آخر تحديث للموقع :

الثلاثاء 16 صفر 1441هـ الموافق:15 أكتوبر 2019م 10:10:56 بتوقيت مكة
   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة ..
الكاتب : ناصر القفاري
بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
هذا الكتـاب – في الأصل – رسالة علمية تقدَّم بها المؤلف لنيـل درجة الماجستير، وأجيزت بتقدير ممتاز، وقد سجلت بتاريخ 6/7/1398هـ فلا أثر للأحداث التي جرت على الساحة فيما بعد لاختيـاره. وقد آثر مؤلفه أن ينشره كمـا كتبه في حينه من غير تعديل، وهذا ليس تنصلاً من الآراء التي يُضمِنها أو تضمنها سطوره ولكنه تقرير لأمر واقع. كما أنه تأخر في نشره حتى لا تكون مادته وسيلة لتأييد الطغـاة، ولا يفسر ما جاء فيه بأنه يجري في ركب السلاطين.

بسم الله الرحمن الرحيم
 
مقدمـة
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فإن قضية التأليف بين فصائل الأمة، والسعي في إصلاح ذات بينها وجمع شملها على الحق والهدى، ورأب صدعها، والتقريب بين فئاتها المتنازعة من أعظم أصول الإسلام العظيمة، ومن أفضل أبواب الخير والجهاد في سبيل الله.
والأمة لم تؤت من ثغرة مثل ما أُتيت من جانب فرقتها وتنازعها، والصرع بينها. ولقد كان الأعداء هم الذين يؤججون هذا الصراع، ويحصدون نتائجه، والمسلمون لا يحصدون سوى الخيبة والفشل.. إذْ لم يستطع الأعداء أن يحققوا ما يريدون من تبديد الأمة، وتشتيت شملها؛ إلا بعد أن غرسوا فسائل الفتنة والخلاف بينها، وبعد أن أوجدوا أسباب الصراع والنزاع في صفوفها. ولقد كانت محاولاتهم قديمة بدأت في عهد الدولة الإسلامية الأولى بمحاولة التفريق بين الأوس والخزرج بإثارة النعرات القومية، وبعث الأحـقاد التـاريخية. ولكن محاولاتهم باءت بالفشل؛ فما كان للأمة أن تختلف وفيها رسول الله r.
ولقد رأى الأعداء أن كيد الإسلام – كما يقول الإمام ابن حزم – على الحيلة أنجع؛ لأنهم راموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، وفي كل ذلك يظهر الله سبحانه وتعالى الحق، فرأوا أن كيده عن طريق التخطيط والاحتيال والتآمر أجدى؛ فأظهر قوم منهم الإسلام، واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل بيت رسول الله r واستشناع ظلم علي t (في زعمهم) ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن الإسلام([1]).
فخرجت كثير من الطوائف التي تتسمى بالإسلام وليس لها من الإسلام نصيب، ونادت بآراء وعقائد غريبة عن الإسلام وبعيدة عن كتاب الله وسنّة رسوله r. ولقد كان لظهور هذه الأفكار والعقائد والطوائف آثار بعيدة المدى في تفريق الأُمة، وإضعاف شأنها، لأنه (إذا ترك الناس بعض ما أنزل الله، وقعت بينهم العداوة والبغضاء؛ إذ لم يبق هنا حق جامع يشتركون فيه؛ بل }تقطعوا أمرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون{([2]))([3]). وحقق الأعداء ما يريدون، وجنوا ثمرة تآمرهم ضد المسلمين.
وكان أنكى صراع وأطول نزاع.. وأخطر اختلاف: ما حصل بين أهل السنّة والشيعة.. فلقد شهد التاريخ أحداثاً دامية تمثلت في الصراع العنيف الذي دار بين الطائفتين، واستمر قائماً... يزداد أو يخف على اختلاف المراحل التاريخية.. وإلى يومنا هذا، يشتد الصراع ويزداد لهيبه، ويبدو أن الأعداء يريدون أن يستثمروا الخلاف بين أهل السنّة والشيعة، بتوسيع نطاقه، وتأجيج حدته ليحققوا مكاسب أكبر.
 
وقد عرف الأعداء أن فرصتهم لتحقيق مطامعهم وآمالهم الدموية لا تواتيهم إلاّ في جوٍّ تخيم عليه كآبة الفرقة، وتتطاول فيه ألسنة لهيب التصارع، لذلك دأبوا على مواصلة إمداد نيران النزاع بوقود الفتن. وإذا كانت محاولات التأليف بين الفرقاء قد نشطت من قديم فهي الأخرى لم تسلم من كيد الأعداء؛ إذ نجد أن مسألة التقريب والتأليف والوحدة استُغلت لإعطاء الباطل صفة الشرعية.. ومنح الدخيل من الأفكار صفة الأصيل، لتبقى بذور الفتنة وأُسس الخلاف بين الأُمة لتشتعل في أي لحظة يراد لها.
ولا شك أن الإسلام قد رسم للأُمة طريق وحدتها، قال تعالى: }واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا..{([4])، فهو اعتصام بحبل الله واجتماع على هدى الله... وما حصلت الفرقة إلا بالبعد عن هذا "المنهج".
وقد بيّن القرآن الكريم المنهج الذي يلجأ إليه المسلمون عند التنازع والاختلاف، قال تعالى: }فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول{([5])، (قال العلماء: إلى كتاب الله وإلى نبيّه r، فإن قبض فإلى سنّته)([6]). 
وإن نشب صراع وقامت معارك فالله يقول: }وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله{([7]).
لكن هذا "المنهج" خاص بالمسلمين الذين يهتدون بهدى الله، أما من يتسمى بالإسلام وهو ضد الإسلام فإنه يجب كشفه لتعرف الأمة عداوته، ولا يجدي معه سلوك هذا السبيل.
وفي هذا العصر قامت محاولات كثيرة للتقريب بين أهل السّنة والشيعة، كمحاولة جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة وغيرها. وهذه المحاولات مبنيّة على: (أنه لا خلاف بين أهل السنّة والشيعة في شيء من أصول الإيمان، أو أركان الإسلام أو ما عُلم من الدين بالضرورة)([8])؛ وإنما هو خلاف في بعض المسائل الفلسفية والآراء الكلاميّة التي لا صلة لها بأصول العقيدة([9])، أو لا خلاف بينهم أصلاً إلا في بعض مسائل الفروع([10])، والصراع والخلاف بينهما إنما صنعته الأوهام نتيجة العزلة الطويلة بين الطائفتين([11])، وأخذ العدو يؤيد هذا الخلاف ويؤججه، والواقع أنه لا اختلاف بين الطائفتين عند الدراسة والتحقيق: (فمن الممكن أن يتقارب المسلمون فيعلموا أن هناك فرقاً بين العقيدة التي يجب الإيمان بها، وبين المعارف الفكرية التي تختلف فيها الآراء دون أن تمس العقيدة، ويومئذ يهون الأمر فنجتمع على ما نجمع عليه، وإذا اختلفنا لم يكن خلافنا إلا كما يختلف أهل المذاهب الفقهية دون خصام ولا اتهام ودون توجس واسترابة وسوء ظن مما يجعلنا متقاطعين في معاملاتنا ومصاهراتنا وثقافاتنا)([12])، (والقطيعة بين المسلمين أوجدت حجباً كثيفة لا بد لرفعها من دعوة تنظم الجهود، ودعاة مخلصين يبذلون غاية الجهد لتعريف كل طائفة بما عند غيرها..)([13]).
وبناء على هذا "الحكم" – بأنه لا خلاف بين الفريقين – طالب الشيعة باعتبار مذهبهم مذهباً خامساً، وأصدر شلتوت "فتواه" بجواز التعبد بالمذهب الجعفري([14])، ونَشَر الشيعة في ديار السنّة بعض كتبهم الفقهية، ودعا بعض المنتسبين للسنّة برجوع السنّة إلى كتب الشيعة في الحديث كما يرجعون إلى صحيح البخاري وغيره من كتب السنّة، كما قام بعضهم بتحقيق بعض كتب الشيعة في ديار السنّة ونشرها. وقيل وفُعل الكثير في هذا الباب مما يطول وصفه وتسجيله. ولم يحصل شيء من ذلك في ديار الشيعة، وكأن التقصير في مسألة التقريب هو من جانب السنّة.
وكان لا بد من دراسة "مسألة التقريب" دراسة علمية موضوعية توضح الرؤية وتبيّن الطريق.. ليكون التقريب – إن أمكن – على بيّنة ومنهج واضح.. وسبيل راشد.. فإن دعوى عدم وجود خلاف إنما هي أمل يرجوه كل مسلم، ويستبشر بحصوله كل مؤمن، وهؤلاء الدعاة للتقريب يزفون لنا البشرى بأنه لا وجود للخلاف الأساسي أصلاً.
وما قاله علماء الفرق، وأئمة العقيدة والدين.. هو مجرد وهم من الأوهام.
وكما أن الاجتماع والتآلف إنما هو كسب عظيم ونجاح كبير للأمة في حاضرها ومستقبلها، فإن دعوى عدم وجود خلاف أساسي على الرغم من وجوده أمر خطير، لأن هذه "فتوى" وحكم على الضلال والباطل بالإسلام. وهذا باب من أبواب الصد عن دين الله وشرعه؛ لأن أصحاب ذلك الضلال إذا ظنوا أن ما هم عليه من باطل هو الإسلام، ثم رأوا ذلك فاسداً في العقل، شكوا في الإسلام كله.. وذهبوا يبحثون عن «مذاهب وعقائد» أُخرى.. ومن هنا فلا بد أن يكون هذا الحكم قائماً على بيّنة.. لأن التستر على الخلاف لا يؤدي إلى إزالته، بل يؤدي لاستمراره واستفحاله.. ومحاولة المريض إيهام نفسه بالسلامة تجرُّه إلى مدرجة الهلكة، ودس الرؤوس في الرمال تعامياً عن الحقيقة خير من مواجهتها مهما كانت صعبة مرة.. والدين النصيحة، لذا كان خير الطرق معرفة "واقع الأمر" و"حقيقة المشكلة" والبحث عن الحل لذلك.
إنه من الضروري أن تتكاتف جهود الباحثين المخلصين لكشف أسباب الخلاف وأُصوله، وإماطة اللثام عن الباطل الذي حاول المغرضون التلبيس به على الناس، ورفع الستار عن الأعداء.. الذين يزرعون الخلاف ويبغون في الأمة الفرقة والفشل.
لهذا سأحاول في هذه "الدراسة":
التعرف على أُصول الخلاف وأُسسه، ورأي دعاة التقريب في ذلك. وبعد ذلك سأعرض لمحاولات التقريب، والجهود المبذولة لرفع الخلاف مع التقويم لها، ثم أُبيّن هل هناك طريق ناجح لحل الخلاف.
وقد بدأْت الدراسة لـ "مسألة التقريب" بالتعريف بأهل السنّة وبالشيعة، وبيان أُسس الخلاف بينهما ومظاهره، وهذا أمر أساسي في بحث "مسألة التقريب"، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، وكيف نحكم في مسألة التقريب ما لم نعرف السنّة والشيعة؟ وهل نستطيع أن نصل إلى معرفة حقيقية لإمكانية التقريب أو عدمه قبل دراسة أُصول الخلاف بين الاتجاهين؟
فدراسة ذلك ركن أساسي في بحث "مسألة التقريب"، لهذا جعلت ذلك في بابين:
الباب الأول: أهل السنّة. ويشمل: التعريف بأهل السنّة ومصادرهم في تلقي العقيدة، ومجمل عقائدهم التي خالفتها الشيعة؛ أدرس ذلك من خلال كتب أهل السنّة.
وقد يقول قائل: إذا كانت الشيعة تحتاج إلى تعريف.. فهل يحتاج أهل السنّة إلى ذلك؟ وهل من المناسب جعل المتمسك بالحق مساوياً للمخالف المنشق، وجعل "السنّة" معادلة للنزعات التي انشقت عنها؟
وأقول: إن مثل هذا القول قد يقوله "شيعي" أيضاً، فالشيعة يزعمون لأنفسهم أن مذهبهم هو الحق.. وقضية التعريف بالطائفتين، وبيان أُصول الخلاف بينهما لا تعني المعادلة والمساواة بحال، فلكلٍّ وجهة ولكلٍّ عقيدة.. والسنّة بحاجة إلى من يعرف بعقيدتها وبنشرها.. ولا سيما في هذا الزمن الذي استحكمت فيه غربة السنّة واستفحل الكيد لها.
وقد يكون هذا التعريف ليس لأهل السنّة، بل للشيعة الذين يقرؤون عن صورة لأهل السنّة مغايرة للحقيقة.
وقد يكون الحكم بأنه لا خلاف بين السنّة والشيعة بناء على "تصوير خاطئ" لأهل السنّة في كتب الشيعة، فكان لا بد من بيان الحقيقة ولو على سبيل الإيجاز.
وفي الباب الثاني: درست الشيعة؛ بالتعريف بهم، وبيان نشأتهم وأصول فرقهم. ثم خصصت أُصول فرقهم المعاصرة "الإسماعيلية، والزيدية، والاثني عشرية" بالدراسة والتقويم، لأن كل طائفة من هذه الطوائف نادى بعض أتباعها بالتقريب.
وانتهيت إلى اعتماد "الاثني عشرية الرافضة" بالدراسة التفصيلية لأنها استوعبت بمصادرها الثمانية في الحديث معظم آراء فرق الشيعة. كما سيأتي تفصيل ذلك. فضلاً عن أنها تمثل غالبية الشيعة حتى قيل أن مصطلح "الشيعة"، إذا أُطلق فلا ينصرف إلا إليهم.. وأنها هي الفئة التي نشطت في الدعوة للتقريب، وبثت دعاتها ونشرت كتبها، وأقامت بعض المراكز لهذا الغرض.
فدرست عقيدة ”الرافضة“ في أصول الإسلام المتفق عليها بين المسلمين: الكتاب، والسنّة، والإجماع. ثم عقائدها الأخرى التي خالفت فيها أهل السنّة، وهي: الإمامة، والعصمة، والتقية، والرجعة، والغيبة، والبداء، واعتقادهم في الصحابة.
ثم في نهاية هذين البابين بينت ”النتيجة“ لدراستنا لأهل السنّة والشيعة وذلك بالحكم على "مسألة التقريب"، ولم أتوقف عند هذه "النتيجة" بل عقدت باباً كاملاً لآراء دعاة التقريب في أصول الخلاف التي عرضت لها فيما يتصل بمذهب الشيعة، وفيما يتصل بمذهب أهل السنّة. وناقشت ذلك كله، وذلك لنرى هل تغير شيء من أصول الخلاف وأُسسه من خلال دعوة التقريب، بحيث أصبح لا يوجد خلاف بين الفريقين إلا في بعض مسائل الفروع؟ أم أن الأمر غير ذلك؟
لهذا اعتمدت في هذا الباب على آراء المعاصرين كما اعتمدت فيما قبل ذلك – في الغالب – على أحاديثهم عن "معصوميهم" وأقوال علمائهم السابقين.
وفي الباب الرابع: تحدثت في الفصل الأول عن أهم المحاولات القديمة والمعاصرة للتقريب، وقدمت تقويماً موجزاً عن تلك المحاولات، على ضوء الدراسة السابقة.
ثم في الفصل الثاني عقدت مبحثاً بعنوان: "هل من طريق للتقريب؟" عرضنا وناقشت فيه أهم الأقوال، والطرق المتصورة لتحقيق التقريب وإزالة الخلاف، ثم بينت "الرأي المختار" في ذلك.
وفي بداية دراستي تلمست ما أمكنني من وسائل للوصول إلى المصادر الأصيلة للموضوع، والتعرف على حقائقه من أصولها. ولقد لاقيت صعوبات فيما يتصل بالوصول إلى مراجع الشيعة وكتبها المعتبرة، فكان عليَّ أن أسافر لهذا الغرض وغيره. فسافرت إلى مصر حيث "دار التقريب" وتمكنت – بواسطة فضيلة الشيخ عبدالعزيز عيسى وزير الأزهر سابقاً، ومدير مجلة دار التقريب "دراسة الإسلام" ـ من دخول دار التقريب التي كانت موصدة الأبواب، ولا أثر لأي نشاط فيها – إبّان زيارتي لها – وقد أفدت من مكتبتها. ولبثت أتردد عليها أياماً. كما أهدى إليَّ فضيلة الشيخ بعض منشورات الدار مثل "قصة التقريب" و"معالم التقريب" و"دعوة التقريب" كما أعارني كافة مجلدات رسالـة الإسلام "مجلة دار التقريب" البالغة ستة عشر مجلداً، وقد أفدت من ذلك في الحديث عـن محـاولة دار التقريب وتقويمهـا – فـجزى الله عني الشيخ خيراً -.
كما حاولت أن ألتقي ببعض شيوخ مصر الذين عايشوا حركة التقريب سواء كانوا مؤيدين أو معارضين، فكما التقيت بالشيخ عبدالعزيز عيسى مدير مجلة دار التقريب زرت الشيخ محمد حسنين مخلوف – مفتي مصر سابقاً – وهو من المعارضين. وقد أملى عليّ رأيه في ذلك. كما زرت مكتبة الشيخ محب الدين الخطيب الذي كان – رحمه الله – الوجه المعارض بشدة لهذه القضية واطلعت على ما في مكتبته من كتب الشيعة.
كما زرت "الأزهر" و"مجمع البحوث الإسلامية" للإفادة منهما فيما يتصل بموضوعي.
وسافرت إلى الكويت، وزرت بعض الجمعيات الشيعية هناك، وكان لي جلسة طويلة مع مجموعة كبيرة من أعضائها وأهدوا إليّ بعض نشراتهم في هذا المجال، كما زرت بعض مكتبات المساجد الخاصة بالشيعة في الكويت، وكما حصلت على ما يوزعونه من كتب للدعاية لمذهبهم.
ومن الكويت اتجهت إلى العراق، وهناك أفدت كثيراً حيث حصلت واطلعت على طائفة من كتب الشيعة المعتمدة، أمثال كتب: الكليني، والقمي، والحر العاملي، والمجلسي وغيرهم. كما حصلت على صورة مـن النسخة الخـطيّة لكتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب»، وتوفر لدي هناك طائفة من كتابات شيوخ الشيعة ومراجعها المعاصرين، أمدتني بمعلومات مهمة فيما يتصل بالباب الثالث وهو "آراء دعاة التقريب في أسس الخلاف"، كما حصلت على مجموعة من النسخ الخطيّة المصورة لعلماء أهل السنّة مثل: «التحفة الاثني عشرية» - الأصل، وهو في أكثر من ألف صفحة - و«السيوف المشرقة» و«نقض عقائد الشيعة» و«كشف غياهب الظلمات» وغيرها.
كـما زرت أمـاكن تعبُّد الشيعـة في "الـكاظميـة" و"النجف" وغيرهما.
وزرت مكتبة شيخ الشيعة الخالصي الذي يتزعم الدعوة للوحدة الإسلاميـة والـتقيت ببعض أولاده، وأهـدوا إليّ نشرات أبيهم في هذا الموضوع.
ومن العراق سافرت إلى باكستان والتقيت ببعض علماء السنّة المعنيّين بقضية الشيعة في كراتشي، ولاهور، وفيصل آباد. وأخص منهم بالذكر والشكر العلامة محمد عبدالستار([15]) الذي فتح لي مكتبته الخاصة بالشيعة، وأطلعني على الفهرس الخاص الذي وضعه لها والمتضمن لركائز الغلو عند الشيعة ـ والرد عليها من خلال كتبهم، كما أهدى إليّ رسائله في الرد على الشيعة فجزاه الله خيراً ـ.
هذه لمحة عما قمت به في محاولة استكمال المادة العلمية لهذا الموضوع الخطير.
أما الدراسة التحليلية للمصادر فإن ضيق المجال، وتضخم البحث واتساع شعبه، يحول دون استعراضه. وحسبي أن أقول: إنني درست الشيعة من خلال مصادرهم الخاصة بهم والمعتبرة عندهم، وذلك من أجل الوصول إلى تصور سليم عنهم، وفق منهج عادل غير متحامل عليهم ولا متعصب لغيرهم، وهذا هو مقتضى العدل والإنصاف.
والمسلم مأمور بالتزام العدل حتى مع طوائف الكفر وإن وجد في نفسه ما وجد }ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى{([16]) كما أن هذا هو ما يفرضه "المنهج العلمي" وأداء الأمانة على وجهها..
وقد أخذ سلفنا الصالح بمبدأ العدل مع طوائف البدع وغيرها. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: (أهل السنّة يستعملون معهم – يعني الروافض – العدل والإنصاف ولا يظلمونهم، فإن الظلم حرام مطلقاً، بل أهل السنّة لكل طائفة من هؤلاء – يعني طوائف البدع – خير من بعضهم لبعض، بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض. وهذا ما يعترفون هم


به، ويقولون: أنتم تنصفوننا ما لا ينصف بعضنا بعضاً)([17])، وهذا ما تعترف به بعض كتب الشيعة المعتمدة عندهم، جاء في «الكافي» أن أحد الشيعة ـ ويسمى عبدالله بن كيسان ـ قال لإمامهم: (إني.. نشأت في أرض فارس، وإنني أخالط الناس في التجارات وغير ذلك فأُخالط الرجل فأرى له حسن السمت، وحسن الخلق، وكثرة أمانة، ثم أفتشه فأتبينه عن عداوتكم – يعني أنه من أهل السنّة – وأخالط الرجل فأرى منه سوء الخلق، وقلة أمانة، وزعارة([18])، ثم أفتشه فأتبينه عن ولايتكم..)([19]) – يعني من الشيعة -.
ولقد قمت بدراسة للشيعة من خلال كتبها الأساسية، ولم أستق من كتاب لهم إلا وقدمت بين يديه توثيقاً له من كتب الشيعة نفسها، كما أنني أذكر – إن وجدت – ما يراه شيوخهم في «الحديث» الذي يروونه عن معصوميهم؛ ما يرون فيه من الصحة أو الضعف بناءً على مقاييسهم الخاصة بهم في ذلك، وإن كان بعض شيوخهم يوثق كل ما ورد في كتبهم الأربعة عن معصوميهم وهم الذين يسمون بالإخباريين، ولكن كثرة الشيعة وهم الأصوليون لا يعتقدون في صحتها كلها.
والحقيقة أن مسلك التصحيح والتضعيف في كتب الشيعة غير يسير في الغالب، فأنت إذا أردت أن تصحح حديثاً لهم بناءً على دراسة سنده من خلال كتب الرجال عندهم كرجال الكشي، أو تنقيح المقال للممقاني؛ ترى أن فيها ما هو غير مكتمل السند!، وفيها ما لا سند له مطلقاً! مثل كتاب «الاحتجاج»، ومع ذلك هو مقبول وموثق عندهم، وتجد أن منها ما ينقل من كتب لهم معظمها غير موجود ويكتفى بالقول بأن الكتب التي نقل عنها معتبرة عندهم، ومن كتبهم التي سلكت هذا المسلك «البحار» للمجلسي، و«الوسائل» للحر العاملي، وغيرهما.
لهذا اتبعت أُسلوب صحة الحديث في نظرهم إِن وجدت ذلك، أو توثيق الكتاب عندهم، أو بيان أن هذه الروايات متواترة عندهم ببيان عدد أحاديثها ورواياتها في كتبهم وما أُلف بصددها.
كل هذه الطرق استعملناها لتوثيق ما ننقل عنهم، ولعل في سلوكنا لهذا المنهج استجابة لما يطلبون وتحقيقاً لما يرغبون، يقول أحد أعلامهم المعاصرين ـ ويلقبونه بـ «حجة الإسلام»ـ: و«..نصيحتنا لهم – أي لأهل السنّة – ألاّ يكتبوا عن الشيعة بعد اليوم إلا ما يأخذونه عن الشيعة أنفسهم، وليس لهم أن يستقوا أخبارهم من منابع الأغيار الذين كذبوا على الشيعة جهدهم وألصقوا بها من الشنائع ما الله به عليم»([20]).
وإن كان بعض المفكرين قد أخذ بهذه النصيحة وكتب عن الشيعة من خلال كتبهم المعتبرة، ونقد بعض آرائهم نقداً عقليّاً نزيهاً مستنداً إلى نصوصهم المعتمدة، ومع ذلك لم يسلم من غضبهم ونقدهم، وكاد يدفع حياته ثمناً لذلك([21])، هذا وإنني بسلوكي للمنهج السالف الذكر قد لا أُغفل في عرضي مادة الشيعة "وجهة النظر الأخرى" عنهم، ولكن بعد أن أذكر أولاً ما في كتب الشيعة المعتمدة كما قد أفعل ذلك بالنسبة لمادة السنّة، وأظنني بهذا لا أخرج عن المنهج المطلوب.
وقضية التقريب لم أر من كتب عنها بمثل هذا المنهج، ولم أجد من درسها دراسة تحليلية تلتمس وجه الصواب فيها من خلال عرض أصول الفريقين وبطريقة موضوعية بعيدة عن التحيز والانفعـال.. والكتـابـات في هذا الموضوع إما كتب تدعو للتقريب بطريقة عاطفية وأُسلوب معتمد على الجهل أو التجاهل للحقائق القائمة، مثل كتاب «بين السنّة والشيعة» للدكتور سليمان دنيا و«الإسلام بين السنّة والشيعة» لهاشم الدفترادار، ومحمد علي الزعبي.
وإما كتب تتحدث عما في كتب الشيعة من كفر وضلال مثل «الخـطوط العريضة» لمحب الدين الخطيب، و«الوشيعة» للشيخ موسى جار الله، و«السنّة والشيعة» لإحسان إلهي ظهير، و«تبديد الظلام» للأستاذ إبراهيم الجبهان.
أما الدراسة العلمية والموضوعية المتكاملة لهذه المسألة فلم أجد في المكتبة الإسلامية شيئاً منها.
لذا جاءت كتابتي في هذا الموضوع بداية، وكل بداية لا بد فيها من قصور.. ولا سيما في هذا الموضوع الخطير، الذي يتطلب جهوداً جماعية ومدة زمنية طويلة.
ولقد حاولت قدر الإمكان.. أن أسلك المنهج الذي آمل أن يكون منهجاً عادلاً وسليماً.. في نقاش هذه القضية.. ذلك المنهج الذي وضع أيدينا على نقاط مهمة، وكشف لنا عن حقائق خطيرة في مسألة التقريب، لا سيما أن في هذا البحث قضايا جديدة لم تدرس من قبل، مثل: عرض "آراء دعاة التقريب في مسائل الخلاف ومناقشتها" ذلك الذي أخذ من هذه الرسالة الباب الثالث، وكذلك محاولات التقريب وتقويمها في القديم والحديث، وكذلك دراسة الآراء والطرق المتصورة لحل الخلاف، تلك التي لم تنل العناية قبل ذلك. وكانت الدراسة منصبة في هذه المسألة (الأخيرة) على رد شبه الشيعة واستدلالها من كتب السنّة، وكذلك في مبحث عقائد الشيعة عرضنا لمسائل جديدة مثل تصحيح أحاديثهم حسب مقاييسهم الخاصة بهم، ومحاولة حصر الأحاديث الواردة في كل قضية وعقيدة من عقائدهم وما ألف فيها – ما وجدت إلى ذلك سبيلاً – ثم دراسة مسألة السند عند الشيعة، ومتى وضع، والسبب في وضعه، وكشف ما زيد على بعض كتب الشيعة من أحاديث وأبواب، ودراسة أول كتاب ألفه الشيعة، واحتوى على جملة كبيرة من عقائدهم وهو كتاب «سليم بن قيس الهلالي» إلى غير ذلك من المسائل. ولقد تطلب كل ذلك قراءة طويلة في كتب الشيعة.
نسأل الله سبحانه أن يسدد أعمالنا وأقوالنا وأن يهدينا سواء السبيل.
وختاماً أشكر الله سبحانه على ما هيأ لي من خير ويسر لي من أُمور.
"وإنني" لأشكر كل من مدّ لي يد المساعدة في هذا البحث وأدعو الله عزَّ وجلَّ أن يثيبهم ويجزيهم كل خير.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 
 
 
 
 
 
 
 

 
 
 
 
الباب الأول
أهل السنة والجماعة
 
الفصل الأول: التعريف بأهل السنة والجماعة.
الفصل الثاني: مصادرهم في تلقي العقيدة (أصولهم في الاعتقاد).
الفصل الثالث: مجمل لأهم عقائدهم التي شذت عنها (الشيعة).


الفصل الأول
 
التعريف بأهل السنة والجماعة
 
(أ) التعريف بالسنّة:
السُّنَّة بالضم وفتح النون المشددة في اللغة: الطريقة، والسنة: السيرة حميدة كانت أم ذميمة، والجمع سُنن([22]). ومنه قوله r: «من سنَّ في الإسلام سنَّة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنَّة سيئة.. الحديث»([23]).
وتطلق السنَّة ويراد بها: الطريقة المحمودة، فقد جاء في اللسان: (السنة: الطريقة المحمودة المستقيمة؛ ولذلك قيل فلان من أهل السنة معناه: من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة)([24]).
والسنة في الشرع تطلق على عدة معان:
 
 
 
 
تطلق على سيرة الرسول r، يقول ابن فارس([25]): (وسنة رسول الله r وسيرته)([26]).
وتطلق في اصطلاح المحدثين على (ما جاء عن النبي r من أقواله وأفعاله وتقريره وما همَّ بفعله)([27]).
وللسنّة عند الأصوليين اصطلاح([28])، وعند الفقهاء اصطلاح...([29]).
ومرد هذا الاختلاف في الاصطلاح إلى اختلاف الأغراض والتخصصات التي تعني بها كل فئة من أهل العلم.
ولا يعنينا تتبع جميع تلك الاصطلاحات، إنما يعنينا أن نعرف بمصطلح «السنة» أو «أهل السنة» كدلالة على اتجاه معين في الاعتقاد.
يقول ابن رجب([30]) – رحمه الله -: (السنة: طريقة النبي r التي كان عليها هو وأصحابه السالمة من الشبهات والشهوات، ثم صار معنى السنة في عرف كثير من العلماء المتأخرين([31]) من أهل الحديث وغيرهم: عبارة عما سلم من الشبهات في الاعتقادات خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكذلك في مسائل القدر وفضائل الصحابة، وصنفوا في هذا العلم تصانيف وسموها كتب السنة([32])، وإنما خصوا هذا العلم باسم السنة لأن خطره عظيم، والمخالف فيه على شفا هلكة)([33]).
وكذا قال الألوسي([34]) – رحمه الله -: (السنة في الأصل تقع على ما كان عليه رسول الله r، وما سنه أو أمر به من أصول الدين وفروعه حتى الهَدْي والسمت، ثم خصت في بعض الإطلاقات بما كان عليه أهل السنة من إثبات الأسماء والصفات خلافاً للجهمية المعطلة النفاة، وخصت بإثبات القدر ونفي الجبر خلافاً للقدرية النفاة وللقدرية الجبرية العصاة.
وتطلق – أيضاً – على ما كان عليه السلف الصالح في مسائل الإمامة والتفضيل، والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله r. وهذا من إطلاق الاسم على بعض مسمياته؛ لأنهم يريدون بمثل هذا الإطلاق التنبيه على أن المسمى ركن أعظم وشرط أكبر كقوله r: «الحج عرفة»([35]) أو لأنه الوصف الفارق بينهم وبين غيرهم، لذلك سمى العلماء كتبهم في هذه الأصول كتب السنة)([36]).
وأهل السنة: هم المتبعون للسنة المتمسكون بها، وهم: الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. يقول ابن حزم([37]): (وأهل السنة.. أهل الحق، ومن عـداهم فأهل البدعـة([38])؛ فإنهم الصحابة y ومن سلك نهجهم من خيار التابعين – رحمة الله عليهم -، ثم أصحاب الحديث ومن اتبعهم من الفقهـاء جيلـاً فجيلاً إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العـوام في شرق الأرض وغربهـا – رحمة الله عليهم-)([39]).
=
والسبب في تسميتهم بأهل السنة هو كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية([40]):
(وإنما سموا أهل السنة لاتباعهم سنته r)([41]).
وكذلك يرجع أبو المظفر الإسفراييني([42]) سبب تسميتهم بأهل السنة إلى: اتباعهم لسنة الرسول r، فيقول: (وليس في فرق الأمة أكثر متابعة لأخبار الرسول r، وأكثر تبعاً لسنته من هؤلاء؛ ولهذا سُمّوا بأهل السنة.
=
ثم قال لما سئل الرسول r عن الفرقة الناجية قال: «ما أنا عليه وأصحابي»([43]). وهذه الصفة تقررت لأهل السنة، لأنهم ينقلون الأخبار والآثار عن الرسول r والصحابة y، ولا يدخل في تلك الجملة من يطعن في الصحابة من الخوارج والروافض)([44]).
(ب) ويطلق على أهل السنة: الجماعة([45]):
=
فيقال: أهل السنة والجماعة، وقد ورد تفسير الجماعة في بعض الأحاديث بأنها: جماعة المسلمين التي هي على مثل ما كان عليه رسول الله r وأصحابه؛ ففي حديث حذيفة بن اليمان t أن رسول الله r قال: «... تلزم جماعة المسلمين وإمامهم... الحديث»([46]) فبيّن أن المراد بالجماعة: جماعة المسلمين([47]). وعن عبدالله بن عمرو – رضي الله عنهما- قال: قال رسول r الله حينما سئل عن الفرقة الناجيـة من هي؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي»([48]). وقد ورد عن ابن مسعود t موقوفاً تفسير لمفهوم الجماعة حيث قال: «...الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك»([49]). ويأخذ أبو شامة([50]) بهذا التفسير ويؤكده، فيقول: (حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلاً، والمخالف له كثيراً، لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي r وأصحابه، ولا نظرة إلى كثرة أهل الباطل بعدهم)([51]).
فالجماعة – هنا – تعني موافقة الحق.
=
ومن الملاحظ أن (لفظ السنة في كلام السلف يتناول السنة في العبادات وفي الاعتقادات)([52])، ثم خص بقضايا العقيدة ولا سيما المسائل التي خالف فيها


أهل البدع كما سبق. كذلك نجد لفظ الجماعة يعني: حسب ما جاء عن ابن مسعود – موافقة الحق على وجه العموم، ثم نراه يخصص بمسائل العقيدة التي انحرف عنها المبتدعة؛ فنجد الإمام أبا حنيفة يعرف الجماعة على هذا الوجه؛ فيقول – رحمه الله -: (الجماعة: أن تفضل أبا بكر وعمر، وعليّاً، وعثمان([53])، ولا تنتقص أحداً من أصحاب رسول الله r ولا تكفر الناس بالذنوب وتصلي على من يقول لا إله إلا الله وخلف من قال: لا إله إلا الله، وتمسح على الخفين..)([54]). ونجد فيما بين أيدينا من مصادر عدة تعاريف للجماعة تعرف بها من خلال بعض مبادئها وأصولها، فكما عرف أبو حنيفة الجماعة ببعض أصولها نجد شيخ الإسلام ابن تيمية يجعل الالتزام بمصادر أهل السنة في التلقي هو الفيصل بين أهل السنة والجماعة ومن عداهم، فيقول: (فمن قال بالكتاب والسنّة والإجماع كان من أهل السنّة والجماعة)([55]) ويقول: (لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة... وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال.. مما له تعلق بالدين)([56]).
 
ولما كان من "أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة.. بخلاف أهل الأهواء الذين يرون القتال للأئمة من أصول دينهم"([57]). نجد من يفسر الجماعة بأنها جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير([58]). وبهذا المعنى روى الطبري بسنده أن عمرو بن حريث سأل سعيد بن زيد قال: «فمتى بويع أبو بكر؟ قال: يوم مات رسول الله r؛ كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة»([59]).
ومن أصول أهل السنّة الاعتصام بحبل الله جميعاً، وعدم التفرق والتنازع، وفي المعنى روى البخاري عن عليٍّ t قال: «اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف حتى يكون الناس جماعة»([60]).
قال ابن حجر([61]): قوله «فإني أكره الاختلاف» أي: الذي يؤدي إلى النزاع. قال ابن التين: يعني مخالفة أبي بكر وعمر، وقال غيره: المراد المخالفة التي تؤدي إلى النزاع والفتنة، ويؤيده قوله بعد ذلك «حتى يكون الناس جماعة»([62]).
وبهذا المعنى سمي العام الذي تنازل فيه الحسن لمعاوية – رضي الله عنهما – عام "الجماعة"، قال ابن بطال([63]) سلم الحسن لمعاوية الأمر وبايعه على إقامة كتاب الله وسنة نبيه ودخل معاوية الكوفة وبايعه الناس، فسميت سنة الجماعة لاجتماع الناس وانقطاع الحرب([64]).
أما سبب تسمية أهل السنّة بالجماعة، فيرى عبدالقاهر البغدادي([65]) – رحمه الله – أن "أهل السنّة لا يكفر بعضهم بعضاً، وليس بينهم خلاف يوجب التبرؤ والتكفير، فهم إذاً أهل الجماعة القائمون بالحق والله تعالى يحفظ الحق وأهله، فلا يقعون في تنابذ وتناقض، وليس فريق من فرق المخالفين إلا وفيهم تكفير بعضهم لبعض وتبرؤ بعضهم من بعض كالخوارج والروافض والقدرية؛ حتى اجتمع سبعة منهم في مجلس واحد فافترقوا عن تكفير بعضهم بعضاً.."([66]).
ويقول ابن تيمية – كما مر -: (وسموا أهل الجماعة لأن الجماعة هي الاجتماع، وضدها الفرقة، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسماً لنفس القوم المجتمعين؛ و"الإجماع" هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين. وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة ـ يعني الكتاب والسنّة والإجماع ـ جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال.. مما له تعلق بالدين)([67]).
فابن تيمية – هنا – يلحظ في التسمية بالجماعة معنى الاجتماع، وعدم الفرقة، وأن الإجماع أصل من أصول أهل السنّة، وأنهم اجتمعوا على كتاب الله وسنّة رسوله r، وما أجمع عليه السلف الصالح، وبهذه الأصول يزنون ما عليه الناس.
وملخص القول:
أن الجماعة تعني الحق من الاعتقاد أو أصحاب الاعتقاد الحق، وقد يعبر عن معنى الجماعة بأصل من أصولها([68])؛ - كما رأينا – فهي بهذا توافق السنة، وعلى هذا يمكن أن يقال: أن لفظ السنّة والجماعة إذا افترقا اجتمعا في المعنى، وإذا اجتمعا افترقا؛ فإذا افترقا بأن ذكر أحدهما فقط دخل فيه الآخر، وصار معناهما واحداً، ولهذا كثيراً ما يستخدم لفظ «أهل السنة» فقط ويؤدي الدلالة والتعريف للفظين. أما إذا ذكرا معاً افترقا وصار لكـل واحد منهما معنى يخصه، يفسر ذلك شارح الطحاوية([69]) – رحمه الله – بقولـه: (السنّة: طريقة الرسول r، والجماعة: جماعة المسلمين، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين)([70]).
فعلى هذا تأخذ السنّة معنى الاعتقاد الحق – كما هو مصطلح المتأخرين – أو الاتجاه الحق في الاعتقاد وغيره – كما هو مفهوم السنّة عند السلف – وتأخذ الجماعة معنى أصحاب ذلك الاعتقاد أو الاتجاه الصحيح.
وعلى العموم فإن لفظ «أهل السنة والجماعة» يعطي المعنى والتعريف لأصحاب ذلك الاتجاه بلا فصل بين اللفظين في المعنى، حتى أصبح كأنه مصطلح واحد، فقد صار مصطلحاً شائعاً يؤدي المعنى بغير بحث تفصيلي عن معنى الكلمتين، كما أنه قد يكتفى بأحد اللفظين فيؤدي المعنى بانفراد([71])، وإنما حللنا هذين المصطلحين لأن ذلك من متطلبات وضرورات البحث – ولهذا نجد كثيراً من أصحاب المقالات والفرق لا يعرفون به لشيوعه وذيوعه، ولهذا لما سئل الإمام مالك – رحمه الله – عن السنّة قال: (هي ما لا اسم له غير السنّة، وتلا: }وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله...الآية{([72]))([73]).
ولما سئل – أيضاً – عن أهل السنة قال: (أهل السنّة الذين ليس لهم لقب يعرفون به؛ لا جهمي ولا قدري ولا رافضي)([74]). فأهل السنّة ليس لهم لقب يعرفون به لأنهم الأصل الذي انشق عنه كل المخالفين، والمخالف هو الذي سرعان ما يشتهر ببدعته حينما يتنكب السبيل، والأصل لا يحتاج إلى سمة خاصة تميزه؛ إنما الذي يحتاج لاسم هو الفرع المنشق، وأهل السنّة هم أصحاب الطريق الوسط السائرون على الصراط المستقيم المخالفون لأهل البدع([75]).
(ج) نشأة اسم أهل السنة والجماعة:
وأعني بالنشأة: بداية التمييز باسم السنّة والجماعة، كدلالة على اتجاه


معين، واعتقاد متميز..
=
يقـول شيخ الإسلام ابـن تيمية: (وطريقتهم – أي أهـل السنّة – هي دين الإسلام، لكـن لمـا أخبر النبـي r: أن أمته ستفترق على ثـلاث وسبعين فرقـة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة([76]). صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنّة والجماعة([77]).. فهذا يدل على أن التميز باسم أهل السنّة والجماعة حصل لما حدث الافتراق الذي أخبر عنه النبي r، لأنه قبل ذلك الافتراق لم يكن قد ظهر شيء من تلك المصطلحات: التسنن أو التشيع.. كان الإسلام والمسلمون هو الاسم والمسمى: }إن الدين عند الله
=
الإسلام.. الآية{([78]).
أما تحديد بداية هذا التميز، فيرى – بحق – الدكتور مصطفى حلمي أن أصول التاريخ الإسلامي لم تعين السَّنة التي ظهر فيها هذا المصطلح([79]).
(كان المسلمون على ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول، فلما قتل عثمان بن عفان – رضي الله تعالى عنه وأرضاه – ووقعت الفتنة فاقتتل المسلمون بصفين، مرقت المارقة([80]) التي قال النبي r: «تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق»([81]). وكان مروقها لما حكم الحكمان وافترق الناس على غير اتفاق)([82]).
وهذا أول صدع في وحدة العقيدة في الجماعة المسلمة، فقد كانت الجماعة محافظة على وحدتها في العقيدة، فحركة الخوارج تعتبر أقدم انشقاق ديني حدث في صفوفـهـا([83]). ثـم حـدث بعد بـدعـة الخوارج بـدعـة الـتشيـع([84]) كالغلاة المدعين الألوهية في علي، والمدعين النص على علي t، السابين لأبي بكر وعمر – رضي الله عنهما – فعاقب أمير المؤمنين علي – رضي الله تعالى عنه – الطائفتين "الخوارج ومبتدعة التشيع"، قاتل المارقين، وأمر بإحراق أولئك الذين ادعوا فيه الألوهية([85]).
وأما السبابة الذين يسبون أبا بكر وعمر، فإن عليّاً لما بلغه ذلك طلب ابن السوداء([86]) الذي بلغه ذلك عنه، وقيل: إنه أراد قتله فهرب منه..
وأما المفضلة الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر، فروي عنه أنه قال: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري. وقد تواتر عنه أنه كان يقول على منبر الكوفة: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر» وروي هذا عنه من ثمانين وجهاً([87])، فهاتان البدعتان: بدعة الخوارج والشيعة حدثتا في ذلك الوقت لما وقعت الفتنة([88]).
ولا شك أن هذا الابتداع لم يؤثر – في البداية – في الغالبية العظمى والقاعدة العريضة من المسلمين؛ وهم من التزم بسنّة رسول الله r ولزم الجماعة.. «أهل السنّة والجماعة»، فلم يكونوا بحاجة في بادئ الأمر إلى التميز؛ ذلك أنهم الأصل الذي انشق عنه المخالفون، والأصل ليس بحاجة إلى ما يميزه؛ إنما الذي يحتاج لاسم هو الفرع المنشق الذي سرعان ما يشتهر ببدعته حينما يتنكب السبيل، وقد مر بنا قول الإمام مالك – رحمه الله – حينما سئل عن أهل السنة فأجاب: (أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي، ولا قدري، ولا رافضي).
من هنا نوافق الدكتور مصطفى حلمي في قوله: (إن أهل السنّة والجماعة هم الامتداد الطَبِعيّ للمسلمين الأوائل الذين تركهم رسول الله r وهو عنهم راض، ولا نستطيع أن نحدد لهم بداية نقف عندها كما نفعل مع باقي الفرق، والسؤال عن نشأة أهل السّنة والجماعة ليس له موضع، كما هو الحال إذا تساءلنا عن منشأ الفرق الأخرى)([89]).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومذهب أهل السنّة والجماعة مذهب قديم معروف قبل أن يخلق الله أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأحمد، فإنه مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم، ومن خالف ذلك كان مبتدعاً عند أهل السنّة والجماعة.. وأحمد بن حنبل وإن كان قد اشتهر بإمامة السنّة.. فليس ذلك لأنه انفرد بقول أو ابتدع قولاً؛ بل إن السنّة كانت موجودة معروفة قبله علمها ودعا إليها، وصبر على من امتحنه ليفارقها، وكان الأئمة قبله قد ماتوا قبل المحنة.. وثبت الإمام أحمد بن حنبل على ذلك الأمر([90]) فصار إماماً من أئمة السنّة، وعلماً من أعلامها، لقيامه بإعلامها وإظهارها، واطلاعه على نصوصها وآثارها، وبيانه لخفي أسرارها، لا لأنه أحدث مقالة أو ابتدع رأياً)([91]).
=
ولهذا نرى الإمام اللالكائي([92]) – رحمه الله – يفتتح كتابه القيّم: «شرح أو حجج أُصول اعتقاد أهل السنّة»([93]) بذكر أئمة السنّة الذين ترسموا بالإمامة بعد رسول الله r، فيبدأ بذكر أبي بكر والخلفاء الثلاثة بعده، وبقية أئمة العلم والدين من الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى زمنه – رحمه الله -، وقد ذكر كثيراً من أئمة أهل السنّة في معظم الأمصار الإسلامية([94])، وكذلك نرى البغدادي وهو يشير إلى مواجهة أهل السنّة لطلائع البدع يبتدئ بذكر أئمة السنّة من الصحابة والتابعين لهم ممن واجه الابتداع ”لحدوثه في حياته‘‘([95]) فيقول: (فأول متكلميهم من الصحابة عليّ بن أبي طالب – كرّم الله وجهه – حيث ناظر الخوارج في مسائل الوعد والوعيد، وناظر القدرية في المشيئة والاستطاعة والقدر، ثم عبدالله بن عمر رضي الله عنهما حيث تبرأ من معبد الجهني([96]) في نفيه القدر، ثم يتدرج البغدادي من عبدالله بن عمر إلى عمر بن عبدالعزيز فزيد بن علي وكذلك الشعبي والزهري، ومن بعد هذه الطبقة جعفر بن محمد "الصادق" ويذكر أن له كتاب «الرد على القدرية»، وكتاب «الرد على الخوارج» و«رسالة في الرد على الغلاة من الروافض»)([97]).
من هنا نقول أن السؤال عن نشأة مذهب أهل السنّة كما يُسأل عن نشأة سائر الفرق لا مكان له، لأن مذهبهم هو مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم، لكن السؤال ينبغي أن يتوجه إلى "بداية التسمي بذلك الاسم". "لا نشأة المسمى" وهو المذهب وأهله، ومن الخطأ الخلط في ذلك.
=
إن الأصل في التسمي بأهل السنّة هو ما ورد من النصوص التي تأمر باتباع السنّة، ولزوم الجماعة، فالتسمية مأثورة في السنّة وواردة في كلام السلف، إنما قصدنا ببداية التسمي هو متى بدأ إطلاق هذه التسمية على الاتجاه المتبع للسنّة والملتزم للجماعة، وهو مبحث ليس ذا أهمية كبيرة وإنما طرقناه لأنه كثيراً ما يخلط بين الحديث عن بداية التسمية ونشأة المسمى "وهو المذهب أو أهله"، وحتى رأينا من يتحدث عن السنّة كأنها فرقة أو طائفة طارئة في الإسلام([98])، كسائر الفرق الأُخرى التي انشقت عنها.
فكان من الضروري بيان هذا الأمر وتوضيحه.
وسنرى الآن في عرضنا للآراء في نشأة التسمية شيئاً من قصور في الرؤية وغبش في التصور حيال هذه المسألة.
(1) فمن أغرب الآراء في بداية التسمية رأي للدكتور مصطفى الشكعة يزعم فيه أن (تسمية جمهرة المسلمين بأهل السنّة تسمية متأخرة، يرجع تاريخها إلى حوالي القرن السابع الهجري ـ أي بعد الإمام أحمد بأربعة قرون ـ)([99]).
وهو يطلق هذا القول ولا يقدم ما يؤيده، وهذا كاف في عدم الاعتداد به، ومعلومات الوثائق والنصوص المأثورة تدل على خلاف هذا الرأي، وأن نظرة لأسماء الكتب التي كتبها علماء السلف من أهل القرن الثالث والرابع التي سموها باسم "السنة"([100]) لكافية في الدلالة على أن التسمية بأهل السنّة كانت مستفيضة في ذلك الزمن المتقدم وقبله كما سنرى.
ونجد ما يدل على أن التسمية بأهل السنّة شائعة في العصور الأولى بعد بدء الفتنة واستفحال شأن المبتدعة؛ ومن ذلك قول محمد بن سيرين([101]): لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنّة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم([102]).
فهذا يدل على أن الفتنة في عهد عثمان رضي الله عنه كانت بداية التميز بين أهل السنّة وغيرهم.
 ويصور لنا معنى هذا التميز ما رواه ابن جرير الطبري عن مصعب بن عبدالله الزبير أن أباه عبدالله بن مصعب أخبره أن الرشيد قال له: ما تقول في الذين طعنوا على عثمان؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين طعن عليه ناس وكان معه ناس، فأما الذين طعنوا عليه فتفرقوا عنه وهم أنواع الشيع وأهل البدع وأنواع الخوارج، وأما الذين كانوا معه فهم أهل الجـماعة الـيوم، فـقال لي – أي الـرشيد –: ما أحتاج أن أسأل بعد هذا اليوم عن هذا([103]).
 
(2) ويقابل رأي "الشكعة" ما يذهب إليه د. محمد عبدالحميد مرسي من القول بأنه (قد أصبح لفظ السنّة والجماعة مصطلحاً فنّياً "هكذا!" شاع، استعماله من عهد الصحابة إلى أن اختص به الأئمة الأربعة؛ أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد)([104]).
ولم يذكر ما اعتمد عليه في هذا القول، وأرى أنه إن كان يعني بهذا الرأي "ظهور اسم السنّة والجماعة" فهذا معروف لأنه مأثور في السنّة وفي كلام السلف – كما بينا – وإن كان يعني به بداية التسمي والتميز بهذا الاسم فهذا – فيما أرى – لا يصح على إطلاقه، بل ينبغي أن يقيد بوقت بدء الفتنة وظهور شأن المبتدعة.
(3) ويذكر أمير علي([105]): أن (اسم أهل السنّة والجماعة إنما عرف في عهد المنصور العباسي والرشيد)([106]).
وكما قلنا فإن الاسم معروف ومشهور، فالأمر بالتمسك بالسنّة وبالجماعة قد وردت به النصوص ولكن بداية إطلاق التسمية على الاتجاه غير المبتدع؛ هذا إنما هو موضع البحث.
ولم يذكر أمير علي عمدته فيما ذهب إليه.. وقد بينّا أن بداية التميز كانت قبل ذلك.
لكن إذا حمل هذا الرأي على أنه في تلك الفترة كان هناك وضوح التميز واشتهار التسمي لاستفحال البدعة وبروز شأن المبتدعة أكثر من ذي قبل فهذا واقع، لأن (السنة – كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – كانت قبل دولة بني العباس أظهر منها وأقوى في دولة بني العباس، فإن دولة بني العباس دخل فيها كثير من الشيعة وغيرهم من أهل البدع)([107]).
وهكذا فإنه كلما هبت "أعاصير" البدع تجلى "التميز" للسنّة بجهود أئمة السنّة في المنافحة عنها، ومن الأمثلة على ذلك ما وقع في عهد المأمون ولعل الرسالة التي بعث بها المأمون([108]) إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي ابن عم طاهر بن الحسين في مسألة خلق القرآن وامتحان العلماء في ذلك – لعل تلك الرسالة تمثل ما نشير إليه؛ فقد جاء فيها قول المأمون عن الإمام أحمد ومن تبعه: (.. ونسبوا أنفسهم إلى السنّة أهل الحق والجماعة..) وقد جاء في هذه الرسالة ما يفيد أن المنتمين للسنّة يمثلون الجمهور الأعظم والسواد الأكبر وهو قوله: (وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية... إلخ)([109]).
=
فهذه المرحلة التي استعملت فيها "البدعة" ظهر فيها أمر السنّة للدور العظيم الذي قام به الإمام أحمد، ومن يقرأ تاريخ تلك المرحلة يظن أن بداية التسمي بالسنّة كان من تلك "الحقبة" والأمر خلاف ذلك، حتى ذهب بعضهم إلى القول بأن بداية التسمي بالسنّة كانت على يد أبي الحسن الأشعري([110]) وهو خلاف الواقع، ولكن ظهور أثر أبي الحسن الأشعري – في نظره – أعطى هذه الدلالة..
ولا شك أن التأمل العقلي – أيضاً – يرشدنا إلى أن بداية التسمية كانت عند استفحال أمر البدعة وازدياد خطر الفرقة، وحينذاك بدأ أئمة السنّة يواجهون البدعة بالدعوة إلى السنّة ويجابهون الفرقة بالالتزام بالجماعة. وتبيّن من التزم بالسنّة والجماعة ومن ضلت به السبل، وهذا مصداق ما جاء في حديث افتراق الأمة الذي صدّرنا به هذا المبحث([111]).
 
=

 


الفصل الثاني
 
مصادر أهل السنة في تلقي العقيدة
 
سنتناول في هذا المبحث جانبين:
الأول: الإشارة إلى مصادر أهل السنة في اعتقادهم([112]).
الثاني: كشف المصادر المنسوبة لأهل السنّة وهي ليست كذلك، وتعرية مسالك الروافض في استدلالهم من طريق السنّة([113]).

أولاً: مصادر أهل السنة:
قال الإمام البيهقي:([114]) (فأما أهل السنّة فمعولهم فيما يعتقدون الكتاب والسنّة) وقدوتهم العملية صحابة رسول الله r، قال الإمام أحمد: (أصول السنّة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله r والاقتداء بهم وترك البدع)([115]).
وكثير من طوائف البدع يدعون الرجوع إلى الكتاب والسنّة لكن الادعاء غير الواقع ذلك أنهم اختلقوا كثيراً من الأحاديث فسَّروا في ضوئها كتاب الله.. وتأولوا كثيراً من آيات الله على غير وجهها، فنتج عن تفسيرهم المنحرف وتأويلهم المتعسف قرآن آخر غير الذي في أيدي المسلمين.
وبعض أهل البدع يركن في تلقي عقيدته إلى العقل ولا يعول على النصوص أو يلتفت إليها([116]).
وتنفرد طائفة الشيعة بأنها تتلقى السنّة من أئمة مع الرسول r، فالسنّة عندهم هي قول ”المعصوم“، والمعصوم ليس رسول الله r فحسب ـ كما هو اعتقاد أهل السنّة ـ بل ادعوا العصمة لآخرين تختلف أعدادهم وأعيانهم باختلاف الفرق الشيعية.
أما أهل السنّة فالمصدر الأول في التلقي عندهم هو كتاب الله، وقد أجمعوا على حفظ الله له من النقص والزيادة والتحريف على ما هو صريح قول الله تعالى: ]إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون[([117]) – وسيأتي لهذا تفصيل – وسلكوا في تفسير كتاب الله المسلك الشرعي وابتعدوا عن التأويلات البعيدة.. والتكلفات الغريبة على ما لا تسيغه بلاغة القرآن وأسرار الشريعة ولغة العرب.
وقالوا: (وأحسن الطرق في التفسير تفسير القرآن بالقرآن، وإلا فبالسنّة، وإلا فبالصحيح من أقوال الصحابة، وإلا فبما أجمع التابعون عليه)([118]).
وحذروا من قبول المرويات الضعيفة في التفسير فقالوا: (يجب الحذر من الضعيف والموضوع فإنه  كثير)([119]). (والمنقولات التي يحتاج إليها في الدين قد نصب الله الأدلة على بيان ما فيها من صحيح وغيره)([120]).
والمصدر الثاني «السنّة»، وهي المبينة للكتاب؛ إذ هي سنّة المعصوم رسول الله r وليس لأحد عصمة بعده r.
وقـد تلقى الصحابة رضوان الله عليهم ما جاء به r ونقلوه إلى الأمة.
ويتمثل وجود السنّة في دواوين الإسلام المعروفة والمشهورة مثل صحيح البخاري ومسلم وكتب السنن كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وسنن الدارمي، وموطأ مالك، ومثل المسانيد المعروفة كمسند الإمام أحمد وغيره، إلى غير ذلك من مدونات الحديث النبوي والتي هي أشهر من أن يعرف بها.
وهناك مدونات خاصة بالعقيدة اقتصر جامعوا أحاديثها على مسائل الاعتقاد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد جمع طوائف من العلماء الأحاديث والآثار المروية في عقائد أهل السنّة مثل حماد بن سلمة([121])، وعبدالرحمن بن مهدي([122])، وعبدالله بن عبد الرحمن الدارمي([123])، وعثمان بن سعيد


الدارمي([124]) وغيرهم في طبقتهم.
ومثل ما بوب عليه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم في كتبهم مما يتعلق بالعقيدة.
ومثل مصنفات الأثرم([125]) وعبدالله بن أحمد([126])، وأبي بكر الخلال([127]) وأبي
=
القـاسم الـطبـراني([128])، وأبي الشيخ الأصبهاني([129])، وأبي بكر الآجري([130])، وأبـي الحـسن الـدارقـطـنـي([131]) وأبـي عـبـدالله بـن مـنـده([132])، وأبي القاسم الـلالـكـائـي([133])، وأبـي عـبـدالله بن بـطه([134])، وأبـي عمر الـطـلمـنـكـي([135]) وأبـي
نـعـيـم
=
الأصـبـهـانـي([136])، وأبـي ذر الـهـروي([137])، وأبـي بـكـر



الـبـيـهـقـي([138]) ([139]) وغيرهم.
=
وقد سمى كثير منهم ”مدوناتهم“ في هذا الباب باسم السنّة أي كتاب «السنّة»([140]).
ومما تنبغي الإشارة إليه والتنبيه عليه أنـه – كما يقول شيخ الإسلام ابـن تيمية -: (قد يقع في هذه المصنفات من الأحاديث الضعيفة ما يعرفه أهل المعرفة. وقد يروي كثير من الناس في الصفات وسار أبواب الاعتقادات وعـامة أبواب الدين أحاديث كثيرة تكون موضوعة مكذوبة على رسول الله r)([141]).
وقد أقام الله سبحانه من يحفظ سنّة نبيه ويعنى بتمييز صحيحها من غيره ويضع المقاييس والضوابط لذلك، وقامت دراسات دقيقة ومحكمة لمتون الأحاديث وأسانيدها حتى أصبحت هناك إمكانية لمعرفة الأحاديث الصحيحة من غيرها، واطمأن المسلمون على سنّة نبيهم حتى إن الخليفة هارون الرشيد رد على الزنادقة حين تحداه بقوله: (فأين أنت عن ألف حديث وضعتها ونسبتها إلى رسول الله r ما فيها حرف نطق به رسول الله r؟) فكان جواب الرشيد لهذا الزنديق: (فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الغزاري، وعبدالله بن المبارك ينخلانها نخلاً فيخرجانها حرفاً حرفاً)([142]).
=
=
ولقد كان الأئمة في الحديث يعرفون الأحاديث بطرقها وأسانيدها بحيث لو روي حديث بغير سنده وطريقه لعرفوا أنه قد حرف عن موضعه، كما وقع مثل ذلك للإمام محمد ابن إسماعيل البخاري حين ورد إلى بغداد وقصد المحدثون امتحانه فسألوه عن أحاديث قلبوا أسانيدها فقال: لا أعرف هذه ولكن حدثني فلان، ثم أتى بجميع تلك الأحاديث على الوضع الصحيح وردّ كل متن إلى سنده([143]).
ولقد اعترف ”الشيعة“ بتثبيت أئمة السنّة في رواية الحديث، جاء في كتاب «السرائر» - وهو من كتبهم المعتبرة (قال صاحب البحار: «كتاب السرائر لا يخفي الوثوق عليه وعلى مؤلفه على أصحاب السرائر»([144])) – جاء في هذا الكتاب حديثهم التالي عن بعض أصحابنا يرفعه إلى أبي عبد الله – يعنون: جعفر الصادق – وفيه قال – أي راوي الحديث يسأل أبا عبد الله -: «هؤلاء – يعني بهم أئمة السنّة – يأتون بالحديث مستوياً كما يسمعونه، وإنا ربما قدّمنا وأخرنا وزدنا ونقصنا»([145]).
فهذا إقرار منهم بخيانتهم في نقل النصوص، وأمانة أهل السنّة ودقتهم في ذلك.
وجهود أئمة السنّة لا تحتاج لهذا الاعتراف، ولكن أوردنا هذا الاعتراف لأنه صادر من ”المخالف“ وإنصاف المخالف أشد وقعاً في النفس من إنصاف الموافق.. ولأن في هذا وأمثاله ما ”يلجم“ محاربي السنّة من الروافض المعاصرين من ”كتبهم“.
(2) الجانب الثاني:
ويتضمن كشف حقيقة ما ينسبه ”الروافض“ من أحاديث وروايات إلى مصادر أهل السنّة.
=
ذلك بأن المطالع لكتب الشيعة ورسائلهم قديمها وحديثها يرى ذلك ”الحشد“ الكبير من النصوص التي يزعمون أنهم أخذوها من مصادر أهل السنّة، وهي تؤيد مذهب الشيعة وتطعن في مذهب أهل السنّة، ويحتجون بها لصحة مذهبهم على أهل السنّة ويقنعون بواسطتها المتشككين والحائرين من بني مذهبهم.
وقد أشار ابن خلدون([146]) إلى هذه الظاهرة بقوله: (إنهم يستدلون على


مذهبهم بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم لا يعرفها جهابذة السنّة ولا نقلة الشريعة، بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة)([147]).
ولهم في ذلك وسائل وطرق متعددة حتى وصفها صاحب «مختصر التحفة الاثني عشرية» بأنها كثيرة جدّاً لا تدري اليهود بعشرها([148]).
ولقد قام شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – بكشف كثير من النصوص التي ينسبها الروافض لمصادر أهل السنّة، وأماط اللثام عن صحة تلك النسبة أو خطئها وعن سلامة التأويل لها من فساده، وذلك في كتابه منهاج السنّة ولا سيما في المجلد الأخير منه([149]).
=
أما عملية كشف الوسائل التي يتخذها الروافض في الاحتجاج لمذهبهم من طريق السنّة فقد تولى شرحها علامة الهند شاه عبدالعزيز الدهلوي([150]) في كتابه «التحفة الاثني عشرية» الذي ألفه بالفارسية، ونقله إلى العربية الشيخ الحافظ غلام محمد بن محيي الدين بن عمر الأسلمي والكتاب المعرب لا يزال مخطوطاً([151]) ولكن مختصره للشيخ الألوسي مطبوع ومشهور، وقد حوى جزءاً من تلك الوسائل.
وكذلك فعل – شيخ العلماء الأعلام فريد دهره ووحيد عصره – كما يصفه الألوسي([152]) الشيخ محمد الشهير بخواجة نصر الله الهندي المكي([153])، فأماط اللثام عن كثير من تلك الوسائل والمعابر التي يتقنع بها الروافض لتمرير الأفكار الأجنبية تحت ستار الاحتجاج من مصادر أهل السنّة، وذلك في كتابه «الصواقع المحرقة»، وقد اختصره الشيخ محمود الألوسي وسماه «السيوف المشرقة في مختصر الصواقع المحرقة»، والشيخ السويدي([154]) رحمه الله قد كشف أيضاً مجموعة من تلك المحاولات الرافضية في رسالة له بعنوان «نقض عقائد الشيعة» لا تزال مخطوطة لم تطبع([155]).
والموضوع بحاجة إلى دراسة وعناية ولا يكفي هذا الحيز له، وحسبنا أن نشير إلى شيء من وسائلهم ونؤكد في البداية على أهمية الدراسة الواعية المستوفية لهذه المسألة وإبراز هذه الوسائل بالأرقام والوقائع.. وذلك لمواجهة مسيرة الافتراء والتفريق وإثارة الأحقاد والفتن التي كنا نظن أنها قد ولت، فإذا بنا نفاجأ بها مستمرة.. على صورة أشد وأنكى مما كانت..
ومطابع الروافض تقذف سنوياً مجموعة كبيرة من الكتب والرسائل التي تحوي فيما تحوي ذلك اللون؛ وهو: الاحتجاج لمذهب الشيعة من طريق السنة، وبهذه الوسيلة يضلون قومهم عن سواء السبيل.
أما وسائلهم وطرقهم الخفية في الاحتجاج من طريق السنّة وتلك نبه إليها العلماء الأعلام – كما أسلفنا – فهذا ما سنشير إلى بعضه فيما يلي:
(1) يقول الشيخ عبدالله السويدي رحمه الله -:
إن بعض علمائهم اشتغلوا بعلم الحديث وسمعوا الأحاديث من ثقات المحدثين من أهل السنّة وحفظوا أسانيد أهل السنّة الصحيحة، وتحلّوا في الظاهر بحلي التقوى والورع، بحيث كانوا يعدون من محدثي أهل السنّة، فكانوا يروون الأحاديث صحاحاً وحساناً، ثم أدرجوا في تلك الأحاديث موضوعات مطابقة لمذهبهم، وقد ضل بذلك كثير من خواص أهل السنّة فضلاً عن العوام، ولكن قيض الله بفضله أئمة أهل الحديث فأدركوا الموضوعات فنصوا على وضعها فتبين حالها حينئذ والحمد لله على ذلك.
وقد أقرت طائفة منهم بالوضع بعدما انكشف حالهم.. وتلك الأحاديث الموضوعة موجودة إلى الآن في المعاجم والمصنفات وقد تمسك بها أكثر التفضيلية([156]) والمتشيعة([157]).
ويذكر الألوسي في حديثه عن هذه الوسيلة في كتابه «السيوف المشرقة» أن ممن استخدم هذه الوسيلة ”جابر الجعفي“([158])، وأنه قد روى عنه في بعض كتب السنّة كسنن الترمذي وأبي داود والنسائي([159]) روايات لم ينفرد هو بها([160]).
(2) ويقول الألوسي في «مختصر التحفة الاثني عشرية»:
(ومن مكايدهم أنهم ينظرون في أسماء المعتبرين عند أهل السنّة، فمن وجدوه موافقاً لأحد منهم في الاسم واللقب أسندوا رواية حديث ذلك الشيعيّ إليه، فمن لا وقوف له من أهل السنّة يعتقد أنه إمام من أئمتهم فيعتبر قوله ويعتد بروايته، كالسدي: فإنهما رجلان: أحدهما السدي الكبير، والثاني السدي الصغير، فالكبير([161]) من ثـقات أهل السنّة، والصغير من الوضاعين الكذابين وهو رافضي غال([162])، وكابن قتيبة رجلان: أحدهما: عبدالله بن قتيبة رافضي غال، وعبدالله بن مسلم بن قتيبة([163]) من ثقات أهل السنّة، وقد صنف كتاباً سماه بـ «المعارف» فصنف ذلك الرافضي كتاباً وسماه بـ «المعارف» أيضاً قصداً للإضلال)([164]).
=
ومن ذلك محمد بن جرير الطبري رجلان أحدهما الإمام السنّي المشهور صاحب التفسير والتاريخ([165]) والآخر محمد بن جرير بن رستم الطبري من أئمة الروافض([166])، وهناك رافضي آخر يسمى بأبي جعفر الطبري وهو أبو جعفر محمد بن أبي القاسم بن علي الطبري من علماء الإمامية في القرن السادس([167]).
=
وهناك ابن بطة اثنان: ابن بطة السنّي وينطق بفتح الباء([168]) وابن بطة الشيعي وهو بضم الباء([169]).
وطَبَعِيٌّ أن تتشابه الأسماء والكنى والألقاب، ولكن من غير الطَّبَعِيِّ أن يستغل هذا التشابه في القيام بدس فكري رخيص.. يفرق الأمة.. ويبعث النزاع.. ويضلل الباحثين المخلصين عن الحق..
وهذا المسلك وما قبله يحاول أن يضع بالسند الصحيح أو بالإسناد الذي يوافق الإسناد الصحيح في أسماء الرجال؛ يحاول أن يضع متناً موضوعاً يخدم به فكرة معينة.
ولكن هذا المسلك سرعان ما ينكشف وتتبين حقيقته بظهور القرائن على كذبه، إما لمخالفته لصريح القرآن أو لمناقضته لما جاءت به السنّة الصحيحة مناقضة بيّنة أو لما سوى ذلك من قرائن وبراهين.
فإن أئمة الحديث كما اعتنوا بإسناد الحديث اعتنوا بمتنه ووضعوا علامات لمعرفة الحديث الموضوع بدون نظر لإسناده، وعامة كتب علوم الحديث تعرضت لذلك؛ قال ابن الجوزي([170]): (ما أحسن قول القائل إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأُصول فاعلم أنه موضوع)([171]).
=
وقال ابن الصلاح([172]): (وإنما يعرف كون الحديث موضوعاً بإقرار واضعه أو ما يتنزل منزلة إقراره، وقد يفهمون الوضع من قرينة حال الراوي أو المروي، فقد وضعت أحاديث طويلة يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها)([173]).
وقال ابن دقيق العيد([174]): (وأهل الحديث كثيراً ما يحكمون بالوضع باعتبار أمور ترجع إلى المروي وألفاظ الحديث. وحاصله يرجع إلى أنه حصلت لهم لكثرة محاولة ألفاظ الرسول r هيأة نفسانية أو ملكة يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ من النبي r وما لا يجوز أن يكون من ألفاظه)([175]).
=
وقال أبو الحسن علي بن عروة الحنبلي([176]): (القلب إذا كان تقيّاً نظيفاً زاكياً كان له تمييز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والهدى والضلال، ولا سيما إذا كان قد حصل له إضاءة وذوق من النور النبوي، فإنه حينئذ تظهر له خبايا الأمور، ودسائس الأشياء، والصحيح من السقيم، ولو ركّب على متن ألفاظ موضوعة على الرسول إسناد صحيح أو على متن صحيح إسناد ضعيف لميز ذلك وعرفه.. فإن ألفاظ الرسول لا تخفى على عاقل ذاقها..)([177]).
وقال الربيع بن خثيم([178]) – التابعي الجليل: (إن من الحديث حديثاً له ضوء كضوء النهار يعرف، وإن من الحديث حديثاً له ظلمة كظلمة الليل ننكره)([179]).
وقد سئل الإمام ابن القيم([180]) – رحمه الله – هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده؟ فقال: (هذا سؤال عظيم القدر، وإنما يعلم ذلك من تضلّع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول r وهديه، فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه، ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة بحيث كأنه مخالط للرسول r كواحد من أصحابه.
فمثل هذا يعرف من أحوال رسول الله r وهديه وكلامه، وما يجوز أن يخبر به وما لا يجوز، ما لا يعرفه غيره..)([181]).
وقد أورد – رحمه الله – عدة قواعد في هذا الشأن بلغت (44) قاعدة، ومثل لها بـ (273) حديثاً وبين وجه وضعها من خلال نقد المتن فقط بغير نظر إلى السند وذلك في كتابه «المنار المنيف».
(3) يذكر شاه عبدالعزيز الدهلوي أن من وسائلهم أيضاً:
(أنهم ينسبون بعض الكتب لكبار علماء السنّة مشتملة على مطاعن في الصحابة، وبطلان مذهب أهل السنّة، ويمثل لذلك بكتاب «سر العالمين» ويقول: إنهم نسبوه إلى الإمام أبي حامد الغزالي – رحمه الله – وشحنوه بالهذيان، وذكروا في خطبته عن لسان الإمام وصيته بكتمان هذا السر وحفظ هذه الأمانة، ما ذكر في هذا الكتاب فهو عقيدتي وما ذكر في غيره فهو للمداهنة)([182]).
وقد رأيتهم في بعض مؤلفاتهم المعاصرة يرجعون لهذا الكتاب ويحتجون ببعض ما فيه على أهل السنّة([183]).
 
وقد طبع هذا الكتاب عدة طبعات في بومباي سنة 1314هـ، القاهرة سنة 1324هـ، وسنة 1327هـ، طهران بغير تاريخ([184]).
ويشير د. عبدالرحمن بدوي إلى أن ثلاثة من المستشرقين ذهبوا إلى القول بأن الكتاب منحول: (جولد تسيهر) (بويج) (مكرونالد)([185])، ويذهب عبدالرحمن بدوي إلى هذا الرأي ويقطع به ويحتج لذلك فيقول: «والأمر الذي يقطع بأن الكتاب ليس للغزالي هو ما ورد في ص 82 من قوله: (أنشدني المعري لنفسه وأنا شاب في صحبته يوسف بن علي شيخ الإسلام)([186]) فإن المعري توفي سنة 448 بينما ولد الغزالي سنة 450 فكيف ينشده لنفسه»([187]).
وهذا الأسلوب في الوضع له خطورته.. ويذكر السويدي أنه على هذه الطريقة نسبت كتب كثيرة، ولا يعرفها إلا من كان عارفاً بمذاق كلام أهل السنة([188]).
وقد عقد الشوكاني([189]) في كتابه «الفوائد المجموعة» مبحثاً بعنوان


”النسخ الموضوعة“ وبعد عرضه إياها ذكر أن أكثرها من وضع الرافضة، وهي موجودة عند أتباعهم([190]).
(4) ومن أساليبهم في طريقة احتجاجهم من كتب أهل السنّة: ما ذكره صاحب مختصر الصواقع:
من (أنهم ينقلون ما يدل على مطاعن الصحابة وما يستدل به على بطلان مذهب غير الرافضة عن كتاب يعزون تأليفه إلى بعض كبراء أهل السنّة، وذلك الكتاب لا يوجد تحت أديم السماء)([191])..
أو أنهم ينقلون أخباراً دالة على مطاعن الصحابة عن كتب عزيزة الوجود لأهل السنّة ليس في تلك الكتب منها أثر.. والأردبيلي أكثر ما ينقل في «كشف الغمة» من هذا القبيل وكذا الحلي في الألفين وابن طاوس وغيرهم([192]).
هذا ما ذكره صاحب «مختصر الصواقع» ولم يتيسر لي الاطلاع على هذه الكتب التي مثل بها، ولكني اطلعت على كتب أخرى تحمل هذا المعنى الذي ذكره، ومن أحقها بهذا الوصف كتاب «غاية المرام في حجة الخصام عن طريق الخاص والعام» لمؤلفه: هاشم بن سليمان بن إسماعيل البحراني (ت 1107 أو 1109).
والكتاب في مجلد ضخم رتبه مؤلفه على مجموعة مقاصد، كل مقصد يضم عدداً كبيراً من الأبواب، وكل باب يحوي طائفة ضخمة من الأحاديث من طريق ما يسميهم بالعامة، ويعني بهم أهل السنّة، ومن طريق ما يسميهم بالخاصة وهم الشيعة – في زعمه – ويعني بهم الإمامية، لأن المؤلف إمامي اثنا عشري كما يظهر من كتابه، والمقصود أن كثيراً من الأحاديث التي ينسبها لأهل السنّة ليس لها وجود ولا أثر في مصادر السنّة المعتبرة.
ويرى الأستاذ موسى جار الله([193]) – بحق – أن هذا الكتاب يعتبر (عاراً وسبة للشيعة الإمامية)([194]).
ولكننا مع الأسف نجد بعض مراجع الشيعة اليوم ترى أن هذا الكتاب موضع الفخر([195]) ويأخذون منه ويحتجون به على أهل السنّة([196]) على الرغم من أن عنصر الكذب في هذا الكتاب لا يخفى على صغار المتعلمين.
وأجدني لست بحاجة إلى النقل من أحاديثه الكاذبة فهي لا حدَّ لها، وأكتفي بأن أشير إلى طائفة من أبوابه الخاصة بالأحاديث التي جاءت عن طريق من يسميهم بالعامة ليرى القارئ إلى أي مدى وصل الكذب والافتراء على السنّة ومصادرها.
الباب السادس والأربعون: في أن الأئمة الاثني عشر أركان الإيمان ولا يقبل الله Y الأعمال من العباد إلا بولايتهم عليهم السلام، من طريق العامة وفيه ستة عشر حديثاً. 
يقول البحراني: الباب الرابع والعشرون: في أن الأئمة بعد رسول الله اثنا عشر بالنص من رسول الله إجمالاً وتفصيلاً، وهم علي وبنوه الأحد عشر وهم الأئمة الاثنا عشر من طريق العامة وفيه ثمانية وخمسون حديثاً.
الباب الأول: في أنه لولا الخمسة الأشباح (كذا) محمد رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين ما خلق الله Y آدم ولا النار ولا العرش ولا الكرسي ولا السماء ولا الأرض ولا الملائكة ولا الإنس ولا الجن. وأن رسول الله وعليّاً أمير المؤمنين خلقا من نور واحد، وخل ملائكته من نور وجه علي. من طريق العامة وفيه تسعة عشر حديثاً.
الباب الحادي عشر: في أن رسول الله r والأئمة الاثني عشر حجج الله تعالى على خلقه. من طريق العامة وفيه تسعة أحاديث([197]).
وعلى هذا المنوال تسير قافلة الكذب، وتستمر مؤامرة الافتراء والتزوير في أبواب كثيرة بلغت أكثر من خمسين وأربعمائة بابٍ تعج بالفضائح وتمتلئ بالكذب والبهتان، ولو تفرغ متفرغ لدراسة هذا الكتاب وأمثاله لاستخرج صفحات سوداء تنضح بالخزي والعار وتكشف أولئك ”السبأيين“ الذين كانوا وراء هدم مبدأ التشيع الحقيقي لآل البيت ومحبتهم لِـ ”الرفض“ و”الغلو“ لإبعاد الشيعة عن حظيرة الجماعة والعمل على تفرقة الأمة وتفتيت وحدتها.

والذي يتبدَّى لي أن هذا الكتاب وأمثاله إنما هو مؤامرة مدبرة من مشايخ السوء الذين يدعون التشيع لآل البيت وليس لهم منه نصيب والذين استغلوا التشيع لهدم الإسلام، هو مؤامرة الهدف منها حماية أتباعهم من التطلع لمذهب أهل السنّة، والبحث عن الحق فيه، فيتوهم ”الأتباع الأغرار“ أن ما عند الجميع واحد، وأن هذا هو الإسلام لاتفاق الفريقين عليه، وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله أن هذا الوهم والتصور كان من أسباب إلحاد الزنادقة لأنهم ظنوا أن ما هم عليه من ”باطل“ هو الإسلام ”فشكوا في الإسلام“.
إن هدف مؤلف الكتاب الآنف الذكر إثبات أن تلك العقائد التي تدعيها الشيعة وتخالف بها جمهور المسلمين متفق عليها في كتب الفريقين، فهو يقول مثلاً في تعليقه على بعض الأحاديث المفتراة على أهل السنّة: (انظر أيها الأخ إلى ما يرويه المخالفون النواصب ما هو عين مذهب الإمامية الاثني عشرية، وهذا يعطيك أن المخالفين العامة على ضلال مبين وخسران عظيم بعد العلم منهم والمعرفة بصحة معتقد الإمامية الاثني عشرية..)([198]).
ولا بد لتحقيق هذا الهدف من ركوب ”مطايا“ الكذب.
وإنني أرى أن هذا الكتاب وأمثاله سيعطي من يقرأه بعقل وإنصاف عكس ما يراد منه، فالقارئ حينما يقرأ ذلك الحشد من النصوص ـ التي زعم المؤلف أنه جاء بها عن طريق السنّة ويبحث عنها في كتب السنّة المعتبرة فلا يرى لها وجوداً ولا أثراً ـ سيخرج من ذلك بالشك في كل ما يأتي به القوم.
ولا أظن أن عاقلاً سينخدع بهذه الوسيلة إلا من أعمى الله قلبه بالتعصب والهوى، وما كنا سنعير هذا الكتاب أي اهتمام لولا أن بعض مجتهدي الشيعة المعاصرين اعتبره موضع الفخر([199]). 
وقد رأيت من مؤلفاتهم ”المعاصرة“ كتاباً يسمى «الغدير»، ويقع في أحد عشر مجلداً لعبد الحسين الأميني النجفي من علمائهم المعاصرين، ويصفونه بـ ”الحبر العلم الحجة المجاهد“، والكتاب متوج بالثناء والمديح من عدد من آياتهم المعاصرين (محسن الحكيم([200]) عبدالحسين شرف الدين الموسوي([201])، السيد حسن الموسوي([202])).
وهذا الكتاب يشبه إلى حد بعيد الكتاب الآنف الذكر، فهو يروي أخباراً عن نكرات تفوح منها رائحة الكذب ويجعلها هي الأصل ويخطِّئ على ضوئها علماء الأمة، فابن كثير عنده يحرف الكلم عن مواضعه ويقذف الراوي بالضعف بغير دليل([203]).
 
ويقول عن الإمام الطبري: إنه (يروي الأخبار محرفة في تفسيره)([204]).
ويقول عن الإمام البخاري: إنه يخرم الحديث (ويعني بذلك حديثاً أورده هذا الرافضي يتضمن الطعن في عمر رضي الله عنه) صوناً لمقام عمر([205]).
ويـقـول عـن الإمام البيهقي: (وذكره ـ أي الحديث ـ البيهقي محرفاً)([206]).
وعن البغوي يقول: (وأخرجه البغوي في المصابيح.. غير أنه حذف صدر الحديث)([207]).
وعـن الـذهبي يقـول: (وذكـره الذهبي في تذكرته.. محرفاً)([208]) وهكذا..
ثم يحكم على البخاري رحمه الله – لأن صحيحه كشف كذبه ـ بقوله: (وكم وكم في صحيح البخاري من أحاديث لعبت بها يد تحريفه)([209]).
هؤلاء أعلام الأمة هذا وزنهم عند هذا المتجني ومن شايعه، لأنهم لم يوافقوا جهلة الروافض على كذبهم، وتحريفهم للأحاديث..
 
 
هذا ”مثال معاصر“([210]) اكتفينا بالإشارة إليه.. ولا مجال للاسترسال.
(5) ومن أساليبهم:
أنهم يعمدون إلى (نص متداول ومشهور فيزيدون عليه ما لا أصل له، كما زادوا على النص في استخلاف علي على المدينة في غزوة تبوك زيادة موضوعة وهي «ولا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي في المدينة»([211]).
وهذه الزيادة علاوة على أنها كذب على رسول الله r هي من كذب الجهال، ووضع من لا يحسن الوضع، فإن النبي r ذهب غير مرة وخليفته على المدينة غير علي، كما اعتمر عمرة الحديبية وعلي معه وخليفته غيره، وغزا بعد ذلك خيبر ومعه علي وخليفته بالمدينة غيره، وغزا غزوة الفتح وعلي معه وخليفته بالمدينة غيره، وغزا حنيناً والطائف وعلي معه وخليفته بالمدينة غيره، وحج حجة الوداع وعلي معه وخليفته بالمدينة غيره وغزا غزوة بدر ومعه علي وخليفته بالمدينة غيره، وكل هذا معلوم بالأسانيد الصحيحة وباتفاق أهل العلم بالحديث([212]). وأمثلة هذا الأسلوب كثيرة جداً.
كما أن من أساليبهم أنهم يوردون الحديث من كتب السنّة بجميع طرقه ورواياته ويذكرون في الأخير من أخرجه من المحدثين بلا تحديد للألفاظ التي وردت عند كل محدث، ليوهموا القارئ أن هذا النص الذي جمّعوه من كتب أهل السنّة قد ورد بهذه الصيغة التي أخرجوها عند كل محدث من محدثي أهل السنّة، وأنه صحيح لاتفاق محدثي أهل السنّة على إخراجه بهذه الألفاظ والروايات.
ومن أمثلة هذا الأسلوب كتاب «حديث الثـقـلين» الذي أصدرته دار التقريب بالقاهرة، وسلكت فيه ذلك المسلك الذي أشرنا إليه([213])، حيث ذكرت الأحاديث الواردة بكل طرقها وروايتها وفي الأخير ذكرت من أخرجه من المحدثين بلا تحديد للألفاظ الواردة عند كل محدث، وهو لا يصح في كل رواياته([214]).

(6) ومن طرقهم ما يذكره صاحب مختصر التحفة:
من (أنهم يذكرون أحد علماء المعتزلة أو الزيدية أو نحو ذلك ويقولون أنه من متعصبي أهل السنّة، ثم ينقلون عنه ما يدل على بطلان مذهب أهل السنّة وتأييد مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية ترويجاً لضلالهم، كالزمخشري صاحب «الكشاف» الذي كان معتزليّاً تفضيليّاً([215])، والأخطب الخوارزمي، فإنه زيدي غال، وابن قتيبة صاحب المعارف الذي هو رافضي عنيد، وابن أبي الحديد شارح «نهج البلاغة» الذي هو من الغلاة، على قول، ومن المعتزلة على قول آخر، وهشام الكلبي الذي هو من الغلاة وكذلك المسعودي صاحب «مروج الذهب»، وأبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني وغيرهم. وقصدوا بذلك إلزام أهل السنّة بما لهم من الأقوال مع أن حالهم لا تخفى)([216]).
وكذا بعض المتصوفة أو غيرهم الذين دخلوا في سلك الروافض في الاعتقاد وإن كانوا يحملون لقب الانتساب لأحد المذاهب الأربعة، فإنه (قد يوجد في بعض المنتسبين إلى مذاهب الأئمة الأربعة من هو في الباطن رافضي)([217]).
ومن أمثلة ذلك ”سليمان الحنفي النقشبندي“ الـذي يؤول حديث مسلم أن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة ”كلهم من


 
قريش([218])، يؤول هذا بالأئمة الاثني عشر.
ويستشهد ”الشيعي: محمد حسين الزين“ في كتابه «الشيعة في التاريخ» بهذا الرأي ليسند عقيدته برأي سنّي حنفي([219]).
والواقع أنه كما يعترف الشيعي د. مصطفى كامل الشيبي: (لا دخل لأهل السنّة بهذا التوثيق وإنما هي الصوفية المتشيعة التي ينتمي إليها النقشبندي)([220]).
(7) ومن طرقهم كما يذكر صاحب التحفة:
أنهم يؤلفون كتاباً في فضائل الخلفاء الأربعة ويضمنونه أحاديث صحاحاً من طرق أهل السنّة تبين فضائلهم ومناقبهم، ويضعون في ”فضائل علي“ ما يوجب القدح في الخلفاء الثلاثة وضعاً أو نقلاً من كتبهم، فإذا قرأ القارئ فضائل الخلفاء الثلاثة ظن أن مؤلفه سنّي حسن العقيدة ثم إذا وصل إلى فضائل الخليفة الرابع ورأى فيها ما يطعن في الخلفاء الثلاثة ظن أن في تصانيف أهل السنّة ما يوجد من الأحاديث القادحة في الخلفاء الثلاثة([221]).
(8) ومن أساليبهم الشائعة:
أنهم يستقون مادة احتجاجهم من المصادر التي تحوي الضعيف والموضوع ويدعون أنهم أخذوها من مصادر أهل السنّة المعتبرة، فضلاً عن أنهم يزعمون في بعض الأحاديث الموضوعة أنها مما اتفقت عليه مصادر السنّة والواقع خلاف ذلك.
وأقرب مثال على هذا كتاب «منهاج الكرامة» لابن المطهر الحلي؛ حيث نجده يدعي في كتابه أنه لا يأخذ إلا من المصادر المعتبرة، ومن الصحيح  منها. يقول: (ونحن نذكر هنا شيئاً يسيراً مما هو صحيح عندهم ونقلوه في المعتمد من كتبهم)([222]).
ومع هذا ”الادعاء“ فهو يورد كثيراً من الأحاديث الموضوعة ومن مصادر غير معتمدة.
فهو يستقي أحاديثه من تفسير الثعلبي([223]) و الحلية لأبي نعيم([224]) ومما رواه أخطب خوارزم([225]) وصاحب الفردوس([226]) والفقيه المغازلي الشافعي([227]) وغيرهم.
ويروي أحاديث موضوعة من الحلية لأبي نعيم ونحوه ويدعي أنها مما (أجمع المفسرون عليه)([228]).
وينسب لبعض السنن والمسانيد أخباراً ضعيفة أو موضوعة ويزعم إجماع الجمهور على صحتها، وقد ينسب إليها ما ليس فيها، وهذه طريقة الروافض([229]).
وقد كشف شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك في منهاجه ولا سيما في المجلد الأخير. وأورد تقويم أهل السنة لهذه الكتب التي ينقل منها الرافضي وأمثاله([230]) ولا شك أن المرجع في تمحيص وتحقيقه ”المنقول“ إنما يكون إلى (أُمناء حديث رسول الله r، كما أن المرجع في النحو إلى أربابه، وفي القراءات إلى حذاقها، وفي اللغة إلى أئمتها، وفي الطب إلى علمائه. فلكل فن رجال. وعلماء الحديث أجل وأعظم تحرياً للصدق من كل أحد علم ذلك من علمه، فما اتفقوا على صحته فهو الحق، وما أجمعوا على تزييفه وتوهينه فهو ساقط، وما اختلفوا فيه نُظر فيه بإنصاف وعدل فهم العمدة: كمالك وشعبة والأوزاعي والليث والسّفيانيْن والحمّادين وابن المبارك ويحيى القطان وعبدالرحمن بن مهدي ووكيع وابن علية والشافعي وعبدالرزاق والفريابي وأبي نعيم والقعنبي والحميدي وأبي عبيد وابن المديني وأحمد وإسحاق وابن معين وأبي بكر بن أبي شيبة والذهلي والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم وأبي داود ومسلم وموسى بن هارون والنسائي وابن خزيمة وأبي أحمد بن عدي وابن حبّان والدارقطني وأمثالهم من أهل العلم بالنقل والرجال والجرح والتعديل)([231]).
من هنا نقول أنه لا يمكن الاعتماد على نقل الروافض من كتب أهل السنّة ما لم يكن هذا النقل صحيح النسبة للمنقول منه وموثق من رجاله المختصين به.

 

الفصل الثالث
 
مجمل لأهم عقائد أهل السنة التي
خالفتها الشيعة
 
نكتفي في هذا الفصل بذكر أهم العقائد لأهل السنّة التي خالفتها الشيعة – كما ذكرت ذلك كتب السنّة -.
أما الحديث عن اعتقاد أهل السنّة بكل جوانبه فهذا – في نظري – لا داعي له هنا والحديث المستقصى للاعتقاد ولو على سبيل الإجمال يخرج بنا عن المنهج الطبعي للبحث، وهناك كتب تخصصت في هذا الشأن، ولهذا سنتناول بالحديث المسائل التالية:
(1) حفظ الله سبحانه لكتابه العظيم:
أجمع أهل السنّة والمسلمون جميعاً على صيانة كتاب الله U من التحريف والزيادة والنقص، فهو محفوظ بحفظ الله له، قال تعالى: ]إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون[([232]).
ولا يوجد في كتب أهل السنّة المعتمدة رواية واحدة صحيحة تخالف هذا.
 
 
وقد ذكر مفسرو أهل السنّة عند قوله سبحانه: ]إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون[ أن القرآن محفوظ من أي تغيير أو تبديل أو تحريف([233]).
وصرح كبار علمائهم أن من اعتقد أن القرآن غير محفوظ فقد خرج من دين الإسلام.
وهذه العقيدة عند أهل السنّة من الشهرة والتواتر بحيث أنها لا تحتاج إلى من يقيم أدلة عليها، بل هذه العقيدة من المتواترات عند المسلمين.
يقول القاضي عياض([234]) – رحمه الله -: (وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين مما جمعه الدفتان من أول ]الحمد لله رب العالمين[ - إلى آخر - ]قل أعوذ برب الناس[ أنه كلام الله ووحيه المنزل على نبيه محمد r، وأن جميع ما فيه حق وأن من نقص منه حرفاً قاصداً لذلك أو بدله بحرف آخر مكانه أو زاد فيه حرفاً مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه وأجمع على أنه ليس من القرآن عامداً لكل


هذا؛ أنه كافر..)([235]).
وينقل القاضي عياض عن أبي عثمان الحداد أنه قال: (جميع من ينتحل التوحيد متفقون على أن الجحد لحرف من التنزيل كفر)([236]).
وقال ابن قدامة([237]): (ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفاً متفقاً عليه أنه كافر)([238]).
ويقول البغدادي: (وأكفروا – أي أهل السنّة – من زعم من الرافضة أن لا حجة اليوم في القرآن لدعواه أن الصحابة غيروا بعض القرآن وحرفوا بعضه)([239]).
ويقول القاضي أبو يعلى([240]): (والقرآن ما غُيّر ولا بُدِّل ولا نقص منه ولا زيد فيه، خلافاً للرافضة القائلين أن القرآن قد غير وبدل وخولف بين نظمه وترتيبه – ثم قال – إن القرآن جمع بمحضر من الصحابة y وأجمعوا عليه ولم ينكر منكِر ولا رد أحد من الصحابة ذلك ولا طعن فيه، ولو كان مغيراً مبدلاً لوجب أن ينقل عن أحد من الصحابة أنه طعن فيه، لأن مثل هذا لا يجوز أن ينكتم في مستقر العادة.. ولأنه لو كان مغيراً ومبدلاً لوجب على علي t أن يبينه ويصلحه ويبين للناس بياناً عاماً أنه أصلح ما كان مغيراً، فلما لم يفعل ذلك ـ بل كان يقرأه ويستعمله ـ دل على أنه غير مبدل ولا مغير)([241]).
ويقول ابن حـزم: (القول بـأن بين اللوحين تبديـلاً كُفر صريـح وتكذيب لرسول الله r)([242]).
وقال الفخر الرازي عند قوله سبحانه: ]إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون[، وإنا نحفظ ذلك الذكر من التحريف والزيادة والنقصان – إلى أن قال: إن أحداً لو حاول تغيير حرف أو نقطة لقال له أهل الدنيا هذا كذب وتغيير لكلام الله، حتى أن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له الصبيان: أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا وكذا.. واعلم أنه لم يتفق لشيء من الكتب مثل هذا الحفظ، فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتحريف والتغيير إما في الكثير منه أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصوناً من جميع جهات التحريف، مع أن دواعي الملاحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده من أعظم المعجزات)([243]).
ويقول ابن حزم – في الجواب عن احتجاج النصارى بدعوى الروافض تحريف القرآن -: (وأما قولهم في دعوى الروافض تبديل القراءات فإن الروافض ليسوا من المسلمين..)([244]).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكذلك – أي في الحكم بتكفيره – من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت، أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة ونحو ذلك، وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية ومنهم التناسخية، وهؤلاء لا خلاف في كفرهم)([245]).
وبعد: فالشواهد في هذا المجال لا تحصى كثرة وهي موجودة في مواضعها في كتب التفسير وعلوم القرآن والحديث والعقيدة والأصول وغيرها.
ولم نكن لنعرض لهذه المسألة إلا بالإشارة العابرة إلى إجماع الأمة عليها، لأنها من القضايا المتواترة ومما علم من الدين بالضرورة، ومن يخالف فيها فإنما يخالف رب العزة جل شأنه في قوله: ]إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون[([246]).
وإنما عرضت لها لأنني رأيت من بعض الروافض المعاصرين من يحاول أن يرمي أهل السنّة بهذه الفرية ويدعي أن في كتب السنّة ما يدل على ”التحريف“، في حين أنه يزعم أن مذهبه بريء منها.. وكأنه بهذا يحاول أن يثبت من طريق السنّة فكرة في نفسه يخفيها ويتظاهر بإنكارها.
ولم يجد وسيلة يتذرع بها لإثبات هذه «الفرية» إلا محاولة خداع القارئ بذكر بعض ما ورد في كتب السنّة من أحاديث الناسخ والمنسوخ واختلاف القراءات.
وهذا لا مستمسك لهم به، ومسألة النسخ والقراءات مما وقع في عهد النبي r وثبت عنه، والروافض أنفسهم يقرون بهذا؛ قال الطبرسي([247]) في «مجمع البيان»: (ومنها ما يرتفع اللفظ ويثبت الحكم كآية الرجم)([248]).
والقارئ المسلم يعجب لهذا المسلك من بعض الروافض([249]) فهم يزعمون أنهم ينكرون التحريف ويحاولون تبرئة مذهبهم من هذه ”الدعوى“، ولكن أسلوبهم وطريقتهم في الدفاع توحي بأنهم يحاولون إثبات التحريف – سواء قصدوا ذلك أو لم يقصدوه – ذلك أنهم وهم يحاولون تبرئة مذهبهم من هذا القول؛ في الوقت نفسه يضللون القارئ بشبه وافتراءات يزعمون أنها أدلة من طريق السنّة توحي بالتحريف، وأنها تشاكل ما جاء في كتبهم، وهذا مسلك غريب وهو شاهد على عدم نقاوة أصحاب هذا الأسلوب من لوثة ذلك الاعتقاد.
(2) ومن أصول أهل السنّة:
أن الرسول r قد بين الدين كله وأعلن ذلك بين المسلمين ولم يُسِر لأحد بشيء من الشريعة ويستكتمه إياه، قال تعالى: ]لتبيننه للناس ولا تكتمونه..[([250]) وقال تعالى: ]إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا..[([251]) وقال: ]وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه..[([252]).
وقد أكمل الله سبحانه للأمة الدّين قال تعالى: ]... اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً...[([253]) ويقول سبحانه: ]...ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء...[([254]).
ولم يخص النبي r أحداً من الصحابة بعلم من الشريعة من دون الآخرين، قال تعالى: ]... وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزِّل إليهم..[([255]).
 
 
فالآية تدل على أن البيان للناس وليس لفرد أو طائفة منهم ولو كانوا أهل بيته y.
وقد جاء في البخاري عن أبي جحيفة t قال: «قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة، قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر»([256]).
وتـوفي رسول الله r وقـد ترك أمته على البيضاء كما جاء عنه r: «تركتكم عـلى مـثل الـبيضاء لـيلها كنـهارهـا لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك»([257]).
قـال أبـو الـدرداء: «صدق الله ورسوله فقد تركنا على مثل البيضاء»([258]).
قال أبو ذر t: «لقد تركنا محمد r وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علماً»([259]).
وقال عمر t: «قام فينا النبي r مقاماً فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه»([260]).
يقول ابن حزم: (قد بلغ الرسول r الدين كله وبيّن جميعه كما أمره الله تعالى)([261])، ويقول: (والدين قد تم فلا يزاد فيه ولا ينقص منه ولا يبدل)([262]) ويقول: (ولا سر في الدين عند أحد)([263])، وذكر أدلة ذلك من كتاب الله – وقد مضى ذكر بعضها -.
ويقول الشافعي: (فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدي فيها)([264]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فإن هذا الأصل – أي بيان الرسول r للدين وأصوله وفروعه باطنه وظاهره علمه وعمله – هو أصل أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصاماً بهذا الأصل كان أولى بالحق علماً وعملاً)([265]).
وخالف في هذا الأصل العظيم والخطير ”الرافضة“ فيما ذهبوا إليه من القول (بإيداع الشريعة أو خزن العلم عند الأئمة) كما سيأتي شرح هذه النظرية عندهم، تلك التي غدت من أهم أسس مذهبهم وضروراته.
(3) ومن أصول أهل السنّة:
محبة أصحاب([266]) رسول الله r والترضي عنهم واعتقاد عدالتهم وترك الخوض فيما شجر بينهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
(ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله r كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ]والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم[([267]).
وطاعة النبي r في قوله: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»([268]).
 
ويقبلون ما جاء في الكتاب والسنّة من فضائلهم ومراتبهم..
ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله r بالجنة كالعشرة وكثابت بن قيس بن شماس وغيرهم من الصحابة.
ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – وعن غيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان ويربعون بعلي([269]).
ويؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله r أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي)([270]).
وقال الإمام أحمد: (ومن انتقص أحداً من أصحاب رسول الله r أو أبغضه.. أو ذكر مساوئه كان مبتدعاً حتى يترحم عليهم جميعاً ويكون قلبه لهم سليماً)([271]).
وقال أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري: (لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم من أهل الحجاز، ومكة، والمدينة، والبصرة، والكوفة، وواسط، وبغداد، والشام ومصر، لقيتهم كَرَّات.. وكلهم متوافرون في ست وأربعين سنة، فما رأيت أحداً منهم يختلف في هذه الأشياء: ”ومنها“ ما رأيت فيهم أحداً يتناول أصحاب محمد r وكانوا ينهون عن البدع ويحبون ما عليه النبي r وأصحابه..)([272]).
وقال أبو محمد عبدالرحمن بن أبي حاتم([273]): سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنّة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً وشاماً ويمناً فكان مذهبهم.. (وذكره في مسائل منها): (وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وهم الخلفاء الراشدون المهديون ثم العشرة (هكذا والمراد بقية العشرة) الذين شهد لهم رسول الله r بالجنة، والترحم على جميع أصحاب محمد والكف عما شجر بينهم..)([274]).
وقال أبو عبدالله محمد بن أبي زمنين([275]): (ومن قول أهل السنّة أن يعتقد


 
المرء المحبة لأصحاب رسول الله r وأن ينشر محاسنهم وفضائلهم ويمسك عن الخوض فيما دار بينهم)([276]).
ونصوص أئمة السنّة في هذا الباب كثيرة([277]).
وقد ذهب أهل السنّة لهذا المذهب استجابة لأمر الله ورسوله، فقد شهدت نصوص الكتاب على عدالتهم والرضاء عن جملتهم وتواترت السنّة على الثناء على مجموعهم، كما شهدت لكثير من آحادهم – على وجه التخصيص – بالعدالة والفضل.
قال تعالى: ]والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدَّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم[([278]).
وقال سبحانه: ]لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم[([279]).
وقال عز وجل: ]محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلط فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً[([280]).
وقال جل شأنه: ]لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً[([281]).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (والذين بايعوا تحت الشجرة بالحديبية عند جبل التنعيم([282]) كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، بايعوه لما صده المشركون عن العمرة.. وقد  أخبر سبحانه أنه رضي عنهم وأنه علم ما في قلوبهم، وأنه أثابهم فتحاً قريباً)([283]).
وقال تعالى: ]... لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاًّ وعد الله الحسنى[([284]) وقد حكم الله سبحانه لمن وعد بالحسنى بقوله: ]إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون، لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون، لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون[([285]) إلى غير ذلك من الآيات.
قال ابن حزم: (فجاء النص أن من صحب النبي r فقد وعده الله تعالى الحسنى) وقد قال الله تعالى: ]إن الله لا يخلف الميعاد[، وصح بالنص كل من سبقت له من الله تعالى الحسنى فإنه مبعد عن النار لا يسمع حسيسها وهو فيما اشتهى خالد لا يحزنه الفزع الأكبر.. وليس المنافقون ولا سائر الكفار من أصحابه r([286]).
وأما الأحاديث من طريق السنّة فهي كثيرة([287]) ومن ذلك:
عن عمران بن حصين – رضي الله عنه – أن النبي r قال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة([288]).
وقال r: «النجوم أمنة([289]) السماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون»([290]).
وقد مضى قوله r: «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه».
وعن أبي هريرة t أن رسول الله r كان على حراء، هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال النبي r: «اهدأ، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد»([291]) وقال r: «لا يدخل النار – إن شاء الله – من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها.([292]).
والأحاديث في هذا الباب كثيرة في عموم الصحابة وفي كثير من آحادهم ولا مجال للاسترسال في هذا، وشاهدنا هنا أن كتب السنّة مليئة بالثناء على الصحب وبيان فضلهم عن سيد الخلق r. وأئمة السنّة ترسموا سنّة رسول الله r في هذا وانعقد إجماعهم على محبتهم والترضي عنهم واعتقاد عدالتهم([293]).
ونقول – مع الخطيب البغدادي([294]) رحمه الله – على أنه لو لم يرد من الله عز وجل فيهم شيء مما ذكرناه، لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم والاعتقاد بنزاهتهم([295])، لـكن كـما يرى الإمام أبو زرعة([296]) أن للذين ينتقصون أصحاب رسول الله r غاية معينة فيقول: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله r فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عـندنا حق والـقرآن حـق وإنما أدى إلينا هذا القـرآن والسنن أصحـاب رسول الله، وإنـما يريدون أن يجرحـوا شهودنا ليبطلوا الـكتاب والسنّة، والجـرح بهم أولى وهم زنادقة)([297]).
(4) اعتقاد أهل السنّة في أهل البيت:
وقـبل بيـان منزلة أهـل البيت عـند أهـل السنة نبين المراد بأهل البيت:

روى الإمام مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله r يوماً خطيباً – وذكر الحديث وفيه: أذكركم الله في أهل بيتي – ثلاثاً – فقال حصين بن سبرة: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: إن نساءه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده([298]) قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس، قال: أكُلّ هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم..([299]).
وهذا يدل على دخول ”أقاربه وزوجاته“ في مفهوم أهل البيت. وروى مسلم من حديث ابن شهاب عن عبدالله بن الحارث بن نوفل الهاشمي أن عبد المطلب بن ربيعة أخبره أن أباه ربيعة بن الحارث قال لعبد المطلب بن ربيعة وللفضل بن العباس رضي الله عنهما: ائتيا رسول الله r فقولا له: استعملنا يا رسول الله على الصدقات – فذكر الحديث – وفيه فقال لنا: (إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد([300])).
وهذا يدل على دخول قرابته في مدلول ”الآل“.
وفي حديث كعب بن عجرة قال: سألنا رسول الله r فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟.. قال: «قولوا: اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد»([301]) وفي حديث أبي حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله r قولوا: «اللهم صَلِّ على محمد وأزواجه وذريته..»([302]) فهذا الحديث يفسر الذي قبله ويبين أن آل محمد يشمل ”أزواجه وذريته“([303]).
ومما يدل على دخول أزواجه في ”أهل بيته“ u قوله تعالى ”في خطاب نساء نبيه r]وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً[([304]) فهذه الآية ظاهرة الدلالة على أن زوجاته r من أهل بيته، ولهذا قال ابن كثير: (الذي لا يشك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي r داخلات في قوله تعالى: ]إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً[ فإن سياق الكلام مـعهن، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله([305]) ]واذكرن ما يتلى في بيوتكن من ءَايت الله والحكمة[([306]).
وقال بدخولهن في ذلك جمع كبير من المفسرين([307])



وغيرهم([308]).
وفي صحيح مسلم أن عائشة رضي الله عنها قالت: «خرج النبي r غداة وعليه مرط مرحّل([309]) من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال: ]إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً[»([310]).
قال القرطبي: (فهذه دعوة من النبي r لهم بعد نزول الآية، أحب أن يدخلهم في الآية التي خوطب بها الأزواج)([311]).
فعلى هذا تشمل الآية الزوجات وأصحاب الكساء([312]) (فمن جعل الآية خاصة بأحد الفريقين فقد أعمل بعض ما يجب إعماله، وأهمل ما لا يجوز إهماله)([313]).
وبهذا قال جماعة من المحققين كالقرطبي([314])، وابن كثير([315])، وابن حجر([316]) وغيرهم.
فعلى هذا يشمل مفهوم أهل البيت ذريته r وأقاربه([317]) ممن تحرم عليهم الصدقة([318]) وكذلك أزواجه r.
بهذا المفهوم الواسع الرحب لأهل البيت يأخذ أهل السنّة. ويفترقون عمن يحصر أهل البيت بسبعة ”الإسماعيلية“ أو اثني عشر ”الاثنا عشرية“ ويتناول بعض الصلحاء من أهل البيت بالسب والذم واللعن بحجة أنهم تطاولوا على منصب الإمامة.. ويعطي من يسميهم بـ ”الأئمة“ أوصافاً تتجاوز بهم منزلة البشر إلى منزلة خالق البشر (كما سيأتي).
وأما معتقد أهل السنّة في أهل البيت: فهم (يحبون أهل بيت رسول الله r ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله r، حيث قال: «أذكركم الله


 
في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي»([319])([320]) وما صح في هذا من الأحاديث.
يقول الصديق t: «والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله r أحب إليّ أن أصل من قرابتي»([321]) ويقول: «ارقبوا محمداً في أهل بيته»([322]).
ويشرح الإمام عبدالقاهر البغدادي نظرة أهل السنّة إلى آحاد أهل البيت فيقول: (وقالوا – يعني أهل السنّة – بموالاة الحسن والحسين والمشهورين من أسباط رسول الله r كالحسن بن الحسن وعبدالله بن الحسن وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي بن الحسين المعروف بالباقر.. وجعفر بن محمد المعروف بالصادق، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى الرضا، وكذلك قولهم في سائر أولاد علي من صلبه كالعباس، وعمر، ومحمد بن الحنفية، سائر من درج على سنن آبائه الطاهرين دون من مال منهم إلى الاعتزال أو الرفض ودون من انتسب إليهم وأسرف في عدوانه وظلمه)([323]).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية مبيناً مذهب أهل السنّة نحو أهل بيته r فيقول: (آل بيت رسول الله r لهم من الحقوق ما يجب رعايتها، فإن الله


 
جعل لهم حقاً في الخمس والفيء وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله r، فقال لنا: «قولوا: اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد»)([324]).
وأهل السنة يتولون أزواج رسول الله r ويترضون عنهن ويعرفون لهن حقوقهن ويؤمنون بأنهن – رضي الله عنهن – أزواجه في الآخرة، قال ابن قدامة: (ومن السنّة الترضي عن أزواج رسول الله r أمهات المؤمنين المطهرات المبرّآت من كل سوء، أفضلهن خديجة بنت خويلد وعائشة الصديقة بنت الصديق التي برأها الله في كتابه زوج النبي r في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برّأها الله منه فقد كفر)([325]).
وصلة المحبة والإخاء بين الآل والأصحاب ثابتة في اعتقاد أهل السنّة، وقد نقلوا في دواوينهم الحديثية ثناء بعضهم على بعض ومحبة بعضهم لبعض، وخص بعضهم هذا الموضوع بتأليف خاص كالدارقطني([326]) والشوكاني([327]) وذلك لمواجهة دسائس التفرقة بين الأمة التي حاولت افتعال فجوة وقطيعة بين الآل والأصحاب من أجل أن تبقى الفرقة والعداوة بين المسلمين.

وأهل السنّة في موقفهم السامي من القرابة والصحابة لا يخرجون في وصفهم للآل والصحب عن المشروع، فلا يغالون في أوصافهم، ولا يعتقدون عصمتهم، والأحاديث الصحيحة في دواوين السنّة شاهدة على هذا ذلك بأن الرعيل الأول كانوا بشراً وليسوا ملائكة فهم لم يتخلوا عن طبيعة البشر بما فيها من قوة وضعف وأن منشأ امتيازهم أنهم بلغوا في بشريتهم هذه أعلى قمة مهيأة لبني الإنسان في الاحتفاظ بخصائص البشر في الأرض مع الاستمساك بعروة السماء)([328]).
وأهل السنّة وهم يحبون آل البيت ويتولونهم، ويحبون الصحابة ويتولونهم لا يعتقدون أن هذا الحب يسقط عنهم التكاليف الشرعية، أو يكون هو السبب الوحيد المنجي في الآخرة، فالقرآن لم يربط النجاة والهلاك بحب فلان أو بغضه بل بطاعة الله ورسوله، قال تعالى: ]ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً[([329]) وقال سبحانه: ]بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون[([330])، والآيات في هذا المعنى كثيرة والسنّة زاخرة بما يؤكد هذا ويحتمه.
وقد عُلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الشرك يضر صاحبه ولو أحب من أحب من أهل البيت أو الصحابة.
قال ابن تيمية ـ في رده للحديث الموضوع «حبُّ عليّ حسنة لا يضر معها سيئة..»ـ: هذا القول كفر ظاهر يستتاب صاحبه، ولا يجوز أن يقول هذا من يؤمن بالله واليوم الآخر([331]).
(5) لا عصمة لأحد بعد رسول الله r:
يعتقد أهل السنّة أن لا معصوم إلا رسول الله r وسائر أنبياء الله ورسله السابقين([332]) ولا عصمة بعد الرسول r لأحد([333]) ولا مشرع بعده.
فلا يكون في الدين واجباً إلا ما أوجبه، ولا حراماً إلا ما حرمه، ولا مستحباً إلا ما استحبه، ولا مكروهـاً إلا مـا كرهه، ولا مـبـاحـاً إلا مـا أباحه([334]).
فالوحي قد انقطع منذ مات رسول الله r والحجة قد قامت على الأمة برسول الله عليه الصلاة والسلام، واتباع النبي r يغني عن اتباع ما سواه، يقول سبحانه:
]إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده – إلى قوله – لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل[([335]) ولم يقل سبحانه ”والأئمة“.
وهذا يبطل قول من أحوج الخلق إلى غير الرسل كالأئمة([336])، فلا عصمة ولا طاعة مطلقة ولا تشريع.. لغيره r، وكلٌّ يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله r([337]).
ولكن يرى أهل السنّة أن الأمة لا يمكن أن تجتمع على ضلالة وأنها معصومة بكتاب ربها وسنّة نبيها عن أن تضل جميعاً، وهذا يخالف تماماً من يوجب عصمة واحد من المسلمين – إذا لم يكن فيهم معصوم – الخطأ([338])، فالأمة محفوظة من الضلال العام الشامل كما جاءت بذلك النصوص الشرعية.
يقول r: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون»([339]) وفي لفظ: «ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله»([340]).
وفي رواية: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون»([341]).
والله سبحانه وتعالى قرن ”سبيل المؤمنين“ بطاعة رسوله في قوله عز وجل: ]ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوّله ما تولى ونُصْلِه جهنم وساءت مصيراً[([342]).
=
وجاءت نصوص تأمر بالجماعة وتحذر من مفارقتها كقوله r: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»([343]) وروي عنه r عدة روايات في أن هذه الأمة «لا تجتمع على ضلالة»([344]).
هذا وهناك مسائل أخرى في (اعتقاد أهل السنة الذي شذت عنه الشيعة)، نكتفي بالإشارة إليها دون التفصيل لئلا يطول بنا البحث. وهي كالتالي:
(6) يقول أهل السنّة:
إن أصول أحكام الشريعة الكتاب والسنّة وإجماع السلف([345])، وقال عبدالقاهر البغدادي: إنهم أكفروا من لم ير إجماع الصحابة حجة([346]).
=

(7) ويرى أهل السنة:
=
أن المعجزات([347]) لا يأتي بها أحد إلا الأنبياء عليهم السلام([348]) خلافاً للروافض الذين جعلوا علامة الإمام عندهم صدور المعجزة منه، لأن الإمامة عندهم كالنبوة.. – كما سيأتي -.
(8) ومن اعتقاد أهل السنّة:
أنه لا يعلم الغيب إلا الله وحده، قال تعالى: ]قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله[([349]) ]وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو[([350]).
وقال سبحانه: ]عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً. إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً[([351]).
ويؤمنون بعلم الله المطلق، وأنه عالم الغيب والشهادة، ويعلم السر وأخفى، وهو بكل شيء عليم، وضللوا الروافض في نسبتهم إلى الله U ”البداء“ – كما سيأتي – تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
(9) ومما يقوله أهل السنة أن ما اختاره المسلمون من الأئمة الذين مضوا وعقدت لهم الإمامة كانوا أئمة خلافاً لمن حصرهم بعدد معين وأبطل إمامة ما سواهم([352]).
(10) ومما يعتقده أهل السنّة أن من أصول السنة لزوم الجماعة وترك الشذوذ والفرقة استجابة لأمر الله: ]واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا[([353]). ]ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم[([354]) ولما جاء من الأحاديث التي تأمر بالتزام الجماعة وتنهى عن الفرقة كقوله r: «عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة»([355]) وقوله عليه الصلاة والسلام: «من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية»([356]).
(11) ومن أصول أهل السنة أن (الحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما)([357]).
(12) ومن أصول أهل السنة والجماعة (أنهم يصلون الأعياد والجماعات ولا يدعون الجمعة والجماعة كما فعل أهل البدع من الرافضة وغيرهم)([358]).
(13) ومن اعتقاد أهل السنة أنه (لا يرجع أحد من الأموات قبل يوم البعث. فلا يرجع محمد رسول الله r ولا أحد من أصحابه إلا يوم القيامة إذا رَجَعَ الله المؤمنين والكافرين للحساب والجزاء، هذا إجماع جميع أهل الإسلام قبل حدوث الروافض..)([359]).
هذه أهم المسائل التي يأخذ بها أهل السنّة، وفي عقائد الشيعة ودواوينها ما يخالفها كما تقوله ”مصادر أهل السنّة“، وسنرى مصداق ذلك أو غيره في مبحث الشيعة وعقائدهم.
وهذه المسائل منها ما يدخل في أصول الإيمان عند أهل السنّة كما جاءت في حديث جبريل وغيره، ومنها ما يدخل فيما تواترت به السنّة وخالفه أهل البدع من ”مسائل الفروع“ أو ”العمليات“، ذلك (أن الخلاف المذموم ما خولف فيه كتاب أو سنّة صحيحة أو إجماع..)([360])، ولهذا نرى أهل السنّة يبحثون في كتب العقيدة ما خالف فيه أهل البدع مما جاءت به السنّة الصحيحة وإن كان من قضايا الفروع، وقد نبه بعض الأئمة إلى أن مسألة التفرقة بين الأصول والفروع لم تكن في عصر السلف وأنها غير منضبطة بحد محدود([361]).
كما قد نبه بعض أهل السنّة إلى أنه يوجد ما هو من أصول الدين عند الشيعة وليس كذلك عند أهل السنّة كمسألة الإمامة وغيرها.
هذا وسنرى – في دراسة ”الشيعة“ – ما تقوله كتب الشيعة نفسها. وهل هذا الشذوذ موجود فيها أو أكثر منه، أو لا يوجد من ذلك شيء لهم؟ وهل أهل السنّة يظلمونهم أو أن ما قالوه فيهم هو دون ما هم عليه من غلو بعد انتشار كتبهم في هذا العصر؟.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
البــاب الثاني
 
الشيـعـة
 
 
الفصل الأول: تعريف الشيعة، ونشأتهم وفرقهم.
الفصل الثاني: اعتقادهم في مصادر التلقي (أو في أصول الأحكام) المتفق عليها بين المسلمين.
الفصل الثالث: عقائدهم الأخرى التي انفصلوا بها عن أهل السنّة.


الفصل الأول
 
تعريف الشيعة ونشأتهم وفرقهم
تعريـف الشيعة:
الشيعة في اللغة: هم الأتباع والأنصار.
جاء في «القاموس»: (شيعة الرجل بالكسر أتباعه وأنصاره، والفرقة على حده، ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، وجمعه أشياع وشيع)([362]).
(وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة.. وكل من عاون إنساناً وتحزب له فهو له شيعة)([363]).
قال الأزهري([364]): (معنى الشيعة: الذين يتبع بعضهم بعضاً وليس كلهم متفقين)([365]).
فالتشيع بمعناه اللغوي هنا يعني المناصرة والمتابعة، أو الاجتماع على أمر أو التحزب لشخص، ويضيف الأزهري: معنى عدم وجود الوفاق التام بينهم([366]) وهو هنا لا يحدد فرقة بعينها، ولكنه غلب فيما بعد كما يقول صاحب «القاموس» على كل من يتولى علياً وأهل بيته حتى صار اسماً لهم خاصاً([367])، فإذا قيل فلان من الشيعة عرف أنه منهم، وفي مذهب الشيعة كذا أي عندهم([368]).
والشيعة في الاصطلاح: يقول شيخ الشيعة وعالمها في زمنه ”المفيد“([369]) بأن لفظ الشيعة يطلق على (أتباع أمير المؤمنين على سبيل الولاء والاعتقاد لإمامته بعد الرسول صلوات الله عليه وآله بلا فصل، ونفي الإمامة عمن تقدمه في مقام الخلافة، وجعله في الاعتقاد متبوعاً لهم غير تابع لأحد منهم على وجه الاقتداء)([370]) ثم يذكر أنه يدخل في هذا التعريف ”الإمامية والجارودية الزيدية“، أما باقي فرق الزيدية فلا تشملهم سمة التشيع وليسوا من الشيعة وكذا الفرق الأخرى([371]).

ومما يلاحظ على تعريف المفيد للشيعة:
(1) أنه لم يشر إلى اعتبار الأئمة بعد علي، مع أنهم يقولون بأن من لم يؤمن بـ "الأئمة" بعد علي فليس من الشيعة.
(2) أنـه لم يذكر في تعريفه مسألة النص عـلى عليٍّ من الله ورسوله – كما يعتقدون – وأن من لم يؤمن بالأئمة وبالنص عليهم فليس من الشيعة عندهم.
كما يلاحظ أنه ينص في تعريفه على إخراج معتدلي الزيدية من وصف التشيع، ولا يصدق وصف التشيع – في نظره – إلا على "الجارودية"، في حين أنه فتح المجال في تعريفه لدخول فرق الغالية كلها.
أما قوله في التعريف: بالاعتقاد بإمامة علي بعد الرسول ﷺ بلا فصل؛ فإننا نجد شرحاً لهذه الجملة في كتاب آخر له حيث قال: (وكانت إمامة أمير المؤمنين بعد النبي ﷺ ثلاثون سنة – كذا – منها أربع وعشرون سنة وستة أشهر كان ممنوعاً من التصرف في أحكامها مستعملاً للتقية والمداراة، ومنها خمس سنين وستة أشهر ممتحناً بجهاد المنافقين من الناكثين والقاسطين والمارقين([372])، ومضطهداً بفتن الضالين كما كان رسول الله ﷺ ثلاث عشرة سنة من نبوته ممنوعاً من أحكامها خائفاً ومحبوساً وهارباً ومطروداً لا يتمكن من جهاد الكافرين ولا يستطيع دفعاً عن المؤمنين، ثم هاجر وأقام بعد الهجرة عشر سنين مجاهداً للمشركين ممتحناً بالمنافقين إلى أن قبضه الله – جل اسمه – إليه وأسكنه جنات النعيم)([373]).
وإذا كان تعريف «المفيد» للشيعة ليس بجامع لمعنى التشيع لما ذكرنا, فإن كتب المقالات والفرق الشيعية القديمة ككتاب «فرق الشيعة» للنوبختي، و«المقالات والفرق» لسعد القمي لم تسعفنا بتعريف جامع للشيعة, وتكتفي في تعريف الشيعة بالقول بأنهم: (أتباع علي بن أبي طالب)([374]). وفي كلام لشيخهم الطوسي([375]) عن النص والوصية نراه يربط التشيع بالاعتقاد بكون علي إماماً للمسلمين بوصية من الرسول، وبإرادة من الله([376]).
فالطوسي هنا يجعل الاعتقاد بالنص هو أساس التشيع, ولهذا يخرج الطوسي السليمانية الزيدية من الفرق الشيعية لأنهم لا يقولون بـ ”النص“([377])، بل يقولون: (إن الإمامة شورى، وأنها تصلح بعقد رجلين من خيار المسلمين وأنها قد تصلح في المفضول، ويثبتون إمامة الشيخين أبي بكر وعمر)([378]). وينطبق رأي الطوسي على كل من يقول من فرق الزيدية برأي السليمانية كالصالحية والبترية، فلا ينتظم في سلك التشيع – في اعتقاد الروافض – من فرق الزيدية سوى الجارودية من الزيدية([379])، وخالص القول أن الإيمان بالنص على إمامة علي يعتبر عندهم لباب التشيع، لهذا نجد بعض علمائهم المعاصرين يعرف الشيعة على هذا النحو, فيقول إن لفظ الشيعة: (عَلَم عَلَى من يؤمن بأن عليّاً هو الخليفة بنص النبي)([380]).
وتعريف الشيعة على هذا النحو يغفل هو الآخر بعض الجوانب الأساسية في التعريف بالشيعة عندهم, حيث لم يذكر الإيمان بباقي الأئمة بعد علي([381]).
لهذا نرى بعض كتاب الشيعة المعاصرين يولي وجهه تعاريف أهل السنّة للشيعة ويختار تعريف ابن حزم لهم ويعتبره (من أكثر التعاريف شمولاً وأقربها للتدقيق)([382]).
يقول ابن حزم: (ومن وافق الشيعة في أن علياً t أفضل الناس بعد رسول الله r وأحقهم بالإمامة وولده من بعده فهو شيعي، وإن خالفهم فيما عدا ذلك مما اختلف فيه المسلمون، فإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعياً)([383]).

ويعلل الرافضي اختياره لتعريف ابن حزم بقوله: (ومما حدانا إلى تفضيل تعريف ابن حزم أن الاعتراف بأفضلية الإمام علي على الناس بعد رسول الله، وأنه الإمام الخليفة بعده وأن الإمامة في ذريته من فاطمة؛ هو أس التشيع وجوهره)([384]).
وإن من يقرأ كلام الشيعة عن عقائدهم كالعصمة، والتقية، والرجعة، وغيرها يرى أنهم يغالون في كل عقيدة من عقائدهم بحيث يربطون وصف التشيع بالإيمان بتلك العقيدة, مثل قولهم: (من لم يؤمن بكرَّتنا([385]) ويقل بمتعتنا فليس منا), وغيره مما سيأتي مما يتضمن نفي صفة التشيع عمن لم يؤمن بتلك العقائد، ولا نرى لهذه العقائد ذكراً في التعريفات مع أنهم يعتبرونها لباً وجوهراً للتشيع.
ونجد الإمام الشهرستاني([386]) يقدم لنا تعريفاً للشيعة يعتبر من أكثر التعاريف شمولاً لعقائد الشيعة فيقول: (الشيعة هم الذين شايعوا عليّاً t على الخصوص, وقالوا بإمامته وخلافته نصّاً ووصية إما جليّاً، وإما خفيّاً, واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره أو بتقيَّة من عنده وقالوا: ”ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة“ وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية وهي ركن الدين لا يجوز للرسل عليهم الصلاة والسلام إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة وإرساله. ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوباً عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولي والتبري قولاً وفعلاً وعقداً إلا في حال التقية, ويخالفهم بعض الزيدية في ذلك)([387]).
ومن هذا التعريف يتبين أن جميع فرق الشيعة ما عدا بعض الزيدية يتفقون على وجوب اعتقاد الإمامة، والعصمة، والتقية.
وسنرى أن الاثني عشرية يقولون بعقائد أخرى كالغيبة، والرجعة والبداء أيضاً.
ولكننا نجد الإمام الأشعري – رحمه الله – يكتفي في تعريف الشيعة بقوله: (إنما قيل لهم الشيعة لأنهم شايعوا عليّاً t ويقدمونه على سائر أصحاب رسول الله r)([388]).
وهو تعريف ينطبق على أول سلم التشيع، وهو تشيع الزيدية (ما عدا طائفة الجارودية). وبتعبير آخر هو تعريف ”للمفضلة“ من الشيعة، وهم الذين يفضلون عليّاً على أبي بكر وعمر وسائر أصحاب رسول الله r، والشيعة الاثنا عشرية لا يعتبرون مجرد تقديم علي على سائر أصحاب النبي r كافياً في التشيع، بل لا بد من الاعتقاد بأن خلافة علي بالنص واعتقاد أن خلافته بدأت بعد وفاة الرسول r حتى استشهاده t.
ويـمكن أنـه يقـال إن الأشعري بتعـريفـه هـذا قـد أخـرج الروافض من دائرة التشيع، لأنه لم يذكر ما يعتبرونه الأساس في التشيع في تعريفه.
 
التعريف المختار للشيعة:
ومع كل ما ورد في هذا المساق فقد تكون الرؤية في هذا المقام أكثر دقة إذا نحن نظرنا إلى بعض الملابسات. ولذا فإني أرى أن تعريف الشيعة مرتبط أساساً بأطوار نشأتهم ومراحل التطور العقدي لهم، ولهذا كان في الصدر الأول لا يسمى شيعيّاً إلا من قدّم عليّاً على عثمان، ولذلك قيل شيعي وعثماني، والشيعي من قدّم عليّاً على عثمان، والعثماني من قدّم عثمان على علي([389]).
فعلى هذا يكون تعريف الشيعة في الصدر الأول مقصوراً على الذين يقدمون عليّاً على عثمان فقط.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية إن: (الشيعة الأولى الذين كانوا على عهد علي كانوا يفضلون أبا بكر وعمر([390])، ولما سأل سائل شريك بن عبدالله([391]) فقال له أيهما أفضل: أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر. قال له السائل: تقول هذا وأنت شيعي؟ فقال له: نعم، ومن لم يقل هذا فليس شيعيّاً، والله لقد رقي عليٌّ هذه الأعواد، فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، فكيف نرد قوله وكيف نكذبه؟ والله ما كان كذاباً)([392]).

وروى ابن بطة عن شيخه المعروف بأبي العباس بن مسروق: حدثنا محمد بن حميد، حدثنا جرير عن سفيان عن عبدالله بن زياد بن حدير قال: قدم أبو إسحاق السبيعي الكوفة، قال لنا شمر بن عطية: قوموا إليه، فجلسنا إليه، فتحدثوا، فقال أبو إسحاق: خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما، وقدمت الآن وهم يقولون ويقولون، ولا والله ما أدري ما يقولون([393]).
قال محب الدين الخطيب([394]): (هذا نص تاريخي عظيم في تحديد تطور التشيع, فإن أبا إسحاق السبيعي كان شيخ الكوفة وعالمها، ولد في خلافة أمير المؤمنين عثمان قبل شهادته بثلاث سنين، وعمَّر حتى توفي سنة 127هـ، وكان طفلاً في خلافة أمير المؤمنين علي. وهو يقول عن نفسه رفعني أبي حتى رأيت علي بن أبي طالب يخطب، أبيض الرأس واللحية, ولو عرفنا متى فارق الكوفة ثم عاد فزارها لتوصلنا إلى معرفة الزمن الذي كان فيه شيعة الكوفة علويين يرون ما يراه إمامهم من تفضيل أبي بكر وعمر، ومتى أخذوا يفارقون عليّاً ويخالفونه فيما كان يؤمن به ويعلنه على منبر الكوفة من أفضلية أخويه صاحبي رسول الله r ووزيريه وخليفتيه على أمته في أنقى وأطهر أزمانها)([395]).
وقال ليث بن أبي سليم([396]): (أدركت الشيعة الأولى وما يفضلون على أبي بكر وعمر أحداً)([397]).
وذكر صاحب مختصر التحفة: (أن الذين كانوا في وقت خلافة الأمير ـ كرم الله وجهه ــ من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، كلهم عرفوا له حقه، وأحلوه من الفضل محله، ولم ينتقصوا أحداً من إخوانه أصحاب رسول الله ﷺ فضلاً عن إكفاره وسبه، بيد أن منهم من قاتل معه على تأويل القرآن كما قاتلوا مع رسول الله ﷺ على تنزيله، فقد كان معه t في حرب صفين من أصحاب بيعة الرضوان ثمانمائة صحابي، وقد استشهد منهم تحت رايته هناك ثلاثمائة)([398]).
ولكن مبدأ التشيع تغير فأصبحت الشيعة شيعاً، لهذا نرى الإمام زيداً يسمي الطاعنين في الشيخين بالروافض ويجردهم من وصف الشيعة لأنهم لا يستحقونه.
ومن عرف التطور العقدي لطائفة الشيعة لا يستغرب وجود طائفة من أعلام المحدثين وغير المحدثين من العلماء الأعلام أطلق عليهم لقب الشيعة, وقد يكونون من أعلام السنّة، لأن للتشيع في زمن السلف مفهوماً وتعريفاً غير المفهوم والتعريف المتأخر للشيعة، ولهذا قال الإمام الذهبي([399]) (ت 748هـ)، في معرض الحديث عمن رمى ببدعة التشيع من المحدثين قال: (إن البدعة على ضربين فـ”بدعة صغرى“ كغلو التشيع أو كالتشيع من غير غلو، فهذا كثير في التابعين وأتباعهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية وهذه مفسدة بينة، ثم ”بدعة كبرى“ كالرفض الكامل والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما – والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة، وأيضاً فما ﭐستحضر الآن في هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأموناً, بل الكذب شعارهم والتقِيَّة والنفاق دثارهم, فكيف يقبل نقل من هذا حاله؟ حاشا وكلاّ.
فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليّاً t وتعرض لسبهم.
والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفّر هؤلاء السادة ويتبرأ من الشيخين, فهذا ضال مفتر)([400]).

أما الشيعة التي أعنيها بالحديث، والطور من التشيع الذي أقصده فهو التشيع الذي يستقي عقيدته ودينه من الأصول الحديثية الأربعة عندهم وهي: (الكافي، والتهذيب، والاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه) تلك التي يعتبرونها كالكتب الستة عند أهل السنّة، وما أُلحق بها في الاعتبار من المصادر الأربعة المتأخرة عندهم، وهي: (الوافي، والبحار، والوسائل، ومستدرك الوسائل) وما رأى علماء التشيع أنه بدرجة هذه الكتب من مؤلفاتهم([401]). هذا هو التشيع الذي نعنيه، وهو الذي ندرس مسألة التقريب على ضوئه.
نشأة الشيعة:
وردت عدة أقوال في «بداية التشيع» ووقت ظهور الشيعة، منها ما يحمل ”طابع“ الدعاية للشيعة وإثبات أصالتها ومحاولة الرد على الأقوال التي تنسب بدايات التشيع إلى مصادر أجنبية، ومنها ما يهدف للوصول إلى الحقيقة.. وما دمنا قد التزمنا أن نعرف الشيعة من مصادرها ثم نفسح المجال بعد ذلك ”للرأي الآخر“، فبناء على ذلك نبدأ بذكر الرأي الشيعي، مع ملاحظة أن محور البحث هنا هو الإشارة إلى الآراء في أصل التشيع، ولا يعنينا بحث التطور العقدي للشيعة والفِرق الشيعية، فهذا موضوع يطول استعراضه ودراسته ولا مجال له هنا.
أصل الشيعة:
أولاً: يزعم بعض الروافض – في القديم والحديث – أن الرسول ﷺ هو الذي بذر بذرة التشيع وأن الشيعة ظهرت في عصره، وأن هناك بعض الصحابة الذين يتشيعون لعلي ويوالونه في زمنه r.. يقول القمي (ت 301): (فأول الفرق الشيعية وهي فرقة علي بن أبي طالب ”ع“ المسلمون شيعة علي ”ع“ في زمان النبي r وبعده, معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته, منهم المقداد بن الأسود وسلمان الفارسي، وأبو ذر، وعمار([402])) وبمثل هذا يقول النوبختي([403]) (ت 310). ويقول محمد حسين آل كاشف الغطاء من مجتهديهم المعاصرين (ت 1373هـ): (إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة الإسلامية – يعني أن بذرة التشيع وضعت مع بذرة الإسلام جنباً إلى جنب، وسواء بسواء، ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والرعي حتى نمت وازدهرت في حياته ثم أثمرت بعد وفاته)([404]).
ويقول بهذا الرأي طائفة أخرى من الشيعة([405]).
ويـرى د. محمود صبحي: (أن إرجـاع التشيـع مـن الناحية التاريخية إلى عـهد الـرسول r ليـس إلا محاولة من جـانب متكلمي الشيعة لنقض دعـوى خـصومـهم القـائمـة عـلى رد معتقـدات الشيعـة إلـى أصول أجنبية)([406]).
والخطأ الأكبر في هذه المحاولة أو الحيلة هو – كما يقول د. علي سامي النشار –: (أنه لم يكن بين يدي الرسول r شيعة وسنّة, وقد أعلن الله في القرآن: ]إن الدين عند الله الإسلام[([407]). لا التشيع ولا التسنن)([408]). والجميع شيعة للمصطفى r, ولم يكن للشيعة وجود زمن أبي بكر وعمر وعثمان، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ففي خلافة أبي بكر وعمر وعثمان لم يكن أحد يسمى بالشيعة، ولا تضاف الشيعة إلى أحد)([409]).
ويرى الشيخ موسى جار الله أن هذه ”المقالة“ من الشيعة مغالطة فاحشة خرجت عن حدود كل أدب وأنها افتراء على النبي محمد  ﷺ وتحريف للآيات ولعب بالكلمات. ويتعجب من قول آل كاشف الغطاء (أن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة).. فيقول: (أي حبة بذر النبي حتى أنبتت سنابل اللعن والتكفير للصحابة وخيار الأمة وسنـابل الاعتقاد بأن القرآن محرف بأيدي منافقي الصحابة، وأن وفاق الأمة ضلال، وأن الرشاد في خلافها حتى توارت العقيدة الحقة في لُجٍّ من ضلال الشيعة جَم)([410]).
ثانياً: القول الثاني: أن التشيع ظهر بعد وفاة الرسول r حيث وجد من يرى أحقية علي بالإمامة، ويتشيع له، وهم بعض الصحابة ـ رضوان الله على الجميع – كسلمان وأبي ذر، والمقداد، وهذا الرأي قال به بعض الشيعة([411]) بتفسير خاص له وقال به بعض أهل السنّة([412]) وغيرهم([413]) بتفسير مغاير لغرض الشيعة. فالشيعة يعنون بنشأة التشيع بداية عقائدهم في الإمامة وغيرها وهو تعسف ظاهر، وكيف ينسب لأولئك الصحب رضوان عليهم عقيدة من عقائد الشيعة في الإمامة أو الرجعة أو البداء وغيرها من العقائد.. التي بناها الشيعة فيما بعد، ثم هم لا يملكون لهذا الادعاء سنداً.. أما غير الشيعة فيربط هذا القول بوجود رأي يقول بأحقية قرابة الرسول r بالخلافة بعده.
ولا شك أنه إذا وُجد من يرى أحقية علي بالإمامة أو أن الإمامة ينبغي أن تكون في القرابة، فقد وجد رأي يقول باستخلاف سعد بن عبادة من الأنصار، وبأن الإمامة ينبغي أن تكون في الأنصار، وهذا الاختلاف لا دلالة فيه على ميلاد حزب معين، وتعدد الآراء أمر طبعي, وهو من مقتضيات نظام الشورى في الإسلام، فهم في مجلس واحد تعددت آراؤهم وما انفصلوا حتى اتفقوا, ومثل هذا لا يعد نزاعاً([414]). وقد اندرجوا تحت الطاعة على بكرة أبيهم لأبي بكر t، وكان علي t سامعاً لأمره ناهضاً إلى غزوة بني حنيفة.. وبايع أبا بكر على ملأ من الأشهاد([415]).
والقول بوجود رأي من سلمان وأبي ذر والمقداد بأحقية علي في الخلافة لم أجد له ذكراً في المصادر الأصيلة، (وقد تواتر عن علي t من وجوه كثيرة أنه قال على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر)([416])، فكيف يرى غيره من الصحابة فيه ما لم يره في نفسه؟.
والشيعة ليس لها ذكر أو وجود في عهد أبي بكر أو عمر أو عثمان, فكيف يقال بنشأتها بعد وفاة الرسول r؟.
وقـد أقر بعض الشيعة بهذه الحقيقة التـاريخية الثابتة, إذ يذكر محمد حسين العـاملي: (أن لفظ الشيعة قـد أهمل بعد أن تمت الخلافة لأبي بكر وصار المسلمون فرقة واحدة إلى أواخر أيام الخليفة الثـالث)([417]) ونحن نقول إنه لم يوجد أصلاً ولم يوجد لمسماه ذكر.
ثالثاً: أن التشيع لعلي بدأ بمقتل عثمان. يقول ابن حزم: (ثم ولي عثمان وبقي اثنا عشر عاماً، وبموته حصل الاختلاف وابتدأ أمر الروافض)([418])([419])، والذي تولى غرس بذرة الرفض والتشيع هو عبدالله بن سبأ([420]) اليهودي الذي بدأ حركته في أواخر عهد عثمان.
 
وأكدت طائفة كبيرة من الباحثين القدماء والمعاصرين أن ابن سبأ أساس المذهب الشيعي والحجر الأول في بنائه([421]). وقد تواتر ذكره في كتب السنّة والشيعة على حد سواء ونبتت نابتة من شيعة العصر الحاضر تحاول أن تنكر وجوده بجرة قلم دون مسوغ واقعي أو دليل قاطع([422])، فضلاً عن أن بعضهم قد ادعى أن عبدالله بن سبأ هو عمار بن ياسر([423])، وهذه الدعوى هي محاولة لتبرئة اليهود من فتنة المسلمين، كما أنها محاولة لإضفاء صفة الشرعية على ”الرفض“, وقد اتفق القدماء من أهل السنّة والشيعة على السواء على اعتباره حقيقة واقعية وشخصية تاريخية, فكيف ينفي ما أجمع عليه الفريقان؟، أما القول بأن ابن سبأ هو عمار بن ياسر فهو قول يرده التاريخ والسنة الثابتة, وكيف تلصق تلك العقائد التي قال بها ابن سبأ بعمار بن ياسر, وهل هذا إلا جزء من التجني على الصحابة والطعن فيهم؟ ولا مجال لدراسة هذه المسألة هنا. وقد كتب فيها بعض الباحثين المعاصرين ورد هذه الادعاءات بالأدلة من الفريقين([424]).
وسنكتفي هنا بالرجوع إلى مصادر الشيعة الأصيلة لنرى ما تقول كتب الشيعة نفسها عن ابن سبأ (وذلك لالتزامنا أن لا نكتب عنهم إلا من كتبهم). فالشيعي سعد بن عبدالله القمي([425]) (ت 229 أو 301) في كتابه (المقالات والفرق) يقر بوجوده ويعتبره أول من قال بفرض إمامة علي ورجعته وأظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة([426]). وسعد القمي هذا هو – عندهم – ثقة واسع المعرفة بالأخبار، ومعلوماته – عندهم – مهمة موثوقة نظراً لقدم فترتها الزمنية، ولأن سعداً كما روى شيخ الشيعة الصدوق – كما يلقبونه – قد لقي إمامهم المعصوم الحسن العسكري وسمع منه([427])، ويتفق النوبختي([428]) (ت 310) في الحديث عن ابن سبأ مع القمي حتى في الألفاظ نفسها([429]), والنوبختي هو أيضاً من ثقاتهم, قال الطوسي: (كان إمامياً حسن الاعتقاد)([430]).. وعالمهم الكشي([431]) يقول في كتابه المعروف بـ «رجال الكشي» ـ وهو أقدم كتب الشيعة المعتمدة في علم الرجال ـ: (إن عبدالله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى عليّاً u، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصى موسى بالغلو – كذا – فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله r في علي مثل ذلك، وكان أول من أشهر القول بفرض إمامة علي، وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه وكفرهم، من هنا قال من خالف الشيعة: إن أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية)([432]). هذا ما جاء عن ابن سبأ في «رجال الكشي» الذي يعتبرونه أحد الأصول الأربعة التي عليها المعول في تراجم الرجال، وقام الطوسي المسمى عندهم بشيخ الطائفة بتهذيب الكتاب فزادت ثقتهم بالكتاب، حيث اجتمع في تأليف الكشي الذي هو عندهم (ثقة عين بصير بالأخبار والرجال، كثير العلم حسن الاعتقاد ومستقيم المذهب)([433]) مع الطوسي شيخ طائفتهم، وصاحب كتابين من صحاحهم الأربعة. وما نقلناه عن رجال الكشي هو من تهذيب الطوسي، لأنهم قالوا (بأن الأصل لا يعرف له أثر)([434]).
ونقـل الممقـاني ـ الذي يعتبرونه من أكبر علمائهم المعاصرين في الرجال ـ ما قاله الكشي عن ابن سبأ([435]). ولعل أقدم مصدر عند الشيعة تحدث عن ابن سبأ والسبئية هو كتاب (مسائل الإمامة)([436]) لعبدالله الناشئ الأكبر([437]) (ت 293). وكتب الشيعة التي ذكرت ابن سبأ كثيرة لا مجال لاستعراضها، وما نقلناه يشهد بوجود ابن سبأ وسعيه لبذر العقائد الدخيلة في معتقد الأمة – باعتراف كتب الشيعة نفسها – وأنه أول من قال بالوصية لعلي ورجعته وطعن في الخلفاء الثلاثة والصحابة، وهي آراء وعقائد أصبحت فيما بعد من أسس المذهب الشيعي.
رابعـاً: ومنهم من يجعل تاريخ ظهور الشيعة يوم الجمل. قـال ابن النديم أن عليّاً قصد طلحة والزبير ليقاتلهما حتى يفيئا إلى أمر الله جل اسمه، وتسمى من اتبعه على ذلك بالشيعة، وكان يقول: شيعتي، وسماهم عليه السلام: الأصفياء، الأولياء، شرطة الخميس، الأصحاب)([438]).
هذا هو رأي – ابن النديم – وهو شيعي. ويرى د. مصطفى الشيبي – شيعي معاصر – أنه رأي غريب([439])، ولكن لا يستغرب مثل هذا الرأي من شيعي متحمس لمذهبه، وقال د. النشار: (أرى في كلام ابن النديم وهو شيعي بعض الغلو)([440]).
خامساً: إن تاريخ ظهور الشيعة بعد رجوع علي من صفين. ومن أشهر القائلين بالرأي المذكور الأستاذ وات منتوجمري([441]) (Montgomery Watt) حيث يقول: (إن بداية حركة الشيعة هي أحد أيام سنة 658م -37هـ)([442]).
ويقول صاحب «مختصر التحفة الإثني عشرية»: (إن ظهور اسم الشيعة كان عام 37هـ)([443]).
سادساً: إن مقتل الحسين كان هو زمن ميلاد الشيعة، يقول شتروتمان([444])
 
(Strotnmann, R.): (إن دم الحسين يعتبر البـذرة الأولى للتشيع كعقيدة)([445]).
الرأي المختار:
هذه معظم الآراء في نشأة الشيعة.. والذي أراه أن الشيعة باعتبارها فكرة وعقيدة لم تولد فجأة، بل إنها أخذت أطواراً زمنية.. ولكن طلائع العقيدة الشيعية، وجذورها الأولى ظهرت على يد السبئية باعتراف كتب الشيعة التي قالت بأن ابن سبأ أول من أشهر القول بفرض إمامة عـلي – كما مر نقله – وهـذه عقيدة «النص على علي بالإمامة» وهي أساس التشيع، وقالت: إن عبدالله بن سبأ أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان أصهار رسول الله ﷺ وأرحامه والصحابة – كما قال النوبختي وغيره – وهـذه هي عـقيدة الشيعة في الصحابة، وذكرت أنه لما بلغه نعي علي بالمدائن قال للذي نعاه: (كـذبت، لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض، وهذه عقيدة الرجعة).
وأمـا عقيدة الشيعة في أن الرسول r استودع عليّاً شيئاً غير ما في أيدي النـاس، فقد وجدت هذه المقـالة أيضاً في عهد عـلي t، وسئل عـن ذلك فنفى هذه الدعوى نفياً قاطعاً كما جاء في صحيح البخاري عن أبي جحيفة t([446]).
هذه بعض أصول الشيعة، وقد وجدت إثر مقتل عثمان وفي عهد علي ولم تأخذ مكانها في نفوس فرقة معينة، بل إن السبئية ما كادت تطل برأسها حتى حاربها علي t, ولكن ما تلا ذلك من أحداث هيأ جوّاً صالحاً لظهور هذه العقائد كمعركة صفين، وحادثة التحكيم التي أعقبتها، ومقتل علي ومقتل الحسين، كل هذه الأحداث هيأت جوّاً صالحاً لدخول الفكر الوافد من نافذة التشيع لعلي وآل بيته. ولم يكن استعمال ”الشيعة“ في عهد علي t إلا بمعنى الموالاة والنصرة، ولا يعني بحال الإيمان بعقيدة من عقائد الشيعة اليوم، ولم يختص إطلاقها بعلي t، ويدل على ذلك ما جاء في صحيفة التحكيم من إطلاق اسم الشيعة على كل من أتباع علي وأتباع معاوية ومما جاء فيها: (هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتهما...) «ومنها»: (وإن عليّاً وشيعته رضوا بعبدالله بن قيس ورضي معاوية وشيعته بعمرو بن العاص...) «ومنها» (فإذا توفي أحد الحكمين فلشيعته وأنصاره أن يختاروا مكانه...) «ومنها»: (وإن مات أحد الأميرين قبل انقضاء الأجل المحدود في هذه القضية فلشيعته أن يختاروا مكانه رجلاً يرضون عدله)([447]). فاسم الشيعة لم يتحدد بفئة معينة إلى ذلك الوقت. وقد أورد شيخ الإسلام ابن تيمية حديثاً في صحيح مسلم وفيه قول «حكيم بن أفلح»: لأني نهيتها – يعني عائشة – أن تقول في هاتين الشيعتين شيئاً»([448]). وأخذ من هذا دلالة تاريخية على عدم اختصاص علي باسم الشيعة في ذلك الوقت([449]).
ويستدل د. علي النشار ببعض النصوص التي تفيد عدم اختصاص علي باسم الشيعة في عهد خلافته ومنها قول معاوية لبسر بن أرطأة حين وجهه إلى اليمن: (أمعن حتى تأتي صنعاء فإن لنا بها شيعة)([450]).
لكن بعد مقتل الحسين رأينا بدء التجمع الفعلي لمن يدعون التشيع للأخذ بثأر الحسين.. يقول المسعودي([451]): (وفي سنة خمس وستين تحركت الشيعة في الكوفة)([452]) وتكونت حركة ”التوابين“ ثم حركة المختار ”الكيسانية“، وبدأت الشيعة تتكون وتضع أصول مذهبها، وتستدل له.. وبعدما كانت الآراء الشيعية تطارد وجدت بعد هذه الأحداث الجو الذي تنمو فيه تحت ستار التشيع لآل البيت، وملخص القول أن بعض الأصول العقدية للشيعة ظهر على يد ابن سبأ في عهد علي، ولكنها لم تأخذ صفة الجماعة أو اسم التشيع، وبعد توالي الأحداث التي ذكرنا، ولا سيما بعد مقتل الحسين بدأت الشيعة كفرقة، وانطلقت لتأسيس مذهبها على أصول معينة، وبالتالي وجد أن الآراء التي نادى بها ابن سبأ أخذت مكاناً لها في المناخ الفكري للشيعة.

فرق الشيعة
في كتاب «المقالات والفرق» للشيعي سعد القمي (ت 301 أو 399) وكتاب «فرق الشيعة» للشيعي الحسن النوبختي (310) – وهما من أهم كتب الشيعة الخاصة بالفرق وأقدمها – في هذين الكتابين عشرات وعشرات من الفرق الشيعية، وبعدهما أيضاً حدثت فرق، وولدت طوائف ومقالات تنتمي للتشيع، حتى أن الرافضي مير باقر الداماد([453]) زعم أن جميع الفرق المذكورة في الحديث – حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة – هي فرق الشيعة وأن الناجية منهم فرقة الإمامية. وأما أهل السنة والمعتزلة وغيرهم من سائر الفرق فجعلهم من أمة الدعوة: ـ أي ليسوا من أمة الإجابة, فهم في اعتقاده لم يدخلوا في الإسلام([454]). والمسعودي قبله يذكر أن طوائف الشيعة بلغت ثـلاثاً وسبعين فرقة([455]).

وقد ورد في دائرة المعارف أنه (ظهر من فروع الفرق الشيعية ما يزيد كثيراً عن الفرق الاثنتين والسبعين المشهورة([456]))، وذكر بعض العلماء أن فرق الشيعة بلغت ثلاثمائة فرقة([457]).
ولا شك أن (هذا الاختلاف العظيم يدل على عدم النص)([458]) على إمام. وتحدثت كتب الفرق والمقالات (غير الشيعية) عن الشيعة وأصول فرقها وفروعها.
فالشهرستاني يجعل أصول فرق الشيعة خمساً([459])، كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة، وإسماعيلية([460])، أما الأشعري فيرجع فرقهم إلى ثلاثة أصول:
(1) الغلاة ويقسمها إلى خمس عشرة فرقة.
 
(2) الرافضة([461]): ويقسمها إلى أربع وعشرين فرقة.
(3) الزيدية: ويقسمها إلى ست فرق([462]).
أما أبو الحسين الملطي([463]) فلا يفرق بين الغلاة والرافضة ـ الذين يلقبون بالإمامية في الغالب أو الإثني عشرية ـ والزيدية، ويطلق على الجميع ”الرافضة“، وكذا أبو المظفر الإسفراييني في «التبصير في الدين»، والبغدادي في «الفرق بين الفرق» وعثمان بن عبدالله بن الحسن الحنفي (من القرن السابع) في كتابه «الفرق المفترقة بين أهل الزيغ والزندقة» وغيرهم([464]).
والذي يلاحظ على إطلاق اسم ”الرافضة“ على كل فرق الشيعة هو أنه ينبغي استثناء الزيدية، أو بعبارة أدق الزيدية ما عدا فرقة الجارودية منها, وذلك أن الجارودية سلكت مسلك ”الروافض“، ولهذا رأينا شيخ الرافضة (المفيد) يدخل في سمة التشيع فرقة الجارودية من الزيدية ويخرج ما عداها من فرق الزيدية من التشيع لأن الجارودية تشاركه في أساس مذهبه، لهذا ينبغي استثناء الزيدية – ما عدا الجارودية – من التسمية بالرافضة([465]).
ولن نتطرق لذكر ”فروع“ الفرق الشيعية لأن منها ما قد انتهى من الوجود، ومنها ما هو داخل في فرقة من الفرق الموجودة اليوم, والذي يعنينا أن نتعرف على الفرق الشيعية المعاصرة، يقول شيخ الشيعة محسن الأمين([466]): (والموجود اليوم من فرق الشيعة هم: الإمامية الاثنا عشرية وهم الأكثر عدداً، والزيدية، والإسماعيلية)([467]). ويقول د. علي سامي النشار: (وتشمل الشيعة في عصرنا الحاضر فرقاً ثلاثاً هي: الاثنا عشرية، والإسماعيلية والزيدية)([468]).
وسنتحدث حديثاً موجزاً عن كل من الإسماعيلية والزيدية، ثم يكون حديثنا عن الشيعة الإمامية الإثني عشرية على سبيل التفصيل، لأنها هي التي نشطت في سبيل الدعوة للتقريب، ولأنها في مصادرها الأساسية قد استوعبت آراء معظم فرق الشيعة وعقائدها – كما سيأتي شرح ذلك.

الإسماعيلية
وهم الذين قالوا: (الإمام بعد جعفر: إسماعيل بن جعفر، وادعوا أن جعفراً أشار إليه في حياته ودل الشيعة عليه، ثم قالوا بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر من بعده، وأنكروا إمامة سائر ولد جعفر)([469]).
ذلك أنـه بعد وفـاة جعفر بن محمد افترقت الشيعة ـ كعادتها في الافـتراق بعد وفاة كل إمام ـ افترقت إلى عدة فرق عدها النوبختي([470]) ستاً، فمن قائل إن جعفراً حي لم يمت حتى يظهر ويلي أمر الناس وهو المهدي([471]). ومن قائل إن الإمام بعد جعفر ولده موسى([472]) إلى آخر هذه المقالات والفرق، لكن فرقـة الإسماعيلية هي التي قـالت بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق وابنه محمد.
ويذكر البغدادي أن الإسماعيلية افترقت فرقتين بعد وفاة إسماعيل:
(1) فرقة منتظرة لإسماعيل بن جعفر، مع اتفاق أصحاب التواريخ على موت إسماعيل في حياة أبيه.

(2) فرقة قالت: كان الإمام بعد جعفر سبطه محمد بن إسماعيل بن جعفر, حيث إن جعفراً نصب ابنه إسماعيل للإمامة بعده فلما مات إسماعيل (ت 143هـ) في حياة أبيه علمنا أنه إنما نصب ابنه إسماعيل للدلالة على إمامة ابنه محمد بن إسماعيل, وإلى هذا القول مالت الإسماعيلية من الباطنية([473]).
      ثم ابتدئ من محمد بن إسماعيل بالأئمة المستورين الذين كانوا يسيرون في البلاد سراً ويظهرون الدعاة جهراً([474]), وأئمة الستر الذين خلفوا محمد بن إسماعيل وترتيبهم أمر مختلف فيه بينهم([475])، وأول أئمة الظهور عندهم عبيدالله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية([476])([477]).
 
 
ومن الإسماعيلية انبثق، القرامطة، والحشاشون، والفاطميون، والدروز وغيرهم، وللإسماعيلية فرق متعددة، ووجوه مختلفة، وألقاب كثيرة.. يقول الشهرستاني: (وأشهر ألقابهم الباطنية، وإنما لزمهم هذا اللقب لحكمهم بأن لكل ظاهر باطناً)([478])، ومسألة التأويل الباطني جعلوها رسالة جديدة حملها الأئمة بعد قيام الرسول r بتبليغ الظاهر. فقد جاء في أحد الرسائل ”الإسماعيلية“ أنه (لما كان الدين ظاهراً وباطناً قام النبي r بتبليغ الظاهر وصرف إلى وصيه نصف الدين وهو الباطن)([479]).
وعلم التأويل هو معجزة الأئمة كما أن التنزيل – أي القرآن – معجزة الرسول r([480])، وهم يحاولون بهذه الوسيلة هدم كل النصوص التي قام عليها كيان الإسلام.
ولهم ألقاب كثيرة ذكر منها الشهرستاني ستة هي: الباطنية، والإسماعيلية، والقرامطة، والتعليمية، والملحدة، والمزدكية، وذكر منها الغزالي عشرة ألقاب هي: الباطنية، والقرامطة، والقرمطية، والخرمية، والخرمدينية، والإسماعيلية، والسبعية، والبابكية، والمحمرة والتعليمية([481]).
أما ابن الجوزي فيذكر من ألقابهم ثمانية هي ما ذكره الغزالي باستثناء لقبي: القرمطية، والخرمدينية([482]).
أما الفقيه المؤرخ محمد بن الحسن الديلمي([483])، فقد ذكر لهم خمسة عشر لقباً هي ما ذكره الغزالي مع زيادة هذه الألقاب: المباركية،والإباحية، والملاحدة، والزنادقة، والمزدكية([484])، ويذكر الكوثري([485]) عدداً من ألقابهم فيقول: إنهم (يدعون في مصر بالعبيدية نسبة إلى عبيد المعروف، وفي الشام بالنصيرية، والدروز، والتيامنة، وفي فلسطين بالبهائية. وفي الهند بالبهرة والإسماعيلية، وفي اليمن باليامية نسبة إلى القبيلة المعروفة. وفي بلاد الأكراد بالعلوية.. حيث يقولون علي هو الله – تعالى الله عما يقولون – وفي بلاد الأتراك بالبكداشية والقزلباشية على اختلاف منازعهم، وفي بلاد العجم بالبابية([486]). ولهم فروع إلى يومنا هذا تلبس لكل قرن لبوسه وتظهر لكل قوم بمظهر تقضي به البيئة. وقدماؤهم كانوا يسمون أنفسهم بالإسماعيلية باعتبار تميزهم عن فرق الشيعة بهذا الإسلام)([487]). لهذا يقول عنهم الشهرستاني إنهم: (يقولون نحن الإسماعيلية لأنا تميزنا عن فرق الشيعة بهذا الاسم وهذا الشخص)([488]).
ويلاحظ هنا أن هذه الألقاب للإسماعيلية جعلت مفهوم الإسماعيلية يشمل كل الفرق الشيعية الغالية، بل إن بعض هذه الألقاب لا تندرج تحت وصف التشيع مثل: البابكية نسبة إلى بابك الخرمي، كما أن بعض هذه الألقاب عبارة عن لقب واحد اختلفت ألفاظه، كالقرامطة، والقرمطية، كلاهما نسبة إلى حمدان قرمط. كما أن البعض من هذه الألقاب عبارة عن أسماء لفرقهم المختلفة والتي تشترك فيما بينها في المسلك الباطني وفي الهدف والغاية, وهي تقويض دعائم الإسلام وأُسسه على ما بينها من اختلاف، كما أن بعض الفرق الإسماعيلية إنما هي عبارة عن مراتب للدعوة الإسماعيلية, ذلك أن المدعو لا يعرف إلا المرتبة التي وصل إليها فيصور الفرقة على أساس أنها تلك المرتبة التي وصل إليها, وهكذا قد تفسر المراتب على أساس أنها فرق, ذلك أن سبيل دعوتهم ليس بمتعين في فن واحد, بل يخاطبون كل فريق بما يوافق رأيه بعد أن يظفروا منهم بالانقياد لهم والموالاة لإمامهم فيوافقون اليهود والنصارى والمجوس على جملة معتقداتهم ويقرونهم عليها([489]). ويذكر الشهرستاني أن ألقابهم تختلف أيضاً باختلاف البلدان: فبالعراق يسمون الباطنية، والقرامطة، والمزدكية. وبخراسان التعليمية، والملحدة([490])، ثم إن لهم دعوة في كل زمان ومقالة جديدة بكل لسان([491]).
مجمل اعتقادهم:
ذكر الغزالي([492]) مجمل مذهبهم فقال: (إنه مذهب ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض، ومفتتحه حصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم([493])...) ثم فصل القول في مذهبهم.
وقال ابن الجوزي في تلخيص مذهبهم: (فمحصول قولهم تعطيل الصانع، وإبطال النبوة والعبادات وإنكار البعث, ولكنهم لا يظهرون هذا في أول أمرهم, بل يزعمون أن الله حق وأن محمداً رسول الله والدين الصحيح, لكنهم يقولون لذلك سر غير ظاهر. وقد تلاعب بهم إبليس فبالغ وحسن لهم مذاهب مختلفة)([494]).
وقال فخر الدين الرازي([495]): (اعلم أن الفساد اللازم من هؤلاء – يعني الباطنية – على الدين الحنيفي أكثر من الفساد اللازم عليه من جميع الكفار وهم عدة فرق، ومقصودهم على الإطلاق إبطال الشريعة، ونفي الصانع، ولا يؤمنون بشيء من الملل، ولا يعترفون بالقيامة, إلا أنهم لا يتظاهرون بهذه الأشياء إلا بالآخرة)([496]).
وإذا أردنا أن نتعرف على عقائد هؤلاء من كتبهم ومصادرهم الخاصة بهم، وجدنا في هذا صعوبة، لأنه كما ينقل عنهم أحد الإسماعيليين المعاصرين قد قالوا: (إن لنا كتباً لا يقف على قراءتها غيرنا ولا يطلع على حقائقها سوانا)([497]).
=
وقد نشرت في هذا العصر مجموعة من مخطوطات الإسماعيليين, إلا أن معظمها ليست من كتبهم السرية, ذلك أنها قد صيغت بأسلوب الدفاع عن مذهبهم والدعاية له. ولهذا يقول د. علي النشار ـ عن نشرات محمد كامل حسين([498]) لكتب الإسماعيلية ـ: (وقد قدم لنا عدداً كبيراً من مخطوطات الإسماعيلية في نشرات علمية، وقد أجهد نفسه في سبيل توضيح عناصر هذا المذهب, غير أنني ألاحظ أنه فيما خلا كتب الكرماني التي نشرها د. محمد كامل حسين فإن الكتب التي قدمها لنا ليست من الكتب السرية)([499]).
ثم إن الباحث وهو يراجع هذه الكتب الباطنية يجد صعوبة في فك أسرارها وحل ألغازها ومعرفة طلاسمها.
=
وقد كشف أبو حامد الغزالي عن حقيقة مذهبهم في الإلهيات والنبوات وفي الإمامة وفي القيامة والمعاد والتكاليف الشرعية وغيرها فيقول عن معتقدهم في الإلهيات: (وقد اتفقت أقاويل نقلة المقالات من غير تردد أنهم قائلون بإلهين قديمين لا أول لوجودهما من حيث الزمان, إلا أن أحدهما علة لوجود الثاني، واسم العلة السابق واسم المعلول التالي، وأن السابق خلق العالم بواسطة التالي لا بنفسه. وقالوا السابق لا يوصف بوجود ولا عدم وليس هو معلوماً ولا مجهولاً)([500]). وقال عن معتقدهم في النبوات: (والمنقول عنهم قريب من مذهب الفلاسفة, وهو أن النبي عبارة عن شخص فاضت عليه من السابق – بواسطة التالي – قوة قدسية, كما قد يحدث لبعض النفوس الزكية في المنام،.. وقالوا إن جبريل عبارة عن العقل الفائض عليه، أما القرآن فهو تعبير محمد عن المعارف التي فاضت عليه من العقل). ومعتقدهم في الإمامة: (اتفقوا على أنه لا بد في كل عصر من إمام معصوم قائم بالحق يرجع إليه في تأويل الظواهر وحل الإشكالات في القرآن والأخبار والمعقولات ويستظهر الإمام بالحجج والمأذونين والأجنحة, فلا بد للإمام في كل وقت من اثني عشر حجة.. ولا بد لكل حجة من معاونين له على أمره.. واسم المعاون ”المأذون“, ولا بد للدعاة من رسل إلى الإمام يرفعون إليه الأحوال، واسم الرسول ”الجناح“).. وقالوا: (كل نبي لشريعته مدة فإذا انصرمت مدته بعث الله نبياً آخر ينسخ شريعته, ومدة شريعة كل نبي سبعة أعمار وهو سبعة قرون، فأولهم هو النبي الناطق، ومعنى الناطق أن شريعته ناسخة لما قبله ومعنى الصامت أن يكون قائماً على ما أسسه غيره, ثم أنه يقوم بعد وفاته ستة أئمة، إمام بعد إمام، وصوروا بعثات الأنبياء على هذه الفلسفة إلى أن انتهوا إلى بعثة رسول الله r الذي استتم دوره – كما قالوا – بجعفر بن محمد وصارت شريعته بهذا الدور ناسخة, وهكذا يدور الأمر عندهم إلى أبد الدهر). أما معتقدهم في القيامة والمعاد: (فقد اتفقوا عن آخرهم على إنكار القيامة والمعاد وتأويلهما إلى غير الحقيقة).
وأما اعتقادهم في التكاليف الشرعية: (فالمنقول عنهم الإباحة المطلقة واستباحة المحظورات وإنكار الشرائع إذا نسب, إليهم ويقولون: لا بد من أخذ الشرع عن الإمام المعصوم)([501]).
وينقل عبدالقاهر البغدادي عن كتاب لهم يسمى «السياسة والبلاغ الأكيد والناموس الأكبر» ينقل مضمون ما قرأه فيه عن مذهبهم من القول بإبطال المعاد والعقاب والتشكيك في الكتب السماوية والدعوة إلى إبطال الشرائع وتأويل أركان الإسلام بقولهم بأن معنى الصلاة موالاة إمامهم، والحج زيارته، والصوم الإمساك عن إفشاء سر الإمام, واستدل بما جاء في هذا الكتاب على أن الباطنية دهرية زنادقة([502]).
وللإسماعيليين مراتب في الدعوة.. وحقيقة المذهب لا تعطى إلا لمن وصل إلى المرتبة الأخيرة، يقول ابن النديم([503]): (ولهم – أي للإسماعيلية – البلاغات السبعة وهي: كتاب البلاغ الأول للعامة، كتاب البلاغ الثاني لفوق هؤلاء قليلاً، كتاب البلاغ الثالث لمن دخل في المذهب سنة، كتاب البلاغ الرابع لمن دخل في المذهب سنتين، كتاب البلاغ الخامس لمن دخل في المذهب ثلاث سنين، كتاب البلاغ السادس لمن دخل في المذهب أربع سنين، كتاب البلاغ السابع وفيه نتيجة المذهب والكشف الأكبر. قال محمد ابن إسحاق ”ابن النديم“ قد قرأته – أي السابع – فرأيت فيه أمراً عظيماً من إباحة المحظورات والوضع من الشرائع وأصحابها)([504]).
وقد تحدث عن مراتب دعوة الإسماعيليين (البغدادي) وسماها بأسمائها([505])، (والغزالي)([506])، ونقل (النويري) في نهاية الأَرب عن الشريف أبي الحسن محمد بن علي نصّاً طويلاً في كيفية الدعوة عند الإسماعيليين([507])، وقد كشف ”الحمادي اليماني“ عن تجربة شخصية له مع الباطنيين في كتابه «كشف أسرار الباطنية», وليس من موضوعنا التفصيل في هذا, إنما غرضنا إلمامة يسيرة وننبه هنا إلى ناحية مهمة في هذا الباب؛ وهي أن الكتب الإسماعيلية انتشرت في وقتنا هذا ولا ندري عن مرتبة هذه الكتب في الدعوة الإسماعيلية, ولكن هناك فئة من الباحثين اعتبروا هذه الكتب هي المرحلة الأخيرة والكشف الأكبر، وراحوا على ضوئها يخطئون ما كتبه الأسلاف وما نقلوه من وثائق عنهم ويغالطون في وقائع التاريخ اغتراراً أو تغريراً، مع أن القوم لم يبرحوا من عزلتهم ولم يخرجوا عن باطنيتهم وزاد نشاطهم في هذا العصر ولهم جامعات في الهند لتخريج دعاة يبعثونهم إلى شتى البلدان لنشر الدعوة فيها على مراحل مدروسة.


الزيديــــة
وهم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب([508]) وسموا بالزيدية نسبة إليه([509])، وقد افترقوا عن ”الإمامية“ ”الرافضة“ حينما سئل زيد عن أبي بكر وعمر فترضى عنهما فرفضه قوم، فسموا رافضة لرفضهم إياه، وسمي من لم يرفضه من الشيعة زيدية لانتسابهم إليه, وذلك في آخر خـلافة هشام سنة إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين ومائة([510]).
والزيدية كما يقول الشهرستاني: (ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة رضي الله عنها ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم، إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم شجاع سخي خرج بالإمامة أن يكون إماماً واجب الطاعة, سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين رضي الله عنهما, وجوزوا إمامة المفضول مع وجود الأفضل)([511]).
=
والـزيدية «يـوافقون المعتزلة في العقـائد»([512]) لأن زيـد بـن علي تتلمذ في
الأصول على واصل بن عطا([513]).
ومذهب الزيدية المعتدلة أو الزيدية الحقيقية في الصحابة هو الترضي عنهم كما ينقل ذلك ابن الوزير([514]) عن ”الإمام الكبير المنصور بالله“([515]), إذ قال في الرسالة الإمامية في الجواب عن المسائل التهامية:
=
فأما ما ذكره المتكلم عنا من تضعيف آراء الصحابة فعذرنا أنهم أشرف قدراً، وأعلى أمراً، وأرفع ذكراً من أن تكون آراؤهم ضعيفة، أو موازينهم في الشرف والدين خفيفة، فلو كان كذلك لما اتبعوا رسول الله r، ومالوا عن إلف دين الآباء والأتراب والقرباء إلى أمر لم يسبق لهم به أُنس، ولم يسمع له ذكر، شاق على القلوب، ثقيل على النفوس. فهم خير الناس على عهد رسول الله r وبعده فرضي الله عنهم وجزاهم عن الإسلام خيراً – إلى قوله – فهذا مذهبنا لم نكتم سواه تقية وكيف وموجبها زائل ومن هو دوننا مكاناً وقدوة يسب ويلعن ويذم ويطعن ونحن إلى الله سبحانه من فعله براء, وهذا ما يقضي به علم آبائنا منا إلى علي عليه السلام – إلى قوله – وفي هذه الجهة من يرى محض الولاء بسب الصحابة رضي الله عنهم والبراءة منهم فتبرأ من محمد r من حيث لا يعلم([516]).
ويقول.. المقبلي([517]): (إن الزيدية ليسوا من الرافضة بل ولا من غلاة الشيعة في عرف المتأخرين([518]) ولا في عرف السلف([519]). فإنهم الآن مستقر مذهبهم الترضي على عثمان وطلحة والزبير وعائشة y فضلاً عن الشيخين)([520]).
ولكن في الزيدية من هو رافضي ومذهبه في الصحابة كمذهب الرافضة كطائفة الجارودية، ولهذا رأينا شيخ الرافضة في القرن الرابع ”المفيد“ ينظمهم في سلك التشيع (بمعنى الرفض) ويخرج ما عداهم من فرق الزيدية من شمول اسم التشيع لهم([521]) – كما أشرنا إلى ذلك – ولقد أصبحت فئة الجارودية في فترة من الفترات هي الممثلة للزيدية ولا يوجد غيرها, كما يذكر صاحب «الحور العين» حصول ذلك في زمنه حيث قال: (وليس باليمن من فرق الزيدية غير الجارودية وهم بصنعاء وصعدة وما يليهما)([522]).
ويذكر الشهرستاني: (أن أكثر الزيدية طعنت في الصحابة طعن الإمامية)([523]).
ويذكر المقبلي: (أن الزيدية ليست لهم قاعدة محددة فإنهم أحياناً يطعنون في بعض خيار الصحابة كأبي هريرة وجرير البجلي وأم المؤمنين حبيبة  y لأنهم رووا ما يخالف هواهم, وإذا جاءهم الحديث على ما يوافق هواهم قبلوه من طريق ذلك الصحابي وإن كان أقل فضلاً ورتبة ممن طعنوا فيه)([524]).
ويتحدث المقبلي: (أنه قد سرى داء الإمامية في الزيدية في هذه الأعصار حتى تظهر جماعة مح([525]) مذهب الإمامية, وهو تكفير الصحابة ومن تولاهم – صانهم الله تعالى -([526]) ولعل هذه الظاهرة – اعتناق الزيدية لمذهب الرفض – هي التي جعلت بعضهم يقول: جئني بزيدي صغير أخرج لك منه رافضياً كبيراً)([527]).
 
ومن عقائد الزيدية قولهم: (بعصمة فاطمة وعلي والحسين)([528]).
ويقول يحيى بن حمزة بن علي الهاشمي اليمني([529]): (بأن معظم فرق الزيدية يقولون بالنص على إمامة الثلاثة علي وولديه، واعتقاد ثبوت إمامة من عداهم من أولادهما بالدعوة)([530]).
ومسألة ”العصمة والنص“ هي كالطعن في الصحابة، كلها من أدواء الإمامية التي استشرت في بعض فرق الزيدية، والبعض الآخر يخالفهم في هذا كالسليمانية والصالحية والبترية الذين يقولون: الإمامة شورى ويجوزون إمامة المفضول مع وجود الأفضل([531])، كما أن القائلين بالنص والعصمة يخالفون من ينتسبون إليه وهو الإمام زيد الذي لم يقل بالنص([532]) كما لم يقل بالعصمة([533]).


فــرق الزيديـــة
اختلف أصحاب «المقالات والفرق» في عدد فرق الزيدية، فالقمي لا يذكر سوى فرقتين هما: الضعفاء والأقوياء([534]) وكذا النوبختي([535])، بينما الأشعري يذكر لهم ست فرق هي: الجارودية، والسليمانية، والبترية، والنعيمية، ولا يذكر اسم الفرقة الخامسة ويذكر مذهبها فقط، ثم اليعقوبية([536]), أما البغدادي فلا يذكر سوى ثلاث فرق منها وهي: الجارودية، والسليمانية والبترية([537])، وكذلك الحال عند الشهرستاني الذي قال: هم أصناف ثلاثة: جارودية، وسليمانية، وبترية. والصالحية منهم والبترية على مذهب واحد([538]). وكذلك الحال عند الرازي([539])، ونشوان الحميري([540])، أما الملطي فيجعلهم أربع فرق ولا يسمي هذه الفرق باستثناء واحدة يطلق عليها اسم ”معتزلة بغداد“([541]).
=
بينما البرسي([542]) يذكر خمس عشرة فرقة للزيدية بأسمائها([543]) ولم أجد من وافقه على هذا التقسيم وهذا العدد من أصحاب الفرق والمقالات, كما أن البرسي غير موثوق لما ينقله من أباطيل وخرافات في كتبه فلا نشتغل بعرض ما ذكر. أما عن مذاهب هذه الفرق فإننا ذكرنا مذهب معظم الزيدية على سبيل الإجمال, أما العرض التفصيلي لمذاهب تلك الفرق فإننا سنكتفي بما كتبه علامة اليمن أبو سعيد نشوان الحميري (ت 573هـ) عن مذاهب الفرق الزيدية على حسب تقسيمه ـ ولا يخفى أصالة هذا المرجع باعتبار أن اليمن من مراكز الزيدية ونشوان من كبار علماء اليمن ـ يقول: (وافترقت الزيدية ثلاث فرق: بترية، وجريدية، وجارودية، فقالت البترية: إن عليّاً عليه السلام كان أفضل الناس بعد رسول الله r وأولاهم بالإمامة، وأن بيعة أبي بكر وعمر ليست بخطأ لأن علياً u سلم لهما ذلك بمنزلة رجل كان له حق على رجل فتركه له، ووقفت في أمر عثمان، وشهدت بالكفر على من حارب عليّاً. وسموا البترية لأنهم نسبوا إلى كثير النوى وكان كثير يلقب بالأبتر)([544]).
وقالت الجريرية: (إن عليّاً كان الإمام بعد رسول الله r وأن بيعة أبي بكر وعمر كانت خطأ لا يستحقان عليه اسم الكفر ولا اسم الفسوق، وأن الأمة قد تركت الأصلح، وبرئت من عثمان - t - بسبب إحداثه، وشهدت عليه وعلى من حارب عليّاً بالكفر)([545]).
=
وقالت الجارودية([546]): (إن رسول الله r نص على علي u بالإشارة والوصف دون التسمية والتعيين، وأنه أشار إليه ووصفه بالصفات التي لا توجد إلا فيه، وأن الأمة ضلت وكفرت بصرفها الأمر إلى غيره، وأن رسول الله r نص على الحسن والحسين عليهما السلام بمثل نصه على علي. ثم الإمام بعد هؤلاء الثلاثة ليس بمنصوص عليه ولكن الإمامة شورى بين الأفاضل من ولد الحسن والحسين ممن شهر منهم سيفه، ودعا إلى سبيل ربه، وباين الظالمين وكان صحيح النسب من هذين البطنين وكان عالماً زاهداً شجاعاً فهو الإمام).
وافترقت الجارودية في نوع آخر ثلاث فرق:
(أ) فزعمت أن محمد بن عبدالله بن الحسين المعروف بالنفس الزكية لم يمت ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً, وأنه القائم المهدي المنتظر عندهم، وكان محمد بن عبدالله خرج على المنصور فقتل بالمدينة.
(ب) وفـرقة زعمت أن محمد بن القـاسم بن علي بن عمر بن عـلي بن الحسن بن عـلي بن أبي طالب حي لم يمت ولا يموت حتى يملأ الأرض عـدلاً وأنـه المهدي المنتظر عندهم. وكان محمد بن القاسم هذا خرج على المعتصم.. فأسره المعتصم فلم يدر بعد ذلك كيف كان خبره.
(ج) وفرقة زعمت أن يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب حي لم يمت، وأنه القائم المهدي المنتظر عندهم ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً. وكان يحيى بن عمر هذا خرج على المستعين فقتل بالكوفة([547]).
يقول عبدالقاهر البغدادي عن هذه الفرق الثلاث إنها: (اجتمعت على الـقول بـأن أصحـاب الكبـائر من الأمة يكونون مخلدين في النـار، فهم من هذا
 
الوجه كالخوارج([548])، كما أن هذه الفرق يكفر بعضها بعضاً؛ فالبترية والسليمانية يكفرون الجارودية من الزيدية لإقرار الجارودية على تكفير أبي بكر وعمر، والجاردوية يكفرون السليمانية والبترية لتركهما تكفير أبي بكر وعمر)([549]).
لكن ما ذكره أصحاب الفرق والمقالات عن هذه الفرق الثلاث لا يتفق مع ما تقدم نقله عن بعض الزيدية من معتقد حسن في الصحابة، فلعل ما ذكرناه أولاً هو اتجاه لفرقة أخرى من الزيدية, ولعلها هي الأصل وهي الفرقة التي ذكرها الملطلي – وقد ذكر للزيدية أربع فرق – حيث قال: (والفرقة الثالثة من الزيدية: يقولون أن الأمة ولت أبا بكر t اجتهاداً لا عناداً، وقصدوا فأخطأوا في الاجتهاد، وولوا مفضولاً على فاضل فلا شيء عليهم، وإنما أخطأوا في ذلك ولم يتعمدوا).
وهذه الفرقة لم يتبرؤوا ولم يكفروا أحداً، وتولوا وهم أصحاب سمت يظهرون زهداً وعبادة وخيراً، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر([550])،.. وهم الذين عناهم ابن حزم بقوله: (وأقرب مذاهب الشيعة إلى أهل السنّة المنتمون إلى أصحاب الحسن بن صالح بن حي الهمذاني الفقيه, القائلون بأن الإمامة في ولد علي t، والثابت عن الحسن بن صالح رحمه الله هو قولنا: إنَّ الإمامة في جميع قريش وتولي جميع الصحابة y، إلا أنه كان يفضل عليّاً على جميعهم)([551]). وهؤلاء أحق بالانتساب إلى زيد.


الرافضــــة
وهم الذين يُسمَّوْن بالجعفرية، وبـ «الإمامية الإثني عشرية»، كما يسمون بالرافضة. ويرى بعض الباحثين أن مصطلح ”الشيعة“ إذا أُطلق فلا ينصرف إلا إليهم، وغيرهم إما إسماعيلية أو زيدية.
وأقول بهذا الرأي لأن مصادر الشيعة الإثني عشرية في التلقي قد استوعبت كثيراً من الآراء والأصول التي قالت بها الفرق الشيعية الأخرى, فأصبحت بذلك الوجه للشيعة. والعبرة بالمعتقد لا بالاسم, وسيأتي توضيح هذه المسألة([552]).
وهم يسمون بالإمامية؛ لأنهم قالوا بوجوب الإمامة ووجودها في كل زمان([553]), فالإمامية علم على من دان بوجوب الإمامة ووجودها في كل زمان, وأوجب النص الجلي والعصمة والكمال لكل إمام، ثم حصر الإمامة في ولد الحسين بن علي، وساقها إلى الرضا علي بن موسى([554]). ويسمون بالاثني عشرية، لأنهم يقولون بأن الأئمة بعد الرسول r اثنا عشر إماماً([555]) وهـم: علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد الباقر وجعفر الصادق وموسى الكـاظم وعلـي الرضا ومحمد الجواد وعلي الهـادي والحسن العسكري والمهدي المنتظر([556]).
ويسمون بـ ”الجعفرية“ نسبة إلى جعفر الصادق – إمامهم السادس كما يقولون – وهو من باب التسمية للعام باسم الخاص. روى الكشي أن شيعة الصادق في الكوفة سموا بالجعفرية([557]).
وأما تسميتهم بـ «الرافضة»، فقد ورد في (البحار) للمجلسي – وهو أحد مراجعهم الحديثية المتأخرة – أربعة أحاديث في مدح التسمية بـ ”الرافضة“([558]), وكأنهم أرادوا تطييب نفوس أتباعهم بتحسين هذا الاسم لهم. ولكن في هذه الأحاديث ما يفيد أن الناس بدأوا يسمونهم بالرافضة من باب الذم لا المدح. ولا تجيب هذه المصادر الشيعية عن سبب تسمية الناس لهم بهذا الاسم على سبيل الذم والسب لهم([559])، ولكن كتب الفرق غير الشيعية تذكر أن ذلك لأسباب تتعلق بموقفهم من خلافة الشيخين ورفضهم لها. يقول أبو الحسن الأشعري: وإنما سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر([560]). قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد نقله لرأي الأشعري هذا: (قلت: الصحيح أنهم سموا رافضة لما رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لما خرج بالكوفة أيام هشام بن عبدالملك)([561]). وهذا الرأي لابن تيمية يعود لرأي الأشعري لأنهم ما رفضوا زيداً إلا لما أظهر مقالته في الشيخين ومذهبه في خلافتهما، فالقول بأنهم سموا رافضة لرفضهم زيداً أو لرفضهم مذهبه ومقالته مؤداه – في نظري – واحد.
ولكن شيخ الإسلام راعى في التصويب والتفريق المسألة التاريخية لظهور لقب الرافضة وارتباطه بتلك الحقبة.
وهذه الفرقة تسلك مسلك المعتزلة في عقائدها وتنفرد بعقائد وآراء في الإمامة، والصحابة، والقول بالرجعة، والغيبة وغيرها، وبمصادر خاصة بها تتلقى منها عقائدها ودينها – كما سيأتي -. وهذه الطائفة هي الفرقة الشيعية الكبرى في عالمنا اليوم ولها أتباعها وأنصارها في إيران ولهم في الدولة وفي العراق، والقطيف ولبنان والكويت وباكستان والهند([562]) وليس في مصر ولا في شمال أفريقية شيعة([563]).
أما بالنسبة لعددهم فلم أجد إحصائية رسمية لهم، وهناك دعاوى من الشيعة مختلفة حول عددهم فمن قائل: إنهم يقربون من سبعين مليوناً([564]) ومن قائل: إنهم مائة مليون([565]) ومن زاعم: أنهم يقدرون بمائتي مليون([566]). والواقع أن الشيعة يحاولون المبالغة في أعدادهم كنوع من الدعاية لمذهبهم, كما يحاولون نسبة الشخصيات الإسلامية البارزة إليهم.
وهذه الطائفة هي التي نشطت في الدعوة إلى التقريب، وأنشأت بعض المراكز في ديار السنة لهذا الغرض، وأرسلت بعوثها ورسلها إلى ديار السنّة للمناداة بهذه ”الفكرة“.
=
وهذه هي الفرقة التي ادعى علماؤها أنه لا يفصلهم عن أهل السنّة كبير شيء، وإنما خلافهم معهم في مسائل الفروع. يقول محمد حسين آل كاشف الغطا([567]): (الشيعة ما هم إلا طائفة من طوائف المسلمين ومذهب من مذاهب الإسلام, يتفقون مع سائر المسلمين في الأصول وإن اختلفوا معهم في بعض الفروع)([568]) وردد هذا الكلام بعض أهل السنّة([569])، بناء على كلام الشيعة، وأصدر شلتوت فتواه بجواز التعبد بمذهبهم الجعفري([570])، لأن الخلاف معهم إنما هو في بعض المسائل الكلامية كما يقول.
فهل هذه الدعوى حقيقية؟ إن الإجابة على ذلك هي في الدراسة التالية لمصادر القوم في التلقي وعقائدهم وآرائهم من واقع كتبهم الأصيلة والموثقة عندهم، لنتعرف على أسس الخلاف وأوجهه بينهم وبين أهل السنّة من كتبهم نفسها، وتخصيصنا لهذه الطائفة بالدراسة التفصيلية لا لأنها هي الفرقة التي نشطت في الدعوة للتقريب بينهم وبين أهل السنّة فحسب، ولا لأنها الطائفة الشيعية الكبرى فحسب، بل فضلاً عن ذلك فإن بحث أوجه الخلاف بين الشيعة والسنة، ودراسة فكرة التقريب على ضوء ذلك لا بد وأن يعتمد على دراسة لمصادر التلقي عند كل فريق، وإننا نجد طوائف الشيعة: إما طائفة قد تقنعت واستترت بباطنيتها كالإسماعيلية، والدروز، والنصيرية وغيرها من طوائف الباطنية، وهي وإن تكشَّف للأمة كفرها وإلحادها على مرور الزمن، لكنها لا تزال تعيش في سراديب الكتمان والتخفي، فتلك الفئة لا سبيل إلى معرفة مصادرها وكتبها فكيف يمكن أن ندرس فكرة التقارب معها؟.
=
وأما الزيدية المعتدلة فقد قال الإمام ابن حزم: (إنهم من أقرب فرق الشيعـة لأهل السنة)([571]) والاعتقـادات الخطرة في المـذهب الـزيدي إنما تعزى إلى
الجارودية وهم يدخلون في ”الروافض“، لأن العبرة بالمسمى لا بالاسم, والزيدية المعتدلة ترجع لمصادر الأمة في التلقي ويمكن أن يحل الخلاف على ضوئها – كما رأينا في مبحث الزيدية – فلم يبق أمامنا سوى الإثني عشرية ”الرافضة“، وهي اليوم أصبحت معروفة بكتبها ومصادرها ويمكن التعرف عليها من خلال تلك المصادر.
وذهب جمع من العلماء إلى أن مصطلح الشيعة إذا أُطلق اليوم فلا ينصرف إلا إلى هذه الطائفة – كما سبق – أَمثال كاشف الغطا([572])، وشتروتمان([573]) وأمير علي([574]) وغيرهم. يقول أمير علي – مثلاً –: (أصبحت الإثني عشرية مرادفة للشيعة) ([575]) ولهذا يقول د. عرفان عبدالحميد: (إِن البحث في عقائد الشيعة من غير تحديد وحصر للمصطلح لا بد أن يعتمد على كتب الإثني عشرية الإمامية باعتبار أنها تمثل الغالبية من الشيعة) ([576]). فلنبدأ دراستنا لهذه الطائفة وعقائدها من مراجعها الأصيلة([577]).

الفصل الثاني
 
اعتقادهم في مصادر التلقي أو في أصول
الأحكام المتفق عليها بين المسلمين
 
(1) اعتقادهم في كتاب الله:
    (أ) قولهم بتحريفه.
    (ب) انحرافهم في تفسيره.
    (ج) دعواهم تنزل كتب إلهية بعد القرآن.
(أ) قولهم بتحريفه:
أجمعت الأُمة على حفظ الله لكتابه العظيم، وأَنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وهو حجة الله الخالدة ومعجزة نبيه الكبرى، وقد تكفل الله سبحانه بحفظه ]إِنا نحن نزلنا الذكر وإِنا له لحافظون[([578]) وتحدى به الناس جميعاً، فمن حاول المساس به والنيل من قدسيته فإنه  بعيد عن الإِسلام وإِن تسمى به، وإِنه يجب كشفه لتعرف الأُمة عداوته لأنه يحارب الإِسلام في أَصله العظيم وركنه المتين.
إن دعوى ”تحريف القرآن“ هي محاولة يائسة من أعداء المسلمين تستهدف الطعن في دينهم وقرآنهم ] يريدون أن يطفئوا نور الله بأَفواههم ويأبى الله إلا
أن يتم نوره ولو كره الكافرون[([579])، ذلك أنهم حين لم يستطيعوا أن يحدثوا في كتاب الله أمراً لأنه فرق منالهم، وكانت سهامهم التي تصوب إليه ترتد إلى صدورهم, حينذاك ادّعوا أنّ في كتاب الله نقصاً وتحريفاً, وما أسهل الادّعاء الكاذب من حاقد موتور, وما كان لهذا ”الادّعاء“ وجود حتى نبتت نابتة الرافضة، وقام دينها على أسس ومبادئ ليس لها في كتاب الله ذكر وبيان، فلم يكن لها من بد إذا أَرادت إقامة مذهبها إِلا الطعن في القرآن ذاته.
وكان تدبيرهم هذا من أسباب كشفهم وفضحهم بين المسلمين، فكانت قولتهم هذه في كتاب الله هي اليد التي رفعت ”القناع“ الذي يرتدونه بين المسلمين وهو التشيع لآل البيت، ليظهر وجههم الحقيقي المعادي للإسلام والمسلمين.
وتقوم فريّتهم على القول بأَنّ هذا القرآن ناقص ومحرف، وإِن القرآن الكامل عند علي ابن أَبي طالب، ثم أَورثه (الأئمة من بعده وهو اليوم عند مهديّهم المنتظر).
وهذه المقالة الملحدة ممن يزعمون التشيع لعلي ـ فوق أَنها طعْنٌ في كتاب الله عزّ وجلّ ودينه، وطعن في صحابة رسول الله r ـ هي مع ذلك أكبر طعن في علي t من قوم يزعمون محبته والتشيع له، إذ كيف لم يخرج علي القرآن الكامل الذي جمعه – كما يزعمون – ويعارض به هذا القرآن المحرف؟، ولماذا لم يتدارك الأمر حين أفضت إليه الخلافة؟، ومن أقر الخائن على خيانته كان كفاعلها.. وقد حارب علي الخوارج على أقل من هذا.
لم يجد الروافض ما يجيبون به عن هذا سوى قولهم على لسان عالمهم ”نعمة الله الجزائري“([580]): (ولما جلس أمير المؤمنين عليه السلام لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن وإخفاء هذا لما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه) ([581]).
هكذا يعتذرون.. وأي قدح أَبلغ من هذا.. أَنهم يتهمون عليّاً t بأَنّه راعي المجاملة لمن سبقه على هداية الأمة, ولهذا لم يخرج ما عنده من القرآن. سبحانك هذا بهتان عظيم.
هذه فحوى ”الخرافة“ التي وجدت مكانها في دواوين الشيعة ومجاميعهم الحديثية وكتبهم المعتمدة في عشرات من النصوص والروايات, وسنتعرف على هذه ”الخرافة“ عند القوم على المراحل التالية:
(1) كتب الشيعة التي روت أَخبار التحريف.
(2) النصوص الواردة في كتبهم حول هذه الفرية.
(3) معتقدهم في هذه النصوص والروايات.
(4) بداية هذا الافتراء عندهم.
 
 
(1) كتب الشيعة التي روت أَخبار التحريف:
أَول كتاب للشيعة يسجل فيه هذا الافتراء هو ”كتاب سليم بن قيس“ الذي يعتبرونه ”أَول كتاب ظهر للشيعة“([582]) وأثنى عليه كثير من علماء الشيعة القدماء والمعاصرين, [وسيكون لنا وقفة مع هذا الكتاب في نهاية حديثنا عن ”فرية التحريف“ باعتباره أَول كتاب توجد فيه هذه الفرية], ومن كتاب سليم بن قيس تسري الفرية وتنتشر في أُمهات كتب الشيعة المعتمدة عندهم, حتى أن حسين النوري الطبرسي – وهو عندهم إِمام أَئمة الحديث والرجال في الأعصار المُتأخرة ومن أَعاظم علماء الشيعة في هذا القرن (ت 1320هـ) – نقل في كتابه ”فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب“ الذي أَلّفه ليثبت – من كتبهم – أنّ القرآن محرف, نقل فيه مجموعة كبيرة من أخبارهم التي تطعن في القرآن, جمعها كما يقول من (الكتب المُعتبرة التي عليها المعول وإليها المرجع عند الأَصحاب)([583]) وقال في موضع آخر: (واعلم أَنّ تلك الأخبار منقولة عن الكتب المعتبرة التي عليها معول أَصحابنا في إِثبات الأَحكام الشرعية والآثار النبوية)([584]).
=
فهذه الكتب التي ذكرت هذه ”الأَخبار“ الملحدة موثقة عندهم، ويتلقون عنها دينهم، ومنسوبة لكبار علمائهم ومحققيهم. ومن هذه الكتب ”صحيحهم الكافي“ الذي هو عندهم كصحيح البخاري عند أَهل السنة ويعتبرونه أَصحّ كتبهم([585])؛ ويلقبون مؤلفه – محمد بن يعقوب الكليني [ت 328 أو 329] – بـ «ثقة الإسلام», وقد روى الكليني من هذه الأساطير الشيء الكثير([586]). مع أنه التزم الصحة فيما يرويه([587]) ولهذا قرر الكاتبون عنه من الشيعة (أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن, لأنه روى روايات في هذا المعنى في كتابه الكافي ولم يتعرض لقدح فيها, مع أنه ذكر في أول الكتاب أنه يثق بما رواه)([588])، وقال بعض أَهل السنّة في تعليقه على ذلك: (ولنا أَن نقول إن رأينا فيمن ينقل هذا ويؤمن به أَنه لا يُعدّ من أهل القبلة)([589])، (وكذلك أُستاذه علي بن
=
إبراهيم القمي([590]) فإنّ تفسيره مملوء منه وله غلو فيه)([591]) وقـد صرح بهذا المعتقد في أوّل تفسيره ومـلأ كتابه من أخباره, مع التزامه في أوله ألا يذكر فيه إلا مشايخـه وثقـاتـه([592]), ومع ذلك فـإن كبير علماء الشيعة اليوم ”الخوئي“ يوثق روايـات القمي كـلها؛ فيقول: (ولـذا نحكم بوثاقة جميع مشايخ علي بن إبراهيم الـذين روى عنهـم في تفسيره مع انتهـاء السند إلـى أحد المعصومين)([593]).
وتشاهد هذه الأساطير عند عالمهم محمد بن الحسن العياشي([594]) في تفسيره المسمى ”تفسير العياشي“([595]), وهو من كتبهم المعتمدة([596]).
وترى عالِـمُهم النوري الطبرسي ينقل بعض النصوص التي تطعن في كتـاب الله من كتب أخرى لهم قديمة ومنسوبة لعلمائهم الأوائل، مثـل ”الغيبة“

لمحمد بن إبراهيم النعماني([597]) وغيره([598]), بل يزعم الطبرسي أن بعض نصوص التحريف توجد في بعض نسخ نهج البلاغة التي وضعها ”الشريف الرضي“ و(الشيعة.. متفقون على أن ما في نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين علي اعتماداً على رواية الشريف ودرايته ووثاقته)([599]) هكذا يقولون، مع أن براهين الوضع على الكتاب بينة واضحة في متنه وسنده وكما قرر ذلك المحققون([600]).
هذه بعض كتبهم المتقدمة – كما يزعمون – والتي روت أخبار التحريف, ولكن عالم الشيعة في القرن الرابع وصاحب أحد صحاحها الأربعة شيخهم الذي يلقبونه بـ ”الصدوق“ محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الذي يصفونه بـ ”رئيس المحدثين“ (ت 381هـ) يقول: (اعتقادنا في القرآن أنه ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس وليس بأكثر من ذلك، ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب)([601]).
 
فصدوقهم يكذّب إبراهيم القمي والكليني، والعياشي وغيرهم بهذا الكلام الذي يقرره، وقد يؤخذ من ”شهادة الصدوق“ هذه شيء مهم في هذا؛ وهو أنّ تلك الكتب المنسوبة لأوائل الشيعة والتي حوت تلك الفرية قد زيد فيها وأُضيفت إليها تلك الزندقة وذلك الباطل فيما بعد، ذلك أن صدوقهم لم يقل بوجود هذه الروايات في تلك الكتب وأن هذا الباطل مذهب التقية وكلتا الحالتين شر. والغريب أن هذه ”الفرية“ لم تسلم منها بعض الكتب المنسوبة للصدوق الذي ينفي التحريف حيث نرى بعض هذه الروايات في كتاب الخصال للصدوق([602]), فهل هي مدسوسة في كتابه أم أنّ هذه قرينة على أن الإنكار من قبيل التقية([603])؟!. وهذه الزندقة تسري في كتبهم وتنتشر, فبعض رواياتها موجودة أيضاً في رجال الكشي([604]) الذي هو عندهم عمدة في علم الرجال([605]) ورجال الكشي الموجود اليوم ليس هو الأصل الذي وضعه الكشي, بل هو من تهذيب الطوسي (مؤلف كتابين من صحاحهم الأربعة توفي 460هـ) الملقب عندهم بشيخ الطائفة, فهذا الافتراء رواه الكشي ولم يحذفه الطوسي وهو يهذب الكتاب, فهل هذا قبول له؟ لكن الطوسي ينكر هذا الضلال في تفسيره ”التبيان“([606])، غير أن عالِمهم  النووي الطبرسي يزعـم أن تفسير التبيـان موضوع
على غاية الحذر والمداراة للمخالفين([607]) ـ أي على أسلوب التقية ـ ويحكم عليه بهذا الحكم لأنه لم يوافق معتقده الباطل في كتاب الله، وينقل من بعض كتب الطوسي ما يمس كتاب الله([608]) وذلك ليثبت أن إنكاره تقية، ويعزو إنكاره مرة أُخرى لهذه الفـرية إلى قـلة تتبعه الناشىء كما يقول من عدم توفر الكتب عنده([609]).
والشريف المرتضي([610]) – وهو شيعي – ينكر هذه الضلالات التي شملت كتب الشيعة في جواب المسائل الطرابلسيات([611])، ولهذا استثناه ابن حزم من القائلين بهذه المقالة([612]) التي هوت بها الشيعة.
وعلى رغم الإنكار من القمي والطوسي والمرتضي, فإن هذا ”الإلحاد“ يسري في كتب القوم، ففي كتاب «الاحتجاج» لأحمد بن أبي طالب طبرسي([613]) – وهو غير الطبرسي صاحب مجمع البيان([614]) – روايات عديدة في تأييد هذا الباطل، وقبل ذلك نرى هذه الأسطورة عند شيخهم المفيد (ت 413) – حيث بذكر بعض رواياتها في كتابه «الإرشاد»، وهو من كتبهم المعتبرة كما سيأتي، كما يقرر هذا الضلال في كتابه «أوائل المقالات»، ويعترف باستفاضة ”رواياته“ من طرقهم، وأوائل المقالات من كتبهم المعتمدة في العقيدة كما يؤكد ذلك بعض شيوخهم المعاصرين([615])، كما أن الروايات في هذا ”الباطل“ منتشرة في كثير من كتب التفسير عندهم كتفسير البرهان([616])، والصافي([617]) وغيرهما. وفي دواوين الأخبار عندهم كـ «الوافي»، وكـ «البحار»([618]) – الذي حوى من هذا الضلال فأوعى – وغيرهما.
كما تتكرر أخبار التحريف في كثير من كتبهم المعتمدة عندهم، وقد ذكر شيخهم الطبرسي في كتابه «فصل الخطاب» كثيراً من هذه الكتب([619]) – غير ما مر – وإن كان هناك من شيوخ الشيعة من ينكر هذا ”الإلحاد“، لكن تبقى مع ذلك الكتب التي روت هذه الزندقة، والشيوخ الذين جاهروا بهذا الاعتقاد موضع احترام وتقدير من الشيعة كلهم.
ولم تكتف العناصر المجوسية التي لبست ثوب التشيع زوراً وبهتاناً بـذلك، بل وضعت هذه الأساطير في كتب مستقـلة بـاسم التغيير والتـحريف
وغيره. وممن وضع هذا الإلحاد في مؤلف شيخهم الثقة ـ عندهم ـ أحمد بن محمد البرقي عند شيخهم الطوسي، من كتبه كتاب التحريف([620]) ومنهم والده الثقة ـ عندهم ـ محمد بن خالد عد النجاشي من كتبه «التنزيل والتغيير»، ومنهم شيخهم الثقة الذي لم يعثر له على زلة في الحديث ـ كما ذكروا ـ علي بن الحسن بن فضال عد من كتبه كتاب «التنزيل من القرآن والتحريف»، ومنهم محمد بن الحسن الصيرفي في الفهرست له كتاب «التحريف والتبديل»، ومنهم أحمد بن محمد بن سيار عد الشيخ([621]) والنجاشي من كتبه كتاب «القراءات» ونقل عنه ابن ماهيار الثقة – عندهم – في تفسيره كثيراً، وكذا الشيخ حسن بن سليمان الحلي تلميذ الشهيد في مختصر البصائر وسماه «التنزيل والتحريف»، ومنهم الثقة الجليل – عندهم – محمد بن العباس بن علي بن مروان الماهيار المعروف بابن الحجام صاحب التفسير المعروف – لهم -.. له كتاب «قراءة أمير المؤمنين»، وكتاب «قراءة أهل البيت» وقد أكثر من نقل أخبار التحريف في كتابه.
ومنهم أبو طاهر عبدالواحد بن عمر القمي، ذكر ابن شهراشوب في معالم العلماء أن له كتاباً في قراءة أمير المؤمنين([622]).
وفي هذا العصر ألف الرافضي حسين الطبرسي كتاب «فصل الخطاب في تحريف كتـاب رب الأربـاب»، وأبـان عن غرضه المجوسي في مقدمة كتـابـه
 
حيث قال: (فيقول العبد المذنب المسيء حسين بن محمد تقي الدين الطبرسي جعله الله من الواقفين ببابه المتمسكين بكتابه! هذا كتاب لطيف وسفر شريف عملته في إثبات تحريف القرآن وفضائح أهل الجور والعدوان وسميته «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب». وأودعت فيه من بدائع الحكمة ما تقر به كل عين، وأرجو ممن ينتظر رحمته المسيئون أن ينفعني يوم لا ينفع مال ولا بنون)([623]). 
انظر كيف تتقنع ”المجوسية“ بمسوح الرياء والكذب لخداع الأغرار والبسطاء عن الهدف الخبيث الذي تسعى إليه.
وقد طبع هذا الكتاب على الحجر في إيران سنة 1298 وعليه خاتم الدولة الإيرانية الرسمي.
والمؤلف يحظى بتعظيم الشيعة، حتى اعتبروا كتابه «مستدرك الوسائل» مرجعاً من مراجعهم في الحديث، قالوا: (وأصبح في الاعتبار كسائر المجاميع الحديثية المتأخرة)([624])، وبعد أن مات هذا الطبرسي وضعوه في أشرف بقعة – عندهم – بين العترة والكتاب، يعني في الإيوان الثالث عن يمين الداخل إلى الصحن الشريف من باب القبلة([625]) (في النجف).
ويذكر إحسان إلهي ظهير أنه: (في القارة الهندية) صنف الشيعة كتباً عديدة في إثبات وإظهار هذه العقيدة الباطلة؛ فقد ألف ميرزا سلطان أحمد الدهلوي «تصحيف كاتبين ونقص آيات كتاب مبين»، ومحمد مجتهد اللكنوي «ضربة حيدرية» وغيرها([626]). والكيد المجوسي لا ينتهي ولكن سيكفيكهم الله وهو السميع العليم, ولن يضروا الله شيئاً والله يحفظ كتابه ودينه، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، فها هي مؤامراتهم ومكائدهم تندحر وترتد على أعقابها، وتصبح فضيحة كبرى لهم يحاولون التستر عليها الآن بكل وسيلة, ويبقى كتاب الله في حفظ الله وكنفه فوق كيد الكائدين، ويرجع أصحاب الكيد بالخزي والذل والصغار، وفي هذا آيات للمؤمنين. فلا قرآن يوجد إلا هذا القرآن العظيم، وتبقى هذه الدعاوى فضيحة لأصحابها، وعلى مر الزمن واستفحال الكيد تتجدد معجزة الوعد الإلهي في حفظ هذا القرآن العظيم ]إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون[.
(2) النصوص الواردة في كتبهم:
النصوص المجوسية التي تطعن في كتاب الله عز وجل قد كثرت في كتب ”الشيعة“ ومصادرها في الحديث كثرة عجيبة، حتى إن عالمهم المجلسي صاحب «بحار الأنوار» جعلها في الكثرة والتواتر تساوي أخبار الإمامة التي هي لب التشيع وجوهره، ورأى أن ترك الاعتماد على أخبار التحريف يستلزم عندهم رفع الاعتماد على أخبارهم – رأساً -.
يقول: (وعندي أن الأخبار في هذا البـاب متواترة معنىً، وطرْح جميعهـا يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا تقصر عـن أخبـار الإمـامة)([627]). وقـال شيخهم المفيد: (إن الأخبار قد جاءت
 
مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد r باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان)([628])، ويقول عالمهم الطبرسي عن أخبارهم في الطعن في القرآن: (وهي كثيرة جداً حتى قال السيد نعمة الله الجزائري في بعض مؤلفاته كما حكي عنه أن الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث)([629])، وقال ثقتهم محمد صالح المازندراني (ت 1081): (.. وإسقاط بعض القرآن وتحريفه ثبت من طرقنا بالتواتر معنىً، كما يظهر لمن تأمل في كتب الأحاديث من أولها إلى آخرها)([630]).
وقال شيخهم نعمة الله الجزائري: إن القول بصيانة القرآن وحفظه: (يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة، بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن.. مع أن أصحابنا – رضوان الله عليهم – قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها)([631]).
ويرى عالمهم الطبرسي أنه لا ينبغي عندهم النظر في أسانيدها لتواترها من طرقهم، يقول: (إن ملاحظة السند في تلك الأخبار الكثيرة توجب سد باب التواتر المعنوي فيها، بل هو أشبه بالوسواس الذي ينبغي الاستعاذة منه)([632]).
والخوئي مرجع الشيعة في العراق وغيره ـ اليوم ـ  يقول: (إن كثرة الروايات  - على وقوع التحريف في القرآن – تورث القطع بصدور بعضها عن
 
 
المعصومين ولا أقل من الاطمئنان بذلك, وفيها ما روي بطريق معتبر..)([633]).
ويقول شيخهم محسن الكاشاني: (المستفاد من الروايات من طريق أهل البيت أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أُنزل على محمد، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة منها: اسم علي في كثير من المواضع ومنها لفظة آل محمد غير مرة، ومنها أسماء المنافقين في مواضعها، ومنها غير ذلك، وأنه ليس أيضاً على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله)([634]).
وبعد هذه ”الاعترافات“ من علمائهم وأساطينهم أجدني غير محتاج إلى الإكثار من الأمثلة والشواهد([635]) من كتبهم، ففي هذه الشهادات كفاية وعبرة لتورط القوم. وسنذكر فيما يلي بعض الأمثلة والشواهد التي تصور هذه العقيدة عندهم.
روى الكليني في «الكافي» عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله u (أن القرآن الذي جاء به جبرائيل u إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبعة عشر ألف آية)([636]). وآيات القرآن – كما هو معروف – لا تتجاوز ستة آلاف آية إلا قليلاً.
وقد حكم علماء الشيعة بصحة هذه ”الأسطورة“؛ قال المجلسي: (فالخبر صحيح)([637]) وقال صاحب الشافي: (إنه موثق كالصحيح)([638])، وأماطوا اللثام عن معناه الساقط؛ قال المازندراني: (إن آي القرآن ستة آلاف وخمسمائة..([639]) والزائد على ذلك مما سقط بالتحريف..)([640]) وقال المجلسي: (إن هذا الخبر وكثيراً من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره)([641]).
وهذه ”الأسطورة“ رويت بلفظ (عشرة آلاف آية) كما في الوافي([642])، ثم تطور العدد إلى (سبعة عشر ألف آية) كما في الكافي([643])، ثم تطور الأمر إلى (ثمانية عشر ألف آية) كما في كتاب سليم بن قيس([644]).
         وقد وضع صاحب الوافي احتمالاً مقبولاً لتفسير الرواية السالفة  بعد ذكره لبعض الاحتمالات الساقطة – حيث ذكر روايته لأسطورته بلفظ (عشرة آلاف آية)، قـال: (أو يكون – أي العدد الـزائد عمـا في القـرآن – مما نسخ تلاوته)([645]),
 
ولكن شيخ الشيعة ومرجعها اليوم «الخوئي»([646]) وهو يتظاهر بالدفاع عن القرآن يرى أن القول بنسخ التلاوة هو قول بالتحريف([647])، وكأنه أراد أن يوصد هذا الباب ويرد هذه القاعدة الثابتة ليثبت عقيدة في نفسه يخفيها.. وهو كيد باطني مستتر.
وترد روايات كثيرة عندهم تتحدث عن مصحف لعلي يغاير المصحف الموجود جمعه بنفسه، ويعقد الكليني باباً في هذا يسميه (باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة عليهم السلام)، ويذكر فيه ست روايات من رواياتهم, منها ما يرويه جابر الجعفي أنه سمع أبا جعفر يقول: (ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه، كما نزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده)([648]).
وشيخ الشيعة اليوم «الخوئي» ـ وهو يزعم أنه يدافع عن القرآن ـ يرى: أن وجود مصحف لعلي يغاير القرآن الموجود في ترتيب السور، وفي اشتماله على زيادات ليست في القرآن مما لا ينبغي الشك فيه([649]).
وترد عن الطبرسي في كتابه «الاحتجاج» رواية تتحدث عن جمع علي للقرآن وعرضه هذا المجموع على الصحابة وموقفهم من ذلك وهي أسطورة ـ مضحكة ـ ما كان لنا أن نأتي بها لولا أن الكتاب والمؤلف محل ثقة الشيعة([650]), حتى قبلوا مراسيله عن الأئمة في القرن الأول ـ مع أنه من القرن السادس ـ يقول المؤلف في مقدمة كتابه: (ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناد إما لوجود الإجماع عليه، أو لاشتهاره في السير والكتب بين المخالف والمؤالف)([651]) وعلى هذا اعتمدوا على الكتاب, يقول عالمهم المعاصر.. أغابزرك الطهراني([652]): (فهو من الكتب المعتبرة التي اعتمد عليها العلماء الأعلام كالعلامة المجلسي والمحدث الحر وأضرابهما)([653]) كما وثقه غيره من علمائهم([654]), تقول "الأسطورة": (وفي رواية أبي ذر الغفاري أنه قال لما توفي رسول الله r وآله, جمع علي u القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم، لما قد أوصاه بذلك رسول الله r وآله فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم فوثب عمر وقال: يا علي أردده فلا حاجة لنا فيه, فأخذه u وانصرف، ثم أحضروا زيد بن ثابت – وكان قارئاً للقرآن – فقال له عمر: إن علياً جاء بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط ما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار, فـأجابه زيد إلى ذلك، ثـم قـال:
 
فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتهم وأظهر عليٌّ القرآن الذي ألفه أليس قد بطل كل ما عملتم؟ قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة، فقال عمر: ما حيلته دون أن نقتله ونستريح منه، فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد فلم يقدر على ذلك، فلما استخلف عمر سأل عليّاً u أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم، فقال: يا أبا الحسن، إن جئت بالقرآن الذي قد كنت جئت به إلى أبي بكر حتى نجتمع عليه، فقال :u هيهات، ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا ما جئتنا به، إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي، قال عمر: فهل لإظهاره وقت معلوم؟ فقال u: نعم، إذا قام القائم من ولدي يظهره، ويحمل الناس عليه فتجرى السنّة به صلوات الله عليه)([655]).
وهذه الرواية التي تطعن في كتاب الله ليست هي الرواية الوحيدة في الكتاب، بل هي واحدة من أكثر من عشر روايات، قال عالمهم الطبرسي – وهو يعدد من قال بالتحريف من علمائهم –: (والشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي في كتاب «الاحتجاج»، وقد ضمن ألاّ ينقل فيه إلا ما وافق الإجماع واشتهر بين المخالف والمؤالف ودلت عليه العقول، وقد روى فيه – أي في التحريف – أزيد من عشرة أحاديث صريحة في ذلك([656]).

وفي النص السالف الذكر تظهر بعض الدوافع والأسباب وراء وضع هذه النصوص التي تنال من كتاب الله؛ يظهر هذا من قوله: (فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم..) وقوله: (وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط منه ما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار..).
فالحقد الذي أكل قلوب المجوسية إزاء صحابة رسول الله r الذين فتحوا بلادهم ونشروا الإسلام بينهم جعلهم ينفثون هذه الأحقاد والضغائن في سب أولئك الصحب والطعن فيهم، ولكن آيات الله التي تتلى على مر الزمن وهي تثني على صحابة رسول الله r وتعلي من شأنهم وتنشر فضائلهم قد كشفت كيدهم وردته في نحورهم، فلم يكن أمامهم إلا القول بأن الصحابة قد أسقطوا من الكتاب فضائح المهاجرين والأنصار.. وأرادوا بهذه القولة التستر على مذهبهم فكانت من أسباب انكشافهم وهتك أستارهم ورفع القناع عن وجوههم الحقيقية المعادية للإسلام والمسلمين, فها هم يحاولون التستر عليها بكل وسيلة.
كما تدل هذه الرواية على أن القرآن الكامل في اعتقادهم إنما هو عند إمامهم المنتظر، وأن الذي قام بتحريف القرآن الموجود هو أبو بكر، وعمر، وزيد بن ثابت. وعالمهم الطبرسي يزيد آخرين فيقول: (والذين باشروا هذا الأمر الجسيم هم أصحاب الصحيفة: أبو بكر وعمر وعثمان وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وعبدالرحمن بن عوف واستعانوا بزيد بن ثابت)([657]).

وهذه الأسطورة من وضع من لا يُحسن الوضع, فهي تقول إن الصحابة حين أرادوا تحريف القرآن تخوفوا من أن ينكشف أمرهم بإخراج علي للقرآن الكامل، لهذا دبروا لقتله على يد خالد، ولكن هذه الأسطورة تقول إنه لم يستطع قتله إذن لماذا لم يُخرج علي القرآن ما دامت مؤامرتهم في قتله قد فشلت؟، وإذا كان يخشى منهم لأن السلطة بأيديهم فلماذا لم يخرجه أثناء خلافته؟، هذا ما ينسف كل ما بنوه وشيدوه من ”أساطير“([658]).
ويروون عن أبي عبدالله (جعفر الصادق) أنه قال: (لو قرئ القرآن كما أُنزل لألفينا مسمين)([659]). وعن ميسرة عن أبي جعفر u قال: (لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفي حقنا على ذي حجي)([660]).
ومن هذين النصين ينكشف سبب آخر وراء قولهم بهذه ”الفرية“, فالإمامة التي جعلوها صنو النبوة، والأئمة الذين ملئوا الدنيا حديثاً عنهم، وأن الإيمان بهم هو كالإيمان بالصلاة والزكاة وأن من جحد إمامة أحدهم فكأنما جحد نبوة رسول الله r أو غيره من الأنبياء – كما سيأتي – هـذا الأمر لم يرد لـه
ذكر في كتاب الله. وفي النصين السابقين شهادة من الشيعة نفسها على أنه ليس لأمر أئمتهم ذكر في كتاب الله. وهذه ”الظاهرة“ تنسف بنيانهم من القواعد، وتهدد جمعهم بالفشل، ومساعيهم بالبوار، فلم يكن أمامهم من مسلك إلا القول بالتحريف، ولهذا شهد إمامهم المجلسي – كما مر – أن أخبار التحريف عندهم لا تقل عن أخبار الإمامة وأنه إذا لم يثبت التحريف فلا تثبت الإمامة وغيرها من عقائد الشيعة. وقد أصاب المجلسي، فالتحريف لم يقع، ومسألة الإمامة لم تثبت، والرجعة كذلك وغيرها مما شذت به الشيعة.
وفي سبيل (إثبات دعوى إمامة الأئمة) يدّعون أن هناك كلمات وآيات محذوفة من كتاب الله.
روى الكليني في الكافي بإسناده عن أبي جعفر - u - قال: نزل جبرائيل بهذه الآية على محمد ﷺ هكذا: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا – في علي – فأْتوا بسورة من مثله)([661]).
وعن جابر الجعفي عن أبي جعفر u قال: هكذا نزلت هذه الآية: (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به – في علي – لكان خيراً لهم)([662]).
وعن أبي بصير عن أبي عبدالله في قول الله U: (ومن يطع الله ورسوله – في ولاية علي وولاية الأئمة من بعده – فقد فاز فوزاً عظيماً) هكذا نزلت([663]).

وعن أبي عبدالله (ع) في قوله الله U: (فستعلمون من هو في ضلال مبين أيا معشر المكذبين حيث أنبأتكم رسالة ربي في ولاية علي u والأئمة من بعده من هو في ضلال مبين) هكذا نزلت([664]).
ويروي الكليني بإسناده عن أبي الحسن (ع) قال: (ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء ولن يبعث الله رسولاً إلا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله ووصية علي u)([665]).
ويقول عالمهم – الطبرسي -: (روى الشيخ الفقيه شاذان بن جبرائيل القمي في كتاب الروضة والفضائل قال ـ وبالإسناد يرفعه إلى الثقات الذين كتبوا الأخبار ـ أنهم أوضحوا ما وجدوا وبأن لهم من أسماء أمير المؤمنين ثلثمائة اسم ”300“ في القرآن, منها ما رواه بالإسناد الصحيح عن ابن مسعود في قوله: إن عليّاً جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، وقوله: إن عليّاً للهدي)([666]). وافتراءاتهم في هذا كثيرة لا مجال للمزيد منها.
وفي سبيل تـأييد عقيدتهم الفـاسدة في أصحـاب رسول الله r تتحدث أساطيرهم عن كلمات وآيات مزعومة تنال من الصحابة – رضوان الله عليهم.
          ومن ذلك ما رواه الكليني بإسناده إلى أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: دفع إليّ أبـو الحسن u مصحفاً وقـال: لا تنظر فيه، ففتحته وقـرأت فيه: (لم يكن
 
الذين كفروا) فوجدت فيها اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم, قال: فبعث إليّ: ابعث إليّ بالمصحف([667]).
وفي تفسير العياشي في قوله سبحانه: ]الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل[ يقول العياشي فيما يرويه عن جابر الجعفي عن محمد بن علي u..: (وإنما نزلت: ألم تر إلى فلان وفلان – يعنون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما – لقوا عليّاً وعماراً فقالا إن أبا سفيان وعبدالله بن عامر وأهل مكة قد جمعوا لكم فاخشوهم وزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)([668]).
السياق غير منسجم وهذا دليل إفك الشيعة، فالضمائر غير متطابقة مع مراجعها، والصواب يقتضي (لقيا) – (لكما) – (فاخشياهم) – (وزادهما) – (وقالا).
وتمضي افتراءاتهم فتخترع سوراً تزعم أنها محذوفة من كتاب الله، قال شيخهم الطبرسي: (نقصان السورة وهو جائز كسورة الحفد، وسورة الخلع وسورة الولاية)([669])، ثم في موضع آخر نقل سورة الولاية وقال:
(إن الشيخ محمد بن علي بن شهراشوب المازندراني ذكر في كتاب المثالب على ما حكي عنه أنهم أسقطوا من القرآن تمام سورة الولاية، ونقل نصها في كتابه فصل الخطاب عن كتاب دبستان مذاهب وهي كما نقلها:

بسم الله الرحمن الرحيم ”يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنورين أنزلناهما يتلوان عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب يوم عظيم، نوران بعضهما من بعض وأنا السميع العليم. إن الذين يوفون ورسوله في آيات (كذا) لهم جنات نعيم, والذين كفروا من بعدما آمنوا بنقضهم ميثاقهم، وما عـاهدهم الرسول عليه يقـذفون في الجحيم, ظلموا أنفسهم وعصوا الوصي الرسول أولئك يسقون من حميم..“([670]).
وتمضي ”سورتهم“ الموضوعة على هذا النمط – كما ستراها بكاملها في ملحق الوثائق – وكلماتها تذكرك بأساطير مسيلمة؛ ركاكة لفظ، وسقوط معنى واضطراب سياق.. ويبدو أن واضعها – هي وغيرها من كثير من تلك الزيادات على آيات الله – أعجمي، فهي لا تستقيم قراءة ومعنى، وفي كلماتها ومعانيها هبوط عن مستوى أداء الإنسان العادي.
وتطاول افتراءاتهم على كتاب الله إلى أكثر من دعوى سقوط بعض الآيات والسور، حتى إنهم ليزعمون أن القرآن قد أُسقط منه في موضع واحد من سورة النساء أكثر من ثلثه فيزعم صاحب الاحتجاج أن علياً – برأه الله مما يفترون – قال لأحد الزنادقة – في محاورة طويلة –: (.. وأما ظهورك على تناكر قوله تعالى: ]وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء[ وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء ولا كل النساء أيتام فهو مما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن، وبين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن... ولو شرحت لك ما أُسقط وحـرف وبدل مما يجري هـذا المجرى لطـال وظهر مـا تحظر التقية إظهـاره من
 
مناقب الأولياء ومثالب الأعداء)([671]).
يقول الشيخ موسى جار الله عن هذه المحاورة: (لم أعلم من هو هذا البعض من الزنادقة الذي يناظر عليّاً ويهديه إلى الحق علي, وهل يمكن أن يكون أحد أشد زندقة ممن يقول في القرآن وفي جميع الصحابة مثل هذا القول؟ وهل يجد أشد عدو مساغاً أهدم للقرآن وأهدم للدين من مثل هذا القول الذي يسنده أئمة الشيعة إلى أمير المؤمنين علي؟)([672]).
والرواية السالفة تزعم سقوط أكثر من ثلث القرآن، وما تقدم من روايتهم في أن القرآن نزل سبعة عشر ألف آية يقتضي سقوط حوالي الثلثين, وهناك روايات لهم تصف هذا ”المحذوف“ – الذي يزعمونه – بأنه كثير. روى العياشي بإسناده عن أبي جعفر – يعنون محمد الباقر – أن القرآن قد طرح منه آي كثير ولم يزد فيه إلا حروف أخطأ بها الكتاب وتوهمها الرجال([673]).
وتدعو ”أساطيرهم“ إلى إهمال حفظ القرآن لأنه محرف في زعمهم, ومن حفظه على تحريفه يصعب عليه حفظه إذا جاء به ”منتظرهم“ غير محرف. روى مفيدهم بإسناده إلى جابر الجعفي عن أبي جعفر أنه قال: (إذا قام قائم آل محمد صلى الله عليه وآله ضرب فساطيط ويعلم الناس القرآن على ما أنزل الله U فأصعب مـا يكون على من حفظه اليوم لأنـه يخـالف فيه التـأليف)([674]) وهذه
 
الرواية تدعو إلى ترك القرآن وإهمال حفظه, وهي لمفيدهم الذي يقدسونه ويعظمونه, حتى زعموا أنه فوق مستوى البشر لأن إمامهم المنتظر خاطبه بالأخ السديد والمولى الرشيد..([675]) وهذه الرواية وردت في كتابه «الإرشاد» وهو من كتبهم المعتمدة حتى قـال عالمهم المجلسي: (وكتاب الإرشاد أشهر من مؤلفه)([676]).
وكذلك روى النعماني في «الغيبة» ما يشبه الرواية السالفة, روى بإسناده إلى أمير المؤمنين علي – برأه الله مما يفترون – قال: (كأني بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلمون الناس القرآن كما أُنزل، قلت: يا أمير المؤمنين, أو ليس هو كما أُنزل؟ فقال: لا، محي منه سبعون من قريش، بأسمائهم وأسماء آبائهم، وما ترك أبو لهب إلا إزراء على رسول الله صلى الله عليه وآله لأنه عمه)([677]).
وهذه الدعوة إلى إهمال حفظ القرآن، كان لها آثارها في مجتمعات الشيعة، يقول الشيخ موسى جار الله([678]) ـ وقد عاش بين الشيعة فترة من الزمن ـ: (لم أر بين علماء الشيعة ولا بين أولاد الشيعة لا في العراق ولا في إيران من يحفظ القرآن ولا من يقيم القرآن بعض الإقامة بلسانه ولا من يعرف وجوه القرآن الأدائية، ما السبب في ذلك؟ هل هذا أثر من آثار عقيدة الشيعة في القرآن الكريم، إثر انتظار الشيعة مصحف علي الذي غاب بيد قائم آل محمد)([679]).
وتلك ”الدعاوى“ حول وجود آيات محذوفة من القرآن لم تصل إلى (وجود مصحف شيعي متداول) واكتفوا بانتظار ظهوره مع إمامهم المنتظر، مع وجود تلك الآيات والسور المفتراة في كتبهم المتفرقة يخدعون بها الأغرار. وفي عام 398هـ أخرج الشيعة مصحفاً قالوا إنه مصحف ابن مسعود، وهو يخالف المصاحف كلها فحكمت المحكمة الإسلامية التي تألفت من جمع من العلماء والقضاة برئـاسة الشيخ أبو حـامد الإسفراييني([680])؛ حكمت بتحريفه، وتـم ذلك([681]).
وجاءت روايات في كتب الشيعة تأمرهم بالعمل بالمصحف الموجود ريثما يخرج قرآنهم مع إمامهم المنتظر. فيروي الكليني بإسناده إلى محمد بن سليمان عن بعض أصحابه عن أبي الحسن u قال: قلت له: جعلت فداك: إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم فهل نأْثم؟ فقال: لا، اقرؤوا كما تعلمتم فسيجيئكم من يعلمكم([682]). ويعنون بالذي سيأتي ليعلمهم مهديهم المنتظر([683]).
قال عالمهم نعمة الله الجزائري: (قد روي في الأخبار أنهم عليهم السلام أمـروا شيعتهـم بقـراءة هـذا المـوجـود مـن القـرآن في الصلاة وغيرها،
والعمل بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان, فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين فيقرأ ويعمل بأحكامه..)([684]).
(3) معتقدهم في هذه الروايات:
بعد ذكرنا لثبوت تلك الروايات عندهم وتواترها من طريقهم, تُرى هل جميع الروافض يقولون بهذه الروايات، ويعتقدون بها؟ يقول شيخهم المفيد (ت 413) ـ الذي يصفونه بركن الإسلام وآية الله الملك العلام ـ يقول:
(واتفقوا – أي الإمامية – على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنّة النبي r، وأجمعت المعتزلة والخـوارج، والزيدية، والمرجئة، وأصحـاب الحديث عـلى خـلاف الإمـامية)([685]).
وهذا اعتراف من مفيدهم بأن هذه القولة الشنيعة مما شذت به طائفته. ولم يذكر مفيدهم وجود خلاف بين علمائهم في هذا المذهب! مع أن شيخه ابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق (ت 381) قد تظاهر بمخالفة هذا في رسالته في الاعتقادات وأنكر نسبة الاعتقاد بالتحريف إليهم([686]) وتبعه على ذلك المرتضي([687]) (ت 436هـ) والطوسي([688]) (ت 450هـ) – كما مر – وهما من تلامذة المفيد، ورابعهم الطبرسي([689]) – من القرن السادس -، لم يشر المفيد إلى خلاف شيخه القمي؟ هل تجاهل المفيد لذلك من قبيل اقتناعه بأن مخالفته بسبب التقية أم ماذا؟ ويعترف شيخ الشيعة النوري أن إجماع الشيعة قائم على هذا الإلحاد إلى أن جاء ابن بابويه القمي فخالف ذلك – يقول: (إن ابن بابويه القمي أول من أحدث هذا القول في الشيعة في عقائدهم)([690]) وتبعه الثلاثة الآخرون, ويذكر أنه لا يوجد في القرون المتقدمة من القرن الرابع إلى السادس خامس لهؤلاء أنكر التحريف, وإن جميع الشيعة في هاتيك القرون متسالمون على القول بالتحريف, ويؤكد أنه (لم يعرف الخلاف صريحاً إلا من هؤلاء الأربعة)([691]), ويرى عالمهم الشيعي ”نعمة الله الجزائري“ أن إنكار هؤلاء إنما هو من باب التقية, فيقول ـ بعد تأكيده أن أصحابه قد أطبقوا على صحة أخبار التحريف والتصديق بها ـ يقول: نعم قد خالف فيها المرتضي والصدوق والشيخ الطبرسي وحكموا بأن ما بين دفتي هذا المصحف هو القرآن المنزل لا غير ولم يقع فيه تحريف ولا تبديل.. والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة منها: سد باب الطعن عليها بأنه إذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف لها؟.. وكيف وهؤلاء الأعلام رووا في مؤلفاتهم أخباراً كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن وأن الآية هكذا أُنزلت ثم غيرت إلى هذا([692])؟.
هـذا ما يقوله عالمهم الجزائري، وقـد يكون ما يقولـه حقيقياً بالنسبة
لمعتقد أولئك المنكرين، أو لا يكون فالله هو المطلع على القلوب والنوايا, لكن يبقى أن هؤلاء الأربعة باستثناء الطبرسي في حدود علمي قد أثر عنهم ما يمس كتاب الله سبحانه ويطعن فيه، فابن بابويه القمي روى حديثاً في كتابه «الخصال» يطعن في كتاب الله، - كما مر – والطوسي أثر عنه ذلك في بعض كتبه – كما مر – والمرتضي نقل عنه صاحب فصل الخطاب أنه عدَّ في كتابه الشافي من مطاعن عثمان، ومن عظيم ما أقدم عليه؛ جمع الناس على قراءة زيد وإحراقه المصاحف وإبطاله ما شك أنه من القرآن. أما الطبرسي فلم يجد له صاحب فصل الخطاب إلا استدلاله بقراءة أبي وغيره (فما استمعتم به منهن إلى أجل مسمى)([693]) في تفسيره([694]), وهذه قراءة واردة([695]), لكن صاحب فصل الخطاب يريد أن يجعل الجميع على مذهبه, وقد اغتر صاحب «الشيعة والسنة»([696]) بذلك واحتج على أن إنكار الطبرسي من قبيل التقية بإيراده هذه القراءة, والواقع أن هذا لا يدين الرجل.
ومن خلال قراءتي لكتاب فصل الخطاب تبين لي أن بعض الشيعة لم يعد يهضم هذا المعتقد، حتى إن أحد علماء الشيعة كفر كل من يعتقد هذا الاعتقاد – كما نقل ذلك صاحب فصل الخطاب نفسه – وغضب من ذلك ـ أي صاحب فصل الخطاب ـ وقال: إنه ليس لذلك دواء إلا كثرة المراجعة ودوام التتبع([697])، - أي لكتبهم – ولكن مع ذلك يبقى أن هذا معتقد لكبار علمائهم الذين يعظمونهم ويثقون بمنقولاتهم، وأن مصادرهم المعتمدة حوت من هذا الباطل الشيء الكثير، وأنهم لا يقبلون السنّة لأنها جاءت عن طريق الصحابة، والقرآن العظيم وصلنا من طريق الصحابة أيضاً، وأنه لا يتصور أن يجتمع في عقل واحد صيانة القرآن وخيانة جامعيه – كما سيأتيه بيان موقفهم من الصحابة – لكن هذا الموقف من علماء الشيعة في رد ما ورد في كتبهم مما يمس كتاب الله – سبحانه – وإنكاره لا نقول إنه تقية, فلا سبيل إلى معرفة ذلك على وجه اليقين([698]). 
وإن كان البعض من السنّة([699])، والشيعة([700]) قد ذهب إلى ذلك. لكن أقول بأن من يتبرأ من هذا الكفر (بعد إيمانه بالله ورسوله) نقبل ذلك منه والله يتولى السرائر..
وهذا الإنكار – إن كان بصدق – خطوة يجب أن تتلوها خطوات, وذلك بـأن يعيـدوا النظـر في سائر مـا شذوا بـه عن جماعة المسلمين، وقد أشار
 
شيخهم «المجلسي» - كما مر – إلى أنهم يجب أن يسلكوا هذا المسلك, إذ يترتب – في رأيه – على إنكار أخبار التحريف التي تواترت من طرقهم بالكذب والافتراء؛ يترتب على ذلك رفع الثقة والاعتماد عن سائر أخبارهم.. وهذا حق, فإن تواتر هذا الكذب في كتبهم من أكبر الأدلة على وضعها، وفشّو الكذب فيها.
(4) بداية هذا (الافتراء عند الشيعة):
اعترفت كتب الشيعة أن ابن سبأ أول من أحدث القول بـ ”الإمامة“ (النص على إمامة علي) والقول بالرجعة، وغيرها – كما مر – ولكنها لم تشر إلى أنه قد صدر منه قول بأن الصحابة حرفوا القرآن. فمن هو ابن سبأ الآخر الذي وضع هذه الفرية؟، متى بدأ القول بهذا الافتراء بين الشيعة؟
لم أر من تعرض لهذا، والإجابة المحددة الجازمة ليست ميسرة, لكن نستطيع أن نقول إن بداية هذه الفرية مرتبطة ببدء احتجاج الشيعة على عقائدهم من الكتاب والسنّة. فالشيعة يرون – كما سيأتي – أن الإمامة من أصول الدين كالصلاة والزكاة أو أهم، ومن أنكر الإمامة كمن أنكر النبوة أو أشد.. ومع ذلك لا ذكر لإمامتهم وأئمتهم في كتاب الله وكذا سائر عقائدهم في الصحابة والرجعة والبداء، فلم يكن لهم بُدّ إذا أرادوا أن يقيموا مذهبهم إلا القول بهذه الفرية.
ولهذا رأينا أن هذه الفرية قد سجلت في أول كتاب ظهر للشيعة([701]) – حسب تقديرهم لأسبقية كتبهم – وهو ”كتـاب سليم بن قيس“ والـذي يروون
عن أبي عبدالله أنه قال فيه: (من لم يكن عنده من شيعتنا ومحبينا كتاب سليم بن قيس الهلالي فليس عنده من أمرنا شيء ولا يعلم من أسبابنا شيئاً، وهو أبجد الشيعة وهو سر من أسرار آل محمد صلى الله عليه وآله)([702]), وقال المجلسي: (وهو أصل من أصول الشيعة وأقدم كتاب صنف في الإسلام)([703]), ثم أورد المجلسي أربع روايات لهم تفيد أن علي بن الحسين – برأه الله مما يفترون – قُرأ عليه الكتاب وقال صدق سليم([704]).
(والكليني يعتمد عليه, وأخرج له في عدة أبواب كباب ما جاء في الإثني عشر، وباب دعائم الكفر وغيرها) وكذا الشيخ الصدوق وغيرهما([705]). وهو أيضاً موضع ثناء المعاصرين([706]). وهذا الكتاب الذي خلعوا عليه هذا الثناء والتوثيق لم يصلهم إلا عن طريق رجل واحد فقط، يقول ابن النديم: (كتاب سليم بن قيس رواه عنه أبان بن أبي عياش لم يروه غيره)([707]).
والكتاب طرقه مضطربـة ولكنهم يقولون: (ما يترائى من الاضطراب
 
في الطريق غير قادح وهو واقع في أكثر طرق كتب أصحابنا)([708]). و”سليم بن قيس“ الذي ينسبون إليه الكتاب لم أجد له ذكراً في المراجع التي رجعت إليها([709]) إلا في المراجع الشيعية, مع أنهم يزعمون أنه مصنِّف أول كتاب في الإسلام، وأنه أدرك علياً والحسن والحسين وعلي بن الحسين والباقر وتوفي أيام علي بن الحسين مستتراً عن الحجاج أيام ولايته (ت 90هـ)([710]), وهذا لو كان حقاً لكان هذا الرجل شيئاً مذكوراً ولكننا لم نجد له ذكراً.
أما أبان بن أبي عياش الذي روى عنه الكتاب فهو عند محدثي السنة (متروك)([711]).
وأما نصوص الكتاب فهي تضعه في المقام الأول من كتب الباطنيين التي تحارب الإسلام والمسلمين, فهي تطعن في كتاب الله وتزعم أن عليّاً ألف القرآن كما أُنزل وأنَّ أبا بكر وعمر رداه وقالا: لا حاجة لنا فيه, وأنهما حرفا القرآن([712]). 
وتصف عليّاً بأوصاف الإله (يا أول، يا آخر، يا ظاهر، يا باطن, يا من هو بكل شيء عليم) وتقول إن هذا الوصف صدر من الشمس لعلي وإنه سمعه أبو بكر وعمر والمهاجرون والأنصار (فصعقوا ثم أفاقوا بعد ساعات)([713]) إلى أمثال هذه النصوص الباطنية.
وكل أمارات الكذب في سنده ومتنه لم تحد من مبالغات الشيعة في مدح الكتاب وتوثيقه، ولكن بعض علماء الشيعة رابهم شيء في الكتاب فرأوا من الواجب كشف حقيقته قبل أن يقوض أساس التشيع نفسه، ولا يظن القارئ أن هذا الأمر الذي رابهم هو الطعن في القرآن أوتأليه علي أو غير ذلك من المطاعن في الإسلام نفسه، إنما الأمر الذي أُشكل عليهم في الكتاب هو أنه جعل الأئمة ثلاثة عشر وأنه تضمن نصّاً يكشف وضعه لمخالفته لحقائق التاريخ؛ وهو النص القائل أن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت لأنه غصب الإمامة من علي، مع أن محمد بن أبي بكر ولد في سنة حجة الوداع فكيف يعظ أباه وعمره ثلاث سنوات([714]).
فاختلف علماء الشيعة فمن قائل: (والوجه عندي الحكم بتعديل المشار إليه، والتوقف في الفاسد من كتابه)([715]) ومن قائل: إن الكتاب موضوع([716]) وضعه أبان بن أبي عياش([717])، ومنهم من قام بتعديل الكتاب ليتلاءم والمنطق الشيعي، وأشار الخوانساري إلى التغير في الكتاب فقال: (إن ما وصل إلينا من نسخ الكتاب هو أن عبدالله بن عمرو وعظ أباه عند الموت)([718]).
وحكم بعض المعاصرين من شيوخهم أنه موضوع في آخر الدولة الأُموية لغرض صحيح([719]) – كذا -.
هذه الوقفة عند كتاب سليم بن قيس أرى أنها ضرورية لمحاولة اكتشاف الأيدي السبئية، فالآراء التي نقلت منسوبة لابن سبأ في كتب الشيعة لم تذكر أن من آراء ابن سبأ فرية القول بأن الصحابة حرفوا القرآن، لم يتجرأ ابن سبأ على إشاعة هذه الفرية ـ وإن كانت بعض ”الوثائق“ من كتب السنّة حملت إلينا أن من آرائه زعمه بأن (القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي)([720]) ـ لكنه لم يقل أن الصحابة حرفوا القرآن, لأنها وسيلة سريعة لانكشافه, فعدل عنها إلى القول بأن هذا القرآن جزء من تسعة أجزاء، وكذلك ورد في رسالة الحسن بن محمد بن الحنفية([721]) (ت 95هـ) قوله: (ومن خصومة هذه السبئية التي أدركنا يقولوا – كـذا –: هدينا لوحي ضل عنه الناس وعلـم خفي, ويزعمون

أن نبي الله كتم تسعة أعشار القرآن, ولو كان نبي الله كاتماً شيئاً مما أنزل الله لكتم شأن امرأة زيد ]وإذ تقول للذي أنعم الله عليه.. الآية([([722]).
فعقيدة الشيعة في أن الصحابة حرفوا القرآن لم ترد ضمن آراء ابن سبأ وجاءت فيما بعد في أول كتاب ألفه الشيعة، وكشف عالمهم ابن الغضائري أن الكتاب "موضوع" واتهم في وضعه أبان بن أبي عياش وكادت هذه الروايات أن تموت بهذا الحكم, لكن جاء بعد كتاب سليم من تلقف هذه الأساطير وزاد عليها وهو الكليني في كتابه الكافي, ويعتبر الكليني وشيخه علي ابن إبراهيم القمي ممن أرسوا دعائم هذه العقيدة الباطلة.
ولا يزال كتاب الكليني «الكافي» وتفسير شيخه القمي من مصادر الشيعة المعتمدة إلى اليوم.
وفشت هذه الروايات في كتب الشيعة – كما مر-.
(ب) انحرافهم في تأويل القرآن:
تضمنت كتب التفسير عند الشيعة – تلك التي يزعمون تلقيها عن آل البيت – تضمنت تأويلات باطنية لآيات القرآن لا تتصل بمدلولات الألفاظ، ولا بمفهومها ولا بالسياق القرآني. ومن العجيب أن تسند هذه "الأكاذيب" الفاضحة إلى آل البيت ويسند معظمها إلى جعفر الصادق!! وهي في حقيقة الأمر طعن مبطن في الآل، كما أنها إلحاد في آيات الله وصد عن سبيله.. ولكنهم أسندوها لآل البيت حتى ينخدع "الأغرار" بها.

وهذه التأويلات مدونة في تفاسيرهم المعتبرة عندهم كتفسير القمي وتفسير العياشي، وتفسير البرهان، وتفسير الصافي، كما أن كتبهم المعتمدة في الحديث قد أخذت من تلكم التأويلات بقسط وافر, وعلى رأسها: أصول الكافي للكليني، والبحار للمجلسي وغيرهما.
ويرى بعض الباحثين([723]) أن أول كتاب وضع الأساس الشيعي في التفسير هو تفسير القرآن الذي وضعه في القرن الثاني للهجرة جابر الجعفي([724]) (ت 128)، فكان هذا نواة لتفسير شيعي سرعان ما اتسع وأغرق في باطنيته..
وفيما يلي أمثلة وشواهد لهذه التأويلات، وقد يكون فيها بعض الإطالة، ولكن الغرض من ذلك أن نتبين هل هذه التأويلات تمثل ظاهرة عامة، وقاعدة مطردة في كتبهم الأصيلة؟، أم هي روايات شاذة وضعيفة ومندسة في كتبهم، ولا تمثل المسار العام والاتجاه الأساسي في التفسير الشيعي؟، وهذه المعرفة لا تتأتى إلا بأن نمد النفس في العرض، وأن نحتاط أيضاً في نقلنا من كتبهم؛ بحيث لا نأخذ إلا من مصادرهم المعتبرة عندهم، فلنبدأ ”رحلتنا“ مع تأويلاتهم لآيات القرآن:
 
أولاً: نجد في مصادرهم الأصيلة والمعتبرة في الحديث والتفسير وغيرهما آيات كثيرة تُفسر بـ ”الإمامة“ وبـ ”الولاية“ وبالأئمة، ومن ذلك:
(أ) ما ورد في كتاب الله من آيات تتحدث عن القرآن يفسرونها بالأئمة، فقوله سبحانه: ]فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا... الآية[([725]) يقولون: (النور نور الأئمة) ([726])، وفي رواية أخرى عندهم تقول: «النور الأئمة»([727])، وقوله سبحانه: ]واتبعوا النور الذي أُنزل معه..[ ([728]) يقولون: النور: علي والأئمة عليهم السلام([729]).
والملاحظ أن الدلالة واضحة وجلية على أن المراد بالنور في الآيتين هو القرآن، ولكن نلمس هذا الشطط البالغ في التأويل، ومع ذلك يسند هذا التأويل الذي لا تربطه بالآية أدنى رابطة إلى آل البيت كعلي والحسن أو الحسين أو الباقر أو الصادق, وهم أهل العلم واللغة والعقل والدين!!
وبناءً على هذا التأويل الذي أعطوه للآية نفهم أن الأئمة أنزلوا من السماء إنزالاً!!
وتمضي تأويلاتهم للآيات التي تتحدث عن القرآن ولو كانت الآية في غاية الدلالة على أن المقصود القرآن, فيروون عن أبي جعفر (محمد الباقر) – رحمه الله وبرأه الله مما يفتري المفترون – في قول الله: ]وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ... الآية[([730]). قالوا (بدل مكان علي أبو بكر وعمر واتبعناه)([731]) (كذا)، وعن أبي السفاتج عن أبي عبدالله u في قوله: ]ائت بقرآن غير هذا أو بدله[ يعني أمير المؤمنين([732]).
ويفسرون قوله سبحانه ]إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم..[ ([733]) بقولهم ”يهدي إلى الإمام“([734])، وفي رواية يهدي إلى الولاية([735]).
(ب) ويفسرون ما ورد في الآيات من لفظ النور ونحوه بالأئمة من غير أي مرتكز من المرتكزات التي تقوم عليها الدلالة، تلك المرتكزات المعروفة في (علم الدلالة) عند علماء اللغة.
              فيروي الكليني عن محمد بن فضيل عن أبي الحسن u قال: سألته عن قول الله تبارك وتعالى: ]يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم..[ ([736]) قال: يريدون ليطفؤا ولاية أمير المؤمنين u بأفواههم، قلت: قوله تعالى: ]والله متم نوره[, قال: يقول: والله متمّ الإمامة, والإمامة هي النور وذلك قول الله U: ]فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا..[([737]) ([738]) قال: النور هو الإمام.
ويروي الكليني أيضاً عن أبي عبدالله (جعفر الصادق) u في قوله تعالى: ]الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكوة..[([739]) فاطمة عليها السلام ]فيها مصباح[ الحسن ]المصباح في زجاجة[ الحسين ]الزجاجة كأنها كوكب دري[ فاطمة كوكب دري بين نساء أهل الدنيا ]يوقد من شجرة مباركة[ إبراهيم u ]لا شرقية ولا غربية[ لا يهودية ولا نصرانية ]يكاد زيتها يضيء[ يكاد العلم ينفجر بها ]ولو لم تمسسه نار نور على نور[ إمام منها بعد إمام ]يهدي الله لنوره من يشاء[ يهدي الله للأئمة من يشاء ]ويضرب الله الأمثال للناس..[ ].. ومن لم يجعل الله له نوراً[([740]) إماماً من ولد فاطمة عليها السلام ]فما له من نور[([741]) إمام يوم القيامة([742]).
(ج) وكما أوّلوا ما جاء عن القرآن والنور بالإمامة، يؤولون ما جاء في كتـاب الله من النهي عن الشرك والكفر، يؤولونه بالشرك في ولاية علي، أو الكفر بولاية عـلي، ويؤولون مـا جـاء في عبـادة الله وحـده واجتناب الطاغوت
 
بولاية الأئمة والبراءة من أعدائهم ومن ذلك:
(1) عن أبي جعفر u: ما بعث الله نبيّاً قط إلا بولايتنا والبراءة من عدونا وذلك قول الله في كتابه: ]ولقد بعثنا في كل أُمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت..[([743])([744]).
(2) وعن أبي عبدالله في قوله تعالى ].. لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد..[([745]) قال: يعني بذلك لا تتخذوا إمامين إنما هو إمام واحد([746]).
(3) وعن الباقر في قوله سبحانه: ].. لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين[([747])، قال: لئن أمرت بولاية أحد مع ولاية علي u ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين([748]).
(4) وعـن أبي عبدالله في قوله سبحـانه: ].. فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبـادة ربه أحداً[([749]) قال: العمل الصالح المعرفة بالأئمة ]ولا يشرك بعبادة ربه أحـداً[
التسليم لعلي لا يشرك معه في الخلافة من ليس ذلك له ولا هو من أهله([750])، وفي روايـة أُخرى لهم عن أبي عبدالله u في قولـه: ]ولا يشرك بعبـادة ربه أحداً[ قال: لا يتخذ مع ولايـة آل محمد صلوات الله عليهم غيرهم([751]).
(5) عن جابر الجعفي عن أبي جعفر في قوله سبحانه: ].. ولا تكونوا أول كافر به..[([752]) قال: يعني عليّاً([753]).
(6) وعن جابر الجعفي قال: سألت أبا عبدالله u عن قول الله: ]ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله..[([754]).
قال فقال: هم أولياء فلان، وفلان، وفلان – يعنون أبا بكر وعمر وعثمان y - اتخذوهم أئمة من دون الإمام([755]).
(7) وعن أبي عبدالله في قوله سبحانه: ].. إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله..[([756]) قال: يعني أئمة دون أئمة الحق([757]).
(8) وعن جابر الجعفي عن أبي جعفر u قال: أما قوله: ]إن الله لا يغفر أن يشرك به[([758]) يعني أنه لا يغفر لمن يكفر بولاية علي، وأما قوله: ]ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء..[([759]) يعني لمن والى عليّاً u([760])، والروايات في هذا الباب كثيرة، وهي محاولة لهدم الأصل الأول في الإسلام وهو التوحيد، وإعطاء الشرك صفة الشرعية.. ومحاولة خطيرة لتفسير التوحيد والشرك والكفر بغير معانيها الحقيقية.
(د) ويؤولون بعض الآيات الواردة في الصلاة بالأئمة والإمامة:
(1) عن زرارة عن عبدالرحمن بن كثير عن أبي عبدالله u في قوله: ]حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين[([761])، قال: الصلاة: رسول الله، وأمير المؤمنين، والحسن والحسين والوسطى: أمير المؤمنين, ]وقوموا لله قانتين[ طائعين للأئمة([762]).
(2) وعن أبي جعفر في قوله سبحانه: ].. ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها..[([763]). قال: تفسيرها: ولا تجهر بولاية علي ولا بما أكرمته بها حتى آمرك بذلك ]ولا
 
 
 
تخافت بها[ يعني ولا تكتمها عليّاً وأعلم ما كرمته به([764]) – كذا ـ.
وفي رواية لهم عن أبي جعفر في تفسير الآية بمثل ما مضى وزاد: فأما قوله: ]وابتغ بين ذلك سبيلاً[ يقول: تسألني أن آذن لك أن تجهر بأمر علي بولايته فأذن له بإظهار ذلك يوم غدير خم.. ([765]).
(3) وعن أبي عبدالله في قوله سبحانه: ].. وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد..[([766])، قال: يعني الأئمة([767]).
هذه بعض تأويلاتهم لآيات الصلاة، وقد مضى تأويلهم لعموم الأعمال الصالحة بالإمامة وذلك في قوله سبحانه: ]فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً[ حيث قالوا: العمل الصالح المعرفة بالأئمة، وهذا التعميم في تأويل الأعمال الصالحة يغني عن التمثيل لسائرها من مثل قولهم في تأويل بعض آيات الحج وهو قوله سبحانه: ]ثم ليقضوا تفثهم..[([768]) قـال: التفث: لقاء الإمام([769])، وغيرها مما لا يتسع المقام لاستيعابها، حتى إن المجلسي عقد باباً في البحار بعنوان: (باب أنهم الصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الطاعات وأعداؤهم الفواحش والمعاصي في بطن القرآن) ([770]).
(هـ) تأويلهم لما ورد في كتاب الله عن المؤمنين، وولاة الأمر، وأهل الذكر، وآيات الله الكونية، ومخلوقاته، وآلائه ونعمه، وغيرها، تأويلهم لذلك بالأئمة الإثني عشر ومن ذلك:
(1) ما ورد في المؤمنين من أوصاف يقصرونها على الأئمة فيقولون:
        (أ) عن ابن أذينه عن بريد بن معاوية العجلي قال: سألت أبا جعفر عن قول الله :U ]..اتقوا الله وكونوا مع الصادقين[([771]) قال: إيانا عني, وعن أبي الحسن الرضا قال: سألته عن قول الله U ].. اتقوا الله وكونوا مع الصادقين[ قال الصادقون الأئمة والصديقون بطاعتهم([772]).
    (ب) عن أبي ولاد قال: سألت أبا عبدالله u عن قول الله U: ]الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به[([773]) قال هم الأئمة عليهم السلام([774]).
    

      (ج) عن سالم قال: سألت أبا جعفر u عن قول الله U: ]ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله..[([775]) قال: السابق بالخيرات الإمام، والمقتصد العارف للإمام، والظالم لنفسه الذي لا يعرف الإمام([776])، وغير ذلك كثير.
(2) والأئمة هم أهل الذكر، والراسخون في العلم، والذين أوتوا العلم:
        (أ) عن عبدالله بن عجلان عن أبي جعفر في قول الله :U ]... فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون[([777]) قال: قال رسول الله r: الذكر أنا والأئمة أهل الذكر، وقوله U: ]وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون[([778]) قال أبو جعفر :u نحن قومه ونحن المسؤولون([779]).
   (ب) عن أبي عبدالله u في قوله تعالى: ].. وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم..[ ([780]) قال: نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله – وعنه –
 
 
 
الراسخون في العلم أمير المؤمنين والأئمة من بعده([781]).
     (ج) وعن هارون بن حمزة عن أبي عبدالله u قال: سمعته يقول: ]بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم..[([782]) قال: هم الأئمة عليهم السلام خاصة([783]). وساق الكليني أربع روايات أخر في تفسير الآية بنحو التأويل السابق([784]).
(3) والأئمة وشيعتهم الذين يعلمون وأولو الألباب.
        عن جابر (الجعفي) عن أبي جعفرu في قول الله U: ].. هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب[([785]) قـال أبو جعفر u: (إنما نحن الـذين يعلمون والذين لا يعلمون عـدونـا. وشيعتنا أولـو الألباب)([786]).
       ويورد الكليني رواية أخرى مثل هذه الرواية، ويأخذ من هاتين الروايتين قاعدة على أن من وصفه الله تعـالى في كتابه بالعلم هم الأئمة عليهم السلام,
     
 
 
      كما يفيد ذلك الباب الذي عقده في هذا بعنوان: (باب أن من وصفه الله تعالى في كتابه بالعلم هم الأئمة عليهم السلام).
(4) والأئمة هم (نعمة الله) التي ذكرها في كتابه:
        (أ) روى الكليني بإسنـاده أن أمير المؤمنين u.. تلا هذه الآية: ]ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار جهنم[([787])، ثم قال: نحن النعمة التي أنعـم الله بها عـلى عبـاده وبنـا يفـوز مـن فـاز يوم القيامة([788]).
    (ب) وعن أبي يوسف البزاز قال: تلا أبو عبدالله u هذه الآية:
           ].. فاذكروا آلاء الله..[ ([789]) قال: أتدري ما آلاء الله؟ قلت: لا، قال: هي أعظم نعم الله على خلقه وهي ولايتنا([790]).
(5) والأئمة هم آيات الله:
         قال الكليني: باب أن الآيات التي ذكرها الله U في كتابه هم الأئمة عليهم السلام وساق عـدة روايـات لهم في هذا منها: عن أبي جعفر u في قـول
 
 
 
        الله :U ]كذبوا بآياتنا كلها..[([791]) يعني الأوصياء كلهم.
(6) وهم النبأ العظيم:
         عن أبي حمزة عن أبي جعفر u قال: قلت له: جعلت فداك, إن الشيعة يسألونك عن تفسير هذه الآية: ]عم يتساءلون عن النبأ العظيم[([792])، قال: ذلك إلي إن شئت أخبرتهم وإن شئت لم أخبرهم, ثم قال: لكن أخبرك بتفسيرها ]عم يتساءلون[, قال: فقال: هي في أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه, يقول ما لله U آية هي أكبر مني ولا لله من نبأ أعظم مني([793]).
(7) والآيات المحكمات هي الأئمة:
          روى العياشي عن أبي عبدالله u في قول الله: ].. هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات..[ ([794]) قال أمير المؤمنين والأئمة (ع) ]وأخر متشابهات:[ فلان وفلان وفلان – أي أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم - ]فأما الذين في قلوبهم زيغ[ أصحابهم وأهل ولايتهم فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله([795]).

(8) وهم العلامات التي ذكرها الله في كتابه:
         عن داود الجصاص قال: سمعت أبا عبدالله يقول: ]وعلامات وبالنجم هم يهتدون[([796]) قال: النجم رسول الله والعلامات هم الأئمة عليهم السلام([797])، وذكر الكليني روايتين لهم بمثل هذا([798])، وعقد المجلسي في ذلك باباً بعنوان: (باب أنهم النجوم والعلامات..)([799]).
(9) وولايتهم هي الطريقة المذكورة في قوله سبحانه ]وألَّوِ استقاموا على الطريقة..[([800])، عن يونس بن يعقوب عمن ذكره – كذا- عن أبي جعفر u في قوله تعالى: ]وألوَّ استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً[ قال: يعني لو استقاموا على ولاية علي بن أبي طالب أمير المؤمنين والأوصياء من ولده عليهم السلام([801]).
         وتأويلهم لكثير من آيات القرآن بالإمامة والأئمة يربو على الحصر, وكأن القرآن لم ينزل إلا فيهم، بل تأويلهم للآيات بالإمامة والأئمة تجاوز حدود الشرع والعقل، ونزل درك من العته والبله, لا تفسير له سوى أنه محاولة للهزء والسخرية بآيات الله, حتى إنهم يقولون:
(10) الأئمة هم النحل([802]) في قوله سبحانه ]وأوحى ربك إلى النحل..[([803]), والمجلسي عقد باباً لذلك بعنوان: (باب نادر في تأويل النحل بهم)([804]).
(11) وهم الحفدة([805]) في قوله سبحانه: ]... وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة..[([806]).
(12) وعلي هو سبيل الله([807]) في قوله سبحانه: ].. ويصدون عن سبيل الله..[([808]).
(13) وهو الحسرة على الكافرين([809]) في قوله: ]وإنه لحسرة على الكافرين[([810]).
(14) وهو حق اليقين([811]) في قوله سبحانه: ]وإنه لحق اليقين[([812]).
(15) وهـو الصراط المستقيم([813]) في قوله سبحـانه: ]اهدنا الصراط المستقيم[([814]).
 
 
(16) وهو الهدى([815]) في قوله: ].. فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون[([816]).
(17) والأئمة هم الأيام والشهور, وعقد شيخهم المجلسي باباً في ذلك بعنوان: (باب تأويل الأيام والشهور بالأئمة عليهم السلام) ضمنه طائفة من رواياتهم([817]).
(18) والأئمة هم بنو إسرائيل([818]) في قوله سبحانه: ]يا بني إسرائيل[([819]).
(19) وهم الأسماء الحسنى التي يدعى بها:
          يروون عن الرضا u قال: إذا نزلت بكم شدة فاستعينوا بنا على الله, وهو قول الله: ]ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها..[ ([820]) قال – راويهم – قال أبو عبدالله: نحن والله الأسماء الحسنى الذي لا يقبل – كذا – من أحد إلا بمعرفتنا، قال: فادعوه بها([821]).
(20) قال شيخهم المجلسي: والأئمة هم المـاء المعين والبئر المعطلة والقصر المشيد وتأويل السحاب والمطر والفواكـه وسائر المنـافع الظاهرة بعلمهم
          
          وبركاتهم، ثم أورد طائفة من نصوصهم في ذلك([822]).
وهكذا تمضي تأويلاتهم على هذا النحو الذي يكشف عوراتهم ويفضح إلحادهم.
ثانياً: تأويلهم للآيات الواردة في الكفار والمنافقين؛ تأويلهم لها بخيار صحابة رسول الله r وعلى رأسهم خليفتاه ووزيراه وصهراه وحبيباه أبو بكر وعمر، ويثلثون أحياناً بصاحب الجود والحياء ومن وضع ماله في سبيل الله وجهز جيش العسرة وغيره صهر رسول الله r في ابنتيه؛ عثمان t، وغيرهم من صحابة رسول الله الأخيار ومن تبعهم بإحسان. ومن ذلك ما يلي:
روى الكليني في الكافي عن أبي عبدالله في قوله تعالى: ].. ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين[([823]) قال: هما، ثم قال: وكان فلان شيطاناً([824]).
قال المجلسي ـ في شرحه للكافي في بيان مراد صاحب الكافي بـ «هما»ـ قال: هما أي أبو بكر وعمر, والمراد بفلان عمر، أي الجن المذكور في الآية عمر, وإنما سمي به لأنه كان شيطاناً إما لأنه كان شرك شيطان لكونه ولد زناً أو لأنه في المكر والخديعة كالشيطان, وعلى الأخير يحتمل العكس بأن يكون المراد بفلان أبا بكر([825]).
وعن حريز عمن ذكره عن أبي جعفر في قول الله: ]وقال الشيطان لما قضي الأمر...[ ([826]) قال: هو الثاني وليس في القرآن ]وقال الشيطان[ إلا هو الثاني([827]) – يعنون بالثاني عمر t -. وعن زرارة عن أبي جعفر في قوله تعالى: ]لتركبن طبقاً عن طبق[([828]) قال: يا زرارة, أو لم تركب هذه الأمة بعد نبيها طبقاً عن طبق في أمر فلان وفلان وفلان؟([829]) – يعنون أبا بكر وعمر وعثمان y - قال عالمهم الفيض الكاشاني: (ركوب طبقاتهم كناية عن نصبهم إياهم للخلافة واحداً بعد واحد) ([830]).
وعند قوله سبحانه: ].. فقاتلوا أئمة الكفر[([831]) يروي العياشي عن حنان بن سدير أبي عبدالله u قال: سمعته يقول: دخل علي أناس من البصرة فسألوني عن طلحة وزبير فقلت لهم: كانا إمامين من أئمة الكفر([832]).
ويفسرون الجبت والطاغوت الوارد في قوله سبحانه: ]ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت...[ ([833])، يفسرونهما بصاحبي رسول
 
الله r ووزيريه وصهريه وخليفتيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما([834]).
ويروون عن أبي جعفر - t وبرأه الله مما يفترون – في قوله: ].. وما كنت متخذ المضلين عضداً[([835]). قال: إن رسول الله r قال: (اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل ابن هشام) فأنزل الله وما كنت متخذ المضلين عضداً([836]).
وهذا النص يناقض اعتقادهم بعصمة الأنبياء, لأنه يقتضي صدور الدعوة لعمر من الرسول r على سبيل الخطأ، أو يثبت عصمة الرسول r وينسف ما قالوه في سب عمر وتكفيره وأنه غصب الخلافة من علي, وهذا يؤدي إلى هدم مبدأ الإمامة عندهم, وما ندري أي الأمرين يطوح بهم أكثر من الآخر؟.
ويروون عن أبي عبدالله أنه قال في قوله: ]ولا تتبعوا خطوات الشيطان[([837]) قال: (وخطوات الشيطان والله ولاية فلان وفلان) ([838]) – أبو بكر وعمر –.
وعند قوله سبحانه: ]لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم[([839]) روى العياشي عـن أبي بصير عــن جعفر بن محمد u قـال: (يؤتى بجهنم لها سبعة
 
أبـواب، بابها الأول للظالم وهو زريق، وبابها الثاني لحبتر، والباب الثالث للثالث، والرابع لمعاوية، والباب الخامس لعبدالملك، والباب السادس لعسكر بن هوسر، والباب السابع لأبي سلامة, فهم أبواب لمن اتبعهم) ([840]).
قال المجلسي في تفسير هذا النص: (زريق كناية عن الأول لأن العرب يتشأم بزرقة الـعين، والحبتر هو الثعلب ولعلـه إنـما كني عنـه لحيلته ومكره, وفي غيره من الأخبار وقع بالعكس وهو أظهر؛ إذ الحبتر بالأول أنسب ويمكن أن يكون هنا أيضاً المراد ذلك، وإنما قدم الثاني لأنه أشقى وأفظ وأغلظ، وعسكر بن هوسر كناية عن بعض خلفاء بني أمية أو بني العباس، وكذا أبو سلامة كناية عن أبي جعفر الدوانيقي, ويحتمل أن يكون عسكر كناية عن عائشة وسائر أهـل الجمل؛ إذ كـان اسم جمل عائشة عسكراً وروي أن كـان شيطـاناً)([841]).
وفي قوله تعالى: ].. إذ يبيتون ما لا يرضى من القول[([842]) يفترون على أبي جعفر أنه قال فيها: فلان وفلان – أي أبو بكر وعمر – وأبو عبيدة بن الجراح([843]), وفي رواية أخرى لهم افتروها على أبي الحسن تقول: هما وأبو عبيدة بن الجراح([844]) – هما: أي أبو بكر وعمر – وفي رواية ثالثة: الأول والثاني وأبو عبيدة بن الجراح([845]) (الأول والثاني أي أبو بكر وعمر).
وقولـه سبحانه: ]إن يــدعون مـن دونــه إلا إنــاثاً وإن يــدعـون إلا شيطـــانــــاً
 
مريداً[([846]) يفسرونها بالرواية التالية:
عن محمد بن إسماعيل عن رجل سماه عن أبي عبدالله u قال: دخل رجل على أبي عبدالله فقال: السلام عليكم يا أمير المؤمنين، فقام على قدميه فقال: مه هذا اسم لا يصلح إلا لأمير المؤمنين u سماه به، ولم يُسمّ – بالبناء المفعول – به أحد غيره فرضي به إلا كان منكوحاً وإن لم يكن به ابتلي به وهو قول الله في كتابه: ]إن يدعون من دونه إلا إناثاً وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً[ قال قلت: فماذا يدعى به قائمكم؟ قال: يقال له السلام عليك يا بقية الله، السلام عليكم يا ابن رسول الله([847]).              
فهذا قذف شنيع لكل أمراء المؤمنين.
ويفترون على أبي عبدالله أنه قال في قول الله: ]إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً..[([848]) قال: نزلت في فلان وفلان – أبو بكر وعمر – آمنوا برسول الله r وآله في أول الأمر ثم كفروا حين عرضت عليهم الولاية, حيث قال: من كنت مولاه فعلي مولاه, ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين u حيث قالوا له بأمر الله وأمر رسوله فبايعوه, ثم كفروا حيث مضى رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يقروا بالبيعة, ثم ازدادوا كفراً بأخذهم من بايعوه بالبيعة لهم, فهؤلاء لم يبق منهم من الإيمان شيء([849]).
 
وفي قوله سبحانه عن المنافقين: ]يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهمّوا بما لم ينالوا..[([850]).
يروي القمي في تفسيره عن الصادق u لما أقام رسول الله r يوم غدير خم كان بحذائه سبعة نفر من المنافقين وهم أبو بكر وعمر وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة والمغيرة بن شعبة, قال عمر: ألا ترون عينيه كأنها عينا مجنون – يعني النبي – الساعة يقوم ويقول: قال لي ربي, فلما قام قال: يا أيها الناس من أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: الله ورسوله قال: اللهم فاشهد ثم قال: ألا من كنت مولاه فعلي مولاه وسلموا عليه بإمرة المؤمنين فنزل جبرائيل وأعلم رسول الله صلى الله عليه وآله فأنزل الله ]يحلفون بالله ما قالوا[([851]).
ويفسرون الفحشاء والمنكر، في قوله: ].. وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي..[([852]) بولاية أبي بكر وعمر وعثمان، فيروون عن أبي جعفر u بالإسناد الكاذب أنه قال: وينهى عن الفحشاء: الأول. والمنكر: الثاني. والبغي: الثالث([853]).
ثالثاً: وعلى ضوء عقيدتهم في المهدي يتعسفون في تأويل الآيات فيروي شيخهم الصدوق – عندهم – بسنده عن أبي عبدالله في قول الله :U ]..هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب..[([854]).
قال: (من أقر بقيام القائم u أنه حق) وفي رواية: (]يؤمنون بالغيب[ يعني بالقائم u وغيبته)([855]).
وعن جابر.. عن أبي جعفر في قول الله: ]وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر..[([856]) قال: خروج القائم وأذان دعوته إلى نفسه([857]).
وعن سماعة عن أبي عبدالله u في قوله سبحانه: ]هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون[([858]) قال: إذا خرج القائم لم يبق مشرك بالله العظيم ولا كافر إلا كره خروجه([859]).
وعن صالح بن سعد عن أبي عبدالله في قول الله: ]قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد[([860]) قال: قوة القائم والركن الشديد الثلثمائة وثلاثة عشر أصحابه([861]) (مع أن الآية في لوط u مع قومه فجعلوها في قائمهم المنتظر).
والأمثلة على تعسفهم في تفسير آيات من كتاب الله بمهديهم المنتظر كثيرة، حتى ألفوا في هذا كتباً مستقلة مثل «ما نزل من القرآن في صاحب الزمان» لعبدالعزيز الجلودي([862])، و«المحجة فيما نزل في القائم الحجة» للسيد هاشم البحراني([863]).
رابعاً: ويمضي القوم في تأويلهم لآيات الله على ضوء عقائدهم وأصول دينهم ويتعسفون في ذلك أيما تعسف، فيحاولون البحث عن آيات يفسرون على ضوئها معتقدهم في التقية ففي تفسير العياشي عن الصادق في قوله سبحانه: ].. أجعل بينكم وبينهم ردماً[([864]) قال: التقية([865])؛ ﴿فما استطاعوا أن يظهروا وما استطاعوا له نقباً﴾([866]) قال: هو التقية([867]).
وعن المفضل عن الصادق: ]فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً[ قال: ما استطاعوا له نقباً إذا عمل بالتقية لم يقدروا في ذلك على حيلة وهو الحصن, وصار بينك وبين أعداء الله سدّاً لا يستطيعون له نقباً، قال: وسألته عن قوله: ].. فإذا جاء وعد ربي جعله..[([868]) قال: رفع التقية عند الكشف فينتقم من أعداء الله([869]).
وعن الحسين عن زيد بن علي بن جعفر بن محمد عن أبيه u قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لا إيمان لمن لا تقية له ويقول: قال الله:
].. إلا أن تتقوا منهم تقاة..[([870]))([871]).
وعن أبي إسحاق بن عمار عن أبي عبدالله u وتلا هذه الآية: ].. ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون[([872]) قال: والله ما ضربوهم بأيديهم ولا قتلوهم بأسيافهم، ولكن سمعوا أحاديثهم وأسرارهم فأذاعوها، فأخذوا عليها فقتلوا فصار قتلاً واعتداء ومعصية([873]).
وعن يزيد عن أبي جعفر u في قوله: ]يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا..[([874]) اصبروا.. يعني بذلك عن المعاصي، وصابروا يعني التقية، ورابطوا يعني الأئمة([875]).
خامساً: ولتأييد اعتقادهم في ”الرجعة“ يؤولون الآيات ويصرفونها عن معانيها؛ فقوله سبحانه: ]ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً[([876]) قالوا: الرجعة([877])، فالآخرة يفسرونها في هذه الآية بالرجعة, وهذا التفسير وأمثاله هو عين منطق الباطنيين في القول بإبطال المعاد.
ويفسرون قوله سبحانه: ]وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت..[([878]) بأن هذه الآية ليست في كفار قريش المنكرين للبعث, إنما هي في أعداء الشيعة المنكرين للرجعة!! وإليك النص:
عن بصير عن أبي عبدالله في قوله: ]وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت[ قال: ما يقولون فيها؟ – أي ما يقول أئمة السنّة في تفسيرها – قلت: يزعمون أن المشركين كانوا يحلفون لرسول الله أن الله لا يبعث الموتى قال: تبّاً لمن قال هذا, ويلهم هل كان المشركون يحلفون بالله أم باللات والعزى؟ قلت: جعلت فداك فأوجدنيه أعرفه قال: لو قد قام قائمنا بعث الله إليه قوماً من شيعتنا قبابع([879]) سيوفهم على عواتقهم فيبلغ ذلك قوم من شيعتنا لم يموتوا فيقولون: بعث فلان وفلان من قبورهم مع القائم فيبلغ ذلك قوماً من أعدائنا فيقولون: يا معشر الشيعة ما أكذبكم، هذه دولتكم وأنتم تكذبون فيها فحكى الله قولهم([880]) فقال: ]وأقسموا بالله جهد أيمانكم[.
هذه أمثلة لتأويلاتهم للقرآن، وتعسفهم في فهم آياته, وهو كما يرى القارئ تفسير باطني لا تربطه بالآية أدنى صلة, وكأن القرآن لم ينزل بلسان عربي مبين، ولم يجعله الله سبحانه هداية ودستوراً لخلقه أجمعين.
وهذه التمحلات والتكلفات ليست من قبيل الأخطاء في الرأي والزلل في فهم الآيات, ولكنها مؤامرة مدبرة ضد الإسلام، وخطة محبوكة لإلغـاء هـدايـة القـرآن للنـاس، وكـأنها قـد جـاءت تـالية لإخفـاق مـؤامـرة
 
التحريف التي ادعوها في كتاب الله ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون.
وخطورة هذا الاتجاه الباطني في تفسير القرآن كبيرة, لأنه يقتضي بطلان الثقة بالألفاظ، ويسقط الانتفاع بكلام الله وكلام رسوله, فإن ما يسبق إلى الفهم لا يوثق به، والباطن لا ضابط له, بل تتعارض فيه الخواطر ويمكن تنزيله على وجوه شتى، وبهذا الطريق يحاول ”الباطنية“ التوصل إلى هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها وتنزيلها على رأيهم([881]).
ولا شك أن تلك التأويلات إلحاد في كتاب الله: قال تعالى: ]إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا[([882]) قال ابن عباس: «هو أن يوضع الكلام في غير موضعه»([883]), وذلك بالانحراف في تأويله([884]).
قال في الإكليل: (ففيها الرد على من تعاطى تفسير القرآن بما لا يدل عليه جوهر اللفظ كما يفعله الباطنية، والاتحادية والملاحدة..)([885]).
وهؤلاء الذين يلحدون في آيات الله ويحرفونها عن معانيها وإن كتموا كفرهم وتستروا بالتأويل الباطل وأرادوا الإخفاء لكنهم لا يخفون على الله([886]). كما قال تعالى: ]لا يخفون علينا[.
 
ولمحاولة تمرير هذه الجريمة، وإنجاح تلك المؤامرة ربطوا هذا التفسير بأهل البيت، فضلاً عن أنهم جعلوا التفسير والتأويل من خصوصيات الأئمة الإثني عشر، وفي هذا عقد شيخهم الحر العاملي في كتابه «الفصول المهمة» باباً بعنوان: (باب أنه لا يعرف تفسير القرآن إلا الأئمة)([887]).
ولا اعتبار لأي تفسير لا يرد من طريقهم؛ قال عالمهم محمد رضا النجفي – من علمائهم المعاصرين ويلقبونه بآية الله -: (إن جميع التفاسير الواردة عن غير أهل البيت لا قيمة لها ولا يعتد بها)([888]).. ثم ذكر رواية لهم عن المجلسي في البحار وهي: (قال أبو جعفر لسلمة بن كهيل والحكم بن عنبسة شرقاً وغرباً لن تجد علماً صحيحاً إلا شيئاً يخرج من عندنا أهل البيت)([889]).
وقد جاء في أحاديثهم ورواياتهم ما يسوغون به هذا المسلك الغريب, جاء في أحاديثهم أن السياق القرآني غير منسجم مع النظر العقلي فهو أبعد ما يكون عن العقل فأول الآية في شيء وأوسطها في شيء وآخرها في شيء آخر, يقولون: عن جابر قال أبو عبدالله u: (يا جابر إن للقرآن بطناً وللبطن ظهراً, ثم قال: يا جابر وليس شيء أبعد من عقول الرجال منه أن الآية لتنزل أولها في شيء وأوسطها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل يتصرف على وجوه)([890]).
 
وهذا القول يصدق تماماً على التفسير المأثور عندهم للقرآن ولا يتصل من قريب أو بعيد بكتاب الله وتفسيره الصحيح، وإذا كان الأمر في تفسير القرآن كما يصورون فلِمَ نزل للناس كافة؟، وإذا كان الأئمة يفسرون القرآن للناس فأين الأئمة منذ أكثر من ألف عام؟.
وبقي أن نشير إلى ملاحظة هامة وهي: أن للتفسير عندهم وجوهاً ظاهرة وباطنة، والجميع معتبر. فمن أمثلة ذلك أنهم فسروا قوله سبحانه: ]ثم ليقضوا تفثهم[ بأنه لقاء الإمام كما فسروها بأنها أخذ الشارب، وقص الأظافر. ولما استشكل أحد رواتهم هذا التناقض وسأل – كما يزعمون – الإمام جعفر أي التفسيرين أصح؟ وأي الرواة أصدق في النقل عنه؟ قال بصواب التفسيرين, ولكن التفسير الباطني لا يحتمله – كما يزعمون – إلا خُلَّص مؤمنيهم, ولهذا يخاطب كل سائل بما يحتمله من وجوه التفسير([891]).. أي أن التفسير الباطني لا يقال إلا عند ارتفاع التقية مع ثقاتهم.
وقد يقول قائل إنك عممت الحكم على كل التفاسير الشيعية، في حين يوجد تفاسير لهم تحمل طابع الاعتدال، والبعد عن الغلو، أفما كان الأولى أن يكون هناك استثناءات في هذا المجال؟، أو يقسم التفسير عندهم إلى قسمين معتدل ومغالي, بدلاً من أن يجعل ما عرض من تأويلات هو الوجه للشيعة ”الرافضة“؟
والجواب أنني مع ما في السؤال من أن هناك بعض التفاسير الشيعية كـ «التبيان» للطوسي، و«مجمع البيان» للطبرسي قد نأت عن ذلك الغلو الجانح الذي ركنت إليه تلك التفاسير التي مثلنا بها, وإن كانت قد التزمت الدفاع عن
أصول العقيدة الشيعية في بعض الآيات ولكنها لا تقارب بحال ما في تفسير العياشي أو البرهان أو الصافي أو أصول الكافي وغيرها. وكنت قد عزمت الإشارة إلى هذا النوع من التفسير، والإشادة بهذه الخطوة نحو ”الاعتدال“ ولا سيما أن بعض من يدافع عن التشيع قد احتج بهذين التفسيرين على أن الشيعة كلهم (لا بعضهم!) ليس لديهم تأويلات منحرفة([892]) وكنا سنأخذ الأمر بحسن الظن.
ولكن عالم الشيعة ومحدثها وخبير رجالها وصاحب آخر مجموع من مجاميعهم الحديثية وأُستاذ كثير من علمائهم الأقطاب كمحمد حسين آل كاشف الغطا، وأغابزرك الطهراني وغيرهم عالم الشيعة حسين النوري الطبرسي قد كشف لنا سرّاً عندهم بقي دفيناً، وأماط اللثام عن حقيقة كانت مجهولة لدينا.
وهي أن كتاب «التبيان» للطوسي إنما وضع على أسلوب ”التقية“ والمداراة للخصوم, وإليك نص كلامه: (ثم لا يخفى على المتأمل في كتاب «التبيان» أن طريقته فيه على نهاية المداراة والمماشاة مع المخالفين, فإنك تراه اقتصر في تفسير الآيات على نقل كلام الحسن، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن جريج، والجبائي، والزجاج، وابن زيد، وأمثالهم, ولم ينقل عن أحد من مفسري الإمامية ولم يذكر خبراً عن أحد من الأئمة عليهم السلام إلا قليلاً في بعض المواضع, لعله وافقه في نقله المخالفون، بل عدَّ الأولين في الطبقة الأولى من المفسرين الذين حمدت طرائقهم، ومدحت مذاهبهم، وهو بمكان من الغرابة لو لم يكن عـلى وجـه المماشاة فـمن المحتمـل أن يكون هـذا القــول منه
 
فيه على نحو ذلك، ومما يؤيد كون وضع الكتاب على التقية ما ذكره السيد الجليل علي بن طاوس في سعد السعود وهذا لفظه: ونحن نذكر ما حكاه جدي أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في كتاب «التبيان» وحملته التقية على الاقتصار عليه من تفصيل المكي من المدني والخلاف في أوقاته إلخ – هكذا لم يكمل الطبرسي العبارة – وقال الطبرسي معقباً: وهو أعرف – يعني ابن طـاوس – بما قال – أي الطوسي – من وجوه لا يخفى على من اطلع على مقامه فتأمل)([893]).
فمن هذا الكلام يتبين أن «التبيان» للطوسي قد وضع على أسلوب التقية كما هو رأي عالم الشيعة المعاصر.
أو أن يكون تفسير التبيان قد صدر من الطوسي نتيجة اقتناع فكري بإسفاف ما عليه القوم من تفسير وبتأثير نزعة معتدلة لاختلاطه ببعض علماء السنّة في بغداد، ومعنى هذا أن شيعة اليوم هم أشد غلوّاً وتطرفاً, ولذا تراهم يعتبرون تفسير الطوسي وأمثاله من التفاسير إنما أُلفت للخصوم والتزمت بروح التقية لتبشر بالعقيدة الشيعية بين غير الشيعة.
وقد سار على نهج الطوسي عالمهم أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي – من أكابر علمائهم في القرن السادس – وقد أشار الطبرسي في مقدمة تفسيره إلى اتباعه لمنهج الطوسي حيث قال: (.. إلا ما جمعه الشيخ الأجل السعيد أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي قدس الله روحه من كتاب «التبيان», فإنه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحق ويلوح عليه رواء الصدق.. وهو القدوة استضيء بأنواره، وأطأ مواقع آثاره)([894]) فعلى هذا ينطبق ما قلناه في تفسير الطوسي على هذا التفسير.
وبعد: فهل بمثل هذه التأويلات والتكلفات يحصل تقريب ولقاء؟. وأنّى بمصادر حَوَت هذا الغثاء أن تنال ثقة العقلاء وتكون محور نقاش وتفاهم؟ وكيف تكون مصدراً لاستمداد العقيدة والسلوك والشريعة؟.
(ج) دعواهم تنزل كتب إلهية على الأئمة([895]):
تضمنت كتب الشيعة الأصيلة، ومراجعها المعتبرة عندهم دعاوى عريضة، ومزاعم خطيرة ليس لها وجود في عالم الواقع ولا يرى لها عين ولا أثر، وليس لها في كتب الأمة شاهد ولا خبر.
تلك المزاعم والدعاوى تتضمن أن هناك كتباً مقدسة نزلت من السماء بوحي من رب العزة جل علاه إلى ”الأئمة“, وأحياناً تورد كتب الشيعة الأصيلة نصوصاً وروايات يزعمون أنها مأخوذة من تلك الكتب، وعلى هذه الروايات المدعى أخذها من تلك الكتب تبنى عقائد ومبادئ.
وإليك – بكل أمانة – بعض ما وجدناه في كتبهم المعتمدة عندهم من هذه الدعاوى والمزاعم:
 
 
 
1- مصحف فاطمة:
تدعي كتب الشيعة نزول مصحف بعد وفاة الرسول r يسمونه مصحف فاطمة:
روى الكليني في «الكافي» - بسند صحيح كما يقول علماؤهم([896]) – عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبدالله (جعفر الصادق) ثم ذكر حديثاً طويلاً في ذكر العلم الذي أودعه الرسول r عند أئمة الشيعة – فيما يزعمون – وفيه قول أبي عبدالله – كما يروون -: (وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام قال ”أبو بصير“: قلت: وما مصحف فاطمة عليها السلام؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات([897])، ما فيه من قرآنكم حرف واحد)([898]).
وهذا النص يفيد – عندهم – أن مصحف فاطمة: الذي أوحاه الله – بزعمهم – إليها هو مثل القرآن الذي أنزله الله على عبده ورسوله ثلاث مرات, وهذا الزعم غاية في التحلل من العقل والجرأة على الكذب.
وما الحاجة لنزول مصحف على فاطمة والله جل شأنه يقول: ].. ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين[([899]), ]إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم[([900]).
وأين هو اليوم هذا المصحف المزعوم؟! ولكن يبدو أن مهندسي بناء التشيع وضعوا أمثال هذه الروايات خوفاً من أن يفقد المذهب أتباعه لعدم وجود ما يشهد له من كتاب الله.
وتمضي أساطيرهم تتحدث عن هذا المصحف فيروي الكليني بسنده عن حماد بن عثمان قال: سمعت أبا عبدالله ”ع“ يقول: (يظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة وذلك إني نظرت في مصحف فاطمة عليها السلام, قال: قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال: إن الله تعالى لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله دخل على فاطمة عليها السلام من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا الله U فأرسل الله إليها ملكاً يسلّي غمها ويحدثها, فشكت ذلك([901]) إلى أمير المؤمنين u فقال: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي, فأعلمته بذلك فجعل أمير المؤمنين u يكتب كلما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفاً قال: ثم قال: أما إنه ليس فيه شيء من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون)([902]).
وفي حديث آخر من أحاديثهم قال أبو عبدالله – كما يروي الكليني –
 
عن مصحف فاطمة: (ما أزعم أن فيه قرآناً وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلى أحد، حتى فيه الجلدة ونصف الجلدة وربع الجلدة وأرش الخدش)([903]).
ويلاحظ القارئ لهذا النص والذي قبله أن الأول منهما يجعل موضوع المصحف مقصوراً على علم الغيب فقط – علم ما يكون – بينما النص الآخر يجعل من موضوعه علم الحدود والديات ففي حتى أرش الخدش.
والمغزى من هذين النصين واضح, فإعطاء ”الأئمة“ علم ما يكون هو إضفاء لصفة الألوهية عليهم بمنحهم ما هو من خصائص الإله وهو ”علم الغيب“, وجعل مصحف فاطمة يحوي علم الحدود والديات هو ”اتهام“ مبطن بقصور التشريع الإسلامي!
وفي كتاب «دلائل الإمامة» وهو من كتبهم المعتمدة عندهم([904]) ترد رواية تصف هذا المصحف المزعوم بأن فيه: (خبر ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وفيه خبر سماء سماء، وعدد ما في السموات من الملائكة وغير ذلك، وعدد كل من خلق الله مرسلاً وغير مرسل، وأسماءهم، وأسماء من أُرسل إليهم، وأسماء من كـذب ومن أجـاب، وأسماء جميع مـن خـلق الله من المؤمنين
 
والكافرين وصفة كل من كذب، وصفة القرون الأولى وقصصهم، ومن ولي من الطواغيت ومدة ملكهم وعددهم وأسماء الأئمة وصفتهم وما يملك كل واحد.. فيه أسماء جميع ما خلق الله وآجالهم، وصفة أهل الجنة وعدد من يدخلها، وعدد من يدخل النار، وأسماء هؤلاء وهؤلاء، وفيه علم القرآن كما أُنزل، وعلم التوراة كما أُنزلت، وعلم الإنجيل كما أُنزل، وعلم الزبور، وعدد كل شجرة ومدرة في جميع البلاد)([905]).
هذه المواضيع كلها في ورقتين من أوله([906]) يقول الراوي: (إن إمامهم قال: وما وصفت لك بعد ما في الورقة الثالثة ولا تكلمت بحرف منه)([907]).
وما ندري بأي حجم يكون هذا الورق؟! كما لا ندري لماذا لم يستفد أئمتهم من هذه العلوم في سبيل استرداد الإمامة التي حرموها – كما تزعم الشيعة -.
ولماذا لا يخرج منتظرهم من سردابه وكيف يخاف القتل؟ – كما يعللون سر اختفائه – فيظل مختفياً وكل هذه العلوم عنده!!
              وتصف رواية «دلائل الإمامة» صفة نزول هذا المصحف على خلاف ما جاء في الرواية السالفة عن «الكافي» من أن عليّاً كتب ما سمعه من الملك حتى أثبت بذلك مصحفاً, وتقول رواية «الدلائل»: (أنه نزل جملة واحدة من السماء بواسطة ثلاثة من الملائكة وهم جبرائيل وإسرافيل وميكائيل.. فهبطـوا به وهي قـائمـة تـصلي, فما زالـوا قيـاماً حتى قعدت، ولمـا فرغت مـن صلاتهـا سلموا
 
 
عليها وقالوا: السلام يقرئك السلام, ووضعوا المصحف في حجرها([908]).
فقالت: لله السلام ومنه السلام وإليه السلام وعليكم يا رسل الله السلام, ثم عرجوا إلى السماء, فما زالت من بعد صلاة الفجر إلى زوال الشمس تقرؤه حتى أتت على آخره, ولقد كانت عليها السلام مفروضة الطاعة على جميع من خلق الله من الجن والإنس والطير والوحش والأنبياء والملائكة.
قلت: جعلت فداك فلمن صار ذلك المصحف بعد مضيها؟
قال: دفعته إلى أمير المؤمنين، فلما مضى صار إلى الحسن ثم إلى الحسين ثم عند أهله حتى يدفعوه إلى صاحب هذا الأمر..)([909]).
هذا بعض ما جاء في كتبهم عن مصحف فاطمة المزعوم, وهو يبين أن لفاطمة مصحفاً نزل عليها بعد وفاة الرسول r فيه علم الغيب وعلم الحدود والديات وغيرها مما سلف ذكره وأنه اليوم عند إمامهم الغائب! وهو وحي كالقرآن إلا أنه مثله ثلاث مرات ما فيه من قرآننا حرف واحد، فهل نزل هذا المصحف ليكمل القرآن؟!!
لوح فاطمة:
وهذا – كما يؤخذ من رواياتهم – غير مصحف فاطمة، لأن مصحف فاطمة نزل بعد وفاة الرسول r بواسطة الملك وكتبه علي من فم الملك وسلمه لـفاطمة، أو نزل جملـة واحـدة بـواسطـة ثـلاثـة مـن المـلائكة إلى آخر مـا بينـا
 
 
من أوصاف القوم لهذا الكتاب, أما لوح فاطمة فله صفات أُخرى؛ منها أنه نزل على الرسول r وأهداه لفاطمة إلى غير ذلك من أوصافه, وقد نقلوا عنه بعض النصوص التي تؤيد عقائدهم. ويبدو أن هذا الخبر عن «لوح فاطمة» والنص المنقول منه على درجة عالية من السرية, ففي نهاية النص – كما سيأتي – أمر بكتمانه عن غير أهله فهو سرية من أسرارهم، ولا ندري كيف تسرب ولماذا تسرب؟ متى؟!
وإليك النص:
وروى صاحب الكافي عن أبي بصير عن أبي عبدالله قال: قال أبي لجابر بن عبدالله الأنصاري: إن لي إليك حاجة متى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟ قال له جابر: في أي الأحوال أحببت, فخلا به في بعض الأيام فقال: هل يا جابر أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أُمي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وما أخبرتك به أُمي أنه في اللوح مكتوب؟، فقال جابر: أشهد بالله أني دخلت على أُمك فاطمة عليها السلام في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله فهنيتها بولادة الحسين، فرأيت في يديها لوحاً أخضراً ظننت أنه من زمرد, ورأيت فيه كتاباً أبيض شبه لون الشمس, فقلت لها: بأمي وأبي أنت يا بنت رسول الله, ما هذا اللوح؟ فقالت: هذا لوح أهداه الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وآله في اسم أبي واسم بعلي واسم ابني واسم الأوصياء من ولدي وأعطانيه أبي ليبشرني بذلك, قال جابر: فأعطتنيه أمك فاطمة عليها السلام فقرأته واستنسخته فقال أبي: فهل لك يا جابر أن تعرضه علي؟ قال: نعم, فمشى معه
 
 
 
أبي إلى منزل جابر فأخرج صحيفة من رق, فقال: يا جابر انظر في كتابك لأقرأ عليك, فنظر جابر في نسخته وقرأ أبي فما خالف حرف حرفاً, فقال جابر: أشهد بالله أني هكذا رأيته في اللوح مكتوباً.
بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمد نبيه ونوره وسفيره وحجابه ودليله, نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين عظم يا محمد أسمائي واشكر نعمائي..([910]).
(3) دعواهم نزول اثني عشر صحيفة من السماء تتضمن صفات الأئمة:
في حديث طويل من أحاديثهم يرويه صدوقهم ابن بابويه القمي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال – كما يفترون –: (إن الله تبارك وتعالى أنزل عليّ اثني عشر خاتماً، واثني عشر صحيفة، اسم كل إمام على خاتمه وصفته في صحيفته)([911]).
ومزاعمهم في هذا الباب كثيرة..
وهكذا يحاول القوم أن يسلكوا كل وسيلة لتثبيت معتقدهم في الأئمـة... بعد أن زلزل ذلك خلو كتــاب الإسلام العظيم «مما يثبتها», فراحوا
 
يزعمون تنزل كتب إلهية مع القرآن, فكانت هذه الدعوى فضيحة أخرى تضاف لقائمة فضائحهم وأكاذيبهم.
(ب) عقيدتهم في السنة:
وينحرفون عن الأمة الإسلامية في هذا الباب في الآتي:
أولاً: أقوال ”أئمتهم الإثني عشر“ هي عندهم كأقوال الله ورسوله.
ثانياً: قولهم بإيداع الشريعة عند الأئمة الإثني عشر.
ثالثاً: ردهم لمرويات الصحابة.
رابعاً: تلقيهم «السنة» عن حكايات الرقاع.
خامساً: انفصالهم عن جماعة المسلمين بمصادر خاصة لهم في تلقي السنة.
أولاً: إن أقوال الأئمة الإثني عشر هي كأقوال الله ورسوله في اعتقادهم, وهذه قاعدة مقررة عندهم وشواهدها كثيرة في كتبهم؛ فمن ذلك ما جاء في الكافي عن هشام بن سالم وحماد بن عثمان وغيره قالوا: سمعنا أبا عبدالله يقول: حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدي وحديث جدي حديث الحسين وحديث الحسين حديث الحسن وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين وحـديث أمير المؤمنين حديث رسول الله r وحديث رسول الله قـول الله U([912]).
وبناء على هذا ”النص“ وغيره اعتبروا كما يقول عالمهم المازاندراني: (إن حديث كل واحد من الأئمة الطاهرين قول الله U, ولا اختلاف في أقوالهم كما لا اختلاف في قوله تعالى)([913]) بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك فقالوا: يجوز من سمع حديثاً عن أبي عبدالله أن يرويه عن أبيه أو عن أحد من أجداده, بل يجوز أن يقول قال الله تعالى([914]).
ويقول أحد علمائهم المعاصرين: (إن الاعتقاد بعصمة الأئمة جعل الأحاديث التي تصدر عنهم صحيحة دون أن يشترطوا إيصال سندها إلى النبي r كما هو الحال عند أهل السنّة)([915])، ذلك (أن الإمامة استمرار للنبوة)([916]) عندهم, فالنص النبوي استمر – في اعتقادهم – حتى آخر أئمتهم، والسنة في اعتبارهم هي (كل ما يصدر عن المعصوم من قول أو فعل أو تقرير)([917]).
والمعصوم ليس هو الرسول r وحده كما يتوهم من يجهل مذهب الشيعة, بل يعدون أئمتهم معصومين كعصمة الرسول لا ينطقون – في اعتقادهم – عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى – كما يزعمون – ولهذا نصوا في دستورهم على أن السنة هي سنة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين([918]) لا سنة رسول الله المعصوم وحده.
ثـانياً: إيـداع الشريعة عنـد الأئمة المعصومين – بعد وفـاة الرسول ﷺ.
وهـذا الاعتـقـاد مـن ضـرورات مـذهبهم وأركـان دينهم وفحواه –
 
عندهم – أن رسول الله r بلغ جزءاً من الشريعة وكتم الباقي وأودعه الإمام عليّاً فأظهر علي منه جزءاً في حياته وعند موته أودعه الحسن وهكذا كل إمام يظهر منه جزءاً – حسب الحاجة – ثم يعهد بالباقي لمن يليه إلى أن صار عند إمامهم المنتظر.
يقول عالمهم محمد حسين آل كاشف الغطا:
(إن حكمة التدريج اقتضت بيان جملة من الأحكام وكتمان جملة, ولكنه سلام الله عليه أودعها عند أوصيائه كل وصي يعهد بها إلى الآخر لينشرها في الوقت المناسب لها حسب الحكمة من عام مخصص، أو مطلق، أو مقيد، أو مجمل مبين إلى أمثال ذلك, فقد يذكر النبي عاماً ويذكر مخصصه بعد برهة من حياته, وقد لا يذكره أصلاً بل يودعه عند وصيه إلى وقته)([919]).
وقال شيخهم – المعاصر – بحر العلوم: (لما كان الكتاب العزيز متكفلاً بالقواعد العامة دون الدخول في تفصيلاتها، احتاجوا إلى سنّة النبي.. والسنّة لم يكمل بها التشريع لأن كثيراً من الحوادث المستجدة لم تكن على عهده r احتاج أن يدخر علمها عند أوصيائه ليؤدوها عنه في أوقاتها)([920]).
وشواهد هذا ”المعتقد“ من كتبهم المعتمدة – عندهم – كثيرة، وقد عقد الكليني في «الكافي» عدة أبواب ضمنها مجموعة من أحاديثهم لتأكيد هذه النظرية وشرحها – عندهم – فمن هذه الأبواب:
(باب أن الأئمة عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله U وأنهم
يعرفونها على اختلاف ألسنتها)([921]).
(باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة)([922]). (باب أن الله عز وجل لم يعلم نبيه علماً إلا أمره أن يعلمه أمير المؤمنين «ع» وأنه شريكه في العلم)([923]).
(باب أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل)([924]). وغيرها من أبواب.
ومن الأمثلة على أحاديثهم التي تؤيد هذا ”المبدأ“ الخطير عندهم ما يروونه عن سدير عن أبي جعفر ”ع“ قال: (قلت له: جُعلت فداك ما أنتم؟ قال: نحن خُزَّان علم الله، ونحن تراجمة وحي الله، ونحن الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض)([925]). وعن أبي عبدالله ”ع“ قال: (نحن ولاة أمر الله وخزنة علم الله، وعيبة وحي الله)([926]).
وعن خيثمة قال: قال لي أبو عبدالله ”ع“: (يا خيثمة: نحن شجرة النبوة وبيت الرحمة، ومفاتيح الحكمة، ومعدن العلم، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة وموضع سر الله..)([927]).
ويروي الكليني بسند صحيح – كما يقول علماؤهم([928]) – رواية تشرح بعض ما عند أئمتهم من ذلك العلم المخزون فيقول: (عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبدالله ”ع“ فقلت له: جعلت فداك، إني أسألك عن مسألة، ههنا أحد يسمع كلامي؟ قال: فرفع أبو عبدالله ”ع“ ستراً بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه ثم قال: سل عما بدا لك، قال: قلت: جعلت فداك إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وآله علم عليّاً u باباً يفتح له منه ألف باب؟ قال: يا أبا محمد علّم رسول الله صلى الله عليه وآله عليّاً u ألف باب, يفتح من كل باب ألف باب, قال: قلت هذا والله العلم, قال: فنكت ساعة في الأرض ثم قال: إنه لعلم وما هو بذاك.
قال: ثم قال: يا أبا محمد وإن عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة؟ قال: قلت: جعلت فداك وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلى الله عليه وآله وإملائه من فلق فيه وخط علي بيمينه فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش، وضرب بيده إليّ فقال: تأذن لي يا أبا محمد؟ قال: قلت: جعلت فداك إنما أنا لك فاصنع ما شئت، قال: فغمزني بيده وقال: حتى أرش هذا – كأنه مغضب – قال: قلت: هذا والله العلم, قال: إنه لعلم وليس بذاك.
ثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا الجفر وما يدريهم ما الجفر؟ قال: قلت: وما الجفر؟ قال: وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل، قال: قلت: إن هذا هو العلم، قال: إنه لعلم وليس بذاك.

ثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة ”ع“ وما يدريهم ما مصحف فاطمة ”ع“, قال: قلت: وما مصحف فاطمة ”ع“؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات, والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد, قال: قلت هذا والله العلم, قال: إنه لعلم وما هو بذاك.
ثم سكت ساعة ثم قال: إنَّ عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة قال: قلت: جعلت فداك هذا والله وهو العلم, قال: إنه لعلم وليس بذاك.
قال: قلت: جعلت فداك, فأيّ شيء العلم؟ قال: ما يحدث بالليل والنهار الأمر من بعد الأمر والشيء بعد الشيء إلى يوم القيامة([929]).
هذا نص من نصوصهم السرية – وقت قوة الدولة الإسلامية – كما يدل ذلك ما جاء في أوله, حيث أن أبا بصير لم يسأل عن هذا العلم المزعوم إلا بعد أن خلا بأبي عبدالله([930]) وكذلك أبو عبدالله أراد أن يتأكد من خلو المجلس فرفع ”الستر“ الذي بينه وبين البيت الآخر, على الرغم من أن هذا ”الصنيع“ من أبي عبدالله يناقض ما جاء في آخر الرواية من أن عنده علم ما كان وما يكون, لأنه ما دام هذا العلم عنده فلا حاجة لرفع ”الستر“!!
ويـكشف هــذا الـنص السري عـن دعـاوى الـروافض حـول العلم
 
المستودع والمخزون عند الأئمة أشياء في غاية الغرابة, وهي كما في النص ”السالف“:
1- ألف باب من العلم يفتح من كل باب ألف باب.
2- الجامعة.
3- الجفر.
4- مصحف فاطمة.
5- علم ما كان وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة.
وهذه ”العلوم“ المزعومة للأئمة لا تعدو أن تكون وهماً من الأوهام وليس لهـا وجـود في عـالم الواقع ولا أثر, ولم يكن لها في حياة الأئمة تأثير ولو كـان بعض هـذه الدعاوى موجوداً عند أئمتهم لتغير وجه التـاريخ ولكنها مجرد خيـالات وترهات, و”الخطورة“ في مثل هذه الأخبار تكمن في الأثر النفسي الذي يحدثه الصراع بين العقل وهذه الـدعاوى, هذا الأثر الذي قد يطوح بمصدق هذه ”الأخبـار“ إلى مهاوي الشك والحيرة والإلحاد. (وما قدمنـاه هو بعض دعاواهم في هذا المجال ومزاعمهم في هذا الباب يصعب حصرهـا, ومقتضى هذه النظرية الخطيرة أن كتـاب الله U وسنّة نبيـه غـير وافيين بالبيـان ولم يكمل بهما التشريع عند وفـاته ﷺ, وهذا مصادم لآيـات القرآن كـقوله سبحـانه: ]اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً[ وغيرهـا من الآيـات وما جاء في ذلك من أحـاديث – كما سبق -[931]).
ومقتضى هـذا ”الـرأي“ الـطعن في رسول الله r وأنـه كتم جزءاً من
 
الشريعة وخالف قول الله U: ]يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته[([932]).
كما أن هذا القول يقتضي أن الصحابة لم يتلقوا إلا جزءاً من الشريعة ومن يعتمد على مرويات الصحابة فهو لم يعمل إلا بجزء من الشريعة، وهذا ”القول“ طعن في السنّة كبير، وتضليل للأمة خطير.
وينص هذا المبدأ الخطير على أن من حق الإمام تخصيص عام الكتاب أو بيان مجمله أو تقييد مطلقه, أي جعلوا له وظيفة المشرّع لأنه معصوم لا ينطق عن الهوى, وهذا في مؤداه ومرجعه إيمان بأنبياء بعد رسول الله خاتم النبيين, وهو محاولة لفتح الباب لتغيير الدين الذي نزل على سيد المرسلين باسم أن هذا من عمل الإمام.. ومن مستودع العلم الذي أودعه له الرسول.. سبحانك هذا بهتان عظيم..
ثالثاً: ردهم لمرويات الصحابة: يقول محمد حسين آل كاشف الغطا ـ في تقرير هذا الأمر عند طائفته ـ إن الشيعة (لا يعتبرون من السنّة – أعني الأحاديث النبوية – إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت([933]).. أما ما يرويه مثل أبي هريرة وسمرة بن جندب.. وعمرو بن العاص ونظرائهم فليس له عند الإمامية مقدار بعوضة)([934]).
 
وهذا القول في ”السنة النبوية“ مبني على معتقدهم في صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين من أنهم ارتدوا لصرفهم الخلافة عن علي إلى أبي بكر, ولا يستثنون من هذا الحكم على الصحابة إلا ثلاثة في معظم رواياتهم وكما سيأتي, وهم بهذا «المبدأ» يعزلون أنفسهم عن المسلمين.
ثم إن هذا «المبدأ» في رفض مرويات الصحابة يفضي إلى فقدان صفة «التواتر» في نقل شريعة القرآن وسنّة سيد الأنام ما داموا يحكمون على «النقلة» بهذا الحكم, ويحصرون اعتبارهم لصحة المنقول بما جاء عن طريق الآحاد فضلاً عن الواحد وهو علي الذي يجعلونه المصدر الوحيد للتلقي بعد وفاة الرسول ﷺ، وهذا «أساس» وضعه «زنديق» لهدم الدين والطعن في شريعة سيد المرسلين.
رابعاً: تلقيهم السنّة عن «حكايات الرقاع» وما يسمونه بالتوقيعات الصادرة عن الإمام:
هؤلاء القوم الذين يردون ما جاء عن طريق الصحابة الذين أثنى عليهم الله ورسوله يقبلون, بل يعدون من أوثق طرقهم ما يسمى «بحكايات الرقاع», وحقيقتها كما يلي:
أنه لما توفي إمامهم – الحادي عشر – الحسن العسكري (ت 260هـ) لم يكن له عقب([935]), وقد تم استبراء زوجاته وإمائه للتأكد من ذلك (حتى تبين لهم – كما يعترف عالم الشيعة ابن بابويه القمي - بطلان الحبل، فقُسم ميراثه بين
 
أُمه وأخيه جعفر وأودعت أمه وصيته وثبت ذلك عند القاضي والسلطان)([936]). ويقول كبار المؤرخين بأن الحسن العسكري مات عقيماً([937])، ولهذا تحيرت الشيعة بعده (فافترق أصحابه من بعده خمس عشرة فرقة)([938]) منهم من قال: (انقطعت الإمامة)([939]) ومنهم من قال: (إن الحسن بن علي توفي ولا عقب له والإمام بعده جعفر بن علي أخوه)([940]) إلى غير ذلك من اختلافاتهم وحيرتهم.
وفي خضم هذه الحيرة والاضطراب قام رجل يدعى (عثمان بن سعيد العمري)، وادعى دعوى في غاية الغرابة, ادعى أن للحسن العسكري ولداً في الخامسة من عمره مختفياً عن الناس لا يظهر لأحد غيره وهو الإمام بعد أبيه الحسن, وأن هذا ”الطفل“ الإمام قد اتخذه (وكيلاً عنه في قبض الأموال ونائباً يجيب عنه في المسائل الدينية)([941]) ولما مات عثمان سعيد (ت 280هـ) ادعى ابنه محمد بن عثمان نفس دعوى أبيه, وبعد وفاته (ت 305) خلفه الحسين بن روح النوبختي في نفس الدعوى ومن بعده (ت 326) خلفه أبو الحسن علي بن محمد السمري (ت 329) وهو آخرهم عند الشيعة الإمامية, ومن بعده وقعت الغيبة الكبرى وكان هؤلاء النواب([942]) عن الإمام يتلقون أسئلة الناس كما يتلقون أموالهم، ويأتون بأجوبتها وإيصالاتها من الإمام المنتظر ويسمونها ”توقيعات“ – والتوقيعـات هي خطوط الأئمة بزعمهم في جواب مسائل الشيعة وأسئلتهم.
وهذه الأجوبة والتوقيعات هي عند الشيعة كقول الله ورسوله!! حتى أنهم رجحوا هذه التوقيعات على ما روي بإسناد صحيح عندهم في حال التعارض. قال ابن بابويه القمي في كتابه «من لا يحضره الفقيه» بعد ما ذكر التوقيعات الواردة من الناحية المقدسة في باب الرجلين يوصي إليهما.. (قال: هذا التوقيع عندي بخط أبي محمد الحسن بن علي ـ ثم ذكر أن في الكافي للكليني رواية بخلاف ذلك التوقيع عن الصادق – ثم قال: لست أفتي بهذا الحديث بل أفتي بما عندي بخط الحسن بن علي..)([943]). 
قال الحر العاملي في تعقيبه على ذلك: (.. فإن خط المعصوم أقوى من النقل بوسائط..)([944]).
فهم يرجحـون مـا في هـذه الـتوقيعـات على ما جاء في أصح كتبهم..!
والرقاع والتوقيعات كثيرة ذكر الطوسي في الغية طرفاً منها([945]), وكذلك
 
 
 
أورد صاحب الاحتجاج صوراً من هذه ”التوقيعات المزعومة“([946]), وكذا وردت في «إكمال الدين» لابن بابويه القمي([947]) وكذلك عند المجلسي في «البحار»([948]) كما هي موجودة في «الكافي»([949])، وقد جمع شيخهم: عبدالله بن جعفر الحميري الأخبار المروية عن منتظرهم وسماها: «قرب الإسناد إلى صاحب الأمر»([950]) وذكر صاحب ”الذريعة..“ كتابين لهم في هذا باسم «التوقيعات الخارجة من الناحية المقدسة»([951]).
ونجد في تراجم رجالهم إشارة إلى من زعم أنه كاتب – بفتح التاء – ”صاحب الأمر“ عن طريق أولئك النواب الأربعة, كما في ترجمة محمد بن عبدالله بن جعفر بن الحسين بن جامع بن مالك الحميري حيث قالوا بأنه كاتب – بفتح التاء – صاحب الأمر ”ع“([952])، وفي ترجمة – شيخهم – علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي أبو الحسن قالوا: إنه اجتمع مع أبي القاسم الحسين بن روح – النائب الثالث – وسأله عن مسائل ثم كاتبه بعد ذلك على يد علي بن جعفر بن الأسود يسأله أن يوصل له رقعة إلى الصاحب ”ع“([953])، والذين كاتبوا صاحب الأمر كثيرون عندهم.
ومواضع هذه التوقيعات المزعومة كثيرة.
فقد تكون إخباراً بمغيب مثل: (كتب علي بن زياد يسأل كفناً فكتب إليه: إنك تحتاج إليه في سنة ثمانين, فمات في سنة ثمانين وبعث إليه بالكفن قبل موته بأيام)([954]).
وقد تكون إجابة على أسئلة مثل ما ذكر صاحب الاحتجاج عن الكليني عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري رحمه الله – النائب الثاني – أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أُشكلت علي, فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان ”ع“:
(أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك ووقاك من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمنا.
فاعلم أنه ليس بين الله U وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس مني وسبيله سبيل ابن نوح، وأما سبيل ابن عمي جعفر وولده فسبيل أُخوة يوسف ”ع“.
وأما أموالكم فلا نقبلها إلا لتطهروا, فمن شاء فليصل ومن شاء فليقطع)([955]).
(وأما ما سألت عنه من أمر المصلي والنار والصورة بين يديه فهل تجوز صلاته؟
فإن الناس قد اختلفوا في ذلك قبلك، فإنه جائز لمن لم يكن من أولاد عبدة الأصنام والنيران أن يصلي والنار والسراج بين يديه, ولا يجوز ذلك لمن كان من أولاد عبدة الأوثان)([956])!!!
(وعن المرأة يموت زوجها فهل يجوز أن تخرج في جنازته أم لا؟
التوقيع: تخرج في جنازته.
وهل يجوز لها في عدتها أن تزور قبر زوجها أم لا؟
التوقيع: تزور قبر زوجها..([957]))!!! إلخ إلخ.
ومواضع هذه التوقيعات ”المزعومة“ كثيرة لا مجال لاستعراضها.
وفترة النيابة عن الإمام بواسطة الوكلاء الأربعة تلك التي استمرت قرابة سبعين سنة([958]) هي المناخ الزمني لحكايات الرقاع, وبوفاة آخرهم وقعت الغيبة الكبرى والمحرومية العظمى من الإمام. لكن من مجتهدي الشيعة من زعم أنه التقى بالإمام الغائب وأفتاه ووقّع له بعد الغيبة الكبرى, قالوا – مثلاً - إن ابن المطهر الحلي التقى بالمهدي فنسخ له كتاباً ضخماً في ليلة واحدة([959])، وقالوا: (إنه ”ع“ كان يجتمع بجملة من أهل العلم والتقوى الذين كانوا يستحقون المقابلة؛ كالعلامة السيد مهدي بحر العلوم النجفي فيما اشتهر عنه والشيخ ميثم بن علي البحراني فيما ينقل عنه..)([960]) وقد ألف – عالم الشيعة المعاصر – ميرزا حسين النوري الطبرسي كتاباً ذكر فيه من اجتمع بصاحب الأمر – بزعمه – سماه (جنة المأوى فيمن رأى صاحب الزمان في الغيبة الكبرى).
 
 
وهذه دعوى تعني استمرار البابية واستمرار حكايات الرقاع..
هذه هي ”حكايات الرقاع“ والتوقيعات الصادرة عن الإمام.
يقول الشيخ محمود الألوسي عن تعبد الروافض بحكايات الرقاع:
(إنهم أخذوا دينهم من الرقاع المزورة التي لا يشك عاقل في أنها افتراء على الله تعالى، ولا يصدق بها إلا من أعمى الله بصره وبصيرته..
وهذه الرقاع عند الرافضة من أقوى دلائلهم وأوثق حججهم, فتباً لقوم أثبتوا أحكام دينهم بمثل هذه الترهات، واستنبطوا الحلال والحرام من نظائر هذه الخزعبلات ومع ذلك يقولون نحن أتباع أهل البيت, كلا بل هم أتباع الشياطين وأهل البيت بريئون منهم)([961]).
خامساً: لهذه الآراء والعقائد الدخيلة وهذه الدسائس والمؤامرات المغرضة انفصل الشيعة عن جماعة المسلمين بمصادر لهم في السنّة هي عمدتهم وعليها يعوّلون.
فعمدة الروافض في ”أحاديثهم“ هي أربعة كتب عليها مدار العمل عندهم في جميع الأعصار, وهي عندهم كالكتب الستّة عند أهل السنّة.
أولهـا «الكـافي» في الأُصـول والفـروع لمحمد بـن يـعقـوب الكـليني([962]) (ت 329 أو 328) الملقب عندهم ”بثقة الإسلام“ قالوا: (وهو أجـل الـكتب الأربعـة والأصـول المعتمـدة)([963])، (وكـتبه في الغـيبة الصغـرى)([964]) و(حياته في زمن وكلاء المهدي u وبواسطتهم يجد طريقاً إلى تحقيق منقولاته)([965])، قالوا: (وهي قرينة واضحة على صحة كتبه وثبوتها لقدرته على استعلام أحوال الكتب التي نقل منها لو كان عنده شك فيها لروايته عن السفراء والوكلاء المذكورين وغيرهم وكونه معهم في بلد واحد غالباً([966])، ويشتمل الكافي على أربعة وثلاثين كتاباً، وثلاثمائة وستة وعشرين باباً، وأحاديثه حصرت في ستة عشر ألف حديث([967]) وقد طبع الكتاب عدة طبعات منها طبع أصوله وفروعه في إيران في مجلدين، وطبع أيضاً بالهند في ستة مجلدات)([968]).
والقارئ لهذه الأحاديث في «الكافي» وفي غيره من دواوين حديثهم يجد أن هناك فرقاً واضحاً وكبيراً بين الروايات التي ترد عن طريق أهل السنّة ـ ويطلق عليها ”الحديث“ ـ وبين الروايات التي ترد عن طريق الشيعة ويطلق عليها نفس المعنى. فكتب السنّة الستة وغيرها، إذا روت حديثاً فهو منسوب إلى النبي r وهي أحاديثه هو.
أما كتاب «الكافي» وغيره من كتب الحديث عند الشيعة الإمامية فهي تأتي بالرواية عن أحد أئمتهم الإثني عشر, ويعتقدون – كما مر – أن لا فرق بين مـا يروونه عن النبي ﷺ أو عن أحد أئمتهم – كـما يزعمـون – كما أن القـارئ
لكتب الحديث عندهم يجد معظم رواياتها عن أئمتهم ولا يجد إلا القليل منها هو المسند إلى النبي ﷺ, وأكثر ما يروى في الكافي واقف عند جعفر الصادق وقليل منها ما يعلو إلى أبيه محمد الباقر، وأقل من ذلك ما يعلو إلى أمير المؤمنين علي – رضي الله عنه – ونادر ما يقف عند النبي ﷺ.
كما أن الكافي هذا قد أكثر علماء الشيعة من الثناء عليه وعلى مؤلفه([969]) مع أن الكتاب قد اشتمل على مجموعة من رواياتهم في الطعن في كتاب الله العظيم, ولهذا قرر بعض شيوخ الشيعة أن هذه الروايات تنبئ عن معتقده في كتاب الله من أنه ناقص ومحرف لأنه أكثر منها مع اشتراطه الصحة فيما يرويه – كما سلف – ومن كان هذا معتقده في كتاب الله فكيف يوثق به وبرواياته لأن هذا من الكفر المتفق عليه؟.
وثاني صحاحهم هو كتاب «من لا يحضره الفقيه»([970]) لشيخهم المشهور عندهم ”بالصدوق“ محمد بن بابويه القمي([971]).
وهو خاص بمسائل الفقه عندهم, وقد اشتمل على (176) باباً, أولها باب الطهارة وآخرها باب النوادر، أما عدد أحاديثه فقد قال محسن العاملي أنها (9044).
وقد ذكر في مقدمة كتابه أنه ألف الكتاب بحذف الأسانيد لئلا تكثر طرقه, وأنه استخرجه من كتب مشهورة عندهم وعليها المعول ولم يورد فيه إلا ما يؤمن بصحته, وقد طبع الكتاب مرة في طهران في مجلد ضخم، ومرات في النجف كانت الرابعة منها في عام 1338هـ في أربعة أجزاء([972]).
وثالثها: تهذيب الأحكام. لشيخهم المعروف عندهم بـ ”شيخ الطائفة“ أبي جعفر محمد ابن الحسن الطوسي (ت 360), وهو أحد أُصولهم الأربعة المعتبرة منذ تأليفها إلى اليوم – كما يقولون – وهو في الفروع الفقهية عندهم – كسابقه – وقد أحصيت أبوابه فكانت (393) باباً، وبلغت أحاديثه (13590), ولكن صرح الشيخ الطوسي في كتابه «عدة الأصول» أن أحاديث التهذيب وأخبـاره تزيد على (5000), ومعنى ذلك أنها لا تصل إلا إلى (6000) في أقصى الأحوال. فهل زيد عليها أكثر من الضعف في العصور المختلفة؟!
وأحاديثه مرتبة على أبواب الفقه، وأشار مؤلفه إلى أنه (ترك ما يتعلق بالتوحيد والنبوة والإمامة لأن شرح ذلك يطول).
وذكر أن السبب في تأليفه هو ما آلت إليه أحاديثهم (من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه..), واعترف بأن هذا الاختلاف قد فاق ما عند أصحاب المذاهب الأخرى، وأن هذا كان من أعظم الطعون على مذهبهم، وأنه جعل بعض الشيعة يترك التشيع لهذا السبب([973]).
ومن يطالع منهج الطوسي لمواجهة هذا الاختلاف يجد أنه قد علق كثيراً من اختلافاتهم على ”التقية“ بدون دليل, سوى أن هذا الحديث أو ذاك يوافق أهل السنّة.
والواقع أنه بصنيعه هذا قد ”كرس“ الفرقة وأضاع على طائفته كثيراً من سبل الهداية..
وروايات كتابه بعضها بسند وبعضها بلا سند، وقيل إنه استدرك المتروك في آخر الكتاب. وقد طبع الكتاب عدة طبعات([974]).
ورابعها: «الاستبصار فيما اختلف من الأخبار» للطوسي السابق ذكره. وهو مجرد اختصار لكتاب «التهذيب» السالف الذكر([975]) ومع ذلك جعله الشيعة أحد أُصولهم.
والكتـاب يقع في ثلاثة أجزاء: جزءان منه في العبادات، والثـالث في بقية أبواب الفقه. بلغت أبوابه (393) باباً. وحصر المؤلف أحـاديثه بـ (5511), وقال: حصرتها لئلا يقع فيها زيادة أو نقصان. وقد طبع في الهند، وفي إيران([976]).
 
 
هذه هي أُصولهم الأربعة المعتمدة حتى اليوم باتفاقهم.
قال الفيض الكاشاني: (إن مدار الأحكام الشرعية اليوم على هذه الأصول الأربعة, وهي المشهود عليها بالصحة من مؤلفيها)([977]) وقال أغابزرك الطهراني – من مجتهديهم المعاصرين –: (الكتب الأربعة والمجاميع الحديثية التي عليها استنباط الأحكام الشرعية حتى اليوم).
وقام عالمهم ”الفيض الكاشاني“([978]) وجمع ما في الكتب الأربعة المتقدمة([979]) في كتاب كبير سماه «الوافي», ويقع في ثلاثة مجلدات كبار، وطبع في إيران. قال شيخهم محمد بحر العلوم([980]), وقد أحصيت أبواب الوافي – مع البابين اللذين في خاتمته – في ثلاثة وسبعين ومائتين باباً، ويحتوي على نحو خمسين ألف حديث([981]).
وهـذا العـدد الـذي ذكـره لأحـاديثـه يخـالف ما يقوله شيخهم محسن الأمين([982]) مـن أن مجمـوع مــا فـي الـكتب الأربـعـة عـندهم (44244)
حديثاً([983]).
وهذا الكتاب مع أنه مجرد جمع وترتيب.. لأُصولهم الأربعة السالفة إلا أن الشيعة جعلوه أصلاً من أُصولهم في الحديث.. وهو باب من أبواب الدعاية المذهبية, كمسألة تكثير الأحاديث التي هي في معظمها مجرد روايات يروونها عن أئمتهم الإثني عشر ليس فيها ما يسند مباشرة إلى رسول الله r إلا النادر..
وفي القرون الأخيرة ألف بعض شيوخ الشيعة مصنفات هي عبارة عن تجميع لكتب زعموا أن متقدمي شيوخهم لم يعرفوها فجمعوها في مؤلفات كبيرة, ومع أن تلك المدونات متأخرة (في القرن الحادي عشر فما بعد) إلا أنهم جعلوها من أُصولهم في الحديث!!
وهذه المدونات المتأخرة ثلاثة هي:
(1) «بحار الأنوار الجامعة لدر أخبار الأئمة الأطهار»:
لشيخهم محمد باقر المجلسي([984]) (ت 1110 أو 1111). قال شيخهم أغابزرك الطهراني عن هذا «البحار»: لم يكتب قبله ولا بعده جامع مثله، لاشتماله مع جمع الأخبار على تحقيقات دقيقة، وبيانات وشروح لها غالباً لا توجد في غيره, وقال: (قد صار «بحار الأنوار» مصدراً لكل من طلب باباً من أبـواب علـوم آل محمد صـلى الله عليه وآلـه وسلم, وقـد استعان بهذا الكتـاب
 
 
القيم جـل من تـأخر عن مؤلفه, وذلك لأن أكثر مآخذ البحار من الكتب المعتمدة والأصول المعتبرة القليلة الوجود)([985])، والملاحظ أن هذا ”المصدر“ هو عبارة عن تجميع لكتب شيوخهم، قال مؤلفه: (اجتمع عندنا بحمد الله سوى الكتب الأربعة نحو مائتي كتاب, ولقد جمعتها في بحار الأنوار)([986]) ونصوص البحار بلا سند, واكتفى مؤلفه عن ذلك بذكر الكتب التي نقل عنها والقول بأنها معتمدة عندهم([987])، ونصوصه تدور حول عقائدهم وآرائهم في الإمامة، والأئمة، وتاريخ الزهراء، والأئمة الإثني عشر، وأحوالهم، ومناقبهم، وما أُثر عنهم من المواعظ والآداب، وزيارة قبورهم.. إلخ. ولم ينقل فيه من الكتب الأربعة السالفة الذكر إلا قليلاً.. (وعدد مجلدات الكتاب على ما قرره المؤلف 25 مجلداً، ولما كبر المجلد الخامس والعشرون جعل شطراً منه في مجلد آخر فصار المجموع 26 مجلداً)([988]) وقد طبع حديثاً وبلغ مع مجلدات الإجازات (110) مجلداً([989]).
وقـد حـوى هـذا الكتـاب من الطعن في الإسلام، والقرآن والصحابة، والأمة، بل وأهل البيت.. حوى من هذه البلايا وغيرها النصيب الأوفى..
 
 
 
(2) «وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة»:
تأليف شيخهم محمد بن الحسن الحر العاملي([990]) (ت 1104).
وهذا الكتاب عبارة عن نقول من ”الكتب الأربعة“ عندهم, بالإضافة إلى أكثر من سبعين كتاباً موجودة عند مؤلفه كما يقول: (وما ندري لِمَ لَمْ يعرفها أوائلهم وينقلوها في مجاميعهم), كما أن هناك (70) كتاباً نقل بالواسطة عن طريق بعض كتبهم مشايخهم.
وهذا ”الجامع“ خاص بأحاديثهم في الأحكام، ويعتبرونه أجمع كتاب لهم في ذلك، وقد رتبه وبوبه مؤلفه على ترتيب كتب الفقه.. وطبع الكتاب في ثـلاثة مجـلدات ضخام وطبع مرة أُخرى في تسعة مجلدات تضم عشرين جزءاً([991]).
(3) «مستدرك الوسائل»:
لشيخـهم المتـأخر حسين النـوري الطـبرسي([992]) (ت 1320هـ) وهــو
 
مؤلف كتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» الذي يعتبر أكبر عار وسبة وفضيحة على الشيعة أبد الدهر. ومع هذا جعلوا كتابه مستدرك الوسائل من كتبهم الأساسية والمعتمدة في الحديث.
قالوا: (والدافع لتأليفه عثور المؤلف على بعض الكتب المهمة التي لم تسجل في جوامع الشيعة من قبل)([993]).
قال عالمهم المعاصر أغابزرك الطهراني: (فأصبح كتاب المستدرك كسائر المجاميع الحديثية المتأخرة يجب على عامة المجتهدين الفحول أن يطلعوا عليها ويرجعوا إليها في استنباط الأحكام من الأدلة, وقد أذعن بذلك جل علمائنا المعاصرين)([994]).
ثم استشهد أغابزرك الطهراني بشهادات من علماء الشيعة المعاصرين باعتماد كتاب المستدرك مصدراً من مصادرهم الأساسية([995]).
هذه هي مجاميعهم في الحديث بلغت سبعة ومع الوافي الذي جمع ما في الكتب الأربعة تصبح ثمانية. قال عالمهم المعاصر محمد صالح الحائري: (وأما صحاح الإمامية فهي ثمانية, أربعة منها للمحمدين الثلاثة الأوائل وثـلاثة بعـدها للمحمدين الثلاثة الأواخر، وثامنها لمحمد الحسين المرحوم المعاصر النوري)([996]).
 
والمجال لا يتسع لدراسة هذه المجاميع دراسة وصفية نقدية تكشف ما فيها .. فهذا بحث مستقل بذاته.
أسانيد الشيعة في كتبهم:
يزعم الشيعة أنهم يروون أحاديثهم عن آل البيت, لكن بأي سند؟ تجيب كتب الشيعة بالاعتراف بانقطاع أسانيدها فتقول:
(إن مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام, وكانت التقية شديدة فكتموا كتبهم ولم تُرو عنهم, فلما ماتوا صارت الكتب إلينا. قال أحد أئمتهم: حدثوا بها فإنها حق)([997]).
قال الشيخ موسى جار الله في تعليقه على هذا النص:
(نرى أن التقية جعلت وسيلة إلى وضع الكتب)([998]).
وقد اعترف بعض علمائهم بأن هناك كتباً كثيرة عندهم هي موضوعة, حيث قال ـ وهو يتحدث عن كتاب ”سليم بن قيس“ ـ: (والحق أن هذا الكتاب موضوع لغرض صحيح نظير كتاب الحسنية، وطرائف ابن طاووس والرحلة المدرسية للبلاغي وأمثاله)([999]).
أما رواتهم ومصنفو كتبهم فيعترف شيخهم الطوسي بفساد أكثرهم حيث يقول: (إن كثيراً من مصنفي أصحابنـا ينتحلون المذاهب الفاسدة – ومع هذا يقول – إن كتبهم معتمدة)([1000])، وقد عملت الطائفة ”الإمامية“ بأخبار الفطحية([1001]) مثل عبدالله بن بكير وغيره وأخبار الواقفية([1002]) مثل سماعة بن مهران.. وغيره. والواقفية والفطحية في عداد الكفار عند الإمامية الإثني عشرية ولكنهم يعملون برواياتهم!! فمع التشيع لا يضر انتحال أي نحلة.
ولم يكن للشيعة أي عناية بدراسة الإسناد والتمييز بين صحيح الحديث وضعيفه, وقد أكد شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنّة» في الرد على ابن المطهر على هذا المعنى وفضح الشيعة في هذا الباب([1003]).
ثم بدأ الشيعة في عصر ابن المطهر يحاولون وضع مقاييس لنقد الحديث عندهم وتقسيمه إلى صحيح وغيره.
وفي ظني أن من أسباب هذا الاتجاه هو النقد الموجه لهم من ابن تيمية وغيره في هذا, ومما يشعر بهذا هو التوافق الزمني بين رد ابن تيمية ووضعهم لهذا الاصطلاح, وهذه مسألة مهمة لم أر من نبه عليها.
فـالشيعـة يعتـرفـون بــ (أن هـذا الاصطلاح – وهـو تقسيم الحديث
 
 
عندهم إلى صحيح وموثق وضعيف – مستحدث في زمن العلامة)([1004]) والعلامة إذا أطلق في كتب الشيعة يقصد به ابن المطهر الحلي([1005]) الذي رد عليه ابن تيمية، بل إن ابن المطهر الحلي هذا هو – كما يقول صاحب الوافي -: (أول من اصطلح على ذلك وسلك هذا المسلك)([1006]).
إذن ألا يدل هذا على أن لابن تيمية و«منهاج السنّة» أثراً في ذلك, وقد اعترف ”الحر العاملي“ بأن سبب وضع الشيعة لهذا الاصطلاح واتجاههم للعناية بذكر الإسناد هو نقد أهل السنّة, فقال: (والفائدة في ذكره – أي السند – دفع تعيير العامة – يعني أهل السنّة – الشيعة بأن أحاديثهم غير معنعنة بل منقولة من أصول قدمائهم)([1007]).
وهذا النص يفيد – أيضاً – أن الإسناد عندهم غير موجود إلا بعد مواجهتهم للنقد من قبل أهل السنّة.
كـما يكشف الحر العـاملي أن دراسة الإسناد عنـد الشيعة هي محاولة لـتقلـيد أهـل الـسنّة فـيقـول: (والاصطـلاح الجـديـد مـوافق لاعتقـاد العامة
 
واصطلاحهم, بل هو مأخوذ من كتبهم كما هو ظاهر بالتتبع)([1008]).
وهذا يفيد تأخر دراسة الشيعة واهتمامها بهذه القضية إلى حوالي القرن السابع. وإن كانت كتابة تراجم الرجال بدأت عندهم مع ”الكشي“ في القرن الرابع لكن كما يقول عالمهم ”الحر العالمي“: (وأما البحث عن أحوال الرجال فلا يدل على الاصطلاح الجديد)([1009]), وقد يوهم كلام صاحب «مختصر التحفة الإثني عشرية“ أن البحث في أحوال الرجال عندهم هو بداية الاصطلاح الجديد, وذلك حين قال: (ثم اعلم أن أكثر علماء الشيعة كانوا يعملون سابقاً بروايات أصحابهم بدون تحقيق وتفتيش, ولم يكن فيهم من يميز رجال الإسناد ولا من ألف كتاباً في الجرح والتعديل حتى صنف الكشي سنة أربعمائة تقريباً كتاباً في أسماء الرجال)([1010]).
ولكن هذه التراجم لا تدل على بداية تقسيم الحديث عندهم إلى صحيح وغيره كما شهد بذلك صاحب «الوافي»، وصاحب «الوسائل» - كما مر -.
ثم إن الدافع لهذه الدراسة الحديثية – عندهم – ليس هو الوصول إلى صحة الحديث بقدر ما هو توقي نقد المذهب من قبل الخصوم، والدفاع عنه. كما يفيده كلام الحر العاملي.
ويقول شيخ الشيعة.. الفيض الكاشاني.. صاحب الوافي عن علم الجرح والتعديل عندهم: (في الجرح والتعديل وشرائطهما اختلافات وتناقضات واشتباهـات لا تكاد ترتفع بما تطمئن إليه النفوس, كما لا يخفى على الخبير بها)([1011]).
ومن يقرأ تراجم رجالهم يجد صورة واضحة لهذا التناقض؛ فلا يوجد راوٍ من رواتهم ـ غالباً ـ في الحديث إلا وفيه قولان: قول يوثقه وقول يضعفه, فضلاً عن أنه يلعنه ويخرجه من الإسلام. فمثلاً محدثهم الشهير ”زرارة بن أعين“ صاحب أئمتهم الثلاثة – كما يزعمون – ”الباقر“، و”الصادق“، و”الكاظم“([1012]) تجده في تراجمهم يمدح تارة ويذم أُخرى، يجعل من أهل الجنة مرة، ومن أهل النار مرة أُخرى، فيروي الكشي أن أبا عبدالله قال: (يا زرارة إن اسمك في أسامي أهل الجنة)([1013]) وقال: (رحم الله زرارة بن أعين, لولا زرارة لاندست أحاديث أبي)([1014]).
ويروي الكشي نفسه عن أبي عبدالله أيضاً أنه قال في هذا ”الزرارة“: (لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، ثلاث مرات)([1015]) وقال: (.. هذا زرارة بن أعين هذا من الذين وصفهم الله U في كتابه فقال: ]وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءاً منثوراً([([1016]) وقال: (.. زرارة شر من اليهود والنصارى ومن قـال إن مع الله ثالث ثلاثة – كذا-)([1017]).
وهذا ”التناقض“ هو ”دأبهم“ في تراجم رواتهم([1018])، كما هو واقع في رواياتهم وأحاديثهم، ولا يجدون مخرجاً لهم من هذا إلا القول بأن أحدها تقية, ثم هم لا يملكون قرينة معقولة على تحديد القول الذي هو تقية والقول الذي ليس بتقية!!
وفي كتاب «مرآة العقول» للمجلسي بيان للصحيح من أحاديث الكافي وخلافه في ضوء الاصطلاح الجديد, وإذا تأملت الأحاديث التي يصححها المجلسي وجدتها في الغالب تطعن في كتاب الله ودينه وتصادم الإسلام والقرآن([1019]).
ويكفي في الحكم على أحاديثهم النظر في متونها, (وكل متن يباين المعقول أو يخالف المنقول أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع)([1020]).
(ج) عقيدتهم في «الإجماع»:
الإجماع ليس حجة عند الشيعة بدون وجود المعصوم, فمدار حجية الإجماع على قول المعصوم وليس عـلى نفس الإجمـاع, فهم لم يقولوا بالإجماع وإنما قالوا بحجية قول المعصوم, ودعواهم الاحتجاج بالإجماع تسمية لا مسمى لها.
يقول ابن المطهر الحلي: (الإجماع إنما هو حجة عندنا لاشتماله على قول المعصوم, فكل جماعة كثرت أو قلّت كان قول الإمام في جملة أقوالها فإجماعها حجة لأجله لا لأجل الإجماع)([1021]).
وما أدري ما قيمة الإجماع إذن ما داموا يعتبرون الإمام معصوماً, فقوله وحده كاف.
وتؤكد ”نصوص الشيعة“ على ضرورة مخالفة إجماع أهل السنّة، وإن خلافهم فيه الرشاد. ففي الكافي سؤال لأحد أئمتهم يقول: (إذا وجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة – يعني أهل السنّة – والآخر مخالفاً لهم بأي الخبرين يؤخذ؟
فأجاب إمامهم: ما خالف العامة ففيه الرشاد.
قال السائل: جعلت فداك, فإن وافقهما الخبران جميعاً؟
قال – إمامهم –: ينظر إلى ما هم إليه أميل – يعني أهل السنّة – بأحكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر.
قال السائل: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعاً؟
قال: إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى إمامك, فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات)([1022]).
والذي دعا الشيعة لرد ”الإجماع“ هو ردهم لإجماع الصدر الأول على خلافة الخلفاء الثلاثة.
ويظهر الفارق جليّاً بين مذهب أهل السنّة في القول بحجية الإجماع، وبين مذهب الشيعة في ذلك, في أنه لو فرضنا – مثلاً – أن إمامهم محمد بن علي ”الجواد“ الذي قالوا بإمامته وهو ابن سبع سنوات([1023]) أو إمامهم المنتظر الذي قال التاريخ إنه لا وجود له ـ لو فرضنا ـ أنه قال برأي أو نسب له رأي وخالفته الأمة الإسلامية جميعاً؛ فإن الحجة في رأيه لا في إجماع الأمة. وهذا مذهب في غاية البطلان لا يحتاج لمناقشة!!

 
الفصل الثالث
عقائدهم الأخرى التي انفصلوا
بها عن أهل السنة
                سبق أن تحدثنا عن معتقد الشيعة في الكتاب، والسنّة، والإجماع، وفي هذا الفصل نتناول عقائدهم الأُخرى التي شذوا بها عن أهل السنّة, وسنتعرف على عقائدهم التالية:
                (1) الإمامة.
                (2) عصمة الإمام.
                (3) التقية.
                (4) الرجعة.
                (5) البداء.
                (6) الغيبة.
                (7) معتقدهم في الصحابة.
(1) الإمامة([1024]):
                وسنتناول في قضية الإمامة عند الشيعة المسائل الآتية:
(أ) معنى الإمامة عندهم.
(ب) فضائل الأئمة وصفاتهم.
(ج) غلوهم في قبور أئمتهم.
(د) غلوهم في مجتهديهم.
(هـ) كل حكومة غير حكومة الاثني عشر (أو نوابهم) باطلة.
(و) الإمامة ركن من أركان الدين.
(ز) تكفيرهم لمنكر إمامة الاثني عشر.
(ح) منزلة من آمن بإمامة الاثني عشر عندهم.
(أ) معنى الإمامة عند الشيعة:
للإمامة عند الشيعة مفهوم خاص ينفردون به عن سائر المسلمين, فيعتقدون (أن الإمامة منصب إلهي كالنبوة, فكما أن الله سبحانه يختار من يشاء من عباده للنبوة والرسالة، ويؤيده بالمعجزة التي هي كنص من الله عليه.. فكذلك يختار للإمامة من يشاء ويأمر نبيه بالنص عليه وأن ينصبه إماماً للناس من بعده..)([1025]).
أما الفرق بين الرسول والنبي والإمام عندهم فقد روى صاحب الكافي أنه سئل إمامهم الرضا: (ما الفرق بين الرسول والنبي والإمام؟ فكتب أو قال: الفرق بين الرسول والنبي والإمام: أن الرسول الذي ينزل عليه جبرائيل فيراه ويسمع كلامه وينزل عليه الوحي وربما رأى في منامه نحو رؤيا إبراهيم ”ع“، والنبي ربما سمع الكـلام وربما رأى الشخص ولم يسمع، والإمـام
 
 
هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص)([1026]) وهذا النص يفيد أن الوحي الإلهي متحقق حصوله للثلاثة على اختلاف في الطريقة والوسيلة التي يصل بها ”الوحي“, لكن كانت رواية الكافي هذه تقول: إن الإمام يسمع الكلام ولا يرى الشخص ”أي الملك“, مع أن هناك عدة روايات عندهم تؤكد تحقق رؤية الإمام للملائكة, حتى إن ”عالمهم“ المجلسي عقد في البحار باباً بعنوان: (باب أن الملائكة تأتيهم وتطأ فرشهم وأنهم يرونهم)([1027])، وذكر فيه ستة وعشرين حديثاً منها ما ذكره عن الصادق قال: (إن الملائكة لتنزل علينا في رحالنا وتتقلب على فرشنا، وتحضر موائدنا وتأتينا في وقت كل صلاة لتصليها معنا، وما من يوم يأتي.. إلا وأخبار أهل الأرض عندنا وما يحدث فيها..)([1028]).
وعن الصادق: (إن منا لمن ينكت في أُذنه، وإن منا لمن يؤتى في منامه وإن منا لمن يسمع صوت السلسلة تقع على الطشت – كذا – وإن منا لمن يأتيه صورة أعظم من جبرائيل وميكائيل)([1029]).
فترى في هذه ”الروايات للمجلسي“ أن الفرق الذي ذكره الكليني بين الإمام والرسول والنبي – إن كان يعتبر فرقاً – قد تلاشى. حتى قال المجلسي نفسه: (إن استنباط الفرق بين النبي والإمام من تلك الأخبار لا يخلو من إشكال وكذا الجمع بينهما مشكل جداً)([1030]). ثم قال: (ولا نعرف جهة اتصافهم بالنبوة إلا رعاية خاتم الأنبياء ولا يصل عقولنا فرق بين النبوة والإمامية)([1031]).
ومنزلة الإمامة والإمام تجاوزت في كتبهم أحياناً منزلة النبوة والنبي إلى منزلة أُخرى تتبين من حديثهم عن فضائل الأئمة وصفاتهم وهو ما سنذكره فيما يلي:
(ب): فضائل الأئمة وصفاتهم:
حديث الشيعة عن فضائل أئمتهم وصفاتهم حديث كثير وخطير, وسنذكر فيما يلي أهم الأبواب في كل من الكافي والبحار التي حوت أحاديثهم عن فضائل الأئمة.
وهذه الأبواب خلاصة موجزة لأحاديثهم تبين حجم الغلو واتساعه, فهي ليست روايات شاذة في كتبهم بل هي أبواب تحمل عناوين أشبه ما يكون بقواعد وأصول أساسية في معتقدهم, وهي أمكن القارئ من أخذ فكرة متكاملة عن منزلة الأئمة عندهم بصورة سريعة حيث تم بعد العرض لهذه الأبواب الإتيان من كل باب بمثال لتتضح الحقيقة في ذهن القارئ وسأذكر عناوين الأبواب أولاً وعدد أحاديث كل باب ثم أمثلة لهذه الأبواب على الترتيب نفسه.
فلنستمع للعناوين ثم للأحاديث بعدها.
(1) باب (أنهم أعلم من الأنبياء عليهم السلام) وفيه ثلاثة عشر حديثاً([1032]).
(2) بـاب (تفضيلهم «ع» عــلى الأنبياء وعلى جميع الخـلق وأخذ ميثاقهم عنهم
 
وعن الملائكة وعن سائر الخلق, وأن أُولي العزم إنما صاروا أُولي العزم بحبهم صلوات الله عليهم) وفيه 88 حديثاً([1033]).
(3) باب (أن دعاء الأنبياء استجيب بالتوسل والاستشفاع بهم ”ع“) وفيه 16 حديثاً([1034]).
(4) باب (أنهم يقدرون على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وجميع معجزات الأنبياء) وفيه 4 أحاديث([1035]).
(5) باب (أنهم لا يحجب عنهم علم السماء والأرض والجنة والنار, وأنه عرض عليهم ملكوت السموات والأرض ويعلمون علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة) وفيه 22 حديثاً([1036])، وهذا الباب جاء في الكافي بعنوان باب (أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء صلوات الله عليهم) وفيه ستة أحاديث([1037]).
(6) باب (أنهم يعرفون الناس بحقيقة الإيمان وبحقيقة النفاق, وعندهم كتاب فيه أسماء أهل الجنة وأسماء شيعتهم وأعدائهم, وأنه لا يزيلهم خبر مخبر عما يعلمون من أحوالهم) وفيه أربعون حديثاً([1038]). وفي الكافي باب (أن الأئمة لو ستر عليهم لأخبروا كل امرئ بما له وعليه) وفيه حديثان([1039]).
(7) باب (أن الأئمة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا) وفيه ثلاثة أحاديث([1040]).
(8) باب (أن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم) وفيه خمسة أحاديث([1041]).
(9) باب (أنه لا يحجب عنهم شيء من أحوال شيعتهم وما تحتاج إليه الأمة من جميع العلوم, وأنهم يعلمون ما يصيبهم من البلايا ويصبرون عليها ولو دعوا الله في دفعها لأجيبوا, وأنهم يعلمون ما في الضمائر وعلم المنايا والبلايا وفصل الخطاب والمواليد) وفيه ثلاثة وأربعون حديثاً([1042]).
=
(10) باب (أن عندهم الاسم الأعظم وبه يظهر منهم الغرائب) وفيه عشرة أحاديث([1043])، وغيرها من أبواب([1044])، وإليك أمثلة لما سبق على الترتيب السالف.
مثال للباب رقم (1): وهو (أنهم أعلم من الأنبياء):
عـن عبدالله التمار قـال: كنا مع أبي عبدالله ”ع“ في الحجر فقـال: علينا عين؟ فـالتفتنا يمنة ويسرة وقـلنا: ليس عـلينا عين. فقال: ورب الكعبة – ثلاث مرات – أن لو كـنت بيـن موسى والخضر لأخبرتهمـا أنـي أعلـم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما([1045]).
مثال للباب رقم (2): وهو (تفضيلهم على الأنبياء...):
=
في البحار قال أبو عبدالله: (والله ما استوجب آدم أن يخلقه الله بيده وينفخ فيه من روحه إلا بولاية علي ”ع“, وما كلم الله موسى تكليماً إلا بولاية علي ”ع“, ولا أقام الله عيسى ابن مريم آية للعالمين إلا بالخضوع لعلي, ثم قال: أجُمل الأمر؟: ما استأهل خلق من الله النظر إليه إلا بالعبودية لنا([1046]) وقال أمير المؤمنين: إن الله عرض ولايتي على أهل السموات وعلى أهل الأرض أقر بها من أقر وأنكرها من أنكر، وأنكرها يونس فحبسه الله في بطن الحوت حتى أقر بها([1047]) وكذلك أيوب لما شك في ملك علي قال له الله: فوعزتي لأُذيقنك من عذابي أو تتوب إلي بالطاعة لأمير المؤمنين)([1048]).
وعن سدير قال: سألت أبا عبدالله عن قول أمير المؤمنين «إن أمرنا صعب مستصعب لا يقر به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان» فقال: إن في الملائكة مقربين وغير مقربين ومن الأنبياء مرسلين وغير مرسلين ومن المؤمنين ممتحنين, وغير ممتحنين فعرض أمركم هذا على الملائكة فلم يقر به إلا المقربون، وعرض على الأنبياء فلم يقر به إلا المرسلون وعرض على المؤمنين فلم يقر به إلا الممتحنون, قال: ثم قال لي: مر في حديثك([1049]).
مثال للباب رقم (3): وهو (استشفاع الأنبياء بهم):
عن علي بن الحسن عن فضال عن أبيه عن الرضا ”ع“ قال:
(لما أشرف نوح ”ع“ على الغرق دعا الله بحقنا فدفع الله عنه الغرق, ولما رمي إبراهيم في النار دعا الله بحقنا فجعل الله النار عليه برداً وسلاماً, وإن موسى لما ضرب طريقاً في البحر دعا الله بحقنا فجعله يبساً، وإن عيسى ”ع“ لما أراد اليهود قتله دعا الله بحقنا فنجي من القتل فرفعه إليه)([1050]).
مثال للباب رقم (4): وهو (أنهم يقدرون على إحياء الموتى):
قال أبو عبدالله: إن أمير المؤمنين كانت له خؤولة في بني مخزوم وإن شاباً منهم أتاه فقال: يا خال, إن أخي وتِرْبي مات وقد حزنت عليه حزناً شديداً فقال له: تشتهي أن تراه؟ قال: نعم. قال: فأرني قبره.. فلما انتهى إلى القبر تكلم – أي علي – بشفتيه ثم ركضه برجله فخرج من قبره وهو يقول: ”وميكا“ بلسان الفرس فقال له علي ”ع“: ألم تمت وأنت رجل من العرب؟ فقال: بلى ولكنا متنا على سنّة فلان وفلان – أبو بكر وعمر – فانقلبت ألسنتنا)([1051]).
مثال للباب رقم (5): وهو (أنهم لا يحجب عنهم علم...):
قال أبو عبدالله: (أني لأعلم ما في السموات وأعلم ما في الأرضين وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان وما يكون)([1052]).
مثال للباب رقم (6): (أنهم يعرفون الناس بحقيقة الإيمان):
قال أبو الحسن الرضا: (إنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وبحقيقة النفاق)([1053]).
مثال للباب رقم (7): (أن الأئمة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا):
عن أبي عبدالله قال: (إن الإمام إذا شاء أن يعلم علم)([1054]).
مثال للباب رقم (8): (أن الأئمة يعلمون متى يموتون):
ويروي الكليني عـن الحسن بن الجهم قـال: (قلت للرضا ”ع“ أن أمير
 
 
المؤمنين ”ع“ قد عرف قاتله والليلة التي يقتل فيها، والموضع الذي يقتل فيه, وقوله: لما سمع صياح الأوز([1055]) في الدار: صوائح تتبعها نوائح, وقول أُم كلثوم: لو صليت الليلة داخل الدار وأمرت غيرك يصلي بالناس فأبى عليها وكثر دخوله وخروجه تلك الليلة بلا سلاح, وقد عرف u أن ابن ملجم لعنه الله قاتله بالسيف..)([1056]) وعن أبي الحسن موسى ”ع“ ”الكاظم“ قال: (إن الله U غضب على الشيعة فخيرني نفسي أو هم فوقيتهم والله بنفسي([1057]) – أي منطق النصارى نفسه بأن عيسى صلب لتخليصهم من ذنوبهم).
مثال للباب رقم (9): (أنهم لا يحجب عنهم شيء):
في البحار: (أن عليّاً قال على منبر الكوفة: والله إني لديان الناس يوم الدين، قسيم الله بين الجنة والنار لا يدخلها داخل إلا على أحد قسّمي، وأنا الفارق الأكبر، وقرن من حديد وباب الإيمان وصاحب الميسم وصاحب السنين، وأنا صاحب النشر الأول والنشر الآخر وصاحب القضاء وصاحب الكرات ودولة الدول وأنا إمام لمن بعدي والمؤدي من كان قلبي، ما يتقدمني إلا أحمد صلى الله عليه وآله وسلم وإن جميع الملائكة والرسل والروح خلفنا، وإن رسول الله ليدعى فينطق، وأُدعى فأنطق على حد منطقه.
ولقد أُعطيت السبع التي لم يسبق إليها أحد قبلي: بصُرت سبل الكتاب, وفُتحت لي الأسباب، وعـلمت الأنساب، ومجـرى الحساب, وعلمت
 
المنايا والبلايا والوصايا وفصل الخطاب، ونظرت في الملكوت فلم يعزب عني شيء غاب عني، ولم يفتني ما سبقني، ولم يشركني أحد فيما أشهدني يوم شهادة الأشهاد، وأنا الشاهد عليهم، وعلى يدي يتم موعد الله وتكمل كلمته، وبي يكمل الدين, وأنا النعمة التي أنعمها الله على خلقه، وأنا الإسلام الذي ارتضاه لنفسه, كل ذلك منٌّ من الله)([1058]).
مثال للباب رقم (10): (عندهم الاسم الأعظم...):
عن جابر الجعفي عن أبي جعفر ”ع“ قال: (إن اسم الله الأعظم علي ثلاثة وسبعين حرفاً, وإنما عند آصف منها حرف واحد فتكلم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس ثم تناول السرير بيده ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين, وعندنا نحن من الاسم اثنان وسبعون حرفاً، وحرف عند الله استأثر به في علم الغيب عنده ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)([1059]).
هذه أمثلة لما يصفون به أئمتهم وهي دعاوى في غاية الغرابة تخرج الأئمة من منزلة الإمامة إلى منزلة النبوة أحياناً، وأحياناً أخرى إلى مرتبة الألوهية.
ووجود عشرات الروايات فضلاً عن مئاتها تصف الأئمة بهذه الأوصاف الخيالية هي عملية إفراغ فكري ونفسي لحقيقة الألوهية، وحقيقة النبوة من نفس ”الشيعي“ الذي يؤمن بهذه الـروايات لتحل محلها حقيقة الأئمة.
وإذا وجد من ينفي صفة النبوة والربوبية عن الأئمة, فإن هذا النفي أشبه ما يكون بصرخة في واد إزاء هذا ”الزخم“ وهذا ”الركام“ الهائل من الفضائل المزعومة.
وهذه الروايات هي في الحقيقة؛ الأرضية، والقاعدة، والمنطلق، للأفكار الباطنية المنتشرة اليوم والتي تؤلّه الأئمة وتلوذ بجحور التقية عند مواجهتها للملأ.
ولولا خشية الإطالة لوقفنا عند كل نص نحلله ونرسم أبعاده.
إن هذه ”الدعاوى“ التي امتلأت بها كتب القوم التي يعدونها مصادر أساسية في التلقي والتشريع؛ هي محادة لله ولرسوله. فماذا أبقوا لله U من خصائص الألوهية حين يوردون عشرات من رواياتهم تقول (أن الأئمة يعلمون ما كان وما يكون وأنهم لا يخفى عليهم الشيء)؟ أي أن الأئمة عندهم علم الله. وكيف يتجرأون على القول بأن الأئمة عندهم 72 حرفاً من الاسم الأعظم والله عنده حرف واحد, أهم أعلم أم الله؟!! سبحانك هذا بهتان عظيم.
وهذه ”الدعاوى“ باب للزندقة والإلحاد.. لم يقلها نبي مرسل، ولا ملك مقرب. هي محاربة لدين الله U، وكتابه.
وهذه المزاعم انتقلت بشكل عملي واضح إلى جانبين خطيرين:
أحدهما: أنها انتقلت من حديث نظري عن فضائل الأئمة إلى غلو في قبورهم وأضرحتهم، وانتشر الشرك في بلاد الشيعة بلا نكير.
وثانيها: ظاهرة غلوهم في مجتهديهم باعتبار أنهم نواب الإمام المعصوم، (وهذان الجانبان يشكلان مفهوم الإمامة بصورة واقعية فلنتحدث عنهما).
 
ثالثاً: غلوهم في قبور أئمتهم واتخاذها مزارات ومشاهد:
إن للمسلمين كعبة واحدة يتوجهون إليها في صلاتهم ودعائهم ويحجون إليها, أما الشيعة فلهم مزارات ومشاهد وكعبات تنافس بيت الله U ويقام فيها الشرك ويهدم التوحيد.
وقد يقال: إن الشرك والمشاهد منتشرة في بلاد السنة؟
والجواب: أن هذا واقع. ولكن الفرق بين الشيعة وأهل السنة أن ما عند أهل السنة هو انحراف في واقعهم تنكره أصولهم، وما عند الشيعة هو ما يتفق مع أصولهم, بل هو ما تدعو إليه وتحث عليه أحاديثهم ورواياتهم, فهو معروف في أصول الشيعة منكر في أصول السنة.
ونتيجة هذا الفرق أن ما عند أهل السنة قابل للإصلاح وما عند الشيعة غير قابل حتى تغير أصولهم أولاً.
وهذه النتيجة ليست نظرية أو خيالية, بل ظهرت بشكل واقعي في تأثير دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في العالم الإسلامي في محاربة الشرك واستعصاء الشيعة على هذا الإصلاح.
يقول العالم الإيراني – الشيعي الأصل – أحمد الكسروي([1060]):
(ومما يرى ”من“ لجاج الشيعة أنه قد انقضى منذ ظهور الوهابيين أكثر من مائة وخمسين عاماً, وجرت في تلك المدة مباحثات ومجادلات كثيرة بينهم وبين الطوائف الأخرى من المسلمين, وانتشرت رسالات وطبعت كتب وظهر جلياً أن ليست زيـارة القبب والتوسل بالمـوتى ونذر النذور للقبور وأمثالها إلا
الشرك, ولا فرق بين هذه وبين عبادة الأوثان التي كانت جارية بين المشركين من العرب فقام الإسلام يجادلها ويبغ – كذا – قلع جذورها، يبين ذلك آيات كثيرة من القرآن.
فأثرت الوهابية في سائر طوائف المسلمين غير الروافض أو الشيعة الإمامية, فإن هؤلاء لم يكترثوا بما كان ولم يعنوا بالكتب المنتشرة والدلائل المذكورة أدنى عناية ولم يكن نصيب الوهابيين منهم إلا اللعن والسب كالآخرين)([1061]).
إن الشرك قد ألبس في كتب الحديث عند الشيعة ثوب الحق وهذا هو الخطر الأكبر، والداء الأعظم، وقد عقدت أمهات كتبهم ”كتباً وأبواباً“ في المزارات والمشاهدات، ضمنتها مئات من الروايات تجسد الشرك، وترسي قواعده.
ففي «البحار» للمجلسي ”كتاب المزار“ وقد استغرق ثلاثة مجلدات من «البحار»([1062]), وفي «وسائل الشيعة»، للحر العاملي ”أبواب المزار“ وبلغت هذه الأبواب (106) أبواب([1063])، وفي «الوافي» الجامع لأصولهم الأربعة:
”أبواب المزارات والمشاهد“ وتضمنت (33) باباً([1064]).
وفي «فقيه من لا يحضره الفقه» وهو أحد أصولهم المعتبرة عدة أبواب حول المشاهد وتعظيمها, كبـاب ”تربة الحسين وحريم قبره“ و”أبواب في زيارة الأئمة وفضلها“. وغيرها([1065]).
وفي «تهذيب الأحكام» - أحد الأصول الأربعة المعتبرة – طائفة كثيرة من الأبواب تتعلق بتعظيم المشاهد والقبور، ومناجاة الأئمة بأدعية تتضمن تأليههم.. ([1066]).
وألف في الزيارات ومناسكها كتب مستقلة مثل «مناسك الزيارات للمفيد»([1067]) وغيره([1068]).
والموضوع يستحق دراسة خاصة لخطورته وحسبنا في هذا المقام ذكر بعض ”الأمثلة“ لغلوهم في قبور أئمتهم.
لقد اعتبر الشيعة أماكن قبور أئمتهم المزعومة أو الحقيقة ”حرماً“ مقدساً: فالكوفة حرم، وكربلاء حرم، وقم حرم – عندهم – وغيرها. في «الوافي» (أن الكوفة حرم الله وحرم رسوله r وحرم أمير المؤمنين, وأن الصلاة فيها بألف صلاة والدرهم بألف درهم)([1069]). ويروون عن الصادق: (إن لله حرماً هو مكة ولرسوله حرماً وهو المدينة ولأمير المؤمنين حرماً وهو الكوفة ولنا حرماً وهو قم([1070]), ستدفن فيه امرأة من ولدي تسمى فاطمة من زارها وجبت له الجنة)([1071]).
وكربلاء عندهم أفضل من الكعبة, ففي حديث لهم عن أبي عبدالله أنه قال: (..إن الله أوحى إلى الكعبة لولا تربة كربلاء ما فضلتك, ولولا من تضمنه أرض كربلاء ما خلقتك ولا خلقت البيت الذي به افتخرت, فقرِّي واستقري وكوني ذنباً متواضعاً ذليلاً مهيناً غير مستنكف ولا مستكبر لأرض كربلاء وإلا سخت بك وهويت بك نار جهنم)([1072]).
وزيارة قبور الأئمة والدعاء والصلاة عندها والتوسل والاستشفاع بهم ذلك عندهم أفضل من الحج إلى بيت الله.
في «الكافي»: أتى رجل أبا عبدالله فقال له: (إني قد حججت تسع عشرة حجة فادع الله أن يرزقني تمام العشرين، قال: هل زرت قبر الحسين «ع»؟ قال: لا. قال: لزيارته خير من عشرين حجة) ([1073]).
وعن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبدالله يقول: (والله لو أني حدثتكم بفضل زيارته وبفضل قبره لتركتم الحج رأساً وما حج منكم أحد, ويحك أما علمت أن الله اتخذ كربلاء حرماً آمناً مباركاً قبل أن يتخذ مكة حرماً. قال ابن أبي يعفور: فقلت له: قد فرض الله على الناس حج البيت ولم يذكر زيارة قبر الحسين ”ع“ فقال: إن كان كذلك فإن هذا شيء جعله الله هكذا)([1074]).
وعن أبي عبدالله: (إن الله يبدأ بالنظر إلى زوار قبر الحسين بن علي ”ع“ عشية عرفة قبل نظره إلى أهل الموقف، قال ”الراوي“: وكيف ذلك؟ قال أبو عبدالله – كما يزعمون -: لأن في أولئك أولاد زنا وليس في هؤلاء أولاد زنا)([1075]).
وفي «الوافي» قال الصادق: (من عرَّف عند قبر الحسين فقد شهد عرفة)([1076]).              
وعن الصادق: (من زار قبر الحسين يوم عرفة كتب الله له ألف ألف حجة مع القائم ”ع“, وألف ألف عمرة مع رسول الله صلى الله عليه وآله, وعتق ألف ألف نسمة, وحمل ألف ألف فرس في سبيل الله, وسماه الله عز وجل عبدي الصديق آمن بوعدي, وقالت الملائكة: فلان الصديق وزكاه الله من فوق عرشه..)([1077]).
والصلاة عند القبور التي هي وسيلة للشرك بالله تعد عندهم من القربات المضاعفة في «الوافي» يقول حديث لهم: (الصلاة في حرم الحسين: لك بكل ركعة تركعها عنده كثواب من حج ألف حجة، واعتمر ألف عمرة وأعتق ألف رقبة, وكأنما وقف في سبيل الله ألف ألف مرة مع نبي مرسل)([1078]).
وهذه دعوة إلى الشرك بالله لا شك في ذلك.
وليس هذا خاصاً بحرم الحسين بل كل أئمتهم كذلك؛ ففي «البحار» للمجلسي: (من زار الرضا([1079]) أو واحداً من الأئمة فصلى عنده.. فإنه يكتب له – ثم ذكر ما جاء في النص السابق وزاد – وله بكل خطوة مائة حجة ومائة عمرة وعتق مائة رقبة في سبيل الله وكتب له مائة حسنة وحط عنه مائة سيئة)([1080]).
ويزور قبور أئمتهم الأنبياء والملائكة, ولم يكتفوا بذلك كعادتهم في الغلو والمبالغة بل قالوا – كبرت كلمة تخرج من أفواههم – إن الله تعالى يزور قبور أئمتهم. تعالى عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً. ففي «البحار» للمجلسي: (أن قبر أمير المؤمنين يزوره المؤمنون)([1081]).
وللزيارة عندهم مناسك معينة، وألفوا في ذلك مؤلفات كـ «مفاتيح الجنان» لشيخهم عباس القمي([1082]) و«مناسك الزيارات» للمفيد – كما مر([1083]) – وغيرها, ومن مناسك مشاهدهم يذكر المجلسي:
1- الغسل قبل دخول المشهد.
2- الوقوف على بابه والدعاء والاستئذان بالمأثور.
3- الوقوف على الضريح, فقد نص على الاتكاء على الضريح وتقبيله.
4- استقبال وجه المزور واستدبار القبلة حال الزيارة..
5- صلاة ركعتين.
ورويت رخصة في صلاتها إلى القبر, ولو استدبر القبلة وصلى جاز, وإن كان غير مستحسن إلا مع البعد([1084])، أي مع البعد يستحسن أن يجعل قبر الإمام كعبة يتوجه المصلي إليها.
أليست هذه النصوص هي دعوة إلى الشرك بالله عز وجل وتغيير شرع الله ودينه؟، واختيار نحلة المشركين على ملة المرسلين، واستبدال الوثنية بالحنيفية؟..
وجاء في بعض نصوصهم المقدسة أن الحجر الأسود سينزع من مكانه ويوضع في حرمهم الكوفة, ففي «الوافي» أن علي بن أبي طالب قال لأهل الكوفة: (يا أهل الكوفة لقد حباكم الله U بما لم يحبُ أحداً من فضل، مصلاكم بين آدم وبيت نوح وبيت إدريس، ومصلى إبراهيم – إلى أن قال فيما زعموا – ولا تذهب الأيام والليالي حتى ينصب الحجر الأسود فيه..)([1085]).
ألا يكون هذا النص وأمثاله هو من الدوافع للقرامطة في فعلتهم وجريمتهم المشهورة في بيت الله الحرام وانتزاعهم الحجر الأسود من الكعبة المشرفة([1086])، ولكنهم لم يضعوه في الكوفة. وقد توجد حركة تحاول ذلك فمصادر الشيعة مزرعة لأمثال هذه الحركات.
هذه منزلة مشاهدهم ومزاراتهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(حدثني الثقات أن فيهم من يرى الحج إلى المشاهد أعظم من الحج إلى البيت العتيق، فيرون الإشراك بالله أعظم من عبادة الله, وهذا من أعظم الإيمان بالطاغوت)([1087]) وأقول كيف لو اطلع ابن تيمية – رحمه الله – على ما في البحار والوسائل والوافي؟!
رابعاً: غلوهم في مجتهديهم:
بعد اختفاء إمام الشيعة ادعى أربعة منهم على التوالي أنهم نواب الإمام – كما مر – وأعلن آخرهم انتهاء البابية. بمعنى الصلة المباشرة والدائمة بالإمام الغائب.
ثم قام مجتهدوهم بعد ذلك وادعوا النيابة عن الإمام الغائب وقالوا: (إن كانت النيابة الخاصة أو البابية قد انتهت فالنيابة العامة لم تنته, فنحن نواب الإمام). والمهدي يقول: (أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا, فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله)([1088]). ولهذا يقول عالمهم المعاصر محمد رضا المظفر: (عقيدتنا في المجتهد أنه نائب للإمام u في حال غيبته وهو الحاكم والرئيس المطلق.. والراد عليه راد على الإمام والراد على الإمام راد على الله تعالى, وهو على حد الشرك بالله)([1089]).
فأنت تلاحظ هنا أن الإمام الذي أضفوا عليه تلك الصفات الأسطورية قد ناب عنه المجتهدون وهذا في واقع الأمر ادعاء للمهدية بشكل ذكي وبطريقة مقنعة, إذ لا فرق بين ادعاء المهدية أو ادعاء النيابة عن المهدي في كل شيء, قد يكون هناك فارق واحد وهو أن كل مجتهد من مجتهديهم أعطوه لقب النائب عن الإمام فنحن أمام عدد من الأئمة المهديين لا مهدي واحد يقول الخميني: (إن معظم فقهائنا في هذا العصر تتوفر فيهم الخصائص التي تؤهلهم للنيابة عن الإمامة المعصوم)([1090]).
وبدعوى النيابة عن الإمام امتصوا عرق الكادحين من الشيعة وأكلوا أموالهم باسم ”خمس الإمام“, وبدعوى النيابة جعلوا لفتاويهم صفة القداسة, فالراد على المجتهد راد على الله.
وكما يؤكد الشيعة على أن كل إمامة غير إمامة الاثني عشر باطلة, فلا يعترفون بأي حكومة إسلامية غير حكم علي بن أبي طالب – كما سيأتي – فكذلك كل ولاية – أي سلطة – غير ولاية المجتهد الشيعي باطلة لأنه هو نائب الإمام المعصوم.
ومن علماء الشيعة من يرى أن ولاية الفقيه الشيعي عن الإمام المعصوم ليست في كل شيء بل هي محدودة في ولاية أمور الفتوى وولاية القضاء والأوقاف العامة وأموال الغائب وارث من لا وارث له وما شابه ذلك([1091]), لكن الخميني وطائفته يرون النيابة المطلقة عن الإمام الغائب ماعدا البدء بالجهاد([1092]), ومن أجل تأييد مذهبه هذا كتب كتابه «ولاية الفقيه» أو «الحكومة الإسلامية», وهذا الغلو من الخميني في دعوى النيابة المطلقة أصبح موضع اعتراض بعض الشيعة, يقول محمد جواد مغنية في كتاب صدر له حديثاً بعنوان «الخميني والدولة الإسلامية»: (قول المعصوم وأمره تماماً كالتنزيل من الله العزيز العليم ]وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى[, ومعنى هذا أن للمعصوم حق الطاعة والولاية على الراشد والقاصر والعالم والجاهل وأن السلطة الروحية والزمنية – مع وجوده – تنحصر به وحده لا شريك له, وإلا كانت الولاية عليه وليست له, علماً بأنه لا أحد فوق المعصوم عن الخطأ والخطيئة إلا من له الخلق والأمر U. أبعد هذا يقال إذا غاب المعصوم انتقلت ولايته بالكامل إلى الفقيـه؟.. فما دامت هذه منزلـة المعصوم فـكيف يدعي النيابة الكـاملة عنه؟)([1093]).
 
أي كيف يدعي الخميني النيابة المطلقة عن الإمام الغائب، والإمام الغائب بمنزلة النبي أو الإله عندهم؟. وأقول أليس هذا تقمصاً لشخصية الإمام أو ادعاء للمهدية, ولذا فهو يسمى اليوم بالإمام وهو مصطلح له مفهوم الخاص عندهم كما ترى, فدعوى النيابة المطلقة عن الإمام هي بعث للإمامة والمهدية والتشيع من جديد.
ولا يرى الخميني من يتولى النيابة عن الإمام إلا الفقيه الشيعي يقول: (والفقيه هو وصي النبي وفي عصر الغيبة يكون إماماً للمسلمين وقائدهم) ([1094]), ويريد بالفقيه: الفقيه الرافضي لأن عقيدة الغيبة لا يؤمن بها إلا فقهاء الروافض.
ومن مظاهر الغلو في المجتهد ما مر بنا([1095]) من زعمهم أن مجتهديهم يلتقون بالإمام الغائب الذي هو في الواقع لم يولد, كما أن من مظاهر غلوهم في مجتهديهم أنهم قالوا بأن من لم يصل رتبة الاجتهاد يجب عليه أن يقلد مجتهداً حياً معيناً, وإلا فجميع عباداته باطلة لا تقبل منه([1096]) وإن صلى وصام وتعبد طول عمره إلا إذا وافق عمله رأي من يقلده بعد ذلك([1097]).
وهذه المنزلة للمجتهدين عند الشيعة تذكرك بمنزلة الباباوات والقسس عند النصارى.
 
 
خامساً: كل حكومة غير حكومة الاثني عشر باطلة:
هذا من أصول الإيمان بإمام الاثني عشر وبهذا, جاءت رواياتهم، عن أبي جعفر قال: (كل راية ترفع قبل راية القائم([1098]) ”ع“ صاحبها طاغوت)([1099]), قال شارح «الكافي»: (وإن كان رافعها يدعو إلى الحق)([1100]), وصحح المجلسي هذه الرواية([1101]) – عندهم –.
ولا تجوز الطاعة لحاكم ليس من عند الله – إلا على سبيل التقية – عن أبي جعفر ”ع“ قال: (قال الله تبارك وتعالى: لأعذبنَّ كل رعية في الإسلام دانت بولاية كل إمام جائر ليس من الله وإن كانت الرعية في أعمالها برة تقية، ولأعفونَّ عن كل رعية في الإسلام دانت بولاية كل إمام عادل من الله وإن كانت الرعية في أنفسها ظالمة مسيئة)([1102]).
ورواياتهم في هذا المعنى كثيرة, فمن أبواب صحيحهم «الكافي» باب (فيمن دان الله U بغير إمام من الله جل جلاله, وذكر فيه خمسة أحاديث في معصوميهم)([1103]) و(باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل ومن جحد الأئمة أو بعضهم ومن أثبت الإمامة لمن ليس لها بأهل, وذكر فيه اثني عشر حديثاً)([1104])، وفي البحار للمجلسي (باب عقاب من ادعى الإمامة بغير حق أو رفع راية جور أو أطاع إماماً جائراً، وذكر فيه ثمانية عشر حديثاً)([1105]).
والإمام الجائر، والظالم، والذي ليس أهل للإمامة، والإمام الذي ليس من عند الله، وما شابه ذلك من أوصاف، كل ذلك يطلقونه على حكام المسلمين من غير أئمتهم الاثني عشر وعلى رأس هؤلاء الحكام – الخلفاء الثلاثة الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان y - قال عالم الشيعة المجلسي صاحب «بحار الأنوار» عن الخلفاء الثلاثة الراشدين: (إنهم لم يكونوا إلا غاصبين جائرين مرتدين عن الدين, لعنة الله عليهم وعلى من اتبعهم في ظلم أهل البيت من الأولين والآخرين)([1106]).
هذا ما يقوله إمامهم المجلسي – الذي يعدون كتابه «بحار الأنوار» من مصادرهم الأساسية في الحديث – هذا ما يقوله في أفضل الأمة بعد رسل الله وأنبيائه، فيمن أقاموا دولة الإسلام بعد رسول الله r, وإذا كانت هذه نظرتهم لحكومة الخلفاء الثلاثة فكيف بمن بعدها.
وبناءً على اعتقادهم هذا في الحكومات الإسلامية تعمدوا الدس والتشويه للتاريخ الإسلامي، وافتعال الصراع بين الآل والأصحاب ومناصرة الأعداء ضد الدولة الإسلامية, لأنها غير شرعية في زعمهم وحكامها طواغيت في اعتقادهم.
وبناءً على مبدئهم في خلفاء المسلمين اعتبروا كل من يتعاون معهم طـاغوتـاً وجـائراً وعـلى رأسهم قضـاة المسلمين وعـلماؤهم, فــيروي محدثهم
الكليني بسنده عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبدالله عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث وتحاكما إلى السلطان وإلى القضاء أيحل ذلك؟؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت, وما يحكم له فإنما له يأخذ سحتاً وإن كان حقّاً ثابتاً له لأنه أخذه بحكم الطاغوت..([1107]).
ويقول الخميني – معقباً على حديثهم هذا: (الإمام u نفسه ينهى عن الرجوع إلى السلاطين وقضاتهم, ويعتبر الرجوع إليهم رجوعاً إلى الطاغوت)([1108]).
سادساً: الإمامة ركن من أركان الدين:
الإيمان بإمامة الأئمة الاثني عشر – بالمعنى السالف ذكره – ركن من أركان الدين عندهم وكتبهم مليئة بما يثبت هذا الشذوذ, من ذلك ما يرويه الكليني بسنده عن أبي جعفر قال: (بني الإسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه – يعني الولاية -)([1109]).
فالولاية – أي إمامة الاثني عشر – يعتبرونها الركن الخامس للإسلام، ويزعمون أنها محل الاهتمام والعنـاية من الشارع كما يدل عــلى ذلك قوله: (ولم
يناد بشيء كما نودي بالولاية..), وما ندري أين هذا الاهتمام المزعوم وكتاب الإسلام العظيم كتاب الله تذكر فيه وتكرر أركان الإسلام من الشهادتين والصلاة والصوم والزكاة والحج ولا ذكر فيه لشأن ولاية أئمتهم الاثني عشر..
وأحياناً يجعلون أركان الإسلام ثلاثة الولاية أحدها. يروي الكليني بسنده عن الصادق ”ع“ قال: (أثافي الإسلام ثلاثة: الصلاة والزكاة والولاية, ولا تصح واحدة منهن إلا بصاحبتيها)([1110]).
ويقولون إن الولاية أفضل أركان الإسلام, فعن زرارة عن أبي جعفر قال: (بني الإسلام على خمسة أشياء؛ على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية, قال زرارة: قلت: وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل..)([1111]).
ويقولون إن الولاية لا رخصة فيها، فعن أبي عبدالله قال: (إن الله افترض على أمة محمد خمس فرائض: الصلاة والزكاة والصيام والحج وولايتنا, فرخص لهم في أشياء من الفرائض الأربعة([1112])، ولم يرخص لأحد من المسلمين في ترك ولايتنا لا والله ما فيها رخصة)([1113]).
قال شيخهم المجلسي عن حديثهم هذا: (صحيح)([1114]). وكفى في تصحيح أمثال هذه الروايات عار وسبّة.
سابعاً: تكفيرهم لمن أنكر إمامة الأئمة الاثني عشر:
وردت روايـات كثيرة عندهم تكفر من أنكر إمـامة الأئمة الاثني عشر, وهذا التكفير يشمل خلفاء المسلمين من أبي بكر t إلى أن تقوم الساعة – ما عدا حكم علي والحسن رضي الله عنهما – لأنهم ادعـوا الإمـامة بغير حق, كما يشمل الشعوب الإسـلامية التي بـايعت خلفاء المسلمين من عهد أبي بكر إلى أن تقـوم السـاعة, لأنهـا بـايعت إمـاماً ليس من عند الله. ومن رواياتهم في ذلك:
عـن أبي عبدالله ”ع“ قال: (من ادعى الإمامة وليس من أهلها فهو كـافر)([1115]) وأهـلهـا هـم الأئمـة الاثني عشر أو من ينوب عنهم من فقهاء الشيعة.
وعن أبي عبدالله قال: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم من ادعى إمامة من الله ليست له, ومن جحد إماماً من الله, ومن زعم أن لهما([1116]) في الإسلام نصيباً)([1117]).
فهذا تكفير للأمة شنيع لم يبلغ الخوارج مبلغه تكفير للأحياء والأموات، حقد عظيم على أمة الإسلام وخلفاء المسلمين.
والعبادة عندهم لا قبول لها إلا بالإيمان بولاية الاثني عشر, ففي «البحار» للمجلسي: (.. لو أن عبداً عبد الله ألف سنة وجاء بعمل 72 نبيّاً ما تقبل الله منه حتى يعرف ولايتنا أهل البيت, وإلا أكبه الله على منخريه في نار جهنم)([1118]).
وعن الصادق – كما يفترون – قال: (الجاحد لولاية علي كعابد الوثن)([1119]).
وعقد المجلسي في «البحار» عدة أبواب في هذا المعنى منها:
(باب أنه لا تقبل الأعمال إلا بالولاية) وذكر فيه واحداً وسبعين حديثاً لهم([1120]).
(باب ثواب حبهم ونصرهم وولايتهم صلوات الله عليهم وأنهم أمان من النار) وذكر فيه 150 حديثاً([1121]).
(باب... أنه يسأل عن ولايتهم في القبر) وفيه 22 حديثاً([1122]).
(باب ذم مبغضهم وأنه كافر حلال الدم وثواب اللعن على أعدائهم) وذكر فيه 62 حديثاً([1123]).
(بـاب أنهم شفعاء الخلق, وأن إياب الخلق إليهم وحسابهم عليهم,
 
وأنه يسأل عن حبهم وولايتهم في يوم القيامة) وفيه 15 حديثاً([1124]).
وجاء كلام علمائهم مؤكداً لهذا الضلال.
قال ابن بابويه القمي في رسالته في الاعتقادات:
(واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من بعده ”ع“ أنه بمنزلة من جحد نبوة الأنبياء.
واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحداً من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من آمن بجميع الأنبياء ثم أنكر نبوة محمد r. وقال النبي – صلى الله عليه وآله – كما يفتري هذا القمي – (الأئمة من بعدي اثنا عشر أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم القائم، طاعتهم طاعتي ومعصيتهم معصيتي فمن أنكر واحداً منهم فقد أنكرني)([1125]).
وقـال القمي: (فمن ادعى الإمامة وليس بإمام فهو الظالم الملعون، ومن وضع الإمامة في غير أهلها فهو ظالم ملعون وقال النبي – صلى الله عليه وآله – مـن جحد عليّاً إمامته من بعدي فإنما جحد نبوتي، ومن جحد نبوتي فقد جحد ربوبيته, وقال الصادق: من شك في كفر أعـدائنا والظالمين لنا فهو كافر)([1126]).
وابن المطهر الحلي يعد من لم يؤمن بأئمتهم أشد شرّاً من اليهود والنصارى؛ يقول: (الإمامة لطف عام([1127]) والنبوة لطف خاص لإمكان خلو الزمان من نبي حي بخلاف الإمام, وإنكار اللطف العام شر من إنكار اللطف الخاص)([1128]).
وقال عالمهم نعمة الله الجزائري: (لم نجتمع معهم – الأشاعرة ومتابعوهم – على إله ولا على نبي ولا على إمام, وذلك أنهم يقولون أن ربهم هو الذي كان محمد r نبيه وخليفته بعده أبو بكر ونحن لا نقول بهذا الرب ولا بذلك النبي, بل نقول إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا)([1129]).
وقال مفيدهم: (اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار)([1130]).
وقال: (اتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار, وأن على الإمام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم وإقامة البينات عليهم, فإن تابوا من بدعهم وصاروا إلى الصواب وإلا قتلهم لردتهم عن الإيمان, وإن من مات منهم على ذلك فهو من أهل النار)([1131]).
وقال شيخهم الطوسي: (ودفع الإمامة كفر كما أن دفع النبوة كفر لأن الجهل بهما على حد واحد)([1132]).
وقال المجلسي: (وقد وردت أخبار متواترة أنه لا يقبل عمل من الأعمال إلا بالولاية)([1133]).
هذا تكفير عام لأمة محمد r وضع قواعده أعداؤها... ومن علماء الشيعة من قال إن منكر الإمامة لا يكفر بل يفسق, ولكن قال إنه إذا مات فهو في النار, ولا يخالف في هذا أحد من الشيعة, ولكن هل يخلد في النار؟ اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:
(1) أنهم مخلدون.
(2) أنهم يخرجون من النار إلى الجنة.
(3) أنهم يخرجون من النار لعدم الكفر الموجب للخلود ولا يدخلون الجنة لعدم الإيمان المقتضي لاستحقاق الثواب([1134]).
ورجح شيخهم المجلسي القول بالخلود، ورد على المنكرين من قومه فقال:
(القول بعدم خلودهم في النار نشأ من عدم تتبعهم للأخبار، والأحاديث الدالة على خلودهم متواترة أو قريبة منها, نعم الاحتمالان الأخيران – رقم 2 – 3 من الأقوال – آتيان في المستضعفين منهم([1135]), والقول بخروج غير المستضعفين من النار قول مجهول القائل نشأ بين المتأخرين الذين لا معرفة لهم بالأخبار ولا بأقوال القدماء الأخيار)([1136]).
هذا رأي الشيعة فيمن أنكر إمامة أئمتهم الاثني عشر وهو تكفير شنيع للمسلمين، وجرأة على الله في الحكم على عباده المؤمنين بالنار، وهكذا تجعل الشيعة «الجنة» وقفاً على من يؤمن بأئمتهم، والنار هي مصير من ينكرهم.
ثامناً: منزلة من آمن بهؤلاء الأئمة الاثني عشر (وهم الشيعة):
كما يغالي الشيعة في تكفير المسلمين لأنهم لا يؤمنون بأئمتهم يغالون في بيان منزلة الشيعي الذي يؤمن بهؤلاء الأئمة, ورواياتهم في هذا الباب كثيرة جدّاً, فمن أبواب (البحار) في هذا الموضوع:
(باب أن الشيعة هم أهل دين الله وهم على دين أنبيائه وهم على الحق ولا يغفر إلا لهم ولا يقبل إلا منهم)([1137]).
(باب فضل الرافضة ومدح التسمية بها)([1138]).
(باب الصفح عن الشيعة وشفاعة أئمتهم فيهم)([1139]) وغيرها من أبواب.
ومن رواياتهم في هذا المعنى عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر يقول: (ما أحد من هذه الأمة يدين بدين إبراهيم إلا نحن وشيعتنا، ولا هدى من هُدِي من هذه الأمة إلا بنا ولا ضلّ من ضل من هذه الأمة إلا بنا)([1140]).
وقال أبو عبدالله: (شيعتنا أقرب الخلق من عرش الله U يوم القيـامة)([1141]). وقال – كما يفترون – مخـاطباً الشيعة: (أنتم للجنة والجنة لكم، أسماؤكم عندنـا الصالحون والمصلحون، وأنتم البرية، دياركم لكم جنة، وقـبوركم لكم جـنة، للـجنة خلقتم، وفي الجنة نعيمكم، وإلى الجنة تصيرون)([1142]).
وعن عبدالله بن ميمون عن أبي جعفر قال: (يا ابن ميمون كم أنتم بمكة؟ قال: نحن أربعة – أي من الشيعة – قال: إنكم نور في ظلمات الأرض)([1143]).
وقال علي – كما يزعمون -: (لقد مات رسول الله r وهو على أمته ساخط إلا الشيعة, ألا وإن لكل شيء عزّاً وعز الإسلام الشيعة, ألا وإن لكل شيء دعامة ودعامة الإسلام الشيعة, ألا وإن لكل شيء شرفاً وشرف الإسلام الشيعة, ألا وإن لكل شيء سيداً وسيد المجالس مجالس الشيعة, ألا وإن لكل شيء إماماً وإمام الأرض أرض تسلكها الشيعة، والله لولا ما في الأرض منكم ما رأيت بعين (عشباً) أبداً, والله لولا ما في الأرض منكم ما أنعم الله على أهل خلافكم ولا أصابوا الطيبات, ما لهم في الدنيا ولا لهم في الآخرة من نصيب)([1144]).
وفي «البحار» أن سماعة بن مهران قال لجعفر الصادق: (نحن شر الناس عند الناس لأنهم سمونا كفاراً ورافضة.. قال جعفر: كيف بكم إذا سيق بكم إلى الجنة وسيق بهم إلى النار؟.. إن من أساء منكم إساءة مشينا إلى الله تعالى يوم القيامة بأقدامنا فنشفع له فنشفّع، والله لا يدخل النار منكم ثلاثة رجال، والله لا يدخل النار منكم رجل واحد..)([1145]).
 
وقد مضى ذكر بعض رواياتهم التي تعتبر غير الشيعة أولاد زنا([1146]).
وجاءت بعض رواياتهم تقول إن غير الشيعة قردة وخنازير([1147]).
ويسمون أنفسهم الخاصة وغيرهم بالعامة([1148]).
هذه بعض مزاعمهم في ”أنفسهم“ وهي تشبه مزاعم اليهود والنصارى الذين قالوا – فيما حكى الله عنهم - ]لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى[, وقال سبحانه رداً عليهم: ]تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون[([1149]).
وتلك المزاعم من مثل زعم اليهود والنصارى, كما قال سبحانه عنهم: ]وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير[([1150]).
وهذه الدعاوى في أخبار الشيعة كانت ترتد بواقع الشيعة السّيء بالمقارنة بواقع المسلمين الآخرين حتى شكوا ذلك لأئمتهم. قال عبدالله بن يعفور لأبي عبدالله ”ع“: (إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ويتلون فلاناً وفلاناً – أي أبو بكر وعمر – لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء والصدق..)([1151]).
وقال عبدالله بن سنان قلت لأبي عبدالله: (جعلت فداك إني لا أرى بعض أصحابنا يعتريه النزق والحدة والطيش فأغتم لذلك غماً شديداً, وأرى من خالفنا فأراه حسن السيما وله وقار فأغتم لذلك..)([1152]).
ولهذا قال إمامهم موسى الكاظم: (.. لو امتحنتم – أي شيعته – لما وجدتهم إلا مرتدين ولو تمحصتم لما خلص من الألف واحد)([1153]).
(2) عصمة الإمام([1154]):
إن عصمة الإمام عند الشيعة قاعدة أساسية في الإمامة وهي من المبادئ الأولية في كيانهم العقدي([1155]) ولها أهمية كبرى عندهم([1156]).
وقد اتفقوا – كما يقول شيخهم المجلسي -: (على عصمة الأئمة عليهم السلام من الذنوب صغيرها وكبيرها, فلا يقع منهم ذنب أصلاً لا عمداً ولا نسياناً ولا لخطأ في التأويل ولا للإسهاء من الله سبحانه)([1157]).
وإذا كـان أهل السنّة يرون أن الأمة معصومة بكتـاب ربها وسنّة نبيها r، فإن الشيعة ترى أن الأمـة معصومة من الضلال بالإمام لأنه كالنبي([1158])، والإمامة استمرار للنبوة([1159]).
وهذا المعنى ينافي حكمة الله في ختم النبوة.
والله سبحانه يقول: ]فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً[([1160]).
فلم يأمر الله سبحانه إلا بالرد إلى الله والرسول ولم يقل سبحانه والإمام, ولكن الشيعة ترى أن الإمام هو العاصم للأمة وتنفي أن يكون الكتاب والسنّة والإجماع هي معتصم الأمة من الضلال([1161]).
 
 
وإمـام الشيعة قد اختفى منذ عام 260هـ فهل الأمة منذ ذلك التاريخ غير معصومة؟!
قـالوا أن الأمة تنتفع بالإمـام وإن كان غـائباً كما تنتفع بالشمس إذا سترها سحاب([1162]).
وهذا الجواب لا يقتنع به عاقل، ولهذا بحثوا عن أجوبة أخرى فزعموا أن لكبار علمائهم صلة بالمهدي([1163])، وادعوا أن من أرسل لمهديهم كتاباً على طريقة معينة أنه يصل إليه, وعقد المجلسي في «البحار» باباً لهذا بعنوان: (باب كتابة الرقاع للحوائج إلى الأئمة صلوات الله عليهم) وفيه 13 حديثاً([1164]).
ولكن كل ذلك دعاوى لا سند لها من الشرع، ولا أثر لها في الواقع..
ومن أخطر الآثار العملية لدعوى العصمة اعتبارهم أن ما يصدر عن أئمتهم الاثني عشر هو كقول الله ورسوله, ولذلك فإن مصادرهم في الحديث تنتهي معظم أسانيدها إلى أحد الأئمة ولا تصل إلى رسول الله r - كما تقدم الإشارة إلى ذلك.
 
 
 
 
والشيعة زعمت لأئمتها عصمة لم تتحقق لأنبياء الله ورسله كما يدل على ذلك صريح القرآن([1165]) والسنة([1166]) وإجماع الأمة([1167]).
فهي دعوى غريبة على الأصول الإسلامية, ولهذا نتساءل كيف نشأت فكرة ”العصمة“ عند الشيعة؟ لا شك أنها امتداد لفكرة الإمامة لكن لم نر فكرة العصمة ضمن الآراء السبئية – كما رأينا الإمامة بمفهومها الخاص عند الشيعة([1168]) – فهي قد ولدت فيما بعد، وأشار بعض الباحثين إلى احتمال أن فكرة العصمة قد بدأت عند الشيعة في عصر جعفر الصادق, أي في النصف الأول من القرن الثاني([1169]).
أما الذي تولى كبر وضعها فيقول الشيخ محب الدين الخطيب: (وأول من اخترع لهم هذه العقيدة الضالة خبيث يسميه المسلمون «شيطان الطاق» وتسميه الشيعة «مؤمن آل محمد», واسمه محمد بن علي بن النعمان الأحول([1170]))([1171]).
ومن المتصور أن مثل فكرة العصمة تنشأ وتشيع في ظل الحالة النفسية التي يعيشها الشيعة.. من حقد مكبوت على الحكم القائم، ومحاولة إلصاق المساوئ به، وبالجانب الآخر غلو في آل البيت وفي الحديث عن فضائلهم وما جرى عليهم من محن وأنهم الأحق بالحكم.
في مثل هذا الجو تولد مثل هذه الأفكار في خضم أحاديثهم عن فضائل أهل البيت، ومساوئ الحكم القائم.
ويبدو أن فكرة العصمة قد مرت بأطوار مختلفة أو أن الشيعة قد اختلفت عقائدهم في تحديدها – في أول الأمر – فمثلاً في عصر أبي جعفر بن بابويه القمي([1172]) (ت 381هـ) وشيخه محمد بن الحسن القمي([1173]) كان رأي جمهور الشيعة أن أول درجة في الغلو هي نفي السهو عن النبي r([1174]), فكانوا يعدون من ينفي السهو عن النبي من الشيعة الغلاة, ولكن تبدلت الحال بعد ذلك وأصبح نفي السهو عن الأئمة من ضرورات مذهبهم، ولا شك أن نفي السهو والنسيان عن الأئمة هو خروج بهم إلى منزلة من لا تأخذه سنة ولا نوم, وقد كانت العصمة – بهذه الصورة الغالية من نفي السهو والنسيان عن الأئمة – معتقد فئة شيعية مجهولة في الكوفة, ففي «البحار» للمجلسي (أنه قيل للرضا ـ إمام الشيعة الثامن – إن في الكوفة قوماً يزعمون أن النبي صلى الله عليه وآله لم يقع عليه السهو في صلاته, فقال: كذبوا لعنهم, الله إن الذي لا يسهو هو الله لا إله إلا هو)([1175]).
فهذا يدل على أن عقيدة نفي السهو كانت معتقد قوم غير معينين لشذوذهم في هـذا الاعتقاد، وأنهم كانوا ينفون السهو عن النبي الذي هو أفضل الأئمة ولم يقولوا بذلك للأئمة، ثم تطور هذا الاعتقاد ليشمل أئمة الشيعة الاثني عشر وليعم طائفة الشيعة الإمامية كلها كما سنوضح ذلك فيما بعد([1176]).
وكان معتقد العصمة من أسباب نشوء عقيدة البداء والتقية – كما سيأتي – ذلك أن واقع الأئمة لا يتفق بحال ودعوى عصمتهم, فإذا حصل اختلاف وتناقض في أقوالهم قالوا هذا بداء أو تقية, كما اعترف بهذا بعض الشيعة([1177]).
وقد نقل الشيعة في دواوينهم في الحديث أخباراً عن أئمتهم تنفي هذه العصمة المطلقة التي يزعمها, فهذا أبو عبدالله جعفر الصادق يقول – لما ذكر له السهو -: (أو ينفلت من ذلك أحد؟ ربما أقعدت الخادم خلفي يحفظ عليّ صلاتي)([1178]).
وجاء في الصحيفة السجادية أن من دعاء علي بن الحسين: (اللهم لك الحمد على سترك بعد علمك.. فكلنا قد اقترف العائبة فلم تشهره وارتكب الفاحشة فلم تفضحه.. كم نهي لك قد أتيناه, وأمر قد وقفتنا عليه فتعديناه, وسيئة اكتسبناها، وخطيئة ارتكبناها..)([1179]).
فهو لم يدع لنفسه دعوى الشيعة فيه, بل يعترف بالذنب ويقر بالخطيئة, وهذا تنقله كتب الشيعة نفسها.
ومن يتتبع أخبارهم وأحاديثهم يجد مجموعة كبيرة منها تناقض دعواهم في عصمة أئمتهم.
وقد أقر عالمهم المجلسي بوجود كثير من الأخبار في كتبهم تناقض دعوى نفي السهو عن الأئمة, ولذا قال: (المسألة في غاية الإشكال لدلالة كثير من الأخبار والآيات على صدور السهو عنهم وإطباق الأصحاب إلا من شذ على عدم الجواز..)([1180]).
وهذا اعتراف من المجلسي بأن إجماع الشيعة على عصمة أئمتهم بإطلاق؛ يصادم رواياتهم. وهذا دليل على أنهم يجمعون على ضلاله, وعلى غير دليل حتى من كتبهم...
(3) التقيــة([1181]):
يعرف المفيد التقية عندهم بقوله: (التقية كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين أو الدنيا)([1182]).
وعرفها أحد علمائهم المعاصرين بقوله: (التقية.. أن تقول أو تفعل غير ما تعتقد لتدفع الضرر عن نفسك أو مالك أو لتحتفظ بكرامتك)([1183]).
وهذا التعريف للتقية لا ينطبق على حالات التقية عندهم, وسنرى أنهم يقولون بالتقية في غير مجال الضرورة والحاجة الشرعية.
إن التقية التي هي في الإسلام رخصة عند الضرورة العارضة([1184]) وليست
من أصول الدين المتبعة – هي عند الشيعة من أُسس عقائدها وركائز إيمانها.. بل غالوا في قيمتها حتى قالوا – في حديث لهم عن أبي عبدالله – أن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له([1185]).
فهذا النص يسنده الشيعة إلى أبي عبدالله جعفر الصادق المولود سنة 80 والمتوفى سنة 184, أي الذي عاش في فترة عز الإسلام والمسلمين, فأي حاجة إلى التقية في ذلك الزمن إلا إذا كان الدين المتقي به غير الإسلام؟([1186]).
ومن العجيب أن تجعل الشيعة التقية تسعة أعشار الدين فماذا بقي لأركان الدين من قيمة بعد ذلك؟.
بل إنهم يجعلون تارك التقية لا دين له وهذا نهاية في الغلو. فعن أبي عبدالله ”ع“ قال: (اتقوا الله في دينكم فاحجبوه بالتقية, فإنه لا إيمان لمن لا تقية له..)([1187]).
وكذلك يروي الكليني عن أبي جعفر المولود بالمدينة سنة 57 والمتوفى سنة 114 – أي في العصر الذهبي للإسلام وفي خير القرون وأفضل البقاع ـ أنه يقول: (التقية من ذيني ودين آبائي, ولا إيمان لمن لا تقية له)([1188]).
 
ويقول: (خالطوهم بالبرانية وخالفوهم بالجوانية إذا كانت الإمرة صبيانية)([1189]).
ويهتم الكليني (ت 329 أو 328) بأمر التقية ويعقد لها باباً خاصاً بعنوان: (باب التقية)، ويضعه ضمن كتاب الإيمان والكفر. وهذا دليل علي أن الكليني يرى أن ترك التقية كفر كما أن فعلها إيمان, وقد ذكر الكليني في باب التقية 23 حديثاً لهم([1190]).
ثم أردف باب التقية بباب آخر يدخل في معنى التقية وهو (باب الكتمان), وذكر فيه 16 حديثاً([1191]) تأمر الشيعة بكتمان دينهم, ومن هذه الأحاديث: قول أبي عبدالله – كما يفترون – لسليمان بن خالد: (يا سليمان إنكم على دين من كتمه أعزه الله ومن أذاعه أذله الله)([1192]).
وقال أبو جعفر: (لا تبثوا سرنا ولا تذيعوا أمرنا..)([1193]).
وقال أبو عبدالله: (يا معلي – راوي الخبر – اكتم أمرنا ولا تذعه, فإنه من كتم أمرنا ولم يذعه أعزه الله به في الدنيا وجعله نوراً بين عينيه في الآخرة يقوده إلى الجنة, يا معلي من أذاع أمرنا ولم يكتمه أذله الله به في الدنيا ونزع النور من بين عينيه في الآخرة وجعله ظلمة تقوده إلى النار، يا معلي إن التقية من ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقية, يا معلي إن المذيع لأمرنا كالجاحد له)([1194]).
وفي حديث لهم يقول: (.. وكتمانه لسرنا جهاد في سبيل الله)([1195]).
ثم يعقد الكليني بعد باب الكتمان بأبواب كثيرة([1196]) باباً في موضوع التقية أيضاً بعنوان: ”باب الإذاعة“, ويذكره ضمن كتاب الكفر والإيمان أيضاً ويضمنه 12 حديثاً([1197]) تحذر من إذاعة أمرهم وتأمر بكتمانه والتقية فيه, منها قول: أبي عبدالله: (من أذاع علينا حديثنا سلبه الله الإيمان)([1198]).
وقال: (مذيع السر شاك, وقائله عند غير أهله كافر)([1199]).
قال شارح «الكافي» في تفسير النص الأخير: (كأن المعنى مذيع السر عند من لا يعتمد عليه من الشيعة شاك.. ويمكن حمله على الأسرار التي لا تقبلها عقول عامة الخلق)([1200]).
وهذا يدل على أن هناك كتماناً وتقية من علماء الشيعة لعامتهم.
وقد ذكرت كتب الشيعة مشروعية التقية والكتمان لكثير من أخبارهم وعقائدهم حتى وإن كان السامع من شيعهم, لعدم تحمل عقول كثير من الناس وقلوبهم لها فيدعوهم هذا لكره المذهب والنفور منه, وهذا من باب التقية عندهم وإن اختلف الدافع له والغرض منه, وأنه قد يستعمل حتى مع نبي قومهم.
ففي «الكافي»: (باب فيما جاء أن حديثهم صعب مستصعب) وذكر فيه خمس روايات لهم([1201]).
وفي «البحار» للمجلسي جاء هذا الباب بعنوان: (باب أن حديثهم عليهم السلام صعب مستصعب وأن كلامهم ذو وجوه كثيرة, وفضيلة التدبر في أخبارهم عليهم السلام والتسليم لهم والنهي عن رد أخبارهم) وفيه (116) حديثاً([1202]).
ومن هذه الروايات التي يذكرونها في هذا الباب: (إن حديثنا تشمئز منه القلوب, فمن عرف فزيدوهم ومن أنكر فذروهم)([1203]).
وعن سفيان السمط قال: قلت لأبي عبدالله u: (جعلت فداك إن رجلاً يأتينا من قبلكم يعرف بالكذب فيحدث بالحديث فنستبشعه، فقال أبو عبدالله: يقول لك إني قلت لليل أنه نهار أو للنهار أنه ليل, قال: لا, قال: فإن قال لك هذا إني قلته فلا تكذب به فإنك إنما تكذبني)([1204]).
وهذا يدل على أن من الشيعة من يستبشع رواياتهم ولكن يلزمون بالإيمان الأعمى بها.
وعن جابر الجعفي قال: قال أبو جعفر ”ع“: قال رسول الله r: (إن حديث آل محمد صعب مستصعب لا يؤمن به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان..)([1205]).
هذه صورة لعقيدة التقية في أهم كتب الشيعة([1206]).
ولا شك أن أسرارهم قد انكشفت حتى عقيدة التقية قد انكشف أمرها، والسبب هم الشيعة أنفسهم, ولهذا جاءت بعض نصوصهم تصف الشيعة بـ ”النزق وقلة الكتمان“([1207]).
ولكن الأثر العملي للتقية لا يزال يؤدي دوره الخطير في جوانب عديدة منها:
أولاً: أن عقيدة التقية استغلها دعاة التفرقة بين الأمة، والزنادقة المتسترون بالتشيع استغلوها لإبقاء الخلاف بين المسلمين. وذلك برد الأحاديث الصحيحة في معناها التي وردت عن الأئمة ووافقت ما عند الأمة وروتها كتب الشيعة نفسها ردها, بحجة أنها تقية لموافقتها لما عند أهل السنّة, فإذا جاء حديث يثني على الصحابة قالوا: إن هذا تقية، وإقرار أئمتهم بالخلافة القائمة في عصرهم يقولون: إنه تقية، وصلح الحسن هو عندهم تقية وهكذا, فضلاً عن الفروع الفقهية إذْ يردون الأحاديث التي توافق ما عليه أهل السنّة وتخالف شذوذهم ـ يردونها بحجة التقية لأنها وافقت إجماع المسلمين.
 
ومن الأمثلة لتأثير التقية العملي عندهم أنهم قالوا عن تزويج علي t ابنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب t - تلك التي هي من أقوى الدلائل على كمال الحب والولاء بين الصحب والآل – قالوا: إن هذا من باب التقية, فقد عقد عالمهم الحر العاملي في ”وسائل الشيعة“ باباً في هذا بعنوان: (باب جواز مناكحة الناصب عند الضرورة والتقية) ومما جاء فيه:
عن أبي عبدالله u في تزويج أم كلثوم فقال: (إن ذلك فرج غصبناه)([1208]).
كما أورد في هذا الباب تزويج رسول الله r ابنتيه لعثمان t وعده من باب التقية. قال أبو جعفر: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله زوج منافقين: أبا العاص بن الربيع, وسكت عن الآخر([1209]))([1210]). أي لم يصرح الإمام باسم عثمان تقية وخوفاً.
هذا مجرد مثال والأمثلة كثيرة سيأتي بعض منها أيضاً في فصل (هل من طريق للتقريب؟).
وهكذا جعلوا عقيدة التقية منفذاً للغلو والغلاة ووسيلة وضعها أعداء الأمة للنأي بالشيعة عن جماعة المسلمين.
ثانياً: إنهم جعلوا عقيدة التقية هي المخرج من الاختلاف والتناقض في أخبارهم وأحاديثهم، فإن ظاهرة التناقض في أحاديثهم كانت من أقوى الدلائل على أنها من عند غير الله([1211]), ولهذا كان ذلك الاختلاف الكثير في أخبارهم من أسباب ترك بعض الشيعة للتشيع كما اعترف بذلك الطوسي([1212]).
ثالثاً: أنهم قالوا بعصمة الأئمة وأنهم لا ينسون ولا يسهون ولا يخطئون مع أن الناس حفظوا عنهم ما يخالف ذلك وينافي عصمتهم, فقالوا بالتقية للمحافظة على دعوى عصمة الأئمة, تلك العصمة التي بسقوطها تسقط قيمة أقوالهم وبالتالي يسقط مذهب الشيعة, ولهذا قال سليمان بن جرير: (إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبداً وهما: القول بالبداء وإجازة التقية)([1213]).
رابعاً: جعلت التقية وسيلة للكذب على الأئمة، فيردون – مثلاً – كلام الإمام الباقر أو جعفر الصادق الذي سمعه مجموعة من الناس بحجة أنه قد حضره بعض السنّة فاتقى في كلامه، ويقبلون ما ينقله الكذبة أمثال جابر الجعفي بحجة أنه لم يحضر مجلسه أحد يتقيه, فما ينقله غلاة الروافض والزنادقة عن أئمة أهل البيت مقبول عندهم، وما ينقله العدول من المسلمين مردود بدعوى التقية.
 
فمثلاً الإمام زيد بن علي وهو من أهل البيت يروي عن علي t - كما تذكره كتب الشيعة نفسها – أنه غسل رجليه في الوضوء, ولكن عالم الشيعة الطوسي يرد هذه الرواية ويزعم أنها من باب التقية. استمع إلى نص الرواية: عن زيد بن علي عن آبائه عن علي u قال: (جلست أتوضأ فأقبل رسول الله r حين ابتدأت الوضوء فقال لي: تمضمض واستنشق واستن([1214]), ثم غسلت ثلاثاً فقال: قد يجزيك من ذلك المرتان، فغسلت ذراعي ومسحت برأسي مرتين, فقال: قد يجزيك من ذلك المرة، وغسلت قدمي، فقال لي: يا علي خلل بين الأصابع لا تخلل بالنار)([1215]).
قال الطوسي: (فهذا خبر موافق للعامة – يعني أهل السنّة لأن مذهبهم غسل الرجلين – وقد ورد مورد التقية, لأن المعلوم الذي لا يتخالج منه الشك من مذاهب أئمتنا عليهم السلام القول بالمسح على الرجلين – ثم قال: إن رواة هذا الخبر كلهم عامة ورجال الزيدية وما يختصون بروايته لا يعمل به)([1216]).
هكذا ترد النصوص التي تتفق مع مذهب أهل السنّة تحت ستار التقية حتى وإن كان الراوي من أئمة أهل البيت.
خامساً: انبثق من خـلال عقيدة التقية: مبدأ أن مـا خالف العـامة – أي أهل السنّة – هو الحق, حتى إنهـم جـعلوا من معـالم التعرف عـلى الحق – في نظرهم – عـند اخـتـلاف روايـاتهم معرفـة مـا عـليه أهل السنّة وأن يكـون
 
مجتهـدهم على دراية بذلك ليتسنى له الأخذ بخلافه, فإذا اختلفت أحاديثهم فالحق هو ما فيه خلاف العامة، وإذا أفتى عالم أهل السنّة بفتوى فالحق في خلافها.
ففي «البحار» عن علي بن أسباط قال: قلت للرضا ”ع“: (يحدث الأمر لا أجد بدّاً من معرفته وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك، قال: فقال u: ائت فقيه البلد – يعني من أهل السنّة – فاستفته في أمرك, فإن أفتاك بشيء فخذ بخلافه فإن الحق فيه)([1217]).
وفي «البحار» أيضاً قال أبو عبدالله ”ع“: (إذا ورد عنكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم)([1218]).
وهكذا أراد مؤسسو هذا المذهب الانفصال عن جماعة المسلمين والنأي بالشيعة عن حقيقة الإسلام, ولهذا حملوا كل ما في مذهبهم من نصوص توافق الأمة ـ حملوها على التقية وجعلوا علامة إصابة الحق تتمثل في مخالفة العامة – أهل السنّة -.
(4) الرجعة([1219]):
هـي عنـدهم: (رجعـة كـثير مـن الأمـوات إلى الـدنـيـا قـبـل يـــوم
القيامة)([1220]) وعودتهم إلى (الحياة بعد الموت)([1221])، قبل ذلك اليوم الموعود يرجعون (في صورهم التي كانوا عليها)([1222]).
والراجعون إلى الدنيا – كما يعتقدون -: (فريقان: أحدهما: من علت درجته في الإيمان.. والآخر من بلغ الغاية في الفساد)([1223]).
وزمن الرجوع هو: (عند قيام مهدي آل محمد عليهم السلام)([1224]).
والغرض من الرجعة عندهم هو انتقام المهدي ومن معه من أعدائهم([1225]), وعلى رأس الأعداء حسب معتقدهم خليفتا رسول الله وصاحباه وحبيباه وصهراه ومن أقاما دولة الإسلام بعده: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما([1226]).
وقد جاء في كتبهم روايات وحكايات كثيرة عن المجازر الدموية التي تجري في هذه الرجعة([1227]).
وعقيدة الرجعة من أصول المذهب الشيعي, فمن رواياتهم: (ليس منا من لم يؤمن بكرتنا)([1228]) وأجمعوا على الاعتقاد بها.
يقول المفيد: (واتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات)([1229]).
ويقول الحر العاملي: أنها موضع (إجماع جميع الشيعة الإمامية)([1230]) وأنها (من ضروريات مذهب الإمامية)([1231]), ويقول: (إنا مأمورون بالإقرار بالرجعة واعتقادها وتجديد الاعتراف بها في الأدعية والزيارات ويوم الجمعة وكل وقت, كما أننا مأمورون بالإقرار في كثير من الأوقات بالتوحيد والنبوة والإمامة والقيامة)([1232]), واعترافات علمائهم بأن عقيدة الرجعة محل الإجماع والتواتر في مذهبهم كثيرة([1233]) وخصها بعضهم بمؤلفات([1234])، وأحصى بعضهم رواياتهم فيها بأنها أكثر من مائتي حديث في أكثر من خمسين كتاباً من كتبهم المعتبرة عندهم([1235]).
(وهذه العقيدة مخالفة صريحة للكتاب، فإن – الرجعة – قد أُبطلت في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ]قال رب ارجعون لعلّي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون[([1236]), وقوله سبحانه: ]ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون[ صريح في نفي الرجعة مطلقاً)([1237]).
إذن كيف ومتى دخلت هذه العقيدة إلى الشيعة؟
يرى بعض الباحثين أنها تسربت عن طريق المؤثرات اليهودية والمسيحية([1238])، ودخلت التشيع عن طريق عبدالله بن سبأ اليهودي.
وقد يكون الهدف منها إضعاف الإيمان باليوم الآخر([1239]).
وقد قال ابن سبأ برجعة محمد r([1240]), ثم تحول إلى القول برجعة علي وقال – لما بلغه نعي علي – للذي نعاه: (كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل, ولا يموت حتى يملك الأرض)([1241]).
فابن سبأ جعل الرجعة خاصة بعلي، ومن يراجع كتب الفرق يجد أن كثيراً من فرق الشيعة تزعم أن إمامها سيرجع([1242]), وهناك فرقة من فرق الشيعة اشتهرت بالدعوة لهذا الاعتقاد حتى سميت ”بالرجعية“([1243]), ثم تطور مفهوم الرجعة عند الشيعة إلى المعنى العام الذي ذكرناه عنهم في صدر الكلام عن الرجعة.
ويذكر الألوسي([1244]) أن تحول مفهوم الرجعة عند الشيعة من رجعة المهدي فقط إلى ذلك المعنى العام الذي بيناه كان في القرن الثالث([1245]).
ويذكر أبو الحسين الخياط([1246]) أن هذه العقيدة كانت سرية عندهم (قد تواصوا بكتمانها وألا يذكروها في مجالسهم ولا في كتبهم إلا فيما قد أسروه من الكتب ولم يظهروه).
ويرى ابن حجر أن الإيمان بالرجعة هو نهاية الغلو في الرفض فيقول: (التشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة, فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه ويطلق عليه رافضي وإلا فشيعي, فإن انضاف إلى ذلك السب أو التصريح بالبغض فغال في الرفض, وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشد في الغلو)([1247]).
(5) البداء:
في القاموس ”بدأ“ بَدْواً وبُدُوّاً وبَداءَة: ظهر... وبدا له في الأمر بَدْواً وبَدَاء وبداة: نشأ له فيه رأي([1248]).. فالبدا في اللغة – كما جاء في القاموس – له معنيان:
الأول: الظهور والانكشاف.
الثاني: نشأة الرأي الجديد.
وكلا المعنيين وَرَدَ في القرآن, فمن الأول قوله تعالى: ]وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله[([1249]) ومن الثاني قوله: ]ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين[([1250]).
والبداء بهذين المعنيين لا تجوز نسبته إلى الله U.
=
والـبداء في الأصل عقيدة يهودية ضالة, وقد وردت في التوراة التي حرفها اليهود وفـق ما شاءت أهواؤهم نصوص صريحـة تتضمن نسبـة معنى البـداء إلى الله سبحانه([1251]).
وانتقل الاعتقـاد في البداء – أولاً – إلى فرق السبئية المدعية للتشيع, ففرق السبئية (كلهم يقولـون بالبداء؛ إن الله تبدو له البداوات)([1252]), ثم أخـذ بفكرة البداء ”المختار بن أبـي عبيد الثقفي“([1253]) (لأنه كان يدعي علم الغيب, فكان إذا حدث خلاف ما أخبر به قال: قد بدا لربكم)([1254]).
وقال سليمان بن جرير – كما مر - (أن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبداً, وهما: القول بالبداء وإجازة التقية)([1255]).
=
ويشرح كيف يستخدمون عقيدة البداء ستاراً على ادعائهم الكاذب في الغيب فيقول: (فأما البدا: فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون والإخبار بما يكون في غد وقالوا لشيعتهم: إنه سيكون في غد.. كذا وكذا, فإن جاء ذلك الشيء على ما قالوه قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون؟ فنحن نعلم من قبل الله U ما علمه الأنبياء وبيننا وبين الله U مثل تلك الأسباب التي علمت بها الأنبياء عن الله ما علمت، وإن لم يكن ذلك الشيء الذي قالوا أنه يكون على ما قالوا؛ قالوا لشيعتهم: بداء لله في ذلك يكونه)([1256]).
إذن البداء فرية يهودية، حاولت السبئية أن تدخلها في عقائد المسلمين وأخذ بها المختار لتأييد دعواه الكاذبة في علم الغيب، وهي لا تجوز نسبتها إلى الله. ولكن الشيعة الإمامية تلقفتها وجعلتها من أصول عقائدها وقالت: (ما عبد الله بشيء مثل البداء)([1257]), (وما بعث الله نبياً قط إلا بتحريم الخمر وأن يقر لله بالبداء)([1258]), (ولو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه)([1259]).
وفي صحيحهم «الكافي» باب في هذا بعنوان (باب البداء) جاء ضمن كتاب التوحيد! وفي هذا الباب 16 حديثاً في البداء([1260]).
وفي «البحار» للمجلسي ذكر أحاديث البداء في باب بعنوان: (البداء والنسخ) وذكر فيه 70 حديثاً([1261]).
 
فهل الشيعة الإمامية في عقيدتهم في البداء ينسبون الجهل والنسيان إلى الله؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
قال بهذا بعض مفكري المسلمين([1262])، لأن البداء بهذا المعنى من الكفر البواح.
وإن القارئ لأحاديثهم في البداء يجد في بعضها ذلك المعنى الضال في البداء([1263]).
وهناك روايات أُخرى تقول أنه (ما بدا لله في شيء إلا كان في علمه قبل أن يبدو له)([1264]).
وقال كثير من علماء الشيعة أنهم لم يريدوا ”بالبداء“ ما لا يجوز نسبته إلى الله سبحانه, يقول محمد حسين آل كاشف الغطاء: (البداء, وإن في جوهر معناه يتمثل في ظهور الشيء بعد خفائه, ولكن ليس المراد به هنا ظهور الشيء لله جل شأنه, وأي ذي حريجة ومسكة يقول بهذه المضلة؟ بل المراد ظهور الشيء من الله لمن يشاء من خلقه بعد إخفائه عنهم وقولنا: ”بدا لله“ أي بدا حكم الله أو شأن الله)([1265]).
وهذا التفسير مقبول، ولكن إذا كان الأمر كذلك فلم تلك المغالاة في البداء؟، ولم صار من أصول العقائد، وأصبح مما تشذ به الشيعة عن جمهور المسلمين؟، وما الهدف من جعله بتلك المثابة وهو في الأصل من معتقدات اليهود، ومن دعاوى ابن سبأ، والمختار بن أبي عبيد، وهو في معناه اللغوي الظاهر مما لا يجوز نسبته إلى الله سبحانه؟ فلم لا ترفض عقيدة البداء أصلاً بدلاً من أن يبحث لها عن مسوغ ومخرج؟
إن الجواب عن سبب تعلق الشيعة بعقيدة البداء وعنايتهم بها هو نفس السبب الذي جعل المختار يأخذ بهذه العقيدة؛ وهو غلوهم في أئمتهم وزعمهم أنهم يعلمون الغيب، حتى عقد صاحب «الكافي» باباً يقول فيه: إنّ الأئمة يعلمون ما كان وما يكون وأنهم لا يخفى عليهم الشيء – كما مر – فكان القول بالبداء هو المخرج إذا حدّث الأئمة بشيء وكذبهم الواقع. كما كان هو المخرج للمختار إذا أخبر بشيء وجاء على خلاف ما قال.
وعلماء كان موقفهم إزاء هذه العقيدة الغريبة البحث لها عن مسوغ يدافعون به عنها لا نقضها ووأدها([1266]).
ولو كان لفظ ”البداء“ ورد في نص من نصوصهم لكان دفاعهم عنه سائغاً([1267])، أما وأنه جعل عقيدة، وغلا فيه القوم غلواً شديداً فهو ما لا يقبل فيه الدفاع، وسيحمل على أنه تقية، وهو الذي يستدعي ذلك التساؤل عن سبب هذا الاهتمام وهو ما أسلفنا الجواب عنه.
(6) الغَيْبة:
(الغَيْبَة.. من العقائد الأساسية عند الإمامية)([1268])، وذلك أن الشيعة تعتقد (أن الأرض لا تخلو من إمام لحظة واحدة ولو بقيت الأرض بغير إمام لساخت)([1269]), (ولو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله)([1270])، ذلك أنه عندهم (هو الحجة على أهل الأرض)([1271]) فلا حجة عندهم سواه، لدرجة أن كتاب الله عندهم ليس بحجة بدون الإمام, (لأن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم)([1272]), والقيم هو أحد أئمتهم الاثني عشر كما تقضي توجهاتهم العقدية.
ولنا أن نسأل: أين إمام الشيعة اليوم؟
لـقـد تـوفي الـحسن الـعسكـري – إمـامـهـم الحـادي عـشر – سنـة
260هـ([1273]) بلا عقب كما قاله كبار المؤرخين([1274])، واعترفت كتب الشيعة بأنه (لم ير له خلف ولم يعرف له ولد ظاهر فاقتسم ما ظهر من ميراثه أخوه جعفر وأمه)([1275])، واضطرب الشيعة بعد وفاة الحسن بلا ولد وتفرقوا – فيمن يخلفه – فرقاً شتى بلغت ـ كما يقول المسعودي ـ عشرين فرقة([1276])، أو خمس عشرة فرقة كما يقول القمي([1277]), حتى إن بعضهم قال: إن الإمامة قد انقطعت([1278])، وكاد أن يكون موت الحسن بلا عقب نهاية للشيعة والتشيع حيث سقط عموده وهو ”الإمام“.
ولكن ”فكرة غيبة الإمام“ كانت هي القاعدة التي قام عليها كيان الشيعة بعد التصدع، وأمسكت ببنيانه عن الانهيار, لهذا أصبح الإيمان بغيبة ابن للحسن العسكري هو المحور الذي تدور عليه عقائدهم ودان بذلك أكثر الشيعة بعد تخبط واضطراب, فلم يكن لهم من ملجأ إلا ذلك.
وإذا كان ابن سبأ هو الذي وضع عقيدة ”النص على علي بالإمامة“ التي هي أساس التشيع، فإن هناك ابن سبأ آخر هو الذي وضع البديل ”لفكرة الإمامة“ بعد انتهائها حسياً بانقطاع نسل الحسن، أو أنه واحد من مجموعة وضعت هذه الفكرة لكنه هو الوجه البارز لهذه الدعوى. هذا الرجل يدعى عثمان بن سعيد([1279]), زعم أن للإمام الحسن ولداً قد اختفى وعمره أربع سنوات([1280])، على الرغم من أن هذا الولد – كما تعترف كتب الشيعة ـ لم يظهر في حياة أبيه الحسن ولا عرفه الجمهور بعد وفاته([1281]), ولكن هذا الرجل عثمان بن سعيد هو الذي يزعم أنه يعرفه وأنه وكيله في تسلم أموال الشيعة والإجابة عن أسئلتهم.
ومن الغريب أن الشيعة تزعم أنها لا تقبل إلا قول المعصوم وها هي تقبل في أهم عقائدها دعوى رجل غير معصوم، حيث استجابت الشيعة لهذه الدعوى.
ورفض عثمان بن سعيد ومن معه البوح باسم هذا الولد المزعوم أو ذكر مكان وجوده – وذلك في بادئ الأمر – ففي «الكافي» عن أبي عبدالله الصالحي قال: سألت أصحابنا بعد مضي أبي محمد (الحسن العسكري) أسأل عن الاسم والمكان، فخرج الجواب: (إن دللتم على الاسم أَذاعوه، وإن عرفوا المكان دلوا عليه)([1282]), ولكن ورد في كتب الشيعة أن اسمه محمد، وظل بعض علماء الشيعة ينهون عن التصريح باسمه إِلى اليوم ويكتفون بذكر أحد أَلقابه التي وضعوها له وهي: (المهدي، والحجة، والقائم، والخلف والسيد، والناحية المقدسة، والصاحب، وصاحب الزمان، وصاحب العصر([1283])، وصاحب الأَمر), وقد ورد عندهم (صاحب هذا الأَمر لا يسميه باسمه إِلا كافر)([1284])، ولما قيل: كيف نذكره؟ قال: قولوا: (الحجة من آل محمد صلوات الله عليه وسلامه)([1285]).
ويبدو أَن عملية كتمان اسمه ومكانه ما هي إِلا محاولات لستر هذا الكذب؛ إِذ كيف يسوغ كتمانه وهم يقولون: «من لم يعرف الإِمام فإنما يعرف ويعبد غير الله»([1286]).
وفكرة الغيبة كما نادى بها عثمان نادى بها من بعده ابنه محمد ثم بعده النوبختي وأَخيراً السيمري – كما مر – وتسمى فترة نيابة هؤلاء الأَربعة عن المهدي بـ ”الغيبة الصغرى“ وقد استمرت أربعاً وسبعين سنة([1287]).
وآخر هؤلاء النواب الأربعة هو «السيمري», وقد طور فكرة الغيبة: فبدلاً من أن تكون بيد واحد من الشيعة يزعم أنه يلتقي بالإِمام مباشرة أَعلن انقطاع الصلة المباشرة بالمهدي وقال: كل مجتهد شيعي هو نائب عن الإمام  وأَخرج توقيعاً يقول: (أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إِلى رواة حديثنا, فإِنهم حجتي عليكم وأَنا حجة الله)([1288]).
وما ندري على وجه التأكيد لم قام السيمري بإعلان هذا ”الانقطاع المباشر“ مع الإِمام؟
قد يكون هذا من أَجل المحافظة على كيان فكرة الغيبة من الانهيار, فقد كثر المتنافسون على دعوى النيابة عن المهدي([1289]) لما في ذلك من مكاسب مادية كبيرة وقام البعض منهم بفضح الآخر، فمثلاً يقول ”الشلمغاني“([1290]) – وهو أَحد مدعي النيابة عن المهدي الذين لا تعترف بهم الاثني عشرية – (ما دخلنا مع أبي القاسم الحسين بن روح ”النائب الثالث للمهدي عند الاثني عشرية“ إِلا ونحن نعلم فيما دخلنا فيه, فلقد كنا نتهارش على هذا الأَمر كما تتهارش الكلاب على الجيف)([1291]).
يقول – أَحمد الكسروي معقباً على هذا القول - : (ولقد صدق فيما قال؛ فإِن التخاصم لم يكن إِلا لأَجل الأَموال، كان الرجل يجمع المال ويطمع فيه فيدعي البابية لكيلا يسلمه إِلى آخر)([1292]).
ولقد كانت مسألة ”غيبة الإِمام“ – وهي من أَركان المذهب الشيعي – من المسائل التي حيرت كثيراً من الشيعة لشكهم في أَمره وطول غيبته، وانقطاع أَخباره.
يقول ابن بابويه القمي: (رجعت إلى نيسابور، وأقمت فيها فوجدت أَكثر المختلفين عليَّ من الشيعة قد حيرتهم الغيبة، وقد دخلت عليهم في أَمر القائم عليه السلام الشبهة)([1293]).
وهذا الشك في أَمر منتظرهم في عصر ابن بابويه (ت 381)، فكيف يكون الآن بعد مضي هذه القرون الطويلة؟!
ذلك أَن الأَسباب التي يذكرها الشيعة علة لغيبته لا يقتنع بها عاقل؛ فالشيعة يعللون سبب غيبته بأَنه ”يخاف القتل“([1294])، مع أَنهم يقولون بأَن الأئمة يعلمون متى يموتون ولا يموتون إِلا باختيار منهم([1295]), فكيف يحتجب خوفاً وأمر الموت بيده؟!! ثم لماذا لم يقتل واحد من هؤلاء النواب الأَربعة الذين يزعمون الاتصال به مباشرة وهم ليسوا كالإِمام لا يموتون إِلا باختيار منهم؟. ثم لم يظهر حين تولى الشيعة الحكم باسمه وأصبحت لهم السلطة؟!
يقول الكسروي: (إِذا كان منتظرهم قد اختفى لخوفه على نفسه, فلِمَ لم يظهر عندما استولى آل بويه الشيعيون على بغداد, وصيروا خلفاء بني العباس طوع أمرهم؟ فلم لم يظهر عندما قام الشاه إِسماعيل الصفوي وأجرى من دماء السنيين أَنهاراً؟ فلم لم يظهر عندما كان كريمخان الزندي ـ وهو من أكابر سلاطين إيران ـ يضرب على السكة اسم إِمامكم «صاحب الزمان» ويعد نفسه وكيلاً عنه؟ وبعد فلم لا يظهر اليوم وقد كمل عدد الشيعيين ستين مليوناً وأَكثرهم من منتظريه؟!([1296]).
ولو كان الكسروي حيّاً لقال – ولم لم يظهر وقد قامت دولة ”الخميني“ الذي يزعم النيابة عن المعصوم في كل شيء؟!!
=
وقد أَلّف علماء الشيعة مؤلفات كثيرة في موضوع ”الغيبة“([1297]), وزعم بعض علمائهم أَنه على صلة مباشرة بالمهدي كما مر، وادعوا أن من كتب رقعة وأَرسلها بطريقة معينة ودعاء معين([1298]) فإِنها تصل للمهدي, وما كل ذلك إِلا لإقناع قومهم بهذه ”العقيدة“, وبدأوا يسمون هذه العقيدة بالمهدية، ويدعون أَنها مسألة مجمع عليها بين السنّة والشيعة لأن الجميع يؤمنون بالمهدي([1299]). وعظموا من أمر هذه العقيدة وبالغوا – كعادتهم – فزعموا أن رسول الله r قال عن منتظرهم: ( من أنكر القائم من ولدي فقد أَنكرني)([1300]), وأَن جعفر الصادق سئل عمن أَقر بالأئمة جميعاً وجحد الآخر – أي الإمام الغائب – فقال: كمن أَقر بعيسى وجحد محمداً أَو أَقر بمحمد وجحد عيسى, نعوذ بالله من جحد حجة من حججه([1301]), وقال ابن بابويه القمي: (ومثل من أنكر القائم عليه السلام في غيبته مثل إبليس في امتناعه عن السجود لآدم)([1302]).
وأن من انتظر خروج هذا القائم فهو (كالمتشحط في دمه في سبيل الله)([1303]) وهو كمن استشهد مع رسول الله r([1304]).
=
وقال لطف الله الصافي([1305]): (والأخبار الواردة في فضيلة الانتظار كثيرة متواترة)([1306]).
وانتظار خروجه من غيبته من أصول الدين عندهم في «الكافي» عن أبي جعفر أنه قال لمن سأله عن دينه الذي يدين الله به: (والله لأعطينك ديني ودين آبائي الذي ندين الله به، شهادة أن لا إله إلا الله، وأَنّ محمداً رسول الله.. وانتظار قائمنا)([1307]).
ولهذا ظل الشيعة إلى أواخر القرن الرابع عشر الميلادي الذي صنف فيه ابن خلدون تاريخه الكبير يجتمعون في كل ليلة بعد صلاة المغرب بباب سرداب سامراء([1308]) فيهتفون باسمه ويدعونه للخروج حتى تشتبك النجوم, ثم ينفضون كل منهم إلى بيته بعد طول الانتظار وهم يشعرون بخيبة الأمل والحزن([1309]).
وكان هذا الانتظار مثار سخرية الساخرين حتى قيل:
ما آن للسرداب أن يلد الذي                              كلمتموه بجهلكم ما آنا
فعلى عقولكـم العفـاء فإنكم                             ثلثتم العنقاء والغيلانا([1310])
ومع ذلك فإن نصوص الشيعة تدعو كل شيعي منذ أكثر من أحد عشر قرناً إلى الآن إلى أن لا يبايع لخليفة من خلفاء المسلمين إلا تقية، وإنما البيعة لهذا المنتظر وعليه أن يجدد البيعة له في اعتقاده وقوله وأدعيته.
فمن أَدعيتهم اليومية الخاصة بصاحب الأمر دعاء يسمونه ”دعاء العهد“ وفيه: (اللهم إني أُجدد له في صبيحة يومي هذا وما عشت من أيامي عهداً أو عقداً أو بيعة له في عنقي لا أحول عنها ولا أزول أبداً..)([1311]).
وفي دعاء يومي آخر لصاحب الأمر يقول: (اللهم هذه بيعة له في عنقي إلى يوم القيامة).
قال المجلسي: (..ويصفق بيده اليمنى على اليسرى كتصفيق البيعة).
ومعظم الشيعة لا يقيمون صلاة الجمعة في زمن الغيبة ويقولون: (الجمعة والحكومة لإمام المسلمين)([1312]).
وإمام المسلمين عندهم من أكثر من أحد عشر قرناً هو هذا ”المنتظر“, فهم يعطلون فريضة من فرائض الله بسبب هذه الدعوى الغريبة([1313]).
 
ويزعمون أن مهديهم هذا يغير من شريعة رسول الله r, ففي «البحار» للمجلسي: (ولا يقبل صاحب هذا الأمر الجزية كما قبلها رسول الله r..)([1314]), (وأنه يحكم بحكم سليمان، وداود، وآل داود لا يسأل الناس بينه)([1315]) (وأنه يحكم بينهم مرة بحكم آدم ومرة بحكم داود ومرة بقضاء إبراهيم وفي كل واحد منها يعارضه بعض أصحابه.. فيضرب أعناقهم ثم يقضي الرابعة بقضاء محمد فلا ينكر أحد عليه)([1316])، (وأن القائم إذا خرج قتل ذراري قتلة الحسين بفعال آبائهم)([1317])، ويقولون إن منتظرهم: (يسير في العرب بما في الجفر الأحمر – وهو قتلهم)([1318]), (وإنه يقتل المولّي ويجهز على الجريح)([1319]).
ويعترفون بأن ذلك خلاف سيرة رسول الله r وعلي والحسن, ففي «البحار»: (أن عليّاً والحسن يسيران بسيرة رسول الله r وقد بعث رحمة للعالمين, وأن القائم بعث نقمة على الظالمين)([1320])، ومقتضى هذا – عندهم – أنه لا يسير سيرتهم.
(وأنه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدين)([1321]).
ويذكرون أن ”مهديهم“ يقوم بعملية هدم وتخريب في الحرمين الشريفين, ففي الغيبة (أن القائم يهدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه ومسجد الرسول r إلى أساسه، ويرد البيت إلى موضعه وأقامه على أساسه – هكذا -..)([1322]).
ويعترفون بأن ”منتظرهم“ يحاول أن يصرف الناس عن هذا القرآن ويخرج لهم قرآناً يزعم أنه هو القرآن الكامل الذي أُنزل على رسول الله r, وقد مر نقل ذلك عنهم([1323]).
كما أنهم يدعون أن عند مهديهم مصحف فاطمة، والكتب السماوية السابقة، والجفر، والجامعة وغيرها من العلوم التي يزعمون أن ”القائم“ ورثها عن الأئمة([1324]) – كما سلف -.
ومن العجب أنهم كانوا يؤقتون خروجه في أول الأمر بوقت معين, ففي «الكافي»: (أن علياً – كما يزعمون – سئل: كم تكون الحيرة والغيبة؟ قال: ستة أيام، أو ستة أشهر أو ست سنين..)([1325]).
وهذا التوقيت القريب – فيما يبدو – لأجل إقناع شيعتهم بهذه الدعوى في مبدأ نشأتها حتى تشب ويصلب عودها ويكثر مصدقها.
ثم أعلنوا – بعد ذلك – أنه لا وقت معيناً لخروجه، وذلك بعد أن طال بهم الانتظار واستبدت بهم الحيرة، جاء في «الكافي»: (كذب الوقاتون, إنا أهل بيت لا نؤقت)([1326]).
وقد نقلت لنا كتب الفرق أقوالهم المختلفة، وآراءهم المضطربة في شأن الغيبة, فكل يتبع إماماً ويدعي غيبته، وكل يقول برأي ويزعم أحقيته([1327]).
وقال الشهرستاني بعد أن نقل خلافهم في ذلك: (ومع اختلافكم هذا كيف يصح لكم دعوى الغيبة؟..)([1328]).
ولا شك أن هذا ”الأمر“ لو كان من عند الله لم يكن ليظهر على هذا الاضطراب والاختلاف والحيرة..
وإذا سألتهم عن مدة الغيبة كيف تعقل؟ إذ كيف يمكن أن يحيا إنسان هذه القرون المتطاولة؟!
قالوا: أليس الخضر يعيش في الدنيا من آلاف السنين.
ومع أن القول الصحيح أن ”الخضر“ ليس بحي([1329]), فإن حجتهم داحضة فالخضر ليس مكلفاً كما أنه ليس مسؤولاً عن هداية أُمة أو جماعة، وإمامكم هو المسؤول عندكم عن المسلمين جميعاً – على ما تهرفون -!!!
(7) معتقدهم في الصحابة:
في كتب الشيعة الأساسية سب وطعن ولعن وتكفير للصحابة رضوان الله عليهم إلا قليلاً منهم لا يتجاوز الثلاثة في معظم الروايات، وتتناول نصوص السب والتكفير كثيراً من آحادهم على سبيل التعيين، ويخصون الخلفاء الثلاثة بالنصيب الأوفى من ذلك.
وتتضمن صفحات كتب الشيعة المعتمدة أخبار صراعات وعداوات بين علي وفاطمة من جهة وبين سائر الصحابة من جهة أخرى, وفي مقدمة الصحب الخليفتان الراشدان.
ولو أخذنا ننقل ما وجدنا من هذا ”الغثاء“ لاستغرق مئات الصفحات, وكل هذه الصفحات السوداء تذكي العداوة، وتوري نيران الحقد وتزرع الفرقة، والهدف منها صرف الأمة عن شريعة نبيها بالطعن في الطريق الأول الناقل لها، وإبطال التواتر في نقل دين الإسلام.
وفيما يلي أمثلة لهذا من كتبهم المعتمدة.
هناك روايات كثيرة في كتبهم المعتمدة تقول, إن الصحابة ارتدوا إلا ثلاثة, وتزيد بعض الروايات آخرين رجعوا عن ردتهم, إلا أن المجموع لا يتجاوز السبعة في كل الروايات, وهذا الحكم بردة الصحابة رضوان الله عليهم الذين أثنى عليهم ورسوله وسجل التاريخ مآثرهم بمداد من نور ولم تشهد الدنيا إلى يومنا مجتمعاً كمجتمعهم – رضوان الله عليهم – هذا الحكم بردتهم إلا ثلاثة ورد في كثير من كتب الشيعة المعتمدة مثل: «الكافي»([1330])، و«البحار»([1331])، و«كتاب سليم بن قيس» ([1332]) و«الاختصاص»([1333])، و«رجال الكشي»([1334])، وفي «تفسير العياشي»([1335])، و«البرهان»([1336])، و«الصافي»([1337])، و«تفسير نور الثقلين» ([1338]) وغيرها وما في هذه الكتب إنما هو أحاديث عن معصوميهم فيما يزعمون.
أما كلام علمائهم في الطعن في ذلك الجيل القرآني الفريد فهو قد سود معظم كتبهم, ونحن لا نحاول أن نستشهد بهم كثيراً فهم يزعمون أنه لا حجة إلا في كلام معصوميهم، وغرضنا هنا التثبت في نقل مذهبهم.
روى ”ثقتهم“ الكليني في «الكافي» عن حمران بن أعين قال: (قلت لأبي جعفر ”ع“: جعلت فداك, ما أقلنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها([1339])! فقال: ألا أحدثك بأعجب من ذلك، المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا – وأشار بيده – ثلاثة..)([1340]).
وفي روايات أخرى لهم تعيين لهؤلاء الثلاثة:
فعن أبي جعفر ”ع“ كان الناس أهل ردة بعد النبي r إلا ثلاثة, فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي رحمة الله وبركاته عليهم, ثم عرف الناس بعد يسير..)([1341]).
وهؤلاء الذين عرفوا، عددهم أربعة ليصبح مجموع الذين نجوا من الردة – في كتب الشيعة – سبعة, ففي رجال الكشي عن أبي جعفر قال: (ارتد الناس إلا ثلاثة نفر: سلمان، وأبو ذر، والمقداد، قال: قلت: فعمار؟ قال: جاض جيضة([1342])، ثم رجع، ثم قال: إن أردت الذي لم يشك ولم يدخله شيء فالمقداد. فأما سلمان فإنه عرض في قلبه عارض أن عند أمير المؤمنين اسم الله الأعظم لو تكلم به لأخذتهم الأرض, وهو هكذا فلبب([1343]) ووجئت([1344]) عنقه حتى تركت كالسلقة, فمر به أمير المؤمنين ”ع“ فقال له: يا أبا عبدالله هذا من ذاك فبايِعْ، فبايَع، وأما أبو ذر فأمره أمير المؤمنين ”ع“ بالسكوت ـ ولم يكن يأخذه في الله لومة لائم ـ فأبى إلا أن يتكلم, فمر به عثمان فأمر به – كذا – ثم أناب الناس بعد فكان أول من أناب أبو ساسان الأنصاري، وأبو عمرة، وشتيرة وكانوا سبعة فلم يكن يعرف حق أمير المؤمنين ”ع“ إلا هؤلاء السبعة)([1345]).
حتى هؤلاء الثلاثة الذين نجوا من الردة لم ينجوا من السب والقدح في كتب الشيعة؛ ففي «رجال الكشي».. قال أمير المؤمنين – علي -: (يا أبا ذر إن سلمان لو حدثك بما يعلم لقلت: رحم الله قاتل سلمان)([1346]).
وعن جعفر عن أبيه ”ع“ قال: ذكرت التقيّة يوماً عند علي ”ع“ فقال: (لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله..)([1347]).
وعن أبي بصير قال: سمعت أبا عبدالله ”ع“ يقول: قال رسول الله r: (يا سلمان: لو عرض علمك على مقداد لكفر, يا مقداد: لو عرض علمك على سلمان لكفر)([1348]).
ثم إن هذه الروايات التي تحكم بالردة على ذلك المجتمع المثالي الفريد ولا تستثني منه سوى ثلاثة أو أربعة أو سبعة على الأكثر – هذه الروايات ليس فيها لأهل البيت ذكر، فالحكم بالردة في هذه النصوص شامل للصحابة من قرابة رسول الله r وزوجاته أمهات المؤمنين ومن غيرهم, فهي تتناول الصحب والآل مع أن واضعها يزعم التشيع لأهل بيت رسول الله r, فهل هذا إلا دليل على أن التشيع إنما هو ستار لتنفيذ أغراض خبيثة ضد الإسلام وأهله؟.
فعلي، والحسن، والحسين، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس وآل علي وزوجاته r أُمهات المؤمنين ليس لهم ذكر في هذه الروايات, إلا أن هناك رواية عندهم تذكر عليّاً وتنسى الباقين, فعن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر ”ع“ قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قُبض صار الناس كلهم أهل جاهلية إلا أربعة: علي والمقداد، وسلمان، وأبو ذر. فقلت: فعمار؟ فقال: إن كنت تريد الذين لم يدخلهم شيء فهؤلاء الثلاثة)([1349]).
أما نصوصهم التي تتناول كبار الصحابة وخيارهم على وجه التعيين فهي كثيرة، ولخير هذه الأمة بعد نبيها – كما شهد بذلك أخوهم علي t - لهما
 
النصيب الأكبر من هذه الزندقة الحاقدة, ففي «الكافي»: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم:
من ادعى إمامة من الله ليست له، ومن جحد إماماً من الله، ومن زعم أن لهما – يعنون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما – في الإسلام نصيباً)([1350]).
وفي «روضة الكافي» (أن الشيخين فارقا الدنيا ولم يتوبا ولم يتذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين, فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)([1351])0
وقال شيخهم نعمة الله الجزائري: (قد وردت في روايات الخاصة – يعني شيعته – أن الشيطان يغل بسبعين غلاً من حديد جهنم ويساق إلى المحشر فينظر ويرى رجلاً أمامه يقوده ملائكة العذاب وفي عنقه مائة وعشرون غلاً من أغلال جهنم, فيدنو الشيطان إليه ويقول: ما فعل الشقي حتى زاد علي في العذاب وأنا أغويت الخلق وأوردتهم موارد الهلاك؟، فيقول عمر للشيطان: ما فعلت شيئاً سوى أني غصبت خلافة علي بن أبي طالب)([1352]).
وقال هذا ”النقمة“ معقباً على هذه الرواية: (والظاهر أنه – يعني عمر t - قد استقل سبب شقاوته ومزيد عذابه ولم يعلم أن كل ما وقع في الدنيا إلى يوم القيامة من الكفر والنفاق واستيلاء أهل الجور والظلم إنما هو من فعلته هذه)([1353]).
تلك نظرة من يزعم التشيع لعلي في عمر الذي قال فيه أخوه علي: «ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك..»([1354]).
وقال هذا ”النقمة“ – في أبي بكر t -: (نقل في الأخبار – أخبار شيعته – أن الخليفة الأول قد كان مع النبي r وصنمه الذي كان يعبده زمن الجاهلية معلق بخيط في عنقه ساتره بثيابه وكان يسجد ـ ويقصد أن سجوده لذلك الصنم ـ إلى أن مات النبي r فأظهروا – كذا – ما كان في قلوبهم)([1355]).
انظر كيف بلغ الحقد والعداء بهؤلاء الذين لبسوا ثوب التشيع لآل البيت زوراً وبهتاناً ضد رواد الإسلام، ومن أقاموا دولة الإسلام وفتحوا ديار هؤلاء المجوس ونشروا الإسلام بينهم، وأطفأوا نار المجوسية والوثنية في بلادهم, وإذا كان هذا مبلغ حقدهم ومقدار سبهم لمن رضي الله عنهم وتواتر الثناء عليهم في كتاب الله وسنّة نبيه وقد واراهم التراب من قرون, فكيف يكون مستوى حقدهم وتآمرهم على المسلمين الآخرين؟!
كما قال بعض السلف: «لا يغل قلب أحد على أحد من أصحاب رسول الله r إلا كان قلبه على المسلمين أغل»([1356]).
كما تـطـاولـوا بـالسـب والـتكفيـر عـلى كثير من خيـار الصحابة غير
 
الشيخين أمثال ذي النورين عثمان بن عفان([1357])، وأنس بن مالك([1358]) والبراء بن عازب([1359]), ولم يكتف الشيعة بذلك بل طعنوا في آل النبي وأقربائه، في عم النبي العباس([1360]) وفي ابنه حبر الأمة وترجمان القرآن عبدالله بن عباس([1361]) وفي بعض زوجاته u عائشة([1362]) رضي الله عنها.
وظاهرة التكفير والسب عند الشيعة لا تخص جيل الصحابة – كما قدمنا – لكنهم يركزون على صحابة رسول الله r بوجه خاص باعتبار أنهم نقلة الشريعة السماوية, وإلا فهم مثلاً يكفرون جميع الناس بعد مقتل الحسين إلا ثلاثة([1363]), تقول كتب الشيعة إن الناس ارتدوا بعد الحسين إلا ثلاثة, ويطعنون في كل من أنكر إمامة ”الاثني عشر“ ولو كان من أهل البيت وأولاد فاطمة([1364])، هذا مع أن علياً t لم يكفر حتى من حاربه من أهل الشام وغيرهم, فقد قال – كما يرويه إمام الشيعة الشريف الرضي في نهج البلاغة – قال في كتابه إلى أهل الأمصار ـ يذكر فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين ـ: (وكان بدء أمرنا أنا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله، والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء)([1365]).
وقد أنكر على من يسب معاوية ومن معه فقال – كما في نهج البلاغة أيضاً ـ:
(إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم أحقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم..)([1366]).
فهذا السب والتكفير لم يكن من هدي علي باعتراف الكتاب الأول عند الشيعة.
ولقد وضعت أيدينا كتب الشيعة نفسها على مؤسس هذا السب والطعن لأكرم خلق الله بعد النبيين، فقالت: إنه عبدالله بن سبأ لأنه هو (أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم وادعى أن علياً u أمره بذلك)([1367]).
والشيعة ـ هي تنـال من أشرف الخلق بعـد الـرسل والـنبيين ـ نـراهـا

تدافع عن المرتدين كأصحاب مسيلمة([1368])، والزنادقة: كالمختار([1369])، والنصير الطوسي([1370]), بل إنهم يلقبون (أبا لؤلؤة المجوسي قاتل عمر بن الخطاب t بـ ”أبابا شجاع الدين“)([1371]).
هذه كتب الشيعة تثني على أقزام التاريخ وحثالة البشر وأعداء الإسلام, وتسب وتطعن وتكفر خيار الأمة وروادها.
ولا شك أن الطعن في صحابة رسول الله r هو طعن في دين الله وشرعه, ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (من زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفساً أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضاً في كفره, لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين, فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنّة كفار أو فسّاق وأن هذه الآية التي هي: ]كنتم خير أمة أخرجت للناس[([1372]) وخيرها هو القرن الأول، كان عامتهم كفاراً أو فساقاً، ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، ولهذا تجد عامة من ظهر عليه شيء من هذه الأقوال فإنه يتبين أنه زنديق..)([1373]).
وبعــد:
فهذه هي أهم عقائد القوم التي خالفوا بها جماعة المسلمين, ولهم بالإضافة لذلك شذوذات في ”مسائل الفقه“ خالفوا بها ما تواتر من النصوص وقد درج أئمة السنّة على ذكر مثل هذه المسائل في مباحث العقيدة، ولضيق المجال حسبنا أن نشير إلى أن صاحب مختصر التحفة الاثني عشرية قد ذكر معظم هذه المسائل في مختلف أبواب الفقه([1374])، وللدكتور علي السالوس دراسة جديدة في بابها لهذه القضايا أثبت فيها شذوذهم، وناقشه بما ورد عن أهل السنّة، وبما ورد في كتب الشيعة من روايات توافق ما عند أهل السنّة، ونقض رد علماء الشيعة لرواياتهم الموافقة لأهل السنّة بدعوى التقية، وهو منهج يستحق الإشادة والتقدير([1375]).
والذي جعلنا نكتفي بهذه الإشارة ولا ندرس هذه القضايا إيماننا بأن التقريب يبدأ من الأصول أولاً..
ومن العجب أن الشيعة يغالون في قيمة كل مسألة يشذون بها عن أهل السنّة، حتى في المسائل الفقهية والعملية. فمثلاً ”مسألة المتعة“ لم يكتفوا بإباحتها بل رتبوا على تركها وعيداً شديداً.
فمن رواياتهم في ذلك أن (من خرج من الدنيا ولم يتمتع جاء يوم القيامة وهو أجدع([1376]))([1377]).
وجعلوا لفاعلها أجراً عظيماً حتى قالوا: إن من تمتع أربع مرات كان كرسول الله r في الأجر, ونسبوا هذه ”القولة الشنيعة“ إلى رسول الله r. تقول روايتهم: قال النبي ﷺ: (من تمتع مرة كان درجته كدرجة الحسين u ومن تمتع مرتين فدرجته كدرجة الحسن ومن تمتع ثلاث مرات كان درجته كدرجة علي ومن تمتع أربع مرات كانت درجته كدرجتي)([1378]).
وقالوا: من لم يقل بالمتعة فليس بشيعي, فمن رواياتهم: (ليس منا من لم يؤمن بكرتنا ويستحل متعتنا)([1379]).
وفسروا آيات من كتاب الله ”بالمتعة“, فمن ذلك ما رووه عن الباقر ”ع“ أن عبدالله بن عطا المكي سأله عن قوله تعالى: ]وإذ أسر النبي.. الآية[([1380]) فقال: (إن رسول الله r تزوج بالحرة متعة فاطلع عليه بعض نسائه فاتهمته بالفاحشة!! فقال: إنه نكاح بأجل فاكتميه فاطلعت, عليه بعض نسائه)([1381]).
هذا مجرد مثال لمبالغتهم في تعظيم الشذوذ وإن كانت في الفقه. والمتعة إنما هي جزء من فوضى سلوكية عندهم ما أَنزل الله بها من سلطان([1382]).
ومن الملاحظ أَنهم يروون روايات في تحريم المتعة ولكن مشايخهم يردونها بحجة التقية بلا دليل وبرهان. ففي كتبهم: (عن زيد بن علي عن آبائه عن علي u قال: حرم رسول الله r خيبر لحوم الحمر الأَهلية ونكاح المتعة)([1383]).
قال شيخهم الحر العاملي: (أقول حمله الشيخ([1384]) وغيره على التقية ـ يعني في الرواية ـ لأَن إِباحة المتعة من ضروريات مذهب الإِمامية)([1385]).
هذا مثال واحد لشذوذهم في مسائل الفروع, ونكتفي بهذا المثال وبما أَشرنا إِليه من بعض المراجع للسبب الذي ذكرناه آنفاً.
وقد لاحظت أَنه لا يوجد لهم شذوذ ومخالفة إِلا وهناك في الغالب بعض الروايات التي تنفي هذا الشذوذ والمخالفة, ولكن شيوخهم يعملون بالشذوذ ويردون ما يوافق أَهل السنّة بحجة التقية. فهل هذا عمل من يريد التقارب؟!
 
 
 

 
النتيجة للباب الأول والثاني
وبعد هذه الدراسة والتعريف والبيان لما ينفرد به أَهل السنّة حقيقة ومصدراً وعقيدة، وما ينفرد به الشيعة عن المسلمين في ذلك – بعد هذا كله هل نستطيع أَن نحكم على مسأَلة التقريب من خلال ما سبق؟
لقد رأَينا كيف وضع الشيعة مذهبهم على أسس تنأَى بهم عن الجماعة الإِسلامية، وتبتعد عن العودة إِلى المسلمين.
ولم يكن هذا البعد وليد يوم وليلة, بل هو مخاض سنين طويلة, كان أُولئك المتسترون بالتشيع يعملون عملهم في البعد بالشيعة عن أُمة الإِسلام كما كانوا دائبين على خلق الفرقة بين المسلمين.
فكان من الشيعة، من خرج عن دائرة الإِسلام كفرق الباطنية.
وكان منهم من ظل في هذه الدائرة على انحراف كمعتدلة الزيدية.
وكانت منهم طائفة في يوم من الأَيام وسطاً ولكنها اليوم استقرت عقائدها على مركب الغلو، وانمحت السدود العازلة بينهم وبين الغلاة, وإِليك البيان لذلك في ضوء ما سبق.
إِن الشيعة التي تسمى بالإِثنا عشرية، وبالإِمامية، وبالرافضة، وبالجعفرية، تلك التي تشكل أَكثرية الشيعة اليوم، حتى قالوا: إِن لفظ الشيعة إِذا أُطلق – اليوم – فلا ينصرف إِلا إليها, وغيرها إِما زيدية وإما إسماعيلية –


كما مر – هذه الطائفة قد عزلت نفسها عن جماعة المسلمين بمصادر لها خاصة تأخذ منها دينها وعقائدها.
وهذه المصادر والدواوين التي اعتمدتها في التلقي هي – كما مر النقل عنها ومن خلال القراءة الطويلة فيها أثناء هذا البحث – قد استوعبت آراء فرق الشيعة من خلال القرون، ذلك أنه بالمقارنة بين ما في كتب الاثني عشرية وبين آراء فرق الشيعة في كتب الفرق وغيرها؛ نجد أنه ما من رأي أو فكرة نادت بها طائفة من فرق الشيعية في حقب التاريخ المختلفة إلا ونجد لها شاهداً ودليلاً في كتب الاثني عشرية, حتى يكاد القارئ لذلك يحكم بأن ذلك التقسيم الكثير للشيعة وذكر طوائفها المتعددة قد أصبح اليوم لا داعي له, لأن هذه الطائفة الاثني عشرية قد استوعبت تلك الآراء والعقائد.
وهذه حقيقة مهمة وكبيرة ولم تكن واضحة قديماً كما هي اليوم بعد انتشار كتب الاثني عشرية.
وإن دراسة مقارنة لآراء تلك الفرق، وما جاء في كتب الاثني عشرية لهي دراسة جديدة نافعة تكشف حقائق هامة, والمجال لا يتسع لذلك, فلنأخذ أمثلة على ما نقول لنرى كيف استقر مركب الاثني عشرية على الغلو.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
(وكذلك – أي في الحكم بالتكفير – من زعم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت..) ثم بيّن أن هذا مذهب القرامطة والباطنية([1386]).
 
 
 
هذا القول الذي نسبه ابن تيمية للباطنية نجد في دواوين الشيعة الاثني عشرية ما يشهد له ويؤيده.
وقد رأينا اشتمال الكتب الأساسية عند الاثني عشرية على أحاديث تقول بنقص القرآن. وزعم علماء الشيعة كالمفيد في «أوائل المقالات»، والمجلسي في «مرآة العقول»، والمازندراني في «شرحه للكافي» وغيرهم أن الأحاديث التي تقول بنقص القرآن وتحريفه متواترة من طرقهم.
وشهد عالمهم نعمة الله الجزائري أنها بلغت أكثر من ألفي حديث, وأقر علماء الشيعة بأنه مذهب لكبار علمائهم كالكليني، وشيخه القمي، والطبرسي صاحب «الاحتجاج»، والمجلسي صاحب «البحار» وغيرهم كما مر بيانه وتفصيله.
أفلا يحق لنا القول بأن آراء القرامطة قد تضمنتها كتب الاثني عشرية وأصبح التقسيم بينهما اسمياً لا حقيقياً في هذا؟.
والغريب أن كتب الاثني عشرية التي تضمنت القول بنقص القرآن وتحريفه، كان منها ما هو قبل ابن تيمية بقرون مثل «الكافي» للكليني (ت 329) وتفسير إبراهيم القمي شيخ الكليني وغيرهما, فهل كانت هذه الكتب سرية التداول بين الشيعة أو أن تلك الآراء الشاذة أُضيفت إليها فيما بعد؟، أو أن علماء السنّة لم يهتموا بالاطلاع على كتبهم لكذبهم؟!!! على أية حال إن ما ينسبه ابن تيمية للقرامطة هو متواتر في كتب الاثني عشرية.
 
ومثلاً ”عقيدة البداء“ (اعتبرها أصحاب الفرق من عقائد الغلاة)([1387]) ونسبوها للمختارية([1388]) وهي من الغلاة, ومع ذلك – كما مر – قد ورد في صحيحهم «الكافي» ستة عشر حديثاً في البداء، وفي «البحار» في باب البداء، والنسخ أكثر من سبعين حديثاً، وصار البداء من عقائد الاثني عشرية, وإن حاول علماؤهم أن يلتمسوا مخلصاً له لينجوا من تكفير المسلمين لهم لقولهم بهذه العقيدة الضالة.
وكذلك ”عقيدة الرجعة“ (اعتبروها من عقائد الغلاة)([1389]), وقد ذكرت كتب الشيعة([1390]) والسنّة([1391]) أنها من أصول عقائد ابن سبأ اليهودي, ومع ذلك فهي من أصول عقائد الإمامية.
ومسألة ”تفضيل الأئمة على الأنبياء“ هي مذهب غلاة الروافض كما قال ذلك الإمام عبدالقاهر البغدادي([1392]) (ت 429هـ) والقاضي عياض([1393]) (ت 544هـ) وشيخ الإسلام ابن تيمية([1394]) (ت 728هـ), ونقل شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب (إجماع المسلمين على كفر من ذهب إلى هذا القول)([1395]).
ومع ذلك فهي من عقائد الاثني عشرية، وفي كتب حديثهم, وقد عقدوا لها باباً خاصاً – كما سبق –([1396]) كما ألف شيوخهم في إثباتها مؤلفات مستقلة([1397]).
والأمثلة على قضية استيعاب مدونات الاثني عشرية لعقائد الفرق الغالية كثيرة وبسط هذا الموضوع يحتاج لبحث مستقل.
وقد رأيت بعض علماء الشيعة المعاصرين أشار إلى هذا الرأي فقال: (ولكن يجب أن نشير قبل أن نضع القلم بأن ما مر بنا من أفكار الشيعة مما كان خاصاً بفرقة بعينها لم يلبث أن دخل كله في التشيع الاثني عشري ودعم بالحجج العقلية وبالنصوص. والتشيع الحالي إنما هو زبدة الحركات الشيعية كلها من عمار([1398]) إلى حجر ابن عدي إلى المختار وكيسان إلى محمد بن الحنفية وأبي هاشم إلى بيان بن سمعان، والغلاة الكوفيين إلى الغلاة من أنصار عبدالله بن الحارث إلى الزيديين والاسماعيليين, ثم الإمامية التي صارت اثنا عشرية, وقام بعملية المزج متكلمو الشيعة ومصنفوها)([1399]).
إذن كتب الاثني عشرية الأساسية هي الدن الذي امتزجت فيه كل التهريفات الشيعية، واستقر بنيان التشيع الاثني عشري على الأصول العامة للتشيع.
من هنا رأى البعض أن (أصول مذهب الغلاة والمفوضة والباطنية من الإسماعيلية والإمامية الاثني عشرية مختلطة بعضها ببعض في كثير من المسائل، ولذلك قيل: الإمامية دهليز الباطنية)([1400]).
ولقد رأينا كيف أن النزعة السبئية التي تضفي صفات الإله على الأئمة قد بدت واضحة من خلال أحاديث الاثني عشرية, فالأئمة يعلمون ما كان وما يكون ولا يخفى عليهم شيء، ولا يسهون ولا ينسون ولا يخطئون مطلقاً, إلى آخر قائمة الأوصاف التي يجعلونها للأئمة التي هي من خصائص الجبار جل علاه..
كما أن النزعة الباطنية واضحة في كتب الاثني عشرية في تأويلهم لآيات القرآن، وأركان الإسلام، ودعواهم نقص القرآن وغيرها.
ومن يطالع بعض الكتب الإسماعيلية يرى وفاقاً في كثير من أحاديث الطائفتين حول العقيدة([1401]), ويشير بعض علماء الاثني عشرية إلى وحدة الأصل في التلقي بين الإسماعيلية والاثني عشرية فيقول: (وإذا لم يكن الفاطميون على المذهب الاثني عشري فإن هذا المذهب قد اشتد أزره ووجد منطلقاً في عهدهم, فقد عظم نفوذه ونشط دعاته.. ذلك أن الاثني عشرية والإسماعيلية ـ وإن اختلفوا من جهات ـ فإنهم يلتقون في هذه الشعائر, وبخاصة في تدريس علوم آل البيت والتفقه فيها وحمل الناس عليها)([1402]).
ولهذا نرى بعض كتب الإسماعيلية من المراجع المعتبرة عند الاثني عشرية ويرجع إليها كبار علمائهم العاصرين في بحوثهم([1403]), مثل كتاب (دعائم الإسلام) للقاضي النعمان بن محمد بن منصور بن حيان (ت 363) وهو إسماعيلي, كما تؤكد ذلك بعض مصادر الشيعة الاثني عشرية نفسها([1404]).
وقد جاء في دائرة المعارف عن انفتاح الاثني عشرية على الغلاة هذا القول: (على أن الحدود لم تقفل تماماً أمام الغلاة, يدل على ذلك التقدير الذي دام طويلاً للكتاب الأكبر للإسماعيلية وهو كتاب «دعائم الإسلام»([1405]).
وغير الإسماعيلية من سائر الفرق التي بقيت أو اندرست؛ دخلت أفكارها في مدونات الاثني عشرية.
وقد رأينا فيما سبق أن الطوسي قد ذكر أن معظم رجالهم في الحديث من أصحاب المذاهب الفاسدة, ومع ذلك قال: إن كتبهم معتمدة, ولعل هذا من أسباب دخول أفكارهم إلى التشيع الاثني عشري.
وقد لاحظنا أن بعض شيوخ الاثني عشرية وآياتها إذا تحدثوا عن طائفتهم ورجالها ودولها ـ نسبوا لها كل الفرق والدول والرجال المنتمين للتشيع, وإن كانوا من الإسماعيلية والباطنية أو من الزنادقة الدهرية أو من المجسمة الغلاة.
فهم إذا تحدثوا – مثلاً – عن دول الشيعة ذكروا الدولة الفاطمية في صدر دولهم مع أنها غير اثني عشرية([1406]).
وإذا جاء ذكر رجالهم رأيت منهم كثيراً من رؤوس الضلال والزندقة ممن تنسب إليهم فرق ليست من الاثني عشرية.
ولكن هذه الطائفة تتبنى هذه الفرق ورجالها لأنها احتوت أفكارها وبدعها.
لهذا نرى – مثلاً – شيخ الشيعة محسن الأمين يقول عن الهشامية([1407]) أتباع هشام بن الحكم..، واليونسية أتباع يونس بن عبدالرحمن القمي([1408])، والشيطانية أتباع محمد بن النعمان ”شيطان الطاق»([1409]) وغيرهم (أنهم عند الشيعة الإمامية كلهم ثقات صحيحو العقيدة, فكلهم إمامية واثنا عشرية)([1410]).
ويلاحظ أنه من منطلق استيعاب الاثني عشرية لآراء الفرق الأخرى ـ رأينا بعض علماء الشيعة الاثني عشرية قد أضفى صفة الشرعية على بعض الغلاة الكفرة كالنصيرية([1411]).
وهذا التطور العقدي عند الاثني عشرية يؤكده بعض علماء الشيعة المعاصرين بصراحة وهو عبدالله الممقاني([1412]) – الذي يعدونه من كبار علمائهم المعاصرين في علم الرجال – يقول في معرض دفاعه عن المفضل بن عمرو الجعفي فيما رمي به من الغلو من قبل بعض علماء الشيعة القدماء: (إنا قد بينا غير مرة أن رمي القدماء الرجل بالغلو لا يعتمد عليه ولا يركن إليه, لوضوح كون القول بأدنى مراتب فضائلهم – يعني الأئمة – غلوّاً عند القدماء, وكون ما نعده اليوم من ضروريات مذهب التشيع غلوّاً عند هؤلاء, وكفاك في ذلك عد الصدوق نفي السهو عنهم غلوّاً مع أنه اليوم من ضروريات المذهب, وكذلك إثبات قدرتهم على العلم بما يأتي – أي علم الغيب – بتوسط جبرائيل والنبي غلوّاً عندهم ومن ضروريات المذهب اليوم)([1413]).
فهذا الممقاني يعترف بالتطور العقدي عندهم، ويحكم بأن ما كان يعد غلوّاً في عرف الشيعة المتقدمين ـ مثل أن الأئمة يعلمون الغيب، ولا يسهون ـ هو اليوم من ضروريات مذهب التشيع.
ومن هذا المنطلق نرى شيخ الشيعة المعاصر: محمد حسين آل كاشف الغطا يحكم على جميع فرق الشيعة الموجودة اليوم بعدم الغلو ويزعم أن جميع الفرق الغالية قد بادت ولا يوجد منها اليوم نافخ ضرمة([1414])([1415]).
والواقع أن أسماء معظم تلك الفرق قد اختفت وبقيت آراؤها وأفكارها في كتب الاثني عشرية.

وقد تنبه لهذه الحقيقة ـ وهي تطور معتقدهم نحو الغلو ـ الشيخ: ملا علي القاري([1416]) وذلك حينما نقل قول الإمام النووي([1417]) وهو: إن (المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع)([1418]) فقال القاري معقباً على ذلك (قلت: وهذا في غير حق الرافضة الخارجة في زماننا, فإنهم يعتقدون كفر أكثر الصحابة فضلاً عن سائر أهل السنّة والجماعة, فهم كفرة بالإجماع بلا نزاع)([1419]).
ولعل هذه الظواهر هي التي دعت محب الدين الخطيب إلى أن يحكم بأن مدلول الدين عند الشيعة يتطور, ثم استدل على ذلك بقول الممقاني السالف الذكر, ثم قال: (هذا تقرير علمي في أكبر كتاب وأحدثه لهم في الجرح والتعديل يعترفون فيه بأن مذهبهم الآن غير مذهبهم قديماً, فما كان يعدونه قديماً من الغلو وينبذونه وينبذون أهله بسبب ذلك, صار الآن – أي الغلو – من ضروريات المذهب. فمذهبهم اليوم غير مذهبهم قبل الصفويين ومذهبهم قبل الصفويين غير مذهبهم قبل ابن المطهر ومذهبهم قبل ابن المطهر غير مذهبهم قبل آل بويه، ومذهبهم قبل آل بويه غير مذهبهم قبل شيطان الطاق ومذهبهم قبل شيطان الطاق غير مذهبهم في حياة علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين)([1420]).
ولعل من أكبر العوامل لاستقرار هذا المذهب على الغلو هو استيعاب مدونات الروافض لآراء تلك الفرق الشاذة، وقبولهم لروايات أصحاب تلك الفرق لأنهم «شيعة», فهم مقبولون بغض النظر عن معتقدهم فمع التشيع لا يضر انتحال أي نحلة!
ولهذا انبثق من الروافض كثير من الفرق الخارجة عن الإسلام([1421]).
هذا وقبل أن نرفع القلم عن هذا الموضوع نضيف حقيقة مهمة في هذا المجال وهي أنه يوجد للاتجاه الشيعي المعتدل أثر في مدونات الروافض في أحاديث تثني على الصحابة وترفض التقية، وتوافق المسلمين في معتقدهم، لكن علماء الروافض رفضوا العمل بها بحجة أنها وردت مورد التقية, في حين أنهم لا يملكون دليلاً يؤكدون به ذلك سوى أنها موافقة لجمهور المسلمين, وهذا دليل عليهم لا لهم.
وإننا نعتقد أنه بالإمكان استخلاص هذا الأثر الشيعي المعتدل من كتب الشيعة ليكون شمعة ضوء تهدي المخلصين في البحث عن الحق، وعلى ضوئه يمكن التقارب, وسيأتي تفصيل هذا في مبحث ”هل من طريق إلى التقريب؟“.
لكن ذلك الغثاء الذي حوته كتب الشيعة هو الذي يمثل القسم الأكبر, وقد وضع الشيعة قاعدة تقديم الأكثر على الأقل([1422]) فبقي هذا الأكثر يشكل العقبة الكؤود بينهم وبين المسلمين.
لقد كان الأحرى بالشيعة ـ وهم اليوم ينشطون في الدعوة إلى التقارب مع أهل السنّة ـ أن يبدأوا بإزالة تلك العوائق الكامنة في أصول مذهبهم ما دامت لهم رغبة في الالتقاء مع الأمة.
إن مجرد إطلاق القول بأنه لا خلاف بين الطائفتين لا يؤدي الغرض المنشود في التقارب وتحقيق ما يؤمله المسلمون من الألفة والوحدة.
ما القيمة العملية – مثلاً – للأصل الذي وضعه الروافض وجعلوه من أسس مذهبهم وهو أن مخالفة العامة – أي أهل السنّة – فيها الرشاد؟ وهل هذا منطق علمي للوصول إلى الحق، أم هو تعصب مذهبي أعمي؟ وهل هذا إلا من وضع زنديق لتفريق الأمة، والخروج عن إجماع المسلمين؟
ولماذا يردُّ علماء الشيعة ما في كتبهم من أحاديث توافق أهل السنّة, ويزعمون أنها تقية لأنها توافق مذهب الأمة؟! وهل هذا صنيع من يريد التقارب واللقاء؟.
حتى إن هذه التقية كانت سبباً في ضياع مذهب أهل البيت الحقيقي في كتب الشيعة، وكانت من عوامل تفريق شمل الأمة، والكذب على الأئمة.
إن الشيعة اليوم وهي تتنادى بالتقارب، وتزعم أنه لا خلاف بينها وبين المسلمين، وتدعو أن يرجع المسلمون إلى كتبها في الحديث – إن هذه الشيعة إذا كانت جادة بهذه الدعوة فلا بد لها من أن تزيل العقبات التي تحول دون ذلك.
فكيف يحتج ويثق المسلمون بكتب تواتر فيها الطعن في كتاب الله، ودعوى أنه ناقص ومحرف؟!
وكيف يتلقى المسلمون دينهم من رجال هذه عقيدتهم؟ فهل نتلقى ديننا عمن يسعى لهدمه وتغييره؟!
وكيف نجتمع على كتاب الله وهم بتأويلهم المنحرف وتفسيرهم الباطني قد جعلوا منه كتاباً آخر غير ما في أيدي المسلمين؟!
ثم كيف يؤمن المسلمون بتلك الدعاوى الغريبة التي تتضمن الزعم بنزول كتب إلهية بعد كتاب الله U؟!
هل بهذه المزاعم والمفتريات تستطيع الشيعة أن تقترب من الأمة؟
أما السنّة المطهرة فالبون بيننا وبينهم فيها كبير كما رأينا؛ فهم يزعمون أن أقوال أئمتهم الاثني عشر كأقوال الله ورسوله, وأن الرسول r كتم جزءاً من الشريعة وأودعه الأئمة، ويؤمنون بحكايات الرقاع ويبنون عليها دينهم ويقبلون مرويات رجال هم عند المسلمين من الكذبة والدجالين، ويطعنون في خيار الخلق بعد النبيين والرسل ويردون أحاديثهم..
فهل نلتقي معهم في ”السنة“ وهذا معتقدهم فيها؟!
وكيف يمكن أن نزيل أسبـاب النـزاع  والخلاف بالرجوع إلى الكتاب
 
والسنّة ما دمنا فيهما مختلفين؟! وكيف نطبق قوله سبحانه: ]فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول[([1423]) وذلك برد النزاع إلى كتاب الله وسنة رسوله r؟!
ثم هم يرفضون الإجماع ويتعمدون مخالفة المسلمين, لأن خلاف العامة – عندهم – فيه الرشاد.
ثم كيف يدعون المسلمين إلى التقارب وهم يكفرونهم في كتبهم الأساسية؟!
وهل الطعن والسب والتكفير لصحابة رسول الله r مسلك من يريد التآلف؟!
ثم هم يعتقدون أنهم ”شعب الله المختار“؛ فاسمهم الخاصة، وهم أهل الأجر والمثوبة في الآخرة.. إلخ.
وهم يشذون عن الأمة بعقائدهم في الإمامة، والعصمة والتقية والرجعة والمهدية، والبداء.
فكيف السبيل إلى التقريب، مع هذا الشذوذ كله؟!
وإننا نعتقد أنه ما دامت كل هاتيك البلايا موجودة في كتب الشيعة فإنها ستبقى في منأى عن جماعة المسلمين.
إن أهل السنّة يحبون أهل البيت, بينما الشيعة – وهي تزعم التشيع لهم – تقدح في معظمهم، وترد بعض مروياتهم, فأي الفريقين ضد التقريب ومن هو الأحوج إلى دعوة التقريب؟!

ولا نحكم هنا الحكم النهائي بل نستمع لآراء دعاة التقريب فيما سبق حسبما نجده لهم من آراء ونناقشها على ضوء ما مر, وكذلك نعرض بعض محاولات التقارب ونقيمها, ثم نرسم الطريق الذي نراه للتقريب فيما يلي من صفحات.

 
 
 
 
 

 
 
 
 
 
دليل الموضوعات
«القسم الأول»
 
 
 

£ الفهرس £
 
الموضوع الصفحة
المقدمة ................................................. 5
أهل السنة والجماعة ....................................... 21
التعريف بأهل السنة والجماعة .............................. 23
التعريف بالسنة ........................................... 23
من أهل السنة؟ ............................................. 25
السبب في تسميتهم بهذا الاسم .............................. 26
معنى الجماعة ...............................................                      28
سبب تسمية أهل السنة بالجماعة ............................. 33
معنى لفظ السنة والجماعة إذا اجتمعا، وإذا افترقا ..............       33
أهل السنة هم الذين ليس لهم لقب يعرفون به؛ لا جهمي ولا قدري
ولا رافضي ....................................................  
 
35
نشأة اسم أهل السنة والجماعة ................................... 35
مصادر أهل السنة في اعتقادهم ..................................   49
كشف حقيقة ما ينسبه «الروافض» من أحاديث إلى مصادر أهل السنة .. 58
إجماع المسلمين على حفظ الله سبحانه لكتابه العظيم ...............    85
من أصول أهل السنة أن رسول الله r بيّن الدين كله وأعلن ذلك
بين المسلمين .................................................       
 
91
الموضوع الصفحة
من أصول أهل السنة محبة أصحاب رسول الله r والترضي عنهم .. 94
اعتقاد أهل السنة في أهل البيت .................................. 101
لا عصمة لأحد بعد رسول الله r ........................... 109
أصول أحكام الشريعة (المتفق عليها بين المسلمين):  
الكتاب والسنة وإجماع السلف ............................. 112
المعجزات لا يأتي بها أحد إلا الأنبياء عليهم السلام .......... 113
لا يعلم الغيب إلا الله وحده سبحانه ........................ 113
ما اختاره المسلمون من الأئمة.. كانوا أئمة خلافاً لمن حصرهم بعدد معين.. 114
من أصول أهل السنة لزوم الجماعة:                 ...........................  
الحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين ................ 115
أهل السنة لا يدعون الجمعة والجماعة كما فعل أهل البدع ......... 115
لا يرجع أحد من الأموات قبل يوم القيامة ....................... 115
تعريف الشيعة ................................................ 119
أصل الشيعة ونشأتهم ......................................... 130
فرق الشيعة .................................................. 143
الإسماعيلية .................................................. 147
الزيدية ...................................................... 159
الرافضة ..................................................... 171
قول الرافضة بتحريف القرآن ................................. 177
الموضوع الصفحة
كتب الشيعة التي روت أخبار التحريف ......................... 180
النصوص الواردة في كتبهم ..................................... 189
معتقدهم في هذه الروايات ..................................... 205
بداية هذا الافتراء عند الشيعة .................................. 209
انحرافهم في تأويل القرآن ....................................... 214
أول من وضع الأساس في التفسير عند الشيعة .................... 215
تأويلهم لما ورد في كتاب الله عن القرآن الكريم،  
والتوحيد والشرك بالله وغيرها بالإمامة والأئمة ................... 216
تأويلهم للآيات الواردة في الكفار والمنافقين، تأويلهم لها بخيار الصحابة 231
تأويلهم لآيات من القرآن بمهديّهم المنتظر....................... 236
تأويلهم لآيات من كتاب الله بمعتقدهم في التقية ................. 238
تأويلهم لآيات من كتاب الله بعقيدة الرجعة عندهم .............. 239
هل لهم «تفاسير» معتدلة ليس فيها هذا الغلو الباطني في التفسير؟. 243
دعوى الشيعة نزول كتاب إلهي على فاطمة يسمى «مصحف فاطمة» ... 247
دعواهم نزول كتاب إلهي آخر يسمى «لوح فاطمة» .............. 251
دعواهم نزول اثني عشر صحيفة من السماء تتضمن صفات الأئمة 253
عقيدتهم في السنة ............................................. 254
اعتقادهم بأن أقوال الأئمة الاثني عشر كأقوال الله ورسوله ....... 254
اعتقادهم بأن الرسول r بلغ جزءاً من الشريعة وكتم الباقي وأودعه الأئمة . 255
الموضوع الصفحة
ردهم لمرويات الصحابة ........................................ 261
تلقيهم السنة عن حكايات الرقاع ............................... 262
انفصالهم عن جماعة المسلمين بكتب خاصة لهم يتلقون منها دينهم وبيانها 268
أسانيد الشيعة في كتبهم ........................................ 278
عقيدتهم في الإجماع ............................................ 283
عقائدهم الأخرى التي انفصلوا بها عن أهل السنة ............... 287
معنى الإمامة عند الشيعة ...................................... 288
فضائل الأئمة وصفاتهم ....................................... 290
غلوهم في قبور أئمتهم واتخاذها مزارات ومشاهد, والفارق بينهم  
وبين ما يوجد في ديار أهل السنة من ذلك ........................ 299
غلوهم في مجتهديهم ............................................ 306
كل حكومة غير حكومة الاثني عشر باطلة في اعتقادهم .......... 310
الإمامة ركن من أركان الدين عندهم ............................ 312
تكفيرهم لمن أنكر إمامة الأئمة الاثني عشر ...................... 314
منزلة من آمن بهؤلاء الأئمة الاثني عشر (عندهم) ............... 319
عصمة الإمام .................................................. 322
التقية ........................................................ 330
الرجعة ....................................................... 339
البداء ........................................................ 344
الموضوع الصفحة
الغيبة ......................................................... 349
معتقدهم في الصحابة .......................................... 361
النتيجة للباب الأول والثاني .................................... 375
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
مسألة التّقريب
 
بين
 
أهْل السُّنة والشّيعَة
 
القسمُ الثّاني
 
د. ناصر بن عبدالله بن علي القفاري
 
 
دار طيبة للنشر والتوزيع

 
 
القسم الثاني
 
البــاب الثالث
 
آراء دعاة التقريب في قضايا الخلاف ومناقشة ذلك، ويشمل:
الفصل الأول: فيما يتصل بمذهب الشيعة.
ويتضمن: آراء دعاة التقريب:
(1) في قول الشيعة بتحريف القرآن.
(2) في انحرافهم في تفسير القرآن.
(3) في دعواهم تنزل كتب إلهية غير القرآن.
(4) في السنّة.
(5) في الإجماع.
(6) في الإمامة.
    (أ) في غلوهم بالأئمة.
    (ب) وفي قبور الأئمة.
    (ج) في غلوهم في مجتهديهم.
    (د) في قولهم بعدم شرعية حكومة إسلامية غير حكومة الاثني عشر.
    (هـ) في قولهم بأن الإمامة ركن من أركان الدين ومنكرها كافر.
    (و) في غلو الشيعة في نفسها.
(7) في العصمة.
(8) في الرجعة.
(9) في الغيبة.
(10) في البَدَاء.
(11) في الصحابة.
(12) في التَّقِيَّة.
الفصل الثاني: فيما يتصل بمذهب أهل السنة.

توطئة:
                سبق أن ذكرنا الأصول العقدية عند الفريقين: السنّة، والشيعة، وهو ما في الباب الأول والثاني, وكانت الدراسة لتلك الأصول من خلال المصادر المعتمدة لهما، ولقـد تبين سعة الفجوة بين الفريقين كما جاء بيان ذلك في النتيجة.
                وفي هذا الباب عرض لآراء دعاة التقارب الذين يرون أنه لا خلاف بين الفريقين إلا في مسائل يسيرة في الفروع.. نعرض آراءهم فيما مضى من أسس الخلاف ونناقشه.
ولن تجد في هذا الباب إلا كلام المعاصرين, اللهم إلا ما نأتي به أحياناً لمناقشة آراء المعاصرين, كما أنك تلاحظ أن السمة الغالبة فيما مضى هو النقل من أصولهم المعتمدة في الحديث ومن أقوال علمائهم السابقين.
وسنرى في هذا المبحث هل يسير المعاصرون على خطى القدامى, أو أن الصورة تغيرت, كما يقول بعض دعاة التقريب؟ فدعوى عدم وجود خلاف بين السنّة والشيعة هي دعوى نشأت في هذا العصر مع نشاط حركة التقريب. فلنر.. هل تغير شيء مما عرضنا؟ ونقول: إن دعاة التقريب هم من الفريقين: السنّة والشيعة – كما سيأتي في «محاولات التقريب» - وسنعرض ما نجده من آراء لهم حـول ما أثرناه فيما مضى من صفحات كما قلنا، والجدير بالذكر أن معظـم فئـات التقريب مـن أهـل السنّة لـيسوا عـلى دراية بكثير مما مضى حول
 
 
الشيعة, فهم لا يعلمون بوجوده فكيف يكون لهم رأي فيه؟([1424])، ولكن الشيعة هم الذين كان لهم دفاع عن بعض ما مضى – حول مذهبهم – أو إقرار بما فيه، وهم أهل المذهب, وأحرى بأن يستفتوا فيه حتى لا يكون هناك مظلمة لأحد، لذلك ستكون تلك الآراء الآتية فيما يتصل بما شذ فيه الشيعة مأخوذة من كتب الشيعة المعاصرة التي تنادي بالتقريب, وتدافع عن التشيع وتزعم أنها لا تخالف جمهور المسلمين إلا في بعض مسائل الفروع – كما قلنا – نتعرف على آراء تلك الفئة ونناقشها على ضوء ما مر ليتبين مقدار الجدية في التقريب والصدق في محاولة اللقاء مع المسلمين.
لقد تبين لنا سعة الفجوة بين الفريقين، وإن كبر الفُرقة يتحملها الشيعة, فلنر ما يقولون في تلك المسائل. ولعل من الضروري أن نشير إلى أن تلك الفئة التي نستطلع آراءها هي من الاثني عشرية ”الرافضة“, لأنها – كما بينا – كانت هي المحضن أو المستودع لآراء الشيعة بكافة فرقها وهي التي أصبحت مصادرها في التلقي معروفة معلومة, وبالإمكان دراسة تلك الآراء – على ضوئها كما مر – أما غيرها فهي:
=
(أ) إما باطنية محضة لا تزال تمارس العزلة والتخفي وتعيش في سراديب الكتمان، وقد برهنت الوثائق والوقائع على زندقتهم وإلحادهم، ومع ذلك فإن بعض الأقلام الباطنية في هذا العصر تدعو للتقارب([1425]), مع أن مصادرها في الاعتقاد لا تزال في الغالب طي الكتمان وما ظهر منها يبرهن على إلحادهم, فكيف يمكن التقارب معهم, وهل دعوة التقارب منهم سوى محاولة لاكتساب صفة الشرعية والعمل على تسهيل مهمة الدعاة الباطنيين في الديار الإسلامية؟.
(ب) وإما زيدية، والزيدية إما جارودية فهي – رافضية إمامية – وإن تسمت بالزيدية – تكفر صحابة رسول الله r وترد مروياتهم، وأما الزيدية المعتدلة كالبترية، فهي من أقرب فرقة الشيعة إلى الاعتدال. وهي على ما بينّا ترجع لمصادر الأمة (ولذلك تجد القرب قائماً من غير محاولة تقريب)([1426]).
=
ولهذا فإن ”الرافضة“ تطعن في الزيدية وتخرجهم من التشيع ما عدا فئة الجارودية من الزيدية – كما سبق([1427]) – وهم لا يحتجون بروايات الزيدية. يقول الطوسي: (ورجال الزيدية وما يختصون بروايته لا يُعمل به على ما بُيّن في غير موضع)([1428]).
والرافضة تكفر الزيدية([1429]), لهذا لم يبق سوى ”الرافضة“ وهي التي تنشط في الدعوة للتقريب, فلنر ما يقولونه فيما شذّوا به عن المسلمين.
(1) في قول الشيعة بتحريف القرآن:
لقد نسبت كتب أهل السنّة إلى مذهب الشيعة تلك المقالة الشنيعة في الزندقة والإلحاد وهي قولهم بتحريف القرآن([1430]). ورأينا أن أهل السنّة لم يظلموهم، وأن هذا ”الطعن“ في كتاب الله متواتر في كتبهم وهو مذهب لطائفة من علمائهم, بل نقل بعضهم.. اتفاقهم على هذه ”المقالة“([1431]) فماذا يرى دعاة التقريب في هذه ”المقالة“ التي تقطع صلتهم بالإسلام والمسلمين وهم يحاولون اللقاء مع المسلمين؟
وحين نتتبع ما كتبه دعاة التقريب من الشيعة حول هذه ”القضية“ نجد أنها تدور على المحاور التالية:
 
 
المحور الأول:
استعمال التقية, وذلك بإنكار ما ينسب إليهم في هذا الشأن, ونفي أن يكون لهم رأي، أو قول، أو حديث يمس كتاب الله ويشير إلى تحريفه نفياً قاطعاً، وممن سار على هذا ”الخط“ عبد الحسين الأميني النجفي في كتابه «الغدير» ـ وذلك حينما رد على ابن حزم([1432]) ما نسبه إلى الشيعة من القول بتلك المقالة ـ فقال هذا النجفي: (ليت هذا المجترئ أشار إلى مصدر فريته من كتاب للشيعة موثوق به، أو حكاية عن عالم من علمائهم تقيم له الجامعة وزناً، بل نتنازل معه إلى قول جاهل من جهالهم أو قروي من بسطائهم، أو ثرثار كمثل هذا الرجل يرمي القول على عواهنه, وهذه فرق الشيعة في مقدمتهم الإمامية مجمعة على أن ما بين الدفتين هو ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه)([1433]).
مناقشة هذا الرأي:
إن القارئ ليعجب من هذه الجرأة على نفي ما هو واقع، ولا شك أن هـذا النفي سيؤول مـن الشيعـة ومـن المطلعين على ما في كتب الشيعة من أهل
 
السنّة سيؤول بأنه تقية فماذا يجدي مثل هذا الدفاع.
وإن القارئ ليعجب من جرأة مثل هذا الرجل على هذا الكذب الصريح مع مكانته الكبيرة عند طائفته([1434])، وفي أخبارهم أن الرجل يكبر في أنفسهم كل ما كان أبدع وأقدر في استعمال التقية مع المخالفين, لكن هذا النجفي لم يحسن التقية فهو كمن يريد أن يحجب ضوء الشمس بكفه وأنّى له ذلك؟! فهو ينفي ما هو واقع في كتبهم التي أصبحت في متناول الكثيرين, وليرجع القارئ إلى ما كتبناه عنهم في مبحث قولهم بتحريف القرآن. ومن العجيب أنه وهو ينكر وجود تلك المقالة في كتبهم في الجزء الثالث من كتابه ـ نراه في الجزء التاسع من الكتاب يتورط هو نفسه بهذه المقولة الشنيعة ويناقض نفسه بنفسه؛ فيقول مهاجماً وطاعناً في الخليفة الراشد ـ أفضل الصحابة رضي الله عنهم أبي بكر الصديق t يقول: (سل عنها – أي صفة أبي بكر في زعمه – أمير المؤمنين وهو الصديق الأكبر يوم قادوه كما يقاد الجمل.. إلى بيعة عمت – كذا ـ شؤمها الإسلام، وزرعت في قلوب أهلها الآثام، وعنفت سلمانها، وطردت مقدادها، وفتقت بطن عمارها، وحرقت القرآن، وبدلت الأحكام)([1435]) كما أورد آيـة مفتراة في نفس كتـابه «الغدير» الذي ينفي فيـه وجود تلك المقـالة
 
 
عـندهم, ونص هذه الآية المزعومة هي: (اليوم أكملت لكم دينكم بإمامته فمن لم يأْتم به وبمن كان من ولدي”؟!“ من صلبه إلى يوم القيامة فأولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون، إن إبليس أخرج آدم ”u“ من الجنة مع كونه صفوة الله بالحسد, فلا تحسدوا فتحبط أعمالكم وتزل أقدامكم).
وزعم هذا الرافضي أن رسول الله r قال: إنها نزلت في علي. وحاول أن يموه ويخدع القراء فينسب هذا الافتراء لمحمد بن جرير الطبري السني, وهو محمد بن جرير الطبري الرافضي، إن صحت النسبة إليه، فالرجل افترى على الله وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين([1436]).
وهكذا يثبت الرجل ما ينفيه([1437])، والمسألة لا تحتاج لإثباته أو نفيه, فهي قد سودت صفحات كتب الشيعة الأساسية، وأقر كبار علمائهم بأنها مستفيضة ومتواترة فيها، وأصبحت مذهباً لطائفة منهم... لكن أسلوب هذا الرجل يتفق مع ما ذكروه من أن المسائل التي أجمع المسلمون عليها يجب إظهار الموافقة لهم فيها وتقيتهم بها.
وإلى هذا يشير الطوسي – وهو يرد حديثين عندهم وردا بتحريم الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها – عـلى أن الخبرين يحتملان شيئاً آخر؛
وهو أن نحملهما على ضرب من التقية, لأن جميع العامة ”أهل السنة“ يخالفوننا في ذلك, (لأن مذهب الشيعة يبيح الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها) ويدعون – أي أهل السنّة – أن هذه مسألة إجماع, وما هذا حكمه تجري فيه التقية.
فالطوسي هنا يكشف أمراً خطيراً، ومبدأ في غاية الفساد وهو أن مسائل الإجماع عند المسلمين تجري فيها التقية عند الشيعة, فهل نثق بعد هذا في موافقة الشيعة لجمهور المسلمين؟ وهذا كلام إمامهم الطوسي صاحب كتابين من كتبهم الأربعة في الحديث وكتابين من كتبهم الأربعة في الرجال ومن يسمونه بـ ”شيخ الطائفة على الإطلاق“.
وقد مر بنا في مبحث ”قول الشيعة بتحريف القرآن“ أنهم ألفوا في إثبات هذا الاعتقاد كتباً مستقلة آخرها كتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» لحسين النوري الطبرسي (1320هـ), وقلنا: إن مؤلف هذا الكتاب يحظى بثقة الشيعة، وهذا الكتاب – كما سبق – يعتبر من أكبر فضائح الشيعة, لأن مؤلفه جمع أحاديثهم وأقوال علمائهم في الطعن في كتاب الله سبحانه إلخ. وكنا ننتظر من دعاة التقريب من الشيعة موقفاً جاداً وحازماً إزاء هذا الكتاب ومؤلفه, لكننا وجدناهم يحاولون خداع الناس والتستر على الباطل، وحماية عرض هذا الرجل الذي يريد هدم الإسلام بالطعن في ركنه وعموده وهو القرآن الكريم.
 
فهذا ”لطف الله الصافي“ من علماء الشيعة في إيران، وممن يتظاهر بالحماس لفكرة التقريب، ووحدة المسلمين([1438])، يحاول أن يخدع المسلمين ويغرر بهم ويدافع بالكذب عن ذلك ”الرجل“ فيقول: إن المحدث النوري – يعني صاحب فصل الخطاب – لم ينكر ما قام عليه الإجماع واتفاق المسلمين من عدم الزيادة ولم يقل: إن القرآن قد زيد فيه, بل صرح في ص 23 بامتناع زيادة السورة أو تبديلها, فقال: (هما منتفيان بالإجماع وليس في الأخبار ما يدل على وقوعهما, بل فيها ما ينفيهما) – كما يأتي – وقد اعترف المحدث المذكور بخطئه في تسمية هذا الكتاب, كما حكى عنه تلميذه الشهير وخريج مدرسته العالم الثقة الثبت الشيخ أغابزرك الطهراني ـ مؤلف «الذريعة» و«أعلام الشيعة» وغيرهما من الكتب القيمة ـ فقال في ذيل ص 550 من الجزء الأول من القسم الثاني من كتابه «أعلام الشيعة»: (ذكرنا في حرف الفاء من «الذريعة» عند ذكرنا لهذا الكتاب مرام شيخنا النوري في تأليفه «فصل الخطاب», وذلك حسبما شافهنا به وسمعنا من لسانه في أواخر أيامه فإنه كان يقول: أخطأت في تسمية الكتاب، وكان الأجدر أن يسمى بـ«فصل الخطاب في عدم تحريف الكتاب», لأني أثبت فيه أن كتاب الإسلام ”القرآن الكريم“ الموجود بين الدفتين المنتشر في أقطار العـالم وحي إلهي بجميع سوره وآيـاته وجملـه لم يطرأ عليه تغيير أو تبديـل ولا

زيادة ولا نقصان من لدن جمعه حتى اليوم)([1439]) هذا ما يقولونه, وبالرجوع إلى كتاب «فصل الخطاب»([1440]) لمعرفة ”الحقيقة“ نجد أن المؤلف كشف عن غرضه الخبيث في مقدمة كتابه حيث يقول فيها: (هذا كتاب.. عملته في إثبات تحريف القرآن وفضائح أهل الجور والعدوان وسميته: «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب»)([1441]).
أما صفحات الكتاب فتشتمل على ثلاث مقدمات وبابين:
المقدمة الأولى: في الأخبار الواردة عن الشيعة في جمع القرآن وجامعه وسبب جمعه وكونه – كما يعتقد هذا المجوسي – في معرض النقص بالنظر إلى كيفية الجمع, وبأن تأليفه يخالف تأليف المؤلفين. ص 2- 24.
المقدمة الثانية: في أقسام التغيير الممكن حصوله في القرآن والممتنع دخوله فيه. ص 24- 26 – كما يزعم-.
المقدمة الثالثة: في ذكر أقوال علماء الشيعة في تغيير القرآن وعدمه. ص 26- 36.
الباب الأول: أدلة هذا المجوسي وأهل ملته على وقوع التغيير والنقص في القرآن. ص 36- 360.
الباب الثاني: في ذكر أدلة القائلين بعدم تطرق التغيير وجواب هذا المجوسي عنها. ص 360- 398.
وقد طبع الكتاب على الحجر في إيران سنة 1298هـ وعليه خاتم الدولة الإيرانية الرسمي, وقد استبشر به ”أعداء الإسلام“ فترجمه المبشرون إلى لغاتهم ونشروه كما ذكر ذلك بعض الشيعة([1442]).
فمادة هذا الكتاب كلها محاولة يائسة للنيل من كتاب الله العظيم, فكيف يقال بعد هذا: إن المؤلف أخطأ فقط في عنوان الكتاب؟ وقوله: إن النوري الطبرسي نفى زيادة السورة أو تبديلها وقال: هما منتفيان بالإجماع, فهذه حقيقة ولكن لماذا لم يكمل ”الصافي“ ما في الصفحة نفسها والتي تليها؟ فقد قال ”النوري الطبرسي“ وهو يذكر صور التغيير في القرآن – كما يزعم-: (الأولى: زيادة السورة ولا ريب في امتناعها.. الثانية: تبديل السورة وهي كالأولى.. الثالثة: نقصان السورة وهو جائز كسورة الحفد وسورة الخلع وسورة الولاية). ثم استمر يعدد صور التغيير بزعمه فقال: (نقصان الآية وهو غير ممتنع ومثاله: والعصر إن الإنسان لفي خسر وأنه فيه إلى آخر الدهر، زيادة الكلمة كزيادة «عن» في قوله تعالى: يسألونك عن الأنفال، ونقصانها كـ ”في علي“؟ في مواضع كثيرة، وتبديل الكلمة كتبديل آل محمد بعد قوله: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم) بآل عمران.. نقصان الحرف كنقصان همزة من قوله تعالى: كنتم خير أمة – يريدها خير أئمة – و«يا» في قوله تعالى: يا ليتني كنت تراباً – يريدها ترابياً حتى تكون إشارة لعلي لأن لقبه أبو تراب).. إلخ الصور التي ذكرهـا, وكلها طعن في كتاب الله([1443]). وقـد اعترف بعض علماء الشيعة بـأن هذا

الطبرسي تجرأ جرأة عظيمة على الإصرار على تحريف كتاب الله([1444]).
فلماذا هذا التستر على الباطل والدفاع الكاذب من رجال يعدهم الشيعة من كبار علمائهم المعاصرين؟، هل يظنون أن هذا الكذب سيخدعون به جميع الناس؟ وهل يتصورون أنهم بهذا الأسلوب يتمكنون من إخفاء حقيقة كتاب مطبوع؟، فهم بهذا المنهج كالنعامة التي تدفن رأسها بالرمال وتظن أن الناس لا يرونها.
أليس في هذا الأسلوب نزع لثقة الناس بما يقولونه بشكل مطلق؟! ومن العجب أن ينال هؤلاء «الرجال» ثقة بني قومهم وهم على هذا المستوى من الكذب. أم أن هذا مفخرة لهم لأنهم فعلوا تسعة أعشار الدين وهو التقية؟ نحمد الله على نعمة العقل والدين.
إن لبعض الشيعة «أساليبهم» في المكر والخداع. فهؤلاء الثلاثة بهذا الدفاع إنما يعنون شيئاً آخر لا يفطن له من لم يقرأ في كتب الشيعة، ويتعرف على مكائدهم، إنهم يعنون بهذا الدفاع القرآن المزعوم عند إمامهم المنتظر, والدليل على ذلك في تكملة الكلام السابق – الذي ذكره لطف الله الصافي عن أقابزرك الطهراني, والذي يرويه عن شيخه صاحب فصل الخطاب – وهو قوله بعد ذلك الكلام السابق مباشرة: (وقد وصل إلينا المجموع الأوّلي بالتواتر القطعي ولا شك لأحـد مـن الإمـاميـة فيـه.. كـما أني أهمـلت التـصريح بـمـرامـي في

مواضع متعددة من الكتاب حتى لا تسدد نحوي سهام العتاب والملامة, بل صرحت غفلة بخلافه، وإنما اكتفيت بالتلميح إلى مرامي ص 22، إذ المهم حصول اليقين بعدم وجود بقية للمجموع بين الدفتين كما نقلنا هذا العنوان عن الشيخ المفيد ص 26).
ففي قوله: (وقد وصل إلينا المجموع الأولي.. ولا شك لأحد من الإمامية فيه) إشارة واضحة إلى قرآنهم المزعوم فهو يقول: (وصل إلينا المجموع الأولي) فهو وصل إليهم خاصة، وهو المجموع الأولي، وحتى يؤكد أن المراد هو ما عند منتظرهم قال: (ولا شك لأحد من الإمامية فيه).. فمن الثابت أن طائفة من الشيعة: كالكليني، والقمي، والطبرسي، والمجلسي وغيرهم لا يشكون بل يؤكدون تلك المقولة الخبيثة في كتاب الله, ويزعمون أن القرآن الكامل هو عند مهديهم – كما سبق – ولكن الذي لا شك لأحد من الإمامية فيه هو ما عند منتظرهم وانظر إلى قوله: (كما أني أهملت التصريح بمرامي حتى لا تسدد نحوي سهام العتاب والملامة), ما هو مرامه الذي أهمل التصريح به؟ إذا كان مرامه إثبات أن القرآن محفوظ فهذا إجماع المسلمين وهذا ينجيه من الملامة فلماذا يهمل التصريح به؟، وقوله: (بل صرحت غفلة بخلافه) كيف نفسر هذه الكلمات البلهاء إذا كان القصد أنه صرح بحفظ كتاب الله على غفلة؟ فلم يكون التصريح بهذا الأمر المجمع عليه عند المسلمين على غفلة؟ وكيف يفطن القارئ لهذه الغفلة إلا إذا كان يخاف من طائفته؟ ولكن واقع كتابه غير ذلك، ولا شك أن هذا كلام ساقط لا يستحق المناقشة ولكن لأنه صادر من كبارهم عرضناه ليقف القارئ عليه.
ومن الأمثلـة لنفيهـم المطلـق لمـا هو واقع في كتبهم: ”في مسألة تحريف
القرآن» أن محب الدين الخطيب ذكر أن الطبرسي في فصل الخطاب في الصفحة 180 ذكر سورة ”الولاية“ التي تزعم الشيعة أنها سقطت من القرآن([1445]) فيرد عليه عالم الشيعة الصافي بقوله: (فانظر ما في كلامه من الكذب الفاحش والافتراء البيّن, ليس في فصل الخطاب لا في ص 180 ولا في غيرها من أول الكتاب إلى آخره ذكر من هذه السورة المكذوبة على الله تعالى)([1446]). ا.هـ.
والواقع أن الكاذب هو ”لطف الله الصافي“ فسورة الولاية أشار إليها الطبرسي في «فصل الخطاب» ص 23، ونقلها بكمالها في ص 180 وسيرى القارئ صورة لهذه.. السورة المزعومة من كتاب «فصل الخطاب» في ”الوثائق“, فهل يجهل هذا لطف الله الصافي وقد رجع إلى الصفحة نفسها التي تضمنت الإشارة إلى السورة المزعومة؟ فماذا يجدي مثل هذا الدفاع الكاذب؟
ومن الأمثلة على نفيهم التحريف عن القرآن ـ ويعنون به القرآن الذي يزعمون أنه عند منتظرهم ـ ما يقوله عبد الحسين شرف الدين الموسوي([1447]) ونصه: (نسب إلى الشيعة القول بالتحريف بإسقاط كلمات وآيات، فأقول نعوذ بالله من هذا القول ونبرأ إلى الله من هذا الجهل وكل من نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا أو مفتر علينا, فإن القرآن الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكـلماته)([1448]) تـأمل قـولـه: (فـإن القرآن الحكيم متـواتـر من طرقنا بجميع آياته
 
وكلماته)، ماذا يعني بالقرآن المتواتر من طرقهم؟ هل هو القرآن الذي بين أيدينا؟ أم القرآن الغائب كما يدعون؟!. إن تخصيصه بأنه متواتر من طرقهم إشارة للمعنى الأخير. فالقرآن العظيم كان من أسباب حفظه تلك العناية التي بذلها عظيما الإسلام أبو بكر وعمر وأتمها أخوهما ذو النورين عثمان بن عفان في جمعه وتوحيد رسمه.. تحقيقاً لوعده U: ]إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون[ ومعتقد الشيعة في هؤلاء الثلاثة معروف. فهذا القرآن إذن غير متواتر من طرقهم.
هذه الصور التي نقلناها كلها تندرج تحت محور الإنكار لما هو واقع موجود, ويستحلون ذلك باسم التقية, فأي ثقة بشيوخ هذا مسلكهم؟ وكيف يطمئن مسلم إلى دين قائم على الخداع والكذب؟ وكيف يمكن التفاهم مع شيوخ مردوا على الدجل والتزييف؟
المحور الثاني ومناقشته:
المحور الثاني هو الاعتراف بأن هناك بعض الروايات في تحريف القرآن ولكنها عندهم شاذة ومخالفة للإجماع.
يقول محمد حسين آل كاشف الغطا ـ وهو مرجع الشيعة بين سنة 1965 – 1973م ـ: (وأن الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه للإعجاز والتحدي، ولتعليم الأحكام، وتمييز الحلال والحرام، وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة, وعلى هذا إجماعهم.. والأخبار الواردة من طرقنا أو طرقهم الظاهرة في نقصه أو تحريفه ضعيفة شاذة وأخبار آحاد لا تفيد
 
علماً ولا عملاً, فإما أن تؤول بنحو من الاعتبار أو يضرب بها الجدار)([1449]).
مناقشة هذا القول:
هذا المعنى قاله قبله.. الطوسي، والطبرسي، والمرتضي وغيرهم من علماء الشيعة السابقين وتابعهم عليه بعض المعاصرين([1450]) من الشيعة, لكن يرد عليه أن الأمر ليس مجرد روايات ضعيفة شاذة، بل هو مذهب لكبار علماء الشيعة، زعموا تواتره واستفاضته, ومنهم من زعم اتفاقهم عليه كما سبق, فلماذا التستر على هؤلاء, والزعم بأنها روايات ضعيفة مشتركة بين الطائفتين؟ ولماذا يُقَدس أصحاب هذه ”المقولة“ وتصبح كتبهم مصادر معتمدة في الحديث عندهم كالكليني والمجلسي والطبرسي؟.
ومع ذلك نقول: إن هذا الحكم من كبير علماء الشيعة على تلك الروايات بالشذوذ ـ وهي كما سبق([1451]) قد بلغت بشهادة علمائهم حد الاستفاضة والتواتر من طرقهم ـ هذا الحكم إن كان بصدق ينبغي أن يكون دافعاً للحكم على عقائد الشيعة الأخرى التي انفصلت بها عن المسلمين, كما ينبغي أن تكون منطلقاً لنقد أسانيد رواياتهم؛ فمن روى مثل تلك الروايات لا ينبغي أن يوثق به كالكليني وغيره. هذه هي النتيجة العملية لحكم آل كاشف الغطا إن كان صادقاً, وإلا فإن المسألة تبقى مجرد دفاع عن المذهب مبرقعاً بالتقية.

المحور الثالث:
وهو الاعتراف بأن هناك روايات في هذا كالروايات التي تزعم حذف أسماء الأئمة ونحو ذلك ولكن هذه من قبيل التفسير وليست من القرآن. يقول محمد حسين الطباطبائي: (المراد في كثير من روايات التحريف من قولهم عليهم السلام كذا نزل هو التفسير بحسب التنزيل في مقابل البطن والتأويل)([1452]).
المناقشة:
هذا الرأي عند تطبيقه على روايات الشيعة نراه لا يتلاءم مع كثير من تلك الروايات, فقد ورد في رواياتهم ”المفتراة“ أن القرآن العظيم قد شابه تغيير في ألفاظه وكلماته, مثل ما يروونه عن علي t زوراً وبهتاناً أنه قال: (وأما ما حُرّف من كتاب الله فقوله: (كنتم خير ”أئمة“ أخرجت للناس).. فخرفت إلى خير أمة, ومنهم الزناة واللاّطة والسراق وقطاع الطريق والظلمة وشراب الخمر والمضيعون لفرائض الله تعالى والعادلون عن حدوده, أفترى الله تعالى مدح من هذه صفته؟)([1453]).
ومنه قوله تعالى في سورة النحل: (أن تكون أمة هي أربى من أئمة) فجعلوها أمة.. وقوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أئمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) ومعنى وسطاً بين الرسول وبين الناس, فحرفوها وجعلوها أمة.
 
 
ومثله في سورة عم: (ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابياً) فحرفوها وقالوا: تراباً, وذلك أن الرسول r كان يكثر من مخاطبتي بأبي تراب ومثل هذا كثير([1454]). فهل هذه الرواية - وأمثالها كثير – تنسجم مع تأويلهم بها بأنها من قبيل التفسير؟ لا شك أن هذا مخرج غير سليم, والموقف الصحيح هو ردها ورد مرويات من اعتقدها..
المحور الرابع:
وهو الاعتراف بأن هناك روايات وكتب للشيعة في إثبات تحريف القرآن, ولكن المقصود بالتحريف هنا.. النقص..!!!
يقول شيخهم – المعاصر – أغابزرك الطهراني في كتابه «الذريعة» إلى تصانيف الشيعة ـ بعد ذكره لما ألفه الشيعة من مؤلفات لتأييد هذه الفرية ـ يقول: (.. وتحرير هذا البحث على ما ذكره السيد المفيد قدس سره هو أنه هل لهذا القرآن ـ الذي هو كتاب الإسلام وهو الموجود بين الدفتين ـ بقية؟ أم ليست له بقية؟ فالنفي والإثبات متوجهان إلى البقية التي هي غير القرآن الموجود بين الدفتين,  أم لم ينزل شيء آخر غير ما بينهما؟ فمحل هذا الخلاف إنزال وحي آخر وعدمه, لكن عبروا قديماً عن الإنزال وعدمه بالتحريف وعدمه من باب التعبير عن الشيء بلوازمه, فإن لازم نزول وحي لم يوجد فيما بين أيدينا أن يكون ذلك المنزل متروكاً ومحذوفاً ومسقطاً ومنقصاً, واللفظ الكاشف بمعناه اللغوي عن جميع تلك اللوازم هو التحريف.. فعدلوا عن دعـوى ثبوت الإنـزال وعدمه إلى دعوى تحقق التحريف، أي الأخـذ بالجـانب
 
وعدمه، ثم قـال: فظهر أن عنوان البحث قديماً بتحريف الكتاب بغير بيان لم يقع في محله, وكان الأولى أن يُعَنْوَن المبحث بتنقيص الوحي، أو يصرح بنزول وحي آخر وعدمه حتى لا يتمكن الكفار من التمويه على ضعفاء العقول بأن في كتاب الإسلام تحريفاً باعتراف طائفة من المسلمين)([1455]).
المناقشة:
هذا هو دفاع عالم الشيعة عن كتاب الله سبحانه وهو تأكيد ”التحريف“ والطعن في كتاب الله بما يشبه الدفاع. ]كبرت كلمة تخرج من أفواههم[, ولا يستغرب الشيء من معدنه فهذا الطهراني: هو تلميذ صاحب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» وهو الذي أراد خداع جمهور المسلمين بزعمه أن مؤلف «فصل الخطاب» شافهه بأنه أراد الدفاع عن القرآن وإنما أخطأ في العنوان، فهو يحاول أن يتستر على معتقد شيخه الباطل بأساليب من المكر والمراوغة, وها هو ذا ينكشف بهذا ”الدفاع“, فهو يزعم أن للقرآن بقية، وأن للوحي الإلهي تكملة وأن الأولى أن يعنون بدل التحريف بعنوان ”نقص القرآن“ أو نزول وحي آخر – ويزعم أن في هذا دفاعاً عن القرآن أمام الأعداء، هذا هو مبلغ دفاعه عن القرآن والإسلام. سبحانك هذا بهتان عظيم, أما مسألة دعواهم نزول وحي آخر فلهم فيها مزاعم كثيرة كما رأينا ذلك في مبحث ”دعواهم تنزل كتب إلهية بعد القرآن“.

المحور الخامس:
وهو أنهم يقولون بأن هذا القرآن محفوظ لكن لدينا قرآناً آخر عند إمامنا المنتظر..
وفي كتاب «البيان» للخوئي أن هذا المعنى متفق عليه بينهم([1456]) وفي كتاب «الإسلام على ضوء التشيع» لمن يلقبونه بالحجة آية الله العظمى الإمام الخراساني.. نجد هذا القول: (نحن معاشر الشيعة نعتقد بأن هذا القرآن الذي بأيدينا الجامع بين الدفتين – كذا يعني المجموع – هو الذي أنزله الله تعالى على قلب خاتم الأنبياء r من غير أن يدخله شيء بالنقص أو بالزيادة, كيف وقد كفّل – كذا – الشارع بنفسه تعالى من كل شين: ]إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون[؟.
على أننا معاشر الشيعة ”الاثني عشرية“ نعترف بأن هناك قرآناً كتبه الإمام علي u بيده الشريفة، بعد أن فرغ من كفن رسول الله r وتنفيذ وصاياه، فجاء به إلى المسجد النبوي فنبذه الفاروق عمر بن الخطاب قائلاً للمسلمين: حسبنا كتاب الله وعندكم القرآن، فرده الإمام علي إلى بيته, ولم يزل كل إمام يحتفظ عليه كوديعة إلهية إلى أن ظل محفوظاً عند الإمام المهدي القائم المنتظر, عجل الله تعالى فرجنا بظهوره)([1457]).

المناقشة:
هذه دعوى ”وجود“ قرآن آخر غير كتاب الله، وهو وديعة إلهية – كما يدعي – وقد رده عمر.
ما الحاجة لوجود قرآن والله يقول: ]اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكن الإسلام ديناً[([1458])؟!.
ولِمَ تبق هذه الوديعة هذه الآماد من السنين عند منتظرهم والناس في حاجة إليها؟
إن مسألة وجود قرآن آخر، ومسألة الطعن في كتاب الله سبحانه هما في كتب الشيعة الأساسية مسألة واحدة وقضية واحدة لا تنفصل إحداهما عن الأخرى. فهم يطعنون في القرآن ويزعمون أن القرآن الكامل عند مهديهم المنتظر, وذلك بعد أن قام عمر برده وقال: لا حاجة لنا فيه. كما في كتابهم «الاحتجاج» للطبرسي وغيره على ما سبق بيانه. فهذا ”الشيعي“ ومن على منهجه أراد أن يتدرج بالقارئ المسلم لإقناعه بهذه الفرية بإظهاره على أحد وجوهها، ثم هذه الدعوى لا بقاء لمذهبهم إلا بها, لأن دينهم قام على مسألة إمامة الاثني, عشر وهؤلاء ليس لهم ذكر في كتاب الله فاضطروا إلى الالتجاء لهذه المقولة الشنيعة وتخبطوا في ذلك أيما تخبط.
المحور السادس:
إنهم يقولـون: كنـا نقول بالتحريف ثم عدلنـا عـن ذلـك بعد الدراسة والتمحيص، وهذا الرأي لم أجده إلا في كتاب «الشيعة والسنة في الميزان»([1459]) حيث يقول: (الفرق بيننا غيرنا أنا لم نقل بعدم التحريف إلا بعد دراسة وتمحيص, ولذلك وقع بعض علمائنا المتقدمين بالاشتباه فقالوا بالتحريف, ولهم عذرهم كما أن لهم اجتهادهم وإن أخطأوا بالرأي, غير أنا حينما فحصنا ذلك ثبت لنا عدم التحريف فقلنا به وأجمعنا عليه)([1460]).
المناقشة:
هذا رأي انفرد به صاحب الشيعة والسنّة.. وليس له في كتب الشيعة شاهد ولا أثر، ويبدو أنه اضطر إلى القول به لمحاولة الرد على الشواهد الكثيرة التي جاء بها إحسان إلهي ظهير... وقوله بأنهم رجعوا عن هذا الافتراء بأجمعهم منقوض بصنيع عالمهم المعاصر حسين النوري الطبرسي ـ وهو صاحب أحد مراجعهم في الحديث, وقد ألف كتابه «فصل الخطاب» لإثبات هذه الفرية كما تقدم ـ، وهو منقوض أيضاً بكتاب «تحريف القرآن» لسيدهم راحت حسين المعاصر المولود سنة 1297هـ وقد كتبه بالأردية([1461]), وكذلك «تحريف القرآن» لسيدهم علي نقي ابن السيد أبي الحسن النقوي اللكهنوي – المعاصر – المولود سنة 1323 هـ وهو بالأردية أيضاً([1462]), وهو معارض أيضاً بما قدمناه عن أغـابزرك الـطهراني والأميني النـجفي وغيرهمـا, ثم لِمَ يقال في ”أمر“ أجمع عليه

المسلمون ـ وهو حفظ كتاب الله ـ أن من خالفهم فيه له عذره واجتهاده؟ وهل هي مسألة اجتهادية، وهل فيها عذر وتأويل سائغ؟!
وإنه ليسر المسلم أن يرجعوا عن هذا المذهب الفاسد.. ولكن لِمَ هذا التعصب الأعمى والزعم بأن الجميع قد رجعوا عن مقالتهم؟ ولِمَ التأول والاعتذار عمن هذا مذهبه ومقاله؟
وعلام تلك الثقة بفئة هذا معتقدها في كتاب الله سبحانه؟ لم لا يكون هناك صدق في القول، ومصارحة بالحقيقة, وتميز في الاعتقاد والقول والعمل؟ وإلا فإن سحابة من الشك ستلون هذا الموقف. وعسى الله سبحانه أن يبصر المخلصين ويهدي الحائرين، ويبيد المنافقين الذين يسعون في الأرض فساداً ويخادعون عباد الله المؤمنين.
إن صدق الموقف في هذه المسألة يقتضي البراءة من معتقديها وكتبهم كالكليني وكتابه «الكافي»، والمجلسي وكتابه «البحار»، والقمي وتفسيره، وغيرهم من علمائهم الكبار – عندهم – الذين يأخذون منهم دينهم ويقتدون بهم، ويثقون بكتبهم ويقدسونها.
المحور السابع:
إن القول بالتحريف هو قول طائفة من الشيعة يسمون بالإخباريين أو أهل الحديث, وهم الذين يقبلون كل ما جاء عن طريق ”المعصومين“ بلا تمحيص أو تمييز، أما الطائفة الأخرى وهم ”الأصوليون“، والذين يميزون بين الأحاديث صحة وضعفاً فهم ينكرون التحريف ويؤولون تلك الأخبار أو يردونها.
يقول شيخهم جعفر النجفي([1463]): (وصدرت منهم – يعني من الإخباريين – أحكام غريبة، وأقوال منكرة عجيبة, منها قولهم بنقص القرآن مستندين إلى روايات تقضي البديهة بتأويلها وطرحها, وفي بعضها نقص ثلث القرآن أو ربعه ونقص أربعين اسماً من سورة تبت منها أسماء جماعة من المنافقين, وفي ذلك منافاة لبديهة العقل, لأنه لو كان ذلك.. لقامت الحرب على ساق وكان في ابتداء الإسلام من الفتن ما كان في الختام, ثم لو كان حقّاً لتواتر نقله وعرفه جميع الخلق, لأنهم كانوا يضبطون آياته وحروفه وكلماته تمام الضبط, فكيف يغفلون عن مثل ذلك؟، ولعرف بين الكفار وعَدّوه من أعظم معايب الإسلام والمسلمين..)([1464]).
هذا قول كبير شيوخ الشيعة المتأخرين، واحتج بقوله هذا بعض شيوخ الشيعة المعاصرين([1465]).
المناقشة:
هذا ”الرأي“ قال به بعض علماء الشيعة السابقين وهو السيد ”المرتضي“ حيث قــال: (من خالف في ذلك – أي في حـفظ كتاب الله – من الإمامية.. لا
يعتد بخلافهم, فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث – من الشيعة – نقلوا أخباراً ضعيفة وظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته)([1466]).
ولما قال ابن حزم: إن من قول الإمامية قديماً وحديثاً أن القرآن مبدل... استثنى السيد المرتضي من هذا القول([1467]).
ويلاحظ أن ”المرتضي“ حكم على تلك الأخبار بالضعف وعدم القبول, لكن عالم الشيعة المعاصر جعفر النجفي.. سلك في تلك الأخبار مسلك التأويل, فقد قال بعد ذلك الكلام السابق الذي نقلناه: (فلا بد من تنزيل تلك الأخبار إما على النقص من الكلمات المخلوقة([1468]) قبل النزول إلى السماء الدنيا أو بعد النزول إليها قبل النزول إلى الأرض، أو على نقص المعنى في تفسيره، والذي يقوي في نظر القاصر التنزيل على أن النقص بعد النزول إلى الأرض فيكون القرآن قسمين: قسم قرأه النبي صلى الله عليه وآله على الناس وكتبوه وظهر بينهم وقام به الإعجـاز، وقسم أخفـاه ولم يظهر عليه أحد سوى أمـير المؤمنين u ثم منـه إلى باقي الأئمة الطاهرين, وهو الآن محفوظ عند صاحب الزمان جعلت فداه)([1469]).
ولا شك أن مسلك المرتضي مسلك سليم إن لم يكن ذلك منه تقية, فقد نقل عنه بعض علماء الشيعة ما يمس كتاب الله – كما مر – والله يتولى السرائر, على أن من الإنصاف أن نقول: إن ذلك الناقل عنه متهم في نقله لأن هدفه إثبات تلك الفرية وهو رافضي لا يعوزه الكذب، أما رأي جعفر النجفي فهو رأي من الخطورة بمكان وهو عين رأي ”السبئية“ كما نقله عنها ”الحسن ابن محمد بن الحنفية“ وهو قولهم: (هدينا لوحي ضل عنه الناس، وعلى خفي), ويزعمون أن نبي الله كتم تسعة أعشار القرآن([1470])، والخطورة الكبرى في هذا الرأي أنه صادر من مرجع من كبار مراجعهم ومن يأخذ برأيه الملايين.
وإذا كان هذا هو رأي أحد كبار علماء الشيعة فكيف يمكن أن نرد مسائل النزاع إلى كتاب الله، وهم يحتجون بنصوص يزعمون أنها من ذلك القرآن المستودع عند علي t والمكتوم عن الأمة؟!!
وهذه المقولة من كبير من كبار الروافض طعن في كتاب الله، وفي رسوله r، وفي علي t، ذلك أنه يترتب على ذلك الرأي أن كتاب الله ناقص، وأن رسول الله r المأمور بالبلاغ الكامل لأمته قد كتم عن أمته قسماً من الوحي الإلهي.
وهو طعن في علي t بأن عنده علماً كتمه عن الناس، وتكذيب له t في نفيه ذلك قاطعاً([1471]).
 
 
المحور الثامن والأخير:
هو موقف مرجع الشيعة ”الحالي“ من هذه القضية:
أكبر مرجع للشيعة في العصر الحاضر هو ”الخوئي“, خص هذه المسألة بحديث طويل في كتابه «البيان» وخلاصة رأيه في هذه الفرية ما يلي:
أن المشهور بين علماء الشيعة ومحققيهم, بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف([1472])، لكنه يعترف بوجود روايات التحريف في كتب الشيعة, بل يقطع بصحة بعضها فيقول: (إن كثرة الروايات تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين عليهم السلام, ولا أقل من الاطمئنان بذلك وفيها ما روي بطريق معتبر)([1473])!!
ثم يقسم روايات الشيعة في هذا الباب إلى أقسام:
أولاً: رواياتهم التي تقول بوجود مصحف لعلي غير المصحف الموجود وأنه مشتمل على أبعاض ليست موجودة في القرآن الذي بأيدينا، ويقول إن رواياتهم في هذا كثيرة([1474]), ويذكر أمثلة لذلك, ومما ذكره ما يروونه عن أبي جعفر أنه قال: (ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أُنزل إلا كذاب, وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده عليهم السلام)([1475]).
وكان موقف مرجع الشيعة من هذا النوع من ”أساطيرهم“ هو: (الاعتراف بوجود هذا المصحف والتصريح بأنه مختلف عن القرآن الموجود في ترتيب السور وفي اشتماله على زيادات ليست في القرآن الذي بين أيدينا)([1476])!!
ولكنه يقول: (إنه لا دلالة في ذلك على أن هذه الزيادات كانت من القرآن وقد أُسقطت منه بالتحريف, بل الصحيح أن تلك الزيادات كانت تفسيراً بعنوان التأويل وما يؤول إليه الكلام, أو بعنوان التنزيل من الله شرحاً للمراد)([1477]).
ثانياً: رواياتهم التي دلت على التحريف بعنوانه – كما يعبر – وبلغت عندهم – على حسب اعترافه – عشرين رواية, وذكر لذلك عدة أمثلة, منها ما عن الكافي والصدوق بإسنادهما عن علي بن سويد قال: كتبت إلى أبي الحسن موسى u ـ وهو في الحبس ـ كتاباً إلى أن ذكر جوابه ”ع“ بتمامه وفيه قوله ”ع“: (أؤتمنوا على كتاب الله فحرّفوه وبدّلوه) ويجيب شيخ الشيعة عن أمثال هذه ”الأكاذيب“ بأن الأمة وعلى رأسهم الصحابة – رضوان الله عليهم – قد حملوا آيات القرآن على غير معانيها الحقيقية, ونص كلامه في هذا هو قوله: (فهي ظاهرة الدلالة على أن المراد بالتحريف حمل الآيات على غير معانيها.. ولولا هذا التحريف لم تزل حقوق العترة محفوظة، وحرمة النبي فيهم مرعية، ولما انتهى الأمر إلى ما انتهى إليه من اهتضام حقوقهم وإيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهم)([1478]).
ثالثاً: رواياتهم التي دلت على أن بعض الآيات المنزلة من القرآن قد ذكرت فيها أسماء الأئمة – عليهم السلام – وهي كثيرة كما يقول([1479]) وذكر لها أمثلة من كتبهم, ومما ذكره رواية العياشي بإسناده من الصادق ”ع“: (لو قرئ القرآن كما أنزل لألفينا مُسَمّين)([1480]).
وأجاب عن هذه الروايات بأنها من قبيل التفسير للقرآن المنزل من عند الله، وليست من القرآن نفسه, ثم قال: (وإذا لم يتم هذا الحمل فلا بد من طرح هذه الروايات)([1481]).
رابعاً: رواياتهم التي دلت على التحريف في القرآن بالنقيصة فقط.. وجوابه عنها.. أنه لا بد من حملها على ما تقدم في معنى الزيادات في مصحف أمير المؤمنين ”ع“, وإن لم يمكن الحمل في جملة منها فلا بد من طرحها, ثم ذكر أن لهذه ”الروايات“ جواباً آخر ذكر في مجلس بحثه، وضن علينا بذكره واعتذر عن ذلك بالإطالة!
وقال بأن كثيراً هذه الروايات بل أكثرها ضعيف السند. ثم نقل عن بعض علمائهم قوله: (إن نقصان الكتاب مما لا أصل له، وإلا لاشتهر وتواتر نظراً إلى العادة في الحوادث العظيمة, وهذا منها لا بل أعظمها)([1482]).
 
خامساً: أساطيرهم التي دلت على وقوع التحريف في القرآن بالزيادة والنقصان وأن الأمة بعد النبي r غيرت بعض الكلمات وجعلت مكانها كلمات أخرى. وذكر لذلك أمثلة ومما أورده عن العياشي عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبدالله ”ع“ عن قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران) قال: هو آل إبراهيم وآل محمد على العالمين فوضعوا اسماً مكان اسم. أي أنهم غيروا فجعلوا مكان آل محمد آل عمران.
وكان جوابه عن ذلك – أنها مخالفة للكتاب والسنّة، ولإجماع المسلمين على عدم الزيادة في القرآن ولا حرفاً واحداً حتى من القائلين بالتحريف([1483]).
المناقشة:
هذه ”المحاولة“ هي مجرد غطاء جميل لتحقيق هدف سيء وهو ما نرفضه الرفض كله, لأنها مؤامرة الهدف منها المساس بكتاب الله بطرق خفية ماكرة، ولذا فإنه يكون لزاماً علينا أن نكشف هذه المؤامرة، وأن نبين تلك المنكرات في ذلك الجهد المزعوم. فأول ما ننكره هو ذلك الزعم بأن لعلي قرآناً مشتملاً على زيادات ليست في كتاب الله، وتلك الدعوى الخطيرة التي فسر بها هذه الزيادات وهي أنها تفسير نزل من عند الله سبحانه، هذه دعوى باطلة ويترتب عليها آثار في قمة الخطورة فإذا فقدت المعاني الإلهية للقرآن فما فائدة الألفاظ؟ وإذا تجـرأ الصحـابـة عـلى رد التفسير فكيف يؤمنون على كتاب الله؟

ولماذا يبقى هذا التفسير عند منتظرهم والأمة في حاجة إليه؟. كما ننكر ”قولته الشنيعة“ بأن الصحابة انحرفوا في تأويل القرآن وفسروه بغير معانيه الحقيقية، وإذا كان تفسير الصحابة هو المنحرف فهل ذلك التفسير الباطني لكتاب الله والمنتشر في كتبهم الأساسية هو المعتدل؟!
ثم إن القارئ ليعجب حينما يجد هذا ”الخوئي“ يناقض نفسه بنفسه, فنراه يذهب إلى توثيق وتصحيح أسانيد وروايات تفسير شيخهم إبراهيم القمي – شيخ الكليني – كما مر([1484]) ـ وفيها روايات كثيرة في الطعن في كتاب الله سبحانه ـ مع أنه هنا ينكر التحريف ويحكم بطرح ما لا يمكن تأويله من رواياته فكيف نفسر هذا ”التناقض“؟.
ومرجع الشيعة ـ وهو يزعم أنه يدافع عن القرآن وينكر فرية التحريف ـ له ”كلمات“ و”دعاوى“ غريبة تجعل القارئ يتشكك في صدقه في الدفاع, فمن تلك الدعاوى قوله:
(إن القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف, وعليه فاشتهار القول بوقوع النسخ في التلاوة عند علماء أهل السنّة يستلزم – في زعمه – اشتهار القول بالتحريف)([1485]) وقال: (إن الالتزام بصحة هذه الروايات – يعني روايات نسخ التلاوة – التزام بوقوع التحريف في القرآن)([1486]) وقال: (.. فيمكن أن يدعي أن القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنّة لأنهم يقولون بجواز نسخ التلاوة)([1487]).
وهذه ”الدعوى“ من مرجع الشيعة هي إحدى ”حجج“ الذين يطعنون في كتاب الله([1488]), وهو يزعم أنه يدافع عن القرآن وحجتهم واهية، فالنسخ – كما سبق – ورد وقوعه بروايات صحيحة، والفرق واضح بين النسخ والتحريف, فالتحريف من صنع البشر، وقد ذم الله فاعله، والنسخ من الله ]ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها..[([1489]) وهو لا يستلزم مس كتاب الله سبحانه بأي حال, والشيعة يقرون به كما سبق نقل ذلك عن شيخهم الطبرسي([1490]) وكذلك أقر به شيخهم ”المرتضي“, لكن هذا الرجل فيما يظهر من فلتات قلمه يحاول أن يتدسس بهذه العقيدة ”الخبيثة الملحدة“ إلى المسلمين تحت غطاء الدفاع عن القرآن, ولهذا يلاحظ أن شيخ الشيعة ”المرتضي“ لما كان ينكر التحريف – وهو الذي استثناه ابن حزم من جمهور الإمامية القائلين بهذه الفرية – رأيناه يقر بنسخ التلاوة, ففي كتابه «الذريعة» قال: (فصل في جواز نسخ الحكم دون التلاوة ونسخ التلاوة دونه)([1491]) ثم تكلم عن ذلك.
(2) في انحرافهم في تفسير القرآن:
مر بنـا في بيان أسس الخلاف بين السنّة والشيعة تصوير لما عليه الشيعة
من تعسف ظاهر، وشطط بالغ في تأويل آيات القرآن([1492]). ولا شك أن ذلك ”التأويل“ الذي سلكوه في تفسير كتاب الله عقبة في طريق التفاهم والوصول إلى لقاء؛ إذ كيف يمكن أن نرد ”النزاع“ إلى كتاب الله وهم جعلوا من تأويلهم له كتاباً آخر غير ما في أيدي المسلمين؟!! فماذا يقول دعاة التقارب والمدافعون عن التشيع في ذلك؟
إليك آراء بعض علمائهم المعاصرين في هذا الأمر:
(أ) رأي مرجع الشيعة «الخوئي»:
يعقد الخوئي في كتابه «البيان في تفسير القرآن» مبحثاً عنوانه: (حجية ظواهر القرآن)([1493]) يؤكد فيه على أنه لا بد من العمل بظواهر القرآن, فهل معنى هذا أن ”الخوئي“ يرفض ذلك التفسير الباطني الموجود في أكثر كتب التفسير عندهم؟. إنا نراه وهو يدّعي هذا القول يذهب إلى توثيق أسانيد القمي في تفسيره وصحة أحاديثه([1494]), وتفسير القمي قد بلغ الغاية في التأويلات الباطنية لآيات القرآن، وليس ذلك فحسب بل إنه ذهب إلى حمل ما ورد من ”طرقهم“ من روايات تقول بأن الصحابة حرفوا كتاب الله على أن المراد بها أن الصحابة قد فسروا آيات القرآن على غير معانيها الحقيقية([1495])، وكان الأحرى به لو كان صادقاً في الدفاع عن ”قدسية القرآن“ أن يرد تلك الروايات لا أن يحملها هذا المحمل الذي يكرس به ذلك التفسير الباطني في كتبهم، ويلغي به هداية القرآن بين شيعته.
ولعل القارئ يتساءل كيف يطعن الخوئي في تفسير الصحابة لكتاب الله ويوثق روايات القمي, وهو يزعم أنه يعمل بالظواهر؟ وجواب هذا التساؤل عند أصحاب التقية.
ثم إن هذا ”الخوئي“ وقف من رواياتهم التي تسند علم هذا القرآن إلى أئمتهم الاثني عشر موقف الموافقة في الغالب, وإليك بعض هذه الروايات وموقف الخوئي منها:
يزعمون – في حديث لهم – أن أبا عبدالله قال لأبي حنيفة:
أنت فقيه أهل العراق؟ قال: نعم, قال: فبأي شيء تفتيهم؟ قال: بكتاب الله وسنّة نبيه، قال ”ع“: يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حق معرفته وتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: نعم, قال ”ع“: يا أبا حنيفة لقد ادعيت علماً – ويلك – ما جعل الله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين أُنزل عليهم! ويلك ما هو إلا عند الخاص من ذرية نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وما ورثك الله تعالى من كتابه حرفاً([1496]).
وفي رواية زيد الشحام، قال: دخل قتادة على أبي جعفر ”ع“ فقال له: أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال: هكذا يزعمون، فقال ”ع“: بلغني أنك تفسر القرآن, قال: نعم، إلى أن قال: يا قتادة إن كنت قد فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت, وإن كنت قد فسرته من الرجال فقد هلكت وأهلكت، يا قتادة – ويحك – إنما يعرف القرآن من خوطب به([1497]).
وكان جواب الخوئي عن الرواية الأولى: (أنهم هم المخصصون بعلم القرآن – يعني الأئمة – على واقعه وحقيقته، وليس لغيرهم في ذلك نصيب)([1498])!! وقال عن الثانية – رواية زيد الشحام -: (وأما الرواية الثانية فقد تضمنت لفظ التفسير وهو بمعنى كشف القناع, فلا يشمل الأخذ بظاهر اللفظ لأنه غير مستور ليكشف عنه القناع)([1499])، ويتبين واضحاً من توجيه الخوئي للرواية الأخيرة حقيقة مذهبه في حجية الظواهر، فهو يرى أن في القرآن ما يحتاج إلى تفسير وهذا من خصوصيات الأئمة فلا يدخل في قوله: (بالعمل بظواهر القرآن لكل أحد), وهناك نوع آخر هـو الذي لا يحتاج إلى تفسير, وهو مـا يعبر عنه الخوئي بغير المستور فلا يختص به الأئمة, وهذا هو الظاهر عنده الذي لا يحتاج إلى تفسير باطني من عند الأئمة, ولهذا قال ”الخوئي“ معقباً على روايتهم الأولى: (وإلا فكيف يعقل أن أبا حنيفة لا يعرف شيئاً من كتاب الله حتى مثل قوله تعالى: ]قل هو الله أحد[, وأمثال هذه الآية مما يكون صريحاً في معناه؟)([1500]).
ومعنى هذا أن رأيه في حجية الظواهر لا يخالف موافقته على التفسير الباطني. وما ندري ما هي تلك الآيات الظاهرة التي لا تحتاج إلى تفسير، والآيات غير الظاهرة التي تحتاج إلى تفسير باطني من عند الأئمة؟!
 
 
(ب) رأي آيتهم العظمى «عبد الحسين شرف الدين الموسوي»([1501]):
لما قال موسى جار الله: (في كتب الشيعة أبواب في آيات وسور نزلت في الأئمة والشيعة، وفي آيات وسور نزلت في كفر أبي بكر وعمر وكفر من اتبعهما والآيات تزيد على المئة بل فيها سور مستقلة.. يذكر كل ذلك أكبر إمام للشيعة في أقدس كتبها في أصول الكافي)([1502]).
أجابه هذا ”الموسوي“ بقوله:
(أما ما نزل في فضل الأئمة من أهل البيت وشيعتهم فمسلم بحكم الضرورة من علم التفسير المأثور من السنن وبحكم ما ثبت في السنّة المقدسة من أسباب النزول، وأما نزول شيء من القرآن في كفر فلان وفلان فإنه مما نبرأ إلى الله منه والبلاء فيه, إنما جاء من بعض غلاة المفوضة([1503]). وربما كان في كتبهم فرآه هذا الرجل فرمى البريء بحجر المسيء شأن الجهال بحقائق الأحوال)([1504]).
المناقشة:
يـلاحظ القارئ أن عبد الحسين، يعترف بوجود ذلك التأويل المتعسف
لكثير من آيات القرآن بالأئمة عندهم، بل يرى أن هذا مسلم عندهم بحكم الضرورة, مع أنه تأويل باطني لا تربطه بالآيات أدنى رابطة كما سبق التمثيل لذلك([1505]).
وليس غريباً إقراره بذلك, فقد خرج علينا في كتابه «المراجعات» بتأويلات في غاية الغرابة لآيات من القرآن فسرها بالأئمة الاثني عشر, مع أنها لا تحمل أية دلالة على ذلك التأويل الذي فسرها عليه، كما سيأتي بعد قليل، ولكن الغريب أن ينكر هذا الموسوي حقيقة قائمة، وواقعاً ملموساً في كتب الشيعة، يتمثل في عشرات من الروايات تفسر آيات الكفر والكفار بالشيخين رضي الله عنهما كما سلف نقل ذلك من أُمّات كتبهم المعتمدة، ويأتي هذا الموسوي ليخدع الناس، وينكر ما هو واقع، ويلصق ذلك بالمفوضة الذين لم يقل الكاتبون من الشيعة عنهم أن من مذهبهم تفسير آيات الكفار بالشيخين مطلقاً([1506])، ثم إن فرقة المفوضة اندثرت ولا توجد باعتراف شيخ الشيعة محمد حسين آل كاشف الغطا([1507]), فكيف يقول هذا الموسوي أن موسى جار الله ربما رأى ذلك في كتب المفوضة؟.
ثم إن «الكافي»، و«البحار»، و«تفسير القمي»، والعياشي، والصافي وغيرها منتشر فيها ذلك التأويل, وهي كتب الاثني عشرية بلا إشكال, بل هي المعتمدة عندهم.
ثم إن تفسير آيات الإيمان والمؤمنين.. بالأئمة وتفسير آيات الكفر والكافرين بالشيخين وأتباعهما. قضية واحدة، وكفتا ميزان لا تنفصلان في كتب الاثني عشرية بدليل أحاديثهم وأبوابهم التي ذكروها في هذا الباب, مثل:
باب: (في تأويل المؤمنين والمسلمين والإسلام بهم وبولايتهم عليهم الصلاة والسلام، والكفار والمشركين والكفر والشرك والجبت والطاغوت واللات والعزى والأصنام بأعدائهم ومخالفيهم) وفيه مائة حديث([1508]).
باب: (أنهم الأبرار والمتقون والسابقون والمقربون وشيعتهم أصحاب اليمين وأعداؤهم الفجار والأشرار وأصحاب الشمال) وفيه خمسة وثلاثون حديثاً([1509]).
باب: (أنهم الصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الطاعات وأعداؤهم الفواحش والمعاصي في بطن القرآن)([1510])، وأعداؤهم هم الشيخان ومن اتبعهم كما يتبين من خلال الأحاديث المذكورة في هذه الأبواب وقد مر ذكر بعضها([1511]).
أما لماذا فصل بينهما هذا الموسوي؟ فالجواب على ذلك أن الثناء على الشيخين محل إجماع المسلمين وتكفيرهم كفر, وما كان محل إجماع المسلمين تجري فيه التقية عندهم كما قال الطوسي، وأما تأويل آيات القرآن بالأئمة فهذا مسلك يدخله تحت غطاء ”فضل أهل البيت“ فلا يلزم استخدام التقية, لأن فضل أهل البيت محل اتفاق المسلمين، ولو قال هذا الموسوي إنني لا أقول بذلك التأويل، أو أن بعض الشيعة يرفض هذه الروايات لكان له وجه, أما أن ينكر واقعاً قائماً في كتبهم فهذا هو عين التقية([1512])، ولنا أن نسأل آيتهم العظمى عبد الحسين هل يعتبر الكليني الذي أخرج روايات كثيرة في تأويل آيات الكفر والكفار بالشيخين رضي الله عنهما ـ مع أنه التزم الصحة في كل ما يرويه ـ هل يعتبره من غلاة المفوضة؟، إن كان ذلك كذلك فهذا موقف يستحق الإشادة والتقدير، وكذلك ينسحب هذا الحكم في كل من روى ذلك اللون من التفسير كالقمي، والكاشاني، والبحراني، والملجسي وأضرابهم. ومعنى ذلك أن الشيعة يتلقون دينهم من غلاة المفوضة.
(ج) رأي صاحب كتـاب «أضواء على خطوط محب الدين الخطيب»([1513]):
حينما قال محب الدين الخطيب مشيراً إلى انحراف الشيعة عن جمهور المسلمين في مصادر التلقي: (وحتى القرآن الذي كان ينبغي أن يكون المرجع الجامع لنا ولهم على التقارب نحو الوحدة، فإن أصول الدين عندهم قائمة من جـذورهـا على تأويل آيـاتـه وصرف معانيها إلى غير ما فهمه منها الصحابة عن
 
 
النبي r, وإلى غير ما فهمه منها أئمة الإسلام عن الجيل الذي نزل عليه القرآن)([1514])، أجاب صاحب «الأضواء» على ذلك بقوله: (إن الشيعة ترى من الكيد للإسلام أن يـأخذوا تفسيرهم للقرآن عمن تقصدهم وتعنيهم بالذات أمثال أبي هريرة وسمرة ابن جندب.. وأنس بن مـالك وغيرهم ممن أتقنوا صنـاعة التلفيق والدس والكذب والافتراء)([1515]).
التعليق:
=
هذا الجواب ينسبه المؤلف للشيعة جميعاً فيقول: (إن الشيعة.. إلخ) فهو ليس من عنديّاته, فإذا كانت الشيعة تعتقد أن تلقي الدين عن طريق الصحابة هو من الكيد للإسلام, فلهم دينهم ولنا ديننا، لأن هذا القول إبطال لتواتر الشريعة، وطعن في الإسلام، وكيد للمسلمين، وهو لا يحتاج إلى مناقشة. وهناك أقوال وآراء أخرى لا تخرج عما ذكرنا([1516]) نغض الطرف عن ذكرها.
أمثلة من تأويلات علمائهم المعاصرين لكتاب الله:
(2) يقول آيتهم العظمى عبد الحسين الموسوي في «مراجعاته» التي حاول بها – كما زعم – إقناع شيخ الأزهر بالتشيع للاثني عشر([1517]) يقول – مفسراً آيات من كتاب الله بأئمته ومحتجاً بها على لزوم التشيع لهم -:
=
(أليسوا حبل الله الذي قال: ]واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا[([1518]) والصادقين الذين قال: ]وكونوا مع الصادقين[([1519]) وصراط الله الذي قال: ]وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه[([1520]) وسبيله الذي قال: ]ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله[([1521]) وأولي الأمر الذين قال: ]يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم[([1522]) وأهل الذكر الذين قال: ]فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون[([1523]) والمؤمنين الذين قال: ]ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم[؟([1524]).
والهداة الذين قال: ]إنما أنت منذر ولكل قوم هاد[؟([1525]). ألم يجعل المغفرة لمن تاب وآمن وعمل صالحاً مشروطة بالاهتداء إلى ولايتهم إذ يقول: ]وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى[؟([1526]) أليست هي – يعني ولايتهم – النعيم الذي قال الله تعالى: ]ثم لتسألن يومئذ عن النعيم[؟([1527]) وسيسأل الناس عن ولايتهم يوم يبعثون, كما جاء في تفسير قوله تعالى: ]وقفوهم إنهم مسؤولون[([1528]), ولا غرو فإن ولايتهم لمما بعث الله به الأنبياء وأقام عليه الحجج والأوصياء كما جاء في تفسير قوله تعالى: ]واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا[([1529]), بل هي مما أخذ الله به العهد من عهد ألست بربكم كما جاء في تفسير قوله تعالى: ]وإذ أخذ ربك

مـن بني آدم مــن ظهورهـم ذريتهم وأشهدهـم عـلى أنفسهـم ألست بـربـكـم قــالــوا بــلـى[([1530]).
]وتلقى آدم من ربه كلمات[ التوسل بهم فتاب عليه([1531]).. فهم الناس المحسودون الذين قال الله فيهم: ]أم يحسدون الناس على ما ءاتاهم الله من فضله[([1532]) وهم الراسخون في العلم الذين قال: ]والراسخون في العلم يقولون ءامنا[([1533]).
وهم رجال الأعـراف الذين قال: ]وعلى الأعراف رجال يعرفـون كـــلاً بسيماهم[([1534]) ورجال الصدق الذين قال: ]من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً[([1535]) ورجال التسبيح الذين قال الله تعالى: ]يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار[([1536]).
 
 
 
 
وبيوتهم هي التي ذكرها الله U فقال: ]في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه[([1537])، وقد جعل الله مشكاتهم في آية النور مثلاً لنوره وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم([1538])، وهم: السابقون السابقون أولئك المقربون([1539])، وهم: الصديقون والشهداء والصالحون([1540]). وفي أوليائهم قال الله تعالى: ]وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون[([1541]). وقال في حزبهم وحزب أعدائهم: ]لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون[([1542]).. وقال فيهم وفي شيعتهم: ]إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية[([1543])، وفيهم وفيمن فاخرهم بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام أنزل الله تعالى: ]أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين[([1544]). وفي جميل بلائهم وجلال عنائهم قال الله تعالى: ]ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد[([1545]).. وقد صدقوا بالصدق فشهد لهم الحق تبارك اسمه فقال: ]والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون[([1546]).. وهم أولو الأرحام: ]وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله[([1547]).. وهم ذوو الحق الذي صدع القرآن بإتيانه: ]وآت ذا القربى حقه[([1548]), وذوو الخمس الذي تبرأ الذمة إلا بأدائه: ]واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى[([1549]).. فهم المصطفون من عباد الله، السابقون بالخيرات بإذن الله، الوارثون كتاب الله الذين قال فيهم: ]ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه[([1550]) وهو الذي لا يعرف الأئمة ]ومنهم مقتصد[ وهو الموالي للأئمة ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله.. وهو الإمام) ([1551]) ثم استدل برواية موضوعة على ابن عباس أنه قال: (نزل في علي وحده ثلاثمائة آية)([1552]).
التعليق:
(1) هذا تفسير لآيات من القرآن من أحد مراجعهم الكبار في العصر الحاضر، وممن يتزعمون الدعوة للتقارب بين السنّة والشيعة وهو موجه ”لشيخ سني“ للاحتجاج عليه بالقرآن ليقتنع بالتشيع للاثني عشر، فهو تفسير قد بالغ صـاحبه في اختياره وانتقائه، ومع ذلك هو كما يرى القارئ قد جعل آيات
الإيمان والمؤمنين وصفاتهم مقصورة على أئمته لا يشترك فيها أحد من جمهور المسلمين اللهم إلا شيعته في بعض الآيات، وكأن القرآن لم ينزل إلا فيهم، وكأنهم المسلمون وحدهم. ولا شك أن المسلم يدرك أن هذا التأويل بعيد عن لغة القرآن، وروح الإسلام، عمدته روايات موضوعة، ومزاعم واهية.
وهؤلاء الأئمة تختلف فرق الشيعة اختلافاً كبيراً في أعدادهم وفي أعيانهم، وكل فرقة تفسر الآيات بأئمتها خاصة وتزعم أن أئمة الفرق الأخرى بمعزل عن مدلولها، وكل طائفة تضع من الروايات ما يؤيد مذهبها، وتقصر مفهوم أهل البيت على أئمتها خاصة، ولا تسلم فرقة من فرق الشيعة من طعن في بعض أهل البيت من غير أئمتها، ]والله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كان فيه يختلفون[ فهم ممن فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء, ثم إن هذا التأويل لتلك الآيات كما يصدق عندهم على الإمام علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين وغيرهم من أئمة العلم والدين يصدق على إمامهم المعدوم الذي لم يولد أصلاً، وعلى ”الحسن العسكري“ – إمامهم الحادي عشر – الذي ضعفه ابن الجوزي في الموضوعات([1553])!!
وتفسير عبد الحسين الباطني لكتاب الله؛ وهو مثال من أمثلة كثيرة تدل على أن العقلية الشيعية المعاصرة لا تزال في الغالب تعيش أسيرة لتلك التأويلات التي وضعها علماؤهم السابقون والتي عرضنا أمثلة لها فيما مضى. ومن الأمثلة الأخرى أن أحد علمائهم المعاصرين ويدعى ”علي محمد دخيل“ يـتحدث عـن غيبة مهديهم – وهو كما يقـول بعض كتـاب الشيعـة مـن أشهر
 
الكتاب الإمامية الذين عالجوا ”الغيبة“([1554]) -.
فيعقد فصلاً بعنوان ”المهدي في القرآن الكريم“ ويورد في هذا الفصل خمسين آية من القرآن كلها يزعم تأويلها بالمهدي، ويتوصل بذلك إلى أن موضوع المهدي لا يختلف عن ضروريات الإسلام الأخرى، وإنكاره إنكار لضرورة من ضروريات الدين([1555]). ونرى شيخهم – المعاصر – محمد رضا الطبيسي النجفي (ت 1365هـ) يفسر 76 آية من كتاب الله بعقيدة الرجعة عندهم([1556]), وهذا شطط لم يبلغ مستواه شيوخهم القدامى الذين فسروا بالرجعة عشرين آية ونيفاً، وفي القرن الثاني عشر تطور الأمر إلى تأويل 64 آية بتلك العقيدة الباطلة على يد شيخهم ”الحر العاملي“([1557]) وغيره, ثم كانت نهاية الشطط على يد هذا ”الطبيسي“ وغيره من شيوخهم المعاصرين.
وهذا محمد حسين آل كاشف الغطا من مراجع الشيعة الكبار في العصر الحاضر ومن دعاة الوحدة والتقارب.. يفسر قوله تعالى: ]مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان([1558]) يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان[([1559]) بالتفسير التالي: علي بحر نور الإمامة، وفاطمة بحر نور النبوة والكرامة. يخرج منهما اللؤلؤ الأخضر بخضرة السماء، والمرجان الأحمر بحمرة الأرض([1560]). فهل هذا سوى تفسير باطني لا تربطه بالآية أدنى رابطة؟، ويفسر د. محمد الصادقي – معاصر – الآية المذكورة بمثل ما فسر به آل كاشف الغطا, حيث يقول: (اتصل بحر النبوة فاطمة الصديقة بنت النبي r ببحر الإمامة u - يعني عليّاً – بحران ملتئمان متلاقيان بينهما برزخ الرسالة القدسية المحمدية.. والخارج منهما اللؤلؤ والمرجان: الحسنان هما مجمع الولاية روحانياً والنبوة نسبياً)([1561]).
وفي تفسير «الميزان» لإمامهم الأعظم محمد حسين الطباطبائي كثير من التفسيرات الباطنية التي يختارها من كتب التفسير القديمة عندهم، ويذكرها تحت عنوان ”بحث روائي“.. ومن النماذج التي نقلها مقراً لها معتقداً إياها ما ذكره تفسير «البرهان» عن قوله تعالى: ]ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط[([1562]).
قال: (الآية مثل ضربه الله لعائشة وحفصة أن تظاهرتا على رسول الله وأفشتا سره)([1563]).
وعند قوله سبحانه: ]ويبقى وجه ربك[([1564]) قال الصادق: (نحن وجه الله)([1565]). وهكذا يستقي الرجل التفسير الباطني من أمهات كتبهم ويتعمد النقل
لبعض الروايات الضعيفة من كتب أهل السنّة ليخدم بها مذهبه.
وهناك تفسير «الكاشف» لمحمد جواد مغنية, وهو يعتمد أساساً على روايات أهل السنّة, وهذه أمارة التقية عند بعض علماء الشيعة – كما مر – وهو وإن كان يحتج ببعض الآيات على معتقده الشيعي مثل تفسيره لقوله تعالى: ]اليوم أكملت لكم دينكم[ بقوله: (معنى الآية أن الله سبحانه أكمل الدين مع هذا اليوم بالنص على علي بالخلافة) فهو وإن كان كذلك إلا أنه بالنسبة لتفاسيرهم المتضمنة لروايات الشيعة فقط يعتبر معتدلاً. والاعتدال قد جاءه من اعتماده على مرويات أهل السنّة وإقلاله من الاستدلال بمروياتهم.
وهذا التفسير يظهر عليه واضحاً الدعاية المذهبية والتبشير بالتشيع, فليس ببعيد أن يكون موضوعاً على ”التقية“. ونكتفي بهذه الشواهد التي عرضناها من تفسيرات معاصريهم, لأن غرضنا معرفة مدى سير الأواخر على غلو الأوائل, يبدو لي أن الصورة متشابهة تماماً.
ففي الأوائل كتب تفسير باطنية محضة مثل تفسير القمي والعياشي، والبحراني، ومحسن الكاشاني وغيرهم وكتب تفسير معتدلة بالنسبة لتلك التفاسير الباطنية مثل تفسير «البيان» للطوسي، و«مجمع البيان» للطبرسي. والفئة الأولى اعتمدت على روايات الشيعة فقط والفئة الثانية اعتمدت على روايات السنة والشيعة, أما كتب التفسير المعاصرة فهي فيما تعتمده من رواياتهم في تفسير الآيات تتلبس بالروح الباطنية، وحينما تحاول أن تبشر بالتشيع وتحتج على أهل السنة ببعض الروايات عندهم فتتخلص إلى حد ما من ”الروح الباطنية“.
 
 
والخلاصة أنك لا تجد تفسيراً شيعياً اعتمد على رواياتهم فقط يخلو من الطريقة الباطنية في التفسير.
ويؤكد عالمهم المجلسي على أن اعتمادهم على روايات أهل السنة إنما هو للاحتجاج عليهم، وإلا فلا يجوز عندهم الأخذ عن المخالفين. وعقد لهذا باباً بعنوان (الباب الثامن والعشرون: ما ترويه العامة – ما عدا الشيعة – من أخبار الرسول r وأن الصحيح من ذلك عندهم – يعني شيعته – والنهي عن الرجوع إلى أخبار المخالفين)([1566]) ثم استثنى من ذلك حالة الاحتجاج عليهم للتبشير بالتشيع([1567]).
وهكذا يتفق تفسيرهم المعاصر مع القديم على تأويل كتاب الله على غير تأويله, فكانت تلك التأويلات هي سلم الغلو والغلاة في التأويل، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن ”تأويلهم“: (من هذا دخلت الإسماعيلية والنصيرية في تأويل الواجبات والمحرمات فهم ـ أي الروافض ـ أئمة التأويل الذي هو تحريف الكلم عن مواضعه ومن تدبر ما عندهم وجد فيه من الكفر في المنقول والتكذيب بالحق منها والتحريف لمعانيها ما لا يوجد في صنف من المسلمين منهم قطعاً, فهم أدخلوا في الدين ما ليس فيه أكثر من كل أحد، وحرفوا كتابه تحريفاً لم يصل غيرهم إلى قريب منه) ([1568]).
فكيف نتفق ونتقارب وهم على هذا الوضع من التأويل؟، والتأويل مصدر الخلاف والشقاق، وأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل الذي
 
لم يرده الله ورسوله بكلامه ولا دل عليه أنه مراده. وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل؟! وهل دخلت طائفة الإلحاد من أهل الحلول والاتحاد إلا من باب التأويل؟! وهل فتح باب التأويل إلا مضادة لحكم الله في تعليمه عباده البيان الذين امتن في كتابه على الإنسان بتعليمه إياه([1569])؟!
(3) في دعواهم تنزل كتب إلهية بعد القرآن:
سبق أن تحدثنا عن دعوى الشيعة تنزل كتب إلهية بعد القرآن على الأئمة. ولننظر ما يراه دعاة التقارب في هذا الأمر الخطير.
(1) يقول محمد حسين آل كاشف الغطا: (ويعتقد الإمامية أن كل من اعتقد أو ادعى نبوة بعد محمد أو نزول وحي أو كتاب فهو كافر يجب قتله)([1570]). هذا ما يقوله ”مرجع الشيعة“ وهو حق. وثمرة هذا القول أن الحكم بالتفكير ينطبق على كل من قال بنزول كتب إلهية على الأئمة وادعى نزول وحي عليهم, وهم كبار محدثي الإمامية كالكليني، والطوسي، والطبرسي، والمجلسي وغيرهم – كما مر – ومعنى هذا أن الشيعة تتلقى دينها من كفار يجب قتلهم.
فهل الشيعة تقبل هذا الحكم أو تحاول أن تخرج من هذا التناقض بالقول بأن كلام كاشف الغطا تقية؟ والقول بالتقية هو الذي جعل الشيعة تعيش في دائرة الغلو وكل ما خرج منهم مصلح يحاول أن ينقض ما قرره الكليني أو غيره من محدثيهم حملوا كـلامه على التقية. ولـن يتخلص الشيعة من
هذا ”الأسر“ إلا بتحطيم أسطورة التقية، ورفض ما يقوله رؤوس الضلال كالكليني وغيره ممن وضع أصول الغلو أو تلقاها عن الغلاة فأصبحت من مبادئ التشيع, وإذا كان آل كاشف الغطا اكتفى بذلك الكلام العام ولم يقل رأيه صراحة في روايتهم التي تدعي نزول تلك الكتب على الأئمة؛ فإن لشيخهم عبد الحسين الموسوي جواباً على سؤال موجه من شيخ سنّي – كما يدعي هذا الرافضي – وتعرض هذا الموسوي لمصحف فاطمة وقال: (بعد فراغ علي من جمع القرآن – بعد وفاة النبي – ألف لسيدة نساء العالمين كتاباً كان يعرف عند أبنائها الطاهرين بمصحف فاطمة, يتضمن أمثالاً وعبراً وأخباراً ونوادر توجب لها العزاء عند فقد سيد الأنبياء أبيها)([1571]).
هذا هو تفسير شيخهم ”عبد الحسين“ لمسألة ”مصحف فاطمة“, ولم يشر عبد الحسين إلى ما يدل عليه من كتب الشيعة, وما في كتب الحديث عند الشيعة لا يتفق بحال وهذا التفسير؛ فما جاء في «الوافي» و«الكافي»، و«دلائل الإمامة»، و«الاحتجاج» وغيرها من كتب الشيعة نصوص صريحة على أن ما في كتاب مصحف فاطمة هو وحي إلهي نزل به ثلاثة من الملائكة، أو كتبه علي من إملاء الملك على خلاف في الروايات عندهم، والملاحظ أن جواب عبد الحسين عن مصحف فاطمة كان موجهاً لشيخ سني، فيكون عبد الحسين قد كال للشيخ من جراب التقية ـ كما هي عقيدة الشيعة في هذا الموضوع ـ إذ لا دليل على جواب هذا الشيعي من كلام معصوميهم، والحجة عندهم في كلام المعصـومين، فـنحن لا نجـد فـي نصوصهـم جميعهـا نصاً يقول بـأن مصحف
 
فاطمة ألفه علي من عند نفسه, بل نصوصهم صريحة على أن مصحف فاطمة (إنما هو شيء أملاه الله عليها أو أوحى إليها([1572]). ما هو قرآن, ولكنه كلام من كلام الله أنزله عليها, إملاء رسول الله وخط علي u, أو أنه وصل إليها عن طريق جبرائيل)([1573]) وهكذا على اختلاف أقوالهم, وليس فيها ما يدعيه هذا الموسوي من أنه من عند علي...
ثم إن كتاباً من علي t فيه مواعظ ونصائح لفاطمة يعزيها عن فقد أبيها له قيمة كبيرة من الناحية الأدبية والتاريخية ومن الناحية التربوية ـ فأين هي هذه النصائح؟ ليس لها وجود اليوم مع عدم المسوّغ لكتمانها.
إذن جواب عبد الحسين لا يتفق مع ما جاء في كتب الشيعة كما لا يتفق والواقع.
ثم كيف يعزي علي فاطمة، وكلاهما معصوم, وهل يحتاج المعصوم إلى معصوم آخر يسدده؟!
ونجد في كلام محسن الأمين – وهو من مجتهديهم المعاصرين – كلاماً مغايراً لما يقوله عبد الحسين عن مصحف فاطمة؛ تحدث محسن الأمين عن مصحف فاطمة في كتابه «أعيان الشيعة»([1574]) وأورد رواياتهم عن أئمتهم من أن مصحف فاطمة مثل القرآن ثلاث مرات، وأنه من كلام الله أنزله عليها بإملاء رسول الله وخط علي.. إلخ. وأورد روايات أخرى عن هذا المصحف وأنهى إلى
القول (أنهما مصحفان: أحدهما من إملاء رسول الله r خط علي «ع» والآخر من حديث جبرائيل), وقال: (أنه لا استبعاد ولا استنكار أن يحدث جبرائيل «ع» الزهراء عليها السلام ويسمع ذلك علي ويكتبه في كتاب يطلق عليه «مصحف فـاطمة» بعد مـا روى ذلك عن أئمــة أهل البيت ثقـات أصحابهم)([1575]).
وهكذا كان هذا الرافضي المدعو بالأمين أجرأ من ذلك الموسوي في الحديث عن أسطورتهم تلك.
وننتهي من هذه المناقشة إلى أن لعلماء الشيعة جوابين: جواباً من أنفسهم لا دليل عليه من كتبهم وذلك حينما يكون النقاش من سنّي، وهذا ما تفرضه عقيدة التقية عليهم صيانة لمذهبهم من نقد الخصوم.
وجواباً آخر حقيقي حينما يكون المجال غير مجال الدفاع والنقاش مع الخصوم. وهذا المسلك لا يخدم الحقيقة في شيء، وهو ترويج للخرافة، فالتقية كانت عاملاً من عوامل استمرار «الخرافة» عندهم ومن أسباب بعدهم عن الجماعة الإسلامية. ويبقى هذا الزعم الخطير بنزول كتب إلهية على الأئمة مسطراً ومؤكداً في كتبهم القديمة والمعاصرة، على الرغم من أن بعض مراجعهم وشيوخهم – كما مر – يفتون بأن اعتقاد هذا كفر، فكانت النتيجة أن
بعضهم يكفر بعضاً ويناقض بعضهم رأي بعض، ويستحلون – باسم التقية – الخداع والكذب. نسأل الله سبحانه أن يهدي المخلصين الباحثين عن الحق منهم ويكشف علماء النفاق وزنادقة الباطنيين على حقيقتهم([1576]).
(4) في السنة:
تحدثنا في مبحث معتقد الشيعة في «السنة» أن الشيعة يرون أن أقوال أئمتهم كأقوال الله ورسوله، وأنهم يعتقدون أن رسول الله r كتم جزءاً من الشريعة وأودعه علياً، وأنهم يتعبدون بحكايات الرقاع، وأنهم يرفضون مرويات الصحابة, وأنهم لذلك انفصلوا عن المسلمين بكتب وأسانيد ورجال وأحاديث لا يوافقهم عليها المسلمون.
وفي هذا المبحث نتعرف على رأي علماء الشيعة في هذه المسائل وهم يحاولون اللقاء مع المسلمين، ويدعون إلى اعتبار مذهبهم أحد المذاهب الإسلامية المعتبرة.
وقـد بحثت عن إجابات علماء الشيعة حول هذه المسائل فلم أر سوى
 
التـأكيد عليهـا، والتصريـح بـهـا، فـمحمد جواد مغنية يقول عن  أقوال أئمته:
(قول المعصوم وأمره تماماً كالتنزيل من الله العزيز العليم ]وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى[([1577]))([1578]).
ويقول ”الخميني“: (إن تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن يجب تنفيذها واتباعها)([1579]).
أما دعواهم أن رسول الله r كتم جزءاً من الشريعة فهذه – كما مر – من أركان دينهم لا يكفون عن التصريح بها, ومعاصروهم أصرح في ذلك من متقدميهم, ولذا لم نجد أوضح في هذه المسألة ولا أصرح من كلام مراجعهم المعـاصرين ولذا اضطررنا للاستشهـاد بها فيما مضى، مع أننا نؤثر فيما أسلفنـا مـن مـبـاحث حـول عقائدهم أن نستشهد بكتب حديثهم ومتقدمي شيوخهم.
ولما أثار الشيخ موسى جار الله القول بأن الشيعة يؤمنون بكتب وهمية كالجفر والجامعة, أجاب عن ذلك  مرجع الشيعة المعاصر (محسن الأمين) – بلا
 
 
 
حياء – بقولـه: (إن ضـاعت صحيفة الفـرائض والجفـر والجـامعة وما ذكر معها عنده وعند أمثاله – يعني موسى جار الله – فلم تضع عند أهلها)([1580]).
ونجد من شيوخهم الكبار من يتباهى بذكر تلك الكنوز الوهمية، والأسماء التي لا مسمى لها، ويذهب يعدد هذه ”الكتب“ بكل خفة عقل, وإذا سئل أين هذه «المزعومات» أجاب بأنها عند المنتظر. ولولا خشية الإطالة لنقلنا كلامهم في ذلك([1581]).
أما عن تعبدهم بحكايات ”الرقاع“ فيعترف دعاة التقريب بذلك وأنهم يعتبرونها من السنّة إلا أنهم يقولون إنها نادرة([1582]). وقد بينا فيما مضى حجم تلك الروايات.. وأن هناك مؤلفات مستقلة فيها.. وأن تلك التوقيعات استمرت بعد الغيبة الكبرى عندهم على يد بعض علمائهم الذين زعموا أن ”مهديهم“ قد نسخ لهم بعض الكتب, مثل ابن المطهر الحلي الذي زعم أنه التقى بالمهدي فنسخ له كتاباً ضخماً في ليلة واحدة([1583]). ثم إنهم فتحوا الباب للاتصال العام بالمهدي عن طريق كتابة رقعة وبعثها للمهدي ببحر أو نهر، مع دعاء معين([1584])، وزعموا أن «الكافي» كله قد عرض على المهدي وقال: (الكافي كافٍ لشيعتنا)([1585]).
فكيف يقال إن الصلة بالمهدي وحكايات الرقاع نادرة وهم يسجلون في كتبهم هذه ”المزاعم“ كلها؟!
أما ردهم لمرويات الصحابة، فقد مر استشهادنا بقول محمد حسن آل كاشف الغطا([1586])، وغيره([1587]) في ذلك، ولكبار علمائهم حملات مسعورة ضد المكثرين من الرواية من صحابة رسول الله r كما صنع آيتهم العظمى عبد الحسين الموسوي في كتابه ”أبو هريرة“، وكما فعل ”حجتهم“ عبد الحسين الأميني النجفي مع كبار الصحابة في كتابه «الغدير» وغيرهما([1588])، وذلك كله بغية رد رواياتهم والطعن في أحاديثهم. ولهم سب وتجريح لكبار محدثي الأمة، ولأمهات كتب المسلمين, ما لا يوجد مثله في كتب طائفة من طوائف الكفر، كما في كتاب «الغدير» لشيخهم الأميني وغيره, والمجال لا يتسع لنقل شواهد من هذا الغثاء وحسبنا الإشارة([1589]).
وهم لا يحتجون بأسانيد وكتب المسلمين, يقول «السبيتي» - من علمائهم المعاصرين - «أن الشيعة لا تعـول على تلك الأسانيد (أي أسانيد أهـل
 
 
السنة) بل لا تعتبرها ولا تعرج في مقام الاستدلال عليها, فلا تبالي بها وافقت مذهبها أو خالفته»([1590]), وقال: «إن لدى الشيعة أحاديث أخرجوها من طرقهم المعتبرة عندهم ودونوها في كتب لهم مخصوصة وهي كافية وافية لفروع الدين وأصوله, عليها مدار علمهم وعملهم, وهي لا سواها الحجة عندهم»([1591]).
 
وبعض دعاة التقريب يقول عن عدم احتجاج الشيعة بكتب أهل السنة: (إن عدم أخذ الإمامية بما في كتب أهل السنة – مطلقاً – ممنوع أشد المنع وأجلاه. فهذه كتب الإمامية مشحونة بالأحاديث المنقولة من كتب أهل السنة في فضائل أهل البيت ومآثرهم وكرامتهم – عليهم السلام)([1592]).
 
وهذا الجواب قد ينخدع به بعض من لا يعرف أصول الشيعة وأسـاليبهم في الــدفاع عن عقائدهم. ويفهم مــنه أن الشيعة تحتج بكتب أهل
 
 
 
 
 
 
السنة، والواقع أنه أراد خداع القارئ, وإلا فإن الشيعة إنما تحتج من كتب أهل السنة لمحاولة الدفاع عن مذهبها، والتبشير به بين صفوف المسلمين، لا أنهم يحتجون بها تديناً وعبادة.
ولهذا عقد المجلسي – كما مر – باباً في النهي عن الأخذ من كتب المخالفين من السنة إلا في حالة الاحتجاج عليهم من كتبهم([1593]).
(5) في الإجماع:
مر بنا أنهم لا يحتجون بالإجماع على وجه الحقيقة ويحاول الشيعة التستر على رفضهم للإجماع، ومحاولة خداع المسلمين. فهم أولاً عقدوا في كتبهم الأصولية مبحث ”الإجماع“([1594]) مع أنه لا عبرة ولا وزن للإجماع عندهم مع قول المعصوم، والحجة بالمعصوم لا بالإجماع, فعقد هذا ”المبحث“ هو لمجرد الخداع في العناوين.
وبعض الشيعة المحدثين يحاول أن يتستر على رفضهم لأصل الإجماع – بطريق الحيلة – ويزعم أن الشيعة يوافقون السنة في الاحتجاج به. يقول محمد جواد مغنية: إجماع الصحابة بأن تتفق كلمة الأصحاب جميعاً على حكم شرعي, وقـد وأجـب الـسنـة والشيعـة الأخـذ بهـذا الإجماع واعتباره أصلاً من أصول
 
 
الشريعة, ثم يذكر أن الشيعة قالوا بحجتيه لوجود الإمام مع الصحابة)([1595]). انظر إلى هذا التحايل رغم أن مؤدى قوله أن الشيعة ترى أن الحجة في قول المعصوم لا في الإجماع. لكنه استعمل هذا الأسلوب الملتوي للخداع والتغرير، وقد انخدع بذلك البعض([1596]).
ومن أسس ردهم لإجماع المسلمين ذلك المبدأ الخطير عندهم, وهو أن خلاف العامة – أي أهل السنة – فيه الرشاد. وقد سارت كتبهم المعاصرة في الأصول على الأخذ بهذا المبدأ واعتباره أحد وسائل الترجيح عند تعارض الأحاديث في كتبهم, أي على نفس أسلوب كتبهم القديمة. يقول آيتهم العظمى محمد باقر الصدر في كتاب «تعارض الأدلة الشرعية»: (وقد بلغ الأمر بالأئمة في التقية ـ لا من الحكام فحسب, بل من الأمة بصورة آكد ـ أن جعلوا مخالفة العامة مقياساً لترجيح إحدى الروايتين المتعارضتين على الأخرى)([1597]).
يـذكـر ”الصـدر“ هـذا المبـدأ وهو يتحدث عن وسائل الترجيح عند


 
التعارض ويعتبره من الأصول التي وضعها أئمتهم لهم عند اختلاف أحاديثهم.
(6) الإمامة:
(أ) رأي دعاة التقريب فيما جاء في أمهات كتب الشيعة من غلو في الأئمة:
سبق أن عرضنا بعض ما تخلعه كتب الشيعة الأساسية على الأئمة من صفات تخرج بهم إلى درجة النبوة، وأحياناً تبلغ بهم إلى درجة الألوهية, وفي هذا المبحث نستمع إلى رأي دعاة التقريب في ذلك:
(1) لقد مر ذكر بعض الأبواب التي عقدها الكليني في كتابه «الكافي» حول الأئمة مثل: (باب أن الأئمة يعلمون ما كان وما يكون وأنهم لا يخفى عليهم الشيء) ونحوها – كما أسلفنا – وقد توجه د. علي السالوس([1598]) إلى أحد علماء الشيعة المعاصرين ”كاظم الكفائي“([1599])، وسأله عن رأيهم في تلك الأبواب والأحاديث فأجاب عن ذلك بقوله:
(أما الروايات التي ذكرها شيخنا الكليني في كتابه «الكافي» فهي موثوقة الصدور عندنا.. وما ورد في «الكافي» أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة، والأنبياء، والرسل، وأنهم إذا شاءوا أن يعلموا علموا، ويعلمون متى يموتون ولا يموتون إلا باختيار منهم، ويعلمون علم ما
 
كان وما يكون ولا يخفى عليهم الشيء, لا شك أنهم أولياء الله وعباده الذين أخلصوا له في الطاعة)، ثم ذكر قولاً عن أئمتهم وهو: (قولوا فينا ما شئتم ونزهونا عن الربوبية)([1600]) يعني أنهم يستحقون هذه الأوصاف وغيرها..
وهكذا يؤكد كاظم الكفائي إيمانهم بهذا الغلو في الأئمة. وللخنيزي جواب من هذه المسائل لا يخالف جواب الكفائي في حقيقته([1601])، وكذلك أجاب ”لطف الله الصافي“ بأن الأبواب المعنونة في «الكافي» ليست إلا عناوين لبعض ما ورثوا عن جدهم رسول الله r([1602]). وإذا كان هؤلاء يقرون بهذا فإن شيخهم عبد الحسين الأميني النجفي ينكر بعض ما ورد عنهم في ذلك مثل أن موت الأئمـة باختيـارهم, وينفي وجوده عندهم ويعتبر ذلك تحايلاً ومكابرة بالإفك([1603]).
رغم أن ذلك من أبواب «الكافي» و«البحار» الحاوية لكثير من أحاديثهم في ذلك، على أن عبد الحسين هذا يعترف في موضع آخر بأوصاف الغلو في أئمته, وذلك في معرض حديثه عن اختلاف المقاييس والموازين بين طائفته وسائر المسلمين فيقول: (لولا أن هناك من يتعامى أو يتصامم عن رؤية هذه وسماع هاتيك – يعني من فضائل أئمته –... من الذين استأسرهم الهوى وتدهور بهم الجهل إلى هوة التيه والضلال – يعني أهل السنة – فعدوا من الغلو
الفاحش: القول بعلم الغيب فيهم أو تكلم الموتى معهم، أو علمهم بمنطق الطير والحيوانات أو إحياء الله الموتى بدعائهم، أو استجابة دعواتهم في برء الأكمه والأبرص بل وكل ذي عاهة، أو القول بالرجعة لهم، أو ظهور كرامة لهم تخرق العادة، أو الشخوص إلى زيارة قبورهم والتوسل بهم والتبرك بتربتهم والدعاء والصلاة عند مراقدهم([1604])، أو التلهف والتأسف على ما انتابهم من المصائب – يشير إلى ما يصنعونه في ذكرى وفيات الأئمة – إلى كثير من أمثال هذه من مبادئ تراها الشيعة في العترة الهادية من فضائلهم المدعومة بالبرهنة الصحيحة والحجج القوية – أي قوية وصحيحة عندهم –... مما أنكرته ابنا حزم وجوزي وتيمية وقيم وكثير ممن حذا حذوهم)([1605]).
وعلى الرغم من ادعاء عبد الحسين هذا، وكاظم الكفائي وغيرهما علم الغيب للأئمة، وزعمهم أن ذلك هو معتقد الشيعة, فإن محمد جواد مغنية ينكر علم الأئمة للغيب، بل ينكر نسبة ذلك إلى الشيعة يقول: (وكيف نسب إلى الشيعة الإمامية القول بأن أئمتهم يعلمون الغيب وهم يؤمنون بكتاب الله ويتلون قوله تعالى حكاية عن نبيه: ]ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير[([1606]) وقوله: ]إنما الغيب لله[([1607]) وقوله: ]قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله[([1608]) لقد ظلم الشيعة الإمامية من نسب إليهم القول بأن الأئمة يعلمون الغيب)([1609]). ثم قال: (وإن من نسب إليهم شيئاً من ذلك فهو جاهل متطفل أو مفترٍ كذاب)([1610]).
هذا ما يقوله مغنية. فأيهما نصدق في مذهب الشيعة؟ هل نصدق «الكافي» و«البحار»، ونأخذ بقول كاظم الكفائي، وعبد الحسين النجفي ونقول أن الشيعة يدعون لأئمتهم علم الغيب, أو نأخذ بقول مغنية؟ والعجيب في الأمر أن الكل يزعم أن ما يقوله هو مذهب الشيعة, وعلى رأي مغنية فإن الكليني، والمجلسي، والكفائي، والأميني وغيرهم هم من الجهلة المتطفلين أو المفترين الكذابين.
وهذا التناقض في آراء دعاة التقارب له أمثلة كثيرة، فمن ذلك: بخصوص الغلو في الأئمة فقط أن محمد جواد مغنية يقول: إن الشيعة تعتقد أن علم الأئمة كسْبي, ويرمي من يدعي أن علم الأئمة إلهامي بالجهل والدس فيقول: (وبهذا يتبين الجهل أو الدس في قول من قال بأن الشيعة يزعمون أن علم الأئمة إلهامي وليس بكسبي)([1611]), في حين أن داعية التقريب الآخر الخنيزي يقول: (علم الأئمة ليس بكسبي)([1612])، وشيخهم محمد رضا المظفر يقول ـ وهو يتحدث عن علم الإمام ـ: (وإذا استجد شيء لا بد أن يعلمه – أي الإمام – من طريق الإلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله تعالى فيه)([1613]), فمن نصدق وكلٌّ يزعم أن قوله هو مذهب الشيعة؟ لكن كتبهم الأساسية تثبت الوحي والإلهام للأئمة, فمعنى هذا أن قول مغنية تقية وهو يزعم أنه لا تقية عندهم اليوم – كما سيأتي – كما نرى شيخهم محمد حسين آل كاشف الغطا يكفّر من يقول أن الأئمة يوحى إليهم([1614]), مع أن هذا هو مذهب الكليني حيث روى ذلك في «الكافي»([1615]) – الذي ضمن فيه أن لا يخرج إلا ما صح عنده ـ([1616])، فهل الكليني عند آل كاشف الغطا كافر؟ وكذلك المجلسي أثبت أحاديث الوحي للأئمة([1617]) فهل يأخذ نفس الحكم؟.
وهكذا يكفر بعضهم بعضاً ويناقض بعضهم بعضاً.
كما أننا نرى الغلو في الأئمة عند مراجع الشيعة وعلمائها, فهذا شيخهم محمد حسين كاشف الغطا يقول: (لولا سيف علي.. لما اخضر للإسلام عود ولما قام له عمود)([1618]).
ولما استنكر الشيخ موسى جار الله هذا الغلو([1619]) أجابه محسن الأمين – أحد مراجع الشيعة المعاصرين – بقوله: (إنه لم يسمع لسواه.. – يعني علياً t - بقتيل ولا جريح في موقف من المواقف)([1620]).
 
 
ومحمد حسين آل كاشف الغطا هذا هو أيضاً الذي يقول في أئمته:
يـا كعبة لله إن حجت لها الـ
                                                أملاك منه فعرشه ميقـاتها
أنتم مشيئته التي خلقت بها الـ
                                                أشياء بـل ذرئت بها ذراتها
أنا في الورى قال لكم إن لم أقل
                                                ما لم تقله في المسيح غلاتها([1621])
هذا ما يقوله أحد كبار مراجع الشيعة، وكبار دعاة التقريب منهم، ومن يعتبر عند بعض أهل السنّة من معتدلي الشيعة, ولهذا قدموه إماماً لهم في مؤتمر القدس الأول([1622]). لأن له وجهين وقولين, والتقية لا تنتهي كنوزها, وهو يتعهد في ”البيت الأخير“ أنه سيقول في أئمته ما لم تقله غلاة النصرانية في المسيح، وما أدري أي مرحلة سيصل إليها؟ وهل بعد غلو النصارى الذين جعلوا المسيح إلهاً من دون الله.. هل بعد غلوهم من غلو؟!!
ولكنه استطاع تجاوز ما قالته النصارى في المسيح, حيث جعلهم الكعبة التي تحجها الأملاك وميقاتها العرش وخلقت بهم الأشياء.
ولهم شيخ آخر يدعى عبد الحسين ابن الشيخ إبراهيم ابن الشيخ صادق ابن الشيخ يحيى.. العاملي([1623]), قالوا أنه كان آية من آياتهم التي ينسبوها – زوراً – إلى الله سبحانه, يقول هذا ”العاملي“ مشطراً أبيات السيد حسين القزويني في مدح الأمير ”ع“.
أبا حسن أنت عين الإله
                                                وعنوان قدرته السامية
وأنت المحيط بعلم الغيوب
                                                فهل عندك تعزب من خافية؟
وأنت مدبر رحى الكائنات
                                                وعلة إيجادها الباقية
لك الأمر إن شئت تنجي غدا
                                                وإن شئت تسفع بالناصية([1624])
والشواهد في هذا الباب كثيرة:
ونقول إن هذه هي السبئية, خرجت لنا اليوم متلفعة برداء الاثني عشرية, وما كنا نظن أن للسبئية وجوداً حتى بدأنا القراءة في كتب ”الروافض“ فوجدنا أفكار ابن سبأ قد خلدت في دواوين الاثني عشرية الأساسية, فيولد في أحضان الاثني عشرية, بفضل هذه الدواوين, من أمثال ابن سبأ العشرات, والخلاف في الاسم فقط.
ولولا ضيق المجال لأكثرت من الشواهد في ذلك([1625]).                              
(ب) رأيهم في الغلو في قبور أئمتهم:
سبق أن نقلنا عن شيخهم عبد الحسين أنهم لا يعتبرون هذا من الغلو لأنه مؤيد بالأدلة عندهم.
وأكد شيخهم محمد حسين آل كاشف الغطا أن كربلاء عندهم أشرف بقاع الأرض بالضرورة، وذكر أنه قد شهد بذلك الكثير من الأخبار والآثار عندهم, ثم استشهد بالبيت التالي:
ومن حديث كربلا والكعبة
                                                لكربلا بان علو الرتبة
ثم ذكر أن شعراءهم قد تفننوا في بيان فضلها وقداستها, واستطالتها على جميع بقاع الأرض([1626])!!!!
ويؤكد آيتهم ميرزا حسن الحائري هذا المعنى الوثني فيقول: (كربلاء تلك التربة الطيبة الطاهرة، والأرض المقدسة التي قال في حقها رب السموات والأرضين ـ مخـاطبـاً للكعبة حينما افتخرت عـلى سائر البقاع ـ: قري واستقري
 
لولا أرض كربلاء وما ضمنته لما خلقتك), ثم يقول هذا الرافضي:
وكذلك أصبحت هذه البقعة المباركة بعد ما صارت مدفناً للإمام ”ع“ مزاراً للمسلمين وكعبة للموحدين ومطافاً للملوك والسلاطين، ومسجداً للمصلين([1627]).
ويقول د. عبدالجواد آل طعمه في كتاب له يسمى: «تاريخ كربلاء» ـ وهو موثق من عدد من آياتهم وحججهم([1628]) ـ يقول: (أُعطيت كربلاء حسب النصوص الواردة بأكثر مما أُعطى لأي أرض أو بقعة أخرى من المزية والشرف في الإسلام؛ فكانت أرض الله المختارة، وأرض الله المقدسة المباركة، وحرماً آمناً مباركاً، وحرماً من حرم الله وحرم رسوله وقبة الإسلام, ومن المواضع التي يحب الله أن يعبد ويدعى فيها، وأرض الله التي في تربتها الشفا، فإن هذه المزايا وأمثالها التي اجتمعت لكربلاء لم تجتمع لأي بقعة من بقاع الأرض حتى الكعبة)([1629]).
ويقول محمد الشيرازي وهو من آياتهم عن قبور أئمته:
(ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الطاهرين أحياء عند ربهم يرزقون, ولذا فإننا نزور قبورهم ونتبرك بآثارهم ونقبل أضرحتهم كما نقبل الحجر الأسود وكما نقبل جلد القرآن الكريم)([1630]).
ويقول آيتهم وحجتهم عبدالله الممقاني:
(وعليك بني بالتوسل بالنبي وآله صلى الله عليهم أجمعين، فإني قد استقصيت الأخبار فوجدت أنه ما تاب الله على نبي من أنبيائه من الزلة إلا بالتوسل بهم, وقد ورد ـ أي من طرقهم ـ أن الله تعالى لما خلق آدم u نقل أشباح محمد وآله المعصومين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين من ذروة العرش إلى ظهره، وكان أمره الملائكة بالسجود لآدم u؛ إذ كان وعاء تلك الأشباح... وأنه قال لآدم u ـ لما سأله عنهم ـ أن هؤلاء خيار خليقتي، وكرام بريتي بهم آخذ، وبهم أُعطي، وبهم أُعاقب، وبهم أُثيب، فتوسل بهم يا آدم, وإذا دهتك داهية فاجعلهم لي شفعاءك، فإني آليت على نفسي قسماً حقاً أن لا أُخيب بهم آملاً، ولا أرد بهم سائلاً، فلذلك حين زلت منه الخطيئة دعا الله U بهم فتاب تعالى عليه وغفر له، وكذلك من بعده يعقوب، ويوسف وغيرهما لم ينج منهم ناج إلا بالتوسل بهؤلاء الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين.
وعليك بني بزيارته – يعني الحسين – في كل يوم من البعد مرة والمضي إليه في كل شهر مرة، ولا أقل من زيارته في الوقفات السبع([1631])، وإن كنت في بلدة بعيدة ففي السنة مرة)([1632]).
وعلق على ذلك ابنه شيخهم محي الدين الممقاني بأنه قد ورد من طرقهم (أن من زاره – عارفاً بحقه – كتب الله له ثواب ألف حجة وألف عمرة, وكأنما زار الله. وحق على الله ألا يعذبه بالنار, ألا وإن الإجابة تحت قبته والشفاء في تربته)([1633]).. (ومن زار قبر الحسين u ليلة النصف من شعبان، وليلة الفطر، وليلة عرفة في سنة واحدة كتب الله له ألف حجة مبرورة، وألف عمرة متقبلة، وقضيت له ألف حاجة من حوائج الدنيا والآخرة)([1634])، (ومن أتاه يوم عرفة عارفاً بحقه كتب الله له ألف حجة وألف عمرة متقبلات، وألف غزوة مع


نبي مرسل أو إمام عادل)([1635]).
وهكذا تتفق كتب الشيعة قديمها وجديدها على هذا الاعتقاد الوثني وينسبون هذا لأئمتهم، ولا يعلم المسلمون كلهم بهذا الأمر وينفرد بنقله الشيعة دون غيرهم. والحق أن هذه النصوص والأقوال هي التي أحيت عقيدة المشركين في مزارات الشيعة ومشاهدها وأصبحت المشاهد معمورة والمساجد مهجورة، وعلماؤهم يؤيدون هذا ”المنكر“([1636]).
(ج) غلوهم في مجتهديهم:
لا نجد من دعاة التقريب إلا كل تأييد لهذا الغلو بل إن هذا الغلو يمتد


 
على أيديهم ويزداد فهذا شيخهم ”محمد جواد مغنية“ الذي يلهج بالدعوة للتقارب والذي ما زال يؤمن بقوله إن الشيعة مظلومون ومفترى عليهم وأنهم من أبعد الناس عن الغلو, ولكنه يقول في كتابه «الخميني والدولة الإسلامية» في مدح الخميني: (وقال السيد المعلم – يعني الخميني – ص 111 من «الحكومة الإسلامية» لماذا الخوف؟ فليكن حبساً أو نفياً أو قتلاً, فإن أولياء الله يشرون أنفسهم ابتغاء مرضاة الله)([1637]).
ثم علق على ذلك مغنية بقوله: (وليست هذه الكلمات مجرد سورة من سورات الغضب كما فعل موسى u حين ألقى الألواح – التوراة – وأخذ برأس أخيه يجره إليه, بل تنبني أيضاً على العلم والمنطق الصارم دون أن تلفحه نار العاطفة)([1638]).
هذا نص مغنية بحروفه، وهو يفيد أن الخميني أكمل من نبي الله موسى – عليه الصلاة والسلام – وأن فعل الخميني مبني على العلم والمنطق وموسى على الغضب والعاطفة!! وموسى u أكرم وأعظم أن يقارن بصفوة الصالحين فكيف يفضل عليه الخميني، أو يذكر معه, في مقارنة ولكنه منطق الغلاة الذين قد فرغت قلوبهم من توقير أنبياء الله ورسله لأن غلوهم في أئمتهم ونوابهم قد استل من قلوبهم عظمة الرسالة والرسل. وإلا فما معنى هذه المقولة الشنيعة التي سقط بها هذا الرافضي؟([1639]).
 
 
 
(د) رأي دعاة التقارب فيما جاء في أصولهم وكتبهم الأساسية من عدم شرعية أي حكومة إسلامية غير حكومة الاثني عشر:
رأي آيتهم ”حسين الخراساني“([1640]).
لعل رأيه في هذا الباب يؤخذ من خلال ما ذكر في كتابه «الإسلام على ضوء التشيع» أن كل شيعي على وجه الأرض يتمنى فتح مكة والمدينة وإزالة الحكم الوهابي عنها – كما يزعم ـ يقول: (إن طوائف الشيعة يترقبون من حين وآخر أن يوماً قريباً آت يفتح الله تعالى لهم تلك الأراضي المقدسة لمرة أخرى – كذا – ليدخلوها آمنين مطمئنين فيطوفوا ببيت ربهم، ويؤدوا مناسكهم ويزوروا قبور ساداتهم ومشايخهم وفي مقدمها قبر صاحب الشريعة الإسلامية ومسجده الشريف وقبور أهل بيته وعترته الطاهرين في البقيع، ولا يكون هناك سلطان جائر يتجاوز عليهم بهتك أعراضهم وذهاب حرمة إسلامهم وسفك دمـائهم المحقونة، ونهب أموالهم المحترمة ظلماً وعدواناً. حقق الله تعالى



آمالنا)([1641]).
هكذا يتمنى هذا ”الرافضي“ فتح الديار المقدسة، وكأنها بيد كفار, ويعلل هذا التمني بأنه يريد الحج والزيارة وكأنه وطائفته قد منعوا من ذلك، والواقع أنه يريد إقامة الشرك وهدم التوحيد في الحرمين الطاهرين، وهذه الأمنية هي التي رددها بعض رجالات ثورة الخميني؛ ففي احتفال رسمي وجماهيري أقيم في عبدان في 17/3/1979م تأييداً لإقامة الجمهورية الإسلامية ألقى د. محمد مهدي صادقي خطبة في هذا الاحتفال سجلت باللغتين العربية والفارسية, ووصفتها الإذاعة بأنها مهمة, ومما جاء في هذه الخطبة: (أصرح يا إخواني المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن مكة المكرمة حرم الله الآمن يحتلها شرذمة أشد من اليهود..), وذكر قبل ذلك بأنه حين تثبت ثورته على أقدامها سينتقلون إلى القدس وإلى مكة المكرمة، وإلى أفغانستان وإلى مختلف البلاد([1642]). وهكذا يعتبر الوضع في مكة كوضع القدس الذي يحتله اليهود ووضع أفغانستان التي يحتلها الشيوعيون([1643]), في حين أننا نراهم يتعاطفون مع الحكم النصيري الكافر في سوريا ولا يمسونهم بنقد..!!
(2) رأي آيتهم العظمى عبد الحسين الرشتي([1644]):
في جـواب لـه عـلى مـا قـالـه الشيـخ جـار الله مـن أن الشيعة ترى أن


حكومات الدولة الإسلامية وقضاتها كلها طواغيت([1645]).
أجابه هذا الرشتي بجواب حاول فيه إقامة الدليل على شرعية إمامة الاثني عشر وبطلان ما عداها من حكم وإمامة, وزعم أنه يأخذ هذه الأدلة من كتب السنّة المعتمدة, ومما أورده في ذلك قوله: (وروى صدر الأئمة أخطب خوارزم([1646]) بسنده أن الله U قال لنبيه عن ولاية أئمتهم الاثني عشر: فمن قبلها كان عندي من المؤمنين ومن جحدها كان عندي من الكافرين, يا محمد لو أن عبداً من عبادي عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشن البالي ثم أتاني جاحداً لولايتكم ما غفرت له حتى يقر بولايتهم)([1647]).
والنتيجة من جواب هذا الرشتي أن الشيعة ترى كفر الحكومات الإسلامية, وتحاول أن تقيم على أهل السنّة الحجة والدليل من كتبهم ليأخذوا بهذا المبدأ!!
(3) عبد الحسين شرف الدين الموسوي([1648]):
لما قال الشيخ موسى جار الله إن الشيعة تعتبر الحكومات الإسلامية وقضاتها طواغيت أجابه هذا الموسوي بقوله:
(الطواغيت من الحكومات وقضاتها عند الشيعة إنما هم الظالمون الغاشمون المستحلون من آل محمد ما حرم الله ورسوله.. أما غيرهم من حكومات الإسلام فإن من مذهب الشيعة وجوب مؤازرتهم في أمر يتوقف عليه عز الإسلام ومنعته، وحماية ثغوره وحفظ بيضته، ولا يجوز عندهم شق عصا المسلمين وتفريق جماعتهم بمخالفته, بل يجب على الأمة أن تعامل سلطانها القائم بأمورها والحامي لثغورها معاملة الخلفاء بالحق)([1649]).
مناقشة هذا الرأي:
هل يختلف قول عبد الحسين الموسوي عن رأي سابقيه حسين الخراساني وعبد الحسين الرشتي؟ وهل يختلف عما جاء في كتبهم الأساسية عندهم ـ تلك التي تقول إن كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت ـ؟. إذا كان ذلك كذلك فلماذا يتطوع بالرد على موسى جار الله, ولا يرد على كتبهم التي قـالت هـذا القـول, وعـلى عـلمائهم الذين لا يزالون يجاهرون بهذا المبدأ؟!!
الحقيقة أن حديث علماء الشيعة إذا كان موجهاً لأهل السنّة فإنه يحمل مواصفات معينة من الحذر والكتمان صيانة لمذهبهم من نقد الخصوم – غالباً – وأنت إذا تأملت كلمات عبد الحسين رأيت الرجل لا يختلف في قوله عن قول سابقيه سوى أنه صاغ كلامه بأسلوب التورية، وبطريقة تخدع من لا يعرف أساليبهم في التقية، فهو يقول: إن الطواغيت من الحكومات وقضاتها عند الشيعة إنما هم الظالمون لآل محمد، وهو في هذا لم يخرج عن مذهب الشيعة فهم يعتبرون كل من تعدى على سلطان أحد أئمتهم الاثني عشر وادعى الإمامة من دونهم هو ظالم لآل محمد, حتى إنهم يعتبرون أبا بكر أول ظالم لهم.
وفي قوله: وأن الشيعة ترى وجوب مؤازرتهم – أي الحكام – في أمر يتوقف عليه عز الإسلام، وهذا هو أيضاً مذهب الشيعة, ومرادهم بـ ”عز الإسلام“ عز مذهب الشيعة، ولهذا نرى شيخهم الخميني يؤيد ما صنعه نصير الدين الطوسي من دخوله في العمل وزيراً لهولاكو([1650])، بقصد هدم الخلافة الإسلامية وإظهار مذهب الشيعة, ويرى مشروعية هذا اللون من التعاون مع الدول والحكام، فيقول: إن من باب التقية الجائزة دخول الشيعي في ركب السلاطين إذا كان في دخوله الشكلي نصر للإسلام وللمسلمين مثل دخول نصير الدين الطوسي([1651]).
وقوله: يجب على الأمة أن تعامل سلطانها القائم بأمورها والحامي لثغورها.. إلخ. والسلطان القائم بالأمور والحامي للثغور لا يتحقق في قاموس الروافض إلا للأئمة الاثني عشر أو نوابهم من فقهاء الروافض, أما غيرهم فلا يعتبرونهم من حماة الثغور, ولهذا يتعاونون مع الأعداء ضد الخلافة الإسلامية كما صنعوا في أحقاب التاريخ المختلفة. والذي دعاني أن أبيّن ألغاز كلام هذا الرافضي ومراميه هو أنه لم يشر إلى وجود تلك النصوص في كتبهم والتي تعتبر الحكومات الإسلامية وقضاتها وعلماءها طواغيت، فضلاً عن أن يردها، ثم إنه لم يذهب للرد على علمائهم الذين جاهروا بهذا الرأي بل ذهب يرد على موسى جار الله ويكذبه فيما قاله عن شيء قائم وواقع في كتب الشيعة, وهذا دليل التقية وليس مسلك من هو صادق في دعواه.
وقد سلك لطف الله الصافي في رده على محب الدين الخطيب حول هذه القضية مثل مسلك عبد الحسين الموسوي([1652]).
أما الخنيزي في كتابه «الدعوة الإسلامية» فقد زعم أن الشيعة تُكِنّ كل ولاء للحكومات الإسلامية القائمة. وتجاهل ما في كتب طائفته مما يخالف هذا، وما قاله علماؤهم في ذلك وإنكار الواقع القائم تقية بلا ريب، ومن علامات تقيته أنه في إنكاره رد على من ينتقد بعض الحكومات التي تحكم بعض الشعوب الإسلامية واثني على جميع تلك الحكومات صالحها وطالحها بلا تفريق أو تمييز([1653]).
(هـ) رأيهم فيما جاء في كتبهم من أن الإمامة ركن من أركان الدين وأن منكر الإمامة كافر:
ماذا يقول دعاة التقريب في الروايات والتي تعد بالمئات في كتبهم والتي تكفر من أنكر إمامة الأئمة، أو دان بإمامة غيرهم, وما أكده علماؤهم السابقون – كالمفيد وغيره – من إجماعهم على هذا المذهب كما سبق؟([1654]).
ذكر مجموعة من مراجع الشيعة وعلمائها المعاصرين أن منكر الإمامة لا يخرج في اعتقادهم عن دائرة الإسلام.
فيذكر محمد حسين آل كاشف الغطا أن الشيعة زادوا في أركان الإسلام ركناً آخر وهو الإمامة([1655]), لكنه يقول: (فمن اعتقد بالإمامة.. فهو عندهم مؤمن بالمعنى الأخص)([1656]).
ومن لم يعتقد بها (فهو مسلم ومؤمن بالمعنى الأعم, تترتب عليه جميع أحكام الإسلام من حرمة دمه وماله وعرضه ووجوب حفظه وحرمة غيبته وغير ذلك, لا أنه بعدم الاعتقاد بالإمامة يخرج عن كونه مسلماً – معاذ الله – نعم يظهر أثر التدين بالإمامة في منازل القرب والكرامة يوم القيامة..)([1657]), ويقول محسن الأمين ـ في قول الشيخ موسى جار الله: إن كتب الشيعة صرحت أن كل الفرق الإسلامية كافرة وأهلها نواصب([1658]) ـ يقول محسن الأمين: (سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم, لا يعتقد أحد من الشيعة بذلك، بل هي متفقة على أن الإسلام هو ما عليه جميع فرق المسلمين من الإقرار بالشهادتين, إلا من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة وحرمة الخمر وغير ذلك, وعمدة الخلاف بين المسلمين هو في أمر الخلافة, وهي ليست من ضروريات الدين بالبديهة, لأن ضروري الدين ما يكون ضرورياً عند جميع المسلمين وهي ليست كذلك)([1659]). وبمثل هذا الرأي قال آخرون من شيوخ الشيعة المعاصرين(