آخر تحديث للموقع :

الأثنين 17 محرم 1441هـ الموافق:16 سبتمبر 2019م 02:09:27 بتوقيت مكة
   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

الصحابة والمنافقون في صدر الإسلام ..
(سـمات وإشارات - شبهـات وردود)
  تقديم فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله الدرويش
الحمد لله الذي اصطفى محمداً صلى الله عليه وآله وسلم على العالمين، واختار مكة لبعثته، وجعلها أشرف البقاع، وفيها بيت الله الحرام، ومشاعر الحج.
فالكعبة بناها أبونا إبراهيم عليه السلام تمهيداً لبعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) [البقرة:127] ((رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) [البقرة:128].
ثم اختار الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم دار الهجرة، فهاجر إلى المدينة، وارتبطت باسمه؛ فيقال: مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفيها قبره الشريف، صلوات ربي وسلامه عليه.
فانظر يا رعاك الله إلى هذا الترابط بين مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهجرته وبين فضل تلك البقاع، وما لتلك المساجد من المكانة والمنزلة([1]).
وهذا لبركة دعوة إبراهيم عليه السلام، ومناجاته لربه، لما ترك الطفل مع أمه بالوادي، قال: ((رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)) [إبراهيم:37].
 وانتقل معي إلى أعماق التاريخ..
وتصور في ذهنك مكة وهي خاليةٌ، لا بَشَرَ فيها ولا مأوى، بجبالها الشاهقة، وَوِدْيَانِها الضيقة، تحيط بها الجبال السوداء والحجارة الصماء من كل جانب، وتخيل تلك المرأة (أم إسماعيل) وقد جاءت من بلاد الخيرات والأنهار، من بلاد النيل، بلاد مصر، وابنها وحيد أبيه وأمه، ووالده عليه السلام قد بلغ من الكبر عتياً، وابنها طفل في المهد، يعيش مع أمه في هذه البقعة، وبالتحديد كان موقعه يبعد عن الحجر الأسود بضعة أمتار (مَقَرُّ عَيْن زمزم)؛ لأن الكعبة آنذاك ربوة مرتفعة، فجلسوا في سفحها لأجل الظل، والقصة معروفة مشهورة رواها أهل الصحاح.
فمن تلك اللحظة بدأت الحياة في مكة لأجل بِعثَةِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعِمَارَةِ البيت الحرام، فتحققت دعوةُ إبراهيم عليه السلام واستجاب الله له، هذه بداية الحياة في مكة.
أما المدينة فلها شأن آخر، واستقرار الأوس والخزرج فيها بأمر الله، لما تركوا بلاد غامد على الأصح([2]).
وأرض الهجرة موصوفة في التوراة، ولأجل هذا ترك اليهود الأرض المقدسة التي بارك الله فيها، وفيها مبعث رسلهم عليهم السلام، ومنزلة فلسطين لدى اليهود لا تخفى، فتركت بعض قبائل اليهود تلك الأراضي وسكنوا المدينة؛ لأنهم علموا أوصافها من التوراة وأنها دار هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما أن النبي عليه الصلاة والسلام أري دار هجرته في أرض سبخة ذات نخل بين حرتين.
وقصة سلمان الفارسي رضي الله عنه مشهورة، وقد وصف له الراهب النصراني عالم زمانه أرض مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمره بالذهاب إليها، وقد أخبر سلمان رضي الله عنه أنه لما رآها عرفها بالوصف، وأنها هي الأرض التي سيخرج فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم..
فانظر يا رعاك الله! إلى لطف الله بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن المولى عز وجل قد بيَّن في التوراة والإنجيل المكان الذي سيخرج فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد بشَّر موسى وعيسى عليهما السلام ببعثته، وكذلك ذكروا أوصاف أصحابه.
وقد أخبرنا الله سبحانه بأوصاف أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن، وأخبرنا بوصفِهِم ومَثَلِهِم في التوراة والإنجيل.
ولا يعقل أن تذكر أوصاف مقر إقامته وبعثته، ويكون لها فضل ومنزلة، ثم يترك أصحابه، فلا يُذْكَرون، ومعلوم في شرعنا المطهر تفضيل الأحياء على الجمادات، فكيف يكون لمقر بعثته وإقامته اختصاص مزية، ولا يكون لأصحابه منزلة وفضل؟!.
وهذه المقدمة العقلية والقياس الجلي الواضح لمن كان في قلبه شبهات حول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو بعضهم.
والنصوص في كتاب الله كثيرة جداً في الثناء على الصحابة رضي الله عنهم، وفيها الآيات التي فيها تفصيل، والآيات التي فيها إجمال.
وقد أورد المؤلف - وفقه الله - جملة من الآيات، فلا نطيل على القارئ الكريم بذكرها.
ولكنني أنبه إلى مسألة في غاية الأهمية..
وهي أن من الناس من خاف على سلطانه وجاهه، فأظهر إسلامه، وهو مستتر بالكفر، وهؤلاء هم المنافقون، ولم يكن في مكة نفاق؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن له دولة وسلطة، بل أصحابه في حال ضعف شديد، وحصل لهم من الأذى ما الله به عليم، وهاجر بعضهم إلى الحبشة، ثم جاءت الهجرة إلى المدينة، كل ذلك فراراً بدينهم، وخوفاً من قومهم.
ولما وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة كانت الغلبة لأهل الشرك فيها، ولم يكن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها قوة تجعل أهل الكفر يخافون على أنفسهم منه، حتى جاءت موقعة بدر يوم الفرقان -كما سماه الله عز وجل- يومٌ أعز الله فيه الإسلام وأهله، وأذل فيه الشرك وأهله، فعلم أهل الكفر في المدينة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ظهرت شوكته لما قتل صناديد الكفر بمكة، فأظهروا النفاق، حيث أعلنوا إسلامهم ظاهراً وبقوا على كفرهم باطناً، فالمهاجرون لا يمكن أن يوصف أَحَدٌ منهم بنفاق، والأنصار الذين أسلموا قبل موقعة بدر لا يمكن أن يوصف أَحَدٌ منهم بنفاق، كما ذكر ذلك أهل العلم رحمهم الله([3]).
وهذا إجماع من جميع الفِرَق والطوائف المنتسبة للإسلام، ومن خالف من المتأخرين فلا عبرة بقوله.
كما أن العقل يشهد لذلك، ودلالة العقل على هذا في غاية الوضوح؛ فإنه عليه الصلاة والسلام في مكة كان أصحابه يتحملون من الأذى ما لا يتحمله إلا أشداء الرجال، ثم تركوا بلادهم وهاجروا إلى أرض الحبشة، حيث لا أهل لهم فيها ولا أقارب، وذلك بسبب الاضطهاد الذي لقوه من قومهم بمكة، فكيف يمكن أن يكون معهم من هو منافق، فماذا كان يرجو من ذلك؟! وماذا يستفيد؟! وما هي مصالحه؟!!
لقد أنزل الله سبحانه وتعالى في المنافقين آيات تتلى إلى يوم القيامة، وبيَّن فيها سبحانه وتعالى أوصافهم، وأطلع المولى نبيه عليهم، وفضحهم الله سبحانه بسورة الفاضحة (سورة التوبة) فلا يمكن أن يُخلط بينهم وبين أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد جمع سبحانه وتعالى في السورة بين ذكر السابقين الأولين - وهم المهاجرون والأنصار - وبين ذكر المنافقين، ففرق سبحانه وتعالى بينهم.
وهذه الرسالة التي بين يديك، سلط فيها المؤلف الضوء على هذه المسألة، وبيَّن فيها حال الصحابة رضي الله عنهم وحال المنافقين، وهي لطيفة في بابها، والحاجة ماسة إليها وإلى أمثالها، بسبب انتشار الشبهات التي يروج لها من في قلبه حقد على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو تأثر بالحاقدين، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى تجاهل الفرق بين الصحابي والمنافق!!!
بل زعم من نسب نفسه إلى العلم أن من السابقين المهاجرين من هو من المنافقين، فتأمل بارك الله فيك آثار الكراهية كيف تحاول طمس الحقائق وحجبها.
ولا عجب في ذلك؛ فإن الصحابة رضي الله عنهم هم الذين قضوا على دولة الفرس ودولة الروم ودولة الأقباط، وقضوا على أهل الردة كبني حنيفة وغيرهم، فخصومهم وأعداؤهم كثيرون.
فجزى الله المؤلف خيراً، ونفع برسالته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه:
صالح بن عبد الله الدرويش
القاضي بالمحكمة العامة بالقطيف
________________
([1]) الصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة فيما عداه، والصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعدل ألف صلاة فيما عداه من سائر المساجد.
([2]) يرى بعض المؤرخين أنهم قدموا من بلاد اليمن من مأرب، وقيل: بل قدموا من بلاد غامد، وهو الأرجح؛ كما أنه يشملها اسم اليمن أيضاً.
([3]) انظر: منهاج السنة النبوية: (8/449، 474)، تفسير ابن كثير: (1/76).
--------------------
تمهيد
 الحمد لله الذي ميَّزَ الإنسانَ بالعقل، وفضله على سائر المخلوقات، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف رسله نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.. وبعد:
فقد مكث النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى دين الله جل وعلا مستضعفاً هو ومن معه، حتى أذن الله لهم في الهجرة تاركين ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ)) [الحشر:8].
ولما أذن الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالهجرة خرج مهاجراً إلى المدينة المنورة، فآمن به من آمن، وكفر به من كفر؛ فلما قويت شوكة الإسلام أظهر قوم الإسلام، وأبطنوا الكفر، وعملوا على الدس والكيد في الخفاء للإسلام والمسلمين، وهم المنافقون.. ومن هنا انقسم الناس إلى: مؤمنين وكفار ومنافقين.
وقد التبس على بعض الناس الحال، فلم يميزوا بين الصحابة والمنافقين، فظنوا أن بعض الصحابة من المنافقين أو العكس؛ ولذا كان لزاماً تجلية هذه القضية وسبر غورها لمن التبست عليه، وشتان ما بين اليزيدين.
ولم أكن أتصور أن يحصل مثل هذا اللبس، حتى شاء الله تعالى أن ألتقي ببعض الشيعة، وسمعت ما لم يكن يخطر ببال أو يدور في خيال، مما سأذكر شيئاً منه في ثنايا هذه الرسالة..
وسوف أحاول جاهداً التعريج على هذه القضايا، وقد قسمت هذه الرسالة إلى أربعة فصول:
الفصل الأول: كيف ميز القرآن بين الصحابة والمنافقين؟
الفصل الثاني: مفهوم الصحبة والعدالة في الإسلام.
الفصل الثالث: مسائل مهمة حول الصحابة.
الفصل الرابع: الإمامة والنص.
وقد حرصت على الاستشهاد بالآيات القرآنية..
لأن القرآن هو المرجع عند الاختلاف.. وبهذا أوصى أئمة آل البيت رضوان الله عليهم، كما جاء عن الإمام الباقر رحمه الله أنه قال: «وانظروا أمرنا وما جاءكم عنا، فإن وجدتموه للقرآن موافقاً فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقاً فردوه»([1]).
وعن جعفر الصادق رحمه الله أنه قال: «اتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإنا إذا حدثنا قلنا: قال الله عز وجل وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم »([2]).
وقال: «لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسنة»([3]).
كما استشهدت ببعض الروايات من كتب الشيعة المعتمدة عندهم.. لأنه أدعى لقبولهم لها، وأقوى في إقامة الحجة عليهم، ولبيان كثير من الحق الذي جاء في كتبهم وأخفي عنهم..
وهذه الرسالة -التي بين يديك- جُهد سنواتٍ من البحث والنقاش مع بعض الشيعة في ميدان العمل أو غيره، والله أسأل أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به ويبارك، إنه جواد كريم، والله من وراء القصد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه..
المؤلف
12/3/1426هـ
 0000000000
([1]) الأمالي للطوسي: (1/232)، وسائل الشيعة: (27/120)، البحار: (2/236).
([2]) رجال الكشي: (ص195)، تحت تذكرة المغيرة بن سعيد، البحار: (2/250)، رجال ابن داود: (279).
([3]) رجال الكشي: (ص195)، البحار: (2/250)، معجم رجال الحديث للخوئي: (19/300).
-------------------
الفصل الأول: كيف ميز القرآن بين الصحابة والمنافقين؟
المبحث الأول
الآيــات الصـريحــة فـي وجــود فئتــين
(صحـابة ومنـافـقـين)
 القرآن الكريم هو الفصل ليس بالهزل، فلا مجال لاشتباه الحق بالباطل، ومن ذلك ثناؤه على الصحابة، وذمه للمنافقين، وبيان صفات كل منهم وما يميزه..
«فالقرآن ذكر المؤمنين والمنافقين في غير موضع، كما ذكرهم في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والعنكبوت والأحزاب والفتح والقتال والحديد والمجادلة والحشر والمنافقين؛ بل عامة السور المدنية يذكر فيها المنافقين..»([1]).
وذكر الطائفتين في القرآن في موضع واحد يدل على التغاير بينهما والتمايز، ومن الخطأ البيِّن أن نستشهد بآية وردت في إحدى الطائفتين على الطائفة الأخرى..
فمن الآيات التي بيَّنت الفرق بينهم قوله سبحانه: ((وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ)) [التوبة:56] الآية.
فبيَّن سبحانه وتعالى أن المنافقين يحلفون بأنهم من الصحابة رضي الله عنه، ثم أخبر بأنهم ليسوا منهم..
وقال تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100] ((وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ)) [التوبة:101].
ففي هاتين الآيتين.. بيَّن الله سبحانه وتعالى أنه وعد السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار جنات تجري تحتَها الأنهار خالدين فيها أبداً، وَوَعْدُ الله حقٌ لا يقع الخُلْفُ فيه، ثم بيَّن وجود المنافقين في المدينة وما حولها، فدَلَّ هذا على أن هؤلاء السابقين ليسوا هم المنافقين وكذا العكس، وسيأتي مزيد بيان ذلك -إن شاء الله- عند الحديث عن هذه الآية.
وبهذا يتضح لك عزيزي القارئ أن لكل طائفة صفاتها وخصائصها وما يميزها عن غيرها.
المبحث الثاني
الثناء على الصحابة وبيان صفاتهم وتفاضلهم
جاءت آيات كثيرة تثني على الصحابة الذين ناصروا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وجاهدوا معه ونشروا الإسلام، ويكفيهم شرفاً وفخراً أنهم صحبوا خير البشر صلى الله عليه وآله وسلم.
وإذا كان مما يُثنى به على طالب العلم كونه درس وتعلم على العالم الفلاني، ويعتبر هذا من مناقبه، فكيف بمن أخذ عن خير البشر صلوات ربي وسلامه عليه؟! فهذا والله هو الشرف والفخر، فبصحبته تحصل البركات، ويحل على من صحبه من الخيرات ما لا يحصل لغيره، فالصحبة تاج فوق رءوسهم، وميزة لا يدركها من جاء بعدهم، فمنزلة الصحبة وشرفها راجح على سائر الأعمال.
وقد حصل للصحابة الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم من التزكية والعلم ما شهد به رب العالمين، فقال جل شأنه: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [الجمعة:2].
فبيَّن أنهم كانوا في ضلال مبين، ثم حصلت لهم التزكية وعِلْم الكتاب والسنة بفضل صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخذهم عنه..
ومن ثَمَّ نقلوا القرآن والسنة إلى من بعدهم، فكانوا هم الواسطة بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبين من جاء بعدهم، ولو لم يكونوا عدولاً لما حصلت الثقة بنقلهم للقرآن الكريم، ولا بالسنة النبوية، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين..
ومن الآيات التي بينت فضلهم قوله سبحانه: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ)) [الحشر:8] ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)) [الحشر:9] الآيات.
فوصف المهاجرين بالصدق، ثم وصف الأنصار بالفلاح، ثم قال: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10].
فهل نحن مِمَّن يدعو لهم بالمغفرة، ويصفهم بما وصفهم الله به، أم لنا أَوصافٌ أُخر غير هذه الأوصاف؟!!
ومنها قوله سبحانه: ((وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ)) [الأنفال:62] ((وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) [الأنفال:63]. فقد ألَّفَ الله سبحانه وتعالى بين قلوبهم، ونصر نبيه بهم، في معركة بدر وما بعدها.
ومنها قوله سبحانه: ((وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [الحديد:10] فتأمل قوله: ((وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [الحديد:10]، فهذه الآية شملت مسلمة الفتح، فقد أخبر سبحانه بأنه وعدهم الحسنى، مع كون مرتبتهم أقل من مرتبة من أسلم قبل الفتح.
والحسنى هي الجنة، كما قال سبحانه: ((إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)) [الأنبياء:101] ((لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ)) [الأنبياء:102].
ولقد حصلت المودة معهم بعد العداوة تحقيقاً لوعد الله؛ وَوَعدُه حق،كما قال سبحانه وتعالى: ((عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [الممتحنة:7].
وثمت آيات أخر سأذكرها في فصل مستقل بشيء من التفصيل، كقوله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)) [التوبة:100]، وقوله تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) [الفتح:29]، وقوله تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)) [الفتح:18].
هذا غيض من فيض من الآيات الواردة في الصحابة رضي الله عنهم، وحريٌّ بالمسلم تدبر كتاب ربه سبحانه وتعالى، ففيه الهداية والنور، كما قال سبحانه: ((إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)) [الإسراء:9].
المبحث الثالث
ذم المنافقين وبيان حقيقتهم وما تنطوي عليه نفوسهم
 لقد ذَمَّ الله المنافقين في القرآن، وبَيَّن صفاتهم وأعمالهم، وفَضَحَ مخططاتهم ومؤامراتهم ضد هذا الدين العظيم.
والمتأمل في صفاتهم في القرآن الكريم يدرك حقيقة الفرق والتمايز بينهم وبين الصحابة رضي الله عنهم، مما لا يدع مجالاً لأن يوصف هؤلاء بصفات هؤلاء؛ إذ لكلٍ منهم صفاتٍ تميزه وتختص به..
ومن تدبر الآيات علم عظيم الفرق بينهم، وعلم أن هؤلاء المنافقين كانوا نشازاً في المجتمع الإسلامي، وأنه ليس لهم دور ألبتة في الجهاد ولا في العلم ولا في تبليغ هذا الدين.
«..والله سبحانه وتعالى يعلم المؤمنين من المنافقين لا تخفى عليه سبحانه وتعالى خافية، ولكنه سبحانه لم يعلم نبيه بكل من لم يظهر نفاقه؛ بل قال: ((وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)) [التوبة:101]، ثم إنه ابتَلى الناسَ بأمور تميز بين المؤمنين والمنافقين، كما قال سبحانه: ((وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ)) [العنكبوت:11]، وقال تعالى: ((مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ)) [آل عمران:179].. » ([2]).
وإليك شيئاً من صفاتهم التي تميزوا بها عن المؤمنين:
فمن ذلك قوله سبحانه عن المنافقين: ((إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)) [التوبة:93] ((يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)) [التوبة:94].
فمن صفات المنافقين وخصالهم عدم الخروج للجهاد([3])، وهذا في غالب أحوالهم، وقد يخرجون نفاقاً أو إرجافاً أو غير ذلك، وهذا في القليل النادر.
فهم لا يألون جهداً في الاعتذار من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن صحابته رضي الله عنهم في عدم الخروج للجهاد: ((يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ)) [التوبة:94] فالمنافقون لم يخرجوا في غزوة تبوك، وإنما خرج الصحابة وكان عددهم قرابة ثلاثين ألفاً، باستثناء بضعة أشخاص من فئة المنافقين نزلت فيهم آيات بخصوصهم، وجل المنافقين ممن تخلف في المدينة.
وحينما يحس هؤلاء المنافقون بافتضاح أمرهم يحاولون جاهدين أن يقسموا الأيمان المغلظة أنهم من الصحابة، ولكن الله يفضحهم ويبين كذب دعواهم، قال سبحانه: ((وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ)) [التوبة:56].. فالصحابة صنف والمنافقون صنف آخر.
إن المنافقين لا يجدون بداً من التخلف عن الجهاد وإبداء الأعذار الواهية، فبعضهم يعلل عدم خروجه للقتال بعدم تمكنه من إعداد العدة، ولكن الله يفضحهم ويبين أن سبب عدم خروجهم للقتال هو عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، كما قال سبحانه: ((إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ)) [التوبة:45] ((وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ)) [التوبة:46].
«فهذا إخبار من الله بأن المؤمن لا يستأذن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ترك الجهاد، وإنما يستأذنه الذي لا يؤمن، فكيف بالتارك من غير استئذان؟!»([4]).
وعلل بعضهم بخشية الفتنة كما زعم! قال سبحانه: ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ)) [التوبة:49].
وتقاعس بعضهم عن الخروج لبُعد السفر وحصول المشقة؛ قال سبحانه: ((لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمْ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)) [التوبة:42].
ولك أن تتخيل أشكالهم عندما يُذكَرُ القتال فتدور أعينهم من الخوف والهلع، كما قال جل شأنه: ((فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ)) [محمد:20]، وقال سبحانه عنهم: ((رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ)) [الأحزاب:19].
وقد سماهم الله بــ(المخلفين) في غير ما آية، كما قال سبحانه: ((فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ)) [التوبة:81].
ولا ينافي هذا خروجهم في القليل النادر، سواء كان إرجافاً أو طمعاً في غنيمةٍ أو غيرَ ذلك، كما قال سبحانه عن طائفة منهم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ)) [المنافقون:8].
وقال عن طائفة منهم خرجوا في غزوة تبوك ونالوا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قالوا مستهزئين: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء قط أرغب بطوناً، ولا أكذب أَلْسُناً، ولا أجبن عند اللقاء» فأنزل الله فيهم: ((يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ)) [التوبة:64] ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ)) [التوبة:65] ((لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ)) [التوبة:66] ([5]).
وإذا كان من تخلف في المدينة هم المنافقون ومن عذر الله، فإنه تخلف ثلاثة من الصحابة، فبرأهم الله من جملة المنافقين، وأخبر أنه تاب عليهم في عدم خروجهم، فقال سبحانه: ((وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) [التوبة:118] وهم: مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك..
فأي بيان أوضح من هذا البيان في كشف حقيقة المنافقين وحالهم؟! كيف لا وقد تعهد الله بفضحهم وبيان ما تخفيه صدورهم؟! كما قال سبحانه: ((يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ)) [التوبة:64].
فأخرج الله ما يحذرون وفضحهم، فلم يعد شأنهم خافياً بين الصحابة رضوان الله عليهم، فضلاً عن أن يلتبس هؤلاء بهؤلاء ولا يميز بينهم.
أما الصحابة فعلى العكس من ذلك، فقد وصفهم الله بنصرة الدين، وبالجهاد مع النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه، ولهذا استحقوا الثناء والوعد بالثواب والجنات يوم القيامة؛ قال سبحانه واصفاً المهاجرين: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) [الحشر:8].
فمن صفاتهم: ((وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) [الحشر:8] ومواقف النصرة تراها جلية في غزواتهم مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفيما تلاها من الفتوحات الإسلامية..
وخلاصة القول: أن الله بين من صفات المنافقين ما يميزهم عن غيرهم «ولهذا لما كشفهم الله بسورة براءة بقوله: ومنهم ومنهم، صار النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعرف نفاق ناس منهم لم يكن يعرف نفاقهم قبل ذلك، فإن الله وصفهم بصفات علمها الناس منهم، وما كان الناس يجزمون بأنها مستلزمة لنفاقهم، وإن كان بعضهم يظن ذلك، وبعضهم يعلمه، فلم يكن نفاقهم معلوماً عند الجماعة، بخلاف حالهم لما نزل القرآن..»([6]).
وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: «التوبة هي الفاضحة، ما زالت تنزل ومنهم ومنهم، حتى ظنوا أنها لن تبقي أحداً منهم إلا ذكر فيها»([7]).
«..وإن جاز أن يخفى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم حال بعض الناس فلا يعلم أنه منافق، كما قال: ((وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ)) [التوبة:101] فلا يجوز أن يخبر عنهم بما يدل على إيمانهم، ولهذا لما جاءه المخلفون عام تبوك، فجعلوا يحلفون ويعتذرون، وكان يقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله، لا يصدق أحداً منهم، فلما جاء كعب وأخبره بحقيقة أمره، قال: (أما هذا فقد صدق) أو قال: (صدقكم)..»([8]).
ولهذا فتزكية الله سبحانه وتعالى للصحابة، ووعده لهم بالجنة -خاصة السابقين الأولين، وأصحاب بدر، وأصحاب بيعة الرضوان- فيها أعظم دليل على تبرئة هؤلاء الصحابة من النفاق، والشهادة لهم بالإيمان الصادق.
وأما المنافقون فلم تقع لهم التزكية ولا الوعد بالجنات، بل أظهر الله من صفاتهم ما ميزهم به عن المؤمنين، وتوعدهم بالعذاب الأليم، وبالدرك الأسفل من النار.
ومن الآيات التي ميز الله بها جملة من المنافقين قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)) [التوبة:107] ومسجد الضرار معروف، ومن بناه معروف..
وقال تعالى: ((وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ)) [محمد:30].
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم حذيفةَ بنَ اليمان رضي الله عنه بأسماء جملة من المنافقين، وفي ذلك حِكَمٌ كثيرة، منها: أن وظيفةَ حذيفةَ رضي الله عنه أن يفضح هؤلاء المنافقين إذا ما حاولوا إثارة الفتنة أو التصدي لمواقع قيادية، أو ممارسة التحريف في أي شكل من أشكاله، ثم إن أسماء هؤلاء المنافقين ليس لها صلة بتبليغ الرسالة، ولا في إذاعتها لكافة الناس مصلحة، وإلا لأخبر بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه جملة ولم يُؤْثر بها حذيفة رضي الله عنه، فدل هذا على أن المصلحة في كتمها.
وأما سؤال عمر لحذيفة رضي الله عنهما: هل عدَّهُ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم من المنافقين؟ ففيه دليل على فضل عمر وتقواه، وشدة خوفه من الله، وإلا لو كان يعلم من نفسه النفاق لما سأل حذيفة، ثم إن حذيفة قال له: لا، ولا أبرئ أحداً بعدك([9]).
وقد قال بعض السلف عن النفاق: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق([10]).
وقد ذكر الله من صفات المؤمنين أنهم يفعلون الطاعات وقلوبهم خائفة وجلة أن لا تقبل منهم أعمالهم، كما قال سبحانه: ((وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ)) [المؤمنون:58] ((وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ)) [المؤمنون:59] ((وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)) [المؤمنون:60].
ولو رأى حذيفةُ أو عليٌ رضي الله عنهما أيَّ أحدٍ من المنافقين يتولى قيادة الأمة أو شيئاً من ولاياتها، لم يجز له أن يسكت بحال من الأحوال، وإلا لعُدَّ غاشاً للأمة.
ومن صفات المنافقين أيضاً: التكاسل عن الصلاة وقلة ذكر الله، والشح والبخل، والجبن والخوف والهلع.. قال تعالى: ((إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً)) [النساء:142] ((مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً)) [النساء:143].
أما أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهم: ((أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)) [الفتح:29]. وفي هذا المعنى يقول علي رضي الله عنه: «لقد رأيت أثراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما أرى أحداً يشبههم، والله إن كانوا ليصبحون شعثاً غبراً صُفراً بين أعينهم مثل ركب المعزى، قد باتوا يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم، إذا ذُكر الله مادوا كما تميد الشجرة في يوم ريح، فانهملت أعينهم حتى تبل والله ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين»([11]).
وقال تعالى عن المنافقين: ((وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً)) [النساء:142]. وأعظم الذكر هو القرآن، ولهذا لم يكن للمنافقين أي دور في حفظه أو إقرائه أو تبليغه.
وإنما نقله إلينا بالتواتر الصحابة الكرام: كعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت..
ولو طعنَّا في نقلة القرآن هؤلاء لحصل الطعن في القرآن الكريم وفي تواتره، بل لوقع الطعن في الدين كله...
وإذا علمنا هذا تبين سببُ أمرِ الله لنا باتباعهم بإحسان؛ إذ الدين نقل عن طريقهم رضي الله عنهم..
اللهم اهدنا للحق ووفقنا إليه، ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.
المبحث الرابع
موقف الشيعة من آيات الثناء على الصحابة
 
إن القارئ لكتاب الله تعالى يجد عشرات الآيات التي تثني على الصحابة وتبين فضلهم وتعدهم بالجنات والخلود فيها.
وأمام هذه الحقيقة الناصعة لجأ بعض الشيعة إلى الزعم بأن الصحابة بدلوا ونافقوا بعد ذلك، أو غير ذلك من الشبهات، وأترك المجال لك أيها القارئ لتحكم بنفسك..
الآية الأولى:
قال الله تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:18].
فهذه البيعة سُمِّيَت بـ(ببيعة الرضوان) لإخبار الله عز وجل أنه رضي عنهم.
وعدد الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة في أصح الأقوال ألف وأربعمائة.
وقد أقرَّ بهذا بعض علماء الشيعة الكبار.
يقول أحدهم وهو الطبرسي في تفسيره: «يعني بيعة الحديبية، وتُسَمَّى (بيعة الرضوان)؛ لهذه الآية، ورضا الله سبحانه عنهم، وإرادته تعظيمهم وإثابتهم، وهذا إخبار منه سبحانه أنه رضي عن المؤمنين إذ بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية تحت الشجرة المعروفة وهي شجرة السمرة...، وكان عدد الصحابة رضوان الله عليهم يوم بيعة الرضوان ألفاً ومائتين، وقيل: وأربعمائة، وقيل: وخمسائة، وقيل: وثمانمائة»([12])اهـ.
فهؤلاء الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة حصل لهم ثلاثة أمور: أن الله رضي عنهم، وأنزل عليهم السكينة، وأثابهم فتحاً قريباً..
فهل سلم الشيعة بهذا الفضل؟ أم أن لهم فهماً مغايراً أو مخرجاً آخر؟!
استدل أحد علماء السنة في إحدى المناظرات بين السنة والشيعة بهذه الآية فقاطعه المناظر الشيعي بقوله: «إذ.. إذ..» أي: أن الله رضي عنهم وقت المبايعة فقط، ثم سخط عليهم بعد ذلك، وكان فيهم منافقون! ثم قرأت الكلام نفسه لأحد علماء الشيعة الكبار([13]).
وأقول لهذا ولغيره:
إن الله عز وجل لا يرضى إلا عن القوم المؤمنين، وقد أخبر في هذه الآية أنه رضي عنهم حين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل وزكى بواطنهم وشهد لهم بإخلاص النية، فقال: ((فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)) [الفتح:18] وأنزل السكينة عليهم، ووعدهم بثواب فتح قريب ومغانم كثيرة.
فرضاه عنهم وإخباره بذلك دليل على إيمانهم، أما المنافق فلا يمكن أن يرضى الله عنه أبداً حال نفاقه؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
وقوله: ((إِذْ يُبَايِعُونَكَ)) [الفتح:18] فيه أمران:
أولاهما: أن فيه إشارة إلى أن من خرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبايع أنه حينئذ ليس بمؤمن، ومعلوم أنه لم يحضر في الحديبية أحدٌ من المنافقين على الصحيح إلا الجدُّ بن قيس كما ذكر ذلك النووي في شرح مسلم([14])، وبعض علماء التاريخ والسير([15])، ولكنه لم يبايع وتنحى بعيداً.
وثانيهما: أن الظرف «إذ» متعلق بقوله: رضي، وفي تعليق هذا الظرف «إذ يبايعونك» بفعل الرضا إشارة إلى أن سبب الرضا هو ذلك الظرف الخاص وهو المبايعة، مع ما يعطيه توقيت الرضا بهذا الظرف «إذ» من إشارة لطيفة بتعجيل حصول الرضا، وكون الرضا حصل عند تجديد المبايعة ولم ينتظر به تمامها.
ويشهد لهذا قوة المؤكدات في هذا الرضا، حيث أتى باللام الموطئة للقسم، وقد -وهي للتحقيق- والقسم المقدر.
ثم إن الله سبحانه وتعالى لم يخبر أنه سخط على من بايع تحت الشجرة كما أخبر برضاه عنهم، ولهذا يقول ابن عباس رضي الله عنهما كما ترويه عنه كتب الشيعة: «أخبرنا الله أنه رضي عن أصحاب الشجرة، فعلم ما في قلوبهم، هل حدثنا أحد أنه سخط عليهم بعد؟»([16]).
بل هذه الآية تتلى إلى يوم القيامة، فهل يتلى الرضا ويستمر ذكر الثناء إلى يوم القيامة على أناس قد بدلوا وغيروا ونافقوا؟!! سبحانك هذا بهتان عظيم.
ومن العجائب أن تجد من ينسب نفسه للفقه والتحقيق يجعل المنافقين مع الذين بايعوا! فينسب الجهل إلى الله تعالى؛ إذ كيف رضي سبحانه وتعالى عنهم وفيهم المنافقون؟!
وتارة يفر من الآية ويقول: الرضا حصل لدقائق محدودة -أي ساعة المبايعة- ثم سخط بعد ذلك؟!
فيقال لهذا: هل كان الله يعلم أنهم سيبدلون أم لا؟ فإن قال: لا، فهي طامة كبرى؛ حيث اتهم الله بالجهل عياذاً بالله! وإن قال: نعم، فيقال: كيف يجعل الله الرضا يتلى إلى يوم القيامة وهو يعلم أن الفضل لن يستمر إلا سنواتٍ محدودة ثم يبدلون؟! فقائل هذا كأنه يصف القرآن بغش الأمة.. وحاشا ذلك أن يكون!
اللهم اجعلنا ممن رضوا عنك ورضيت عنهم يا رب العالمين..
الآية الثانية:
قال تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29].
هذه الآية من أعظم الآيات في الثناء على الصحابة، ومن أدل الدلائل على إعجاز القرآن، وعلى عظمة الباري وسعة علمه..
والغريب ما ذكره لي بعض الشيعة أن هذه الآية لا دلالة فيها على فضل الصحابة. فسألته مستغرباً: لماذا؟!
فقال: لأن الله قال في آخر الآية: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29] فـ(منهم) أي: بعضهم، فلا يراد بها إلا من آمن وعمل الصالحات، ولم يرتد عن دينه أو ينافق، وعليه فلا تشمل الآية جميع من كان معه..
فقلت له: جوابي ألخصه لك فيما يلي:
أولاً: حصرك «من» في قوله سبحانه: ((مِنْهُمْ)) [الفتح:29] بأنها تبعيضية تَحكُّم!!
ثانياً: أوّل الآية لم يذكر إلا من آمن وعمل الصالحات: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)) [الفتح:29] فهذه الصفات لا يتصف بها غير المؤمنين، والمؤمنون كلهم أهل للمغفرة والثواب، ولو أن الآية شملت المنافقين لصح قولنا بأن «منهم» للتبعيض، ولكنها لم تذكر إلا صنف المؤمنين الصادقين والذين وصفهم الله بقوله: ((رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً)) [الفتح:29] فتأمل!
وقد لجأ الشيعة إلى القول بالتبعيض؛ لعلمهم بدلالة الآية على فضل من كان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والذين جاهدوا معه في حياته، وبعد وفاته جاهدوا المرتدين كأصحاب مسيلمة الكذاب ومانعي الزكاة، وهم الذين فتحوا الأمصار، وفتحوا بلاد فارس والروم.
ثالثاً: أن هذا الوصف -كما نصت الآية- قد جاء في التوراة والإنجيل، فهو وصف وثناء عليهم قبل أن يخلقوا، ولو كانوا سيبدلون ويغيرون لاستحقوا الذم لا المدح..
ولهذا فآخر الآية تأكيد لما سبق، ولا يمكن أن تناقض كلمات الله بعضها بعضاً.. وكذا القرآن لابد أن يؤخذ بجميعه؛ فلا يؤخذ بعضُه ويترك البعضُ الآخر، ولا يؤخذ جزءٌ من آية ويترك الجزءُ الآخر منها..
فهؤلاء الذين ذكر الله أنهم في عبادة دائمة وأنهم يبتغون فضلاً منه ورضواناً لا شك أنهم آمنوا وعملوا الصالحات..
وعليه يكون معنى (من) في الآية أحد أمرين:
الأمر الأول: إما أنها لبيان الجنس، أي: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من جنس هؤلاء وأمثالهم مغفرةً وأجراً عظيماً، وذلك كقوله سبحانه: ((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ)) [الحج:30] أي: من جنس هذه الأوثان، وليس معناها: اجتنبوا الرجس من الأوثان وأما باقي الأوثان فلا تجتنبوها! وهذا ما ذكره علماء أهل السنة كما ذكره بعض علماء الشيعة([17])..
والأمر الثاني: أن تكون مؤكدة، أي: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هؤلاء بالذات مغفرةً وأجراً عظيماً، وذلك مثل قوله سبحانه: ((وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)) [الإسراء:82] وليس قوله: ((مِنْ الْقُرْآنِ)) [الإسراء:82] أي: بعض القرآن شفاء ورحمة وبعضه ليس كذلك، بل (مِن) هناك مؤكدة فكذلك هنا([18])..
ثم إن هذا الوصف لمجموع الصحابة رضوان الله عليهم، فهذه الصفات المذكورة في الآية تنطبق تماماً على أصحابه الذين قاتلوا معه في غزواته كلها، بل وقاتلوا بعد وفاته المرتدين والنصارى والمجوس، فهم كما وصفهم الله: ((أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) [الفتح:29].
والمعية في قوله: (والذين معه) ظاهرة بينة؛ فهم معه في سلمه وحربه، وفي حله وسفره، وفي سائر أحواله، وقد خرج معه في غزوة تبوك وحدها نحو ثلاثين ألفاً.
ثم تأمل هذا الحديث من كتب الشيعة:
جاء في كتاب (كامل الزيارات)([19]) وهو من كتب الشيعة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من مات في أحد الحرمين: مكة أو المدينة، لم يعرض على الحساب، ومات مهاجراً إلى الله، وحشر يوم القيامة مع أصحاب بدر.
فالرواية تشير بوضوح إلى فضل أصحاب بدر خاصة، من دون تقييد بأَحَدٍ دون أَحَد، وفي مقدمتهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبو عبيدة وعبد الرحمن بن عوف والزبير وطلحة رضي الله عنهم.
أخي الحبيب: تأمل الوصف التالي من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
يقول رضي الله عنه كما في (نهج البلاغة): «لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فما أرى أحداً يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، وقد باتوا سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب»([20]).
فإذا تأملت وصفه رضي الله عنه، فستجده مطابقاً لكتاب الله، وكأنه يشرح الآية ويبينها..
الآية الثالثة:
قال الله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100] ((وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ)) [التوبة:101].
فقال سبحانه: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)) [التوبة:100] فذكر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ثم قال في الآية التي تليها مباشرة: ((وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ)) [التوبة:101].
فَفَرَّق سبحانه وتعالى بين السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وبين المنافقين.
ولكن من هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار؟
هل المراد بالسابقين من المهاجرين علي بن أبي طالب وحده كما ذكر لي بعض الشيعة، أم إن هذا وصف عام يدخل فيه كل من حصل له سبق في ذلك؟
لا شك أن هذا وصف عام لكل من حصل منه السبق للهجرة أو النصرة..
وقد بين بعض علماء الشيعة؛ كالطباطبائي في (تفسير الميزان)؛ أن السابقين من المهاجرين والأنصار غير محصورين بشخص معين، وأنهم كل من توفرت فيه صفات السبق، كأصحاب الهجرتين..
يقول الطباطبائي: المراد بالسابقين هم الذين أسسوا أساس الدين، ورفعوا قواعده، قبل أن يشيد بنيانه وتهتز راياته؛ صِنْفٌ منهم بالإيمان واللحوق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والصبر على الفتنة والتعذيب، والخروج من ديارهم وأموالهم بالهجرة إلى الحبشة والمدينة، وصِنْفٌ بالإيمان ونصرة الرسول وإيوائه وإيواء من هاجر إليهم من المؤمنين والدفاع عن الدين قبل وقوع الوقائع([21]).
فلاحظ قول الطباطبائي: «صنف.. بالهجرة إلى الحبشة والمدينة»، وقوله: «وصنف بالإيمان ونصرة الرسول وإيوائه وإيواء من هاجر إليهم من المؤمنين.. ».
ثم قال بعد ذلك: « قبل وقوع الوقائع»؛ حيث يشير إلى أن الحد الفاصل لاعتبار السبق هو ما كان قبل غزوة بدر.
وعلى كلٍّ ففي المسألة خلاف في وَضعِ حَدٍ يحصل به السبق، وأمثل الأقوال وأعدلها في هذا أنه في فترة ضعف الإسلام، وذلك قبل غزوة بدر؛ إذ ليست المزية فيمن آمن في وقت ضعف الإسلام واستذلال أهله كمن آمن في وقت قوته وتمكنه، ولهذا لم يظهر النفاق في الفترة المكية؛ فلما ظهر الإسلام وقوي، ظهر النفاق.
وأخيراً أقول:
لقد وعد الله من يتبعون السابقين من المهاجرين والأنصار بإحسان أن ينالوا من رضاه سبحانه وتعالى ودخول الجنة ما وعد به أولئك السابقين، فقال سبحانه: ((وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100]، وأخبر بأنهم يشاركونهم في الخير، كما قال سبحانه: ((وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ)) [الجمعة:3]، وقال سبحانه: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)) [الحشر:10].
واتِّبَاعُهُم بإحسان يكون بأخذ العلم عنهم، هذا العلم الذي أخذوه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما يكون أيضاً بمحبتهم ومعرفة فضائلهم والذب عن أعراضهم، ورَدِّ الكذب عنهم، والاقتداء بهم..، ولا يكون بالكذبِ عليهم وسبِّهم وشتمِهم وتَنَقُّصِهم والطعنِ فيهم، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.
وبعد كلِّ هذا فلسائل أن يقول: وهل يعني ثناء الله عليهم أنهم لا يعصون الله أبداً؟ وما هو مفهوم الصحبة الذي نُعَرِّف به الصحابي من غيره.
والجواب تجده مستوفى في المبحث التالي..
000000000000
([1]) الفتاوى: (7 /463)، بتصرف يسير.
([2]) الصارم المسلول على شاتم الرسول: (1/37)، بتصرف يسير.
([3]) جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق" رواه مسلم: (1910).
([4]) [الفتاوى 28/ 439].
([5]) تفسير الطبري: (6/408)، وذكر نحوها الطبرسي في مجمع البيان: (5/81-82).
([6]) الفتاوى: (7/214).
([7]) البخاري: (4503)، ومسلم: (5359)، وانظر: التبيان: (5/167)، ومجمع البيان: (5/5).
([8]) منهاج السنة النبوية: (8/429).
([9]) رواه البزار: (2285)، وقال في مجمع الزوائد: رواه البزار ورجاله ثقات، (1/157).
([10]) صحيح البخاري: (كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر).
([11]) رواه أبو نعيم في الحلية (1/76).
([12]) مجمع البيان: (9/193)، وانظر البحار: (20/326).
([13]) وهو آية الله جعفر السبحاني في كتابه: حوار مع الشيخ صالح بن عبدالله الدرويش القاضي بالمحكمة الكبرى بالقطيف حول الصحبة والصحابة (159)..
([14]) شرح النووي عند حديث برقم: (2780).
([15]) انظر: الاستيعاب (1/3)، البداية والنهاية (4/168)، الكامل في التاريخ (2/200)، تاريخ الطبري (2/279).
([16]) الإرشاد: (13)، روضة الواعظين: (75)، بحار الأنوار: (38/243).
([17]) فتح القدير للشوكاني: (3/81)، تفسير الثعالبي: (4/119)، وذكره من علماء الشيعة الطبرسي في مجمع البيان: (9/157)، عند كلامه عن قوله سبحانه: ((فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل)) [الأحقاف:35].
([18]) معاني القرآن للنحاس: (4/187)، فتح القدير للشوكاني: (3/253).
([19]) وانظر: الكافي: (4/548)، البحار: (96/387)، نور الثقلين: (1/541)، كامل الزيارات: (44).
([20]) نهج البلاغة، خطبة: (97) شرح ابن أبي الحديد: (7/77)، شرح محمد عبده: (1/190)، البحار: (66/307)، الحلية لأبي نعيم (1/76).
([21]) تفسير الميزان: (9/373).
_____________
الفصل الثاني: مفهوم الصحابة والعدالة في الإسلام
المبحث الأول
مفهــــوم الصحبـــة
أما مفهوم الصحبة: فإنه عند الإطلاق يراد به المعنى الشرعي لا اللغوي، فلا بد من التفريق بين معنى الصحبة اللغوي ومعناه الشرعي، والصحابي بالمعنى الشرعي هو: من لقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته مؤمناً به ومات على الإسلام([1]).
فبناءً على هذا التعريف نعلم أن لفظ الصحابة لا يراد به المنافقون؛ لعدم إيمانهم أصلاً، وكذا لا يراد به من ارتد ومات على الكفر، كما لا يراد به من آمن بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو آمن في حياته ولكنه لم يلتق به.. إلخ.
مع أننا نقول: إن من طالت صحبته وجاهد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفضل ممن لم يصحبه إلا يسيراً، وإنْ كان كلٌ منهما حصل له فضل صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم..
 
المبحث الثاني
مفهــــوم العــدالــــة
وأما مسألة عدالة الصحابة فالمراد بعدالتهم أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع كونهم يوافون الله سبحانه وتعالى عدولاً..([2]).
ثم إن العدالة تشمل الصدق على وجه العموم، وكذلك التقى، وقولنا بأنهم: (عدول) لا يعني أنهم سواء، فالخلفاء الراشدون رضي الله عنهم في أعلى درجات العدالة، وأقل منهم معاوية رضي الله عنه، وهكذا..، فالصحابة رضي الله عنهم يتفاوتون في العدالة، وإن كان الجميع داخلاً في ضمنها، كما قال سبحانه وتعالى: ((وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [الحديد:10] فهذه الآية شملت من آمن قبل فتح مكة ومن آمن بعده وهم مسلمة الفتح، وإن كانوا في مرتبة أقل بكثير من السابقين الأولين، والجميع وعدهم الله الحسنى، والحسنى هي الجنة، كما قال سبحانه: ((إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)) [الأنبياء:101] ((لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ)) [الأنبياء:102].
وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصي أو السهو أو الغلط، بل هم بشر كغيرهم، قد تحصل منهم الذنوب والمعاصي، ولكنهم يتوبون منها، ولهم من الحسنات ما تذوب فيه هذه السيئات.
ولقد ذكر الله المتقين وأثنى عليهم ووعدهم بالجنة، وأخبر بعدم عصمتهم، وأنه يمكن أن تحصل منهم الذنوب والمعاصي، ومع ذلك وصفهم بالمتقين، كما قال سبحانه: ((وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)) [آل عمران:133] ((الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) [آل عمران:134] ((وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) [آل عمران:135].
فانظر كيف وعدهم هذا الجزاء العظيم، ووصفهم بالتقوى، ومع ذلك بيَّن سبحانه أنهم غير معصومين، وأنه قد يحصل من بعضهم الوقوع في بعض الذنوب أو الفواحش، ولكنهم يتوبون منها ولا يصرون على فعلها، فهم يوافون الله سبحانه وتعالى مع وصفهم بالمتقين، فهذا هو المراد من عدالة الصحابة عند الإطلاق... فتأمل!
وخلاصة القول: أنهم قد يقعون في بعض المعاصي، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، فقد يغفر لهم بسابقتهم، أو بما لهم من الحسنات التي تمحو السيئات، أو بحبِّهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو بالمصائب، أو بظلمِ وسبِّ من يأتي بعدهم، أو بتوبةٍ صادقة منهم، أو بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم -وهم أحق الناس بها- ونحو ذلك، والتوبة تَجُبُّ ما قبلها.
ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جنب فضائلهم ومحاسنهم، من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح([3]).
وقد زنى بعض الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورجمه، ومع ذلك شهد له بتوبة عظيمة لو قسمت بين أمة لوسعتهم([4]).
وشرب الخمرَ أحدُ الصحابة فجلده النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدة مرات، فلما لعنه أحد الصحابة لكثرة ما يؤتى به، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تلعنوه فإنه يحب الله ورسوله)([5]).
والمراد بعدالتهم عند أهل الحديث قبول روايتهم مطلقاً([6])، مع جواز ورود النسيان والغلط عليهم، ولكن هذا يندفع بعدم معارضة أحد من الصحابة رضي الله عنهم له، مما يدل على قبول حديثه مطلقاً، ولو نسي أو غلط لهيّأ الله من يرد عليه خطأه، وبهذا يتحقق حفظ الله لدينه، والأمة معصومة بمجموعها كما هو مقرر في الأصول([7])..
وعدالة الصحابة أمر لازم لحفظ هذا الدين، فهم نقلة الكتاب والسنة، وليست مجرد شرف شخصي لهم، ولهذا نقلوا إلينا الكتاب والسنة على أتم وجه.
فمن طعن في عدالتهم فقد طعن في القرآن والسنة، كيف لا! والأخبار لا تؤخذ من الفاسق، فكيف بالقرآن؟!
ويؤيد هذا ما جاء في (الكافي) عن منصور بن حازم، قال: قلت لأبي عبدالله: «..فَأَخْبِرْنِي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: صدقوا على محمد أم كذبوا؟ قال: بل صدقوا..»([8])، فالرواية تثبت عدالة الصحابة رضي الله عنهم في روايتهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
أما المنافقون فلم ينقلوا شيئاً ألبتة، فهم لا يتجرءون على الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يستطيعون الكذب في هذا الشأن؛ ولهذا فإن الآيات التي تفضح المنافقين وتعريهم كثيرة جداً، وليس فيها آية واحدة تدل على أنهم استطاعوا الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وتأمل قوله سبحانه عن نبيه صلى الله عليه وسلم: ((وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ)) [الحاقة:44] ((لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ)) [الحاقة:45] ((ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ)) [الحاقة:46] ((فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ)) [الحاقة:47]. فإذا كان هذا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم لو تقول على الله سبحانه، فكيف بغيره لو حاول أن يكذب أو يحرف؟!
والحماية ربانية لا بشرية، والبشر إنما هم من الأسباب المسخرة لهذه الحماية.
وهذه حقيقة ناصعة، فلا الصحابة يكذبون لعدالتهم، ولا المنافقون يقدرون على الكذب في هذا الميدان تحديداً([9]).
أما مسلمة الفتح فهم كغيرهم من الصحابة، لا يمكن أن يتعمدوا الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومع ذلك فلم يتحملوا من السنة ما تحمله الصحابة الملازمون للرسول صلى الله عليه وآله وسلم من قبل، مع ما اشتهر به كثير منهم من الصدق والديانة وغاية الأمانة، وأما من أُخِذَ عليه بعضُ المآخذ منهم -كوقوعه في بعض المعاصي- فقد تتبع أئمة الحديث أحاديثهم، فلم يجدوا في ذلك ما يوجب التهمة، بل وجدوا عامة ما رووه قد رواه غيرهم من الصحابة ممن لا تتجه إليه تهمة، أو جاء في الشريعة ما في معناه أو يشهد له، فلم يبقَ بعد ذلك حجة لأحد([10])..
00000000000000
     ([1]) الإصابة في تمييز الصحابة: (9).
     ([2]) فتح الباري، شرح حديث رقم: (690)، (3462)، منهاج السنة: (7/220)، وانظر ما ذكره محقق كتاب (تدريب الراوي) الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر: (2/215)، فقد ذكر عدة إطلاقات للعدالة، وذكر منها تجنب تعمد الكذب، ثم ذكر جملة من أقوال العلماء، فليراجع.
     ([3]) مجموع الفتاوى: (3/155).
     ([4]) هذا اللفظ لمسلم: (1695)، وهو وارد في حق ماعز الأسلمي رضي الله عنه.
     ([5]) صحيح البخاري: (6780).
     ([6]) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة: (11).
     ([7]) انظر: منهاج السنة: (2/456-458).
     ([8]) الكافي: (1/65)، وسائل الشيعة: (27/208)، البحار: (2/228).
     ([9]) انظر كتاب: (براءة الصحابة من النفاق) لمنذر الأسعد: (36 – 37).
     ([10]) الأنوار الكاشفة: (262) بتصرف.
عدد مرات القراءة:
316
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :