البينة) من حديث أُبي بن كعب رضي الله عنه، فليس لهم في ذلك حجة على مدعاهم؛ لعدم ثبوت قرآنية هذه الكلمات، حيث رجح الكثير من العلماء كونه من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس من القرآن، ويؤكد هذا ما أخرجه البخاري عن أنس عن أُبي رضي الله عنهما قال: (كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت ((أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ)) [التكاثر:1)].
وأخرج مسلم من طريق شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «فلا أدري أشيء كان يقوله...» بمثل حديث أبي عوانة.
وأخرج أيضاً من حديث ابن عباس رضي الله عنهما من طريق ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: (لو أن لابن آدم ملء واد مالاً لأحب أن يكون إليه مثله، ولا يملأ نفس ابن آدم إلا التراب، والله يتوب على من تاب، قال ابن عباس: فلا أدري أمن القرآن هو أم لا)([344]).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (ووجه ظنهم أن الحديث المذكور من القرآن ما تضمنه من ذم الحرص على الاستكثار من جمع المال، والتقريع بالموت الذي يقطع ذلك ولابد لكل أحد منه، فلما نزلت هذه السورة وتضمنت معنى ذلك مع الزيادة عليه علموا أن الأول من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وقد شرحه بعضهم على أنه قرآن ونسخت تلاوته لما نزلت: ((أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ)) [التكاثر:1]* ((حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ)) [التكاثر:2]، فاستمرت تلاوتها، فكانت ناسخة لتلاوة ذلك، وأما الحكم فيه والمعنى فلم ينسخ؛ إذ نسخ التلاوة لا يستلزم المعارضة بين الناسخ والمنسوخ كنسخ الحكم، والأول أولى، وليس ذلك من النسخ في شيء...)([345]).
هذا ما روي عن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم الذين رووا هذا الحديث، وليس في ذلك شيء من الجزم بأنه قرآن، وإنما أتوا بما يدل على أن الأمر مشتبه عليه فلا يمكن حمله على وجه واحد إلا بالدليل.
هذا وعلى فرض كونه من القرآن يكون مما نسخ رسمه وحكمه كما تقدم في الآيات السابقة، فلا دلالة فيه على ما يزعمه الرافضة من سقوطها من القرآن الكريم.
وكذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها من حديث رضاعة الكبير، فهو أيضاً مما نسخ رسمه وبقي حكمه، وليس فيه حجة للرافضة على مدعاهم إسقاط تلك الآيات من القرآن الكريم، ولا يعارض هذا ما ورد في بعض ألفاظ حديثها: (فكانت في ورقة تحت سرير في بيتي، فلما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشاغلنا بأمره، ودخلت دويبة لنا فأكلتها)([346])؛ لما علم من أن الاعتماد في نقل القرآن على الحفظ في الصدور لا على الكتابة في السطور([347])، مع أن الثابت أن الذين كانوا يكتبون الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة أنهم كانوا يكتبون لأنفسهم أيضاً، فضياع ورقة من ذلك وما عليها من الكتابة لا يغير شيئاً من حفظ القرآن الكريم، طالما توجد مثلها عند كثير من الصحابة رضوان الله عليهم.
وبعد هذا نعلم أن دعواهم نقصان القرآن بسقوط بعض الآيات منه باطلة، مخالفة لإجماع المسلمين، ووعد الله بحفظ كتابه العزيز، وأن كل ما تعلقوا به من الأحاديث الثابتة من طريق أهل السنة إنما تدل على أن تلك الآيات والسور كانت من القرآن ثم نسخت ورفعت، فلم يبق لها وجود في القرآن أيضاً لا أكثر ولا أقل.
المطلب الثالث: الكلمات التي زعموا أنها حذفت من القرآن الكريم:
فقد ادعوا حذف كلمات كثيرة من القرآن الكريم حيث زعموا أن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أسقطوا تلك الكلمات من القرآن.
والكلمات التي يزعمون حذفها يدور أغلبها حول كلمة علي، وآل البيت، وكلمات أخرى في أشياء شتى.
فأما كلمة (علي) فقد زعموا أنها أسقطت من القرآن الكريم في مواضع كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر:
قوله تعالى: ((وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ...)) [البقرة:23] الآية.
فقد أسند الكليني عن أبي جعفر قال: (نزل جبريل بهذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله هكذا: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا [في علي] فأتوا بسورة من مثله))([348]).
وقوله تعالى: ((بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ...)) [البقرة:90] الآية.
فقد أسند الكليني عن أبي جعفر قال: (نزل جبريل بهذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله هكذا:
(بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله [في علي] بغيًا...))([349]).
وقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا...)) [النساء:47] الآية.
فقد أسند الكليني عن أبي جعفر قال: (نزلت هذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله هكذا:
(يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما أنزلت([350]) [في علي] مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً...))([351]).
وقوله تعالى: ((وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً)) [النساء:64].
فقد أسند علي بن إبراهيم القمي عن أبي جعفر قال: ((ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك [يا علي] فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول...))([352]).
وقوله تعالى: ((وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً)) [النساء:66]
فقد أسند الكليني عن أبي عبد الله قال: (هكذا نزلت هذه الآية: (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به [في علي عليه السلام] لكان خيراً لهم))([353]).
وقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً)) [النساء:170].
فقد أسند الكليني عن أبي جعفر قال: (نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية هكذا:
(يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم [في ولاية علي] فآمنوا خيراً لكم وإن تكفروا [بولايته] فإن لله ما في السموات وما في الأرض))([354]).
وقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ)) [المائدة:67].
فقد أسند علي بن عيسى الأربلي عن رزين بن عبد الله قال: (كنا نقرأ في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
(يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك [إن علياً عليه السلام مولى المؤمنين] فإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس))([355]).
وقوله تعالى: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)) [النحل:24].
فقد أسند العياشي عن أبي جعفر قال: (نزل جبريل بهذه الآية هكذا:
(وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم [في علي] قالوا أساطير الأولين))([356]).
وقوله تعالى: ((وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً)) [الإسراء:89].
فقد أسند كل من الكليني والعياشي عن أبي جعفر قال: (نزل جبريل بهذه الآية هكذا:
(فأبى أكثر الناس [بولاية علي] إلا كفوراً))([357]).
وقوله تعالى: ((وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)) [الأحزاب:71].
فقد أسند الكليني عن أبي عبد الله قال: ((ومن يطع الله ورسوله [في ولاية علي والأئمة من بعده] فقد فاز فوزاً عظيماً) هكذا نزلت والله)([358]).
وقوله تعالى: ((ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ)) [محمد:9].
فقد أسند علي بن إبراهيم عن أبي جعفر قال: (نزل جبريل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الآية هكذا:
(ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله [في علي إلا أنه كشط الاسم] فأحبط أعمالهم))([359]).
وقوله تعالى: ((سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ)) [المعارج:1]* ((لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ)) [المعارج:2].
قال الكليني: إنها نزلت للكافرين (بولاية علي عليه السلام) قال: هكذا والله نزل بها جبريل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهكذا والله مثبت في مصحف فاطمة([360]).
إلى غير ذلك من المواضع التي ادعوا حذف اسم علي بن أبي طالب رضي الله عنه منها، وهي كثيرة جداً، وفيما ذكرت فيه الكفاية لمعرفة هذيانهم في القرآن الكريم.
وأما لفظة: آل محمد وآل البيت، فقد ادعوا كذلك أنها حذفت من مواضع كثيرة من القرآن الكريم حيث رووا أخباراً كثيرة عن أئمتهم تصرح بحذف هذه الكلمة من الآيات التي يزعمون أنها وردت فيها.
فمن ذلك على حد زعمهم قوله تعالى: ((فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)) [البقرة:59].
فقد أسند العياشي وغيره عن أبي جعفر قال: (نزل جبريل بهذه الآية هكذا: (فبدل الذين ظلموا [آل محمد حقهم] غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذي ظلموا [آل محمد حقهم]، رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون))([361]).
وقوله تعالى: ((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [النساء:65].
فقد أسند الكليني وغيره عن أبي جعفر قال: (نزل جبريل بهذه الآية هكذا: (إن الذين ظلموا [آل محمد حقهم] لم يكن الله ليغفر لهم) إلخ)([362]).
وقوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً)) [النساء:168].
فقد أسند العياشي عن أبي جعفر في قوله: ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ولا([363]) يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضى([364]) [محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله] وسلم ويسلموا تسليماً))([365]).
وقوله تعالى: ((وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ...)) [الأنعام:93] الآية.
قال علي بن إبراهيم: (ولو ترى إذ الظالمون [آل محمد حقهم] في غمرات الموت...) إلخ([366]).
وقوله تعالى: ((وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا)) [الكهف:29].
فقد أسند علي بن إبراهيم والعياشي عن أبي جعفر قال: (نزل جبريل بهذه الآية هكذا على محمد صلى الله عليه وسلم فقال: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين [آل محمد حقهم]))([367]).
وقوله تعالى: ((وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً)) [الفرقان:8].
فقد أسند علي بن إبراهيم عن أبي جعفر قال: (نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية هكذا: (وقال الظالمون [لآل محمد حقهم] إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً))([368]).
وقوله تعالى: ((وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ)) [الشعراء:227]
قال علي بن إبراهيم: (سيعلم الذين ظلموا [آل محمد حقهم] أي منقلب ينقلبون)([369]).
وغيرها من المواضع الكثيرة التي زعموا فيها إسقاط كلمة آل محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم.
وأما الكلمات الأخرى التي زعموا أنها حذفت من القرآن الكريم فهي أيضاً كثيرة إلا أني سأقتصر على بعض منها للتمثيل.
فمن ذلك قولهم في آية الكرسي فيما أسند الكليني عن أبي الحسن قال: (له ما في السموات وما في الأرض [وما بينهما وما تحت الثرى عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم]، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه).
فجملة: (وما بينهما) إلى قوله: (الرحمن الرحيم) مما تزعم الرافضة أنها أسقطت من القرآن؛ لأنها لا وجود لها في هذه الآية المعروفة لدى كل مسلم.
وقوله تعالى: ((وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا)) [آل عمران:103].
فقد أسند الكليني عن أبي عبد الله قال: (فأنقذكم منها [بمحمد صلى الله عليه وآله] هكذا والله أنزل بها جبريل على محمد صلى الله عليه وآله كذلك)([370]).
وقوله تعالى: ((كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ...)) [آل عمران:185].
فقد أسند العياشي عن أبي جعفر قال: ((كل نفس ذائقة الموت (أو منشورة) كذلك نزل بها على محمد صلى الله عليه وآله))([371]).
وقوله تعالى: ((وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)) [الأعراف:172].
فقد أسند الكليني عن أبي جعفر قال: (قلت له: لم سمي أمير المؤمنين عليه السلام أمير المؤمنين قال: سماه الله([372]) وهكذا أنزله في كتابه: (وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم [وأن محمداً رسولي وأن علياً أمير المؤمنين))([373]).
وقوله تعالى: ((وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)) [الشعراء:214].
فقد أسند علي بن إبراهيم عن الصادق قال في هذه الآية: ((وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)) قال: (نزلت (ورهطك المخلصين))([374]).
وقوله تعالى: ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ...)) [الأحزاب:6] الآية.
فقد نقل الطوسي في معرض حديثه عن الكبائر خبراً عن أبي عبد الله قال: (أكبر الكبائر سبع) إلى أن قال: (وأما عقوق الوالدين فإن الله عز وجل قال فيه كتابه: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم فعقوه في ذريته))([375]).
وقوله تعالى: ((ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ...)) [غافر:12] الآية.
فقد أسند الكليني عن أبي عبد الله قال: (ذلك بأنه إذا دعي الله وحده [وأهل الولاية] كفرتم)([376]).
هذه بعض المواضع التي زعموا إسقاط كلمات منها في القرآن الكريم، وهي دعوى مجردة، لا تستند إلى أي دليل كما أنها مخالفة لإجماع المسلمين المستند على وعد الله تعالى بحفظ كتابه وصيانته والله لا يخلف وعده.
بالإضافة إلى عدم التناسب بين الآيات والكلمات التي يدعون حذفها منها؛ إذ تظهر عليها أثر تكلفاتهم في إقحامها في الآية مما يأباه سياق الآية وأسلوب القرآن الكريم وبلاغته، كما يظهر عليها أيضاً أخطاء نحوية فادحة كقولهم: (إذ الظالمون آل محمد حقهم) مع أنه مضاف، وقولهم: (إنا أعتدنا للظالمين آل محمد حقهم) وما أشبه ذلك من الأخطاء الفادحة لتخرصاتهم هذه مما يؤكد عدم صدورها من الله سبحانه وتعالى.
وإنما هي مما اختلقوه في إثبات دعواهم نقصان القرآن الكريم، وليس لهم مستند في ذلك، وما صح النقل به من ذلك لا يعدو كونها من القراءات الشاذة، أو جاءت عن طريق الآحاد، وقد تقدم من إجماع العلماء على أن القرآن لا يثبت إلا عن طريق التواتر، وأن كل نقل في القرآن لم يتواتر لا يسمى قرآناً، ولا تجوز القراءة به([377]) كما أن بعض تلك الكلمات جاء تفسيرات وتأويلات عن بعض السلف كما في قراءة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (وله أخ أو أخت من أم) فكلمة (من أم) تفسير من سعد لهذه الآية.
وكقراءة عائشة وحفصة رضي الله عنهما: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر) بزيادة كلمة صلاة العصر، وهي تفسير للآية.
وكقراءة ابن عباس رضي الله عنهما: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم) (في مواسم الحج) بزيادة لفظ (في مواسم الحج)، وأمثال هذه كثيرة في قراءات السلف التي تأتي منهم على سبيل التفسير للآيات وبيان المراد منها مما يظنها البعض أنها من القرآن وليس كذلك([378]) قال ابن الجزري: (ربما كانوا يدخلون التفسير في القراءات إيضاحاً وبياناً؛ لأنهم محققون لما تلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم قرآناً فهم آمنون من الالتباس وربما كان بعضهم يكتبه معه)([379]).
ومن هنا نعلم بطلان كل ما يتعلق به الرافضة في دعواهم هذه، ولا عبرة بخلافهم في ذلك.
قال أبو بكر الباقلاني: (فأما ادعاؤهم أن ابن مسعود قرأ (وكفى الله المؤمنين القتال بـعلي) وما أشبه ذلك من الأحاديث فإنه إفك وزور ولا يصح، وليس طريقه طريق ما ذكرناه من الشواذ؛ لأنه لو كان من الشواذ لكان حاله عند نقلة الأخبار كحالها وذلك محال، إلى أن قال: (وأن العشرة كانوا يقرأون (ورفعنا لك ذكرك وأيدناك بصهرك) إلى أمثال هذا وأضعافه، فإنه باطل وزور؛ لعلمنا أن علياً رضي الله عنه كان داخلاً في الجماعة التي اتفقت على كتب المصحف، ولم ينقل عنه حرف في الطعن على المصحف ولا ذكر)([380]).
هذا هو موقفهم من القول بنقصان القرآن الكريم كما دلت عليه صريح رواياتهم وأقوالهم في ذلك، ولا عبرة بعد ذلك بما يدعيه بعض من تظاهر منهم بالإنكار من حمل هذه الكلمات على التأويل المنزل وغيره من المحامل التي يحاولون أن يحملوا عليها هذه الأخبار المنسوبة إلى أئمتهم.
وأما موقفهم من القول بالزيادة في القرآن فهو موقف مضطرب ومتناقض؛ حيث صرحوا في كثير من المواضع في مؤلفاتهم بأن القرآن لم يزد فيه إلا بعض الحروف القليلة جاءت عن طريق الخطأ -على حسب زعمهم- حتى ادعى بعضهم الإجماع منهم على ذلك([381]) كما نسبوا القول بذلك إلى بعض أئمتهم كـأبي جعفر؛ حيث رووا عنه أنه قال: (إن القرآن قد طرح منه آي كثيرة، ولم يزد فيه إلا حروف وقد أخطأت به الكتبة وتوهمتها الرجال)([382]).
هذا ما صرحوا به من القول بعدم الزيادة في القرآن، بينما نجد منهم روايات أخرى تناقض الروايات الأولى التي تصرح بعدم الزيادة؛ فقد أسند العياشي عن أبي جعفر قال: (لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفي حقنا على ذي حجى...) الخبر([383]).
فالخبر صريح بأن القرآن زيد فيه، وهو نص فيه ولا يحتمل أي تأويل؛ لأنه من صاحب الخبر الأول الذي يقول بعدم الزيادة فيه، فكيف نوفق بين هذين القولين المتناقضين؛ وما ذلك إلا أنه افتراء عليه وكذب صريح، وإلا فكيف يصدر ممن يدعون أنه إمام معصوم قولان متناقضان في آن واحد!!
ولشناعة هذا الموقف المتناقض حاول بعضهم إيجاد مخرج له فقال بعد إيراد الخبر: (أقول يمكن حمل الزيادة في هذا الخبر على التبديل كما تقدم في آخر روايات علي بن إبراهيم؛ حيث إن الأصحاب ادعوا الاجتماع على عدم الزيادة والأخبار الواردة في هذا الباب مع كثرتها ليس فيها ما هو صريح في الزيادة فتأويل هذا الخبر بما ذكرنا لا بعد فيه)([384]).
وقال النوري الطبرسي عن هذا التأويل بأنه حسن([385]).
قلت: هذا التأويل فيه تعسف ظاهر وهو بعيد جداً، لأن نص الخبر صريح في الزيادة ولا أي وجه فيه لحمله على التبديل لا من السياق، ولا من جهة اللغة، فهو واضح في القول بالزيادة فيه.
ومثله ما نقله النوري الطبرسي عن ابن الفريس مما ينسبونه إلى علي رضي الله عنه من قوله وهو بريء منه قال: (رأيت كتاب الله يزاد فيه فحدثت نفسي أن لا ألبس ردائي للصلاة حتى أجمعه)([386]).
وهذا أيضاً نص صريح في الزيادة لا يقبل أي تأويل، وليس أمامهم أي خيار إلا أن ينكروا هذا الخبر من أصله، فتبطل بذلك أسطورتهم في وجود القرآن الكامل الذي جمعه علي المحفوظ عند إمامهم الغائب -على حسب زعمهم- وإما أن يقبلوه فيقولوا بوقوع الزيادة في القرآن أيضاً؛ لأنه قول من إمامهم المعصوم فلا يمكن رفضه، والله المستعان.
المبحث الثاني: زعمهم أن في القرآن الكريم تحريفاً بالإبدال وأمثلة ذلك:
يزعم الرافضة أنه وقع في القرآن الكريم أيضاً تحريف بإبدال بعض الكلمات والحروف والحركات بأخرى في مواضع من القرآن الكريم.
فمن الكلمات التي ادعوا تبديلها كلمة (آل محمد) قالوا: إنها أبدلت بكلمة (آل إبراهيم) في قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)) [آل عمران:33].
وفي ذلك يقول النوري الطبرسي في معرض حديثه عن أنواع التحريف التي يزعم أنها وقعت في القرآن الكريم: (التاسعة: تبديل الكلمة كتبديل آل محمد بعد قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ))([387]).
وروى العياشي بسنده عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً...)) الآية، فقال: هو آل إبراهيم، وآل محمد على العالمين، فوضعوا اسمًا مكان اسم([388]).
ومنها كلمة (ضعفاء) أو (قليل) بكلمة (أذلة) في قوله تعالى: ((وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ...)) [آل عمران:123].
روى علي بن إبراهيم القمي عن أبي عبد الله قال: (ما كانوا أذلة وفيهم رسول صلى الله عليه وسلم.
وإنما نزل: (ولقد نصركم الله بـبدر وأنتم ضعفاء))([389]).
ورواه الطبرسي بقوله: وروى عن بعض الصادقين أنه قرأ وأنتم ضعفاء، وقال لا يجوز وصفهم بأنهم أذلة، وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم([390]).
وروى العياشي عن أبي بصير قال: (قرأت عند أبي عبد الله عليه السلام: ((وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ)) قال: مه، ليس هكذا أنزلها الله، إنها أنزلت: (وأنتم قليل))([391]).
ومنها: كلمة (الثاني) (بفلان).
في قوله تعالى: ((يَا وَيْلَتِى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً)) [الفرقان:28].
نقل هاشم البحراني عن محمد بن إسماعيل عن أبي عبد الله قال: (والله ما كنى في كتابه حتى قال: ((يَا وَيْلَتِى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً))، وإنما هي في مصحف علي عليه السلام: (يا ويلتى ليتني لم أتخذ الثاني خليلاً وسيظهر يوماً))([392]).
ومنها: كلمة (شكركم) (برزقكم).
في قوله تعالى: ((وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)) [الواقعة:82].
روى علي بن إبراهيم القمي عن أبي عبد الرحمن السلمي (أن علياً قرأ بهم الواقعة: (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) فلما انصرف قال: إني قد عرفت أنه سيقول قائل لم قرأ هكذا؛ قرأتها لأني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها كذلك، وكانوا إذا أمطروا قالوا أمطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون)).
وروى أيضاً عن أبي عبد الله في الآية قال: (بل هي (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون))([393]).
هذه هي بعض المواضع التي زعموا فيها تبديل الكلمات بكلمات أخرى.
وأما الحروف التي زعموا أنها أبدلت بغيرها فهي أيضاً كثيرة، يقول علي بن إبراهيم: (وأما ما هو حرف مكان حرف: فقوله: ((لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)) [البقرة:150] الآية([394]).
وأما الحركات التي ادعوا تبديلها ببعضها فمن ذلك:
زعمهم تبديل الضمة بالفتحة في قوله تعالى: ((ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)) [يوسف:49] بفتح الياء للبناء للمعلوم.
قال علي بن إبراهيم قال أبو عبد الله عليه السلام: (قرأ رجل على أمير المؤمنين عليه السلام: ((ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)) قال: ويحك، أي شيء يعصرون؟ أيعصرون الخمر؟ قال الرجل: يا أمير المؤمنين، كيف أقرأها؟ قال: إنما نزلت (عام فيه يغاث الثاني وفيه يُعصرون) بالبناء للمجهول، أي يمطرون بعد سنين المجاعة) والدليل على ذلك قوله: ((وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً)) [النبأ:14]، وروى العياشي نحوه([395]).
هذه هي بعض المواضع التي زعموا فيها وقوع التحريف بالإبدال في القرآن الكريم، وهي مجرد دعوى لا دليل عليها، لا من النقل، ولا من العقل، وبطلانها ظاهر لفساد كل ما يتعلقون به في مزاعمهم هذه؛ لأنها إما قراءات شاذة كما في آية سورة آل عمران ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى)) [البقرة:132] وكما في آية سورة الواقعة ((وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)) [الواقعة:82].
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (وقد روي([396]) عن علي وابن عباس رضي الله عنهم أنهما قرآها: (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون).
وقال عن المروي عن ابن عباس، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس([397])، وسكت عن المروي عن علي رضي الله عنه، وهو من رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن علي.
وقد تقدمت أقوال العلماء من أن القراءات الشاذة ليست من القرآن، وأنه لا يجوز القراءة بها([398]).
كما أن بعض تلك القراءات تأتي تفسيراً للآيات: كالحال في آية الواقعة، فإن العلماء متفقون على أن معنى الآية ((وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ)) أي شكر نعمتكم، أي نعمة المطر عليكم..
قال ابن جرير الطبري رحمه الله في الآية يقول: (وتجعلون شكر الله على رزقه إياكم التكذيب).
وقال القرطبي رحمه الله: ((وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ)) أي شكر رزقكم الذي لو وجد منكم لعاد رزقاً لكم أنكم تكذبون) بالرزق أن تضعون الكذب مكان الشكر...) إلى غير ذلك من أقوال العلماء في ذلك([399]).
وإما هي من محض الكذب والافتراء على من يزعمون أنهم أئمتهم كما هي الحال في أغلب مزاعمهم هذه، فإن زعمهم تبديل كلمة (ضعفاء) أو (قليل) بكلمة (أذلة) في قوله تعالى: ((وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ)) [آل عمران:123] كذب محض لم يقل به أحد يعتد بقوله، وما ذكروه من مبررات لذلك واهية فإن العلماء وجهوا هذه الآية بما يندفع عنها مثل هذه الأوهام.
قال القرطبي رحمه الله تعالى في الآية: و(أذلة) معناها: قليلون، وذلك أنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر رجلاً، وكان عدوهم ما بين التسعمائة إلى الألف.
و(أذلة) جمع ذليل، واسم الذل في هذا الموضع مستعار، ولم يكونوا في أنفسهم إلا أعزة، ولكن نسبتهم إلى عدوهم وإلى جميع الكفار في أقطار الأرض تقتضي عند التأمل ذلتهم، وأنهم يغلبون...)([400]).
وقال الألوسي رحمه الله: (وأنتم أذلة) حال من مفعول (نصركم) و(أذلة) جمع قلة لذليل، واختير على دلائل ليدل على قلتهم مع ذلتهم، والمراد بها عدم العدة لا الذل المعروف، فلا يشكل دخول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخطاب إن قلنا به، وقيل: لا ما نع من أن يراد المعنى المعروف ويكون المراد (وأنتم أذلة) في أعين غيركم وإن كنتم أعزة في أنفسكم)([401])وقال ابن الجوزي رحمه الله: ((وأنتم أذلة) أي لقلة العدد والعدة) وهو قول غير واحد من المفسرين وغيرهم من علماء المسلمين)([402]).
وهو بين من أقوالهم هذه أن إطلاق هذه الكلمة على المسلمين لمعنى قلة عددهم وعدتهم، أو لنظر العدو إليهم، وليس احتقاراً لهم كما يزعمه الرافضة.
ويؤكد بطلان دعواهم هذه اختلاف رواياتهم في بيان الكلمة المبدلة -على حد زعمهم- حيث جاء في بعضها (ضعفاء) وفي بعضها (قليل) فبأيهما نأخذ وكلاهما من المعصومين -كما يزعمون- وكذلك كل ما ورد عنهم من تراهات في هذه الآيات وغيرها كلها من محض أكاذيبهم، ودليل على جهلهم بالقرآن وعلومه. والله المستعان.
المبحث الثالث: زعمهم وقوع التحريف في ترتيب آيات وسور القرآن الكريم وأمثلة ذلك:
الثابت عند جمهور المسلمين أن ترتيب آيات القرآن الكريم توقيفي من النبي صلى الله عليه وسلم، وليس فيه مجال لاجتهاد الرأي، وهذا مجمع عليه بين كل من يعتد بقوله.
وإنما وقع الخلاف في الترتيب بين سور القرآن الكريم، فالجمهور على أنه اجتهادي، وذهب جماعة من العلماء إلى أنه توقيفي من النبي صلى الله عليه وسلم كما هو مبسوط في مواطنه([403]).
أما الرافضة الإثنا عشرية فقد ذهبوا على عادتهم في سلسلة من محاولاتهم النيل من عظمة القرآن الكريم وقدره إلى أن القرآن الكريم وقع في تحريف في ترتيب آياته وسوره على يد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث زعموا أن القرآن الموجود بين دفتي المصحف اليوم مخالف لما يزعمون أنه محفوظ عند إمامهم الغائب في الترتيب بين سوره وآياته أيضاً.
يقول المفيد: (فأما القول في التأليف فالموجود يقضي فيه بتقديم المتأخر وتأخير المتقدم ومن عرف الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني لم يرتب بما ذكرناه)([404])
فهم يزعمون أن قرآنهم مرتب على تقديم السور المكية على المدنية، وتقديم الآيات الناسخة على المنسوخة إلى غير ذلك من الأمور التي يدعون فيها الاختلاف، فمن الأمثلة على ذلك تقديم آية عدة النساء المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر التي هي قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)) [البقرة:234]، وهي الآية الناسخة على آية عدة النساء المتوفى عنها سنة كاملة: ((وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ)) [البقرة:240]، وهي الآية المنسوخة.
قالوا: كان من الواجب أن تذكر الآية المنسوخة أولاً لتقدمها في النزول ثم تذكر الآية الناسخة لتأخرها في النزول.
ومنها قوله تعالى: ((أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً)) [هود:17].
روى علي بن إبراهيم بسنده عن الصادق أنه قال: (إنما نزل: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه إماماً ورحمة ومن قبله كتاب موسى))([405]).
بتقديم ((وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى)) على قوله: ((إِمَاماً وَرَحْمَةً)).
ومنها قوله تعالى: ((وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ)) [الجاثية:24]
قالوا إنما: هو نحيا ونموت؛ لأن الدهرية لم يقروا بالبعث بعد الموت -على حد زعمهم-.
ومنها قوله تعالى: ((يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي)) [آل عمران:43] قالوا: هو اركعي واسجدي.
وقوله تعالى: ((فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً)) [الكهف:6].
قالوا هو: فلعلك باخع نفسك على آثارهم أسفاً إن لم يؤمنوا بهذا الحديث([406])، إلى غير ذلك من مزاعمهم في اختلاف هذا القرآن الموجود بأيدي المسلمين في الترتيب من حيث التقديم والتأخير.
وكذلك ادعوا أن هناك آيات في سورة وباقيها في سور أخر؛ فمن ذلك -على حد زعمهم- قوله تعالى عن قوم موسى عليه السلام: ((وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ)) [البقرة:61].
قالوا: بقية هذه الآية موجودة في سورة المائدة وهي قوله تعالى:((قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ)) [المائدة:22] فنصف الآية في سورة البقرة ونصفها في سورة المائدة -على حد زعمهم-.
وكذلك زعموا أن بقية قوله تعالى في سورة الفرقان: ((اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً)) [الفرقان:5]، موجودة في سورة العنكبوت وهي قوله تعالى: ((وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)) [العنكبوت:48] فنصفها في سورة الفرقان، والنصف الآخر في سورة العنكبوت -بزعمهم-([407]).
وقالوا في قوله تعالى: ((وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ...)) [النساء:3].
إنها نزلت مع قوله تعالى: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتوهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع)، فنصف الآية في أول السورة، ونصفها الآخر على رأس المائة والعشرين من الآية- بزعمهم-([408]) إلى غير ذلك من مزاعمهم الباطلة حول ترتيب آيات وسور القرآن الكريم مما يدل على جهلهم بعلوم القرآن وأساليبه البلاغية، وليس لهم مستند في ذلك إلا مجرد عقلهم وهواهم، فدعواهم هذه باطلة لمخالفتها إجماع المسلمين على أن ترتيب الآيات كان بتوفيق من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومستند إجماعهم في ذلك الآثار الكثيرة من الصحابة من خلال مشاهداتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في مناسبات عديدة كالصلاة، وغيرها من المناسبات التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو فيها القرآن الكريم على هذا الترتيب الموجود في المصحف، كما نقله إلينا الصحابة الكرام الذين عدلهم الله من فوق سبع السماوات، فمن ذلك:
ما أخرجه الإمام أحمد بإسناد حسن عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال: «أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من السورة ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى)) [النحل:90]»([409]).
ومنها ما أخرجه مسلم عن معدان بن أبي طلحة من خطبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفيها: ثم قال: «إني لا أدع بعدي شيئاً أهم عندي من الكلالة، ما راجعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه حتى طعن بأصبعه في صدري، وقال: يا عمر، ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء»([410]).
ومنها ما رواه مسلم أيضاً عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال» وفي بعض ألفاظه: «من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف»([411]).
ومنها ما ثبت عند أصحاب السنن وغيرهم بأسانيد صحيحة من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم سوراً عديدة، كسورة البقرة وآل عمران والنساء، ومن قراءته سورة الأعراف في صلاة المغرب، وسورة ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ))، وسورة الروم في صلاة الصبح، وقراءة سورة السجدة، وسورة ((هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ)) في صبح يوم الجمعة، وقراءة سورة (ق) في الخطبة، وسورة ((اقْتَرَبَتْ)) في صلاة العيد، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ذلك كله مرتب الآيات على النحو الذي في المصحف على مرأى ومسمع من الصحابة)([412]).
فهذه الأحاديث وغيرها نصوص صريحة في أن ترتيب آيات القرآن توقيف من الشارع، ولا مجال لاجتهاد الرأي فيه كما يظهر ذلك جلياً من هذه الأحاديث.
فالحديث الأول ظاهر في بيان موضع الآية من سورتها بإرشاد من جبريل عليه السلام إلى ذلك، وكذلك الحديث الثاني والثالث قد ورد فيها التصريح موقع تلك الآيات من سورها بكونها في آخر السورة أو في أولها، ولا يتأتى ذلك إلا إذا كان مرتباً ثابتاً.
ومنها: ما أخرجه البخاري عن ابن الزبير قال: (قلت لـعثمان بن عفان: ((وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً)) [البقرة:240] نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها، أو تدعها؟ قال: يا ابن أخي، لا أغير شيئاً من مكانه)([413]).
قال الزرقاني: (فهذا حديث أبلج من الصبح في أن إثبات هذه الآية في مكانها مع نسخها توقيفي لا يستطيع عثمان باعترافه أن يتصرف؛ لأنه لا مجال للرأي في مثله)([414]).
وعن أبي وهب قال: سمعت سليمان بن بلال يقول: سئل ربيعة لم قدمت البقرة وآل عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة؛ فقال: قدمتا، وأُلف القرآن على علم ممن ألفه، وقد أجمعوا على العلم بذلك، فهذا مما ينتهى إليه ولا يسأل عنه.
وعنه أيضاً قال: سمعت مالكاً يقول: إنما أُلف القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم([415]).
وبعد هذه الأحاديث والآثار الصحيحة الصريحة في أن ترتيب الآيات في القرآن الكريم كان بتوقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه هو الذي عليه القرآن الذي بأيدينا بإجماع كل من يعتد بقوله من المسلمين نعلم أن كل من ادعى غير ذلك فهو مخالف لإجماع المسلمين المستند على تلك النصوص الصحيحة الكثيرة في ذلك، وأن كلامه مردود عليه ولا عبرة بخلافه مع هذه النصوص الكثيرة.
قال السيوطي: (ومما يدل على أنه توقيفي كون الحواميم رتبت ولاء، وكذا الطواسين، ولم ترتب المسبحات ولاء بل فصل بين سورها، وفصل بين ((طسم)) [الشعراء:1]الشعراء و((طسم)) [الشعراء:1] القصص بـ ((طس)) [النمل:1] مع أنها أقصر منها، ولو كان الترتيب اجتهادياً لذكرت المسبحات ولاء، وأخرت ((طس)) عن القصص)([416]).
قلت: والأمر كما قاله السيوطي؛ فإنه لو كان لترتيب الآيات مجال لاجتهاد الرأي لرتبت المتماثلات على نمط واحد كما رتبت الحواميم وغيرها ولاء، ولقدمت السور المكية على السور المدنية، ولقدمت الآيات المنسوخة على الآيات الناسخة؛ لأن العقل يقتضي ذلك في الظاهر إلا أن الواجب هو اتباع ما جاء به الشارع، ومن هنا يعلم أن ما يستدلون به من تقديم آية عدة النساء المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً الناسخة على آية عدة المتوفى عنها حولاً كاملاً هو دليل عليهم وليس دليلاً لهم؛ لأنه لو كان الأمر بمجرد النظر لكان هؤلاء الذين جمعوا القرآن أهدى إلى ذلك من الروافض.
وأما ما يتمسكون به من وجود مصاحف لبعض الصحابة كـعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب وغيرهم رضي الله عنهم مخالفة للمصحف العثماني في ترتيب سوره وآياته فهو فاسد؛ فإن نسبة هذه المصاحف إلى أولئك الصحابة على فرض صحتها لا تكون فيها حجة على دعواهم هذه؛ لأن عمل هؤلاء الصحابة عمل خاص بهم؛ فإنهم كانوا يكتبون لأنفسهم بعض ما كانوا يسمعونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن، فهم يرتبون ما يكتبون حسب ما يرونه ويسهل عليهم حفظه ومراجعته، ولأجل ذلك كانوا يكتبون بجوار القرآن بعض التأويلات والتفسيرات، وبعض الأدعية التي يسمعونها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخشون نسيانها، فلا يجوز لأحد أن يدعي أن ذلك أيضاً من القرآن، فعلى ذلك فكل ما قاموا به من عمل تجاه القرآن فهو عمل فردي لا يعارض ما قام به جمهورهم وأجمعوا عليه بما فيهم أصحاب تلك المصاحف الخاصة؛ إذ لم ينقل عن أحد منهم ولا من غيرهم إنكار هذا العمل، أو الاعتراض على ترتيبه الذي هو عليه الآن؛ لأنه لو كان منهم لنقل إلينا كما نقل معارضة ابن مسعود على عدم إشراكه في نسخ المصاحف، ويؤيد هذا أن بعضهم قد اشتركوا في عملية نسخ المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنه كـأُبي بن كعب مثلاً؛ حيث جعله عثمان من جملة الاثني العشر النفر الذين عينهم عثمان لهذا العمل العظيم، كما ذكره ابن سعد وابن أبي داود وغيرهما([417]).
الفصل الثالث: شبههم في القول بالتحريف وردها:
لقد سبق في الفصل الأول أن الرافضة متفقون على القول بتحريف القرآن ونقصانه، سواء كان هذا الاتفاق منهم ظاهراً أو باطناً، وهم في موقفهم هذا قد استندوا على بعض شبه أوردوها على القرآن، وتمسكوا بها على أنها تدل على وقوع التحريف في القران الكريم، وتنقسم إلى شبه عقلية، وأخرى نقلية.
فأما الشبه العقلية عندهم فهي تشتمل على وجوه كثيرة منها:
أن كل ما وقع في اليهود والنصارى يقع في هذه الأمة، فبما أن اليهود والنصارى حرفوا وغيروا كتابيهما فكذلك هذه الأمة تغير كتابها.
قال النوري الطبرسي: (إن اليهود والنصارى غيروا وحرفوا كتاب نبيهم بعده، فهذه الأمة أيضاً لابد وأن يغيروا القرآن بعد نبينا صلى الله عليه وآله، لأن كل ما وقع في بني إسرائيل لابد وأن يقع في هذه الأمة على ما أخبر به الصادق المصدوق صلوات الله عليه...)، وهو يريد بذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عند البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم -واللفظ للبخاري -: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً ذراعاً، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟»([418]).
والحديث كما في الصحيحين لا غموض في صحته، ولكن هل المقصود منه هو ما تدعيه الرافضة وتذهب إليه؛ أم له معنى صحيح فهمه السلف الصالح منه غير ما تدعيه الرافضة؟.
والجواب: أن السلف لهم فهم في هذا الحديث غير فهم هؤلاء القوم؛ فمعنى الحديث عند السلف الصالح هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر أمته من أن يقعوا فيما وقع فيه الأمم السابقة.
قال الحافظ ابن حجر نقلاً عن ابن بطال قال: (أعلم صلى الله عليه وسلم أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور والبدع والأهواء كما وقع للأمم قبلهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شر، والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأن الدين إنما يبقى قائماً عند خاصة من الناس، قلت -ابن حجر-: وقد وقع معظم ما أنذر به صلى الله عليه وسلم، وسيقع بقية ذلك)([419]).
وقال النووي رحمه الله: (والمراد بالشبر والذراع وجحر ضب: التمثيل بشدة الموافقة لهم، والمراد الموافقة في المعاصي والمخالفات لا في الكفر، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم)([420]).
فالمعنى واضح من أقوال هؤلاء العلماء رحمهم الله، والمقصود ظاهر، وليس فيه شيء مما يذهب إليه الرافضة؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم إنما أخبر أمته بما سيقع فيهم من الضلال كما وقع في الأمم السابقة، ويحذرهم عن اتباعهم في ذلك.
فالحديث إذًا إنذار لأمة محمد صلى الله عليه وسلم عن اقتفاء أثر اليهود والنصارى، وليس فيه ما يدل على أن كل ما وقع في تلك الأمم من الكفر والضلال هو بعينه يقع في هذه الأمة أيضاً، فلو كان المراد من الحديث ما يذهب إليه هؤلاء الرافضة لكان الأمر أنه لن يبقى على وجه الأرض مسلم بعد رسول الله، لأن ذلك واقع في اليهود والنصارى؛ إذ لا يوجد منهم أحد اليوم على الدين الصحيح الذي جاء به الأنبياء.
فالقول بذلك يقتضي القول بكفر جميع المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو خلاف الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحاح والمسانيد والسنن، الدالة على بقاء الإسلام إلى أن تقوم الساعة، وإن قل.
فمن ذلك ما جاء في الصحيحين وغيرهما من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» واللفظ للبخاري([421])، وغيره من الأحاديث الكثيرة التي تفيد بقاء الإسلام في هذه الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإن كانوا قلة، ولكن لا يدل على عدمه ألبتة.
فاستدلالهم بهذا الحديث على تحريف القرآن استدلال فاسد مردود عليهم من عدة وجوه منها:
أنه مخالف للأحاديث الصحيحة التي تفيد بقاء طائفة من الأمة على الحق إلى قيام الساعة، وقولهم يناقض ذلك، لأن من اعتقد تحريف القرآن أو شك في سلامته فهو كافر بإجماع المسلمين([422]).
ومنها: أن دعواهم هذه منقوضة بالواقع، فإن هناك أموراً كثيرة وقعت في الأمم السابقة ولم يقع شيء منها في هذه الأمة، كعبادة بني إسرائيل العجل، ورفع الله فوقهم الطور، وسؤالهم موسى عليه السلام أن يريهم الله جهرة، وغيرها من الأمور الكثيرة التي وقعت في تلك الأمم، ولم تقع في هذه الأمة، مما تدل دلالة واضحة على أن المراد من الحديث ليس هو ما يذهب إليه الرافضة، وإلا لوقع كل ذلك في هذه الأمة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق فيما يخبر به أمته، فإنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
ومنها: أن الله سبحانه وتعالى تكفل بحفظ القرآن الكريم، ولم يكل حفظه إلى البشر، بينما وكل حفظ الكتب السابقة إلى علماء تلك الأمم، وفي ذلك يقول الشاطبي([423]) رحمه الله تعالى- فيما نقله عن أبي عمرو الداني عن أبي الحسن المنتاب قال-: (كنت يومًا عند القاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق فقيل له: لم جاز التبديل على أهل التوراة، ولم يجز على أهل القرآن؟ فقال القاضي: قال الله عز وجل في أهل التوراة: ((بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ)) [المائدة:44]، فوكل الحفظ إليهم، فجاز التبديل عليهم، وقال في القرآن: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9] فلم يجز التبديل عليهم، قال علي: فمضيت إلى أبي عبد الله المحاملي، فذكرت له الحكاية فقال: ما سمعت كلاماً أحسن من هذا)([424]).
وقال ابن الجزري رحمه الله تعالى: (وقد خص الله تعالى هذه الأمة في كتابهم هذا المنزل على نبيهم صلى الله عليه وسلم بما لم يكن لأمة من الأمم في كتبها المنزلة، فإنه تعالى تكفل بحفظه دون سائر الكتب، ولم يكل حفظه إلينا، قال تعالى: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9] وذلك إعظام لأعظم معجزات النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى تحدى بسورة منه أفصح العرب لساناً، وأعظمهم عناداً وعتواً وإنكاراً، فلم يقدروا على أن يأتوا بآية مثله، ثم لم يزل يتلى آناء الليل والنهار من نيف وثمانمائة سنة([425]) مع كثرة الملحدين وأعداء الدين، ولم يستطع أحد منهم معارضة شيء منه -إلى أن قال-: ومن ثم لم تحتج هذه الأمة إلى نبي بعد نبيها صلى الله عليه وسلم، كما كانت الأمم قبل ذلك لم يخل زمان من أزمنتهم عن أنبياء يحكمون أحكام كتابهم، ويهدونهم إلى ما ينفعهم في عاجلهم ومآبهم، قال تعالى: ((إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ)) [المائدة:44]([426])، فوكل حفظ التوراة إليهم؛ فلهذا دخلها بعد أنبيائهم التحريف والتبديل)([427]).
فهذا وحده كافٍ لإبطال دعواهم هذه؛ للفرق الكبير بين هذه الأمة وما أريد لرسالتها من البقاء إلى قيام الساعة، وبين الأمم السابقة التي كانت رسالتها مؤقتة بفترة زمنية تنقضي بانقضائها.
وكذلك فإنهم ناقضوا أنفسهم بتفسيرهم هذا للحديث؛ حيث زعموا أنهم يقولون بعدم الزيادة في القرآن، بينما وقع عند اليهود والنصارى التحريف بالزيادة في كتبهم، وعندهم أن كل ما وقع في تلك الأمم يقع في هذه الأمة، وعليه فإن القرآن يكون أيضاً محرفاً بالزيادة -على رأيهم- وهو لازم لهم.
فما هذه التناقضات إلا دليل واضح على كذبهم وافترائهم على من يزعمون أنهم أئمة لهم، وهم بريئون من أباطيلهم.
وأيضاً فإنهم بحملهم هذا الحديث على المعنى الذي ذهبوا إليه قد حكموا على أنفسهم -والحمد لله- بأنهم ليسوا من هذه الأمة؛ لأنهم يزعمون أن عندهم القرآن الكامل الذي لم يدخل فيه شيء من التحريف والتغيير، فهو موجود عند صاحب زمانهم -كما يحلو لهم التعبير- فكيف لم يقع فيه تحريف مع أن الأمم السابقة حرفت كتبها؛ وعلى مذهبهم أن كل ما وقع في الأمم السابقة يقع في هذه الأمة، فوجود القرآن عندهم سالماً من أي تحريف يدل على أنهم ليسوا من هذه الأمة، فعليه فليسوا من المسلمين بحكمهم على أنفسهم([428]).
فقد اتضح بعد كل هذا أن هذه الشبهة التي تعلقوا بها فاسدة لا حجة لهم فيها، ولا يتمسك بها إلا جاهل أو متكبر معاند رافض للحق؛ لأن الفرق واضح بين هذه الأمة وغيرها من الأمم السابقة في العناية بكتابها والحرص على حفظه بتيسير من الله تعالى: ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)) [القمر:17] فكثر حفاظه في كل عصر ومصر، وأهل التوراة والإنجيل بخلاف ذلك إذ لا يحفظونها عن ظهر قلب.
ومن الشبه التي يتعلقون بها: كيفية جمع القرآن:
يقولون: إن الكيفية التي تم بها جمع القرآن مع الحال التي كان عليها من عدم وجوده مجموعاً في مكان واحد، يدل على أنه لم يسلم من التحريف وضياع بعض أجزائه -على حد زعمهم-.
يقول النوري الطبرسي: (إن كيفية جمع القرآن وتأليفه مستلزمة عادة لوقوع التغيير والتحريف فيه)([429]).
وقال محمد باقر المجلسي في مرآة العقول: (والعقل يحكم بأنه إذا كان القرآن متفرقاً منتشراً عند الناس، وتصدى غير المعصوم لجمعه يمتنع عادة أن يكون جمعه كاملاً موافقًا للواقع)([430]).
ومعنى ذلك -على حسب زعمهم- أن القرآن الموجود لا يشتمل على كل ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وقد ضاع بعض أجزائه كما أسقط بعضه عمداً، وحرف بعضه كذلك -على حد زعمهم- وذلك لأن جمعه لم يتم من قبل عالم معصوم، ولا بمساعدة منه، وإنما تم جمعه على يد أناس لا علم لهم، وليسوا بمعصومين.
وفي ذلك يقول النوري الطبرسي: (وهؤلاء مع ما هم عليه من الجهالة والغباوة، وعدم الخبرة بمراتب تفصيل القرآن كماً وكيفاً، لم يستعينوا في جمعهم بعالم([431]) معصوم جامع محيط، لم يشذ عنه شيء منه في جميع مراتبه باعترافهم حتى يعرفهم الزيادة والنقيصة، ويبين لهم الوضع والترتيب، ولا بأحد ممن يرجى منه بعض ذلك من الذين لم يفارقوا([432]) عنه، كـسلمان، وأبي ذر، والمقداد، وعمار، وحذيفة، ومن كان يحذو حذوهم ويرى رأيهم)([433])، إلى غير ذلك من الأكاذيب الفادحة، والأوصاف الشنيعة التي يطلقونها على خيار هذه الأمة، وسلفها الصالح كذباً وافتراءً عليهم مما يدل على قلة الحياء عندهم، وعلى مدى العدواة والبغض والحسد التي تكنها صدورهم على من رضي الله عنهم، واختارهم لصحبة خير الأنام وحماة دينه الحنيف، نسأل الله أن يعافينا من الحسد والبغض لأوليائه، إنه سميع مجيب الدعاء.
الرد: الرد على شبه الرافضة في القول بالتحريف:
فإن ما اشتملت عليه شبهتهم هذه من الأكاذيب الصريحة والافتراءات -كوصفهم الصحابة بالجهل وبالإهمال، وغيرها من الأوصاف التي يجب أن يصون المسلم لسانه عن النطق بها- من أقوى الأدلة على بطلانها وفسادها من أساسها لمخالفتها الحقائق الثابتة لدى كل مسلم بداهة؛ فإن علم الصحابة بأمور دينهم ودنياهم وحرصهم على تحصيله، واجتهادهم في المحافظة على نصوص الشريعة من الكتاب والسنة معروفة لدى كل مسلم من أدناهم إلى أعلاهم حتى عند أعدائهم؛ فإنكار ذلك إنكار للواقع، وإنكار للبديهيات التي يستوي في العلم بها كل الناس إلا المكابر المعاند، الذي لا يمنعه خوف من الله عن الكذب، ولا خجل من الناس عن التفوه بما يشاء في سبيل خدمة أهدافه الباطلة وأهوائه الفاسدة.
فقولهم: (إن كيفية جمع القرآن مستلزمة عادة لوقوع التغيير والتحريف فيه) قول باطل، وفاسد الاستدلال؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم ما دعاهم إلى جمع القرآن في مكان واحد إلا خوفاً من ضياع بعضه نتيجة ذهاب بعض حفاظه بالموت والشهادة في سبيل الله، كما هو واضح من حديث زيد عند البخاري كما في صحيحه قال: (أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر رضي الله عنه: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لـعمر: كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك رأي عمر.
قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه.
فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح الله صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب([434]) واللخاف([435])، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره ((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ)) [التوبة:128] حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنه)([436]).
فالهدف من جمعهم القرآن واضح من الحديث، وليس فيه أي غموض، فهم لم يقدموا على هذا العمل إلا للحرص على صيانة القرآن الكريم وحفظه، فكيف يكون ذلك سبيلاً إلى ضياعه ونقصانه؟! وما هذه الترددات التي صدرت عن كل من أبي بكر وزيد رضي الله عنهما إلا لخطورة هذه العمل، وشدة اتباعهما لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما تبين لهما الأمر وزال ما كان يشكل عليهما، وشرح الله صدرهما لما شرح الله صدر عمر رضي الله عنهم أقدما عليه بكل اهتمام وعناية تامة، وتدل على ذلك الطريقة التي سلكها أبو بكر الصديق بمعاونة عمر له في القيام بهذه المهمة؛ حيث اختار لذلك من رأى أنه قد توفرت فيه الأمور اللازمة الكفيلة بتحقيق هذا العمل العظيم، وهو زيد بن ثابت رضي الله عنه، شاب عاقل، أمين، من كتاب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شهد العرضة الأخيرة للقرآن، فلكل هذه الأوصاف وغيرها أسند إليه أبو بكر القيام بهذه المهمة كما هو ظاهر من الحديث.
قال الزرقاني: (فهذا الحديث كما ترى يدل على مبلغ ثقة أبي بكر وعمر بـزيد بن ثابت رضي الله عنهم، وعلى جدارة زيد بهذه الثقة؛ لتوافر تلك المناقب التي ذكرها فيه أبو بكر، ويؤيد ورعه ودينه وأمانته، قوله: (فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن)، ويشهد بوفرة عقله تردده وتوقفه أول الأمر ومناقشته لـأبي بكر حتى راجعه وأقنعه بوجه الصواب، وينطق بدقة تحريه قوله: (فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال) رضي الله عنه وأرضاه، ورضي عنهم وعنا أجمعين)([437]).
ويدل كذلك على شدة عنايتهم بهذا الجمع المنهج الذي اتبعه زيد في هذه المهمة، وهو أدق وأوثق منهج لضمان حفظ القرآن وسلامته من التحريف والضياع؛ فقد اتبع طريقة المقابلة بين المصدرين الأساسيين في الحفاظ على القرآن من الضياع: الحفظ في الصدور والكتابة في السطور، فلم يكتف بواحد دون الآخر، بل جمع بين الوسيلتين، فكان لا يقبل شيئاً من القرآن بمجرد الحفظ حتى يجده مكتوباً، كما لا يقبل كذلك المكتوب حتى يشهد عليه شاهدان عدلان أنه من القرآن الكريم، مع أن زيداً كان حافظاً للقرآن كله، وكذلك كان مكتوباً عنده، وهو من أشهر كُتّاب الوحي، ومع كل ذلك فلم يكتف بحفظه بمفرده وبما كان مكتوباً عنده، بل جعل العمل مشاركة بينه وبين جميع الصحابة، فتتبع القرآن يجمعه عن كل من كان عنده شيء من القرآن، ويعرضه على المحفوظ في الصدور، وعلى ما كان مكتوباً في السطور مع شهادة شاهدين عدلين على ذلك المكتوب، وما لم يشهد عليه شاهدان عدلان تركه ولم يدخله في جملة القرآن، وإنما اتبع هذا المنهج لشدة الاحتياط في كتاب الله ولضمان حفظه من أن يدخل فيه ما ليس منه أو ذهاب منه ما هو فيه.
ويدل على مشاركة جميع الصحابة لهذا العمل العظيم ما أخرجه ابن أبي داود من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر قال لـعمر ولـزيد: (اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه) وقد تقدم ذكره([438]).
وكذلك تقدم من قول علي رضي الله عنه في ثنائه على جمع أبي بكر رضي الله عنه في حديث عبد خير عند ابن أبي داود([439]).
وبعد هذا كله من الاهتمام البالغ، والعناية الفائقة، والأمانة التامة مع شدة الاحتياط والإجماع الحاصل من الصحابة رضي الله عنهم على هذا العمل العظيم، الذي ضمنوا به سلامة القرآن من الضياع ومن كل تحريف تحقيقاً لوعد الله بحفظه، لم يبق للرافضة ما يتمسكون به في دعواهم وقوع التحريف في القرآن الكريم عن طريق كيفية جمعه؛ فاستدلالهم بذلك فاسد ومردود عليهم.
وأما قولهم: (إن هذا الجمع لم يتم من قبل عالم معصوم)، فهو مردود بما علمنا من أن هذا العمل كان بموافقة جميع الصحابة وبمشاركتهم، وعلي بن أبي طالب، ومن ذكروهم معه من سلمان وغيره... رضي الله عنهم كانوا مع الجماعة في هذا الجمع، كما هو واضح من ثناء علي رضي الله عنه على هذا الجمع، وما قام به الجماعة أضمن مما يقوم به الفرد، فإن عمل الجماعة معصوم من الخطأ، وهذا بخلاف ما يقوم به واحد بمفرده من العمل؛ فإنه لا يضمن من وقوع الخطأ فيما يقوم به عادة.
وأما استدلالهم بكون القرآن الكريم متفرقاً ومنتشراً على دعواهم وقوع التحريف في القرآن الكريم، فهو أوهن من بيت العنكبوت.
يقول الزرقاني في نقض شبهتهم هذه: (إن كتابة القرآن على الحجارة والسعف والعظام، وبقاء جانب كبير منه محفوظاً في صدور الرجال لا يلزم منه مشكلة واحدة، فضلاً عن عدة مشاكل، إنما هو وهم من الأوهام، تخيلوه بدليل أنهم لم يذكروا سندهم فيما ذهبوا إليه من هذا الشطط -إلى أن قال-: إن استنتاجهم من هذا كون القرآن الحالي لا يحتوي جميع القرآن الذي نطق به محمد صلى الله عليه وسلم استنتاج معكوس، وفهم منكوس؛ لأن كتابة القرآن وحفظه في آن واحد في صدور آلاف مؤلفة من الخلف أدعى إلى بقاء ذلك القرآن، وأدل على أنه لم تفلت منه كلمة ولا حرف، كيف وأحد الأمرين من الكتابة والحفظ كاف في هذه الثقة؟ فما بالك إذا كان القرآن كله مكتوباً بخطوط أشخاص كثيرين ومحفوظاً في صدور جماعات كثيرين)([440]).
ومما يؤكد بطلان دعواهم هذه: هو ما عرف من أن الاعتماد في نقل القرآن لم يكن على المصاحف التي يزعمون أنها كانت متشتتة ومتفرقة، وإنما الاعتماد في نقله على ما كان محفوظاً في الصدور لا على المكتوب في السطور، وإنما طلبوا ذلك لزيادة التثبت، والاحتياط، وفي ذلك يقول ابن الجزري: (ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على حفظ المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة؛ ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ربي قال لي: قم في قريش فأنذرهم، فقلت له: رب إذاً يثلغوا([441]) رأسي حتى يدعوه خبزة، فقال: مبتليك ومبتلٍ بك، ومنزل عليك كتاب لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان، فابعث جنداً أبعث مثلهم، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأنفق أنفق عليك»([442]).
فأخبر تعالى أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء، بل يقرؤه في كل حال، كما جاء في صفة أمته (أناجيلهم في صدورهم) وذلك بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب، ولا يقرؤونه كله إلا نظراً، لا عن ظهر قلب...)([443])، وهذا ظاهر لكل من له أدنى بصيرة.
ومن الشبه التي تعلقوا بها في دعواهم تحريف القرآن الكريم: نسخ التلاوة دون الحكم، ونسخ التلاوة والحكم معاً؛ فهم ينفون وجود هذا القسم من النسخ في القرآن الكريم، وبناءً على ذلك زعموا أن الآيات والكلمات التي يقول عنها أهل السنة أنها مما نسخت تلاوتها وحكمها معاً، يزعمون أن تلك الآيات مما أسقطت من القرآن الكريم، وليس هناك ما يسمى بمنسوخ التلاوة عندهم.
وفي ذلك يقول النوري الطبرسي: (وحيث إن نسخ التلاوة غير واقع عندنا، فهذه الآيات والكلمات لابد وأن تكون مما سقطت، أو أسقطوها من الكتاب جهلاً أو عمداً، لا بإذن من الله ورسوله، وهو المطلوب...)([444]).
وقد تقدم ما قاله آية الله الخوئي في ذلك، من أن القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف والإسقاط([445]).
وقد ذهب النوري الطبرسي إلى أبعد من هذا؛ حيث اتهم كذباً وافتراءاً الخلفاء الثلاثة: أبا بكر وعمر وعثمان ومن معهم من الصحابة رضوان الله عليهم بأنهم إنما أحدثوا هذا القسم من النسخ في القرآن؛ ليدفعوا عن أنفسهم ما يمكن أن يلحقهم من الطعن بسبب وجود تلك الآيات، التي جعلوها من قسم المنسوخ التلاوة في مصاحف غيرهم كـابن مسعود وأُبي بن كعب وغيرهما رضي الله عنهم، فلدفع هذا الطعن عن أنفسهم أحدثوا هذا القسم -على حد زعمهم- من النسخ؛ حتى يتمكنوا من تحكيم قبضتهم على الخلافة من مستحقيها، أسقطوا تلك الآيات التي تنص على أحقيتهم بالخلافة وتصرح بفضائلهم -على حد زعمهم-([446]).
هذا هو موقفهم من هذا القسم من النسخ في القرآن، وهو إنكار وقوعه في القرآن، وهدفهم من هذا الإنكار ظاهر، وهو اتخاذه سلماً للوصول إلى هدفهم الخبيث من القول بتحريف القرآن، وذلك أنهم لما عجزوا أن يقيموا على دعواهم تلك دليلاً واحداً صحيحاً ذهبوا يتعلقون بكل ما يخيل إليهم أنه دليل لهم وليس كذلك، بل هو مجرد أوهام ولدته العصبية عندهم.
ويرد عليهم بأنه لا عبرة بإنكارهم لهذا القسم من النسخ في القرآن بعد شيوع القول به، وإجماع من يعتد به من السلف الصالح إلى يومنا هذا، ولم يخرج من هذا الإجماع إلا بعض شذاذ من المعتزلة وغيرهم ممن لا اعتداد بخلافهم، هم الذين أنكروا هذا القسم من النسخ لبعض شبهات عندهم، وقد أجاب عنها المحققون بما يشفي العليل، وهو مبسوط في مواضعه.
فالقول بهذا القسم من النسخ قول جميع من يعتد بقوله من علماء المسلمين، فلا يلتفت بعد ذلك إلى إنكار من ينكر ذلك أياً كان هدفه في ذلك، وقد ذكر هذا القسم من النسخ كل من تعرض للنسخ في مؤلفه من الأصوليين، ومصنفي علوم القرآن وغيرهم من المصنفين بالإثبات([447]).
ومن الشبه التي يتعلقون بها: اختلاف مصاحف الصحابة بعضها عن بعض، كمصحف علي، ومصحف ابن مسعود، ومصحف أُبي بن كعب، ومصاحف غيرهم رضي الله عنهم، قالوا: إن اختلاف هذه المصاحف بعضها عن بعض، واختلافها عن مصحف الأم المصحف العثماني في أمور كثيرة من الكلمات والترتيب بين السور والآيات دليل على أن القرآن وقع فيه تحريف من الصحابة -على حد زعمهم-([448]).
ويرد على هذه الشبهة: بأنه لا دليل لهم في ذلك، فإن وجود الاختلاف المذكور في مصاحف بعض الصحابة بعضها عن بعض على فرض صحته لا يدل على وقوع تغيير ولا تحريف في القرآن بأي شكل من الأشكال؛ لما سبق أن ذكرت من إجماع الصحابة على ما([449]) جمعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه؛ لما امتاز به من العناية الفائقة وغيرها من الأمور الكفيلة لضمان سلامته عن أي نوع من أنواع التحريف، مما لم تتوفر لتلك المصاحف الأخرى هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، فإن الصحابة كانوا يكتبون لأنفسهم -إلى جانب حفظهم- بعض ما يسمعونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من تفسير وأدعية وغيرها من الأمور التي يسمعونها من الرسول صلى الله عليه وسلم ويخافون نسيانها، فيكتبونها في مصاحفهم الخاصة، كما أنهم لم يكونوا يلتزمون في كتاباتهم توالي السور والآيات وترتيبها، بل كانوا يكتبون حسب ما يتيسر لهم ويسهل عليهم، وحسب ظروف أدوات الكتابة الموجودة لديهم آنذاك.
أضف إلى ذلك أن بعضهم قد يكون في سرية خارج المدينة أو في بعض حاجاته فيغيب عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنزل بعض الآيات والسور في أثناء غيابه ذلك، فإذا جاء حاول تدارك ذلك بالحفظ والكتابة مع ما ينزل حديثاً.
كما أن بعضهم كانت تشتمل كتابته على بعض منسوخ التلاوة وبعض ما هو ثابت بأخبار الآحاد وغير ذلك مما ليس من أصل القرآن، ونتيجة لهذه العوامل جميعاً تخرج مصاحفهم مختلفة بعضها عن بعض، ولا ينبغي أن يتخذ ذلك ذريعة إلى الطعن في القرآن؛ لأن عمل أولئك الصحابة عمل فردي ولأنفسهم، فلا يبلغ أن يعارض ما تم بمشاركة جميعهم في ذلك وتلقى القبول من كل الأمة من العصر الأول إلى يومنا هذا إلا من كان له هدف آخر غير الإسلام، فقال ما يملي عليه حقده وبغضه لهذا الدين الحنيف الذي ساءه انتشاره في مشارق الأرض ومغاربها، فأراد هدمه بالنيل من مصدره الأول، والله راد كيده في نحره([450]).
وأكتفي بهذا القدر من شبههم العقلية التي ليس في نقلها كبير فائدة، وقد ظهر بطلانها من خلال مناقشتها، ولله الحمد.
وأما شبههم النقلية: فهي الأخبار التي نسبوها إلى أئمتهم في ذلك، كما تعلقوا ببعض الأخبار التي وردت عن طريق أهل السنة مما يرون أنها تساعدهم في دعواهم تحريف القرآن، وليست كذلك.
فأما الأخبار المنسوبة إلى أئمتهم، وهي المعول عليها عندهم والعمدة في استدلالهم وهي كثيرة جداً، وقد تقدم معظمها في فصل إجماعهم على القول بتحريف القرآن الكريم من هذا الباب، فمنها:
ما أسنده علي بن إبراهيم وغيره عن أبي عبد الله قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لـعلي: يا علي! إن القرآن خلف فراشي في الصحف والقراطيس، فخذوه واجمعوه ولا تضيعوه كما ضيعت اليهود التوراة، فانطلق علي فجمعه في ثوب أصفر ثم ختم عليه في بيته، وقال: لا أرتدي حتى أجمعه، قال: كان الرجل ليأتيه فيخرج إليه بغير رداء حتى جمعه»([451])، وقد تقدم بألفاظ متعددة([452]).
وروى الكشي في رجاله في ترجمة أبي الخطاب عن أبي عبد الله قال: (أنزل الله في القرآن سبعة بأسمائهم، فمحت قريش سبعة وتركوا أبا لهب).
وروى محمد بن إبراهيم نحوه بسنده عن أصبغ بن نباتة قال: سمعت علياً يقول: (كأني بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة، يعلمون الناس القرآن كما أنزل، قلت: يا أمير المؤمنين! أوليس هو كما أنزل؟ فقال: لا، محي منه سبعون من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم، وما ترك أبا لهب إلا للازدراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه عمه).
وروى سعد بن عبد الله القمي عن أبي جعفر قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بـمنى فقال: «أيها الناس! إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي والكعبة البيت الحرام»، ثم قال أبو جعفر: (أما كتاب الله فحرفوا، وأما الكعبة فهدموا، وأما العترة فقتلوا)([453]).
وكذلك ورد التصريح بذلك في كثير من أدعيائهم وفي أذكار زياراتهم على ما نقله النوري الطبرسي، فمن ذلك: ما نقله عن الطوسي في دعاء قنوت الوتر: (اللهم العن الرؤساء والقادة والأتباع من الأولين والآخرين الذين صدوا عن سبيلك، اللهم أنزل بهم بأسك ونقمتك فإنهم كذبوا على رسولك، وبدلوا نعمتك، وأفسدوا عبادك، وحرفوا كتابك وغيروا سنة نبيك...) إلخ.
وعنه أيضاً عن أبي عبد الله أنه يستحب أن يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم بعد العصر يوم الجمعة بهذه الصلاة ثم ساقها، وفيها: (اللهم العن الذين بدلوا دينك وكتابك وغيروا سنة نبيك).
وعن جعفر بن محمد بن قولويه عن أبي عبد الله: اللهم العن الذين كذبوا رسلك، وهدموا كعبتك، وحرفوا كتابك([454])، إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة التي نسبوها إلى أئمتهم، وكلها صريحة في وقوع التحريف في القرآن الكريم، وفيما نقلته عنهم كفاية لمعرفة هذا القول منهم، كما تقدم معظمها في مواضع من هذا الباب.
قال النوري الطبرسي عن كثرة تلك الأخبار ودرجتها عندهم: (الدليل الحادي عشر: الأخبار الكثيرة المعتبرة الصريحة في وقوع السقط، ودخول النقصان في الموجود من القرآن زيادة على ما مر متفرقاً في ضمن الأدلة السابقة، وأنه أقل من تمام ما أنزل إعجازاً على قلب سيد الإنس والجان من غير اختصاصها بآية أو سورة، وهي متفرقة في الكتب المعتبرة التي عليها المعول، وإليها المرجع عند الأصحاب جمعت ما عثرت عليها في هذا الباب).
وقال في الدليل الثاني عشر: (الأخبار الواردة في ذلك في الموارد المخصوصة من القرآن الدالة على تغيير بعض الكلمات والآيات والسور بإحدى الصور المتقدمة وهي كثيرة جداً، حتى قال نعمة الله الجزائري في بعض مؤلفاته كما حكي عنه: أن الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث، وادعى استفاضتها جماعة كـالمفيد والمحقق الداماد([455]) والعلامة المجلسي وغيرهم، بل الشيخ([456]) أيضاً صرح في التبيان بكثرتها بل ادعى تواترها جماعة...)([457])
الرد:
أقول: إن استدلال الرافضة بهذه الأخبار المنسوبة إلى أئمتهم في تحريف القرآن لا يتم بها الاحتجاج على أهل السنة، لعدم ثبوت هذه الأخبار عندهم؛ لأنها لم تأت بأسانيد صحيحة إلى من نسبت إليهم، بل هي من الأخبار الموضوعة والمكذوبة على أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لمخالفتها وعد الله تعالى بحفظ القرآن الكريم وصيانته.
ولما تشتمل عليه تلك الأخبار من الأمور المنافية لمبادئ الإسلام الرفيعة، كالألفاظ البذيئة والعبارات الشنيعة التي يطلقونها على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين رضي الله عنهم وأرضاهم وزكاهم في كتابه العزيز في آيات كثيرة.
فكل هذا يؤكد عدم صحة نسبة هذه الأخبار إلى أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم ثبوتها عنهم، وإنما هي من وضع الرافضة واختلاقهم لخدمة أهدافهم الفاسدة.
ويؤكد ذلك ما ثبت عن آل البيت بطرق صحيحة من الثناء الجميل على الصحابة الكرام رضوان الله عليهم جميعاً في مناسبات كثيرة.
فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين -واللفظ للبخاري- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إني لواقف في قوم فدعوا الله لـعمر بن الخطاب، وقد وضع على سريره، وإذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكبي يقول: رحمك الله، إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك، لأني كثيراً ما كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما، فالتفت فإذا هو علي بن أبي طالب»([458]).
هذا ما حكاه ابن عباس من ثناء علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر عند ترحمه على عمر في وفاته رضي الله عنهم أجمعين، مما يؤكد ولاء أهل البيت للصحابة وحبهم لهم، وليس بعد الحق إلا الضلال.
إلى غير ذلك من الأخبار الواردة عن آل البيت في مدح الصحابة وموالاتهم رضوان الله عليهم جميعاً، وهي معارضة لما ينسبه إليهم الرافضة.
فهذا الخبر الذي رواه علي بن إبراهيم القمي وغيره بألفاظ متعددة، مما يفيد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الذي جمع القرآن، كما أنزل من غير أن يسقط منه شيء، وأنه أول من جمع القرآن فقد ثبت عن علي نفسه ما يبطل زعم الرافضة هذا ويكذبهم في هذه النسبة إليه فيما رواه ابن أبي داود بسنده عن عبد خير عن علي رضي الله عنه أنه حبّذ جمع أبي بكر، وأنه أول من جمع القرآن في المصحف، كما ورد عنه كذلك الثناء على ما قام به عثمان رضي الله عنه من جمع الناس على مصحف واحد، وقوله إنه لو كان في مقام عثمان لفعل مثل ما فعل عثمان، فهو من أقوى الأدلة على بطلان دعوى الرافضة في أنه أول من جمع القرآن الكريم، وقد تقدم ذكرها([459]).
وأما ما رواه الكليني وغيره من الأخبار التي تفيد إسقاط أسماء كثير من قريش من القرآن الكريم، فبطلانها بيِّن لما في تلك الأخبار من تناقضات ظاهرة؛ حيث ورد في بعضها: (سبعة بأسمائهم وأسماء آبائهم)، وفي بعضها الآخر (سبعون بأسمائهم وأسماء آبائهم)؛ فهذا التناقض كافٍ لإبطالها وأنها موضوعة على من نسبت إليهم.
كما أن هذه الخيانة الكبرى التي صدرت عن بعض رواة هذا الخبر تؤكد بطلانه، فإنه إذا لم يستطع أن يحافظ على أمر إمامه بعدم فتح المصحف الذي أعطاه إياه، فأن يكذب عليه فيما ينقله عنه أولى.
وكذلك ما فيه من اتهام ظاهر لله سبحانه وتعالى بالازدراء على رسوله صلى الله عليه وسلم بذكر اسم أبي لهب في القرآن، وهو عمه -كما يزعمون- أن الصحابة حذفوا أسماء سبعين قرشياً وتركوا أبا لهب إهانة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلو كان الأمر كما يزعمون لم يكن ذلك طعناً فيمن ترك اسم أبي لهب في القرآن وحذف من عداه -على حد زعمهم-، وإنما يتوجه ذلك إلى من وضع اسمه في القرآن أول الأمر، وهو الله -فتعالى الله عما يصفه الظالمون علواً كبيراً- فكل هذا يدل على أن هذا الخبر مختلق على هذا الإمام، وليس من قوله بأي وجه.
وأما حديث الثقلين، فهو وإن كان ثابتاً في بعض كتب الصحاح عند أهل السنة كـصحيح مسلم، وصحيح الترمذي، ومسند الإمام أحمد([460]) وغيرها، إلا أن الرافضة حملوه على غير محمله؛ حيث ادعوا أنه يدل على انحصار الإمامة في أهل البيت دون غيرهم، وليس ذلك من الحديث بأي وجه، وكل ما هو فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استوصى بهم خيراً بأن تراعى لهم حقوقهم وألا يظلموا، هذا هو المراد من الحديث، والله أعلم.
ويؤيد ذلك ما ورد عند مسلم: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي...» الحديث([461]).
وأما قوله: «وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» فهذه الزيادة لم يروها الإمام مسلم، وإنما رواها الترمذي وبعض أصحاب الحديث، ولم يخل شيء منها من مقال.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وقد طعن غير واحد من الحفاظ في هذه الزيادة، وقال إنها ليست من الحديث، والذين اعتقدوا صحتها قالوا: إنما يدل على أن مجموع العترة الذين هم بنو هاشم لا يتفقون على الضلالة، وهذا ما قاله طائفة من أهل السنة، وهو من أجوبة القاضي أبي يعلى وغيره)([462]).
وبعد هذا يعلم فساد تعلقهم بهذا الحديث في دعواهم تحريف القرآن الكريم.
وأما ما رواه الصفار وغيره عن أبي جعفر: (أنه ما يستطيع أحد أن يدعي أنه جمع القرآن...) الخبر -وقد تقدم- وغيره من أخبارهم التي تفيد اختصاص أهل البيت بالقرآن، فهي مردودة بأقوال من أهل البيت أنفسهم؛ حيث نفوا هذه المزاعم في مناسبات كثيرة، وصرحوا بعدم اختصاصهم بشيء عن النبي صلى الله عليه وسلم دون بقية المسلمين.
فقد روى البخاري ومسلم وأحمد -واللفظ لـأحمد - عن أبي جحيفة قال: سألنا علياً: (هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء بعد القرآن؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهم يؤتيه الله عز وجل رجلاً في القرآن، أو ما في الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر)([463]).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك؟ لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت -لاسيما علياً- أشياء من الوحي خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بها، لم يطلع غيرهم عليها)([464]).
وروى الإمام أحمد أيضاً عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: (خطبنا علي رضي الله عنه، فقال: من زعم أن عندنا شيئاً نقرؤه إلا كتاب الله، وهذه الصحيفة فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات فقد كذب) قال: (وفيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور...»)([465]).
إلى غير ذلك مما ورد عن علي رضي الله عنه ما يفند دعوى الرافضة وإبطالها من أساسها؛ حيث صرح بتكذيب كل من يزعم أن عندهم شيئاً غير هذا القرآن، كما بينت الروايات كلها ما اشتملت عليه الصحيفة التي معه، وليس في ذلك شيء مما يزعمه الرافضة.
وهو ما بوّب به البخاري في صحيحه قال: (باب من قال: لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما بين الدفتين) وأورد تحته حديثاً عن ابن عباس، ومحمد بن الحنفية رضي الله عنهم.
روى عن عبد العزيز بن رفيع قال: (دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس رضي الله عنهما، فقال له شداد بن معقل: أترك النبي صلى الله عليه وسلم من شيء؟ قال: ما ترك إلا ما بين الدفتين، قال: ودخلنا على محمد بن الحنفية فسألناه، فقال: ما ترك إلا ما بين الدفتين)([466]).
فهذا تصريح آخر ينفي اختصاصهم بشيء عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا القرآن الموجود بأيدي الناس لاثنين من كبار علماء أهل البيت هما: ابن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم حبر هذه الأمة وترجمان القرآن، ومحمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم جميعاً.
فلو كان هناك شيء اختص به أهل البيت لكانا أولى بالعلم به، ولا يمكن أن يخفى عليهما لمكانتهما في أهل البيت.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (وهذه الترجمة للرد على من زعم أن كثيراً من القرآن ذهب لذهاب حملته، وهو شيء اختلقه الروافض لتصحيح دعواهم أن التنصيص على إمامة علي واستحقاقه الخلافة عند موت النبي صلى الله عليه وسلم كان ثابتاً في القرآن، وأن الصحابة كتموه وهي دعوى باطلة -إلى أن قال-: وقد تلطف المصنف في الاستدلال على الرافضة بما أخرجه عن أحد أئمتهم الذين يدعون إمامته وهو محمد بن الحنفية، وهو ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فلو كان هناك شيء يتعلق بأبيه لكان هو أحق الناس بالاطلاع عليه، وكذلك ابن عباس فإنه ابن عم علي، وأشد الناس له لزوماً واطلاعاً على حاله)([467]).
وبعد هذه التصريحات بالنفي القاطع عدم اختصاصهم بشيء غير هذا القرآن الموجود بين المسلمين جميعاً، نعلم فساد كل ما يتعلقون به من الأخبار المنسوبة إلى أهل البيت الطاهرين، وهم بريئون منها كل البراء، فكلها باطلة ومردودة عليهم.
وكذلك تعلقوا ببعض الأخبار التي وردت عن طريق أهل السنة مما تفيد نسخ بعض الآيات والسور من القرآن الكريم، أو تدل على وجوه من القراءات المأثورة عن بعض السلف وغيرها مما ورد عن السلف الصالح في القرآن الكريم، مما لا يقتضي قدحاً في عظمة القرآن الكريم عندهم.
وأما الرافضة فعلى عادتهم بالتمسك بكل ما يتخيلون فيه أنه يؤيد دعاويهم الباطلة بغض النظر عن صحة هذا الشيء وضعفه، وهل يستقيم لهم الاستدلال به أم لا؟ فهم لا يهمهم شيء من ذلك، وإنما يهمهم وجود شيء ما يتعلقون به ما دام ظاهره يؤيد دعواهم، وإن كان على وجه بعيد؛ ولذا نراهم قد تعلقوا بظواهر هذه الأخبار المروية عن طريق أهل السنة لإثبات دعواهم تحريف القرآن الكريم مع أنهم ضالون في نظرهم، وليس لهم في شيء من تلك الأخبار حجة لهم أبداً -كما سيظهر ذلك للقارئ عند وقوفه على تلك الأخبار والرد على استدلالهم بها-.
فمن ذلك ما تقدم ذكره عن كل من أُبي بن كعب وحذيفة وعائشة وغيرهم رضي الله عنهم، مما يفيد أن أكثر آيات سورتي التوبة والأحزاب وغيرهما من السور نسخت ورفعت من القرآن الكريم.
وما رواه الإمام مسلم وغيره عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه جمع قراء أهل البصرة...، وقد تقدمت الإشارة إلى هذه الأخبار وأمثالها مما يفيد نسخ أشياء كثيرة من القرآن الكريم([468]).
ومن ذلك أيضاً ما روي عن بعض السلف من القراءات الشاذة، وما نسب إلى بعضهم في ذلك من القول بأخطاء الكتاب في تلك الآيات.
فمن ذلك: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما من أنه قرأ: (أفلم يتبين الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدي الناس جميعاً) فقيل له: إنما هي في المصحف ((أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا)) [الرعد:31]، فقال: أظن أن الكاتب كتبها وهو ناعس)([469]).
وعنه أيضاً أنه قال في قوله تعالى: ((لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا)) [النور:27]، قال: أخطأ الكتاب هي (تستأذنوا)([470])، وغيرها من القراءات التي رويت عنه، وهي تخالف القراءات المشهورة الصحيحة الثابتة عن جمهور المسلمين.
ومنها: ما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أيضا أنه قال: (كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك أن علياً مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)([471])الآية)([472]).
وأنه قرأ: (وكفى الله المؤمنين القتال بـعلي بن أبي طالب)([473])، وأنه كان في مصحفه هذه الآية هكذا: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران وآل محمد على العالمين)([474])وغيرها مما ورد عن بعض السلف من القراءات التي خالفوا فيها القراءات المشهورة عن الجمهور.
وكذلك تعلقوا بما رواه ابن أبي داود في مصاحفه عن ابن شهاب قال: (بلغنا أنه كان أنزل قرآن كثير فقتل علماؤه يوم اليمامة الذين كانوا قد وعوه ولم يعلم بعدهم ولم يكتب فلما جمع أبو بكر وعمر وعثمان القرآن ولم يوجد مع أحد بعدهم)([475]).
روى أيضاً بسنده عن الحسين: (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل عن آية من كتاب الله، فقيل: كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، فقال: إنا لله وأمر بالقرآن فجمع)([476]).
هذه هي بعض ما تعلق به الرافضة في دعواهم تحريف القرآن الكريم من الأخبار المروية عن طريق أهل السنة ولا حجة لهم في شيء من تلك الأخبار لما علم من إجماع كل من يعتد بقوله على أن تلك الآيات والسور مما نسخ من القرآن ورفع حكمه، أو أنها من القراءات الشاذة التي لا تجوز القراءة بها، كما أن بعضها جاءت عن طريق الآحاد وهي لا تثبت بها قرآن.
فقد تولى علماء المسلمين -جزاهم الله خيراً- الرد على كل ما تعلقوا به في دعواهم هذه، وبينوا الأوجه الصحيحة التي يجب أن تحمل عليها هذه الأخبار:
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عن حديث أُبي بن كعب في سورة الأحزاب: (وهذا إسناده حسن، وهو يقتضي أنه كان فيها قرآن ثم نسخ لفظه وحكمه أيضاً والله أعلم)([477])، وقال أبو بكر الباقلاني رحمه الله تعالى -عند رده على تمسكهم بقول عمر رضي الله عنه: (كان فيما أنزل الله آية الرجم...)-: (وهذا بأن يكون حجة عليهم أولى؛ لأن آية الرجم لما كانت قرآناً منزلاً لم يذهب حفظها على عمر ولا على غيره وإن كانت منسوخة التلاوة باقية الحكم، والدليل على أنها منسوخة أن جميع الرواة وكل من تكلم في الناسخ والمنسوخ ذكروا نسخها وذلك حجة قاطعة...)([478])إلخ.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى- عند بيانه المراد من قول ابن عباس ومحمد بن الحنفية رضي الله عنهم: (ما ترك إلا ما بين الدفتين) في حديث البخاري المتقدم ذكره([479])-: (وأما جواب ابن عباس وابن الحنفية، فإنما أرادا من القرآن الذي يتلى، أو أرادا مما يتعلق بالإمامة، أي لم يترك شيئاً يتعلق بأحكام الإمامة إلا ما هو يأيدي الناس، ويؤيد ذلك ما ثبت عن جماعة من الصحابة من ذكر أشياء نزلت من القرآن فنسخت تلاوتها وبقي حكمها أو لم يبق، مثل حديث عمر: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) وحديث أنس في قصة القراء الذين قتلوا في بئر معونة، قال: (فأنزل الله فيهم قرآناً: (بلغوا عنا قومنا لقد لقينا ربنا))([480])، وحديث أُبي بن كعب: (كانت الأحزاب قدر البقرة)، وحديث حذيفة: (ما يقرأون ربعها يعني براءة)، وكلها أحاديث صحيحة وقد أخرج ابن الضريس من حديث ابن عمر أنه (كان يكره أن يقول الرجل قرأت القرآن كله، ويقول: إن منه قرآناً قد رفع)([481])، وليس في شيء من ذلك ما يعارض حديث الباب؛ لأن جميع ذلك مما نسخت تلاوته في حياة النبي صلى الله عليه وسلم)([482]).
هذا بعض ما ورد عن علماء المسلمين المحققين من الأقوال حول هذه الأخبار وما وجهوا به تلك الأخبار.
وأما ما تعلقوا به مما ورد في تلك الأخبار من القراءات الشاذة فقد تقدم الرد على ذلك من أقوال العلماء في توجيه تلك القراءات المروية عن السلف بما فيه الكفاية([483]).
وأما الأخبار التي وردت فيها نسبة الخطأ إلى الذين كتبوا المصاحف في الآيات وغيرها فقد أجاب العلماء عن كل ذلك بأجوبة ذكرها السيوطي في الإتقان([484]) بقوله: (وقد أجاب العلماء عن ذلك بثلاثة أجوبة:
أحدها: أن ذلك لا يصح عن عثمان فإن إسناده ضعيف مضطرب منقطع؛ ولأن عثمان جعل للناس إماماً يقتدون به فكيف يرى فيه لحناً ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها! فإذا كان الذين تولوا جمعه وكتابته لم يقيموا ذلك وهم الخيار فكيف يقيمه غيره! وأيضاً فإنه لم يكتب مصحفاً واحداً بل كتب عدة مصاحف فإن قيل: إن اللحن وقع في جميعها فبعيد اتفاقها على ذلك، أو في بضعها فهو اعتراف بصحة البعض ولم يذكر أحد من الناس أن اللحن كان في مصحف دون مصحف، ولم تأت المصاحف قط مختلفة إلا فيما هو من وجوه القراءة، وليس ذلك بلحن.
هذا هو قول أكثر العلماء، يقول الزجاج فيما نقل عنه عند كلامه على قوله تعالى: ((وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ)) [النساء:162]: (قول من قال إنه خطأ بعيد جداً، لأن الذين جمعوا القرآن وهم أهل اللغة، والقدوة فكيف يتركون في كتاب الله شيئاً يصلحه غيرهم؟! فلا ينبغي أن ينسب هذا إليهم).
وقال ابن الأنباري: حديث عثمان لا يصح لأنه غير متصل، ومحال أن يؤخر عثمان شيئاً فاسداً ليصلحه من بعده...) إلى آخر ما ورد عنه في ذلك([485]).
وقال إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: (وأولى الأقوال عندي بالصواب، أن يكون: المقيمين في موضع خفض نسقاً على (ما) التي في قوله: (بما أنزل إليك) -إلى أن قال-: وإنما اخترنا هذا على غيره؛ لأنه قد ذكر أن ذلك في قراءة أُبي بن كعب: (والمقيمين) وكذلك هو في مصحفه فيما ذكروا، فلو كان ذلك خطأً من الكاتب لكان الواجب أن يكون في كل المصاحف غير مصحفنا الذي كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ في كتابه، بخلاف ما هو في مصحفنا، وفي اتفاق مصحفنا ومصحف أُبي بن كعب في ذلك، ما يدل على أن الذي في مصحفنا من ذلك صواب غير خطأ، مع أن ذلك لو كان خطأً من جهة الخط لم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله يعلمون من علموا ذلك من المسلمين على وجه اللحن، ولأصلحوه بألسنتهم، ولقنوه للأمة تعليماً على وجه الصواب، وفي نقل المسلمين جميعاً ذلك قراءة على ما هو به في الخط مرسوماً أدل الدليل على صحة ذلك وصوابه وأن لا صنع في ذلك للكاتب)([486]).
إلى غير ذلك مما ورد من أقوال العلماء في الرد على ما تضمنته هذه الأخبار من وجود أخطاء في بعض الآيات من القرآن الكريم([487]).
والوجه الثاني: على تقدير صحة الرواية، أن ذلك محمول على الرمز والإشارة ومواضع الحذف، نحو (الكتب) (الصبرين) وما أشبه ذلك.
الثالث: أنه مؤول على أشياء خالف لفظها رسمها، كما كتبوا (لا أوضعوا) و(لا أذبحنه) بألف بعد لا، و(جزاؤا الظالمين) بواو وألف، و(بأييد) بيائين، فلو قرئ بظاهر الخط لكان لحناً، وبهذا الجواب وما قبله جزم ابن أشته في كتاب المصاحف)([488])، حيث قال -فيما نقل عنه الألوسي رحمه الله تعالى-: (وأجاب ابن أشته عن جميع ذلك بأن المراد الخطأ في الاختيار ما هو الأولى بحسب ظنه رضي الله عنه لجمع الناس عليه من الأحرف السبعة، لا أن الذي كتب خطأ خارج عن القرآن، واختار جلال الدين السيوطي هذا الجواب، وقال هو أولى وأقعد من جواب ابن الأنباري وتعقبه الألوسي بقوله: (ولا يخفى عليك أن حمل كلام ابن عباس على ذلك لا يخلو عن بعد لما أن ذكر خلاف ظاهر كلامه وأيضاً: ظن ابن عباس أولوية ما أجمع سائر الصحابة رضي الله عنهم على خلافه كما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرضة الأخيرة بعيد)([489]).
هذا بعض ما أجاب به العلماء عن هذه الأخبار.
وعندي أن الوجه الأول هو الأولى والأليق بموقف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تجاه القرآن الكريم، وحرصهم الشديد على إبقائه صافياً كما تلقوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يشهد لذلك ما تقدم ذكره من قصة عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم رضي الله عنهما لما سمعه يقرأ سورة من القرآن على غير ما أقرأه به رسول الله فلم يستطع عمر أن يترك هشاماً على هذه القراءة حتى حكم بينهما رسول الله بتصويب كل منهما بعد أن استمع إلى قراءتهما، وكذلك وقعت لـأُبي بن كعب وعمرو بن العاص وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم، فالكل منهم جرّ صاحبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حكم بينهم بتصويب تلك القراءات كلها([490]).
فإذا كانت هذه حال الصحابة مع بعضهم عند سماعهم قراءة تخالف ما تلقوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن، فإذا كانوا لا يتحملون سماع ما يخالف قراءتهم عن رسول الله فكيف يظن بهم أن يتركوا مثل هذه الأخطاء -المزعومة- في القرآن الكريم من غير تصحيحها؟! هذا بعيد جداً، كما تقدم من أقوال العلماء في ذلك.
وبمثل ذلك يرد على ما أخرجه ابن أبي داود في المصاحف عن ابن شهاب الزهري مما يفيد ذهاب أشياء كثيرة من القرآن الكريم بسبب استشهاد حملته في وقعة اليمامة، وما رواه كذلك من حديث عمر رضي الله عنه من أنه سأل عن آية فقيل: (كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة...)، فهذان الخبران وغيرهما من الأخبار التي بمعناهما تفيد أن هؤلاء الصحابة الذين استشهدوا يوم اليمامة كان معهم من القرآن ما لم يكن عند غيرهم، وهو خلاف الظاهر من حال الصحابة رضي الله عنهم الذين كانوا يحرصون على تلقي القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول نزوله ويتسابقون في حفظه في صدورهم وكتابته في مصاحفهم الخاصة.
والرسول صلى الله عليه وسلم قام بإبلاغه إلى الجميع من غير اختصاص قوم دون قوم، فاعتقاد اختصاص جماعة منهم ببعض القرآن دون جميعهم بعيد جداً؛ لما علم من حرصهم الشديد على تعلم القرآن الكريم وتعليمه.
ومما يؤكد هذا ما ثبت عند البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «خذوا القرآن من أربعة، من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأُبي بن كعب»([491])، وهؤلاء الأربعة ليسوا ممن استشهدوا يوم اليمامة إلا سالم مولى أبي حذيفة فقط، وأما عبد الله بن مسعود، ومعاذ، وأُبي بن كعب فقد بقوا على قيد الحياة إلى فترة من الزمن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك ثبت أن جماعة من الصحابة غير هؤلاء الأربعة حفظوا القرآن في حياة رسول الله، كما ورد ذلك في أحاديث كثيرة متفرقة([492]).
بالإضافة إلى الذين حفظوا أجزاء متفرقات من القرآن، وهم جل الصحابة رضي الله عنهم، إما حفظاً في الصدور، أو كتابة في السطور، أو فيهما معاً، فكل ما كان مع من قتل يوم اليمامة من القرآن فهو بلا شك موجود عند غيرهم من الصحابة.
كما هو واضح من قول أبي بكر لـزيد رضي الله عنهما في حديث جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق، (قال أبو بكر رضي الله عنه: (إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى إن استحر القتل بالقراء بمواطن أخرى فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن...)([493])الحديث.
فتخوف عمر رضي الله عنه هنا هو أن لا يحدث في قراء القرآن الكريم مثل ما حدث فيهم يوم اليمامة، فيكون سبباً في ذهاب بعض القرآن، فلذلك طلب تدارك الأمر قبل فوات أوانه، وليس فيه شيء يدل على أن بعض أجزاء القرآن ضاع بسبب قتل حملته يوم اليمامة، فكلامه بين في أن ما كان مع هؤلاء المقتولين يوم اليمامة موجود عند غيرهم، ولذا طلب أن يجمع القرآن في مكان واحد قبل أن يحدث للباقين ما حدث للسابقين.
فمن هنا نعلم فساد استدلالهم بهذه الأخبار وغيرها من الأخبار المروية عن طريق أهل السنة في إثبات دعواهم تحريف القرآن الكريم لعدم الدلالة في شيء من ذلك على مدعاهم.
وظهر من ذلك أيضاً بطلان ما ينسبونه إلى أهل السنة من أنهم يقولون بتحريف القرآن كما تقدم من أقوالهم في ذلك، فكيف تصح هذه النسبة إليهم والإجماع منعقد عندهم على أن هذا هو القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو كل الموجود بين دفتي المصحف لم ينقص منه شيء، ولم يزد فيه حرف، فهو محفوظ بحفظ الله وصيانته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن من اعتقد غير ذلك فيه فهو كافر خارج عن الملة استناداً إلى قوله تعالى: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9] وقوله تعالى: ((لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)) [فصلت:42]، وقوله تعالى: ((إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ)) [القيامة:17]* ((فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)) [القيامة:18]، وغيرها من الآيات الكثيرة التي تدل على تكفل الله تعالى بحفظ القرآن وصيانته.
فمن اعتقد وقوع التحريف فيه -بعد كل هذا من الله تعالى: وعده بحفظه ونفيه عنه كل باطل، وتعهده بجمعه في صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم- فهو طاعن في حكم الله تعالى، ووعده ومن طعن في حكم الله فهو كافر بلا خلاف بين المسلمين، وعلى ذلك تدل أقوال العلماء كما سيأتي ذكر بعضها إن شاء الله تعالى.
كما اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ القرآن والمحافظة عليه؛ حيث اتخذ من الصحابة كتاباً يكتبون كل ما ينزل عليه من القرآن مع إرشاده إياهم إلى مواضع الآيات من سورها فلا ينزل عليه شيء من القرآن إلا استدعى أحداً من أولئك الكتاب وأمره بكتابته، كما كان جبريل عليه السلام يعارضه القرآن في كل سنة مرة وفي السنة التي التحق فيها بالرفيق الأعلى عارضه فيها مرتين، كل ذلك لضبط القرآن والتثبت من سلامته([494]).
وكذلك بذل الخلفاء الراشدون ومن كان معهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان كل ما في وسعهم في الحفاظ على ضمان سلامة القرآن بحفظه في صدورهم وبكتابته في السطور مع عدم توفر أدوات الكتابة المتيسرة لديهم كل ذلك بتوفيق من الله تعالى وتحقيقاً لوعده النافذ.
فلا يلتفت بعد ذلك إلى ما ينعق به ذووا الأغراض الخبيثة والأهواء من صيحات: من الرافضة وغيرهم الذين يحقدون على الإسلام وأهله ويسهرون لهدمه عن طريق التشكيك في مصادره، وما هم ببالغيه.
وقد قيض الله تعالى للذب عن دينه ومصادره العلماء من المسلمين قاموا بالرد على أباطيل أعداء الإسلام وفندوا مطاعنهم في الإسلام ومصادره وأبطلوها بالأدلة الواضحة والبراهين القاطعة وبينوا زيفها لجميع المسلمين.
فمن ذلك ما قاله الإمام ابن حزم الأندلسي رحمه الله تعالى في رده البليغ على الرافضة ودعواهم تحريف القرآن: (ومما يبين كذب الروافض في ذلك أن علي بن أبي طالب الذي هو عند أكثرهم إله خالق، وعند بعضهم نبي ناطق، وعند سائرهم إمام معصوم مفروض طاعته، ولي الأمر وملك فبقي خمسة أعوام وتسعة أشهر خليفة مطاعاً، ظاهر الأمر ساكناً بـالكوفة، مالكاً للدنيا حاشا الشام ومصر إلى الفرات، والقرآن في المساجد في كل مكان، وهو يؤم الناس به والمصاحف معه وبين يديه، فلو رأى فيه تبديلاً كما تقول الرافضة أكان يقرهم على ذلك، ثم ابنه الحسن وهو عندهم كأبيه فجرى على ذلك.
فكيف يسوغ لهؤلاء النوكى([495]) أن يقولوا: إن في المصحف حرفاً زائداً أو ناقصاً أو مبدلاً مع هذا، ولقد كان جهاد من حرف القرآن وبدل الإسلام أوكد عليه من قتال أهل الشام الذين إنما خالفوه في رأي يسير رأوه، ورأى خلافه فقط، فلاح كذب الرافضة ببرهان لا محيد عنه، والحمد لله رب العالمين)([496]).
وقال في رده على ما يتعلق به النصارى من أقوال الرافضة في ذلك: (وأما قولهم في دعوى الروافض تبديل القرآن، فإن الروافض ليسوا من المسلمين، إنما هي فرقة حدث أولها بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، وكان مبدؤها إجابة ممن خذله الله تعالى لدعوة من كاد الإسلام، وهي طائفة تجري مجرى اليهود والنصارى في الكذب والكفر، وهي طوائف أشدها غلواً بإلهية علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وإلهية جماعة معه، وأقلهم غلواً يقولون: بأن الشمس ردت على علي بن أبي طالب مرتين، فقوم هذا أقل مراتبهم في الكذب أيستشنع منهم كذب يأتون به...؟، وكل من لم يزجره عن الكذب ديانته أو نزاهة نفسه أمكنه أن يكذب ما شاء...)([497]).

الباب الثاني: موقف الرافضة من معاني القرآن الكريم:
وتحته فصلان:
الفصل الأول: اعتمادهم التأويل الباطل تفسيرات للقرآن الكريم وسبب ذلك.
الفصل الثاني: نماذج من تأويلاتهم الباطلة.
 الفصل الأول: اعتمادهم التأويل الباطل تفسيراً للقرآن الكريم وسبب ذلك:
المعروف أن أصحاب الأهواء والعقائد المنحرفة يحاولون دائماً أن يجعلوا القرآن الكريم مستندهم في إثبات عقائدهم الباطلة، وتحقيق أغراضهم الخبيثة، من إغواء عوام المسلمين وإضلالهم عن الحق، وإخراجهم منه إلى أباطيلهم.
ولأجل ذلك كله نراهم يجدون في البحث عن الآيات التي يتخيلون فيها أنها تخدم عقائدهم تلك، فيؤولونها طبقاً لتلك العقائد بكل تعسف.
وفي ذلك يقول الدكتور محمد حسين الذهبي رحمه الله -عند كلامه عن تفرق الشيعة إلى أحزاب شتى تبعاً لأهوائهم-: (وكان -طبعياً- وكل حزب من هذه الأحزاب يدعي الإسلام، ويعترف بالقرآن ولو في الجملة، أن يبحث كل عن مستند يستند إليه من القرآن، ويحرص كل الحرص على أن يكون القرآن شاهداً له لا عليه، فما وجده من الآيات القرآنية يمكن أن يكون دليلاً على مذهبه تمسك به، وأخذ في إقامة مذهبه على دعامة منه، وما وجده مخالفاً لمذهبه حاول بكل ما يستطيع أن يجعله موافقاً لا مخالفاً وإن أدى هذا كله إلى خروج اللفظ القرآني عن معناه الذي وضع له وسيق من أجله)([498]).
وهكذا الأمر كما قاله الدكتور الذهبي هنا؛ فأهل الأهواء يبحثون دائماً عن الآيات التي يرون أنها تخدم أغراضهم فيؤولونها وفقاً لأهوائهم الزائفة وتبعاً لأغراضهم الخبيثة.
والرافضة الذين هم من أخبث أصحاب تلك الأهواء والعقائد المنحرفة، فبالرغم من طعنهم على نصوص القرآن الكريم بالتحريف والنقصان كما تقدم تفصيل ذلك في الباب الأول من هذا البحث، فإن موقفهم من معانيه أيضاً قائم على تأويل آياته تبعاً لسلطان عقيدتهم وما تمليه عليهم أهواؤهم الزائفة وتفرضه عليهم أغراضهم الخبيثة، من غير النظر إلى وجود علاقة بين الآية وما يؤولونها به، ولا إلى المعنى الصحيح المقصود من الآية المنقول عن سلفنا الصالح، وإنما يهمهم فقط خدمة عقيدتهم وأهوائهم مهما كلفهم ذلك من الثمن بالكذب والافتراء على أهل البيت الطاهرين البريئين من كل ما ينسب إليهم هؤلاء الروافض.
ولتحقيق ذلك عندهم وضعوا لأنفسهم طريقة خاصة في تفسيرهم للقرآن الكريم لا يشاركهم فيها أحد من المسلمين، وتركوا الطريقة المعروفة لدى أهل الحق من المسلمين طريقة السلف الصالح التي هي:
أن يفسر القرآن بالقرآن، فإن لم يوجد فبأقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أقواله شارحة للقرآن الكريم، ومبينة له، قال تعالى: ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)) [النحل:44]، فإن لم يوجد التفسير في القرآن ولا في السنة، فبأقوال الصحابة رضي الله عنهم.
وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن، ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة؛ فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن، والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح)([499]).
فإن لم يوجد في شيء من ذلك فبأقوال التابعين، في قول أكثر العلماء؛ لأنهم أخذوا تفسيرهم عن الصحابة الذين حضروا نزول القرآن وشاهدوه، فهم أعلم بالقرآن ممن جاء بعدهم.
هذا هو المنهج الصحيح والسليم في تفسير القرآن الكريم، وهو الذي يسير عليه أهل الحق -من السلف الصالح فمن بعدهم إلى أن يرث الله الأرض من عليها- في تفسيرهم لكتاب الله تعالى، وبيان المراد من آياته.
وأما الرافضة -فلحاجة في أنفسهم- تركوا هذا المنهج السليم الواضح الخالي من كل تكلفات، واتبعوا منهجاً خاصاً بهم في تفسير القرآن الكريم، وهم إنما وضعوا هذا لأنفسهم حتى يتمكنوا من التلاعب بكتاب الله تعالى بإخراج ألفاظه عن معانيها الصحيحة المرادة منها إلى أباطيلهم خدمة لأهوائهم الزائفة.
ومن أهم طرق هذا المنهج الذي يسلكونه في تفسيرهم للقرآن الكريم ما يلي:
الطريقة الأولى: التفسير بأقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم المروية عن طريقهم فقط.
وأما أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم المروية عن طريق أهل السنة، من الصحابة الكرام ومن بعدهم ممن ليسوا من أئمة الرافضة، فهي مرفوضة عندهم قطعاً فلا يأخذون بها في تفسير القرآن، ولا في غيره، كما تدل على ذلك أقوالهم: يقول محمد حسين آل كاشف الغطاء في معرض حديثه عن الأمور التي يفترق بها الشيعة الإمامية عن غيرهم من المسلمين: (منها: أنهم لا يعتبرون من السنة -أعني الأحاديث النبوية- إلا ما صح لهم من طريق أهل البيت عن جدهم،- يعني ما رواه الصادق عن أبيه زين العابدين، عن الحسين السبط، عن أبيه أمير المؤمنين، عن رسول الله سلام الله عليهم جميعاً، إلى أن قال: أما ما يرويه مثل أبي هريرة، وسمرة بن جندب... ونظائرهم، فليس لهم عند الإمامية من الاعتبار مقدار بعوضة...)([500]).
ويقول محمد حسين الطباطبائي([501]) في مقدمة تفسيره: (ثم وضعنا في ذيل البينات متفرقات من أبحاث روائية نورد فيها ما تيسر لنا إيراده من الروايات المنقولة عن النبي صلى الله عليه وآله وأئمة أهل البيت، سلام الله عليهم أجمعين من طرق العامة والخاصة.
وأما الروايات الواردة عن مفسري الصحابة والتابعين، فإنها على ما فيها من الخلط والتناقض([502]) لا حجة فيها على مسلم)([503])فهو واضح من تصريحات هذين الرافضيين، وغيرهما أنهم يرفضون الأحاديث المروية عن طريق أهل السنة، وهو دليل على رفضهم لأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن ما روي من أقواله شيء عن طريق أهل البيت الصحيح منها والضعيف -وهو الأغلب- لا يبلغ معشار ما روي عن طريق أهل السنة، فرفض كل ذلك رفض لأقواله شيء كلياً، أعاذنا الله من ذلك.
والطريقة الثانية عندهم في تفسير القرآن: هي التفسير بالأقوال المنسوبة إلى أئمتهم، وهي المعول عليها، والعمدة في تفسير القرآن عندهم أولاً وآخراً في حقيقة الأمر؛ لأن الناظر في كتب التفاسير عندهم، وغيرها من كتبهم المسندة يجد أن أغلب الأخبار عندهم -إن لم يكن كلها- تنتهي إلى من يسمونهم أئمة، والنادر القليل الذي يصل منها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب التمويه، والتدليس على عوام المسلمين، لا ليعملوا بها.
كيف يعملون بها وأخبار أئمتهم تساويها أو هي فوقها؟
يقول الطوسي في مقدمة تفسيره: (واعلم أن الرواية ظاهرة في أخبار أصحابنا بأن تفسير القرآن لا يجوز إلا بالأثر الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الأئمة عليهم السلام الذين قولهم حجة كقول النبي صلى الله عليه وسلم)([504]).
هذا بعض ما رسموا لأنفسهم من الطريقة التي يسيرون عليها في تفسيرهم للقرآن الكريم، بل تلاعبهم بالقرآن، ورفضهم المنهج الصحيح الذي عليه أهل الحق من المسلمين، مما حدا بهم إلى أن يخرجوا بمعاني القرآن الكريم عن وظائفها التي جاءت من أجلها إلى معانٍ سخيفة وساقطة بفعل من تأويلاتهم الباطلة البعيدة، والمتعسفة، والتي لا يقبلها إلا العقول المريضة.
ومما لا يشك فيه أحد أن هناك أسباباً وأموراً دعتهم إلى هذا التأويل الباطل، والقول على الله بغير علم، وهي أسباب كثيرة، ولكنها في مجملها لا تخرج عن كونها اتباعاً للهوى ومناصرة له؛ فإنهم قد وضعوا لأنفسهم عقائد لفقوها بخرافات وأباطيل من نسج عقولهم السقيمة، فلابد من أن ينصروا تلك الخرافات، وأن يدافعوا عنها مهما كلفهم ذلك، فكان من الطبيعي أن يتوجهوا إلى القرآن الكريم باعتباره المنبع الأول للتشريع الإسلامي؛ ليبحثوا فيه عما يؤيد عقائدهم تلك ما داموا يدعون الإسلام، ولكنهم لما يئسوا من الحصول على شيء في القرآن يساعدهم في تثبيت تلك الدعوى منهم وتأييدها، راحوا يطعنون على القرآن الكريم أولاً بأن نصوصه قد وقع فيها تحريف وتبديل وحذف، كما تقدم ذكر موقفهم ذلك في الباب الأول من هذا البحث.
ثم راحوا ثانياً إلى معاني القرآن الكريم فأولوها وصرفوها إلى خدمة عقائدهم المنحرفة، وإلى إيجاد مخارج لأنفسهم يخرجون منها عندما يضيق بهم الخناق.
يقول محمد حسين الذهبي عند حديثه عن تأويلات فرق الشيعة: (كذلك نجد الإمامية الإثني عشرية يميلون بالقرآن نحو عقائدهم يلوونها حسب أهوائهم ومذاهبهم، وهؤلاء ليس لهم في تفسيرهم المذهبي مستند صحيح يستندون إليه، ولا دليل سليم يعتمدون عليه، وإنما هي أوهام نشأت عن سلطان العقيدة الزائفة، وخرافات صدرت من عقول عشش فيها الباطل وأفرخ، فكان ما كان من خرا فات وتراهات)([505])!
ومن أهم هذه الأسباب التي دعتهم إلى هذا التأويل الباطل: مسألة الإمامة عندهم، فإنها ركن من أركان الإيمان بل هي أفضلها، وأنها من أهم مطالب الدين، حتى وصل بهم الأمر إلى أن رفعوها إلى مرتبة النبوة، وأنه لا يتم إيمان أحد منهم إلا بعد اعترافه بالإمام، والإيمان به، ويعادي أعداءه([506]).
كما تدل رواياتهم الكثيرة المنسوبة إلى أئمتهم منها:
ما رواه الكليني بسنده في باب (معرفة الإمام والرد إليه)، عن أبي أذينة، قال: حدثنا غير واحد عن أحدهما عليه السلام أنه قال: (لا يكون العبد مؤمناً حتى يعرف الله ورسوله والأئمة كلهم، وإمام زمانه ويرد إليه، ثم قال: كيف يعرف الآخر وهو يجهل الأول)([507]).
وروى أيضاً بسنده عن أبي جعفر قال: (بني الإسلام على خمس: على الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية).
وفي رواية زرارة عنه قال: (فقلت: وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل، لأنها مفتاحهن، والولي هو الدليل عليهن....)([508])، إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على تقديمهم الإمامة على جميع أعمال الدين من أخبارهم المنسوبة إلى أئمتهم وهم لما أعطوا إمامتهم هذه المرتبة العظيمة والمكانة العالية ثم وجدوا أنه لم يأت في القرآن الكريم ذكر لهذه الإمامة عندهم، ولو بالإشارة لم يكن شيء من ذلك في القرآن، فهم لما وجدوا أن القرآن لم يتعرض لإمامتهم بشيء من الذكر وهي أهم مطالب الدين عندهم وأشرفها كما يحلولهم التعبير، شق عليهم ذلك، وضاقت بها أنفسهم، أخذوا يبحثون عن منقذ لهم من هذا المأزق ثم وجدوا أن التأويل هو خير سبيل لهم للخروج من هذا المأزق، فعمدوا إلى آيات نزلت في أشياء لا علاقة لها بمسألة الإمامة من أي وجه لا من قريب ولا من بعيد، فأولوها بالإمامة بدعوى أنها تعني الإمامة في الباطن كما سيتضح ذلك عند ذكر النماذج من هذه التأويلات.
وكذلك حملهم على التأويل الباطل تلك الخرافات التي انبثقت عن مسألة الإمامة وتقديسهم لها كقولهم بعصمة الأئمة، وقولهم بالرجعة، وبالتقية، وغيرها من عقائدهم التي نتجت عن عقيدة الإمامة عندهم، فهم لما قالوا بهذه الخرافات وجعلوها من صميم دينهم والأساس الذي يقوم عليه بحيث لا يتم إيمان أحد منهم إلا أن يعتقد بتلك الخرافات ويؤمن بها كما تدل عليه رواياتهم المنسوبة إلى أئمتهم.
فقد روى الكليني بسنده عن أبي عمر الأعجمي قال: قال لي أبو عبد الله: (يا أبا عمر! إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له)([509]).
وروى أيضاً بسنده عن معمر بن خلاد قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن القيام للولاة، فقال: قال أبو جعفر: التقية ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له)([510]).
وغيرهما من الأخبار الواردة في تقيتهم وبيان مرتبتها في دينهم.
وأما الرجعة فقد نسبوا في ذلك أيضاً أخباراً كثيرة إلى أئمتهم تدل على وجوب الإيمان بها، منها:
ما رواه الصدوق عن الصادق قال: (ليس منا من لم يؤمن بكرتنا([511]) ويستحل متعتنا...)([512]).
ادعى عبد الله شبر تواتر الأخبار الواردة في الرجعة، وأنها من ضروريات مذهبهم حيث قال: (وقد عرفت من الآيات([513]) المتظافرة والأخبار المتواترة وكلام جملة من المتقدمين والمتأخرين من شيعة الأئمة الطاهرين، أن أصل الرجعة حق لا ريب فيه، ولا شبهة تعتريه، ومنكرها خارج عن ربقة المؤمنين؛ فإنها من ضروريات مذهب الطاهرين...) إلى آخر ما ورد عنه في ذلك([514]).
وهم بإعطائهم عقائدهم هذه المكانة في دينهم ومن صميم عقيدتهم ولم يجدوا لها ذكراً في القرآن الكريم، ولو في آية واحدة، دفعهم ذلك إلى أن عمدوا إلى آيات من القرآن الكريم فأولوها تبعاً لتلك العقائد وحسب هواهم، نابذين بذلك وراء ظهورهم المعاني الصحيحة المقصودة من تلك الآيات، وأصبح القرآن لعبة بأيديهم يتلاعبون بنصوصه ومعانيه كيفما يشاءون، ويضعونها حيث يريدون من غير اعتبار لأي معيار صحيح في فهم الخطاب، ووصل بهم الأمر إلى أن ادعوا أن جل القرآن نزل في الولاية وفي أئمتهم، وفي أعدائهم حتى أصبح وكأن القرآن إنما جاء لتثبيت عقائد الرافضة فقط وليس له هدف غير ذلك.
ويدل على ذلك ما رواه العياشي وغيره عن أبي الجارود قال: سمعت أبا جعفر يقول: (نزل القرآن على أربعة أرباع: ربع فينا، وربع في عدونا، وربع في فرائض وأحكام، وربع في سنن وأمثال، ولنا كرائم القرآن)([515]).
فعندهم أن كل ما في القرآن من مدح وذكر حسن فالمراد به أئمتهم ومواليهم، وكل ما فيه من ذم، أو عتاب فالمراد به من يسمونهم أعداء لهم ومواليهم، وإن كانت الآية ظاهرة في المشركين أو في الأمم السابقة، وهذا هو صريح رواياتهم.
روى العياشي بسنده عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر: (يا محمد! إذا سمعت الله ذكر أحداً من هذه الأمة بخير فنحن هم، وإذا سمعت الله ذكر قوماً بسوء ممن مضى فهم عدونا)([516]).
فالآيات التي نزلت في ذم المشركين والكفار جعلوها في الذين لا يوالون أئمتهم، فالشرك عندهم هو الإشراك بالأئمة بأن يتخذ إمام من غير أئمتهم.
كما أن الكفر عندهم هو الكفر بولاية أئمتهم.
روى الكليني بسنده عن أبي عبد الله قال: (من أشرك مع إمام إمامته من عند الله من ليس إمامته من الله كان مشركاً بالله)([517]).
هذا هو الشرك والكفر عند الرافضة، وأما الإشراك بالله أو الكفر به فليس له أهمية كبيرة عندهم، ولذا أخرجوهم من كل ذم في القرآن وجعلوه في الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذه هي أهم الأمور والأسباب التي حملتهم على الإقدام على التأويل الباطل تفسيراً للقرآن الكريم ومخالفة جمهور المسلمين في ذلك.
ولغرابة تفسيرهم هذا وبعده عن العقول فقد عملوا على جعله مقبولاً لدى العوام وتقريبه إلى العقول السليمة بما اختلقوا لأئمتهم من الأوصاف والمنازل التي لا يمكن تصورها في أي بشر أياً كانت مرتبته من الله؛ حيث رفعوهم حتى جعلوهم فوق الأنبياء، والملائكة أحياناً، وادعوا أنهم أركان الأرض، وحجج الله في الأرض.
روى الكليني في باب (أن الأئمة أركان الأرض) بسنده عن أبي عبد الله قال: (ما جاء به علي عليه السلام آخذ به، وما نهى عنه انتهي عنه جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد صلى الله عليه وآله...) إلى أن قال: (كان أمير المؤمنين باب الله الذي لا يؤتى إلا منه، وسبيله الذي من سلك بغيره هلك، وكذلك يجري لأئمة الهدى واحداً بعد واحد، جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها، وحجته البالغة على من فوق الأرض وتحت الثرى، وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه كثيراً ما يقول: أنا قسيم الله بين الجنة والنار، وأنا الفاروق الأكبر، وأنا صاحب العصا والميسم، ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقروا به لمحمد صلى الله عليه وآله، ولقد حملت([518]) على مثل حمولته وهي حمولة الرب، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله يدعى فيكسى وأدعى فأكسى ويستنطق وأستنطق فأنطق على حد منطقته، ولقد أعطيت خصالاً ما سبقني إليها أحد قبلي: علمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني ولم يعزب عني ما غاب عني...)([519])الخبر.
هذا الخبر وغيره من الأخبار الواردة في هذا الباب صريحة برفع علي رضي الله عنه والأئمة من بعده فوق جميع الأنبياء والملائكة عليهم السلام كما هو صريح هذا الخبر وغيره؛ حيث جعل علياً مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع صفاته، وبما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق، فـعلي الذي هو مثله -على حد زعمهم- يكون هو أيضاً أفضل الخلق، وأثبتوا ذلك أيضاً للأئمة من بعده، فكانوا بذلك أفضل الخلق جميعاً، وحتى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد رفعوا أئمتهم فوقه -حاشا لله- ويدل على ذلك بعض فقرات هذا الخبر المنسوب إلى علي رضي الله عنه -و علي منه بريء- حيث ورد فيه من قوله: (وقد أعطيت خصالاً ما سبقني إليها أحد قبلي، علمت المنايا والبلايا...).
فهذه الخصال طبعاً خاصة لـعلي كما هو ظاهر من هذا الخبر: (ما سبقني إليها أحد قبلي) وهو مع ذلك قد أعطي جميع ما أعطي محمد والنبيون من قبله صلوات الله وسلامه عليهم -على حسب زعمهم- فيكون هو أفضل الجميع.
وكذلك ادعوا أن أئمتهم يعلمون كل شيء، ما كان وما لم يكن ولا يغيب عنهم شيء لا في السماء ولا في الأرض وأنهم المختصون بعلم القرآن وتأويله وأنه يجب أخذ علم القرآن وتفسيره منهم لا من غيرهم، لأنهم -بزعمهم- تراجمة القرآن وخزنته وورثة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز أن يؤخذ علم القرآن إلا عنهم.
و على ذلك تدل رواياتهم المنسوبة إلى أئمتهم، وتدل عليه أقوال علمائهم.
روى الصفار بسنده عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (إن للقرآن تأويلاً فمنه ما قد جاء ومنه ما لم يجئ، فإذا وقع التأويل في زمان إمام من الأئمة عرفه إمام ذلك زمانه)([520]).
ويقول محمد بن إبراهيم النعماني في معرض حديثه عن ورود ذكر مسألة الإمامة في القرآن ورده على من ينكر ذلك: (ولعمري لقد صدقوا على أنفسهم وأئمتهم الذين يقتدون بهم في أنهم لا يجدون ذلك في القرآن؛ لأنهم ليسوا من أهله ولا ممن أوتي علمه ولا جعل الله ولا رسوله لهم فيه نصيباً بل خص بالعلم كله أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين آتاهم العلم ودل عليهم، الذين أمر بمسألتهم ليدلوا على موضعه من الكتاب الذي هم خزنته وورثته وتراجمته)([521])وقال محمد باقر المجلسي: (واعلم يا أخي وفقك الله بما يرضاه بفضله، وجنبك ما يسخطه برحمته أن القرآن جليل خطره وعظيم قدره ولما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القرآن مع أهل بيته وهم التراجمة عنه المفسرون له وجب أخذ ذلك عنهم ومنهم)([522]).
فهو ظاهر من خلال هذا الخبر ومن أقوال علمائهم أنه لا يجوز أخذ علم القرآن إلا عمن يزعمون أنهم أئمتهم، كما أنه يجب التسليم بكل ما يصدر عن أئمتهم من تأويل القرآن الكريم وغيره، وعدم الاعتراض على شيء من ذلك وإن كان مخالفاً للعقل ولظاهر القرآن لا يجوز الاعتراض عليه؛ لأنه قول الإمام وهو مفوض فيما يفعل من أمور الدين والدنيا، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم -على حد زعمهم- فوض الأئمة في جميع ما كلفه الله به من أمر العباد فلهم أن يتصرفوا كيف يشاءون من تقديم شيء أو تأخيره، وتحليله أو تحريمه، كل ذلك إليهم ولا يسع الناس إلا متابعتهم فيها فقط، لأنهم الوسطاء بين الله وخلقه وهم العالمون بمصالح الناس من الناس أنفسهم، فلهم أن يضعوها فيما يرون؛ ولذلك تأتي أجوبتهم مختلفة ومتناقضة في مسألة واحدة بعينها حيث يجيب فيها الإمام بجواب ثم يجيب بجواب غير ما أجاب به في المرة الأولى.
كما يدل على ذلك ما رواه العياشي بسنده عن جابر الجعفي قال: (سألت أبا جعفر عن شيء في تفسير القرآن، فأجابني، ثم سألته ثانية، فأجابني بجواب آخر فقلت: جعلت فداك! كنت أجبتني في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم، فقال لي: يا جابر! إن للقرآن بطناً وللبطن ظهراً يا جابر! وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن إن الآية لتكون أولها في شيء وآخرها في شيء، وهو كلام متصل يتصرف على وجوه)([523]).
وروى الكليني بسنده عن محمد بن سنان قال: (كنت عند أبي جعفر الثاني فأجريت اختلاف الشيعة فقال: يا محمد! إن الله تبارك وتعالى لم يزل متفرداً بوحدانيته ثم خلق محمداً وعلياً وفاطمة، فمكثوا ألف دهر ثم خلق جميع الأشياء، فأشهدهم خلقهم وأجرى طاعتهم عليها وفوض أمورها إليها، فهم يحلون ما يشاءون ويحرمون ما يشاءون، ولن يشاءوا إلا أن يشاء الله تبارك وتعالى...)([524]).
هذا ما نسبوه إلى أئمتهم من القول في دفع شناعة تناقض أقوالهم عند إفتاءاتهم لمسائل مواليهم، بدعوى التفويض في أمور الدين وهذا كله من وضع الرافضة على هؤلاء الأطهار من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلاقهم عليهم كذباً وزوراً، وهم بريئون كل البراء، هذا مما لا يستريب فيه كل من له أدنى عقل.
والرافضة إنما اختلقوا هذه الأوصاف والمراتب لأئمتهم، ووضعوا عليهم الأخبار في ذلك كله ليمهدوا بذلك للوصول إلى أهدافهم الباطلة وهي إثبات عقائدهم المنحرفة، وذلك أنهم لما تأكدوا أنه لن يقبل الناس تلك العقائد منهم لزيفها ومخالفتها لكل القيم والمعايير الدينية والإنسانية وخروجها عن جميع مبادئ هذا الدين الحنيف، لما أدركوا أن خرافاتهم هذه لن تلقى قبولاً لدى المسلمين حتى عند ضعاف العقول منهم، راحوا يبحثون عن أمور تقربها إلى عقول الناس وتجعلها مقبولة لديهم، فرأوا أن خير معين لهم على ذلك هو التعلق بأهل البيت؛ لأنهم وجدوا أن المسلمين يحترمونهم ويحبونهم لدينهم ولمكانتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستغلوا ذلك الحب والاحترام من المسلمين لأهل البيت، فاختلقوا لهم من الأوصاف والخيالات التي مكنتهم فيما بعد من بث سمومهم بين المسلمين، واستطاعوا بذلك أن يسيطروا على عقول بعض ضعاف المسلمين الذين قبلوا تلك الخرافات منهم بعد أن أسدلوا عليها ستار الحب لأهل البيت، وبعد أن حجروا على عقول الجهلة بما اختلقوه من الأساطير لأئمتهم كأسطورة التفويض وغيرها.
وأخذوا في ظل هذه الأساطير يفسرون القرآن على هواهم، وبكل ما تتخيله عقولهم المريضة، فتفسير القرآن عندهم هو أن تقول بما تحب وتشاء في القرآن، وأن تستدل به على كل ما تريد أن تثبته من غير نظر إلى صحة ما تقول أو ضعفه ما دام تنسبه إلى إمام معصوم المفوض في تأويله، وألغوا كل الضوابط والمعايير الصحيحة في فهم المراد من كلام المتكلم، فهم لا ينظرون إلى سياق الآيات ولا غيرها من الاعتبارات الشرعية، ولا اللغوية كل ذلك لا اعتبار لها عند الرافضة في تفسيرهم القرآن الكريم فأصبحوا بذلك مخالفين لجميع المسلمين في تفسير القرآن وتأويله؛ وذلك لأن تفسيرهم تابع لعقيدتهم وهواهم، وفي ذلك يقول الدكتور محمد حسين الذهبي رحمه الله -عند كلامه عن أثر تقديسهم لأئمتهم في تفسيرهم القرآن، وما تفرعت عن ذلك من العقائد كالعصمة وغيرها-: (وهذه كلها عقائد رسخت في أذهانهم، وتمكنت من عقولهم، فأخذوا بعد هذا ينظرون إلى القرآن الكريم من هذه العقائد، ففسروا القرآن وفقاً لهواهم، وفهموا نصوصه وتأولوها حسبما تمليه عليهم العقيدة ويزينه لهم الهوى، وهذا تفسير بالرأي المذموم، تفسير من اعتقد أولاً ثم فسر ثانياً بعد أن اعتقد)([525]).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن تفسير الرافضة وأضرابهم من أصحاب الأهواء: (والمقصود أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأياً، ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين لا في رأيهم، ولا في تفسيرهم)([526]).
وقال الإمام ابن قتيبة رحمه الله تعالى عند رده على تأويلات المتكلمين وغيرهم في القرآن الكريم: (وفسروا القرآن بأعجب تفسير، يريدون أن يردوه إلى مذاهبهم ويحملوا التأويل على نحلهم... إلى أن قال: (وأعجب من هذا التفسير تفسير الروافض للقرآن، وما يدعونه من علم باطنه ما وقع إليهم من الجفر([527])...........)([528]).
هذه هي طريقة الرافضة في تفسير القرآن الكريم، وهو في الحقيقة ليس بتفسير، وإنما هو تلاعب بكتاب الله، ومعانيه، وتحريف لكلامه عن مواضعه، وإلحاد في آياته لا أكثر ولا أقل.
وسيتضح للقارئ فيما سأنقله من نماذج من تأويلاتهم تلك في الفصل التالي إن شاء الله تعالى.
 
الفصل الثاني
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الآيات التي أولوها بمسألة الإمامة عندهم وما اثبثق عنها من القول بعصمة الأئمة، والقول بالرجعة، والقول بالتقية.
المبحث الثاني: الآيات التي أولوها بمن يزعمون أنهم أعداء لهم.
 الفصل الثاني: نماذج من تأويلاتهم الباطلة:
بعد أن ذكرت اتجاههم في تفسير القرآن الكريم في الفصل من هذا الباب أود في هذا الفصل أن أذكر شيئاً من تأويلاتهم تلك لذ لقرآن الكريم على سبيل التمثيل لا الحصر.
ونظراً لتعدد الأسباب الداعية لهم إلى التأويل الباطل من كتاب الله تعالى، فقد قسمت مباحث هذا الفصل إلى مبحثين:
المبحث الأول:
الآيات التي أولوها بمسألة الإمامة عندهم، وما انبثق عنها من القول بعصمة الأئمة، والقول بالرجعة، والقول بالتقية.
المبحث الثاني:
الآيات التي أولوها بمن يزعمون أنهم أعداء لهم.
 
المبحث الأول: الآيات التي أولوها بمسألة الإمامة:
الإمامة عندهم هي أساس دينهم ولب مذهبهم ولذا نراهم يكرسون جهودهم في تأويل آيات كثيرة من القرآن الكريم بأئمتهم وتفسيرها تفسيراً يتفق مع تلك العقيدة عندهم، مع أنه لا توجد علاقة قريبة ولا بعيدة بين الآيات وما يدعون لها من معانٍ لا من جهة الشرع، ولا من اللغة ولا العقل، أو سياق الكلام؛ فلا شيء من هذه الاعتبارات الصحيحة لفهم خطاب المتكلم تساندهم في تفسيرهم ذلك، ولكن الرافضة لا يهمهم كون الاعتبار صحيحاً أو غير صحيح، وإنما يهمهم فقط تدعيم عقيدتهم وتثبيتها كما سيظهر ذلك جلياً للقارئ عندما يقف على نماذج من تفسيراتهم للقرآن الكريم، والتي لا يخالج أحد الشك في بطلانها لشدة ما فيها من الغرابة والسخافة، ولمعارضتها النقل الصحيح والعقل السليم، وسياق الآيات، وهي المعايير الصحيحة لفهم الخطاب -فأي فهم خرج عن نطاقها يعتبر باطلاً ولاغياً.
وسأكتفي بعرض أباطيلهم تلك في تفسير الآيات دون أن أعلق عليها كثيراً، وذلك لوضوح بطلانها لكل من له أدنى فهم للنصوص.
هاهي بعض الأمثلة من تلك التأويلات الباطلة للآيات بأئمتهم:
تفسيرهم لقوله تعالى: ((اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)) [الفاتحة:6].
قالوا: المراد بالصراط المستقيم: علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
روى علي بن إبراهيم القمي وغيره عن أبي عبد الله قال: (((الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)) هو أمير المؤمنين، ومعرفة الإمام)([529]).
فهذا التفسير مخالف لما فسر به السلف هذه الآية، وأجمعت عليه الأمة، وهو أن معنى الآية: الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، إلى غير ذلك من المعاني التي وردت عن السلف الصالح في هذه الآية، وليس في شيء منها ما تذهب إليه الرافضة، بل وقد ثبت عن بعض السلف العكس من ذلك؛ حيث قالوا: المراد بـ((الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)) رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فيما أخرجه ابن جرير الطبري بسنده عن عاصم عن أبي العالية في قوله: ((اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)) [الفاتحة:6] قال: (هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده: أبو بكر وعمر، قال: فذكرت ذلك للحسن، فقال: صدق أبو العالية ونصح)([530]).
هذا وإن كنا لا ننكر أن يكون علي بن أبي طالب وغيره من جملة من ذكر فإنه عندنا من الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمرنا باتباعهم، واتباع سنتهم، فمن اتبع علياً اتباعاً صحيحاً مخلصاً من قلبه فإنه يرجى له الخير من الله تعالى، وإنما ننكر المعنى الذي تذهب إليه الرافضة وتدعيه باعتبارهم الخاصة لعدم وجود مستند لهم في ذلك، ولأنهم بتفسيرهم هذا للآية قد ضيقوا مفهومها الواسع من غير مسوغ لذلك.
وفي قوله تعالى: ((صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)) [الفاتحة:7]قالوا: المراد بها: شيعة علي.
روى فرات بن إبراهيم الكوفي بسنده عن محمد بن الحسين عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هم شيعة علي الذين أنعمت عليهم بولاية علي بن أبي طالب، لم تغضب عليهم، ولم يضلوا»([531]).
والوضع في هذا الحديث ظاهر لمخالفته لما ورد عن السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم من التابعين؛ حيث ورد في قول الكثير منهم أن المراد بالمنعم عليهم في الآية هم من ذكرهم الله تعالى في آية النساء: ((وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً)) [النساء:69].
هذا هو قول جمهور المفسرين من السلف الصالح وكل ما ورد عنهم من الأقوال غير هذا فهو راجع إلى هذا المعنى بلا خلاف([532])، ولم ينقل عن واحد من الصحابة هذه الرواية التي نسبها الرافضة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أنه لم يثبت من طريق آخر غير الرافضة.
وفي قوله تعالى: ((الم)) [البقرة:1]* ((ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)) [البقرة:2]* ((الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)) [البقرة:3] قالوا: ((ذَلِكَ الْكِتَابُ)) هو علي بن أبي طالب، وقوله: ((هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)) المتقون هم شيعة علي ((الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)) أي الذين يؤمنون بقيام قائمهم([533]).
هذا التفسير بطلانه ظاهر؛ فإنه على خلاف النقل والعقل، فكيف يعقل أن يكون الكتاب هو علي بن أبي طالب في هذه الآية؟!! هذا ما لا يعرفه حتى الحذاق من أصحاب اللغة في لسانهم.
وفي قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا...)) [البقرة:26].
إن كنا قد تعجبنا من تفسيرهم الكتاب بـعلي، فالعجب في تفسيرهم لهذه الآية أشد وأغرب من ذي قبل؛ حيث قالوا في الآية: البعوضة: علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقوله: ((فَمَا فَوْقَهَا)) رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى علي بن إبراهيم القمي بسنده عن أبي عبد الله قال: (إن هذا المثل ضربه الله لأمير المؤمنين؛ فالبعوضة: أمير المؤمنين، وما فوقها: رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدليل على ذلك قوله تعالى: ((فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ)) [البقرة:26] يعني: أمير المؤمنين، كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الميثاق عليهم له)([534]).
فإن ما في هذا التفسير من الاستهزاء الواضح بـعلي رضي الله عنه، وتنقيص لقدره كافٍ لإبطاله، فإن المعروف أن البعوضة غالباً إنما تضرب بها المثل للدلالة على حقارة الممثل له وتفاهته، فكيف يتصور أن ينزل علي بن أبي طالب رضي الله عنه مثل هذه المنزلة؟ هذا فيه الإساءة إلى علي رضي الله عنه، وليس بمدح أبداً.
بينما تتفق أقوال أهل التفسير على أن السبب في نزول هذه الآية هو: استنكار بعض المشركين أو اليهود لبعض الأمثال التي ضربها الله في القرآن لتفاهتها في نظرتهم، وإن اختلفوا في تعيين المثل.
إلا أن الجمهور على ما نقل عن ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم أنه لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين- يعني قوله تعالى: ((مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً)) [البقرة:17] وقوله: ((أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاءِ)) [البقرة:19] الآيات.
قال المنافقون: (الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله تعالى: ((هُمْ الْخَاسِرُونَ)) [البقرة:27]، هذا الذي رجحه ابن جرير الطبري وغيره من أئمة التفسير؛ حيث قال: (وقد ذهب كل قائل ممن ذكر قوله في هذه الآية وفي المعنى الذي نزلت فيه مذهباً، غير أن أولى ذلك بالصواب، وأشبهه بالحق ما ذكرنا من قول ابن مسعود وابن عباس)([535]).
وهذا الذي روي عن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم بعيد كل البعد عما فسر به الرافضة الآية.
وفي قوله تعالى: ((وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)) [البقرة:40] قالوا: ((وَأَوْفُوا بِعَهْدِي)) أي أوفوا بولاية علي، ((أُوفِ بِعَهْدِكُمْ)) أي أوف لكم الجنة([536]).
هذا تفسير يأباه سياق الآية، فإن سياقها يتعلق ببني إسرائيل ودعوتهم إلى الوفاء بعهد الله وشكر النعم التي أنعم الله عليهم بها، وإن كانت الآية عامة إلا أنها لا يدخل فيها ما يزعمه الرافضة تفسيراً لها، فإن ما اقترن بالآية من النداء (يا بني إسرائيل) يؤكد نزول الآية في بني إسرائيل خاصة دون غيرهم، ودعوى الرافضة نزولها في ولاية علي رضي الله عنه دعوى عارية من الدليل، ويرفضه سياق الكلام من الآية.
وفي قوله تعالى: ((أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ)) [البقرة:87].
قالوا: قوله: ((بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ)) يعني: ولاية علي، ((فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ)) يعني آل محمد([537]).
وهذه الآية كسابقتها هي أيضاً في بني إسرائيل بلا خلاف كما هو ظاهر من صدر الآية: ((وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ)) [البقرة:87] الآية، فسياق الآية من أولها إلى آخرها كله في بني إسرائيل، وليس في شيء منه ذكر لهذه الأمة فضلاً عن الولاية.
وفي قوله تعالى: ((قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ)) [البقرة:136] الآية.
روى العياشي وغيره عن أبي جعفر في قوله: ((قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا)) قال: (إنما عنى بذلك علياً والحسن والحسين وفاطمة، وجرت بعدهم في الأئمة، قال: ثم رجع القول من الله في الناس فقال: ((فَإِنْ آمَنُوا)) [البقرة:137] يعني الناس ((بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ)) يعني: علياً وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من بعدهم([538]).
فتفسير قوله: ((وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا))، وقوله: ((بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ)) بـعلي ومن ذكر معه من أهله تفسير غريب جداً مخالف لما أجمع عليه كل من يعتد بقوله، على أن المراد به القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم كما يدل عليه لفظ (أنزل) الذي يأتي استعماله في القرآن على إنزال الكتب من السماء في أغلب استعمالاته.
قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في الآية: (يقول أيضاً: صدقنا بالكتاب الذي أنزل الله إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم...)([539]).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (أرشد الله تعالى عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم مفصلاً وما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملاً...)([540]).
هذا هو تفسير الآية الذي يقبله العقل ويؤيده السياق واللغة بخلاف تفسير الرافضة هذا الذي يخالف كل الاعتبارات الصحيحة.
وفي قوله تعالى: ((وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا)) [البقرة:189]. قال: (الأوصياء هم المعنيون بالبيوت التي أمر الله أن تؤتى من أبوابها، فمن بايعهم وأقر بولايتهم فقد دخل البيوت من أبوابها، ومن خالفهم ولم يقر بولايتهم فقد أتى البيوت من ظهورها)([541]).
هذا بطلانه ظاهر لمعارضته ما اشتهر من أقوال العلماء المعتبرين في سبب نزول هذه الآية، وهو أن الآية نزلت في قوم كانوا لا يدخلون بيوتهم من قبل أبوابها إذا أحرموا.
أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: (كانت الأنصار إذا حجوا ورجعوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها، قال: فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه، فقيل له في ذلك، فنزلت هذه الآية: ((وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا))).
وهناك روايات أخرى من وجوه متعددة ولكنها متقاربة في المعنى، وليس في شيء من ذلك ما يزعمه الرافضة في الآية([542]).
ورواه البخاري ومسلم في صحيحيهما أيضاً([543]).
وفي قوله تعالى: ((مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ...)) [البقرة:261] الآية.
فقد فسروا هذه الآية بما يبعث على الضحك والعجب؛ حيث روى الفضل بن محمد الجعفي قال: سألت أبا عبد الله عن هذه الآية قال: (الحبة: فاطمة، والسبع السنابل: سبعة من ولدها سابعهم قائمهم. قلت: الحسن؟ قال: الحسن إمام من الله مفترض طاعته، ولكن ليس من السنابل السبعة، أولهم الحسين وآخرهم القائم، فقلت قوله: ((فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ))، قال: يولد للرجل منهم في الكوفة مائة من صلبه، وليس إلا هؤلاء السبعة)([544]).
وقد استغرب هذا الرافضي من هذا التفسير المنسوب إلى إمامهم هذا وله الحق أن يستغرب؛ لأنه على خلاف العقل ولذا نراه قد أورد على هذا التفسير تساؤلات بما يدل على دهشته منه كسؤاله أولاً: عن وجه حصر أئمتهم في السبع السنابل هنا وهم أكثر من ذلك، ثم عارض هذا التفسير على هذا الوجه بقوله: ((فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ))([545])وذلك يناقض هذا التفسير تماماً، وهو أقوى دليل على أنهم يتعمدون الكذب على الله، والقول عليه من غير علم، وقالوا في قوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)) [آل عمران:7].
المراد بقوله: ((هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ)) وبقوله: ((وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)) [آل عمران:7] علي بن أبي طالب والأئمة من بعده.
روى الكليني بسنده عن أبي عبد الله في قوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ)) قال: (أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة من بعده... والراسخون في العلم: أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة عليهم السلام)([546]).
وهناك سؤال يفرض نفسه، وهو أنه إذا كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبناؤه -الذين يزعم الرافضة أنهم أئمتهم- هم الآيات المحكمات في كتاب الله! فمن يكون الآيات المتشابهات؟ فإن السياق ظاهر في تقسيم آيات القرآن إلى قسمين:
محكمات هن أم الكتاب، ومتشابهات.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية: (يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي: بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم...)([547]).
هذا هو تقسيم الآيات في كتاب الله: محكمات ومتشابهات، فتفسير أحدهما بأشخاص معينين دون القسم الثاني لا دليل عليه من الكتاب والسنة، ولا من العقل، فهو تقوّل على الله بغير علم.
فمعنى قوله: ((هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ)) عند جمهور المسلمين: أي الأصل الذي يُرجع إليه عند الاشتباه -كما قال الحافظ ابن كثير وغيره من أهل العلم بالتفسير-([548]).
وأما تخصيصهم: ((وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)) بـعلي وأبنائه أيضاً، فهو تخصيص بلا دليل لا يلتفت إليه، فالآية عامة في كل من رزقه الله بشيء من العلم من هذه الأمة، وليست قاصرة على طائفة معينة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم كما يدعي هؤلاء الروافض.
وقد عد الشيخ محمود الزعبي هذا النوع من التخصيص من التفسير المذموم، حيث قال: (تخصيص الآيات وقصرها على بعض من تتناوله بمدلولها، من غير دليل صحيح يدل على ذلك من التفسير المذموم الذي يجب أن ينأى المسلمون بالقرآن الكريم عنه، بل هو نوع من أنواع التحريف الذي وقع فيه أهل الكتاب الذين نهينا أن نكون مثلهم، أو نشابههم في أعمالهم)([549]).
وقالوا في قوله تعالى: ((إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ)) [آل عمران:96] إلى قوله: ((وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً)) [آل عمران:97].
قالوا: المراد بالآية هو أن من دخل مع قائمهم يكون آمناً.
روى ابن بابويه بسنده عن أبي عبد الله قال: (في قائمنا أهل البيت، فمن بايعه ودخل معه ومسح على يده ودخل في عقدة أصحابه كان آمنًا)([550]).
فمعنى هذا أن هذه الآية ليست لها مفعولية حتى يقوم قائمهم؛ هذا ما يلزم من تفسيرهم لهذه الآية على هذا الوجه، وهو تفسير مردود بسياق الكلام في الآية، فإنه لا يخالج أحداً الشك في أن الضمير في قوله: ((دَخَلَهُ)) عائد إلى البيت الذي وصفه الله تعالى بقوله: ((إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ)) وهو الكعبة، هذا لا يختلف فيه اثنان من المسلمين([551]).
كما أن تفسيرهم هذا يناقض ما ذكروه من أن سبب اختفاء إمامهم الغائب هو الخوف من أعدائه لئلا يقتلوه، فكيف يكون الداخل معه آمناً، ولا يأمن هو على نفسه؟! أليس هذا تناقضاً ظاهراً؛ وهو دليل على سفاهة عقولهم، وتعمدهم الكذب على الله سبحانه وتعالى.
وفي قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء:48].
روى العياشي بسنده عن أبي جعفر قال: (أما قوله: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)) يعني أنه لا يغفر لمن يكفر بولاية علي.
وأما قوله: ((وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) هو يعني لمن والى علياً عليه السلام)([552]).
هذا ما يؤكد لنا أنهم يقدمون إمامتهم على عبادة الله وحده، ويرفعونها فوق وحدانية الله، بل إمامتهم هي كل العبادة عندهم، وليس بعدها شيء غيرها كما هو واضح من تفسيرهم هذا من حصر المغفرة لمن لا يشرك بأئمتهم وعدم المغفرة لمن يشرك بهم.
وفي قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)) [النساء:58].
قالوا: هذه الآية نزلت في أئمتهم وهي أمر لهم بأن يؤدي كل إمام إلى من يأتي بعده الكتب والسلاح.
روى الكليني بسنده عن بريد العجلي قال: (سألت أبا جعفر عن قول الله عز وجل: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)) قال: إيانا عني، أن يؤدي الأول إلى الإمام الذي بعده الكتب والعلم والسلاح...)([553]).
هذا أيضاً يؤكد عدم اعتبارهم لأوامر الله وحده، وإنما تهمهم إمامتهم فقط، ولذلك يصرفون كل ما أمر الله به إلى إمامتهم ويقصرونه عليها، بكل تعسف؛ إذ لا توجد دلالة في الآية على إمامتهم من أي وجه.
وفي قوله تعالى: ((وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)) [الأعراف:180] الآية، فقد فسروا هذه الآية أيضاً بما يدل على جرأتهم على الله وتنقيصهم لعظمته وقدره؛ حيث قالوا: إن أسماء الله الحسنى هي أئمتهم.
روى الكليني بسنده عن أبي عبد الله في الآية قال: (نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا)([554]).
وفي قوله تعالى: ((إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)) [التوبة:36] الآية.
روى المفيد في الغيبة فيما نقله عنه هاشم البحراني عن جابر الجعفي قال: (سألت أبا جعفر عن تأويل قول الله عز وجل: ((إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ)) قال: فتنفس سيدي الصعداء ثم قال: يا جابر! أما السنة: فهي جدي رسول الله صلى الله عليه وآله، وشهورها اثنا عشر شهراً، فهو: أمير المؤمنين إلي وإلى ابني جعفر وابنه جعفر، وابنه موسى، وابنه علي، وإلى ابنه الحسن، وإلى ابنه محمد الهادي المهدي اثنا عشر إماماً حجج الله على خلقه وأمنائه على وحيه وعلمه، والأربعة الحرم الذين هم ((الدِّينُ الْقَيِّمُ)) أربعة منهم يخرجون باسم واحد: علي أمير المؤمنين، وعلي بن الحسين، وعلي بن موسى، وعلي بن محمد فالإقرار بهؤلاء هو الدين القيم)([555]).
فشهور السنة الاثنا عشر هي أئمة الرافضة وهم المعنيون بذلك لا غير، هذا لا يقول به إلا من فقد الحياء مع الله تعالى، فقال في كتابه بما يشاء.
وفي قوله تعالى: ((وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ)) [يونس:15].
قالوا: قوله: ((ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ)) أي ائت بغير علي بن أبي طالب، وقوله: ((إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ)) [يونس:15] أي من ولاية علي بن أبي طالب([556]).
هذا من أعجب التفسير وأغربه، ويبعث على الضحك، ودليل على سخافة عقول الرافضة وسفاهتها؛ لأن السياق واضح في أن الآية في المشركين وموقفهم من القرآن الكريم، وطلبهم من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي بغير هذا القرآن، هذا هو معنى الآية عند كل من يعتد به من المسلمين، وتفسير الآية بأن المراد بها علي بن أبي طالب رضي الله عنه وولايته تفسير معكوس وقلب للحقائق لا يقبله إلا من كان معكوس القلب والفهم.
((أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً)) [هود:17].
قالوا: قوله: ((وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً)) هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقوله: ((وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً)) أي أن ولاية علي كانت في كتاب موسى.
وقوله: ((فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ)) [هود:17] أي في ولاية علي([557]).
فتفسيرهم لقوله: ((وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ)) وغيره بأنه هو علي بن أبي طالب وولايته تفسير باطل لم ينقل عن أحد يعتد به من علماء المسلمين، وقد ضعف الحافظ ابن كثير هذا القول؛ حيث قال- عند ذكره الأقوال الواردة في بيان المراد من قوله: ((أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ)) [هود:17]-: (وقيل: هو علي، وهو ضعيف لا يثبت له قائل، والأول -أي أنه جبريل -، والثاني -أي أنه محمد عليهما السلام- هو الحق)([558]).
وقد نقل عن علي رضي الله عنه ما يبطل قول الرافضة هذا فيما أخرجه ابن جرير الطبري بسنده عن محمد بن الحنفية قال: (قلت لأبي: يا أبت، أنت التالي في ((وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ)) قال: لا، والله يا بني وددت أني كنت أنا هو، ولكنه لسانه)([559]).
هذا ما روي عن علي رضي الله عنه في بيان المراد من هذه الآية، وأنه هو النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي قوله تعالى: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)) [الرعد:28].
قالوا: المراد بقوله: ((الَّذِينَ آمَنُوا)): الشيعة، و((بِذِكْرِ اللَّهِ)) علي بن أبي طالب والأئمة([560]). هذا محض الكذب والتقوّل على الله بغير علم.
وفي قوله تعالى: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ)) [الرعد:29].
روى علي بن إبراهيم القمي بسنده عن أبي عبد الله قال: (طوبى: شجرة في الجنة في دار أمير المؤمنين، وليس أحد من شيعته إلا في داره غصن من أغصانها، وورقة من أوراقها تستظل تحتها أمة من الأمم)([561]).
فإن ما اشتملت عليه هذه الرواية من تخصيص علي بن أبي طالب رضي الله عنه وشيعته بهذا الحكم كافٍ لبيان وضعها على إمامهم هذا، والذي ورد عند أهل العلم بالتفسير من علماء المسلمين: أن ((طُوبَى)) شجرة في الجنة.
أخرج ابن جرير الطبري والإمام أحمد وغيرهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن رجلاً قال له: يا رسول الله! ما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها» وغيره من الأحاديث الكثيرة التي رواها في هذا المعنى([562]).
هذا الذي عليه أكثر العلماء، يقول القرطبي رحمه الله: (الصحيح أنها شجرة، للحديث المرفوع الذي ذكرناه، وهو صحيح على ما ذكره السهيلي...)([563]).
وفي قوله تعالى: ((أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ)) [إبراهيم:24].
قالوا: (أَصْلُهَا ثَابِتٌ) هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(وفرعُها) هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
والأئمة من ذريته: هم أغصانها، وعلم الأئمة: ثمرتها، وشيعتهم المؤمنون: هم ورقها([564]).
هذا ما فسروا به هذه الآية، وهو مخالف لما عليه جمهور المفسرين من أن هذا مثل ضربه الله للمؤمن، ولعمله الصالح.
فالكلمة الطيبة هي: شهادة أن لا إله إلا الله، هذا ما قال به ابن عباس رضي الله عنهما([565]).
وهو الموافق للعقل، بخلاف تفسير الرافضة هذا الذي هو ضرب من تلاعبهم في القرآن الكريم.
وفي قوله تعالى: ((وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)) [النحل:51].
قالوا: معنى قوله: ((لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ)) أي لا تتخذوا إمامين، وقوله: ((إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ)) أي هو إمام واحد([566]).
فهو ظاهر من هذا أنهم ينزلون أئمتهم في منزلة الله تعالى؛ سبحانه وتعالى عما يصفه الظالمون.
وفي قوله تعالى: ((وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)) [النحل:68].
قالوا: المراد بالنحل: يعني الأئمة، الجبال: العرب، والشجر: الموالي، ومما يعرشون: يعني الأولاد والعبيد ممن لم يعتق.
والثمرات المختلفة ألوانها: فنون العلم الذي قد يعلم الأئمة شيعتهم.
فيه شفاء للناس: أي في العلم شفاء للناس، والشيعة هم الناس([567]).
هذا تفسير لا يعرفه حتى العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، لا يعرفون هذا التفسير أبداً من لسانهم.
وفي قوله تعالى: ((وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً)) [الإسراء:110].
روى العياشي بسنده عن أبي جعفر قال: (تفسيرها: ولا تجهر بولاية علي، ولا بما أكرمته به حتى آمرك بذلك، ((وَلا تُخَافِتْ بِهَا)) يعني وتكتمها علياً وأعلمه ما أكرمته به)([568]).
ولا يصح شيء من هذا التفسير، وهو بعيد كل البعد عن كل ما ورد من أسباب لنزول هذه الآية على ما ذكره العلماء.
فمن ذلك ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ((وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا)) قال: (نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختفٍ بـمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ((وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ)) أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ((وَلا تُخَافِتْ بِهَا)) عن أصحابك فلا تسمعهم: ((وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً)))([569]).
إلى غير ذلك من الأسباب التي ذكرت لنزول هذه الآية وليس في شيء منها ما يزعمه الرافضة تفسيراً للآية([570]).
وفي قوله تعالى: ((اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ)) [النور:35] الآية.
روى محمد بن يعقوب الكليني بسنده عن أبي عبد الله في الآية قال: (((مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ)) فاطمة عليها السلام، ((فِيهَا مِصْبَاحٌ)) الحسن ((الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ)) الحسين، ((الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ)) فاطمة كوكب دري بين نساء أهل الدنيا، ((يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ)) إبراهيم عليه السلام، ((زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ)) لا يهودية ولا نصرانية، ((يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ)) يكاد العلم ينفجر بها ((وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ)) إمام منها بعد إمام، ((يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ)) يهدي الله للأمة من يشاء)([571])
هذا ما نسبوه إلى إمامهم هذا من التفسير، وقد ورد عن محمد باقر المجلسي أحد علمائهم المجتهدين تفسير مخالف لهذا التفسير المنسوب إلى الإمام حيث يقول: (فـ (المشكاة) رسول الله صلى الله عليه وسلم و(المصباح) الوصي أو الأوصياء، و(الزجاجة) فاطمة، و(الشجرة المباركة) رسول الله صلى الله عليه وسلم، و(الكوكب الدري) القائم المنتظر الذي يملأ الأرض عدلاً، ((يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ)) أي ينطق ناطق)([572]).
هذا ما فسر به هذ الرجل منهم الآية، وهو مخالف لما نسبوه إلى إمامهم هذا في الآية بل مناقض له هذا كله يؤكد عدم صحة نسبة هذا التفسير إليه، وأنه من تقول الرافضة على الله بغير علم.
وفي قوله تعالى: ((مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ)) [النمل:89]* ((وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ)) [النمل:90] الآية.
قالوا: المراد بالحسنة: معرفة الولاية وحب أهل البيت، والسيئة: إنكار الولاية وبغض أهل البيت([573]).
لا ينكر أحد من المسلمين أن حب أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من الحسنات، كما أن بغضهم كذلك من السيئات، ولكن ليس على المعنى الذي يذهب إليه الرافضة من الغلو في أهل البيت، واختلاق الخرافات فيهم.
كما أن تفسيرهم هذا لهذه الآية على هذا الوجه ضيق مفهوم الآية الواسع وقصره على بعض أفراده من غير دليل موجب لذلك.
ومما يؤكد فساد تفسيرهم هذا ما رواه محمد بن يعقوب الكليني بسنده عن أبي عبد الله أيضاً في تفسير قوله تعالى: ((وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ)) [القصص:54].
بأن المراد بالحسنة: التقية، وبالسيئة: إذاعة أمر أئمتهم.
ففسر الحسنة هنا بالتقية، والسيئة بإذاعة أمرهم([574]).
بينما فسرهما في آية سورة النمل بحب أهل البيت وبغضهم، وكلاهما من إمام واحد ومن راوٍ واحد.
فهذا التناقض دليل على اختلاقهم هذه الرواية على إمامهم هذا.
وفي قوله تعالى: ((إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)) [الأحزاب:72].
قالوا: المراد بالأمانة في هذه الآية: ولاية علي بن أبي طالب رضي الله عنه هي التي عرضت على السموات والأرض فأبين أن يحملنها، وحملها الإنسان([575]).
هذا مجرد دعوى لا دليل عليها لا من النقل، ولا من العقل، وهو تفسير فاسد لما فيه من رفع رتبة الولاية على رتبة الرسالة؛ لأنه إذا كانت الأمانة الموصوفة بهذه الصفات هي ولاية علي بن أبي طالب رضي الله عنه -كما يزعمون- فمعنى ذلك أن الولاية أعلى مرتبة من الرسالة؛ إذ لم توصف الرسالة بشيء من تلك الأوصاف ولا حاملها بالظلم والجهل، وهذا لا يقول به إلا من أعمى الله بصيرته وفقد الحياء من الله سبحانه وتعالى.
والذي عليه أهل الحق من العلماء أن المراد بالأمانة الواردة في الآية: أنها عامة في جميع الفرائض والحدود وكل ما يدخل تحت كلمة الأمانة حتى أمانات الناس بعضهم مع بعض كلها داخلة في هذه الآية وليست قاصرة بأمانة دون غيرها، فمن قال بغير ذلك فعليه الدليل([576]).
وفي قوله تعالى: ((قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى)) [سبأ:46].
قالوا: المراد بقوله: ((إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ)) ولاية علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو الواحدة عندهم([577]).
تفسيرهم لهذه الآية بولاية علي دليل على جهلهم، وسخافة عقولهم، وتعمدهم الكذب على الله سبحانه وتعالى، وبطلانه ظاهر لكل أحد؛ فإن الآية قد فسرت نفسها؛ حيث ورد فيها بيان الموعوظ به وهو قوله: ((أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى)) الآية فهذا هو المأمور به في الآية لا غيره وهو الذي دل عليه سياق الكلام في الآية، وموافق للغة ولم يأت نقل صحيح بخلافه.
وفي قوله تعالى: ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ)) [فاطر:32].
روى محمد بن يعقوب الكليني بسنده عن سالم قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل: ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)) قال: السابق بالخيرات: الإمام، والمقتصد: العارف للإمام، والظالم لنفسه: الذي لا يعرف الإمام).
وروى نحوه عن أبي عبد الله، وعن أبي الحسن الرضا([578]).
هذا مخالف لما ثبت عند أهل العلم بالتفسير وغيرهم من علماء المسلمين في الآية، وببيان المراد منها، فقد ذهبوا إلى أن المراد بالآية: هذه الأمة، وأن الأقسام الثلاثة المذكورة في الآية فيهم، فالظالم لنفسه: هو المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات، والمقتصد: هو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات مع جواز تركه بعض المستحبات، وارتكاب بعض المكروهات، والسابق بالخيرات: هو الفاعل للواجبات والمستحبات التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات.
هذا هو تفسير الآية عند جمهور المسلمين، وهو المنقول عن السلف الصالح.
قال الألوسي رحمه الله تعالى: ((الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)) هم كما قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى اصطفاهم على سائر الأمم وجعلهم أمة وسطاً ليكونوا شهداء على الناس وخصهم بالانتماء إلى أكرم رسله، وأفضلهم عليهم الصلاة والسلام([579]).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد أن أورد الأحاديث الواردة في ذلك: (فهذا ما تيسر من إيراد الأحاديث والآثار المتعلقة بهذا المقام، وإذا تقرر هذا فإن الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة هذه الأمة، فالعلماء أغبط الناس بهذه النعمة، وأولى الناس بهذه الرحمة([580]).
وفي قوله تعالى: ((وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإٍبْرَاهِيمَ)) [الصافات:83].
قالوا: معنى الآية: أن إبراهيم عليه السلام من شيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه([581]).
هذا بطلانه أوضح من الشمس في رابعة النهار، فإن كل من عنده أدنى معرفة باللغة العربية يدرك أن ضمير الهاء في قوله: ((وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ)) أنه عائد إلى نوح عليه السلام أو المذكور قبله، أي إن إبراهيم عليه السلام من شيعة نوح.
هذا بَيِّن لكل أحد إلا من أعمى الله بصيرته، إذ لا يوجد ذكر لاسم علي في هذه السورة البتة، فضلاً عن هذه الآية.
وفي قوله تعالى: ((وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ)) [الزمر:65].
قالوا: قوله: ((لَئِنْ أَشْرَكْتَ)) أي: لئن أمرت بولاية أحد مع ولاية علي من بعدك([582]).
هذا يناقض ما هو مقرر عندهم من أن كل آية فيها عتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأنبياء عليهم السلام أن المراد بها غيرهم؛ لأن عصمتهم تمنع من ذلك -على حد زعمهم- وهم بتفسيرهم هذه الآية هنا بالنبي صلى الله عليه وسلم قد ناقضوا أنفسهم، وهو من أقوى الأدلة على فساد تفسيرهم هذا وبطلانه.
وفي قوله تعالى: ((رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ)) [الرحمن:17]* ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) [الرحمن:18]. قالوا: ((الْمَشْرِقَيْنِ)) رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.
((الْمَغْرِبَيْنِ)) الحسن والحسين رضي الله عنهما.
((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) أبالنبي أم بالوصي تكذبان([583]).
وفي قوله تعالى: ((وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً)) [الجن:16].
روى محمد بن يعقوب الكليني بسنده عن أبي جعفر قال: (يعني لو استقاموا على ولاية علي بن أبي طالب أمير المؤمنين والأوصياء من ولده عليهم السلام وقبلوا طاعتهم في أمرهم ونهيهم ((لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً)) يقول: لأشربنا قلوبهم الإيمان.
و(الطريقة) هي الإيمان بولاية علي والأوصياء)([584]).
وفي قوله تعالى: ((وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ)) [الفجر:1-3].
قالوا: ((وَالْفَجْرِ)) يعني به القائم، ((وَلَيَالٍ عَشْرٍ)) الأئمة من الحسن والحسين، ((وَالشَّفْعِ))و علي بن أبي طالب، وفاطمة رضي الله عنهما([585]).
وفي قوله تعالى: ((وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ)) [التين:1]* ((وَطُورِ سِينِينَ)) [التين:2]* ((وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ)) [التين:3]. قالوا: قوله ((وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ)) الحسن والحسين.
وقوله: ((وَطُورِ سِينِينَ)) علي بن أبي طالب رضي الله عنه([586]).
فهذه السور جميعاً مكية باتفاق العلماء إلا ما نقل عن بعض السلف كـابن عباس في رواية عنه، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم في سورة الرحمن من أنها مدنية، والجمهور على أنها مكية، ورجح ذلك القرطبي وغيره من العلماء([587]).
إذاً فهي كلها مكية نزلت قبل زواج علي بـفاطمة رضي الله عنهما فضلاً عن وجود الحسن والحسين!!
ومن هنا يعلم فساد تفسيرهم لهذه الآيات وغيرها بولاية أئمتهم.
ويرد على هذا التفسير منهم أيضاً بما رد به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على قول ابن المطهر([588]) في دعواه نزول سورة ((هَلْ أَتَى)) في أئمتهم؟ حيث قال: (وذكر أشياء من الكذب تدل على جهل ناقلها، مثل قوله: نزل في حقهم ((هَلْ أَتَى)) فإن سورة ((هَلْ أَتَى)) مكية باتفاق العلماء، وعلي إنما تزوج فاطمة بـالمدينة بعد الهجرة، ولم يدخل بها إلا بعد غزوة بدر، وولد له الحسن في السنة الثالثة من الهجرة، والحسين في السنة الرابعة من الهجرة بعد نزول ((هَلْ أَتَى)) بسنين كثيرة.
فقول القائل: إنها نزلت فيهم، من الكذب الذي لا يخفى على من له علم بنزول القرآن وعلم بأحوال هؤلاء السادة الأخيار([589]).
وبهذا يتبين للقارئ مدى تعمد الرافضة الكذب والافتراء على من يزعمون أنهم أئمتهم، وتقولهم على الله بغير علم، في سبيل خدمة عقائدهم الفاسدة وأغراضهم الخبيثة.
هذا قليل من كثير من شطحاتهم في القرآن الكريم حول أئمتهم وهي كثيرة جداً ولا يمكن حصرها في مثل هذا الكتاب؛ إذ يدعون أن جل القرآن نزل في أئمتهم، حيث يقولون: إن كل آية فيها ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) فالمراد بها أئمتهم، وإنهم كل الحسنات والخيرات في القرآن الكريم، وهم وهم... إلى آخر ما ورد عنهم في ذلك من كتبهم المعتمدة، وقد عقد الكليني في كافيه أبواباً كثيراً بهذا المعنى.
وعلى ذلك تدل رواياتهم المنسوبة إلى أئمتهم، فمن ذلك ما رواه أبو جعفر الطوسي بسنده إلى الفضل بن شاذان عن داود بن فرقد قال: (قلت لـأبي عبد الله عليه السلام: أنتم الصلاة في كتاب الله عز وجل، وأنتم الزكاة، وأنتم الحج؟ فقال: يا داود! نحن الصلاة في كتاب الله عز وجل، ونحن الزكاة، ونحن الصيام، ونحن الحج، ونحن الشهر الحرام، ونحن البلد الحرام، ونحن كعبة الله، ونحن قبلة الله، ونحن وجه الله، ونحن الآيات، ونحن البينات...)([590]).
إلى آخر ما ورد عنهم في هذا الخبر المنسوب إلى إمامهم هذا وغيره، مما يفيد حصر جميع أوامر الله في أئمتهم، وليس إلى الله خالق الخلق شيء منها، فكل شيء موجه -بزعمهم- إلى الأئمة، وهم يهدفون من وراء كل ذلك هدم الإسلام بصرف الناس عن عبادة الله وحده إلى عبادة طواغيتهم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
 
الآيات التي أولوها بعصمة أئمتهم:
وأما الآيات التي تعسفوا في تأويلها بعصمة أئمتهم فهي أيضاً كثيرة منها:
قوله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33].
قالوا: هذه الآية تدل على عصمة أهل البيت؛ لأن الله أخبر أنه أذهب عنهم الرجس، والرجس هو الذنب، ونفي الذنب عنهم دليل على عصمتهم، إلا أنهم قصروا أهل البيت على خمسة أشخاص فقط، وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين رضي الله عنهم، ويدخل فيهم الأئمة من أولاد علي، وأما من عدا هؤلاء المذكورين فلا تشمله هذه الآية -على حد زعمهم-([591]).
وقوله تعالى: ((سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ)) [الصافات:130].
قالوا: معنى الآية: السلام لآل محمد، أي أنهم سلموا من العيوب سلامة، وبرئوا من الذنوب براءة، والسلامة من الذنوب هي العصمة([592]).
إلى غير ذلك من الآيات التي ادعوا نزولها في عصمة أئمتهم، ولا يخفى بطلان استدلالهم بهاتين الآيتين وغيرهما على عصمة أئمتهم؛ لعدم وجود علاقة بين هذه الآيات وما يدعون لها من معانٍ.
ففي الآية الأولى: السياق واضح في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يجب أن يكن عليه من مكارم الأخلاق، والطهارة من المعاصي، وفي أهل بيته عموماً لمكانتهم من النبي صلى الله عليه وسلم، فالآية عامة في جميع أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ودعوى تخصيصها ببعضهم دون البعض دعوى عارية من الدليل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الرد على الرافضة في تأويلهم الآية بعصمة أئمتهم: (وأما آية الطهارة فليس فيها إخبار بطهارة أهل البيت، وذهاب الرجس عنهم، وإنما فيها الأمر لهم بما يوجب طهارتهم وذهاب الرجس عنهم، فإن قوله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33] كقوله تعالى: ((مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ)) [المائدة:6] الآية، إلى غير ذلك من الآيات في هذا السياق.
وقال بعد هذه الآيات: (فالإرادة هنا متضمنة للأمر والمحبة والرضا، وليست هي المشيئة المستلزمة لوقوع المراد، فإنه لو كان كذلك لكان قد طهر كل من أراد الله طهارته...).
إلى أن قال: (ومما يبين أن هذا مما أمروا به لا مما أخبروا بوقوعه، ما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أدار الكساء على علي وفاطمة وحسن وحسين ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا»([593]).
قال: (وهو يدل على ضد قول الرافضة من وجهين:
أحدهما: أنه دعا لهم بذلك وهذا دليل على أن الآية لم تخبر بوقوع ذلك، فإنه لو كان قد وقع لكان يثني على الله بوقوعه ويشكره على ذلك، لا يقتصر على مجرد الدعاء به.
الثاني: أن هذا يدل على أن الله قادر على إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم وذلك يدل على أنه خالق أفعال العباد، كما يدل على ذلك سياق الكلام من قوله تعالى: ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ)) [الأحزاب:30] -إلى آخر قوله-: ((وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً)) [الأحزاب:34].
كما يدل السياق أيضاً على أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته فإن السياق في مخاطبتهن... إلى آخر ما رد به شيخ الإسلام على شطحاتهم في هذه الآية الكريمة([594]). وهو الذي عليه جمهور المسلمين من السلف الصالح، ومن تبعهم بإحسان، قال القرطبي رحمه الله عند تفسيره للآية، بعد أن ذكر الأقوال الواردة في المراد بأهل البيت من الآية-:
(والذي يظهر من الآية أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج وغيرهم، وإنما قال: ((وَيُطَهِّرَكُمْ)) لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلياً وحسناً وحسيناً كان فيهم، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر، فاقتضت الآية أن الزوجات من أهل البيت؛ لأن الآية فيهن، والمخاطبة لهن، يدل عليه سياق الكلام، والله أعلم)([595]).
ثم رد على قول من جعل الآية خاصة بـعلي وفاطمة والحسن والحسين كـالكلبي وغيره بحجة تذكير الآية، وأن ذلك يدل على أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم غير داخلات في جملة أهله، قال: (ولا اعتبار بقول الكلبي وأشباهه، فإنه توجد له أشياء في هذا التفسير ما لو كان في زمن السلف الصالح لمنعوه من ذلك وحجروا عليه، فالآيات كلها من قوله: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ)) [الأحزاب:28] إلى قوله: ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً)) [الأحزاب:34] منسوق بعضها على بعض، فكيف صار في الوسط كلاماً منفصلاً لغيرهن؟! وإنما هذا شيء جرى في الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية دعا علياً وفاطمة، والحسن، والحسين فعمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى كساء فلفها عليهم ثم ألوى بيده إلى السماء فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً».
فهذه دعوة من النبي صلى الله عليه وسلم لهم بعد نزول الآية، أحب أن يدخلهم في الآية التي خوطب بها الأزواج، فذهب الكلبي، ومن وافقه فصيرها لهم خاصة، وهي دعوة لهم خارجة من التنزيل([596]).
هذا هو الحق الذي ينشرح له الصدر، وتطمئن إليه النفس لوضوحه وموافقته لمبادئ ديننا الحنيف.
وأما الآية الثانية: وهي قوله تعالى: ((سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ)) [الصافات:130] فهي كسابقتها ليس لهم فيها حجة من أي وجه فإن القراءة المشهورة هي القراءة بكسر الهمزة على أن (إلياسين) اسم لـإلياس النبي عليه السلام، والسلام له ليس لغيره كما هو واضح من سياق الآية فإن قوله: ((وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ)) [الصافات:123] إلى آخر قوله: ((سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ)) كلها خطاب لـإلياس المذكور في بداية الآية، وهذه القراءة هي التي يؤيدها سياق الآيات التي تحدثت عن الأنبياء قبل إلياس؛ حيث ختم الحديث عن كل نبي بالسلام عليه، أي على نفسه، وليس على غيره لا أهله ولا غيرهم فينبغي أن يكون الأمر كذلك في إلياس أيضاً.
وهو الذي رجحه ابن جرير الطبري، والقرطبي رحمهما الله تعالى؛ حيث قال الطبري -بعد أن ذكر أوجه القراءات الواردة في إلياسين-: (والصواب من القراءة في ذلك عندنا من قرأ: ((سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ)) بكسر ألفها على مثال إدراسين؛ لأن الله تعالى ذكره إنما أخبر عن كل موضع ذكر فيه نبياً من أنبيائه صلوات الله عليهم في هذه السورة بأن عليه سلام لا على آله، فكذلك السلام في هذا الموضع ينبغي أن يكون على إلياس كسلامه على غيره من أنبيائه لا على آله)([597]).
وهذا فيه رد مفحم لمن يقول إن (إلياسين) هو آل ياسين، بمعنى: آل محمد صلى الله عليه وسلم، والسلام عليهم، كما يذهب إليه هؤلاء الروافض، وإن كانت هي قراءة من بعض السلف ولكنها قراءة مرجوحة كما تبين ذلك من كلام هذا الإمام الجليل وغيره من علماء السلف.
وقال الإمام القرطبي رحمه الله في الرد على هذا القول: (وهذا القول يبطل من وجوه كثيرة، أحدها: أن سياق الكلام في قصة إلياسين يلزم أن تكون كما هي في قصة إبراهيم، ونوح، وموسى، وهارون، وأن التسليم راجع عليهم ولا معنى للخروج عن مقصود الكلام لقول قيل في تلك الآية الأخرى مع ضعف ذلك القول أيضاً، فإن (يس) و(حم) و(الم) ونحو ذلك القول فيها واحد إنما هي حروف مقطعة، إما مأخوذة من أسماء الله تعالى كما قال ابن عباس، وإما من صفات القرآن، وإما كما قال الشعبي: (لله في كل كتاب سر، وسره في القرآن فواتح القرآن)، وأيضاً فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لي خمسة أسماء» ولم يذكر فيها (يس)، وأيضاً (يس) جاءت التلاوة فيها بالسكون والوقف ولو كان اسماً للنبي صلى الله عليه وسلم لقال: (يس) بالضم كما قال تعالى: ((يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ)) [يوسف:46]، وإذا بطل هذا القول لما ذكرناه. فإن (إلياسين) هو إلياس المذكور، وعليه وقع التسليم)([598]).
ومما يؤيد هذا الرأي: ما نقل عن ابن مسعود رضي الله عنه من أنه كان يقول: إن إلياس هو إدريس، وأنه كان يقرأ (وإن إدريس لمن المرسلين)، ويقرأ: (سلام على إدراسين)([599]).
فإن هذا الموقف من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو من كبار علماء الصحابة لا يدع مجالاً للشك في أن المراد بالآية (هو إلياس)، وليس كما يدعي الرافضة ومن معهم بأن المراد بها آل محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا نعلم بطلان تأويلهم لهاتين الآيتين، وغيرهما بالعصمة لأئمتهم، وأنه لا مستند لهم في ذلك.
 
الآيات التي أولوها بعقيدة الرجعة:
الرجعة من عقائد الرافضة التي يؤمنون بها ويدينون بها، ولذا نراهم يتعسفون في تأويل بعض آيات القرآن الكريم لتوافق هذه العقيدة عندهم، والآيات التي أولوها بهذه العقيدة كثيرة جداً، منها:
قوله تعالى: ((ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) [البقرة:56].
قالوا: إن هذه الآية دليل على الرجعة، قال أبو علي الطبرسي: (واستدل قوم من أصحابنا بهذه الآية على جواز الرجعة...)([600]).
وقوله تعالى: ((وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ)) [النمل:83].
قال أبو علي الطبرسي وغيره: (واستدل بهذه الآية على صحة الرجعة من ذهب إلى ذلك من الإمامية؛ لأنها تدل على أن هذا الحشر خاص ببعض دون بعض مما يدل على أن هذا الحشر غير الحشر الأكبر الذي في القيامة؛ لأنه عام بالاتفاق...)([601]).
وقوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ)) [القصص:85] قال نعمة الله الجزائري في تفسير الآية عن الصادق أنه قال: (والله ما تنقضي الدنيا حتى يرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمير المؤمنين عليه السلام فيلتقيان في النجف ويبني مسجداً في ظهر الكوفة يعلق عليه اثني عشر ألف باب)([602]).
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي أولوها بعقيدة الرجعة عندهم، واستدلوا بها على جوازها عند قيام صاحب زمانهم الموهوم.
ودعواهم دلالة هذه الآيات وغيرها على عقيدة الرجعة عندهم دعوى باطلة ومردودة لأنها صرف لنصوص القرآن عن معانيها من غير دليل موجب لذلك؛ لأنه لم يأت عن أحد من علماء المسلمين المعتبرين أنه فسر شيئاً من هذه الآيات بعقيدة الرجعة عند الرافضة حتى ولو بإشارة خفية لم ينقل عن أحد منهم في ذلك بل المنقول عنهم عكس ذلك، إذ يرى الجميع منهم أن هذه الآيات متعلقة بالقيامة وأحوالها بعد الموت، وأما أن يستدل بهذه الآيات على جواز رجعة قوم بعد الموت إلى الدنيا -كما يزعم الرافضة- فلم ينقل عن أحد ممن يعتد بقوله من علماء المسلمين وكيف يصح استدلالهم هذا بهذه الآيات على وقوع الرجعة إلى الدنيا بعد الممات والله سبحانه وتعالى قد بين في آيات كثيرة أنه لا رجعة إلى الدنيا بعد الممات كما يتمنى ذلك الكفار عند رؤيتهم العذاب.
قال تعالى: ((إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ)) [البقرة:166]* ((وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ)) [البقرة:167].
وقال تعالى: ((حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ)) [المؤمنون:99]* ((لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)) [المؤمنون:100].
فهاتان الآيتان وغيرهما صريحة في تقويض مزاعم الرافضة في دلالة تلك الآيات على الرجعة حيث قطع الله سبحانه وتعالى آمال هؤلاء الكفار في الرجوع إلى الدنيا لكي يعملوا صالحاً وأخبر أنه لا رجعة لهم بعد الممات وأنهم باقون في النار كما يؤكد ذلك قوله في الآية الثانية: ((وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ))، والبرزخ -كما فسره العلماء-: الحاجز بين الموت والبعث.
وقال الآخرون: أنه الحاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا.
قال ابن جرير الطبري رحمه الله: (يقول: ومن أمامهم حاجز يحجز بينهم وبين الرجوع، يعني إلى يوم يبعثون من قبورهم، وذلك يوم القيامة، والبرزخ والحاجز والمهلة متقاربات في المعنى)([603])، وهو الذي عليه جمهور المفسرين.
وبهذا يتبين فساد استدلالهم بالقرآن على عقيدة الرجعة عندهم لأنها لا تستند على أي دليل يقبله العقل السليم.
 
الآيات التي أولوها بالتقية:
والتقية من عقائدهم الأساسية التي يبذلون قصارى جهدهم في تأويل آيات القرآن الكريم وتفسيرها بما يتفق وتلك العقائد، فقد عملوا على صرف معاني آيات كثيرة عن مرادها إلى عقيدة التقية عندهم وزعموا أنها تدل على جوازها بالمعنى الذي يذهبون إليه من الكذب والنفاق.
فمن الآيات التي أولوها بهذه العقيدة عندهم:
قوله تعالى: ((الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)) [القصص:52-54].
روى الكليني بسنده عن أبي عبد الله في الآية قال: (((بِمَا صَبَرُوا)) على التقية، ((وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ)) قال: الحسنة: التقية، والسيئة: الإذاعة)([604]).
فالحسنة عندهم في هذه الآية وغيرها: التقية، أي: النفاق والكذب، كما هو معروف عنهم مع المسلمين، وهو تفسير يأباه السياق واللغة، فسياق الآية واضح في أنه يبين منزلة أهل الكتاب الذين آمنوا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا بالكتاب المنزل عليه وهو القرآن الكريم.
فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه يكرمهم بالأجر مرتين على إيمانهم بما نزل إليهم من الكتب من قبل القرآن وعلى إيمانهم بالقرآن أيضاً، هذا هو المعنى المراد من الآية كما هو واضح من سياقها، وهو الذي يفهمه العرب من لغتهم وهو الذي عليه جمهور المفسرين من المسلمين ولم يأت في شيء من أقوالهم في هذه الآية ما يزعمه الرافضة تفسيراً للآية الكريمة([605]).
وكذلك تعلقوا بالآيات التي وردت في الترخيص للمسلمين بأن يظهروا موافقة الكفار عند الضرورة مع كرههم لذلك، واستدلوا بها على جواز التقية عندهم على المعنى الذي يذهبون إليه وهو النفاق مع المسلمين وليس مع الكفار.
قال تعالى: ((لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)) [آل عمران:28].
قالوا: المراد بقوله: ((إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)) هو التقية.
قال أبو علي الطبرسي عند تفسيره للآية: (وفي هذه الآية دلالة على أن التقية جائزة في الدين عند الخوف على النفس وقال أصحابنا -الإمامية-: إنها جائزة في الأحوال كلها عند الضرورة وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والإصلاح...)([606]).
وقوله تعالى: ((مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) [النحل:106]، وهذه الآية أيضاً كسابقتها فهم يتمسكون بها في مشروعية التقية على مرادهم([607]).
ولا خلاف بين علماء المسلمين في أن هاتين الآيتين وغيرهما رخصة من الله تعالى للمسلمين إذا أكرههم الكفار على شيء مما ينقض الإسلام أن يجيبوهم إلى ذلك في الظاهر وهم مطمئنون بالإيمان في الباطن، هذا الذي تتفق عليه أقوال المفسرين من علماء المسلمين([608]).
أما ما تدعيه الرافضة من التقية التي هي النفاق والكذب الصريح مع المسلمين، وليس مع الكفار فليس في شيء من هذه الآيات لا من بعيد ولا من قريب، وهو محض افترائهم والله سبحانه وتعالى يتنزه عن أن يأمر عباده بالنفاق، والكذب، مع وعيده الشديد لذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الرد على بعض مزاعم الرافضة في ذلك: (والنفاق والزندقة في الرافضة أكثر منه في سائر الطوائف بل لابد لكل منهم من شعبة نفاق...) إلى أن قال: (والرافضة تجعل هذا من أصول دينها وتسميه التقية، وتحكي هذا عن أئمة أهل البيت الذين برأهم الله عن ذلك، حتى يحكوا عن جعفر الصادق أنه قال: (التقية ديني ودين آبائي)([609])، وقد نزه الله المؤمنين من أهل البيت وغيرهم عن ذلك، بل كانوا أعظم الناس صدقاً وتحقيقاً للإيمان، وكان دينهم التقوى لا التقية.
وقوله تعالى: ((لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ...)) [آل عمران:28] الآية([610]) إنما هو الأمر بالاتقاء من الكفار لا الأمر بالنفاق والكذب، والله تعالى قد أباح لمن أكره على كلمة الكفر أن يتكلم بها إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان)([611])، هذا في غاية من الوضوح، وهو الذي يؤيده سياق الآيات، والأسباب التي نزلت فيها هذه الآيات فكلها تؤكد أن الرخصة للمسلمين مع الكفار، وليس بين المسلمين أنفسهم.
 
المبحث الثاني: الآيات التي أولوها بمن يزعمون أنهم أعداء لهم وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين:
المدخل: مكانة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام.
من أصول أهل السنة والجماعة أن الصحابة رضي الله عنهم جميعاً خير هذه الأمة وعدولها، اختارهم الله تعالى لصحبة خير أنبيائه، ونصرة دينه الحنيف، وأنهم نصحوا لله سبحانه وتعالى ولنبيه صلى الله عليه وسلم ولجميع المسلمين وأخلصوا في عبادتهم لله وحده، وأنه يجب الترضي عليهم، وترك الخوض فيما وقع بينهم.
هذا هو مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف لا وقد أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم وزكاهم في آيات كثيرة في محكم تنزيله، وأثنى عليهم رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ومات وهو راضٍ عنهم جميعاً.
قال تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) [آل عمران:110].
و قال تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100].
وقال تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:18].
وقال أيضاً: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29].
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي وردت في الثناء على الصحابة ومدحهم وتزكيتهم من الله سبحانه وتعالى.
وكذلك ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق أحاديث كثيرة صحيحة في بيان فضلهم وعدالتهم وما يجب على العباد نحوهم من الاحترام، كما بشّر الكثير منهم بالجنة كالعشرة المبشرين بالجنة وغيرهم في مواطن كثيرة.
منها: ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عمران بن الحصين وغيره رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، -قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثاً- ثم إن بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن»([612])
وما رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها، قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة: ((وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا)) [مريم:71] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد قال الله عز وجل: ((ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً)) [مريم:72]»([613]).
وكذلك رواه الإمام أحمد بألفاظ، وقد تقدم ذكرها([614]).
ومنها: ما رواه الشيخان أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهب ما بلغ مد أحدهم ولا نصفه»، وعند مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه»([615]).
إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة المستفيضة التي رواها أصحاب الصحاح، والسنن والمسانيد كلها صريحة في الثناء على الصحابة وبيان فضلهم رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.
يقول الحافظ الخطيب البغدادي بعد إيراده الآيات والأحاديث في فضائل الصحابة والثناء عليهم: (والأخبار في هذا المعنى تتسع وكلها مطابقة لما ورد في نص القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم، المطلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له، فهم على هذه الصفة إلا أن يثبت على أحد ارتكاب ما لا يحتمل إلا قصد المعصية، والخروج من باب التأويل فيحكم بسقوط عدالته، وقد برأهم الله من ذلك، ورفع أقدارهم عنده، على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة، والجهاد والنصرة، وبذل المهجة والأموال، وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطع على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين، الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين، هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء)([616]).
وأما الرافضة فإن موقفهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خيار هذه الأمة: قائم على بغضهم ونصب العداء لهم، وأنهم كفروا وارتدوا عن الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عدد قليل منهم هم:
علي، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وحذيفة بن اليمان، رضي الله عنهم، ومن عدا هؤلاء الستة من الصحابة -بزعمهم- مرتدون عن الإسلام -حاشا لله-.
وعندهم لا يكون أحد مؤمناً حتى يتبرأ من الصحابة خاصة الشيخين أبي بكر وعمر ومن معهما من كبار الصحابة رضي الله عنهم، ويزعمون أن لعنهم وسبهم من أفضل القربات عندهم.
هذا هو مجمل موقفهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين عدلهم الله وزكاهم من فوق سبع سماوات، وأثنى عليهم في آيات كثيرة من القرآن الكريم، ورضي الله عنهم ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، وأخبر أنهم خير الأمة، وبشر الكثير منهم بالجنة.
هذا هو موقفهم من هؤلاء الذين جاهدوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى.
فالطعن عليهم رضي الله عنهم بعد ثبوت تعديلهم من الله سبحانه وتعالى وتزكيته لهم في غير آية من القرآن الكريم ورضاه عنهم، ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فالطعن عليهم بعد كل هذا ودعوى كفرهم وارتدادهم عن الإسلام -حاشا لله- هو في الحقيقة طعن على الله سبحانه وتعالى، واتهام له بالجهل بعواقب الأمور -تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً-؟ لأنه تعالى مدحهم في كتابه وزكاهم وأثنى عليهم كثيراً وأخبر أنه رضي عنهم، فإذا ظهر الأمر على خلاف ذلك كان طعناً لمن زكاهم وعدلهم؛ لأنه لم يعلم ما يكونون عليه في المستقبل، وهذا لا يقول به إلا من هو كافر بالله تعالى، وهو أيضاً اتهام لرسول الله صلى الله عليه وسلم -حاشا لله- بأنه رجل شر اتخذ أناساً شراراً وزراء له ومساعديه، هذا هو حقيقة قولهم بكفر الصحابة قاتلهم الله أنى يؤفكون.
قال أبو زرعة فيما نقل عنه الخطيب البغدادي: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة)([617]).
وقال العلامة ابن قتيبة رحمه الله في معرض رده على الرافضة في إكفارهم الصحابة بحديث الحوض([618]): (ونحن نقول إنهم لو تدبروا الحديث وفهموا ألفاظه لاستدلوا على أنه لم يرد بذلك إلا القليل... إلى أن قال: فكيف يجوز أن يرضى الله عز وجل عن أقوام، ويحمدهم ويضرب لهم مثلاً في التوراة والإنجيل، وهو يعلم أنهم يرتدون على أعقابهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يقولوا: إنه لم يعلم، وهذا هو شر الكافرين([619]).
فهم لم يرضوا لأنفسهم أن يروا الصحابة الكرام رضي الله عنهم في القرآن الكريم يذكرهم الله ويثني عليهم بكل خير ويزكيهم كما تقدم في الآيات والأحاديث الكثيرة، فقد ساءهم كل ذلك كما قال تعالى: ((لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ)) فقابلوا تلك الأوصاف الحميدة بأوصاف قبيحة أطلقوها على الصحابة بغضاً وحقداً على ما أكرمهم الله تعالى، حيث عمدوا إلى الآيات التي نزلت في الكفار والمشركين من هذه الأمة أو الأمم السابقة وجعلوها في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خيار الأمم بعد الأنبياء والمرسلين، بتأويلاتهم البعيدة والمتعسفة التي تشمئز منها العقول المريضة قبل السليمة.
فمن تلك الآيات التي تعسفوا في تأويلها بالصحابة رضي الله عنهم قوله تعالى: ((وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)) [البقرة:8] الآيات.
الظاهر في هذه الآية وما بعدها: أنها تتحدث عن المنافقين الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر خوفاً من القتل وتظاهروا بموالاة المسلمين وهم يبغضونهم، فالآية تتحدث عن أولئك وتفضحهم بإجماع كل من يعتد به من علماء المسلمين.
قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله: (وأجمع أهل التأويل على أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل النفاق وأن هذه الصفة صفتهم)([620]).
هذا هو إجماع علماء المسلمين من أهل التفسير وغيرهم في تفسير هذه الآية.
وأما الرافضة -ولحاجة في أنفسهم- فإنهم لم يكفهم هذا التفسير الواضح الجلي، ولم يسعهم ذلك الإجماع من المسلمين إلا أن يدخلوا في الآية شيئاً من هذيانهم؛ حيث ادعوا أن الآية نزلت في المنافقين ويدخل فيهم -على حد زعمهم- أبو بكر وعمر وغيرهما من الصحابة -حاشا لله- يقول الفيض الكاشاني أحد علمائهم عند تفسيرهم للآية: (أقول: كـابن أُبي وأصحابه، وكالأول والثاني)([621]).
وأضرابهما من المنافقين الذين زادوا على الكفر الموجب للختم والغشاوة، والنفاق، ولاسيما عند نصب أمير المؤمنين عليه السلام للخلافة والإمامة)([622]).
انظروا كيف يفترون على هؤلاء الأسياد الذين شهد الله لهم بالإيمان وشهدت الأمة بعدالتهم فمن أين لهم هذا الزعم؛ إلا مجرد الكذب، وإشباع الهوى، وتقول على الله بغير علم، ولا حياء، وهم كما قال عنهم الذهبي رحمه الله عند رده على افتراءات ابن المطهر الرافضي فقال: (ومصنف هذا الكتاب منهاج الكرامة وأمثاله من الرافضة إنما نقابلهم ببعض ما فعلوه بأمة محمد صلى الله عليه وسلم سلفها وخلفها، فإنهم عمدوا إلى خيار أهل الأرض من الأولين والآخرين بعد النبيين والمرسلين، وخير أمة أخرجت للناس، فافتروا عليهم العظائم، وجعلوا حسناتهم سيئات...)([623]).
هذا هو دأبهم في النيل من خيار الأمة ولا أعظم من أن يرموا من شهد الله لهم بالإيمان ورضي عنهم، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، كما شهدت الأمة بعدالتهم، ودلت الواقعة على إخلاصهم لربهم، ولخدمة الإسلام ونشره حيث فتحوا البلدان، ونشروا الإسلام في المعمورة من شرقها إلى غربها، ومن جنوبها إلى شمالها، وأفنوا أعمارهم في الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله وطمس الشرك من الأرض وزهقه، فكيف يصح وصف من هذه صفاته، وهذه جهوده في الإسلام بأنه منافق؟! هذا هو محض الكذب والافتراء وهو بهتان عظيم، فإنه لم يكن هناك أي داعٍ لهؤلاء إلى النفاق، فهم اعتنقوا الإسلام عن محض إرادتهم والقناعة منهم، بل العكس من ذلك أنهم كانوا مضطهدين ومعذبين على دخولهم في الإسلام من قبل المشركين الذين كانت لهم الغلبة وقتئذ، ولذا أجمع المسلمون على أن النفاق لم يوجد عند المهاجرين؛ لأن أهل مكة لم يكن فيهم نفاق لعدم الداعي إلى ذلك.
وفي ذلك يقول الذهبي رحمه الله تعالى: (واعلم أنه لم يكن في المهاجرين منافق؛ وذلك كالمستحيل، فإن العزة والمنعة كانت بـمكة للمشركين، ومن دخل في الإسلام تعب بهم وآذوه بكل طريق، فلا يدخل أحد في الإسلام إلا ابتغاء وجه الله، لا لرهبة؛ إذ الرهبة من الطرف الآخر، وإنما كان النفاق في أهل المدينة؛ لأن الإسلام فشا بها وعز وعلا على الشرك، فبقي أناس في قلوبهم زيغ وغل لم يؤمنوا، فأسلموا في الظاهر تقية وخوفاً من السيف، والمهاجرون ما أكرههم أحد ولا خافوا من المسلمين، بل هم كما قال الله تعالى: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ)) [الحشر:8])([624])، هذا في غاية من الوضوح لا تشوبه شائبة؛ فهؤلاء دخلوا الإسلام عن محض إرادتهم، ومطلق حريتهم، وهذا يمتنع معه في العادة أن يكون المتصف بهذه الصفات منافقاً، ووصفهم بذلك بعد هذا كله من أعظم الظلم لهم، لا يقدم عليه إلا من كان في قلبه حقد وبغض للإسلام وتقدمه، والله المستعان.
وبمثل هذا التفسير الباطل فسروا قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)) [البقرة:208]
فقالوا: خطوات الشيطان هي: ولاية أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وزيري رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى العياشي وغيره عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله يقول في هذه الآية: (أتدرى ما السلم؟ قال: قلت: أنت أعلم، قال: ولاية علي والأئمة الأوصياء من بعده، قال: وخطوات الشيطان والله، ولاية فلان وفلان).
وقد جاء تفسير المراد بقولهم فلان وفلان في رواية عنه قال: (هي ولاية الثاني والأول)([625]).
هذا لا يحتاج إلى أي تعليق؛ لأنه واضح البطلان، فإن نزول القرآن توقف بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم فكيف تكون هذه الآية في ولاية الشيخين وهما ما تولوا إلا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! هذا في غاية من الجهل.
وكذلك زعموا أن قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى...)) [البقرة:264] الآية.
قالوا: إنها نزلت في عثمان ومعاوية رضي الله عنهما.
روى العياشي بسنده عن أبي جعفر في الآية قال: (نزلت في عثمان وجرت في معاوية وأتباعهما)([626]).
ولا غرابة في هذا منهم؛ فإنهم لما عجزوا عن إنكار إنفاق ذي النورين عثمان بن عفان الخليفة الثالث رضي الله عنه لما عجزوا عن إنكار إنفاقه في سبيل الله حاولوا يائسين الطعن في معروفه بهذه الهذيانات على عاداتهم من جعل حسنات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سيئات.
وكذلك فسروا الجبت والطاغوت: بـأبي بكر وعمر رضي الله عنهما في قوله تعالى: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً)) [النساء:51].
روى محمد بن الحسن الصفار وغيره عن أبي جعفر في قول الله تعالى: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ)) قال: فلان وفلان، -أي أبو بكر وعمر - ((وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا)) الأئمة الضلال والدعاة إلى النار ((هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً)) من آل محمد وأوليائهم إلى آخر ما ورد عنهم من التخرصات([627]).
ويكفي في إبطالها أنها قول يخالف ما ثبت عند المحققين من علماء المسلمين في التفسير من سبب نزول هذه الآية: فقد وردت روايات كثيرة في ذلك منها:
ما ثبت من حديث ابن أبي حاتم بسنده عن عكرمة قال: (جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا لهم: أنتم أهل الكتاب، وأهل العلم فأخبرونا عنا وعن محمد فقالوا: ما أنتم وما محمد، فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء([628]) ونسقي الماء على اللبن، ونفك العاني، ونسقي الحجيج، ومحمد صنبور([629]) قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج من غفار، فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلاً فأنزل الله ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً)) [آل عمران:23)]الآية([630]).
هذا هو السبب لنزول هذه الآية وهو الذي يؤيده سياق الكلام في الآية التي قبل هذه الآية كما هي الحال في هذه الآية أيضاً، فالسياق فيها في اليهود بلا خلاف بين المسلمين، وهو ما أجمع عليه أهل العلم بالتفسير([631]).
وقوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً)) [النساء:137].
قالوا: هذه الآية المراد بها الخلفاء الثلاثة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، هم الذين كفروا -على حد زعمهم قاتلهم الله أنى يؤفكون-.
روى محمد بن يعقوب الكليني بسنده عن أبي عبد الله في الآية قال: (إنها نزلت في فلان، وفلان، وفلان، آمنوا بالنبي في أول الأمر، وكفروا حيث عرضت عليهم الولاية حين قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من كنت مولاه فـعلي مولاه»، ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين عليه السلام، ثم كفروا حيث مضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يقروا بالبيعة ثم ازدادوا كفراً بأخذهم من بايعهم بالبيعة لهم فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء)([632]).
والمقصود بفلان وفلان وفلان عندهم: الخلفاء الثلاثة كما توضحه رواية العياشي عن جابر قال: (قلت لـمحمد بن علي عليه السلام في قول الله في كتابه: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا)) قال: هما أبو بكر وعمر، والثالث عثمان، والرابع معاوية وعبد الرحمن، وطلحة، وكانوا سبعة عشر رجلاً...)([633])، إلى آخر هذيانهم في هذه الآية.
ويكفي في إبطال هذه المزاعم منهم ما فيها من تنقيص لله سبحانه وتعالى؛ حيث أخبر أنه رضي عنهم ومدحهم في غير ما آية، وما فيها من طعن على رسول الله؛ حيث بشرهم بالجنة، فكيف يبشرهم بالجنة مع أنهم سيكفرون بعده؟!! هذا بهتان عظيم.
وقوله تعالى: ((وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ)) [الإسراء:60].
قالوا: الشجرة الملعونة في القرآن: هم بنو أمية([634]).
والذي عليه جمهور العلماء من السلف الصالح، أن المراد بالشجرة الملعونة في القرآن هي: شجرة الزقوم، كما تدل عليه الروايات الكثيرة عنهم.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (حكى ذلك ابن عباس، ومسروق، وأبو مالك، والحسن البصري، وغير واحد، وكل من قال إنها ليلة الإسراء فسره كذلك بشجرة الزقوم)([635]).
وأما ما تدعيه الرافضة: من أن المراد بها: بنو أمية، فقد رد عليه الحافظ ابن كثير رحمه الله بأنه: (غريب ضعيف).
وعلى قولهم: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في منامه بني مروان يصعدون منبره في الخبر الذي رواه ابن جرير الطبري بسنده عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعيد عن أبيه، عن جده، قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني فلان ينزون على منبره نزو القرود فساره ذلك فما استجمع ضاحكاً حتى مات قال، وأنزل الله في ذلك: ((وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ)) [الإسراء:60] الآية([636]).
قال الحافظ ابن كثير عنه: (وهذا السند ضعيف جداً؛ فإن محمد بن الحسن بن زبالة متروك وشيخه أيضاً ضعيف بالكلية، ولهذا اختار ابن جرير([637]) أن المراد بذلك ليلة الإسراء، وأن الشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم قال: لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك -أي في الرؤيا والشجرة-)([638]).
هذا ما حكاه هذا الإمام من إجماع أهل التفسير على ذلك ووافقه عليه الحافظ ابن كثير وناهيك بهذين الإمامين العظيمين.
ولكن الرافضة لا تهمهم صحة الحديث ولا ضعفه وإنما يهمهم فقط الاستدلال على مزاعمهم الباطلة بكل ما يتخيلونه دليلاً لهم فيتعلقون به.
وقوله تعالى: ((أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ)) [النور:40].
قالوا: (الظلمات): أبو بكر وعمر.
 
(يغشاه موج): عثمان.
(بعضها فوق بعض): معاوية، وفتن بني أمية([639]).
وبمثل هذه الخرافات فسروا قوله تعالى: ((وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ)) [القصص:6].
قالوا: المراد بفرعون وهامان في الآية: أبو بكر وعمر([640]).
وقوله تعالى: ((وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) [التحريم:11].
قالوا: إن هذه الآية مثل ضربه الله لـرقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنهما.
وقالوا في قوله: ((وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ)) يعني به من عثمان وعمله، ((وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) هم بنو أمية([641]).
وكذلك فسروا قوله تعالى: ((وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ)) [الحاقة:9].
بمثل تلك الافتراءات فقد روى شرف الدين النجفي بسنده عن حمران أنه سمع أبا جعفر يقول في هذه الآية: ((وَجَاءَ فِرْعَوْنُ)) يعني الثالث، ((وَمَنْ قَبْلَهُ)) يعني الأوليين.
((وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ)) يعني عائشة.
وكذلك نسبوا إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه كذباً أنه فسر المؤتفكات بأهل البصرة، حيث قال: (جاء في كلام أمير المؤمنين لأهل البصرة يا أهل المؤتفكة، أيتفكت بأهلها ثلاثاً وعلى الله تمام رابعة)([642]).
هذا بين الكذب، والوضع فيه ظاهر؛ إذ يبعد صدور مثل هذا القول عن علي رضي الله عنه في تفسير: ((الْمُؤْتَفِكَاتُ)) في الآية بأهل البصرة؛ إذ لم تكن البصرة إلا في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين مصر الأمصار فكانت البصرة من تلك الأمصار، كما يشهد بذلك التاريخ، فكيف يفسر علي هذه الكلمة بأهل البصرة، ولم يكن لها وجود فضلاً عن أهلها؟ وعلى كل فالكذب دينهم الذي يدينون به ولا عجب أن يصدر عنهم مثل هذا التأويل لهذه الآية، وغيرها من الآيات، كتأويلهم هذه الآيات التي نزلت باتفاق المسلمين في أبغض الناس وأبعدهم من الله سبحانه وتعالى من أمثال فرعون الذي ادعى أنه الرب الأعلى -قاتله الله- وصرفها إلى أحب الناس إلى الله تعالى وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخيار الناس بعد الأنبياء والمرسلين.
فكل هذا يوضح مدى تدينهم بالكذب، وتقولهم على الله بغير علم، ومدى بغضهم لهذا الدين ولمن جاء به كما يظهر ذلك جلياً من تناقضاتهم في تفسيرهم لهذه الآيات وغيرها.
فقد ادعوا أن المراد بفرعون وهامان: أبو بكر وعمر، كما في آية سورة القصص بينما ادعوا في مواضع أخرى أن فرعون: هو عثمان كما في آيتي التحريم والحاقة، أليس هذا تناقضاً ظاهراً؛ فكيف يكون فرعون أبا بكر في محل، وعثمان في محل آخر؟!! هذا في منتهى السخافة والسفاهة، وكذلك ما يزعمون في قوله تعالى: ((وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ...)) [التحريم:11]، من أنها مثل ضربه الله لـرقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنهما فهو من نسج عقولهم لم يقل به أحد من المسلمين وبطلانه معلوم بالضرورة عند كل مسلم، والواقع يؤكد ذلك، فإن أمر زواج عثمان من أم كلثوم أخت رقية رضي الله عنهم لا ينكره أحد، فهل يعقل أن يزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته الثانية ممن يعلم أنه آذى ابنته الأولى؟! هذا لا يفعله أدنى الناس عقلاً فضلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
فكل هذا يؤكد فساد مزاعمهم في هذه الآية وغيرها.
وهذا قليل من كثير من هذيانهم وخبثهم في كتاب الله تعالى تجاه أصحاب رسوله الكريم، خيار الأمة بعد الأنبياء والمرسلين، فهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في معرض ذكره مشابهة الرافضة بـاليهود والنصارى فقال: (وفضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين:
سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى.
وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواري عيسى.
وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم) إلخ([643]).
ولهذا الاعتقاد عندهم نراهم يحولون كل الآيات التي فيها ذم أو وعيد أو عتاب إلى الصحابة خيرة أولياء الله بعد النبيين والمرسلين، ويزعمون أنها تعنيهم في باطن القرآن كما تدل على ذلك رواياتهم الكثيرة المنسوبة إلى أئمتهم منها:
ما رواه أبو جعفر الطوسي بسنده عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله في خبر طويل وفيه أنه قال أبو عبد الله: (وعدونا في كتاب الله: الفحشاء، والمنكر، والبغي، والخمر، والميسر، والأنصاب والأزلام، والأصنام، والأوثان، والجبت، والطاغوت، والميتة، والدم، ولحم الخنزير...) إلخ.
وفي خبر آخر عن أبي جعفر أنه قال: (إذا سمعت الله ذكر أحداً من هذه الأمة بخير فهم نحن، وإذا سمعت الله ذكر قوماً بسوء ممن مضى فهم عدونا)([644]).
وقد اتضح من خلال هذه النماذج القليلة من تأويلاتهم وشطحاتهم أن موقفهم من معاني القرآن الكريم قائم على التلاعب بألفاظه وتحريف الكلام عن مواضعه، وإخضاعه لعقائدهم المنحرفة إذ جعلوا القرآن تابعاً لعقائدهم وأهوائهم بدلاً من جعلها تابعة للقرآن الكريم كما هو الواجب على كل مسلم، وقد تقدم كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فيهم: (أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأياً ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه)([645]).
وهم بتأويلاتهم هذه للقرآن الكريم يفترون على الله تعالى وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أهل البيت الطاهرين الذين برأهم الله من شطحات الرافضة بإظهار تناقضاتهم في أقوالهم مما يقضي بعدم صحة نسبتها إلى هؤلاء الطاهرين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وقد تبين بذلك أن من فسر القرآن أو الحديث، وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين، فهو مفترٍ على الله، ملحد في آيات الله، محرف للكلم عن مواضعه، وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد، وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام)([646])، فتفسيرهم هذا للقرآن الكريم هو تلاعب بالقرآن الكريم كما أسلفت ذكره، وهدم للإسلام بالتشكيك في نصوص مصادره ومعانيها وهو تفسير لا فرق بينه وبين تأويلات إخوانهم الباطنية فكلهم يسيرون على خط واحد وإلى هدف واحد هو هدم الإسلام.
وفي ذلك يقول الزرقاني -عند كلامه عن تفاسير الشيعة-: (ومن تفاسير الشيعة كتاب يسمى مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار، مؤلفه يدعى المولى عبد اللطيف الكازلاني من النجف وهذا التفسير مشتمل على تأويلات تشبه تأويلات الباطنية السابقة، فالأرض يفسرها بالدين، وبالأئمة عليهم السلام وبـالشيعة، وبالقلوب التي هي محل العلم وقراره، وبأخبار الأمم الماضية إلخ.
فيقول في قوله تعالى: ((أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا)) [النساء:97]، المراد دين الله وكتاب الله.
ويقول في قوله: ((أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ)) [يوسف:109] المراد أولم ينظروا في القرآن إلخ، فأنت ترى أنه قد حمل اللفظ الذي لا يجهله أحد على معان غريبة من غير دليل، وما حمله على ذلك إلا مركب الهوى والتعصب الأعمى لمذهبه؛وذلك لاشك ضلال لا يقل عن ضلال الباطنية ولا البهائية([647]) ((وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)) [غافر:33].
وقال عن تأويلات الباطنية ومذهب الباطنية على عمومه: (وباء انتقل إليهم بطريق العدوى من المجوس ومن تأويلاتهم الفاسدة في القرآن أنهم يقولون في تفسير قوله تعالى: ((وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)) [النمل:16] المراد: أن الإمام علياً ورث النبي في علمه.
قلت: هذا عين ما يقول به الرافضة.
روى محمد بن يعقوب الكليني بسنده عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إن سليمان ورث داود، وإن محمداً ورث سليمان، وإنا ورثنا محمداً...) إلخ([648]).
ويقولون الباطنية معنى الجنابة: أنها مبادرة المستجيب بإفشاء قبل أن ينال رتبة الاستحقاق، ومعنى الغسل: تجديد العهد على من فعل ذلك، ومعنى الطهارة: التبري من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة الإمام، ومعنى التيمم: الأخذ من المأذون إلى أن يشاهد الداعي الإمام، ومعنى الصيام: الإمساك عن كشف السر، ويقولون: إن الكعبة هي النبي صلى الله عليه وسلم، والباب: علي، و(الصفا) هو النبي صلى الله عليه وسلم، و(المروة) علي رضي الله عنه، و(نار إبراهيم) هي غضب النمرود عليه، و(عصا موسى) هي حجته، إلى غير ذلك من الخرافات التي لا يقبلها عقل ولا يؤيدها نقل.
وهذه التأويلات الفاسدة من أشد وأنكى ما يصاب به الإسلام والمسلمون؛ لأنها تؤدي إلى نقض بناء الشريعة حجراً حجراً، وإلى الخروج من ربقة الإسلام وحل عراه عروة عروة؛ ولأنها تجعل القرآن والسنة فوضى فاحشة يقال فيها ما شاء الهوى أن يقال، كأنهما لغو من الكلام، أوكلأ مباح للبهائم والأنعام، وأخيراً ينفرط عقد المسلمين، ويكون بأسهم بينهم من جراء هذا العبث بتلك الضوابط الدينية الكبرى والحوافظ الأدبية العظمى، وما دام لكل واحد أن يفهم من القرآن ما شاء له الهوى والشهوة دون اعتصام بالشريعة، ولا التزام لقواعد اللغة لم يعد القرآن قرآناً، وإنما هو الهوى والشهوة فحسب...)([649]).
فالذي ينظر في تأويلات هؤلاء الباطنية لا يجد بينها وبين تأويلات الرافضة الإمامية الإثني عشرية في القرآن فرقاً؛ فالكل يحاول أن يجعل القرآن خاضعاً لسلطان عقيدته، وتابعاً لهواه، فكل ما ينال عن تأويلات الباطنية ينطبق على الإثني عشرية منهم تماماً لا فرق بينهما.
 

الباب الثالث ما ترتب على هذين الموقفين من آثار سيئة:
وتحته ثلاثة فصول:
الفصل الأول: عدم الاعتراف بعظمة القرآن الكريم، وأحقيته للتشريع.
الفصل الثاني: فتح الباب أمام أعداء الإسلام للطعن في القرآن الكريم.
الفصل الثالث: مخالفة السواد الأعظم من المسلمين في بعض الأحكام الشرعية.
 الفصل الأول: عدم الاعتراف بعظمة القرآن الكريم، وأحقيته للتشريع:
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: خرق الإجماع على أن القرآن الكريم محفوظ.
المبحث الثاني: جرح عظمة القرآن الكريم بتقديم مصحف فاطمة رضي الله عنها المزعوم عليه.
المبحث الثالث: تقديم أقوال أئمتهم على القرآن الكريم في التشريع.
 المبحث الأول: خرق الإجماع على أن القرآن الكريم محفوظ:
الذي عليه جميع المسلمين من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها أن القرآن الكريم هو كتاب الله الذي نزل به جبريل الأمين عليه السلام على محمد الأمين صلى الله عليه وسلم، المنقول إلينا نقلاً متواتراً، وهو كل الموجود بين دفتي المصحف، وأنه لا يتطرق إليه ولا ينبغي أن يتطرق إليه تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا زيادة ولا نقصان أبداً.
فهو محفوظ بحفظ الله تعالى وصيانته من كل هذه الأمور ومن كل الباطل، هذا هو إجماع المسلمين قاطبة نحو القرآن الكريم، المصدر الأول لتشريعهم، وأن من اعتقد غير ذلك فهو خارج عن جماعة المسلمين، وكافر بالله تعالى الذي أنزل هذا الكتاب ووعد بحفظه وصيانته([650]).
قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله بعد تعريف القرآن: (وقيدناه بالمصحف؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم بالغوا في نقله وتجريده عما سواه حتى كرهوا التعاشير والنقط؛ كيلا يختلط بغيره، فنعلم أن المكتوب في المصحف هو القرآن وما خرج منه فليس منه، إذ يستحيل في العرف والعادة مع توفر الدواعي على حفظ القرآن أن يهمل بعضه فلا ينقل أو يخلط به ما ليس منه)([651])
وقال ابن حزم رحمه الله تعالى: (ولما تبين بالبراهين والمعجزات أن القرآن هو عهد الله إلينا، والذي ألزمنا الإقرار به، والعمل بما فيه، وصح بنقل الكافة الذي لا مجال للشك فيه أن هذا القرآن هو المكتوب في المصاحف المشهور في الآفاق كلها وجب الانقياد لما فيه، فكان هو الأصل المرجوع إليه؛ لأننا وجدنا فيه: ((مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)) [الأنعام:38] -إلى أن قال-: (ولا خلاف بين أحد من الفرق المنتمية إلى المسلمين من أهل السنة، والمعتزلة، والخوارج، والمرجئة، والزيدية في وجوب الأخذ بما في القرآن، وأنه هو المتلو عندنا نفسه، وإنما خالف في ذلك قوم من غلاة الروافض هم كفار بذلك مشركون عند جميع أهل الإسلام)([652]). هذا ما قاله في كتابه الإحكام.
وقال في الفصل -عند حديثه عن كيفية نقل القرآن، وأمور الدين عند المسلمين-: (إن نقل المسلمين لكل ما ذكرنا ينقسم أقساماً ستة:
أولها: شيء ينقله أهل المشرق والمغرب عن أمثالهم جيلاً جيلا، لا يختلف فيه مؤمن ولا كافر، منصف غير معاند للمشاهدة، وهو القرآن المكتوب في المصاحف في شرق الأرض وغربها لا يشكون ولا يختلفون في أن محمداً صلى الله عليه وسلم بن عبد الله بن عبد المطلب أتى به، وأخبر أن الله عز وجل أوحى به إليه، وأن من اتبعه أخذه عنه كذلك، ثم أخذ عن أولئك حتى بلغ إلينا...)([653]).
وقال القاضي عياض رحمه الله: (وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين مما جمعه الدفتان من أول ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الفاتحة:2]، إلى آخر ((قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)) [الناس:1]، أنه كلام الله ووحيه المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن جميع ما فيه حق، وأن من نقص منه حرفاً قاصداً لذلك أو بدله بحرف آخر مكانه أو زاد فيه حرفاً مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه، وأجمع على أنه ليس من القرآن عامداً لكل هذا أنه كافر...)([654]).
هذا بعض ما ورد عن علماء المسلمين من الأصوليين وغيرهم من أقوال في تعريف القرآن الكريم، وبيان سلامته وصيانته من كل تحريف وزيادة ونقصان، وهو في غاية الوضوح، وكافٍ لمن أراد الوصول إلى الحق، كيف وقد وعد الله بحفظه: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9]، وغيرها من الآيات التي تفيد وعد الله بحفظ القرآن وسلامته من كل باطل.
وقد أجمع أهل الحق من المفسرين على أن المراد بالآية إنه يحفظه من أن يصيبه شيء من التحريف، أو التبديل، أو الزيادة فيه أو النقص منه، أو غير ذلك من أنواع الباطل، قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في الآية: يقول تعالى ذكره: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ)) وهو القرآن ((وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) قال: وإنا للقرآن لحافظون من أن يزاد فيه باطل ما ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه)([655]).
وقال البغوي رحمه الله في معنى الآية: (أي نحفظ القرآن من الشياطين أن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه، أو يبدلوا بغيره)([656])، وقال أبو حيان رحمه الله تعالى: (أي حافظون له من الشياطين، وفي كل وقت تكفل تعالى بحفظه فلا تعتريه زيادة ولا نقصان ولا تحريف ولا تبديل بخلاف غيره من الكتب المتقدمة فإنه تعالى لم يتكفل بحفظها، قال تعالى إن الربانيين والأحبار استحفظوها؛ ولذلك وقع فيها الاختلاف.
وحفظه إياه دليل على أنه من عنده تعالى؛ إذ لو كان من قول البشر لتطرق إليه ما تطرق لكلام البشر)([657]).
وقال البيضاوي رحمه الله تعالى في الآية: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ))، أي من التحريف، والزيادة والنقص بأن جعلناه معجزاً مبايناً لكلام البشر؛ بحيث لا يخفى تغيير نظمه على أهل اللسان، أو نفي تطرق الخلل إليه في الدوام بضمان الحفظ له كما نفى أن يطعن فيه بأنه المنزل له)([658]).
إلى غير ذلك مما ورد من أقوال المفسرين في تفسير هذه الآية على هذا المعنى المذكور.
هذا على أساس أن الضمير في (له) راجع إلى الذكر، وهو القرآن الكريم في قول أكثر المفسرين كـمجاهد وقتادة وغيرهما من علماء التفسير([659]).
وهناك رأي آخر يقول إن الضمير في (له) المراد به النبي صلى الله عليه وسلم، بمعنى أن الله يحفظه من الشياطين، ومن أهدافه فلا يصلون إليه بأي أذى لقوله تعالى: ((وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ)) [المائدة:67]، وهو قول لبعض المفسرين، منهم ابن السائب، ومقاتل وغيرهما([660])، والصواب هو القول الأول لموافقته لسياق الكلام من الآية.
وأياً كان فالقرآن الكريم هو هذا الموجود بين دفتي المصحف من غير زيادة فيه، ولا نقصان منه، وعلى ذلك إجماع جميع المسلمين قاطبة من الصدر الأول إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لأن الله قد تكفل بحفظه، وضمن بقاءه وسلامته من كل باطل قال تعالى: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9]، وقال تعالى: ((إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ)) [القيامة:17] الآية، وقال تعالى: ((لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)) [فصلت:42].
فهذه الآيات وغيرها تدل بالقطع على أن القرآن الكريم لم يعتره شيء، ولن يعتريه؛ فهو محفوظ دائماً وأبداً؛ لأن الله الفعال لما يريد الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن هو الذي تولى حفظه، فلا يمكن أن يكون الله تعالى حافظاً للشيء ثم يتطرق إليه تحريف أو تغيير إلى غير ذلك من أنواع الباطل التي نفاها الله عن كتابه العزيز.
وأما الرافضة الإثنا عشرية فبالرغم من وضوح هذه الأدلة كلها، وقيام البراهين القاطعة فإنهم مع كل ذلك فقد ادعوا عدم سلامة هذا القرآن؛ حيث قالوا بوقوع التحريف والتغيير فيه، وأنه حذف منه آيات وسور كثيرة، ووقع فيه على حد زعمهم كل ذلك على يد الذين تولوا جمعه وكتابته حفاظاً عليه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيرة أمته، وهم أصحابه الكرام الذين رضي الله عنهم وأرضاهم، ومات الرسول وهو عنهم راضٍ.
ثم زعموا (الرافضة) أن القرآن الكامل المحفوظ الذي لم يعتره شيء من التحريف هو الذي جمعه -بزعمهم- علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو موجود عند إمامهم الغائب([661]) -المزعوم- هذا الذي عليه المتقدمون منهم، والمتأخرون على حد سواء، إلا النزر اليسير منهم هم الذين تظاهروا بإنكار هذا القول منهم، وأظهروا موافقتهم لجماعة المسلمين على سلامة القرآن الكريم، وهم إنما أظهروا هذا الإنكار لأسباب يعلمها الله منهم.
واختلقوا أخباراً كثيرة وروايات كذباً وافتراءً على من يزعمون أنهم أئمتهم من آل البيت وهم برآء منهم، حتى ادعى بعضهم تواترها واستفاضتها كما أوصلها البعض منهم إلى أكثر من ألفي([662]) حديث، كلها صريحة في وقوع التحريف في القرآن الكريم -على حد زعمهم- وهذه الأخبار والروايات مذكورة في كتبهم المعتمدة.
كما ألفوا في خصوص تحريف القرآن مؤلفات مستقلة، أكدوا فيها وقوع التحريف في القرآن بكل ما تخيلوه أدلة لهم في ذلك، وعلى رأس هذه المؤلفات كتاب: فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب، لمحدثهم حسين محمد تقي النوري الطبرسي، وقد ذكر في كتابه هذا ما يزيد على ألف حديث شيعي في وقوع التحريف إلى جانب ما ذكره من الأدلة العقلية والنقلية الأخرى.
يقول الأستاذ إحسان إلهي ظهير رحمه الله تعالى عن هذا الموقف منهم، وأما الشيعة فلم يكتف علماؤهم بسرد الروايات والأحاديث المروية عن أئمتهم ومعصوميهم في تغيير القرآن وتحريفه، بل قد صنفوا في هذا في كل عصر من العصور كتباً مستقلة تحت عنوان (التغيير والتحريف في القرآن) لنقل هذه العقيدة الخبيثة وإثباتها بالأدلة والبراهين حسب زعمهم([663]).
هذا ما أجمع عليه أولهم وآخرهم وملأوا به مؤلفاتهم، كما سبق الحديث عنه مفصلاً في الباب الأول من هذا الكتاب أغنى ذلك عن إعادته هنا، وهم بقولهم هذا فقد أصبحوا مخالفين لجماهير المسلمين وخارجين عن جماعتهم، وعن ربقة الإسلام؛ لإنكارهم المعلوم من الدين بالضرورة، ولخرقهم إجماع المسلمين، ونسبهم الله سبحانه -تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً- إلى الكذب وخلف الوعد، ولا يمكن بقاء أحد في الإسلام مع هذا الاعتقاد؛ لأن هذا تقويض للإسلام من أساسه.
قال عبد القاهر البغدادي -في معرض حديثه عن أصول أهل السنة -: (واتفقوا على أن أصول أحكام الشريعة: القرآن، والسنة، وإجماع السلف، وأكفروا من زعم من الرافضة أنه لا حجة اليوم في القرآن والسنة لدعواهم أن الصحابة غيروا بعض القرآن، وحرفوا بعضه)([664]).
وقال ابن قدامة: (ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة، أو آية، أو كلمة، أو حرفاً متفقاً عليه أنه كافر)([665]).
وقد سبق قول ابن حزم فيهم في كتابه الإحكام في أصول الأحكام حيث وصفهم بالكفر([666]) وفي كتابه الفصل في الملل قال: (ومن قول الإمامية كلها، قديماً وحديثاً أن القرآن مبدل زيد فيه ما ليس منه، ونقص منه كثير، وبدل كثير...-إلى أن قال-: القول بأن بين اللوحين تبديلاً كفر صريح، وتكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم)([667]).
هذا ما أجمع عليه المسلمون من تكفير من أنكر سلامة ولو حرف من القرآن الكريم، فمن أنكر سلامة الجميع وزعم وقوع التحريف فيه فمن باب أولى، كما حكاه العلماء منهم القاضي عياض، وابن قدامة وغيرهما رحمهما الله تعالى([668]).
وهذا الحكم ينطبق تماماً على الرافضة الذين ادعوا وقوع التحريف في القرآن الكريم، وذهاب أجزاء كثيرة منه.
 
المبحث الثاني: جرح عظمة القرآن الكريم بتقديم مصحف فاطمة رضي الله عنها (المزعوم) عليه:
تزعم الرافضة الإثنا عشرية أن لـفاطمة رضي الله عنها مصحفاً ضخماً خاصاً بها، ليس فيه شيء من هذا القرآن الموجود حتى حرف واحد، وإنما هو مصحف خاص بها فيه جميع العلوم، وكل ما يحتاج إليه الناس في أمورهم الدنيوية والدينية، وأنها تركته عند أولادها من بعدها، يأخذون منه كل ما يحتاجون إليه، وعلى ذلك تدل رواياتهم الكثيرة المنسوبة إلى أئمتهم منها:
ما رواه الكليني بسنده إلى أبي بصير عن أبي عبد الله -في خبر طويل فيه-: ثم قال: (وإن عندنا لـمصحف فاطمة عليها السلام، وما يدريهم ما مصحف فاطمة؟ قال: قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال: مصحف فيه مثل ما في قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد...) الخبر.
ونحوه عند الصفار إلا أنه زاد: (إنما هو شيء أملاها الله وأوحى إليها)([669]).
فالخبر واضح في نسبة هذا المصحف إلى فاطمة رضي الله عنها، وأنه أكبر من القرآن بأضعاف مع عدم اشتماله على شيء من القرآن الكريم، وأنه لم يوح به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أوحى الله به -كما يزعمون- إلى فاطمة رضي الله عنها، فمن غير الممكن الوصول إلى حقيقته؛ وذلك أن الرافضة الذين يزعمون وجود هذا المصحف عندهم لم تتفق أقوالهم على شيء من ذلك، فكل ما ورد عنهم من الأخبار والروايات المنسوبة إلى أئمتهم متضاربة، ومتناقضة؛ حيث تصرح بعض الروايات بأنه وحي أوحاه الله تعالى إلى فاطمة رضي الله عنها مع أن المتفق عليه بين المسلمين أن الوحي قد انقطع بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا نبي بعده.
بينما تصرح روايات أخرى بأنه من إملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخط علي رضي الله عنه.
كما تفيد روايات أخرى أنه من تأليف علي رضي الله عنه، وهذه الروايات منقولة في كتبهم المعتمدة، ومن أئمتهم المعصومين -كما يزعمون- فليس هناك شك في صحتها عندهم.
فمن تلك الروايات:
ما رواه الكليني والصفار بإسنادهما عن حماد بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة؟ وذلك أني نظرت في مصحف فاطمة عليها السلام قال: قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال: إن الله تعالى لما قبض نبيه صلى الله عليه وسلم دخل على فاطمة من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، فأرسل الله إليها ملكاً يسلي غمها، ويحدثها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: إذا أحسست بذلك، وسمعت الصوت قولي لي، فأعلمته بذلك فجعل أمير المؤمنين يكتب كلما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفاً، قال: ثم قال: أما أنه ليس فيه شيء من الحلال والحرام، ولكن فيه علم ما يكون).
ورويا أيضاً بإسنادهما عن أبي عبد الله، أنه قال لمن سأله عن مصحف فاطمة رضي الله عنها: (إنكم لتبحثون عما تريدون، وعما لا تريدون، إن فاطمة مكثت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله خمسة وسبعين يوماً، وكان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبريل عليه السلام يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها، وكان علي عليه السلام يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة عليها السلام)([670]).
فهذان الخبران صريحان في كون المصحف وحياً عن الله تعالى إلى فاطمة رضي الله عنها بواسطة الملائكة، الذين أرسلهم الله تعالى لتسليتها وعزائها بعد وفاة والدها صلى الله عليه وسلم، وأن الذي تولى كتابة هذا المصحف هو علي بن أبي طالب زوج فاطمة رضي الله عنهما، كما يفيد التنصيص على جبريل عليه السلام أن هذا الوحي هو وحي حقيقي، وليس إلهاماً كما قد يتوهم ذلك.
وقد أشكل على أن علي بن أبي طالب هو كاتب هذا المصحف ما ثبت عند محمد بن رستم الطبري([671]) بسنده عن أبي بصير قال: (سألت أبا جعفر محمد بن علي عن مصحف فاطمة فقال: أنزل عليها بعد موت أبيها، قلت: ففيه شيء من القرآن؟ فقال: ما فيه شيء من القرآن، قلت: فصفه لي؟ قال: له دفتان من زبرجدتين على طول الورق، وعرضه حمراوين، قلت: جعلت فداك فصف لي ورقه؟ قال: ورقه من در أبيض، قيل له كن فكان...)([672]).
فهذا الخبر مع اتفاقه مع السابقين على أن هذا المصحف وحي من الله إلا أنه قد فارقهما في الذي كتب المصحف؛ فبينما يصرح الخبران الأولان أن علياً هو الكاتب لهذا المصحف، يصرح هذا الخبر بأنه نزل من السماء مكتوباً، وأنه كان بكلمة كن، وكلها صادرة عن المعصومين -بزعمهم-!!!
وفي مقابل تلك الروايات المصرحة بكون المصحف وحياً من الله تعالى روايات أخرى تثبت عكس ذلك؛ حيث تصرح بأنه إملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبخط علي رضي الله عنه.
روى الصفار بسنده عن أبي عبد الله في خبر طويل، فيه أنه قال: (وعندنا والله مصحف فاطمة، ما فيه آية من كتاب الله، وإنه لإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله، وخطه علي عليه السلام بيده...)([673])الخبر.
وهو الذي أكده محمد جواد مغنية في حديثه عن مصحف فاطمة؛ حيث قال: (وقد جاء ذكره في أخبار أهل البيت مع تفسيره، وأنه كان من إملاء رسول الله على علي، قال الإمام الصادق: (عندنا مصحف فاطمة، أما والله ما فيه حرف من القرآن، ولكنه من إملاء رسول الله وخط علي) الخبر([674]).
وقد اتضح من هذه الأخبار أن المصحف من إملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وليس بوحي من الله تعالى. كما تقرره الروايات السابقة.
وهناك رأي آخر ينسف كل ما سبق ذكره من أقوالهم، وهو أن هذا المصحف من تأليف علي بن أبي طالب لزوجه فاطمة رضي الله عنهما، وليسبى بوحي، ولا من إملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما وردت به الروايات السابقة، وفي ذلك يقول عبد الحسين شرف الدين الموسوي: (وبعد فراغه من الكتاب العزيز ألف لسيدة نساء العالمين كتاباً كان يعرف عند أبنائها الطاهرين بـمصحف فاطمة...)([675]).
والذي نستخلصه من هذه المواقف المتناقضة منهم، والروايات المتضاربة هو شيء واحد، وهو أن هذا المصحف مختلف ومفترى على فاطمة رضي الله عنها، ولا حقيقة له أبداً، وإلا ما وقعوا في مثل هذه التناقضات في أمره.
هذا عن حقيقة هذا المصحف المزعوم لـفاطمة، وأما عن محتوياته، فقد وردت عنهم كذلك روايات مختلفة، وأقوال متعددة في ذلك.
روى كل من الكليني والصفار بإسنادهما عن الحسين بن أبي العلاء قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (إن عندي الجفر الأبيض([676])، ومصحف فاطمة، ما أزعم أن فيه قرآناً، وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلى أحد، حتى فيه الجلدة ونصف الجلدة، وربع الجلدة، وأرش الخدش...)([677]).
وروى الكليني أيضاً بسنده عن فضيل بن سكرة قال: دخلت على أبي عبد الله فقال: (يا فضيل! أتدري في أي شيء كنت أنظر قبيل؟ قلت: لا، قال: كنت أنظر في كتاب فاطمة عليها السلام، ليس من ملك يملك الأرض إلا وهو مكتوب فيه باسمه، واسم أبيه، وما وجدت لولد الحسن فيه شيئًا)([678]).
وقريب من هذا ما نقله الإربلي عن أبي عبد الله: (وأما مصحف فاطمة ففيه ما يكون من حادث وأسماء كل من يملك إلى أن تقوم الساعة...)([679]).
وهو واضح من هذا كله أن المصحف يحتوي على العلم بالغيب.
وأوضح من ذلك، وأشمل منه ما نقله محمد بن جرير بن رستم الطبري الرافضي، عن أبي بصير في جملة أسئلة ألقاها إلى أبي جعفر محمد بن علي عن مصحف فاطمة في خبر طويل أنقله لاشتماله على الكثير من الأمور التي لم تشتمل عليها الروايات السابقة ولما فيه من تحديد دقيق لحجم هذا المصحف المزعوم، قال أبو بصير: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن مصحف فاطمة فقال: (أنزل عليها بعد موت أبيها...) - إلى قوله-: قلت: جعلت فداك، فما فيه؟ قال: (فيه خبر ما كان، وخبر ما يكون إلى يوم القيامة، وفيه خبر سماء سماء، وعدد ما في السموات من الملائكة، وغير ذلك وعدد كل من خلق الله مرسلاً وغير مرسل وأسمائهم وأسماء من أرسل إليهم، وأسماء من كذّب ومن أجاب، وأسماء جميع من خلق الله من المؤمنين والكافرين من الأولين والآخرين، وأسماء البلدان، وصفة كل من كذب وصفة القرون الأولى وقصصهم، ومن ولي من الطواغيت، ومدة ملكهم وعددهم، وأسماء الأئمة، وصفتهم، وما يملك كل واحد، وصفة كبرائهم وجميع من تردد في الأدوار، قلت: جعلت فداك، وكم الأدوار؟ قال: خمسون ألف عام، وهي سبعة أدوار فيه أسماء جميع ما خلق الله وآجالهم وصفة أهل الجنة وعدد من يدخلها، وعدد من يدخل النار، وأسماء هؤلاء وهؤلاء، وفيه علم القرآن كما أنزل، وعلم التوراة كما أنزلت، وعلم الإنجيل كما أنزل، وعلم الزبور وعدد كل شجرة ومدرة في جميع البلدان)([680]).
هذا، وليس بعد هذا الوصف زيادة، فقد بين لنا كل ما في هذا المصحف من المعلومات، وهو إن لم أقل إنه لوح محفوظ للرافضة فلا أدري ما أطلق عليه.
إذ لا يوجد شيء إلا وهو مكتوب فيه -بزعمهم- إلا أننا نجده قد أتى في آخر حديثه بما يبطل أوله تماماً حيث قال -عند وصفه كيفية نزول الملائكة على فاطمة بالمصحف وعروجهم إلى السماء-: (ثم عرجوا إلى السماء فما زالت من بعد صلاة الفجر إلى زوال الشمس تقرؤه حتى أتت على آخره...)([681]).
هذا في غاية من الغرابة فإن الفترة التي يزعم أن فاطمة رضي الله عنها قرأت فيها هذا المصحف من أوله إلى آخره لا تتفق مع الوصف الذي أطلقه على هذا المصحف أبداً، مهما كانت درجة القارئ حتى ولو اقتصر على رؤوس العناوين فقط لا يمكن أن ينهي قراءة مصحف هذا وصفه في مثل هذه الفترة الزمنية القصيرة.
وهذا كله يوضح لنا بجلاء أن هذا المصحف من اختلاق الرافضة وافترائهم على آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم للوصول إلى أغراضهم.
ويذهب البعض الآخر منهم إلى أن المصحف يحتوي على الحكم والأمثال وأشياء أخر، وفي ذلك يقول عبد الحسين الموسوي: (وبعد فراغه([682]) من الكتاب العزيز ألف لسيدة نساء العالمين كتاباً كان يعرف عند أبنائها الطاهرين بـمصحف فاطمة، يتضمن أمثالاً وحكماً ومواعظ وعبراً وأخباراً ونوادر توجب لها العزاء عن سيد الأنبياء أبيها صلى الله عليه وسلم)([683]).
إلى غير ذلك من الأقوال والروايات التي وردت عنهم في بيان محتويات هذا المصحف المنسوب إلى فاطمة رضي الله عنها، ومع تباين أقوالهم في تحديد مضامين المصحف، فإنهم يتفقون في الجملة على أنه يشتمل على العلم بما كان وما يكون وعلى كل ما يحتاج إليه الأئمة في جميع الأمور الدينية والدنيوية على حد سواء مهما صغر أو كبر -على حد زعمهم-.
وكذلك اتفقوا على أنه ليس المقصود به القرآن الذي يعرفه المسلمون، وأنه لا يشتمل على شيء منه حتى ولو حرف واحد، وعلى أنه أكبر من القرآن بثلاث مرات، هذا ما ركزوا عليه في جميع رواياتهم، وهو يؤكد لنا مدى تعظيمهم لهذا المصحف المزعوم، واستخفافهم بالقرآن الكريم؛ لأنهم ما داموا يملكون مثل هذا المصحف الكبير المشتمل على جميع العلوم بما فيها الأمور الغيبة لم تعد لهم فائدة في الرجوع إلى القرآن الكريم الذي لا يشتمل على شيء مما عندهم، وما عندهم يغنيهم عن القرآن تماماً.
والعياذ بالله من أن نقدم هواناً على كتاب الله الذي أنزله على أفضل رسله وخاتم أنبيائه عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
 
المبحث الثالث: تقديم أقوال أئمتهم على القرآن الكريم في التشريع:
لا خلاف بين كل من ينتمي إلى الإسلام في أن القرآن الكريم هو المصدر الأول للتشريع الذي يجب الرجوع إليه في جميع الأمور؛ لأنه كتاب الله خالق البشر، العالم بجميع أحوالهم، فهو يعلم ما يصلح لهم، وما لا يصلح لهم، فلابد من الرجوع إليه قال تعالى: ((فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)) [النساء:59].
فهذه الآية، وما في معناها من الآيات تدل دلالة واضحة على وجوب رد المتنازع فيه من الأحكام وغيرها إلى الله تعالى، وهو الرجوع إلى كتابه، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم في حياته، وإلى سنته الثابتة بطرق صحيحة بعد وفاته، هذا بإجماع كل من يعتد به من المسلمين، ولا يخرج عن هذا إلا من فارق الإسلام وأهله، وهو ما يؤكده قوله تعالى في الآية: ((إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)) أي إن كنتم كذلك فحكموا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في جميع أموركم، وأن لا تقدموا عليهما قول أحد أياً كان قائله([684]).
قال العلامة ابن حزم الأندلسي رحمه الله تعالى: (ولا خلاف بين أحد من الفرق المنتمية إلى المسلمين من أهل السنة، والمعتزلة، والخوارج، الزيدية في وجوب الأخذ بما في القرآن)([685])، هذا ما اتفق عليه جميع المسلمين، وهو المعمول به عندهم في جميع استدلالاتهم.
وأما الرافضة الإثنا عشرية، فالأمر عندهم ليس على ما أجمع عليه المسلمون من وجوب الرجوع إلى القرآن الكريم، ووجوب تقديمه في كل شيء؛ بل الأمر على العكس من ذلك تماماً، حيث جعلوا أقوال أئمتهم الأصل الذي يجب الرجوع إليه في أخذ الأحكام بدل القرآن الكريم؛ لأنهم -بزعمهم- هم الذين عندهم القرآن الكامل، وهم تراجمته للناس، وهم المفوضون في بيان شريعة الله إلى عباده، وهم حججه على خلقه، وليس ذلك إلى أحد سواهم؛ فلابد من الرجوع إليهم في الأمور كلها، ولا يجوز الأخذ من القرآن الكريم إلا عن طريقهم، لأنهم العالمون به كما تقدم ذكر بعض أقوالهم في ذلك([686])، فجعلوا أقوال أئمتهم فوق القرآن، ومقدمة عليه.
هذا هو صريح أقوالهم، يقول عدنان علوي: (ومن المعلوم ضرورة من مذهبنا تقديم قول الإمام على ظاهر القرآن، كما أن المعلوم ضرورة من مذهبهم العكس، ويرشدك إلى هذا ما تقدم في رد الإمام على أبي حنيفة حيث إنه يعمل بكتاب الله، ومن المعلوم أنه إنما كان يعمل بظواهره لأنه يؤوله([687]) بالرأي؛ إذ لا عبرة بالرأي عندهم مع الكتاب والسنة، ويرشدك إلى هذا قول أبي عبد الله في ذم المخالفين أنهم ضربوا القرآن بعضه ببعض، واحتجوا بالمنسوخ وهم يظنون أنه الناسخ، واحتجوا بالخاص وهم يظنون أنه العام، واحتجوا بأول الآية وتركوا السنة في تأويلها، ولم ينظروا إلى ما يفتح به الكلام وإلى ما يختمه، ولم يعرفوا موارده ومصادره إذ لم يأخذوا عن أهله فضلوا وأضلوا)([688]).
هكذا يرمون غيرهم الذين جعلوا القرآن المصدر الأول لهم في التشريع، كما أوجب الله عليهم ذلك ورسوله صلى الله عليه وسلم، يرمونهم بالجهل والضلال؛ لأنهم لم يرجعوا إلى أئمة الشيعة لأخذ الأحكام منهم، والاهتداء بهم، فضلوا وأضلوا.
ويقول الخميني أحد زعمائهم في عصرنا الحاضر عن مكانة تعليم الأئمة ووجوب تطبيقها في جميع أمورهم، يقول: (وقد قلت سابقاً إن تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن لا يخص جيلاً خاصاً، وإنما هي تعاليم للجميع في كل عصر ومصر، وإلى يوم القيامة، يجب تنفيذها واتباعها)([689])هذا ما يقوله زعيمهم هذا الذي يعده من اغتر به من أبطال الإسلام الذين تجب نصرتهم، والوقوف معهم هذه هي نظرته إلى القرآن الكريم من حيث مساواته مع تعاليم أئمتهم هذا لا يقوله إلا من لم يقدر الله حق قدره، ولم يعرفه حق معرفته، فليتنبه المغرورون الغافلون.
وهذا كله يبين لنا بجلاء مدى تقديسهم لأقوال أئمتهم وتعظيمهم لها، فهي المعتبرة عندهم في تشريع الأحكام واستنباطها، وفي جميع أمورهم الدينية والدنيوية.
وأما القرآن الكريم فليس بمصدر قائم بذاته إلا أن ينضم إليه قول من أحد الأئمة المعصومين -على حد زعمهم- وبغير ذلك لا يكون صالحاً للاستدلال واستنباط الأحكام منه، وهذه هي النتيجة الطبيعية لموقفهم من نصوص القرآن ومن معانيه؛ حيث ادعوا أن نصوصه محرفة ومغيرة إلى آخر ما ورد عنهم في ذلك، وقد سبق ذكر أقوالهم في ذلك مفصلاً في الفصل الأول من هذا الكتاب.
كما أنهم يقومون على تحريف معانيه وصرفها إلى المعاني التي تتفق وأهواءهم الفاسدة بعيدة عن المعاني الصحيحة المرادة من الآيات.
وفي ذلك يقول شاه عبد العزيز الدهلوي في معرض حديثه عن أدلة الأحكام عند الرافضة الإثنا عشرية: (أما الكتاب فهو القرآن المنزل الذي لم يبق حقيقة بأن يستدل به بزعمهم الفاسد؛ لأنه لا اعتماد على كونه قرآناً إلا إذا أخذ بواسطة الإمام المعصوم، وليس القرآن المأخوذ من الأئمة موجوداً في أيديهم، والقرآن المعروف غير معتد به عند أئمتهم -بزعمهم- وأنه لا يليق الاستدلال به، إما لكونه محرفاً ومغيراً -على حد زعمهم-، وإما لكون الذين نقلوه إلينا وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتدين ومنافقين -حاشا لله- فلا يمكن الوثوق بما ينقلونه ما داموا كذلك -على حد زعمهم-)([690]).
فهذه هي حالتهم مع القرآن الكريم من حيث تقديم أقوال أئمتهم عليه، وعدم اعتباره مصدراً أساسياً للتشريع الإسلامي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى -في معرض رده على الطوائف المبتدعة في تقديمهم العقل على النقل-: (فمنهم طوائف لا يقرأون القرآن مثل كثير من الرافضة والجهمية، لا تحفظ أئمتهم القرآن، وسواء حفظوه أو لم يحفظوه لا يطلبون الهدى منه، بل إما أن يعرضوا عن فهمه وتدبره، كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، وإما أن يحرفوه بالتأويلات الفاسدة)([691]). هذا ما نتج عن قولهم بتحريف القرآن الكريم وتغييره وعن تحريفهم لمعانيه عن مواضعها إلى خدمة أهوائهم وأغراضهم الخبيثة.
 
 
الفصل الثاني: فتح الباب أمام أعداء الإسلام للطعن في القرآن الكريم:
مما لا يشك فيه أحد من المسلمين أن ادعاءات الرافضة على القرآن الكريم بعدم سلامته من التحريف، وعدم اشتماله على جميع ما أنزل الله تعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بفعل من تولى جمعه وكتابته بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم -بزعمهم- وهم الصحابة الكرام، وعلى رأسهم الخلفاء الثلاثة أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان ذو النورين رضي الله عنهم جميعاً، كما سبق ذلك بالتفصيل([692]) أن هذه الادعاءات منهم كانت أكبر دعم لأعداء الإسلام الذين يسهرون في العمل للقضاء على هذا الدين الحنيف عن طريق التشكيك في مصادره، وتشويه شخصياته بعد أن عجزت محاولاتهم الحربية من القضاء عليه، لاسيما المستشرقين منهم، والمبشرين الذين سخروا أنفسهم ووظفوها لخدمة الكنيسة والاستعمار وللصهيونية على حد سواء، فاتجهوا إلى العمل الفكري لعلهم يصلوا إلى بغيتهم في ذلك، وأنى لهم؛ قال تعالى: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)) [الصف:6-8].
وهكذا فهم دائماً يبحثون ويتلمسون كل كبير وصغير من الأمور التي يتوهمونها مطاعن في القرآن الكريم المصدر الأول للإسلام، فيتخذونها للطعن في القرآن الكريم لتشكيك ضعاف المسلمين في صحته وثبوته كما أنزله الله تعالى بغض النظر عن قيمة هذه المطاعن أمام النقد العلمي صحة وفساداً، لا يهمهم شيء من ذلك وإنما يهمهم فقط التشويش على المسلمين والوصول إلى أهدافهم.
فيأخذون ما يلائم أغراضهم ويساعدهم في تحقيق هدفهم الخبيث، وهو التشكيك في القرآن، ثم القضاء على الإسلام ثانية كما يتخيلون.
ولذا نراهم قد تلقفوا جميع الشبه والشبهات التي أثارتها الروافض لتدعيم دعواهم الخبيثة في عدم سلامة القرآن من التحريف والتغيير والضياع حول جمع القرآن وكتابته، وما نبشوها من الروايات الضعيفة والموضوعة في ذلك، وما تعلقوا بها كذلك من وجوه القراءات عموماً، والشاذة بل الضعيفة منها على وجه الخصوص، وغيرها من شبههم الواهية التي تعلقوا بها لتأييد دعواهم وقوع التحريف في القرآن الكريم، وقد سبق ذكرها بالتفصيل([693])، والتي فتحت الباب لأعداء الإسلام من المستشرقين والمبشرين وأعطتهم الفرصة لنصب سهامهم تجاه هذا الكتاب العظيم، المحفوظ بحفظ الله تعالى، فملأوا مؤلفاتهم ضد الإسلام بتلك الخرافات الشيعية، والشبهات التي أثاروها في ذلك عند حديثهم عن القرآن والإسلام في هذه المؤلفات، وهم موقنون تماماً بضعف تلك الأخبار، وكذب الرافضة وافترائهم على أهل السنة، ومع ذلك يأخذون بها ويستعملونها في الطعن على القرآن بأنه محرف، لاسيما عندما يضيق بهم الخناق في مناظراتهم مع المسلمين، وإقامة البراهين القاطعة عليهم في تحريف كتبهم، فيردون على المسلمين بأقوال الرافضة في القرآن.
وفي ذلك يقول الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى -عند ذكره بعض اعتراضات النصارى على المسلمين-: (واعترضوا أيضاً بأن قالوا: كيف تحققون نقلكم لكتابكم، وأنتم مختلفون أشد خلاف في قراءتكم له؟ -إلى أن قال-: وأيضاً فإن الروافض يزعمون أن أصحاب نبيكم صلى الله عليه وسلم بدلوا القرآن، وأسقطوا منه، وزادوا فيه)([694]).
كما وردت في كتبهم استشهادات كثيرة بأقوال الرافضة في القرآن الكريم، فمن ذلك ما حكاه الشيخ رحمت الله الهندي([695]) رحمه الله تعالى عن القسيس النبيل([696]) فيما نقله بغير أمانة من قول الفاني([697]) فقال: (القول الخامس: نقل القسيس النبيل قول الفاني في بيان مذهب الإثني عشرية في حق القرآن المجيد، من كتابه المسمى بـدبستا في الفصل الثالث من الباب الأول من ميزان الحق([698]) في الصفحة 29، وحَرَّف قوله حيث كانت عبارته هكذا: (بعضي أزيشان كويندكه عثمان مصحف راسوخة..)، ونقل القسيس النبيل هكذا: (كه مي كويند) فأسقط لفظ (بعضي أزيشان)، وزاد النبيل لفظ (مي) لتكون النسبة بحسب الظاهر إلى كل فرقة)([699]).
أي صار القول بإحراق عثمان المصحف منسوباً بحسب الظاهر إلى كل فرقة الشيعة الإثني عشرية([700]).
هذا وسواء كانت نسبة هذا القول إلى كلهم، أو إلى بعضهم، فالأمر هو هو؛ إذ المقصود حاصل من كلتا الحالتين، وهو استشهاد القسيس بقولهم هذا في طعنه على القرآن الكريم بعدم سلامته من التحريف، ويوضح ذلك بجلاء ما قاله في موضع آخر من كتابه ذلك فيما نقله عنه أحد الرافضة، وهو علي البحراني في كتابه المسمى بـلسان الحق، الذي ألفه للرد على كتاب ذلك القسيس؛ حيث ورد فيه من قوله: (ولا ريب أنه إذا كان بين أهل السنة والشيعة مثل هذا الخلاف في عدم تحريف القرآن وإفساده، كان لكل أحد أن يشك بمطابقة النسخ المتداولة بين أيد المسلمين للنسخ الأصلية، وعدم وجود اختلاف بين بينها وارتفاعه)([701]).
ويقول المستشرق غولد زيهير عند حديثه عن موقف الشيعة من القرآن، وما ادعوه من عدم سلامته من التحريف، وضياع بعض أجزائه، يقول: (وهم في الحق لا يأتون بالأجزاء الناقصة من النص، وبدلاً من ذلك جاءوا بسور ساقطة بالكلية من القرآن العثماني أخفتها الجماعة التي كلفها عثمان بكتابته عن سوء نية -في زعمهم- إذ تشتمل على تحميد لـعلي، وقد نشر جار سان دي تاسي ومرزا كاظم بك لأول مرة في المجلة الآسوية سورة من هذه السور المتداولة في دوائر الشيعة، وحديثاً وجدت في مكتبة بانكبور بـالهند نسخة من القرآن تشتمل فضلاً عن هذه السورة، على سورة النورين 41 آية، وسورة أخرى شيعية أيضاً ذات سبع آيات، وهي سورة الولاية، أي الموالاة لـعلي والأئمة، كما تشتمل على تفسيرات مذهبية كثيرة في بقية السورة المشتركة، وكل هذه الزيادات الشيعية نشرها كلير تسدال باللغة الإنجليزية، وكل ذلك يدل على استمرار افتراض الشيعة حصول نقص غير قليل في نص القرآن العثماني بالنسبة إلى المصحف الأصلي([702]) الصحيح([703]).
وقال المترجم معلقاً على قول غولد زيهير من موقف الرافضة من القرآن الكريم: (أخذ الجدل المسيحي إزاء الإسلام حجة الشيعة في تحريف القرآن بوساطة عثمان، بل كذلك بـالحجاج بن يوسف من بعد)([704]).
والمستشرقون إنما ينقلون ادعاءات الرافضة هذه في مؤلفاتهم ليتخذوها ذريعة لهم في الطعن على القرآن الكريم، وليس لمجرد النقل، أو حب الاطلاع على أقوال الآخرين.
كما صرح هذا المستشرق بمثل ذلك في موضع آخر من كتابه هذا عند حديثه عن أوجه القراءات عند المسلمين لاسيما القراءات المروية عن الصحابيين عبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب رضي الله عنهما ومالهما من المكانة عند المسلمين وخاصة في العلم بالقرآن حيث يقول: (وقد انتفع فعلاً رجال الجدل المسيحي بقراءات الأول (عبد الله بن مسعود) فاتخذوها حجة للطعن في صحة القراءات المشهورة)([705]).
وهذه هي الحال عند الرافضة أيضاً من الاستدلال بقراءتهما على عدم صحة القرآن -بزعمهم-.
فهم دائماً يستدلون بأقوال الرافضة على أن القرآن الكريم محرف، فأقوال الرافضة هي سلاحهم في كل وقت للنيل من الإسلام وتشويهه حتى يتسنى لهم القضاء عليه -كما يريدون-.
وفي هذه الآونة الأخيرة ظهر منشور من الأسقف العام، ورئيس المجلس الملي للأقباط الأرثوذكسي، والنائب البابوي بـالإسكندرية مصر تيموثاوس، وفي هذا المنشور تحامل شديد على الإسلام ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأبشع العبارات. فمن جملة ما جاء من افتراءاتهم ادعاؤهم ضياع شيء من القرآن كما جاء ذلك في الفقرة السابعة من منشورهم هذا ودليلهم في ذلك هو ما يردده الرافضة دائماً في كتبهم ورواياتهم من أنه كان في القرآن بعض سور أسقطت منه كسورة الخلع والحفد، والنورين وغيرهما من السور المزعومة عندهم، وقد سبق ذكرها والرد عليها([706]).
فهم يحتضنون كل ما يصدر عن الرافضة حول القرآن الكريم مع ما فيها من الضعف الشديد بل هو المفضل عندهم على الصحيح؛ لأنهم لا يجدون بغيتهم إلا من الضعيف([707]).
وبمثل ذلك احتج القسيس جمس سواغرت على الشيخ أحمد ديدات في المناظرة المشهورة التي دارت بينهما حول الإنجيل، وصحة نسبته إلى الله وعدمها، في عام 1407هـ- 1987م في الولايات المتحدة الأمريكية، عندما أفحمه الشيخ أحمد ديدات بالبراهين الواضحة والأدلة القاطعة على أن الإنجيل، وكذلك غيره من كتبهم الموجودة بأيديهم الآن ليست من كلام الله تعالى، بل هي من عند أنفسهم؛ لوجود تناقضات كثيرة فيها، فهو لم يجد ما يدفع به هذه التناقضات عن كتبهم، ووقع في حرج شديد أمام جماهيره المشاهدين، حاول هو أيضاً من جانبه.
وبكل يأس أن يخرج من هذا المأزق، ولكن كيف هو؟ هل يدفع التناقضات التي ذكرها الشيخ ديدات عن كتبهم؟ أم كيف يفعل للخروج من هذا المأزق؟ فهو لم يجد شيئاً يساعده في موقفه الحرج هذا إلا ما أعده الرافضة له ولأمثاله تجاه القرآن الكريم، فأخذ كل ذلك بكل فرح وسرور واستعمله للطعن في القرآن الكريم، بدعوى وجود تناقضات فيه أيضاً.
وحجته في ذلك ما تردده الرافضة من وجوه القراءات المتعددة وأمر الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه بعد نسخه المصاحف بإحراق ما عداه من المصاحف الأخرى، فهو يتساءل إن لم تكن متناقضة فلماذا أمر بإحراقها؟([708]).
هذا، وقد تولى العلماء الرد على كل افتراءاتهم على القرآن الكريم، وعلى الإسلام عموماً بما لا يحتاج إلى المزيد عليه، وقد سبق الرد عليها عند حديثي عن شبه الرافضة في دعواهم تحريف القرآن، وهي نفس الشبه التي استعملها هؤلاء المبشرون ضد الإسلام ومصادره([709]).
كما أن هدفي في هذا الفصل: هو بيان النتائج السيئة التي ترتبت على موقف الرافضة من القرآن الكريم، وقد اتضح لنا جلياً كيف كان عوناً لأعداء الإسلام للنيل منه، فقد استعملوا ضد الإسلام وأهله كل ما أثارته الرافضة من الشبهات وما تعلقوا به من الشبه الواهية وجعلوها سلاحاً بأيديهم يرمون بها المسلمين كلما ضاق بهم الخناق عند إقامة الحجة عليهم، وعلى تحريفهم لكتبهم ودينهم، مما لا يستطيعون دفعها.
و الرافضة بعملهم هذا قد جنوا على أنفسهم لا على الإسلام، فإن الإسلام لا يضره شيء من مطاعن أعدائه؛ لأنه دين الحق الذي لا تشوبه شائبة، وأمره ظاهر وهو محفوظ بحفظ الله تعالى، وهو بالمرصاد لكل عدو حقود على هذا الدين الحنيف.
قال تعالى: ((هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)) [الصف:9].
فالإسلام ماضٍ على رغم أنف الحاقدين عليه الكائدين له.
 
الفصل الثالث: مخالفة السواد الأعظم من المسلمين في بعض الأحكام الشرعية:
إن مبدأ وقوع الاختلاف في المسائل الفرعية الفقهية بين علماء المسلمين المجتهدين ليس مذموماً في حد ذاته، طالما كان قصد الجميع هو الوصول إلى الحق من خلال الأدلة الصحيحة، وإنما يكون مذموماً بل محرماً إذا كان الخلاف هو المقصود لذاته، وحباً لمفارقة الجماعة.
فالخلاف الواقع من الرافضة الإثني عشرية لجماعة المسلمين هو من النوع الثاني -النوع المذموم المحرم- فهم يقصدون مفارقة أهل السنة والجماعة في جميع الأمور سواء كان ذلك في الأصول أم في الفروع، فهم يخالفون جماعة المسلمين في ذلك كله، ولذلك ألزموا أنفسهم بعدم الأخذ من مصادر المسلمين من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وغيرها مما يرجع إليها المسلمون في استنباط الأحكام الشرعية وفض المنازعات بينهم.
فلم يلتفت الرافضة إلى شيء من ذلك، ولا من أقوال السلف الصالح من تفسيرات لنصوص الكتاب والسنة وغيرهما فكلها مرفوضة عندهم جملة وتفصيلاً؛ بدعوى ارتداد الصحابة -حاشا لله- وغيرهم من السلف الصالح، وقد سبق الحديث عن هذا الموقف عندهم([710]).
ووضعوا لأنفسهم في مقابل ذلك طريقة خاصة بهم لا يشاركهم فيها أحد من المسلمين، فأصبحوا بذلك مخالفين لجماعة المسلمين في كل شيء؛ لأن ذلك هو قصدهم وهو ما يمليه عليهم دينهم وتفرضه عقيدتهم.
لذا نراهم يجهدون أنفسهم في إيجاد مخارج لأقوال أئمتهم التي تتفق مع مذاهب أهل السنة والجماعة ليحملوها عليها.
فيقولون مثلاً: إنها صدرت منهم على وجه التقية، وغيرها مما يتعسفون في تأويلهم بها أقوال أئمتهم الموافقة لمذهب أهل السنة والجماعة، وهم يفعلون كل ذلك لا لشيء إلا لأنها توافق مذهب الخصم عندهم.
هذا ما صرح به غير واحد من علمائهم في مثل هذه المواقف، يقول الطوسي عند جوابه عن الأخبار التي وردت عن أئمتهم بإباحة نكاح الكتابيات: (وما جرى مجرى هذه الأخبار مما تضمن إباحة نكاح اليهوديات والنصرانيات، فإنها تحمل وجوهاً من التأويل منها:
أن تكون هذه الأخبار خرجت مخرج التقية؛ لأن من خالفنا يذهب إلى إباحة ذلك فيجوز أن تكون هذه الأخبار وردت وفقاً لهم كما وردت أخبار كثيرة على هذا الوجه)([711]).
هذا هو حال كل من جعل هواه دينه، لا يتقيد بما يضعه هو نفسه، فما يضعه غيره أولى أن لا يتقيد به، فهم لا يلتزمون بشيء من الأدلة سواء في ذلك الأدلة الصحيحة التي يتبعها أهل السنة والجماعة، أو الفاسدة التي وضعوها هم بأنفسهم، فلا شيء من ذلك يتبعونه إلا مجرد هواهم واتباع شهواتهم، والله المستعان.
وبما أن حديثي معهم في هذا الفصل هو بيان النتائج السيئة التي ترتبت على موقفهم من نصوص القرآن الكريم ومعانيه، فسأقتصر هنا على المسائل التي انفردوا بها عن جماعة المسلمين نتيجة لرفضهم القرآن الكريم مصدراً أصلياً للتشريع الإسلامي، ورفضهم الاهتداء إلى فهمه عن طريق السلف الصالح من الصحابة الكرام -رضي الله عنهم وأرضاهم- الذين عاصروا نزوله، وأخذوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة لفظاً ومعنى، ولا من التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، فلم يأخذوا بشيء من أقوالهم في تفسير القرآن، ولا ما ثبت عنهم من السنة الصحيحة من أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم المبينة للقرآن الكريم.
ونتيجة لكل ذلك، ولاتباع هواهم في تفسير القرآن الكريم بطريقتهم الخاصة، وتلاعبهم بأحكامه، فقد انفردوا عن جماعة المسلمين في كثير من المسائل الفرعية في الفقه الإسلامي، وخالفوا فيها الجميع، وهي مسائل معروفة أحكامها لدى جميع المسلمين لوضوح أدلتها من الكتاب والسنة.
فمن تلك المسائل التي خالفوا فيها الجمهور بسبب موقفهم هذا على سبيل المثال لا الحصر مسألة:
إتيان النساء في أدبارهن:
لقد ذهب جماهير المسلمين إلى تحريم إتيان النساء في أدبارهن، وأنه محرم قطعاً بنص الكتاب والسنة، ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين إلا عدد قليل نقل عنهم القول بإباحته، وهو نقل غير ثابت عنهم يقيناً، وما عدا أولئك فلم ينقل عن أحد أنه خالف في ذلك، فهو إجماع منهم على تحريمه.
قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: (ولا يحل وطء الزوجة في الدبر في قول أكثر أهل العلم منهم علي، وعبد الله، وأبو الدرداء، وابن عباس، وغيرهم من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين -إلى أن قال-: ورويت إباحته عن ابن عمر، وزيد بن أسلم، ونافع، ومالك)([712]).
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: (وأما الدبر فلم يبح قط على لسان نبي من الأنبياء، ومن نسب إلى بعض السلف إباحة وطء الزوجة في دبرها، فقد غلط عليه)([713]).
هذا الذي قاله هو الصحيح، وهو الذي يليق بسلفنا الصالح؛ لوضوح الآية في تحريم ذلك، ولما ورد من الأحاديث الصحيحة الثابتة بطرق متعددة القاضية بتحريم ذلك، والزجر عنه.
وأما دلالة الآية على تحريمه فهي واضحة من قوله تعالى: ((فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ)) [البقرة:222] وقوله تعالى: ((نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)) [البقرة:223].
فقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد بقوله: ((فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ)) أنه هو الفرج، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما من السلف.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، أنه قال في معنى الآية: يقول في الفرج، ولا تعدوه إلى غيره، فمن فعل شيئاً من ذلك فقد اعتدى.
وقال في قوله: ((نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ)): أن الحرث هو موضع الولد ((فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)) أي كيف شئتم، مقبلة ومدبرة في صمام واحد([714])، هذا هو قول جماهير المفسرين من المسلمين.
قال القرطبي: (معناه عند الجمهور من الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى: من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة)([715])كما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأما دلالة السنة على ذلك: فقد وردت في تحريم ذلك أحاديث كثيرة ثابتة بطرق متعددة منها:
ما ثبت عند أبي داود وغيره من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ملعون من أتى امرأته في دبرها»([716])، وفي لفظ لـأحمد، وابن ماجة: «لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها»([717]).
وعند الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في دبرها» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب([718]).
فهذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث الثابتة، وما ورد فيها من الزجر عن إتيان هذا الفعل، وما فيها من الوعيد الشديد لفاعله مما لا يدع مجالاً للسك في تحريم إتيان النساء في أدبارهن.
وهو الذي عليه جماهير المسلمين أخذاً بالآيات، وبهذه الأحاديث الصحيحة.
قال النووي رحمه الله. (قال العلماء: وقوله تعالى: ((فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)) [البقرة:223]أي موضع الزرع من المرأة، وهو قبلها الذي يزرع فيه المني لابتغاء الولد، ففي إباحة وطئها في قُبلها إن شاء من بين يديها، وإن شاء من ورائها وإن شاء مكبوبة، وأما الدبر فليس بحرث ولا موضع زرع)([719]).
ولم يخالف في ذلك من المسلمين إلا عدد قليل نقل عنهم القول بإباحة الوطء في الدبر إلا أنه فيه نظر كما تقدم من قول ابن القيم في ذلك([720]).
وأما الرافضة الإثنا عشرية فقد ذهبوا إلى القول بإباحة إتيان النساء في أدبارهن.
ونسبوا إلى أئمتهم أخباراً كثيرة في ذلك، كما رووها في كتبهم المعتمدة. منها: روى الكليني بسنده إلى صفوان بن يحيى يقول: قلت للرضا عليه السلام: (إن رجلاً من مواليك أمرني أن أسألك عن مسألة هابك، واستحى منك أن يسألك، قال: وما هي؟ قلت: الرجل يأتي امرأته في دبرها! قال: ذلك له، قلت: فأنت تفعل؟ قال: إنا لا نفعل ذلك)([721]).
فهو ظاهر من هذا أنه أمر قبيح، وإلا فلماذا لا يفعلونه هم؛ فلو كان أمراً طيباً لم يترفعوا عنه، ولما استحى السائل من سؤاله.
وروى الطوسي بسنده عن عبد الله بن أبي يعفور قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي المرأة في دبرها؟ قال: لا بأس، إذا رضيت.
قلت: فأين قول الله: ((فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ)) قال: هذا في طلب الولد من حيث أمركم الله، إن الله يقول: ((نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)) [البقرة:223)]([722])
إلى غير ذلك مما أوردوه من الأخبار المنسوبة إلى أئمتهم، والتي تصرح بجواز هذا الفعل وإباحته.
قال الطبرسي: (واستدل مالك بقوله: ((أَنَّى شِئْتُمْ)) [البقرة:223] على جواز إتيان المرأة في دبرها.
وروى عن نافع عن ابن عمر وحكاه زيد بن أسلم عن محمد بن المنكدر، وبه قال كثير من أصحابنا الإمامية.
وخالف في ذلك جميع الفقهاء، وقالوا: إن الحرث لا يكون إلا بحيث النسل، فيجب أن يكون الوطء حيث النسل.
فأجابوا عن ذلك بأن النساء وإن كن لنا حرثاً فقد أبيح لنا وطؤهن بلا خلاف في غير موضع الحرث، كالوطء فيما دون الفرج، وما أشبهه)([723]).
هذا بعض ما يتعلقون به في جواز هذا الوطء في الدبر من أقوال أئمتهم -بزعمهم-، وما قال به علماؤهم في تأويل الآية بما يتفق ومذهبهم، وعلى حسب هواهم.
إن ما استدلوا به من قوله تعالى: ((فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)) [البقرة:223] على جواز إتيان المرأة في الدبر، فهو استدلال فاسد ومعكوس، وهو دليل عليهم لا لهم؛ لأن الحرث هو موضع إنبات الزرع، وموضع الإنبات في المرأة هو الفرج دون غيره، وهو ما قال به ابن عباس رضي الله عنهما ترجمان القرآن وغيره من السلف الصالح، وعليه جماهير المفسرين من المسلمين وغيرهم من العلماء.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: (وقد دلت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين:
أحدهما: أنه أباح إتيانها في الحرث، وهو موضع الولد لا في الحش الذي هو موضع الأذى، وموضع الحرث هو المراد من قوله: ((حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ))... وإذا كان الله حرم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض، فما الظن بالحش الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل والذريعة القريبة جداً من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان)([724]).
وقال ابن العربي رحمه الله تعالى: (ولقد سألت عنه الشيخ الأكبر فقال: إن الله حرم وطء الحائض بعلة أن بفرجها أذى، وهو دم الحيض، فإذا كان الفرج المحلل يحرم بطريان الأذى عليه، فموضع لا يفارقه الأذى أحرى أن يحرم عليه، وهذا ما لا جواب عنه)([725]).
إلى غير ذلك مما ورد عن العلماء في إبطال تعلقهم بهذه الآية، وتفنيد استدلالهم بها.
وأيضاً فإن ما ثبت من الأحاديث الصحيحة في سبب نزول هذه الآية مما يقوي ما قالت به جماهير المفسرين في هذه الآيات، وتؤكد بطلان قول من استدل بالآية على الإباحة، فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن المنكدر أنه سمع جابراً يقول: (كانت اليهود تقول إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول فنزلت: ((نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ))) واللفظ لـمسلم([726]).
ويوضحه ما عند أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفي آخره: (أي مقبلات ومدبرات، ومستلقيات يعني بذلك موضع الولد)([727]).
وللحديث شواهد أخرى تشهد بصحته كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى؛ حيث قال بعد إيراده له: (تفرد به أبو داود، ويشهد له بالصحة ما تقدم له من الأحاديث، ولاسيما رواية أم سلمة فإنها مشابهة لهذا السياق)([728]).
وأما ما يحاولون أن يتشبثوا به مما نقل عن بعض السلف من القول بإباحة إتيان النساء في أدبارهن، كـابن عمر، ونافع، ومالك، وغيرهم ممن حكي عنهم هذا القول، وهم قلة، كما أن في هذا النقل عنهم نظراً، وحتى على فرض صحته فليس لهم في ذلك حجة؛ لأن أقوال هؤلاء السلف مرفوضة عندهم بحجة ما يدعون عليهم من الارتداد، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنه لو صح النقل عنهم لم يكن حجة لمعارضته الأحاديث الصحيحة الثابتة بطرق متعددة، وليس لأحد قول بعد ثبوت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معروف لدى كل مسلم صادق في إيمانه، هذا أن لو كان النقل عنهم صحيحاً، وأما مع عدم صحته فبطلان تمسكهم بها ظاهر، وقد تقدم قول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى بأن هذا النقل عنهم غلط([729]).
وقد ثبت عنهم أنهم أنكروا هذا النقل عنهم ووصفوه بالكذب.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى بعد أن ذكر بعض الآثار الواردة في ذلك: (وقد تقدم قول ابن مسعود، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهم في تحريم ذلك، وهو الثابت عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه يحرمه، قال أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله الدارمي في مسنده عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال: (قلت لـابن عمر ما تقول في الجواري أيحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكر الدبر، فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟) وكذا رواه ابن وهب وقتيبة عن الليث وهذا إسناد صحيح، ونص صريح منه بتحريم ذلك، فكل ما ورد عنه مما يحتمل ويحتمل فهو مردود إلى هذا الحكم)([730]).
هذا في غاية من الوضوح، فإن هذا الاستنكار الشديد الذي صدر عنه في قوله: (وهل يفعل هذا أحد من المسلمين) هو توبيخ لمن يفعل هذا فكيف يظن به أن يقول بإباحة شيء هو يستقبحه؟!!
وكذلك ثبت عن مالك رحمه الله تعالى أنه أنكر هذا النقل عنه بشدة، قال ابن كثير: (وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: حدثني إسماعيل بن حسين، حدثني إسرائيل بن نوح، سألت مالك بن أنس: (ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ قال: ما أنتم إلا قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع، لا تعدوا الفرج، قلت: يا أبا عبد الله، إنهم يقولون: إنك تقول ذلك، قال: يكذبون عليّ، يكذبون عليّ).
فهذا هو الثابت عنه، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأصحابهم قاطبة -إلى أن قال-: وغيرهم من السلف أنهم أنكروا ذلك أشد الإنكار، ومنهم من يطلق على فعله الكفر، وهو مذهب جمهور العلماء)([731])، وليس بعد هذا قول لأحد.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: (وحكي ذلك عن مالك في كتاب له يسمى كتاب السر، وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب، ومالك أجل من أن يكون له كتاب سر.
وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا باطل، وهم مبرؤون من ذلك؛ لأن إباحة الإتيان مختصة بموضع الحرث)([732]).
وهكذا فكل من نسب إليه القول بالإباحة فهو غلط، أو أنه كان يراه أولاً ثم رجع عنه بعد ظهور الأدلة له أو أنه قال شيئاً ولم يفهمه السامع، فنقل عنه أنه يقول بإباحته.
هذا ما قال به العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى فيما نضل عن ابن عمر رضي الله عنهما([733]).
ومثل ذلك أيضاً يقال فيما نقل عن الشافعي رحمه الله تعالى، فقد أنكر أصحابه بشدة نسبة هذا القول إليه، وعدوه من الكذب الظاهر عليه.
قال الآبادي شارح سنن أبي داود: وروي عن الشافعي أنه قال: (لم يصح في تحليله ولا تحريمه شيء، والقياس أنه حلال، ولكن قال الربيع والله الذي لا إله إلا هو لقد نص الشافعي على تحريمه في ستة كتب، ويقال إنه كان يقول بحله في القديم، وفي الهدي النبوي عن الشافعي أنه قال: لا أرخص فيه بل أنهى عنه، وقال: إن من نقل عن الأئمة إباحته فقد غلط عليهم أفحش الغلط وأقبحه، وإنما الذي أباحوه أن يكون الدبر طريقاً إلى الوطء في الفرج، فيطأ من الدبر لا في الدبر، فاشتبه على السامع)([734]).
وأما استدلالهم بقياس الوطء في الدبر على الوطء في الفخذين وغيرها مما دون الفرج، فهو قياس باطل لا يستقيم لهم الاستدلال به من أي وجه.
قال الألوسي: (وما قيل من أنه لو كان في الآية تعيين الفرج لكونه موضع الحرث للزم تحريم الوطء بين الساقين، وفي الأعكان؛ لأنها ليست موضع حرث كالمحاش، مدفوع بأن الإمناء فيما عدا الصمامين لا يعد في العرف جماعاً ووطئاً، والله تعالى قد حرم الوطء والجماع في غير موضع الحرث لا الاستمناء بين الساقين، وفي أعكان لم تعلم من الآية إلا أن يعد ذلك إيتاء أو جماعاً وأنى به)([735]).
وقال أبو الطيب محمد شمس الحق الآبادي -بعد أن ذكر دلالة الآية على تحريم الوطء في غير الفرج-: (ولا يقاس عليه غيره لعدم المشابهة في كونه محلاً للزرع، وأما محل الاستمناء فيما عدا الفرج فمأخوذ من دليل آخر، وهو جواز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج)([736]).
وبعد هذا كله قد اتضح لنا فساد مذهب الرافضة وبطلانه؛ لأنهم لا مستند لهم يستندون إليه، وأنه لم يوافقهم في ذلك أحد من المسلمين، وهو مذهب مخالف للكتاب والسنة ولإجماع المسلمين، وليس لهم أي دليل إلا اتباع أهوائهم وإشباع شهواتهم فقط، عافانا الله من اتباع أهوائنا، وشهواتنا.
نكاح المتعة:
وهي أن يتزوج الرجل المرأة إلى مدة يتفقان عليها فإذا انقضت المدة وقعت الفرقة بينهما من غير طلاق([737]).
لا خلاف بين المسلمين في أنها كانت مباحة في أول الإسلام، ثم نسخت واستقر الأمر على تحريمها إلى يوم القيامة، وهو قول عامة المسلمين من الصحابة، ومن بعدهم، ولم يخرج عن هذا الإجماع إلا نفر قليل، قالوا بإباحتها للضرورة، منهم ابن عباس، وقد روي عنهم أنهم رجعوا عن القول بالإباحة عندما استقر عندهم النسخ.
وعلى ذلك يدل صنيع الإمام البخاري رحمه الله في قوله: (باب نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة أخيراً).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (وقوله في الترجمة (أخيراً) يفهم منه أنه كان مباحاً، وأن النهي عنه وقع في آخر الأمر)([738]).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، وهي قوله تعالى: ((فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)) [النساء:24].
ولا شك أنه كان مشروعاً في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك، وقد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة، وهو رواية عن الإمام أحمد)([739]).
هذا ما نقله عن الإمام أحمد من رواية، والمشهور عنه، والذي عليه أصحابه هو القول بتحريم نكاح المتعة.
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: (فهذا نكاح باطل نص عليه أحمد، فقال: نكاح المتعة حرام، هذا قول عامة الصحابة والفقهاء، وحكي عن ابن عباس أنها جائزة، وعليه أكثر أصحابه عطاء وطاوس)([740]).
وقال الخطابي في المعالم: (تحريم نكاح المتعة كالإجماع بين المسلمين وقد كان ذلك مباحاً في صدر الإسلام ثم حرمه الله في حجة الوداع، فلم يبق اليوم فيه خلاف بين الأئمة إلا شيئاً ذهب إليه الروافض، وكان ابن عباس يتأول في إباحته للمضطر إليه بطول العزبة وقلة اليسار والجدة ثم توقف عنه وأمسك عن الفتوى به)([741]).
هذه بعض أقوال العلماء في بيان تحريم نكاح المتعة، وأنها محرمة إلى الأبد، وليس بين علماء المسلمين خلاف في ذلك.
وهو ما جاءت به الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي تدل صراحة على تحريم هذا النوع من النكاح إلى الأبد، وهي كثيرة منها:
حديث الزهري عند البخاري ومسلم وغيرهما، عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي عن أبيهما أن علياً رضي الله عنه قال لـابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر»([742]).
وحديث الربيع بن سبرة الجهني عند مسلم وغيره بطرق متعددة قال: «أن أباه حدثه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أيها الناس! إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً»([743]).
وفي لفظ عند أبي داود من طريق الزهري قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز فتذاكرنا متعة النساء، فقال رجل يقال له ربيع بن سبرة: «أشهد على أبي أنه حدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها في حجة الوداع»([744]).
إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة، الدالة على تحريم نكاح المتعة تحريماً قطعياً.
وهذه الأحاديث مروية في كتب الصحاح، والسنن، والمسانيد، وكلها أحاديث صحيحة لا تشوبها شائبة، وكلها صريحة في تحريم نكاح المتعة، وقد أجمعت الأمة على العمل بمقتضاها.
قال الترمذي رحمه الله تعالى -عند حكمه على حديث علي-: (حديث علي حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم)([745])إلى آخر ما ورد عنه.
هذا ما عليه جميع المسلمين، وليس بين اثنين خلاف في ذلك، وإنما وقع الخلاف في مكان تحريم نكاح المتعة، وفي وقت تحريمها تبعاً للأحاديث الواردة في ذلك وقد عمل العلماء على الجمع بين تلك الروايات وهي مبسوطة في مواضعها.
وأما الرافضة الإثنا عشرية فقد ذهبوا جميعاً إلى القول بإباحة نكاح المتعة وحلها وهي ليست مباحة عندهم فحسب بل هي من أعظم العبادات وأجلها، وأن فاعلها ينال من الثواب والغفران ما لا يناله في غيره.
هكذا رفعوا نكاح المتعة إلى أعلى مراتب القربات، ترغيباً للناس في هذا النكاح المحرم إجماعاً([746]).
وقد جاءت روايات كثيرة منسوبة إلى أئمتهم تصرح بإباحتها وبيان ما فيها من الفضل، والحث عليها، منها:
روى الكليني بسنده عن أبي بصير قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن المتعة فقال: نزلت في القرآن ((فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ...)) [النساء:24)].
وروى أيضاً بسنده عن زرارة قال: (جاء عبد الله بن عمير الليثي إلى أبي جعفر فقال له: ما تقول في متعة النساء؟ فقال: أحلها الله في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فهي حلال إلى يوم القيامة، فقال يا أبا جعفر مثلك يقول هذا، وقد حرمه عمر ونهى عنها؟! فقال: وإن كان فعل، قال: إني أعيذك بالله من ذلك أن تحل شيئًا حرمه عمر فقال له: فأنت على قول صاحبك، وأنا على قول رسول الله صلى الله عليه وآله، فهلم ألاعنك أن القول ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن الباطل ما قال صاحبك، قال فأقبل عبد الله بن عمير فقال: يسرك أن نساءك وبناتك وأخواتك وبنات عمك يفعلن، قال: فأعرض عنه أبو جعفر حين ذكر نساءه، وبنات عمه)([747]).
ولا يخفى ما في هذه الرواية من الكذب الصريح والازدراء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقوله: (حرمها عمر) هذا محض افتراء على عمر رضي الله عنه، فإن عمر لم يحرم شيئاً، وإنما الذي حرم نكاح المتعة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي فعل عمر رضي الله عنه هو تنفيذ حكم الله في الناس وتطبيقه لأنه الإمام، هذا ما فعله عمر فقط، وأما نسبة التحريم إليه فهو كذب صريح.
وروى الطوسي بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (يحل الفرج ثلاثة: نكاح بميراث، ونكاح بلا ميراث، ونكاح بملك اليمين)([748]).
فقوله: (نكاح بلا ميراث) يعني به نكاح المتعة، فكلها حلال عندهم، هذه بعض الروايات المنسوبة إلى أئمتهم في حلها وإباحتها، وهناك روايات أخرى تبين فضلها، وما فيها من الثواب العظيم والمغفرة من الذنوب، فمن ذلك:
ما رواه الصدوق عن أبي جعفر عليه السلام قال قلت له: (للمتمتع ثواب، قال: إن كان يريد بذلك وجه الله تعالى، وخلافاً عن من أنكرها لم يكلمها كلمة إلا كتب الله تعالى له بذلك حسنة، ولم يمد يده إليها إلا كتب الله له حسنة، فإذا دنى منها غفر الله تعالى له بذلك ذنباً، فإذا اغتسل غفر الله له بقدر ما مر من الماء على شعره، قلت: بعدد الشعر؟! قال: نعم بعدد الشعر).
وروى عنه أيضًا قال: «إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسري به إلى السماء قال: لحقني جبريل عليه السلام فقال: يا محمد! إن الله تبارك وتعالى يقول: إني قد غفرت للمتمتعين من أمتك من النساء»([749]).
هذا ليس بعده ثواب، ولماذا كل هذا للمتمتع بالنساء؟ يا للرافضة؟ فإنه قد استحق هذا كله لأنه خالف المسلمين الذين يحرمون نكاح المتعة؛ لأن مخالفتهم مفروضة على كل رافضي ولذلك عدوا كل من لم يفعل ذلك منهم أنه عاصٍ وأخرجوه من جماعتهم، وهو ما نجده صراحة فيما روى الصدوق عن الصادق أنه قال: (ليس منا من لم يؤمن بكرتنا ويستحل متعتنا).
وروى أيضاً بسنده عن جميل بن صالح قال: (إن بعض أصحابنا قال لـأبي عبد الله عليه السلام: إنه يدخلني من المتعة شيء فقد حلفت أن لا أتزوج متعة أبداً، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: إنك إذا لم تطع الله فقد عصيته)([750]).
إلى غير ذلك مما نسبوه إلى أئمتهم في ذلك من الروايات الدالة على حل نكاح المتعة، وما لها من ثواب.
وهي من محض افتراءاتهم عليهم، فهم يختلقون الروايات ويضعونها على أهل البيت الطاهرين وهم برآء منها كل البراء، ليؤيدوا بذلك أباطيلهم، وأما إذا جاءتهم الروايات الصحيحة عن أهل البيت بما لا تتفق مع رغباتهم، ولا تساعدهم على إشباع شهواتهم، رفضوها وادعوا عدم صحتها، وأولوها بتأويلات باردة على عادتهم في كل ما يجدونه مخالفاً لآرائهم الزائفة.
وهو ما فعلوا بالرواية الصحيحة الثابتة في الصحاح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، التي تصرح بتحريم نكاح المتعة تحريماً قطعياً، يقول الطوسي في ذلك: (فأما ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى بسنده عن زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: (حرم رسول الله صلى الله عليه وآله لحوم الحمر الأهلية ونكاح المتعة).
فالوجه في هذه الرواية أن نحملها على التقية؛ لأنها موافقة لمذاهب العامة، والأخبار الأولى موافقة لظاهر الكتاب وإجماع الفرقة المحقة على موجبها فيجب أن يكون العمل بها دون هذه الرواية الشاذة)([751]).
فمجرد موافقة الرواية لمذاهب العامة -كما يعبرون- كافٍ لرفضها عندهم والحكم عليها بالشذوذ، وهو ما يؤكد ما أسلفت ذكره من أنهم يتبعون أهواءهم فقط، وأنهم لا يهمهم شيء من الدليل.
ومن هنا يعلم فساد مذهبهم في نكاح المتعة بعد ثبوت تحريمها فإنهم لا مستند لهم يستندون عليه.
وقد دل الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين على تحريم نكاح المتعة إلى الأبد.
فأما دلالة الكتاب على ذلك: فهي أن القرآن الكريم حدد طرق حل المرأة للرجل بطريقتين فقط لا ثالث لهما:
إحداهما: الزواج الشرعي الدائم، والثاني: الوطء بملك اليمين، فما عدا هاتين الطريقتين من الطرق لا تكون مباحة أبداً، ومعلوم أن نكاح المتعة ليس من إحدى هاتين الطريقتين، لا الزواج الشرعي؛ لأنه لا يتعلق به شيء من أحكام الزواج الشرعي من طلاق وعدة وميراث وغيرها من الأمور اللازمة على الزوجين، وليس كذلك بملك يمين قطعاً، فيبقى على التحريم.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: (قالت عائشة والقاسم بن محمد: تحريمها ونسخها في القرآن، وذلك في قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ)) [المعارج:29]* ((إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ)) [المعارج:30]، وليست المتعة نكاحاً ولا ملك يمين)([752]).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى -في رده على استدلال الرافضة بالآية على دعواهم حل نكاح المتعة-: (وأما متعة النساء المتنازع فيها فليس في الآية صريح بحلها، فإنه تعالى قال: ((وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً)) [النساء:24]، فقوله: ((فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ)) يتناول كل من دخل بها من النساء فإنه أمر بأن تعطى جميع الصداق، بخلاف المطلقة قبل الدخول التي لم يستمتع بها فإنها لا تستحق إلا نصفه -إلى أن قال-: يبين ذلك أنه ليس لتخصيص النكاح المؤقت بإعطاء الأجر فيه دون النكاح المؤبد معنى، بل إعطاء الصداق كاملاً في المؤبد أولى فلابد أن تدل الآية على المؤبد إما بطريق التخصيص، وإما بطريق العموم، يدل على ذلك أنه ذكر بعد هذا نكاح الإماء، فعلم أن ما ذكر كان في نكاح الحرائر مطلقاً)([753]).
وأما تعلقهم بما ورد من قراءة لبعض السلف في الآية، بزيادة (إلى أجل مسمى) فليس فيها حجة لأنها من القراءات الشاذة لا يصح الاستدلال بها على أنها من القرآن، ولا يلزم العمل بمقتضاها، هذا ما قال به العلماء([754]).
وبهذا يعلم فساد استدلالهم بالقرآن على إباحة نكاح المتعة، فالقرآن ما دل إلا على تحريمها.
وأما بطلان مذهبهم من السنة:
فقد استفاضت الأحاديث الصحيحة الثابتة بطرق متعددة على تحريم نكاح المتعة إلى الأبد ولا عبرة بقول أحد بعد ثبوت هذه الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذيوعها.
وأما الأحاديث الصحيحة التي يتعلقون بها فهي كلها منسوخة بما ذكرناه من الأحاديث الصحيحة التي جاءت بعد أن كان مباحاً، قال النووي نقلاً عن القاضي عياض: (قال المازري ثبت أن نكاح المتعة كان جائزاً في أول الإسلام ثم ثبت بالأحاديث الصحيحة المذكورة هنا أنه نسخ وانعقد الإجماع على تحريمه ولم يخالف فيه إلا طائفة من المبتدعة وتعلقوا بالأحاديث الواردة في ذلك.
وقد ذكر أنها منسوخة فلا دلالة لهم فيها)([755]).
وقد انعقد الإجماع على تحريمه أخذاً بالكتاب والأحاديث الصحيحة الواردة فيها.
ومن بينها حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي أخذ به أهل السنة وتركه الرافضة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى([756]).
وأما ما روي عن ابن عباس وغيره من الصحابة رضي الله عنهم من القول بالإباحة، فقد كان ذلك قبل بلوغهم أخبار النسخ، كما كانوا يرون ذلك عند الضرورة، وليس على إطلاقه كما ذهب إليه الرافضة.
وقد ثبت عنهم أنهم رجعوا عن قولهم بالإباحة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رجع عن ذلك لما بلغه حديث النهي)([757])، وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: (وأما ابن عباس، فإنه سلك هذا المسلك في إباحتها عند الحاجة والضرورة، ولم يبحها مطلقاً، فلما بلغه إكثار الناس منها رجع، وكان يحمل التحريم على من لم يحتج إليها)([758]).
وقال الخطابي رحمه الله تعالى في المعالم: (وكان ابن عباس يتأول في إباحته للمضطر إليه بطول العزبة وقلة اليسار والجدة ثم توقف عنه وأمسك عن الفتوى به.
حدثنا ابن السماك بسنده عن سعيد بن جبير قال: (قلت لـابن عباس: هل تدري ما صنعت؟ وبما أفتيت وقد سارت بفتياك الركبان وقالت فيه الشعراء؟ قال: وما قالت؟ قلت: قالوا:
قد قلت للشيخ لما طال مجلسه         يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس؟
هل لك في رخصة الأطراف آنسة     تكون مثواك حتى مصدر الناس؟
فقال ابن عباس: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ولا أحللت إلا مثل ما أحل الله سبحانه وتعالى من الميتة والدم ولحم الخنزير وما يحل للمضطر، وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير)([759]).
هذا ما نقل عن ابن عباس نفسه، وقد اتضح مراده من قوله بالإباحة.
إلا أن الخطابي اعترض على هذا القياس، حيث قال: (فهذا يبين لك أنه إنما سلك فيه مسلك القياس وشبهه بالمضطر إلى الطعام، وهو قياس غير صحيح؛ لأن الضرورة في هذا الباب وتتحقق كهي في باب الطعام الذي به قوام الأنفس، وبعدمه يكون التلف.
وإنما هذا من باب غلبة الشهوة ومصابرتها ممكنة، وقد تحسم مادتها بالصوم، والعلاج فليس أحدهما في حكم الضرورة كالآخر، والله أعلم)([760]).
وكذلك ما نقل أيضاً عن الإمام مالك رحمه الله تعالى من القول بالإباحة، ليس بصحيح.
قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: (وفقهاء الأمصار كلهم على المنع، وما حكاه بعض الحنفية عن مالك من الجواز فهو خطأ)([761]).
وهكذا فقد تتضافر كل الأدلة على تحريم نكاح المتعة وأنه محرم إلى الأبد، ولاسيما إذا انضم إليها ما في هذا النكاح من الأضرار الجسيمة على المرأة المستمتع بها من ضياع حقوقها اللازمة في النكاح الشرعي المؤبد، كالميراث وغيره، وجعلها لعبة بيد المستمتعين الذين لا يريدون إلا إشباع غرائزهم الجنسية فقط، وكذلك على المجتمع من ضياع الأولاد وانقطاع النسل الذي هو من أهم مقاصد الشريعة في الزواج.
فكل هذه الأمور تؤكد بوضوح أن كل من قال بإباحته فقوله باطل، ومردود عليه نقلاً وعقلاً، والله أعلم.
نكاح الكتابيات:
مذهب أهل السنة والجماعة هو: أن نكاح الكتابيات مباح وجائز في شريعة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فللمسلم أن يتزوج بالكتابية المحصنة، هذا هو قول عامة الفقهاء من المسلمين.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: (ويجوز نكاح الكتابية بنص القرآن؛ قال تعالى: ((وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)) [المائدة:5]([762])
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: (ليس بين أهل العلم بحمد الله اختلاف في حل حرائر نساء أهل الكتاب، وهو مروي عن عدد من الصحابة والتابعين، قال ابن المنذر: ولم يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك)([763]).
وقد ثبت عن عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم: عثمان، وطلحة بن عبيد الله وحذيفة، وغيرهم رضي الله عنهم أنهم تزوجوا نساء من أهل الكتاب، ولم ينكر عليهم أحد.
قال عبد الله بن الإمام أحمد: (سألت أبي عن المسلم يتزوج النصرانية أو اليهودية؟ فقال: ما أحب أن يفعل ذلك، فإن فعل فقد فعل ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم)([764]).
وأما الرافضة الإثنا عشرية: فقد رأوا أن لا يوافقوا أهل السنة في شيء مما يذهبون إليه، فاختاروا القول بتحريم نكاح الكتابيات.
فعندهم لا يجوز لمسلم أن يتزوج امرأة محصنة من أهل الكتاب، لا من اليهود، ولا من النصارى.
وساووا بين الكتابيات، والكافرات، والمشركات، ولم يفرقوا بينهن، فالكل يحرم نكاحهن على حد سواء.
قال الطوسي: (ونكاح الكافرة محرم بسبب كفرها سواء كانت عابدة وثن، أو مجوسية، أو يهودية، أو نصرانية، يدل على ذلك قوله تعالى: ((وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)) [البقرة:221]، فنهى عن تزويج المشركات قبل إيمانهن، ونهيه تعالى على الحظر.
ويدل على ذلك قوله تعالى: ((وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)) [الممتحنة:10]، فنهى عن التمسك بعصمة الكافرات، واليهود والنصارى من الكفار بلا خلاف، ألا ترى أن الله تعالى قد سماهم كفاراً مع إضافته إياهم الكتاب في قوله: ((لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)) [البينة:1]وهذا نص في تسميتهم بالكفرة صريح، وفي ذلك حظر التمسك بعصمتهن حسب ما قدمناه)([765]).
هذا هو قولهم في هذه المسألة جميعاً([766])، وعليه جاءت رواياتهم المنسوبة إلى أئمتهم:
فقد روى الطوسي بسنده عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال: (لا ينبغي نكاح أهل الكتاب، قلت: جعلت فداك! وأين تحريمه؟ قال: قوله تعالى: ((وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)) [الممتحنة:10)].
وروى أيضًا بسنده عن زرارة بن أعين قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله تعالى: ((وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)) قال: هي منسوخة بقوله تعالى: ((وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ))) إلى غير ذلك من الروايات المنسوبة إلى أئمتهم في تحريم نكاح الكتابيات)([767]).
وقد أجاب أهل السنة عن استدلالهم بهذه الآيات على تحريم الكتابيات بأجوبة منها:
أن الآيات التي دلت على تحريم نكاح المشركات والكافرات ((وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ))، ((وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)) عامة في جميع المشركات والكافرات، وقوله تعالى: ((وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)) خاصة في الكتابيات، فهي مخصصة لعموم تلك الآيات، فيجوز نكاح الكتابيات بنص هذه الآية.
ومنها: أنه لا معارضة بين هذه الآية وبين الآيات الأخرى؛ لأن لفظ أهل الكتاب لا يدخل تحت لفظ المشركات في القرآن الكريم؛ حيث فصل بينهما في مواضع كثيرة من القرآن.
قال تعالى: ((لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ)) [البينة:1].
وقال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)) [الحج:17] الآية.
ففصل بينهما في الذكر، وهو دليل على عدم دخول أهل الكتاب في عموم المشركين.
وأما دعواهم نسخ آية سورة المائدة بآية سورة الممتحنة، فغير مسلم لهم أبداً، وهو دليل على جهلهم بنزول القرآن، وعلى حكمهم على حسب هواهم؛ فإن المعروف أن آية امتحان النساء المهاجرات كان نزولها في قضية الحديبية، بينما آية المائدة الدالة على إباحة نكاح الكتابيات من أواخر ما نزل من القرآن، فكيف ينسخ السابق المتأخر؟! هذا لا يقول به إلا جاهل أو متعصب معاند عن الحق، وكذلك آية البقرة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (الجواب الثاني جواب الإمام أحمد، قال في رواية ابنه صالح: قال تعالى: ((وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ))، وقال في سورة المائدة، وهي آخر ما نزل من القرآن: ((وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)) [المائدة:5]([768]).
فرض الرجلين في الوضوء:
فرض الرجلين في الوضوء هو وجوب غسلها إلى الكعبين بلا خلاف بين المسلمين، ولدلالة الكتاب والسنة على ذلك.
فأما دلالة الكتاب على ذلك:
فمن قوله تعالى: ((وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)) [المائدة:6] بالنصب في الأرجل عطفاً على الوجه واليدين.
وفرضهما الغسل فيكون كذلك في الأرجل المعطوفة عليه.
قال القرطبي: (فمن قرأ بالنصب جعل العامل (اغسلوا) وبنى على أن الفرض في الرجلين هو الغسل دون المسح، وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء.
ويؤيد ذلك أنه جعل لغسلها حداً فقال: ((إِلَى الْكَعْبَيْنِ))، كما حد لليدين كذلك ((إِلَى الْمَرَافِقِ)) مما يدل على اتحادهما في الحكم، بخلاف الممسوحات؛ فإنه لم يجعل لشيء من ذلك حداً)([769]).
فالآية دالة على وجوب غسل الرجلين في الوضوء، لا غير.
وأما السنة: فقد دلت الأحاديث الصحيحة المتواترة من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله على وجوب غسل الرجلين، وقد جاء في بعض تلك الأحاديث الوعيد الشديد لمن لم يعمم رجله بالغسل.
فمن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: «تخلف عنا النبي صلى الله عليه وسلم في سفر سافرناه فأدركنا وقد حضرت صلاة العصر فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى: ويل للأعقاب من النار»([770]).
وكذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً لم يغسل عقبية، فقال: ويل للأعقاب من النار» ومثله عن عائشة رضي الله عنها([771]).
فهذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث الصحيحة الثابتة بطرق متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها صريحة في وجوب غسل الرجلين في الوضوء وتحذر من عدم الغسل بالوعيد الشديد، إذا لم يستوعب قدمه بالماء، وذلك لا يتحقق بالمسح فتعين وجوب الغسل، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (قال ابن خزيمة: لو كان الماسح مؤدياً للفرض لما توعد بالنار)([772]).
وكذلك فإن كل من نقل صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة رضي الله عنهم اتفقت أقوالهم جميعاً على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل الرجلين، ولم يصدر عن واحد منهم خلاف ذلك، فتضافرت الأدلة من قوله صلى الله عليه وسلم وفعله على وجوب غسل الرجلين في الوضوء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (غسل القدمين في الوضوء منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم نقلاً متواتراً، منقول عمله بذلك، وأمره به كقوله في الحديث الصحيح من وجوه متعددة، كحديث أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وعائشة رضي الله عنهم: «ويل للأعقاب من النار».
وفي بعض ألفاظه: «ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار»([773])، فمن توضأ كما تتوضأ المبتدعة فلم يغسل باطن قدميه ولا عقبه، بل مسح ظهرهما فالويل لعقبه وباطن قدميه من النار -إلى أن قال-: وأما مسح القدمين مع ظهورهما جميعاً فلم ينقله أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مخالف للكتاب والسنة)([774]).
وقد حكى الإجماع على ذلك كثير من العلماء، كـابن أبي ليلى فيما نقله عنه ابن قدامة، والحافظ ابن حجر رحمهما الله تعالى حيث قالا: (وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على غسل القدمين)([775]).
وقال النووي رحمه الله تعالى: (فقد أجمع المسلمون على وجوب غسل الرجلين، ولم يخالف في ذلك من يعتد به، كذا ذكره أبو حامد وغيره)([776])، وقال ابن العربي: (اتفقت العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت من رد ذلك سوى الطبري من فقهاء المسلمين، والرافضة من غيرهم)([777])، هذا ما حكاه هؤلاء العلماء من إجماع المسلمين على وجوب غسل القدمين في الوضوء.
وأما الرافضة فليس الأمر عندهم على هذا الإجماع؛ حيث ذهبوا إلى أن الواجب في الرجلين هو المسح دون غسلهما، وأن الغسل لا يجزئ أبداً.
قال الطبرسي: (وقالت الإمامية فرضها المسح دون غيره، وبه قال عكرمة، وقد روي القول بالمسح عن جماعة من الصحابة والتابعين كـابن عباس، وأنس، وأبي العالية، والشعبي، وقال الحسن البصري بالتخيير بين المسح والغسل، وإليه ذهب الطبري والجبائي إلا أنهما قالا يجب مسح جميع القدمين، ولا يجوز الاقتصار على مسح ظاهر القدم...)([778]).
هذا ما أطلقه هذا الرافضي عن هؤلاء الصحابة وغيرهم من التابعين وفي ذلك نظر، يأتي تفصيله قريباً إن شاء الله تعالى.
وقال الإردبلي: (الرابع مسح الرجلين بالمسمى كالرأس، ودليل مسحهما إجماع الإمامية، وأخبارهم وظاهر الآية، فإن قراءة الجر صريحة في ذلك لأنه عطف على رءوسكم لا يحتمل غيره)([779]).
وأما روايات أئمتهم في ذلك فكثيرة منها:
روى الكليني بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (الأذنان ليسا من الوجه ولا من الرأس) قال وذكر المسح فقال: (امسح على مقدم رأسك، وامسح على القدمين وابدأ بالشق الأيمن)([780]).
في هذه الرواية التصريح بمسح القدمين، كما أنه اشتمل على مخالفات أخرى للمسلمين لسنا بصددها.
وأصرح منها ما في هذه الرواية حيث صرح فيها بعدم قبول صلاة من يغسل قدميه.
فقد روى الكليني والطوسي أيضاً بسنده عن محمد بن مروان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إنه يأتي على الرجل ستون وسبعون سنة ما قبل الله منه صلاة، قلت: وكيف ذلك، قال: لأنه يغسل ما أمر الله بمسحه).
ورواه كذلك الحر العاملي في باب وجوب المسح على الرجلين وعدم إجزاء غسلهما في الوضوء([781]).
وروى الطوسي بسنده عن عثمان وغالب بن هذيل قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن المسح على الرجلين، فقال: هو الذي نزل به جبريل عليه السلام)([782]).
إلى غير ذلك من الروايات المنسوبة إلى أئمتهم الصريحة في وجوب المسح على الرجلين في الوضوء، وعدم إجزاء غسلهما كما تصرح رواياتهم المنسوبة إلى أئمتهم وأقوال علمائهم.
هذا ومع أنهم يوجبون المسح على الرجلين في الوضوء نراهم يحرمون المسح على الخفين([783]) الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرق متعددة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (وتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم المسح على الخفين، ونقل عنه المسح على القدمين في موضع الحاجة مثل أن يكون في قدميه نعلان يشق نزعهما)([784]).
فهم يخالفون الأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإجماع المسلمين على ذلك.
هذا ما يؤكد لنا أنهم يتعمدون مخالفة المسلمين في كل شيء، وعدم موافقتهم أبداً.
وأدلتهم في هذه المسألة أوهى من أن يرد عليها؛ لأنها مخالفة للكتاب والسنة المتواترة ولإجماع المسلمين.
فأما مخالفتها للكتاب: فهي أن الكتاب لم يأت إلا بغسل الرجلين في الوضوء كما تقدم من أقوال العلماء؛ وذلك أن في الآية قراءتين مشهورتين: النصب في الأرجل، والخفض فيهما.
أما القراءة بالنصب: فلا غموض عليها؛ لأنها عطف على المغسولات.
وأما القراءة بالخفض: وهي التي يتمسك بها الرافضة على أنها دليل لهم في وجوب المسح على الرجلين، لأنها عطف على الرءوس، وهي ممسوحة، فالمعطوف عليها يأخذ حكمها.
هذا غير صحيح أبداً، لما علم من ثبوت الغسل عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو مبين للقرآن، فلا يمكن أن يتعارض فعله صلى الله عليه وسلم مع القرآن أبداً.
وهو ما يبين لنا عدم الفرق بين القراءتين من حيث دلالتهما على وجوب غسل الرجلين في الوضوء دون مسحهما كما يزعمه الرافضة، وقد وجه العلماء القراءة بالخفض على وجوه عدة:
منها: أن القراءة بالجر جاءت على المجاورة وتناسب الكلام، وهو جائز وسائغ في كلام العرب، كقولهم (جحر ضب خرب) بجر خرب، على جوار ضب، وحقه الرفع صفة لجحر.
وكقوله تعالى: ((عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ)) [الإنسان:21] وأمثال هذا كثير في كلام العرب.
ومنها: أن غاية ما في القراءتين على فرض وجود تغاير بينهما في الدلالة، أن تكونا متعارضتين، وقد ترجحت القراءة بالنصب على الخفض بالسنة، وهي المبينة للقرآن وقد جاءت بالغسل.
ويؤكد ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية من الأوجه: (أن الذين قرأوا ذلك من السلف قالوا أعاد الأمر إلى الغسل).
ومنها: أن المسح يطلق على الغسل فيكون المراد بالمسح على فرض دلالة القراءة عليه هو الغسل.
ومنها: أن القراءة بالخفض محمولة على مسح القدمين إذا كان عليهما الخف.
إلى غير ذلك مما ورد من العلماء في توجيه القراءة بالخفض.
وعلى كل تقدير، فالواجب غسل الرجلين فرضاً لابد منه للآية والأحاديث
كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى([785]).
وكذلك تعلقوا بما يروى عن بعض السلف مما يفيد القول بالمسح، مثل ما أخرجه ابن جرير الطبري بسنده عن موسى بن أنس، أنه قال لـأنس: يا أبا حمزة إن الحجاج خطبنا بـالأهواز ونحن معه فذكر الطهور فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برءوسكم وأرجلكم وأنه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما، فقال أنس: صدق الله وكذب الحجاج، قال الله تعالى: ((وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ)) [المائدة:6] قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما.
قال عنه ابن كثير: إسناده صحيح.
وبإسناده أيضاً عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (الوضوء غسلتان ومسحتان)([786]).
إلى غير ذلك من الآثار التي رويت عن بعض السلف في ذلك([787])، وقد رد العلماء على هذه الروايات بما يبطل تمسك الرافضة بها.
قال النووي رحمه الله تعالى: (وأما الجواب عن احتجاجهم بكلام أنس، فمن أوجه أشهرها عند أصحابنا: أن أنساً أنكر على الحجاج كون الآية تدل على تعيين الغسل، وكان يعتقد أن الغسل إنما علم وجوبه من بيان السنة، فهو موافق للحجاج في الغسل مخالف له في الدليل.
الثاني: ذكره البيهقي وغيره أنه لم ينكر الغسل، إنما أنكر القراءة فكأنه لم يكن يرى قراءة النصب، وهذا غير ممتنع، ويؤيد هذا التأويل أن أنساً نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ما دل على الغسل وكان أنس يغسل رجليه.
الثالث: لو تعذر تأويل كلام أنس كان ما قدمناه من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله، وفعل الصحابة وقولهم مقدماً عليه).
هذا بعض ما أجاب به النووي وغيره على هذه الرواية عن أنس رضي الله عنه.
وقال عن المروي عن ابن عباس: (وأما قول ابن عباس فجوابه من وجهين:
أحسنهما: أنه ليس بصحيح ولا معروف عنه، وإن كان رواه ابن جرير بإسناده في كتابه: (اختلاف العلماء) إلا أن إسناده ضعيف، بل الصحيح الثابت عنه أنه كان يقرأ: (وأرجلكم) بالنصب، ويقول: عطف على المغسول، هكذا رواه عنه الأئمة الحفاظ الأعلام منهم أبو عبيد القاسم بن سلام وجماعات القراء، والبيهقي وغيره بأسانيدهم.
وثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه توضأ فغسل رجليه وقال: (هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ).
وقال عن المروي عن علي رضي الله عنه: وأما حديث علي فجوابه من أوجه:
أحسنها: أنه ضعيف ضعفه البخاري وغيره من الحفاظ فلا يحتج به لو لم يخالفه غيره، فكيف وهو مخالف للسنن المتظاهرة والدلائل الظاهرة.
الثاني: لو ثبت لكان الغسل مقدماً عليه، لأنه ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الثالث: جواب البيهقي والأصحاب: أنه محمول على أنه غسل الرجلين في النعلين، وقد ثبت عن علي([788]) من أوجه كثيرة غسل الرجلين، فوجب حمل الرواية المحتملة على الروايات الصحيحة الصريحة([789]).
وأما ما نقل عن ابن جرير الطبري رحمه الله من أنه يقول بالتخيير بين المسح والغسل، فهو غلط عليه فإن معنى قوله: الغسل والزيادة عليه.
هذا نص قوله في ذلك: (والصواب من القول عندنا في ذلك أن الله أمر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء، كما أمر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمم، وإذا فعل ذلك بهما المتوضأ كان مستحقاً اسم غاسل، لأن غسلهما إمرار الماء عليهما أو إصابتهما بالماء، ومسحهما: إمرار اليد أو ما قام مقام اليد عليهما، فإذا فعل ذلك بهما فاعل فهو غاسل ماسح..)([790]).
وليس في كلامه هذا شيء يدل على التخيير بين المسح والغسل، وإنما يقصد المبالغة في الغسل بأنه لا يجزئ مجرد صب الماء على الرجلين دون دلكهما باليد.
وفي ذلك يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: (وكذا من جوز مسحهما وجوز غسلهما فقد أخطأ أيضاً، ومن نقل عن أبي جعفر بن جرير أنه أوجب غسلهما للأحاديث، وأوجب مسحهما للآية، فلم يحقق مذهبه في ذلك فإن كلامه في تفسيره إنما يدل على أنه أراد أنه يجب دلك الرجلين من دون سائر أعضاء الوضوء؛ لأنهما يليان الأرض والطين، وغير ذلك فأوجب دلكهما ليذهب ما عليهما ولكنه عبر عن الدلك بالمسح فاعتقد من لم يتأمل كلامه أنه أراد وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما، فحكاه من حكاه كذلك ولهذا يستشكله كثير من الفقهاء وهو معذور؛ فإنه لا معنى للجمع بين المسح والغسل سواء تقدمه أو تأخر عليه لاندراجه فيه، وإنما أراد الرجل ما ذكرته، والله أعلم)([791]).
هذا بعض ما ورد من العلماء من إجابات على تلك الآثار التي تفيد ظواهرها القول بمسح الرجلين في الوضوء.
وقد تبين من خلال ذلك فساد ما يتعلق به الرافضة من الأدلة، وبطلان مذهبهم، لمخالفته الكتاب والسنة والإجماع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومن مسح على الرجلين فهو مبتدع، مخالف للسنة المتواترة وللقرآن، ولا يجوز لأحد أن يعمل بذلك مع إمكان الغسل، والرجل إذا كانت ظاهرة وجب غسلها، وإذا كانت في الخف كان حكمها كما بينته السنة)([792]).
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (ومن أوجب من الشيعة مسحهما كما يمسح الخف فقد ضل وأضل...)([793]).
إرث الأنبياء عليهم السلام:
لقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الأنبياء لا يورثون وما تركوه يكون صدقة».
هذا ثابت عنه صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة ثابتة بطرق كثيرة، فمن ذلك:
ما ثبت في الصحيحين -واللفظ لـمسلم - من طريق عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم «أخبرته أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه بـالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا نورث ما تركنا صدقة) إنما يأكل آل محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المال، وإني والله لا أغير شيئاً من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك. قال: فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت»الحديث([794]). وما ثبت عندهما أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقتسم ورثتي ديناراً، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة»([795]).
وكذلك حديث عمر رضي الله عنه مع العباس، وعلي رضي الله عنهما، وفيه أنه قال لـعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وسعد رضي الله عنهم: «أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا نورث ما تركنا صدقة) قالوا: نعم، ثم أقبل على العباس وعلي، فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا نورث ما تركنا صدقة؟) قالا: نعم» الحديث([796]).
ومنها حديث عائشة رضي الله عنهما: «أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن، فقالت عائشة: أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نورث، ما تركنا صدقة»([797]) فهذه الأحاديث كلها ثابتة في الصحيحين، وفي غيرهما من كتب الحديث من السنن والمسانيد، رواها غير واحد من الصحابة كما هو واضح من هذه الأحاديث.
قال الترمذي رحمه الله تعالى: (وفي الباب عن عمر وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وعائشة، وغيرهم).
فالأمر واضح من هذه الأحاديث فهي صريحة في كون الأنبياء لا يورثون.
وهو ما أجمع عليه المسلمون قاطبة، ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين.
وأما الرافضة الإثنا عشرية فلم يلتفتوا إلى هذه الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ضربوا بها عرض الحائط، ورموها وراء ظهورهم وذهبوا إلى القول بأن الأنبياء يورثون، مخالفين بذلك إجماع المسلمين المستند على الأحاديث الصحيحة، واختلقوا بدلاً من تلك الأحاديث الصحيحة روايات وضعوها على أئمتهم فيها تصريح بإرث الأنبياء، كما أولوا الآيات التي ورد فيها ذكر الميراث إلى رأيهم([798]).
فمن الروايات المنسوبة إلى أئمتهم في ذلك:
ما روى الكليني بسنده عن أبي جعفر عليه السلام قال: (ورث علي عليه السلام علم رسول الله صلى الله عليه وآله، وورثت فاطمة عليها السلام تركته).
وروى أيضاً بسنده عن حمزة بن حمران قال: (قلت لـأبي عبد الله عليه السلام: من ورث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: فاطمة عليها السلام، ورثته متاع البيت والخرثى وكل ما كان له)([799]).
وروى العياشي بسنده عن أبي جميلة المفضل بن صالح عن بعض أصحابه عن أحدهما قال: (إن فاطمة صلوات الله عليها انطلقت إلى أبي بكر فطلبت ميراثها من نبي الله صلى الله عليه وآله، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث، فقالت: أكفرت بالله وكذبت بكتابه؟ قال: ((يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)) [النساء:11)]([800]).
هذا الخبر بهذا اللفظ لم يثبت عند أحد من رواة المسلمين، والمشهور الذي ثبت من ذلك بعيد عن هذا تماماً؛ إذ ليس فيه مثل هذه الكلمات البذيئة، كما تقدم ذلك من رواية الإمامين البخاري ومسلم.
فروايتهم هذه صريحة في أن فاطمة عندهم ورثت أباها صلى الله عليه وسلم كما دلت على ذلك الروايتان عند الكليني.
ودلت الأخيرة على أنها انطلقت تطلب ميراثها فكلها تثبت لها ميراثاً من النبي صلى الله عليه وسلم على أن الأنبياء عليهم السلام يورثون.
وبالإضافة إلى هذه الروايات تعلقوا بعموم قوله تعالى: ((يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)) كما هو صريح من الرواية الأخيرة.
وبقوله تعالى حكاية عن قول زكريا عليه السلام: ((وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً)) [مريم:5]* ((يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً)) [مريم:6].
وبقوله تعالى: ((وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)) [النمل:16].
قال الطبرسي عند تفسيره لقوله تعالى: ((وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ...)) الآية: واستدل أصحابنا بالآية على أن الأنبياء يورثون المال، وأن المراد بالإرث المذكور فيها المال دون العلم والنبوة، بأن قالوا: إن لفظ الميراث في اللغة والشريعة لا يطلق إلا على ما ينقل من المورث إلى الوارث كالأموال، ولا يستعمل في غير المال إلا عن طريق المجاز والتوسع، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز بغير دلالة.
أيضاف فإن زكريا عليه السلام قال في دعائه: ((وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً)) أي اجعل يارب ذلك الولي الذي يرثني مرضياً عندك ممتثلاً لأمرك، ومتى حملنا الإرث على النبوة لم يكن لذلك معنى، وكان لغواً وعبثاً، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول أحد: اللهم ابعث لنا نبياً واجعله عاقلاً مرضياً في أخلاقه، لأنه إذا كان نبياً فقد دخل الرضا، وما هو أعظم من الرضا في النبوة) إلى آخر ما ورد عنه في ذلك.
وقال في قوله: ((وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)): في هذا دلالة على أن الأنبياء عليهم السلام يورثون المال كتوريث غيرهم، وهو قول الحسن([801]).
هذا مجمل ما يتعلقون به في قولهم جواز إرث الأنبياء عليهم السلام.
وقد رد أهل السنة استدلالهم بهذه الآيات على صحة مذهبهم وأبطلوه وبينوا زيفه.
فقالوا: إن ما تعلقوا به من عموم قوله تعالى: ((يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ...)) الآية، باطل، وليس لهم فيها حجة.
فإن الآية عامة، وقد خص منها النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء عليهم السلام، فلا يدخلون تحت عموم الآية كما خص من عمومها: الولد الكافر، والولد المملوك، والولد القاتل لأبيه، فكل هؤلاء يمنعون من الإرث لعلل اقتضت إخراجهم من عموم الآية.
ودليل تخصيص الأنبياء عليهم السلام هو الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: «لا نورث ما تركنا صدقة»، وقد تقدم([802]).
كذلك ما تمسكوا به من الآيتين في قصة زكريا وسليمان عليهما السلام من أن المراد بالإرث فيهما هو إرث المال دون العلم والنبوة، فهو استدلال فاسد لا حجة لهم فيه.
وذلك أن العلماء من المفسرين وغيرهم اتفقوا على أن المراد بالإرث في الآيتين هو العلم والنبوة لا إرث المال.
قال الألوسي رحمه الله تعالى: (وما زعموه من دلالة الآيتين اللتين ذكروهما على كذب الخبر في غاية الوهن؛ لأن الوراثة فيهما وراثة العلم والنبوة لا وراثة العروض والأموال)([803]).
هكذا، ولا يمكن حمل الإرث الوارد في الآيتين على إرث المال، لعدة أمور ذكرها العلماء منها:
ثبوت الأحاديث في ذلك من غير وجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا نورث ما تركنا صدقة».
ومنها: أنه لو كان المراد بالإرث: إرث المال لشاركهم غيرهم في ذلك ممن يستحق الميراث، وذلك أن داود عليه السلام كان له أولاد كثيرون غير سليمان عليه السلام، فهو لا ينفرد بمال أبيه دون إخوانه الباقين، ولا وجه لاختصاصه بذلك إلا أن تكون وراثة العلم والنبوة.
كما أن ذكر ذلك عن سليمان عليه السلام لا يدل على فضل له؛ لأن الثابت في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فأي فضل لـسليمان في اختصاصه بالذكر في ذلك، والآية سيقت في بيان المدح لـسليمان وما خصه الله تعالى به من النعمة.
وأيضاً فإن ما عرف من الأنبياء عليهم السلام من الكمال وتعلق قلوبهم بالله وقطعها عن الدنيا وحطامها يبعد تماماً أن يكون زكريا عليه السلام إنما طلب الولد ليحوز ماله دون عصبته؛ إذ يدل هذا على حبه الشديد للمال والشح له، وذلك لا يليق بمقام من يرغب في الآخرة فضلاً عن الأنبياء عليهم السلام الذين لا تساوي الدنيا عندهم قدر جناح بعوضة.
وإنما الذي خافه من قومه بعده: هو أن يتصرفوا من بعده الناس تصرفاً سيئاً، فسأل الله ولداً يكون نبياً من بعده ليسوسهم بنبوته وما يوحى إليه، كما قاله العلماء.
وأيضاً فإن زكريا عليه السلام لم يُعرف أنه كان ذا مال، بل كان نجاراً يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالاً عادة لاسيما الأنبياء؛ فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.
وعلى فرض أنه كان له مال، وخاف عليه من بني عمه، فإنه كان بإمكانه أن يتخلص منه قبل وفاته بطرق كثيرة، إما بالتصدق به جميعاً على وجوه الخير، وإما بطريقة أخرى حتى لا يحتاج إلى طلب ولد ليأخذ هذا المال خوفاً من ذوي قراباته كما يزعم الرافضة.
كما أن قوله في الآية: ((يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)) [مريم:6] من أقوى الأدلة على فساد دعوى الرافضة هذه؛ فإنه لا يمكن أن يحمل هذا على إرث المال بأي وجه، لتعذر إمكانية إرث يحيى عليه السلام من مال آل يعقوب أبداً لطول المدة بينهما.
قال الألوسي: (ومما يدل على أن الوراثة في الآية الثانية كذلك أيضاً -أي وراثة العلم والنبوة- أنه لو كان المراد بالوراثة فيها وراثة المال كان الكلام أشبه شيء بالسفسطة؛ لأن المراد بآل يعقوب حينئذ إن كان نفسه الشريفة يلزم أن مال يعقوب عليه السلام كان باقياً غير مقسم إلى عهد زكريا، وبينهما نحو من ألفي سنة، وهو كما ترى.
وإن كان المراد جميع أولاده يلزم أن يكون يحيى وارثاً جميع بني إسرائيل أحياءً وأمواتاً، وهذا أفحش من الأول.
وإن كان المراد بعض الأولاد، أو أريد من يعقوب غير المتبادر وهو ابن إسحاق عليهما السلام، يقال: أي فائدة في وصف هذا الولي عند طلبه من الله تعالى بأنه يرث أباه، ويرث بعض ذوي قرابته، والابن وارث الأب ومن يقرب منه في جميع الشرائع، مع أن هذه الوراثة تفهم من لفظ الولي بلا تكلف، وليس المقام مقام تأكيد...) إلى آخر ما ورد عنه في ذلك.
هذا بعض ما ورد من العلماء من الأقوال في إبطال تعلق الرافضة بهاتين الآيتين على أن الإرث الوارد فيهما المراد به إرث المال([804]).
وأيضًا فإنه لو فرض أن النبي صلى الله عليه وسلم يورث كما يدعي الرافضة، لم ينحصر ذلك على فاطمة وحدها، بل كان يشاركها فيه غيرها من ورثة النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة وغيرها من أزواجه اللاتي توفي صلى الله عليه وسلم عنهن، وكذلك عمه أيضاً يشاركون فاطمة في ذلك كما هو معلوم في نظام الإرث الإسلامي فلا وجه لصيحاتهم في هذه القضية([805]).
وأما قول الطبرسي وغيره من علمائهم: (إن لفظ الميراث في اللغة والشريعة لا يطلق إلا على ما ينقل من الموروث إلى الوارث كالأموال، ولا يستعمل في غير المال إلا عن طريق المجاز والتوسع، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز بغير دلالة)، فهو يدل على جهله، بل على عناده وتكبره عن الحق، وإلا فقد جاء استعمال لفظ الإرث في أشياء كثيرة غير المال في القرآن في مواطن كثيرة لا ينكره إلا من أعمى الله بصيرته عن الحق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في معرض رده على استدلالهم بالآيتين: (أن قوله تعالى: ((وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)) وقوله تعالى عن زكريا: ((فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً)) [مريم:5] الآية لا يدل على محل النزاع؛ لأن الإرث اسم جنس تحته أنواع، والدال على ما به الاشتراك لا يدل على ما به الامتياز، وذلك أن لفظ (الإرث) يستعمل في إرث العلم والنبوة والملك، وغير ذلك من أنواع الانتقال.
قال تعالى: ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)) [فاطر:32]، فقد استعمل لفظ الإرث هنا في إرث الكتاب وليس بمال.
وقال تعالى: ((أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ)) [المؤمنون:10]* ((الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) [المؤمنون:11]، فهنا استعمل في إرث الفردوس.
وقال تعالى: ((وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)) [الزخرف:72]، وهنا أيضاً واضح استعماله في إرث الجنة عموماً.
وقال تعالى: ((وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَئُوهَا)) [الأحزاب:27]، فقد جمع هنا استعماله في إرث الأرض والدار والمال على حد سواء، إلى غيرها من الآيات الكثيرة في هذا المعنى.
وكذلك ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر»([806]).
قال بعد إيراده الآيات والحديث: (وإذا كان كذلك فقوله تعالى: ((وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)) وقوله: ((يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)) إنما يدل على جنس الإرث لا يدل على إرث المال، فاستدل المستدل بهذا الكلام على خصوص إرث المال جهل منه بوجه الدلالة)([807]).
وهو كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فإنكار استعمال لفظ الإرث في غير المال جهل ما بعده جهل، وتكبر عن قبول الحق، وإلا فإن ورود لفظ الإرث في غير المال موجود في كتبهم المعتمدة.
وحتى الطبرسي نفسه قد نقل ذلك في كتابه عند تفسيره لقوله تعالى: ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ)) الآية؛ حيث قال: (واختلف في الذين اصطفاهم الله تعالى (من عباده) في الآية، إلى أن قال: وقيل: هم علماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لما ورد في الحديث: «العلماء ورثة الأنبياء».
والمروي عن الباقر والصادق أنهما قالا: (هي لنا خاصة وإيانا عنى) وهذا أقرب الأقوال لأنهم أحق الناس بوصف الاصطفاء والاجتباء وإيراث علم الأنبياء...) إلخ([808]).
فما معنى قوله هنا: (وإيراث علم الأنبياء) أليس هو استعمال في غير المال؟! فكيف ينكر ذلك.
وكذلك ورد في كتبهم في مواطن كثيرة.
فقد بوب الكليني في كتابه الكافي أبواباً باستعمال لفظ الإرث في غير المال، حيث ورد فيه:
باب في (أن من اصطفاه الله من عباده وأورثهم كتابه هم الأئمة)، وباب (أن الأئمة ورثة العلم يرث بعضهم بعضاً)، وباب (إن الأئمة ورثوا علم النبي صلى الله عليه وسلم، وجميع الأنبياء والأوصياء الذين من قبلهم).
وأورد تحت هذه الأبواب روايات كثيرة عن أئمتهم، كلها صريحة في استعمال لفظ الإرث في غير المال.
منها ما ذكره الألوسي([809]) محتجاً به عليهم وإلزاماً لهم بوروده عندهم في كتبهم.
روى الكليني بسنده عن ضريس الكناسي قال: كنت عند أبي عبد الله وعنده أبو بصير، فقال أبو عبد الله: (إن داود ورث علم الأنبياء، وإن سليمان ورث داود، وإن محمداً صلى الله عليه وآله ورث سليمان، وإنا ورثنا محمداً صلى الله عليه وآله) الخبر([810]).
هذا وروايات أخرى كثيرة عن أئمتهم في ذلك، فإنكاره بعد كل ذلك دليل على رفضهم الحق، واتباعهم لهواهم لا أكثر ولا أقل.
وكذلك فإن كل ما يحاول أن يتشبث به هو وغيره من التأويلات فكلها باطلة وساقطة أمام أدلة أهل السنة والجماعة، وفي أغلبها حجة عليهم لا لهم كما رأينا ذلك من أقوالهم هذه.
وكذلك يدل على بطلان مذهبهم كثرة تناقضاتهم في هذه المسألة، فإنهم مرة يقولون إن فاطمة جاءت إلى أبي بكر تطلب ميراثها من النبي صلى الله عليه وسلم، ومرة يقولون جاءت تطلب حقها فدك لأن أباها صلى الله عليه وسلم أعطاها إياها، فكيف يتفق الأمران وهما ضدان، إرث وهبة!!
وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (أن ما ذكر من ادعاء فاطمة رضي الله عنها فدك، فإن هذا يناقض كونها ميراثاً لها، فإن كان طلبها بطريق الإرث امتنع أن يكون بطريق الهبة، وإن كان بطريق الهبة امتنع أن يكون بطريق الإرث ثم إن كانت هذه هبة في مرض الموت، فرسول الله صلى الله عليه وسلم منزه -إن كان يورث كما يورث غيره- أن يوصى لوارث أو يخصه في مرض موته بأكثر من حقه، وإن كان في صحته فلابد أن تكون هذه هبة مقبوضة، وإلا فإذا وهب الواهب بكلامه ولم يقبض الموهوب شيئاً حتى مات الواهب، كان ذلك باطلاً عند جماهير العلماء، فكيف يهب النبي صلى الله عليه وسلم فدك لـفاطمة، ولا يكون هذا أمراً معروفاً عند أهل بيته والمسلمين حتى تختص بمعرفته أم أيمن أو علي رضي الله عنهما؟)([811]).
والإجابة متروكة لهم إن تكن لديهم الإجابة.
وبعد هذا كله نعلم أن القوم ليس لهم مستند يستندون إليه إلا مجرد اتباع أهوائهم وما تمليه عليهم عقيدتهم.
وقولهم ظاهر البطلان لمخالفته السنة وإجماع المسلمين بما فيهم أئمتهم، فإن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد تولى الخلافة وهو الخليفة الرابع عند المسلمين أول الأئمة عندهم، وكذلك ابنه الحسن رضي الله عنه قد ولي بعد أبيه فترة من الزمن، وهو ثاني الأئمة عندهم، ولم ينقل عن أحد منهما ولا من غيرهما أنه قسم تركة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مستحقيها مع تمكنهم من ذلك مما يدل على أنهم مع جماعة المسلمين على أن الأنبياء لا يورثون.
قال الألوسي: (وقد ثبت أيضاً بإجماع أهل السير والتواريخ وعلماء الحديث أن جماعة من المعصومين عند الشيعة والمعصومين عند أهل السنة عملوا بموجبه (أي الحديث) فإن تركة النبي صلى الله عليه وسلم لما وقعت في أيديهم لم يعطوا منها العباس ولا بنيه، ولا الأزواج المطهرات شيئاً، ولو كان الميراث جارياً في تلك التركة لشاركوهم فيها قطعاً)([812]).
أو نقول إنهم أيضاً ظالمون بعدم إيصال الحقوق إلى أصحابها كما يدعون على أبي بكر الصديق ظلم فاطمة رضي الله عنهما -حاشاه لله- هذا ما لا جواب له عندهم إلا السكوت، كما حصل في قصة الرجل الذي أراد أن يحتج على السفاح([813]) بذلك فحاجه السفاح فيما نقله النووي في شرحه صحيح مسلم قال: (وبنحو هذا احتج السفاح فإنه لما خطب أول خطبة قام إليه رجل معلق في عنقه المصحف فقال أنشدك الله إلا ما حكمت بيني وبين خصمي بهذا المصحف، فقال من هو خصمك؟ قال: أبو بكر في منعه فدك، قال: أظلمك؟ قال: نعم، قال: فمن بعده؟ قال: عمر، قال: أظلمك؟ قال: نعم، وقال في عثمان كذلك، قال: فـعلي ظلمك؟ فسكت الرجل فأغلظ له السفاح)([814]).
وهكذا بهت عندما وصل الأمر إلى علي رضي الله عنه، ولم يستطع أن يقول شيئاً في ذلك.
وبعد هذا كله نسأل الرافضة لماذا هذا الإصرار على إثارة هذه القضية دائماً حتى عند المعاصرين منهم، مع أن هذه المسألة قد مضت عليها قرون كثيرة وانقضت!!
فهم في الحقيقة لا يبحثون هذه المسألة لذاتها، وإنما يهدفون من وراء إثارتهم لها، الطعن على أبي بكر الصديق ومن بعده من الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، بل والصحابة جميعاً بأنهم ظالمون فهم يتخذون هذه المسألة ذريعة إلى ذلك، وإلا ليس لهم أي هدف آخر من إثارة هذه القضية؛ لأن ذلك لا يعود بأي فائدة عليهم، هذا هو السبب لإصرارهم على إثارتها، وهو ما أعمى أبصارهم عن الحق، والله المستعان.
هذا وقد ذكر العلماء الحكمة في عدم إرث الأنبياء عامة، ونبينا صلى الله عليه وسلم خاصة.
أشملها ما ذكرها العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى بقوله: (السر -والله أعلم- في خروج الخلافة بعد موته صلى الله عليه وسلم عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر وعمر وعثمان، أن علياً لو تولى الخلافة بعد موته لأوشك أن يقول المبطلون أنه ملك ورث ملكه أهل بيته، فصان الله منصب رسالته ونبوته عن هذه الشبهة، وتأمل قول هرقل لـأبي سفيان: (هل كان في آبائه من ملك؟ قال: لا، فقال له: لو كان في آبائه ملك، لقلت رجل يطلب ملك آبائه) فصان الله منصبه العلي من شبهة الملك في آبائه وأهل بيته.
وهذا -والله أعلم- هو السر في كونه لم يورث هو والأنبياء قطعاً لهذه الشبهة؛ لئلا يظن المبطل أن الأنبياء طلبوا جمع الدنيا لأولادهم وورثتهم كما يفعله الإنسان من زهده في نفسه وتوريثه ماله لولده وذريته، فصانهم الله عن ذلك، ومنعهم من توريث ورثتهم شيئاً من المال لئلا تتطرق التهمة إلى حجج الله ورسله فلا يبقى في نبوتهم ورسالتهم شبهة أصلاً.
ولا يقال: فقد وليها علي وأهل بيته؛ لأن الأمر كما سبق أنها ليست بملك موروث، وإنما هي خلافة نبوة تستحق بالسبق والتقدم، وكان علي في وقته هو سابق الأمة وأفضلها ولم يكن فيهم حين وليها أولى بها منه، ولا خير منه فلم يحصل لمبطل بذلك شبهة، والحمد لله([815])
هذا الذي قاله هذا الإمام قد قال به أكثر العلماء أيضاً.
هذا عرض سريع لهذه المسائل التي خالفوا فيها جماعة المسلمين، وانفردوا بها عنهم بسبب رفضهم القرآن الكريم كلياً باعتباره المصدر الأساسي والأول في التشريع الإسلامي، بدعوى التحريف أو تحريف معانيه، وصرفها عما أراد بها الشارع إلى ما يوافق أهواءهم وأهدافهم الفاسدة بتأويلات متعسفة وباردة لم ينزل الله بها من سلطان، ولا يعرفها أهل اللسان في لغتهم.
وهي مسائل كثيرة جداً، وإنما اكتفيت هنا بهذه المسائل الخمس للتمثيل فقط لا للحصر، ولأن أحكام تلك المسائل ظاهرة عند كل مسلم حتى البسطاء منهم، فإذا جاز خلافهم فيها فغيرها من باب أولى؛ لأن الخلاف عندهم مقصود لذاته، وواجب ديني عندهم؛ حيث تفرض عليهم عقيدتهم مخالفة جماعة المسلمين كما رأينا ذلك عند تعليل رفضهم قبول بعض روايات أئمتهم المتفقة مع مذهب أهل السنة والجماعة بأنها يجب حملها على أنها صدرت منهم على وجه التقية؛ لأنها موافقة لمذهب العامة كما يحلو لهم التعبير([816])، فدينهم قائم أساساً على مخالفة المسلمين في كل شيء في الأصول والفروع، حتى في مصادر استنباط الأحكام.
فإن مصادرهم تختلف كلياً عن مصادر جماعة المسلمين؛ إذ مصادرهم تنحصر في أقوال أئمتهم سواء كانت تفسيراً للقرآن، أو لأحاديثهم المروية بطرقهم الخاصة، بينما يقوم دين جماعة المسلمين على كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم المطهرة، وإجماع علمائهم، والقياس إلى غير ذلك من أدلة الأحكام كما هي مبسوطة في مواضعها، إذاً فلا يمكن الوفاق بين الطائفتين ما دام الأمر على هذه الحالة إلا إذا تنازل أحد الطرفين عن مبادئه كلياً للطرف الثاني، وإلا فالخلاف يبقى قائماً ولا يمكن الجمع بينهما أبدًا ما دام الكل يتمسك بمبادئه.
وكيف يتفق دين أساسه طلب الحق، باتباع كتاب ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعبادة الله وحده، مع دين أساسه الكذب، ملاكه الهوى، وعلى تأليه غير الله سبحانه وتعالى.
هذا فليتنبه الغافلون حتى لا يقعوا في شراك عدوهم، فمن شك في هذا فعليه بمصادرهم ينظر ماذا فيها، والحمد لله رب العالمين.
 

الخاتمة:
أحمد الله تعالى على ما وفقني به من إتمام هذا البحث في الوقت المحدد له، أحمده سبحانه، وأثني عليه الخير كله، لا أحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فقد توصلت من خلال دراستي لمواقف الرافضة هذه من القرآن الكريم إلى نتائج عدة أجملها فيما يلي:
أ- أن القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم هدى ونوراً، وتكفل تعالى بحفظه وسلامته، هو في نظر الرافضة غير كامل، وغير سالم من التحريف، قد أسقطت منه أشياء كثيرة وضاعت، كما حرف بعضه عن وجهه -على حد زعمهم-.
2- أن هذا القول -أي القول بوقوع التحريف في القرآن الكريم- هو قول جميع الرافضة من أولهم إلى اَخرهم، كلهم على ذلك سواء من أظهره علناً وصرح به، أو من أخفاه وستره بثوب التقية، وادعى أنه ينكر القول بتحريف القرآن الكريم مع بقائه واستمراره على عقيدة الرفض وعقيدة الإمامة عندهم.
3- أن القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى هادياً إلى الحق لم يعد في نظر الرافضة مصدراً للهداية، واستنباط الأحكام منه؛ لأنه غير موثوق به.
4- أن القرآن الكريم هدف كل عدو حاقد على الإسلام وأهله، ويسعى للقضاء عليه، عن طريق التشكيك في ثبوت القرآن؛ لأنه مصدر الهدى والنور للمسلمين.
5- عقيدة أهل السنة والجماعة قاطبة أن القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم هو هذا القرآن الذي بين أيدينا اليوم وهو ما بين دفتي المصحف، أوله سورة الفاتحة وآخره سورة الناس، وأنه هو كل ما أنزله الله تعالى من غير زيادة فيه ولا نقص منه، وهو محفوظ بحفظ الله تعالى وصيانته.
وأن من أنكر حرفاً منه، أو زاد فيه حرفاً، أو اعتقد أنه غير سالم من أي تحريف فهو كافر خارج عن ملة الإسلام مباح دمه إلا أن يتوب ويرجع عن اعتقاده ذلك، بلا خلاف بين المسلمين، هذه هي أهم ما تضمنه هذا البحث من نتائج.
أسأل الله الكريم رب العرب العظيم أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه، وأن يقيل عثراتي، ويجنبني الزلل فهو حسبي ونعم الوكيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

فهرست المصادر والمراجع الشيعية:
حرف الألف
1- إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب.
تأليف: أبي الحسن علي بن الحسين المسعودي المتوفى سنة (346 هـ).
من منشورات المكتبة المرتضوية ومطبعتها الحيدرية في النجف.
2- الاحتجاج.
تأليف: أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي المتوفى سنة (220 هـ).
تعليق: محمد باقر الخرسان.
منشورات: دار النعمان للطباعة والنشر النجف، الطبعة الأولى سنة (1385 هـ - 1965 م).
3- الاختصاص.
تأليف: أبي عبد الله محمد بن محمد (المفيد)، المتوفى سنة (413 هـ).
تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري.
منشورات: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت- لبنان (1402 هـ- 1982 م).
4- اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشي.
تأليف: أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة (460 هـ).
تصحيح وتعليق: حسن المصطفوي.
مركز المطبوعات ومطالعات -مشهد- إيران.
5- الاستبصار فيما اختلف فيه من الأخبار.
تأليف: أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة (460هـ).
تحقيق وتعليق: حسن الموسوي الخراسان.
الناشر: دار الكتب الإسلامية- طهران. الطبعة الثالثة (1390هـ).
6- الاستغاثة من بدع الثلاثة.
تأليف: أبي القاسم علي بن أحمد الكوفي المتوفى سنة (352 هـ).
طبع النجف- العراق (1400 هـ).
7- أصل الشيعة وأصولها.
تأليف: محمد الحسين آل كاشف الغطاء.
الناشر: مرتضى محمد الرضوي.
المطبعة العربية -القاهرة- مطبوعات مكتبة النجاح (1377هـ - 1958 م).
8- الأصول الأصلية والقواعد الشرعية.
تأليف: عبد الله شبر المتوفى سنة (1242 هـ).
الناشر: مكتبة المفيد -قم- إيران.
مطبعة مهر (1404هـ).
9- الأصول من الكافي.
تأليف: أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني المتوفى سنة (328- 329هـ)
تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري.
الناشر: مكتبة الصدوق -طهران. الطبعة الثانية (1381هـ).
10- أعيان الشيعة.
تأليف: محسن الأمين.
تحقيق وإخراج: حسن الأمين.
دار التعارف للمطبوعات -بيروت (1403هـ-1983م).
11- آلاء الرحمن في تفسير القرآن.
تأليف: محمد جواد البلاغي.
دار إحياء التراث العربي -بيروت- لبنان.
12- إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب.
تأليف: علي اليزدي الحائري المتوفى سنة (1333هـ).
منشورات: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت- لبنان.
الطبعة الرابعة (1397هـ- 1977م).
13- الألفين في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
تأليف جمال الدين بن المطهر الحلي المتوفى سنة (726 هـ).
تقديم: محمد مهدي حسن الموسوي الخراسان.
منشورات: المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف، الطبعة الثانية 1388هـ- 1969م).
14- أمل الآمل: تأليف: محمد بن الحسن الحر العاملي.
الناشر: دار الكتاب الإسلامي.
مطبعة نمونة -قم- إيران.
93- الأنوار البهية في تواريخ الحجج الإلهية.
تأليف: عباس بن محمد رضا القمي.
تقديم وتعليق: محمد كاظم الخراساني.
منشورات: دار الأضواء -بيروت- لبنان.
الطبعة الأولى (1404هـ- 1984م).
16- الأنوار النعمانية.
تأليف: نعمة الله الجزائري المتوفى سنة (1112هـ).
الناشر: الحاج هادي صاحب مكتبة بني هاشم -محمد باقر صاحب مكتبة (حقيقت) تبريز -إيران، مطبعة شركة جاب.
17- أوائل المقالات في المذاهب والمختارات.
تأليف: أبي عبد الله محمد بن محمد (المفيد) المتوفى سنة (413 هـ).
تقديم وتعليق: فضل الله- الزنجاني.
الطبعة الثانية: تبريز (1371هـ).
18- الإيضاح.
تأليف: أبي محمد الفضل بن شاذان المتوفى سنة (260هـ).
منشورات: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات -بيروت.
الطبعة الأولى سنة (1402هـ- 1982م).
19- إيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة.
تأليف: محمد بن الحسن الحر العاملي.
دار الكتب العلمية -إسماعليات نجفى إيران- قم.
حرف الباء
20- البرهان في تفسير القرآن.
تأليف: هاشم بن سليمان البحراني المتوفى سنة (1107هـ- 1159م) مؤسسة إسماعليات للطباعة والنشر والتوزيع -قم- إيران. الطبعة الثالثة.
21- بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمد.
تأليف: أبي جعفر محمد بن الحسن الصفار المتوفى سنة (290هـ).
تقديم وتعليق: ميرزا محسن (توجيه باغي).
منشورات: الأعلمي -طهران.
مطبعة الأحمدي طهران - إيران سنة (1362هـ).
22- البيان في تفسير القرآن.
تأليف: أبي القاسم الموسوي الخوئي، معاصر.
إخراج وفهرسة: مرتضى الحكمي.
المطبعة العلمية -قم- إيران.
الطبعة الثالثة سنة (1394هـ - 1974م).
حرف التاء
23- التبيان في تفسير القرآن.
تأليف: أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة (460 هـ).
تقديم أغا بزرك الطهراني.
المطبعة العلمية في النجف (1376هـ- 1957م).
24- تذكرة الأئمة.
تأليف: محمد باقر المجلسي.
باللغة الفارسية مع تعريب بعض الكلمات منه.
منشورات: مولانا خسرو -تبريز- إيران.
25- تصحيح الاعتقاد بصواب الانتقاد أو شرح عقائد الصدوق.
تأليف: محمد بن النعمان (المفيد) المتوفى سنة (413هـ).
تقديم وتعليق: هبة الدين الشهرستاني.
دار الكتاب الإسلامي -بيروت- لبنان- (1403هـ- 1983م).
26- تفسير الصراط المستقيم.
تأليف: آية الله حسين البروجردي.
تحقيق وتعليق: مولانا البروجردي.
مؤسسة الوفاء -بيروت- لبنان.
الطبعة الأولى: (1403هـ- 1983م).
27- تفسير العياشي.
تأليف: محمد بن مسعود بن عياش المعروف بالعياشي.
تحقيق وتصحيح وتعليق: هاشم الرسولي المجلاتي.
الناشر: محمود الكتابحي وأولاده صاحب المكتبة الإسلامية طهران- إيران.
28- تفسير فرات الكوفي.
تأليف: فرات بن إبراهيم الكوفي.
طبع في المطبعة الحيدرية بالنجف -العراق.
29- تفسير القمي.
تأليف: علي بن إبراهيم القمي.
تصحيح وتعليق وتقديم: طيب الموسوي الجزائري.
الناشر: مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر قم -إيران- الطبعة الثالثة (1404هـ).
30- تنقيح المقال في علم الرجال.
تأليف: عبد الله المامقاني.
طبع في المطبعة المرتضوية في النجف -العراق سنة (1352هـ).
31- تهذيب الأحكام في شرح المقنعة.
تأليف: أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى (460 هـ).
تحقيق وتعليق: حسن الموسوي الخراسان.
الناشر: دار الكتب الإسلامية -طهران- الطبعة الثالثة بتصحيح محمد الأخوندي سنة (1390هـ).
32- التوحيد.
تأليف: ابن بابويه القمي (الصدوق) المتوفى سنة (381 هـ).
تصحيح وتعليق: هاشم الحسني الطهراني.
الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر -بيروت.
حرف الثاء
33- ثواب الأعمال- له.
تعليق: علي أكبر الغفاري.
الناشر: كتبي نجفي -قم- ومكتبة الصدوق طهران-إيران.
حرف الجيم
34- جامع الرواة وإزاحة الاشتباه عن الطرق والإسناد.
تأليف: محمد بن علي الإردبيلي.
مكتبة المصطفى -قم- إيران سنة (1403هـ).
حرف الحاء
35- حق اليقين في معرفة أصول الدين.
تأليف: عبد الله شبر دار الكتاب الإسلامي، الطبعة الأولى سنة (1404هـ).
36- الحكومة الإسلامية.
تأليف: آية الله الخميني.
منشورات: المكتبة الإسلامية الكبرى.
حرف الخاء
37- الخصال.
تأليف: محمد بن الحسين بن بابويه القمي (الصدوق) المتوفى سنة (381 هـ).
تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري.
الناشر: مكتبة الصدوق -طهران- إيران- سنة (1389 هـ).
حرف الدال
38- الدرر النجفية.
تأليف: يوسف بن أحمد البحراني.
مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.
39- دلائل الإمامة.
تأليف: أبي جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري.
منشورات: المطبعة الحيدرية ومكتبتها في النجف العراق (1383 هـ- 1963 م).
حرف الراء
40- كتاب الرجال.
تأليف: تقي الدين بن الحسن بن علي بن داود الحلي، المتوفى بعد سنة (707هـ).
تحقيق وتعليق: محمد صادق آل بحر العلوم.
منشورات: المطبعة الحيدرية -النجف سنة (1392 هـ- 1972 م).
41- رجال الطوسي.
تأليف: أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، المتوفى سنة (460 هـ).
منشورات المكتبة والمطبعة الحيدرية في النجف.
الطبعة الأولى: (1380 هـ- 1960م).
42- رجال الحلي.
تأليف: الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، المتوفى سنة (726 هـ).
تحقيق: محمد صادق بحر العلوم.
الناشر: مكتبة الرضا- قم.
منشورات: مطبعة الحيدرية- النجف.
الطبعة الثانية (1381 هـ- 1961 م).
43- الرسائل السروية.
تأليف: أبي عبد الله محمد بن محمد (المفيد).
منشورات: مكتبة دار الكتب التجارية، النجف- العراق.
44- رسالة التعادل والترجيح.
تأليف: آية الله الخميني، المتوفى سنة (1409هـ).
مع تذييلات المجتبي الطهراني، مؤسسة إسماعليان للطباعة والنشر والتوزيع سنة (1385 هـ).
44- رسالة في التقية. له.
تذييلات لمجتبي الطهراني، مؤسسة إسماعليان (1385 هـ).
45- الروضة من الكافي.
تأليف: محمد بن يعقوب الكليني، المتوفى (328-329 هـ).
تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري.
عني بنشره: محمد الأخوندي مؤسسة دار الكتب الإسلامية طهران- الطبعة الثانية (1389 هـ).
حرف الزاي
46- زبدة الأحكام.
تأليف: آية الله الخميني.
الدار الإسلامية -بيروت- لبنان الطبعة الثانية (1407 هـ- 1987م).
حرف السين
47- سعد سعود.
تأليف: أبي القاسم علي بن موسى بن طاوس الحسني الحسيني، المتوفى سنة هـ.
منشورات الرضى- قم. مطبعة أمير قم إيران سنة (1363هـ).
48- السقيفة (المعروف بكتاب سليم بن قيس).
تأليف: سليم بن قيس الهلالي، المتوفى سنة 90 هـ.
دار الفنون للطباعة والنشر والتوزيع بيروت سنة (1400هـ- 1980م).
49- سيرة الأئمة الاثني عشر.
تأليف: هاشم معروف الحسني دار القلم- بيروت- لبنان الطبعة الثالثة (1981م).
حرف الشين
50- شرائع الإسلام في الفقه الإسلامي الجعفري لصدوق.
منشورات دار مكتبة الحياة -بيروت- لبنان.
51- شرح دعاء السحر.
تأليف: آية الله الخميني، المتوفى سنة (1409 هـ).
تقديم: أحمد الفهري.
مؤسسة الوفاء -بيروت- لبنان.
الطبعة الثانية (1402هـ- 1982م).
52- الشيعة بين الحقائق والأوهام.
تأليف: محسن الأمين، المطبعة العاملية -شقراء.
الطبعة الثانية: (1395 هـ- 1975م).
53- الشيعة في الميزان.
تأليف: محمد جواد مغنية، دار الشروق بيروت -لبنان.
54- الشيعة وفنون الإسلام.
تأليف: حسن الصدر. مطبعة الوفاء- صيدا سنة (1331هـ).
حرف الصاد
55- الصافي في تفسير القرآن.
تأليف: محمد بن المرتضى الملقب بالفيض الكاشاني.
منشورات المكتبة الإسلامية -طهران- إيران.
56- الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم.
تأليف: زين الدين علي بن يونس العاملي النباطي، المتوفى سنة (877 هـ)، تصحيح وتعليق: محمد الباقر اليهبودي.
عنيت بنشره المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية- مطبعة الحيدرية الطبعة الأولى (1382هـ).
حرف العين
57- عقائد الإمامية.
تأليف: محمد رضا المظفر عميد كلية الفقه في النجف- ملتزم الطبع والنشر: مرتضى محمد الرضوي مطبعة نور الأمل، الطبعة الثانية (1381 هـ).
58- عقائد الإمامية الإثني عشرية.
تأليف: آية الله إبراهيم الزنجاني، مؤسسة الوفاء -بيروت- لبنان، سنة (1402هـ- 1982م).
حرف الغين
59- الغيبة.
تأليف: محمد بن إبراهيم النعمان المعروف بابن أبي زينب.
منشورات: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات -بيروت- لبنان الطبعة الأولى (1403هـ- 1983م).
حرف الفاء
65- الفروع من الكافي.
تأليف: أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني، المتوفى سنة (328 هـ- هـ).
الناشر: دار الكتب الإسلامية- طهران (1362هـ).
61- فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب.
تأليف: حسين محمد تقي النوري الطبرسي.
62- الفصول المهمة في أصول الأئمة.
تأليف: محمد الحسن الحر العاملي، المتوفى سنة (1104 هـ).
المكتبة والمطبعة الحيدرية في النجف، الطبعة الثانية (1378 هـ).
63- الفهرست.
تأليف: أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، المتوفى سنة (460 هـ).
تصحيح وتعليق: محمد صادق آل بحر العلوم.
منشورات: الشريف الرضى -قم- إيران.
من نشريات: المكتبة المرتضوية ومطبعتها في النجف العراق.
64- فهرست أسماء مصنفي الشيعة.
تأليف: أحمد بن علي بن العباسي النجاشي، المتوفى سنة (450 هـ).
من منشورات: مكتبة الداوزي -قم- إيران.
حرف القاف
65- القواعد الفقهية.
تأليف: ناصر مكارم الشيرازي.
مطبعة الحكمة -قم- إيران، الطبعة الأولى سنة (1392 هـ).
حرف الكاف
66- كشف الغمة في معرفة الأئمة.
تأليف: علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي، المتوفى سنة (693 هـ).
تعليق: هاشم الرسولي.
الناشر: مكتبة بني هاشم -تبريز.
المطبعة العلمية -قم- إيران، سنة (1381 هـ).
67- الكنى والألقاب.
تأليف: عباس القمي.
إنتشارات بيدار قم إيران مطبعة العرفان، صيدا، (1358 هـ).
حرف اللام
68- لسان صدق جواباً لكتاب ميزان الحق في الرد على النصارى.
تأليف: علي البحراني.
مطبعة الموسوعات بباب الخلف- مصر سنة (1319هـ).
حرف الميم
69- مجمع البيان في تفسير القرآن.
تأليف: أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي.
دار إحياء التراث العربي -بيروت- لبنان (1379هـ).
70- مجمع الرجال.
تأليف: زكي الدين المولى عناية الله علي القهباني.
تصحيح وتعليق: ضياء الدين الشهير بالعلامة الأصفهاني.
مؤسسة إسماعليان.
71- مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول.
تأليف: محمد باقر المجلسي، المتوفى سنة (1111 هـ).
تصحيح وإخراج: جعفر الحسين.
الناشر: دار الكتب الإسلامية، طهران -إيران.
الطبعة الثانية سنة (1204هـ).
72- المراجعات.
تأليف: عبد الحسين شرف الدين الموسوي.
تحقيق: حسين علي الرضى، مطبعة حسام.
73- مشارق الشموس الدرية في أحقية مذهب الإخبارية.
تأليف: عدنان علوي، المتوفى سنة (1348هـ).
منشورات: المكتبة العدنانية -البحرين.
الطبعة الأولى سنة (1406هـ- 1986م).
74- معاني الأخبار.
تأليف: أبي جعفر محمد بن الحسين بن بابويه القمي (الصدوق)، المتوفى سنة (381 هـ).
تصحيح: علي أكبر الغفاري.
منشورات: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية -قم- إيران- سنة (1361هـ).
75- مقدمة تفسير مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار.
تأليف: أبي الحسن العاملي النباطي المتوفى سنة (1138هـ)
مطبعة الأقتاب -طهران- إيران- سنة (1374هـ).
76- منار الهدى في النص على إمامة الأئمة الاثني عشر.
تأليف: علي البحراني.
طبع في مطبع كلزارحسني- بمباي- هندي- سنة (1320هـ).
77- مناقب آل أبي طالب.
تأليف: أبي جعفر رشيد الدين محمد بن علي بن شهر آشوب، المازندراني، المتوفى سنة (588هـ).
مؤسسة انتشارات علامة -قم- المطبعة العلمية -قم- إيران.
78- من لا يحضره الفقيه.
تأليف: أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (الصدوق)، المتوفى سنة (381 هـ).
تحقيق وتعليق: حسن الموسوي الخراسان.
الناشر: دار الكتب الإسلامية -طهران- إيران.
الطبعة الخامسة (1390 هـ).
حرف النون
79- نقباء البشر في القرن الرابع عشر.
تأليف: آغا بزرك الطهراني.
الناشر: دار المرتضى للنشر مطبعة سعيد- مشهد- الطبعة الثانية (1404 هـ) إيران.
حرف الواو
80- وسائل الشيعة ومستدركاتها.
تأليف: محمد بن الحسن الحر العاملي.
عني بجمعه محمد بن آية ميرزا مهدي الشيرازي.
دار التقريب بين المذاهب بالقاهرة- مصر، الطبعة الأولى سنة (1377 هـ- 1957م).
 

المصادر والمراجع السنية وغيرها:
حرف الهمزة
1- الإتقان في علوم القرآن.
تأليف: الحافظ جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة (911 هـ).
تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت- لبنان (1408هـ-1988م).
2- إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام.
تأليف: العلامة الحافظ تقي الدين أبي الفتح الشهير بابن دقيق العيد، المتوفى سنة (702 هـ).
الناشر: دار الكتاب العربي -بيروت.
3- أحكام أهل الذمة.
تأليف: العلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، المتوفى سنة (751 هـ).
تحقيق وتعليق: الدكتور صبحي صالح، دار العلم للملايين- بيروت.
4- الأحكام السلطانية.
للماوردي أبي الحسن علي بن حبيب البصري (ت هـ).
شركة مطبعة البابي الحلبي -مصر، الطبعة الثالثة (1393هـ- 1973م).
5- الإحكام في أصول الأحكام.
تأليف: الإمام أبي عبد الله علي بن حزم الأندلسي الظاهري، المتوفى سنة (456 هـ).
حققه وراجعه لجنة من العلماء، الناشر: دار الحديث- القاهرة- مصر.
الطبعة الأولى: (1404هـ- 1984م).
6- الإحكام في أصول الأحكام.
تأليف: علي بن محمد الآمدي.
تعليق: عبد الرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي بيروت- لبنان- الطبعة الثانية (1402 هـ).
7- أحكام القرآن.
تأليف: أبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، المتوفى سنة (543 هـ).
تحقيق: علي محمد البجاوي.
الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت -لبنان.
8- إظهار الحق.
تأليف: رحمت الله بن خليل الرحمان الكيرانوي العثماني الهندي، المتوفى سنة (1308 هـ- 1891م).
دراسة وتحقيق وتعليق: الدكتور محمد أحمد عبد القادر خليل ملكاوي، طبع ونشر: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء -الإدارة العامة للطبع والترجمة -الرياض- المملكة العربية السعودية. (1410هـ-1989م).
9- أسباب النزول.
تأليف: أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي، دار المعرفة -بيروت- لبنان.
10- اعتقادات فرق المسلمين والمشركين.
تأليف: فخر الدين محمد بن عمر الخطيب الرازي، المتوفى سنة (606هـ).
شركة الطباعة الفنية المتحدة الأولى، سنة (1398هـ- 1978م).
11- الأعلام.
تأليف: خير الدين الزركلي -دار العلم للملايين- بيروت- لبنان. الطبعة السادسة (1984 م).
12- أنوار التنزيل، وأسرار التأويل المعروف بتفسير البيضاوي.
تأليف: ناصر الدين أبي الخير عبد الله بن عمر البيضاوي، المتوفى سنة (791 هـ).
مطبعة الحلبي بمصر، الطبعة الثانية (1388 هـ- 1968م).
حرف الباء
13- البحر المحيط.
تأليف: محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي، المتوفى سنة (754 هـ)، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية (1398هـ- 1978م).
14- بدائع الفوائد.
تأليف: العلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، المتوفى سنة (751 هـ).
عني بتصحيحه والتعليق عليه إدارة الطباعة المنيرية.
الناشر: دار الكتاب العربي- بيروت- لبنان.
15- البداية والنهاية.
تأليف: أبي الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي، المتوفى سنة (774 هـ).
دقق أصوله وحققه: جمع من العلماء.
دار الكتب العلمية -بيروت- لبنان- الطبعة الخامسة (1409هـ- 1988م).
16- البرهان في علوم القرآن.
تأليف: بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي.
تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم.
الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت- لبنان.
الطبعة الثانية سنة (1391هـ- 1972م).
17- البينات في الرد على أباطيل المراجعات.
تأليف: محمود الزعبي بدون دار النشر، الطبعة الأولى (1406 هـ- 1986 م).
18- البيان والتحصيل.
تأليف: أبي الوليد بن رشد القرطبي (ت هـ).
تحقيق: د/ محمد حجي -دار الغرب الإسلامي- بيروت- لبنان- ط (1404هـ- 1984م).
حرف التاء
19- التاريخ الكبير.
تأليف: الإمام أبي عبد الله إسماعيل بن إبراهيم البخاري، المتوفى سنة (256 هـ-869 م).
دار الكتب العربية- بيروت- لبنان.
20- تفسير البغوي المسمى معالم التنزيل.
تأليف: أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، المتوفى سنة (516 هـ).
تحقيق: خالد عبد الرحمن العك، دار المعرفة- بيروت- لبنان.
الطبعة الأولى (1406هـ-1986 م).
21- تأويل مختلف الحديث.
تأليف: أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، المتوفى سنة (276 هـ) مطبعة دار الجيل-بيروت- لبنان.
22- تأويل مشكل القرآن له.
شرحه ونشره: أحمد صقر.
دار الكتب العلمية -بيروت- لبنان- الطبعة الثالثة (1401 هـ).
23- تفسير التحرير والتنوير.
تأليف: محمد الطاهر ابن عاشوري، الدار التونسية للنشر (1973م).
24- تفسير القرآن العظيم.
تأليف: الحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي، المتوفى سنة (774 هـ).
مكتبة الدعوة الإسلامية، شباب الأزهر (1400هـ- 1980م).
25- التفسير والمفسرون.
تأليف: الدكتور محمد حسين الذهبي.
مكتبة وهبة -القاهرة- مصر، الطبعة الأولى (1409هـ-1989 م).
26- تقريب التهذيب.
تأليف: الحافظ ابن حجر العسقلاني.
تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف مكتبة المعارف -الرياض.
27- التعليم العام في المملكة العربية السعودية.
تأليف: د/ محمد إبراهيم السلوم - مطابع انترناشنال كرافيكس. واشنطن -الولايات المتحدة الأمريكية- الطبعة الثانية (1411هـ- 1991م).
28- تهذيب السنن، شرح أبي داود.
تأليف: ابن قيم الجوزية، المطبوع مع عون المعبود.
ضبط وتحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت- لبنان، الطبعة الثالثة (1399هـ-1979م).
حرف الجيم
29- جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المعروف بتفسير الطبري.
تأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، المتوفى سنة (310 هـ).
دار الفكر -بيروت- لبنان (1408هـ- 1988 م).
30- الجامع لأحكام القرآن.
تأليف: الإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي.
دار الكتب العلمية -بيروت- لبنان. الطبعة الأولى (1408هـ- 1988م).
31- الجوهر النقي بهامش السنن الكبرى للبيهقي.
تأليف: علاء الدين بن علي المارديني، الشهير بابن التركماني، المتوفى سنة (745 هـ).
إعداد: الدكتور عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة -بيروت- لبنان.
حرف الدال
32- درء تعارض العقل والنقل.
تأليف: شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
تحقيق: الدكتور محمد رشاد، مكتبة ابن تيمية.
الطبعة الأولى: (1401هـ- 1981م).
33- الدر المنثور في التفسير بالمأثور.
تأليف: جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة (911هـ).
دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت- لبنان.
34- دلائل النبوة ومعرفة أصول صاحب الشريعة.
تأليف: أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، المتوفى سنة (458 هـ).
وثق أصوله، وخرج حديثه، وعلق عليه: الدكتور عبد المعطي قلعجي، دار الريان للتراث -القاهرة، دار الكتب العلمية، بيروت -لبنان- الطبعة الأولى (1408هـ- 1988م).
حرف الراء
35- رد مفتريات المبشرين على الإسلام.
تأليف: الدكتور عبد الجليل شلبي.
مكتبة المعارف- الرياض، المملكة العربية السعودية.
الطبعة الثانية (1406 هـ).
36- رسالة في الرد على الرافضة.
تأليف: الشيخ أبي حامد محمد المقدسي، المتوفى سنة (888 هـ).
تحقيق: الأستاذ عبد الوهاب خليل الرحمن.
الناشر: الدار السلفية بومباي الهند. الطبعة الأولى (1403هـ- 1983م).
37- روضة الناظر، وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل مع شرحه نزهة الخاطر العاطر لابن بدران.
تأليف: موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، المتوفى سنة (619 هـ).
مكتبة المعارف -الرياض- المملكة العربية السعودية.
الطبعة الثانية (1404 هـ- 1984م).
حرف الزاي
38- زاد المعاد في هدي خير العباد.
تأليف: ابن القيم الجوزية، المتوفى سنة (751 هـ).
تحقيق وتخريج: شعيب الأرنؤوط- عبد القادر الأرنؤوط.
مكتبة المنار الإسلامية- الكويت. الطبعة الأولى (1399 هـ-1979 م).
حرف السين
39- سنن ابن ماجة.
تأليف: الحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني ابن ماجة، المتوفى سنة (273 هـ).
تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، شركة الطباعة العربية المحدودة -الرياض- الطبعة الأولى (1403هـ- 1983م).
40- سنن أبي داود.
تأليف: الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، المتوفى سنة (275هـ).
إعداد وتعليق: عزت عبيد الدعاس وعادل السيد.
دار الحديث طباعة ونشراً، توزيع: حمص -سوريا- الطبعة الأولى (1393هـ- 1973م).
41- سنن الترمذي.
تأليف: أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة، المتوفى سنة (279 هـ).
تحقيق: أحمد شاكر- دار الفكر.
42- السنن الكبرى.
تأليف: الإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، المتوفى سنة (458هـ).
43- سنن النسائي [المجتبى] للحافظ أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت هـ)، المطبوع مع شرح السيوطي وحاشية السندي.
دار إحياء التراث العربي- بيروت لبنان.
44- سير أعلام النبلاء.
تأليف: شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، المتوفى سنة (748 هـ).
أشرف على تحقيق الكتاب وخرج أحاديثه: شعيب الأرنؤوط.
مؤسسة الرسالة، بيروت- لبنان. الطبعة السابعة (1410هـ- 1990م).
حرف الشين
45- الشفا بتعريف حقوق المصطفى.
تأليف: القاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي، من علماء القرن السادس الهجري، مطبعة الحلبي مصر. الطبعة الأخيرة، 1369هـ.
46- الشيعة والسنة.
تأليف: الأستاذ إحسان إلهي ظهير.
الناشر: إدارة ترجمان السنة -لا هور- باكستان.
47- الشيعة والقرآن.
تأليف: الأستاذ إحسان إلهي ظهير.
الناشر: إدارة ترجمان السنة -لا هور- باكستان.
الطبعة السادسة، (1404 هـ- 1984م).
حرف الصاد
48- الصارم المسلول على شاتم الرسول.
تأليف: شيخ الإسلام ابن تيمية، المتوفى سنة (728 هـ).
تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد.
الناشر: مكتبة تاج بطنطا، مطبعة السعادة مصر.
الطبعة الأولى (1379 هـ).
49- الصحاح تاج اللغة، وصحاح العربية.
تأليف: إسماعيل بن حماد الجوهري.
تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار. مطابع دار الكتاب العربي، مصر، ودار العلم للملايين بيروت- لبنان، الطبعة الثانية (1399هـ- 1979م).
50- صحيح البخاري مع الفتح.
تأليف: الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري.
بترتيب: فؤاد عبد الباقي.
إخراج وتصحيح: محب الدين الخطيب.
وتعليق: الشيخ عبد العزيز بن باز. دار المعرفة بيروت.
51- صحيح مسلم بشرح النووي.
تأليف: الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، المتوفى سنة (261 هـ).
المطبعة المصرية بالأزهر، الطبعة الأولى (1349 هـ- 1930م).
52- الصحيح المسند من أسباب النزول.
تأليف: مقبل بن هادي الوادعي.
مكتبة المعارف الرياض، (1401 هـ-1979 م).
حرف الضاد
53- ضحى الإسلام.
تأليف: أحمد أمين.
الناشر: دار الكتاب العربي- بيروت- لبنان.
الطبعة العاشرة.
حرف الطاء
54- الطبقات الكبرى.
تأليف: محمد بن سعد.
دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت (1405 هـ-1985 م).
حرف العين
55- عارضة الأحوذي لشرح سنن الترمذي.
تأليف: الإمام أبي بكر محمد بن عبد الله، المعروف بابن العربي، المتوفى سنة (543 هـ).
الناشر: دار الكتاب العربي.
56- العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
تأليف: القاضي أبي بكر بن العربي، المتوفى سنة (543 هـ).
تحقيق وتعليق: محب الدين الخطيب.
الناشر: سهيل آلبدطمي -لا هور- باكستان.
الطبعة الثانية (1403 هـ- 1983 م).
57- عون المعبود شرح سنن أبي داود.
تأليف: أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي.
ضبط وتحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان.
دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية (1399 هـ-1979 م)، بيروت- لبنان.
حرف الفاء
58- فتح الباري شرح صحيح البخاري.
تأليف: الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المتوفى سنة (752هـ) دار المعرفة، بيروت- لبنان.
59- الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني.
تأليف: أحمد عبد الرحمن، الشهير بالساعاتي.
مطبعة الإخوان المسلمين الطبعة الأولى.
60- الفرق بين الفِرق.
تأليف: عبد القاهر بن طاهر البغدادي، المتوفى سنة (429 هـ).
تحقيق وتعليق: محمد محيي الدين عبد الحميد.
الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت- لبنان.
61- فصل الخطاب في الرد على مفتريات الأسقف العام للأقباط الأرثوذكسي.
كتبه: الدكتور فتح الرحمن عمر محمد الأستاذ المساعد بكلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة- 25 من ذي الحجة (1402هـ)، غير مطبوع.
62- فصل الخطاب في سلامة القرآن الكريم.
تأليف: الدكتور أحمد السيد الكوفي، والدكتور محمد أحمد يوسف القاسم، طبع بدار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه، الطبعة الثانية.
63- الفصل في الملل والأهواء والنحل.
تأليف: أبي محمد علي بن أحمد المعروف بابن حزم الظاهري، المتوفى سنة (456 هـ).
تحقيق: الدكتور محمد إبراهيم نصر، والدكتور عبد الرحمن عميرة، عكاظ للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى (1402 هـ)، شركة مكتبات.
64- فضائح الباطنية.
تأليف: أبي حامد الغزالي.
تحقيق وتقديم: عبد الرحمن بدوي.
الناشر: الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة (1383 هـ- 1964 م).
65- فضائل القرآن.
تأليف: الحافظ عماد الدين إسماعيل، الشهير بابن كثير، المتوفى سنة (751 هـ)، دار المعرفة -بيروت- لبنان.
حرف القاف
66- القاموس المحيط.
مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي المؤسسة العربية للطباعة والنشر، دار الجيل بيروت -لبنان.
حرف الكاف
67- الكفاية في علم الرواية.
تأليف: الحافظ أبي بكر أحمد بن علي المعروف بالخطيب البغدادي، المتوفى سنة (463 هـ).
تقديم محمد الحافظ التيجاني.
يطلب من دار الكتب الحديثة الطبعة الأولى.
68- الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار.
تأليف: الحافظ أبي بكر بن أبي شيبة، المتوفى سنة (235 هـ).
تحقيق: مختار أحمد الندوي الدار السلفية -الهند.
69- الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل.
تأليف: أبي القاسم جار الله محمد بن عمر الزمخشري، المتوفى سنة (538 هـ)، دار المعرفة -بيروت- لبنان.
70- كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال.
تأليف: علاء الدين علي المتقي حسام الدين الهندي، المتوفى سنة (975 هـ).
ضبطه وفسر غريبه: الشيخ بكري حيان.
منشورات: مكتبة التراث الإسلامي حلب -سوريا.
الطبعة الأولى سنة (1397 هـ- 1977 م).
حرف اللام
71- لباب النقول في أسباب النزول.
تأليف: جلال الدين السيوطي.
دار إحياء العلوم -بيروت- لبنان.
الطبعة الرابعة (1403 هـ- 1983 م).
72- لسان العرب.
تأليف: أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري، دار صادر- بيروت، لبنان.
73- لمعة الاعتقاد.
تأليف: الإمام الموفق ابن قدامة المقدسي.
المكتب الإسلامي- الطبعة الرابعة (1395هـ).
حرف الميم
74- كتاب المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين.
تأليف: الحافظ محمد بن حبان، المتوفى سنة (354 هـ).
تحقيق: محمود إبراهيم زايد.
الناشر: دار الوعي -حلب- سوريا، الطبعة الثانية (1402هـ).
75- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد.
تأليف: نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، المتوفى سنة (807 هـ).
بتحرير الحافظين الجليلين: العراقي- وابن حجر.
دار الكتب العلمية- بيروت لبنان (1408 هـ- 1988 م).
76- المجموع شرح المهذب.
تأليف: أبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي.
تحقيق وتعليق: محمد نجيب المطيعي.
مكتبة الإرشاد -جدة- المملكة العربية السعودية.
77- مجموع الفتاوى.
تأليف: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
مكتبة المعارف -الرباط- المغرب.
78- مختصر التحفة الإثني عشرية.
لشاه عبد العزيز الإمام ولي الله الدهلوي.
تعريب: الشيخ غلام محمد محيي الدين الخطيب.
طبع ونشر: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الإدارة العامة للطبع والترجمة، الرياض- المملكة العربية السعودية (1404 هـ).
79- المدخل لدراسة القرآن الكريم.
تأليف: محمد محمد أبو شهبة.
دار اللواء للنشر والتوزيع، الرياض-المملكة العربية السعودية، الطبعة الثالثة (1407 هـ- 1987 م).
80- مذاهب التفسير الإسلامي.
تأليف: المستشرق أجبنتي جولد تسهر.
تعريب: الدكتور عبد الحليم النجار.
دار اقرأ-بيروت- لبنان الطبعة الثانية (1403 هـ- 1983 م).
81- المستدرك على الصحيحين.
تأليف: الحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري.
82- المستشرقون.
تأليف: نجيب العفيفي.
دار المعارف -القاهرة- الطبعة الرابعة.
83- المسند.
تأليف: الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، المتوفى سنة (241 هـ).
إعداد وتعليق: عزت الدعاس، وعادل السيد.
دار الحديث للطباعة والنشر والتوزيع، حمص-سوريا.
84- كتاب المصاحف.
تأليف: أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان.
دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان.
الطبعة الأولى (1405هـ-1985م).
85- المصنف.
تأليف: الحافظ أبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، المتوفى سنة (211 هـ).
تحقيق: نجيب الرحمن الأعظمي.
توزيع المكتب الإسلامي من منشورات المجلس العلمي.
86- معالم السنن.
تأليف: أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي البستي، المتوفى سنة (388هـ) مطبعة العلمية بحلب، الطبعة الأولى (1352هـ- 1933م).
87- معجم المؤلفين. تراجم مصنفي الكتب العربية.
تأليف: عمر رضا كحالة.
دار إحياء التراث العربي-بيروت.
88- معجم مقاييس اللغة.
تأليف: أحمد بن فارس بن زكريا.
تحقيق وضبط: عبد السلام محمد هارون.
شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
الطبعة الثانية (1390 هـ- 1970 م).
89- مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين.
تأليف: الإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، المتوفى سنة (330هـ).
تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ملتزم النشر والطبع: مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.
الطبعة الثانية (1389 هـ- 1969 م).
90- مقدمة ابن خلدون.
تأليف: عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي.
دار القلم، بيروت- لبنان، الطبعة الخامسة سنة (1984).
91- الملل والنحل.
تأليف: أبي الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني، المتوفى سنة (548 هـ).
تحقيق: محمد سيد كيلاني.
دار المعرفة -بيروت- لبنان.
92- المناظرة الحديثة في علم مقارنة الأديان بين الشيخ ديدات والقسيس سواجرت.
جمع وترتيب: الدكتور أحمد حجازي.
الناشر: السقا، مكتبة زهران للطبع والنشر والتوزيع.
مطبعة دار التضامن- القاهرة.
الطبعة الأولى (1408 هـ- 1988 م).
93- مناهل العرفان في علوم القرآن.
تأليف: محمد عبد العظيم الزرقاني.
دار الفكر، سنة (1408هـ- 1988 م).
94- المنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال.
وهو مختصر منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية، اختصره: الحافظ أبو عبد الله محمد بن عثمان الذهبي، المتوفى سنة (748 هـ).
تحقيق وتعليق: محب الدين الخطيب.
الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
الإدارة العامة للطبع والترجمة- الرياض المملكة العربية السعودية (1409 هـ).
95- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية.
تأليف: شيخ الإسلام أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم، الشهير بابن تيمية، المتوفى سنة (728 هـ).
تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الرياض.
الطبعة الأولى (1406هـ- 1986م).
96- الموافقات في أصول الشريعة.
تأليف: أبي إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشهير بالشاطبي، المتوفى سنة (790هـ).
وقد عني بضطبه: محمد عبد الله دراز.
يطلب من المكتبة التجارية الكبرى، بأول شارع محمد علي بمصر.
دار المعرفة للطباعة والنشر- بيروت.
حرف النون
97- النشر في القراءات العشر.
تأليف: أبي الخير محمد بن محمد الدمشقي، الشهير بابن الجزري، المتوفى سنة (833 هـ).
تصحيح ومراجعة الأستاذ: علي محمد الضباع.
مكتبة الرياض الحديثة -الرياض- المملكة العربية السعودية.
98- نكت الانتصار لنقل القرآن.
تأليف: أبي بكر الباقلاني، المتوفى سنة (403 هـ).
تحقيق: الدكتور محمد زغلول سلام.
الناشر: منشأة المعارف بالإسكندرية،.
99- النهاية في غريب الحديث والأثر.
تأليف: مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري ابن الأثير، المتوفى سنة (606 هـ).
تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي.
الناشر: المكتبة الإسلامية لصاحبها الحاج رياض الشيخ.
100- نواسخ القرآن.
تأليف: جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي، الشهير بابن الجوزي، المتوفى سنة (597 هـ).
تحقيق ودراسة: محمد أشرف علي الملباري.
من مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة- المملكة العربية السعودية. الطبعة الأولى (1404هـ- 1984 م).

الدوريات والنشرات:
1- أنماط التعليم العالي في الوطن العربي.
إعداد: المنظمة العربية للتربية والثقافة.
المركز العربي لبحوث التعليم العالي- دمشق 1406 هـ- 1986م.
2- التضامن الإسلامي، مجلة إسلامية شهرية تصدرها وزارة الحج والأوقاف بمكة المكرمة.
السنة الخامسة والأربعون، شوال 1410هـ- مايو 1990م.
وعدد السنة السادسة والأربعون، ربيع الثاني 1412هـ- أكتوبر 1991م.
3- تقارير مركز المعلومات -الإحصاء- بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، تقرير العام الدراسي 1411هـ.
مطابع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
4- جامعة أم القرى، النشأة والتطور بمناسبة وضع حجر الأساس للمدينة الجامعية بجامعة أم القرى، محرم 1992م.
5- مجلة الرابطة.
عدد 324، السنة 30 رجب 1412هـ يناير 1992م.
6- مجلة وكالة الندوة رحلة الحج بين الأمس واليوم.
وكالة إعلانية تابعة لمؤسسة مكة للطباعة والإعلام.

الفهــرس
موقف الرافضة من القرآن الكريم. 1
مامادو كارامبيري. 1
المقدمة: 2
 أسباب اختياري لهذا الموضوع: 3
 منهجي في هذا البحث: 3
 خطة البحث: 4
التمهيد: 7
 المبحث الأول: تعريف الرافضة وبيان ما ابتدعوه في الإسلام: 7
 الإمامة: 7
 القول بعصمة الأئمة: 7
 القول بالرجعة: 7
 القول بالتقية: 7
 المبحث الثاني: جهود المسلمين في المحافظة على القرآن الكريم تحقيقاً لوعد الله تعالى بحفظه: 7
الباب الأول: موقف الرافضة من نصوص القرآن الكريم: 7
 الفصل الأول: إجماع الرافضة على القول بتحريف القرآن الكريم: 7
 المبحث الأول: إجماع المتقدمين منهم على ذلك وأدلتهم من كتبهم: 7
 المبحث الثاني: استمرار المتأخرين منهم على مذهب من تقدمهم: 7
 المبحث الثالث: رد قول من زعم أن القول بالتحريف مختلف فيه بين الرافضة: 7
 مناقشة موقفهم هذا: 7
 الفصل الثاني: أنواع التحريف المزعوم عندهم في القرآن وأمثلته: 7
 المبحث الأول: زعمهم النقص في القرآن الكريم: 7
 تمهيد: 7
 المطلب الأول: السور التي زعموا أنها حذفت من القرآن الكريم: 7
 الرد: 7
 المطلب الثاني: الآيات التي زعموا أنها حذفت من القرآن الكريم: 7
 المطلب الثالث: الكلمات التي زعموا أنها حذفت من القرآن الكريم: 7
 المبحث الثاني: زعمهم أن في القرآن الكريم تحريفاً بالإبدال وأمثلة ذلك: 7
 المبحث الثالث: زعمهم وقوع التحريف في ترتيب آيات وسور القرآن الكريم وأمثلة ذلك: 7
 الفصل الثالث: شبههم في القول بالتحريف وردها: 7
 الرد: 7
الباب الثاني: موقف الرافضة من معاني القرآن الكريم: 7
 الفصل الأول: اعتمادهم التأويل الباطل تفسيراً للقرآن الكريم وسبب ذلك: 7
 الفصل الثاني: نماذج من تأويلاتهم الباطلة: 7
 المبحث الأول: الآيات التي أولوها بمسألة الإمامة: 7
 الآيات التي أولوها بعصمة أئمتهم: 7
 الآيات التي أولوها بعقيدة الرجعة: 7
 الآيات التي أولوها بالتقية: 7
 المبحث الثاني: الآيات التي أولوها بمن يزعمون أنهم أعداء لهم وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: 7
الباب الثالث ما ترتب على هذين الموقفين من آثار سيئة: 7
 الفصل الأول: عدم الاعتراف بعظمة القرآن الكريم، وأحقيته للتشريع: 7
 المبحث الأول: خرق الإجماع على أن القرآن الكريم محفوظ: 7
 المبحث الثاني: جرح عظمة القرآن الكريم بتقديم مصحف فاطمة رضي الله عنها (المزعوم) عليه: 7
 المبحث الثالث: تقديم أقوال أئمتهم على القرآن الكريم في التشريع: 7
 الفصل الثاني: فتح الباب أمام أعداء الإسلام للطعن في القرآن الكريم: 7
 الفصل الثالث: مخالفة السواد الأعظم من المسلمين في بعض الأحكام الشرعية: 7
 إتيان النساء في أدبارهن: 7
 نكاح المتعة: 7
 نكاح الكتابيات: 7
 فرض الرجلين في الوضوء: 7
 إرث الأنبياء عليهم السلام: 7
الخاتمة: 7
فهرست المصادر والمراجع الشيعية: 7
المصادر والمراجع السنية وغيرها: 7
الدوريات والنشرات: 7
 

([1]) الصحاح للجوهري (3/ 1078)، وانظر: لسان العرب لابن منظور (7/ 157)، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس (2/ 422).
([2]) الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم (ص567).
([3]) مقالات الإسلاميين (1/ 89).
([4]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (13/ 35، 36)، وانظر كذلك: منهاج السنة النبوية له (1/ 35).
([5]) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص77)، وانظر: الملل والنحل للشهرستاني (1/ 155)، ومقدمة ابن خلدون (ص198).
([6]) انظر: مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري (1/ 89)، ومقدمة ابن خلدون (ص197).
([7]) سر من رأى: هي سامراء، مدينة بالعراق بين بغداد وتكريت على شرقي دجلة، وهي من المدن المقدسة لدى الرافضة؛ لأن مهديهم المزعوم الموهوم اختفى هناك بزعمهم وسيخرج هناك أيضاً، وبها قبر إمامهم العاشر والحادي عشر، وهما علي بن محمد والحسن العسكري: انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي (3/ 173- 178).
([8]) انظر: مقالات الإسلاميين (1/ 100، 101، 104، 105)، والفرق بين الفرق للبغدادي (ص62، 63)، والملل والنحل للشهرستاني (1/ 167، 168).
([9]) مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري (1/ 104، 105)، والفرق بين الفرق (ص64، 65)، الملل والنحل للشهرستاني (1/ 169)، وانظر: الشيعة في الميزان لمحمد جواد مغنية (ص34).
([10]) لسان العرب (12/ 24).
([11]) الأحكام السلطانية (ص5).
([12]) مقدمة ابن خلدون (ص191).
([13]) منار الهدى في إثبات النص على أئمة الاثني عشر (ص6)، وانظر: الألفين للحلي (ص2).
([14]) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (4/ 149، 150)، ومقدمة ابن خلدون (ص191- 193)، ومختصر التحفة الإثني عشرية للدهلوي (ص116).
([15]) عقائد الإمامية الإثنا عشرية للزنجاني (3/ 5، 6)، وانظر: الألفين للحلي (ص11، 12، 19، 20)، ومنار الهدى لعلي البحراني (ص9، 72، 73)، والشيعة في الميزان لمحمد جواد مغنية (ص37- 78).
([16]) انظر: لسان العرب لابن منظور (12/ 403، 404)، والقاموس المحيط للفيروزآبادي (4/ 152).
([17]) انظر: منار الهدى لعلي البحراني (ص47، 48).
([18]) معاني الأخبار للصدوق (ص132).
([19]) عقائد الإمامية للمظفر (ص51).
([20]) أي: الصغيرة التي لا يستخف فاعله، فذلك يجوز على الأنبياء قبل النبوة لا بعدها -على حد زعمه- انظر: أوائل المقالات للمفيد (ص69).
([21]) أوائل المقالات للمفيد (ص74).
([22]) الحكومة الإسلامية (ص91)، وانظر: حق اليقين في معرفة أصول الدين، لعبد الله شبر (1/ 90).
([23]) منار الهدى (ص50، 51)، وانظر: شرح عقائد الصدوق للمفيد (ص106).
([24]) انظر: الصحاح للجوهري (3/ 12- 16)، والقاموس المحيط للفيروزآبادي (3/ 28، 29).
([25]) يعني بمن محض الكفر: أهل السنة وغيرهم على عقيدة الشيعة.
([26]) عقائد الإمامية الإثني عشرية (2/ 228).
([27]) إيقاف من الهجعة بالبرهان على الرجعة (ص29، 30).
([28]) انظر: أوائل المقالات المفيد (ص89)، وعقائد الإمامية الإثني عشرية للزنجاني (2/ 239).
([29]) من لا يحضره الفقيه (3/ 291).
([30]) إيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة (ص60، 61)، وانظر كذلك (ص33، 34) من المرجع نفسه.
([31]) حق اليقين في معرفة أصول الدين (2/ 2- 30)، وانظر: عقائد الإمامية الإثني عشرية للزنجاني (2/ 239- 240)، والأنوار النعمانية لنعمة الله الجزائري (2/ 103، 104، 107، 108)، وعقائد الإمامية للمظفر (ص67، 68).
([32]) القاموس المحيط للفيروزآبادي (4/ 303)، ولسان العرب لابن منظور (15/ 402).
([33]) شرح عقائد الصدوق (ص115).
([34]) القواعد الفقهية (3/ 13، 14).
([35]) الشيعة بين الحقائق والأوهام (ص185)، وانظر: رسالة في التقية للخميني (ص174).
([36]) الخصال للصدوق (1/ 22)، وأصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب التقية (2/ 220).
([37]) أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب التقية (2/ 217- 219).
([38]) انظر: رسالة في الرد على الرافضة (ص104، 105).
([39]) أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب (التقية) (2/ 218).
([40]) عقائد الإمامية (ص72).
([41]) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب فضائل القرآن، باب (كان جبريل يعرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم) (9/ 43)، وصحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الفضائل، باب (جوده صلى الله عليه وسلم) (15/ 68، 69).
([42]) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب فضائل القرآن، باب (كان جبريل يعرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم) (9/ 43).
([43]) انظر: فتح الباري للحافظ ابن حجر (9/ 22).
([44]) النشر في القراءات العشر (1/ 6)، وانظر: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (1/ 199- 202).
([45]) انظر: صحيح البخاري مع الفتح، كتاب فضائل القرآن، باب (جمع القرآن) (9/ 10، 11).
([46]) المرجع السابق (9/ 11)، وانظر: فضائل القرآن لابن كثير (ص33).
([47]) (ص15).
([48]) انظر: التعليم في المملكة العربية السعودية لمحمد إبراهيم السلوم (ص46، 94، 117- 119، 146، 147).
([49]) مجلة التضامن الإسلامي، السنة السادسة والأربعين، الجزء العاشر، ربيع الثاني (1412هـ- ص96)، وعدد، السنة الخامسة والأربعين، الجزء الرابع -شوال (1410هـ، ص51).
([50]) تقارير مركز المعلومات والإحصاء بالجامعة الإسلامية، تقرير العام الدراسي (1411هـ، ص10).
جامعة أم القرى النشأة والتطور بمناسبة وضع حجر الأساس للمدينة الجامعية، محرم (1406هـ- سبتمبر 1985م)، (ص29).
وانظر: أنماط التعليم العالي في الوطن العربي، إعداد المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، المركز العربي للبحوث والتعليم العالي -دمشق (1406هـ- 1986م)، (ص58)، وانظر: الأزهر في ألف عام لمحمد عبد المنعم خفاجي (2/ 124)، ومجلة التضامن الإسلامي، السنة السادسة والأربعون، الجزء العاشر، (ربيع الثاني 1412هـ- أكتوبر 1991) (ص66).
([51]) انظر: مجلة الرابطة في عددها (324)، السنة (30 رجب 1412هـ 34، 35)، وانظر كذلك: التضامن الإسلامي، السنة الخامسة والأربعين، الجزء الرابع، شوال (1410هـ- مايو 1990م)، (ص51).
([52]) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب فضائل القرآن، باب (فضل القرآن على سائر الكلام) (9/ 65، 66)، وصحيح مسلم بشرح النووي، كتاب صلاة المسافرين، باب (فضيلة صاحب القرآن) (9/ 73).
([53]) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب فضائل القرآن، باب (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) (9/ 74).
([54]) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب فضائل القرآن، باب (اغتباط صاحب القرآن) (9/ 73).
([55]) صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الذكر، باب (فضل الاجتماع على تلاوة القرآن) (17/ 21، 22)، وكتاب صلاة المسافرين، باب (فضل قراءة القرآن وسورة البقرة) (6/ 89، 90).
([56]) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب فضائل القرآن، باب (استذكار القرآن وتعاهده) (9/ 79)، وصحيح مسلم بشرح النووي، كتاب صلاة المسافرين، باب (فضائل القرآن والأمر بتعاهده) (6/ 75- 77).
([57]) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب فضائل القرآن، باب (استذكار القرآن وتعاهده) (9/ 79)، وصحيح مسلم بشرح النووي، كتاب صلاة المسافرين، باب (فضائل القرآن والأمر بتعاهده) (6/ 75- 77).
([58]) فضائل القرآن لابن كثير (ص135).
([59]) انظر: (ص33) من هذا الكتاب.
([60]) هو ميرزا حسين بن محمد تقي بن علي النوري الطبرسي، المتوفى سنة (1320هـ) قال عنه أغابزرك الطهراني: (إمام أئمة الحديث والرجال في الأعصار المتأخرة، ومن أعاظم علماء الشيعة...) نقباء البشر في القرن الرابع عشر (2/ 543- 555).
وقال عنه عباس القمي: (شيخ الإسلام والمسلمين مروج علوم الأنبياء والمرسلين، الثقة الجليل، والعالم الكامل النبيل المتبحر الخبير، والمحدث الناقد البصير،...) الكنى والألقاب (2/ 404، 405).
([61]) هو محمد بن علي بن بابويه القمي، أبو جعفر، المتوفى سنة (328هـ)، هو من أكابر علماء الرافضة وشيوخهم، صاحب تصانيف كثيرة.
انظر: الفهرست للنجاشي، (ص276، 279)، والفهرست للطوسي، (156، 157)، ومقدمة بحار الأنوار للمجلسي، (ص75، 87).
([62]) هو علي بن الحسين بن موسى، أبو القاسم المرتضى، المتوفي (436هـ)، قال عنه النجاشي: (حاز من العلوم مالم يدانيه فيه أحد في زمانه، وسمع من الحديث فأكثر، وكان متكلماً شاعراً أديباً عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا...) الفهرست للنجاشي، (ص192، 193)، وانظر: رجال الحلي (1/ 137).
([63]) هو محمد بن الحسن بن علي الطوسي، أبو جعفر، المتوفى (460هـ) قال عنه النجاشي: (جليل من أصحابنا، ثقة عين من تلاميذ شيخنا أبو عبد الله (المفيد) له كتب...) الفهرست، (ص287، 288)، وانظر: رجال الحلي (2/ 148).
([64]) هو أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، قال عنه التفرشي: (ثقة، فاضل، دَيَّن، عين من أجلاء هذه الطائفة، له تصانيف حسنة) نقلاً عن جامع الرواة (2/ 4)، وانظر: الكنى والألقاب لعباس القمي (2/ 403، 404).
([65]) فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب، (ص26، 31، 33).