من الذي يدعم الإرهابيين في العراق؟ ..   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

عدالة الصحابة عند اهل السنة ..
الكاتب : أحمد بن عبد الله بن عباس البغدادي ..
{ العدالة في اللغة , والاصطلاح }
 
قال العلامة الجوهري : " العَدْلُ: خلاف الجَوَر. يقال: عَدَلَ عليه في القضيّة فهو عادِلٌ. وبسط الوالي عَدْلَهُ ومَعْدِلَتَهُ ومَعْدَلَتَهُ. وفلان من أهل المَعْدَلَةِ، أي من أهل العَدْلِ. ورجلٌ عَدْلٌ، أي رِضاً ومَقْنَعٌ في الشهادة. وهو في الأصل مصدرٌ. وقومٌ عَدْلٌ وعُدولٌ أيضاً، وهو جمع عَدْلٍ. وقد عَدُلَ الرجلُ بالضم عَدالَةً " اهـ .[1]
واما العدالة في الاصطلاح , فقد قال الامام الغزالي : " وَالْعَدَالَةُ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِقَامَةِ السِّيرَةِ وَالدِّينِ وَيَرْجِعُ حَاصِلُهَا إلَى هَيْئَةٍ رَاسِخَةٍ فِي النَّفْسِ تُحْمَلُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى وَالْمُرُوءَةِ جَمِيعًا حَتَّى تَحْصُلُ ثِقَةُ النُّفُوسِ بِصِدْقِهِ، فَلَا ثِقَةَ بِقَوْلِ مَنْ لَا يَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى خَوْفًا وَازِعًا عَنْ الْكَذِبِ.
ثُمَّ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعِصْمَةُ مِنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِي. وَلَا يَكْفِي أَيْضًا اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ بَلْ مِنْ الصَّغَائِرِ مَا يُرَدُّ بِهِ كَسَرِقَةِ بَصَلَةٍ وَتَطْفِيفٍ فِي حَبَّةٍ قَصْدًا. " اهـ .[2]
وقال الامام ابن حبان : " والعدالة في الإنسان هو أن يكون أكثر أحواله طاعة الله لأنا متى ما لم نجعل العدل إلا من لم يوجد منه معصية بحال أدانا ذلك إلى أن ليس في الدنيا عدل إذ الناس لا تخلو أحوالهم من ورود خلل الشيطان فيها بل العدل من كان ظاهرا أحوله طاعة الله والذي يخالف العدل من كان أكثر أحواله معصية الله " اهـ .[3]
وقال الامام الصنعاني: " لَيْسَ الْعدْل إِلَّا من قَارب وسدد وَغلب خَيره شَره " اهـ .[4]
وقال ايضا : " كَلَام مستحسن للشَّافِعِيّ فِي الْعَدَالَة
قَالَ وَقد قَالَ الشَّافِعِي فِي الْعَدَالَة قولا استحسنه كثير من الْعُقَلَاء من بعده قَالَ لَو كَانَ الْعدْل من لم يُذنب لم نجد عدلا وَلَو كَانَ كل ذَنْب لَا يمْنَع من الْعَدَالَة لم نجد مجروحا وَلَكِن من ترك الْكَبَائِر وَكَانَت محاسنه أَكثر من مساوئه فَهُوَ عدل انْتهى
قلت وَهَذَا قَوْله حسن وَيُؤَيِّدهُ أَن أهل اللُّغَة فسروا الْعدْل بنقيض الْجور وَلَيْسَ الْجور عبارَة عَن ملكة راسخة توجب إتْيَان كل مَعْصِيّة وَلَا الجائر لُغَة كل من يَأْتِي مَعْصِيّة بل من غلب جوره على عدله " اهـ .[5]
وقال الامام ابو بكر البغدادي : " أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمُجَهِّزُ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ بْنِ نَصْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ , بِهَا، ثنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ سَلْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الضَّحَّاكِ، ثنا أَبُو الْأَصْبَغِ مُحَمَّدُ بْنُ سَمَاعِةٍ، ثنا مَهْدِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ , يَقُولُ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ , يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: «لَيْسَ مِنْ شَرِيفٍ وَلَا عَالِمٍ وَلَا ذِي سُلْطَانٍ إِلَّا وَفِيهِ عَيْبٌ , لَا بُدَّ , وَلَكِنْ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا تُذْكَرُ عُيُوبُهُ , مَنْ كَانَ فَضْلُهُ أَكْثَرَ مِنْ نَقْصِهِ وُهِبَ نَقْصُهُ لِفَضْلِهِ» " اهـ .[6]
فالامر كله يتعلق بثبوت الصلاح للشخص , بحيث يغلب خيره على شره , وليس المراد من العدالة العصمة قطعا , فنقول ان الثمرة من كل ما ذكرنا هو حدوث الاطمئنان من الكذب عند الشخص الذي يروي حديث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , قال الله تعالى : { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31) النساء } .
قال الحافظ ابن كثير : " وَقَوْلُهُ: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] (2) } . أَيْ: إِذَا اجْتَنَبْتُمْ كَبَائِرَ الْآثَامِ الَّتِي نُهِيتُمْ عَنْهَا كَفَّرْنَا عَنْكُمْ صَغَائِرَ الذُّنُوبِ وَأَدْخَلْنَاكُمُ الْجَنَّةَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا} . " اهـ .[7]
اي ان صدور الصغيرة من العبد واردة , ومع هذا تُكفر عند اجتناب الكبائر .
وفي الحديث النبوي الشريف : " 3428 - ( حسن )
4241 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ" " اهـ .[8]
ان الحديث واضح في وقوع العباد في الخطأ , ولكن خير الخطائين الذين يتوبون من ذنوبهم , ويرجعون الى الله تعالى فمجرد وقوع العبد في الذنب لا يلزم منه اسقاط عدالته , فتوبته تنقيه , وتجعله خاليا من الذنب , وكذلك الحسنات الماحية للسيئات كما قال تعالى : { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) : هود } , وهناك مكفرات للذنوب اخرى مثل الاعمال الصالحة , والابتلاءات والمصائب , والدعاء وغيرها سوف ابينها في مكانها .
 
 
 { تعريف الصحبة في اللغة , والاصطلاح }
 
 قال العلامة الفيومي : " ( ص ح ب ) : صَحِبْتُهُ أَصْحَبُهُ صُحْبَةً فَأَنَا صَاحِبٌ وَالْجَمْعُ صَحْبٌ وَأَصْحَابٌ وَصَحَابَةٌ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَمَنْ قَالَ صَاحِبٌ وَصُحْبَةٌ فَهُوَ مِثْلُ فَارِهٍ وَفَرَهَةٍ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْإِطْلَاقِ لِمَنْ حَصَلَ لَهُ رُؤْيَةٌ وَمُجَالَسَةٌ " اهـ .[9]
واما تعريف الصحابي في الاصطلاح , فقد قال الامام ابن حجر : " وهو مَنْ لَقِيَ النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- مُؤْمِنًا بِهِ، وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَوْ تَخَلَّلَتْ رِدَّةٌ فِي الْأَصَحِّ " اهـ .[10]
وقال في النزهة : " 1- وقولي: "مؤمناً به" كالفصْلِ، يُخْرِجُ مَنْ حصَل لهُ اللِّقاءُ المذكورُ، لكنْ، في حالِ كونِه كافراً.
2- وقَوْلي: "بهِ". فصْلٌ ثانٍ يُخْرجُ مَنْ لَقِيَهُ مُؤمِناً، لكنْ، بغيره من الأنبياء. لكنْ، هل يُخْرِج مَنْ لَقِيَهُ مُؤمِناً بأَنَّهُ سيبعث ولم يُدْرِك البعثة؟. فيه نَظَرٌ.
3- وقَوْلي: "وماتَ على الإِسلامِ"، فصْلٌ ثالثٌ يُخْرِجُ مَن ارتدَّ، بعد أن لقيه مؤمناً، وماتَ على الرِّدَّةِ، كعُبَيْدِ اللهِ بنِ جَحْشٍ، وابن خَطَلٍ.
4- وقَوْلي: "ولو تخلَّلت رِدَّةٌ"، أي: بينَ لُقِيِّهِ لهُ مُؤمِناً بهِ، وبينَ موتِه على الإِسلامِ، فإِنَّ اسمَ الصُحْبَةِ باقٍ لهُ، سواءٌ رجع إِلى الإسلامِ في حياتِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلم، أم بعده، سواءٌ لقيه ثانياً أَمْ لا.
5- وقَوْلي: "في الأصحِّ" إشارةٌ إِلى الخِلافِ في المسأَلةِ، ويدلُّ على رُجْحانِ الأوَّلِ قصةُ الأشعثِ بنِ قيسٍ؛ فإِنَّه كانَ ممَّنِ ارتدَّ، وأُتِيَ بهِ إِلى أَبي بكرٍ الصديق أسيراً؛ فعاد إلى الإسلام فقَبِلَ منه وزَوَّجه أُخْتَهُ، ولم يتخلَّفْ أحدٌ عنْ ذكْرِه في الصَّحابةِ، ولا عنْ تخريجِ أحاديثِهِ في المسانيد وغيرها " اهـ .[11]
وقال في الاصابة : " في تعريف الصحابي وأصح ما وقفت عليه من ذلك هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على الاسلام , فيدخل من طالت مجالسته او قصرت , ومن روى عنه لو لم يرو , ومن غزا معه او لم يغز , ومن راه رؤية ولو لم يجالسه , ومن لم يره لعارض كالعمى , ويخرج بقيد الايمان من لقيه كافرا ولو اسلم بعد ذلك اذا لم يجتمع به مرة اخرى .............................
وهذا التعريف مبني على الاصح المختار عند المحققين , كالبخاري وشيخه احمد بن حنبل ومن تبعهما , ووراء ذلك اقوال اخرى شاذة , كقول من قال : لا يعد صحابيا الا من وصف بأحد اوصاف اربعة , من طالت مجالسته , او حفظت روايته , او ضبط انه غزا معه , او استشهد بين يديه , وكذا من اشترط في صحة الصحبة بلوغ الحلم , او المجالسة ولو قصرت " اهـ .[12]
وقال في الفتح : " وَقَدْ وَجَدْتُ مَا جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ تَعْرِيفِ الصَّحَابِيِّ فِي كَلَام شَيْخه عَليّ بن الْمَدِينِيِّ فَقَرَأْتُ فِي الْمُسْتَخْرَجِ لِأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ مَنْدَهْ بِسَنَدِهِ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ سَيَّارٍ الْحَافِظِ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَتِيكٍ يَقُولُ قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيِّ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ رَآهُ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ بَسَطْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا جَمَعْتُهُ مِنْ عُلُومِ الْحَدِيثِ " اهـ .[13]
ولقد عرف الامام البخاري رحمه الله الصحابي , حيث قال في صحيحه : " وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ رَآهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ " اهـ .[14]
ثم استشهد الامام البخاري بهذه الرواية بعد تعريفه للصحابي في هذا الباب حيث قال  : " حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيَقُولُونَ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ " اهـ .[15]
فاستدلاله بالحديث موافق لتعريفه الذي عرف به الصحابي .
وقال الامام احمد : " كل من صَحبه سنة أَو شهرا أَو يَوْمًا أَو سَاعَة وَرَآهُ فَهُوَ من أَصْحَابه لَهُ الصُّحْبَة على قدر مَا صَحبه وَكَانَت سابقته مَعَه وَسمع مِنْهُ وَنظر إِلَيْهِ نظر فأدناهم صُحْبَة أفضل من الْقرن الَّذِي لم يروه وَلَو لقوا الله بِجَمِيعِ الْأَعْمَال كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذين صحبوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورأوه وسمعوا مِنْهُ أفضل لصحبتهم من التَّابِعين وَلَو عمِلُوا كل أَعمال الْخَيْر " اهـ .[16]
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية : " وَالصُّحْبَةُ اسْمُ جِنْسٍ تَقَعُ عَلَى مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا لَكِنْ كُلٌّ مِنْهُمْ لَهُ مِنْ الصُّحْبَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ فَمَنْ صَحِبَهُ سَنَةً أَوْ شَهْرًا أَوْ يَوْمًا أَوْ سَاعَةً أَوْ رَآهُ مُؤْمِنًا فَلَهُ مِنْ الصُّحْبَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ " اهـ .[17]
وقال في منهاج السنة : " وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي " الرِّسَالَةِ " الَّتِي رَوَاهَا عَبْدُوسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْهُ : " مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَةً، أَوْ شَهْرًا  ، أَوْ يَوْمًا، أَوْ سَاعَةً  ، أَوْ رَآهُ مُؤْمِنًا  بِهِ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ لَهُ مِنَ الصُّحْبَةِ عَلَى قَدْرِ مَا صَحِبَهُ ".
وَهَذَا قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ وَغَيْرِهِمْ: يَعُدُّونَ فِي أَصْحَابِهِ مِنْ قَلَّتْ صُحْبَتُهُ وَمِنْ كَثُرَتْ، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ ضَعِيفٌ " اهـ .[18]
وقال الامام ابو الحسن الاشعري : " الإجماع السابع والأربعون
 وأجمعوا على أن الخيار بعد العشرة في أهل بدر من المهاجرين والأنصار على قدر الهجرة والسابقة وعلى أن كل من صحب النبي ولو ساعة أو رآه ولو مرة مع إيمانه به وبما دعا إليه أفضل من التابعين بذلك " اهـ .[19]
{ مراتب الصحابة }
قال الامام الحاكم : "  ذِكْرُ النَّوْعِ السَّابِعِ مِنْ مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ الْحَدِيثِ النَّوْعُ السَّابِعُ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ عَلَى مَرَاتِبِهِمْ، فَأَوَّلُهُمْ قَوْمٌ أَسْلَمُوا بِمَكَّةَ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ , وَعُمَرَ , وَعُثْمَانَ , وَعَلِيٍّ , وَغَيْرِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَصْحَابِ التَّوَارِيخِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوَّلُهُمْ إِسْلَامًا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي بُلُوغِهِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْجَمَاعَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ تَبِعَكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ؟ قَالَ: «حُرٌّ وَعَبْدٌ» ، وَإِذَا مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ , وَبِلَالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا،
 وَالطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَصْحَابُ دَارِ النَّدْوَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا أَسْلَمَ وَأَظْهَرَ إِسْلَامَهُ حَمَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى دَارِ النَّدْوَةِ فَبَايَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ،
 وَالطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمُهَاجِرَةُ إِلَى الْحَبَشَةِ
وَالطَّبَقَةُ الرَّابِعَةُ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ بَايَعُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، يُقَالُ فُلَانٌ عَقَبِيُّ، وَفُلَانٌ عَقَبِيُّ،
وَالطَّبَقَةُ الْخَامِسَةُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَكْثَرُهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَالطَّبَقَةُ السَّادِسَةُ أَوَّلُ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ وَصَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِقُبَاءَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا الْمَدِينَةَ، وَيُبْنَى الْمَسْجِدَ،
وَالطَّبَقَةُ السَّابِعَةُ أَهْلُ بَدْرٍ الَّذِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ فِيهِمْ: " لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ " وَالطَّبَقَةُ الثَّامِنَةُ الْمُهَاجِرَةُ الَّذِينَ هَاجَرُوا بَيْنَ بَدْرٍ وَالْحُدَيْبِيَةِ،
وَالطَّبَقَةُ التَّاسِعَةُ أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18] وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بِالْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا صُدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ الْعُمْرَةِ وَصَالَحَ كُفَّارَ قُرَيْشٍ عَلَى أَنْ يَعْتَمِرَ مِنَ بِهَا، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: سَمِعْتُ أَبِي، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ يَقُولُ: «قَدْ طَلَبْنَاهَا غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَمْ نَجِدْهَا» ، فَأَمَّا مَا يَذْكُرُهُ عَوَامُّ الْحَجِيجِ أَنَّهَا شَجَرَةٌ بَيْنَ مِنًى وَمَكَّةَ، فَإِنَّهُ خَطَأٌ فَاحِشٌ،
 وَالطَّبَقَةُ الْعَاشِرَةُ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمُهَاجِرَةِ بَيْنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالْفَتْحِ مِنْهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ , وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ , وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُمْ، وَفِيهِمْ كَثْرَةٌ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا غَنِمَ خَيْبَرَ قَصَدُوهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ مُهَاجِرِينَ، فَكَانَ يُعْطِيهِمْ،
وَالطَّبَقَةُ الْحَادِي عَشْرَةَ فَهُمُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا يَوْمَ الْفَتْحِ، وَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ طَائِعًا، وَمِنْهُمْ مَنِ اتَّقَى السَّيْفَ، ثُمَّ تَغَيَّرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَضْمَرُوا وَاعْتَقَدُوا،
 ثُمَّ الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ صِبْيَانِ وَأَطْفَالٌ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَفِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَغَيْرِهَا وَعِدَادِهِمْ فِي الصَّحَابَةِ مِنْهُمُ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ، فَإِنَّهُمَا قَدِمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَا لَهُمَا وَلِجَمَاعَةٍ يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِمْ، وَمِنْهُمْ أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ , وَأَبُو جُحَيْفَةَ وَهْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَإِنَّهُمَا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الطَّوَافِ وَعِنْدَ زَمْزَمَ، وَقَدْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَإِنَّمَا هُوَ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» " اهـ .[20]
ومما لا شك فيه ان الصحابة يتفاوتون في مراتبهم , ودرجاتهم , ولقد جاء في القران الكريم , وكذلك السنة النبوية المطهرة التفاضل بين الصحابة الكرام رضي الله عنهم مع بقاء فضل الجميع , كما ان التفاضل في القران الكريم بين الانبياء صلوات الله تعالى عليهم واقع مع بقاء فضلهم جميعا , وعدم الاستنقاص من المفضول .
ومن الادلة على وجود التفاضل بين الصحابة الكرام في القران الكريم , قول الله سبحانه وتعالى : { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) : التوبة } , فالاية صريحة في تفضيل السابقين الاولين على غيرهم من الصحابة الكرام , وقول الله تعالى : {  وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) : الحديد } , فالاية صريحة بتفضيل من انفق , وقاتل قبل الفتح على من انفق من بعد وقاتل , وكل هؤلاء قد وعدهم الله تعالى الحسنى , والحسنى هي الجنة كما اخبر الله تعالى في القران الكريم حيث قال جل وعلا : { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) : الانبياء } .
وفي السنة المطهرة , قال الامام ابن حبان : " [7091] أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ الْخَرَّارُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْمُؤَدِّبُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: شَكَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا خَالِدُ، لِمَ تُؤْذِي رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا لم تدرك عَمَلَهُ"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَقَعُونَ فِيَّ، فَأَرُدُّ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تُؤْذُوا خَالِدًا، فَإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ صَبَّهُ اللَّهُ عَلَى الْكُفَّارِ" "1".
__________
"1" إسناده صحيح.... " اهـ .[21]
فالحديث صريح في تفضيل اهل بدر على من اسلم من بعدهم مع بقاء حرمة الجميع , وفضلهم .
وفي صحيح البخاري : " 4640 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالاَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ العَلاَءِ بْنِ زَبْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الخَوْلاَنِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، يَقُولُ: كَانَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُحَاوَرَةٌ، فَأَغْضَبَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ فَانْصَرَفَ عَنْهُ عُمَرُ مُغْضَبًا، فَاتَّبَعَهُ أَبُو بَكْرٍ يَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى أَغْلَقَ بَابَهُ فِي وَجْهِهِ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَنَحْنُ عِنْدَهُ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَقَدْ غَامَرَ» قَالَ: وَنَدِمَ عُمَرُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ وَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَصَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخَبَرَ، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي، إِنِّي قُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا، فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ " قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: " غَامَرَ: سَبَقَ بِالخَيْرِ " اهـ .[22]
فمع ان الكل صحابة , وابو بكر , وعمر رضي الله عنهما افضلهم , الا ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قد خص ابابكر رضي الله عنه في هذا المقام باعلى مراتب الصحبة التي لم يبلغها احد , وفَضَّله على جميع الصحابة الكرام ومن ضمنهم عمر رضي الله عنهم جميعا , علما ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قد خص الصديق , والفاروق رضي الله عنهما بالاقتداء , قال الامام الترمذي : " حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ البَزَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، نَحْوَهُ.
وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يُدَلِّسُ فِي هَذَا الحَدِيثِ، فَرُبَّمَا ذَكَرَهُ عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَرُبَّمَا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ زَائِدَةَ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَفِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ " اهـ .[23]
وقد صححه الامام الالباني في صحيح الترمذي , حيث قال : " 2895 - ( صحيح )
 عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر . ( صحيح سنن ابن ماجة 97 ) " اهـ .[24]
فمع تخصيص النبي صلى الله عليه واله وسلم ابو بكر , وعمر رضي الله عنهما بالاقتداء الا انه فاضل بينهما , وقدم ابا بكر على عمر رضي الله عنهما , فالتفاضل لا يلزم منه استنقاص المفضول , وفيما ذكرت كفاية في هذا الموضوع , ولو اردنا ان نستوعب ادلة هذا الموضوع من الكتاب , والسنة لاحتجنا الى مجلد بحجم كبير .
{ طريقة معرفة الصحابي }
قال الامام ابن الصلاح : " ثُمَّ إِنَّ كَوْنَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ صَحَابِيًّا تَارَةً يُعْرَفُ بِالتَّوَاتُرِ، وَتَارَةً بِالِاسْتِفَاضَةِ الْقَاصِرَةِ عَنِ التَّوَاتُرِ، وَتَارَةً بِأَنْ يُرْوَى عَنْ آحَادِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ، وَتَارَةً بِقَوْلِهِ وَإِخْبَارِهِ عَنْ نَفْسِهِ - بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ - بِأَنَّهُ صَحَابِيٌّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. " اهـ .[25]
وقال الامام ابن حجر : " يُعْرَفُ كونُه صحابيّاً؛ بالتَّواتُرِ، أَو الاستفاضَةِ، أَو الشُّهْرةِ، أَو بإِخبارِ بعضِ الصَّحابةِ، أَو بعضِ ثقاتِ التَّابِعينَ، أَو بإِخبارِهِ عنْ نفسِهِ بأَنَّهُ صحابيٌّ؛ إِذا كانَ دعواهُ ذلكَ تدخُلُ تحتَ الإِمكانِ " اهـ .[26]
{ اقوال اهل العلم في عدالة الصحابة الكرام }
قال الامام الشوكاني عن اصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : " وَقَالَ الْأَبْيَارِيُّ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِعَدَالَتِهِمْ ثُبُوتَ الْعِصْمَةِ لَهُمْ وَاسْتِحَالَةَ الْمَعْصِيَةِ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ: قَبُولُ رِوَايَاتِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفِ بَحْثٍ عَنْ أَسْبَابِ الْعَدَالَةِ وَطَلَبِ التَّزْكِيَةِ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ ارْتِكَابٌ قَادِحٌ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ فَنَحْنُ عَلَى اسْتِصْحَابِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَثْبُتَ خِلَافُهُ، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى مَا يَذْكُرُهُ أَهْلُ السِّيَرِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ، وما "صح"** فَلَهُ تَأْوِيلٌ صَحِيحٌ. انْتَهَى.
وَإِذَا تَقَرَّرَ لَكَ عَدَالَةُ جَمِيعِ مَنْ ثَبَتَتْ لَهُ الصُّحْبَةُ، عَلِمْتَ أَنَّهُ إِذَا قَالَ الرَّاوِي عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُسَمِّهِ كَانَ ذَلِكَ حُجَّةً وَلَا يضر الجهالة لثبوت عدالتهم على العموم. " اهـ .[27]
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية : " وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ  مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ، وَمَعَ هَذَا فَقَدَ جَرَّبَ . أَصْحَابُ النَّقْدِ. وَالِامْتِحَانِ أَحَادِيثَهُمْ وَاعْتَبَرُوهَا بِمَا تُعْتَبَرُ بِهِ الْأَحَادِيثُ، فَلَمْ يُوجَدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ تَعَمُّدُ كِذْبَةٍ، بِخِلَافِ الْقَرْنِ الثَّانِي فَإِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ جَمَاعَةٌ يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ.
وَلِهَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٍ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ " اهـ .[28]
وقال الامام السخاوي : " الصَّحَابَة بأسرهم عدُول مُطلقًا، لظواهر الْكتاب وَالسّنة، قَالَ تَعَالَى خطابا للموجودين حِينَئِذٍ {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا} أى عُدُولًا وَقَالَ أَيْضا {كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ} وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم : " لَا تسبوا أصحابى فوالذى نفسى بِيَدِهِ لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه " وَقَالَ أَيْضا: " خير النَّاس قرنى، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ " مُتَّفق عَلَيْهِمَا، أجمع من يعْتد بِهِ على ذَلِك، سَوَاء فى التَّعْدِيل من لَا بس الْفِتْنَة مِنْهُم وَغَيره، لوُجُوب حسن الظَّن بهم حملا للملابس على الِاجْتِهَاد، ونظرا إِلَى مَا عهد بهم من المآثر من امْتِثَال أوامره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وفتحهم الأقاليم، وتبليغهم عَنهُ الْكتاب وَالسّنة، وهدايتهم  النَّاس ومواظبتهم على الصَّلَوَات والزكوات، وأنواع القربات مَعَ الشجَاعَة، والبراعة، وَالْكَرم، والإيثار، والأخلاق الحميدة، الَّتِى لم تكن فى أمة من الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة، وَلَا يكون أحد بعدهمْ مثلهم فى ذَلِك " اهـ .[29]
وقال الشيخ نور الدين عتر : " وقد اختص الله الصحابة رضي الله عنهم بخصيصة ليست لطبقة من الناس غير طبقتهم، وهي أنهم لا يسأل عن عدالة أحد منهم، فهم جميعهم عدول ثبتت عدالتهم بأقوى ما تثبت به عدالة أحد، فقد ثبتت بالكتاب، والسنة، وبالإجماع، والمعقول.
أما القرآن: فقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} وقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} .
وهذا ينطبق على الصحابة كلهم، لأنهم المخاطبون مباشرة بهذا النص.
وكذا قوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً} .
وغير ذلك كثير من الآيات في فضل الصحابة والشهادة بعدالتهم.
وأما السنة: ففي نصوصها الشاهدة بذلك كثرة غزيرة، منها:
حديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" .
وتواتر عنه صلى الله عليه وسلم قوله: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم".
ومما ورد في إثبات عدالة مجهول الصحابة: حديث ابن عباس الصحيح قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال. يعني رمضان، فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟" قال: "نعم" قال: "يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدا" . أخرجه أصحاب السنن الأربعة، وله شاهد من حديث أنس، وحديث ربعي بن حراش، فقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد معرفة إسلامه.
وفي الصحيحين من حديث عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما. قال: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأعرض عني، قال: فتنحيت فذكرت ذلك له؟ فقال: كيف؟ وقد زعمت أن قد أرضعتكما!!
فهذه النصوص وغيرها كثير تثبت العدالة لكل صحابي، من تقدم إسلامه ومن تأخر، ومن طالت صحبته، ومن ظفر بمجرد اللقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وأما الإجماع: فيقول أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب "قد كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة على أنهم كلهم عدول".
وقال الخطيب في الكفاية: "هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء". ونقل الإجماع محمد بن الوزير اليماني عن أهل السنة وعن الزيدية والمعتزلة أيضا وكذا الصنعاني.
وقال ابن الصلاح : "ثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع، إحسانا للظن بهم، ونظرا إلى ما تمهد لهم من المآثر وكأن الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة".
وأما دلالة العقل: فقد قررها وأحسن فيها الخطيب البغدادي فقال:
"على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم والاعتقاد بنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون بعدهم أبد الآبدين.
هذا مذهب كافة العلماء، ومن يعتد بقوله من الفقهاء".
وبهذا ثبتت عدالة الصحابة بالأدلة القطعية النقلية والعقلية، مما لا يدع للشك أو التردد مجالا في ثبوت هذه الخصوصية الفاضلة لأحد منهم رضي الله عنهم.
لذلك شدد العلماء النكير على من يقدح في هؤلاء الكرام، لما أنه شأن المارقين، والحائدين عن سواء الطريق، ورحم اله إمام الحديث أبا زرعة الرازي حيث قال: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة". " اهـ .[30]
وقال الامام ابو الحسن الاشعري: " وأجمعوا على الكف عن ذكر الصحابة عليهم السلام إلا بخير ما يذكرون به وعلى أنهم أحق أن ينشر محاسنهم ويلتمس لأفعالهم أفضل المخارج وأن نظن بهم أحسن الظن وأحسن المذاهب ممتثلين في ذلك لقول رسول الله إذا ذكر أصحابي فأمسكوا وقال أهل العلم معنى ذلك لا تذكروهم إلا بخير الذكر وقوله لا تؤذوني في أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه وعلى ما أثنى الله تعالى به عليهم بقوله محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل . . . إلى آخر ما قص الله عز و جل من ذكرهم ثم قال ليغيظ بهم الكفار " اهـ .[31]
وقال ايضا : " وكل الصحابة أئمة مأمونون غير متهمين في الدين وقد أثنى الله ورسوله على جميعهم وتعبدنا بتوقيرهم وتعظيمهم وموالاتهم والتبري من كل من ينقص أحدا منهم رضي الله عنهم أجمعين " اهـ .[32]
{ ادلة عدالة الصحابة عند اهل السنة والجماعة }
{ ادلة عدالة الصحابة من القران }
ان ادلة عدالة الصحابة كثيرة جدا ولكني ساقتصر على ما استدل به بعض ائمة الاسلام كأبي بكر الخطيب , وابن حزم , وابن الصلاح من القران الكريم على عدالة الصحابة الكرام .
قال الامام ابو بكر الخطيب : " بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْدِيلِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِلصَّحَابَةِ , وَأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ لِلسُّؤَالِ عَنْهُمْ , وَإِنَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ فِيمَنْ دُونَهُمْ كُلُّ حَدِيثٍ اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ بَيْنَ مَنْ رَوَاهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ , لَمْ يَلْزَمِ الْعَمَلُ بِهِ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَةِ رِجَالِهِ , وَيَجِبُ النَّظَرُ فِي أَحْوَالِهِمْ , سِوَى الصَّحَابِيِّ الَّذِي رَفَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ , لِأَنَّ عَدَالَةَ الصَّحَابَةِ ثَابِتَةٌ مَعْلُومَةٌ بِتَعْدِيلِ اللَّهِ لَهُمْ وَإِخْبَارِهِ عَنْ طَهَارَتِهِمْ , وَاخْتِيَارِهِ لَهُمْ فِي نَصِّ الْقُرْآنِ , فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] , وَقَوْلُهُ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] , وَهَذَا اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فَالْمُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ , وَقِيلَ: وَهُوَ وَارِدٌ فِي الصَّحَابَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ , وَقَوْلُهُ: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18] , وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100] , وَقَوْلُهُ تَعَالَى {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [الواقعة: 11] , وَقَوْلُهُ {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] , وَقَوْلُهُ تَعَالَى {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قِبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} , فِي آيَاتٍ يَكْثُرُ إِيرَادُهَا وَيَطُولُ تَعْدَادُهَا ..............................................................
فَلَا يَحْتَاجُ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَعَ تَعْدِيلِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمُ الْمُطَّلِعِ عَلَى بَوَاطِنِهِمْ إِلَى تَعْدِيلِ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ لَهُمْ , فَهُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ عَلَى أَحَدِهِمْ ارْتِكَابُ مَا لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا قَصْدَ الْمَعْصِيَةِ , وَالْخُرُوجِ مِنْ بَابِ التَّأْوِيلِ , فَيُحْكَمُ بِسُقُوطِ عَدَالَتِهِ , وَقَدْ بَرَّأَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ , وَرَفَعَ أَقْدَارَهُمْ عَنْهُ , عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولِهِ فِيهِمْ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ لَأَوْجَبَتِ الْحَالُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا , مِنَ الْهِجْرَةِ , وَالْجِهَادِ , وَالنُّصْرَةِ , وَبَذْلِ الْمُهَجِ وَالْأَمْوَالِ , وَقَتْلِ الْآبَاءِ وَالْأَوْلَادِ , وَالْمُنَاصَحَةِ فِي الدِّينِ , وَقُوَّةِ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ - الْقَطْعَ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَالِاعْتِقَادَ لِنَزَاهَتِهِمْ , وَأَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْمُعَدَّلِينَ وَالْمُزَكَّيْنَ الَّذِينَ يَجِيؤُنَ مِنْ بَعْدِهِمْ أَبَدَ الْآبِدِينَ. هَذَا مَذْهَبُ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ وَمَنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ " اهـ .[33]
وقال الامام ابن حزم : " وَقَالَ تَعَالَى: {لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِيمَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ لاَ يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ} فَجَاءَ النَّصُّ أَنَّ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَدْ وَعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْحُسْنَى. وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى {إنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} . وَصَحَّ بِالنَّصِّ كُلُّ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْحُسْنَى, فَإِنَّهُ مُبْعَدٌ, عَنِ النَّارِ لاَ يَسْمَعُ حَسِيسَهَا, وَهُوَ فِيمَا اشْتَهَى خَالِدٌ لاَ يَحْزُنُهُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ. وَهَذَا نَصُّ مَا قلنا, وَلَيْسَ الْمُنَافِقُونَ, وَلاَ سَائِرُ الْكُفَّارِ, مِنْ أَصْحَابِهِ عليه السلام, وَلاَ مِنْ الْمُضَافِينَ إلَيْهِ عليه السلام  " اهـ .[34]
وقال الامام ابن الصلاح : " لِلصَّحَابَةِ بِأَسْرِهِمْ خَصِيصَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ، بَلْ ذَلِكَ أَمْرٌ مَفْرُوغٌ مِنْهُ، لِكَوْنِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُعَدَّلِينَ بِنُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ مِنَ الْأُمَّةِ.
قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)
الْآيَةَ، قِيلَ: اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّهُ وَارِدٌ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَقَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ). وَهَذَا خِطَابٌ مَعَ الْمَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) الْآيَةَ.
وَفِي نُصُوصِ السُّنَّةِ الشَّاهِدَةِ بِذَلِكَ كَثْرَةٌ، مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ ".
ثُمَّ إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ " اهـ .[35]
{ ادلة عدالة الصحابة من السنة النبوية المطهرة }
ان ادلة عدالة اصحاب النبي صلى الله عليه واله وسلم من السنة كثيرة , ومنها , ما جاء في صحيح البخاري : " 1367 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَجَبَتْ» ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: «وَجَبَتْ» فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: «هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ» " اهـ .[36]
في هذا الحديث التعديل الصريح من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لمن خاطبهم مباشرة , وهم الصحابة العدول رضي الله تعالى عنه .
قال الامام ابن حجر : " قَوْلُهُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَيِ الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ كَانَ على صفتهمْ من الْإِيمَان وَحكى بن التِّينِ أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالصَّحَابَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِالْحِكْمَةِ بِخِلَافِ مَنْ بَعْدَهُمْ قَالَ وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالثِّقَاتِ وَالْمُتَّقِينَ انْتَهَى " اهـ .[37]
وفي الصحيحين : " 3673 - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ، ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلاَ نَصِيفَهُ» تَابَعَهُ جَرِيرٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَمُحَاضِرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ " اهـ .[38]
ان الرواية واضحة في فضل الصحابة رضي الله عنهم وأمر النبي صلى الله عليه واله وسلم عام لجميع الامة , ولقد بين لهم فضلهم وحرمة التعرض لهم بسوء رضي الله عنهم .
والذي يدل ايضا على خيريتهم ان النبي صلى الله عليه واله وسلم جعل قرنهم خير قرون الامة . فقد روى الشيخان في الصحيحين : " 3650 - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا النَّضْرُ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ قَالَ عِمْرَانُ فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ " اهـ .[39]
وفي لفظ : " 3651 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ " اهـ .[40]
ان الشاهد في هذه الاحاديث ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قد جعل الصحابة خير الامة , وجعل قرنهم خير قرون الامة , والله تعالى يقول : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ( 110 ) : ال عمران } , وقد جاء عند الامام مسلم من حديث ابي موسى رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال : "
النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتْ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ " اهـ .[41]
قال العلامة المناوي : " (واصحابي أَمَنَة لامتي فاذا ذهب أَصْحَابِي أَتَى أمتِي مَا يوعدون) من ظُهُور الْبدع وَغَلَبَة الاهواء وَاخْتِلَاف العقائد وَظُهُور الرّوم وَغَيرهَا " اهـ .[42]
فثبت من خلال النصوص تزكية النبي صلى الله عليه واله وسلم لكل من يدخل في تعريف الصحبة شرعا .
 
وفي الصحيحين : " 4098 - حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَنْدَقِ وَهُمْ يَحْفِرُونَ وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى أَكْتَادِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ " اهـ .[43]
الشاهد من الحديث دعاء النبي صلى الله عليه واله وسلم للمهاجرين والانصار بالمغفرة في احلك الظروف , وفي حال مناصرتهم لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم , فقرينة المقام تدل على الايمان الحقيقي لهؤلاء رضي الله عنهم .
وفي الصحيحين من حديث سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال  :" اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ " اهـ .[44]
ان دعاء النبي صلى الله عليه واله وسلم للصحابة , وخصوصيتهم به يدل على فضلهم وعلو شأنهم , وفيه دلالة على فضل الهجرة , وان هذا خاص بالمهاجرين رضي الله تعالى عنهم .
وفي صحيح مسلم : " 23 - (1830) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ أَنَّ عَائِذَ بْنَ عَمْرٍو - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- - دَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَقَالَ أَىْ بُنَىَّ إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ ». فَقَالَ لَهُ اجْلِسْ فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ نُخَالَةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-. فَقَالَ وَهَلْ كَانَتْ لَهُمْ نُخَالَةٌ إِنَّمَا كَانَتِ النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ وَفِى غَيْرِهِمْ " اهـ .[45]
قال الامام النووي : " قَوْلُهُ (وَهَلْ كَانَتْ لَهُمْ نُخَالَةٌ إِنَّمَا كَانَتِ النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ وَفِي غَيْرِهِمْ) هَذَا مِنْ جَزْلِ الْكَلَامِ وَفَصِيحِهِ وَصِدْقِهِ الَّذِي يَنْقَادُ لَهُ كُلُّ مُسْلِمٍ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كُلُّهُمْ هُمْ صَفْوَةُ النَّاسِ وِسَادَاتُ الْأُمَّةِ وَأَفْضَلُ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ وَكُلُّهُمْ عُدُولٌ قُدْوَةٌ لَا نُخَالَةَ فِيهِمْ وَإِنَّمَا جَاءَ التَّخْلِيطُ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ وَفِيمَنْ بَعْدَهُمْ كَانَتِ النُّخَالَةُ " اهـ .[46]
وفي الصحيحين : " 3649 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيَقُولُونَ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ " اهـ . [47]
وفي لفظ : " حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرًا يُخْبِرُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ " اهـ .[48]
قال شيخ الاسلام: " وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِيَارُ الْمُؤْمِنِينَ ، كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْت فِيهِمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ . ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ } وَكُلُّ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤْمِنًا بَهْ فَلَهُ مِنْ الصُّحْبَةِ بِقَدْرِ ذَلِك ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَغْزُو جَيْشٌ ، فَيَقُولُ : هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ . فَيُفْتَحُ لَهُمْ . ثُمَّ يَغْزُو جَيْشٌ فَيَقُولُ : هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَيَقُولُونَ ، نَعَمْ . فَيُفْتَحُ لَهُمْ ، وَذَكَرَ الطَّبَقَةَ الثَّالِثَةَ } فَعَلَّقَ الْحُكْمَ بِرُؤْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا عَلَّقَهُ بِصُحْبَتِهِ ." اهـ .[49]
وقال ايضا : " وَالصُّحْبَةُ اسْمُ جِنْسٍ تَقَعُ عَلَى مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا لَكِنْ كُلٌّ مِنْهُمْ لَهُ مِنْ الصُّحْبَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ فَمَنْ صَحِبَهُ سَنَةً أَوْ شَهْرًا أَوْ يَوْمًا أَوْ سَاعَةً أَوْ رَآهُ مُؤْمِنًا فَلَهُ مِنْ الصُّحْبَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " { يَغْزُوا فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيَقُولُونَ : هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي لَفْظٍ : هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ ؛ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ؛ ثُمَّ يَغْزُوا فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيَقُولُونَ : هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ - وَفِي لَفْظٍ - هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يَغْزُوا فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيَقُولُونَ : هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ - وَفِي لَفْظٍ - مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ ؛ فَيُفْتَحُ لَهُمْ } " وَفِي بَعْضِ الطُّرُقِ فَيُذْكَرُ فِي الطَّبَقَةِ الرَّابِعَةِ كَذَلِكَ . فَقَدْ عَلَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمَ بِصُحْبَتِهِ وَعَلَّقَ بِرُؤْيَتِهِ وَجَعَلَ فَتْحَ اللَّهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِسَبَبِ مَنْ رَآهُ مُؤْمِنًا بِهِ . وَهَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ لَا تَثْبُتُ لِأَحَدِ غَيْرَ الصَّحَابَةِ ؛ وَلَوْ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ أَعْمَالِ الْوَاحِدِ مِنْ أَصْحَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اهـ .[50]
وقال في منهاج السنة : " وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي " الرِّسَالَةِ " الَّتِي رَوَاهَا عَبْدُوسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْهُ : " مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَةً، أَوْ شَهْرًا  ، أَوْ يَوْمًا، أَوْ سَاعَةً  ، أَوْ رَآهُ مُؤْمِنًا  بِهِ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ لَهُ مِنَ الصُّحْبَةِ عَلَى قَدْرِ مَا صَحِبَهُ ".
وَهَذَا قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ وَغَيْرِهِمْ: يَعُدُّونَ فِي أَصْحَابِهِ مِنْ قَلَّتْ صُحْبَتُهُ وَمِنْ كَثُرَتْ، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ ضَعِيفٌ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ مَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ» . وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَلَهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: " «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُبْعَثُ مِنْهُمْ  الْبَعْثُ فَيَقُولُونَ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيكُمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ " اهـ .[51]
وفي صحيح البخاري : " 3461 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» " اهـ .[52]
وان كان الحديث عاما في التبليغ ,ولكن المخاطب به مباشره هم الصحابة رضي الله عنهم , ومن المعلوم ان قبول الراوي يحتاج الى تعديل , ولو كان هؤلاء الذين خاطبهم النبي صلى الله عليه واله وسلم ليسوا اهلا للرواية لبين النبي صلى الله عليه واله وسلم حالهم , وبما ان النبي صلى الله عليه واله وسلم امرهم بالتبليغ ولم يطعن بأحد منهم فهو تعديل منه صلى الله عليه واله وسلم لهم .
قال الامام عبد الرحمن ابن ابي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل : " فاما اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل وعرفوا التفسير والتأويل وهم الذين اختارهم الله عزوجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرته واقامة دينه واظهار حقه فرضيهم له صحابة  وجعلهم لنا اعلاما وقدوة فحفظوا عنه صلى الله عليه وسلم ما بلغهم عن الله عزوجل وما سن وشرع وحكم وقضى وندب وامر ونهى وحظر وادب، ووعوه واتقنوه، ففقهوا في الدين وعلموا امر الله ونهيه ومراده - بمعاينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله وتلقفهم منه واستنباطهم عنه، فشرفهم الله عزوجل بما من عليهم واكرمهم به من وضعه اياهم موضع القدوة، فنفى عنهم الشك  والكذب والغلط والريبة والغمز  وسماهم عدول الامة  فقال عز ذكره في محكم كتابه (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ففسر النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز ذكره قوله (وسطا) قال: عدلا.
فكانوا عدول الامة  وأئمة الهدى وحجج الدين ونقلة الكتاب والسنة.
وندب الله عزوجل إلى التمسك بهديهم والجري على منهاجهم والسلوك لسبيلهم والاقتداء بهم فقال (ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى) الآية.
ووجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد حض على التبليغ عنه في أخبار كثيرة ووجدناه يخاطب أصحابه فيها منها أن دعا لهم فقال نضر الله امرءاً سمع مقالتي فحفظها ووعاها حتى يبلغها غيره وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته فليبلغ الشاهد منكم الغائب وقال بلغوا عني ولو آية وحدثوا عني ولا حرج ثم تفرقت الصحابة رضي الله تعالى عنهم في النواحي والأمصار والثغور وفي فتوح البلدان والمغازي والإمارة والقضاء والأحكام فبث كل واحد منهم في ناحية وبالبلد الذي هو به ما وعاه وحفظه عن رسول صلى الله عليه وسلم " اهـ .[53]
وفي الصحيحين : " 67 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ - أَوْ بِزِمَامِهِ - قَالَ « أَىُّ يَوْمٍ هَذَا » . فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ . قَالَ « أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ » . قُلْنَا بَلَى . قَالَ « فَأَىُّ شَهْرٍ هَذَا » . فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ . فَقَالَ « أَلَيْسَ بِذِى الْحِجَّةِ » . قُلْنَا بَلَى . قَالَ « فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِى شَهْرِكُمْ هَذَا ، فِى بَلَدِكُمْ هَذَا . لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ » " اهـ .[54]
هذا الحديث من اقوى الادلة على عدالة الصحابة لان النبي صلى الله عليه واله وسلم قد رضيهم مبلغين , وزكاهم في ان يبلغوا ما سمعوه فلا يقدر اكبر عالم في الجرح والتعديل ان يرد تعديل النبي صلى الله عليه واله وسلم لهذا الاطلاق الذي اطلقه النبي لهذا الجمع المبارك الكثير في موسم الحج , فمن طعن بعدالة هؤلاء فانما يطعن بمن عدلهم وجعلهم الواسطة لنقل قوله , فهل يجروء على هذا الا منافق زنديق .
قال الامام ابن حبان رحمه الله : " وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب", أعظم الدليل على أن الصحابة كلهم عدول ليس فيهم مجروح ولا ضعيف إذ لو كان فيهم مجروح أو ضعيف أو كان فيهم أحد غير مجروح ولا ضعيف إذ لو كان فيهم مجروح أو ضعيف أو كان فيهم أحد غير عدل لاستثنى في قوله صلى الله عليه وسلم وقال ألا ليبلغ فلان وفلان منكم الغائب فلما أجملهم في الذكر بالأمر بالتبليغ من بعدهم دل ذلك على أنهم كلهم عدول وكفى بمن عدله رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفا" اهـ .[55]
وفي سنن النسائي , وغيره : " 9178 - أَخْبَرَنَا قُرَيْشُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَاوَرْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَقَالَ: « أَكْرِمُوا أَصْحَابِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ.... " اهـ .[56]
 
وفي مشكاة المصابيح بتحقيق الامام الالباني : " 6003 - [ 6 ] ( صحيح )
عن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أكرموا أصحابي فإنهم خياركم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ... " اهـ .[57]
 
وجاء بلفظ احسنوا الى اصحابي : " 4557 - أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الْمَعْوَلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقَامِي فِيكُمُ الْيَوْمَ فَقَالَ: (أَلَا أَحْسِنُوا إِلَى أَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ .....
[تعليق الشيخ الألباني] صحيح - ((الصحيحة)) (430 و 1116). .... " اهـ .[58]
وقال العلامة سعد الدين التفتازاني : " يجب تعظيم الصحابة والكف عن مطاعنهم وحمل ما يوجب بظاهره الطعن فيهم على محامل وتأويلات سيما للمهاجرين والأنصار وأهل بيعة الرضوان ومن شهد بدرا وأحدا والحديبية فقد انعقد على علو شأنهم الإجماع وشهد بذلك الآيات الصراح والأخبار الصحاح وتفاصيلها في كتب الحديث والسير والمناقب ولقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتعظيمهم وكف اللسان عن الطعن فيهم حيث قال أكرموا أصحابي فإنهم خياركم وقال لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله الله في أصحابي الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا من بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم وللروافض سيما الغلاة منهم مبالغات في بغض البعض من الصحابة رضي الله عنهم والطعن فيهم بناء على حكايات وافتراآت لم تكن في القرن الثاني والثالث فإياك والإصغاء إليها فإنها تضل الأحداث وتحير الأوساط وإن كانت لا تؤثر فيمن له استقامة على الصراط المستقيم وكفاك شاهدا على ما ذكرنا أنها لم تكن في القرون السالفة ولا فيما بين العترة الطاهرة بل ثناؤهم على عظماء الصحابة وعلماء السنة والجماعة والمهديين من خلفاء الدين مشهور وفي خطبهم ورسائلهم وأشعارهم ومدايحهم مذكور والله الهادي " أهـ .[59]
وثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما عند الامام ابن ماجة بسند حسن مدح الصحبة , حيث جاء فيه : " 158 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ نُسَيْرِ بْنِ ذُعْلُوقٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ لَا تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمُقَامُ أَحَدِهِمْ سَاعَةً خَيْرٌ مِنْ
عَمَلِ أَحَدِكُمْ عُمْرَهُ " اهـ .[60]
 
وقال ابو نعيم : " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ إِسْحَاقَ، ثَنَا مُوسَى بْنُ سُفْيَانَ، ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْجَهْمِ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ نَبْهَانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: «مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَبَّرَهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ صلّى الله عليه وسلم وَنَقْلِ دِينِهِ، فَتَشَبَّهُوا بِأَخْلَاقِهِمْ وَطَرَائِقِهِمْ فَهُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ» وَاللهِ رَبِّ الْكَعْبَةِ. يَا ابْنَ آدَمَ، صَاحِبِ الدُّنْيَا بِبَدَنِكَ، وَفَارِقْهَا بِقَلْبِكَ وَهَمِّكَ، فَإِنَّكَ مَوْقُوفٌ عَلَى عَمَلِكَ، فَخُذْ مِمَّا فِي يَدَيْكَ لِمَا بَيْنَ يَدَيْكَ عِنْدَ الْمَوْتِ يَأْتِيكَ الْخَيْرُ " اهـ .[61]
وفي مسند الامام احمد بسند حسن كما قال العلامة شعيب الارناؤوط ان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قد مدح الصحابة الكرام , قال الامام احمد  : " 3600 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: " إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ سَيِّئٌ " اهـ .[62]
وفي مسند الامام احمد بسند صحيح كما قال الشيخ شعيب الارناؤوط : "
12375 - حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ: فِي قِصَصِهِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بَعْدَ مَا يُصِيبُهُمْ سَفْعٌ مِنَ النَّارِ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَيُسَمِّيهِمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَهَنَّمِيِّينَ " " قَالَ: " فَكَانَ قَتَادَةُ يَتْبَعُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَاللهُ أَعْلَمُ، وَلَكِنْ أَحَقُّ مَنْ صَدَّقْتُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِينَ اخْتَارَهُمُ اللهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ " اهـ .[63]
وقال الامام مسلم : "  حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: يَا ابْنَ أُخْتِي «أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَبُّوهُمْ» " اهـ .[64]
وقال الامام الحاكم  : " 3800 - حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ الضَّبِّيُّ، ثنا أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زُبَيْدٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: " النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ مَنَازِلَ فَمَضَتْ مِنْهُمُ اثْنَتَانِ وَبَقِيَتْ وَاحِدَةٌ، فَأَحْسَنُ مَا أَنْتُمْ كَائِنُونَ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونُوا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ قَرَأَ {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} [الحشر: 8] الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْمُهَاجِرُونَ وَهَذِهِ مَنْزِلَةٌ وَقَدْ مَضَتْ، ثُمَّ قَرَأَ {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَنْصَارُ وَهَذِهِ مَنْزِلَةٌ وَقَدْ مَضَتْ، ثُمَّ قَرَأَ {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} الْآيَةَ، قَالَ: فَقَدْ مَضَتْ هَاتَانِ الْمَنْزِلَتَانِ وَبَقِيَتْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةُ فَأَحْسَنُ مَا أَنْتُمْ كَائِنُونَ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونُوا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي بَقِيَتْ
«هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ»
[التعليق - من تلخيص الذهبي] 3800 – صحيح  " اهـ .[65]
 
 
{ الاجماع على عدالة الصحابة الكرام }
 
لقد نقل علماء اهل السنة والجماعة الاجماع على عدالة الصحابة الكرام رضي الله عنهم جميعا , والاجماع حجة شرعية عند اهل السنة والجماعة .
قال الامام الخطيب البغدادي بعد ان  ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على عدالة الصحابة وأنهم كلهم عدول :" وَجَمِيعُ ذَلِكَ يَقْتَضِي طَهَارَةَ الصَّحَابَةِ , وَالْقَطْعَ عَلَى تَعْدِيلِهِمْ وَنَزَاهَتِهِمْ , فَلَا يَحْتَاجُ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَعَ تَعْدِيلِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمُ الْمُطَّلِعِ عَلَى بَوَاطِنِهِمْ إِلَى تَعْدِيلِ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ لَهُمْ , فَهُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ عَلَى أَحَدِهِمْ ارْتِكَابُ مَا لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا قَصْدَ الْمَعْصِيَةِ , وَالْخُرُوجِ مِنْ بَابِ التَّأْوِيلِ , فَيُحْكَمُ بِسُقُوطِ عَدَالَتِهِ , وَقَدْ بَرَّأَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ , وَرَفَعَ أَقْدَارَهُمْ عَنْهُ , عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولِهِ فِيهِمْ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ لَأَوْجَبَتِ الْحَالُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا , مِنَ الْهِجْرَةِ , وَالْجِهَادِ , وَالنُّصْرَةِ , وَبَذْلِ الْمُهَجِ وَالْأَمْوَالِ , وَقَتْلِ الْآبَاءِ وَالْأَوْلَادِ , وَالْمُنَاصَحَةِ فِي الدِّينِ , وَقُوَّةِ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ - الْقَطْعَ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَالِاعْتِقَادَ لِنَزَاهَتِهِمْ , وَأَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْمُعَدَّلِينَ وَالْمُزَكَّيْنَ الَّذِينَ يَجِيؤُنَ مِنْ بَعْدِهِمْ أَبَدَ الْآبِدِينَ. هَذَا مَذْهَبُ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ وَمَنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ " اهـ .[66]
 
وقال الامام ابن عبد البر : "ونحن وإن كان الصحابة رضي الله عنهم قد كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة على أنهم عدول فواجب الوقوف على أسمائهم " اهـ .[67]
وقال الامام السخاوي: " وَمِمَّنْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَالَتِهِمْ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، قَالَ: وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِيهِ أَنَّهُمْ نَقَلَةُ الشَّرِيعَةِ، فَلَوْ ثَبَتَ تَوَقُّفٌ فِي رِوَايَتِهِمْ لَانْحَصَرَتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى عَصْرِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَمَا اسْتَرْسَلَتْ عَلَى سَائِرِ الْأَعْصَارِ  " اهـ .[68]
 
وقال الامام الغزالي: " [الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي عَدَالَة الصَّحَابَة] - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -
وَاَلَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ، وَجَمَاهِيرُ الْخَلَفِ، أَنَّ عَدَالَتَهُمْ مَعْلُومَةٌ بِتَعْدِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إيَّاهُمْ وَثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِ، فَهُوَ مُعْتَقَدُنَا فِيهِمْ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ بِطَرِيقٍ قَاطِعٍ ارْتِكَابُ وَاحِدٍ لِفِسْقٍ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَثْبُتُ فَلَا حَاجَةَ لَهُمْ إلَى التَّعْدِيلِ
" اهـ .[69]
وقال الامام ابن الصلاح: " لِلصَّحَابَةِ بِأَسْرِهِمْ خَصِيصَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ، بَلْ ذَلِكَ أَمْرٌ مَفْرُوغٌ مِنْهُ، لِكَوْنِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُعَدَّلِينَ بِنُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ مِنَ الْأُمَّةِ.
قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) الْآيَةَ، قِيلَ: اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّهُ وَارِدٌ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَقَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ). وَهَذَا خِطَابٌ مَعَ الْمَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) الْآيَةَ.
وَفِي نُصُوصِ السُّنَّةِ الشَّاهِدَةِ بِذَلِكَ كَثْرَةٌ، مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ ".
ثُمَّ إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ " اهـ .[70]
وقال : "  وَالْجَهَالَةَ بِالصَّحَابِيِّ غَيْرُ قَادِحَةٍ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ " اهـ .[71]
وقال الامام النووي : " وبكون أصحابه رضي الله عنهم خير القرون الكائنين وبأنهم كلهم مقطوع بعدالتهم عند من يعتد به من علماء المسلمين " اهـ .[72]
وقال  : " وَلِهَذَا اتَّفَقَ أَهْلُ الْحَقِّ وَمَنْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى قَبُولِ شَهَادَاتِهِمْ وَرِوَايَاتِهِمْ وَكَمَالِ عَدَالَتِهِمْ رَضِيَ الله عنهم اجمعين " اهـ .[73]
وقال ايضا : " الصحابة كلهم عدول، من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به " أهـ .[74]
وقال الحافظ ابن كثير : " (( والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز ، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل والجزاء لجميل )).............. وقول المعتزلة: الصحابة عدول إلا من قاتل علياً - : قول باطل مرذول ومردود " اهـ .[75]
وقال الامام ابن حجر: " في بيان حال الصحابة من العدالة
اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة " اهـ .[76]
وقال الامام ابو الحسن الاشعري : " وأجمعوا على أن الخيار بعد العشرة في أهل بدر من المهاجرين والأنصار على قدر الهجرة والسابقة وعلى أن كل من صحب النبي ولو ساعة أو رآه ولو مرة مع إيمانه به وبما دعا إليه أفضل من التابعين بذلك " اهـ .[77]
{ مكفرات الذنوب }
لقد بينا ان العدالة لا تعني العصمة , ولا يلزم من القول بالعدالة القول بالعصمة للمعدل , فوقوع الذنب من الصحابي وارد , ولا اشكال فيه , ولا هو مسقط لعدالتهم رضي الله عنهم , وذلك لانهم من البشر , والبشر يخطئون , ويذنبون , وبما ان الذنوب لها مكفرات لعموم الامة فالصحابة داخلون في عموم الامة , ويشملهم ما يشمل غيرهم من هذه المكفرات للذنوب , بل نقول انهم اولى الناس بتكفير الذنوب , وذلك للمدائح القرانية , والنبوية لهم رضي الله عنهم , وبما بذلوا وقدموا نصرة لدين الله تعالى .
ان للذنوب مكفرات كثيرة ومنها :
1 - التوبة : قال الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82) : طه } , وقال تعالى : { وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) : الفرقان } , وقال تعالى : { إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ( 222 ) : البقرة } وفي سنن ابن ماجة بسند حسن عن عبد الله بن مسعود ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال  : " التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ " اهـ .[78]
 
وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال  : " لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لاَبْتَغَى ثَالِثًا، وَلاَ يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ» " اهـ .[79]
2 – الاستغفار : قال الله تعالى : { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) : نوح } , وقال تعالى : { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) : الزمر } , وفي صحيح مسلم عن ابي ايوب رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال : " لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ يَغْفِرُ لَهُمْ» " اهـ .[80]
3 – الاعمال الصالحة : قال الله تعالى : { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) : هود }  , وفي سنن الترمذي بسند حسن من حديث ابي ذر رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال له : " اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ " اهـ .[81]
وفي صحيح مسلم من حديث ابي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال : " الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ " اهـ .[82]
وفي حديث ابي هريرة ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال : "
مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " اهـ .[83]
4 – الذكر بعد سماع الاذان : ففي صحيح مسلم عن سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال : " مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ» " اهـ .[84]
5 -  الوضوء : ففي صحيح مسلم من حديث عثمان رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال : " مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ» " اهـ .[85]
6 – الصدقة : ففي الصحيحين من حديث حذيفة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال : " فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ، وَوَلَدِهِ، وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ، وَالصَّدَقَةُ وَالمَعْرُوفُ " اهـ .[86]
7 – التسبيح : ففي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ " اهـ .[87]
8 – صيام يوم عاشوراء ويوم عرفة : ففي صحيح مسلم من حديث ابي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال : " صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ " اهـ .[88]
9 – الحج والعمرة : ففي الصحيحين من حديث ابي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال : " «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» " اهـ .[89]
وفي الصحيحين ايضا من حديث ابي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال : " «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ» " اهـ .[90]
10 - الأمراض والأحزان والهموم : ففي صحيح البخاري من حديث ابي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال : " مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ " اهـ .[91]
وفي الصحيحين من حديث ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال : " «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُسْلِمَ إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا» " اهـ .[92]
ان هذه المكفرات للذنوب عامة لكل مسلم , فتكون للصحابة رضي الله عنهم من باب اولى , وذلك لان لهم السبق في كل خير , ولورود المدح الالهي لهم في القران الكريم , وفي السنة النبوية المطهرة  , وقد انعقد الاجماع على عدالتهم وفضلهم رضي الله تعالى عنهم , وانهم خير هذه الامة كما ثبت ذلك بالنصوص الشرعية التي ذكرناها .
 
{ عدم تطبيق حد اللواط على شيعي لانه تاب }
 
ولقد ورد في كتب الرافضة ان عليا رضي الله عنه قد عطل حد اللواط في شخص قد شهد له بالتوبة , ومن هذا نستدل على ان هناك امور تمنع من انزال الاحكام على الاشخاص , فهذا الشخص قد منعت توبته اقامة حد القتل عليه مع انه قد عمل بعمل قوم لوط , ولهذا نقول ان ما صدر من الصحابة من اخطاء بمقتضى بشريتهم فإن النصوص القرانية , والنبوية قد نصت على عدالتهم , وكفى بالله , ورسوله معدلا لهؤلاء الاتقياء .
  قال الكليني : "  عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ رِئَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ بَيْنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي مَلَإٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي قَدْ أَوْقَبْتُ عَلَى غُلَامٍ فَطَهِّرْنِي فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا امْضِ إِلَى مَنْزِلِكَ لَعَلَّ مِرَاراً هَاجَ بِكَ فَلَمَّا كَانَ مِنْ غَدٍ عَادَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أَوْقَبْتُ عَلَى غُلَامٍ فَطَهِّرْنِي فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا امْضِ إِلَى مَنْزِلِكَ لَعَلَّ مِرَاراً هَاجَ بِكَ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثاً بَعْدَ مَرَّتِهِ الْأُولَى فَلَمَّا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ قَالَ لَهُ يَا هَذَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) حَكَمَ فِي مِثْلِكَ بِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ فَاخْتَرْ أَيَّهُنَّ شِئْتَ قَالَ وَ مَا هُنَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ فِي عُنُقِكَ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ أَوْ إِهْدَاءٌ مِنْ جَبَلٍ مَشْدُودَ الْيَدَيْنِ وَ الرِّجْلَيْنِ أَوْ إِحْرَاقٌ بِالنَّارِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَيُّهُنَّ أَشَدُّ عَلَيَّ قَالَ الْإِحْرَاقُ بِالنَّارِ قَالَ فَإِنِّي قَدِ اخْتَرْتُهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ خُذْ لِذَلِكَ أُهْبَتَكَ فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ فِي تَشَهُّدِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ أَتَيْتُ مِنَ الذَّنْبِ مَا قَدْ عَلِمْتَهُ وَ إِنِّي تَخَوَّفْتُ مِنْ ذَلِكَ فَجِئْتُ إِلَى وَصِيِّ رَسُولِكَ وَ ابْنِ عَمِّ نَبِيِّكَ فَسَأَلْتُهُ أَنْ يُطَهِّرَنِي فَخَيَّرَنِي بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ مِنَ الْعَذَابِ اللَّهُمَّ فَإِنِّي قَدِ اخْتَرْتُ أَشَدَّهَا اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ ذَلِكَ كَفَّارَةً لِذُنُوبِي وَ أَنْ لَا تُحْرِقَنِي بِنَارِكَ فِي آخِرَتِي ثُمَّ قَامَ وَ هُوَ بَاكٍ حَتَّى جَلَسَ فِي الْحُفْرَةِ الَّتِي حَفَرَهَا لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ هُوَ يَرَى النَّارَ تَتَأَجَّجُ حَوْلَهُ قَالَ فَبَكَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ بَكَى أَصْحَابُهُ جَمِيعاً فَقَالَ لَهُ
أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قُمْ يَا هَذَا فَقَدْ أَبْكَيْتَ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ وَ مَلَائِكَةَ الْأَرْضِ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تَابَ عَلَيْكَ فَقُمْ وَ لَا تُعَاوِدَنَّ شَيْئاً مِمَّا قَدْ فَعَلْتَ " اهـ .[93]
ولقد ذكر المجلسي ان هذا الشخص  اسمه صفوان الاكحل وقد كان من شيعة علي رضي الله عنه , حيث قال : " 16 - الفضائل : روى عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال : كان أمير المؤمنين عليه السلام  جالسا في دكة القضاء إذ نهض إليه رجل يقال له صفوان الأكحل ، وقال له : أنا رجل من شيعتك وعلي ذنوب فأريد أن تطهرني منها في الدنيا لأصل إلى الآخرة وما معي ذنب ، فقال الإمام عليه السلام : ما أعظم ذنوبك وما هي ؟ فقال : أنا ألوط الصبيان ، فقال عليه السلام : أيما أحب إليك ضربة بذي الفقار أو اقلب عليك جدارا أو أرمي عليك نارا ؟ فإن ذلك جزاء من ارتكب تلك المعصية ، فقال : يا مولاي أحرقني بالنار لأنجو من نار الآخرة ، فقال عليه السلام : يا عمار اجمع ألف حزمة  قصب لنضرمه غداة غد بالنار ، ثم قال للرجل : انهض وأوص بمالك وبما عليك ، قال : فنهض الرجل و أوصى بما له وما عليه ، وقسم أمواله على أولاده ، وأعطى كل ذي حق حقه ، ثم بات على حجرة أمير المؤمنين عليه السلام في بيت نوح شرقي جامع الكوفة ، فلما صلى أمير المؤمنين عليه السلام قال : يا عمار ناد بالكوفة : اخرجوا وانظروا حكم أمير المؤمنين عليه السلام فقال جماعة منهم : كيف يحرق رجلا من شيعته ومحبيه وهو الساعة يريد يحرقه بالنار فبطلت إمامته ؟ ! فسمع بذلك أمير المؤمنين عليه السلام قال عمار : فأخذ الامام الرجل ورمى عليه ألف حزمة من القصب ، فأعطاه مقدحة وكبريتا وقال : اقدح وأحرق نفسك ، فإن كنت من شيعتي ومحبي وعارفي فإنك لا تحترق بالنار وإن كنت من المخالفين المكذبين فالنار تأكل لحمك وتكسر عظمك ، فأوقد الرجل على نفسه واحترق القصب ، وكان على الرجل ثياب بيض فلم تعلق بها النار ولم تقربها الدخان ، فاستفتح الإمام عليه السلام وقال : كذب العادلون بالله وضلوا ضلالا بعيدا ، ثم قال : إن شيعتنا منا وأنا قسيم الجنة والنار ، وأشهد لي بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله في مواطن كثيرة  " اهـ .[94]
وقال الخوانساري : " وأما الثبوت بالاقرار أربع مرات فلا خلاف فيه وتدل عليه صحيحة مالك بن عطية عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ( بينا أمير المؤمنين عليه السلام في ملأ من أصحابه إذ أتاه رجل فقال : يا أمير المؤمنين إني أوقبت على غلام فطهرني ، فقال له : يا هذا امض إلى منزلك لعل مرارا هاج بك فلما كان من غد عاد إليه فقال له : يا أمير المؤمنين إني أوقبت على غلام فطهرني ، فقال له : اذهب إلى منزلك لعل مرارا هاج بك ، حتى فعل ذلك ثلاثا بعد مرته الأولى فلما كان في الرابعة قال : يا هذا إن رسول الله صلى الله عليه وآله حكم في مثلك بثلاثة أحكام فاختر أيهن شئت ، قال : وما هن يا أمير المؤمنين ؟ قال : ضربة بالسيف في عنقك بالغة ما بلغت - الحديث ) . والمستفاد من هذه الصحيحة عدم ثبوت اللواط بأقل من أربع مرات و يستفاد منه مجرد الايقاب ولو ببعض الحشفة كما في الايقاب الموجب لحرمة الأم والبنت والأخت " اهـ .[95]
    وقال الشريف المرتضى : " [ حد اللواط ] ومما انفردت به الإمامية القول : بأن حد اللوطي  إذا أوقع الفعل فيما دون الدبر بين الفخذين مائة جلدة للفاعل والمفعول به إذا كانا معا عاقلين بالغين لا يراعى في جلدهما وجود الإحصان ، كما روعي في الزنا ، فأما الإيلاج في الدبر فيجب فيه القتل من غير مراعاة أيضا للإحصان فيه ، والإمام مخير في القتل بين السيف وضرب عنقه به وبين أن يلقي عليه جدارا يتلف نفسه بإلقائه أو بأن يلقيه من جدار أو جبل على وجه تتلف معه نفسه بإلقائه أو يرميه بالأحجار حتى يموت " اهـ .[96]
لقد نص المرتضى اتفاق الامامية على ان حد اللواط هو الموت , ومع هذا لم يتم الحد على اللوطي الى الموت ؟ !!! .
 
{ لا يتحدث الناس ان محمدا يقتل اصحابه }
 
يحاول البعض ان يطعن بعدالة الصحابة رضي الله عنهم من خلال نصوص يدعون انها ناقضة لقولنا بعدالة الصحابة ومنها ما جاء في البخاري  : " 4905 - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ - قَالَ سُفْيَانُ: مَرَّةً فِي جَيْشٍ - فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَقَالَ: فَعَلُوهَا، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعْهُ، لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ " اهـ .[97]
قال الله تعالى في كتابه العزيز : { وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) : التوبة } , فالمنافق بنص القران ليس من اهل الايمان , ولهذا بوب الامام البخاري الحديث في باب يتعلق بالمنافقين , فتكون دلالة الحديث كما قال العلماء تتعلق بمن ظاهره الصحبة عند من لا يعرف الحقيقة من الناس , فيؤدي هذا الامر الى ابتعاد الناس عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , فاذا حدث القتل لهؤلاء فان اهل الكفر سيستخدمون هذا الشيء ذريعة لتشويه دعوة النبي صلى الله عليه واله وسلم , فتبين لنا من خلال دلالة الحديث انه لا يستقيم لاحد ان يعترض به على عدالة اصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .قال الامام ابن الجوزي :" وَقَوله: ((لَا يتحدث النَّاس أَنه يقتل أَصْحَابه)) سياسة عَظِيمَة وحزم وافر، لِأَن النَّاس يرَوْنَ الظَّاهِر، وَالظَّاهِر أَن عبد الله بن أبي كَانَ من الْمُسلمين وَمن أَصْحَاب الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَو عُوقِبَ من يظنّ خلاف مَا يظْهر لم يعلم النَّاس ذَلِك الْبَاطِن، فينفرون عَمَّن يفعل هَذَا بِأَصْحَابِهِ." أهـ .[98]
وقال شيخ الاسلام : " وَلِهَذَا لَمَّا اُسْتُؤْذِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْلِ بَعْضِ الْمُنَافِقِينَ قَالَ : { لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ } فَإِنَّهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي الظَّاهِرِ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُ حَقَائِقَ الْأُمُورِ وَأَصْحَابَهُ الَّذِينَ هُمْ أَصْحَابُهُ لَيْسَ فِيهِمْ نِفَاقٌ كَاَلَّذِينَ عَلَّمُوا سُنَّتَهُ النَّاسَ وَبَلَّغُوهَا إلَيْهِمْ وَقَاتَلُوا الْمُرْتَدِّينَ بَعْدَ مَوْتِهِ وَاَلَّذِينَ بَايَعُوهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَأَهْلُ بَدْرٍ وَغَيْرُهُمْ " اهـ .[99]
{ يارب اصحابي فيقال لا تدري ما احدثوا بعدك – لم يزالوا مرتدين على اعقابهم منذ فارقتهم }
قال الامام البخاري  : " 4740 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، شَيْخٌ مِنَ النَّخَعِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104]، ثُمَّ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، أَلاَ إِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا، مَا دُمْتُ فِيهِمْ} [المائدة: 117] إِلَى قَوْلِهِ {شَهِيدٌ} [المائدة: 117] فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلاَءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ " اهـ .[100]
يحاول البعض ان يطعن بعدالة الصحابة الكرام من خلال هذا الحديث النبوي الشريف , فاقول ان هذا الحديث لا يوجد فيه اي مطعن بالصحابة الكرام , فالحديث فيه ردة بعض الناس بعد موت النبي صلى الله عليه واله وسلم ,
وقد ذكرنا في التعريف الشرعي للصحابي وفق النصوص الشرعية , وفي اللغة ايضا بأن الصحابي هو من لقي النبي صلى الله عليه واله وسلم مؤمنا به , ومات على الاسلام , ومن المعلوم ان المرتد لا يدخل في تعريف الصحبة الشرعية التي ذكرناها , وقد جاء حكم الردة والكفر على لسان ابي هريرة وانس بن مالك رضي الله عنهما , ومن هو المقصود بها بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ,  ففي الصحيحين  : " 1399 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ " اهـ .[101]
وفي سنن النسائي  : " 3969 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ أَبُو الْعَوَّامِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ كَيْفَ تُقَاتِلُ الْعَرَبَ..... " اهـ .[102]
فهذا قول ابي هريرة وانس رضي الله تعالى عنهما يبين ان الكفر , والردة قد تحققت في الذين قاتلهم ابا بكر والصحابة رضي الله تعالى عنهم , فالكلام واضح بأن هؤلاء قد ارتدوا بعد اسلامهم , واسلامهم كان في عهد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وذلك لان ردتهم كانت بعد موته صلى الله عليه واله وسلم مباشرة , ولهذا قال الامام ابن حجر : " قَالَ الْفَرَبْرِيُّ ذُكِرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيِّ عَنْ قَبِيصَةَ قَالَ هُمُ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ يَعْنِي حَتَّى قُتِلُوا وَمَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَبِيصَةَ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ لَمْ يَرْتَدَّ مِنَ الصَّحَابَةِ أَحَدٌ وَإِنَّمَا ارْتَدَّ قوم من جُفَاة الاعراب مِمَّن لانصرة لَهُ فِي الدِّينِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ قَدْحًا فِي الصَّحَابَةِ الْمَشْهُورِينَ ......" اهـ .[103]
فتبين بعد بيان معنى الحديث بانه لا يحق لاحد ان يطعن بالصحابة الكرام , او يتعرض لجنابهم .
{ في اصحابي اثنا عشر منافقا }
وكذلك يستشكل البعض بحديث قد ورد في صحيح الامام مسلم : " حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَمَّارٍ: أَرَأَيْتُمْ صَنِيعَكُمْ هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ فِي أَمْرِ عَلِيٍّ، أَرَأْيًا رَأَيْتُمُوهُ أَوْ شَيْئًا عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: مَا عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَلَكِنْ حُذَيْفَةُ أَخْبَرَنِي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فِي أَصْحَابِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا، فِيهِمْ ثَمَانِيَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلَةُ وَأَرْبَعَةٌ» لَمْ أَحْفَظْ مَا قَالَ شُعْبَةُ فِيهِمْ " اهـ .[104]
والجواب على ذلك :
ان هذا الحديث له لفظ اخر من حديث قيس بن عباد عن عمار رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال  : " فِي أُمَّتِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا، حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلَةُ، سِرَاجٌ مِنَ النَّارِ يَظْهَرُ فِي أَكْتَافِهِمْ، حَتَّى يَنْجُمَ مِنْ صُدُورِهِمْ» " اهـ .[105]
قال الامام النووي : " أما قوله صلى الله عليه وسلم في أَصْحَابِي فَمَعْنَاهُ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ إِلَى صُحْبَتِي كَمَا قال فى الرواية الثانية فى أمتى " اهـ .[106]
فتحمل الصحبة في هذا الحديث على الصحبة اللغوية لا الشرعية , وذلك لان ذكر هؤلاء الاثنى عشر بصفة المنافقين لا يدخلون بتعريف الصحبة الشرعية التي يقول بها اهل السنة , قال الله تعالى : { مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) : النجم } , وقال تعالى : { وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) : التكوير } , وقال تعالى : { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) : يوسف } , وقال تعالى : { قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) : الكهف } فهذه الصحبة المذكورة كلها صحبة زمانية , او مكانية , ولا علاقة لها بالصحبة الايمانية التي يدخل فيها تعريف الصحابي اصطلاحا عند اهل السنة .
ونقول ان المنافقين لم يكونوا هم السواد الاعظم في مجتمع الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم بل ان الله تعالى يقول : { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) : الاحزاب } قال الحافظ ابن كثير : " { لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ } قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي: لنسلطنَّك عليهم " اهـ .[107]
فنقول ان هؤلاء المنافقين لو كان منهم خطر على الامة لبين النبي صلى الله تعالى عليه واله وسلم اعيانهم , وكذلك لسلط الله تعالى عليهم نبيه فلا يجاورونه فيها لا قليلا . قال الحافظ ابن كثير : " { ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا } أي: في المدينة { إِلا قَلِيلا * مَلْعُونِينَ } حال منهم في مدة إقامتهم في المدينة مدة قريبة مطرودين مبعدين، { أَيْنَمَا ثُقِفُوا } أي: وجدوا، { أُخِذُوا } لذلتهم وقلتهم، { وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا } " اهـ .[108]
ومن المعلوم ان الصحابة الكرام هم من اعلى الله تعالى بهم الدين , وهم الذين قاتلوا المرتدين بعد موت رسول الله صلى الله تعالى عليه واله وسلم , فلا يمكن حمل الحديث النبوي الشريف على الصحابة الكرام الذين تعظمهم الامة , فمن حمل الحديث على الصحابة الكرام واراد الطعن بهم فهو اما جاهل لا يعرف طريقة الاستدلال الصحيح , او زنديق يريد الطعن برموز الاسلام لينشر كفره , وزندقته .
 
{ العدالة عند الرافضة , وادلة عدالة الصحابة من كتبهم }
{ تعريف العدالة عند الرافضة }
قال الشهيد الاول : " العدالة - وهي : هيئة راسخة في النفس تبعث على ملازمة التقوى والمروءة ، بحيث لا يواقع الكبائر ولا يصر على الصغائر " اهـ .[109]
{ العدالة عند الامامية لا علاقة لها بتوثيق الراوي }
ان تعريف العدالة الوارد عند الامامية لا علاقة له بوثاقة الراوي وقبول خبره . قال الطوسي : " فأما من كان مخطئا في بعض الافعال أو فاسقا بافعال  الجوارح وكان ثقة في روايته، متحرزا فيها، فان ذلك لا يوجب رد خبره ، ويجوز العمل به لان العدالة المطلوبة في الرواية حاصلة فيه، وانما الفسق بافعال الجوارح يمنع من قبول شهادته وليس بمانع من قبول خبره، ولاجل ذلك قبلت الطائفة أخبار جماعة هذه صفتهم " اهـ .[110]
وقال الخوئي : " وذكر في العدة في بحث حجية خبر الواحد ، عمل الطائفة بأخبار حفص ابن غياث ، ويظهر من مجموع كلامه فيها : أن العدالة المعتبرة في الراوي أن يكون ثقة متحرزا في روايته عن الكذب ، وإن كان مخالفا في الاعتقاد ، فاسقا في العمل ، نعم رواية المعتقد للحق الموثوق به يتقدم على غيره في مقام المعارضة " اهـ .[111]
وقال ايضا : " كما ذكرنا أنه لا يعتبر في حجية خبر الثقة العدالة . ولهذا نعتمد على توثيقات أمثال ابن عقدة وابن فضال وأمثالهما " اهـ .[112]
وقال ايضا : " فإن عمدة الدليل على حجية خبر الواحد إنما هي السيرة العقلائية التي لا يفرق فيها بين الشبهات الحكمية والموضوعية ، ولأجله يلتزم بالتعميم إلا فيما قام الدليل على الخلاف مثل موارد اليد فإن الدعوى القائمة على خلافها لا يكتفي فيها بشاهد واحد بل لا بد من رجلين عدلين أو رجل وامرأتين ، أو رجل مع ضم اليمين حسب اختلاف الموارد في باب القضاء ، ونحوه الشهادة على الزنا فإنه لا يثبت إلا بشهود أربعة ونحو ذلك من الموارد الخاصة التي قام الدليل عليها بالخصوص ، وفيما عدا ذلك يكتفي بخبر العدل الواحد مطلقا بمقتضى السيرة العقلائية بل مقتضاها الاكتفاء بخبر الثقة المتحرز عن الكذب وإن لم يكن عادلا " اهـ .[113]
فنرى ان فسق الاعمال لا ينافي توثيق الشخص وقبول روايته , فلا ادري لماذا يطعن الامامية بقولنا بعدالة الصحابة الذي يلزم منه قبول روايتهم وتحقق وثاقتهم , واننا لا نقول بعصمتهم رضي الله تعالى عنهم , بل ان صدور الخطأ منهم ممكن , ولكن قلنا ان هناك مكفرات للذنوب تكون في حقهم , وفي حق غيرهم , وانهم اولى بذلك من غيرهم لورود المدائح القرانية , والنبوية في حقهم .
ومع كل هذا نرى ان الامامية يوثقون امثال زرارة , ويمدحوه , ويجعلوه من كبارهم , بل ذكروا انه مبشر بالجنة , فقد جاء في اختيار معرفة الرجال : "  محمد بن مسعود ، قال : حدثني علي بن الحسن بن فضال ، قال : حدثني أخواي محمد وأحمد ابنا الحسن ، عن أبيهما الحسن بن علي بن فضال عن ابن بكير ، عن زرارة ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : يا زرارة ان اسمك في أسامي أهل الجنة بغير ألف ، قلت : نعم جعلت فداك اسمي عبد ربه ولكني لقبت بزرارة " اهـ .[114]
مع ان الروايات الثابتة عندهم فيها التصريح بلعنه , وذمه , والطعن به , وانه كان يرفع صوته على الامام المعصوم , ومنها : ما جاء في اختيار معرفة الرجال : "  حدثني أبو جعفر محمد بن قولويه ، قال : حدثني محمد بن أبي القاسم أبو عبد الله المعروف بماجيلويه ، عن زياد بن أبي الحلال ، قال : قلت لأبي عبد الله  عليه السلام ان زرارة روى عنك في الاستطاعة شيئا فقبلنا منه وصدقناه ، وقد أحببت أن أعرضه عليك ، فقال : هاته ، قلت : فزعم أنه سألك عن قول الله عز وجل " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " من ملك زادا وراحلة ، فقال : كل من ملك زادا وراحلة ، فهو مستطيع للحج وان لم يحج ؟ فقلت نعم . فقال : ليس هكذا سألني ولا هكذا قلت : كذب علي والله كذب علي والله لعن الله زرارة لعن الله زرارة ، لعن الله زرارة انما قال لي من كان له زاد وراحلة فهو مستطيع للحج ؟ قلت : وقد وجب عليه الحج ، قال : فمستطيع هو ؟ فقلت : لا حتى يؤذن له ، قلت : فأخبر زرارة بذلك ؟ قال : نعم . قال زياد : فقدمت الكوفة فلقيت زرارة فأخبرته بما قال أبو عبد الله عليه السلام وسكت عن لعنة ، فقال : اما أنه قد أعطاني الاستطاعة من حيث لا يعلم ، وصاحبكم هذا ليس له بصر بكلام الرجال " اهـ .[115]
وايضا : " 250 - حدثني حمدويه قال : حدثني أيوب ، عن حنان بن سدير قال : كتب معي رجل أن أسأل أبا عبد الله عليه السلام عما قالت اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا : هو مما شاء أن يقولوا ؟ قال : قال لي ان ذا من مسائل آل أعين ليس من ديني ولا دين آبائي ، قال ، قلت ما معي مسألة غير هذه " اهـ .[116]
وايضا : " حدثني حمدويه ، قال : حدثني محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن مسمع كردين أبي سيار ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : لعن الله بريدا ولعن الله زرارة " اهـ .[117]
وايضا : " محمد بن مسعود ، قال : كتب إلينا الفضل ، يذكر عن ابن أبي عمير عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن عيسى بن أبي منصور وأبي أسامة الشحام و يعقوب الأحمر ، قالوا : كنا جلوسا عند أبي عبد الله عليه السلام فدخل عليه زرارة فقال إن الحكم بن عيينة حدث عن أبيك أنه قال صل المغرب دون المزدلفة ، فقال له أبو عبد الله عليه السلام انا تأملته ما قال أبى هذا قط كذب الحكم على أبي ، قال : فخرج زرارة وهو يقول : ما أرى الحكم كذب على أبيه " اهـ .[118]
وايضا : "  وبهذا الإسناد: عن يونس، عن خطاب بن مسلمة، عن ليث المرادي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا يموت زرارة إلا تائها " اهـ .[119]  
وفي الكافي : " 3 -  عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ دَخَلْتُ أَنَا وَ حُمْرَانُ أَوْ أَنَا وَ بُكَيْرٌ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ إِنَّا نَمُدُّ الْمِطْمَارَ قَالَ وَ مَا الْمِطْمَارُ قُلْتُ التُّرُّ فَمَنْ وَافَقَنَا مِنْ عَلَوِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ تَوَلَّيْنَاهُ وَ مَنْ خَالَفَنَا مِنْ عَلَوِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ بَرِئْنَا مِنْهُ فَقَالَ لِي يَا زُرَارَةُ قَوْلُ اللَّهِ أَصْدَقُ مِنْ قَوْلِكَ فَأَيْنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا أَيْنَ الْمُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ أَيْنَ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً أَيْنَ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ أَيْنَ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ .
 وَ زَادَ حَمَّادٌ فِي الْحَدِيثِ قَالَ فَارْتَفَعَ صَوْتُ أَبِي جَعْفَرٍ ( عليه السلام ) وَ صَوْتِي حَتَّى كَانَ يَسْمَعُهُ مَنْ عَلَى بَابِ الدَّارِ .
 وَ زَادَ فِيهِ جَمِيلٌ عَنْ زُرَارَةَ فَلَمَّا كَثُرَ الْكَلَامُ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ قَالَ لِي يَا زُرَارَةُ حَقّاً عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُدْخِلَ الضُّلَّالَ الْجَنَّةَ  " اهـ .[120]
فمع ان الامام المعصوم قد لعن زرارة , وكذبه , وورد رد زرارة لكلام المعصوم بقوله ان الحكم قد كذب على ابي , فرد زرارة بقوله لا ارى الحكم قد كذب على ابيه , ثم رفع صوته على المعصوم وجداله في الرواية الاخرى , فمع كل هذه القدائح بزرارة تأتي رواية تبشره بالجنة ! , فوقوع زرارة بن اعين بكل هذه المخالفات لم يمنع الامامية من توثيقه , وتبشير الامام المعصوم له بالجنة ! .
ومن ثقات الرافضة المطعون بهم زياد بن مروان القندي , قال الحر العاملي عن زياد بن مروان القندي : " زياد بن مروان ، القندي : واقفي ، قاله النجاشي ، والعلامة ، والشيخ . وعده المفيد في ( إرشاده ) من خاصة أبي الحسن موسى عليه السلام ، وثقاته ، وأهل الورع والعلم ، والفقه ، من شيعته ، وروى عنه نصا منه على ابنه الرضا عليه السلام . وقال الشيخ : ( كتابه ) يعد في الأصول " اهـ .[121]
ان زيادا هذا من خاصة المعصوم , وثقاته , واهل الورع , والفقه من شيعته , وكتابه يعد في الاصول كل هذه الاوصاف , والتوثيق له , مع اعتراف الرافضة بانه قد خان الامام المعصوم , وجحد حقه , بل قد ورد انه مات على الزندقة , فقد روى الطوسي في كتاب الغيبة : " 71 - وروى ابن عقدة ، عن علي بن الحسن بن فضال ، عن محمد بن عمر بن يزيد  وعلي بن أسباط جميعا ، قالا : قال لنا عثمان بن عيسى الرواسي : حدثني زياد القندي وابن مسكان ، قالا : كنا عند أبي إبراهيم عليه السلام إذ قال : يدخل عليكم الساعة خير أهل الأرض . فدخل أبو الحسن الرضا عليه السلام - وهو صبي - . فقلنا : خير أهل الأرض ! ثم دنا فضمه إليه فقبله وقال : يا بني تدري ما قال ذان ؟ قال : نعم يا سيدي هذان يشكان في . قال علي بن أسباط : فحدثت بهذا الحديث الحسن بن محبوب فقال : بتر  الحديث لا ولكن حدثني علي بن رئاب أن أبا إبراهيم عليه السلام قال لهما : إن جحدتماه حقه أو خنتماه فعليكما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، يا زياد لا تنجب أنت وأصحابك أبدا . قال علي بن رئاب : فلقيت زياد القندي فقلت له : بلغني أن أبا إبراهيم عليه السلام قال لك : كذا وكذا ، فقال : أحسبك قد خولطت . فمر وتركني فلم أكلمه ولا مررت به . قال الحسن بن محبوب : فلم نزل نتوقع لزياد دعوة أبي إبراهيم عليه السلام حتى ظهر منه أيام الرضا عليه السلام ما ظهر ، ومات زنديقا " اهـ .[122]
ومع كل افعاله القبيحة وتصرفاته الخبيثة التي يعترف بها الرافضة نراهم يوثقوه , ويعتبرون بنقولاته , قال الخوئي : " أقول : لا ريب في وقف الرجل وخبثه وأنه جحد حق الإمام علي بن موسى عليه السلام مع استيقانه في نفسه ، فإنه بنفسه قد روى النص على الرضا عليه السلام كما مر . وروى الكليني بالاسناد المتقدم ، قال ( زياد ) : دخلت على أبي إبراهيم عليه السلام وعنده ابنه أبو الحسن فقال لي : يا زياد هذا ابني فلان كتابه كتابي وكلامه كلامي ورسوله رسولي وما قال فالقول قوله . ورواها الصدوق عن أبيه قال : حدثنا سعد بن عبد الله ، عن محمد بن عيسى بن عبيد ، عن زياد بن مروان القندي نحوه . العيون : الجزء 1 ، الباب 4 ، الحديث 25 . بل قد عرفت قول الإمام عليه السلام له في ما رواه الشيخ في كتاب الغيبة : ( يا زياد لا تنجب أنت وأصحابك أبدا ) وقول الحسن بن محبوب : أنه مات زنديقا ، ولكنه مع ذلك ثقة لا لأجل أن كتابه من الأصول رواه أحمد بن محمد بن مسلمة ( سلمة ) ، ذكره الشيخ في رجاله في من لم يرو عنهم عليهم السلام ( 22 ) ولا لرواية الاجلاء عنه كمحمد بن أبي عمير . الكافي : الجزء 5 ، كتاب النكاح 3 ، باب حد الرضاع الذي يحرم 88 ، الحديث 6 . وإسماعيل بن مرار ، عن يونس ، عنه . الكافي : الجزء 4 ، كتاب الحج 3 ، باب ما يجوز للمحرم بعد اغتساله من الطيب والصيد وغير ذلك 79 ، الحديث 10 . ويعقوب بن يزيد كما عرفته من الفهرست . وفي التهذيب : الجزء 3 ، باب الزيادات بعد باب الصلاة على الأموات من أبواب الزيادات ، الحديث 469 . وفي مشيخة الفقيه ، روى محمد بن عيسى بن عبيد ويعقوب بن يزيد عنه . وروى عنه أحمد بن محمد بن عيسى . الكافي : الجزء 6 ، كتاب الأطعمة 6 ، باب السعة 131 ، الحديث 1 ، فإن جميع ذلك لا يكفي في إثبات الوثاقة على ما  تقدم بل لان الشيخ المفيد وثقه . فقد عده الشيخ المفيد قدس سره في الارشاد ممن روى النص على الرضا علي بن موسى عليه السلام بالإمامة من أبيه والإشارة إليه منه بذلك من خاصته وثقاته وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته ، إذا فالرجل من الثقات وإن كان قد جحد حق الإمام عليه السلام وخانه طمعا في مال الدنيا . فإن قلت إن شهادة الشيخ المفيد راجعة إلى زمان روايته النص على الرضا عليه السلام ولذا قد وصفه بالورع فلا أثر لهذه الشهادة بالنسبة إلى زمان انحرافه . قلت : نعم ، إلا أن المعلوم بزواله من الرجل هو ورعه وأما وثاقته فقد كانت ثابتة ولم يعلم زوالها " اهـ .[123]
فالامامية قد اثبتوا الوثاقة لهذا الجاحد لامامة المعصوم الخائن لامانته الذي استولى على حقه طمعا في الدنيا .
ومن ثقات الامامية عثمان بن عيسى الرؤاسي , قال الخوئي في ترجمة عثمان بن عيسى الرؤاسي : " 7623 - عثمان بن عيسى: قال النجاشي: " عثمان بن عيسى أبو عمرو العامري الكلابي، ثم من ولد عبيد بن رؤاس، فتارة يقال الكلابي وتارة العامري وتارة الرؤاسي، والصحيح: أنه مولى بني رؤاس وكان شيخ الواقفة ووجهها، وأحد الوكلاء المستبدين بمال موسى بن جعفر عليه السلام .......................................
وعده الكشي من أصحاب الاجماع في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم، وأبي الحسن الرضا عليهما السلام، على قول بعضهم. ويأتي عنه في ترجمة الفضل بن شاذان، عده ممن يروى عنه الفضل. روى (عثمان بن عيسى) عن المعلى بن أبي شهاب، وروى عنه علي بن أسباط. كامل الزيارات: الباب 1، في ثواب زيارة رسول الله صلى الله عليه وآله وزيارة أمير المؤمنين والحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين، الحديث 2. روى عن سماعة، وروى عنه إبراهيم بن هاشم. تفسير القمي: سورة المؤمنون، في تفسير قوله تعالى: (أولئك هم الوارثون...). وذكر الشيخ في كتاب العدة: عمل الطائفة برواياته لاجل كونه موثوقا به ومتحرجا عن الكذب.
وعده ابن شهر آشوب من ثقات أبي إبراهيم موسى بن جعفر عليهما السلام. المناقب: الجزء 4، باب إمامة أبي إبراهيم موسى بن جعفر عليه السلام، في فصل في أحواله وتواريخه. أقول: لا ينبغي الشك في أن عثمان بن عيسى كان منحرفا عن الحق ومعارضا للرضا عليه السلام، وغير معترف بامامته، وقد استحل أموال الامام عليه السلام، ولم يدفعها إليه ! وأما توبته ورده الاموال بعد ذلك فلم تثبت فإنها رواية نصر بن الصباح، وهو ليس بشئ، ولكنه مع ذلك كان ثقة بشهادة الشيخ وعلي بن إبراهيم وابن شهر آشوب المؤيدة بدعوى بعضهم أنه من أصحاب الاجماع " اهـ .[124]
وجاء في ترجمة بريد العجلي روايات ذامة , ومصرحة ببدعته , وهلاكه , ففي معرفة اختيار الرجال : " 237 - حدثني حمدويه ، قال : حدثني محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن مسمع كردين أبي سيار ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : لعن الله بريدا ولعن الله زرارة " اهـ .[125]  
وفيه ايضا : " 236 - حدثنا محمد بن مسعود ، قال : حدثني جبريل بن أحمد ، قال : حدثني محمد بن عيسى بن عبيد ، قال : حدثني يونس بن عبد الرحمن ، عن عمر بن أبان عن عبد الرحيم القصير ، قال ، قال لي أبو عبد الله عليه السلام : ايت زرارة وبريدا فقل لهما ما هذه البدعة التي ابتدعتماها ؟ اما علمتما أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : كل بدعة ضلالة . قلت له : اني أخاف منهما فأرسل معي ليثا المرادي فأتينا زرارة فقلنا له ما قال أبو عبد الله عليه السلام ، فقال : والله لقد أعطاني الاستطاعة وما شعر ، فاما بريد فقال : لا والله لا أرجع عنها أبدا " اهـ .[126]  
وفيه ايضا : " 350 - حدثني محمد بن مسعود ، قال : حدثني جبريل بن أحمد ، عن محمد ابن عيسى ، عن يونس ، عن أبي الصباح ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : هلك المتريسون في أديانهم ، منهم : زرارة ، وبريد ، ومحمد بن مسلم ، وإسماعيل الجعفي ، وذكر آخر لم أحفظه " اهـ .[127]
ومع كل هذا نرى ان الامامية يوثقوه , ويمدحوه , ويجعلون المبررات له , قال الحر العاملي : " بريد بن معاوية العجلي : وجه من وجوه أصحابنا ، ثقة فقيه ، له محل عند الأئمة عليهم السلام ، قاله العلامة ونحوه النجاشي . وعده الكشي من أصحاب الإجماع كما مر ، وروى له مدحا جليلا . وفيه بعض الذم يأتي الوجه في مثله ، في :  زرارة " اهـ .[128]
فلماذا لا يتعامل الامامية مع الصحابة الكرام , بنفس الطريقة التي يتعملون بها مع الرواة الذين لعنهم المعصوم كزرارة وبريد واشباههم ؟! .
ومن ثقات الرافضة المطعون بهم ابو بصير الاسدي الذي ورد فيه طعونات كثيرة , ومنها ما رواه الطوسي في التهذيب , وفي الرواية دلالة على طعن ابي بصير
 بعلم الامام المعصوم , قال الطوسي : "  علي بن الحسن عن أيوب بن نوح وسندي بن محمد عن صفوان بن يحيى عن شعيب العقرقوفي قال : سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل تزوج امرأة لها زوج ولم يعلم قال : ترجم المرأة وليس على الرجل شئ إذا لم يعلم قال : فذكرت ذلك لأبي بصير قال : فقال لي : والله لقد قال جعفر عليه السلام : ترجم المرأة ويجلد الرجل الحد وقال بيديه على صدري فحكه : ما أظن صاحبنا تكامل علمه " اهـ .[129]  
وفي الاختيار ما يدل على فعله شيئا محرما مع امرأة  : " 295 - حمدويه وإبراهيم قال : حدثنا العبيدي ، عن حماد بن عيسى ، عن الحسين ابن مختار ، عن أبي بصير ، قال : كنت أقرئ امرأة كنت أعلمها القرآن ، قال : فمازحتها بشئ ، قال فقدمت على أبي جعفر عليه السلام ، قال ، فقال لي : يا أبا بصير اي شئ قلت للمرأة ؟ قال : قلت بيدي هكذا ، وغطا وجهه ، قال ، فقال لي : لا تعودن إليها " اهـ .[130]
وفي الاختيار ما يدل على تصريح الامام المعصوم بصدور الكذب من ابي بصير : "  902 - حدثني علي بن محمد بن قتيبة ، قال : حدثني الفضل بن شاذان ، قال : حدثنا محمد بن الحسن الواسطي ، ومحمد بن يونس ، قالا : حدثنا الحسن ابن قياما الصيرفي ، قال : حججت في سنة ثلاث وتسعين ومائة ، وسألت أبا الحسن الرضا عليه السلام فقلت : جعلت فداك ما فعل أبوك ؟ قال : مضى كما مضى آباؤه ، قلت : فكيف أصنع بحديث حدثني به يعقوب بن شعيب ، عن أبي بصير : ان أبا عبد الله عليه السلام قال : إن جاء كم من يخبركم ان ابني هذا مات وكفن ولبن وقبر ونفضوا أيديهم من تراب قبره فلا تصدقوا به ؟ فقال : كذب أبو بصير ليس هكذا حدثه ، انما قال إن جاءكم عن صاحب هذا الامر " اهـ .[131]
وفي الاختيار ان ابا بصير قد اتهم الامام المعصوم بأنه لا يأذن للناس الا اذا قدموا اليه شيئا : " محمد بن مسعود ، قال : حدثني جبريل بن أحمد ، قال : حدثني محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن حماد الناب ، قال : جلس أبو بصير على باب أبي عبد الله عليه السلام ليطلب الاذن ، فلم يؤذن له ، فقال : لو كان معنا طبق لاذن ، قال : فجاء كلب فشغر في وجه أبي بصير ، قال : أف أف ما هذا ؟ قال جليسه . هذا كلب شغر في وجهك " اهـ .[132]
وقد اكد الخوئي على ان المراد بابي بصير يحيى بن ابي القاسم الا ان تاتي قرينة على خلاف ذلك , فقال : " وأبو بصير كنية لعدة أشخاص ، منهم : عبد الله بن محمد الأسدي ، وليث بن البختري  المرادي ، ويحيى بن أبي القاسم الأسدي ، ولكن المعروف بأبي بصير هو الأخير فمتى لم تكن قرينة على إرادة غيره فهو المراد " اهـ .[133]
ومع كل هذا الذم الوارد يوثقه الامامية ويعتبروه من وجوههم , قال النجاشي : "
 [ 1187 ] يحيى بن القاسم أبو بصير الأسدي ، وقيل : أبو محمد ، ثقة ، وجيه ، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام ، وقيل يحيى بن أبي القاسم ، واسم أبي القاسم إسحاق . و روى عن أبي الحسن موسى عليه السلام . له كتاب يوم وليلة . أخبرنا محمد بن جعفر قال : حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد قال : حدثنا يحيى بن زكريا بن شيبان قال : حدثنا الحسن بن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير بكتابه . ومات أبو بصير سنة خمسين ومائة " اهـ .[134] .
ولقد ورد في كتب الامامية طعونات كثيرة في هشام بن الحكم المجسم , ومنها ما جاء في اختيار معرفة الرجال بتسببه بقتل الامام المعصوم : " محمد بن نصير ، قال : حدثني أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسين ابن سعيد ، عن أحمد بن محمد ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : أما كان لكم في أبي الحسن عليه السلام عظة ما ترى حال هشام بن الحكم ؟ فهو الذي صنع بأبي الحسن ما صنع وقال لهم وأخبرهم ، أترى الله يغفر له ما ركب منا " اهـ .[135]
وفي البحار : " 4 - قرب الإسناد : ابن أبي الخطاب ، عن البزنطي ، عن الرضا عليه السلام قال : أما كان لكم في أبي الحسن صلوات الله عليه عظة ؟ ما ترى حال هشام ؟ هو الذي صنع بأبي الحسن  عليه السلام ما صنع ، وقال لهم وأخبرهم ، أترى الله يغفر له ما ركب منا  " اهـ .[136]
وفي الاختيار : " علي بن محمد ، قال : حدثني محمد بن أحمد ، عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير ، عن عبد الرحمن بن الحجاج ، قال ، قال أبو الحسن عليه السلام : ايت هشام بن الحكم فقل له : يقول لك أبو الحسن : أيسرك أن تشرك في دم امرء مسلم فإذا قال لا ، فقل له : ما بالك شركت في دمي ؟ " اهـ .[137]
وفي الاختيار عدم الصلاة خلف اصحاب هشام : " 499 - علي بن محمد ، عن أحمد بن محمد ، عن أبي علي بن راشد ، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال ، قلت : جعلت فداك قد اختلف أصحابنا ، فأصلي خلف أصحاب هشام بن الحكم ؟ قال : عليك بعلي بن حديد ، قلت : فآخذ بقوله ؟ قال : نعم فلقيت علي بن حديد فقلت له : نصلي خلف أصحاب هشام بن الحكم ؟ قال : لا " اهـ .[138]
وفي امالي الصدوق : " حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل ( رحمه الله ) ، قال : حدثنا علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن الصقر بن دلف  ، قال سألت أبا الحسن علي بن محمد بن علي ابن موسى الرضا ( عليهم السلام ) عن التوحيد ، وقلت له إني أقول بقول هشام بن الحكم ، فغضب ( عليه السلام ) ، ثم قال : مالكم ولقول هشام ، إنه ليس منا من زعم أن الله جسم ،  ونحن منه براء في الدنيا والآخرة . يا بن دلف ، إن الجسم محدث ، والله محدثه ومجسمه  .
 426 / 3 - حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ( رضي الله عنه ) ، قال : حدثنا محمد بن الحسن الصفار ، عن العباس بن معروف ، عن علي بن مهزيار ، قال : كتبت إلى أبي جعفر محمد بن علي بن موسى الرضا ( عليهم السلام ) : جعلت فداك أصلي خلف من يقول بالجسم ، ومن يقول بقول يونس بن عبد الرحمن ؟ فكتب ( عليه السلام ) : لا تصلوا خلفهم ، ولا تعطوهم من الزكاة ، وابرءوا منهم ، برئ الله منهم " اهـ .[139]
وفي الكافي ان هشام بن الحكم قد كذب بنقله ان الامام المعصوم قال عن الله تعالى انه جسم صمدي نوري , قال الكليني : " 1 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن علي بن أبي حمزة، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: سمعت هشام بن الحكم يروي عنكم أن الله جسم، صمدي نوري، معرفته ضرورة، يمن بها على من يشاء من خلقه، فقال عليه السلام: سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلا هو، ليس كمثله شئ وهو السميع البصير، لا يحد ولا يحس ولا يجس ولا تدركه [ الابصار ولا ] الحواس ولا يحيط به شئ ولا جسم ولا صورة ولا تخطيط ولا تحديد " اهـ .[140]
وفي كتاب التوحيد للصدوق ان هشاما هذا قائل بالجسم , وقد ذمه الامام المعصوم : " 20 - حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل رحمه الله، قال: حدثنا علي بن أيراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن الصقر بن (أبي) دلف، قال: سألت أبا الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا عليهم السلام عن التوحيد، وقلت له: أني أقول بقول هشام ابن الحكم، فغضب عليه السلام ثم قال: مالكم ولقول هشام، إنه ليس منا من زعم أن الله عزوجل جسم  ونحن منه برآء في الدنيا والآخرة، يا ابن (أبي) دلف إن الجسم محدث، والله محدثه ومجسمه " اهـ .[141]
وايضا : " 8 - حدثنا علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق رضي الله عنه ، قال  حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي ، عن محمد بن إسماعيل البرمكي ، عن علي بن العباس ، عن الحسن بن عبد الرحمن الحماني  ، قال : قلت لأبي الحسن موسى ابن جعفر عليهما السلام : إن هشام بن الحكم زعم : أن الله جسم ليس كمثله شئ ، عالم سميع ، بصير ، قادر متكلم ، ناطق ، والكلام والقدرة والعلم تجري مجرى واحدا ليس شئ منها مخلوقا ، فقال : قاتله الله ، أما علم أن الجسم محدود ، والكلام غير المتكلم  معاذ الله وأبرء إلى الله من هذا القول ، لا جسم ولا صورة ولا تحديد ، وكل شئ سواه مخلوق وإنما تكون الأشياء بإرادته ومشيته من غير كلام ولا تردد في نفس ، ولا نطق بلسان " اهـ .[142]
وهناك روايات كثيرة في ذمه ولكني اكتفي بما اوردته .
وقد اعترف الشريف المرتضى على هشام بن الحكم بانه قائل بالمكان لله تعالى , وانه يتحرك , وينتقل , فقال : " وقال هشام بن الحكم، وعلي بن منصور، وعلي بن إسماعيل بن ميثم، ويونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين، وابن سالم الجواليقي، والحشوية وجماعة المشبهة: إن الله عز وجل في مكان دون مكان، وأنه يتحرك وينتقل، تعالى الله عن ذلك علوا " كبيرا " اهـ .[143]
ومع كل الذي اوردناه من القدح في هشام بن الحكم , الا ان الامامية يحكمون بوثاقته , ويدافعون عنه دفاعا قويا , قال الطوسي : " [ 738 ] 2 - هشام بن الحكم ، كان من خواص سيدنا ومولانا موسى بن جعفر عليهما السلام ، وكانت له مباحثات كثيرة مع المخالفين في الأصول وغيرها " اهـ .[144]
وقال النجاشي : " [ 1164 ] هشام بن الحكم أبو محمد ، مولى كندة . وكان ينزل بني شيبان بالكوفة ، انتقل إلى بغداد سنة تسع وتسعين ومائة ويقال : إن ( إنه ) في هذه السنة مات . .................
وروى هشام عن أبي عبد الله وأبي الحسن موسى عليهما السلام ، وكان ثقة في الروايات ، حسن التحقيق بهذا الامر " اهـ .[145]
{ التوثيق , والمدح لالاف الشيعة من غير التعرض لاي تصرف من تصرفاتهم }
لقد ورد عند الامامية المدح , والتوثيق , والتعظيم لالاف من غير التعرض لسيرة احد من هؤلاء الى اي قدح , او انتقاد , فنقول لهم لماذا هذا المدح للالاف , ولم يرد فيهم نص قراني , او حديث نبوي شريف ؟ ! , ولقد ورد في الصحابة الكرام العديد من الايات القرانية التي تمدحهم , وتبين مكانتهم في الامة , وكذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , ومع هذا تعترضون على عدالتهم ؟ ! .
قال ابو الهدى الكلباسي : " الشرطة : بضم الشين المعجمة وسكون الراء وفتح الطاء المهملة ، واحد الشرط ، كغرفة وغرف . والخميس : بالفتح بمعنى الجيش ، كما صرح به في النهاية والمجمع  وغيرهما . سمي به لانقسامه إلى خمسة أقسام : المقدمة ، والساقة ، والميمنة ، والميسرة ، والقلب . ووجه التعبير به عن جماعة إما : بملاحظة أن الشرطة مأخوذ من ( شرط ) بفتحتين ، بمعنى العلامة ، وسمي به مقدمة الجيش ، أو أقويائهم ، لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها للأعداء ، كما ينصرح ذلك من المصباح  والمجمع وغيرهما . أو من الشرط ، بمعنى التهيؤ ، سموا بهم ، لأنهم يتهيؤون لدفع الخصم ، كما صرح به في الأول . أو من الشرط ، بمعنى الألزام ، كما ربما ينصرح مما رواه الكشي في ترجمة أصبغ ابن نباتة  . ( قال : قيل له : كيف سميتم شرطة الخميس يا أصبغ ؟ قال : إنا ضمنا له الذبح ، وضمن لنا الفتح ، يعني أمير المؤمنين عليه السلام ) . وربما ذكر المولى التقي المجلسي في بعض حواشي التهذيب : ( الشرط : الأقوياء الذين يتقدمون الجيش ، فهم أخص من المقدمة ، كأنهم شرطوا أن لا يرجعوا حتى يفتحوا أو يقتلوا ، وكان الأصبغ منهم ) . وقال السيد السند التفرشي : ( والشرطة ، طائفة من الجيش ) . والظاهر أن المراد : الطائفة المخصوصة لا مطلقها . فما قيل عليه : من أن الشرطة هي مقدمة الجيش لا مطلق طائفته ، ليس بالوجه . ثم إنه لا يخفى أنها تدل على غاية قوة إيمان من ذكر في حقه ، بل من المبشرين في لسان يعسوب المؤمنين - صلوات الله تعالى عليه - كما في ترجمة عبد الله بن يحيى الحضرمي : ( إنه قال لي علي عليه السلام يوم الجمل : ( أبشر يا بن يحيى ! فإنك وأباك من شرطة الخميس حقا ، لقد أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم باسمك واسم أبيك في شرطة الخميس ، والله سماكم في السماء شرطة الخميس على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ). كما أن الظاهر دلالته على الوثاقة ، كما جرى عليه جمع من الطائفة ، كيف وقد فضل الله تعالى المجاهدين على القاعدين درجة وأجرا عظيما  ، فكيف بمن هو من أعيانهم ومنتخبيهم ، وللذبح ملتزميهم . قيل : وناهيك في الفضل والبهاء ، تسميتهم بذلك من الله سبحانه في السماء . ثم إنه قد ذكر ذلك في ترجمة جماعة : كأصبغ بن نباته  وسهل بن حنيف  ويحيى الحضرمي وابنه  وأبي يحيى الحنفي  ، بل عن البرقي أن شرطة الخميس كانوا ستة آلاف رجل " اهـ .[146]
لقد تناقل الامامية المدح لشرطة الخميس وهم ستة الاف شخص , فبمجرد دخول شخص تحت هذا المسمى فانه ينال المدح , والتعظيم , والتوثيق , والبشارة , ولكن عندما نذكر المدائح القرانية , والنبوية لاصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فاننا نجد الامامية يعترضون وبكل قوة على ذلك , فلا ادري كيف يتداول الامامية مدح , وتعظيم ستة الاف شخص , ولم يثبت لهم ذكر لا في القران ولا في السنة المعتبرة , وفي نفس الوقت يعترضون على الوارد في القران والسنة النبوية المعتبرة من مدائح اصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .
{ ادلة عدالة الصحابة من كتب الرافضة }
رغم ورود روايات جاءت تقول بردة الصحابة الكرام , والطعن بهم , الا انه توجد روايات تدل على توثيق الالاف منهم , ومع هذا لم نجد اعتناء من الامامية بهذه الاعداد الكبيرة , والتقصي عنها احقاقا للحق , ولكن الحقد الاعمى عند الامامية جعلهم يركزون على الطعونات , والاساءة لرموز الاسلام من اصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , فمن الادلة الواضحة على تعديل , وتوثيق الالاف من الصحابة ما جاء في الخصال للصدوق : " 15 - حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله عنه قال: حدثنا علي ابن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله اثني عشر ألفا ثمانية آلاف من المدينة، و ألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم ير فيهم قدري ولا مرجي ولا حروري ولا معتزلي، ولا صحاب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار ويقولون: اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير " اهـ .[147]
ان هذه الرواية صريحة بالتزكية من الامام المعصوم لاثني عشر الف صحابي , فهل سنجد مرجع امامي يبين لنا من هم هؤلاء الالاف الذين مدحهم المعصوم , ويذكر لنا التفاصيل عن سيرتهم العطرة ؟ , وأين كان هؤلاء جميعا من الاعتراف بالخلافة لعلي رضي الله عنه بعد موت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مباشرة ؟ ! .
وفي الكافي : " 3 - عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ( عليه السلام ) مَا بَالِي أَسْأَلُكَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَتُجِيبُنِي فِيهَا بِالْجَوَابِ ثُمَّ يَجِيئُكَ غَيْرِي فَتُجِيبُهُ فِيهَا بِجَوَابٍ آخَرَ فَقَالَ إِنَّا نُجِيبُ النَّاسَ عَلَى الزِّيَادَةِ وَ النُّقْصَانِ قَالَ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وآله ) صَدَقُوا عَلَى مُحَمَّدٍ ( صلى الله عليه وآله ) أَمْ كَذَبُوا قَالَ بَلْ صَدَقُوا قَالَ قُلْتُ فَمَا بَالُهُمُ اخْتَلَفُوا فَقَالَ أَ مَا تَعْلَمُ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ( صلى الله عليه وآله ) فَيَسْأَلُهُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَيُجِيبُهُ فِيهَا بِالْجَوَابِ ثُمَّ يُجِيبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَنْسَخُ ذَلِكَ الْجَوَابَ فَنَسَخَتِ الْأَحَادِيثُ بَعْضُهَا بَعْضاً " اهـ .[148]
لقد جاء في الرواية استخدام لفظ اصحاب رسول الله , وهذا يدل على العموم , وذلك لان الجمع المعرف بالاضافة يفيد العموم , فيبقى هذا العموم على عمومه , الا اذا دل دليل خاص على خلافه , وقد بينا في الرواية السابقة التزكية لاثني عشر الف صحابي , فتزكية الامام المعصوم لهم بالصدق , وعدم الكذب على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم تزكية عظيمة , وتعديل عظيم الشأن .
فهل سيبين لنا الرافضة من هم هؤلاء الالاف من الصحابة , ومروياتهم , وموقفهم من بيعة ابي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم , ولماذا لم يبايعوا عليا رضي الله عنه بعد موت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟ ! .
 وفي الكافي : " 1 -  عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ( عليه السلام ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ( صلى الله عليه وآله ) خَطَبَ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ فَقَالَ نَضَّرَ اللَّهُ عَبْداً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَ حَفِظَهَا وَ بَلَّغَهَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَ النَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَ اللُّزُومُ لِجَمَاعَتِهِمْ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ مُحِيطَةٌ مِنْ وَرَائِهِمْ الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ .
 وَ رَوَاهُ أَيْضاً عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبَانٍ عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ مِثْلَهُ وَ زَادَ فِيهِ وَ هُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَ ذَكَرَ فِي حَدِيثِهِ أَنَّهُ خَطَبَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ " اهـ .[149]
وفي مستدرك الوسائل : " [ 13596 ] 4 الحسين بن سعيد الأهوازي في كتاب الزهد : عن الحسن بن  محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن أبي عبيدة الحذاء ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) ، قال : " لما كان يوم فتح مكة ، قام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في الناس خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ليبلغ الشاهد الغائب ، إن الله تبارك وتعالى قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية ، والتفاخر بآبائها وعشائرها ، أيها الناس إنكم من آدم وآدم من طين ، ألا وإن خيركم عند الله وأكرمكم عليه اتقاكم وأطوعكم له ، ألا وإن العربية ليست بأب والد ، ولكنها لسان ناطق ، فمن طعن بينكم وعلم أنه يبلغه رضوان الله حسبه ، ألا وإن كل دم مظلمة أو إحنة كانت في الجاهلية ، فهي تظل تحت قدمي إلى يوم القيامة " اهـ .[150]
في الروايتين التصريح بمخاطبة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لهذا الجمع الغفير , وحثهم على تبليغ كلامه , ولو كان فيهم غير مؤهل لاستثناه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .
وفي الكافي : " 16 -  عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ( عليه السلام ) قَالَ شَرِبَ رَجُلٌ الْخَمْرَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ فَرُفِعَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ أَ شَرِبْتَ خَمْراً قَالَ نَعَمْ قَالَ وَ لِمَ وَ هِيَ مُحَرَّمَةٌ قَالَ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ إِنِّي أَسْلَمْتُ وَ حَسُنَ إِسْلَامِي وَ مَنْزِلِي بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمٍ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَ يَسْتَحِلُّونَهَا وَ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّهَا حَرَامٌ اجْتَنَبْتُهَا فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ مَا تَقُولُ فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ فَقَالَ عُمَرُ مُعْضِلَةٌ وَ لَيْسَ لَهَا إِلَّا أَبُو الْحَسَنِ قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ادْعُ لَنَا عَلِيّاً فَقَالَ عُمَرُ يُؤْتَى الْحَكَمُ فِي بَيْتِهِ فَقَامَا وَ الرَّجُلُ مَعَهُمَا وَ مَنْ حَضَرَهُمَا مِنَ النَّاسِ حَتَّى أَتَوْا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ( عليه السلام ) فَأَخْبَرَاهُ بِقِصَّةِ الرَّجُلِ وَ قَصَّ الرَّجُلُ قِصَّتَهُ قَالَ فَقَالَ ابْعَثُوا مَعَهُ مَنْ يَدُورُ بِهِ عَلَى مَجَالِسِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ مَنْ كَانَ تَلَا عَلَيْهِ آيَةَ التَّحْرِيمِ فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ فَلَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ أَحَدٌ بِأَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ آيَةَ التَّحْرِيمِ فَخَلَّى عَنْهُ وَ قَالَ لَهُ إِنْ شَرِبْتَ بَعْدَهَا أَقَمْنَا عَلَيْكَ الْحَدَّ " اهـ .[151]
في الرواية اكتفاء علي رضي الله تعالى عنه بشهادة اي مهاجر , او انصاري يشهد بتبليغ الرجل اية تحريم الخمر , فالدلالة واضحة على ان شهادة المهاجرين والانصار معتبرة , والله تعالى يقول : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ( 2 ) : الطلاق } , فلو لم يكن هؤلاء عدول لم يجعل علي رضي الله عنه ترتب اقامة الحد , او منعه على شهادتهم , ويستفاد من الرواية ايضا ان تبليغ الدين بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم غير محصور بأهل البيت رضي الله عنهم .
وفي معاني الاخبار للصدوق : " ( باب ) * ( معنى الفرقة الواحدة الناجية ) * 1 - حدثنا أبو نصر محمد بن أحمد بن تميم السرخسي قال : حدثنا أبو لبيد محمد بن إدريس الشامي قال : حدثنا إسحاق بن إسرائيل قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي قال : حدثنا الإفريقي ، عن عبد الله بن يزيد ، عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله سيأتي على أمتي ما أتى على بني إسرائيل مثل بمثل وإنهم تفرقوا على اثنين وسبعين ملة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة تزيد عليهم واحدة كلها في النار غير واحدة . قال : قيل : يا رسول الله وما تلك الواحدة ؟ قال هو : ما نحن عليه اليوم أنا وأصحابي " اهـ .[152]
فهذه الاثار بمجموعها دالة على عدالة الصحابة الكرام , ووجوب مدحهم , والاعتراف بفضلهم , وعدم التعرض لجنابهم الكريم بأي سوء .
{ شرف الصحبة لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم }
لقد وردت نقولات تدل على شرف الصحبة لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم , ففي نهج البلاغة : " ومن كلام له (عليه السلام)
لما اجتمع الناس إليه وشكوا ما نقموه على عثمان وسألوه مخاطبته واستعتابه لهم، فدخل(عليه السلام) على عثمان فقال إِنَّ النَّاسَ وَرَائي، وَقَدِ اسْتَسْفَرُوني بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، وَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ! مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ، وَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى أَمْر لاَ تَعْرِفُهُ، إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ، مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْء فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ، وَلاَ خَلَوْنَا بِشَيْء فَنُبَلِّغَكَهُ، وَقَدْ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا، وَسَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا، وَصَحِبْتَ رَسُولَ الله(صلى الله عليه وآله) كَمَا صَحِبْنَا. وَمَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَلاَ ابْنُ الْخَطَّابِ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الْحَقِّ مِنْكَ، وَأَنْتَ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله) وَشِيجَةَ رَحِم مِنْهُمَا، وَقَدْ نِلْتَ مَنْ صَهْرِهِ مَا لَمْ يَنَالاَ " اهـ .[153]
فالمقام هنا مقام تذكير باشياء تدل على الفضل , والمنزلة , والرفعة , وقد جعل علي رضي الله عنه نفسه مع عثمان رضي الله عنه بنفس المنزلة .
وفي البحار : "  128 - نوادر الراوندي باسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أثبتكم على الصراط أشدكم حبا لأهل بيتي ولأصحابي " اهـ .[154]
وفي امالي الصدوق : " 658 / 18 - حدثنا أبي (رحمه الله)، ومحمد بن موسى بن المتوكل، ومحمد بن علي ماجيلويه، وأحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم، وأحمد بن زياد بن جعفر الهمداني، والحسين بن إبراهيم بن ناتانه (رضي الله عنهم)، قالوا: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن أبي هدبة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): طوبى لمن رآني، وطوبى لمن رأى من رآني، وطوبى لمن رأى من رأى من رآني " اهـ .[155]
وفي البحار : " 10 - نوادر الراوندي : بإسناده عن موسى بن جعفر ، عن آبائه ( عليهم السلام ) قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : القرون أربعة ، أنا في أفضلها قرنا ، ثم الثاني ، ثم الثالث فإذا كان الرابع التقى الرجال  بالرجال ، والنساء بالنساء ، فقبض الله كتابه من صدور بني آدم ، فيبعث الله ريحا سوداء ، ثم لا يبقى أحد سوى الله تعالى إلا قبضه الله إليه  .
 11 - وبهذا الاسناد قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أنا أمنة لأصحابي ، فإذا قبضت دنا من أصحابي ما يوعدون ، وأصحابي أمنة لامتي فإذا قبض أصحابي دنا من  أمتي ما يوعدون ، ولا يزال هذا الدين ظاهرا على الأديان كلها ما دام فيكم من قد رآني " اهـ .[156]
وفي امالي الطوسي : " 1098 / 5  أخبرنا جماعة، عن أبي المفضل، قال: حدثنا أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عمار أبو العباس الثقفي، قال: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثنا جعفر بن أبي سليمان - يعني الضبعي - قال: حدثنا أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا بما يلقى بعده، فبكى (عليه السلام)، وقال: يا رسول الله، أسألك بحقي عليك وقرابتي منك، وحق صحبتي إياك، لما دعوت الله (عز وجل) أن يقبضني إليه. فقال (صلى الله عليه وآله): أتسألني أن أدعو ربي لأجل مؤجل ؟ قال: فعلى ما أقاتلهم ؟ قال: على الأحداث في الدين " اهـ .[157]
فهذه الاثار دالة على فضل الصحبة لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وان من نال هذا الشرف العظيم يكون من الممدوحين لا من المقدوحين .
{ المعصوم يترحم على الفسقة باعتراف الخوئي }
وأختم هذا الفصل باعتراف الخوئي ان الامام المعصوم يترحم على الفسقة حيث قال : "  وقد ترحم الصادق عليه السلام لكل من زار الحسين عليه السلام ، بل إنه سلام الله عليه ، قد ترحم لأشخاص خاصة معروفين بالفسق لما فيهم ما يقتضي ذلك ، كالسيد إسماعيل الحميري وغيره " اهـ .[158]
هل الفسق منافي للعدالة عند الرافضة ام لا ؟ !
اذا كان منافيا للعدالة فكيف يترحم المعصوم على الفاسق ؟ ! .
ها هو المعصوم يترحم على الفسقة باعتراف الخوئي , والفسق منافٍ للعدالة , فالسؤال الذي اطرحه على الرافضة لو تنزلنا معكم وقلنا باسقاط عدالة الصحابة فهل تستطيعون الترحم على الصحابة ؟ !!! , ام انكم اعلم من الامام المعصوم ؟ !!! .
 

390 - الصحاح في اللغة – أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري - ج 1  ص 451 .
391 - المستصفى – ابو حامد محمد بن محمد الغزالي - ج 1 ص 125 .
392 - صحيح ابن حبان - أبو حاتم محمد بن حبان البستي - ج 1 ص 151 .
393 - ثمرات النظر – محمد بن اسماعيل الامير الصنعاني - ج 1 ص 58 .
394 - ثمرات النظر – محمد بن اسماعيل الامير الصنعاني - ج 1 ص 72 – 73 .
395 - الكفاية في علم الرواية – ابو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي - ج 1 ص 79 .
396 - تفسير ابن كثير - عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير – ج 2 ص 271 .
397 - صحيح ابن ماجة – محمد ناصر الدين الالباني - ج 2 ص 418 .
398 - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير – ابو العباس أحمد بن محمد بن علي الفيومي ثم الحموي -  ج 5 ص 158 .
399 - نخبة الفكر – احمد بن علي بن حجر - ص 21 .
400 - نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر -  احمد بن علي بن حجر -  ص 141 .
401 - الاصابة – احمد بن علي بن حجر – ج 1 ص 16 – 18 .
402 - فتح الباري - احمد بن علي بن حجر - ج 7  ص 5 .
403 - صحيح البخاري – محمد بن اسماعيل البخاري - ج 5  ص 2 .
404 - صحيح البخاري – بَاب فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ج 5  ص 2 .
405 - أصول السنة – أبوعبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني- ص 41 .
406 - مجموع الفتاوى – شيخ الاسلام ابن تيمية - ج 4  ص 464 – 465 .
407 - منهاج السنة النبوية – احمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 8 ص 383 .
408 - رسالة إلى أهل الثغر – ابو الحسن علي بن اسماعيل الاشعري - ج  ص 302 .
409 - معرفة علوم الحديث – ابو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم – ص 22 – 24 .
410 - صحيح ابن حبان – تحقيق شعيب الارناؤوط – ج 15 ص 665 – 666 .
411 - صحيح البخاري - بَابُ { قُلْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا .... } – ج 6 ص 59 .
412 - سنن الترمذي – محمد بن عيسى الترمذي – ج 6 ص 50 .
413 - صحيح الترمذي - محمد ناصر الدين الالباني – ج 3 ص 200 .
414 - مقدمة ابن الصلاح – ابو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري - ص 171 .
415 - نزهة النظر -  ابن حجر - ص 142 – 143 .
 
416 - إرشاد الفحول – محمد بن علي الشوكاني – ج 1 ص 188 .
417 - منهاج السنة النبوية – احمد بن عبد الحليم بن تيمية - ج 2  ص 281 . 
418 - الغاية فى شرح الهداية فى علم الرواية - شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي  - ص  233 . 
419 - منهج النقد في علوم الحديث – نور الدين محمد عتر الحلبي - ج 1  ص 121 – 124 .
420 - رسالة إلى أهل الثغر –ابو الحسن علي بن اسماعيل الاشعري - ص 303 – 306 .
421 - الإبانة عن أصول الديانة - ابو الحسن علي بن اسماعيل الاشعري - ص 251 .
422 - الكفاية في علم الرواية -  أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي - ج 1 ص 46 – 48 .
423 - المحلى – أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري – ج 1 ص 44 .
 
424 - مقدمة ابن الصلاح – ابو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري - ص 295 . 
425 - صحيح البخاري - بَابُ ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى المَيِّتِ - ج 2  ص 97 .
426 - فتح الباري – احمد بن علي بن حجر - ج 3  ص 229 .
 
427 - صحيح البخاري  - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا – ج  5 ص 8 , وصحيح مسلم - بَاب تَحْرِيمِ سَبِّ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ – ج 4 ص 1967 .
428 – صحيح البخاري - بَاب فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -  ج 5 ص 2 , وصحيح مسلم - باب فَضْلِ الصَّحَابَةِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ– ج 4 ص 1962 .
429 – صحيح البخاري - بَاب فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -  ج 5 ص 5 , وصحيح مسلم - باب فَضْلِ الصَّحَابَةِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ– ج 4 ص 1963 .
430 - صحيح مسلم - بَاب بَيَانِ أَنَّ بَقَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَانٌ لِأَصْحَابِهِ وَبَقَاءَ أَصْحَابِهِ أَمَانٌ لِلْأُمَّةِ– ج 4 ص 1961 .
431 - التيسير بشرح الجامع الصغير - زين الدين محمد بن عبدالرؤوف المناوي  - ج 2  ص 463 .
 
432 - البخاري - بَاب غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَهِيَ الْأَحْزَابُ -  ج 5 ص 107 , وصحيح مسلم - بَاب غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ وَهِيَ الْخَنْدَقُ– ج 3  ص 1431 .
433 - صحيح البخاري - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ - ج 5 ص 68 , وصحيح مسلم  -  بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ – ج 3 ص 1250 .
 
434 - صحيح مسلم  - بَابُ فَضِيلَةِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ، وَعُقُوبَةِ الْجَائِرِ، وَالْحَثِّ عَلَى الرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ، وَالنَّهْيِ عَنْ إِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ - ج 3 ص 1461 .
435 - شرح صحيح مسلم – ابو زكريا يحيى بن شرف الشافعي النووي - ج 12 ص 216 .
436 - البخاري - بَاب فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -  ج 5  ص 2 , وصحيح مسلم - باب فَضْلِ الصَّحَابَةِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ– ج 4 ص 1962 .
437 - صحيح مسلم - باب فَضْلِ الصَّحَابَةِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ– ج 4 ص 1962 .
438 - مجموع الفتاوى – شيخ الاسلام ابن تيمية - ج 35  ص 59 . 
439 - مجموع الفتاوى – شيخ الاسلام ابن تيمية - ج 4  ص 464 – 465 . 
440 - منهاج السنة النبوية – احمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 8 ص 383 .
441 - صحيح البخاري – بَابُ مَا ذُكِرَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ – ج 4 ص 170 .
 
442 - مقدمة الجرح والتعديل - أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي - ج 1  ص 7 – 8 .
443 - صحيح البخاري  - باب قَوْلِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - « رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ » – ج 1 ص 24 , وصحيح مسلم - باب تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ وَالأَعْرَاضِ وَالأَمْوَالِ– جزء 3 ص 1305 .
444 - صحيح ابن حبان – ابو حاتم محمد بن حبان البستي - ج 1 ص 162 .
445 - سنن النسائي الكبرى - ج 5 ص 387 , ومسند الشافعي - ص  1810 , ومسند الطيالسي - سليمان بن داود بن الجارود - ج 1 ص 34 .
446 - مشكاة المصابيح - محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي - ج 3 ص 308 . 
447 - التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان – محمد ناصر الدين الالباني – ج 7 ص 22 , وصححه شعيب الارناؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان ج 10 ص 436 .
448 - شرح المقاصد - سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني -ج 2 ص 303 .
449 - سنن ابن ماجة -  ابو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني - ج 1 ص 190 , وحسنه العلامة الالباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجة ج 1 ص 234 .
 
450 - ابو نعيم الاصبهاني – حلية الاولياء – ج 1 ص 305 – 306 .
451 - مسند الامام أحمد – تحقيق شعيب الارناؤوط – ج 6 ص 84 .
452 - مسند الامام أحمد – تحقيق العلامة شعيب الارناؤوط – ج 3 ص 134 . 
453 - صحيح مسلم -  كتاب التَّفْسِيرِ – ج 4 ص 2312 .
454 - المستدرك على الصحيحين للحاكم مع تعليقات الامام الذهبي في التلخيص - ج 2  ص 526 .
455 - الكفاية– احمد بن علي بن ثابت البغدادي- ج 1 ص 48 – 49 .
456 - الاستيعاب – ابو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر – المقدمةج 1 ص 7 .
457 - فتح المغيث شرح ألفية الحديث - شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي  - ج 3 ص 112 .
458 - المستصفى في علم الاصول – ابو حامد محمد بن محمد الغزالي – ج 1 ص 130 . 
459 - مقدمة ابن الصلاح – ابو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح - ص 171 .
460 - مقدمة ابن الصلاح – ابو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح - ص 31 .
461 - شرح صحيح مسلم – ابو زكريا يحيى بن شرف النووي – ج 1 ص 3 .
462 - شرح صحيح مسلم – ابو زكريا يحيى بن شرف النووي – ج 15 ص 149 .
463 - التقريب والتيسير - ابو زكريا يحيى بن شرف النووي – ص 21 .
464 - اختصار علوم الحديث – عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الشافعي – ص 24 .
465 - الاصابة – احمد بن علي بن حجر – ج 1 ص 23 .
466 - رسالة إلى أهل الثغر – الامام ابو الحسن علي بن اسماعيل الاشعري - ص 302 . 
467 - سنن ابن ماجه – ابو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني - ج 12  ص 301 , وحسنه العلامة الالباني في صحيح وضعيف ابن ماجة ج 9 ص 250 .
468 - صحيح البخاري- بَابُ مَا يُتَّقَى مِنْ فِتْنَةِ المَالِ -  ج 8 ج 92 .
469 - صحيح مسلم - بَابُ سُقُوطِ الذُّنُوبِ بِالِاسْتِغْفَارِ تَوْبَةً  - ج 4 ص 2105 .
470 - سنن الترمذى - محمد بن عيسى بن سورة - ج 7  ص 262 , ووحسنه العلامة الالباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي ج 4 ص 487 .
 
471 - صحيح مسلم -  بَابُ الْصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعُةِ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانِ إِلَى رَمَضَانَ مُكفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ – ج 1 ص 209 .
472 - صحيح البخاري - بَاب صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الإِيمَانِ – ج 1 ص 16 .
473 - صحيح مسلم - بَابُ الْقَوْلِ مِثْلَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ لِمَنْ سَمِعَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَسْأَلُ لهُ الْوَسِيلَةَ – ج 1 ص 290 .
474 - صحيح مسلم - بَابُ خُرُوجِ الْخَطَايَا مَعَ مَاءِ الْوُضُوءِ – ج 1 ص 216 . 
475 - صحيح البخاري - بَابُ الصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ – ج 2 ص 113 , وصحيح مسلم - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْإِسْلَامِ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا وَأَنَّهُ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ -  ج 1 ص 128 .
476 - صحيح البخاري - بَابُ فَضْلِ التَّسْبِيحِ – ج 8 ص 86 , وصحيح مسلم -  بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ ج 4 ص 2071 .
477 - صحيح مسلم - بابُ اسْتِحْبَابِ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ وَالِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ – ج 2 ص 818 .
478 - صحيح البخاري - بَابُ فَضْلِ الحَجِّ المَبْرُورِ – ج 2 ص 133 , وصحيح مسلم - بَابٌ فِي فَضْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ – ج 2 ص 982 .
 
479 - صحيح البخاري - بَابُ وُجُوبِ العُمْرَةِ وَفَضْلِهَا – ج 3 ص 2 , وصحيح مسلم - بَابٌ فِي فَضْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ – ج 2 ص 983 .
480 - صحيح البخاري  - بَابُ مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ المَرَضِ - ج 7 ص 114 .
481 - صحيح البخاري - بَابُ مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ المَرَضِ - ج 7 ص 114 , وصحيح مسلم - بَابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا – ج 4 ص 1992 . 
482 - الكافي – الكليني – ج 7 ص 201 – 202 , وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – حسن – ج 23 ص 306 .
483 - بحار الأنوار - المجلسي - ج 42  ص 43 – 44 . 
484 - جامع المدارك - الخوانساري - ج 7 ص 67 . 
485 - الانتصار - الشريف المرتضى - ص 510 . 
486 - صحيح البخاري- بَابُ قَوْلِهِ: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ – ج 6 ص 154 .
487 - كشف المشكل من حديث الصحيحين  - ابو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي - ص 701 .
 
488 - مجموع الفتاوى– ابو العباس احمد بن تيمية - ج 7 ص 419 . 
489 - صحيح البخاري- بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} – ج 4 ص139 . 
490 - صحيح البخاري - بَابُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ – ج 2 ص 104 , وصحيح مسلم - بَابُ الْأَمْرِ بِقِتَالِ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ – ج 1 ص 51 .
491 - سنن النسائي - أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي - ج 7 ص 76 , وقال عنه الالباني في صحيح وضعيف سنن النسائي – حسن صحيح – ج 9 ص 41 .
492 - فتح الباري – ابو الفضل احمد بن علي بن حجر – ج 11 ص 385 .
493 - صحيح مسلم - كِتَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ وَأَحْكَامِهِمْ – ج 4 ص 2143 . 
494 - صحيح مسلم - كِتَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ وَأَحْكَامِهِمْ – ج 4 ص 2143 .
495 - شرح صحيح مُسلم - أبو زكريا يحيى بن شرف النووي -  ج 17 ص 125 .
496 - تفسير ابن كثير - أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير -  ج 6 ص 483 .
497 - تفسير ابن كثير - أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير -  ج 6 ص 483 .
498 - ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة - الشهيد الأول - ج 4 ص 101 .
499 - عدة الاصول – الطوسي – ص 152 .
500 - معجم رجال الحديث - الخوئي - ج 7 ص 159 .
 
501 - معجم رجال الحديث - الخوئي - ج 1  ص 41 .
502 - كتاب الصوم - الخوئي - ج 1 - شرح ص 406 . 
503 - اختيار معرفة الرجال - الطوسي - ج 1  ص 345 .
 
504 - اختيار معرفة الرجال - الشيخ الطوسي - ج 1 ص 359 – 361 .
505 - اختيار معرفة الرجال - الطوسي - ج 1  ص 370 .
506 - اختيار معرفة الرجال - الطوسي - ج 1  ص 364 .
 
507 - اختيار معرفة الرجال - الطوسي - ج 1 ص 377 .
508 - اختيار معرفة الرجال - الطوسي - ج 1 ص 365 . 
509 - الكافي – الكليني - ج 2 ص 382 – 383 , وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – حسن كالصحيح – ج 11 ص 106 .
510 - وسائل الشيعة - الحر العاملي - ج 30  ص 377 – 378 . 
511 - الغيبة - الطوسي - ص 68 
512 - معجم رجال الحديث - الخوئي - ج 8  ص 329 – 330 . 
513 - معجم رجال الحديث – الخوئي – ج 12 ص 129 – 132 .
514 - اختيار معرفة الرجال - الطوسي - ج 1 ص 364 .
515 - اختيار معرفة الرجال - الطوسي - ج 1 - ص 364 .
 
516 - اختيار معرفة الرجال - الطوسي - ج 2 ص 452 .
517 - وسائل الشيعة  - الحر العاملي - ج 30  ص 323 .
518 - تهذيب الأحكام - الطوسي - ج 7 ص 487 .
519 - اختيار معرفة الرجال - الطوسي - ج 1 ص 404 .
520 - اختيار معرفة الرجال - الطوسي - ج 2  ص 773 .
521 - اختيار معرفة الرجال - الطوسي - ج 1  ص 407 .
522 - معجم رجال الحديث - الخوئي - ج 21  ص 80 – 81 . 
523 - رجال النجاشي - النجاشي - ص 441 .
524 - اختيار معرفة الرجال - الطوسي - ج 2 ص 561 .
525 - بحار الأنوار - المجلسي - ج 48 ص 196 – 197 .
526 - اختيار معرفة الرجال - الطوسي - ج 2  ص 562 .
527 - اختيار معرفة الرجال - الطوسي - ج 2  ص 563 .
528 - الأمالي - الصدوق - ص 351 – 352 .
529 - الكافي – الكليني - ج 1 ص 104 , وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – موثق – ج 2 ص 1 .
530 - التوحيد - الصدوق - ص  104 .
531 - التوحيد - الصدوق - ص 100 .
532 - رسائل المرتضى – الشريف المرتضى – ج 3 ص 281 .
533 - الفهرست - الطوسي - ص 258 . 
534 - رجال النجاشي - النجاشي - ص 433 – 434 . 
535 - سماء المقال في علم الرجال - أبو الهدى الكلباسي - ج 2 ص 245 – 247 . 
536 - الخصال - الصدوق - ص639 – 640 . 
537 - الكافي – الكليني - ج 1 ص 65 , وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – حسن – ج 1 ص 216 .
538 - الكافي – الكليني - ج 1 ص 403 , وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – موثق كالصحيح بسنديه – ج 4 ص 323 .
539 - مستدرك الوسائل - الميرزا النوري - ج 12  ص 88 – 89 . 
540 - الكافي – الكليني - ج 7 ص 216 - 217 , وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – حسن أو موثق – ج 23 ص 334 .
541 - معاني الأخبار - الصدوق - ص 323 .
542 - نهج البلاغة - الشريف الرضي – ج 2 ص 68 .
543 - بحار الأنوار- المجلسي – ج 27 ص 133 .
544 - الأمالي - الصدوق – ص 484 . 
545 - بحار الأنوار - المجلسي - ج 22  ص 309 – 310 .
546 - الأمالي –  الطوسي - ص501 – 502 .
547 - معجم رجال الحديث - الخوئي - ج 1 ص 74 .
عدالة الصحابة رضي الله عنهم

    من أعظم الشبهات التي يرددها الطاعنون في الصحابة رضي الله عنهم ويشنعون على من يعتقد بها، مسألة عدالة الصحابة.

معنى العدالة:
جاء في معاجم اللغة: (العدل خلاف الجور، يقال: عدل عليه في القضية فهو عادل، وتعديل الشيء: تقويمه، يقال: عدلته فاعتدل، أي: قومته فاستقام). 
فمن هذه التعاريف اللغوية يتبين أن معنى العدالة في اللغة الاستقامة، وأن العدل هو الذي لم يظهر منه ريبة، وهو الذي يرضى الناس عنه ويقبلون شهادته ويقتنعون به.
 
العدالة اصطلاحاً:
تنوعت عبارات العلماء في تعريف العدالة في الاصطلاح ولم تخرج في مجموعها عن أن العدالة والعدل هو من عرف بأداء فرائضه ولزوم ما أمر به وتوقي ما نهي عنه، وتجنب الفواحش المسقطة وتحري الحق والواجب في أفعاله ومعاملته والتوقي في لفظه مما يثلم الدين والمروءة، فمن كانت هذه حاله فهو الموصوف بأنه عدل في دينه ومعروف بالصدق في حديثه، وقال آخر : هي محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة، وليس معها بدعة، وتتحقق باجتناب الكبائر وترك الإصرار على الصغائر
 
هذه بعض تعريفات أهل العلم للعدالة في الشرع، وهي وإن تنوعت عباراتهم إلا أنها ترجع إلى معنى واحد وهو أن العدالة ملكة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة، ولا يتحقق للإنسان إلا بفعل المأمور وترك المنهي، وأن يبعد عما يخل بالمروءة، وأيضاً: لا تتحقق إلا بالإسلام والبلوغ والعقل والسلامة من الفسق.
 
ولم تتحقق العدالة في أحد تحققها في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فجميعهم رضي الله عنهم  عدول تحققت فيهم صفة العدالة، وما صدر من بعضهم مما هو خلاف ذلك كالوقوع في معصية فلا تراه مصراً عليها، بل تراه منيباً إلى الله تعالى بالتوبة النصوح، وذلك لا يقدح في عدالتهم، لأننا لا ندعي لهم العصمة من الزلل.
 
عقيدة المسلم في الصحابة رضي الله عنهم:
تعديل الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم للصحابة رضي الله عنهم.
لقد تضافرت الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على تعديل الصحابة الكرام، مما لا يبقى معها لمرتاب شك في تحقق عدالتهم، فكل حديث له سند متصل إلى المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لا يكون حجة إلا بعد أن تثبت عدالة رجاله، وذلك عن طريق النظر في تراجمهم وأحوالهم إلا الصحابي، لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم بنص القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ولبيان هذه المسألة نقول أولاً وقبل كل شيء: لابد لنا من بيان أن الأصل عندنا هو ثناء الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم على الصحابة رضي الله عنهم
فالقرآن الكريم مليء بعشرات النصوص الدالة على إيمان وفضل هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم، كقوله تعالى: وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  $pkš‰r'¯»يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:62 - 64].
وقوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ..البقرة (143). ووجه الاستدلال بهذه الآية: أن معنى كلمة (وسطاً) عدولاً خياراً، ولأنهم المخاطبون بهذه الآية مباشرة. وقد ذكر بعض أهل العلم أن اللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد به الخصوص، وقيل: إنه وارد في الصحابة دون غيرهم. فالآية ناطقة بعدالة الصحابة رضي الله عنهم قبل غيرهم ممن جاء بعدهم من هذه الأمة.
وقوله تعالىكُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ.. (110). ووجه الاستدلال: أنها أثبتت الخيرية المطلقة لهذه الأمة على سائر الأمم قبلها، وأول من يدخل في هذه الخيرية المخاطبون بهذه الآية مباشرة عند النزول هم الصحابة الكرام ي، وذلك يقتضي استقامتهم في كل حال وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخاطبة، ومن البعيد أن يصفهم الله عزوجل بأنهم خير أمة ولا يكونوا أهل عدل واستقامة، وهل الخيرية إلا ذلك، كما أنه يجوز أن يخبر الله تعالى بأنه جعلهم أمة وسطاً أي عدولاً وهم غير ذلك([1]).
وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ*    وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال : 75] [الأنفال:74 - 75]
ففي هذه الآية وصف الله تعالى عموم المهاجرين والأنصار بالإيمان، وأكده بقوله:(حقا). ومن شهد الله له بهذه الشهادة فقد بلغ أعلى مراتب العدالة.
وقوله تعالى وقوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة : 100]
ووجه الدلالة: أن الله تعالى أخبر فيها برضاه عنهم، ولا يثبت الله رضاه إلا لمن كان أهلاً للرضا، ولا توجد الأهلية لذلك إلا لمن كان من أهل الاستقامة في أموره كلها عدلاً في دينه، بل إن الله تعالى لا يرضى إلا عن رضي؛ لأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
يقول الطبرسي وهو من كبار علماء الإمامية في تفسيره لهذه الآيات: (وفي هذه الآية دلالة على فضل السابقين ومزيتهم على غيرهم لما لحقهم من أنواع المشقة في نصرة الدين، فمنها: مفارقة العشائر والأقربين، ومنها: مباينة المألوف من الدين، ومنها: نصرة الإسلام وقلة العدد وكثرة العدو، ومنها: السبق إلى الإيمان والدعاء إليه)([2]).
ويقول الطباطبائي صاحب تفسير الميزان: (المراد بالسابقين هم الذين أسسوا أساس الدين ورفعوا قواعده قبل أن يشيد بنيانه ويهتز راياته، صنف منهم بالإيمان واللحوق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلموالصبر على الفتنة والتعذيب، والخروج من ديارهم وأموالهم بالهجرة إلى الحبشة والمدينة، وصنف بالإيمان ونصرة الرسول وإيوائه وإيواء من هاجر إليهم من المؤمنين والدفاع عن الدين قبل وقوع الوقائع)([3]).
ولا شك أن الله عزوجل لا يرضى لعباده اتباع من خالف نهجه ثم يعدهم الجنات والفوز العظيم لولا أنهم تمسكوا بهدية ونالوا رضاه. فبمجموعهم ارتفع عنهم الخطأ والضلالة فكانوا القدوة وأصبحوا بذلك أولى، وأول من شملهم قول النبي ص: {لا تجتمع أمتي على ضلالة أو خطأ}.
وفي رواية: {إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم}.
وفي رواية: {إن الله لا يجمع أمتي - أو قال: أمة محمد - على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار}.
وقال: {عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة، ولم يجمع الله عزوجل أمتي إلا على هدى}.
وقال: {لا يجمع الله عزوجل أمر أمتي على ضلالة أبداً}.
وقال: {لن تجتمع أمتي على ضلالة أبداً}.
وقال: {إن الله تعالى قد أجار أمتي أن تجتمع على الضلالة وغيرها}([4]).
وفي هذا قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه«وما كان الله ليجعلهم أي المهاجرين والأنصار - وفي لفظ: ليجمعهم- على ضلالة ولا يضربهم بالعمى»([5]).
ويقول رضي الله عنه للخوارج وقد خطئوه وضللوه: «فإن أبيتم إلا أن تزعموا أني أخطأت وضللت فلم تضللون عامة أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلمبضلالي»([6]).
وعن الصادق رحمه الله وقد سأله سائل: «إن للإيمان درجات ومنازل، يتفاضل المؤمنون فيها عند الله؟ قال: نعم، قلت: صفه لي رحمك الله حتى أفهمه، قال: إن الله سبق بين المؤمنين كما يسبق بين الخيل يوم الرهان، ثم فضلهم على درجاتهم في السبق إليه، فجعل كل امرئ منهم على درجة سبقه، لا ينقصه فيها من حقه ولا يتقدم مسبوق سابقاً ولا مفضول فاضلاً، تفاضل لذلك أوائل هذه الأمة وأواخرها، ولو لم يكن للسابق إلى الإيمان فضل على المسبوق إذا للحق آخر هذه الأمة أولها، نعم ولتقدموهم إذا لم يكن لمن سبق إلى الإيمان الفضل على من أبطأ عنه ولكن بدرجات الإيمان قدم الله السابقين وبالإبطاء عن الإيمان أخر الله المقصرين؛ لأنا نجد من المؤمنين من الآخرين من هو أكثر عملاً من الأولين وأكثرهم صلاة وصوماً وحجاً وزكاة وجهاداً وإنفاقاً، ولو لم يكن سوابق يفضل بها المؤمنون بعضهم بعضاً عند الله لكان الآخرون بكثرة العمل مقدمين على الأولين، ولكن أبى الله عزوجل أن يدرك آخر درجات الإيمان أولها، ويقدم فيها من أخر الله أو يؤخر فيها من قدم الله. 
قلت (أي الراوي): أخبرني عما ندب الله عزوجل المؤمنين إليه من الاستباق إلى الإيمان.
فقال: قول الله عزوجلسَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد : 21]، وقال: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ *  أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة : 11] [الواقعة:10-11]، وقال: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة : 100]فبدأ بالمهاجرين الأولين على درجة سبقهم، ثم ثنى بالأنصار ثم ثلث بالتابعين لهم بإحسان، فوضع كل قوم على قدر درجاتهم ومنازلهم عنده، ثم ذكر ما فضل الله عزوجل به أولياءه بعضهم على بعض، فقال عزوجلتِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ [البقرة:253]  - إلى آخر الآية - وقال: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً [الإسراء : 55] وقال: انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً [الإسراء : 21] وقال: هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ [آل عمران : 163] وقال: وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود : 3] وقال: الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [التوبة : 20] وقال: وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً  * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً [النساء:95-96] وقال: َا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد : 10] وقال : َرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة : 11] وقال: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة : 120]. وقال: وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة : 110]. وقال: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ  * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [الزلزلة:7-8] فهذا ذكر درجات الإيمان ومنازله عند الله عزوجل»([7]).
وهكذا.. لا تكاد تخلو سورة من سور القرآن الكريم المدنية إلا وتحدثت عن جهادهم في سبيل الله عزوجل، فاقرأ - مثلاً - قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التوبة:20 - 22].
وقوله تعالى: *الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ .. & [الحج : 40]. ). قال أبو جعفر رحمه الله: نزلت في المهاجرين.([8])
وقوله تعالى: لَـكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:88 - 89]
وقوله تعالى: وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد : 10]
وقوله جل ثناؤه: الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:172-174]
وقوله تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ [الأنفال:11]
وهذه الآية نزلت في غزوة بدر، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه لما سأله أن يدعه يضرب عنقه، قال: {وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فغفر لهم، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم}([9]).
وقيل: (الأمر في قوله: «اعملوا» للتكريم. وأن المراد أن كل عمل البدري لا يؤاخذ به لهذا الوعد الصادق). وقيل: (المعنى إن أعمالهم السيئة تقع مغفورة، فكأنها لم تقع)([10]).
وقال النووي : (قال العلماء: معناه الغفران لهم في الآخرة، وإلا فإن توجب على أحد منهم حد أو غيره أقيم عليه في الدنيا. ونقل القاضي عياض الإجماع على إقامة الحد. وأقامه عمر على قدامة بن مظعون، وضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسطحاً الحد، وكان بدرياً)([11]).
وقال ابن القيم: (والله أعلم، إن هذا الخطاب لقوم قد علم الله سبحانه أنهم لا يفارقون دينهم، بل يموتون على الإسلام، وأنهم قد يقارفون بعض ما يقارفه غيرهم من الذنوب، ولكن لا يتركهم سبحانه مصرين عليها، بل يوفقهم لتوبة نصوح واستغفار وحسنات تمحو أثر ذلك، ويكون تخصيصهم بهذا دون غيرهم؛ لأنه قد تحقق ذلك فيهم، وأنهم مغفور لهم. ولا يمنع ذلك كون المغفرة حصلت بأسباب تقوم بهم، كما لا يقتضي ذلك أن يعطلوا الفرائض وثوقاً بالمغفرة. فلو كانت حصلت بدون الاستمرار على القيام بالأوامر لما احتاجوا بعد ذلك إلى صلاة ولا صيام ولا حج ولا زكاة ولا جهاد وهذا محال)([12]).
وقال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ [البقرة : 214].
قال الطبرسي: (قيل: نزلت في المهاجرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلمإلى المدينة إذ تركوا ديارهم وأموالهم ومسَّهم الضر)([13]).
 
وفيهم يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

فجاء بفرقان من الله مـنزل
فآمن أقوام كرام وأيـقنوا
وأنكر أقوام فزاغت قلوبهم
وأمكن منهم يوم بدر رسوله
بأيديهم بيض خفاف قواطع
  مبينة آياتـه لـذوي العقـل
وأمسوا بحمد الله مجتمعي الشمل
 فزادهم الرحمن خبـلاً على خبل
وقوماً غضاباً فعلهم أحسن الفعل
وقد حادثوهـا بالجلاء وبالصقل ([14])
وقال تعالى: لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ... [الحديد : 10]. والحسنى: الجنة. قال ذلك مجاهد وقتادة([15]). واستدل ابن حزم من هذه الآية بالقطع بأن الصحابة جميعاً من أهل الجنة لقوله عزوجل: وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ([16]).
وقد وصف الله تعالى أصحاب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالصدق والتقوى، ووعدهم بالفلاح في مواطن كثيرة، منها: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة : 119].
ذكر بعض المفسرين أنها نزلت في محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم([17]).
ولا تخفى منزلة من أمرنا بالاقتداء بهم، وهذا الأمر باقٍ إلى يوم القيامة، ولا يحتج هنا بأن هذا إنما كان في حال الصلاح قبل الردة كما يدعي من في قلبه مرض، فإن ذلك مقياس البشر، لا مقياس علام الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية في السماء والأرض وما أخفت النفوس.
وقال آخر: (وهم الذين صدقوا ما عاهدوا الله عزوجل عليه من جهاد عدوه، وبذل أنفسهم في سبيله، ونصرة رسوله، وإعزاز دينه حيث يقول: رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب : 23] ([18]).
ويقول المفيد وهو من كبار علماء الإمامية: (قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة : 119]، وقد ثبت أن المنادى به غير المنادى إليه، وأن المأمور بالاتباع غير المدعو إلى اتباعه. فدل ذلك على أن المأمورين باتباع الصادقين ليسوا هم الأمة بأجمعها، وإنما هم طوائف منها، وأن المأمور باتباعه غير المأمور بالاتباع، ولا بد من تمييز الفريقين بالنص، وإلا وقع الالتباس وكان فيه تكليف ما لا يطاق)([19]).
ويقول عبد الله الشبر: (ليس المراد بالصادقين في الجملة، إذ ما من أحد إلا هو صادق في الجملة حتى الكافر والله سبحانه لا يأمر بالكون معه بل المراد بهم الصادقون في أيمانهم وعهودهم وقصودهم وأقوالهم وأخبارهم وأعمالهم وشرائعهم في جميع أحوالهم وأزمانهم)([20]).
وإذا تركنا كل التأويلات في تفسير الآية، وكذلك الروايات، وفسرنا القرآن بالقرآن، نجد أن الآية تنطبق بوضوح على قوله عزوجل: لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر : 8]. إذن فهؤلاء هم المعنيون بالآية.
ولعل ما يدل على ذلك، الأدعية التي وردت على لسان أئمة أهل البيت، كقول الصادق رحمه الله : (ربنا إنك أمرتنا بطاعة ولاة أمرك، وأمرتنا أن نكون مع الصادقين، فقلت: أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [النساء : 59]، وقلت: آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة : 119]، فسمعنا وأطعنا ربنا فثبت أقدامنا وتوفنا مسلمين مصدقين لأوليائك، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)([21]).
وكذلك ما يذكر عن الإمام زين العابدين رحمه الله أنه كان إذا تلا قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة : 119].
 يقول دعاء طويلاً يشتمل على طلب اللحوق بدرجة الصادقين والدرجات العلية([22]).
وفيهم يقول عزوجل: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الفتح : 29].
ففي هذه الآية مع غيرها من الدلائل دليل على أن الله يغيظ بالصحابة رضوان الله عليهم من ينتقص من حقهم ومنزلتهم التي أنزلهم الله.
قال الإمام مالك رحمه الله: «بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة رضي الله عنهم الذين فتحوا الشام، يقولون: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا. وصدقوا في ذلك؛ فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد نوه الله تبارك وتعالى بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى هنا: ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ [الفتح : 29]. ثم قال: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ [الفتح : 29] أي فراخه، فَآزَرَهُ أي: شب وطال، فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ [الفتح : 29] أي: فكذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آزروه وأيدوه ونصروه، فهو معهم كالشطء مع الزراع ليغيظ بهم الكفار»([23]).
وقال ابن الجوزي رحمه الله: (وهذا الوصف لجميع الصحابة عند الجمهور)([24]).
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «الناس على ثلاث منازل، فمضت منزلتان، وبقيت واحدة، فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت. قال: ثم قرأ: لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ [الحشر : 8] إلى قوله: وَرِضْوَاناً [الحشر : 8] فهؤلاء المهاجرون. وهذه منزلة قد مضت وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ [الحشر : 9] إلى قوله: وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر : 9]. قال: هؤلاء الأنصار. وهذه منزلة قد مضت. ثم قرأ: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ [الحشر : 10] إلى قوله: رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر : 10] قد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت. يقول: أن تستغفروا لهم»([25]).
وعن عائشة I قال: «أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسبوهم»([26]).
وقال أبو نعيم رحمه الله: (فمن أسوأ حالاً ممن خالف الله ورسوله وآب بالعصيان لهما والمخالفة عليهما. ألا ترى أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يعفو عن أصحابه ويستغفر لهم ويخفض لهم الجناح، قال تعالى: وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ... [آل عمران : 159]. وقال: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء : 215].
فمن سبهم وأبغضهم وحمل ما كان من تأويلهم وحروبهم على غير الجميل الحسن، فهو العادل عن أمر الله تعالى وتأديبه ووصيته فيهم. لا يبسط لسانه فيهم إلا من سوء طويته في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته والإسلام والمسلمين)([27]).
وعن مجاهد عن ابن عباس قال: «لا تسبوا أصحاب محمد، فإن الله قد أمر بالاستغفار لهم، وقد علم أنهم سيقتتلون»([28]).
وعلى صلة بالآية السابقة، روى الإمامية عن الصادق رحمه الله في قوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ ... [البقرة : 146] الآية، قال: نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى، يعني يعرفون رسول الله لأن الله عزوجل قد أنزل عليهم في التوراة والإنجيل والزبور صفة محمد وصفة أصحابه ومهاجرته، وهو قوله تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ ... [الفتح : 29]، وهذه صفة رسول الله في التوراة وصفة أصحابه، فلما بعثه الله عزوجل عرفه أهل الكتاب كما قال جل جلاله: فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ... [البقرة : 89] ([29]).
نعود إلى ما كنا فيه من ذكر فضائل الصحابة من القرآن، يقول الله عزوجل: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً *. وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً * وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً [الفتح :18-20]
وهذه الآية فيها دلالة واضحة على تعديل الصحابة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الحديبية، ووجه دلالة الآية على تعديلهم أن الله تعالى أخبر برضاه عنهم وشهد لهم بالإيمان وزكاهم بما استقر في قلوبهم من الصدق والوفاء والسمع والطاعة، ولا تصدر تلك التزكية العظيمة من علام الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية إلا لمن بلغ الذروة في تحقيق الاستقامة على طاعة الله.
يقول الطبرسي: (يعني بيعة الحديبية، وتسمى بيعة الرضوان لهذه الآية ورضا الله سبحانه عنهم، وإرادته تعظيمهم وإثابتهم، وهذا إخبار منه سبحانه أنه رضي عن المؤمنين إذ بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية تحت الشجرة المعروفة وهي شجرة السمرة)([30]).
وكان عدد الصحابة رضوان الله عليهم يوم بيعة الرضوان ألفاً ومائتين، وقيل: وأربعمائة، وقيل: وخمسائة، وقيل: وثمانمائة([31]).
وعن ابن عباس G قال: «أخبرنا الله عزوجل أنه رضي عنهم -عن أصحاب الشجرة- فعلم ما في قلوبهم، هل حدثنا أحد أنه سخط عليهم بعد؟»([32]).
فالآية ظاهرة الدلالة على تزكية الله لهم، تزكية لا يخبر بها، ولا يقدر عليها إلا الله. وهي تزكية بواطنهم وما في قلوبهم، ومن هنا رضي عنهم. (ومن رضي عنه تعالى لا يمكن موته على الكفر؛ لأن العبرة بالوفاة على الإسلام. فلا يقع الرضا منه تعالى إلا على من علم موته على الإسلام)([33]).
ومما يؤكد هذا ما ثبت في صحيح مسلم من قول رسول الله ص: {لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد؛ الذين بايعوا تحتها}([34]).
قال ابن تيمية رحمه الله : (والرضا من الله صفة قديمة، فلا يرضى إلا عن عبد علم أن يوافيه على موجبات الرضا -ومن ا لم يسخط عليه أبداً- فكل من أخبر الله عنه أنه رضي عنه فإنه من أهل الجنة، وإن كان رضاه عنه بعد إيمانه وعمله الصالح؛ فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء عليه والمدح له. فلو علم أنه يتعقب ذلك بما سخط الرب لم يكن من أهل ذلك)([35]).
وقال ابن حزم رحمه الله : (فمن أخبرنا الله عزوجل أنه علم ما في قلوبهم، ورضي عنهم، وأنزل السكينة عليهم، فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم أو الشك فيهم البتة)([36]).
وقال فيهم: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الحج : 78].
قالوا فيه أقوالاً: أحدها أن المعنى لتشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا فيها الحق في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء [الزمر : 69] وقال: وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر : 51] وقيل: الأشهاد أربعة: الملائكة والأنبياء وأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والجوارح، والثاني أن المعنى لتكونوا حجة على الناس فتبينوا لهم الحق والدين، ويكون الرسول شهيداً مؤدياً إليكم. والثالث: إنهم يشهدون للأنبياء على أممهم المكذبين لهم بأن قد بلغوا، وجاز ذلك لإعلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم إياهم بذلك وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة : 143]، أي: شاهداً عليكم بما يكون من أعمالكم، وقيل: حجة عليكم، وقيل: شهيداً لكم بأنكم قد صدقتم يوم القيامة فيما تشهدون به.
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ... [آل عمران : 110] قيل: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، وقيل: هو خطاب للصحابة، ولكنه يعم سائر الأمة([37]).
وعلى أي حال، لا يسعنا هنا حصر جميع الآيات الدالة على فضائل الصحابة خشية خروجنا عما التزمنا به من الإيجاز، لذا فإننا نختم هذا بإيراد التالي، ففيما أوردناه آنفاً غنىً لمن كان لـه قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
يقول الله عزوجل: لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر :8-10].
وآيات الثناء في الصحابة رضي الله عنهم الذين قال فيهم رسول الله ص: {لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي}([38]).
وقال فيهم كما يروي الإمام الكاظم عن آبائه ي: «أنا أمَنَةٌ لأصحابي، فإذا قبضت دنا من أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمَنَةٌ لأمتي، فإذا قبض أصحابي دنا من أمتي ما يوعدون، ولا يزال هذا الدين ظاهراً على الأديان كلها ما دام فيكم من قد رآني»([39]).
وهذه الآيات كثيرة لا يمكن حصرها.
ولا بأس أن ننقل بعض الروايات من طرق الإمامية عن أئمة أهل البيت رحمهم الله في فضائل الصحابة رضي الله عنهم.
روى الإمامية أن نفراً من أهل العراق وفدوا على الإمام زين العابدين /، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان ي، فلما فرغوا من كلامهم، قال لهم: «ألا تخبروني: أنتم المهاجرون الأولون الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر : 8]؟ قالوا: لا. قال: فأنتم وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر : 9] قالوا: لا، قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر : 10] اخرجوا عني فعل الله بكم»([40]).
ولم يزل وهو يرى نفسه من الفريق الثالث يدعو الله لهم بالمغفرة، يقول في أحد أدعيته: «اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا لـه، حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، وانتصروا به، ومن كانوا منطوين على محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته، فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الخلق عليك، وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم، وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه ومن كثرت في إعزاز دينك من مظلومهم، اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ... [الحشر : 10] خير جزائك الذين قصدوا سمتهم، وتحروا وجهتهم في بصيرتهم، ولم يختلجهم شك في قفو آثارهم والائتمام لهم يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم، يتفقون عليهم ولا يتهمونهم فيما أدوا إليهم»([41]).
ولا عجب في أن ينتهج الإمام السجاد رحمه الله نهج جده أمير المؤمنين ا في بيان فضائلهم لأهل العراق.
فعن الباقر رحمه الله قال: «صلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رحمه الله بالناس الصبح بالعراق، فلما انصرف وعظهم فبكى وأبكاهم من خوف الله تعالى. ثم قال: أما والله لقد عهدت أقواماً على عهد خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنهم ليصبحون ويمسون شعثاً غبراً خمصاً بين أعينهم كركب المعزى، يبيتون لربهم سجداً وقياماً، يراوحون بين أقدامهم وجباههم، يناجون ربهم، ويسألونه فكاك رقابهم من النار، والله لقد رأيتهم مع ذلك وهم جميع مشفقون منه خائفون»([42]).
وعن زين العابدين رحمه الله قال: «صلى أمير المؤمنين الفجر ثم لم يزل في موضعه حتى صارت الشمس على قيد رمح، وأقبل على الناس بوجهه، فقال: والله لقد أدركت أقواماً يبيتون لربهم سجداً وقياماً، يخالفون بين جباههم وركبهم كأن زفير النار في آذانهم إذا ذكر الله عندهم مادوا كما يميد الشجر»([43]).
وكان رضي الله عنه يقول لمعاوية: «أما بعد: فإن لله عباداً آمنوا بالتنزيل، وعرفوا التأويل، وفقهوا في الدين، وبيَّن الله فضلهم في القرآن الكريم، وأنتم في ذلك الزمان أعداء للرسول ص، فكنتم فيمن دخل هذا الدين إما رغبة وإما رهبة، على حين فاز أهل السبق بسبقهم، وفاز المهاجرون والأنصار بفضلهم، ولا ينبغي لمن ليست لـه مثل سوابقهم في الدين ولا فضائلهم في الإسلام أن ينازعهم الأمر الذي هم أهله وأولى به فيجور ويظلم»([44]).
وقال ا مادحاً لهم ومعاتباً أصحابه بعد أن تخاذلوا عنه: «أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرأوا القرآن فأحكموه. وهيجوا إلى القتال فولهوا وله اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها. وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً وصفاً صفاً. بعض هلك وبعض نجا. لا يبشرون بالأحياء، ولا يعزون عن الموتى. مره العيون من البكاء. خمص البطون من الصيام. ذبل الشفاه من الدعاء. صفر الألوان من السهر. على وجوههم غبرة الخاشعين. أولئك إخواني الذاهبون. فحق لنا أن نظمأ إليهم ونعض الأيدي على فراقهم»([45]).
وقال ا: «لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا. ما يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليماً ومضياً على اللقم وصبرا على مضض الألم وجداً في جهاد العدو. ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين. يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس المنون. فمرة لنا من عدونا. ومرة لعدونا منا. فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت وأنزل علينا النصر حتى استقر الإسلام ملقياً جرانه. ومتبوئاً أوطانه. ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود. ولا أخضر للإيمان عود. وأيم الله لتحتلبنها دماً ولتتبعنها ندماً»([46]).
وقال ا: «فما سمعت بأحد ولا رأيته هو أنصح لله في طاعة رسوله ولا أطوع لنبيه في طاعة ربه ولا أصبر على اللاواء والضراء وحين البأس ومواطن المكروه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هؤلاء النفر الذين سميت لك، وفي المهاجرين خير كثير تعرفه جزاهم الله خيراً بأحسن أعمالهم»([47]).
ولم يكن رضي الله عنه يفرق بين أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما يفعل من يدعي موالاته والسير على نهجه. فعن أبي عمرو الكندي قال: «كنا ذات يوم عند علي رحمه الله فقالوا: يا أمير المؤمنين حدثنا عن أصحابك، قال: عن أي أصحابي؟ قالوا: عن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قال: كل أصحاب محمد أصحابي»([48]).
وقال فيهم الإمام الصادق رحمه الله: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثني عشر ألفاً.. ثمانية آلاف من المدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم ير فيهم قدري ولا مرجيء ولا حروري ولا معتزلي ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار، ويقولون: اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير»([49]).
ومن وصايا الإمام الصادق رحمه الله قال: «لا تدع اليقين بالشك والمكشوف بالخفي، ولا تحكم ما لم تره بما تروى، قد عظَّم الله أمر الغيبة وسوء الظن بإخوانك المؤمنين فكيف بالجرأة على إطلاق قول واعتقاد زور وبهتان في أصحاب رسول الله ص. قال الله عزوجل: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور : 15] وما دمت تجد إلى تحسين القول والفعل غيبتك وحضرتك سبيلاً فلا تتخذ غيره. قال الله: وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً ... [البقرة : 83]، واعلم أن الله تعالى اختار لنبيه أصحابه طائفة أكرمهم بأجل الكرامة وحلاهم بحلية التأييد والنصر والاستقامة لصحبته على المحبوب والمكروه، وأنطق لسان نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم بفضائلهم ومناقبهم وكراماتهم واعتقد محبتهم واذكر فضلهم، واحذر مجالسة أهل البدع فإنها تنبت في القلب كفراً وضلالاً مبيناً وإن اشتبه عليك فضيلة بعضهم فكلهم إلى عالم الغيب وقل: اللهم إني محب لمن أحببته ورسولك ومبغض لمن أبغضته أنت ورسولك»([50]).
وعن الباقر رحمه الله قال: «أن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم سألوه: هل يخاف عليهم النفاق؟ فقال: كلا... ولولا أنكم تذنبون فتستغفرون الله لخلق الله خلقاً حتى يذنبوا، ثم يستغفروا الله فيغفر الله لهم»([51]).
وإذا قارنت هذه الروايات بقوله سبحانه عن المهاجرين والأنصار: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة : 100] علمت أن الله عزوجل لما وعدهم بالجنات والخلود فيها دل ذلك على أنهم يموتون على الإيمان والهدى، ولا ينافي هذا وقوع المعاصي منهم فهم غير معصومين، ووعد الله حقٌ لا خلف فيه، ومن أصدق من الله قيلاً، ومن أصدق من الله حديثاً.
يقول ابن تيمية رحمه الله: (فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان. ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان)([52]).
ومن أقوال الإمام الصادق رحمه الله: (كان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضع حصاة في فمه، فإذا أراد أن يتكلم بما علم أنه لله وفي الله ولوجه الله أخرجها، وإن كثيراً من الصحابة كانوا يتنفسون تنفس الغرقى، ويتكلمون شبه المرضى)([53]).
لذا صلح أمرهم، كما قال علي ا عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (إن صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، وهلاك آخرها بالشح والأمل)([54]).
وكان من عظمة هذا الجيل المثالي، أن نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يأتي من بعده أن يذكرهم بسوء أو ينتقصهم، وكأنَّ الله عزوجل أطلعه على الغيب ليرى ما سيؤول إليه الأمر، فقال: {إذا ذكر أصحابي فأمسكوا}([55]).
وعن الرضا، عن آبائه رحمهم الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {من سب نبياً قتل، ومن سب أصحابي جلد}. وفي رواية عنه أيضاً عن آبائه رحمهم الله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {من سب نبياً قتل، ومن سب صاحب نبي جلد}([56]).
وعن الصادق، عن آبائه، عن علي رضي الله عنه قال: «أوصيكم بأصحاب نبيكم، لا تسبوهم وهم الذين لم يحدثوا بعده ولم يؤووا محدثاً، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى بهم». وفي رواية: «الله الله في أصحاب نبيكم الذين لم يحدثوا حدثاً ولم يؤوا محدثاً، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى بهم»([57]).
ولا يسعف من أراد حمل أمثال هذه الأقوال على من لم يحدث بعده، فإن علياً رضي الله عنه وهو راوي الحديث لم ير ذلك في أهل الشام الذين رأوا الخروج عليه، حيث قال فيهم كما ورد في كتب الإمامية عن جعفر، عن أبيه: أن علياً رحمه الله كان يقول لأهل حربه: «إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم، ولم نقاتلهم على التكفير لنا، ولكنا رأينا أنا على حق، ورأوا أنهم على حق»([58]).
وعن جعفر رحمه الله  أيضاً، عن أبيه رحمه الله : «أن علياً رحمه الله لم يكن ينسب أحداً من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق، ولكنه كان يقول: هم إخواننا بغوا علينا»([59]).
وعن مروان بن الحكم قال: «لما هزمنا علي بالبصرة، رد على الناس أموالهم، من أقام بينة أعطاه، ومن لم يقم بينة أحلفه، قال: فقال له قائل: يا أمير المؤمنين، أقسم الفئ بيننا والسبي، قال: فلما أكثروا عليه، قال: أيكم يأخذ أم المؤمنين في سهمه، فكفوا»([60]).
وقال ا: «إن ربنا واحد، ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، لا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يستزيدونا، الأمر واحدٌ إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء»([61]).
وكيف لا يكون بريء من دم عثمان وهو كما ذكر المسعودي وهو من مؤرخي الشيعة أنه لما بلغه أنهم يريدون قتله - أي عثمان - بعث بابنيه الحسن والحسين مع مواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته، وأمرهم أن يمنعوه منهم... فصدُوهم عن الدار، واشتبك القوم، وجُرح الحسن، وشُبئَ قنبر،.. ولما بلغه مقتل عثمان دخل عليّ الدار، وهو كالواله الحزين، وقال لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب. ولَطَم الحسن وضرب صدر الحسين([62]).
بل وقد حضر هو بنفسه مراراً وطرد الناس عنه([63]). وانعزل عنه بعد أن دافع عنه طويلاً بيده ولسانه. بعد أن قال عثمان: «أعزم عليكم لما رجعتم فدفعتم أسلحتكم، ولزمتم بيوتكم».
وكان يقول ا: «والله لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثماً»([64]).
وكان أثناء الحصار يبعث إليه بالماء مع ابنه الحسن رضي الله عنهم أجمعين([65]).
ثم أن هذا المسلك هو قول الخوارج في علي حيث حملوا روايات المدح فيه على حاله قبل كفره بزعمهم. فتدبر.
وكان أهل البيت رحمهم الله يوصون بالتمسك بهدي الصحابة رضي الله عنهم اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي حث من سيأتي بعدهم بالتمسك بكتاب الله عزوجل وسنته صلى الله عليه وآله وسلم وهديهم ي، ويؤكد أن ظهور هذا الدين إنما بمن بقي منهم رضي الله عنهم.
فعن الصادق رحمه الله قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما وجدتم في كتاب الله عزوجل فالعمل به لا عذر لكم في تركه، وما لم يكن في كتاب الله عزوجل وكانت فيه سنة مني فلا عذر لكم في ترك سنتي، وما لم يكن فيه سنة مني فما قال أصحابي فقولوا به، فإنما مثل أصحابي فيكم كمثل النجوم بأيما أخذ اهتدى، وبأي أقاويل أصحابي أخذتم اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة)([66]).
وعن الكاظم عن آبائه رحمهم الله: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا أمَنَةٌ لأصحابي، فإذا قبضت دنا من أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمَنَةٌ لأمتي، فإذا قبض أصحابي دنا من أمتي ما يوعدون، ولا يزال هذا الدين ظاهراً على الأديان كلها ما دام فيكم من قد رآني)([67]).
وكذلك كان شأن أئمة آل البيت رحمهم الله، فقد كانوا يحثون غيرهم على العمل بسيرتهم. فهذا الحسن رضي الله عنه اشترط في صلحه مع معاوية أن يعمل بسيرة الشيخين حيث قال: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان: صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين، على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين - وفي رواية – الصالحين).
وعن علي بن أبي حمزة قال: (دخلت على أبي عبد الله × فقال له أبو بصير: جعلت فداك أقرأ القرآن في شهر رمضان في ليلة؟ فقال:.. كان أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ أحدهم القرآن في شهر أو أقل)([68]).
وروايات حث الأئمة رحمهم الله على اتباع هدي الصحابة رضي الله عنهم كثيرة.
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول: {لا يبلغني أحد منكم عن أصحابي شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر}([69]).
وعن أنس رضي الله عنه قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه، فإن كان غائباً دعا لـه، وإن كان شاهداً زاره، وإن كان مريضاً عاده}([70]).
وكان يقول صلى الله عليه وآله وسلم: {لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم ارحم الأنصار والمهاجرة}.([71])
وكان يقول صلى الله عليه وآله وسلم فيهم: {المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة}([72]).
ولم يقتصر بيانه صلى الله عليه وآله وسلم لفضائلهم في حياته -كما يزعم البعض- من أن ذلك إنما هو في حال صلاحهم، بل بين فضلهم في حال وفاته، وذلك باستغفاره لما قد يبدر منهم من ذنوب، فعن الباقر رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {إن مقامي بين أظهركم خيرٌ لكم، وإن مفارقتي إياكم خيرٌ لكم، أما مقامي فلقول الله عزوجل: وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال : 33]، أما مفارقتي لأن أعمالكم تعرض علي كل اثنين وخميس، فما كان حسناً حمدت الله تعالى عليه، وما كان سيئاً استغفرت لكم}([73]).
وفي رواية عن الصادق رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم، فأما حياتي فإن الله هداكم بي من الضلالة، وأنقذكم من شفا حفرة من النار، وأما مماتي فإن أعمالكم تعرض علي، فما كان من حسن استزدت الله لكم، وما كان من قبيح استغفرت الله لكم}([74]).
وجعل ثبات المؤمنين على الصراط بسبب شدة حبهم لأصحابه ي، فعن الباقر، عن آبائه رحمهم الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {أثبتكم على الصراط أشدكم حباً لأهل بيتي ولأصحابي}([75]).
وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه أجمع ما كانوا فقال: {يا أصحاب محمد لقد رأيت الليلة منازلكم في الجنة وقرب منازلكم من منزلي}([76]).
وقد كان الأصحاب من مهاجرين وأنصار وكذا أهل البيت رضي الله عنهم أجمعين يختصمون لا في حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم فحسب، فإن ذلك من المسلمات، ولكن في أيهم أولى بذلك الحب، وأيهم أحب إليه، فعن كعب بن عجرة، أن المهاجرين والأنصار وبني هاشم اختصموا في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أينا أولى به وأحب إليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {أما أنتم يا معشر الأنصار فإنما أنا أخوكم، فقالوا: الله أكبر! ذهبنا به ورب الكعبة، وأما أنتم يا معشر المهاجرين فإنما أنا منكم، فقالوا: الله أكبر! ذهبنا به ورب الكعبة، وأما أنتم يا بني هاشم فأنتم مني وإلي، فقمنا وكلنا راضٍ مغتبط برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم}([77]).
وعلى ذكر الأنصار، روى الإمامية عن الصادق رحمه الله أنه قال: (ما سلت السيوف ولا أقيمت الصفوف في صلاة ولا زحوف ولا جهر بأذان ولا أنزل الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ حتى أسلم أبناء القيلة: الأوس والخزرج)([78]).
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار. يا معشر الأنصار! أما ترضون أن يرجع غيركم بالشاء والنعم، وترجعون أنتم وفي سهمكم رسول الله؟ قالوا: بلى رضينا، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينئذٍ: الأنصار كرشي وعيبتي، لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم اغفر للأنصار}([79]).
وزاد الطبرسي بعد قوله: (لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار)([80]).
قال الصادق رحمه الله: «جاءت فخذ من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسلموا عليه فرد صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: يا رسول الله، لنا إليك حاجة. فقال: هاتوا حاجتكم، قالوا: إنها عظيمة، فقال: هاتوها ما هي؟ قالوا: أن تضمن لنا على ربك الجنة. قال: فنكس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأسه ثم نكت في الأرض ثم رفع رأسه، فقال: أفعل ذلك بكم على أن لا تسألوا أحداً شيئاً، قال: فكان الرجل منهم يكون في السفر فيسقط سوطه فيكره أن يقول لإنسان: ناولنيه، فراراً من المسألة، فينزل فيأخذه، ويكون على المائدة فيكون بعض الجلساء أقرب إلى الماء منه، فلا يقول: ناولنيه حتى يقوم فيشرب»([81]).
وقال لامرأة أنصارية وهبت نفسها لـه صلى الله عليه وآله وسلم: «رحمك الله ورحمكم يا معشر الأنصار، نصرني رجالكم، ورغبت في نساؤكم»([82]).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إن علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس رضي الله عنهم دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي قبض فيه، فقالوا: يا رسول الله، هذه الأنصار في المسجد تبكي رجالها ونساؤها عليك، فقال: وما يبكيهم؟ قالوا: يخافون أن تموت، فقال: أعطوني أيديكم، فخرج في ملحفة وعصابة حتى جلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال فيما قاله: أوصيكم بهذا الحي من الأنصار، فقد عرفتم بلاءهم عند الله عزوجل وعند رسوله وعند المؤمنين، ألم يوسعوا في الديار، ويشاطروا الثمار، ويؤثروا وبهم الخصاصة؟ فمن ولي منكم أمراً يضر فيه أحداً أو ينفعه فليقبل من محسن الأنصار، وليتجاوز عن مسيئهم، وكان آخر مجلس جلسه حتى لقى الله عزوجل»([83]).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: {ألا وإن الأنصار ترسي، فاعفوا عن مسيئهم وأعينوا محسنهم}([84]).
وعن الكاظم رحمه الله قال: «لما حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوفاة دعا الأنصار، وقال: يا معشر الأنصار، قد حان الفراق، وقد دعيت وأنا مجيب الداعي، وقد جاورتم فأحسنتم الجوار، ونصرتم فأحسنتم النصرة، وواسيتم في الأموال، ووسعتم في المسلمين، وبذلتم لله مهج النفوس، والله يجزيكم بما فعلتم الجزاء الأوفى»([85]).
وقال علي رضي الله عنه في مدحهم: «هم والله ربوا الإسلام كما يربى الفلو مع غنائهم بأيديهم السياط وألسنتهم السلاط»([86]).
وعنه رضي الله عنه قال: «أما بعد.. أيها الناس! فوالله لأهل مصركم في الأمصار أكثر من الأنصار في العرب، وما كانوا يوم أعطوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يمنعوه ومن معه من المهاجرين حتى يبلغ رسالات ربه إلا قبيلتين صغير مولدهما وما هما بأقدم العرب ميلاداً ولا بأكثرهم عدداً، فلما آووا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ونصروا الله ودينه رمتهم العرب عن قوس واحدة وتحالفت عليهم اليهود وغزتهم اليهود والقبائل قبيلة بعد قبيلة فتجردوا لنصرة دين الله وقطعوا ما بينهم وبين العرب من الحبائل وما بينهم وبين اليهود من العهود، ونصبوا لأهل نجد وتهامة وأهل مكة واليمامة وأهل الحزن والسهل وأقاموا قناة الدين، وتصبروا تحت أحلاس الجلاد حتى دانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العرب ورأى فيهم قرة العين قبل أن يقبضه الله إليه»([87]).
وأي شيء أعظم من أن يقيهم صلى الله عليه وآله وسلم بقرة عينه وهم أهل بيته ي، حيث قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: «وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا احمر البأس وأحجم الناس قدم أهل بيته فوقى بهم أصحابه حر السيوف والأسنة»([88]).
وليس بعزيز على الله بعد كل هذا أن يجعلهم أئمة ويجعلهم وارثين وأن يستخلفهم في الأرض، كما قال في محكم كتابه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور : 55].
فالله عزوجل وعد في هذه الآيات المؤمنين بالاستخلاف وتمكين الدين والأمن العظيم من الأعداء، ولا بد من وقوع ما وعد به ضرورةً، لامتناع الخلف في وعده تعالى، ووقع ذلك في عهد الخلفاء الراشدين الذين كانوا حاضرين وقت نزول هذه الآيات، كما ذكر ذلك بعض المفسرين.
ومن هذه البشارات ما كان يوم حفر الخندق، عندما اعترضت المسلمين صخرة فاستعصت عليهم، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخذ المعول وضرب به ضربة فلمعت منها برقة كأنها مصباح في جوف ليل مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تكبيرة فتح، فكبر المسلمون، ثم ضرب ضربة أخرى، فلمعت برقة أخرى ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى، فقال صلى الله عليه وآله وسلم عن الأولى: {أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأخبرني جبرئيل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت الضربة الثانية فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحمر من أرض الروم، فأخبرني جبرئيل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا، فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد لله موعد صدق وعدنا النصر بعد الحصر}. فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويعلمكم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق من الفرق -أي: الخوف- ولا تستطيعون أن تبرزوا؟ فنزل القرآن: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب : 12] ([89]).
ومنها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: {إنكم ستفتحون مصر، فإذا فتحتموها فاستوصوا بالقبط خيراً، كان لهم رحم وذمة. يعني: أن أم إبراهيم منهم، أي: مارية القبطية}([90]).
وفي رواية: {الله الله في القبط، فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة وأعواناً في سبيل الله}([91]).
ومن البشارات التي تدل على عدالة الصحابة وإيمانهم، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: {إن ابني هذا -يعني: الحسن بن علي رضي الله عنه- سيد، وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين}، وكان كما قال صلى الله عليه وآله وسلم)([92]).
ومنها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: {يقتل بهذه الحَرة خيار أمتي بعد أصحابي}.
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: (قتل يوم الحرة سبع مائة رجل من حملة القرآن، فيهم ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم)([93]).
وسرد كل ما ورد في الباب يطول. وفيما ذكرناه كفاية لمعرفة أن الأصل هو ثناء الله عزوجل ورسوله صلى الله عيله وآلله وسلم وأئمة آل البيت على الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
فخلاصة أقوال العلماء في كل ما ورد يتلخص في:
أولاً: إن الله عزوجل زكى ظاهرهم وباطنهم؛ فمن تزكية ظواهرهم وصفهم بأعظم الأخلاق الحميدة، ومنها: أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ... [الفتح : 29]، وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر : 8]، وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ... [الحشر : 9].
أما بواطنهم فأمر اختص به الله عزوجل، وهو وحده العليم بذات الصدور. فقد أخبرنا عزوجل بصدق بواطنهم وصلاح نياتهم؛ فقال على سبيل المثال: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ... [الفتح : 18]، يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ... [الحشر : 9]، يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ... [الفتح : 29]، لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ... [التوبة : 117]. فقد تاب عليهم ـ؛ لما علم صدق نياتهم وصدق توبتهم.
ثانياً: بسبب توفيق الله عزوجل لهم لأعظم خلال الخير ظاهراً وباطناً أخبرنا أنه رضي عنهم وتاب عليهم، ووعدهم الحسنى.
ثالثاً: وبسبب كل ما سبق أمرنا بالاستغفار لهم، وأمر النبيُ صلى الله عليه وآله وسلم بإكرامهم، وحفظ حقوقهم، ومحبتهم. ونُهينا عن سبهم وبغضهم. بل جعل حبهم من علامات الإيمان، وبغضهم من علامات النفاق.
رابعاً: ومن الطبيعي بعد ذلك كله أن يكونوا خير القرون، وأماناً لهذه الأمة. ومن ثم يكون اقتداء الأمة بهم واجباً، بل هو الطريق الوحيد إلى الجنة: {عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي}([94]).
يقول الإمام مالك في الذين يقدحون في الصحابة: (إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه حتى يقال: رجل سوء ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين)([95]).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (الطعن فيهم طعن في الدين)([96]).
وكما قال أبو زرعة الرازي رحمه الله: (إذا رأيت الرجل يتنقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة)([97]).
فنخلص من كل هذا ومن المزيد الذي سيأتي أن مفهوم عدالة الصحابي لا تقتضي العصمة للأفراد، إنما العصمة في إجماعهم لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما مر أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة. فعصمتهم في مجموعهم، أما كأفراد فهم غير معصومين. 



([1]) الموافقات للشاطبي (4/40- 41).
([2]) مجمع البيان للطبرسي (5/98).
 ([3]) تفسير الميزان (9/373).
([4]) انظر هذه الروايات في دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية للمنتظري (2/66).
([5]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (3/89، 10/285)، أعيان الشيعة لمحسن الأمين (1/471)، بحار الأنوار للمجلسي (32/380، 33/78)، مصباح البلاغة مستدرك نهج البلاغة للميرجهاني (4/27)، كتاب الأربعين للقمي (164)، الغدير للأميني (9/157، 10/298)، نهج السعادة للمحمودي (4/93).
([6]) نهج البلاغة (2/7)، بحار الأنوار للمجلسي (33/373)، المعجم الموضوعي لنهج البلاغة لأويس كريم محمد (30، 427، 438)، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (8/112)، جواهر التاريخ لعلي الكوراني (1/361)، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (ع) في الكتاب والسنة والتاريخ لمحمد الريشهري (6/364).
([7]) الكافي للكليني (2/41-42)، شرح أصول الكافي للمازندراني (121-122)، بحار الأنوار للمجلسي (22/308-309، 66/8-9)، رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين للشيرازي (2/88 في الهامش)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع) لهادي النجفي (1/503)، تفسير نور الثقلين للحويزي للحويزي للحويزي (2/255، 5/205، 246).
([8] ) تفسير مجمع البيان، للطبرسي،( 7 / 156 )، التفسير الصافي، للفيض الكاشاني،( 3 / 381 )، تفسير نور الثقلين، للحويزي، (3 / 501 )، تفسير الميزانن للطباطبائي،( 14  /395 )، تفسير شبر، لعبد الله شبر( 326)(ش)) ، تأويل الآيات، لشرف الدين الحسيني،( 1  / 338)
 ([9]) مجمع البيان للطبرسي (9/270)، الإرشاد (34)، إعلام الورى (66)، بحار الأنوار للمجلسي (21/94، 121، 125، 31/253)، تفسير نور الثقلين للحويزي للحويزي للحويزي (5/301)، تفسير فرات (2/421)، منتهى المطلب للحلي (2/939)، دراسات في ولاية الفقيه لمنتظري (2/741)، نظام الحكم في الإسلام لمنتظري (438)، كتاب سليم بن قيس بتحقيق الأنصاري (246، الحاشية)، الإيضاح للفضل بن شاذان (507)، شرح الأخبار للمغربي (2/301)، الإفصاح للمفيد (49)، الأربعين للشيرازي (314)، مواقف الشيعة للميانجي (2/255)، نهج السعادة للمحمودي (5/220)، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (4/100، 13/285، 17/267، 20/11)، تفسير الميزان (19/236)، الأمثل لمكارم الشيرازي (18/236)، أعيان الشيعة (1/113، 116)، الإستغاثة للكوفي (2/10)، شرح إحقاق الحق للمرعشي (18/57)، العقائد الإسلامية، مركز المصطفى (3/249، 251).
([10]) معرفة الخصال المكفرة لابن حجر العسقلاني (ص:31).
([11]) صحيح مسلم بشرح النووي: (16/56، 57).
([12]) الفوائد لابن القيم (ص:19).
([13]) تفسير مجمع البيان للطبرسي (2/68).
([14]) ديوان أمير المؤمنين (107)، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب (1/75، 2/331)، بحار الأنوار للمجلسي (19/321، 41/94).
([15]) تفسير ابن جرير (27/128).
([16]) الفصل (4/148، 149).
([17]) انظر - مثلاً - مجمع البيان للطبرسي (3/122).
([18]) انظر: كتاب الغيبة للنعماني (64).
([19]) المسائل العكبرية للشيخ المفيد (47).
([20]) الأنوار اللامعة في شرح الزيارة الجامعة لعبد الله شبر (ص: 114).
([21]) تهذيب الأحكام للطوسي (3/147)، جامع أحاديث الشيعة للبروجردي (7/402)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع) لهادي النجفي (8/30)، تفسير نور الثقلين للحويزي للحويزي للحويزي (1/319، 2/281)، تفسير كنز الدقائق للمشهدي (2/29)، غاية المرام لهاشم البحراني (1/343)، كشف المهم في طريق خبر غدير خم لهاشم البحراني (215).
([22]) انظر: المراجعات لشرف الدين (69)، جامع أحاديث الشيعة للبروجردي (1/40)، أمان الأمة من الاختلاف للطف الله الصافي (186)، مكاتيب الرسول للأحمدي الميانجي (1/573)، مجموعة الرسائل للطف الله الصافي (2/74)، نهج الحق وكشف الصدق للحلي (227هـ)، نفحات الأزهار لعلي الميلاني (2/60).
([23]) الاستيعاب لابن عبد البر (1/6)، تفسير ابن كثير (4/204).
([24]) زاد المسير (4/204).
([25]) الصارم المسلول (574)، والأثر رواه الحاكم (2/3484) وصححه ووافقه الذهبي.
([26]) رواه مسلم في كتاب التفسير- حديث [3022] صحيح مسلم (4/2317).
([27]) الإمامة: (ص:375- 376) لأبي نعيم تحقيق د. علي فقهي، مكتبة العلوم والحكم بالمدينة، ط1، عام 1307 هـ.
([28]) الصارم المسلوم (574) وانظر: منهاج السنة (2/14) والأثر رواه أحمد في الفضائل رقم (187، 1741) وصحح إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية، ونسب الحديث لابن بطة منهاج السنة (2/22).
([29]) بحار الأنوار للمجلسي (69/92)، التفسير الصافي للفيض الكاشاني (5/45، 6/509)، تفسير نور الثقلين للحويزين للحويزي (1/99، 138، 708، 2/84، 5/77)، تفسير كنز الدقائق للميرزا محمد المشهدي (1/(369)، تفسير الميزان للطباطبائي (1/(334).
([30]) مجمع البيان للطبرسي (5/176).
([31]) مجمع البيان للطبرسي (5/167)، بحار الأنوار للمجلسي (20/346، 365، 24/93، 36/55، 121)، روضة الكافي للكليني (322)، تأويل الآيات لشرف الدين الحسيني (2/595)، البرهان (4/196)، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب (2/22)، تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبين لابن كرامة (160)، صحيح البخاري: كتاب المغازي - باب عزوة الحديبية- حديث [4154].
([32]) الإرشاد (13)، روضة الواعظين للنيسابوري (75)، بحار الأنوار للمجلسي (38/243، 40/51)، تفسير فرات (2/421)، كشف الغمة للإربلي (1/81)، كشف اليقين للحلي (33).
([33]) الصواعق المحرقة: (ص:316).
([34]) صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أصحاب الشجرة.. حديث [2496]. صحيح مسلم (4/1943).
([35]) الصارم المسلول: (572، 573). طبعة دار الكتب العلمية. تعليق: محمد محيي الدين عبد الحميد).
([36]) الفصل في الملل والنحل (4/148).
([37]) تفسير مجمع البيان للطبرسي (1/418)، بحار الأنوار للمجلسي (22/442، 23/334)، التبيان للطوسي (2/(7)، مجلة تراثنا لمؤسسة آل البيت (11/28).
([38]) الغدير للأميني (10/270)، العقائد الإسلامية مركز المصطفى (3/255).
([39]) سيأتي تخريج هذه الرواية.
([40]) كشف الغمة للإربلي (2/291)، الفصول المهمة لابن الصباغ (2/864)، الصوارم المهرقة لنور الله التستري (249)، الشيعة في الميزان لمحمد جواد مغنية (293)، الإمامة وأهل البيت لمحمد بيومي مهران (3/39).
([41]) الصحيفة السجادية الكاملة - الإمام زين العابدين (ع) (39)، رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين (ع) للسدي علي خان المدني الشيرازي (2/81)، الشيعة في الميزان لمحمد جواد مغنية (293)، رسائل ومقالات لجعفر السبحاني (47، 427)، مجلة تراثنا لمؤسسة آل البيت (47/48).
([42]) الكافي للكليني (2/236)، شرح أصول الكافي للمازندراني (9/166)، وسائل الشيعة للحر العاملي (1/65)، الإرشاد للمفيد (1/237)، الأمالي للطوسي (102)، حلية الأبرار لهاشم البحراني (2/182)، بحار الأنوار للمجلسي (22/306، 64/302، 66/303)، وقال في بيانه: جميع، أي، مجتمعون على الحق لم يتفرقوا كتفرقكم. جامع أحاديث الشيعة للبروجردي (1/408)، مستدرك سفينة البحار للنمازي (6/174)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع) لهادي النجفي (6/5، 85)، تفسير نور الثقلين للحويزي للحويزي (5/141)، منتقى الجمان لحسن صاحب المعالم (2/344)، أعلام الدين في صفات المؤمنين للديلمي (111)، جامع السعادات لمحمد مهدي النراقي (1/209).
([43]) الكافي للكليني (2/236)، شرح أصول الكافي للمازندراني (9/166، 166)، وسائل الشيعة للحر العاملي (1/65، 87)، الإرشاد للمفيد (1/237)، الأمالي للطوسي (102)، حلية الأبرار للبحراني (2/182)، بحار الأنوار للمجلسي (22/306، 64/302، 66/303)، جامع أحاديث الشيعة للبروجردي (1/408)، مستدرك سفينة البحار للشاهرودي (6/174)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع) لهادي النجفي (5، 85)، تفسير نور الثقلين للحويزي للحويزي (5/141)، منتقى الجمان للشيخ حسن صاحب المعالم (2/344)، أعلام الدين في صفات المؤمنين للديلمي (111)، جامع السعادات للنراقي (1/209)، النظرات حول الإعداد الروحي لحسن معن (87).
([44]) بحار الأنوار للمجلسي (32/429، 33/74 الحاشية)، مصباح البلاغة للميرجهاني (4/25)، نهج السعادة للمحمودي (4/218 الحاشية).
([45]) نهج البلاغة (1/234)، الاختصاص للمفيد (156)، بحار الأنوار للمجلسي (33/362، 40/112، 66/308)، رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين (ع) للشيرازي (2/108)، فهارس رياض السالكين للمظفر، المعجم الموضوعي لنهج البلاغة لأويس كريم محمد (414)، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (3/210، 291)، جواهر التاريخ لعلي الكوراني (1/341)، سنن الإمام علي (ع) لجنة الحديث معهد باقر العلوم (ع، 186)، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (ع) في الكتاب والسنة والتاريخ لمحمد الريشهري (6/229، 7/188)، نفس الرحمن في فضائل سلمان للنوري الطبرسي (169).
([46]) نهج البلاغة (1/104)، مصباح البلاغة مستدرك نهج البلاغة للميرجهاني (2/267)، الغارات لإبراهيم الثقفي (2/373 الحاشية)، بحار الأنوار للمجلسي (32/549)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع) لهادي النجفي (2/162).
([47]) بحار الأنوار للمجلسي (33/112)، مصباح البلاغة مستدرك نهج البلاغة للميرجهاني (4/32)، نهج السعادة للمحمودي (4/180)، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (ع) في الكتاب والسنة والتاريخ للريشهري (6/25).
([48]) الغارات للثقفي (1/177)، نفس الرحمن في فضائل سلمان للنوري الطبرسي (210).
([49]) الخصال للصدوق (640)، بحار الأنوار للمجلسي (22/305)، حدائق الأنس (200) مستدرك سفينة البحار للشاهرودي (6/173)، خاتمة المستدرك للنوري الطبرسي (2/212).
([50]) مصباح الشريعة (67)، خاتمة المستدرك للنوري الطبرسي (1/209 الهامش)، تفسير نور الثقلين للحويزي للحويزي (3/582)، ميزان الحكمة: (3/2330).
([51]) الكافي للكليني (2/424)، تحف العقول لابن شعبة الحراني (38)، شرح أصول الكافي للمازندراني (10/148)، بحار الأنوار للمجلسي (6/42)، بحار الأنوار للمجلسي (67/57)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع) لهادي النجفي (9/182)، ميزان الحكمة للريشهري (2/1173)، تفسير العياشي (1/109).
([52]) (الصارم المسلول: 572).
([53]) مصباح الشريعة (20)، بحار الأنوار للمجلسي (68/284، 71/284)، مستدرك الوسائل للحر العاملي (9/21)، جامع السعادات للنراقي (2/267).
([54]) أمالي الصدوق (189)، بحار الأنوار للمجلسي (67/173، 311، 70/173، 311، 73/164، 300)، الخصال للصدوق (79)، روضة الواعظين للنيسابوري (433)، وسائل الشيعة للحر العاملي (2/438، 16/16، 2/651، 11/315)، الزهد للكوفي، مقدمة التحقيق (3)، جامع أحاديث الشيعة للبروجردي (14/41، 141)، موسوعة أحاديث الشيعة لهادي النجفي (1/443، 5/297، 12/332)، تفسير نور الثقلين للحويزي (3/3).
([55]) نور الثقلين (4/407)، بحار الأنوار للمجلسي (55/276، 58/276)، خلاصة عقبات الأنوار لحامد النقوي (3/182)، نفحات الأزهار للميلاني (3/170).
([56]) صحيفة الرضا (ع)، مؤسسة الإمام المهدي (ع) (299)، بحار الأنوار للمجلسي (76/222 الهامش)، قاموس الرجال للتستري (9/512)، معارج اليقين في أصول الدين للسبزواري (456، 456)، جواهر الكلام للجواهري (41/437)، در المنضود للگلپايگاني (2/257)، فقه الصادق (ع) لمحمد صادق الروحاني (25/476 الهامش)، مسند زيد بن علي (464، 495)، وسائل الشيعة للحر العاملي (28/213)، مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (18/172)، جامع أحاديث الشيعة للبروجردي (25/495، 26/73)، حياة الإمام الرضا (ع) لباقر شريف القرشي (1/248).
([57]) أمالي الطوسي (332)، بحار الأنوار للمجلسي (22/306)، مستدرك سفينة البحار للشاهرودي (6/174)، من لا يحضره الفقيه للصدوق (4/191)، تهذيب الأحكام للطوسي (9/177)، مصباح البلاغة مستدرك نهج البلاغة للميرجهاني (3/41)، كتاب سليم بن قيس (446)، مقاتل الطالبيين للأصفهانى (24)، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (6/120)، تفسير نور الثقلين للحويزي للحويزي (5/79)، أعيان الشيعة لمحسن الأمين (1/533).
([58]) قرب الإسناد للحميري القمي (93)، بحار الأنوار للمجلسي (32/324)، جامع أحاديث الشيعة للبروجردي (13/93).
([59]) قرب الاسناد للحميري القمي (94)، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية للمنتظري (2/806)، نظام الحكم في الإسلام للمنتظري (409)، وسائل الشيعة للحر العاملي (15/83)، بحار الأنوار للمجلسي (32/324)، جامع أحاديث الشيعة للبروجردي (13/93).
([60]) السرائر لابن إدريس الحلي (2/18)، تذكرة الفقهاء للعلامة الحلي (9/425)، مختلف الشيعة للعلامة الحلي (4/453)، جواهر الكلام للجواهري (21/336)، قرب الإسناد للحميري القمي (132)، علل الشرائع للصدوق (2/603)، تهذيب الأحكام للطوسي (6/155)، وسائل الشيعة للحر العاملي (15/78)، بحار الأنوار للمجلسي (33/441)، جامع أحاديث الشيعة للبروجردي (13/102).
([61]) نهج البلاغة (114)، بحار الأنوار للمجلسي (33/307)، المعجم الموضوعي لنهج البلاغة لأويس كريم محمد (409)، شرح نهج البلاغةن لابن أبي الحديد (17/141)، الانتصار للعاملي (9/142).
([62]) مروج الذهب للمسعودي (1/441)، الغدير للأميني (9/237)، رجال تركوا بصمات على قسمات التاريخ للطيف القزويني (107).
([63]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (10/256).
([64]) نهج البلاغة (2/233)، بحار الأنوار للمجلسي (31/268 الهامش، 473)، الغدير للأميني (8/381، 9/69)، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (13/296) وقال في شرحه: (ويحتمل أنه يريد: لقد دفعت عنه حتى كدت أن ألقي نفسي في الهلكة، وأن يقتلني الناس الذين ثاروا به، فخفت الإثم في تغريري بنفسي وتوريطها في تلك الورطة العظيمة. ويحتمل أنه يريد: لقد جاهدت الناس دونه ودفعتهم عنه، حتى خشيت أن أكون آثماً بما نلت منهم من الضرب بالسوط، والدفع باليد، والإعانة بالقول. أي فعلت من ذلك أكثر مما يحب). أعيان الشيعة لمحسن الأمين (1/443)، جواهر التاريخ للكوراني (1/191)، حياة أمير المؤمنين (ع) عن لسانه لمحمد محمديان (3/351، 359)، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (ع) في الكتاب والسنة والتاريخ للريشهري (3/261، 264)، موسوعة شهادة المعصومين (ع) للجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع، 1/323).
 ([65]) دلائل الإمامة لابن جرير الطبري الشيعي (168)، مدينة المعاجز لهاشم البحراني (3/235)، الدر النظيم لابن حاتم العاملي (503)، موسوعة كلمات الإمام الحسن (ع) لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع، 51).
 ([66]) معاني الأخبار للصدوق (50)، بحار الأنوار للمجلسي (2/220، 22/307)، الاحتجاج للطبرسي (2/259).
 ([67]) نوادر الراوندي (23)، بحار الأنوار للمجلسي (22/309)، خلاصة عقبات الأنوار (1/80، 3/168)، دراسات في الحديث والمحدثين لهاشم معروف (78)، إحقاق الحق للتستري (267)، نفحات الأزهار للميلاني (1/80، 3/157، 12/68).
 ([68]) وسائل الشيعة للحر العاملي (6/215)، الكافي للكليني (2/617)، شرح أصول الكافي للمازندراني (11/53)، جامع أحاديث الشيعة للبروجردي (15/52)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع) لهادي النجفي، /4/273، 9/113)، التفسير الصافي (1/70).
 ([69]) مكارم الأخلاق للطبرسي (21)، بحار الأنوار للمجلسي (16/236)، سنن النبي للطباطبائي (128)، موسوعة أحاديث أهل البيت (1/138)، الأمثل لمكارم الشيرازي (18/537).
 ([70]) مكارم الأخلاق (17)، بحار الأنوار للمجلسي (16/233)، دراسات في ولاية الفقيه (2/792)، منية المريد للشهيد الثاني (195، الحاشية)، سنن النبي للطباطبائي (122)، موسوعة أحاديث أهل البيت (1/139)، ميزان الحكمة للريشهري (1/50، 4/3224)، تفسير الميزان (6/314).
 ([71]) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب (1/185)، بحار الأنوار للمجلسي (19/124، 20/218، 238، 22/354)، تفسير نور الثقلين للحويزي للحويزي (4/244)، القمي (2/153)، الخرائج والجرائح للراوندي (3/1048)، خلاصة عقبات الأنوار (3/52)، مستدرك سفينة البحار للشاهرودي (5/447، 6/179)، تفسير تفسير الصافي للكاشاني (4/171، 6/21)، تفسير الميزان (15/6)، الصحيح من سيرة النبي لجعفر مرتضى (4/219، 9/108، 114، 117).
 ([72]) الأمالي للطوسي (268)، بحار الأنوار للمجلسي (22/311)، النصائح الكافية لمحمد بن عقيل (140)، جواهر التاريخ لعلي الكوراني (2/16، 96).
 ([73]) البصائر للصفار (464)، تفسير العياشي (2/54)، بحار الأنوار للمجلسي (23/338)، أمالي الطوسي (408)، تفسير نور الثقلين للحويزي للحويزي (2/153)، تفسير البرهان (2/79)، تفسير الصافي (2/300)، تفسير القمي (1/276)، معاني الأخبار للصدوق (113)، وسائل الشيعة (آل البيت) (16/111)، وسائل الشيعة (الإسلامية) (11/389)، ينابيع المعاجز للبحراني (106)، جامع أحاديث الشيعة للبروجردي (13/303).
([74]) بحار الأنوار للمجلسي (22/550، 27/299، 108/398)، درر الأخبار لخسروشاهي (196).
([75]) بحار الأنوار للمجلسي (27/133)، الغدير للأميني (2/312)، شرح إحقاق الحق للمرعشي (24/4217، الحاشية (26/223) (33/119).
([76]) شرح إحقاق الحق للتستري (6/187، 223/205)، المسترشد للطبري الشيعي (353، الحاشية)، أهمية الحديث عند الشيعة للعراقي (168).
([77]) بحار الأنوار للمجلسي (22/312)، مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب (3/112).
([78]) بحار الأنوار للمجلسي (22/312)، نفسير نور الثقلين (5/80)، تفسير مجمع البيان للطبرسي (9/217)، تفسير الميزان (18/317).
([79]) الإرشاد (75)، إعلام الورى (126)، بحار الأنوار للمجلسي (21/159، 172)، مستدرك سفينة البحار للنمازي (10/70)، أعيان الشيعة لمحسن الأمين (1/281)، كشف الغمة للإربلي (1/224)، الاحتجاج للطبرسي (1/90، 211)، شجرة طوبى للحائري/2/311)، تفسير كنز الدقائق للمشهداني (2/208، الحاشية)
([80]) مجمع البيان للطبرسي (5/19)، بحار الأنوار للمجلسي (21/162، 22/137)، التفسير الكاشف (7/290)، تفسير الميزان للطباطبائي (9/233)، الأعلام من الصحابة والتابعين للحاج حسين الشاكري (11/25).
([81]) الكافي للكليني (4/21)، بحار الأنوار للمجلسي (22/129)، أمالي الطوسي (675)، منتهى المطلب للحلي (1/544)، من لا يحضره الفقيه للصدوق (2/71)، وسائل الشيعة (آل البيت) (9/440)، وسائل الشيعة (الإسلامية) (6/307)، جامع أحاديث الشيعة للبرجودي (8/450)، موسوعة أحاديث أهل البيت (8/340).
([82]) تفسير القمي (2/169)، بحار الأنوار للمجلسي (22/196، 211)، الكافي للكليني (4/79)، تفسير نور الثقلين للحويزي للحويزي (4/292، 293)، تفسير الصافي (4/196)، مسالك الأفهام للشهيد الثاني (7/70)، جامع أحاديث الشيعة للبرجودي (20/130)، التفسير الصافي (4/196، 6/56)، تفسير الميزان (16/342).
([83]) أمالي المفيد (28)، بحار الأنوار للمجلسي (22/475، 28/177)، غاية المرام للبحراني (2/366).
([84]) بحار الأنوار للمجلسي (22/312، 23/146)، مستدرك سفينة البحار للنمازي (10/70).
([85]) بحار الأنوار للمجلسي (22/476)، موسوعة شهداء المعصومين (1/67)، غاية المرام للبحراني (2/119، 349)، مجمع النورين (350).
([86]) نهج البلاغة (4/106)، بحار الأنوار للمجلسي (22/312)، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (20/184).
([87]) الغارات للثقفي (2/479 الهامش)، الأمالي للطوسي (173)، بحار الأنوار للمجلسي (34/56)، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (2/89)، تفسير مجمع البيان للطبرسي (7/266)، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (ع) في الكتاب والسنة والتاريخ لمحمد الريشهري (7/123).
([88]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (ع، 3/9)، بحار الأنوار للمجلسي (33/115)، سنن النبي صلى الله عليه وآله وسلم للطباطبائي (139)، المعجم الموضوعي لنهج البلاغة لأويس كريم محمد (106، 398)، ميزان الحكمة لمحمد الريشهري (4/3230)، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (14/47)، حياة أمير المؤمنين (ع) عن لسانه لمحمد محمديان (1/114)، معجم المحاسن والمساوئ لأبي طالب التجليل التبريزي (195).
([89]) انظر: مجمع البيان للطبرسي (2/270)، بحار الأنوار للمجلسي (17/169- 171)، نفس الرحمن في فضائل سلمان للنوري الطبرسي (148)، الصحيح من سيرة النبي الأعظم (9/140).
([90]) مناقب آل أبي طالب (1/109)، بحار الأنوار للمجلسي (18/131)، مستدرك سفينة البحار للنمازي (8/391).
([91]) أمالي الطوسي (404)، بحار الأنوار للمجلسي (18/144، 97/65)، جامع أحاديث الشيعة للبرجودي (13/225)، مستدرك سفينة البحار للنمازي (10/564).
([92]) إعلام الورى للطبرسي (1/12) مناقب آل أبي طالب (3/185)، بحار الأنوار للمجلسي (43/298، 299، 305، 317)، شرح إحقاق الحق (26/356) لوامع الحقائق للآشتياني (1/104).
([93]) إعلام الورى للطبرسي (1/96)، بحار الأنوار للمجلسي (18/125)، إثبات الهداة (1/365)، مستدرك سفينة البحار للنمازي (2/254)، معالم المدرستين (3/188).
([94]) رواه أحمد (4/126، 127) وأصحاب السنن والدارمي. والحديث صححه جماعة من المحدثين. – انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب الحديث (38) (ص:387)، دار الفرقان ط. الأولى (1411هـ) وانظر الإرواء (2544) (107/8) للتوسع. انظر اعتقاد أهل السنة في الصحابة رضي الله عنهم لمحمد عبد الله الوهيبي.
([95]) الصارم المسلول (ص:553).
([96]) منهاج السنة (1/18).
([97]) الكفاية (ص:49).

مفهوم عدالة الصحابة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:-
إن موضوع عدالة الصحابة من المواضيع المهمة التي يجب على كل مسلم أن يعرفه حق المعرفة، وقد ترددت كثيراُ في الكتابة أوالحديث عن هذا الموضوع لحساسيته وعظم شأنه، لكن الذي دفعني للكتابة هوما سمعته وقرأته من أقوال الجهال أصحاب الهوى ممن ينتسبون للعلم وهومنهم براء، أسمعهم يتشدقون بأقوال وكلمات ما أنزل الله بها من سلطان في حق الصحابة وما شجر بينهم، متذرعين بشبهات يتشبثون بها، وروايات ضعيفة ساقطة موضوعة مكذوبة واهية أوهى من خيوط العنكبوت، يتلقفونها ويلتقطونها من كتب الأدب والتاريخ وقصص السمر والكتب المنحولة والضعيفة ككتاب الأغاني والبيان والتبيين والإمامة والسياسة ونهج البلاغة وغيرها من الكتب فيطيرون بها في الآفاق كشيطان العقبة.
مثل تكفير بعض الصحابة أوالطعن في خلافة عثمان أوعلي أوسبٍ للصحابة أمثال: معاوية وعائشة وطلحة والزبير وأبوموسى الأشعري وعمروبن العاص وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين.
يقول الإمام مالك في الذين يقدحون في الصحابة: إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه حتى يقال رجل سوء ولوكان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين. الصارم المسلول (ص 553).
وهذا القول من الإمام مالك منطلق من نظرته البعيدة إلى أبعاد الخبر فليس الأمر قدحاً في الصحابة فقط، بل إن هذا يجر إلى ما هوأخطر منه.
وبهذا المنظار انطلق ابن تيمية رحمه الله بقوله: الطعن فيهم - أي في الصحابة - طعن في الدين. منهاج السنة (1/ 18). والأمثلة في هذا كثيرة.
وإن الباحث المسلم كثيراً ما يحس بالمرارة، أويصاب بخيبة الأمل، وهويتابع تفاصيل العصر الراشدي، وهوالعصر الذهبي في تاريخ الإسلام، في حشود الروايات التي تقدمها مصادرنا القديمة، وعلى رأسها تاريخ الرسل والملوك للإمام الطبري، فيجد البون شاسعاً بين ما يعهده من عدالة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من سلامة في الاعتقاد واستقامة في السلوك، وما كانوا عليه من خلق كريم، وبين ما تصوره الروايات التي نقلها الرواة والإخباريين على أنه الواقع التاريخي.
وفي العصر الحديث تلقف المستشرقون ومن شايعهم وتأثر بآرائهم من المنتسبين إلى الإسلام، هذه الأباطيل بل كانت مغنماً تسابقوا إلى اقتسامه ما دامت تخدم أغراضهم للطعن في الإسلام والنيل من أعراض الصحابة الكرام.
ولابد أن تعتقد وأنت تقرأ تاريخ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرين اثنين:-
أ- أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم خير البشر بعد الأنبياء، وذلك لأن الله تبارك وتعالى مدحهم والنبي صلى الله عليه وسلم مدحهم في أكثر من حديث أنهم أفضل الأمة أوالأمم بعد أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم.
ب- لابد أن تعلم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غير معصومين، لكن المصيبة أن البعض يعتقد العصمة فيهم؛ نعم نحن نعتقد العصمة في إجماعهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة لحديث: (إن الله تعالى قد أجار أمتي من أن تجتمع على ضلالة) انظر: كتاب السنة لابن أبي عاصم بتخريج الألباني رحمه الله (1/ 41) -، فهم معصومون من أن يجتمعوا على ضلالة، ولكن كأفراد هم غير معصومين، فالعصمة لأنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم.
وبعد هذه المقدمة السريعة ندخل إلى صلب الموضوع، إلا وهوعدالة الصحابة، ونبدأ أولاً، بتعريف الصحابي، فأقول وبالله التوفيق
تعريف الصحابي
ذهب جمهور الفقهاء والأصوليين في تعريف الصحابي إلى أنه:-
من لقي النبي صلى الله عليه وسلم يقظة مؤمناً به، بعد بعثته، حال حياته، وطالت صحبته وكثر لقائه به، على سبيل التبع له، والأخذ عنه، وإن لم يروعنه شيئاً، ومات على الإيمان.
شرح التعريف:
قولهم: من لقي النبي .. الخ: تقدم شرح ذلك وبيان ما فيه، في تعريف الصحابي عند جمهور المحدثين.
وقولهم: طالت صحبته:- أي أن يكون الصحابي قد جالس النبي صلى الله عليه وسلم ولقيه كثيراً.
وقد اختلف العلماء في المدة التي يقال فيها طالت صحبته، فمنهم من حددها بسنة فأكثر، وعليه ابن المسيب، كما نقله عنه الشوكاني في إرشاد الفحول (ص 70)، وابن الهمام في التحرير (3/ 66) والآلوسي في أجوبته العراقية (ص 9) وغيرهم.
ومنهم من حددها بستة أشهر فأكثر، كما نقله عن بعض العلماء صاحب التيسير (3/ 66) والشوكاني في إرشاد الفحول (ص 70) والآلوسي في الأجوبة العراقية (ص 9) وغيرهم.
وقد رد على هذين القولين بما ذكره الشوكاني في إرشاد الفحول (ص 70) حيث قال: ولا وجه لهذين القولين، لاستلزامهما خروج جماعة من الصحابة الذين رووا عنه ولم يبقوا لديه إلا دون ذلك، وأيضاً لا يدل عليهما دليل من لغة ولا شرع.
ومنهم من رأى أنها لا تحدد بمقدار، وإنما هي تطول بحيث يطلق عليها اسم الصحبة عرفاً.
وهذا هوالقول الراجح والأصح عندهم، وإليه ذهب الجمهور منهم.
وقولهم: على سبيل التبع له والأخذ عنه:- هذا قيد إنما جيء به في الحقيقة لبيان الواقع، لأن من طالت صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم عرفاً لا يكون إلا على سبيل المتابعة له والأخذ عنه، ولا يصح أن يكون قيداً له مفهوم، إذ لا نعلم أن هناك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من طالت صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن متابعاً له، آخذاً عنه.
وقولهم: وإن لم يروعنه شيئاً:- اختلف جمهور أهل الفقه والأصول في ذلك، فمنهم من يشترط لثبوت الصحبة ثبوت الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل: الشوكاني في إرشاد الفحول (ص 70) والسيوطي في تدريب الراوي (2/ 112) وغيرهم.
ومنهم من ذهب إلى أنه لا يشترط لثبوت الصحبة ثبوت الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل: القاضي أبي يعلى الفراء في العدة (ص 3/ 989) والآمدي في الإحكام (1/ 275) والسبكي في جمع الجوامع (2/ 179) وغيرهم.
والقول الراجح هوالقول الثاني؛ لأن القول باشتراط الرواية لتحقق مفهوم الصحبة يؤدي إلى خروج كثير من الصحابة الذين لم تحفظ لهم رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع اتفاق العلماء الذين ترجموا للصحابة على عدهم فيهم. وقد تقدمت الأمثلة على ذلك في تعريف الصحابي عند جمهور المحدثين.
ومن خلال ما ذكرت نستطيع أن نقول الآن بأن التعريف الراجح للصحابي هوما ذهب إليه جمهور المحدثين، وذلك لسلامة أدلتهم وخلوها من الانتقاد. والله أعلم.
طريق إثبات الصحبة للرسول صلى الله عليه وسلم ..
نقول وبالله التوفيق: هناك طريقتين لإثبات الصحبة:-
الطريقة الأولى: إثبات الصحبة بالنص أي بالخبر
وتحته أنواع:-
1 - القرآن الكريم: وذلك مثل قوله تعالى {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} التوبة/40. فهذا النص يثبت صحبة سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حيث استقر الإجماع بأن المعني بالصاحب في هذه الآية هوأبوبكر رضي الله عنه. تفسير الرازي (16/ 65).
2 - الخبر المتواتر: وذلك كما في صحبة العشرة المبشرين بالجنة، فقد تواترت الأخبار بثبوت صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم. راجع الحديث في سنن الترمذي (3/ 311 - 312).
3 - الخبر المشهور، كما في صحبة عكاشة بن محصن وأبي هريرة وابن عمر وأبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري وغيرهم الكثير ممن لا يرتاب مسلم في إثبات الصحبة لهم. راجع دراسات تاريخية في رجال الحديث (ص 39).
4 - الخبر الآحاد: ويدخل تحته أربع طرق:-
أ - رواية أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم بطريق الرؤية أوالسماع، مع معاصرته للنبي صلى الله عليه وسلم، كأن يقول أحد التابعين: أخبرني فلان أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول، أورأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كذا، كقول الزهري فيما رواه البخاري في فتح مكة من صحيحه. راجع صحيح البخاري كتاب المغازي (3/ 64). ومن الذين قالوا بهذه الطريقة ابن كثير في الباعث الحثيث (ص 190) والسخاوي في فتح المغيث (3/ 97).
ب - إخبار الصحابي عن نفسه أنه صحابي، وقد افترق العلماء في هذا الطريق إلى أربع مذاهب:
المذهب الأول: أنه يقبل قوله مطلقاً من غير شرط، وجرى على ذلك ابن عبد البر كما نقله السخاوي في فتح المغيث (3/ 99).
المذهب الثاني: أنه يقبل قوله بشرطين:-
الأول: أن يكون ذلك بعد ثبوت عدالته.
الثاني: أن يكون بعد ثبوت معاصرته للنبي صلى الله عليه وسلم.
وممن جرى على ذلك وجزم به: جمهور علماء الأصول والحديث. راجع: شرح الكوكب المنير لابن النجار (2/ 479)، والمختصر في أصول الفقه لابن اللحام (ص 89) وجمع الجوامع للسبكي (2/ 167) وشرح الألفية للعراقي (3/ 11) وابن حجر في الإصابة (1/ 8) والسخاوي في فتح المغيث (3/ 97) وغيرهم الكثير.
والعلة في صحة قبول إخباره عن نفسه أنه صحابي، أنه لوأخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قبلنا روايته، فلأن نقبل خبره عن نفسه أنه صحابي من باب أولى. راجع شرح الكوكب المنير لابن النجار (2/ 479).
والمعاصرة التي اشترطوها في إثبات الصحبة هي: المعاصرة الممكنة شرعاً، وإنما تكون المعاصرة للنبي صلى الله عليه وسلم ممكنة شرعاً إذا ادعى الصحبة في حدود مائة وعشر سنين من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الإصابة (1/ 8)، وذلك لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في آخر حياته لأصحابه: أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هوعلى ظهر الأرض أحد يقصد من أصحابه -. البخاري (1/ 33 - 34) ومسلم برقم (1965).
ومن هنا يتبين أن من ادعى الصحبة وكانت المعاصرة غير ممكنة، فإنه لا يقبل قوله ويعتبر في ذلك من الكذابين، راجع الأمثلة على من ادعى أنه صحابي وظهر كذبه: الإصابة (1/ 9) ومحاضرات في علوم الحديث (1/ 138 - 139) ودراسات تاريخية (ص 46).
المذهب الثالث: عدم قبول إنه صحابي، وجرى على هذا القول ابن القطان كما نقل عنه ذلك الشوكاني في إرشاد الفحول (ص 71)، وبه قال أبوعبد الله الصيرمي من الحنفية، كما ذكره ابن النجار في شرح الكوكب المنير (2/ 479). وأيضاً ممن يرى ذلك الإمام البلقيني في محاسن الاصطلاح (ص 427)، وغيرهم.
وعللوا ذلك: أنه متهم بأنه يدعي رتبة عالية يثبتها لنفسه، وهي منصب الصحابة، والإنسان مجبول على طلبها قصداً للشرف. راجع: البلبل (ص 62) وشرح مختصر الروضة (2/ 13) وتيسير التحرير (3/ 67) وغيرهم الكثير.
المذهب الرابع: قالوا بالتفصيل في ذلك، فمن ادعى الصحبة القصيرة قبل منه، لأنها مما يتعذر إثباتها بالنقل، إذ ربما لا يحضره حاله اجتماعه بالنبي صلى الله عليه وسلم، أورؤيته له أحد، ومن ادعى الصحبة الطويلة وكثرة التردد في السفر والحضر، فلا يقبل منه ذلك؛ لأن مثل ذلك يشاهد وينقل ويشتهر، فلا تثبت صحبته بقوله، كما قال بذلك السخاوي في فتح المغيث (3/ 98 - 99).
جـ - قول أحد الصحابة بصحبة آخر:
وهوإما أن يكون بالتصريح، كأن يقول الصحابي: إن فلاناً صحابي، أومن الأصحاب، أوممن صحب النبي صلى الله عليه وسلم.
وإما أن يكون بطريق اللزوم، كأن يقول: كنت أنا وفلان عند النبي، أوسمع معي هذا الحديث فلان من النبي، أودخلت أنا وفلان على النبي صلى الله عليه وسلم.
غير أن هذا الطريق الأخير إنما يثبت فيه الصحبة إذا عرف إسلام المذكور في تلك الحالة، كما قال السخاوي في فتح المغيث (3/ 96). ومثلوا ذلك بصحبة حمحمة بن أبي حمحمة الدوسي الذي مات بأصبهان، فشهد له أبوموسى الأشعري. راجع: ذكر أخبار أصبهان لأبي نعيم (1/ 71) والإصابة (1/ 355) وأسد الغابة (2/ 58 - 59).
ويعلل لقبول قول الصحابي في آخر أنه صحابي: بأن الصحابي عدل فإن صح لناأن نقبل قوله حين يخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلأن نقبل قوله حين يخبر أن فلاناً صحابي من باب أولى.
د - إخبار أحد التابعين الموثقين عند أهل الحديث بأن فلاناً صحابي:
اختلف العلماء من المحدثين والأصوليين في ذلك، فذهب جماعة منهم إلى قبول قوله، ومنهم الإمام السخاوي في فتح المغيث (3/ 96) والحافظ ابن حجر في الإصابة (1/ 8)، وغيرهم.
وذهب جماعة آخرون إلى أنه لا يقبل قوله، ولا يثبت به صحبة من أخبر عنه، وممن ذهب إلى ذلك بعض شراح اللمع على ما ذكره الإمام السخاوي في فتح المغيث (3/ 99).
وكانت حجتهم في هذا النفي أن التزكية إذا صدرت من مزك واحد غير مقبولة، بل لابد فيها من اثنين، لأن التزكية تلحق بالشهادة، فكما أن الشهادة لا تصح ولا تتحقق إلا بمتعدد اثنين فأكثر، فكذلك التزكية لا تقبل إلا من اثنين فأكثر، ولأن اشترط التعدد في المزكي أولى وأحوط من الإفراد، إذ فيه زيادة ثقة. راجع تيسير التحرير (3/ 58).
والقول الراجح إن شاء الله: هوفي ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من قبول تزكية التابعي الواحد: أن فلاناً صحابي. وقد أجابوا عما ذكره النافون بما يلي:-
1 - إن التزكية تتنزل منزلة الحكم، فلا يشترط فيها العدد، بخلاف الشهادة فإنها تكون عند الحكم فلا بد فيها من العدد، فلا يصح إلحاق التزكية بالشهادة. نزهة النظر (ص 134).
2 - إن التزكية إن كانت صادرة عن اجتهاد المزكي فهي بمنزلة الحكم، وحينئذ لا يشترط التعدد في المزكي، لأنه بمنزلة الحكم.
3 - أن المزكي يكتفى فيه بواحد، لأنه بمثابة الخبر، وكما يصح قبول خبر الواحد، فكذلك يقبل قول المزكي، لأنه بمنزلته. شرح الألفية للعراقي (1/ 295).
4 - أن اعتبار الواحد في الجرح والتعديل أصل متفق عليه، واعتبار ضم قول غيره إليه يستدعي دليلاً والأصل عدمه. الإحكام للآمدي (1/ 271).
5 - ينبغي القول بعدم اشتراط التعدد في المزكي، لأن اشتراط التعدد قد يؤدي إلى تضييع بعض الأحكام، فكان عدم التعدد أولى وأحوط. تيسير التحرير (3/ 58).
الطريق الثاني: إثبات الصحبة بعلامة من العلامات:
العلامة الأولى: أن يكون من يدّعي الصحبة قد تولى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم عزوة من غزواته، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام لم يؤمّر على عزوة من غزواته إلا من كان من أصحابه. انظر: محاضرات في علوم الحديث (1/ 140) والمختصر في علم رجال الأثر (ص 27).
العلامة الثانية: أن يكون المدعي صحبته ممن أمّره أحد الخلفاء الراشدين على إحدى المغازي في حروب الردة والفتوح. الإصابة (1/ 9).
العلامة الثالثة: أن يكون المدعي صحبته قد ثبت أن له ابناً حنكه النبي صلى الله عليه وسلم، أومسح على رأسه، أودعا له، فإنه كان لا يولد لأحد مولود إلا أتى به النبي صلى الله عليه وسلم فدعا له، كما أخرجه الحاكم عن عبدالرحمن بن عوف على ما ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة (1/ 9). وانظر صحيح مسلم (1/ 237).
العلامة الرابعة: أن يكون من يدعي صحبته ممن كان بمكة أوالطائف سنة عشر من الهجرة، إذ من المعلوم عند المحدثين أن كل من كان بمكة أوالطائف سنة عشر قد أسلم وحج مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فيكون من الصحابة. الإصابة (1/ 9) ومحاضرات في علوم الحديث (1/ 139)، وفي هذه العلامة نظر؛ لأنه وإن سلّم بإسلامهم جميعاً، فإنه لا يسلّم بأن جميعهم حجوا معه صلى الله عليه وسلم.
العلامة الخامسة: أن يكون من يدعي صحبته من الأوس أوالخزرج الذين كانوا بالمدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت أنهم دخلوا في الإسلام جميعاً، ولم يثبت عن أحد منهم أنه ارتد عن الإسلام. الإصابة (1/ 8) ومحاضرات في علوم الحديث (1/ 139).
طبقات الصحابة.
الطبقة لغة: بمعنى المرتبة، وتأتي أيضاً بمعنى المساواة. راجع: مختار الصحاح (ص 388) وترتيب القاموس (3/ 53).
الطبقة اصطلاحاً: تطلق على الجماعة الذين تشاركوا في السن، أوتقاربوا في الأخذ عن مشايخهم، أوفي وصف عام يشملهم، وإنما سموا طبقة، لأن لهم من رتبة السبق أوالتوسط أوالتأخر ما يحدد وصفهم، ويعيّن مراتبهم. محاضرات في علوم الحديث (1/ 152).
عدد طبقات الصحابة رضي الله عنهم ..
اختلف العلماء في عدد طبقات الصحابة ما بين مقل ومكثر، واختلافهم في ذلك مبني على اختلاف أنظارهم فيما يتحقق به معنى الطبقة عندهم؛ فمنهم من ذهب إلى أن الصحابة طبقة واحدة.
وممن جرى على هذا القول ابن حبان ومن رأى رأيه، ووجهتهم فيما ذهبوا إليه:-
أن للصحابة من الشرف العظيم والفضل الكبير ما يفوق كل ملحظ، ويعلوفوق كل اعتبار ن فهم نظروا إلى مطلق الصحبة، قاطعين النظر عن عيرها من سائر الاعتبارات الأخرى. محاضرات في علوم الحديث (1/ 152)، ومن ثم جعلوا الصحابة كلهم طبقة واحدة، إذ جميعهم فيها متساوون لا فضل في ذلك لأحدهم على الآخر.
ومنهم من جعل الصحابة خمس طبقات
الأولى: البدريون، ومنهم أبوبكر الصديق وعلي بن أبي طالب وبلال بن رباح رضي الله عنهم أجمعين، وغيرهم ممن حضر غزوة بدر.
الثانية: من أسلم قديماً ممن هاجر عامتهم إلى الحبشة، وشهدوا أحداً فما بعدها، منهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، والزبير بن العوام وغيرهم رضي الله عنهم.
الثالثة: من شهد الخندق فما بعدها، منهم سلمان الفارسي وسعد بن معاذ وغيرهم.
الرابعة: مسلمة الفتح فما بعدها، منهم أبوسفيان بن حرب وحكيم بن حزام وغيرهم.
الخامسة: الصبيان والأطفال الذي رآهم النبي صلى الله عليه وسلم ممن لم يغزُ، سواء حفظ عنه أولم يحفظ.
وممن جرى على هذا القول ابن سعد في كتابه الطبقات الكبرى، ووجهته فيما ذهب إليه أن الصحابة رضي الله عنهم وإن تساووا في شرف الصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنهم متفاوتون بالنظر إلى اعتبارات أخرى، كالسبق إلى الإسلام والغزو، وما إلى ذلك، فيكون قد نظر إلى أمر زائد على أصل الصحبة. راجع: محاضرات في علوم الحديث (1/ 153).
ومنهم من جعلها اثنتي عشرة طبقة، وهوالإمام أبوعبد الله الحاكم النيسابوري، فقد ذكر في كتابه معرفة علوم الحديث (ص 22 - 24)، أن الصحابة على مراتب:
الطبقة الأولى: قوم أسلموا بمكة، مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم رضي الله عنهم.
الطبقة الثانية: أصحاب دار الندوة وهي دار قصي بن كلاب وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم أسلم وأظهر إسلامه، حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دار الندوة فبايعه جماعة من أهل مكة. منهم: سعيد بن زيد وسعد بن أبي وقاص.
الطبقة الثالثة: المهاجرة إلى الحبشة. منهم: حاطب بن عمر بن عبد شمس وسهيل بن بيضاء وجعفر بن أبي طالب.
الطبقة الرابعة: الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم عند العقبة. منهم: رافع بن مالك وعبادة بن الصامت، وأسعد بن زرارة.
الطبقة الخامسة: أصحاب العقبة الثانية وأكثرهم من الأنصار وهذه العبارة فيها نظر؛ لأنه من المعلوم والثابت أنه لم يشترك مع أصحاب العقبة الأولى والثانية أحد من غير الأنصار، اللهم إلا العباس فقد حضر ليستوثق للنبي صلى الله عليه وسلم -.
الطبقة السادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهوبقباء، قبل أن يدخلوا المدينة ويبني المسجد. منهم: أبوسلمة بن عبد الأسد وعامر بن ربيعة.
الطبقة السابعة: أهل بدر الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. البخاري (2/ 170 - 171)، ومنهم: حاطب بن أبي بلتعة، والمقداد بن الأسود والحباب بن المنذر.
الطبقة الثامنة: المهاجرة الذين هاجروا بين بدر والحديبية. منهم المغيرة بن شعبة.
الطبقة التاسعة: أهل بيعة الرضوان، الذين أنزل الله تعالى فيهم {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} الفتح/18
، ومنهم: سلمة بن الأكوع وابن عمر وسنان بن أبي سنان.
الطبقة العاشرة: المهاجرة بين الحديبية والفتح، منهم: خالد بن الوليد وعمروبن العاص.
الطبقة الحادية عشرة: هم الذين أسلموا يوم الفتح، منهم: أبوسفيان بن حرب وعتاب بن أسيد وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء.
الطبقة الثانية عشرة: صبيان وأطفال رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، وفي حجة الوداع وغيرهما، وعدادهم من الصحابة. منهم: السائب بن يزيد وعبد الله بن ثعلبة، وأبوالطفيل بن عامر بن واثلة، وأبوجحيفة وهب بن عبد الله.
ووجهة الحاكم فيما ذهب إليه: أنه نظر إلى أمر زائد على أصل الصحبة، وقد لاحظ اعتبارات أخرى زيادة على ما لاحظه ابن سعد في طبقاته.
ومنهم من ذهب في عد طبقات الصحابة إلى أكثر من ذلك، كالإمام أبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي، فقد جعلها سبعة عشر طبقة، حيث ذكر في كتابه أصول الدين (ص 298 - 303)، أن الصحابة رضي الله عنهم على مراتب:-
الطبقة الأولى: السابقون منهم إلى الإسلام، من الرجال أبوبكر ومن أهل البيت علي ومن النساء خديجة ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن الحبشة بلال، ومن الفرس سلمان.
الطبقة الثانية: هم الذين أسلموا عند إسلام عمر. وقد تقدم أمثلة عليهم.
الطبقة الثالثة: أصحاب الهجرة الأولى إلى الحبشة، وقد تقدم أمثلة عليهم.
الطبقة الرابعة: وهم أصحاب العقبة الأولى، وكانوا اثني عشر رجلاً من الأنصار، وقد تقدم أمثلة عليهم.
الطبقة الخامسة: أصحاب العقبة الثانية، منهم: كعب بن مالك الشاعر وعبد الله بن عمروبن حرام، والبراء بن معرور وغيرهم.
الطبقة السادسة: المهاجرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ومن أدركه منهم بقباء قبل دخوله المدينة، وقد تقدم أمثلة عليهم.
الطبقة السابعة: المهاجرون بين دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وبين بدر.
الطبقة الثامنة: البدريون، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً.
الطبقة التاسعة: أصحاب أحد، غير رجل منهم اسمه قزمان فأنه كان منافقاً.
الطبقة العاشرة: أصحاب الخندق وعبد الله بن عمر معدود فيهم.
الطبقة الحادية عشرة: هم المهاجرون بين الخندق والحديبية.
الطبقة الثانية عشرة: أصحاب بيعة الرضوان بالحديبية عند الشجرة.
الطبقة الثالثة عشرة: المهاجرون بين الحديبية وبين فتح مكة.
الطبقة الرابعة عشرة: الذين أسلموا يوم فتح مكة وفي ليلته.
الطبقة الخامسة عشرة: الذين دخلوا في دين الله أفواجاً بعد ذلك.
الطبقة السادسة عشرة: صبيان أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم أمثلة عليهم.
الطبقة السابعة عشرة: صبيان حملوا إليه عام حجة الوداع وقبيل ذلك.
ووجهة نظر الإمام أبي منصور البغدادي فيما ذهب إليه؛ أنه نظر إلى أمر زائد على أصل الصحبة، ولاحظ اعتبارات أخرى لم يلاحظها غيره.
والمشهور عند العلماء في عد طبقات الصحابة، هوما ذهب إليه الحاكم من أنها اثنتا عشرة طبقة. انظر: الباعث الحثيث تعليق أحمد شاكر (ص 184). وهذا التقسيم هوالذي جرى عليه أكثر الذين كتبوا في طبقات الصحابة رضي الله عنهم، مقتفين في ذلك أثر الحاكم فيما ذهب إليه، وتقسيم الصحابة إلى طبقات كثيرة على ضوء ما ذكره الحاكم والبغدادي هوالراجح في هذه المسألة.
ولنا لقاء آخر ومعنى عدالة الصحابة، وما يتعلق بها من أمور.
معنى العدالة
العدالة لغة: جاء في الصحاح للجوهري (ص 415 - 416): العدل خلاف الجور، يقال: عدل عليه في القضية فهوعادل، وبسط الوالي عدله ومعدِلته ومعدَلته، وفلان من أهل المَعدلة، أي: من أهل العدل، ورجل عدل، أي: رضا ومقنع في الشهادة، وهوفي الأصل مصدر، وقوم عدل وعدول أيضاً: وهوجمع عدل وقد عُدل الرجل بالضم عدالة .. إلى أن قال: وتعديل الشيء: تقويمه، يقال: عدلته فاعتدل، أي: قومته فاستقام.
وجاء في المصباح المنير (2/ 397): وعدلت الشاهد نسبته إلى العدالة ووصفته بها.
وجاء في القاموس (4/ 13): العدل ضد الجور، وما قام في النفوس أنه مستقيم كالعدالة والعَدولة والمعدِلة والمعدَلة.
فمن هذه التعاريف اللغوية تبين أن معنى العدالة في اللغة الاستقامة، وأن العدل هوالذي لم يظهر منه ريبة، وهوالذي يرضى الناس عنه ويقبلون شهادته ويقتنعون بها.
العدالة اصطلاحاً: تنوعت عبارات العلماء في تعريف العدالة في الاصطلاح:-
عرف الخطيب البغدادي في الكفاية (ص 103) العدالة بقوله: العدل هومن عرف بأداء فرائضه ولزوم ما أمر به وتوقي ما نهي عنه، وتجنب الفواحش المسقطة وتحري الحق والواجب في أفعاله ومعاملته والتوقي في لفظه مما يثلم الدين والمروءة فمن كانت هذه حاله فهوالموصوف بأنه عدل في دينه ومعروف بالصدق في حديثه وليس يكفيه في ذلك اجتناب كبائر الذنوب التي يسمى فاعلها فاسقاً حتى يكون مع ذلك متوقياً لما يقول كثير من الناس أنه لا يعلم أنه كبير.
ويعرف ابن الحاجب العدالة بقوله كما في مختصر المنتهى (2/ 63): محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة، وليس معها بدعة، وتتحقق باجتناب الكبائر وترك الإصرار على الصغائر، وبعض الصغائر وبعض المباح.
تعريف ابن الهمام: ذهب ابن همام الذين في تعريف العدالة كما في كتابه التحرير (3/ 44) إلى أنها: ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة، والشرط: أدناه ترك الكبائر، والإصرار على صغيرة، وما يخل بالمروءة.
ويعرف بعض أهل العراق العدالة بأنها: عبارة عن إظهار الإسلام فقط مع سلامة المسلم عن فسق ظاهر، فمتى كانت هذه حاله وجب أن يكون عدلاً، فكل مسلم مجهول عنده عدل. راجع الكفاية للخطيب البغدادي (ص 141).
ويعرف القرافي العدالة على أنها كما في كتابه شرح تنقيح الفصول (ص 361) إلى أنها: اجتناب الكبائر وبعض الصغائر والإصرار عليها، والمباحات القادحة في المروءة.
وعرفها الغزالي كما في المستصفى (1/ 157): والعدالة عبارة عن استقامة السيرة والدين ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعاً، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى خوفاً وازعاً عن كذب ن ثم لا خلاف في أنه لا يشترط العصمة من جميع المعاصي ولا يكفي أيضاً: اجتناب الكبائر بل من الصغائر ما يرد به كسرقة بصلة وتطفيف في حبة قصداً، وبالجملة كل ما يدل على ركاكة دينه إلى حد يستجرئ على الكذب بالأغراض الدنيوية كيف وقد شرط في العدالة التوقي عن بعض المباحات القادحة في المروءة نحوالأكل في الطريق والبول في الشارع وصحبة الأراذل وإفراط المزاح وضبط ذلك فيما جاوز محل الإجماع أن يرد إلى اجتهاد الحاكم فما دل عنده على جرأته على الكذب رد الشهادة به وما لا فلا.
وعرفها الحافظ ابن حجر في نزهة النظر (ص 29): المراد بالعدل من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أوفسق أوبدعة.
وعرفها أيضاً في الفتح (5/ 251 - 252) بقوله: والعدل والرضا عند الجمهور من يكون مسلماً مكلفاً حراً غير مرتكب كبيرة ولا مصر على صغيرة.
هذه تعريفات أهل العلم للعدالة في الاصطلاح، وهي وإن تنوعت عباراتها إلا أنها ترجع إلى معنى واحد وهوأن العدالة ملكة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة ولا يتحقق للإنسان إلا بفعل المأمور وترك المنهي، وأن يبعد عما يخل بالمروءة، وأيضاً: لا تتحقق إلا بالإسلام والبلوغ والعقل والسلامة من الفسق.
والمراد بالفسق: ارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب والإصرار على صغيرة من الصغائر لأن الإصرار على فعل الصغائر يصيرها من الكبائر.
والمروءة التي يعبر عنها أهل العلم: هي الآداب النفسية التي تحمل صاحبها على الوقوف عند مكارم الأخلاق ومحاسن العادات وما يخل بالمروءة يعود إلى سببين:-
الأول: ارتكاب الصغائر من الذنوب التي تدل على الخسة كسرقة شيء حقير كبصلة أوتطفيف في حبة قصداً.
الثاني: فعل بعض الأشياء المباحة التي ينتج عنها ذهاب كرامة الإنسان أوهيبته وتورث الاحتقار، وذلك مثل كثرة المزاح المذموم.
ولم تتحقق العدالة في أحد تحققها في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجميعهم رضي الله عنهم عدول تحققت فيهم صفة العدالة ومن صدر منهما يدل على خلاف ذلك كالوقوع في معصية فسرعان ما يحصل منه التوجه إلى الله تعالى بالتوبة النصوح الماحية التي تحقق رجوعه وتغسل حوبته فرضي الله عنهم أجمعين.
تعديل الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم للصحابة رضي الله عنهم أجمعين ..
لقد تضافرت الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعديل الصحابة الكرام، مما لا يبقى معها لمرتاب شك في تحقيق عدالتهم، فكل حديث له سند متصل بين من رواه وبين المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يلزم العمل به إلا بعد أن تثبت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم بنص القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن ذلك:-
1 - قوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً} البقرة/143.
ووجه الاستدلال بهذه الآية: أن معنى كلمة (وسطاً) عدولاً خياراً، ولأنهم المخاطبون بهذه الآية مباشرة. تفسير الطبري (2/ 7) ووالجامع لأحكام القرآن (2/ 153) وتفسير ابن كثير (1/ 335).
وقد ذكر بعض أهل العلم أن اللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد به الخصوص، وقيل: إنه وارد في الصحابة دون غيرهم. الكفاية للخطيب (ص 64). فالآية ناطقة بعدالة الصحابة رضي الله عنهم قبل غيرهم ممن جاء بعدهم من هذه الأمة.
2 - قوله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} آل عمران/110.
وجه الاستدلال: أنها أثبتت الخيرية المطلقة لهذه الأمة على سائر الأمم قبلها وأول من يدخل في هذه الخيرية المخاطبون بهذه الآية مباشرة عند النزول هم الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وذلك يقتضي استقامتهم في كل حال وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخاطبة، ومن البعيد أ يصفهم الله عز وجل بأنهم خير أمة ولا يكونوا أهل عدل واستقامة، وهل الخيرية إلا ذلك، كما أنهلا يجوز أن يخبر الله تعالى بأنه جعلهم أمة وسطاً أي عدولاً وهم غير ذلك. راجع الموافقات للشاطبي (4/ 40 - 41).
3 - قوله تعالى {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً، لهم مغفرة ورزق كريم} الأنفال/74.
ففي هذه الآية وصف الله تعالى عموم المهاجرين والأنصار بالإيمان الحق ومن شهد الله له بهذه الشهادة فقد بلغ أعلى مرتبة العدالة.
4 - قوله تعالى {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} التوبة/100.
وجه الدلالة: أن الله تعالى أخبر فيها برضاه عنهم ولا يثبت الله رضاه إلا لمن كان أهلاً للرضا، ولا توجد الأهلية لذلك إلا لمن كان من أهل الاستقامة في أموره كلها عدلاً في دينه.
5 - قوله تعالى {لقد رضي الله عنه المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً} الفتح/18.
وهذه الآية فيها دلالة واضحة على تعديل الصحابة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، ووجه دلالة الآية على تعديلهم أن الله تعالى أخبر برضاه عنهم وشهد لهم بالإيمان وزكاهم بما استقر في قلوبهم من الصدق والوفاء والسمع والطاعة ولا تصدر تلك التزكية العظيمة من الله تعالى إلا لمن بلغ الذروة في تحقيق الاستقامة على وقف ما أمر الله به.
6 - قوله تعالى {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل .. الآية} الفتح/29.
فهذا الوصف الذي وصفهم الله به في كتبه وهذا الثناء الذي أثنى به عليهم لا يتطرق إلى النفس معه شك في عدالتهم. راجع تفسير القرطبي (16/ 299). إلى غيرها من الآيات الكريمة.
وأما دلالة السنة على تعديلهم رضي الله عنهم
فقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث يطول تعدادها وأطنب في تعظيمهم وأحسن الثناء عليهم بتعديلهم، ومن تلك الأحاديث:-
1 - مارواه الشيخان في صحيحيهما البخاري (1/ 31) ومسلم (3/ 1306) من حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( .. ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب) الحديث.
وجه الدلالة: أن هذا القول صدر من النبي صلى الله عليه وسلم في أعظم جمع من الصحابة في حجة الوداع، وهذا من أعظم الأدلة على ثبوت عدالتهم حيث طلب منهم أن يبلغوا ما سمعوه منه من لم يحضر ذلك الجمع دون أن يستثني منهم أحد.
2 - روى الشيخان في صحيحيهما البخاري (2/ 287 - 288) ومسلم (4/ 1964) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) الحديث.
وجه الدلالة: أن الصحابة عدول على الإطلاق حيث شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية المطلقة.
3 - روى البخاري (2/ 292) بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي فلوأن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).
وجه الدلالة: أن الوصف لهم بغير العادلة سب لا سيما وقد نهى صلى الله عليه وسلم بعض من أدركه وصحبه عن العرض لمن تقدمه لشهود المواقف الفاضلة فيكون من بعدهم بالنسبة لجميعهم من باب أولى.
إلى غيرها من الأحاديث الكثيرة، فالصحابة كلهم عدول بتعديل الله لهم وثنائه عليهم وثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليسوا بحاجة إلى تعديل أحد من الخلق.
الإجماع على عدالتهم رضي الله عنهم ..
أجمع أهل السنة والجماعة على أن الصحابة جميعهم عدول بلا استثناء من لابس الفتن وغيرها ولا يفرقون بينهم الكل عدول إحساناً للظن بهم ونظراً لما أكرمهم الله به من شرف الصحبة لنبيه عليه الصلاة والسلام ولما لهم من المآثر الجليلة من مناصرتهم للرسول صلى الله عليه وسلم والهجرة إليه والجهاد بين يديه والمحافظة على أمر الدين والقيام بحدوده فشهاداتهم ورواياتهم مقبولة دون تكلف عن أسباب عدالتهم بإجماع من يعتد بقوله.
وقد نقل الإجماع على عدالتهم جمع غفير من أهل العلم، ومن تلك النقول
1 - قال الخطيب البغدادي في الكفاية (ص 67) بعد أن ذكر الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله التي دلت على عدالة الصحابة وأنهم كلهم عدول، قال: هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء.
قال ابن عبد البر في الاستيعاب حاشية على الإصابة (1/ 8): ونحن وإن كان الصحابة رضي الله عنهم قد كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة على أنهم كلهم عدول فواجب الوقوف على أسمائهم.
قال الحافظ ابن حجر في الإصابة (1/ 17): اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ولم يخالف ذلك إلا شذوذ من المبتدعة.
وغيرهم الكثير: انظر: فتح المغيث شرح ألفية الحديث (3/ 112) وتدريب الراوي للسيوطي (2/ 214) والمستصفى للغزالي (1/ 164) ومقدمة ابن الصلاح (ص 146 - 147)، والنووي في شرح مسلم (15/ 147) والتقريب (2/ 214) وابن كثير في الباعث الحثيث (ص 181 - 182) وشرح الألفية للعراقي (3/ 13 - 14) والسخاوي في فتح المغيث (3/ 108). إلى غيرها من الكتب.
فهذه النقول المباركة للإجماع من هؤلاء الأئمة كلها فيها بينان واضح ودليل قاطع على أن ثبوت عدالة الصحابة عموماً أمر مفروغ منه ومسلم، فلا يبقى لأحد شك ولا ارتياب بعد تعديل الله ورسوله وإجماع الأمة على ذلك.
مذاهب الفرق الأخرى والأقوال الشاذة في معنى عدالة الصحابة
هناك مذاهب ذهب أصحابها إلى القول بخلاف هذا الإجماع وأصحابها ممن لا يعتد بقولهم ولا عبرة بخلافهم، وهي لا تستحق أن تذكر، وإنما تذكر لبيان بطلانها ومجانبتها للحق والصواب.
1 - مذهب الشيعة الرافضة:-
الشيعة الرافضة يعتقدون أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم ليسوا بعدول بل يعتقدون ضلال كل من لم يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أن الخليفة من بعده بلا فصل هوعلي رضي الله عنه، ويعتقدون أن جميع الناس هلكوا وارتدوا بعد أن اقبض النبي صلى الله عليه وسلم إلا نفراً يسيراً منهم يعدون بالأصابع، وسبب تكفيرهم لهم أنهم يزعمون أنهم بايعوا بالخلافة غير علي رضي الله عنه ولم يعملوا بالنص عليه، ومعتقدهم هذا طافحة به كتبهم. راجع كتبهم: الاختصاص للمفيد (ص 6) وكتاب الروضة من الكافي للكليني حديث رقم (356). وغيرها من الكتب.
2 - مذهب المعتزلة:-
أما المعتزلة فقد اضطربت آراؤهم في عدالة الصحابة إلى ثلاث أقوال وإليك مختصرها:-
القول الأول: أن الصحابة جميعهم عدول إلا من قاتل علياً، حيث أ، الجمهور منهم صوبوا علياً في حروبه وخطئوا من قاتله فنسبوا طلحة والزبير وعائشة ومعاوية إلى الخطأ. راجع مقالات الإسلاميين (2/ 145) والفرق بين الفرق (ص 120 - 121).
القول الثاني: قول واصل بن عطاء، فقد ذهب إلى أن أحد الفريقين من الصحابة في موقعتي الجمل وصفين كان مخطئاً لا بعينه كالمتلاعنين، فإن أحدهما فاسق لا محالة، وأقل درجات الفريقين أنه غير مقبول الشهادة كما لا تقيل شهادة المتلاعنين. فقد قال: لوشهدت عندي عائشة وعلي وطلحة على باقة بقل، لم أحكم بشهادتهم. الملل والنحل للشهرستاني (1/ 49)، وميزانالاعتدال للذهبي (4/ 329) والفرق بين الفرق (ص 120).
القول الثالث: قول عمروبن عبيد، فإنه يعتقد أن الطرفين المتحاربين في موقعتي الجمل وصفين قد فسقوا جميعاً، وقال: لا أقبل شهادة الجماعة منهم سواء كانوا من أحد الفريقين أوكان بعضهم من حزب علي وبعضهم من حزب الجمل. الفرق بين الفرق (ص 121) والملل والنحل (1/ 49).
3 المذهب الثالث:-
أن حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند الرواية. وهوقول ابي الحسين القطان من علماء الشافعية، كما حكى ذلك السخاوي في فتح المغيث (3/ 112). الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (1/ 274) وشرح مختصر المنتهى (2/ 67).
4 المذهب الرابع:-
أن العدالة لا تثبت إلا لمن لازم النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه دون من رآه، أوزاره أووفد عليه لمدة قليلة. وهوقول المازري من علماء المالكية، كما حكى ذلك عنه ابن حجر في الإصابة (1/ 19).
فهذه هي المذاهب التي خالف فيها أصحابها إجماع أهل السنة والجماعة في مسألة عدالة الصحابة، فهي كما رأينا مبنية على شبه واهية لا تزيدها إلى ضعفاً.
تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم ..
إن سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم محرم بنص الكتاب العزيز، وهوما تعتقده وتدين به الفرقة الناجية من هذه الأمة.
دلالة القرآن على تحريم سبهم رضي الله عنهم:-
لقد جاءت الإشارات إلى تحريم سبهم في غير ما آية من كتاب الله تعالى، من ذلك:-
1 - قوله تعالى {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه}.
وجه الدلالة: أن الله تعالى رضي الله عنهم رضى مطلقاً، فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان، والرضى من الله صفة قديمة فلا يرضى عن عبد علم أنه يوافيه على موجبات الرضى، ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبداً.
2 - قوله تعالى {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً} الأحزاب/57.
وجه الدلالة: إن إيذاء الرسول يشمل كل أذية قولية أوفعلية من سب وشتم أوتنقص له أولدينه، أوما يعود إليه بالأذى، ومما يؤذيه صلى الله عليه وسلم سب أصحابه وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن إيذاءهم إيذاء له، ومن آذاه فقد آذى الله. المسند (4/ 87) وتيسير الكريم الرحمن (6/ 121).
3 - قوله تعالى {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً} الأحزاب/58.
وجه الدلالة: أن النهي عن سب المؤمنين والمؤمنات بما ينسب إليهم مما هم منه براء لم يعملوه، فإن الصحابة رضي الله عنهم في صدارة المؤمنين، فإنهم المواجهون بالخطاب في كل آية مفتتحة بقوله {يا أيها الذين آمنوا}. إلى غيرها من الآيات الكثيرة.
دلالة السنة عل تحريم سب الصحابة
لقد دلت السنة النبوية المطهرة على تحريم سب الصحابة والتعرض لهم بما فيه نقص وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من الوقوع في ذلك، لأن الله تعالى اختارهم لصحبة نبيه ونشر دينه وإعلاء كلمته، فبلغوا الذروة في محبته صلى الله عليه وسلم فكانوا له وزراء وأنصاراً يذبون عنه وسعوا جاهدين منافحين لتمكين الذين في أرض الله حتى بلغ الأقطار المختلفة ووصل إلى الأجيال المتابعة كاملاً غير منقوص، فمن الأحاديث التي دلت على تحريم سبهم:-
1 - مارواه الشيخان في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاتسوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لوأن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولانصيفه.
فهذا الحديث اشتمل على النهي والتحذير من سب الصحابة رضي الله عنهم، وفيه التصريح بتحريم سبهم، وقد عد بعض أهل العلم سبهم من المعاصي والكبائر. شرح مسلم (16/ 93).
2 روى الحافظ الطبراني بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاتسبوا أصحابي لعن الله من سب أصحابي. أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 21) ورجاله رجال الصحيح.
3 - وروى أيضاً بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: م سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. أورده السيوطي في الجامع الصغير، وحسن إسناده الألباني في صحيح الجامع.
4 - روى الطبراني من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا ذكر أصحابي فأمسكوا. مجمع الزوائد (7/ 202).وصحح الألباني سنده في صحيح الجامع.
إلى غيرها من الأحاديث الصرحية التي تنهى عن سب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فعلى المسلم أن يحذر من سبهم أويعترض لهم بما يشينهم رضي الله عنهم، وقد جمع الإمام الذهبي الذنوب التي هي من الكبائر في كتابه الكبائر (ص 233 - 237) وعد سب الصحابة منها.
والحاصل مما تقدم أن السنة دلت على أن سب الصحابة من أكبر الكبائر وأفجر الفجور، وأن من ابتلي بذلك فهومن الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
من كلام السلف في تحريم سب الصحابة
إن النصوص الواردة عن سلف الأمة وأئمتها من الصحابة ومن جاء بعدهم من التابعين لهم بإحسان التي تقضي بتحريم سب الصحابة والدفاع عنهم كثيرة جداً، ومتنوعة في ذم وعقوبة من أطلق لسانه على أولئك البررة الأخيار، فمن ذلك:-
1 - ذكر ابن الأثير في جامع الأصول (9/ 408 - 409) عن رزين من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: قيل لعائشة: إن ناساً يتناولون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى أبابكر وعمر، فقالت: وما تعجبون من هذا؟ انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا ينقطع عنهم الأجر.
2 - روى ابن بطة في شرح الإبانة (ص 119) بإسناد صحيح إلى ابن عباس رضي الله عنه قال: لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلمقام أحدهم ساعة يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم خير من عمل أحدكم أربعين سنة.
3 روى أبويعلى والطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت لأبي عبد الله الجدلي: يا أبا عبد الله أيسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكم، قلت: أنى يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: أليس يسب علي ومن يحبه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه. مجمع الزوائد (9/ 130) بسند صحيح.
4 - روى محمد بن عبد الواحد المقدسي بإسناده إلى سعيد بن عبد الرحمن بن أبي أبزى قال: قلت لأبي: ما تقول في رجل يسب أبا بكر؟ قال: يقتل، قلت: سب عمر؟ قال: يقتل. تهذيب التهذيب (6/ 132 - 133).
5 قال مالك بن أنس رحمه الله: الذي يشتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له سهم أوقال نصيب في الإسلام. شرح الإبانة لابن بطة (ص 162).
6 - قال عبد الرحمن بن عمروالأوزاعي: من شتم أبا بكر الصديق رضي الله عنه فقد ارتد عن دينه وأباح دمه. نفس المصدر. إلى غيرها من الأقوال الكثيرة.
حكم ساب الصحابة وعقوبته
اختلف أهل العلم في الحكم والعقوبة التي يستحقها من سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجرحهم، هل يكفر بذلك وتكون عقوبته القتل، أوأنه يفسق بذلك ويعاقب بالتعزيز.
1 - ذهب جمع من أهل العلم إلى القول بتكفير من سب الصحابة رضي الله عنهم أوانتقصهم وطعن في عدالتهم وصرح ببغضهم وأن من كان هذه صفته فقد أباح دم نفسه وحل قتله، إلا أن يتوب من ذلك ويترحم عليهم.
وممن ذهب إلى هذا القول من السلف:-
1 - الصحابي عبد الرحمن بن أبزى، كما في كتاب النهي عن سب الأصحاب (ص 23).
2 - عبدالرحمن بن عمروالأوزاعي، في شرح الإبانة لابن بطة (ص 162).
3 - أبوبكر بن عياش، كما في شرح الإبانة (ص 160).
4 - سفيان بن عيينة، كما في كتاب النهي عن سب الأصحاب (ص 24 - 25).
5 - محمد بن يوسف الفريابي، كما في شرح الإبانة (ص 160).
6 - بشر بن الحارث المروزي، كما في شرح الإبانة (ص 162).
7 - محمد بن بشار العبدي، كما في شرح الإبانة (ص 160).
وغيرهم كثير، فهؤلاء الأئمة صرحوا بكفر من سب الصحابة وبعضهم صرح مع ذلك أنه يعاقب بالقتل، وإلى هذا القول ذهب بعض العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية.
2 وذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أن ساب الصحابة لا يكفر بسبهم بل يفسق ويضلل ولا يعاقب القتل ن بل يكفي بتأديبه وتعزيره تعزيراً شديداً يردعه ويزجره حتى يرجع عن ارتكاب هذا الجرم الذي يعتبر من كبائر الذنوب وفواحش المحرمات، وإن لم يرجع تكرر عليه العقوبة حتى يظهر التوبة، وممن يرى بذلك من الأئمة:-
1 - عمر بن عبد العزيز، كما في الصارم المسلول (ص 569).
2 - عاصم الأحول، كما ذكره ابن تيمية في الصارم المسلول (ص 569).
3 - الإمام مالك، كما في الشفاء (2/ 267).
4 - إسحاق بن راهوية، كما في الصارم المسلول (ص 568)
وجمع غفير من الأئمة، فهذه النقول توضح أن طائفة من أهل العلم ذهبوا إلى أن ساب الصحابة فاسق ومبتدع ليس كافراً، يجب على السلطان تأديبه تأديباً شديداً لا يبلغ به القتل.
والذي يترجح أن ساب الصحابة لا يكفر، لكن هذا ليس على إطلاقه، وإنما هومشروط بعدم مصادمة النصوص الصريحة من الكتاب والسنة الصحيحة، وعدم إنكار ما هومعلوم من الدين بالضرورة، وعلى هذا يحمل كلام من أطلق القول بعدم التكفير. والله سبحانه وتعالى أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله وعلى اله وصحبه أجمعين أما بعد .

فقد كنتُ اطلع على سخافات القوم في فترة راحتي , فوجدتُ شيئاً غريباً عجيباً يثبت لنا أن القوم بلغوا ما بلغوا من ضعف الفهم وأعضاء في منازل العلماء في دينهم الهش ولكن جهلة لا يعرفون شيئاً من العلم والحديث , فكيف إستخرجوا قولهم " هدمت عدالة الصحابة من هذا الحديث " أما تستحون من أنفسكم وأنتم بهذا الجهل المفرط .

عنوان الموضوع :


اقتباس
(صحيح مسلم) لو اطلع الصحابة على عذاب القبر لم يتدفنوا!! هل بقيت عدالة ؟

محتواه :

اقتباس
صحيح مسلم : لو اطلع الصحابة على عذاب القبر لم يتدفنوا

1 - بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار ، على بغلة له ، ونحن معه ، إذ حادت به فكادت تلقيه . وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة ( قال : كذا كان يقول الجريري ) فقال " من يعرف أصحاب هذه الأقبر ؟ " فقال رجل : أنا . قال " فمتى مات هؤلاء ؟ " قال : ماتوا في الإشراك . فقال " إن هذه الأمة تبتلى في قبورها . فلولا أن لا تدافنوا ، لدعوت لله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه " ثم أقبل علينا بوجهه ، فقال " تعوذوا بالله من عذاب النار " قالوا : نعوذ بالله من عذاب النار . فقال " تعوذوا بالله من عذاب القبر " قالوا : نعوذ بالله من عذاب القبر . قال " تعوذوا بالله من الفتن ، ما ظهر منها وما بطن " قالوا : نعوذ بالله من الفتن ، ما ظهر منها وما بطن . قال " تعوذوا بالله من فتنة الدجال " قالوا : نعوذ بالله من فتنة الدجال .
الراوي: زيد بن ثابت المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2867
خلاصة حكم المحدث: صحيح


2 - إن هذه الأمة تبتلى في قبورها ، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه ، تعوذوا بالله من عذاب النار ، تعوذوا بالله من عذاب القبر ، تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، تعوذوا بالله من فتنة الدجال
الراوي: زيد بن ثابت المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 2262
خلاصة حكم المحدث: صحيح


===================

هل يصر أهلل السنة أن الصحابة كلهم عدول بعد هذا الذي بلغكم من قول رسول الله صلى الله عليه وآله في صحيح مسلم؟

قلتُ أين الإشكال في هذا الحديث ؟

هل إخبار النبي صلى الله عليه وسلم لهم بأنهُ لولا ان تدافنوا لأسمعكم الله عذاب القبر هل هذا يعني أن أصحاب النبي سيعذبون , وهل هدم عدالة الصحابة ومع أحد الأخوة .

فرد أحد الأخوة وكان يمسى عبد لله :


اقتباس
أين العلة في هذا الحديث وكيف يقدح في عدالة الصحابة . 


فعلق الأخ الكريم تعليقاً أخيراً فقال :

اقتباس
لا أدري من ضعيف الفهم في قواعد اصول الحديث وشروح المتون عند أهل السنه فلا تحاول أن تشرح حديثٍ عند أهل السنة وتفسره كما تريد فقوله : " إن هذه الأمة تبتلى في قبورها . فلولا أن لا تدافنوا ، لدعوت لله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه " فإن النبي صلى الله عليه وسلم إن أمتي تبتلى في قبورها أي بلاء القبور وما فيه ولكن مسألة مقتل الصحابة شهداء وعابدين فإن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو نجى أحدٌ منها لنجى سعد بن معاذ ) وهذا في ضمة القبر أي أن ضمة القبر لا ينجوا منها أي أحدٍ ولهذا لأمرٍ اراده النبي صلى الله عليه وسلم لأخبرهم ما في القبر من عذاب لولا أنهم لا يدفنون لأخبرهم ..

ولهذا ليس في الأمر نقض لعدالتهم بل إنه يخبرهم لأنكم تدفنون في قبوركم ومن فتنة القبر ضمة القبر والصحابة عدول شهد الله تبارك وتعالى لهم بالإيمان فالمؤمن في القبر لا يفتتن لأن الله تبارك وتعالى يقول : ( ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) فالصحابة شهد الله تبارك وتعالى لهم بالإيمان فإنه يثبتهم يوم السؤال وقد ثبت أن الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه أتى عثمان بن عفان فسأله عن ما فعله في القبر فقال له عمر رضي الله تعالى عنه : أنه أجلس الملكان وصار يسألهما من ربكما ما دينكما ماذا تقولا في النبي الذي أرسل فينا .

فالصحابة في الجنه وأمنوا من القبر وفتنته وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلم الأمة ويعلم الصحابه وليس فيه أن الصحابة يعذبون في القبر .

لكن سؤالنا أين القرينة في الحديث على هدم عدالة الصحابة ...

وننتظر ...

يا رافضة نعم [ عصم الله الصحابة من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبد الله وعلى أله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلي يوم الدين .

إن من سخافة الفهم وركاكة التعبير أن يفهم قول أعلام الدين وأئمة المسلمين على غير منزلهِ وصحيحهِ , فيأتون بالنصوص فيلوون أعناقها لتتماشى مع ما تريد الأهواء وهذا إن دل على شيء فيدل على أن هؤلاء القوم لا نصيب لهم من العلم , وأن البضاعة التي يحملونها كاسدة لا قيمة لها وليس بالغريب ما وقعوا فيه من الضلالات , فإنهم كما قال من أثق بهم " لصوص المزابل أخزاهم الله " فلا يميزون بين الغث والسمين , ولا يميزون بين الصحيح والسقيم والله تعالى المستعان , فبين يدي قول شيخ الإسلام إبن تيمية في حق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رماهُ أعداء الله بأنه يعتقد بالعصمة التي يعتقدونها لأئمتهم فتعس وضل هذا الرافضي .

قال ذهبي العصر شيخنا المعلمي في الأنوار الكاشفة :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على الاخنائي ص163 : (( فلا يعرف من من الصحابة من كان يعتمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان فيهم من له ذنوب لكن هذا الباب مما عصمهم الله فيه )) . إ.هـ. نعم عصم الله تبارك وتعالى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فهل هي مثل العصمة التي تدعونها للأئمة المعصومين كما تسمونهم فرضي الله عنهم هم منكم براء ..

ثم يتابع قولهُ رحمه الله قائلاً : " "قد ينفر بعض الناس من لفظة (( العصمة )) !! وإنما المقصود أن الله عز وجل وفاء بما تكفل به من حفظ دينه وشريعته هيأ من الأسباب ما حفظهم به وبتوفيقه سبحانه من أن يتعمد أحد منهم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: فلماذا لم يحفظهم الله تعالى من الخطأ ؟ .قلت : الخطأ إذا وقع من أحد منهم فإن الله تعالى يهيئ ما يُوقف به عليه، وتبقى الثقة به قائمة في سائر الأحاديث التي حدَّثَ بها مما لم يظهر فيه خطأ، فأما تعمد الكذب فإنه إن وقع في حديث واحد لزم إهدار الأحاديث التي عند ذاك الرجل كلها، وقد تكون عنده أحاديث ليست عند غيره."إ.هـ. إنتهى كلامه رحمه الله تعالى في الأنوار الكاشفة . فهذه عقيدة الطائفة المنصورة فلسنا ممن يعتقد العصمة المطلقة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لا عصمة بعد الأنبياء ولكن ما قولكم في العصمة التي تقولونها في أهل البيت عصمة من الخطأ والنسيان والزلل وما إلي ذلك فهل هذه الصفات خرجت عن نطاق العصمة بكثير فذهبت لتكون إلوهية والعياذ بالله .

كتبهُ

اهل الحديث

شبهة البخاري يوجهُ ضربة لكل معتقد بعدالة الصحابة

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمدُ لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوثِ رحمةً للعالمين محمد بن عبد الله وعلى أله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلي يوم الدين أما بعد / يقول الرافضة البخاري يوجهُ ضربة لكل من يقول بعدالة الصحابة رضي الله عنهم , وغريبٌ حالُ هؤلاء الرافضة لا يفقهون من القول شيئاً ولكن هل ثبت أن البخاري ضرب بعدالة الصحابة كلهم رضي الله عنهم عرض الحائط كما يقولون , وعنون الشبهة بان قال فيها كما سننقل لكم بإذن الله تعالى . 

قال الرافضي : [ 6580 حدثنا آدم بن أبي إياس حدثنا شعبة عن واصل الأحدب عن أبي وائل عن حذيفة بن اليمان قال إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون الراوي: أبو وائل المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 7113خلاصة الدرجة: [صحيح] ] . قلتُ : أما وقد برأت الذمةُ من أمثال هؤلاء إذ يدخلون في النصوص سمهم فلا يعرفُ كيف يميزُ بين الحق والباطل نسأل الله تعالى العافية , وعليه نقول لعابد القبور .

قال الحافظ إبن حجر في الفتح (ص80) : " قوله ( على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال الكرماني هو متعلق بمقدر نحو الناس ، إذ لا يجوز أن يقال إنه متعلق بالضمير القائم مقام المنافقين لأن الضمير لا يعمل . قال ابن بطال إنما كانوا شرا ممن قبلهم لأن الماضين كانوا يسرون قولهم فلا يتعدى شرهم إلى غيرهم ، وأما الآخرون فصاروا يجهرون بالخروج على الأئمة ويوقعون الشر بين الفرق فيتعدى ضررهم لغيرهم . قال : ومطابقته للترجمة من جهة أن جهرهم بالنفاق وشهر السلاح على الناس هو القول بخلاف ما بذلوه من الطاعة حين بايعوا أولا من خرجوا عليه آخرا انتهى . وقال ابن التين أراد أنهم أظهروا من الشر ما لم يظهر أولئك ، غير أنهم لم يصرحوا بالكفر ، وإنما هو النفث يلقونه بأفواههم فكانوا يعرفون به . كذا قال ، ويشهد لما قال ابن بطال ما أخرجه البزار من طريق عاصم عن أبي وائل قلت لحذيفة النفاق اليوم شر أم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : ص: 80 ] فضرب بيده على جبهته وقال : أوه ، هو اليوم ظاهر ، إنهم كانوا يستخفون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " . قلتُ : لا يحملُ هذا الحديث على غير الحقيقة التي فيها هذا الحديث , فمثلاً قالت الرافضة أن البخاري يوجه ضربة لمن يقول بعدالة الصحابة , والغريب أن من ذكر في حقه حديث الإثنى عشر منافقاً والذين كان يعرفهمُ رضي الله عنه حذيفة بن اليمان , مات 8 منهم بمرض الدبيلة , وواحد لا يعرفُ برد الماء في فيهِ من شد الشيخوخة , وإثنين نزلت فيهم آياتٌ من القرآن الكريم , وآخر وهو عبد الله بن أبي بن سلول أما قولهم كيف يحكمُ بعدالة الصحابة كلهم . 

فأما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعني أقتله ( عبد الله بن أبي سلول ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب " أتريدُ للناس أن يقولوا أن محمد يقتل أصحابهُ " فذلك لا يعني الصحبة بالمفهوم العام , والصحيح لتعريف الصحابي ويعني بذلك من كان فيهم النبي صلى الله عليه وسلم وليس تعريف الصحابي المتعارف عليه بين أهل العلم والحديث فيقول الله تبارك وتعالى " وإلي عادٍ أخاهم هودا " وقال الله " وإلى مدين أخاهم شعيبا " فلا يدخلُ مثل هؤلاء في الصبحة الإيمانية والشهادة بالإيمان أيها الرافضة , فلا يقالُ أن حذيفة وقد مات بعد روايتهِ لهذا الحديث بسنوات أن المراد أن الصحابة الخلفاء الثلاثة هم من عينهم حذيفة في الحديث إلا أن فتنة المنافقين الذين عرفهم النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر بهم حذيفة بدأت نشاطهم في ذلك الوقت والحديث ليس بالخصوص بل الحديث " عام " شاملٌ لكل من يظهرُ نفاقهُ فيعادي الإسلام والمسلمين , وعليه فهذه شبهة أبلى من عقيدتكم . 

كتبه / 

أهل الحديث 

هل جميع الصحابة عدول؟
 
 (1) هناك فرق بين من يناقش هذه القضية وهو مسيء للظن بأولئك الصحب الكرام؛ بسبب رواسب عقدية معروفة، وبين من ينظر إليهم نظرة محبة وإجلال؛ بسبب مواقفهم المشرَّفة في نصرة هذا الدين، والدفاع عنه، وصبرهم على الأذى فيه، وبذلهم المهج والأرواح والأموال في سبيله، أو لست ترى عجب عروة بن مسعود الثقفي –حين كان مشركاً – من الصحابة في الحديبية، وذلك حين رجع إلى قومه، فقال: "أي قوم! والله! لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله! إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمدٍ محمداً – صلى الله عليه وسلم -! والله إن تنخّم نخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم فَدَلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدّون إليه النظر تعظيماً له ... إلخ ما قال " البخاري (2731-2732).
(2) 
تأمل قوله – تعالى-: "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً " [الفتح:29] .
و قوله – تعالى-: "وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين* وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألَّف بينهم إنه عزيز حكيم" [الأنفال:62-63].
وقوله – تعالى-:"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله " [آل عمران:110] .
وقوله – تعالى -: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً" [البقرة:143].
ثم انظر ماذا ترى؟ أو لست ترى تعديلهم في الجملة؟
فإن أشكل عليك العموم، فخذ الخصوص: "لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم" [التوبة:117] .
وهذه كانت عقب غزوة العسرة (تبوك)، وكانت في آخـر حياته – صلى الله عليه وسلم-.
وقال تعالى: "لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنـزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً* ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزاً حكيماً" [الفتح:18-19].
وهذه تزكية عظيمة لأهل بيعة الرضوان .
وقال – تعالى -: "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم " [التوبة:100].
وهذا نص قاطع في تزكية عموم المهاجرين والأنصار ، بل ومن تبعهم بإحسان.
وقريب منه قوله – تعالى -: " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون*والذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثـرون على أنفسهم ولـو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" [الحشر:8-9]
وتأمل الآية بعدها:"والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم "[الحشر:10]. 
وقال – تعالى-: "لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير " [الحديد:10].
فكم سيكون عدد هؤلاء الصحابة الذين زكاهم الله – تعالى- وعدَّلهم ممن شملتهم الآيات؟ ومن الذي سيبقى؟ أهم الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا؟ أو ليس الله – تعالى – يقول: "وكلاً وعد الله الحسنى"؟
(3) فإن كان القصد من إيراد هذه الشبه إقصاء بني أمية عن شرف الصحبة ، فمن الذي يستطيع أن يقصي عثمان – رضي الله عنه –؟ أو ليس دون ذلك خرطالقتاد؟
وأما معاوية وعمرو بن العاص – رضي الله عنهما – فهل كان يخفى على النبي – صلى الله عليه وسلم – أمرهما حين أمّر عَمْراً على جيش ذات السلاسل وفيهم أبو بكر وعمر – رضي الله عنهما- [البخاري (3662) ومسلم (2384)]؟ أو ليس هو ممن أسلم طوعاً وهاجر قبل الفتح؟ فماذا يريد من ذلك؟
ومثله معاوية – رضي الله عنه – كيف ائتمنه النبي – صلى الله عليه وسلم – على كتابة الوحي إن لم يكن عدلاً ؟ وكيف وثق به عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- وولاه إمرة جيش الشام مع ما عرف من شدة عمر – رضي الله عنه – في الولاية حتى إنه عزل عنها سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه -؟ وكيف سكت باقي الصحابة عن ذلك لو لم يكن عدلاً عندهم؟ وكيف زكاه بعض الصحابة كابن عباس وغيره؟ ولماذا لم يتهمه خصومه كعلي – رضي الله عنه – ومن معه من الصحابة في دينه إذا لم يكن عدلاً؟ وكيف قَبِلَ الحسن بن علي – رضي الله عنهما – بالتنازل عن الخلافة له مع كثرة أتباعه وأعوانه إذا كان مشكوكاً في عدالته ؟ وكيف قبل باقي الصحابة ذلك؟
(4) فإن ارتضيت المهاجرين والأنصار وأهل بيعة الرضوان وبيعة العقبة والذين أسلموا قبل الفتح وأنفقوا وقاتلوا ، وظهر لك ما تقدم عن معاوية وعمرو بنالعاص – رضي الله عنهما- فمن بقي؟ فليكن السؤال محصوراً إذاً في: هل ثبتت صحبة فلان وفلان؟ ممن يرى مثير الشبهة أنهم خارجون عن الأدلة السابقة.
(5) 
ليس المراد بعدالة الصحابة – رضي الله عنهم – عصمتهم من الخطأ والنسيان والذنوب والعصيان ، فالعصمة لم تثبت لأحد بعد الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام، وإنما المراد بعدالتهم – رضي الله عنهم – براءتهم من النفاق ، وصدق محبتهم لله ورسوله، وأنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ( منهاج السنة ) ( 1/306-307): "الصحابة يقع من أحدهم هنات، ولهم ذنوب، وليسوا معصومين، لكنهم لا يتعمدون الكذب، ولم يتعمد أحد الكذب على النبي – صلى الله عليه وسلم – إلا هتك الله ستره" ا.هـ، والدليل على ذلك: ما جاء في (صحيح البخاري (6780في قصة الرجل الذي جيء به عدة مرات وهو يشرب الخمر ويجلد، فلما لعنه أحد الصحابة نهاه النبي – صلى الله عليه وسلم-، وقال: "لا تلعنوه، فو الله ما علمت إنه يحب الله ورسوله ".
وقصة حاطب بن أبي بلتعة – وهي مخرجة في الصحيحين [البخاري (4890ومسلم (2494)] – معروفة، فإنه اتهم بالتجسس على المسلمين، ومع ذلك نفى عنه النبي – صلى الله عليه وسلم – الكفر، وقال: "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقالاعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".
(6) 
المتتبع لسيرة الصحابة – رضي الله عنهم – يجد أن من نُقل عنه اقترافه شيئاً من الآثام قلة قليلة، وبعض هذه القلة لا يثبت عنه ذلك، ومن ثبت عنه اعتُذر عنه ببعض الأعذار التي لو أعرضنا عنها وافترضنا ثبوت ذلك عنه لما كان له أثر في أصل القضية التي نتحدث عنها ؛
لأن القصد حماية جناب السنة بحماية جناب نقلتها وحامليها،
ومن نظر بعين الإنصاف وجد حَمَلَةَ السنة من الصحابة – رضي الله عنهم – لم يرد عنهم شيء مما ذُكر، وإنما ورد ذلك عن أناس اختلف في صحبتهم كالوليد بن عقبة، ومع ذلك فليس لهم رواية - بحمد الله -، وأعني بذلك بعد وفاته – صلى الله عليه وسلم –، وأما حال حياته فقد كانت تقع من بعضهم تلك الأمور لمصلحة التشريع كما لا يخفى.
يقول الألوسي – رحمه الله – في (الأجوبة العراقية) (ص 23-24): "ليس مرادنا من كون الصحابة – رضي الله عنهم – جميعهم عدولاً: أنهم لم يصدر عن واحد منهم مفسَّق أصلاً، ولا ارتكب ذنباً قط، فإن دون إثبات ذلك خرط القتاد، فقد كانت تصدر منهم الهفوات ...." إلى أن قال: " ثم إن مما تجدر الإشارة إليه، وأن يكون الإنسان على علم منه: هو أن الذين قارفوا إثماً من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثم حُدّوا هم قلة نادرة جداً، لا ينبغي أن يُغَلَّب شأنهم وحالهم على الألوف المؤلفة من الصحابة – رضي الله عنهم – الذين ثبتوا على الجادة والصراط المستقيم، وحفظهم الله – تبارك وتعالى – من المآثم والمعاصي، ما كبُر منها وما صغر، وما ظهر منها وما بطن، والتاريخ الصادق أكبر شاهد على هذا ".
ويقول الغزالي في (المستصفى) (ص 189-190): "والذي عليه سلف الأمة وجماهير الخلف: أن عدالتهم معلومة بتعديل الله – عز وجل – إياهم ، وثنائه عليهم في كتابه، فهو معتقدنا فيهم إلا أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد لفسق مع علمه به، وذلك لا يثبت، فلا حاجة لهم إلى تعديل".
(7) 
والمقصود بالمفسَّقات التي نتحدث عنها : ما عدا الفتن التي نشبت بينهم – رضي الله عنهم – فمع كون قتل المسلم يُعد مفسَّقاً إلا أن ما كان منه بتأويل يخرج عما نحن بصدده، والأدلة على هذا كثيرة، ومن أهمها:
قوله - تعالى -: "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما " [الحجرات:10]، فوصفهم- سبحانه – بالإيمان مع وجود الاقتتال.
وأخرج البخاري (2704) عنه – صلى الله عليه وسلم – أنه قال عن الحسن بن علي – رضي الله عنهما – : " إن ابني هذا سيد ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". 
ولذا عذر أهل السنة كلتا الطائفتين، وتولّوهما، وإن كانت واحدة أقرب إلى الحق من الأخرى.
(8) 
مما لا شك فيه أنه لا يمكن العمل بالقرآن إلا بالأخذ بالسنة، ولا تصح السنة ولا تثبت إلا بطريقة أهل الحديث ، وأهمها جذر الإسناد، وهم الصحابة – رضي الله عنهم-، ولذا يقول أبو زرعة الرازي – رحمه الله -: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فاعلم أنه زنديق؛ لأن الرسول – صلى الله عليه وسلم – عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحابُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، فهم زنادقة" أخرجه الخطيب البغدادي في (الكفاية) (ص 66-67)، وكان قد قال قبله: "على أنه لو لم يَرِد من الله – عز وجل – ورسوله فيهم – أي الصحابة – شيء مما ذكرناه، لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المـُهَج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطع بعدالتهم والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدَّلين والمزكين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين " ا.هـ.
(9) 
هناك سؤال عكسي نوجهه لمن يثير هذه الشبهة، فنقول: ما هو البديل في نظرك؟
أ. فهل ترى أن الإسلام يؤخذ من القرآن فقط؟.
فقل لي: من الذي نقل إلينا القرآن؟ ومن الذي جمعه؟ وهل تستطيع أن تقيم الإسلام بالقرآن فقط؟ وماذا نصنع بالآيات الكثيرة الدالة على وجوب الأخذ بالسنة، كقوله – تعالى -:"وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" [الحشر:7]، وقوله – تعالى-: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون" [النحل:44].
ب. أو ترى أنه يؤخذ بالسنة ، ولكن من طريق صحابة بأعيانهم ثبتت لديك عدالتهم، ومن عداهم فلا ؟ فسمَّهم لنا وبيَّن لنا موقفك من البقيـة الباقيـة بكل وضوح، وسترى من الذي تنتقض دعواه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد .

 
يستنكرون عدالة صحابة
محمد صلوات الله وسلامه عليه
ويعتقدون العصمة بمراجعهم
حيث يقول السستاني عن صفة مرجع التقليد :

مسألة 29 : ( العدالة ـ المعتبرة في مرجع التقليد عبارة عن ـ : الاستقامة في جادة الشريعة المقدسة الناشئة غالباً عن خوف راسخ في النفس . وينافيها ترك واجب، او فعل حرام من دون مؤمن ولا فرق في المعاصي في هذه الجهة بين 
((الصغيرة ))(( والكبيرة)) ). 

فالصغيرة والكبيرة تنافي عدالة المرجع ولو سألتهم هل السستاني عدل
الجواب نعم وعلى تعريفهم من لا يفعل صغيرة ولا كبيرة
وهذا نوع عصمة

http://www.sistani.org/html/ara/menu.../1/taqlid.html

عدالة الصحابة
كيف يمكن لنا أن نقول بعدالة الصحابة جميعاً، والله تبارك وتعالى قد صرح بردتهم جميعاً بعد وفاة نبيه إلا ثلاثة منهم ([1])، مثلما جاء في قوله تبارك وتعالى: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) [آل عمران:144].
الجواب:
أولاً: يجب على القارئ لكتب التفسير أن يختار من يقرأ له من المفسرين، فيتحرى أصحاب العقائد الصحيحة، ممن شهد له العلماء المجتهدون بالعلم والفضل، ويكون على إلمام بأصول التفسير كأسباب نزول القرآن، والناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، وغيره حتى لا يفسر أويأوّل كلام الله تعالى من غير علم.
ثانياً: ذكر علماء التاريخ، وكذا المفسرون أن تلك الآية نزلت في واقعة محددة معلومة، وهي انهزام المسلمين في غزوة أحد، وكانت هذه الواقعة من أوائل الغزوات التي قاتل فيها المسلمون، فكيف يكون ما نزل في بداية الهجرة، وفي حادثة معينة محددة، دليلاً على ردة الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؟!
قال الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره: سبب النزول، أن الآية الأولى من هاتين الآيتين ناظرة أيضاً إلى حادثة أخرى من حوادث معركة أحد، وهي الصيحة التي ارتفعت فجأة في ذروة القتال بين المسلمين والوثنين: أن قتلت محمداً، قتلت محمداً ([2]).
وقال محمد جواد مغنية في تفسيره: تشير هذه الآية إلى واقعة معينة وهي واقعة أحد ([3]).
ثالثاً: سياق الآية لا يدل على ردة الصحابة، بل فيه معاتبة وإرشاد من الله عز وجل للصحابة على ما كان منهم من هلع وجزع في غزوة أحد، عندما قيل لهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد قُتل , فيخبر الله هؤلاء النفر: أن محمداً بشر، اختاره الله لرسالته إلى خلقه وقد مضت قبله رسل، بعثهم الله لأقوامهم فأدوا الرسالة ومضوا وماتوا، وقُتل بعضهم، وأنه كما ماتت الرسل قبله سيموت صلى الله عليه وسلم، فليس الموت بمستحيل عليه ولربما القتل، ثم أكد ذلك، فقال سبحانه: ((أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) [آل عمران:144] معناه: أفإن أماته الله، أوقتله الكفار، ارتددتم كفارا بعد إيمانكم فسمي الارتداد انقلاباً على العقب: وهوالرجوع القهقرى؛ لأن الردة خروج إلى أقبح الأديان، كما أن الانقلاب خروج إلى أقبح ما يكون من المشي.
والألف في قوله (أفإن مات): ألف إنكار، صورته صورة الاستفهام، كما في قوله تعالى: ((وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ)) [الأنبياء:34].
رابعاً: كيف نحكم على من انهزم من الصحابة بالردة وقد عفا الله عنهم بقوله:
((إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)) [آل عمران:155]؟!
خامساً: إن هذه الآية تذكرنا بموقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وشجاعته وقوة تعلقه بالله تبارك وتعالى، واستحضاره لآياته عند المواقف الصعبة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) [آل عمران:144].
حينما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في صدمة من شدة الموقف، فمنهم من أنكر موت النبي صلى الله عليه وسلم كعمر بن الخطاب رضي الله عنه لشدة تعلق قلبه بحبيبه، ومنهم من التزم الصمت وهوفي حيرة، وارتد كذلك كثير من الأعراب عن الإسلام بسبب موت النبي صلى الله عليه وسلم، وترك بعضهم الزكاة وغيرها كما أسلفنا.
سادساً: من المعلوم أن الذي يرتد عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لا يقال عنه صحابي؛ لأن الصحابي في الشرع كما أسلفنا هومن لقي النبي مؤمناً به ومات على الإسلام، والذي يرتد عن الإسلام لا يكون منهم.
السؤال الثاني:
كيف يمكن لنا أيضاً أن نحكم على عدالة وصدق من حكم الله على ردتهم وتبديلهم لدينهم يوم القيامة، مثلما هووارد في حديث الحوض، والذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أصحابي أصحابي)، ثم أتاه الجواب الحاسم من ربه: إنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم؟
الجواب:
يمكن توجيه هذا الاستدلال إلى الفهم الصحيح من خلال الآتي:
أولاً: أن المراد بالأصحاب هنا هم المنافقون الذين كانوا يظهرون الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تبارك وتعالى: ((إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)) [المنافقون:1].
والمنافقون فيهم من عَلِمَ النبي صلى الله عليه وسلم باطنه - وهم الأكثر- وفيهم من لم يعلمه وأولئك الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أصحابي أصحابي) كانوا من المنافقين الذين خفي باطنهم على النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال جل وعلا: ((وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ)) [التوبة:1.1].
فالذين قال فيهم (أصحابي) عند الحوض كانوا من المنافقين المتواجدين في المدينة، والذين كان يظن صلى الله عليه وسلم أنهم من الصحابة، ولم يكونوا كذلك، لعدم معرفته صلى الله عليه وسلم للغيب وأحوال الناس الباطنة، وكان الحكم الشرعي يقتضي الحكم على الظاهر فقط.
ثانياً: قد يكون المراد بالأصحاب هنا أولئك الذين ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كحال الكثير من العرب المرتدين، وممن أسلموا في السنوات الأخيرة.
روى المجلسي في البحار عن السيد ابن طاوس أنه قال: ذكر العباس بن عبد الرحيم المروزي في تاريخه: لم يلبث الإسلام بعد فوت النبي صلى الله عليه وسلم في طوايف العرب إلا في أهل المدينة وأهل مكة وأهل الطائف، وارتد ساير الناس.
ثم قال: ارتد بنوتميم والرباب واجتمعوا على مالك بن نويرة اليربوعي، وارتدت ربيعة كلها، وكانت لهم ثلاث عساكر، باليمامة مع مسيلمة الكذاب، وعسكر مع معرور الشيباني، وفيه بنوشيبان وعامة بكر بن وايل وعسكر مع الحطيم العبدي، وارتد أهل اليمن ارتد الأشعث بن قيس في كندة، وارتد أهل مأرب مع الأسود العنسي وارتد بنوعامر إلا علقة بن علاثة ([4]).
ثالثاً: قد يراد بكلمة (أصحابي) كل من صحب النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الطريق القويم، ولولم يره، ويدل على هذا رواية: (أمتي، أمتي) ورواية: (إنهم أمتي).
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أعرفهم)، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بين أنه يعرف هذه الأمة من آثار الوضوء.
وهذا كما قال الله عز وجل على لسان النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ((وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً)) [الفرقان:3.] فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يقصد بالقوم أصحابه ومن كان في زمنه، بل يقصد ما سيحدثه أتباعه من أمته من بعده بهجرانهم للقرآن.
فهؤلاء هم الذين يقول فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أصحابي أصحابي). فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك .. أي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أدبارهم منذ فارقتهم.
السؤال الثالث:
كيف نقول بعدالة الصحابة، والله قد ذمهم في عدة مواضع في كتابه بآيات صريحة:
مثل قوله سبحانه عند تثاقلهم عن الجهاد: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ)) [التوبة:38].
وجاء وعيد الله وتحذيره لهم: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) [المائدة:54] , وأيضاً ذم الله عدم خشوع قلوبهم لذكره، كما في قوله تعالى: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)) [الحديد:16].
أوعند تركهم للنبي صلى الله عليه وسلم عند قدوم التجارة، فقال تعالى: ((وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)) [الجمعة:11].
الجواب:
أولاً: يجب على المسلم أن يكون باحثاً عن الحق تاركاً للتعصب الفكري، طالباً للهداية كما نقرأ في صلاتنا قوله تعالى: ((اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)) [الفاتحة:6]، وأن يجتنب الباطل ولوكان صادراً من عالم أوشيخ يقلده؛ لأن الله ذم أهل التعصب، الذين قالوا: ((إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)) [الزخرف:23].
ثانياً: لا بد أن نعلم أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم غير معصومين من الخطأ، والإسلام حفظهم من رذائل الجاهلية التي كانت متفشية في مجتمعاتهم.
فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم داعياً إلى توحيد الله بفعل الطيبات، وترك ما كانوا عليه من مفاسد، استجابوا له وآمنوا به اختياراً منهم، فعلمهم الله ووجههم إلى الخير والصلاح، ونهاهم وحذرهم من المحرمات، فكان يناديهم في كتابه العزيز بقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)).
فالصحابة رضي الله عنهم قد تعلموا عن طريق الأخطاء الناتجة من بعضهم بسبب جهلهم بهذا الدين الجديد أوتأثرهم بالجاهلية، وهذا يشمل الصحابة من آل البيت كالعباس وحمزة وجعفر الطيار وغيرهم من الصحابة من غير آل البيت.
وهذه الأوامر والنواهي والتحذيرات لم ولن تختص بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقط بل هي حجة على الأمم المتبعة لهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثالثاً: الله تبارك وتعالى فرّق في ندائه بين أهل الإيمان وأهل الكفر، فحينما ينادي أهل الإيمان كان يخاطبهم بقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)).
وحين يوجه كلامه للكفار أولعموم الناس، مؤمنهم وكافرهم كان يقول في خطابه لهم: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ)).
رابعاً: لنفترض جدلاً أننا وإن لم نفهم القرآن ونفقه تفسيره، ماذا سيكون جوابنا حينما يقول لنا أحد المستشرقين المتعصبين: إن نبي الإسلام محمد بن عبد الله يطيع الكفار والمنافقين مثلما جاء في القرآن: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً)) [الأحزاب:1].
بل يدعي على ديننا فيقول: إن نبيكم يحلل ما حرمه الله فقط لإرضاء زوجاته، مثل ما في القرآن: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [التحريم:1] , أوأن نبيكم كان يريد أن يصلي على المنافقين ليترحم عليهم: ((وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ)) [التوبة:84].
فلابد أن يكون جوابك أيها المحب بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعصي ربه فيما أمره به والآيات تفيد بأن الله تعالى يعلّم نبيه شرعه ودينه ليبلغه للناس، كما قال تعالى:
((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً)) [الأحزاب:45].
كما أن الله تبارك وتعالى قد بين في كثير من المواضع في كتابه العزيز، كقوله تعالى:
((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)) [التحريم:9].
((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ)) [الأحزاب:59].
خامساً: ما جوابنا يا ترى حينما يقول لنا أحد النواصب قاصداً الطعن بالإمام علي عليه السلام، ومستدلاً في طعنه عليه بظاهر القرآن والروايات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ويقول لنا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أنزل الله عز وجل آية وفيها قوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) إلا وعلي عليه السلام رأسها وأميرها) ([5]).
ودليل هذا ما ثبت في صحيفة الإمام الرضا عليه السلام قوله: (ليس في هذا القرآن ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) إلا في حقنا) ([6]).
فالجواب على هذا الناصبي لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم يكون كالجواب على ذلك الناصبي الذي ناصب العداء عموماً لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم!!
([1]) انظر: رجال الكشي: (ص:11)، بحار الأنوار: (28/ 259) (71/ 22.)، الاختصاص: (ص: 6).
([2]) تفسير الأمثل: (2/ 169).
([3]) تفسير الكاشف: (2/ 554).
([4]) بحار الأنوار (28/ 11).
([5]) انظر اليقين في إمرة أمير المؤمنين: (ص:174، 177)، بحار الأنوار: (4./ 21).
([6]) المناقب: (3/ 53)، البرهان (سورة البقرة آية:153).
شبهات حول عدالة الصحابة
شبهاتهم من القرآن الكريم والرد عليها
إن لأهل الزيغ والإلحاد قديماً وحديثاً؛ شبهات كثيرة , يطعنون بها فى عدالة الصحابة، وأساس تلك الشبهات الرافضة؛ الذين فاقوا اليهود والنصارى فى خصلتين كما قال الشعبى (1) - رحمه الله تعالى - فيما رواه عنه ابن الجوزى فى الموضوعات قال: "…فضلت الرافضة على اليهود والنصارى بخصلتين.سئلت اليهود من خير أهل ملتكم؟ قالوا أصحاب موسى-عليه السلام - وسئلت النصارى فقالوا أصحاب عيسى- عليه السلام -، وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ فقالوا حوارى محمد، وأمروا بالإستغفار لهم فسبوهم " (2) .
... فمن مطاعنهم فى عدالة الصحابة: ما استدلوا به من:
__________
(1) هو: عامر بن شراحيل بن عبد ذى كبار، الشعبى الحميرى، أبوعمرو، علامة التابعي ن، كان إماماً حافظاً يضرب المثل بحفظه، روى عن على، وأبى هريرة، وعائشة، وابن عمر , وغيرهم مات سنة 1.3هـ. له ترجمة فى: تقريب التهذيب 1/ 461 رقم 31.3، والكاشف 1/ 522 رقم 2531، والثقات للعجلى ص243 رقم 751، ووفيات الأعيان 3/ 12 - 16 رقم 317 .
(2) الموضوعات 1/ 339 .
1 - قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} (1) وقالوا نزلت فى أكثر الصحابة الذين انفضوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى العير التى جاءت من الشام، وتركوه وحده فى خطبة الجمعة، وتوجهوا إلى اللهو، واشتغلوا بالتجارة، وذلك دليل على عدم الديانة (2) .
2 - واستدلوا أيضاً بما ورد فى القرآن الكريم من آيات تتحدث عن النفاق والمنافقين، وحملوها على أتقى خلق الله، وأطهرهم (رضوان الله عليهم أجمعين) كقوله تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} (3) .
وأيدوا ذلك بما جاء فى السنة المطهرة من أحاديث يطلق فيها لفظ الصحابة على المنافقين .
__________
(1) الآية 11 من سورة الجمعة .
(2) مختصر التحفة الإثنى عشرية ص 271 - 272، وينظر: الصافى فى تفسير القرآن للكاشانى 2/ 7.1، وتفسير القمى لعلى بن إبراهيم القمى 2/ 367، ومجمع البيان للطبرسى 5/ 287، 288، وتفسير فرات الكوفى لفرات بن إبراهيم ص 185، وأعيان الشيعة لمحسن الأمين 1/ 114، وأضواء على السنة لمحمود أبورية ص 359، وركبت السفينة لمروان خليفات ص 223، والإفصاح فى إمامة على بن أبى طالب لمحمد بن النعمان العكبرى ص 37 .
(3) الآية 1.1 من سورة التوبة.
مثل حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: "أتى رَجُلٌ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بِالجِعْرَانَة مُنْصَرَفَهُ من حُنين. وفى ثوب بلال - رضي الله عنه - فِضَةٌ ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبض منها . يعطى الناس. فقال: يا محمد ُ! اعْدِلْ . قال: " ويلك ومن يَعْدِلُ إذا لم أَكُنْ اَعْدِلُ؟ لقد خِبْتُ وَخَسِرْتُ إن لم أكن أعدِل ُ" فقال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه - دعنى يا رسول الله فأقُتل هذا المنافق .فقال: "مَعَاذ الله! أَنْ يتحدث الناس أَنى أَقْتُلُ أَصْحَاِبى . إِنَّ هذا وأصحابَهُ يقرأون القرآنّ لا يُجاوزُ حَنَاجِرَهُم . يَمرُقُونَ منه كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيِة " (1) .
__________
(1) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم 4/ 17.، 171 رقم 1.63. وينظر: الفصول المهمة فى تأليف الأمة لعبد الحسين الموسوى ص 2.3، والصحابة فى نظر الشيعة الإماميةلأسد حيدر ص 31 - 32، ومقدمة مرآة العقول فى شرح أخبار آل الرسول لمرتضى العسكرى 1/ 8، ومعالم المدرستين له أيضاً المجلد 1/ 13.، وأضواء على السنة محمود أبورية ص 354، 356، والحسبة ص 6. وما بعدها، ولماذا القرآن ص 82 - 84 كلاهما لأحمد صبحى منصور، وانظر: له أيضا مقاله (الصحابة بين القداسة والتكفير) مجلة روزاليوسف العدد 3564 ص 22 - 24، والنص والاجتهاد لعبد الحسين شرف الدين ص335، 336، وركبت السفينة لمروان خليفات ص 219 - 223، ومساحة للحوار لأحمد حسين يعقوب ص 131، 169، 171، ونظرية عدالة الصحابة له أيضاً ص 39،وأهل السنة شعب الله المختار لصالح الوردانى ص 37، 1.2، ومع الدكتور موسى الموسوى فى كتابه الشيعة والتصحيح للدكتور علاء الدين القزوينى ص 151، 153، والإفصاح فى إمامة على للشيخ محمد العكبرى ص 37، 39، والخلافة المغتصبة لإدريس الحسينى ص 45، 91، والشيعة هم أهل السنة للدكتور محمد التيجانى ص285 .
3 - واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} (1)
وقوله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} (2)
وقالوا: الفرار من الزحف من أكبر الكبائر (3) .
ويجاب عما سبق بمايلى:
أولاً: قصة انفضاض أكثر الصحابة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى العير القادمة من الشام، وتركهم خطبة الجمعة، إنما وقع ذلك فى بدء زمن الهجرة، ولم يكونوا إذ ذاك واقفين على الآداب الشرعية كما ينبغى، كما أن كبار الصحابة كأبى بكر وعمر كانوا قائمين عنده، كما ثبت ذلك فى الأحاديث الصحيحة .
__________
(1) الآية 155 من سورة آل عمران.
(2) الآية 25 من سورة التوبة.
(3) مختصر التحفة الإثنى عشرية ص 273، وينظر: تفسير الصافى للكاشانى 1/ 691، وتفسير القمى لعلى إبراهيم القمى 1/ 287، والميزان فى تفسير القرآن محمد حسين الطباطبائى 9/ 226، وركبت السفينة لمروان خليفات ص23.،والإفصاح فى إمامة على بن أبى طالب لمحمد بن النعمان العكبرى ص 36، 41، ولقد شيعنى الحسين لإدريس الحسينى ص 35. .
فعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: بينما النبى - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة قائماً إذ قدمت عير المدينة، فابتدرها (1) أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى لم يبق منهم إلا اثنى عشر رجلاً فيهم أبوبكر وعمر - رضي الله عنهم - ونزلت الآية: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} (2)،
ولذا لم يشنع عليهم، ولم يتوعدهم سبحانه وتعالى بعذاب ولم يعاتبم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أيضاً " (3) .
__________
(1) ابتدرها: أى أسرعوا إليها. لسان العرب 4/ 48 .
(2) الآية 11 من سورة الجمعة، والحديث أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الجمعة، باب فى قوله تعالى: "وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا" 3/ 415 رقم863 , والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب تفسير "وإذا رأوا تجارة أولهواً " 8/ 511 رقم 4899.
(3) مختصر التحفة الإثنى عشرية ص 272 بتصرف. وينظر: روح المعانى للألوسى 28/ 1.7 .
ورد آخر على هذه القصة وهو: أنه ورد فى بعض الأخبار أنها وقعت لما كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يقدم الصلاة على الخطبة يوم الجمعة، وانفضاضهم وقع فى الخطبة، وليس فى الصلاة كما هوالظاهر من بعض الروايات، والتى ركز عليها بعض الرافضة، كمحمود أبورية (1)،
ومروان خليفات (2)، وغيرهم .
... ويدل على أن الإنفضاض كان فى الخطبة ما جاء فى رواية مسلم السابقة: بينما النبى - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة قائماً .
__________
(1) كاتب مصرى كان منتسباً إلى الأزهر فى صدر شبابه، فلما انتقل إلى مرحلة الثانوية الأزهرية أعياه أن ينجح فيها، اكثر من مرة، فعمل مصححاً للأخطاء المطبعية بجريدة فى بلده، ثم موظفاً فى دائرة البلدية حتى أحيل إلى التقاعد، من مصنفاته التى طعن فيها فى السنة المطهرة والسيرة الواردة فيها. أضواء على السنة، وقصة الحديث المحمدى، وشيخ المضيرة (أبوهريرة) ينظر: السنة ومكانتها فى التشريع للدكتور السباعى ص466 .وينظر استدلاله بهذه الشبهة فى كتابه أضواء على السنة ص 359 .
(2) كاتب سورى معاصر حصل على العالية (الليسانس) من كلية الشريعة بسوريا، تشيع وغالي في
تشيعه من مؤلفاته: وركبت السفينة.وينظر استدلاله بهذه الشبهة فى كتابه وركبت السفينة ص 223 .
يقول الحافظ ابن حجر: "ترجيح كون الإنفضاض وقع فى الخطبة لا فى الصلاة، هواللائق بالصحابة تحسيناً للظن بهم، وعلى تقدير أن يكون فى الصلاة حمل على أن ذلك وقع قبل النهى كآية {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (1) وقبل النهى عن الفعل الكثير فى الصلاة ونزول قوله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} (2) .
ويؤيد ذلك: ما رواه أبوداود فى المراسيل أن هذه القصة كانت لما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلى الجمعة قبل الخطبة، مثل العيدين، فخرج الناس فلم يظنوا إلا أنه ليس فى ترك الجمعة شئ، فأنزل الله - عز وجل -: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا}
فقدم النبى - صلى الله عليه وسلم - الخطبة يوم الجمعة , وأخر الصلاة. (3) .
وهوما رجحه أيضاً النووى فى شرحه على مسلم (4) .
وعلى كل تقدير أنه فى الصلاة، فلم يكن تقدم لهم نهى عن ذلك، فلما نزلت آية الجمعة، وفهموا منها ذم ذلك، اجتنبوه " (5) .
__________
(1) الآية 33 من سورة محمد
(2) الآية 2 من سورة المؤمنون وانظر: فتح البارى 2/ 493 رقم 936 بتصرف يسير.
(3) المراسيل ص 5. رقم 61 .
(4) المنهاج شرح مسلم 3/ 416، 417 رقم 863، وينظر: تفسير القرآن العظيم 4/ 367 .
(5) ينظر: فتح البارى 2/ 493 رقم 936 .
... يقول الألوسى (1): " ورواية أن ذلك وقع منهم مراراً" إن أريد بها رواية البيهقى فى شعب الإيمان (2) عن مُقَاتِل بن حيان (3) أنه قال: بلغنى والله أعلم أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات، فمثل ذلك لا يلتفت إليه، ولا يعول عند المحدثين عليه، وإن أريد بها غيرها فليبين، ولتثبت صحته، وأنى بذلك؟
وبالجملة: الطعن فى الصحابة بهذه القصة التى كانت من بعضهم فى أوائل أمرهم، وقد أعقبها منهم عبادات لا تحصى، سفه ظاهر، وجهل وافر " (4) .
ثانياً: أما نسبة النفاق إلى خيار هذه الأمة بدعوى أنه كان فى المدينة منافقين، وأن النبى - صلى الله عليه وسلم - أطلق لفظ الصحابة عليهم: "معاذ الله! أن يتحدث الناس أنى أقتل أصحابى ".
هذه الشبهة فى وهن بيت العنكبوت، وهى فرية واضحة لا تثبت لها قدم .
__________
(1) هو: محمود شكرى بن عبد الله بن شهاب الدين، محمود الألوسى، الحسينى، أبوالمعالى، عالم بالأدب, والدين، والتاريخ، ومن الدعاة إلى الإصلاح، من مصنفاته: روح المعانى، ومختصر التحفة الإثنى عشرية، مات بغداد سنة 1342هـ، له ترجمة فى الأعلام للزركلى 7/ 172،173.
(2) الرواية أوردها السيوطى فى الدر المنثور: 8/ 166، ولم يعزها لغيره.
(3) هو: مقاتل بن حَيَّان النَّبَطىُّ، أبوبسطام البَلْخِىُّ، صدوق فاضل، اخطأ الأزدى فى زعمه أن وكيعاً كذبه، إنما كذب مقاتل بن سليمان. مات قبيل الخمسين بأرض الهند. له ترجمة فى: تقريب التهذيب 2/ 21. رقم6891، وتذكرة الحفاظ 1/ 174 رقم 168، وطبقات المفسرين للداودى 2/ 329، وخلاصة تهذيب الكمال ص 33.، ولسان الميزان 9/ 198 رقم 14548 .
(4) روح المعانى للألوسى 28/ 1.7 .
أولاً: لأن إطلاق لفظ الصحابة على المنافق كما جاء فى الحديث هذا الإطلاق لغوى، وليس اصطلاحى نظير قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ} (1) وقوله تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} (2) فإضافة صحبة النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين والكافرين إنما هى صحبة الزمان والمكان لا صحبة الإيمان، وذلك كقوله تعالى فى حق سيدنا يوسف - عليه السلام -: {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} (3) .
فالصحبة فى الحديث الشريف، بمعناها اللغوى كما فى الآيات السابقة، وليست الصحبة الاصطلاحية، فتعريفها السابق يخرج المنافقين والمرتدين.
__________
(1) الآية 184 من سورة الأعراف.
(2) الآية 2 من سورة النجم، وفى هذه الآية وما فى معناها بطلان لسؤال الرافضى مروان خليفات ومن قال بقوله. قال: قال تعالى "وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ" الآية 1.1 من سورة التوبة، قال: فنصت الآية على أن هناك منافقين لا يعلمهم إلا الله فمن هم حتى نتجنب أخذ الأحاديث عنهم" أ.هـ ينظر: وركبت السفينة ص 23.، 231، ونسى خليفات على فرض التسليم بزعمه، ما أفاض فيه رب العزة من ذكر أوصافهم فى سورة التوبة، وغيرها من سائر سور القرآن، كما تناسى وعد الله المذكور فى ختام الآية، وهوفضحهم فى الدنيا، ولهم فى الآخرة عذاب عظيم: "نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ" وإلا فالخطاب للنبى - صلى الله عليه وسلم - كان فى بدء الأمر ثم أعلمه رب العزة بأسمائهم، فضلاً عما= =ذكر فى القرآن من صفاتهم، ويؤكد هذا أخبار النبى - صلى الله عليه وسلم - لحذيفة بن اليمان - رضي الله عنهم - بأسمائهم، وسيأتى قريباً ذكر الحديث .
(3) الآية 39 من سورة يوسف .
ثم كيف يكون المنافقون من الصحابة بالمعنى الإصطلاحى وقد نفاه عنهم رب العزة بقوله: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} (1) .
ثم إن المنافقين لم يكونوا مجهولين فى مجتمع الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - ولم يكونوا هم السواد الأعظم، والجمهور الغالب فيهم، وإنما كانوا فئة معلومة آل أمرهم إلى الخزى والفضيحة، حيث علم بعضهم بعينه، والبعض الآخر منهم علم بأوصافه، فقد ذكر الله فى كتابه العزيز من أوصافهم، وخصوصاً فى سورة التوبة، ما جعل منهم طائفة متميزة منبوذة، لا يخفى أمرها على أحد، كما لا يخفى على أحد حالهم فى زماننا.
فأين هذه الفئة المنافقة ممن أثبت الله لهم فى كتابه نقيض صفات المنافقين، حيث أخبر عن رضاه عنهم، من فوق سبع سماوات، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس" (2) .
ويدل على ما سبق من قلة المنافقين فى المجتمع الإسلامى، وأنهم فئة معلومة تكفل رب العزة بفضحهم فى الدنيا، ولهم فى الآخرة عذاب عظيم.
__________
(1) الآية 56 من سورة التوبة .
(2) ينظر: عقيدة أهل السنة والجماعة فى الصحابة للدكتور ناصر الشيخ 3/ 963 .
ما رواه حذيفة بن اليمان (1) - رضي الله عنه - صاحب سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى المنافقين. قال: قال النبى - صلى الله عليه وسلم - فى أمتى - وفى رواية - فى أصحابى إثنا عشر منافقاً فيهم ثمانيةٌ لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها حتى يَلِجَ الجَمَلُ فى سم الخياط. ثَمانيةٌ منهم تَكْفِيكُهُمُ الدُّبِيْلَةُ، سِرَاجٌ من النارِ، يظهرُ فى أكتافِهِم حتى يَنْجُمَ من صُدَورِهِم" (2) .
وعن ابن عباس (3) - رضى الله عنهما- قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى ظل حجرةٍ من حجره، وعنده نفرٌ من المسلمين قد كان يقلصُ عنها الظل، قال: سيأتيكم رجل ينظر إليكم بعين شيطان فلا تكلموه، فدخل رجل أزرق، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما تسبُنى أنت وفلانٌ وفلان، لقوم دعا بأسمائهم، فانطلق إليهم فدعاهم فحلفوا واعتذروا فأنزل الله - عز وجل - {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} (4) .
__________
(1) له ترجمة فى: الإستيعاب1/ 334 رقم 492، وأسد الغابة 1/ 7.6 رقم 1113، والإصابة 1/ 317 رقم 1652، وتاريخ الصحابة 73 رقم 267، ومشاهير علماء الأمصار ص55 رقم 267 .
(2) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب صفات المنافقين 9/ 136، 137 رقم 2779 .
(3) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، صحابى جليل. له ترجمة فى: الإستيعاب 3/ 933 رقم 16.6، أسد الغابة 3/ 291 رقم 3.37، وتاريخ الصحابة ص 148 رقم 717، ومشاهير علماء الأمصار ص 15 رقم 17، وتذكرة الحفاظ 1/ 4. رقم 18 .
(4) الآية 18 من سورة المجادلة، والحديث أخرجه أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة 5/ 282، 283 والحاكم فى المستدرك كتاب التفسير، باب تفسير سورة المجادلة 2/ 524 رقم 3795، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبى.
... أما ما استدل به محمود أبورية من قول "أُسَيْدُ بن حُضَيْر، لسعدُ بنُ عبادةُ إنك منافق تجادل عن المنافقين" وقوله فهؤلاء البدريون منهم من قال لآخر منهم: "إنك منافق ولم يكفر النبى لا هذا ولا ذاك" (1) .
هذا الذى يزعمه الرافضى محمود أبوريه من فرط جهله، وتضليله وبتره لسبب ذلك القول.
وهوكما جاء فى الصحيحين فى قصة الإفك لما قال - صلى الله عليه وسلم - وهوعلى المنبر: "يا معشر المسلمين من يعذرنى من رجل قد بلغ أذاه فى أهل بيتى فوالله ما علمت على أهلى إلا خيراً. ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً. وما كان يدخل على أهلى إلا معى" فقام سعد بن معاذ الأنصارى فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه. وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت عائشة - رضى الله عنها - فقام سعد بن عبادة (2)، وهوسيد الخزرج، وكان رجلاً صالحاً. ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله! لا تقتله، ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير (3)، وهوابن عم
__________
(1) أضواء على السنة ص 359 .
(2) سعد بن عبادة صحابى جليل له ترجمة فى: الإصابة 2/ 3. رقم 3173، والإستيعاب 2/ 594 رقم 944، وأسد الغابة 2/ 441 رقم 2.12، ومشاهير علماء الأمصار 15 رقم 2. .
(3) أسٍيد بن حضير صحابى جليل له ترجمة فى: الإصابة 1/ 49 رقم 185، وتاريخ الصحابة ص3. رقم 25، ومشاهير علماء الأمصار ص2. رقم 36، والإستيعاب 1/ 92 رقم 54، وأسد الغابة 1/ 24. رقم 17. .
سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله! لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين ... " (1) .
فكما هوواضح من قصة الحديث أن قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة "فإنك منافق" وقع منه على جهة المبالغة، فى زجره عن القول الذى قاله حمية للخزرج، ومجادلته عن ابن أُبى، وغيره.
ولم يرد أُسيدُ بإطلاقه "فإنك منافق" لم يرد به نفاق الكفر، وإنما أراد أنه كان يظهر المودة للأوس، ثم ظهر منه فى هذه القصة، ضد ذلك فأشبه حال المنافق، لأن حقيقته إظهار شئ وإخفاء غيره.
ولعل هذا هوالسبب فى ترك إنكار النبى - صلى الله عليه وسلم - (2) وهوأقوى دليل على الخصم.
... ومع كل هذا فقد تقرر أن العدالة لا تعنى العصمة من الذنوب، أوالسهو، أوالخطأ، ومن فضل الله عليهم - رضي الله عنهم - أن وعدهم بالمغفرة، ولا سيما أهل بدر، وهم من أهلها.
__________
(1) جزء من حديث طويل أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب "لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً…إلى قوله هم الكاذبون" 8/ 3.6 - 3.8= =رقم 475. ومسلم (بشرح النووى) كتاب التوبة، باب فى حديث الإفك وقبول توبة القاذف 9/ 115، 118 رقم 277. .
(2) فتح البارى 8/ 33. رقم 475. بتصرف، وينظر: منهاج السنة لابن تيمية 3/ 192 .
فعن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتب حاطب بن أبى بلتعه إلى أهل مكة فأطلع الله تعالى عليه نبيه - صلى الله عليه وسلم - فبعث علياً والزبير فى أثر الكتاب فأدركا امراة على بعير فاستخرجاه من قرن من قرونها، فأتيا به نبى الله - صلى الله عليه وسلم - فقرئ عليه، فأرسل إلى حاطب فقال "يا حاطب إنك كتبت هذا الكتاب؟ " قال نعم: يا رسول الله! قال: "فما حملك على ذلك"؟ قال: يا رسول الله! إنى والله لناصح لله - عز وجل -، ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولكنى كنت غريباً فى أهل مكة وكان أهلى بين ظهرانيهم، فخشيت عليهم، فكتبت كتاباً لا يضر الله ورسوله شيئاً، وعسى أن يكون فيه منفعة لأهلى. قال عمر: فاخترطت سيفى وقلت: يا رسول الله أمكنى منه فإنه قد كفر فأضرب عنقه . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا ابن الخطاب وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل هذه العصابة من أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإنى قد غفرت لكم " (1) أ.هـ.
ثالثاً: أما ما استدلوا به من فرار بعض الصحابة يوم الزحف فى غزوتى أحد وحنين، ما استدلوا به حجة عليهم.
ففى عتاب الفرار يوم أحد قال - عز وجل -: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} ثم ختم العتاب بقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} (2) .
ولا تعيير بعد عفوالله تعالى عن الجميع (3) ".
__________
(1) أخرجه الحاكم فى المستدرك كتاب معرفة الصحابة، باب ذكر أهل بدر 4/ 87 رقم 6966، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبى .
(2) الآية 155 من سورة آل عمران.
(3) روح المعانى للألوسى 4/ 99، وينظر: مختصر التحفة الإثنى عشرية ص 273 .
وفى عتاب الفرار يوم حنين قال - عز وجل -: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} ثم يمتن رب العزة عليهم بقوله تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} (1) .
وهل تنزل السكينة إلا على قوم مؤمنين؟!!.
نعم تنزل السكينة على قوم مؤمنين ليزدادوا بها إيماناً مع إيمانه، وصدق رب العزة: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (2) ويقول - عز وجل -: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (3) .
وهل بعد تلك الشهادات العلا لهم بالإيمان والتقوى من تعيير؟!!
اللهم إنى أعوذ بك من الخذلان وسوء العاقبة ... آمين.
المطلب الثانى
شبهاتهم من السنة النبوية والرد عليها
__________
(1) الآية 26 من سورة التوبة.
(2) الآية 4 من سورة الفتح.
(3) الآية 26 من سورة الفتح.
بعد أن تحايل أهل الزيغ من الرافضة وأذيالهم , على بعض آيات من القرآن الكريم , ليحوروا معانيها، ويستدلوا بهذا التحوير على عدم عدالة الصحابة , وتكفيرهم، نجدهم هنا باسم السنة النبوية , ونصوصها يستشهدون بها أيضًا على عدم عدالتهم، وهكذا عكس المشاغبون القضية، ونظروا في السنة النبوية المطهرة، فما وافق دعواهم منها قبلوه، واعترضوا به على منازعيهم , وما احتجوا به لا حجة لهم فيه؛ لأن ما استشهدوا به إما أحاديث مكذوبة، وضعيفة، وإما صحيحة مع ضعف دلالتها على ما احتجوا به.
وإليك ما استشهدوا به والجواب عنه.
1 - استدلوا من السنة المطهرة: بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "…ألا وإنه سَيْجَاءُ برجالٍ من أمتى فيؤخذُ بِهمْ ذات الشمال، فأقول: يا ربِّ أُصيحَابى، فيقال: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} (1) فيقال: إن هؤلاء لا يَزَالوا مُرْتَدِّينَ على أعقابِهِم منذ فَارَقْتَهُم" (2) .
__________
(1) جزء من الآية 117 من سورة المائدة.
(2) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب قوله تعالى: "وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ " 8/ 135 رقم 4625، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة 9/ 21. رقم 286. من حديث ابن عباس - رضي الله عنه -. وينظر: مختصر التحفة الإثنى عشرية ص 272، وشبهات حول الشيعة لعباس الموسوى ص 115، 116، ثم اهتديت لمحمد التيجانى ص 119، 12.، وأعيان الشيعة لمحسن الأمين 1/ 117، ومعالم المدرستين: لمرتضى العسكرى المجلد 1/ 132، والنص والاجتهاد لعبد الحسين شرف الدين ص 337، وركبت السفينة 224 - 228، ونظرية عدالة الصحابة ص 53 - 54، والخدعة رحلتى من السنة إلى الشيعة 98، ومع الدكتور موسى الموسوى للدكتور علاء الدين القزوينى ص 152، 153 - 159، والإفصاح فى إمامة على بن أبى طالب ص 3.، 31، والخلافة المغتصبة ص 193، ولقد شيعنى الحسين ص349، وأضواء على السنة ص354 - 356، وأهل السنة شعب الله المختار ص 37 .
2 - واستدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " (1) وقالوا: تقاتل الصحابة فى صفين والجمل (2) .
__________
(1) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الفتن، باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض 13/ 29 رقم 7.8.، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب بيان معنى قول النبى - صلى الله عليه وسلم - لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض 1/ 332 رقم 65 من حديث جرير بن عبد الله - رضي الله عنه -.
(2) أضواء على السنة ص 354، وينظر: نظرية عدالة الصحابة لأحمد حسين يعقوب ص 53، والخلافة المغتصبة لإدريس الحسينى ص93، والفتنة الكبرى (عثمان) لطه حسين ص17. - 173، دين السلطان لنيازى عز الدين ص 34، 1.3، 11.، 124، 795، والسلطة فى الإسلام لعبدالجواد ياسين ص 241، 26.، 267، والصلاة لمحمد نجيب 32 - 37، وحوار ومناقشة كتاب عائشة لهشام آل قطيط ص312 وغيرهم.
3 - واستدلوا بماروى عن بُرَيْدَة - رضي الله عنه - (1) قال: جاء رجل إلى قوم فى جانب المدينة فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنى أن أحكم برأيى فيكم، فى كذا وكذا. وقد كان خطب امرأة منهم فى الجاهلية، فأبوا أن يزوجوه، فبعث القوم إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - يسألونه، فقال: "كذب عدوالله". ثم أرسل رجلاً فقال: "إن أنت وجدته ميتاً فأحرقه" فوجده قد لدغ فمات، فحرقه، فعند ذلك قال النبى - صلى الله عليه وسلم -: "من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (2)
__________
(1) بُرَيْدَةُ هو: بُرَيْدَةُ بن الحُصَيْب، صحابى جليل له ترجمة فى: الإستيعاب 1/ 185 رقم 217، ومشاهير علماء الأمصار ص 78 رقم 414، أسد الغابة 1/ 367رقم 398.
(2) أخرجه ابن عدى فى الكامل 4/ 1371، ونقله عنه ابن الجوزى فى مقدمة كتابة (الموضوعات) 1/ 55، 56 من حديث بريدة - رضي الله عنه -، وفى إسناده بروايته عند ابن عدى، وروايتيه عند ابن الجوزى (صالح بن حيان القرشى) اتفقت كلمة المحدثين النقاد على تضعيفه وجرحه، كما تراه فى ترجمته فى: تهذيب التهذيب 4/ 386، وتقريب التهذيب 1/ 427 رقم 2862، والجرح والتعديل 4/ 398 رقم 1739، والمجروحين لابن حبان 1/ 365، والضعفاء والمتروكين للنسائى ص135 رقم 311، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 17. وترجم له الحافظ الذهبى فى الميزان 2/ 292 فذكر من منكراته هذا الحديث نفسه، وقال: رواه كله صاحب (الصارم المسلول) ص 169 من طريق البغوى عن يحيى الحمانى عن على بن مسهر وصححه، ولم يصح بوجه. والحديث أخرجه الطبرانى فى الأوسط 3/ 59 عن عبد الله بن عمروبن العاص- رضي الله عنه -، وفى إسناده عطاء بن السائب الكوفى وقد اختلط كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 1/ 145، وقد نص الطبرانى أن هذا الحديث لم يروه عن عطاء إلا وهيب بن خالد، وقد ذكر أبوداود أنه سمع منه بعد اختلاطه. ينظر: نهاية الاغتباط ص241 رقم 71، وفى تهذيب التهذيب 7/ 2.3 رقم 385 رواية وهيب عنه فى جملة ما يدخل فى الإختلاط، هذا وقد تتبع الأستاذ عبدالفتاح أبوغدة هذا الحديث برواياته المتعددة فى كتابه "لمحات من تاريخ السنة" تحت عنوان "بطلان الأحاديث الدالة على وجود الكذب على النبى - صلى الله عليه وسلم - فى حياته ص 56 - 65، وقال: وأما الحديث الذى جاء فى سبب ورود حديث "من كذب علىَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"، فهوحديث منكر لا يصح الإلتفات إليه ولا التعويل عليه، ينظر: لمحات من تاريخ السنة ص 56.
... واستدل آخرون بالطعن فى عدالة الصحابة بما تمليه عليهم عقولهم الضالة من فهم أعوج لسيرة الصحابة، وتاريخهم المجيد، كما فعل مفتى الماركسية خليل عبد الكريم (1) فى كتابه "مجتمع يثرب العلاقة بين الرجل والمرأة فى العهدين المحمدى والخليفى" فقد صور مجتمع المدينة المنورة بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وخلفائه الراشدين، وصحابته الأطهار، تصويراً شائناً قبيحاً، وجعله أشبه بمجتمع الحيوانات التى لا هم لها إلا إشباع الغرائز الجنسية بأى شكل، وبغير ضابط من دين أوخلق، غير مكترثين بالنصوص الدينية التى تمنعهم من هذا الهبوط " ((2) .
__________
(1) خليل عبد الكريم: كاتب مصرى معاصر، حاصل على ليسانس الحقوق من جامعة فؤاد الأول - جامعة القاهرة حالياً. أطلق عليه "مفتى الماركسية" أونة، "والشيوعى الملتحى" آونة أخرى. ينظر: السنة ودورها فى الفقه الجديد لجمال البنا ص 163 .
(2) ينظر: مجلة الأزهر مقال " لا تسبوا أصحاب ى" لفضيلة الشيخ عبد المقصود عسكر عدد ربيع الأول 1418هـ - يوليه 1997 ص 384 .
كما أصدر كتاباً آخر بعنوان " شدوالربابة بأحوال مجتمع الصحابة " وهومن ثلاثة أسفار، الأول بعنوان " محمد والصحابة " والثانى " الصحابة والصحابة " والثالث " الصحابة والمجتمع " تناول فيها المؤلف تاريخ الصحابة، وسيرتهم بأسلوب فج قبيح ينبئ عن سوء فهمه، وجهله، وحقده الدفين، ضد صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك فعل سعيد العشماوى (1) وغيرهم (2).
ويجاب عما سبق بمايلى:
أولاًً: أما استدلالهم بحديث الحوض، وما جاء فيه من وصف الصحابة بالردة . فهذا من زندقة الرافضة، ومن تلبيسهم، وتضليلهم .
فإن المراد بالأصحاب هنا ليس المعنى الإصطلاحى عند علماء المسلمين، بل المراد بهم مطلق المؤمنين بالنبى - صلى الله عليه وسلم - المتبعين لشريعته، وهذا كما يقال لمقلدى أبى حنيفة أصحاب أبى حنيفة، ولمقلدى الشافعى أصحاب الشافعى وهكذا، وإن لم يكن هناك رؤية واجتماع.
وكذا يقول الرجل للماضين , الموافقين له فى المذهب: " أصحابنا " مع أن بينه وبينهم عدة من السنين، ومعرفته - صلى الله عليه وسلم - لهم مع عدم رؤيتهم فى الدنيا؛ بسبب أمارات تلوح عليهم يعرفها النبى - صلى الله عليه وسلم - .
__________
(1) ينظر: له الخلافة الإسلامية، وأصول الشريعة، وحصاد العقل وغير ذلك .
(2) سيأتى ذكر من طعن فى الصحابة باتهامهم بالكذب قريباًً. وينظر فيمن طعن فى عدالة الصحابة بحجة أنهم بشر لا عصمة لهم. نقد الحديث فى علم الرواية والدراية لحسين الحاج 1/ 35.، 351، وإنذار من السماء ص 39، 69، 127،154، وتبصير الأمة بحقيقة السنة ص396 - 426، والدولة والمجتمع محمد شحرور 16. وما بعدها، والإمام الشافعى لنصر أبوزيد ص55،56، 76، والأصلان العظيمان ص 284 - 288 , والسنة ودورها فى الفقه الجديد ص 24 - 28، 3.، 65، 85، 261 .
فعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: " إن حوضى لأبعد من أَيَلَةَ مِن عَدَنٍ (1)، والذى نفسى بيده! إنى لأزودُ عنه الرجال كما يَزُودُ الرجلُ الإبلَ الغريبةَ عن حوضه "، قالوا: يا رسول الله! أوتعرفنا؟ قال: " نعم تَرِدُون علىَّ غُرًّا مُحَجَّلينَ من آثار الوضوء. ليست لأَحدٍ غَيْرِكُم " (2) .
...
ولوافترضنا أن المراد بالأصحاب فى الحديث، الأصحاب فى زمنه - صلى الله عليه وسلم - .
فالمراد بهم: الذين صاحبوه صحبة الزمان والمكان مع نفاقهم، كما سبق من قوله تعالى: {ما ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} (3) .
وعلى هذا فالمراد بالمرتدين من أصحابه فى الحديث هم الذين ارتدوا من الأعراب على عهد الصديق - رضي الله عنه - .
وقد علمت أن التعريف الإصطلاحى للصحابة يخرج من ارتد ومات على ردته - والعياذ بالله -.
__________
(1) أيلة: مدينة على ساحل بحر القلزم (البحر الأحمر حالياً) مما يلى الشام. معجم البلدان 1/ 347، وعدن: مدينة مشهورة على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن. معجم البلدان 4/ 1..، وبحر الهند يسمى الآن المحيط الهندى.
(2) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل فى الوضوء 2/ 137 رقم 248 . وينظر: مختصر التحفة الإثنى عشرية ص 272 .
(3) الآية 2 من سورة النجم .
وفى الحديث ما يؤيد المعانى السابقة، كقوله - صلى الله عليه وسلم - "أصيحابى" بالتصغير، كما جاء فى بعض الروايات، قال الخطابى: "فيه إشارة إلى قلة عدد من وقع لهم ذلك، وإنما وقع لبعض جفاة الأعراب، ولم يقع من أحد من الصحابة المشهورين " (1) . وفى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فيقال": هل شعرت ما عملوا بعدك " "فيه إشارة إلى أنه لم يعرف أشخاصهم بأعيانها، وإن كان قد عرف إنهم من هذه الأمة " (2) .
أما حمل الحديث على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمعنى الإصطلاحى- فهذا ما لا يقوله مسلم!! وهوما يدحضه ما سبق ذكره من تعديل الله - عز وجل -، ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإجماع الأمة على ذلك أ.هـ.
ثانياً: أما ما احتجوا به من حديث " لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " والزعم بأن الصحابة استحل بعضهم دماء بعض فى صفين والجمل .
... فالحق أن هذه الشبهة من أخطر الشبه؛ التى احتج بها الرافضة الزنادقة، وأذيالهم من دعاة العلمانية، الذين اتخذوا من تلك الفتن مادة دسمة، طعنوا بها فى عدالة الصحابة، وفتنوا بذلك عوام المسلمين، وممن لا علم له، بضربهم على (الوتر الحساس) وهو: دعوى ظلم الصحابة - رضي الله عنهم - لآل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى تلك الفتن ".
__________
(1) ينظر: فتح البارى 8/ 135،136 رقم 4625، وينظر: تأويل مختلف الحديث ص 213 - 215 .
(2) فتح البارى 11/ 484 رقم 6593، ومختصر التحفة الإثنى عشرية ص 273 .
وهذا ما فعله طه حسين فى كتابه " الفتنة الكبرى - عثمان بن عفان - رضي الله عنه - " (1) . وقال بقوله محمود أبورية (2)، وغير واحد من دعاة الرافضة واللادينية (3) .
حتى وجدنا من يجهر من الرافضة قائلاً: "معاوية بن أبى سفيان - رضي الله عنه -" - كافر ابن كافر - ولعنة الله على معاوية، فقد بغى على الحق، وخرج على طاعة الإمام علىّ، وشتت شمل المسلمين، وفرق كلمتهم، فأساس فرقة المسلمين إلى الآن هومعاوية الذى خرج عن طاعة الإمام على بن أبى طالب - رضي الله عنه -" (4) .
...
والجواب عن هذا الإفك يطول (5)، وهوبحاجة إلى تحقيق دقيق (6) . أكتفى هنا بخلاصة القول .
وهوأنه لا حجة لهم فى الحديث، ولا فى الفتن التى وقعت بين سلفنا الصالح - رضوان الله عليهم أجمعين- والتى أشعلها سلفهم من الخوارج، والرافضة، والزنادقة .
فقوله: "لا ترجعوا بعدى". بصيغة النهى والتحذير من قتال المؤمن .
وإطلاق الكفر على قتال المؤمن محمول على معانى متعددة:
__________
(1) ينظر: الفتنة الكبرى ص 17. - 173 .
(2) ينظر: أضواء على السنة ص 36. - 362 .
(3) ينظر: دين السلطان لنيازى عز الدين ص 34، 1.3، 11.، 124، 795، والسلطة فى الإسلام لعبد الجواد ياسين ص 26. وما بعدها .
(4) قال ذلك الرافضى حسن شحاته (قبحه الله تعالى) ينظر: مجلة روز اليوسف العدد3562 ص35 .
(5) سيأتى الدفاع عن سيدنا معاوية - رضي الله عنه - فى المبحث السادس: من أراد معاوية - رضي الله عنه - فإنما أراد الصحابة جميعاً - رضي الله عنهم -.
(6) ممن حقق فى تلك الفتن الإمام ابن العربى فى العواصم من القواصم، وابن تيمية فى منهاج السنة. وغيرهما والأمر فى حاجة إلى مزيد من التحقيق . والله أعلم .
1 - مبالغة فى التحذير من ذلك، لينزجر السامع عن الإقدام عليه وليس ظاهر اللفظ مراداً، أوأنه على سبيل التشبيه لأن ذلك فعل الكافر " (1) .
والمعنى لا تفعلوا فعل الكفار فتشبهوهم فى حالة قتل بعضهم بعضاً (2) .
2 - وقيل: المعنى كفاراً بحرمة الدماء، وحرمة المسلمين، وحقوق الدين.
3 - وقيل: كفاراً بنعمة الله - عز وجل -.
4 - وقيل: المراد ستر الحق، والكفر لغة الستر، لأن حق المسلم على المسلم أن ينصره ويعينه، فلما قاتله كأنه غطى على حقه الثابت له عليه.
5 - وقيل: إن الفعل المذكور يفضى إلى الكفر، لأن من اعتاد الهجوم على كبار المعاصى جره شؤم ذلك إلى أشد منها؛ فيخشى أن لا يختم له بخاتمة الإسلام.
6 - وقيل: اللفظ على ظاهره للمستحل قتال أخيه المسلم .
وقيل غير ذلك (3) .
... وما جرى بين الصحابة - رضي الله عنهم - من قتال لم يكن عن استحلال له حتى يحمل الحديث على ظاهره وأن قتالهم كفر، كما استدل الخوارج ومن شايعهم بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (4) .
__________
(1) ينظر: فتح البارى 13/ 3. أرقام 7.76 - 7.8. .
(2) ينظر: المصدر السابق 1/ 262 رقم 121 .
(3) المصدر نفسه 12/ 2.1، 2.2 رقم 6868، 13/ 3. أرقام 7.76 - 7.8. .
(4) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الإيمان باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهولا يشعر 1/ 135 رقم 48، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب بيان قول النبى- صلى الله عليه وسلم - سباب المسلم فسوق وقتاله كفر 1/ 33. رقم 64 من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - .
كيف والقرآن الكريم يكذبهم فى هذا الفهم السطحى قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (1) .
فسماهم أخوة، ووصفهم بأنهم مؤمنون، مع وجود الاقتتال بينهم، والبغى من بعضهم على بعض .
يقول الحافظ ابن كثير (2)
__________
(1) الآيتان 9، 1. من سورة الحجرات .
(2) هو: إسماعيل بن عمر بن كثير، أبوالفداء، الدمشقى، الشافعى، كان عالماً حافظاً فقيهاً، ومفسراً نقاداً، ومؤرخاً كبيراً، من مصنفاته: تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية، مات سنة 774هـ. له ترجمة فى: الدرر الكامنة لابن حجر 1/ 373 رقم 944، وطبقات المفسرين للداودى 1/ 111 رقم 1.3، والبدر الطالع للشوكانى 1/ 153 رقم 95 .
: " وبهذا استدل البخارى (1) وغيره على أنه لا يخرج عن الإيمان بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم، وهكذا ثبت فى صحيح البخارى من حديث الحسن (2)، عن أبى بكرة (3) - رضي الله عنه - قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر- والحسن بن علىّ إلى جنبه- وهويقبل على الناس مرة، وعليه أخرى ويقول: إن ابنى هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين (4).
__________
(1) صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الإيمان، باب المعاصى من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بإرتكابها إلا بالشرك لقوله - صلى الله عليه وسلم - لأبى ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية" وقول الله تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" وباب "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" فسماهم مؤمنين 1/ 1.6 رقمى 3.، 31 .
(2) الحسن هو: ابن على بن أبى طالب - رضى الله عنهما - صحابى جليل له ترجمة فى: الإصابة 1/ 328 رقم 1719، وأسد الغابة 2/ 13 رقم 1165، ومشاهير علماء الأمصار 12 رقم 6 .
(3) أبوبكرة هو: نفيع بن مسروح بن كلده، صحابى جليل، له ترجمة: أسد الغابة 5/ 334 رقم 5289، وتاريخ الصحابة ص249 رقم 1373، ومشاهير علماء الأمصار ص48 رقم 22. والإستيعاب 4/ 1614 رقم 2877 .
(4) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الصلح، باب قول النبى- صلى الله عليه وسلم - للحسن بن على - رضي الله عنه -"إن ابنى هذا سيد…الحديث" وقوله جل ذكره "فأصلحوا بينهما" 5/ 361 رقم 27.4 .
فكان كما قال - صلى الله عليه وسلم -، أصلح الله تعالى به بين أهل الشام، وأهل العراق، بعد الحروب الطويلة، والواقعات المهولة " (1)
يقول الإمام ابن تيمية: "والذين قاتلوا الإمام على - رضي الله عنه - لا يخلوا: إما أن يكونوا عصاة، أومجتهدين مخطئين أومصيبين، وعلى كل تقدير، فهذا لا يقدح فى إيمانهم، ولا فى عدالتهم، ولا يمنعهم الجنة، بما سبق من تصريح القرآن الكريم، من تسميتهم إخوة، ووصفهم بأنهم مؤمنون، وتأكيد النبى - صلى الله عليه وسلم - ذلك بما سبق من رواية الحسن بن على عن أبى بكرة - رضي الله عنه - .
ولهذا اتفق أهل السنة على أنه لا تفسق واحدة من الطائفتين، وإن قالوا فى إحداهما أنهم كانوا بغاة (2).
والبغى إذا كان بتأويل كان صاحبه مجتهدا ً، والمجتهد المخطئ لا يكفر، ولا يفسق وإن تعمد البغى فهوذنب من الذنوب، والذنوب يرفع عقابها بأسباب متعددة كالتوبة، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، وشفاعة النبى - صلى الله عليه وسلم - ودعاء المؤمنين، وغير ذلك (3) .
وعلى هذا القول إجماع الأمة من علمائها.
__________
(1) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/ 211 .
(2) ويعنون بهذه الطائفة التى بغت طائفة معاوية - رضي الله عنه - ودليلهم فى ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لعمار "تقتلك الفئة الباغية" أخرجه مسلم "بشرح النووى" كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر أخيه 9/ 266 رقم 2916، من حديث أم سلمة -رضى الله عنها- وكان عمار - رضي الله عنه - يقاتل مع الإمام على - رضي الله عنه - والوصف بالبغى هنا لا ينفى عنهم العدالة كما تشهد بذلك آية الحجرات فى قوله تعالى: "فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ".
(3) منهاج السنة 2/ 2.5 بتصرف. وينظر: أصول الدين للبغدادى ص 289 وما بعدها .
يقول الإمام الآمدى: " فالواجب أن يحمل كل ما جرى بينهم من الفتن على أحسن حال، وإن كان ذلك إنما لما أدى إليه اجتهاد كل فريق من اعتقاده أن الواجب ما صار إليه، وأنه أوفق للدين وأصلح للمسلمين .
وإلا فجمهور الصحابة وسادتهم تأخروا عن تلك الفتن والخوض فيها كما قال محمد بن سيرين (1): "هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة آلاف فما حضر منهم مائة بل لم يبلغوا ثلاثين "
وإسناد هذه الرواية كما قال ابن تيمية أصح إسناد على وجه الأرض (2) .
وعلى هذا فالذى خاض فى تلك الفتن من الصحابة إما أن يكون كل مجتهد مصيباً، أوأن المصيب واحد، والآخر مخطئ فى اجتهاده مأجور عليه.
وعلى كلا التقديرين، فالشهادة والرواية من الفريقين لا تكون مردودة، إما بتقدير الإصابة فظاهر، وإما بتقدير الخطأ مع الاجتهاد فبالإجماع " (3) .
يقول الإمام الجوينى (4)
__________
(1) هومحمد بن سيرين الأنصارى، أبوبكر بن أبى عمرة البصرى، ثقة، ثبت، عابد، كبير القدر، مات سنة 11.هـ. له ترجمة فى: تقريب التهذيب 2/ 85 رقم 5966، والكاشف 2/ 178 رقم 4898، والثقات للعجلى ص 45. رقم 1464، ومشاهير علماء الأمصار ص 113 رقم 643 .
(2) منهاج السنة 3/ 186 .
(3) الإحكام للآمدى 2/ 82 بتصرف. وينظر: فواتح الرحموت 2/ 155، 156، والبحر المحيط 4/ 299، وإرشاد الفحول 1/ 275، والباعث الحثيث ص 154، وعقيدة أهل السنة فى الصحابة الكرام للدكتور ناصر الشيخ مبحث (الحرب التى دارت بين على بن أبى طالب، وبعض الصحابة - رضى الله عنهم- وموقف أهل السنة منها 2/ 7.. - 748.
(4) هو: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجوينى، المكنى بأبى المعالى، الملقب بإمام الحرمين، أعلم
المتأخرين من أصحاب الشافعى. من مؤلفاته: البرهان فى أصول الفقه، والإرشاد فى علم الكلام.
مات سنة 478هـ. له ترجمة فى: سير أعلام النبلاء 11/ 137 رقم 4313، وشذرات الذهب 3/ 36.، وطبقات الفقهاء الشافعيين لابن كثير 2/ 466 - 47. رقم 8.
: "أما التوقف فى تعديل كل نفر من الذين لابسوا الفتن، وخاضوا المحن، ومتضمن هذا، الإنكفاف عن الرواية عنهم، فهذا باطل من دين الأمة، وإجماع العلماء على تحسين الظن بهم، وردهم إلى ما تمهد لهم من المآثر بالسبيل السابقة، وهذا من نفائس الكلام " (1) أ.هـ.
وصدق عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: "تلك دماء طهر الله منها سيوفنا فلا تخضب بها السنتنا " (2) أ.هـ.
والله تبارك وتعالى
أعلى أعلم
__________
(1) البرهان فى أصول الفقه 1/ 241، 242 .
(2) ينظر: فتح المغيث للسخاوى 3/ 96 .
ثالثاً: أما ما زعمه غلاة الشيعة , والمستشرقون , ودعاة اللادينية: أن بداية الوضع كانت فى زمن النبى - صلى الله عليه وسلم - ووقعت من صحابته الكرام، واستدلالهم على ذلك بالروايات السابقة (1) . وغيرها مما جاء فيها تخطئة بعض الصحابة لبعضهم، واستشهادهم بذلك على أنهم كانوا يشكون فى صدق بعضهم بعضاً , وأنهم كانوا يكذِّب بعضهم بعضاً، وأنهم تسارعوا على الخلافة وانقسموا شيعاً وأحزاباً (وأخذ كل حزب يدعم موقفه بحديث يضعه على النبى - صلى الله عليه وسلم -، واشتد ذلك الأمر فى العصر الأموى، والعباسى حيث تحولت تلك الأكاذيب إلى أحاديث، وتم تدوينها فى العصر العباسى ضمن كتب الحديث الصحاح) (2) .
فهذا لا يقوله إلا قوم امتلأت قلوبهم حقداً وبغضاً على من اختارهم واصطفاهم ربهم - عز وجل - لصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وتبليغ رسالته إلى الخلق كافة.
وهذا الكذب ترديد لما قاله قديماً جولد تسيهر (3)
__________
(1) ينظر: أضواء على السنة ص 65، والسنة ودورها فى الفقه الجديد ص 139، وإنذار من السماء ص 7..، 7.1، ودين السلطان ص 258، 325، وتبصير الأمة بحقيقة السنة ص 294،428، وفجر الإسلام ص 211، ومعالم المدرستين المجلد 1/ 435، والنص والاجتهاد عبد الحسين شرف الدين ص 335، وتأملات فى الحديث عند السنة والشيعة زكريا داود ص 126، ودراسات محمدية ترجمة الأستاذ الصديق بشير نقلاً عن مجلة كلية الدعوة بليبيا العدد 1. ص539 .
(2) قاله أحمد صبحى فى كتابه الحسبة ص 1.، 39، وينظر مجلة روزاليوسف العدد 3563 ص 35، والصلاة فى القرآن ص56،57، وينظر: الحديث فى الإسلام للمستشرق الفريد غيوم ص2. - 3. نقلاً عن منهجية جمع السنة وجمع الأناجيل للدكتورة عزية على طه ص 57، 58 .
(3) مستشرق مجرى يهودى، رحل إلى سورية وفلسطين ومصر، ولازم بعض علماء الأزهر، له تصانيف باللغات
الألمانية، والإنجليزية، والفرنسية، ترجم بعضها إلى العربية، قال الدكتور السباعى: عرف بعدائه للإسلام،
وبخطورة كتاباته عنه، وهومن محررى دائرة المعارف الإسلامية، كتب عن القرآن والحديث، ومن كتبه: تاريخ
مذاهب التفسير الإسلامى، والعقيدة والشريعة فى الإسلام، وغير ذلك مات سنة 1921م له ترجمة فى: الأعلام
للزركلى 1/ 284، والاستشراق للدكتور السباعى ص31، 32، وآراء المستشرقين حول القرآن وتفسيره
للدكتور عمر إبراهيم 1/ 161، 162.
فى العقيدة والشريعة فى الإسلام قائلاً: " ولا نستطيع أن نعزوالأحاديث الموضوعة للأجيال المتأخرة وحدها، بل هناك أحاديث عليها
طابع القدم، وهذه إما قالها الرسول - صلى الله عليه وسلم - أوهى من عمل رجال الإسلام القدامى…" (1).
وردد ذلك من غلاة الشيعة على الشهرستانى (2) فى كتابه " منع تدوين الحديث أسباب ونتائج" قائلاً: "السنة المتداولة اليوم ليست سنة الرسول , بل هى سنة الرجال؛ فى كم ضخم من أبوابها ومفرداتها " (3) وفى موضع آخر: يصف السنة المطهرة بأنها " فقه الرجال " (4)
ويجاب عما سبق بما يلى:
بداية الوضع فى الحديث وبراءة الصحابة - رضي الله عنهم - منه:
اختلف العلماء فى بداية ظهور الوضع فى الحديث إلى قولين:
__________
(1) العقيدة والشريعة ص49،5.، وينظر: له دراسات محمدية ترجمة الأستاذ الصديق بشير نقلاً عن
مجلة كلية الدعوة بليبيا العدد 1. ص 511، 521 . وينظر: أصول الفقه المحمدى لشاخت
ترجمة الصديق بشير نقلاً عن المرجع السابق العدد 11 ص 689 .
(2) كاتب شيعي معاصر، من مصنفاته منع تدوين الحديث أسباب ونتائج، طعن فيه في حجية السنة
النبوية وفي رواتها من الصحابة الأعلام، وخاصة أبوبكر وعمر وعثمان ومعاوية - رضي الله عنهم -.
(3) منع تدوين الحديث ص 3.2 .
(4) المصدر السابق ص 33. .
1 - القول الأول: ذهب إلى أن بدايته فى عهد النبوة المباركة، وبه قال الدكتور صلاح الدين الأدلى (1)، والدكتور فاروق حماده (2)، واستدلوا على ذلك بما روى عن بُرَيْدَة - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى قوم فى جانب المدينة فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنى أن أحكم برأيى فيكم، فى كذا وكذا. وقد كان خطب امرأة منهم فى الجاهلية، فأبوا أن يزوجوه، فبعث القوم إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - يسألونه، فقال: "كذب عدوالله". ثم أرسل رجلاً فقال: "إن أنت وجدته ميتاً فأحرقه" فوجده قد لدغ فمات، فحرقه، فعند ذلك قال النبى - صلى الله عليه وسلم -: "من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (3) .
2 - القول الثانى: ذهب إلى أن بداية الوضع فى الحديث، كانت باندلاع الفتنة التى أشعل فتيلها أقوام من الحاقدين على الإسلام، ويعتبر الدكتور السباعى سنة أربعين من الهجرة هى الحد الفاصل بين صفاء السنة وخلوصها من الكذب والوضع، وبين التزايد فيها واتخاذها وسيلة لخدمة الأغراض السياسية والإنقسامات الداخلية بعد أن اتخذ الخلاف بين علىّ ومعاوية - رضى الله عنهما- شكلاً حربياً سالت به دماء وأزهقت منه أرواح، وبعد أن انقسم المسلمون إلى طوائف متعددة (4) . وربما بدأ قبل ذلك، فى الفتنة التى كانت زمن عثمان - رضي الله عنه -، هذا إذا اعتبرناها الفتنة المذكورة فى خبر ابن سيرين، والتى جعلها بداية لطلب الإسناد .
__________
(1) منهج نقد المتن عند علماء الحديث ص 4.، 41 .
(2) المنهج الإسلامى فى الجرح والتعديل ص 271 - 273 .
(3) سبق تخريجه ص 35.
(4) السنة ومكانتها للدكتور السباعى ص 75، وممن ذهب إلى القول الثانى الدكتور همام سعيد فى كتابه الفكر المنهجى عند المحدثين ص 51، والدكتور أبولبابة فى كتابه أصول علم الحديث ص89 - 91، والأستاذ أبوغدة فى كتابه لمحات من تاريخ السنة ص 73 - 76 وغيرهم.
قلت: وأياً كانت بداية الوضع فى الحديث " زمن النبوة المباركة " أو" زمن الفتنة " فلا يمكن أن يكون الوضع فى الحديث وقع من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العدول الثقات المعروفين بالخيرية، والتقى، والبر والصلاح، والذين يدور عليهم نقل الحديث .
وعلى فرض صحة الروايات التى تشير إلى أن بداية الوضع زمن النبوة المباركة. فليس فيها ما يشكك فى صدق الصحابة، ولا ما يطعن فى عدالتهم، إذ كان معهم منافقون، وهم الذين كانت تصدر منهم أعمال النفاق، فلا يبعد أن يكون الرجل الوارد فى تلك الروايات واحد من المنافقين؛ وبذلك قال الدكتور صلاح الدين الأدلبى (1)، والدكتور فاروق حمادة (2)
__________
(1) منهج نقد المتن عند علماء الحديث ص 41 .
(2) المنهج الإسلامى فى الجرح والتعديل ص 273، وسبقهم إلى ذلك الإمام ابن حزم فى كتابة الإحكام فى مباحث المرسل فصل (ليس كل من أدرك النبى - صلى الله عليه وسلم - ورآه صحابياً 2/ 218 . فبعد أن روى الحديث السابق من رواية بريدة - رضي الله عنه - وفى إسناده أيضاً "صالح بن حيان القرشى"، قال ابن حزم: فهذا من كان فى عصره - صلى الله عليه وسلم - يكذب عليه كما ترى فلا يقبل إلا من سمى وعرف فضله، وقبل ذكره للحديث قال: "وقد كان فى المدينة فى عصره عليه السلام منافقون بنص القرآن، وكان بها أيضاً من لا ترضى حاله "كهيت" المخنث الذى أمر عليه السلام بنفيه، والحكم ابن أبى العاص الطريد وغيرهما، فليس هؤلاء ممن يقع عليهم اسم الصحابة أ.هـ. وهذا الذى قاله الإمام ابن حزم قبل روايته لحديث بريدة يؤكد حمله تلك الرواية على رجل من المنافقين، لا على أحد من الصحابة العدول الثقات. ومن العجب أن محمود أبورية استشهد برواية ابن حزم ولم ينقل كلامه السابق. بنظر: أضواء على السنة ص 65، وتابعه على ذلك من الشيعة زكريا عباس داود فى كتابه تأملات فى الحديث ص 123، كما لم يلتفت الأستاذ أبوغدة -رحمه الله- إلى أن ابن حزم حمل رواية بريدة على رجل من المنافقين، فغلط الأستاذ أبوغدة الإمام ابن حزم ظناً منه أنه اعتد بصحة الحديث عندما ذكره فى موضعين من كتابه. ينظر: لمحات من تاريخ وعلوم الحديث للأستاذ أبوغدة ص 58 هامش .
دفاعاً عن تهمة الصحابة بالكذب عليه - صلى الله عليه وسلم - فى زمانه، وهما من أصحاب القول الأول أن بداية الوضع زمن النبوة المباركة .
... وصفوة القول: " لا يختلف منصفان فى أن العصر الأول للإسلام يُعَدُ أنظف العصور وأسلمها من حيث استقامة المجتمع , وتوفيق رجاله وصلاحهم ولا غرو، فإن جلّ القيادات كانت من الصحابة " (1).
كما أن التربية القرآنية التى غرسها - صلى الله عليه وسلم - فى صحبه، وتعهدها بالرعاية كانت عاملاً فعالاً فى تطهير نفوس الأصحاب مما يطرأ عادة على القلوب والنفوس من أهواء ورغائب تكون مدعاة للكذب والإفتراء، ولا سيما والقرآن الكريم يتوعد الكاذبين بأشد الوعيد، ويصف الكذب بأنه ظلم قال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ} (2).
وقال سبحانه: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} (3) .
وكيف يكذبون! وقد اشتهر وأعلن فيهم وتواتر عنهم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (4)
وكيف نتصور وصفهم بالكذب وعشرات من الآيات القرآنية، وعشرات أخرى من الأحاديث النبوية تزكيهم وتصفهم بالصدق، والإخلاص، والتقوى؟!!.
...
__________
(1) أصول علم الحديث للدكتور أبولبابة ص89.
(2) الآية 32 من سورة الزمر.
(3) الآية 69 من سورة يونس.
(4) أخرجه مسلم (بشرح النووى) المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله- صلى الله عليه وسلم -1/ 1.1 رقم4 والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت3/ 191رقم 1291.
بل إنه كما يقول الدكتور السباعى - رحمه الله تعالى-: " ليس من السهل علينا أن نتصور صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين فدوا الرسول بأرواحهم وأموالهم وهجروا فى سبيل الإسلام أوطانهم وأقرباءهم، وامتزج حب الله وخوفه بدمائهم ولحومهم: ليس من السهل أن نتصور هؤلاء الأصحاب يقدمون على الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهما كانت الدواعى إلى ذلك (1) …ولقد دلنا تاريخ الصحابة فى حياة الرسول وبعده، أنهم كانوا على خشية من الله وتقى يمنعهم من الإفتراء على الله ورسوله، وكانوا على حرص شديد على الشريعة وأحكامها، والذب عنها، وإبلاغها إلى الناس، كما تلقوها عن رسوله , يتحملون فى سبيل ذلك كل تضحية ويخاصمون كل أمير أوخليفة أوأى رجل يرون فيه انحرافاً عن دين الله - عز وجل - لا يخشون لوماً، ولا موتاً، ولا أذى، ولا اضطهاداً , وإليك أمثلة على صدق ذلك.
نماذج من جراءة الصحابة فى حفظ الشريعة:
__________
(1) السنة ومكانتها للدكتور السباعى ص 76 , وقارن بالإسلام على مفترق الطرق للأستاذ محمد أسد ص 94 .
1 - فهذا الفاروق عمر - رضي الله عنه - الذى تهابه أعتى الإمبراطوريات ويخاف سطوته العادلة أشجع الرجال، تقف فى وجهه امرأة لتقول له: لا، وذلك حين دعا إلى أمر رأت فيه هذه المرأة مخالفة لتعاليم القرآن، فقد خطب الناس يوماً فقال: " أيها الناس لا تغالوا فى مهور النساء لوكان ذلك مكرمة عند الله لكان أولاكم بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فتتصدى له امرأة على مسمع من الصحابة فتقول له: "يا أمير المؤمنين! كتاب الله - عز وجل - أحق أن يتبع أوقولك؟ قال: بل كتاب الله - عز وجل -، فما ذلك؟ قالت نهيت الناس آنفاً أن يغالوا فى صدق النساء والله - عز وجل - يقول فى كتابه العزيز: {وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} (1) فقال عمر: كل أحد أفقه من عمر، مرتين أوثلاثاً , ثم رجع إلى المنبر فقال للناس: إنى نهيتكم أن تغالوا فى صدق النساء؛ ألا فليفعل كل رجل فى ماله ما بدا له (2).
__________
(1) جزء من الآية 2. من سورة النساء.
(2) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه باب ما جاء فى الصداق 1/ 166، 167 رقم 598 وأخرجه أبويعلى فى مسنده وفيه " كل الناس أفقه من عمر"، قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 4/ 284: فيه مجالد بن سعيد وفيه ضعف وقد وثق .
2 - ويذهب أبوبكر - رضي الله عنه - إلى محاربة الممتنعين عن أداء الزكاة فيعارضه عمر طالما أن نصاً نبوياً يمنع دماء من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وهوقوله - صلى الله عليه وسلم - "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله، فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله"، فقال أبوبكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال والله لومنعونى عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لقاتلتهم على منعه فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هوإلا أن رأيت الله - عز وجل - قد شرح صدر أبى بكر للقتال فعرفت أنه حق " (1) .
3 - وهذا على بن أبى طالب - رضي الله عنه - يعارض عمر - رضي الله عنه - فى همه برجم امرأة ولدت لستة أشهر، فقال له علىّ: ليس ذاك لك: إن الله - عز وجل - يقول فى كتابه {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} (2) فقد يكون فى البطن ستة أشهر، والرضاع أربعة وعشرين شهراً فذلك تمام ما قال الله: ثلاثون شهراً، فخلى عنها عم ر" ((3) .
__________
(1) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله 1/ 232 رقم 32 , والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب استتابة المرتدين، باب قتل من أبى قبول الفرائض 12/ 288 رقم 6924،
(2) جزء من الآية 15 من سورة الأحقاف.
(3) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه، باب المرأة تلد لستة أشهر 2/ 66 رقم 2.74 .
4 - وهذا أبوسعيد الخدرى - رضي الله عنه - ينكر على مروان من الحكم والى المدينة تقديم الخطبة على صلاة العيد مبيناً أنه عمل مخالف للسنة النبوية (1) .
5 - وها هوابن عمر- كما يروى لنا الذهبى فى "تذكرة الحفاظ" يقوم - والحجاج (2) يخطب فيقول: أى ابن عمر متكلماً عن الحجاج: عدوالله استحل حرم الله , وخرب بيت الله وقتل أولياء الله - جل جلاله -.
وروى الذهبى أن الحجاج خطب فقال: إن ابن الزبير بدل كلام الله، فقال ابن عمر: كذبت لم يكن ابن الزبير يستطيع أن يبدل كلام الله ولا أنت، قال الحجاج: إنك شيخ قد خرفت اقعد. قال ابن عمر: أما إنك لوعدت عدت) (3) .
__________
(1) قصة الحديث أخرجها البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب العيدين، باب الخروج إلى المصلى بغير منبر 2/ 52. رقم 956، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب بيان كون النهى عن المنكر من الإيمان 1/ 296 رقمى 78، 79، وينظر: إنكار كعب بن عجرة - رضي الله عنه - على عبد الرحمن ابن أم الحكم خطبته يوم الجمعة قاعداً قائلاً: "انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا " وقال الله تعالى: "وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا" أ.هـ الآية 11 من سورة الجمعة، والحديث أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الجمعة باب قوله تعالى: "وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا" 3/ 416 رقم 864 .
(2) الحجاج: هوالحجاج ابن يوسف بن أبى عقيل الثقفى، الأمير، المشهور، الظالم، المبير، وقع ذكره وكلامه فى الصحيحين وغيرهما، وليس بأهل بأن يروى عنه، ولى إمرة العراق عشرين سنة، مات سنة 95هـ. له ترجمة فى: تقريب التهذيب 1/ 19. رقم 1144، ووفيات الأعيان 2/ 29 رقم 149، والجرح والتعديل 3/ 168 رقم 717، والكاشف 1/ 313 رقم 946، وسير أعلام النبلاء 4/ 343 رقم 117، ولسان الميزان 2/ 333 رقم 2351 .
(3) تذكرة الحفاظ 1/ 37، 39 .
... مثل هذه الأخبار، ومئات أمثالها قد استفاضت بها كتب التاريخ، وهى تدل دلالة قاطعة على ما كان عليه الصحابة من الشجاعة، والأمانة، والجرأة فى الحق، والتفانى فى الدفاع عنه، بحيث يستحيل أن يكذبوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتباعاً لهوى أورغبة فى دنيا، إذ لا يكذب إلا الجبان، كما يستحيل عليهم أن يسكتوا عمن يكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم الذين لا يسكتون عن اجتهاد خاطئ؛ يذهب إليه بعضهم بعد فكر وإمعان نظر.
وهذا غاية ما يكون بينهم من خلاف فقهى لا يتعدى اختلاف وجهات النظر فى أمر دينى وكل منهم يطلب الحق وينشده (1) .
وما يرد من ألفاظ التكذيب على ألسنة بعضهم، فإنما هوتخطئة بعضهم لبعض، وبيان ما وقع فيه بعضهم من وَهَم الكلام .
... والكذب بهذا المعنى لا يعصم منه أحد، لا من الصحابة، ولا ممن دونهم، وقد جاءت كلمة "الكذب" فى أحاديث كثيرة بمعنى الخطأ، من ذلك مايلى:
قول النبى - صلى الله عليه وسلم -: "كذب من قال ذلك" (2) فى الرد على من ظن أن عامر بن الأكوع (3): "قتل نفسه فى غزوة خيبر حيث أصابه سيفه، وهويبارز "مرحباً" ملك اليهود.
__________
(1) السنة ومكانتها فى التشريع للدكتور السباعى ص 76 - 78 بتصرف.
(2) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد والسير، باب غزوة خيبر 6/ 4.4 رقم 18.2، وباب غزوة ذى قرر وغيرها 6/ 419 رقم 18.7 .
(3) عامر بن الأكوع: صحابى جليل له ترجمة فى: الاستيعاب 2/ 785 رقم 1317، واسد الغابة 3/ 114 رقم 268.، وتجريد أسماء الصحابة 1/ 283، والإصابة 3/ 35. رقمى 364، 393 .
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كذب أبوالسنابل (1)، ليس كما قال، قد حللت فانكحى". وذلك فى الرد على أبى السنابل الذى قال لسبيعة بنت الحارث (2)، وقد وضعت حملها بعد وفاة زوجها
بأيام: إنك لا تحلين حتى تمكثى أربعة أشهر وعشراً. فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " كذب أبوالسنابل، ليس كما قال " (3) .
...
وعلى نحوهذا الإستعمال لكلمة "كذب" جاء استعمال الصحابة لها.
1 - كقول ابن عباس - رضى الله عنهما - عن نوف البكالى (4): "كذب نَوْف" عندما قال صاحب الخضر ليس موسى بنى إسرائيل، وإنما موسى آخر - ونوف من الصالحين العبا، ومقصود ابن عباس: اخطأ نوف (5) .
2 - ومنه قول عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -: "كذب أبومحمد" حيث قال: " الوتر واجب ".
__________
(1) أبوالسنابل: هوحَبَّةُ بن بَعْكَكٍ، صحابى جليل له ترجمة فى: الاستيعاب 1/ 318 رقم 468، أسد الغابة 1/ 669 رقم 1.3.، وتاريخ الصحابة ص 77 رقم 299، ومشاهير علماء الأمصار ص 28 رقم 84، والإصابة 1/ 3.4 رقم 1565 .
(2) سبيعة بنت الحارث: صحابية جليلة لها ترجمة فى: تاريخ الصحابة ص13. رقم 63.، والاستيعاب 4/ 1859 رقم 337.، واسد الغابة 7/ 138 رقم 6979، والإصابة 4/ 326 رقم 11278 .
(3) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه كتاب الطلاق، باب فى عدة الحامل المتوفى عنها زوجها 1/ 35. رقمى 15.6، 15.8 .
(4) نَوْف البكالى: هونَوْف، بفتح النون وسكون الواو، ابن فَضَالة، بفتح الفاء والمعجمة، البكالى، بكسر الموحدة وتخفيف الكاف، ابن امرأة كعب، شامى مستور، وإنما كذب ابن عباس ما رواه عن أهل الكتاب، مات سنة بعد التسعين من الهجرة. له ترجمة فى: تقريب التهذيب 2/ 255 رقم 7239، والجرح والتعديل 8/ 5.5 رقم 2311 .
(5) انظر: الفكر المنهجى عند المحدثين للدكتور همام عبد الرحيم ص 52 .
3 - ومنه قول عائشة - رضى الله عنها - لما بلغها أن أبا هريرة يحدث بأنه "لا شؤم إلا فى ثلاث" قالت: "كذب - والذى أنزل على أبى القاسم - من يقول: " لا شؤم إلا فى ثلاث - ثم ذكرت الحديث " (1).
4 - "واسْتَمَعَ الزبير بن العوام - رضي الله عنه -، إلى أبى هريرة يحدث، فجعل يقول كلما سمع حديثاً: كذب…صدق…كذب، فسأله عروة ابنه: يا أبت ما قولك: صدق…كذب . قال: يا بنى: أما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا شك فيه، ولكن منها ما يضعه على مواضعه، ومنها ما وضعه على غير مواضعه " (2).
فعائشة والزبير- رضى الله عنهما - لا يريدان بقولهما - كذب أى اختلق - حاشاهم من ذلك - وإنما المراد اخطأ فى فهم بعض الأحاديث؛ ووضعها فى غير محل الإستشهاد بها، كما صرح الزبير بن العوام - رضي الله عنه -، فعدالة أبى هريرة بين الصحابة أعظم من أن تمس بجرح، وما اتهم به كذباً من أعداء الإسلام تصدى للرد عليه رهط من علماء الإسلام (3) .
__________
(1) أخرجه أبوداود كتاب الصلاة، باب فيمن لم يوتر 2/ 62 رقم 142.، والنسائى فى سننه كتاب الصلاة، باب المحافظة على الصلوات الخمس والمحافظة عليها 1/ 23. رقم 461، والموطأ كتاب صلاة الليل، باب الأمر بالوتر 1/ 12. رقم 13 .
(2) البداية والنهاية لابن كثير 8/ 112، وانظر: توثيق السنة فى القرن الثانى الهجرى للدكتور رفعت فوزى ص 34 .
(3) ينظر بعض من تصدى للدفاع عنه فى المبحث السابع " أبوهريرة راوية الإسلام رغم آنف الحاقدين".
فهذا كله من الكذب الخطأ، ومعناه "اخطأ قائل ذلك". وسمى كذباً؛ لأنه يشبهه , لأنه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق، وإن افترقا من حيث النية والقصد (1).
وما استدرك به بعض الصحابة بعضاً فى الرواية لا يعد كذباً، كيف لا! والصحابة يتفاوتون فى روايتهم عن النبى - صلى الله عليه وسلم - بين مكثر ومقل، يحضر بعضهم مجلساً للرسول - صلى الله عليه وسلم - يغيب عنه آخرون، فينفرد الحاضرون بما لم يسمعه المتخلفون، حتى يبلغوا به فيما بعد. ومن هذا القبيل كتاب " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة " للإمام بدر الدين الزركشى. كما وقع لجماعة من الصحابة غيرها، استدركوا على مثيلهم، ونفوا ما رواه وخطؤوه فيه .
... ويدل على ما سبق ما رواه الحاكم عن البراء بن عازب - رضي الله عنه -: " ليس كلنا كان يسمع حديث النبى - صلى الله عليه وسلم -، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن كان الناس لم يكونوا يكذبون فيحدث الشاهد الغائب " (2) .
__________
(1) ينظر: لسان العرب 1/ 7.4، وينظر: فتح البارى 1/ 242، والمكانة العلمية لعبد الرزاق الصنعانى فى الحديث النبوى لفضيلة الأستاذ الدكتور إسماعيل الدفتار مبحث (مراجعة الصحابة بعضهم لبعض فى ضبط ما يروونه لا تعنى الاتهام) 1/ 295 .
(2) المستدرك كتاب العلم , باب فضل توقير العالم 1/ 216 رقم 438 وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه , ووافقه الذهبى.
... وعن القاسم بن محمد (1) قال: " لما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر مرفوعاً: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه قَالَتْ إِنَّكُم لَتُحَدِّثُونِّىٍ عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ وَلاَ مُكَذَّبَيِنْ وَلِكَنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ (2)، وفى رواية قالت: "يغفر الله لأبى عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسى
أواخطأ، إنما مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على يهودية يُبكى عليها فقال: إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب فى قبرها" (3) .
... كل ذلك وغيره الكثير، يدل على ثقة الصحابة بعضهم ببعض، ثقة لا يشوبها شك ولا ريبة، لما يؤمنون به من تدينهم بالصدق، وأنه عندهم رأس الفضائل، وبه قام الإسلام، وساد أولئك الصفوة المختارة من أهله الأولين.
__________
(1) القاسم بن محمد: هوالقاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق التيمى، ثقة، أحد الفقهاء بالمدينة، روى عن عائشة، وأبى هريرة، وفاطمة بنت قيس، وعنه الزهرى، وأبوالزناد. مات سنة 1.6هـ على الصحيح. له ترجمة فى: تقريب التهذيب 2/ 23 رقم 55.6 والكاشف 2/ 13. رقم 4528، ومشاهير علماء الأمصار ص 82 رقم 427 .
(2) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه3/ 5.1رقم929
(3) أخرجه مسلم فى الموضع السابق 3/ 5.3 رقم 932، وينظر: فتح البارى 3/ 184 حيث نقل عن القرطبى قوله: "إنكار عائشة ذلك وحكمها على الراوى بالتخطئة أوالنسيان أوعلى أنه سمع بعضاً ولم يسمع بعضاً بعيد، لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون وهم جازمون فلا وجه للنفى مع إمكان حمله على محمل صحيح .. إلخ".
وصدقت أم المؤمنين عائشة - رضى الله عنهما - ما كَانَ خُلُق أَبْغضَ إلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الكذب (1) .
... وعلى هذا: فإذا ورد على لسان أحد من الصحابة نفى ما رواه نظيره، أوقوله فى مثيله: كذب فلان…، أونحوهذا من العبارات، فالمراد به أنه أخطأ أونسى؛ لأن الكذب عند أهل السنة هوالإخبار عن الشئ بخلاف ما هوعليه عمداً أونسياناً أوخطأ، ولكن الإثم يختص بالعامد، كما جاء فى الحديث: " من كذب علىَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " (2) .
قال الإمام النووى (3): بعد تعريفه للكذب عند أهل السنة: "وقالت المعتزلة، شرطة العمدية ودليل خطاب هذه الأحاديث لنا، فإن قيده عليه السلام بالعمد، لكونه قد يكون عمداً، وقد يكون سهواً، مع أن الإجماع والنصوص المشهورة فى الكتاب والسنة متوافقة متظاهرة على أنه لا إثم على الناسى والغالط، فلوأطلق - صلى الله عليه وسلم - الكذب لتوهم أنه يأثم الناسى أيضاً فقيده وأما الروايات المطلقة، فمحمولة على المقيدة بالعمد (4) . أ.هـ.
__________
(1) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب البر والصلة، باب ما جاء فى الصدق والكذب 4/ 3.7 رقم1973 وقال: هذا حديث حسن، وأخرجه أحمد فى مسنده 6/ 152، وابن أبى الدنيا فى مكارم الأخلاق 112 رقم 139، 145، والحديث ذكره الحافظ الهيثمى فى مجمع الزوائد 1/ 142، وعزاه إلى أحمد، والبزار، وقال إسناده صحيح .
(2) سبق تخريجه ص 35. وينظر: لمحات من تاريخ السنة للأستاذ عبد الفتاح أبوغدة ص 73 .
(3) هوأبوزكريا، يحيى بن شرف الحوارنى، الشافعى، كان إماماً حافظاً متفناً، صاحب تصانيف نافعة فى الحديث، والفقه، وغيرها "كشرح مسلم" و"شرح المهذب" و"المبهمات" وغير ذلك مات سنة 676هـ له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ 4/ 147. رقم 1162، وشذرات الذهب 5/ 345، وطبقات الشافعية لابن كثير 2/ 9.9 .
(4) المنهاج شرح مسلم للنووى 1/ 1.4 .
الرد على زعم أعداء السنة المطهرة بأن لفظة "متعمداً" فى حديث "من كذب علىّ" مختلقة:
زعم أعداء السنة بأن لفظة "متعمداً" مختلقة، وأدرجها العلماء ليسوغوا بها، وضع الحديث على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حسبة من غير عمد، كما كان يفعل الصالحون من المؤمنين ويقولون "نحن نكذب له لا عليه " أويتكئ عليها الرواة فيما يروونه عن غيرهم على سبيل الخطأ، أوالوهم أوسوء الفهم…إلخ" (1) .
... الجواب: هذا زعم كله كذب لأن " لفظة متعمداً " أخرجها البخارى فى صحيحه فى أكثر رواياته (2)،واتفق معه الإمام مسلم فى تخريجها فى صحيحه (3) .
وأفاض الحافظ ابن حجر فى بيان ثبوتها (4)، ورغم ذلك يكذب محمود أبورية بذكره للبخارى وابن حجر ضمن من لا يثبتون هذه الزيادة (5) .
__________
(1) ينظر: أضواء على السنة ص 6.، وتابعه جمال البنا فى كتابة السنة ودورها فى الفقه الجديد ص139 وقال بقولهم نيازى عز الدين فى كتابيه إنذار من السماء ص 7..، 7.1، ودين السلطان ص 17.، 243، 258، 325، وينظر: تبصير الأمة بحقيقة السنة ص 294 .
(2) البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبى - صلى الله عليه وسلم - 1/ 243، 244 رقمى 1.8، 11. .
(3) ينظر: مسلم (بشرح النووى) المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله- صلى الله عليه وسلم -1..،1.1رقمى3،4.
(4) فتح البارى 1/ 242 رقمى 1.8، 11. .
(5) أضواء على السنة ص 62 هامش.
يقول فضيلة الدكتور محمد أبوشهبة: ولا أحد يدرى - كيف يجتمع الوضع حسبة مع عدم التعمد؟ إن معنى الحسبة أن يقصد الواضع وجه الله، وثوابه، وخدمة الشريعة - على حسب زعمه - بالترغيب فى فعل الخير والفضائل، وهم قوم من جهلة الصوفية، والكرامية، جوزوا الوضع فى الترغيب والترهيب، وربما تمسكوا بقوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (1).
وقوله - صلى الله عليه وسلم - "من كذب علىَّ ليضل به الناس" (2) . فكيف يجامع قصد الوضع، عدم التعمد؟!
وتفسير الحسبة بأنها عن غير عمد غير مقبول ولا مسلم .
ثم إن رفع إثم الخطأ أوالسهوليس بهذه الكلمة، وإنما ثبت بأدلة أخرى، وقد تقرر فى الشريعة أنه لا إثم على المخطئ والناسى، ما لم يكن بتقصير منه فذكر الكلمة لا يفيد هؤلاء الرواة شيئاً ما دام هذا أمراً مقرراً.
__________
(1) جزء من الآية 144 من سورة الأنعام.
(2) قال الحافظ ابن حجر: الحديث أخرجه البزار من حديث ابن مسعود وقد اختلف فى وصله وإرساله، ورجح الدارقطنى والحاكم إرساله، وأخرجه الدارمى من حديث يعلى بن مرة بسند ضعيف، وعلى تقدير ثبوته فليست اللام فيه للعلة بل للصيرورة كما فسر قوله تعالى "فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ": والمعنى أن مال أمره إلى الإضلال، أوهومن تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر فلا مفهوم له كقوله تعالى: "لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً" وقوله تعالى: "وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ" فإن قتل الأولاد، ومضاعفة الربا والإضلال فى هذه الآيات إنما هولتأكيد الأمر فيها لا اختصاص الحكم أ.هـ. ينظر: فتح البارى 1/ 241، 6/ 626، وفتح المغيث للسخاوى 1/ 288، 289، وينظر: الموضوعات لابن الجوزى 1/ 94 - 98 .
والسر فى ذكرها أن الحديث لما رتب وعيداً شديداً على الكاذب، والمخطئ، والساهى، والناسى، لا إثم عليهم، كان من الدقة والحيطة فى التعبير التقييد بالعمد، وذلك لرفع توهم الإثم على المخطئ والغالط والناسى، وهوما نقله الإمام النووى عن مذهب أهل السنة والمعتزلة أيضاً .
على أن أئمة الحديث وإن قالوا برفع الإثم عن المخطئ، والناسى، والغالط، فقد جعلوا ما ألحق بالحديث غلطاً، أوسهوا ً، أوخطأً، من قبيل الشبيه بالموضوع فى كونه كذباً فى نسبته إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا تحل روايته إلا مقروناً ببيان أمره، وإلى هذا ذهب الأئمة، الخليلى، وابن الصلاح، والعراقى، وغيرهم، وقد اعتبره بعض أئمة الجرح - كابن معين، وابن أبى حاتم - من قبيل الموضوع المختلق، وذهب بعض الأئمة إلى أنه من قبيل المدرج، ومهما يكن من شئ فقد جعلوا هذا النوع من الغلط أوالوهم مما يطعن فى عدالة الراوى وضبطه (1) أ.هـ.
...
فأين هذا الذى يقرره الجهابذة من المحدثين مما يزعمه الأفاكون أمثال محمود أبورية، فى قوله كلمة "متعمداً" "يتكئ عليها الرواة فيما يروونه عن غيرهم على سبيل الخطأ، أوالوهم أوسوء الفهم…إلخ"؟!!.
__________
(1) دفاع عن السنة للدكتور محمد أبوشهبة ص52، 53 بتصرف، وينظر: رد الأئمة للراوى المتساهل فى التحمل والأداء وصور من ذلك التساهل فى: فتح المغيث للسخاوى 1/ 385 - 389، وتدريب الراوى 1/ 299،34.، وتوضيح الأفكار 2/ 255 - 258 .
يقول الشيخ المعلمى اليمانى: "ولا يتوهمن أحد أن كلمة "متعمداً" تخرج من حدث جازماً وهوشاك، كلا فإن هذا متعمد بالإجماع، ولا نعلم أحداً من الناس حتى من أهل الجهل والضلالة زعم أن كلمة "متعمداً" تخرج هذا، وإنما وجد من أهل الجهل والضلال من تشبث بكلمة " علىَّ " فقال: نحن نكذب له لا عليه. فلوشكك محمود أبوريه، ومن قال بقوله، فى كلمة " علىَّ " لكان أقرب (1) .أهـ
والله تبارك وتعالى
أعلى وأعلم
حكم الطاعن فى عدالة الصحابة رضي الله عنهم
عرفت فيما سبق أن الصحابة- رضي الله عنهم - , هم وسيلتنا وشهودنا على شريعتنا الغراء , فعنهم قبل غيرهم تلقت الأمة كتاب الله - عز وجل -، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - , وهذا يعنى أن الطعن في عدالتهم , وتجريحهم، يزلزل بناء الإسلام، ويقوض دعائم الشريعة، ويشكك فى صحة القرآن، ويضيع الثقة بسنة سيد الأنام - صلى الله عليه وسلم -!.
ومن هنا جاءت أقوال أهل السنة والجماعة , صريحة فى بيان حكم من ينتقصهم ,
وأن أمثال هؤلاء لهم خبيئة سوء، ومتهمين فى دينهم، وإليك نماذج من أقوالهم:
قال الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - لما سئل عن رجل تنقص معاوية، وعمروبن العاص أيقال له رافضى؟ فقال: " إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما انتقص أحدٌ أحداً من الصحابة إلا وله داخلة سوء". وفى رواية أخرى قال: " إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام " (1) .
ويُسئل الإمام النسائى عن معاوية بن أبى سفيان - رضى الله عنهما - فيقول: " إنما الإسلام كدار لها باب، فباب الإسلام الصحابة، فمن آذى الصحابة إنما أراد الإسلام، كمن نقر الباب - أى نقبه - إنما يريد دخول الدار، قال: فمن أراد معاوية فإنما أراد الصحابة (2) .
__________
(1) البداية والنهاية 8/ 142 .
(2) تهذيب الكمال للحافظ للمزى 1/ 339 ترجمة الإمام النسائى.
وقال الإمام الحافظ أبى زُرْعة الرازى (1) - رحمه الله تعالى-: " إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندنا حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن، والسنن، أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة " (2) .
...
وعن عبد الله بن مصعب (3) قال: قال المهدى: ما تقول فيمن ينتقص الصحابة؟ فقلت زنادقة، لأنهم ما استطاعوا أن يصرحوا بنقص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتنقصوا أصحابه، فكأنهم قالوا: كان يصحب صحابة السوء) (4) .
...
__________
(1) أبوزُرْعة الرازى هو: عُبَيدُ الله بِنُ عبد الكريم بن يزيد القرشى المخزومى، أحد الأئمة الأعلام، وحفاظ الإسلام، وفضائله أكثر من أن تعد، مات سنة 264هـ. له ترجمة فى تذكرة الحفاظ 2/ 557 رقم 579، وطبقات الحفاظ للسيوطى 253 رقم 561، والعبر 1/ 379 رقم 264، 213، والإرشاد للخليلى ص 226، وطبقات المفسرين للداودى 1/ 375 رقم 321.
(2) رواه الخطيب فى الكفاية ص 97، والحافظ ابن حجر فى الإصابة 1/ 1. .
(3) هوعبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، ولى للرشيد إمرة المدينة، وقال فيه الخطيب: كان محموداً فى ولايته، جميل السيرة مع جلالة قدرة، ووثقة ابن حبان. مات سنة 184هـ. له ترجمة فى: تعجيل المنفعة ص271 رقم583، وتاريخ بغداد 1./ 173 رقم5313، والثقات لابن حبان 7/ 56، وميزان الاعتدال 2/ 5.5 رقم 46.9، والتاريخ الكبير للبخارى 5/ 211 رقم 678 .
(4) أخرجه الخطيب البغدادى فى تاريخه 1./ 175، ونقله الحافظ ابن حجر فى تعجيل المنفعة، ترجمة عبد الله بن مصعب ص 271 رقم 583 .
وصدق شمس الأئمة السرخسى: " الشريعة إنما بلغتنا بنقلهم فمن طعن فيهم فهوملحد , منابذ للإسلام , دواؤه السيف إن لم يتب " (1) .
وتكفير ساب الصحابة اختلف فيه الفقهاء فيما يلى:
1 - ذهب إلى تكفيرهم فريق من أهل العلم من الحنفية , والمالكية , والشافعية، والحنابلة، والظاهرية. (2).
2 - وذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أن ساب الصحابة لا يكفر بسبهم، بل يفسق ويضلل، ولا يعاقب بالقتل، بل يكتفى بتأديبه، وتعزيره تعزيراً شديداً حتى يرجع؛ وإن لم يرجع تكرر عليه العقوبة حتى يظهر التوبة. (3).
3 - قال الملا على القارئ: " وإذا كان لكل فريق أدلته على ما ذهب إليه؛ فالقول الذى تطمئن إليه النفس؛ ويرتاح إليه القلب , أن من أبغضهم جميعاً أوأكثرهم أوسبهم سباً يقدح فى دينهم، وعدالتهم، فإنه يكفر بهذا، لأن هذا يؤدى إلى إبطال الشريعة بكاملها لأنهم هم الناقلون لها، أما من سب أحداً من الصحابة فهوفاسق، ومبتدع بالإجماع، إلا إذا اعتقد إنه مباح أويترتب عليه ثواب كما عليه بعض الشيعة أواعتقد كفر الصحابة فإنه كافر بالإجماع " (4).
__________
(1) أصول السرخسى 2/ 132 .
(2) ينظر: الشرح والإبانة لابن بطة ص162، والنهى عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم
والعقاب ص 23، وفتاوى السبكى 2/ 58.، والصارم المسلول على شاتم الرسول ص 57.،
والإحكام فى أصول الأحكام لابن حزم 1/ 149، وأصول السرخسى 2/ 132 وما بعدها.
(3) عزاه القاضى عياض إلى بعض أهل العلم. ينظر: الشفا 2/ 54 وما بعدها.
(4) ينظر: مجموعة رسائل ابن عابدين كتاب تنبيه الولاة والحكام 1/ 367 .
4 - وقال القاضى عياض - رحمه الله تعالى -: "وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قولاً يتوصل به إلى تضليل الأمة، وتكفير جميع الصحابة ... , وجميع الأمة بعد النبى - صلى الله عليه وسلم - إذ لم تقدم علياً، وكفرت علياً إذ لم يتقدم، ويطلب حقه فى التقديم، فهؤلاء قد كفروا … لأنهم أبطلوا الشريعة بأسرها " (1).
قلت: وبالقول الثالث , والرابع , أقول. أهـ.
وأخيراً: دع عنك - أخى المسلم - أباطيل هؤلاء المبتدعة الذين يجادلون فى عدالة الصحابة
جميعاً , ويتحدثون عنهم بأسلوب غير لائق، وينصبون أنفسهم حكماً فيما شجر بينهم
من خلاف، ويقبلون رواية هذا، ويرفضون رواية ذلك، وهم لا يملكون سبباً واحداً
من أسباب ذلك كله . واعلم أن أمثال هؤلاء لهم خبيئة سوء، ومتهمين فى دينهم،
على ما سبق من أقوال الأئمة - رضي الله عنهم - أ. هـ
والله تبارك وتعالى
أعلى وأعلم
__________
(1) ينظر: الشفاء 2/ 286.
عدالة الصحابة
قلتم: (إذا كان المدعى أمراً غريبًا على العقول فإثباته يحتاج إلى دليل واضح ثم ضربتهم مثالاً ثم قلتم: وما أشبهه بنظرية عدالة الصحابة فإن كل من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ساعةً أويومًا أوأسبوعًا أوشهرًا صار عدلاً فالقول بعدالتهم من أولهم إلى آخرهم وأنهم رجال مثاليون من أغرب الغرائب الممكنة التي لا تثبت إلا بدليل يقطع جميع الشبهات حول عدالتهم).
الجواب من وجوه:
أولاً: الخلاف بيننا وبينكم ليس في عدالة جميع الصحابة الذين أُطلق عليهم هذا اللفظ سواء من كان من السابقين الأولين أوكان من المسلمين المتأخرين.
وإنَّما خلافنا معكم في عظماء الصحابة وأفاضلهم من المهاجرين والأنصار وخاصة الخلفاء الراشدين أبا بكر وعمر وعثمان وإخوانهم وأمَّا من أسلم متأخراً هل هوعدل أم لا فالخطب فيه يسير بالنسبة للخلاف السابق.
ولعلماء السنَّة أنفسهم تفصيلات وتفريعات في الصحابي الذي قلّت صحبته للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يخرجهم هذا التفصيل عن أهل السنَّة.
لكن المحققين من علماء السنَّة يرون أنَّ كل من أسلم وصحِب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد إسلامه فهوعدل حتى يثبت خلاف ذلك.
وهذا موقف سليم فإنَّ من أتى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وترك دينه السابق وأعلن الدخول في الإسلام ورضي به ديناً والإسلام يحرِّم الكذب والفواحش فالأصل أنَّه متبع له لأنَّه قد أعلن التزامه به حتى يثبت خلافه خاصة وقد أشرقت عليه أنوار النبوة ونالته بركة صحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن صحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - شرف وتزكية وليست كصحبة غيره مهما كان ذلك الغير.
ثم ليس هذا هوخلافنا مع الإمامية.
ثانيًا: إنَّ ادعاء كفر الصحابة أوفسقهم أوخيانتهم عن بكرة أبيهم ما عدا أربعة أشخاص أشد غرابة من القول بعدالتهم.
فإنَّ اعتقاد أنَّ الذين تربوا على مائدة القرآن قرابة ثلاث وعشرين سنة تقريبًا أوعشرين سنة أوعشر سنين أوخمس سنين أونحوها أسلموا نفاقًا أوطلبًا لمنصب أورغبة في الدنيا مع عدم وجودها أثناء الدخول في الإسلام.
أوامتنع عن تنفيذ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في إمامة علي - رضي الله عنه - من غير سبب ظاهر بأوهام غريبة ثمَّ هم يقاتلون لأجل إقامة الدين ويفتحون الأرض بالإسلام وعلي معهم في كل ذلك.
ثمَّ يعيشون حياة الزهد والعفة وهم خلفاء ويطيعهم آلاف الصحابة ولا ينكر عليهم منكر.
ثمَّ يروون فضائل عليّ - رضي الله عنه - وينقلون ما يحدث من خلاف حتَّى نقلوا خلاف فاطمة رضي الله عنها مع أبي بكر في أمر دنيوي ولم ينقلوا عنها ولا عن عليّ خلافًا في إمامة ... إلى آخر ما هنالك من أحوالهم ثمَّ يزعم أنَّهم مرتدون أورادون لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعظم غرابة ..
فقارن بين الدعويين بقلب سليم وعقل مستقيم يظهر لك الحق إن شاء الله تعالى.
ولمزيد من البيان نضيف تمهيدًا في الوجه الآتي:
ثالثًا: تمهيد يُحتاج إليه هنا لأن كتب الشيعة الإمامية قد أهملته كما يظهر من أصح كتاب عندهم وهوكتاب الكافي. فإنني لم أجد فيه ذكر أحداث العهد المكي ومعاناة المؤمنين فيه.
هذا التمهيد هو: (التذكير بمعاناة الصحابة في بداية الإسلام) وكيف دخلوا الإسلام وما لاقوه من ابتلاء وأذى في سبيل ذلك.
فإنَّ الله - عز وجل - عندما بعث نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وأمره بأن يعلن الدعوة بالإسلام في مجتمع مشرك عاش على الشرك هووآباؤه فإن ذلك يعني تغيير عقيدة المجتمع وإبطالها والإقرار بفسادها وهي عقيدة عاش عليها الآباء والأجداد.
... ثمَّ إنَّ الذي يقبل الإسلام ويعترف بتلك الحقيقة يعني أنه يواجه المجتمع: أسرته أولاً ثم قبيلته ثانيًا ثم المجتمع المشتمل على عدة قبائل ثالثًا ثم جميع قبائل العرب رابعًا وهوموقف عظيم لا يقدم عليه إلا من خالط قلبه بشاشة الإيمان.
... وبمراجعة تلك الفترة الزمنية ومعرفة أحداثها نرى أمرًا عجبًا. وفيما يلي إشارة إلى تلك المرحلة بإيجاز.
الدعوة في مكة:
... عندما بدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - دعوته داخل المجتمع المكِّي واجه المجتمع مواجهةً شديدة وآذوه أشد الأذى وآذوا كل من اتبعه.
... وقد تنوع الأذى وتباين ما بين هجر وضرب وقتل.
... وكتب السير والتواريخ مملوءة بأنواع القصص التي تكشف عن مدى ما عانى منه الصحابة من شدَّة وكرب عندما دخلوا في الإسلام.
... قال ابن مسعود: (أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبوبكر، وعمار بن ياسر، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأمَّا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأمَّا أبوبكر فمنعه الله بقومه، وأمَّا سائرهم فما منهم إنسان إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلاَّ بلال! فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فأعطوه الولدان وأخذوا يطوفون به في شعاب مكة وهويقول: أحد أحد) (1).
... وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا مرَّ على المعذبين يثبتهم ويبشرهم. فقد مرَّ على آل ياسر: ياسر وابنه عمار وأمه فيقول لهم: (ابشروا آل ياسر موعدكم الجنة) (2).
... وفي قصَّة إسلام أبي ذر أنَّه أعلن بإسلامه في المسجد الحرام فقاموا إليه فضربوه حتى أوجعوه فلم يمنعهم منه إلا العباس (3).
وعن سعيد بن زيد قال: (والله لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإسلام قبل أن يسلم عمر) (4).
... وعن عبدالله بن عمروقال: (رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهويصلي فوضع رداءً في عنقه فخنقه به خنقًا شديدًا فجاء أبوبكر حتى دفعه عنه فقال: (أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم) (5) [سورة غافر (28)].
... وزاد البزار: (فتركوه وأقبلوا على أبي بكر) (6).
__________
(1) رواه ابن ماجه في المقدمة/ح/15./ وابن حبان/ح/7.82 - الإحسان/ والحاكم/3/ 384/ وأحمد/1/ 4.4/ وغيرهم قال البوصيري في زوائد ابن ماجه: إسناده رجال ثقات
(2) السيرة الحلبية/1/ 456/
(3) صحيح البخاري/ح/3446/
(4) رواه البخاري /ح/3862/
(5) رواه البخاري /ح/3678/
(6) مجمع الزوائد/6/ 17/ وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح
... ولشدَّة ما لقيه الصحابة من البلاء والأذى وجَّههم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الحبشة، فذهب كثير من الصحابة - رضي الله عنهم - إلى الحبشة وتركوا أرضهم وأهليهم فارِّين بدينهم (1).
... وقد هاجر الصحابة إلى الحبشة هجرتين، كان عدد المهاجرين في الثانية أكثر من ثمانين رجلاً وامرأة (2).
... ثمَّ كان من ترتيب الله - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه أنَّ وفدًا من الخزرج من المدينة ذهبوا إلى مكة يستنصرونهم على الأوس فلقيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فعرض عليهم الإسلام فأعجبهم ما سمعوا، ثمَّ إنَّهم وعدوه بأن يعرضوه على قومهم.
... فعرضوه على قومهم فجاء منهم في الحج من العام القابل اثنا عشر رجلاً فبايعوه على الإسلام (3).
... ثم أرسل النبي معهم مصعب بن عمير يعلمهم الدين ويؤمهم في الصلاة.
وبعد أن وصل إلى المدينة قام بالاتصال بالناس فأسلم على يديه خلقٌ كثير.
... وقد أسلم على يديه زعيمَا بني عبد الأشهل وهما: أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ ولمَّا أسلم سعد بن معاذ ورجع إلى قومه وحرَّم كلامه عليهم إنْ لم يؤمنوا، فأسلموا جميعًا وأخذ مصعب يعلمهم الدين، ما عدا بعض البطون لم تُسلِم إلاَّ بعد الخندق (4).
__________
(1) رواه أحمد/الفتح الرباني/ /2. - 224 - 225/ والبيهقي في دلائل النبوة /2/ 67/ وحسنه ابن حجر في/ الفتح/ 7/ 179/
(2) أوردها البيهقي في دلائل النبوة/ 2/ 6/297 - 298/
(3) روى البخاري مبايعتهم على الإسلام/ح/ 3893/، ومسلم/ح/17.9/، ومقدمات الإسلام ذكرها البيهقي/دلائل النبوة/ 2/ 433 - 435/ بسند حسن
(4) ورد من طرق عدة/ تاريخ الطبري/2/ 357/، والبيهقي/ دلائل النبوة/2/ 438/ وغيرهما
... ثمَّ فشى الإسلام في المدينة، قال جابر بن عبدالله في حديث طويل: (فقلنا حتى متى نترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُطرد في جبال مكة ويخاف، فرحلنا إليه سبعون رجلاً منَّا حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين حتى توافينا. فقلنا: يا رسول الله على مَ نبايعك؟ قال: (تبايعوني على السمع والطاعة في المنشط والكسل، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني ممَّا تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنَّة).
... قال: فقمنا إليه فبايعناه.
... وأخذ بيده أسعد بن زرارة - وهوأصغرهم - فقال: رويدًا يا أهل يثرب: فإنَّا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلاَّ ونحن نعلم أنَّه رسول الله وأنَّ إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن تعظكم السيوف إمَّا أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإمَّا أنتم تخافون من أنفسكم جبنة فتبينوا ذلك فهوأعذر لكم عند الله.
... قالوا: أمط عنَّا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة أبدًا ولا نسلبها أبدًا.
فبايعناه فأخذ علينا وشرط ويعطينا على ذلك الجنة) (1).
ولم يَعدْهم بخلافة ولا وزارة ولا دنيا.
... ثم إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن في الهجرة إلى المدينة.
... قال البراء بن عازب: (أوَّل من قدم علينا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: مصعب بن عمير، وابن أمِّ مكتوم فجعلا يُقرئاننا القرآن ثم جاء عمَّار، وبلال، وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ) (2).
__________
(1) رواه أحمد/3/ 322/، والبيهقي في/ السنن/9/ 9/، ورجاله ثقات، وقال ابن حجر: إسناد جيد على شرط مسلم/ الفتح/7/ 22./
(2) رواه البخاري/ ح/3924/
وقد همَّ أبوبكر - رضي الله عنه - بالهجرة مع إخوانه المهاجرين فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (على رِسلك فإنِّي أرجوأن يُْؤذن لي). فقال أبوبكر وهل ترجوذلك بأبي وأمِّي؟ قال: (نعم) (1).
... فجهَّز أبوبكر - رضي الله عنه - راحلتين مدة من الزمن، ثم جاءه النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما أُذن له في الهجرة وطلب أبوبكر الصحبة فقال: نعم. فخرجا واختفيا في غار ثور ثلاثة أيَّام، وأسرة أبي بكر - رضي الله عنه - ترعى هذه الهجرة.
... عبدالله بن أبي بكر يأتيهما ليلاً بأخبار أهل مكة.
... وأهل أبي بكر يعدون لهما طعامهما يوميًا.
... وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر يأتيهما بغنم أبي بكر يشربان من لبنها (2).
... ثمَّ تمَّت الهجرة العظيمة لسيد البشر مع أفضل النَّاس بعد الأنبياء والرسل لتكون بداية ظهور الإسلام وإعزازه.
... وخلَّف النبي - صلى الله عليه وسلم - عليًّا - رضي الله عنه - في مكة لينام في فراشه حتَّى لا يلفت أنظار قريش خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - (3).
... المرحلة المدنية:
... وقد استقبل أهل المدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعظم استقبال، وأحاطوا به من جوانبه كلٌ يود لوينزل في داره ليَشرف بذلك النزول، ولكنَّه - صلى الله عليه وسلم - بقي في "دار بني عمروبن عوف" أربع عشرة ليلة ثمَّ أرسل إلى بني النجَّار فجاءوا متقلدي السيوف ثمَّ سار حتى نزل في بني النجَّار مكان مسجده الشريف وهناك بدأ ببناء المسجد وشاركه المهاجرون والأنصار في بناء المسجد (4).
... ثمَّ إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - آخى بين المهاجرين والأنصار ليُذهب عن المهاجرين وحشة الغربة ويتأنسوا من مفارقة الأهل والعشيرة.
__________
(1) رواه البخاري/ح/39.5/
(2) صحيح البخاري/ح/39.5/
(3) رواه أحمد/ الفتح الرباني/2./ 279/ وصححه أحمد شاكر
(4) ذكره البخاري/ح/3932/، ومسلم/ح/524/
... ثمَّ بدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بتأسيس المجتمع المسلم من لبنات الإيمان: المهاجرين الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم ينصرون الله ورسوله، والأنصار الذين يحبُّون من هاجر إليهم.
... وبدأت مسيرة الجهاد والصحابة - رضي الله عنهم - يعيشون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتمرون بأمره وينتهون عن نهيه.
... وقد قاد النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفسه الشريفة إحدى وعشرين (1) غزوة وقيل تسع عشرة غزوة (2) ورجّح ابن حجر القول الأول (3).
... وأمَّا السرايا التي أمَّر عليها أحدًا من أصحابه فقد بلغت ستًّا وثلاثين وقيل أكثر من ذلك (4).
... كل تلك الغزوات والسرايا لنُصرة دين الله - عز وجل -.
فانتشر الإسلام وذلَّت الجزيرة بكاملها للإسلام.
هؤلاء هم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آمنوا به، ونصروه، وواسوه بأنفسهم وأموالهم، وهجروا الديار والأهل فِرارًا بدينهم وإعزازًا لدين الله - عز وجل -.
ولم يكن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهويدعوهم إلى الله - عز وجل - مالٌ يدفعه إليهم، أويطمعون في الحصول عليه، وإنَّما كان وعْده لهم: الجنة.
تربية الصحابة في العهد المكِّي:
كان القرآن الكريم يتنزَّل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان يقرأه عليهم ويلقِّنهم إيَّاه وقد نزل في العهد المكِّي أكثر من ثمانين سورة، وهذا يمثِّل أكثر من ثلثي القرآن الكريم.
وقد كانت هذه السور تُقرِّر العقيدة وخاصة عقيدة اليوم الآخر والبعث والحساب، وتصف الجنَّة والنار وأحوال أهلهما، وصنوف العذاب التي أعدَّها لأهل النار، وأنواع النعيم التي أعدَّها للمؤمنين، كل ذلك يُتلى في مئات الآيات والصحابة يتلقَّون تلك الآيات آناء الليل وآناء النهار والرسول - صلى الله عليه وسلم - يرعى خُطاهم ويوجه مسيرهم.
__________
(1) رواه مسلم /ح/1813/
(2) رواه البخاري/ح/3949/
(3) فتح الباري/7/ 28. - 281/
(4) ذكر ذلك ابن حجر في/الفتح/7/ 281/
ولقد عاش الصحابة - رضي الله عنهم - في مكَّة في عناء وشدَّة وعذاب وفتنة ولولا صِدق الإيمان ورعاية الله - عز وجل - لهم بالتثبيت والتوفيق لما تحمَّلوا تلك المعاناة الشديدة.
أهؤلاء تحمَّلوا هذه المعاناة طمعًا في مال، أورغبةً في جاه، أونفاقًا ورياءً؟!
تربية الصحابة في العهد المدني:
العهد المدني استمرار للعهد المكِّي في تربية الصحابة - رضي الله عنهم - ورعاية إيمانهم والتدرج بهم إلى مراقي الكمال.
فإنَّ الإنسان بدخوله إلى الإسلام لا يعني أنَّه أصبح ملَكًا لا يصدر منه أخطاء ولا يقع منه هفوات.
فالصحابة بشر لهم رغبات ولهم أخطاء وليسوا معصومين.
لكنَّهم مؤمنون يحبُّون الله ورسوله ويتمسكون بدينهم ويدافعون عنه ويجاهدون في سبيل إعزازه ونشره.
وقد كانوا يتحرَّكون تحت سمع الله - عز وجل - وبصره، وتحت إشراف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمدة ثلاثة وعشرين عامًا في مدرسة واحدة ينهلون من علومها ويحفظون دروسها ويتربَّون في فصولها.
فنِعْمَت المدرسة ونِعم الدارسون.
هذه المدرسة هي أعظم مدرسة في التاريخ وأنجحها وأبركها.
خرَّجت جيلاً عظيمًا حمل مِشعل الهداية وفتَح الأرض في فترة زمنية لم يعرف التاريخ لها مثيلاً.
مرحلة ما بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -:
توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن أكمل الله - عز وجل - به الدين وأتمَّ به النعمة.
ثم إنَّ الناس الذين لم يتربوا على مائدة النبوة ممَّن أسلم من أهل القرى والبوادي البعيدة اهتز إيمان كثير منهم، وجَهِل كثير منهم فرائض الدين، فحدثت رِدَّة عن دين الله - عز وجل - من بعضهم، وامتناع عن دفع الزكاة من البعض الآخر، ولم يبقَ على الدين سوى ثلاث مدن: "المدينة، ومكَّة، والطائف"، وما عداها فقد أعلنوا عصيانهم.
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عقد لأسامة بن زيد - رضي الله عنه - الراية ووجهه إلى الشام ثمَّ مات النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يغادر أسامة المدينة فانتظر حتَّى دُفِن - صلى الله عليه وسلم - ثمَّ أنفذ الصدِّيق - رضي الله عنه - جيش أسامة.
قال ابن كثير رحمه الله: (قال سيف بن عمر: عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لمَّا بُويع أبوبكر وجمع الأنصار في الأمر الذي افترقوا فيه، قال: ليتم بعث أسامة وقد ارتدَّت العرب إمَّا عامة وإمَّا خاصة، في كل قبيلة، ونجم النفاق واشرأبت اليهودية والنصرانية، والمسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية، لِفقد نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، وقِلَّتهم وكثرة عدوّهم، فقال له الناس: إنَّ هؤلاء جُلَّ المسلمين والعرب على ما ترى قد انتقصت بك، وليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين، فقال: والذي نفس أبي بكر بيده لوظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولولمْ يبقَ في القرى غيري لأنفذته) (1) وقد روي هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
ثمَّ إنَّ الصدِّيق - رضي الله عنه - أخذ يجهِّز الجيوش لحرب المرتدِّين وأخضع الجزيرة بكاملها للإسلام، ثمَّ أرسل الجيوش إلى خارج الجزيرة لدعوة فارس والروم، ففتح الله - عز وجل - كثيرًا من تلك البلدان، ثمَّ أكمل عمر - رضي الله عنه - مسيرة الجهاد وفتح البلدان، ثمَّ سار بعدهما عثمان - رضي الله عنه - فاتسعت دائرة الإسلام، وتوقف الجهاد في عهد علي - رضي الله عنه - للخلاف الذي وقع بينه وبين معاوية - رضي الله عنه -، ثم عاد الفتح بعد ذلك (2).
وقفات:
هذه نبذة يسيرة عن مراحل الدعوة وظهور جيل الصحابة - رضي الله عنهم - ولنا هنا وقفات:
__________
(1) البداية/6/ 3.4/
(2) هذه النبذة توجد في جميع كتب تواريخ أهل السنة والسير.
الإسلام جاء بإبطال عقائد المشركين وتسفيه عقولهم وتغيير معاملاتهم، ولا شكَّ أنَّ هذا من أشدِّ المواقف وأشقها على النفس. ولا يقبل إنسان تغيير عقيدته والاعتراف بالخطأ إلا إذا تبين له أن العقيدة الجديدة هي الحق.
أنَّ الذين تركوا دينهم واعتنقوا الإسلام كانوا عظماء في أنفسهم، عقلاء في قراراتهم لدخولهم في الإسلام رغم ما يترتب عليه من تكاليف شاقة وتضحيات وعداوات لولم يكن البديل عظيمًا في نظرهم لَمَا أقدموا عليه.
لقد ترتَّب على اعتناق الإسلام مقاطعة من أقوامهم، بل والإيذاء الشديد باللسان واليد، بل والقتل أحيانًا.
إنَّ كثيرًا ممَّن أسلم هجر وطنه وخرج إلى بلاد الحبشة، بلاد تختلف عن بلادهم عقيدة ولغة وعادات، كل ذلك للحفاظ على دينهم الجديد.
ثمَّ إنَّ القرآن كان يتنزَّل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرعى مسيرة الإيمان ويغرس عقيدة التوحيد واليوم الآخر، عارضًا نماذج من أحداث اليوم الآخر، وصورًا من أحوال المعذبين في النار، وصورًا من نعيم الجنَّة، ممَّا يُعمق الإيمان ويرسخه في القلوب.
واستمر القرآن كذلك في العهد المدني يتنزَّل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوجه الأفراد والمجتمع ويرعى خواطرهم وأقوالهم وأعمالهم، فلا تكاد تنزل آية إلا وهي مرتبطة بحادثة مُؤيدة أومُصححة أومُحذِّرة، فعاش الصحابة مكشوفي الضمائر والحركات والله - عز وجل - يرعى ضمائرهم وحركاتهم.
وتولَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه تربية أصحابه وتوجيههم وتزكيتهم وتعليمهم الكتاب والحكمة ويتخذ منهم الوزراء والأمراء، ويُزوجهم ويتزوج منهم، ويُثني عليهم، ويمدحهم، ويُبشِّر بعضهم بالجنَّة، وهكذا كان معهم إلى أن لقي الله - عز وجل -.
أليست هذه الأمور مجتمعة كافية لإخراج جيل ربَّاني لا يلحقه جيل ولا يساويه في إيمانه وأخلاقه وعلمه؟
إذا لم تنجح هذه المدرسة الربَّانية بإشراف محمد- صلى الله عليه وسلم - في تربية الإنسان فلا خير في الأرض بعد ذلك ولا قبله.
وإذا لم ينجح الإسلام في بدايته وقد تهيَّأت له تلك الأسباب والظروف فلا أمل في نجاحه بعد ذلك.
ونحن نشهد أنَّ المدرسة الربَّانية بإشراف محمد - صلى الله عليه وسلم - قد نجحت في تربية الأصحاب، والتاريخ يشهد.
إنَّ القول بردَّة هؤلاء أوخيانتهم رغم كل هذه الأسباب التي لابد أن يكون ثمارها خير الثمار إن مدعي ذلك صاحب قلب مريض.
نسأل الله له الشفاء.
... 39) قلتم (ص"8"): (وإذا كان الأصحاب كلهم عدول لا استثناء فما معنى الحدود الشرعية التي أقامها أبوبكر وعمر وعثمان وعلي- عليه السلام - بحق الزُناة والسُّراق وشاربي الخمر من الصحابة).
... ... قلت الرد من وجوه:
__________
(1) رواه البخاري/ح/33.5/
... ... أولاً: ذكرت عظماء الأمَّة وخلفاءها الراشدين ولم تترضَ عليهم وأفردت عليًّا - رضي الله عنه - بالسلام مع أنَّك قلت في السابق: (فالناظر المتجرد عن كل رأي مسبق والبريء قلبه من كل مرض يجد في نفسه تكريمًا لهؤلاء الصحابة)!! فأين التكريم؟!
... ... ولا شكَّ أنَّ هذا من آثار عقائد الإمامية التي تعتقد أنَّ هؤلاء إمَّا كُفَّار على قول وإمَّا فُسَّاق ظَلَمَة على قول آخر وحاشاهم وزراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنصاره وآباء زوجاته أمَّهات المؤمنين وفاتحي العالم وناشري الإسلام.
... ... ثانيًا: لقد مرَّ معنا أنَّ العدالة ليس القصد منها: "العصمة" من الخطأ فإنَّ العصمة من الخطأ ليست لأحد من البشر إلا الأنبياء عليهم السلام فيما يبلِّغون من شرع الله - عز وجل - ثمَّ لا يُقرُّون على خطأ في غير ذلك.
... ... وليس من شرط أولياء الله - عز وجل - أن لا يقع منهم الخطأ.
... ... وليس القصد من قولنا بعدالتهم أنَّهم لا يُخطئون لكن مُرادنا أنَّهم أُمناء على شرع الله - عز وجل - ولا يكذبون في حديثهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولووقع من أحدهم خطأ فإنَّه يُسارع إلى التوبة إلاَّ حالات شاذة لا تكاد تُذكَر في جانب الآلاف من المؤمنين الصادقين.
... ... أمَّا الخطأ في الاجتهاد فهووارد ولكنَّهم مأجورون على صوابهم وعلى خطأهم لكن الأجر في الخطأ أقل.
... ... قال ابن الأنباري: (وليس المُراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم لاستحالة المعصية منهم وإنَّما المُراد قبول رواياتهم من غير تكلُّف بحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية إلاَّ إنْ ثبت ارتكاب قادح ولم يثبت ولله الحمد) (1).
__________
(1) أورده صاحب المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل/219/
... ... وقال ابن القيِّم: (قد يُغلط في مُسمَّى العدالة فيُظن أنَّ المُراد بالعدل من لا ذنب له وليس كذلك بل هوعدل مؤتمن على الدين وإن كان منه ممَّا يتوب إلى الله منه فإنَّ هذا لا يُنافي العدالة كما لا يُنافي الإيمان والولاية) (1).
... ... ثالثًا: كم عدد الذين زنوا في عهد الخلفاء وأقاموا عليهم الحد؟
... ... وكم منهم يا تُرى شرب الخمر وسرق؟
... ... إنَّ هذا الكلام يُوحي بأنَّ الزُناة، والسراق، وشاربي الخمر كانوا بالمئات؟!
... ... وهذا أسلوب لا يليق بباحث محقق!
... ... هل تستطيع أنْ تُحصي لنا العدد؟! إنَّ العدد لا يتجاوز أصابع اليد.
... ... رابعًا: إنَّ من وقع في معصية ثمَّ تاب منها، تاب الله عليه ولا يُعَيَّر بمعصيته، فإنَّ التوبة تجُّب ما قبلها.
... ... أمَّا إنْ لم يتب فلا شكَّ أنَّ هذا مجروح العدالة لكن يبقى أسلوب التضخيم أسلوبًا غير مُرضي عند المحققين.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
... 4.) قلتم / ص"8"/: (ما هوالمراد من الاجتهاد والتأويل الذي يبرِّر صاحبه فيما يرتكب من المخالفات للكتاب أوالسنَّة كما في قضية خالد بن الوليد في قتل مالك بن نويرة وأبي الغادية في قتل عمار .. ).
... قلت: الجواب من وجوه:
... أولاً: لقد أثنى النبي - صلى الله عليه وسلم - على خالد بن الوليد ووصفه بأنَّه سيف من سيوف الله.
... ... فقد روى البخاري عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - وهويروي ما حدث في مؤتة: (أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: (أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم) (2).
__________
(1) مفتاح دار السعادة/1/ 163/
(2) رواه البخاري/ح/4262/
هنيئًا لسيف الله. اسم أطلقه أصدق الناس وأعلم الناس بأحوال الناس وأحرص الناس على دين الله - عز وجل -.
... ثانيًا: خالد بن الوليد سيف الله المسلول هوالذي حارب المرتدين حتى أعادهم إلى الإسلام وبعد ذلك انطلق إلى العراق يقود كتائب الإيمان وسيرته من أعجب السير وهوالذي فتح تلك البلدان وأدخلها في الإسلام فرضي الله عنه وأرضاه وجزاه عن الإسلام خير الجزاء.
وإنَّ أي إنسان سليم القلب يقرأ سيرته ليرى قائدًا عظيمًا نفع الله به الإسلام والمسلمين.
... اقرأ قيادته للجيوش وفتوحاته العظيمة لترى أنَّنا أقزام نقف أمام عملاق نستحي أنْ نثير قصة وقعت نعتقد أنَّه أخطأ فيها إن صحت عنه.
... ثالثًا: الروايات التاريخية مختلفة في بيان الحقيقة ولذلك لا ينبغي التعويل على تلك الروايات التي تشنع عليه دون الروايات التي تبرر عمله فقد ورد في الروايات التي تبرر عمله ما يلي:
... قال ابن كثير: (ويقال بل استدعى خالد مالك بن نويرة فأنَّبه على ما صدر منه من متابعة سجاح وعلى منعه الزكاة وقال: ألم تعلم أنَّها قرينة الصلاة؟ قال مالك: إنَّ صاحبكم (أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) كان يزعم ذلك! فقال: أهوصاحبنا وليس بصاحبك؟! يا ضرار اضرب عنقه فضربت عنقه) (1). فالله أعلم أي ذلك كان.
... رابعًا: خالد بن الوليد قائد أمَّره النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته وقد وقع منه خطأ في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فتبرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - من فعله ولم يعزله وذلك قرينة على أنَّ القائد قد يخطئ ولا يستوجب ذلك عزله إذا كان يحتاجه الجهاد في سبيل الله - عز وجل -.
__________
(1) البداية والنهاية/ح/6/ 322/
... روى البخاري بسنده عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم -: (بعث خالد بن الوليد إلى بني جُذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا. فجعل خالد يقتل منهم ويأسر ودفع إلى كل رجل منَّا أسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أنْ يقتل كل رجل منَّا أسيره فقلت والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره حتى قدمنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرناه فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - يديه فقال: (اللهم إنِّي أبرأ إليك ممَّا صنع خالد مرتين) (1).
... فخالد هنا قتل قومًا أعلنوا إسلامهم بلفظ غير لفظ الإسلام وعندما علم النبي- صلى الله عليه وسلم - لم يرضَ صنيعه وتبرَّأ من عمله ومع ذلك لم يعزله بل كان يوليه بعد ذلك.
... فما هوقولك في عدم عقابه وعدم عزله أتنتقد النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك أم تسكت أم تؤمن بأنَّه - صلى الله عليه وسلم - لم يعاقب خالدًا لأنه اجتهد فأخطأ؟؟
... ثمَّ ما الفرق بين من قتلهم في المرة الأولى ومن قتلهم في المرة الثانية؟ أليس المقتولون في المرة السابقة كانوا كفارًا وفي المرة الثانية كانوا مرتدِّين ثمَّ أعلنوا الإسلام في كلا الحالين؟
... نحمد الله عز وجل على سلامة الصدر لسيف الإسلام الذي حطَّم دول الكفر وأدخل أهلها في الإسلام وغفر الله له ما أخطأ في جانب بحر حسناته.
... خامسًا: قد وقع مثل هذا الاجتهاد الخاطئ من ابن حب النبي - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد بن حارثة حيث قتل رجلاً بعد أن قال: (لا إله إلا الله) فعاتبه النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك ولم يعاقبه (2).
... فما رأيك أتعترض على عدم عقاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له بدعوى أنَّه اجتهاد يخالف الكتاب والسنَّة؟!
__________
(1) صحيح البخاري/ح/4339/
(2) رواه مسلم/ح/96/
... اجمع بين هذه المواقف النبوية واستحضر موقف الصديِّق - رضي الله عنه - ثمَّ أعد النظر بقلب سليم.
... سادسًا: وقع مثل ذلك لعليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - فإنَّه لم يقتل قتلة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - خليفة راشد زوج بنتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد قُتِل مظلومًا وهوأعظم وأفضل من مثل الأرض من مالك بن نويرة ولم نُعِب عليه - رضي الله عنه - لأنَّه كان مجتهدًا كأخيه الصدِّيق - رضي الله عنه -. اللهم سلِّم قلوبنا لأحبابك وأصحاب رسولك - صلى الله عليه وسلم - الذين نصروا دينك وجاهدوا مع رسولك - صلى الله عليه وسلم -.
... سابعًا: ألم يحدث هذا الفعل في حياة الصحابة - رضي الله عنهم - ولم يحدث منهم اعتراض إلاَّ ما كان من عمر - رضي الله عنه - فلم نسمع من عليّ ولا غيره - صلى الله عليه وسلم - أنَّه أنكر ذلك، أتظن أنَّكم أغْيَر على دين الله من جيل القرآن الذي اختاره الله - عز وجل - لصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم - والجهاد لرفع راية الإسلام ونقل الدين إلى الأمَّة كما أنزله الله - عز وجل -؟!
... إنَّ الروايات التاريخية التي تغُصُّ بها كتب الشيعة بالإزراء على الصحابة وإحداث عقائد جديدة هوالسبب في هذا الإزدراء والاتهام لعظماء الأمَّة كما سيأتي بيانه بمشيئة الله تعالى.
... أمَّا (قتل أبي الغادية لعمار) إنْ كان هوأوغيره فإنَّه كان يقاتل مع جيش معاوية وقد قُتل عمار وغيره من الصحابة في كلا الجيشين جيش عليّ - رضي الله عنه - وجيش معاوية - رضي الله عنه - وكل من قاتل بتأويل فيرجى له المغفرة، لا ندري عمَّا في نفوسهم، لكنّا نعتقد أنَّهم متأولون ولا شك أنَّ الحق كان مع عليّ - رضي الله عنه - ويشهد لذلك حديث: "تقتل عمار الفئة الباغية".
... ووصف النبي - صلى الله عليه وسلم - الفئة القاتلة بأنًّها باغية ولم يصفها بأنَّها كافرة فهل يجوز لكم أن تكونوا أكثر غيرة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتخطئوه لعدم وصف الطائفة بأنَّها كافرة وتكفرون أبا الغادية؟!
... إنَّ البغي من إحدى الطائفتين لا يخرجها من الإسلام كما قال تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي ... )، ثم قال - عز وجل -: (إنَّما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعكلم ترحمون) [الحجرات (9 - 1.)] فالله - عز وجل - سمَّى المؤمنين المتقاتلين إخوة مع وصفه إحداهما بالبغي وأطلق عليهما إخوَّة الإيمان ولكنَّه حثَّ على قتال الباغي.
... فقاتل المؤمن عن عمد متوعد بالنار إذا كان ليس له في ذلك شبهة وهؤلاء أظهروا المطالبة بدم الخليفة الراشد الذي قُتِل مظلومًا - رضي الله عنه - فإن كان باطن أمرهم كظاهره فهم متأولون ونحن ليس لنا إلا الظاهر، وإنْ كان غير ذلك فالله يتولى السرائر يوم تُبْلى السرائر.
... قال الكيا الطبري: (وأما ما وقع بينهم من الحروب والفتن فتلك أمور مبنية على الاجتهاد) (1).
... وقال الشوكاني وهويرد على جماعة من المعتزلة والشيعة الذين زعموا أنَّ الصحابة كلهم عدول إلاَّ من قاتل عليًا: (ويجاب عنه بأنَّ تمسكهم بما تمسكوا به من الشبه يدل على أنَّهم لم يقدموا على ذلك جراءة على الله وتهاونًا بدينه.
... وجناب الصحبة عظيم فمن انتهك أعراض بعضهم فقد وقع في هوة لا ينجومنها سالمًا) (2).
ــــــــــــــــــــــــــــــ
... 41) قلتم /ص "8"/ (وهل يصح تبرير عمل الصحابة تحت ظل الاجتهاد في كل ما صدر عنهم من مخالفات الأحكام القطعية؟ وأنَّهم مجازون في ارتكاب كل حرام وترك كل واجب).
... قلت: الرد من وجوه:
__________
(1) ذكره عنه الشوكاني إرشاد الفحول/127/
(2) إرشاد الفحول/128/
... أولاً: عجبًا لهذا الكلام الغريب: (ارتكاب كل حرام وترك كل واجب) هذا التعميم بهذا الأسلوب يوحي بأنَّهم قوم فُجَّار أضاعوا الدين وانتهكوا المحرمات فهل نتأول لهم؟! وهذا ثمرة الروايات الباطلة التي تربى عليها الشيعة وإن لم يفتح الله - عز وجل - قلوبهم للحق فالله المستعان.
... ثانيًا: الصحابة - رضي الله عنهم - قوم أثنى الله - عز وجل - عليهم في عشرات الآيات واختارهم الله سبحانه لصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وهم الذين نصروا الدين وهم الذين رووا لنا الدين وكل خير في الأمَّة لهم مثله إلى قيام الساعة وما قد يحدث منهم من أعمال في ظل الاجتهاد فإنَّه مغفور لهم إن شاء الله.
... وأمَّا الافتراض الخاطئ في حقهم فهوافتراض سببه تلك الروايات التي تكاثرت على مدى قرون حتى أصبحت تصور أفضل جيل بشري في صورة سيئة إمَّا كافرة وإمَّا فاسقة، فليستعد أهل التشيع لمخاصمتهم لهم يوم القيامة.
... أمَّا نحن فإنَّا نترضى عنهم ونُثني عليهم كما أثنى عليهم ربهم - عز وجل -وندعولهم جزاء حفظهم لديننا ونصرتهم لرسولنا - صلى الله عليه وسلم - ونسأل الله أن يغفر لهم خطأهم (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنَّك رؤوف رحيم).
... ثالثًا: ما هي المخالفات التي خالفوا بها الأحكام القطعية؟!
... إن كانت الأحكام وردت في القرآن الكريم فما هي؟
... وهل هي قطعية المعنى؟! ومن هوالذي حكم بأنَّها قطعية المعنى؟!
... وإن كانت في السنَّة فما هي كذلك؟ ومن الذي حكم بأنَّها قطعية؟!
... رابعًا: قد وردت عشرات الآيات في كتاب الله - عز وجل - تثني عليهم بلفظ عام وبلفظ خاص وقد أوَّلتموها وأخرجتموها عن معناها بشتَّى التأويلات فما الذي أباح لكم التأويل وحرمه على غيركم؟!
... خامسًا: وإن كان ورد في السنَّة فهم قد رووا السنَّة فهل يروون شيئًا يعتقدون صحته ثمَّ يخالفونه؟
... ثمَّ أنتم هل تؤمنون بالسنَّة التي صحت في كتب المحدثين من أهل السنَّة؟ وأنتم تنتقون منها ما تريدون مما يوافق مذهبكم ولوكان ضعيفًا وتردون ما يخالفه ولوكان صحيحًا!!
ــــــــــــــــــــــــــــــ
... 42) قلتم/ ص"8"/: (حتى في الخروج على إمام زمانهم وإزهاق أرواح كثيرة وسفك دماء غزيرة).
... تقدم بيان ذلك وأنَّهم لم يخرجوا بقصد الخروج وإنَّما للمطالبة بدم خليفة مقتول فقد أورد ابن كثير أنَّ (أبا الدرداء وأبا أمامة دخلا على معاوية فقالا له: على مَ تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنَّه أقدم منك ومن أبيك إسلامًا وأقرب منك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحق بهذا الأمر منك؟ فقال: أقاتله على دم عثمان وأنَّه آوى قتلته فاذهبا إليه فقولا له: فليقدنا من قتلة عثمان ثمَّ أنا أول من بايعه من أهل الشام. فذهبا إلى عليّ - رضي الله عنه - فقالا له ذلك فقال: هؤلاء الذين تريان فخرج خلق كثير فقالوا: كلنا قتلة عثمان فمن شاء فليرمنا. قال: فرجع أبوالدرداء وأبوأمامة فلم يشهدا حربًا) (1).
... فهذا ظاهرهم وأمَّا سرائرهم فالله يعلم بها.
... فهل هذا كان خروجًا أم كان قتالاً على شبهة؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــ
... 43) قلتم/ ص"8"/: (وهل هذا الاجتهاد يختص ببعضهم أويعمهم ويشمل من يأتي من بعدهم اقتداءً بسيرتهم وعملاً بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم").
... قلت: الرد من وجوه:
... أولاً: أنت أوردت هذا من باب التهكم لا من باب الاستفسار وهذا من ثمار الروايات التي صاغت هذه المفاهيم عن هذا الجيل القاعدة للأمة.
... ثانيًا: الخطأ من صفات البشر وقد أبان عن تلك الصفات القرآن الكريم والسنَّة النبوية إضافة إلى ما تقدَّم من نصوص.
__________
(1) البداية والنهاية/7/ 26.
... قال تعالى وهويعلِّمنا أن ندعوه أن لا يؤاخذنا بخطئنا: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أوأخطأنا) وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه تعالى قال: (قد فعلت) (1) فهوعلَّمنا أن ندعوه إذا أخطأنا وأن نعتذر وقبل مِنَّا عذرنا فهل يلغي الشيعة صفة الخطأ من البشر؟!
... ثمَّ من قال: إنَّه يُقتَدى بالمخطئ في خطئه؟!
... ثالثًا: أمَّا الحديث الذي ذكرتموه وهو: "أصحابي كالنجوم ... " فقد أوردته على غير عادتك بغير عزوولا أظن أنَّه يُخفي عليك أنَّه حديث مكذوب وأنت رجل محدث!!
... والحديث أورده ابن عبدالبر (2)، وابن حزم (3) من طريق سلام بن سليم _أوابن سليمان على خلاف_ ثم قال ابن حزم: (هذه رواية ساقطة .. وسليم بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة وهذا منها بلا شك) وقال ابن خراش في: سليم هذا: (كذاب) فهل يصح أن تستشهد به وأنت محدث ولا تذكر مصدرك؟!
موقف الصحابة من الشيعة
قلتم: (إنَّ الصحابة اختلفت مقدار صُحبتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فبعضهم صَحِب النبي - صلى الله عليه وسلم - من أول ساعة ... ) إلخ ما أشرتم إليه من تفاوت في زمن صُحبة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
... ثمَّ قلتم: (فهل يصح أن يُقال: إنَّ صُحبة ساعات أوأيام قلعت ما في نفوسهم ... ) إلخ.
... قلت: هل يعني أنَّ الشيعة يُقرون بأنَّ الذين صَحِبوه من أول أمره - صلى الله عليه وسلم - قد: (قُلِعت ما في نفوسهم من جذور غير صالحة وملكات رديئة، وكوَّنت منهم شخصيات ممتازة) أم أنَّهم هم والذين أسلموا آخر البعثة سواء؟!
... وهل أبوبكر، وعمر، وعثمان، وعبدالرحمن بن عوف، وأبوعبيدة، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وإخوانهم الذين أسلموا في أول البعثة قد تهذبت نفوسهم ـ عندكم ـ أم لا؟!
... فهم قد صَحِبوا النبي - صلى الله عليه وسلم - من أول الإسلام.
... إنَّ المطلع على جميع كتب الشيعة بدون استثناء لا يرى إلاَّ التكفير أوالتفسيق لهؤلاء العظماء.
... إذن ما الفائدة في التفريق بين من أسلم قديمًا ومن أسلم بعد ذلك عندكم؟!
... قال الطوسي الإمامي: (ودفع الإمامة وجحدها كدفع النبوة وجحدها سواء) (1).
__________
(1) الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد/358/
... والصحابة الأوائل لم يعرفوا الإمامة فضلاً عن أنْ يُقال: إنَّهم دفعوه عنها، والشيعة يعتقدون أنَّهم دفعوه عنها فما حكمهم إذن؟!
... ويقول الشيخ المفيد الإمامي: (أول أئمة المؤمنين وولاة المسلمين وخلفاء بعد رسول الله الصادق الأمين ... أخوه وابن عمه ووزيره على أمره ... عليّ بن أبي طالب ... ) (1).
... ثمَّ قال كلامًا وادّعى دعاوى في غاية الغرابة ممَّن يُوصف بالعلم والإيمان؟!
... وإذا كان عليّ - رضي الله عنه - لم يحكم إلاَّ بعد ثلاثة خلفاء، وكان هوأول أئمة المؤمنين فماذا كان وصف من سبقه؟! هل كانوا أئمة لغير المؤمنين؟! وهل هؤلاء ممَّن أسلم متأخرًا أم كان من أوائل من أسلم؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــ
... 19) قلتم: (فلهذا نرى القرآن يقسِّم الأصحاب إلى أصناف يمدح صنفًا منهم كما يذم الصنف الآخر)
... قلت: هذا الكلام غير دقيق فإنَّ القرآن الكريم لم يقسم الأصحاب المؤمنين من المهاجرين والأنصار، وإنَّما مدحهم جميعًا وأثنى عليهم.
... وأمَّا الذم فهوللمنافقين وليس للمؤمنين.
... فإنَّ تعريف الصحابة هم الذين رأوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم مؤمنون به وماتوا على ذلك، والمنافقون لم يؤمنوا به أصلاً، فكيف يُقال إنَّه يقسم الأصحاب إلى قسمين؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــ
... 2.) قلتم: (أمَّا الممدحون فهم كما ذكرتم: فالسابقون من المهاجرين والأنصار والمبايعون تحت الشجرة وأصحاب الفتح ... فالناظر المتجرد عن كل رأي مسبق والبريء قلبه من كل مرض يجد في نفسه تكريمًا لهؤلاء الصحابة).
__________
(1) الإرشاد/1/ 5/
... قلت: هذا القول الذي ذكرته الآن حق ووفاء لهذه العصبة المؤمنة التي كانت سببًا في إسلامي وإسلامك فقد آمنوا وهاجروا وجاهدوا ونشروا الدين وأزالوا الشرك ودخل الناس بسبب جهادهم في دين الله - عز وجل - أفواجًا فلهم علينا حق أن ندعوا لهم وأن نترضى عنهم فجزاهم الله عن نبيه ودينه وعنَّا أفضل الجزاء.
... ولكن هل يستقيم هذا الاحترام ودعوى: "الوصية" التي تزعم الشيعة أنَّها من الله - عز وجل - وأمر رسوله (أن يبلغها للناس ثمَّ إنَّه بلَّغها عند قوم ولم يبلِّغها عند آخرين كما سيأتي بمشيئة الله تعالى، ثمَّ إنَّ الصحابة رفضوها وأخفوها على حد زعمهم؟! لا أظن ذلك!!
... 21) ثمَّ تحدَّثتم عن النفاق والمنافقين وأنَّ القرآن الكريم تحدَّث عنهم ثمَّ قلت: (وهذا يدل على كثرة أصحاب النفاق وتأثيرهم يوم ذاك في المجتمع الإسلامي).
... قلت: إنَّ النفاق كان موجودًا وكان له ما ذكرت، ولكن لا يعني ذلك أنَّ الصحابة كانوا منافقين، بل هم تيَّار آخر معارض لتيَّار الإيمان، وكان لظهوره أسباب ومراحل نوجزها فيما يلي:
... أولاً: أسبابه:
... عندما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد سبقه أصحابه المهاجرون ودانت المدينة لحكمه كان هناك رجل اسمه "عبدالله بن أُبي بن سلول" كان ينظَّم له الخرز ليتوجوه على المدينة، فكان قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - سببًا في صرف ذلك عنه، فكان سبب العداء للإسلام والمسلمين (1).
... وكان أول أمره يُظهِر كفره، ولكنه بعد غزوة بدر وهي الغزوة التي أعز الله - عز وجل - فيها الإسلام على أيدي أصحابه البررة رأى أنَّه لم يعد يستطيع يُظهِر كفره فأظهر الإسلام مع استبطان الكفر وبقي معه على ذلك جماعة غير قليلة من أتباعه.
__________
(1) صحيح البخاري/ح/4566/وسيأتي بعض ألفاظه بمشيئة الله تعالى.
... فالنفاق إذن كان في الأوس والخزرج حيث من أسلم منهم سُمِّي: "أنصاريًّا" ومن لم يسلم أوتظاهر بالنفاق لا يستحق ذلك الاسم.
... ولم يُعرَف النفاق في المشهورين المعروفين من الأوس والخزرج ولله الحمد، وإنَّما كان في أفراد مغمورين مقهورين قُصارى جهدهم المكر والخديعة.
كما لا يُعرف أصلاً في أحد من المهاجرين لأنَّ المهاجر أصلاً خرج من أرضه وماله باختياره فكيف ينافق؟!
... أمَّا أهل المدينة فإنَّ الشخص إذا لم يسلم في الظاهر فإنَّه يبقى مستهجنًا مستنكرًا ذليلاً، فرأى أنَّ إعلان الإسلام يرفع عنه هذه الوصمة من العار.
... قال تعالى: (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنَّ الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون) [سورة المنافقون (8)].
... أخبر الله تعالى أنَّ العزَّة للمؤمنين، وأنَّ المنافقين أذلَّة، والواقف على حال الصحابة يرى أن سادتهم بل جميعهم كانوا أعزة بين المؤمنين وخاصة الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم -.
... ثانيًا: مراحل النفاق:
... كان النفاق في أول أمره ذا شوكة وعدد، لكن أهله كانوا أقل عددًا من المسلمين بكثير إذ لوكانوا أكثر فما الذي يمنعهم من المواجهة؟!
... ثالثًا: كشف المنافقين:
... القرآن الكريم تولى كشف المنافقين بذكر أعمالهم ومواقفهم حتَّى لكأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يرونهم بل ويعرفونهم.
قال تعالى: (فإن رجعك الله إلى طائفةٍ منهم فاستئذنوك للخروج ... ) [سورة التوبة (83)].
وقال تعالى: (ولا تُصلِّ على أحدٍ منهم مات أبدًا ... ) [سورة التوبة (84)].
وقال تعالى: (يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبَّأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ... ) [سورة التوبة (94)].
هذه الآيات تدل على أنَّه يعرفهم وإلاَّ فكيف ينفذ أوامر الله - عز وجل - في من لا يعرفه؟! فكيف لا يأذن لمن لا يعرفه؟ وكيف يمتنع عن الصلاة على من لا يعرفه؟ وكيف يقول لمن لا يعرفه: لن نؤمن لكم؟
وقال تعالى: (والذين اتخذوا مسجدًا ضِرارًا ... ) [سورة التوبة (1.7)].
وقال تعالى: (يحذر المنافقون أن تُنزل عليهم سورةٌ تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إنَّ الله مُخرجٌ ما تحذرون) [سورة التوبة (64)]
وهذه الآيات في سورة التوبة وهي من أواخر ما نزل من القرآن الكريم فقد توعدهم الله - عز وجل - بإظهار نفاقهم وأعمالهم التي يخفونها.
قال تعالى: (لئن لم ينتهِ المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ والمرجفون في المدينة لنغرينَّك بهم ثمَّ لا يُجاورونك فيها إلاَّ قليلاً - ملعونين أينما ثُقِفوا أُخِذوا وقُتِّلوا تقتيلاً) [سورة الأحزاب (6. - 61)].
وهذا تهديد لهم بالانتهاء عن النفاق وإلاَّ فإنَّه سيُغري رسوله - صلى الله عليه وسلم - بهم بإخراجهم أوبقتلهم، فلمَّا لم يغره بذلك دلَّ على انتهائهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
... 22) قلتم (ص"6"): (إنَّ في القرآن الكريم آيات تدل بوضوح على وجود مجموعات من الصحابة تضاد الأصناف السابقة ... كالمنافقين ... ).
... قلت: المنافقون ليسوا من الصحابة، ولكنَّهم معهم وهذا إطلاق خاطئ.
... قال تعالى: (ويحلفون بالله إنَّهم لمنكم وما هم منكم ... ) [سورة التوبة (56)].
... فالله تعالى يبرِّئ الصحابة من مشاركتهم في نفاقهم، وأنَّهم غيرهم.
... والقرآن الكريم في كل آياته يبيِّن أنَّ المنافقين ليسوا من المؤمنين أي ليسوا ممَّن يُوصفون بالصُحبة فإنَّ الصُحبة الإيمانية لا يُوصف بها إلاَّ المؤمن.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
... 23) قلتم: ( ... إن المنافقين كانوا جماعة هائلة في المجتمع الإسلامي ... )
... قلت: لا يسلَّم هذا الإدعاء فإنَّهم لوكانوا كثيرين لواجهوا المسلمين، ولكنَّهم كانوا قليلين مغمورين مقهورين.
... وأمَّا كثرة ورود الآيات فيهم فهي لكثرة أذاهم وشرّهم على المسلمين، فإنَّ الإشاعات قد يُطلقها شخص واحد فيكون لها آثارها السيئة بما يعادل جيشًا جرارًا يواجه المسلمين، ولهذا فدعوى الكثرة مردود وليس في القرآن ولا في السنَّة ما يدل على ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
... 24) قلتم: ( ... بين معروف عُرِف بِسِمَة النفاق وغير معروف بذلك مقنع بقناع التظاهر بالإيمان والحب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ... ).
... قلت: هذه دعوى ينقصها الدليل فأين من المنافقين من زعم أنَّه يحب النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي أيّ كتاب وجدت ذلك؟! وأنت تقرر أنَّه لابد من ذكر المصدر!!
ــــــــــــــــــــــــــــــ
... 25) قلتم: (بحيث كان كل من حول النبي - صلى الله عليه وسلم - يخاف على نفسه أن تنزل فيه آية تفضحه بمرأى من المسلمين ومسمعهم)؟!
... قلت: عجبًا لهذا الخيال العجيب إنَّ هذا الكلام يُوحي بأنَّهم جميعًا منافقون متستِّرون ويترقَّبون أن ينزل فيهم قرآن يكشف نفاقهم!!
... وهذا خيال عجيب!!
... فلم ينزل ما توهمته فهل يعني ذلك إقرار النفاق أوتغريرًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بإبقاء المنافقين حوله يخدعونه بالإيمان وهم غير مؤمنين، ثمَّ هذا خداع للأمَّة أن يبقى أشخاص يحيطون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهم منافقون وتحسبهم الأمَّة مؤمنين فتتلقى عنهم الدين وهم منافقون.
إنَّ هذا الكلام يفقد الثقة في كل من حول النبي- صلى الله عليه وسلم -أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وغيره من سادات المؤمنين.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
... 26) أوردتم قولاً عُزي إلى عمر - رضي الله عنه - وهو: (ما فرغ من تنزيل براءة حتى ظننَّا أن لن يبقى منَّا أحد إلاَّ ينزل فيه شيء) وعزوته إلى زاد المسير 3/ 3.6/
إنَّ ذلك ليس معناه أنَّهم منافقون وإنَّما أراد - رضي الله عنه - أنَّنا جميعًا أصحاب ذنوب وخطايا.
... ولمَّا نزلت السورة تكشف أخطاء المنافقين بصورة مفصلة خشينا أن لا تترك أحدًا له خطأ أوأخطاء إلاَّ كشفته وهل يمكن أن يعترف المنافق بالنفاق؟! إنَّ حساسية القلب المؤمن والاعتراف بالتقصير درجات رفيعة لا تعرفها القلوب المريضة.
... ثمَّ لماذا يُنافق عمر - رضي الله عنه - وهوالذي آمن باختياره، وهاجر باختياره، وقد تحمَّل في سبيل ذلك أنواع الأذى والابتلاء، وفارق الوطن والعشيرة، أكان يعلم الغيب؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــ
... 27) قلتم (ص"7"): (أ: أين ذهب هؤلاء المنافقون ... ).
... قلت: مرَّ معنا أنَّ الله - عز وجل - قد هددهم إن لم ينتهوا أنْ يُغري بهم رسوله - صلى الله عليه وسلم - أوأن يُقتلوا، ولمَّا لم يقع هذا الإغراء والتقتيل عرف أنَّهم تابوا أوهلكوا أوذلوا.
... وقد ورد في صحيح مسلم عن حُذيفة - رضي الله عنه - أنَّه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (في أصحابي اثنا عشر منافقًا: فيهم ثمانية لا يدخلون الجنَّة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سَمّ الخياط: وثمانية منهم تكفيكموهم الدُّبيلة: سراج من نار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم) (1).
(1) صحيح مسلم/ح/2779/
أين ذهب المنافقون بعد وفاة الرسول
قلتم: (أين ذهب هؤلاء المنافقون بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... ).
... قلت:
... أولاً: هل هناك دليل أنَّ هؤلاء المنافقين قد بقوا إلى وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
... ثانيًا: إنَّ الدلائل تدل على أنَّهم إمَّا تابوا وانتهوا من نفاقهم، أوأنَّهم نُقِصوا حتى ضعفوا، إمَّا نُقِصوا بالموت كما تقدَّم في الحديث، وإمَّا أنَّهم دخلوا الإسلام وخاصة عندما مات زعيمهم الذي كانوا يوالونه، ثمَّ بعد أن مات لم يبقَ لهم مطمع في الظفر والنصر.
__________
ــــــــــــــــــــــــــــــ
... 29) أوردتم ثلاث صفحات تقريبًا (6 - 9) تتساءلون فيها عن المنافقين الذين كانوا في المدينة وتشيرون إلى كثرتهم وكيف انتهى الحديث عنهم ... إلخ).
... والجواب نذكره إجمالاً وتفصيلاً:
... أولاً: الرد الإجمالي:
الناظر في عرضكم للصحابة والمنافقين يلحظ عدة أمور منها:
أنَّكم عند عرضكم للصحابة حاولتم أن تُقلِّلوا من عددهم وأن تحملوا الآيات على أنَّها أرادت بعض من يُسمَّى بالصحابة ممَّا يُوحِي بأنَّ الآيات لا تشير إلاَّ إلى أفراد لأنَّها تُحمل على البعض لا على الكل ولمَّا كان معتقد الشيعة أنَّ جميع الصحابة كفروا أوفسقوا إلاَّ أربعة أشخاص أونحوهم فلم ييقَ إذن إلاَّ ذلك العدد.
فسيأتي قولكم: (وبما أنَّ لفظة: "من" في: "من المهاجرين" للتبعيض فهويخرج المتأخرين) [ص"28"].
وقلتم: (يُلاحظ عليه: أنَّه سبحانه لا يُثني لا على عامة المهاجرين ولا على عامة الأنصار بل صنف خاص منهم) [ص"29"].
وإن كان كلامكم فيه استدراكات لكنَّها مشوبة بهذه التشككات وعند التحقيق لا ممدوح عند الشيعة سوى عليّ والأربعة.
مع أنَّ بعض الآيات كما سيأتي ليس فيها التقييد بالبعض.
بل نلمح أنَّ التأثر بالروايات الضعيفة يكاد يحصر الممدوحين في الآيات على أنَّ (المراد من السابقين هوعليّ بن أبي طالب ... ) [ص"31"] كما سيأتي من قولكم لولا ما استدركتموه بعد ذلك.
لكنكم أنتم ربَّما تمثِّلون بهذا الاستدلال فئة قليلة لا تمثل المذهب وإنَّما لكثرة دراستها وتحقيقاتها توصلت إلى هذه النتيجة وإن كان ذلك قد يحمل على التقية عندما نرى قناعتكم بنظرية"الوصية"كما سيأتي.
ثمَّ إذا ذكرتم المنافقين وإذا بكم تضخمونهم وتدَّعون كثرتهم حتَّى ليُخيَّل إلى القارئ أنَّ المنافقين يمثِّلون أكثرية المجتمع فقد قلتم: (فلوكان المنافقون جماعة قليلة غير مؤثرة لما رأيت هذه العناية البالغة في القرآن) إلى أن قلتم: (وهذا يدل على كثرة أصحاب النفاق وتأثيرهم يوم ذاك في المجتمع الإسلامي) إلى أن قلتم: (الدالة على أنَّ المنافقين كانوا جماعة هائلة في المجتمع الإسلامي) [ص"6"].
عند عرضكم للمنافقين أوردتم آثارًا تُوحي بأنَّه كل من حول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يسلم من النفاق.
وهذا يدل دلالة واضحة على قوة تأثير الروايات الشيعية التي لا تستثني أحدًا من الصحابة - رضي الله عنهم - غير الأربعة أونحوهم من العدول عن جادة الصواب مع أنَّ جميع تلك الروايات ممَّا ابتُلي به المذهب الشيعي كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
ثانيًا: نحن نتساءل عدة أسئلة على ضوء عرضكم هذا:
كم كان عدد المنافقين في المجتمع المدني؟
وهل هذه الحملة عليهم في القرآن تدل على كثرتهم؟
وهل بقي أحدٌ منهم بعد موته - صلى الله عليه وسلم -؟
وهل كانوا يَخفون على الصحابة - رضي الله عنهم - وعلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - كذلك؟
هذه التساؤلات نحاول أن نجيب عنها باختصار.
أمَّا عدد المنافقين فلا شكَّ أنَّه كان في البداية كثيرًا_لكنهم لم يكونوا أكثر من المؤمنين _ وذلك لأنَّ رئيسهم عبدالله بن أُبي كان يتوق إلى الزعامة لم ييئس منها طوال حياته ولعلَّ من كان معه يحمل نفس الأمل.
... لكن لا نتصور أنْ يستمر التابعون له بنفس العدد وهم يسمعون القرآن يُتلى في أرضهم وبيوتهم وأسواقهم ومساجدهم فلا بد أنْ يتأثَّر بعضهم بما يسمع.
... ثمَّ لا شكَّ أنَّ الطمع في العودة إلى الجاهلية والوصول إلى الزعامة قد انقطع بموت عبدالله بن أُبي بن سلول وأنَّ المنافقين قد ضعُفوا بعد ذلك.
... وقد روى البخاري قصة فيها أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - مرَّ على مجلس فيه عبدالله بن أُبي بن سلول فدعاهم إلى الله - عز وجل - فقال ابن سلول: (أيها المرء إنَّه لا أحسن ممَّا تقول إنْ كان حقًّا فلا تؤذنا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه) وكان المجلس فيه خليط من المسلمين واليهود والمشركين فوقع بينهم الخلاف حتى كادوا أن يقتتلوا، فخفضهم النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى سكنوا، ثمَّ ركب دابته فسار إلى سعد بن عُبادة يزوره فلمَّا دخل عليه قال: (يا سعد ألم تسمع إلى ما قال أبوحباب ـ يريد عبدالله بن أُبي ـ قال كذا وكذا.
... قال سعد بن عُبادة: (يا رسول الله اعفُ عنه واصفح عنه فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أُنزِل عليك ولقد اصطلح أهل هذه البُحيرة_أي البلد_على أن يتوجوه فيعصبونه بالعصابة_يعني يرئسوه عليهم_فلمَّا أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرِق_أي غص: كناية عن الحسد_بذلك ... ) (1).
... وهذه الواقعة كانت قبل أن يتظاهر بالإسلام قبل غزوة بدر.
... ثمَّ بعد غزوة بدر عندما انتصر المسلمون وظهرت قوتهم قرَّر عبدالله بن أُبي أن يدخل في الإسلام.
... ثمَّ تُوفي ابن سلول في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - العام التاسع (2). ولا شكَّ أنَّ هذا سبب كبير لضعف النفاق.
أمَّا هذه الحملة على المنافقين فليس لكثرتهم، وإنَّما لكثرة شرهم وما يقومون به من إشاعات وتخذيل في صفوف المؤمنين.
... ... وإذا رجعنا إلى كتب السير والتواريخ لا نكاد نجد ذِكرًا لأسماء المنافقين غير ابن أُبي وقد تورد أسماء قليلة وبدون أسانيد.
__________
(1) رواه البخاري/ح/4566/
(2) ذكره ابن كثير عن ابن إسحاق/البداية/5/ 34/
... ... وقد تقدم عن حُذيفة بن اليمان أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (في أصحابي اثنا عشر منافقًا ... ثمانية منهم تكفيكم الدُبيلة ـ سراج من النار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم) (1) فدل هذا الحديث أنَّ عددهم في أواخر أمرهم لم يزد على هذا العدد وأنَّ الله - عز وجل - تكفَّل بإهلاكهم.
وهل بقي أحد منهم بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
... ... إن بقي أحد فلا يتجاوز عدد أصابع اليد وذلك لعدة أدلة:
أ) ما تقدم من الحديث.
ب) لم يذكر أحد من الصحابة بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - عنهم شيئًا.
ج) عندما حدثت الردَّة من كثير من الناس لم يسمع لهم خبر ولم يحدث في داخل المدينة أي حادث يدل على وجود أحد منهم، ولوكانوا موجودين لاستغلوا حادثة الردَّة وآذوا المسلمين كعادتهم.
د) إنَّ الله - عز وجل - لم يهلكهم في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنَّه سيتولى فضح مخططاتهم بنفسه - عز وجل - ولبيان أحكام من سيأتي في المستقبل ممن هوعلى شاكلتهم في المجتمع المسلم.
... ... وأنَّا يجب أنْ نتعامل مع الناس بحسب الظاهر منهم ولوكانوا في الباطن على خلاف ذلك.
هـ) وأخيرًا ما ثبت في صحيح البخاري عن حذيفة - رضي الله عنه - والذي هوالخبير بالمنافقين أنَّه لم يبقَ من المنافقين إلاَّ أربعة أشخاص.
... ... فقد أورد البخاري بسنده عند هذه الآية: "فقاتلوا أئمة الكفر إنَّهم لا أيمان لهم" عن زيد بن وهب قال: (كنَّا عند حذيفة فقال: ما بقي من أصحاب هذه الآية إلاَّ ثلاثة ولا من المنافقين إلاَّ أربعة ـ فقال أعرابي: إنَّكم يا أصحاب محمد تخبروننا فلا ندري، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويسرقون؟ ـ قال: أولئك الفساق. أجل لم يبقَ منهم إلاَّ أربعة: أحدهم شيخ كبير لوشرب الماء البارد لما وجد برده) (2).
... ... وحذيفة هوأعرف الناس بالمنافقين.
__________
(1) صحيح مسلم/ح/2779/
(2) صحيح البخاري/ح/4658/
وهل كانوا يخفون على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
... ... إنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا من أذكى الناس وأعظمهم نباهة ولم يكونوا مغفلين تخفى عليهم مثل هذه الشخصيات الخبيثة.
... ... أمَّا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد عرفهم بالوحي، إمَّا بصفاتهم ولحن قولهم، وإمَّا بخبر الله - عز وجل - له في أواخر حياته - صلى الله عليه وسلم -.
... ... وأمَّا كثير منهم فقد كانت أعمالهم تكشفهم والقرآن فصَّل فيهم فذكر: منهم ومنهم ... إلخ حتى لكأن الصحابة - رضي الله عنهم - يرونهم.
... ... وبعد هذه الإجابة الإجمالية نعود إلى الإجابة التفصيلية حسب عرضكم للموضوع.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
... 3.) قلتم: (قال السيوطي: وأخرج أبوعوانة وابن المنذر وأبوالشيخ وابن مردوية عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أنَّ عمر - رضي الله عنه - قيل له: سورة التوبة قال: هي إلى العذاب أقرب! ما أقلعت عن الناس حتَّى ما كادت تدع منهم أحدًا) [الدر ا