آخر تحديث للموقع :

الأربعاء 16 ربيع الأول 1441هـ الموافق:13 نوفمبر 2019م 11:11:30 بتوقيت مكة
   من الذي يدعم الإرهابيين في العراق؟ ..   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

الإسرائيليات وروايات كعب الأخبار ووهب بن منبه ..
الإسرائيليات وروايات كعب الأخبار ووهب بن منبه
ذكرها أبورية ص18 وذكر فيها كعب الأخبار ووهب بن منبه، وسيأتي ما يتعلق بها
ثم ذكر ص11 عن أحمد أمين ((اتصل بعض الصحابة بوهب بن منبه وكعب الأحبار وعبد الله بن سلام واتصل التابعون بابن جريج وهؤلاء كانت لهم معلومات يروونها عن التوراة والإنجيل الخ)) ثم قال أبورية (( .. أخذ أولئك الأحبار يثبتون في الدين الإسلامي أكاذيب وترهات يزعمون مرة أنها في كتابهم ومن مكنون عليهم ويدعون أخرى أنها مما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم وهوفي الحقيقة من مفترياتهم))
أقول: أما عبد الله بن سلام فصحابي جليل أسلم مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص وغيره وحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قليلاً جداً وقلماذكر عن كتب أهل الكتاب وما ثبت عنه من ذلك فهومصدق به حتماً وإن لم يوجد في كتب أهل الكتاب الآن إذ قد ثبت أن كثيرا ً من كتبهم أنقرض. ولا يسئ الظن بعبد الله بن سلام إلا جاهل أومكذب لله ورسوله.
وأما وهب بن منبه فولد في الإسلام سنة 34هـ وأدرك بعض الصحابة ولم يعرف أن أ حداً منهم سمع منه أوحكى عنه وإنما يحكي عنه من بعدهم. وسيأتي بيانه حاله
وأما كعب فأسلم في عهد عمر وسمع منه ومن غيره من الصحابة وحكى عنه بعضهم وبعض التابعين ويأتي بيان حاله. وأما ابن جريج فيأتي ص148 أنه ((الذي مات سنة 15)) وهوعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ((وإنما هومن أتباع التابعين ولا شأن له بالاسرائيليات، وكأن الدكتور اغتر باسم ((جريج)) فحشرة في زمن هؤلاء، فجاء حاطب الليل فقال ص148 ((وممن كان يبث في الدين الإسلامي مما يخفيه قلبه ابن جريج الرومي الذي مات سنة 15 وكان البخاري لا يوثقه وهوعلى حق في ذلك)) وهذا مخالف للواقع فلم يعرف ابن جريج بالاسرائيليات إلا أن يروي شيئا عمن تقدمه وهوإ مام جليل يوثقه ويحتج به البخاري وغيره ولم يجد أبورية ما يحكيه عنه مما زعمه. ومن العجائب قوله في حاشية ص216 ((ابن جريج كان من النصارى)) هكذا يكون العلم. ثم قال ص11 (( .. .. وتلقى الصحابة ومن تبعهم كل ما يلقيه هؤلاء الدهاة بغير نقد أوتمحبص معتبر ين أنه صحيح لا ريب فيه)) أقول: وهذا مخالف للواقع، فقد علم الصحابة وغيرهم من كتاب الله عزوجل أن أهل الكتاب قد حرفوا كتبهم وبدلوا. ورووا عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله ((لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم)) كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة. وفيه عن ابن عباس أنه قال ((كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث، تقرؤنه محضاً لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه)) وفيه أن معاوية ذكر كعب الأحبار فقال ((إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب، وإن كنا من ذلك لنبلوعليه الكذب، وكان عند عبد الله بن عمروبن العاص صحيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسميها ((الصادقة)) تميزاً لها عن صحف كانت عنده من كتب أهل الكتاب. وزعم كعب أن ساعة الإجابة إنما تكون في السنة مرة أوفي الشهر مرة، فرد عليه أبوهريرة وعبد الله بن سلام بخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها في كل يوم جمعة [انظر سنن النسائي في أبواب الجمعة] وبلغ حذيفة أ ن كعباً يقول: إن السماء تدورعلى قطب كقطب الرحي، فقال حذيفة ... ((كذب كعب .... )) [ترجمة كعب من الإصابة] وبلغ ابن عباس أن نوفاً البكالي - وهومن أ صحاب كعب - يزعم أن موسى صاحب الخضر غير موسى بن عمران، فقال ابن عباس ((كذب عدوالله .. .)) [صحيح البخاري تفسير سورة الكهف] ولذلك نظائر. أما ما رواه كعب ووهب عن النبي صلى الله عليه وسلم فقليل جداً، وهومرسل لأنهما لم يدركاه، والمرسل ليس بحجة، وقد كان الصحابة ربما توقف بعضهم عن قبول خبر بعض إخوانه من الصحابة حتى يستثبت فما بالك بما يرسله كعب، فأما وهب فمتأخر، وأما ما روياه عن بعض الصحابة أوالتابعين / فإن أهل العلم نقدوه كما ينقدون رواية سائر التابعين، ويأتي لهذا مزيد قال (ص111): ((كعب الأحبار))
أقول: لكعب ترجمة في تهذيب التهذيب، وليس فيها عن أحد من المتقدمين توثيقه، إنما فيها ثناء بعض الصحابة عليه بالعلم، وكان المزي علم عليه علامة الشيخين مع أنه إنما جرى ذكره في الصحيحين عرضاً لم يسند من طريقه شيء من الحديث فيهما. ولا أ عرف له رواية يحتاج إليها أهل العلم .. فأما ما كان يحكيه عن الكتب القديمة فليس بحجة عند أحد من المسلمين، وإن حكاه بعض السلف لمناسبته عنده لما ذكر في القرآن، وبعد فليس كل ما نسب إلى كعب في الكتب بثابت عنه، فإن الكذابين من بعده قد نسبوا إليه أشياء كثيرة لم يقلها. وما صح عنه من الأقوال ولم يوجد في كتب أهل الكتاب الآن ليس بحجة واضحة على كذبه. فإن كثيراً من كتبهم انقرضت نسخها ثم لم يزالوا يحرفون ويبدلون، وممن ذكر ذلك السيد رشيد رضا في مواضع من التفسير وغيره. واتهامه بالاشتراك في المؤامرة على قتل عمر لا يثبت، وكعب عربي النسب، وإن كان قبل أن يسلم يهودي النحلة. وقول أبي رية ((فاستصفاه معاوية وجعله من مستشاريه)) من عندياته، والذي عند ابن سعد وغيره أنه سكن حمص حتى مات بها سنة 32، وذكر أبورية في الحاشية ((قال لقيس بن خرشة، ما من الأرض شبر .. .. ))
أقول: هذه الحكاية منقطعة حاكيها عن كعب ولد بعده بنحوعشرين سنة وأول الحكاية أن كعبا مر بصفين فوقف ساعة ثم قال ((لا إله إلا الله، ليهراقن بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لا يهراق ببقعة في الأرض .. .)) وكان ذلك قبل وقع صفين بسنتين، فهل يصدق أبورية ها كما صدق بقية الحكاية؟ على أن فيها غريبة أخرى لا أراه يصدق بها. قال (ص112) ((افتجر هذا الكاهن لاسلامه سبباً عجيباً .. .. قد أخرج ابن سعد بسند صحيح .. . فقال: إن أبي كتب لي كتاباً من التواراة .. .وختم على سائر كتبه .. . ففتحتها فإذا صفة محمد وأمته، فجئت الآن مسلماً)) أقول: أما السند فليس بصحيح، فيه علي بن زيد وهوكما قال ابن حجر
في التقريب ((ضعيف)) ولم يخرج له أحد من الشيخين إلا أن مسلماً أخرج حديثاً عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني وعلي بن زيد. والاعتماد على ثابت وحده، / لكن لما وقع في سياق السند ذكر علي بن زيد لم ير مسلم أن يحذفه، ولمسلم من هذا نظائر. وأما القصة فلا أدري ما ينكر المسلم منها وهويقرأ قول الله عزوجل في كتابه (157:7 الذين يتبعون الرسل النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوارة والإنجيل) الآية [انظر تفسير المنار 23:9 - 3] وقوله سبحانه (29:48 محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود، ذلك مثلهم في التوارة) الآية: وآيات أخرى معروفة، فلينظر المسلم من الأولى بأن يقال: فجر وافتجر؟
ثم ذكر حكاية عن حياة الحيوان، وحسبها أنه لم يجد لها مصدراً إلى حياة الحيوان، على أن الحكاية نفسها ليس فيها ما ينكره المؤمن بالقرآن
ثم قال (ص113): ((ووهب بن منبه .. ... ))
أقول: قد قدمت شيئاً من حال وهب، وقد وثقه الحفاظ وضعفه عمروابن علي الفلاس، أخرج البخاري حديثاً من طريقه ثم قال ((تابعه معمر)) وله في صحيح مسلم شيء تابعه عليه معمر أيضاً، ومعمر هوابن راشد أحد الأئمة المجمع عليهم
وقال: ((روى عنه كثير من الصحابة، منهم أبوهريرة وعبد الله بن عمرووابن عباس وغيرهم))
أقول هذه من مجازفات أبي رية، وإنما ذكر أهل العلم أن وهبا روى عنه هؤلاء، وإنما ولد سنة 34 كما مر، وإنما اشتهر بعد وفاة هؤلاء
قال ((أخرج الترمذي عن عبد الله بن سلام - وهوأحد أحبار اليهود الذين أسلموا- إنه مكتوب في التوراة في السطر الأول: محمد رسول الله عبده المختار، مولده مكة مهاجره طيبة. وأخرج كذلك: مكتوب في التوراة صفة النبي وعيسى بن مرييم يدفن معه))
أقول: لم أجد الخبر الأول في جامع الترمذي، ولا ذكره صاحب ذخائر المواريث، وسيأتي ما يتعلق به. وأما السند ففي سنده عثمان بن الضحاك مجهول، ومحمد بن يوسف بن عبد الله، ولم يوثقا توثيقاً يعتد به، وقد ذكر البخاري في ترجمة محمد من التاريخ 2631:1 طرفاً من هذا الخبر وقال ((هذا لا يصح عندي، ولا يتابع عليه))
قال أبورية ((وهذا .. . قد أحكمه الداهية كعب، فقد روى الدارمي عنه في صفة النبي في التوارة قال: في السطر الأول: محمد رسول الله عبده المختار، مولده مكة ومهاجره طيبة وملكه الشام/ وقد بحثنا عن السطر الثاني من هذه الأسطورة حتى وجدناه في سنن الدارمي كذلك عن الداهية الأكبر كعب فقد روى ذكوان عنه: في السطر الأول محمد رسول- الله عبده المختار ... ، وهذا الكلام قد أورده ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس في جواب لكعب، وقد أمتدت هذه الخرافة إلى أحد تلاميذ كعب، عبد الله بن عمروبن العاص فقد روى البخاري من عبد الله [الصواب عن هلال] بن يسار.،وزاد ابن كثير: قال ابن يسار: ثم لقيت كعبا الخبر فسألته فما ا ختلفا في حرف)) قال أبورية ((وكيف يختلفان وكعب هوالذي علمه))
أقول: خبر عبد الله بن عمرونسبه بعضهم إلى عبد الله بن سلام كما ذكره البخاري، وذكر ابن حجر أنه لا مانع من صحته عنهما. وقد بحثت عن هذا الخبر بطرقه المذكورة هنا وغيره ونظرت في الأسانيد، فترجح عندي صحته عن عبد الله
بن عمرو، فأما نسبته إلى عبد الله بن سلام ففي صحتها نظر، وكذلك نسبته إلى كعب، وبيان ذلك يطول، وهذا الذي ظهر لي هوالظاهر من صنيع البخاري [وفي خبر عبد الله بن عمروأجل والله إنه لموصوف .. علق عليه أبورية ((هكذا يورطه أستاذه حتى يقسم بالله)) وهذا من افتراء أبي رية فإن عبد الله بن عمروكان عنده جملة من صحف أهل الكتاب كما اعترف به أبورية، فإقسامه يدل على أنه شاهد تلك ا لصفة في تلك الصحف] هذا وفي بعض روايات الخبر أنه من التوراة، فإن صح ذلك في الرواية فقد يراد به الكتب المنسوبة إلى موسى وقد يراد به ما يعم كتبه وكتب أنبياء بني إسرائيل وهوما يسمى عند القوم ((العهد القديم)) وذلك إطلاق شائع كما يؤخذ من إظهار الحق 1: 38 وفي تفسير ابن كثير7:7 56يقع في كلام كثير من السلف إطلاق التوارة على كتب أهل الكتاب، وقد ورد في بعض الأحاديث ما يشبه هذا)). وعلى كل حال فالرويات تعطي وجود معنى تلك العبارة في بعض كتب أهل الكتاب، وأبورية يزعم أن الخبر ((أسطورة، خرافة)) فإن بنى ذلك على ا متناع أن يكون في كتب الأنبياء السابقين أخبار بأمور مستقبلة كبعثة محمد صلى الله عليه وسلم وصفته فهذا تكذيب صريح للقرآن وتكذيب بكتب الله ورسله، فإن كان أبورية ينطوي على هذا فليجهر به حتى يخاطب بحسبه. وإن بنى على استبعاد صحة الخبر لأنه لا يوجد في كتب أ هل الكتاب الآن ما يؤدي ذاك المعنى، ولم يكن موجوداً فيها منذ ألف سنة تقريباً عندما شرع بعض علماء المسلمين يطلعون عليها وينقلون عنها، فهذا يبنيء عن جهل أوتجاهل بتاريخ كتب أهل الكتاب وأحوالهم فيها، واقتصر هنا على عبارات عن كتاب ((إظهار الحق)) للشيخ رحمة الله الهندي ففيه 22:1 عن الدكتور كني كات وهومن أعظم محققي كتب العهدين قال ((إن نسخ العهد العتيق التي هي موجودة كتبت ما بين ألف وألف وأربعمائة .. .)) وقال ((إن جميع النسخ التي كانت كتبت في المائة السابعة (الميلادية) أوالثامنة أعدمت بأمر محفل الشورى لليهود لأنها كانت تخالف مخالفة كثيرة للنسخ التي كانت معتمدة عندهم)) وحكى عن (والتن) ما يوافق ذلك. ويعلم منه أن اليهود / تتبعوا نسخ كتبهم التي كتبت قبل الإسلام أوفي صدر الإسلام إلى نحومائتي سنة فأتلفوها لمخالفتها الكثيرة لما يهوونه. وانظر إ ظهار الحق 242:1 - 245 وفيه 227:1 - 229 إن لأهل الكتاب نحوعشرين كتاباً مفقودة، وبعضها منسوب إلى موسى فيكون من التوارة الحقيقة عندهم. وقد تكون ثم كتب أخرى مفقودة لم يعثر المتأخرون على أسمائها. وذكر من شيوع التحريف القصدي في اليهود والنصارى قديماً وحديثاً ما يجاوز الوصف. وحق على من يبتلى بسماع شبهات دعاة النصرانية والإلحاد أن يقرأ ذاك الكتاب (إظهار الحق) ليتضح له غاية الوضوح أن الفساد لم يزل يعترى كتب أهل الكتاب جملة وتفصيلا، ومحققوهم حيارى ليس بيدهم إلا التظنى والتمني والتحسر والتأسف، ومن ثم يتبين السر الحقيقي لمحاولتهم الطعن في الأحايث النبوية، لأن دهاتهم حاولوا الطعن في القرآن فتبين لهم أنه ما إلى ذلكم من سبيل، فأقبلوا على النظر في الأحاديث فوجدوا أنه قد روي في جملة ما روي كثير من الموضوعات، وحيرهم المجهود العظيم الذي قام به علماء الأمة لاستخلاص الصحيح ونفي الواهي والساقط والموضوع حتى قال بعضهم ((لتفتخر المسلمين بعلم حديثهم ما شاءوا)). ولكنهم اغتنموا انصراف المسلمين عن علم الحديث وجهل السواد الأعظم منهم بحقيقته فراحوا يشككون ويتهجمون، ولا غرابة أن يوقعهم الحسد في هذا وأكثر منه، وإنما الغرابة في تقليد بعض المسلمين لهم نعم اتضح ما تقدم عن إظهار الحق أنه لا مانع من أنه كان في كتب أهل الكتاب عند ظهور الإسلام ما تواطئوا بعد ذلك على تحريفه أوإسقاطه أوفقد ذاك الكتاب باتلافهم عمداً أوغيره. وقد كان اليهود في بلاد العرب منذ زمن طويل قبل الإسلام فلا يستبعد أنه كان بقي عندهم مالم يكن عند النصارى، [ومن الهين جداً على اليهود حين قرووا إتلاف النسخ أن يتلقوا جميع ما كان تبقى منها بأيدي المسلمين من أعقاب كعب ووهب وغيرهما لأنها تصير إلى مسلم لا يحسن قراءتها وقد يكره بقاءها عنده فقد يتلفها وقد يعطيها يهودياً بغير ثمن أوبثمن بخس، ويتأكد ذلك عند سعي اليهود في جمعها، وحسبك برهاناً على ذلك وما في معناها فقد النسخ من العالم سوى ما بأيدي اليهود من النسخ الحديثة] وإذا لا مانع وقد صحت الرواية فالواجب تصديقها، ومن تدبر القرآن ومحاورات النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لليهود وما حكي عنهم قبل البعثة وما حكاه من أسلم منهم بان له صحة ما قلناه. وقد صحت الرواية عن عبد الله بن عمرووهوصحابي فاضل، وقدكان عارفاً بكتب أهل الكتاب، ووقعت له عدة منها. فالظاهر أنه أخذ العبارة منها. وإن صحت عن عبد الله بن سلام فالأمر أوضح، فإنه كان من أحبار اليهود وأسلم مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وكان من خيار الصحابة وشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة كما رواه كبار الصحابة وإن صحت عن كعب فالظاهر صدقه لأنه إذا كان صادق الإسلام / نقياً كما هوالظاهر ولم يتيبن خلافه فالأمر واضح، وإن كان كما زعمه بعضهم منافقا مصراً على الباطن على اليهودية متعصباً لها فليس من المعقول أن يكذب للمسلمين بما يزيدهم ثباتاً على الإسلام وحنقا على اليهود، وما يقال إن كعباً كان يستدرج المسلمين ليثقوا به ليس بشيء، لأنه يعلم أن غاية ما يفيده وثوقهم هوتصديقهم له في أن ما يحكيه عن كتب أهل الكتاب موجود فيها، وماذا يفيده هذا وإن كان منافقاً وقد علم أنهم يعتقدون أن كتب أهل الكتاب محرفة مبدلة، وقد تقدم إيضاح ذلك. وما يزعمه أبورية من مكايد كعب لم يتحقق منها شيء. والله والمستعان
ثم ذكر (ص115) حكايات معضلة لا تعرف أسانيدها، ومثل ذلك لا يصح أن يبنى عليه شيء
مكيدة مهولة
ثم قال ((لما قدم كعب إلى المدينة في عهد عمر وأظهر إسلامه أخذ يعمل في دهاء ومكر لما أسلم من أ جله من إفساد الدين وافتراء الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم .. .. )) [قوله على النبي صلى الله عليه وسلم هذا أساس المكيدة المهولة الآتية] أقول: هذه مكيدة مهولة يكاد بها الإسلام والنسة، اخترعها بعض المستشرقين فيما أرى ومشت على بعض الأكابر وتبناها أبورية وارتكب لترويجها ما ارتكب كما ستعلمه، وهذا الذي قاله هنارجم بالغيب وتظن للباطل وحط لقوم فتحوا العالم ودبروا الدنيا أحكم تدبير إلى أ سفل درجات التغفيل، كأنهم رضي الله عنهم لم يعرفوا النبي صلى الله عليه وسلم ودينه وسنته وهديه فقبلوا ما يفتريه عليه وعلى دينه إنسان لم يعرفه، وقد ذكر أبورية في مواضع حال الصحابة في توقف بعضهم عما يخبره أخوه الذي يتيقن صدقه وإيمانه وطول صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم، فهل تراهم مع هذا يتهالكون على رجل كان يهودياً فأسلم بعد النبي صلى الله عليه وسلم بسنين فيقبلون منه ما يخبرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم مما يفسد دينه؟ كان الصحابة رضي الله عنهم في غنى تام بالنسبة إلى سنة نبيهم، إن احتاج أحد منهم إلى شيء رجع إلى إخوانه الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم وجالسوه، وكان كعب أعقل من أن يأتيهم فيحدثهم عن نبيهم فيقولوا: من أخبرك؟ فإن ذكر صحابياً سألوه فيبين الواقع، وإن لم يذكر أحدا كذبوه ورفضوه، إنما كان كعب يعرف الكتب القديمة فكان يحدث عنها بآداب وأشياء في الزهد والورع أوبقصص وحكايات تناسب أشياء في القرآن أوالسنة، فما وافق الحق قبلوه، وما رأوا باطلاً قالوا: من أكاذيب أهل الكتاب، وما رأوه محتملاً أخذوه على الاحتمال كما أمرهم نبيهم صلى الله عليه وسلم ذلك كان فن كعب وحديثه. ولم يروعنه أحد من الصحابة إلا ما كان من هذا القبيل. نعم ذكر أصحاب التراجم أنه سئل عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى عن عمر وصهيب وعائشة. وعادتهم أن يذكروا مثل ذلك وإن كان خبراً واحداً في صحته عن كعب نظر / فهذه كتب الحديث والآثار موجودة لا تكاد تجد فيها خبراً يروى عن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن وجد فلن تجده إلا من رواية بعض التابعين عن كعب، ولعله مع ذلك لا يصح عنه. وكذا روايته عن عمر. وكذا روايته عن صهيب وعائشة مع أنه مات قبلها بزمان. وعامة ما روي عنه حكايات عن أهل الكتاب ومن قوله
قال ((ومما أغراه بالرواية أن عمر بن الخطاب كان في أول أمره يستمع إليه، فتوسع في الرواية الكاذبة ما شاء أن يتوسع، قال ابن كثير: لما أسلم كعب في الدولة العمرية جعل يحدث عمر رضي الله عنه، فربما استمع له عمر، فترخص الناس في استماع ما عنده ونقلوا ما عنده من غث وسمين)) [عزاه أبورية إلى تفسير ابن كثير 17:4 ولم أجده هناك فلينظر]
أقول: الذي عنده هوالحكايات عن صحف أهل الكتاب وأشياء من قوله في الحكمة والموعظة، وقوله ((الرواية الكاذبة)) لا ريب أن في صحف أهل الكتاب التي كان كعب يحكي عنها ما هوكذب، فمن صحفهم ما أصله من كتب الأنبياء ولكن حرف وزيد فيه ونقص، ومنها ما هومنسوب إلى بعض الأنبياء كذباً، وعندهم عدة كتب كذلك، ومنها ما هومن كتب أحبارهم، فأما أن يكون كعب كذب فهذا لم يثبت، وسيأتي الكلام فيه
قال ((ثم لم يلبث عمر أن تفطن لكيده وتبين له سوء دخلته، فنهاه عن الرواية عن النبي [قوله عن النبي عن رسول الله هوأساس المكيدة كما مرت الإشارة إلى مثله ص73 يحاول أبورية أن يمكنه] وتوعده إن لم يترك الحديث عن رسول الله أوليحقنه بأرض القردة))
أقول: هذا من دجل أبي رية، لم يتبين لعمر من كعب كيد ولا سوء دخلة، ولا كان كعب يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ,إنما كان يحكي عن صحف أهل الكتاب، فإن كان عمر نهاه فعن ذلك. وا لحكاية التي تشبث بها أبورية عزاها إلى البداية والنهاية 16:8 وهي هناك ((وقال لكعب الأحبار: لتتركن الحديث عن الأول أولألحقنك بأرض القردة)) قال ((عن الأول)) فأبدلها الشاطر أبورية بقوله
((عن النبي - عن رسول الله)). [وهكذا يزور أبورية لتمكين أساس تلك المكيدة] ومعها في البداية والنهاية كلمة تتعلق بأبي هريرة ذكرها أبورية ص163 وسيأتي هناك بيان سقوط هذه الرواية مع الكشف عن بعض أفاعيل أبي رية
75
على أن كلام أبي رية متناقض، فسيحكي قريباً أن عمر لم يزل إلى آخر حياته معتداً بكعب، والصحيح أن كعباً كان رجلاً عريباً ذا رأي، قد قرأ الكتب واستفاد منها أشياء في الحكمة والزهد والورع، وهذه كانت وسيلته إلى عمر. ويحكي الناس عنه أشياء من الأخبار عن الأمور المستقبلة مسنداً له إلى صحف / أهل الكتاب، ولا أدري ما يصح عنه من ذلك قال ((على أن عمر ظل يترقب هذا الداهية بحزمه وحكمته وينفذ إلى أغراضه الخبيثة بنور بصيرته كما نرى في قصة الصخرة))
أقول: قد سرح عمر من المدينة إلى العراق نصر بن حجاج لغير ذنب إلا أنه كان بارع الجمال وكان بالمدينة كثير من النساء، يغيب أزواجهن في الجهاد وقد ذكرت إحداهن نصرا في شعر لها، وجلد عمر صبيغ بن عسل ونفاه إلى العراق وكتب أن لا يجالسه أحد لأمر واحد وهوأنه يكثر من السؤال عن كلمات من القرآن لا تتعلق بالأحكام، ونصر سلمى وصبيغ تميمي لم يكن لهما عرق في يهودية ولا نصرانية. وكعب حميري حديث العهد باليهودية لا منعة له ولاحاجة بالمسلمين إليه، فهل يعقل أن يشعر الفاروق منه بأن إسلامه مدخول وأنه داهية ذوأغراض خبيثة ثم يدعه معه بالمدينة يدخل إليه مع أصحابه ويتكلم في مجلسه وربما يستشيره لا يحذره ولا يحذر الناس منه؟ أما قصة الصخرة فرواها الإمام أحمد من طرق حماد بن سلمة عن أبي سنان [عيسى بن سنان القسملي] عن عبيد بن آدم قال ((سمعت عمر يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ قال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة،
وكانت القدس كلها بين يديك. فقال عمر: ضاهيت اليهودية، لا، ولكن أصلى حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
عبيد هذا لم يذكر له راوإلا أبوسنان، وأبوسنان ضعفه الإمام أحمد نفسه وابن معين وغيرهما، وقال أبوزرعة ((مخلط ضعيف الحديث))، ولا ينفعه ذكر ابن حبان في الثقات لماعرف من تساهل ابن حبان، ولا قول العجلي ((لا بأس به)) فإن العجلي قريب من ابن حبان أوأشد، عرفت ذلك بالاستقرار. ومع هذا فليس في القصة ما يشعر بسوء دخيله، عرف كعب فضيلة بيت المقدس في الإسلام بنص القرآن، وعلم أنه كان قبلة المسلمين أولاً فظن أنه الأفضل للمصلى هناك أن يجعله كله بينه وبين الكعبة، ورأى عمر أن في هذا مضارعة أي مشابهة لليهودية، فيما علم من الإسلام خلافه، وهوصلاة النبي صلى الله عليه وسلم. هذا على فرض صحة الرواية. وذكر أبورية (ص126 - 127) رواية أخرى عن تاريخ الطبري. وهي في التاريخ منقطعة الأول وا لآخر، إنما قال ((وعن رجاء بن حيوة عمن شهد)) والسند إلى رجاء مجهول، وشيخ رجاء مجهول، ومثل هذا لا يثبت به شيء
قال أبورية ((فإن شدة دهاء هذا اليهودي غلبت على فظنه عمر وسلامة نيته)) كذا رجع أبورية فسلب عمر ما ذكره أولا بقوله ((بحزمه وحكمته وينفذ .. . بنور بصيرته))، وهذا شأن من يتظنى الباطل [والملجئ لأبي رية إلى هذا هومحاولته بالتمكين لتلك المكيدة
/ قال ((فظل يعمل بكيده في السر والعلن))
أقول كلمة ((العلن)) هذه تأتي على بقية ما جعله لعمر سابقاً وتبين أن مقصوده بقوله ((سلامة نيته)) الغفلة. قال ((حتى انتهى الأمر بقتل عمر بمؤامرة اشترك فيها هذا الدهي))
ذكر بعد هذا ما حكى عن المسور بن مخرمة، وعزاها إلى تاريخي ابن جرير وابن الأثير، والثاني مستمد من الأول، وأرى أن أحكيها كما هي عند ابن جرير في أخبار سنة 23قال ((حدثني سلمة (الصواب: سلم)) بن جنادة قال حدثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت [عمران] ابن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف قال: حدثنا أبي عن عبد الله بن جعفر عن أبيه عن المسور بن مخرمة .. . قال: خرج عمر بن الخطاب يطوف في السوق فلقيه أبولؤلؤة .. . قال [أبولؤلؤة]: لئن سلمت لأعملن لك رحى يتحدث بها من بالمشرق والمغرب، ثم انصرف. فقال عمر: لقد توعدني العبد آنفاً. قال ثم انصرف عمر إلى منزله فلما كان من الغد جاء كعب الأحبار فقال له: يا أمير المؤمنين اعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام. قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب الله عزوجل التوراة. قال عمر: آلله أنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا، ولكن أجد صفتك وحليتك ... فلما كان من الغد جاء كعب فقال: .. . بقي يومان. قال: ثم جاء من غد الغد فقال: .. .بقي يوم وليلة وهي لك إلى صبيحتها .. .)) وقال فيه ((فضرب عمر ست ضربات)) وفي آخرها ((ثم توفي ليلة الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة))
أقول: هل يسمع عمر هذا الوعيد الشديد من عبد كافر ثم لا يحترس منه ولا يأمر بالقبض عليه وسجنه أوترحيله من المدينة؟ أوعلى الأقل يضع عليه عيوناً تراقبه، فقد كان لعمر عيون على الناس ترقب أقل من هذا، وكان له عيون على عماله في البلدان البعيدة، أوليس عمر هوالذي رجع عن بلد الطاعون فقال له أبوعبيدة: أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لوغيرك يا أبا عبيدة قالها. نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. هب أن عمر لم يبال نفسه، أفلم يكن بقاء ذلك العبد الكافر بين ظهراني المسلمين خطراً عليهم، وقد جاهر الخليفة بالتوعد، فما عسى أن يكون حاله مع غيره؟ قد يقال يمكن أن تكون وضعت عليه عيون راقبته مدة فلم ير منه ما ينكر، قترك. لكن / هذه الحكاية تجعل التوعد يوم الجمعة 22 ذي الحجة سنة 23 والقتل بعد ذلك بأربعة أيام.
أضف إلى ذلك أنه قد ثبت أن عمر قال في خطبته في تلك الجمعة ((رأيت ديكا نقرني ثلاث نقرات، ولا أراه إلى حضور أجلي)) وفي بعض الروايات أنه ذكر أن الرؤيا عبرت بأن رجلاً من الأعاجم يعتدي عليه. راجع فتح الباري 5:7 هل يخبر عمر بهذه الرؤيا في اليوم الذي توعده فيه الأعجمي ثم لا يحترس ولا يقبض على ذاك الأعجمي؟
وفوق هذا تزعم الحكاية أن كعباً جاء إلى عمر بعد الإخبار بالرؤيا وإيعاد الأعجمي بيوم واحد فقال لعمر ما تقدم. أفلم يكن في اقتران هذه الثلاثة ما يدعوإلى الاحتراس؟
أمر آخر: تقدم (ص46) تشديد عمر على أبي موسى لما أخبر بخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهل يعقل أن عمر هذا الذي شدد على أخيه المؤمن الصادق المهاجر القديم الإسلام لا يشدد على كعب حديث العهد باليهودية ولا صحبة ولا هجرة، مع أن خبره أولى وأحق بأن يستنكر؟
أمر ثالت: عهدنا بهذا الحميري داهياً فهل يعقل أن يكون واقفاً على المؤامرة ثم يقع منه ما حكته الحكاية؟ المعقول أن يسكت إن كان له هوى في قتل عمر، وأن يخبره بالمؤامرة على وجهها إن لم يكن له هوى في قتله. أما السكوت فخشية أن يؤدي كلامه إلى حبوط المؤامرة بأن يحترس عمر ويقبض على أبي لؤلؤة، وقد يجر إلى اكتشاف المؤامرة ووقوع كعب نفسه، وأما الإخبار بالمؤامرة على وجهها فلأنه بذلك يكون له يد عند عمر والمسلمين ينال بها جاها ومكانه. وكلا هذين الغرضين أهم وأعظم من حبه إيهام اطلاعه على بعض أمور المستقبل، على أن هذا قد كان حاصلاً في الجملة، فقد كانوا يعرفون معرفته بصحف أهل الكتاب ويعرفون أن فيها أشياء من ذلك.
ومن قابل هذه الحكاية بالروايات الصحيحة وجد مخالفة: منها عدد الطعنات،
اتفقت الروايات الصحيحة على أنها ثلاث فقط، ووقع في هذه الحكاية أنها ست فأنت ترى أن النظر في متن هذه الحكاية يبين أنها مدخولة لا يمكن الاعتماد عليها في شيء، ويؤكد ذلك سقوط سندها، فإن سليمان مجهول لم نجد له ترجمة وأبوه ساقط الحديث كما بينه جمع من الأئمة، وعبد الله بن جعفر لا بأس به، فأما أبوه جعفر بن المسور فلا يعرف برواية أصلاً، ولا يدرى أدرك أباه أم لا
/ وقال ص 117: ((ووقع في رواية أبي إسحاق عند ابن سعد: وأتى كعب عمر فقال: ألم أقل لك إنك لا تموت إلا شهيداً، وإنك تقول من أين وإني في جزيرة العرب))
أقول: هي عن أبي إسحاق عن عمروبن ميمون وأبوإسحاق مشهور بالتدليس ولم يذكر سماعا وروى غيره القصة عن عمروبن ميمون كما في صحيح البخاري وغيره بدون هذه الزيادة. ومع هذا فأي شيء فيها؟ أما الشهادة فقد كان عمر مبشراً بها يقيناً، ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أنس ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحداً وأبوبكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال: اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان)). وصح معناه من حديث عثمان وبريدة وأبي هريرة وسهل بن سعد. راجع فتح الباري 32:7
وفي الصحيحين وغيرهما سؤال عمر لحذيفة عن الفتنة، وقول حذيفة ((لا بأس عليك يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا ًمغلقاً)) قال عمر ((يفتح الباب أويكسر))؟ قال حذيفة ((لا بل يكسر)). قيل لحذيفة ((علم عمر بالباب))؟ قال ((نعم، كما أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط)) ثم بين حذيفة أن الباب هوعمر نفسه. فالمراد بقوله ((يفتح أويكسر)): يموت أويقتل
وثم أخبار أخرى كرؤيا عوف بن مالك في عهد أبي بكر، وفيها في ذكر عمر
((شهيد مستشهد)). وفي صحيح البخاري أن عمر قال ((اللهم ارزقني شهادة في سبيلك وموتاً في بلد رسولك)) وراجع فتح الباري 86:4 و446:6 ولا ريب أن كعبا كان عارفاً بصحف أهل الكتاب وأن فيها أخباراً عن المستقبل، وأنه كان يوجد في صحفهم في عهد الإسلام ما لا يوجد عندهم الآن، راجع ما تقدم ص72. وشأن عمر من أعظم الشئون في العالم وأحقها أن يبشر به الأنبياء السابقون عند تبشيرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومع هذا فليس في رواية أبي إسحاق ذكر التوراة، فقد يكون استند إلى تلك الأخبار الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال أبورية ((وإليك خبراً عجيباً من أخبار ذلك الكاهن لعله يمتلخ منك عرق الشك في اشتراكه في هذه المؤامرة، فقد أخرج الخطيب عن مالك أن عمر دخل على أم كلثوم بنت علي وهي زوجته فوجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: هذا اليهودي- أي كعب الأحبار - يقول إنك من أبواب جهنم. فقال عمر: ما شاء الله. ثم خرج فأرسل إلى كعب، فجاءه فقال: ياأمير المؤمنين والذي نفسي بيده لا ينسلخ ذوالحجة حتى تدخل الجنة، فقال عمر: ما هذا؟ مرة في الجنة ومرة في النار! قال كعب: إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبوب جهنم تمنع الناس أن يقتحموا فيها، فإذا مت اقتحموا وقد صدقت يمينه .. . فقد قتل عمر في ذي الحجة سنة 23هـ
أقول: ذكر ابن حجر في فتح الباري هذه الحكاية في شرح حديث حذيفة الذي فيه وصف عمر بأنه باب مغلق دون الفتنة، وقد تقدم قريباً. وفي الفتح أيضاً 446:2 حديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى عمر وقال: هذا غلق الفتنة، لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش، وأن أبا ذر قال لعمر ((يا غلق الفتنة)) فغير منكر أن يكون في صحف أهل الكتاب إشارة إلى هذا المعنى بنحوما في الحكاية - إن صحت- وإنما الذي يستنكر أن يكون فيها بيان وقت موت عمر على
التحديد. وقد كان عمر في شهر ذي الحجة سنة23 حاجاً واتفق هناك علامات تؤذن بقرب موته، منها أن رجلاً ناداه يا خليفة. فقال آخر من حزاةالعرب: إنا لله، ناداه باسم ميت. ثم لما كان يرمي الجمرات أصابت حصاة جهة عمر فأدمته، فقال ذاك الحازي: إنا لله، أشعر أمير المؤنين. والإشعار تدمية البعير الذي يهدى لينحر. وجاء عن عائشة أنها سمعت عقب ذاك الحج منشداً ينشد:
أبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... لا الأرض العضاء باسوق
عليك سلام من إمام وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزق ..
ولما انصرف عمر من الحج دعا الله تعالى فقال ((اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط)). فلما قدم المدينة خطب الناس وقال في خطبته ((رأيت ديكاً نقرني ثلاث نقرات، ولا أراه إلا حضور أجلي))
فمن الجائز إن صحت تلك الحكاية أن يكون كعب استند إلى بعض هذه العلامات أوشبهها، وقد يكون مع ذلك وجد في صحفه إشارة فهم منها بطريق الرمز مع النظر إلى القرائن والعلامات السابقة أن عمر لا يعيش في تلك السنة
وبعد فسند الحكاية غير صحيح، تفرد بها عن مالك رجل يقال له ((عبد الوهاب بن موسى)) لا يكاد يعرف وليس من رجال شيء من كتب الحديث المشهورة، ولا ذكر في تاريخ البخاري ولا كتاب ابن أبي حاتم، بل قال الذهبي في الميزان ((لا يدري من ذا الحيوان الكذاب)) وفي مقدمة صحيح مسلم ((الذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شار ك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئا ًليس عند أصحابه قبل منه .. .))
وهذا الرجل لم يمعن في المشاركة فضلاً عن أن يكون ذلك على / الموافقة. لكن هذا الشرط لا يتقيد به بعض المتأخرين كابن حبان والدارقطني، ومن ثم- الله أعلم - وثق الدارقطني عبد الوهاب هذا وزعم أن الخبر صحيح عن مالك. أما بقية سنده عن مالك فهوعن عبد الله بن دينار عن سعد الجاري، وسعد الجاري غير مشهور ولا موثق، ولا يدرى أدركه عبد الله بن دينار أم لا
ومقطع الحق أن ليس بيد من يتهم كعباً بالمؤامرة غير كلمات يروي أن كعباً قالها لعمر. وقد كان عمر والصحابة أ علم بالله ورسوله وكتبه منا، وأعلم بعد أن طعن عمر بالمؤامرة وقد انكشفت وهوحي، وأعلم بحال كعب لأنه صحبهم وجالسهم. والمعقول أنه لوكان في ما خطب به عمر ما يوجب اتهامه لاتهموه، وقد علمنا أنهم لم يتهموه لا قبل انكشاف المؤامرة ولا بعده، فوجب الجزم بأنه لم يقع منه ما يقتضي اتهامه
قال أبورية ص118 ((حديث الاستسقاء .. ))
حكى أن كعباً في عام الرمادة قال لعمر ((إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بعصبة الأنبياء))
أقول لم يعز إل كتاب لينظر في سنده .. . ولا أراه إلا ساقطا
قال ((ومما لا مراء فيه أن هذا اليهودي قد أراد بقوله هذا أن يخدع عمر عن أول أساس جاء عليه الدين الإسلامي وهوالتوحيد الخالص، ليزلقه إل هوة التوسل الذي هوالشرك بعينه))
أقول: أما المسلمون الذي يعرفون الإسلام فالذي لا مراء فيه عندهم أن أبا رية مجازف، وأنه على فرض صحة هذه الحكاية ليس فيها ما يدل على سوء طوية كعب، وإن استسقاء عمر بالعباس رضي الله عنهما لا علاقة بالشرك البتة، بل هوأمر يقره الشرع إجماعاً، ويؤيده الكتاب والسنة، قال الله تعالى (64:4 ولوأنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً))
وقال سبحانه (5:63 وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون)) وقال تعالى في يعقوب وبنيه97:12 - قالوا ياأبانا استغفر لنا ذنوبنا إناكنا خاطئين: قال سوف أ ستغفر لكم ربي إنه هوالغفور الرحيم)) وتواتر في السنة طلب الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعولهم بالسقيا وغيرها، وأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نسلم عليه في التشهد، وبالصلاة عليه والدعاء له عقب الأذان، وغير ذلك مما صورته طلب الدعاء.
ثم ذكر خبر أنس الذي في صحيح البخاري أن عمر قال ((اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم / فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا)) وزعم أنه لا يصح، وعارضه بروايات منها عن خوات قال ((خرج عمر يستسقي بهم فصلى ركعتين فقال: اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك، فما برح من مكا نه حتى مطروا))
أقول: لا أدري ما سنده، ولوصح فلا يعارض خبر أنس، فقد تكون واقعة أخرى، فإن عمر لبث خليفة عشر سنين، وقد تكون واقعة واحدة اختصر خوات في ذكرها
قال ((وعن الشعبي قال: خرج عمر يستسقي بالناس فما زاد على الاستغفار))
أقول: الشعبي لم يدرك عمر، وعمر لبث خليفة عشر سنين، فلم يكن استسقاؤه مرة واحدة
قال ((وقال الجاحظ: ولما صعد (عمر) على المنبر قابضاً على يد العباس .. .)) فذكر نحوخبر الشعبي، وذكر أبورية أن الطبري أخرجه في تفسيره، وأن ابن قتيبة ذكره في الشعر والشعراء
أقول: نعم، ولكن لم يقل أحد ((قابضاً على يد العباس)) إلا الجاحظ، فأراه زادها توهما قال ((قال معاوية لكعب .. .. )) عزا هذا إلى تفسير ابن كثير 11:3
وإنما هوفيه 323:5 قال في سنده ((ابن لهيعة حدثني سالم بن غيلان عن سعيد بن أبي هلال أن معاوية الخ)) وابن لهيعة ضعيف، وسعيد بن أبي هلال ولد بعد موت كعب بنحوأربعين سنة
قال ((وذكر القرطبي في تفسير سورة غافر عن خالد بن معدان عن كعب .. ))
أقول: قال القرطبي ((قال ثور بن زيد عن خالد .... )) ولا أدري كيف السند إلى ثور، وخالد لم يدرك كعبا
قال ((وفي التفسير أن عبد الله بن قلابة الخ))
أقول: عبد الله بن قلابة مجهول لا ذكر له إلا في هذه الحكاية، وفي السند إليه عبد الله بن لهيعة وهوضعيف كثير التخليط
قال ص121 ((وأخرج أبوالشيخ في العظمة عن كعب .. .. ))
أقول: كتاب العظمة تكثر فيه الرواية عن الكذابين والساقطين والمجاهيل
قال ((وعن وهب بن منبه: أربعة أملاك يحملون العرش .. .. ))
82
أقول: وهذا أيضاً من كتاب العظمة
/ قال ((وقرأ معاوية الخ))
أقول: في سنده سعيد بن مسلمة بن هشام، قال فيه البخاري ((منكر الحديث فيه نظر))، وهذا من أشد الجرح في اصطلاح البخاري، وفي سياق القصة ما يشعر بانقطاع آخرها
قال ص122 ((وذكر الحافظ ابن حجر أن كعب الأحبار روى أن باب السماء الذي يقال له مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس، فأخذ منه بعض العلماء أن الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج ليحصل العروج مستويا .. .)) قال أبورية ((وهكذا تنفذ الاسرائيليات إلى معتقداتنا))
أقول: الحكاية عن كعب لا ندري ما سندها، وذاك الأخذ إنما هواحتمال لا تثبت به عقيدة ولا تنتفي
قال ((وقال ابن حجر بعد أن أورد تلك الخرافة .. .))
أقول: من أين لك أنها خرافة؟
قال ((وروى كعب أن في الجنة ملكا الخ))
أقول: ذكر بنحوما هنا ابن القيم في حادى الأرواح المطبوع مع أعلام الموقعين 314:1 وهومن رواية شمر بن عطية عن كعب، وشمر لم يدرك كعباً وليس في الحكاية ما يستنكره المسلم
قال ((ومما يدلك على أن الصحابة كانوا يرجعون إليه [هذا من محاولات أبي رية تمكين تلك المكيدة التي مرت ص73] حتى فيما هومن علمهم، وبخاصة عند ما قال: ما من شيء إلا وهومكتوب في التوراة. أن أبا عبد الرحمن محمد بن الحسين النيسابوري ذكر أن عمر قال لكعب - وذكر الشعر- يا كعب هل تجد للشعر ذكراً في التوراة .... ))
أقول: عزاه إلى كتاب العمدة لابن رشيق، وابن رشيق لم يلق النيسابوري والنيسابوري ضعيف جداً حتى اتهم بالوضع، تجد ترجمته في لسان الميزان 14:5 وبينه وبين عمر أكثر من ثلاثمائة سنة، وهب أن القصة صحت فأي شيء فيها يدل على تلك ا لدعوى الفاجرة؟ وما نسبه إلى كعب من قوله ((ما من شيء الخ)) لم يعزه
قال ((وروى البيهقي في الأسماء والصفات بسند صحيح عن ابن عباس [قال] .. . في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى))
أقول: أما هذا فليس سنده صحيح، لأنه من طريق شريك عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن / ابن عباس، وشريك يخطئ كثيراً ويدلس، وعطاء بن السائب
اختلط قبل موته بمدة وسماع شريك منه بعد الاختلاط. لكن أخرج البيهقي عقب هذا بسند آخر من طريق ((آدم بن أبي إياس حدثنا شعبة عن عمروبن مرة عن أبي الضحى عن ابن عباس في قوله عزوجل (خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن) قال: في كل أرض نحوإبراهيم)) ثم قال البيهقي ((إسناد هذا عن ابن عباس صحيح، وهوشاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعاًَ)) وأخرجه ابن جرير عن عمروبن علي عن غندر عن شعبة فذكره بنحوه، وزاد ((ونحوما على الأرض من الخلق))
وعلى هذا فالمعنى والله أعلم أن في كل أرض خلقاً كنحوبني آدم، وفيهم من يعرف الله تعالى بالنظر في آياته كما عرف إبراهيم عليه السلام، وهذا القول قد يتوصل إليه بالنظر في الآية المذكورة وسياقها وقوله تعالى (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق)) وقوله (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)) وغيرها على أن بعضهم قد فسر ماجاء في الرواية الأخرى التي تقدمت أنها لا تصح، ففي روح المعاني ((لامانع عقلا ًولا شرعأً من صحته، والمراد أن في كل أرض خلقاً يرجعون إلى أصل واحد رجوع بني آدم في أرضنا إلى آدم عليه السلام، وفيهم أفراد ممتازون على سائرهم كنوح وإبراهيم فينا)) أما ما في البداية ((محمول إن صح نقله عنه على أنه أخذه ابن عباس رضي الله عنه عن الاسرائيليات)) فغير مرضي، فابن عباس - كما مر ويأتي - كان ينهى عن سؤال أهل الكتاب، فإن كان مع ذلك قد يسمع من بعض من أسلم منهم أويسأله فإنما ذلك شأن العالم يسمع ما ليس بحجة لعله يجد فيه ما ينبهه ويلفت نظره إلى حجة، وسيأتي تمام هذا إن شاء الله وقال ص123 ((وفي تفسير الطبري أن ابن عباس سأل كعباً عن سدرة المنتهى. فقال: إنها على رءوس حملة العرش، وإليها ينتهي علم الخلائق، وليس لأحد وراءها علم، ولذلك سميت سدرة المنتهى لانتهاء العلم بها)) أقول هومن طريق الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال سأل ابن عباس كعباً وأنا حاضر)) كذا قال، والأعمش مشهور بالتدليس، وهلال بن يساف لم يدرك كعباً
قال أبورية ((هذا ما قاله لتلميذه الثاني، أما تلميذه الأول فهوأبوهريرة ... ))
أقول: لم يتعلما من كعب شيئاً، وإنما سمعا منه شيئاً محتملاً فحكياه، أوسألاه سؤال خبير ناقد لينظرا ما يقول، ولا يضرهما تهكم أبي رية كما لم يضر النبي صلى الله عليه وسلم قول المشركين ((إنما يعلمه بشر))
/ قال: ففي حديث له أنها شجرة من أصلها أنهار الخ))
أقول: هذا رواه أبوجعفر الرازي، وشك فيه فقال ((عن الربيع بن أ نس عن أبي العالية عن أبي هريرة أوغيره)) وأبوجعفر والربيع فيهما كلام، وقال ابن حبان في الربيع ((الناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه، لأن في أحاديثه عنه اضطراباً كثيراً))
قال ((وفي حديث المعراج: أنه لما فرض الله خمسين صلاة على العباد في النهار وفي الليل ولم يستطع أحد من الرسل جميعاً غير موسى أن يفقه استحالة أ دائها على البشر، فهووحده الذي فطن ذلك .. . وكأن الله سبحانه .. .. كان لا يعلم مبلغ قوة احتمال عباده .. . وكذلك لا يعلم محمد .. . حتى بصره موسى. وهكذا ترى الاسرائيليات تنفذ إلى ديننا .. . ولا تجد أحداً إلا قليلاً يزيفها .. .))
أقول إن كانت الاسرائيليات تشمل عند أبي رية كل خبر فيه فضيلة لموسى عليه السلام ففي القرآن كثيرمنها، بل في عدة آيات منها ذكر تفضيل بني إسرائيل على العالمين وغير ذلك. وإن كانت خاصة بما ألصق بالإسلام وليس منه من مقولات أهل الكتاب فلم يزل أهل العلم يتتبعونها ويزيفونها. أما سكوتهم عن محاولة تزييف ما ثبت في أحاديث الإسراء فعذرهم واضح، وهوأنه لم يبلغ أحد منهم في العلم والعقل والحياء مبلغ أبي رية. ودونك الجواب:
كانت الصلاة قبل الهجرة ركعتين ركعتين كما ثبت في الصحيح، فخمسون صلاة مائة ركعة، وليس أداة مائة ركعة في اليوم والليلة بمستحيل، وفي الناس الآن من يصلي في اليوم والليلة نحومائة ركعة، ومنهم من يزيد، وفي تراجم كثيرمن كبار المسلمين أن منهم من كان يصلي أكثر من ذلك بكثير، بل إن أداء مائة ركعة في اليوم والليلة ليس بعظيم المشقة في جانب ما لله عزوجل من الحق وما عنده من عظيم الجزاء في الدنيا والآخرة، نعم قال الله تعالى (45:3 واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، الذين يظنون أنهم ملاقوربهم وأنهم إليه راجعون)). وما وقع في كلام موسى ((إن أمتك لا تطيق)) وفي رواية ((لا تستطيع)) ليس معناه أن ذلك مستحيل، وإنما معناه أن ذلك يشق عليها، ولهذا أطلق هذه العبارة بعد بيان رجوع الصلاة إلى خمس، قال موسى ((إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم)) راجع مفرات / الراغب (طوع) و (طوف)
فأما الله تعالى فالفرض في علمه خمس صلوات فقط. ولكنه سبحانه إذا أراد أن يرفع بعض عباده إلى مرتبه هيأ له ما يستحق به المرتبة، ومن ذلك أن يهيئ ما يفهم منه العبد أنه مكلف بعمل معين شاق فيقبل التكليف ويستعد لمحاولة الأداء فحينئذ يعفيه الله تعالى من ذلك العمل ويكتب له جزاء قبوله ومحاولة الوفاء به أوالاستعداد لذلك ثواب من عمله، ومن هذا القبيل قصة إبراهيم في ذبح ابنه
وأما محمد صلى الله عليه وسلم فكان يعلم أن الأداء ممكن كما مر، وكان في ذلك المقام الكريم مستغرقاً في الخضوع والتسليم ووفقه الله عزوجل لقبول ما فهمه في فرض خمسين والاستعداد لأدائها ليكون هذا القبول والاستعداد مقتضياً لاستحقاق ما أراد الله عزوجل أن يعطيه وأمته من ثواب خمسين صلاة، وقبوله واستعداده عنه وعن أمته في حكم قبول الأمة فإنها تبع له وكان هوالنائب عنها، على أنه ما من مؤمن من أمته يطلع على الحديث ويراجع نفسه إلا رأى أنه لوكان
المفروض خمسين صلاة لبذل وسعه في أدائها والوفاء بها، فأما المراجعة للتخفيف بعد مشورة موسى فإنما كانت بعد أن استقر القبول والعزم على الأداء وعلى وجه الرجاء إن خفف فذاك وإلا فالقبول والاستعداد بحاله
ولم يذكر في الحديث أن أحداً من الرسل اطلع على فرض الصلاة وإنمافيه أنه لما مر بموسى عليهما السلام سأله موسى فأخبره فقال موسى ((إن أمتك لا تستيطع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك)) واختص موسى بالعناية لأنه أقرب الرسل حالاً إلى محمد لأن كلاًً منها رسول منزل عليه كتاب تشريعي سائس لأمة أريد لها البقاء لا أن تصطلم بالعذاب، وقضى لمحمد أن تطول معالجته لأمته كما طالت معالجة موسى لأمته، ووجوه الشبة كثيرة، ولهذا أتى القرآن بذكر موسى في مواضع كثيرة منها عقب آية الإسراء، قال الله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلىلمسجد ا لأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هوالسميع البصير. وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا) هذا وحديث الاسراء ثابت مستفيض عن رواية جماعة من الصحابة وعليه إجماع الأمة ولايضره أن يجهل بعض الناس حكمة عالم الغيب والشهادة في بعض مااشتمل عليه، ولا أن يكفر به من يكفر. والله الموفق
قال أبورية ص124 ((هل يجوز رواية الاسرائيليات؟
أقول: المعلوم ديناً وعقلاً أن الأخبار إنما تحظر روايتها إذا ترتبت عليها مفسدة، وقد كثر في القرآن والسنة حكاية ما هوحق من الاسرائيليات وحكاية ما هوباطل مع بيان بطلانه، فدل ذلك على جواز ما كان من هذا القبيل، وبقي المحتمل، وما لا تظهر مفسدة في روايته على أنه محتمل.
قال أبورية ((روى أحمد عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أ هل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم فغضب وقال: أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لوأن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني. وفي رواية فغضب وقال: جئتكم بها بيضاء نقية. لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أوبباطل فتصدقوا به))
أقول: هذا من رواية مجالد عن الشعبي عن جابر، ومجالد ليس بالقوي، وأحاديث الشعبي عن جابر أكثرها لم يسمعه الشعبي من جابر كما مر ص38 وعلى فرض صحته فالغضب من المجئ بذاك الكتاب كان لسبببين الأول إشعاره بظن أن شريعتهم لم تنسخ، ولهذا دفع ذلك بقوله ((لوأن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني)). والثاني أنه قد سبق للمشركين قولهم في القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم (أسأطير الأولين اكتتبها وهي تملى عليه بكرة وأصيلا) وفي اعتياد الصحابة الاتيان بكتب أهل الكتاب وقراءتها على النبي صلى الله عليه وسلم ترويج لذاك التكذيب، والسببان منتفيان عمن اطلع على بعض كتبهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن عمروأما قوله ((لا تسألوا الخ)) فقد بين أن العلة هي خشية الكذب بحق أوالتصديق باطل، والعالم المتكن من معرفة الحق من الباطل ومن المحتمل بمأمن من هذه الخشية، يوضخ ذلك أن عمر رضي الله عنه وهوصاحب القصة كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم يسمع من مسلمي أهل الكتاب وربما سألهم، وشاركه جماعة من الصحابة ولم ينكر ذلك أحد
قال ((وروى البخاري عن أبي هريرة: لا تصدقوا الخ))
أقول الذي في صحيح البخاري: ((عن أبي هريرة قال: كان أهل التكاب يقرؤن التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم الخ)) / فلم ينه عن السماع والاستماع، وإنما نهى عن التصديق والتكذيب، ولا ريب أن النهي عنه هوالتصديق المبني على حسن الظن بصحفهم، والتكذيب المبني على غير حجة، فلوقامت حجة صحيحة وجب العمل بها
قال ((وروى البخاري ... عن ابن عباس أنه قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على رسول الله أحدث الكتب تقرؤنه محضاً لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه الخ))
أقول: هذا من قول ابن عباس، وقد علمنا أنه كان يسمع ممن أسلم من أهل الكتاب وقد روي أنه سأل بعضهم، وأبورية يسرف في هذا حتى يرمي ابن عباس بأنه ((تلميذ لكعب))، وبالتدبير يظهر مقصوده، ففي بقية عبارته ((لا والله ما رأينا رجلاً منهم يسألكم عن الذي أنزل إليكم)) فدل هذا أن كلامه في أهل الكتاب الذين لم يسلموا، فأما الذي أسلموا فعمل ابن عباس يقتضي أنه لا بأس للعالم المحقق مثله أن يسأل أحدهم
قال (ص125): وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود قال ((لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا. إما أن تكذبوا بحق أوتصدقوا بباطل))
أقول: في سنده نظر، فإن صح فقد تقدم معناه في حديث جابر وأثر ابن عباس قال ((ولكن ما لبث الأمر أن انقلب بعد أن اغتر بعض المسلمين بمن أسلم من أحبار اليهود خدعة (؟) فظهرت أحاديث رفعوها إلى النبي تبيح الأخذ وتنسخ ما نهى عنه، فقد روى أبوهريرة وعبد الله بن عمروبن العاص وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج))
أقول: صح هذا من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرووأبي سعيد الخدري، وليس بمخالف لما تقدم، كيف والحجة مما تقدم إنما هي في حديث أبي هريرة، فأما
حديث جابر فلم يصح، وأثر ابن عباس من قوله. وقد بينه سياقه وفعله، وأثر ابن مسعود إن صح فقد تقدم حمله، ولوكان مخالفاً لكان رأى صحابي قد خالفه غيره، فالحجة في حديث أبي هريرة فقط، وهوبين في الإذن بالسماع والاستماع، ولم ينه إلا عن التصديق أوالتكذيب بلا حجة، والرواية إما في معنى السماع والاستماع فيدل الحديث على الإذن فيها، وإما مسكوت عنها فتبين أن حديث ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)) غير مخالف لحجة، ولوكان مخالفاً فإيما أولى أن يؤخذ به؟ أدلة المنع قد عرفت حالها، أما أدلة الجواز فصنيع القرآن والسنن الثابتة، وحديث صحيح صريح يرويه جماعة من الصحابة، وعمل عمر وعثمان وجماعة من الصحابة
قال ((وأبوهريرة وعبد الله بن عمرومن تلاميذ كعب الأحبار)) \
أقول لما يتعلما من كعب شيئاً وأنما سمعا منه شيئاً من الحكايات ظناً أوجوزا صحتها فنقلاها، والذي يصح عنها من ذلك شيء يسير، وكأن أبا رية يريد أنهما لما سمعا من كعب أحبا أن يرويا عنه فخافا أن ينكر الناس عليهما فافتريا- والعياذ بالله - على النبي صلى الله عليه وسلم ذاك الحديث يدفعان به إنكار الناس، وساعدهما على ذلك غيرهما من الصحابة كأبي سعيد الخدري. كأن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم جماعة من اللصوص لا يزعهم دين ولا حياء وكأن صحبتهم له ومجالستهم وحفظهم للقرآن والسنن ومحافظتهم على الطاعة طول عمرهم لم تفدهم في دينهم وأخلاقهم شيئاً بل زادتهم وبالا، فقد كانوا في جاهليتهم يتحاشون من الكذب. ولا ريب أن مثل هذا لا يقوله مسلم عاقل يعرف محمداً صلى الله عليه وسلم ويؤمن بالقرآن وما فيه من الثناء البالغ على الصحابة ويعرف الصحابة أنفسهم. ولوأريد من ثلاثة معروفين من أصحاب السيد رشيد رضا أن يتفقوا على الكذب عليه لغرض من الأغراض لعز ذلك مع الفارق العظيم بين هذا وذاك من وجوه عديدة، ذا وسبيل المؤمنين الذي جرى عليه العمل في حياة النبي صلى الله عليه
وسلم وفي عهد أصحابه قبول خبر الصحابي الواحد، فإن عرض احتمال خطأ أونحوفقام صحابي آخر فأخبر بمثل ذاك لم يبق إلا القبول، كما يروى في خبر محمد بن مسلمة بمثل ماأخبره به المغيرة في ميراث الجدة فأمضاه أبوبكر، وكشهادة أبي هريرة لحسان بانشاده الشعر في المسجد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فأقره عمر، وكخبر أبي سعيد الخدري بمثل خبر أبي موسى في الاستئذان فاطمأن إليه عمر، وقد قال الله تبارك وتعالى (114:4 ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا)
قال أبورية (وقد جاءت الأخبار بأن الثاني وهوعبد الله بن عمروبن العاص أصاب يوم اليرموك زاملتين من علوم أ هل الكتاب فكان يحدث منها بأشياء كثيرة من الاسرائيليات، وقد قال فيهما الحافظ ابن كثير: إن منها المعروف والمشهور، والمنكور والمردود))
أقول: هونفسه رضي الله عنه لم يكن يثق بها، ولهذا كان يسمى صحيفته عن النبي صلى الله عليه وسلم ((الصادقة)) تميزا لها على تلك الصحف وإنما كان يحكي من تلك الصحف، ماقام دليل على صدقة كصفة النبي صلى الله عليه وسلم، أوكان محتملاً فيحكيه على الاحتمال
قال ((رواية بعض الصحابة عن أحبار اليهود، كان من أثر وثوق الصحابة بمسلمة أهل الكتاب واغترارهم بهم أن صدقوهم فيما يقولون ويروون عنهم ما يفترون))
أقول: إن أراد بالتصديق أن كعباً مثلاً كان إذا قال إني أجد في التوارة كيت وكيت، صدقوه في أن ذلك في التوراة التي بأيدي أهل الكتاب حينئذ وقد عرفوا أن فيها كثيراً من التحريف والتبديل، فهذا محتمل، لأن كعباً أسلم ثم تعلم الإسلام وبقي محافظاً على الإسلام مجتنباً للكبائر متمسكاً بالعبادة والتقوى، فكان عدلاً عندهم فيما يظهر، فعاملوه بحسب ذلك، وهذا هوالحق عليهم وإن أراد بالتصديق أن كعباً مثلاً كان لوقال: إن من صفة الله تعالى كذا، لاعتقدوا - بناء على قوله أوصحفه - أن تلك صفة الله تعالى حقاً، فهذا كذب عليهم (راجع ص68) أما أن مسلمي أهل الكتاب كانوا يفترون، فهذه دعوى يعرف حالما مما مر ويأتي
قال ((وقد نص رجال الحديث في كتبهم أن العبادلة الثلاثة وأبا هريرة ومعاوية وأنس وغيرهم قد رووا عن كعب الأحبار وإخوانه))
أقول: أما الرواية عن كعب فقد ذكرت لهؤلاء ولعمر ولعلي ولابن مسعود كما في فتح المغيث للسخاوي ص45، وعادة أهل الحديث أن يقولوا ((روى عنه فلان، روى عنه فلان)) ولولم يكن المروي إلا حكاية واحدة، وهذا هوالحال هنا تقريباً، فأنك لا تجد لهؤلاء عن كعب إلا الحرف والحرفين ونحوها، وكثير من ذلك يأتي ذكر كعب فيه عرضا، راجع ص69. وأما روايتهم عن إخوانه فمن هم؟ راجع ص7
قال: ((وقد استطاع أن يدس من الخرافات والأوهام والأكاذيب في الدين ما امتلأت به كتب التفسير والحديث والتاريخ فشوهها وأدخلت الشك إليها))
أقول: إنما كعب يخبر عن صحف أهل الكتاب، وقد عرف المسلمون قاطبة أنها مغيرة مبدلة، فكل ما نسب إليه في الكتب فحكمه حكم تلك الصحف، فإن كان بعض الآخذين عنه ربما يحكي قوله ولا يسميه فغايته أن يعد قولاً للحاكي نفسه وقوله غير حجة، وماجاوز هذا من شطحات أبي رية زيفته في غير هذا الموضع (راجع ص 73)
قال تكذيب الصحابة لكعب .. .. نهى عمر كعباً عن التحديث .. . وقال له:
لتتركن الحديث [عن الأول] أولألحقنك بأرض القردة))
أقول: مر ما فيه ص47 وقد أسقط أبورية هنا كلمة ((عن الأول)) لحاجة في نفس إبليس [هي المكيدة التي تقدمت الإشارة إليها ص73و74و75و82و89] سيأتي شرحها في الكلام على ص163
قال ((وكان علي يقول إنه لكذاب))
أقول: لم يعز أبورية هذا إلى كتاب، ولا عثرت عليه، ولوكان له أصل لذكر في ترجمة كعب من كتب الجرح والتعديل / وذكر عن معاوية أنه ((ذكر كعباً فقال: إنه من أصدق هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب، وأن كنا مع ذلك لنبلوعليه الكذب)) وعلق على كلمة ((أصدق)) أن في رواية أمثل وإنما وقع بلفظ ((أمثل)) في عبارة نقلها ص128 عن اقتضاء الصراط المستقيم وعلق هناك أنها هي الرواية الصحيحة، أما رواية ((أصدق)) ((فيبدوأنها محرفة)) كذا يجازف هذا المسكين، وصاحب الاقتضاء يورد في مؤلفاته الأحايث من حفظه، وإنما الرواية ((أصدق)) كما في صحيح البخاري وغيره. هذا وقد بين أهل العلم أن مقصود معاوية بالكذب الخطأ. راجع فتح الباري 282:13 وتهذيب التهذيب، والسياق يوضح ذلك، فالكلام إنما هوفي التحديث عن أهل الكتاب، أي عن كتبهم، ولم يكن معاوية ينظر في كتبهم، وإنما كان كعب وغيره يحكون تنبؤات عما يستقبل من الأمور فيعلم الصدق أوالكذب بوقوعها وعدمه، والظاهر أنه كان عند كعب صحف فيها تنبؤات من غيره، ومن أعجب ما جاء في ذلك ما جرى له مع ابن الزبير، والذي يصح عنه من ذلك قليل، غير أن الوضاعين بعده استغلوا شهرته بذلك فكذبوا عليه كثيراً لأغراضهم، وكان الكذب عليه أيسر عليهم من الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم
قال ((قصة الصخرة بين عمر وكعب الخ))
أقول: قد تقدم النظر فيها ص75
قال ص127 (( .. روى بعضهم عن كعب الأحبار أنه ذكر عند عبد الملك بن مروان وعروة بن الزبير حاضر أن الله قال للصخرة: أنت عرشي الأدنى))
أقول: واضع هذا جاهل، فإن قوله ((عند عبد الملك بن مروان)) يعني في خلافته، وإنما ولى سنة 65 بعد وفاة كعب ببضع وثلاثين سنة
قال ص128 ((وفي مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي:. . . وكان - أي عمر - يضربه بالدرة ويقول له: دعنا من يهوديتك
أقول: لم يسند السبط هذه الحكاية، وهومعروف بالمجازفة
قال ((الاسرائيليات في فضل بيت المقدس))
ذكر أخبار عن كعب منها خبر ((أنت عرشي الأدنى)) المار قريباً ونسبها إلى بعض كتب الأدب وقد قال هونفسه ص129 ((بعد بناء قبة الصخرة ظهرت أحاديث في فضلها وفضل المسجد الأقصى)) وإنما/ بنيت قبة الصخرة بعد وفاة كعب ببضع وثلاثين سنة. وفي كتاب (فضائل الشام) للربعي سبع عشرة حكاية عن كعب قال فيها مخرجه الشيخ ناصر الدين الأرناؤط ((كل الأسانيد لا تصح)) وفي هذا تصديق لما قلته مراراً أن غالب ما يروى عن كعب مكذوب عليه. وبعد فلوصح شيء من ذلك فإنما كان كعب يخبر عن صحف اليهود، ومعقول أن يكون فيها أمثال ذلك
قال ((وعن أبي هريرة الخ))
أقول هذا كذب مفترى على أبي هريرة رضي الله عنه، وقد قال أبورية ص129 ((بعد بناء قبة الصخرة ظهرت أحاديث الخ)) وإنما بنيت بعد وفاة أبي هريرة بعدة سنين. وقوله ((تلميذ كعب الأحبار)) يطلقها ظالماً على أبي هريرة وابن عباس
وابن عمرووغيرهم من الصحابة الذين قال الله تعالى فيهم ((ليغيظ بهم الكفار))
قال ص129 ((وفي حديث: أن الطائفة من أمته .. إنهم في بيت المقدس وأكنافه))
أقول: روى هذا من حديث أبي أمامة بسند ضعيف، وعلى فرض صحته فليس المراد أنهم هناك دائماً، كيف ولم يكن هناك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أحد من المسلمين، وإنما المعنى أنهم يكونون هناك في آخر الزمان حين يأتي أمر الله
وقال ((ما قيل في المسجد الأقصى: كانت الأحاديث الصحيحة أول الأمر في فضل المسجد الحرام ومسجد رسول الله، ولكن بعد بناء قبة الصخرة ظهرت أحاديث في فضلها وفضل المسجد الأقصى))
أقول: أما الصخرة فنعم لا يثبت في فضلها نص، وأما المسجد ففضله ثابت بالكتاب والسنة والإجماع
قال ((وقد روى أبوهريرة [مرفوعاً]: لا تشد الرحال إلى إلا ثلاثة مساجد الخ))
أقول الحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأبي بصرة الغفاري، وجاء من حديث ابن عمر رضي الله عنهم
وذكر قول ميمونة لامرأة نذرت أن تصلي في بيت المقدس ((اجلسي وصلي في مسجد رسول الله، فإني سمعت رسول الله يقول: صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة))
قال أبورية ((ولوأن المسجد الأقصى كان قد ورد فيه تلك الأحاديث لما منعت ميمونة هذه المرأة من أن توفي نذرها))
/ أقول رأت ميمونة أن الصلاة في مسجد المدينة أفضل فلم تر فائدة لسفر وعناء لأجل صلاة يمكن أداء أفضل منها بدونها. وهذا لا ينفى أن يكون للمسجد الأقصى فضل في الجملة كما هوثابت، وأن يكون للصلاة فيه فضل دون فضل الصلاة في مسجد المدينة. وهذا واضح
قال ص13 ((اليد اليهودية في تفضيل الشام: .. إن الشام ما كان لينال من الإشادة بذكره والثناء عليه إلا لقيام دولة بني أمية فيه .. فكان جديراً بكهنة اليهود أن ينتهزوا الفرصة .. . وكان من هذه الأكاذيب أن بالغوا في مدح الشام))
أقو: أما فضل الشام فقد ثبت بكتاب الله عزوجل كما مر ص65، والعقل يتقبل ذلك لأنها كانت منشأ غالب الأنبياء والمرسلين، كما يتقبل أن ينوه النبي صلى الله عليه وسلم بفضلها تبياناً للواقع وترغبياً للمسلمين في فتحها والرباط فيها، أما الأخبار الكثيرة الواهية في فضل الشام وبيت المقدس والصخرة فانتظر في أسانيدها يبين أنها إنما اختلقت بعد كعب بزمان لأغراض أخرى غير اليهودية
قال ((مر بك ذرومما قال الكهنة في أن ملك النبي سيكون بالشام))
أقول: جاء هذا عن كعب، فإن صح فالظاهر أنه كذلك كان في صحف أهل الكتاب، فقد أثبت القرآن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيها، ومن أبرز الأمور في شأنه ظهور ملك أصحابه بالشام. وراجع ص71
قال ((وأن معاوية قد زعم الخ))
أقول: هذا باطل. راجع ص64.
قال: ص131 ((في الصحيحين: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)) ثم قال ((روى البخاري: هم بالشام)).
أقول: الذي في صحيح البخاري ذكر الحديث من طريق عمير عن معاوية
مرفوعاً ثم قال ((قال عمير فقال مالك بن يخامر قال معاذ: وهم بالشام)) وليس لمالك بن يخامر في الصحيح سوى هذا، وجعله من قول معاذ فيما يظهر لا من الحديث، والواوفيه هي واوالحال أي أنه يأتي أمر الله وهم بالشام، وإتيان أمر الله يكون آخر الزمان وليس المراد أنهم يكونون دائماً بالشام، كيف ولم يكن بها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. والبخاري يحمل الطائفة على أهل العلم، ومعلوم أن معظمهم لم يكونوا بالشام في عصره ولا قبله
/ قال ((وفي مسلم عن أبي هريرة أن النبي قال: لا يزال أهل الغرب ظاهرين [على الحق] حتى تقوم الساعة))
أقول: إنما هوفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص، وليس عن أبي هريرة، والظاهر أن أبا رية تعمد خلاف الرواية، ولا أدري لماذا أسقط ((على الحق))
قال ((قال أحمد وغيره: هم أهل الشام))
أقول: قد قيل وقيل، وأقرب الأقوال أن المراد بالغرب الحدة والشوكة في الجهاد، ففي حديث جابر بن سمرة ((لا يزال هذا الدين قائماً تقاتل عليه عصابة الخ)) وفي حديث جابر بن عبد الله (( .. .. طائفة من أمتي يقاتلون)) ونحوه في حديث معاوية وحديث عقبة بن عامر. أما ما يحكى أن بعضهم قال ((المغرب)) فخطأ محض
قال ((وفي كشف الخفا الخ))
أقول قد تقدم أن كعباً توفي وسط خلافة عثمان، وأنه لم يصح عنه ما نسب إليه في ((فضائل الشام)) شيء
قال ((ومن أحاديث الجامع الصغير للسيوطي التي أشير عليها بالصحة))
أقول ليست تلك الإشارة معتمدة دائماً
وذكر حديث ((الشام صفوة الله الخ، وهوفي المستدرك 59:4 قال الحاكم
((صحيح الإسناد)) تعقبه الذهبي فقال ((كلا وعفير هالك)) يعني أحد رجال سنده.
وذكر حديث ((طوبى للشام الخ)) وهذا جاء من حديث زيد بن ثابت وصححه الحاكم وغيره من المتأخرين، وفي صحته نظر
وذكر حديث ((ليبعثن الله من مدينة الشام الخ)) وهذا روي من حديث عمر، وفي سنده أبوبكر بن عبد الله بن أبي مريم ضعيف مختلط
وقال في حاشية ص132 ((هذا هوالحديث الصحيح الخ))
أقول: راجع ص86
وذكر ص134 فصلا لصاحب المنار في الحط على كعب ووهب، وقد تقدم ما يكفي
وفيه ص135 (( .. . فمن المعتاد المعهود من طباع البشر أن يصدقوا كل خبر لا يظهر لهم دليل على تهمة قائله فيه ولا بطلانه في نفسه، فإذا صدق بعض الصحابة كعب الأحبار في بعض مفترياته التي كان يوهمهم/ أنه أخذها من التوراة أومن غيرها من كتب أنبياء بني إسرائيل وهومن أحبارهم أوفي غير ذلك فلا يستلزم هذا إساءة الظن بهم))
أقول: أما من أسلم من أهل الكتاب وظهر حسن إسلامه وصلاحه فأخبر عن صحف أهل الكتاب بشيء فلا إشكال في تصديق بعض الصحابة له في ذلك بمعنى ظن أن معنى ذاك الخبر موجود في صحف أهل الكتاب، وإنما المدفوع تصديق الصحابة ما في صحف أهل الكتاب حينئذ مع علمهم بأنها قد غيرت وبدلت وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم)) وقد مر كلام ابن عباس وغيره في ذلك (راجع ص68و89) فالحق أنهم لم يكونوا يصدقونها إلا أن يوجد دليل على صدقها، وذلك كخبر عبد الله بن عمروعن صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة ولذلك أقسم عليه (راجع ص71)، فأما ماعدا ذلك فغاية
الأمر أنهم إذا وجدوا الخبر لا يدفعه العقل ولا الشرع ولا هومن مظنة اختلاف أهل الكتاب وتحريفهم أنسوا به، فإن كان مع ذلك مناسباً في الجملة لآية من القرآن أوحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مالوا إلى تصديقه، وإخبار الإنسان عما يعلم السامعون أنه لم يدركه لا يعطي أنه جازم تصديقه، لأن مثل هذا الخبر كالمتضمن لقوله ((بلغني .. .))
قال أبورية ص137 ((الكيد السياسي الخ))
ثم ذكر قصة عبد الله بن سبأ، وقد نقدها الدكتور طه حسين في ((الفتنة الكبرى)) فأجاد
وقال ص138 ((وقد وضع كعب يده في يد ابن سبأ الخ))
أقول: هذا تخيل صرف
قال ((فقد روى وكيع عن الأعمش عن أبي صالح الخ))
أقول: ينظر السند إلى وكيع، والأعمش مدلس، وأبوصالح لم يتبين إدراكه للقصة، ولوصحت لما دلت إلا على أحد أمرين: إما أن كعباً وجد ذلك في صحفه كما يشهد له ما أخبر به ابن الزبير، وإما أنه كان عميق النظر وبعيده
قال ص139 ((وصفوة القول في هؤلاء اليهود الخ))
أقول: الكيد اليهودي المحقق كيد جولدزيهر وإخوانه المستشرقين المحاولين تصوير الصحابة في صورة مغفلين خرافيين يتلاعب بهم كعب، وأبورية ممن سقط فريسة لهذا الكيد ثم عاد فارساً من فرسانه.
الإسرائيليات والحديث النبوي
(الشبكة الإسلامية)
 من المعلوم أن الله جل وعلا أرسل الرسل وأنزل الكتب لتوحيده وعبادته ، وأن هناك أصولاً مشتركة اتفقت عليها جميع الأديان والرسالات ، فالعقائد وأصول الفضائل والأخلاق والآداب ، والضرورات التي جاءت جميع الشرائع بحفظها ، هذه أمور مقررة في كل دين ، ولا تختلف باختلاف الأزمان ، ولا باختلاف الرسالات قال سبحانه:{شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه }(الشورى 13) ، وقال سبحانه : {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون }(الانبياء 25) .
وأما تفصيلات الشرائع العملية ، فهي تختلف من دين لآخر ، فما يصلح لزمان قد لا يصلح لزمان آخر ، وما يلائم طبيعة قوم قد لا يلائم آخرين ، ولذا قال سبحانه : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا }(المائدة 48) .
ثم إن الكتب السماوية السابقة قد طواها الزمن ولم يصل إلينا منها غير التوراة والإنجيل ، ولم يسلما مع ذلك من التحريف والتبديل ، وأما القرآن فقد كتب الله له الخلود ، وحفظه من الضياع والتحريف والتبديل ، فجاء مصدِّقاً لما سبقه من الكتب ، مؤكداً على الجانب الذي دعا إليه كل الأنبياء ، وقامت عليه جميع الرسالات .
وفي الوقت نفسه جاء مهيمناً وحاكما وشاهداً عليها ، يبين ما طرأ عليها من تحريف وتغيير وتبديل ، فما وافقه منها فهو حق ، وما خالفه فهو باطل ، وقد وصفه الله بهذين الوصفين بقوله :{ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه }(المائدة 48) .
وقد كان لاختلاط المسلمين بأهل الكتاب ومجاورتهم لهم ، ودخول كثير منهم في الإسلام ، أثره في نقل كثير من أخبارهم إلى المسلمين ، وهو ما اصطلح عليه العلماء بـ " الإسرائيليات " من باب التغليب ، وإلا فإنه يشمل أخبار أهل الكتابين معاً اليهود والنصارى على حد سواء .
ولعل مما أسهم في انتقال تلك الأخبار أن من منهج القرآن في سرد القصص والحوادث الاقتصار على مواضع العظة والعبرة ، وعدم التعرض للتفاصيل والجزئيات ، والنفوس تتشوف لمعرفة جزئيات الحوادث ، وتفصيل مجملات القصص ، وأخبار بدء الخلق والتكوين وما أشبه ذلك ، أضف إلى ذلك وجود الإذن النبوي في التحديث عن بني إسرائيل من غير حرج ، فكان بعض الصحابة رضي الله عنهم يسألون عن ذلك بالقدر الذي يرون أنه موضح للقصة ، ومبين لما أجمل في القرآن ، من غير أن يخرجوا عن دائرة الجواز والإذن النبوي .
ولكن الناس بعد ذلك توسعوا في رواية هذه الأخبار فدخلت كثير من أباطيل أهل الكتاب وخرافاتهم وترهاتهم على المسلمين، ونسب الكثير منها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإلى صحابته رضوان الله عليهم وإلى أئمة الإسلام ، حتى اتخذها بعض المتأخرين مادة يشرحون بها نصوص القرآن وملئت بها كتب التفسير ، مما شكل خطراً بالغاً على عقائد المسلمين بما تضمنته من تشبيه لله تعالى ، ووصفه بما لا يليق بجلاله وكماله ، وبما يتنافى مع عصمة الأنبياء والمرسلين ، إضافة إلى تشويهها لصورة الإسلام ، وتصويره في صورة دين خرافي يستخف بالعقول ويعنى بالترهات والأباطيل .
وقد دخل في الحديث من ذلك ما دخل في التفسير ، وكان الذين دسوا مثل هذه الأخبار ونسبوها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم - في الأعم الأغلب طائفتان هما : الزنادقة الذين أظهروا الإسلام ودخلوا فيه عن خبث طوية بغرض الطعن والافتراء ، والقصاص الذي روجوا لتلك الأخبار ليستميلوا وجوه العوام إليهم ، ويستدروا ما عندهم عن طريق التحديث بالمناكير والغرائب والأكاذيب ، وقد وجدت هاتان الطائفتان في مرويات أهل الكتاب وأساطير القدماء مادة خصبة لتحقيق أغراضهم .
ولم يكن أمرهم ليخفى على المحدِّثين الذين تصدوا لهذه الظاهرة ، وكشفوا حقيقة هذه الأخبار وبينوا زيفها وكذبها ، ووزنوا الروايات بميزان دقيق ، وطبقوا عليها منهجهم الفريد في النقد وسبر المرويات ، شأنها شأن غيرها من الأخبار المختلقة الموضوعة ، كما يظهر ذلك من خلال ما كتبوه في علوم الحديث ، وتراجم الرجال ، والأحاديث الموضوعة ، والمشتهرة على الألسنة ، إلى غير ذلك .
ومع ذلك اتخذت هذه الإسرائيليات - مع الأسف الشديد - مدخلاً للطعن في أئمة الإسلام وعلمائه ممن كان لهم في الإسلام قدم راسخة ، حتى كادت تذهب بالثقة في بعض الصحابة والتابعين ، الذي عرفوا بالثقة والديانة ، واشتهروا بين المسلمين بالتفسير والحديث ، وذلك بسبب ما أسند إليهم من هذه الإسرائيليات ، حيث اتهموا بأبشع الاتهامات من قبل بعض المستشرقين ومن مشى في ركابهم ، وعدُّوهم مضللين مدسوسين على الإسلام وأهله .
وإليك طائفة من أقوالهم لترى كيف اتفقت كلمتهم ، وتوحدت آراءهم ، وكأنها خرجت من مشكاة واحدة ، مما يدل على وحدة المصدر والهدف والغاية .
يقول " جولد زيهر " في كتاب " المذاهب الإسلامية في التفسير " : " ومن بين المراجع العلمية المفضلة عند ابن عباس نجد أيضاً كعب الأحبار اليهودي ، و عبد الله بن سلام ، وأهل الكتاب على العموم ممن حذر الناس منهم ، كما أن ابن عباس نفسه في أقواله حذر من الرجوع إليهم ، ولقد كان إسلام هؤلاء عند الناس فوق التهمة والكذب ، ورُفِعوا إلى درجة أهل العلم الموثوق بهم ..... ورجعوا إليهم سائلين عن هذه المسائل بالرغم من التحذير الشديد - من كل جهة - من سؤالهم " أهـ .
وتبعه أحمد أمين على هذا الرأي حيث قال في " فجر الإسلام " : " وقد دخل بعض هؤلاء اليهود في الإسلام ، فتسرب منهم إلى المسلمين كثير من هذه الأخبار ، ودخلت في تفسير القرآن يستكملون بها الشرح ، ولم يتحرج حتى كبار الصحابة مثل ابن عباس عن أخذ أقوالهم ، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ( إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ) " ولكن العمل كان على غير ذلك ، وأنهم كانوا يصدقونهم وينقلون عنهم " أهـ .
وقال في "ضحى الإسلام " : " كذلك أدخل مسلمة أهل الكتاب أقوالاً من الإنجيل دست على أنها أحاديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم " .
وأما الشيخ رشيد رضا فقد كان من شدة إنكاره للإسرائيليات وتعنيفه على من روجوا لها ، ربما أخذه الحماس إلى حدِّ النيل والطعن في بعض من نسبت إليهم هذه الإسرائيليات بحق أو بباطل ، وإلى حدِّ غمْزِ المحدثين ورميهم بالتقصير وقلة الاطلاع والاغترار بهم ، لأنهم وثَّقوهم وخرَّجوا أحاديثهم .
حيث قال في مجلة المنار : " ونحن نعلم أن أبا هريرة روى عن كعب وكان يصدقه . ...... ومثل هذا يقال في ابن عباس وغيره ممن روى عن كعب ، وكان يصدقه " ، وقال في موضع آخر وهو يناقش بعض الكتاب : " ولا يهولنه انخداع بعض الصحابة والتابعين بما بثاه - يقصد كعب الأحبار و وهب بن منبه - هما وغيرهما من هذه الأخبار فإذا صدق بعض الصحابة ، كعب الأحبار في بعض مفترياته التي كان يوهمهم أنه أخذها من التوراة أو غيرها من كتب أنبياء بني إسرائيل ، وهو من أحبارهم أو في غير ذلك ، فلا يستلزم هذا إساءة الظن فيهم " أهـ .
وقال : " ثم ليعلم أن شرَّ رواة هذه الإسرائيليات ، أو أشدهم تلبيساً وخداعاً للمسلمين هذان الرجلان " واستَشْهد بما جاء في صحيح البخاري عن معاوية في شأن كعب : " إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب ، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب " .
وأما " محمود أبو رية " فقد كان أشد القوم إسفافاً وطعناً وتجنياً على الصحابة والتابعين حيث عقد فصلاً في كتابه " أضواء على السنة المحمدية " بعنوان : " الإسرائيليات والحديث "بين فيه منشأها حسب زعمه ، وتعرض لعبد الله بن سلام و كعب الأحبار و وهب بن منبه ، وأمثالهم من علماء أهل الكتاب الذي أسلموا وحسن إسلامهم ، متهماً إياهم بالمكر والدهاء ، والتظاهر بالدخول في الإسلام للطعن والدس فيه ، وهدم أصوله وأركانه ، ونال أكثر ما نال من كعب واعتبره الصهيوني الأول ، وصوَّر الصحابة في صورة البُلَهاء السُّذَّج المغرر بهم الذين يصدقون كل ما يلقى إليهم من غير وعي ولا تمحيص .
يقول " أبو رية " : " وقد كان أقوى هؤلاء الكهان دهاء وأشدهم مكراً ، كعب الأحبار و وهب بن منبه ، و عبد الله بن سلام ولما وجدوا أن حيلهم قد راجت بما أظهروه من كاذب الورع والتقوى ، وأن المسلمين قد سكنوا إليهم ، واغتروا بهم ، جعلوا أول همهم أن يضربوا المسلمين في صميم دينهم ، وذلك بأن يدسوا إلى أصوله التي قام عليها ما يريدون من أساطير وخرافات ، وأوهام وترهات ، لكي تهي هذه الأصول وتضعف ، ولما عجزوا عن أن ينالوا من القرآن الكريم لأنه قد حفظ بالتدوين ، واستظهره آلاف من المسلمين ، وأنه قد أصبح بذلك في منعة من أن يزاد فيه كلمة أو يتدسس إليه حرف اتجهوا إلى التحدث عن النبي فافتروا ما شاءوا أن يفتروا عليه من أحاديث لم تصدر عنه " .
إلى أن قال : " ويسر لهم كيدهم أن وجدوا الصحابة يرجعون إليهم في معرفة ما لا يعلمون من أمور العالم الماضية ، واليهود بما لهم من كتاب ، وما فيهم من علماء ، كانوا يعتبرون أساتذة العرب فيما يجهلون من أمور الأديان السابقة ، إن كانوا مخلصين صادقين " .
ثم قال : " وأنى للصحابة أن يفطنوا لتمييز الصدق من الكذب من أقوالهم ، وهم من ناحية لا يعرفون العبرانية التي هي لغة كتبهم ، ومن ناحية أخرى كانوا أقل منهم دهاء وأضعف مكراً ، وبذلك راجت بينهم سوق هذه الأكاذيب ، وتلقى الصحابة ومن تبعهم كل ما يلقيه هؤلاء الدهاة بغير نقد أو تمحيص ، معتبرين أنه صحيح لا ريب فيه " أهـ .
وهذا الكلام كله يمكن إجمال الرد عليه في محورين رئيسين :
الأول : ما يتعلق باتهام الصحابة بالتوسع في الأخذ عن أهل الكتاب ، من غير وعي ولا تمحيص ، ورميهم بالانخداع والغفلة والسذاجة .
الثاني : ما يتعلق بالطعن في بعض من أسلموا من أهل الكتاب ، وحَسُن إسلامهم وعُرِفوا بالعلم والفضل ، والعدالة والثقة والعدالة ، واتهامهم بأن غرضهم الدسيسة والكيد للإسلام وأصوله .
أما قضية أخذ بعض الصحابة عن أهل الكتاب ، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أعلم الناس بأمور دينهم ، وقد خصهم الله بالعلم والفهم ، والورع والتقى ، وسبق لهم من الفضل على لسان نبيهم ما ليس لأحدٍ بعدهم ، ومن شكَّ في ذلك فعليه أن يراجع دينه وإيمانه ، قال الإمام الشافعي في الرسالة القديمة ، بعد أن ذكرهم وذكر من تعظيمهم وفضلهم : " وهم فوقنا في كل علم واجتهاد ، وورع وعقل ، وأمرٍ استُدْرِك به عليهم ، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا " .
وما ثبت من أن بعض الصحابة كأبي هريرة و ابن عباس وغيرهما كانوا يرجعون إلى بعض من أسلم من أهل الكتاب ، فهو أمر لا يعيبهم ولا ينقص من قدرهم وعلمهم وذلك لأمور منها : أنهم لم يخرجوا عن دائرة الجواز التي حدّها لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأذن لهم فيها بقوله : " بلغوا عني ولو آية ، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " رواه البخاري .
وفي الوقت نفسه لم يخالفوا النهي الوارد في قوله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا .... الآية " رواه البخاري .
ولا تعارض بين هذين الحديثين ، فإن الأول أباح لهم أن يحدِّثوا عما وقع لبني إسرائيل من الأعاجيب لما في أخبارهم من العبرة والعظة ، بشرط أن يعلموا أنه ليس مكذوباً ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يجيز التحدث بالكذب .
وأما الحديث الثاني فالمراد منه التوقف فيما يحدّث به أهل الكتاب إذا كان محتملاً للصدق والكذب ، لأنه ربما كان صدْقاً في واقع الأمر فيكذبونه ، أو كذباً فيصدقونه فيقعون بذلك في الحرج .
فهذا النوع من الأخبار المحتملة للصدق والكذب هو الذي نهينا عن تصديقه أو تكذيبه ، وليس المراد منه ما جاء شرعنا بموافقته أو مخالفته ، فإن الموقف منه واضح ومعروف .
ومن هنا يتبين لنا أنه لا تعارض بين إذنه - صلى الله عليه وسلم - بالتحديث عن بني إسرائيل ، وبين نهيه عن تصديقهم أو تكذيبهم ، كما يتبين لنا القدر الذي أباحه الشارع من الرواية عن أهل الكتاب .
إذاً فالصحابة رضي الله عنهم كان لديهم منهج سديد ، ومعيار دقيق في قبول ما يلقى إليهم من الإسرائيليات ، فما وافق شرعنا قبلوه ، وما خالفه كذبوه ، وما كان مسكوتاً عنه توقفوا فيه .
ثم إنهم لم يكونوا يرجعون إليهم في كل أمر ، وإنما كانوا يرجعون إليهم لمعرفة بعض جزئيات الحوادث والأخبار ، ولم يُعرف عنهم أبداً أنهم رجعوا إليهم في العقائد ولا في الأحكام ، ولو ثبت أنهم سألوا أهل الكتاب عن شيء يتعلق بالمعتقد فلم يكن ذلك عن تهوك منهم وارتياب ، وإنما كان لإقامة الحجة عليهم ، بالاستشهاد والتأييد لما جاء في شريعتنا ، عن طريق الاحتجاج عليهم بما يعتقدون .
أما إنكار الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث جابر أن عمر بن الخطاب أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب فقرأه النبي - صلى الله عليه وسلم - فغضب وقال :(( أمتهوكون فيها يا بن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به ، أو بباطل فتصدقوا به ، والذي نفسي بيده لو أن موسى - صلى الله عليه وسلم - كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني )) .
وإنكار بعض الصحابة - كابن عباس نفسه - على من كانوا يرجعون إلى أهل الكتاب بقوله - كما في البخاري : " يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه - صلى الله عليه وسلم- أحدث الأخبار بالله ، تقرؤونه لم يشب ، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله ، وغيروا بأيديهم الكتاب ، فقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم ، ولا والله ما رأينا منهم رجلاً قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم " .
هذا الإنكار لا يعارض الجواز والإذن الثابت في نصوص أخرى ، لأنه كان في مبدأ الإسلام ، وقبل استقرار الأحكام ، وأما الإباحة فجاءت بعد أن عرفت الأحكام واستقرت ، وذهب خوف الاختلاط والتشويش ، قال الحافظ بن حجر رحمه الله : " وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية ، والقواعد الدينية ، خشية الفتنة ، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك ، لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار " أهـ .
كما أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يسألون عن الأشياء التي يشبه أن يكون السؤال عنها نوعاً من اللهو والعبث ، كالسؤال عن لون كلب أهل الكهف ، والبعض الذي ضرب به القتيل من البقرة ، ومقدار سفينة نوح ، ونوع خشبها ، واسم الغلام الذي قتله الخضر ، وغير ذلك مما يعد السؤال عنه قبيحاً ، ومن قبيل تكلف ما لا يعني ، وتضييع الأوقات في غير طائل ، الأمر الذي ينزه عنه صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
ومما يدل أيضاً على أن الصحابة لم يكونوا يتلقفون كل ما يصدر عن أهل الكتاب دون نقد وتمحيص تلك المراجعات العديدة ، والردود العلمية على بعض أهل الكتاب ، في أمور أنكروها ، وردوا عليهم خطأهم فيها .
ومن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر يوم الجمعة فقال : (( فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه الله إياه )) ، فقد اختلف السلف في تعيين هذه الساعة ، وهل هي باقية أم رفعت ؟ وإذا كانت باقية فهل هي في جمعة واحدة من السنة ، أو في كل جمعة منها ؟ .
وقد سأل أبو هريرة رضي الله عنه كعب الأحبار عن ذلك فأجابه كعب بأنها في جمعة واحدة من السنة ، فرد عليه أبو هريرة قوله هذا ، وبين له أنها في كل جمعة ، ولما رجع كعب إلى التوراة ، وجد أن الصواب مع أبي هريرة فرجع إليه ، كما في الموطأ .
كما سأل أبو هريرة أيضاً عبد الله بن سلام عن تحديد هذه الساعة قائلاً له : " أخبرني ولا تَضِنَّ عليَّ " ، فأجابه عبد الله بن سلام بأنها آخر ساعة في يوم الجمعة ، فرد عليه أبو هريرة بقوله : " كيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلِّي " ، وتلك الساعة لا يصلَّّى فيها ؟ .... أخرجه أبو داود وغيره .
ومن ذلك أيضاً ما رواه ابن جرير عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عباس أنه قال : " المفدي إسماعيل ، وزعمت اليهود أنه إسحق وكذبت اليهود " .
ولما بلغه أن نوفاً البكالي - وهو ربيب كعب الأحبار - ، يزعم أن موسى بني إسرائيل ليس بموسى الخضر : قال : " كذب " حدثنا أبي بن كعب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وساق الحديث الذي عند البخاري في قصة موسى مع الخضر .
وذكر ابن كثير في تفسيره أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ،قال لكعب منكِراً : " أنت تقول : " إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا ؟ " فقال له كعب : " إن كنت قلت ذلك ، فإن الله تعالى قال : {وآتيناه من كل شيء سببا }( الكهف 84) ، قال ابن كثير معلقاً : " وهذا الذي أنكره معاوية رضي الله عنه على كعب هو الصواب ، والحق مع معاوية في ذلك الإنكار " .
فهذا كله وغيره يؤكد على أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا مغفلين مخدوعين يصدقون كل ما يلقى إليهم ، بل كانوا يتحرون الصواب ، ويردون على أهل الكتاب أقوالهم التي تستحق الرد والمراجعة .
فهل يعقل بعد هذا ، وبعد ما عرفناه من عدالة الصحابة وحرصهم على امتثال أوامر الله ورسوله ، وعدم تسليمهم لأهل الكتاب كل ما يروونه من إسرائيليات ، أن نقول بتهاونهم ، ومخالفتهم لتعاليم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضلاً عن رميهم بالغفلة وعدم الفطنة ، اللهم إنا نبرأ إليك من ذلك .
وأما يتعلق بالمحور الثاني من هذا الموضوع فإن أي باحث منصف لا ينكر أن الكثير من الإسرائيليات قد دخلت في الإسلام عن طريق أهل الكتاب الذين أسلموا ، وأنهم نقلوها بحسن نية ، ولا ينكر أيضاً أثرها السيئ في كتب العلوم ، وأفكار العوام من المسلمين .
ولكن الذي لا يسلم به أن يكون عبد الله بن سلام و كعب الأحبار و وهب بن منبه وأضرابهما - ممن أسلموا وحسن إسلامهم - كان غرضهم الدس والاختلاق والإفساد في الدين .
فعبد الله بن سلام كان من خيار أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومن علماء أهل الكتاب الذين جمعوا علم التوراة وعلم الإنجيل ، ولا يوجد من أئمة الإسلام ، وعلماء الحديث الذين نقدوا الرجال من ناله بتهمة ، أو مسَّه بتجريح ، بل وجدناهم يعدلونه ويوثقونه ، ولهذا اعتمده البخاري وغيره من أهل الحديث ، مما يدل على مبلغ علمه وسلامة دينه .
كيف وقد شهد له - صلى الله عليه وسلم - بالجنة كما في البخاري عن سعد بن أبي وقاص ، قال : ما سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لأحد يمشي على الأرض : إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام قال : وفيه نزلت هذه الآية :{ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله .... }الآية ( الاحقاف 10) .
ومعاذ الله أن يكون عبد الله بن سلام دسيسة على الإسلام والمسلمين ، وأن يكون قد أسلم خِداعاً لينفث سمومه ، ولو كان كذلك لكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أول المخدوعين فيه يوم أن جاءه مسلماً ، وقصته معروفة مشهورة مع قومه من اليهود .
ثم معاذ الله لو خُدِع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه أول الأمر ، أن يظل مخدوعاً وأن يتخلى الله عن نبيه فلا ينبهه على ذلك ، في الوقت الذي يتنزل عليه القرآن صباح مساء ، ويكشف له كثيراً من أحوال المنافقين وخباياهم .
وأما ما صح عنه من بعض الروايات الإسرائيلية فلا تغض من شأنه وعلمه ، فإنها على قلتها لا تعدو أن تكون من قبيل ما أذن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في روايته ، ولا يمكن أن تخدش في عدالته ، أو تضعف الثقة فيه ، وإلا لما اعتمده البخاري وغيره من أهل الحديث .
وما نسب إليه كذباً من إسرائيليات بقصد ترويجها فليس ذنبه بل ذنب من نسبها إليه ، وكم وضع الوضاعون من أحاديث ونسبوها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو خير منه ، فما حط ذلك من قدره ، ولا غض من مقامه .
وأما كعب الأحبار فهو من التابعين الأخيار ، وقد أخرج له البخاري و مسلم وغيرهما ، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام ، واتفقت كلمة نقاد الحديث على توثيقه ، فترجم له النووي في تهذيبه بقوله : " اتفقوا على كثرة علمه وتوثيقه " أهـ ، ولذا لا تجد له ذكراً في كتب الضعفاء والمتروكين.
والمتتبع لحياة كعب في الإسلام ، ومقالات أعلام الصحابة فيه ، ومن تحمل منهم عنه وروى له ، ومن أخرج له من شيوخ الحديث في مصنفاتهم ، يجد ما يدحض هذه الفرية ويرد هذه التهمة ، ويشهد للرجل بقوة دينه ، وصدق يقينه ، وأنه طوى قلبه على الإسلام المحض ، والدين الخالص ، لا على أنه دسيسة يهودية تستر بالإسلام - كما زعم الزاعمون - .
ولا يعكر عليه قول معاوية في حقه - كما في الصحيح - : " إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب ، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب " .
فهذا الكلام لا يخدش في ثقة كعب وعدالته ،بل إن في ذلك تزكية من معاوية وثناء عليه بأنه أصدق المحدثين عن أهل الكتاب ، وقول معاوية : " وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب " ، لا يراد منها اتهامه بالكذب ، وإنما المقصود أن في بعض الأخبار التي ينقلها بأمانة ما لا يطابق الواقع ، فالكذب حينئذ مضاف إلى تلك الكتب التي ينقل عنها لا إلى كعب ، وهو نحو قول ابن عباس في حقه " بدل من قبله فوقع في الكذب " .
وبهذا التوجيه وجه أئمة النقد والرجال عبارة معاوية فقال ابن حبان في الثقات : " أراد معاوية أنه يخطئ أحياناً فيما يخبر به ولم يرد أنه كان كذاباً " ، وقال ابن الجوزي : " المعنى أن بعض الذي يخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذباً ، لا أنه كان يتعمد الكذب ، وإلا فقد كان كعب من أخيار الأحبار " ، وقال ابن كثير في تفسيره : " يعني فيما ينقله ، لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحفه ، ولكن الشأن في صحفه أنها من الإسرائيليات التي غالبها مبدل مصحف محرف مختلق ، ولا حاجة لنا مع خبر الله تعالى ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شيء منها بالكلية ، فإنه دخل منها على الناس شر كثير وفساد عريض " أهـ .
وأما وهب بن منبه فهو من خيار التابعين وثقاتهم ، أخرج له البخاري و مسلم ، ولا يُعلم أحد من أئمة هذا الشأن طعن فيه بأنه وضاع ودسَّاس ، بل رأيناهم يوثقونه ، فقد وثقه أبو زرعة و النسائي و العجلي ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال الذهبي : " كان ثقة صادقاً كثير النقل من كتب الإسرائيليات " .
ولسنا ننكر رواية كعب وو هب وغيرهما للإسرائيليات ، فذلك أمر تنطق به كتب التفسير والحديث التي تعنى بسرد الإسرائيليات : ولكن يجب قبل أن نجازف بالحكم عليهم أن نأخذ بعين الاعتبار أمرين هامين :
الأمر الأول : أن ما رووه من أخبار بني إسرائيل ، لم يسندوه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يكذبوا فيه على أحد من المسلمين ، وإنما كانوا يروونه على أنه من الإسرائيليات ، ويحكونه غير مصدقين له ، بل كان موقفهم منها كموقف الصحابة رضي الله عنهم ، فما جاء على وفق شرعنا صدقوه ، وما خالفه كذبوه ، وما لم يوافق أو يخالف شرعنا توقفوا فيه وردوا فيه علمه إلى الله عز وجل .
الأمر الآخر : أنه ليس كل ما ينسب إليهم صحيحاً ، فقد اختلق الوضاعون عليهم أشياء كثيرة ، فاتخذوهم مطية لترويج الكذب وإذاعته بين الناس ، مستغلين شهرتهم العلمية الواسعة بما في كتب أهل الكتاب ، ثم تناقل هذه الأخبار بعض القصاص والمؤرخين والأدباء ، وبعض المفسرين على أنها حقائق ، من غير أن يتثبتوا من صحة نسبتها إلى من عزيت له .
يقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله : " وبعض أهل عصرنا تكلم فيه - يقصد وهب بن منبه - عن جهل ، ينكرون أنه يروي الغرائب عن الكتب القديمة ، وما في هذا بأس ، إذ لم يكن ديناً ، ثم أنى لنا أن نوقن بصحة ما روي عنه من ذلك وأنه هو الذي رواه وحدَّث به " .أهـ .
فهل بعد هذا كله نقبل كلام " جولد زيهر " ومن مشى في ركابه ، ونعرض عن كلام أئمة الإسلام ، وجهابذة المحدثين والنقاد ، الذين وثقوا هؤلاء الرواة ، وخرجوا أحاديثهم في كتبهم التي تلقتها الأمة بالقبول جيلاً بعد جيل ، فضلاً عن أن نتهمهم بالمكر والدهاء والكيد للإسلام وأهله ، اللهم إنا نبرأ إليك من ذلك .
________________
مراجع الموضوع :
- دفاع عن السنة د. محمد محمد أبو شهبة .
- التفسير والمفسرون د. محمد حسين الذهبي .
- الإسرائيليات في التفسير والحديث د. محمد حسين الذهبي .
- الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير د.رمزي نعناعة .
- الحديث والمحدثون محمد محمد أبو زهو .
عدد مرات القراءة:
3579
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :