من الذي يدعم الإرهابيين في العراق؟ ..   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

رزية الخميس ..
    من الشبهات القديمة التي لا يمل الشيعة من تكرارها، ولا يكاد يخلو منه كتاب من كتبهم ، رغم ردود علماء أهل السنة عليها ، شبهة ما يسمى بـ "رزية الخميس".
     والطريف أن هذه القصة وردت من طرق أهل السنة وبأسانيدهم، وليس لها وجود في كتب الإمامية من طرقهم. فهم ليسوا سوى ناقلين لها مع تحريفات كثيرة وتأويلات بعيدة تخدم الغرض من إستشهادهم بها. وجميع طرق هذه الرواية عن إبن عباس رضي الله عنهما، الذي كان عند وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم صغير السن، ولذلك نقلت عنه الواقعة بألفاظ مختلفة.
 
وقبل الكلام في هذه الشبهة، نورد الرواية، وسنقتصر على ما جاء في الصحيحين.
 
     عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وجعه قال ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده قال عمر إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا فاختلفوا وكثر اللغط قال قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع. فخرج ابن عباس يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين كتابه[1].
     وفي رواية :  عن سعيد بن جبير سمع ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء فقال اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعه يوم الخميس فقال ائتوني بكتاب اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا هجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال دعوني فالذي انا فيه خير مما تدعوني إليه وأوصى عند موته بثلاث اخر جوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ونسيت الثالثة[2].
     وفي رواية : عن سليمان بن أبي مسلم الأحول، سمع سعيد بن جبير، سمع ابن عباس رضي الله عنهما، يقول: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتى بل دمعه الحصى، قلت يا أبا عباس: ما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعه، فقال: «ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا»، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما له أهجر استفهموه؟ فقال: «ذروني، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه»، فأمرهم بثلاث، قال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم» والثالثة خير، إما أن سكت عنها، وإما أن قالها فنسيتها، قال سفيان: هذا من قول سليمان[3].
     وفي أخرى : عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس: يوم الخميس، وما يوم الخميس؟ اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعه، فقال: «ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا»، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما شأنه، أهجر استفهموه؟ فذهبوا يردون عليه، فقال: «دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه» وأوصاهم بثلاث، قال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم» وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها "[4].
     وفي أخرى :  عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده فقال عمر إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله فاختلف أهل البيت فاختصموا منهم من يقول قربوا يكتب لكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتابا لن تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قال عمر فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوموا قال عبيد الله فكان ابن عباس يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم[5].
     وفي أخرى :  عن ابن عباس قال: لما حضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده قال عمر إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتابا لن تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قال عمر فلما أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال قوموا عني قال عبيد الله فكان ابن عباس يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم[6].
     وبقية الروايات صحيحة السند في الباب في المصادر الأخرى لا تخرج عن المضمون الذي مر.
     ولا بأس من ذكر بعض نقول الشيعة لهذه الرواية ليقف القارئ على تفسيرهم وتأويلهم ، بل وتحريفهم للقصة.
 
     يقول الحلي : كان عمر بن الخطاب عندهم ثاني الخلفاء صاحب الفتوح الكثيرة والسياسات العظيمة وقد سب رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذي توفى فيه صلى الله عليه وآله حيث قال رسول الله صلى الله عليه وآله أتوني بدواة وكتف لاكتب فيه كتابا لن تضلوا بعده ابدا فقال عمر ان الرجل ليهجر حسبنا كتاب الله فاعرض النبي صلى الله عليه وآله عنه مغضبا ثم وقع التشاجر بين الصحابة فقال بعضهم القول ما قال عمر وقال آخرون القول ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وامرهم النبي صلى الله عليه وآله بالانصراف عنه حيث اذوه بالصياح عنده فسألوا منه الكتابة ففتح عينيه صلى الله عليه وآله وقال ابعد ما سمعت[7].
     وقال : وروى صاحب الصحاح الستة في السنة من مسند ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في مرض موته : ائتوني بدواة وبياض لأكتب لكم كتابا لا تضلون به من بعدي ، فقال عمر : إن الرجل ليهجر ، حسبنا كتاب الله[8].
     وقال في موطن آخر : فأول تنازع وقع في مرضه فيما رواه البخاري بإسناده إلى ابن عباس ، قال : لما اشتد بالنبي مرضه الذي توفي فيه قال : ائتوني بدواة وقرطاس اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي ، فقال عمر إن صاحبكم ليهجر ، حسبنا كتاب الله[9].
     وقال : نقل الجمهور عن عمر مطاعن كثيرة منها : قوله عن النبي صلّى اللّه عليه وآله لما طلب في حال مرضه دواة وكتفاً ليكتب فيه كتاباً لايختلفون بعده ، وأراد أن ينصّ حال موته على ابن عمه علي عليه السلام فمنعه عمر وقال : إن نبيّكم ليهجر . فوقعت الغوغاء وشجر النبي صلّى اللّه عليه وآله فقال أهله : لاينبغي عند النبي هذه الغوغاء . فاختلفوا فقال بعضهم : احضروا ما طلب ، ومنع آخرون . فقال النبي : أبعدوا . هذا الكلام في صحيح مسلم. وهل يجوز مواجهة العامي بهذا السفه فكيف بسيّد المرسلين؟[10].
    يقول المجلسي الأول : لم يذكر - أي البخاري - اسم أشقى الأشقياء ، وما لم يذكر السب ذكر اسمه ولم يتفطن أن قوله : قد غلبه الوجع ، وقوله : حسبنا كتاب الله ، وقوله : عندكم القرآن كل واحد منها كاف في كفره لرد قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إنكارا [11].
     ويقول البياضي : أن الغوغاء لم تكن بطلب الكتاب بل بالمخالفة كما أخرجه البخاري وغيره من قول بني هاشم : قربوا إليه كتابا ، وقول عمر ومن معه : لا ندعه يكتب وإنه قد هجر ، وفي رواية : ولا يعلم ما يقول ، فعندها قال : اخرجوا عني ، وهذا أذى لرسول الله[12].
     ويقول التستري : أول من سب رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذي توفي فيه صلوات الله عليه وآله هو عمر بن الخطاب ، خليفة . . . حيث قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " إيتوني بدواة وكتف لأكتب كتابا لن تضلوا بعده أبدا ، فقال عمر : إن الرجل ليهجر ، حسبنا كتاب الله فأعرض النبي صلى الله عليه وآله مغضبا[13].
     يقول الطهراني : وبعد أن واجه المسلمون قضية الخلافة حصل الانشقاق بينهم ، فصاروا فريقين : فريق اتبعوا قول الرسول صلى الله عليه وآله فتمسكوا بالكتاب والعترة ، وفريق رفضوا العترة وقالوا " حسبنا كتاب الله " وسمي الفريق الأول بالشيعة لأنهم شايعوا أهل البيت ، والثاني بالسنة[14].
     ويقول الخميني: عندما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فراش المرض، ويحف به عدد كثير، قال مخاطباً الحاضرين: تعالوا أكتب لكم شيئاً يحميكم من الوقوع في الضلالة، فقال عمر بن الخطاب: لقد هجر رسول الله. وقد نقل نص هذه الرواية المؤرخون وأصحاب الحديث من البخاري ومسلم وأحمد مع اختلاف في اللفظ، وهذا يؤكد أن هذه الفرية صدرت من ابن الخطاب المفتري. الواقع أنهم ما أعطوا الرسول حق قدره…الرسول الذي كد وجد وتحمل المصائب من أجل إرشادهم وهدايتهم، وأغمض عينيه وفي أذنيه كلمات ابن الخطاب القائمة على الفرية والنابعة من الكفر والزندقة)[15].
     يقول السبحاني : ولا أظن أحداً يوافق الخليفة فيما ادّعاه ، وإنّما هي كلمة صدرت عنه للحيلولة دون كتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يكن هذا المنع هو الموقف الأخير من الخليفة ، بل له مواقف أُخرى أشدّ من ذلك ، فقد منع كتابة الحديث وتدوينه بعد رحيل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بوجه بات ، وبذلك جسّد ما قاله أمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم : حسبنا كتاب اللّه ، وصار منعه فيما بعد سنّة رائجة إلى أواسط القرن الثاني [16].
     ويقول المازندراني : ومثل ما قالوا في توجيه قول الثاني حين قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ايتوني بالدوات والقلم الحديث . فقال الثاني : إن الرجل ليهذر ، حسبنا كتاب الله ، فقالوا : إن ذلك القول منه من باب الاجتهاد ولم يعلموا أن رد قول الرسول والعمل بخلافه كفر محض[17].
     يقول الطبري (الشيعي) : ولم ينكروه في رجل قد عبد الأوثان ، وأشرك بالله أربعين سنة ، بل تلقوا ذلك بالقبول ميلا منهم إليه ! ، وحملا على بني هاشم أهل بيت النبوة . وهذا هو الذي يروى عنه ، أنه قام بظلم فاطمة عليها السلام ، وأمتنع أن يحمل الصحيفة ، والدواة إلى رسول الله ، وهو الذي نسبه إلى أنه هجر ! ، ثم قال : حسبنا كتاب الله ردا منه على النبي مما علم من مراده ، ولو علم أن هذا الامر فيه أو في صاحبه ، لبادر بالصحيفة والدواة ، وفي قوله : حسبنا كتاب الله الكفر بالله ، لان جل ذكره يقول : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ، وفي فعله ورده ما أمر الرسول به ما هو دليل على ما ذكرناه[18].
     يقول القمي الشيرازي : من مخالفتهم للنبي صلى الله عليه وآله في حال الرخاء ، أنهم خالفوه في مرض موته وآخر أيام عمره ، حيث أراد منهم أن يأتوه بدواة ولوح ليكتب لهم ما يبعدهم عن الضلالة ، فحالوا بينه وبين مراده ، ونسبه الثاني من خلفاء المخالف إلى الهجر والهذيان ، وقال : حسبنا كتاب الله [19].
     يقول المنتظري : عمر قال : « انّ هذا الرّجل ليهجر »[20].
 
    يقول الخراساني : من هفوات الكلام الَّتى صدرت عنه كما صدر عنه ( ص ) نظير هذا وقت موته على قول عمر دعه انّه ليهجر أو انّ الرّجل ليهجر حسبنا كتاب اللَّه ، نعوذ باللَّه من هذه الأراجيف [21].
     ويقول الأحمدي الميانجي : إباء الخليفة أن يكون كتاب مع كتاب الله تعالى ، وهذا عبارة أخرى عما قاله عمر يوم الخميس - حين أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتب لأمته ما يعصمهم من الضلال ومنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكتابة بقوله : إن المرء ليهجر - : " عندنا كتاب الله حسبنا " أو " عندكم القرآن حسبنا كتاب الله " الذي يؤول إلى رفض السنة وعدم الاعتبار بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفعله وتقريره والاستغناء عنه [22].
     ويقول مهدي الخرسان : أراد أن يكتب لامته بمحضر من المهاجرين والأنصار في حجرته ، كتاباً لن يضلّوا من بعده ، فاستدعى بدواة وكتف ، فبادره عمر بكلمته النابية ، « انّه يهجر ، حسبنا كتاب الله »[23]. وقال : فلنقرأ ما يرويه ابن عباس رضي الله عنه : قال : « يوم الخميس وما يوم الخميس ؟ ! يوم أشتد برسول الله وجعه فقال : ( إيتوني بدواة وبياض اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً ) . فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبيّ تنازع - فقال عمر : إنّ النبيّ يهجر - وفي حديث آخر : « إنّه ليهجر » ، وفي ثالث : « إنّه هجر » - ثمّ قال : عندنا القرآن ، حسبنا كتاب الله[24].
    ويقول نجاح الطائي : قال عمر وعصبة قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الأيام إنه يهجر[25] .
     ويقول فارس حسون : روى البخاري ومسلم في " صحيحيهما " ، عن ابن عباس قال : لما احتضر رسول الله صلى الله عليه وآله وفي البيت رجال منهم : عمر بن الخطاب ، قال النبي صلى الله عليه وآله : " هلم أكتب لكم كتابا لا تضلون بعده " ، قال عمر : إن رسول الله ليهجر ، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله[26].
     ويقول حسين الشاكري: ولما أفاق نظر إليهم وقال : ائتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي أبدا ، عرف عمر مغزى وصيته ( صلى الله عليه وآله ) ، ثم أغمي عليه ، فقام بعضهم يلتمس دواة وكتفا ، فقال له عمر بن الخطاب : ارجع فإنه يهجر - بصريح العبارة - [27].
     وقال عبدالزهراء مهدي : رزية يوم الخميس وعندما أفاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظر إلى من كان حوله ثم قال : " ائتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا " ، ثم أغمي عليه ، فقال عمر : إنه يهجر[28].
     ويقول هاشم الهاشمي : مما لا شك فيه أن الفريق المعترض الذي تزعمه عمر كان يدرك جيدا مضمون الكتاب الذي أراد النبي صلى الله عليه وآله كتابته كي لا يضل المسلمون بعده ، وهو التأكيد على بيعة الغدير للامام علي عليه السلام ، ولهذا صدرت كلمته النابية : ( إن الرجل ليهجر ، حسبنا كتاب الله )[29] .
     ويقول الميلاني : كما ورد في الأحاديث الصحيحة من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في مرضه : ائتوني بدواة أكتب لكم كتاباً لاتضلّون بعدي ، فقال عمر : إنّ الرجل ليهجر حسبنا كتاب اللّه[30].
     وأمثال هذه الأقوال كثيرة جداً لا يسعني حصرها ، والقليل الذي ذكرته تبين حجم التساهل في الكذب عند الشيعة في نسبة الروايات المحرفة إلى أهل السنة وصحاحهم وتأويلها حسب أهوائهم.
 
يتمسك الطاعنون بهذه القصة بعدة أمور، أهمها:
  1. ما جاء في بعض الروايات من قول بعض الحاضرين "أهجر" ونسبوا هذا القول لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنه بقوله "أهجر" ورفعه شعار "حسبنا كتاب الله" تجاوز الحد والطعن في النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، واتهامه بالتخريف والهذيان ..ألخ.
  2. رفض الصحابة الإذعان لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
  3. اختلافهم عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وارتفاع أصواتهم الدالة على عدم التوقير.
  4. رفضهم لطلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه يتضمن التوصية لعلي عليه السلام بالخلافة من بعده.
  5. سوء كلام بعض الصحابة على مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووصفه بالهجر.
  6. عمر بن الخطاب رفض الانصياع لطلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وغيرها.
 
خلاصة رُدود العلماء على هذه الشبهات:
 
توطئة:
 
     أولاً : إن تلك الحادثة حدثت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأربعة أيام، وهو على فراشه، وكان يوعك وعكاً شديداً من شدة الألم، بل كان صلى الله عليه وآله وسلم من شدة الألم يغمى عليه تارة ويفيق تارة أخرى، وقال للصحابة حينها: (ائتوني اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً) فاختلف الصحابة فمنهم من أراد أن لا يجهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه، وظن أن الأمر لم يكن بحتم واجب إنما كان على سبيل الاختيار والتذكير، ومنهم من أراد إحضار الكتف والدواة للكتابة.
     ثانياً: ليس بمقدور أي كائن بعد زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتخيل ما دار في تلك اللحظة تخيلاً واضحاً، مثل أولئك الذين شهدوا تلك الحادثة، ونظروا إلى معاناة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مرض الموت، خاصة وأنهم لم تمر عليهم حالة مشابهة من قبل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فاختلفت آراؤهم لعدم سبق علم بها.
     ثالثاً: التمسك بهذه الحادثة على أن فيها مغمزاً ومطعناً في الصحابة رضي الله عنهم شيء جديد لم يسبق إليه أحد من قبل، ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم مرت عليهم الواقعة مرور الكرام وعلموا أنها لم تتضمن أي شبهة تجاه عدالة الصحابة ومقدار حبهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهل من تأخر عنهم يكون أعلم وأبصر من أولئك الجمع كلهم الذين عاشوا بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟!.
     ولابد للمسلم أن يطهر قلبه من الحقد والبغض تجاه أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يحبهم كما كان هدي الأئمة رحمهم الله، ونقول: إن التبس عليك أمر في حق الصحابة رضي الله عنهم أو غيرهم، فالتمس لهم العذر، كما ثبت عن الأئمة عليهم السلام أنهم قالوا: (احمل أخاك المؤمن على سبعين محملاً من الخير .. الحديث).
     وقولهم عليهم السلام: (كذّب سمعك وبصرك عن أخيك).
     وعن أمير المؤمنين عليه السلام : ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه، ولا تظنن بكلمة -خرجت من أخيك- سوءاً؛ وأنت تجد لها في الخير محلاً.
     فمن الأولى علينا أن نسير على هدي الأئمة رحمهم الله، وأن نلتمس العذر لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما كانوا فيه من هلع وحيرة عند مشاهدتهم لحبيبهم وما يعانيه من ألم مبرح وهو ينازع سكرات الموت. وقد أثنى الله تبارك وتعالى عليهم وقال عنهم: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) [آل عمران:110] وقد كانوا ينكرون على بعضهم في مسائل فقهية أقل من ذلك. ولماذا نطعن الآن بعد مضي تلك القرون الكثيرة في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الحادثة وغيرها؟! وما أهدافنا من ذلك؟ أنحن أعلم وأحرص على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من نفسه؟! أنحن نحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من أصحابه؟! أم أننا أصحاب هوى؟!
 
     من الرُدود على هذه الشبهات:
 
  1. لم تصح نسبة القول "أَهَجَر" إلى عمر رضي الله عنه في أي رواية. بل الذي ثبت عنه قوله : "غلب عليه الوجع". فلفظ "أَهَجَر" جاءت في جميع الروايات منسوبة إلى بعض الحاضرين دون تحديد، وجاءت بصيغة الجمع.
     قال ابن عباس رضي الله عنهما: فقالوا : ما شأنه؟ أهجر! استفهموه" . ويرى البعض أن قائله لعله أحد المنافقين الحاضرين، أو صحابي استفسر عن صحة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد مقولته عن الكتابة. لأنه ربما اختلط عليه سماع كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذلك لبحَّة في صوته أو غلبة اليبس بالحرارة على لسانه، مثلما يقع في الحميات الحارة، وقد ثبت بإجماع أهل السير أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم كانت فيه بحة صوت عارضة له في مرض موته صلى الله عليه وآله وسلم.
     ثم أن الهجر عند الموت معناه معاناة سكرات الموت بخلاف نسبة الهذيان إلى الصحيح غير المعاني من المرض أو الموت. وليس هناك من يعرف على وجه الدقة من كان موجودا في ذلك الموقف قرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم نعلم على وجه العلم لا الحصر غير عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس ويجب ألا يستغرب القارئ من كثرة هذه التعليلات تجاه هذه الكلمة، لأن من قيلت أمامهم هذه الكلمة لم يعنفوا على القائل بل رب العزة سبحانه وتعالى الذي لا يخفى عليه شيء لم يوجه شيئا تجاه خليله وحبيبه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.
 
  1. قيل "أَهَجَرَ" فعل ماض والكلمة في هذه الحالة على سبيل الاستفهام الإنكاري بإحضار الكتف والدواة فكأن قائلها قال: كيف تتوقف فى امتثال أمره صلى الله عليه وآله وسلم ، أتظن أنه صلى الله عليه وآله وسلم كغيره يقول الهذيان فى مرضه، امتثل أمره، وأحضره ما طلب فإنه لا يقول إلا الحق.
     وهذا أحسن الأجوبة وأرجحها عند الحافظ ابن حجر والقرطبي في توجيه هذه الكلمة.
     وضبطها بعضهم: "أهُجْراً" بضم الهاء وسكون الجيم والتنوين.
     والمراد: هذه الحالة راجعة إلى المختلفين عند رسول الله وبين يديه هجراً ومنكراً من القول جئتم باختلافكم عند رسول الله ،وبين يديه هجراً ومنكراً من القول و هذا الضبط الثاني والمراد به تثبته الروايات وما جاء فيها من كثرة لغطهم ولغوهم.
     فخلاصة القول أن "أهجر" أو "أهجراً" كان القول منه سلباً للهجر لا إثباته، وإنكاراً أيضاً على المختلفين بين يديه وإنكاراً منه على من توقف في امتثال أمره، وما أحدثوه بحضرته من لغط ولغو. ولو كان غير ذلك لوجد من ينكر على قائلها، وعلى رأسهم رسول الله، ولنقل إلينا، ولا نقل! مما يؤكد أن قائل "أهجر" قصد بها سلب الهجر عن رسول الله لا إثباته.
 
  1. النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يتكلم بالهذيان البتة وكانوا يعلمون انه ما خط قط بل كان يمتنع صدور هذه الصنعة منه لقوله تعالى : (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) [العنكبوت : 48]. لذا قالوا فاسئلوه. وتحقيق ذلك أن الهجر في اللغة هو اختلاط الكلام بوجه غير مفهم، وهو على قسمين:
     قسم لا نزاع في عروضه للأنبياء عليهم السلام وهو عدم تبيين الكلام لبحة الصوت وغلبة اليبس بالحرارة على اللسان كما في الحميات الحارة، وقد ثبت بإجماع أهل السير أن نبينا كانت بحة الصوت عارضة له في مرض موته.
     والقسم الآخر جريان الكلام غير المنتظم أو المخالف للمقصود على اللسان بسبب الغشى العارض بسبب الحميات المحرقة في الأكثر. وهذا القسم وإن كان ناشئاً من العوارض البدنية ولكن قد اختلف العلماء في جواز عروضه للأنبياء، فجوزه بعضهم قياساً على النوم، ومنعه آخرون، فلعل القائل بذلك القول أراد القسم الأول يعنى ان هذا الكلام خلاف عادته فلعنا لم نفهم كلامه بسبب وجود الضعف في ناطقته فلا إشكال.
     ولذلك بن مسعود لما حضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو على فراش الموت وجده يعرق عرقاً شديداً يتصبب العرق من جبينه  فقال يا رسول الله إنك توعك وعكاً شديداً قال: إني أوعك كرجلين منكم. قال: أذلك لأن لك الأجر مرتين؟  قال: نعم.
     فشفقة عمر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي التي دفعته أن يقول (حسبنا كتاب الله حسبنا كتاب الله) يعني دعوا النبي يرتاح صلى الله عليه وآله وسلم.
     وقد جاء في كتب الإمامية ما يؤكد هذا الأمر.
     فعن ابن عباس ، قال : لما مرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعنده أصحابه ...فإذا الحسن والحسين عليهما السلام يبكيان ويصطرخان وهما يقولان : أنفسنا لنفسك الفداء ، ووجوهنا لوجهك الوقاء . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من هذان يا علي ؟ قال : هذان ابناك الحسن والحسين . فعانقهما وقبلهما ، وكان الحسن عليه السلام أشد بكاء ، فقال له : كف يا حسن ، فقد شققت على رسول الله .. الرواية[31].
     وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام ، قال : حضر علي بن الحسين عليهما السلام الموت ، فقال : يا محمد ، أي ليلة هذه ؟ قال : ليلة كذا وكذا . قال : وكم مضى من الشهر ؟ قال : كذا وكذا .قال : وكم بقي ؟ قال : كذا وكذا . قال : إنها الليلة التي وعدتها . قال : ودعا بوضوء فقال إن فيه لفأرة . فقال بعض القوم : إنه ليهجر .[32].
 
  1. اتفق قول العلماء - سوى من لا يعتد بخلافهم - على أن قول عمر "إن رسول الله، قد غلبه الوجع، عندكم القرآن، حسبنا كتاب الله" رد على من نازعه، لا على أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
      كما أن العلماء عدو قوله: من قوة فقهه، ودقيقه، حين رآه قد غلب عليه نظره، ومن موافقته للوحي قصد منه التخفيف عن رسول الله الوجع، وشدة الكرب، وقامت عنده قرينه بأن الذي أراد كتابته، ليس مما لا يستغنون عنه، إذ لو كان من هذا القبيل، لم يتركه عليه الصلاة والسلام، لأجل اختلافهم لقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [المائدة : 67].
     وفى تركه عليه الصلاة والسلام، الإنكار على عمر إشارة إلى تصويبه رأيه.
     ويؤيد صحة رأى عمر، وأن الكتاب لم يكن على سبيل الوجوب، ما جاء فى نفس الحديث من وصيته بثلاث قال: "اخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم وسكت عن الثالثة أو قال الراوي: فنسيتها".
     فهذا يدل على أنه لم يكن أمراً متحتماً، لأنه لو كان مما أمر بتبليغه، لم يكن الذي أراد أن يكتبه يتركه لوقوع اختلافهم، ولعاقب الله عز وجل من حال بينه وبين تبليغه، ولبلغه لهم لفظاً، كما أوصاهم بإخراج المشركين وغير ذلك.
     وقد عاش عليه الصلاة والسلام بعد هذه المقالة أياماً. فكيف يظن بعمر رضي الله عنه أنه يرفض طلباً يسيراً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي طوال مرافقته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يبخل بشيء؟.
     ومما قيل في هذا أن عمر كان يعلم أن العباس كان له هوى في أن يؤثر على قول النبي في استخلافه أو يصرح النبي باسم أبي بكر فيدخل من ذلك شيء من الحزن على نفس العباس، فأراد أن يبقى هذا الأمر لتقدير الله عز وجل، والذى يريده الله لهذه الأمة فلن يكون غيره.
     وقال الخطابي: لم يتوهم عمر الغلط فيما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يريد كتابته بل امتناعه محمول على أنه لما رأى ما هو فيه من الكرب وحضور الموت خشي أن يجد المنافقون سبيلا إلى الطعن فيما يكتبه وإلى حمله على تلك الحالة التي جرت العادة فيها بوقوع بعض ما يخالف الاتفاق. فكان ذلك سبب توقف عمر لا أنه تعمد مخالفة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا جواز وقوع الغلط عليه حاشا وكلا.
 
  1. قال الإمام القرطبى رحمه الله: واختلاف الصحابة رضى الله عنهم، فى هذا الكتاب كاختلافهم فى قوله صلى الله عليه وآله سلم : "لا يصلين أحد العصر إلا فى بنى قريظة" فتخوف ناس فوات الوقت فصلوا، وتمسك آخرون بظاهر الأمر فلم يصلوا، فما عنف صلى الله عليه وآله وسلم أحد منهم، من أجل الاجتهاد المسوغ، والمقصد الصالح.
     ويرد على القول فى أن اختلاف الصحابة، فى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتابة، سوء أدب منهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم !! لأنهم رضوان الله عليهم أجمعين، كانوا يراجعونه صلى الله عليه وسلم فى بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم،كما راجعوه يومالحديبية، فى كتاب الصلح بينه وبين قريش. فأما إذا أمر عليه الصلاة والسلام بالشئ أمر عزيمة، ولا قرينة تصرفه عن ذلك، فلا يراجع فيه أحد منهم.
 
  1. القول أن فى قول عمر: "حسبنا كتاب الله" دعوى منه للاكتفاء به عن بيان السنة، زعم لا دليل عليه، لأنه رضى الله عنه قال ما قاله لما قام عنده من القرينة، على أن الذى أراد صلى الله عليه وآله وسلم كتابته مما يستغنى عنه، بمافى كتاب الله عز وجل،لقوله تعالى : (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ) ... [الأنعام : 38] وكما في قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ) [المائدة:3].التي نزلت قبل هذه الواقعة بثلاثة أشهر. وقوله تعالى : (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [العنكبوت : 51]. حيث لاتقع واقعة إلى يوم القيامة، إلا وفى الكتاب أو السنة بيانها نصاً أو دلالة وفى تكلف النبى صلى الله عليه وآله وسلم فى مرضه من شدة وجعه، كتابة ذلك مشقة ومن هنا رأى عمر، الاقتصار على ما سبق بيانه إياه نصاً أو دلالة تخفيفاً عليه صلى الله عليه وآله وسلم ، ولئلا ينسد باب الاجتهاد على أهل العلم والاستنباط، وإلحاق الفروع بالأصول، وقد كان سبق قوله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر. وهذا دليل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم وكل بعض الأحكام إلى اجتهاد العلماء، وجعل لهم الأجر على الاجتهاد، فرأى عمر رضى الله عنه الصواب تركهم على هذه الجملة، لما فيه من فضيلة العلماء بالاجتهاد، مع التخفيف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،وفى تركه عليه الصلاة والسلام الإنكار على عمر، دليل على استصوابه رضى الله عنه. فدل ذلك على أن عمر رضي الله عنه  ملهم ومحدَّث. وإعراض النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن كتابة الوصية لتؤكد ذلك. وقد أعجز الله أبا جهل وأبا لهب عن أن يمنعوا النبي من شيء من التبليغ فكيف ينجح عمر.
 
     ثم أعلم أن الروايات في كون القرآن حجة، كثيرة من طرق الإمامية عن الأئمة رحمهم الله ، وهذه بعضها:
     عن علي عليه السلام قال : كفى بالجنة ثوابا ونوالا. وكفى بالنار عقابا ووبالا . وكفى بالله منتقما ونصيرا . وكفى بالكتاب حجيجا وخصيما [33].
     وعن أبي جعفر عليه السلام قال : سمعته يقول : الناس صاروا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بمنزلة من اتبع هارون عليه السلام ومن اتبع العجل وإن أبا بكر دعا فأبى علي عليه السلام إلا القرآن وإن عمر دعا فأبى علي عليه السلام إلا القرآن وإن عثمان دعا فأبى علي عليه السلام إلا القرآن[34].
      وقال عليه السلام : والذي بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالحق وأكرم أهل بيته ما من شئ تطلبونه من حرز من حرق أو غرق أو سرق أو إفلات دابة من صاحبها أو ضالة أو آبق إلا وهو في القرآن ، فمن أراد ذلك فليسألني عنه[35].
      وعن الباقر عليه السلام قال : إِن الله لم يدع شيئاً تحتاج إِليه الاُمة إِلى يوم القيامة إِلاّ أَنزله في كتابه وبيَّنه لرسوله وجعل لكُلِّ شيء حدّاً وجعل عليه دليلا يدل عليه[36].
      وقال الصادق عليه السلام : فيه خبر السماءِ ، وخبر الارض ، وخبرَ ما يكون ، وخبر ما هو كائن قال الله : فيه تبيان كل شيء[37].
      وقال عليه السلام : فيه خبركم ، وخبر ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وخبر السماءِ ، وخبر الاَرض ، فلو أَتاكم من يخبركم عن ذلك لتعجبتم[38].
      وقال عليه السلام : إِن في القرآن مَا مضى ، وما يحدث وما هو كائن[39].
      وقال عليه السلام : إن القرآن تبيان كل شئ حتى والله ما ترك الله شيئا يحتاج العباد إليه إلا بينه للناس حتى لا يستطيع عبد يقول لو كان هذا نزل في القرآن إلا وقد أنزل الله تبارك وتعالى فيه[40].
      وقال عليه السلام : ما من شيء يختلف فيه اثنان إلاَّ وله أَصلٌ في كتاب الله[41] .
      وعن المفضل قال : سألت أبا الحسن عليه السلام عن شئ من الصفة فقال : لا تجاوز ما في القرآن[42] .
     فهل نفهم من هذه الروايات أن الأئمة رحمهم الله دعوا إلى ترك السنة؟
 
  1. أما ارتفاع أصواتهم في حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) [الحجرات : 2]. فليس في الروايات دليل صريح يدل على أن ذلك كان على صوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا من عمر رضي الله عنه ولا من غيره .ولو صدر هذا منهم لنزل الوحي بالتوبيخ واللوم من الله.
     فالصحابة رفعوا أصواتهم على بعضهم بسبب اختلافهم في الاستفسار وفي المقصود من طلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكتابة لهم خاصة وأنه صلى الله عليه وآله وسلم أمي لا يعرف الكتابة ، فلما طال نقاشهم فيما بينهم، نهرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الخلاف فقط وذلك من قبيل قلة الصبر العارضة للمريض، فإنه يضيق صدره إذا وقعت منازعة في حضوره.
     وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم : قوموا عني، بصيغة الجمع دليل أن الحكم شمل كل من كان في البيت، وفي هذا رد على من زعم أن عمر رضي الله عنه هو صاحب هذه المقولة التي أغضبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
 
  1. لو كان صلى الله عليه وآله وسلم مأموراً بتبليغ شيء حال مرضه أو صحته فإنه سيبلغه لا محالة، فلو كان مراده صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتب ما لا يستغنون عنه لم يتركه بسبب اختلافهم ولا لغيره، لقوله تعالى: (بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ) [المائدة:67] كما لم يترك تبليغ غير ذلك لمخالفة من خالفه ومعاداة من عاداه، فدل تركه له أن كتابته صلى الله عليه وآله وسلم تحمل على الندب والتذكير لا على الوجوب والتشريع الجديد، وقد عاش صلى الله عليه وآله وسلم أربعة أيام بعد ذلك، ولم يأمرهم بإعادة الكتابة.
 
  1. إن وصف ابن عباس رضي الله عنهما لما جرى (بالرزية) عندما كان يروي الحديث، لم يكن عندما حدثت الحادثة، ولكنه كان يقولها بعد ذلك بسنين عندما يتذكر وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحزنه، والروايات كلها تدل على ذلك.
     فقوله إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب الكتاب يقتضي أن هذا الحائل كان رزية وهو رزية في حق من شك في خلافة الصديق أو اشتبه عليه الأمر فإنه لو كان هناك كتاب لزال هذا الشك فأما من علم أن خلافته حق فلا رزية في حقه.
     وسيأتي مزيد بيان في هذا الأمر.
 
  1. إن كان ما ورد عن عمر والصحابة رضي الله عنهم مطعن ، فما جواب من قال أن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم كان في كثير من الأوقات يعارض النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يمتثل أمره؟
     منها ما كان منه في هذه الواقعة، فإنه رضي الله عنه كان حاضراً في هذه الحادثة وكذلك أهل البيت ، فلماذا لم يذهب أو يذهب أحدً منهم ويأتي بالدواة والقلم حين رفض الآخرين؟.
     ومثلها ما حدث منه في صلح الحديبية لما تصالح النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع قريش في الحديبية.
     فقد روى الإمامية عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال : " أن أمير المؤمنين عليه السلام كتب كتاب الصلح : بسمك اللهم ، هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والملا من قريش ، فقال سهيل بن عمرو : لو علمنا أنك رسول الله ما حاربناك ، أكتب هذا ما تقاضى عليه محمد بن عبد الله ، أتأنف من نسبك يا محمد؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أنا رسول الله وإن لم تقروا ، ثم قال : امح يا علي ، واكتب محمد بن عبد الله ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : ما أمحو اسمك من النبوة أبدا ، فمحاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده " الخبر [43].
     وعن فاطمة عليها السلام قالت : أتى أبي صلى الله عليه وآله ومعه سبعة دراهم سود هجرية ، فقال : يا فاطمة ، أين ابن عمي ؟ فقلت له : خرج . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : هاك هذه الدراهم ، فإذا جاء ابن عمي فقولي له يبتاع لكم بها طعاما . فما لبث إلا يسيرا حتى جاء علي عليه السلام ، فقال : رجع ابن عمي ، فإني أجد رائحة طيبة ؟ قالت نعم ، وقد دفع إلى شيئا تبتاع لنا به طعاما . قال علي عليه السلام : هاتيه . فدفعت إليه سبعة دراهم سود هجرية ، فقال : بسم الله والحمد لله كثيرا طيبا ، وهذا من رزق الله عز وجل . ثم قال : يا حسن ، قم معي ، فأتيا السوق ، فإذا هما برجل واقف وهو يقول : من يقرض الملي الوفي ؟ قال : يا بني ، نعطيه؟ قال : إي والله يا أبه . فأعطاه علي عليه السلام الدراهم[44].
     فقد خالف قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وتصرف في مال الغير، ومع ذلك فأهل السنة لا يطعنون على الأمير بمثل هذه المخالفات، بل لا يعدون ذلك مخالفة. فكيف يطعنون على عمر بما هو اخف منها.
     ومنها عدم قبوله بالاستخلاف على المدينة في غزوة تبوك.
     ولكن لما كانت القرائن الحالية دالة على صدق الأمير وأستقامته لم يلمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
 
  1. ومن أوجه الطعن أنه أتلف حق الأمة ، إذ لو كتب الكتاب المذكور لحفظت الأمة من الضلالة ولم ترهم في كل واد يهيمون، ووبال جميع ذلك على عمر.
     والجواب أنه إنما يتحقق الإتلاف لو حدث حكم من الله تعالى نافع للأمة ومنعه عمر. وقوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم الاية تدل على عدم الحدوث، بل لم يكن الكتاب إلا لمصالح الملك وتأكيد ما بلغه، وإلا فلا يتصور منه أن يقول أو يكتب في هذا الوقت الضيق ما لم يكن قاله قط، مع أن زمن نبوته أمتد ثلاثاً وعشرين سنة، وكيف يمتنع عن ذلك بمجرد منع عمر، ولم يقله لأحد بعد ذلك مع عدم وجود عمر، فإنه قد عاش بعد ذلك خمسة أيام باتفاق الفريقين.
     فإن قيل: لو لم يكن ما يكتب أمراً دينياً فلم قال : لن تضلوا بعدي؟
     قلنا: للضلال معان ، والمراد ههنا عدم الخطأ في تدبير الملك وهو إخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزهم، وتجهيز جيش أسامة منه، لا الضلالة والغواية عن الدين.
     بل إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله والجنة إلا وأمرتكم به وما تركت شيئاً يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه. إذاً النبي بلغ الرسالة. ثم إنه صلى الله عليه وآله وسلم لو نص على شيء أو أشياء لم يرفع ذلك الخلاف كما يقول ابن الجوزي، لأن الحوادث لا يمكن حصرها فهذا دليل على عدم جزمه عليه الصلاة والسلام بما أمر. أي أن الاختلاف سنة كونية باقية قطعاً فلو نص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على ما أراد التنصيص عليه لما رفع الخلاف ولأوهم الخطأ والكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله، ولكان مبرراً قوياً للطعن فيه وفي هذا الدين العظيم.
 
  1. أما القول إن أقوال الرسول كلها وحي فمردود، لأن أقواله لو كانت كلها وحياً فلم قال الله تعالى : (عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) [التوبة : 43].
     وقله تعالى : (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً) [النساء : 105].
     وقوله تعالى : (وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً) [النساء : 107]
     وقوله تعالى في المعاتبة عن أخذ الفدية من أسارى بدر : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [الأنفال : 67-68].
     وقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [التحريم : 1].
     وقوله تعالى : (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ...) [الأحزاب : 37].
     وقوله تعالى : (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ) [النحل : 126] لما رأى مصرع حمزة يوم أحد قال: لئن أمكنني الله من قريش لأقتلن سبعين رجلًا منهم. وفي رواية: لئن ظفرت لأمثلن ولأمثلن[45].
     وقوله تعالى : (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً ) [الكهف : 23-24].
     وقوله تعالى : (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ) [آل عمران : 128].
     وقوله تعالى :  (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) [النساء : 113]. وغيرها .
 
  1. قوله صلى الله عليه وآله وسلم : دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه. ليس إنكاراً على من رفض الكتابة، وإنما معناه: اتركوني لأتفكر وأذكر ربي وأحمده خير من هذا اللجاج. فمراقبة الله تعالى والاستعداد للقائه أفضل من اللجاج.
 
  1. القول بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد الوصية لعلي رضي الله عنه طعن ونسبة للتخليط والوهم له ، إذ كيف يختار خليفته ثم لا يوليه شيئا من مهامه أيام مرضه، والعادة أن الملك اذا عجز عن ادارة شؤون الحكم فوضها لولي العهد من بعده، وهذا الذي حصل بتوليته للصديق رضي الله عنه أمر الصلاة التي هي من أخص خصائص الإمام.
     وذهب الكثير من العلماء المحققين أن النبي صلى الله عليه و سلم  أراد أن ينص على استخلاف أبي بكر رضي الله عنه ثم ترك ذلك اعتماداً على ما علمه من تقدير الله تعالى، وإستدلوا بما جاء عن عائشة قالت : لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعبد الرحمن بن أبي بكر ائتني بكتف أو لوح حتى اكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال أبي الله والمؤمنون ان يختلف عليك يا أبا بكر.
     ومن توهم أن هذا الكتاب كان بخلافة علي فهو ضال باتفاق عامة الناس من علماء السنة والشيعة أما أهل السنة فمتفقون على تفضيل أبي بكر وتقديمه وأما الشيعة القائلون بأن عليا كان هو المستحق للإمامة فيقولون إنه قد نص على إمامته قبل ذلك نصا جليا ظاهرا معروفا وحينئذ فلم يكن يحتاج إلى كتاب وإن قيل إن الأمة جحدت النص المعلوم المشهور فلأن تكتم كتابا حضره طائفة قليلة أولى وأحرى وأيضا فلم يكن يجوز عندهم تأخير البيان إلى مرض موته ولا يجوز له ترك الكتاب لشك من شك فلو كان ما يكتبه في الكتاب مما يجب بيانه وكتابته لكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبينه ويكتبه ولا يلتفت إلى قول أحد فإنه أطوع الخلق له فعلم أنه لما ترك الكتاب لم يكن الكتاب واجبا ولا كان فيه من الدين ما تجب كتابته.
     وجاء عن علي رضي الله عنه قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن آتيه بطبق يكتب فيه مالا يضل أمته من بعده فخشيت أن تفوتني نفسه قال قلت انى أحفظ وأعي قال أوصى بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم[46].
 

[1] صحيح البخاري- العلم كتابة العلم
[2]صحيح البخاري – باب هل يستشفع إلى أهل الذمة
[3]صحيح البخاري – باب إخراج اليهود من جزيرة العرب
[4]صحيح البخاري – باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم
[5]صحيح البخاري - المرضى - قول المريض قوموا عني
[6]صحيح البخاري- الاعتصام بالكتاب والسنة - كراهية الخلاف ، صحيح مسلم - الوصية - ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه
[7]تذكرة الفقهاء ، للحلي،  - ج 2 /469
[8]منهاج الكرامة - العلامة الحلي 17
[9]المصدر السابق، 109
[10]شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة ، لعلي الحسيني الميلاني،  3/43
[11]روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه - محمد تقي المجلسي ( الأول ) - ج 9 /325
[12]الصراط المستقيم - علي بن يونس العاملي النباطي البياضي - ج 3 /6 ، كتاب الأربعين - محمد طاهر القمي الشيرازي 536
[13]الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة، انور الله التستري، 224
[14]توضيح الرشاد في تاريخ حصر الاجتهاد - آقا بزرگ الطهراني 31
[15]كشف الأسرار، للخميني ، 137
[16]موسوعة طبقات الفقهاء ( المقدمة ) - الشيخ السبحاني - ج 1 /88
[17]شرح أصول الكافي - مولي محمد صالح المازندراني - ج 12 /413
[18]المسترشد - محمد بن جرير الطبري ( الشيعي ) 553
[19]كتاب الأربعين - محمد طاهر القمي الشيرازي 257
[20]درسهايى از نهج البلاغه ( فارسي ) - الشيخ المنتظري - ج 3 /415
[21]مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة - محمد تقي النقوي القايني الخراساني - ج 6 /338
[22]مكاتيب الرسول - الأحمدي الميانجي - ج 1 /488
[23]المحسن السبط مولود أم سقط - السيد محمد مهدي الخرسان حسبنا كتاب الله  صفحة 485
[24]موسوعة عبد الله بن عباس - السيد محمد مهدي الخرسان - ج 1 /241
[25]إغتيال النبي ( ص ) - الشيخ نجاح الطائي 93
[26]الروض النضير في معنى حديث الغدير - فارس حسون كريم 313
[27]الكشكول المبوب - الحاج حسين الشاكري 21
[28]الهجوم على بيت فاطمة ( ع ) - عبد الزهراء مهدي 62
[29]حوار مع فضل الله حول الزهراء ( س ) - السيد هاشم الهاشمي 266
[30]شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة - السيد علي الحسيني الميلاني - ج 3 /43
[31]الأمالي - الشيخ الصدوق 735 ، انظر ايضاً : روضة الواعظين - الفتال النيسابوري 74 ، بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 22 /509
[32]دلائل الإمامة ، للطبري (الشيعي)، 208 ، أنظر أيضاً : فرج المهموم - السيد ابن طاووس 228 ، بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 46 /43
[33]نهج البلاغة - خطب الإمام علي ( ع ) - ج 1 /142
[34] الكافي، للكليني، 8/296
[35] الكافي ، للكليني ، 2/624
[36] المصدر السابق، 7/176
[37] ، بصائر الدرجات ، لمحمد بن الحسن الصفار 214 ، الكافي ، للكليني ، 1/229
[38] المحاسن ، للأحمد بن لمحمد بن خالد البرقي ، 1/267
[39] بصائر الدرجات ، لمحمد بن الحسن الصفار 215
[40] تفسير القمي، لعلي بن إبراهيم القمي، 2/451
[41] المحاسن ، لأحمد بن لمحمد بن خالد البرقي ، 1/268 ، الكافي ، للكليني ، 1/60 ، 7/158 ، تهذيب الأحكام ، للطوسي ، 9/357
[42] الكافي ، للكليني ، 1//94
[43] تفسير القمي - علي بن إبراهيم القمي - ج 2 /313
[44] الأمالي - الشيخ الصدوق 556 ، روضة الواعظين - الفتال النيسابوري 126
[45]تفسير القمي، للقمي ، 1/394 ، تفسير العياشي، للعياشي ، 2/296
[46]مسند أحمد - الإمام أحمد بن حنبل - ج 1 /90
عدد مرات القراءة:
606
إرسال لصديق طباعة
السبت 13 صفر 1441هـ الموافق:12 أكتوبر 2019م 07:10:38 بتوقيت مكة
عدي الانصاري 
السلام عليكم...
اولا لو قال لك النبي وهو مريض احضر لي شيء هل تذهب وتحضره ام تبقى تتاول لماذا وربما واحتمال ولماذا؟ عندما تعرف استجابتك للنبي تعرف مدى طاعتك للنبي ص
وخلافه ذلك عصيان واضح ولامبالاة لامر النبي !علما ان الله قال عنه لا ينطق عن الهوى إنما هو وحيا يوما... وهذا الايه مطلقه ليس فيها شرط ان كلام النبي وحي كليا في كل الظروف... وانت حر تقتنع او لا
الجمعة 7 شعبان 1440هـ الموافق:12 أبريل 2019م 02:04:14 بتوقيت مكة
ابومحمد 
قال صل الله عليه وسلم اخرجوا اليهود من جزيرة العرب واجيزوا الوفد كما كنت اجيزهم والثالثه انسيها او انسيتها
هذا يعني ان الكتاب انكتب ‘
اما اختلاف الصحابه فيمن قال قربوا ومن قال استفهموه او غلب عليه الوجع او اهجر ، فهذه لاتمنع من عصمته صل الله عليه وسلم وقد بلغ بقوله اخرجوا اليهود 00الخ لان الله قال له سبحانه وتعلى والله يعصمك من الناس.
اما طعن الشيعه في الصحابه فالشيعه يتصيدون أي شئ في الصحابه للنيل منهم في طاعتهم وحبهم للنبي صل الله عليه وسلم ، قد يقول شيعي انهم عصو وهذا الحكم العصيان لايبدر او يحكم به من لفظ استفهموه اهجر او غلب عليه الوجع ،
فلا نعلم في سيرة الصحابه رضي الله عنهم ان عصوه في امر ما عصيان ظاهر بين واضح فرادا او جماعات. بل ورد عنهم قول لبيك يارسول الله بابي انت وامي يارسول الله.
 
اسمك :  
نص التعليق :