عندما تأسس الحرس الثوري الإيراني في عام 1979 بأمر من المرشد الأول للنظام آية الله خميني، لم يتوقع أي من قادة الثورة أن هذا الجهاز سيصبح، ليس أكثر المؤسسات العسكرية الإيرانية كفاءة ويد إيران الطولى للتدخل والتوسع في منطقة الشرق الأوسط وما وراءها، والقبضة الحديدية لقمع المعارضين في الداخل فحسب، بل أيضاً سيسيطر هذا الجهاز على الاقتصاد الإيراني بالمطلق عبر جناحه الاقتصادي المعروف باسم "مقر خاتم الأنبياء"، مما دفع الكثيرين لأن يصفونه بـ"المافيا العملاقة" ويحملونه مسؤولية إفلاس الاقتصاد الإيراني.

وحمّل أستاذ الاقتصاد الإيراني، الدكتور جمشيد اسدي، في مقابلة سابقة له مع الإذاعة الفرنسية، الحرس الثوري مسؤولية تفاقم الوضع الاقتصادي الإيراني نتيجة العقوبات الدولية، فقال: "لو لم يحتكر الحرس الثوري الاقتصاد الإيراني بشكل مطلق، لكان تأثير العقوبات الدولية أقل بكثير مما هو عليه، لأن الحظر الدولي لم يستهدف الاقتصاد الإيراني. لكن وبما أن الشركات التابعة للحرس الثوري وقوى الأمن تسيطر على الاقتصاد الإيراني، فإن الحظر كان موجها ضدها، لهذا أصبح الاقتصاد الإيراني ضحية العقوبات".

رئيس فاسد مدعوم من المرشد والحرس

وبعد أن تم انتخاب حسن روحاني، الذي رفع شعار تحسين الوضع المعيشي والاقتصادي، رئيسا للجمهورية، تجرأ الكثيرون أن يفضحوا الفساد الذي كان قد استشرى في مفاصل حكومة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد. ويتفق خبراء الاقتصاد والشفافية في إيران بالمطلق على أن حكومة أحمدي نجاد، الذي كان يظهر بمظهر الرئيس الدرويش المتقشف، كانت أفسد حكومة في تاريخ إيران الحديث قبل وبعد الثورة على الإطلاق، حيث سجلت في السنتين الأولى من عمرها فقط حوالي 4000 مخالفة وخرق للميزانية، حسب الخبير الاقتصادي الدكتور جمشيد أسدي. ومن المعلوم أيضاً أن أحمدي نجاد كان يتمتع بالدعم اللامحدود من قبل الحرس الثوري والمرشد الأعلى علي خامنئي الذي وصفه بأقرب الرؤساء الإيرانيين إليه.

وخلال 8 سنوات من حكمه، أطلق محمود أحمدي نجاد، بصفته رئيساً للسلطة التنفيذية، يد الحرس الثوري في الاقتصاد الإيراني. واليوم أيضاً، عندما يتعرض الرئيس السابق للنقد لا أحد يذكر الجهة التي استفادت من الإمكانيات التي وفرها لها أحمدي نجاد، أي الحرس الثوري.

وكانت لجنة الخبراء الاقتصاديين القريبة من حسن روحاني قد كشفت الوضع المزري للاقتصاد الإيراني خلال السنوات الثماني التي سبقت حكم روحاني دون أن تشير للحرس الثوري ودوره المباشر في الاقتصاد. وجاء في تقرير اللجنة: "على الرغم من أن الطاقة والإمكانيات الكامنة للاقتصاد الإيراني تضع هذا البلد في الرتبة الـ20 في العالم إلا أن القوة الفعلية تهبطه إلى المرتبة الـ70".

ولكن بحسب مؤسسة "هيرتيتش" للاقتصاد الحر، تحتل إيران المرتبة 146 بين 161 بلدا من بلدان العالم.

وتظهر المؤشرات الإحصائية في مختلف المجالات، ذُكِرَت في تقرير ساهم في تحضيره ست مؤسسات دولية تنشط في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية والأبحاث، تظهر أن "إيران احتلت في عام 2012 في المجمل المرتبة 102 بين 142 بلدا، فمن ناحية الأمن الشخصي المرتبة 125، وفي مجال الحريات الشخصية المرتبة 125، والاستثمار الاجتماعي المرتبة 121، والاقتصاد المرتبة 70، وخلق فرص العمل المرتبة 95، والتعليم المرتبة 57، والصحة المرتبة 66".

هذه الدراسات في مجملها تؤكد أن إيران لا تزال تعاني وبقوة في كافة المجالات الاقتصادية، خاصة على صعيد حرية التجارة وحجم التدخل الحكومي في الاقتصاد، وحريات وإمكانيات الطاقة العاملة والملكية الخاصة والسوق السوداء والاستثمارات الأجنبية والأسواق المالية.

من ناحية أخرى، وبما أن للحرس الثوري حضورا اقتصاديا وتجاريا وصناعيا قويا من خلال شبكة واسعة من الشركات المرتبطة بمقره الاقتصادي أي "مقر خاتم الأنبياء"، وعدم خضوعه لإرادة الحكومة ورفضه الشفافية والمساءلة بذريعة عدم الكشف عن معلوماته كونه جهازا عسكريا حساسا، بات نشاطه الاقتصادي الخفي، الذي أفلس الاقتصاد الإيراني خلال سنوات الحصار، أشبه إلى المافيا الاقتصادية.

الحرس الثوري يمتلك إيران

من خلال نظرة سريعة على ما يمتلكه الحرس الثوري، يمكن القول دون تردد إن هذا الجهاز العسكري يمتلك إيران من أقصاها إلى اقصاها، حيث هو اليوم اللاعب السياسي والاقتصادي والأمني الأول في البلاد.

ولكي نعرف غيض من فيض ما يحصل للاقتصاد الإيراني نتيجةً لتدخل الحرس الثوري المباشر فيه، نذكّر بأن "مقر خاتم الأنبياء" (الجناح الاقتصادي للحرس الثوري) يُعد أكبر مقاول في إيران، حيث يضم 812 شركة في إيران وخارجها، وله أسهم كبيرة في عدد من البنوك والمصافي ومصانع السيارات والبتروكيماويات والألمنيوم والصناعات البحرية وصناعة الجرارات والصلب والحديد ومصانع الأدوية والمطاحن وشركات الحفر والصناعات الغذائية.

أسلوب سيطرة الحرس على الاقتصاد الإيراني

فعلى سبيل المثال لا الحصر، باعت حكومة أحمدي نجاد 51% من شركة الاتصالات الإيرانية إلى شركات تابعة للحرس الثوري من خلال مزايدة تمت هندستها بطريقة تجعل أكبر صفقة في تاريخ الأسهم الإيرانية تنتهي لصالح شركات تابعة للحرس الثوري.

وكانت شركة "بيشكامان كوير يزد" الإيرانية الخاصة الشركة الأوفر حظاً لشراء 51% من أسهم الاتصالات الإيرانية. ولكن كان على هذه الشركة أن تنافس شركتين تابعتين لمؤسسة التعاون في الحرس الثوري، وهما "توسعه اعتماد" و"شهريار مهستان". وكون هاتين الشركتين لا تملكان تجربة في مجال الاتصالات كان من الصعوبة بمكان لهما منافسة شركة خاصة تحمل التجربة والإمكانيات لشراء أسهم الاتصالات الإيرانية. إلا أنه وفي اليوم الذي سبق الإعلان عن الشركة الفائزة، تم حذف شركة "بيشكامان كوير يزد" من المنافسة بذريعة عدم توفير "الشروط الأمنية"، وصارت الساحة فارغة للحرس الثوري لكي يستحوذ على 51% من أسهم "شركت مخابرات إيران"، أي شركة اتصالات إيران بثمن بخس وبمباركة الرئيس محمود أحمدي نجاد، الابن البار للحرس الثوري الإيراني.

هذا النموذج يظهر الطريقة التي امتلك الحرس الثوري من خلالها مئات الشركات والمصانع والمصافي والمشاريع والأراضي والمناجم والغابات والشواطئ، وبات يزاحم ليس الاقتصاد الحكومي فحسب بل الاقتصاد الخاص.

واليوم، بعد أن تم إلغاء العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، تعقد حكومة حسن روحاني الأمل على الاستثمارات الأجنبية في إيران، إلا أنها تتجاهل أن المستثمرين في العالم يبحثون عن الأمن الاستثماري قبل الانتقال إلى أي بلد مهما كانت المجالات فيه مغرية. فعندما يرى المستثمرون أنه ينبغي عليهم منافسة الحرس الثوري الذي لا يخضع لأي مساءلة، هل يجازفون برؤوس أموالهم ويتوجهون إلى إيران؟