آخر تحديث للموقع :

السبت 22 محرم 1441هـ الموافق:21 سبتمبر 2019م 10:09:40 بتوقيت مكة
   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

شبهات أبورية حول أبي هريرة ..
شبهات أبورية حول أبي هريرة
وقال أبورية ص151 ((أبوهريرة: لوكانت أحاديث رسول الله كلها من الدين العام كالقرآن لا يقوم إلا عليها ولا يؤخذ إلا منها، وأنه يجب على كل مسلم أن يعرفها ويتبع ما فيها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أصحابه أن يحفظوا هذه الأحاديث لكي تؤثر بعده، لكان أكثر الصحابة رواية لها أعلهام درجة في الدين .. .. ))
أقول: قدمنا الكلام في نظرية ((دين عام ودين خاص)) ص117 - 14، وص 31 - 35. ولم يوجب الله تعالى علىكل مسلم معرفة القرآن نفسه سوى الفاتحة لوجوبها في الصلاة، وأما الاتباع فطريقته أن العلماء يعرفون ويجتهدون، والعامة تسألهم عند الحاجة فيفتونهم بما علموا من الكتاب والسنة وكان الصحابة مأمورين بأن يبلغ كل منهم عند الحاجة ما حفظه، والذين حفظوا القرآن كله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ليسوا من أكابر الصحابة، وقد مات أ بوبكر وعمر قبل أن يستوفي كل منهما القرآن حفظاً، وكان هناك عملان الأول التلقي من النبي صلى الله عليه وسلم، الثاني الأداء، فأما التلقي فلم يكن في وسع الصحابة أن يلازموا النبي صلى الله علي وسلم ملازمة مستمرة، وإذا كان أنس وأبوهريرة ملازمين للنبي صلى الله عليه وسلم لخدمته فلابد أن يتلقيا من الأحاديث أكثر مما تلقاه المشتغلون بالتجارة والزراعة، على أن أبا هريرة لحرصه على ا لعلم تلقى ممن سبقه إلى الصحبة ما عندهم من الأحاديث، فربما رواها عنهم وربما قال فيها ((قال النبي صلى الله عليه وسلم .. .)) كما شاركه غيره منهم في مثل هذا الإرسال لكمال وثوق بعضهم ببعض، وقد ثبت أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة فقال ((لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث، .. .)) أخرجه البخاري في صحيحه، وتأتي أخبار كثيرة لاثبات هذا المعنى، وأما الأداء فإنما عاش أبوبكر زمن الأداء نحوسنتين مشغولاً عند المسلمين بتدبير أمور المسلمين، وعاش عمر مدة أبي بكر مشغولاً بالوزارة والتجارة، وبعده مشغولاً بتدبير أمور المسلمين. وفي المستدرك 98:1 أن معاذ بن جبل أوصى أصحابه أن يطلبوا العلم وسمى لهم أبا الدرداء وسلمان وابن مسعود وعبد الله ابن سلام، فقال يزيد بن عميرة: وعند عمر بن الخطاب؟ فقال معاذ ((لا تسأله عن شيء، فإنه عنك مشغول)) وعاش عثمان وعلي مشغولين بالوزارة وغيرها ثم الخلافة / ومصارعة الفتن، وكان الراغبون في طلب العلم يتهيبون هؤلاء ونظراءهم، ويرون أن جميع الصحابة ثقات أمناء، فيكتفون بمن دون أولئك وكان هؤلاء الأكابر يرون أنه لا يتحتم عليهم التبليغ إلا عندما تدعوالحاجة، ويرون أنه إذا جرى العمل على ذلك فلن يضيع شيء من السنة، لأن الصحابة كثير، ومدة بقائهم ستطول، وعروض المناسبات التي تدعوالحاجة فيها إلى التبليغ كثير، وفوق ذلك فقد تكفل الله عزوجل بحفظ شريعته، وكانوا مع ذلك يشددون على أنفسهم خشية الغلط، ويرون أنه إذا كان من أحد منهم خطأ وقت وجوب التبليغ فهومعذور قطعاً، بخلاف من حدث قبل الحاجة فأخطأ، وكانوا مع ذلك يحبون أن يكفيهم غيرهم، ومع هذا فقد حدثوا بأحاديث عديدة، وبلغهم عن بعضهم أنه يكثر من التحديث فلم يزعموا أنه أتى منكراً، وإنما حكى عن بعضهم ما يدل أنه يرى الإكثار خلاف الأولى. فأما زعم أبي رية أنهم كانوا ((يرغبون عن رواية الحديث وينهون إخوانهم عنها .. )) فقد تقدم تفنيده ص 3
11
وذكر أبورية كثرة حديث أبي هريرة وقال ص152 ((على حين أنه كان من عامة الصحابة، وكان بينهم لا في العير ولا في النفير)) وسيبسط هذا ص184 وننظر فيه
وقال ص152 ((الاختلاف في اسمه الخ))
أقول: وماذا يضره ذلك؟ إنما المقصود من الاسم المعرفة وقد عرف بأبي هريرة، وأصح ما قيل في اسمه عبد الله أوعبد الرحمن، وهوعلى ما نسبه ابن الكلبي وغيره، ابن عامر بن عبد ذي الشرى بن طريف بن عتاب بن أبي صعب بن منبه بن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان ابن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك ابن نصر بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشحب بن يعرب بن قحطان الأزدي ثم الدوسي، وأمه أميمة بنت صفيح بن الحارث بن سابي بن أبي صعب الخ
12
قال ص153 ((نشأته وأصله ... لم يعرفوا شيئاً عن نشأته ولا عن تاريخه قبل إسلامه غير ما ذكر هوعن نفسه .... : نشأت يتيماً وهاجرت مسكيناً وكنت أجيراً لبسرة بنت غزوان بطعام بطني وعقبه رحلي، فكنت أخدم إذا نزلوا وأحدوا إذا ركبوا، وكنيت بأبي هريرة بهرة صغيرة كنت ألعب بها))
/ أقول: أما أصله فقد تقدم، وهومن قبيلة شريفة كريمة عزيزة، وأما نشأته فما أكثر الصحابة الذين لا تعرف نشأتهم حتى من خيارهم وكبارهم، وأما قوله: نشأت يتيماً الخ فهذه القصة رويت من أ وجه في إسناد كل منها مقال، ومجموعها يثبت أصل القصة، فأما الألفاظ التي تنفرد بها بعض الروايات فلا، وفي الإصابة أن بسرة
هذه أخت عتبة بن غزوان السلمي، وبلاد دوس بعيدة جداً عن بلاد بني سليم فيظهر أن أبا هريرة في هجرته إلى النبي صلى الله عليه وسلم مر ببلاد بني سليم أوقريباً منها، فوجد رفقة راحلين نحوالمدينة وفيهم بسرة فصحبهم على أن يخدمهم في الطريق ويطعموه ويعقبوه. ولا يدفع هذا ما ثبت في صحيح البخاري من قوله ((لما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم قلت في الطريق:
يا ليلة من طولها وعنائها ... على أنها من دارة الكفر نجت
قال: وأبقى لي غلام في الطريق، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته، فينا أنا عنده إذ طلع الغلام، فقال: يا أبا هريرة هذا غلامك، فقلت هوحر لوجه الله. فأعتقه)) انظر فتح الباري 79:8 فقد يكون الغلام أبق منه قبل صحبته للرفقة، وبهذا تبين أن في القصة منقبتين له الأولى أن إخدامه لنفسه إنما كان ليبلغ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودار الإسلام، والثانية أنه مع قلة ذات يده أعتق غلامه، شكراً لله تعالى على إبلاغه مقصده، وفي القصة عبرة بالغة، فإنه لما أذل نفسه بخدمة تلك المرأة استعانة على الهجرة في سبيل الله عوضه الله تعالى بأن زوجه إياها تخدمه فوق ما خدمها، ثم كان على طريقته في التواضع والتحدث بالنعمة والاعتبار مع الميل إلى المزاح يذكر هذه القصة ويشير إلى تكليف امرأته بخدمته على نحوما كانت تكلفه. وقد يكون وقع منه ذلك مرة أومرتين على سبيل المزاح ومداعبة الأهل وتحقيق العبرة، وقد ثبت عن أبي المتوكل الناجي وهوثقة ((أن أبا هريرة كانت له أمة زنجية قد غمتهم بعملها، فرفع عليها السوط يوماً ثم قال: لولا القصاص يوم القيامة لأغشيتك به، ولكني سأبيعك ممن يوفيني ثمنك أحوج ما أكون إليه (يعني الله عزوجل) اذهبي فأنت حرة لله عزوجل)) انظر البداية 112:8. فمن كانت هذه حالة مع أمه مهينه، فما عسى أن تكون حاله مع امرأته الحرة الشريفة؟ ولكن أبا رية ذكر ص187 بعض الألفاظ التي انفردت بها بعض الروايات، [منها فكلفتها أن
تركب قائمة وأن تورد حافية وأصح من هذه الرواية ما في كنز العمال 82:7عن عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن ابن سيرين فقلت لتوردنه حافية ولتركبنه وهوقائم وأصح من هذا ماأسنده ابن سعد في الطبقات 532:4 عن ابن سيرين .. . ولتركبنه قائمة فلعل بعض الرواة لم يفهم النكتة فغير اللفظ، وأي حرج عليها أن تركب البعير باركا وهي قائمة عند الركوب وتكون حافية وهي راكبة؟ وفي رواية عبد الرزاق قول ابن سيرين وكانت في أبي هريرة مزاحة وقد يكون مازحاً بهذا القول ثم لم يكن إيراد ولا ركوب] ثم راح يسب أبا هريرة رضي الله عنه ويرميه بما هومن أبعد الناس عنه /
13
وهذا مما يوضح أن أبا رية ليس بصدد بحث علمي، إنما صدره محشوبراكين من الغيظ والغل والحقد يحاول أن يخلق المناسب للترويح عن نفسه منها، كأنه لا يؤمن بقول الله عزوجل في أصحاب نبيه (ليغيظ بهم الكفار) ولا يصدق بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة وأمه أن يحببهما الله إلى عباده المؤمنين كما في ترجمته في فضائل الصحابة من صحيح مسلم
وقال ص153 ((إسلامه. قدم أبوهريرة بعد أن تخطى الثلاثين من عمره))
أقول كذا زعم الواقدي عن كثير بن زيد عن الوليد بن أبي رباح عن أبي هريرة، والواقدي متروك، وكثير ضعيف، وقد قال الواقدي نفسه: إن أبا هريرة مات سنة 59 وعمره 78، ومقتضى هذا أن يكون عمره عند قدومه سنة سبع نحوست وعشرين سنة، وهذا أشبه والله أعلم
وفي الصحابة الطفيل بن عمروالدوسي وهومن رهط أبي هريرة بني ثعلبة بن سليم بن فهم، أسلم قبل الهجرة وقصته مطولة في السيرة وغيرها، وفي ترجمته من الإصابة أنه لما عاد بعد إسلامه إلى قومه - وذلك قبل الهجرة بمدة- دعا قومه إلى الإسلام فلم يجبه إلا أبوه وأبوهريرة، فعلى هذا يكون إسلام أبي هريرة قبل الهجرة، وإنما تأخرت هجرته إلى زمن خبير
وذكر أبورية ص153 مقاولة أبي هريرة وأبان بن سعيد بن العاص وقول أبان ((واعجبا لوبر تدلى علينا من قدوم ضأن)) وعلق في الحاشية ((الوبر دابة والمعنى أن أبا هريرة ملتصق في قريش وشبهه بما يتعلق بوبر الشاة)) وهذا من تحقيق أبي رية‍! وليس أبوهريرة من قريش من شيء لا ملصق ولا غير ملصق، وقوله ((وشبهه)) يقتضي أن الرواية ((وبر)) بالتحريك ولوكان كذلك لما بقي لقوله ((الوبر دابة)) معنى، وعلق أيضاً ((ومما يلفت النظر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذ أبانا بما أغلظ لأبي هريرة)) وأقول: ليس ذاك بإغلاظ مع أنه إنما كان جواباً ومكافأة
14
وقال ص154 ((ولفقرة اتخذ سبيله إلى الصفة، فكان أشهر من أمها، ثم صار عريفاً لمن كان يسكنونها)) وعلق عليها عن أبي الفداء تعريفاً لأهل الصفة كما توهم، وقد عرفهم أبوهريرة رضي الله عنه التعريف الحق فقال كما في الصحيحين وغيرهما ((وأهل الصفة أضياف الإسلام / لا يأوون على أهل ولامال الخ)) وقد قال الله تبارك وتعالى (273:2 للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض)) الآية. كان للأنصار حوائط فيعملون فيها ويأكلون من غلتها، وكان كثير من المهاجرين يتاجرون، ومن الواضح أن التجارة في المدينة وهي محوطة بالمشركين من كل جانب لم تكن لتتسع للمهاجرين كلهم، فبقي بعضهم بالصفة، وكان أهل الصفة يقومون بفروض عظيمة، منها تلقي القرآن والسنن، فكانت الصفة مدرسة الإسلام، ومنها حراسة النبي صلى الله عليه وسلم ومنها الإستعداد لتنفيذ أوامره وحاجاته في طلب من يريد طلبه من المسلمين وغير ذلك كانوا قائمين بهذه الفروض عن المسلمين فكانت نفقتهم على سائر المسلمين وإن سميت صدقة، وكانوا بجوار النبي صلى الله عليه وسلم يؤثرهم على نفسه وأهل بيته، وقد حدث علي رضي الله عنه أنه قال لفاطمة عليها السلام يوماً ((والله لقد سنوتُ حتى لقد اشتكيت صدري، وقد جاء الله أباك بسبي، فاذهبي فاستخدميه، فقالت: وأنا والله
لقد طحنت حتى مجلت يداي .. .)) الحديث، وفيه أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرا له ذلك فقال ((والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم .. .. )) الحديث، انظر مسند أحمد الحديث 838. وكان أبوهريرة من بين أهل الصفة يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ويدور معه، فلم يكن ليجوع إلا والنبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته جياع، فهل في ذلك الجوع من عيب؟
وأما تعرضه لبعض الصحابة رجاء أن يطعمه فإنما فعل ذلك مرة أومرتين لشدة الضرورة، ولم يكن في تعرضه سؤال ولا ذكر لجوعه، وقد نقل الله تعالى في كتابه أن موسى والخضر مرا بأهل قرية فاستطعماهم، وانظر تفسير سورة التكاثر من تفسير ابن كثير
هذا وقد عد أهل العلم - كما في الحلية - جماعة من المشاهير في أهل الصفة، منهم سعد بن أبي وقاص وأبوعبيدة وزيد بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وصهيب وسليمان والمقداد وغيرهم
15
ثم قال أبورية ص154 ((سبب صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم. كان أبوهريرة صريحاً صادقاً في الإبانة عن سبب صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم .. . فلم يقل إنه صاحبه للمحبة والهدايا كما كان يصاحبه غيره من سائر المسلمين، وإنما قال: إنه قد صاحبه على ملء بطنه ففي حديث رواه أحمد والشيخان عن سفيان عن الزهري عن عبد الرحمن الأعرج قال سمعت أبا هريرة يقول: إني كنت امرءا مسكينا أصحب رسول الله على ملء بطني)) ورواية مسلم ((أخدم رسول الله)) وفي رواية ((لشبع بطني)) أقول: حاصل هذا أن الواقع في رواية الإمام أحمد والبخاري ((أصحب)) وهذا خلاف الواقع، فرواية أحمد وهوالحديث 7273 ((حدثنا سفيان عن الزهري عن عبد الرحمن الأعرج، قال سمعت أبا هريرة يقول: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله عليه وسلم، والله الموعد، إني كنت امرءا مسكيناً ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني وكان المهاجرين يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم .. .)) ولفظ البخاري في صحيحه في كتاب الاعتصام - باب الحجة على من قال إن أحكام النبي صلى ا لله عليه وسلم كانت ظاهرة الخ ((حدثنا علي حدثنا سفيان عن الزهري أنه سمع من الأعرج يقول: أخبرني أبوهريرة قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله الموعد، إني كنت امرءا مسكيناً ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ)) وأخرجه البخاري في مواضع أخرى من وجوه أخرى عن الزهري وفيه ((ألزم))، وفي موضع ((أن أبا هريرة كان يلزم)) فأبوهريرة لم يتكلم عن إسلامه ولا هجرته ولا صحبته المشتركة بينه وبين غيره من الصحابة وإنما تكلم عن مزيته وهي لزومه للنبي صلى الله عليه وسلم دونهم، ولم يعلل هذه المزية بزيادة محبته أوزيادة رغبته في الخير أوالعلم أونحوذلك مما يجعل له فضيلة على إخوانه، وإنما عللها على أ سلوبه في التواضع بقول ((على ملء بطني)) فإنه جعل المزية لهم عليه بأنهم أقوياء يسعون في معاشهم وهومسكين، هذا والله أدب بالغ تخضع له الأعناق، ولكن أبا رية يهتبل تواضع أبي هريرة ويبدل الكلمة ويحرف المعنى ويركب العنوان على تحريفه ويحاول صرف الناظر عن التحري والتثبت بذكره رواية مسلم ليوهم أنه قد تحرى الدقة البالغة، ويبنى على صنيعه تلك الدعوى الفاجرة، [وقد قال أبورية في حاشية ص39 لعنة الله على الكاذبين متعمدين وغير متعمدين] وقد تقدم أن أبا هريرة أسلم في بلاده قبل الهجرة: لماذا؟ ثم ترك وطنه للهجرة مؤجراً نفسه في طريقه على طمعته وعقبته، لماذا؟ ولما شاهد النبي صلى الله عليه وسلم وجاء غلامه الذي كان أبق منه أعتقه، لماذا؟ وتقدم ص1 شهادة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أحرص الصحابة على معرفة حديثه، لماذا؟ قال ابن كثير ((وقال سعيد بن أبي هند عن أبي هريرة: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ألا تسألني من هذه الغنائم التي سألني أصحابك؟ / قال فقلت: أسألك أن تعلمني مما علمك الله .. )) البداية 111:8، لماذا؟
وتقدم ص 146 قول عمر بن الخطاب: خفي علي هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألهاني عنه الصفق بالأسواق))
وقال طلحة بن عبيد الله لما سئل عن حديث أبي هريرة ((والله ما نشك انه قد سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا أقوياء أغنياء لنا بيوت وأهلون، وكنا نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار ثم نرجع، وكان هومسكيناً لا مال له ولا أهل وإنما كانت يده مع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يدور معه حيث ما دار، فما نشك أنه قد علم ما لم نعلم وسمع ما لم نسمع)) البداية 19:8 وحدث أبوأيوب - وهومن كبار الصحابة - عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له في ذلك فقال ((إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع)) البداية 19:8 [والمستدرك 512:3وقال: صحيح على شرط الشيخين، واقتصر الذهبي على أنه على شرط مسلم] وحدث أبوهريرة بحديث، فاستثبته ابن عمر فاستشهد أبوهريرة عائشة فشهدت، فقال أبوهريرة: إنه لم يشغلني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس الودى ولا صفق بالأسواق، إنما كنت أطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة يعلمنيها أوأكلة يطعمنيها. فقال ابن عمر: أنت يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمنا بحديثه)) البداية 19:8 [والمستدرك 51:3وقال صحيح، وأقره الذهبي] وقالت عائشة لأبي هريرة: أكثرت الحديث، قال: إني والله ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب، ولكني أرى ذلك شغلك عما استكثرت من حديثي، قالت: لعله. البداية 19:8 [وانظر المستدرك 59:3وقال صحيح، وأقره الذهبي] فأنت ترى اعترافهم له، وترى أن أدبه البالغ المتقدم لم يكن تقية، فإنه لما اقتضى الحال صدع صدع الواثق المطمئن ثم ذكر أبورية ص155 قول أبي هريرة ((كنت أستقريء الرجل الآية وهومعي كي ينقلب فيطعمني، وكان خير الناس
للمساكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيطعمنا.
ثم قال أبورية: ((من أجل ذلك كان جعفر هذا في رأي أبي هريرة أفضل الصحابة جميعاً .. أخرج الترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطيء التراب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبي طالب))
17
أقول: إسناده صحيح إلا أنه غريب، ومن تدبر ترجمة جعفر رضي الله عنه لم يستكثر عليه هذا، وفي / فتح الباري 62:7 في شرح قوله: وكان أخير الناس للمساكين، ما لفظه ((وهذا التقييد يحمل عليه المطلق الذي جاء .. . عن أبي هريرة قال: ما احتذى النعال .. ))
ثم ذكر ص156 - 157 حكايات عن الثعالبي والبديع الهمذاني وعبد الحسين بن شرف الدين الرافضي وكلها من خرافات الرافضة وأشباههم، لا تمت إلى العلم بصلة
ثم قال آخر ص157 ((وأخرج أبونعيم في الحلية الخ))
أقول: هومن طريق فرقد السبخي قال: وكان أبوهريرة الخ، وفرقد ليس بثقة، ولم يدرك أبا هريرة
وقال: ص158 ((وفي الحلية كذلك أن أبا هريرة كان في سفر فلما نزلوا وضعوا السفرة وبعثوا إليه وهويصلي فقال: إني صائم، فلما كادوا يفرغون، جاء فجعل يأكل الطعام، فنظر القوم إلى رسولهم .. . فقال أبوهريرة: صدق إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: صوم رمضان وصوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر، وقد صمت ثلاثة أيام من أول الشهر، فأنا مفطر في تخفيف الله، صائم في تضعيف الله))
أقول: هذه فضيلة له، وقد وقع مثلها لأبي ذر رضي الله عنه ((مسند أحمد
15:5 وغيره، وهوالذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم ((ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر))
قال ((وفي خاص الخاص للثعالبي الخ))
أقول: ومن هوالثعالبي حتى يقبل قوله بغير سند؟
أقول: ((وقد جعل أبوهريرة الأكل من المروءة، فقد سئل: ما المروءة؟ قال: تقوى الله وإصلاح الصنيعة والغداء والعشاء بالأفنية))
أقول: ليس في هذا جعل الأكل نفسه من المروءة، وإنما فيه أن من المروءة أن يكون الأكل بالأفنية)) يريد بموضع بارز ليدعوصاحب الطعام من مر ويشاركه من حضر، لا يغلق بابه ويأكل وحده
قال ((وقد أضربنا عن أخبار كثيرة لأن في بعضها ما يزيد في إيلام الحشوية الذين يعيشون بغير عقول))
أقول: أما عقول الملحدين الذي يعيشون بلا دين، ومقلديهم المغرورين، فنعوذ بالله منها
18
ثم قال ((حديث: زر غباً تزدد حباً. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة الخ))
/ أقول: هذا حديث مذكور في الموضوعات، روي عن علي وعائشة وابن عباس بطرق كلها تالفة
ثم قال ص161 ((مزاحه وهذره، أجمع مؤرخوأبي هريرة على أنه كان رجلاً مزاحاً مهذارا))
أقول: أما المزاح فنعم، ولم يكن في مزاحه ما ينكر، وأما الهذر فأسنده بقوله ((قالت عنه عائشة .. .. في حديث المهراس إنه كان رجلاً مهذارا)) وهذا باطل، لم تتكلم عائشة في حديث المهراس بحرف، انظر التقرير والتحيير لابن أمير الحاج 3:2 ثم رأيت الدكتور مصطفى السباعي قد بسط الكلام في هذا في الجزء 9 في المجلد 1 من مجلة المسلمون ص2
قال أبورية ((عن أبي رافع قال: كان مروان ربما استخلف أبا هريرة على المدينة فيركب حماراً قد شد عليه برذعة وفي رأسه خلية من ليف، فيسير فيلقي الرجل فيقول: الطريق قد جاء الأمير، وربما أتى الصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الغراب [في البداية الأعراب وهوأمير] فلا يشعرون بشيء حتى يلقي نفسه بينهم ويضرب برجليه فينفر الصبيان فيفرون، وأخرج أبونعيم في الحلية عن ثعلبة بن [أبي] مالك القرظي قال: أقبل أبوهريرة في السوق يحمل حزمة حطب وهويومئذ خليفة لمروان على المدينة فقال: أوسع الطريق للأمير يا ابن [أبي] مالك. فقلت له: يكفي هذا. فقال: أوسع الطريق للأمير، والحزمة عليه))
أقول: إنما كان يعتمد هذا التبذ ل والمزاح حين يكون أميراً تهاوناً بالإمارة ومناقضة لما كان يتسم به بعض الأمراء من الكبر والتعالي على الناس، وكانت إمارة أبي هريرة رحمة بأهل المدينة يستريحون إليها من عبية أمراء بني أمية وعنجهيتهم، وكانت إحياء للسنة، فإن الأمير كان هوالذي يؤم الناس، فكان الأمراء يغفلون أشياء من السنة كالتكبير في الصلاة وسجود التلاوة وقراءة السور التي كان يقرؤها النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، فكان أبوهريرة إذا ولى كان هوالذي يؤم بالناس، فيحيي ما أهمله الأمراء من السنن))
قال ((ولقد كانوا يتهكمون برواياته ويتندرون عليها لما تفنن فيها وأكثر منها، فعن أبي رافع أن رجلاً من قريش أتى أبا هريرة في حلة وهويتبختر فيها فقال: يا أبا هريرة إنك تكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل سمعته يقول في حلتي هذه شيئاً؟ فقال: [والله إنكم لتؤذوننا، ولولا ما أخذ الله على أهل الكتاب
(ليبيننه للناس ولا يكتمونه) ما حدثكم بشيء [هذه الزيادة من مصدر أبي رية نفسه البداية 18:8] سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم / يقول: إن رجلاً ممن كان قبلكم بينما كان يتبختر في حلة إذ خسف الله به الأرض فهويتجلجل فيها حتى تقوم الساعة، فوالله ما أدري لعله كان من قومك أومن رهطك))
أقول: متن الحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ومن حديث ابن عمر، وهوعند أحمد وغيره من حديث ابن عمرو، ومن حديث أبي سعيد، وجاء من حديث غيرهم.
وقال الدارمي في ((باب تعجيل عقوبة من بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث فلم يعظمه ولم يوقره، .. . عن العجلان عن أبي هريرة)) فذكر المتن قال عقبة: فقال له فتى - قد سماه - وهوفي حلة له: أهكذا كان يمشي ذلك الفتى الذي خسف به؟ ثم ضرب بيده فعثر عثرة كاد يتكسر منها، فقال أبوهريرة: للمنخرين وللفم (إنا كفيناك المستهزئين)))
أقول: فقد أخزى الله ذاك المستهزيء كما أخزى غيره من المستهزئين بدين الله ورسله وخيار عباده (وما هي من الظالمين ببعيد)
وقال ص162 ((كثرة أحاديثه)) ثم قال ص163 ((وقد أفزعت كثرة رواية أبي هريرة عمر بن الخطاب فضربه بالدرة وقال له ((أكثرت يا أبا هريرة من الرواية وأحرى بك أن تكون كاذباً))
أقول: لم يعز هذه الحكاية هنا، وعزاها ص171 إلى شرح النهج لابن أبي الحديد حكاية عن أبي جعفر الأسكافي، وابن أبي الحديد من دعاة الاعتزال والرفض والكيد للإسلام، وحاله مع ابن العلقمي الخبيث معروفة والاسكافي من دعاة المعتزلة والرفض أيضاً في القرن الثالث ولا يعرف له سند، ومثل هذه الحكايات الطائشة توجد بكثرة عند الرافضة والناصبية وغيرهم بما فيه انتقاص لأبي بكر وعمر وعلي
وعائشة وغيرهم، وإنما يتشبت بها من لا يعقل، وقد ذكر ابن أبي الحديد 36:1 أشياء عن الاسكافي من الطعن في أبي هريرة وغيره من الصحابة وذكر من ذلك شيئاً من مزاح أبي هريرة فقال ابن أبي الحديد ((قلت قد ذكر ابن قتيبة هذا كله في كتاب المعارف في ترجمة أبي هريرة وقوله في حجة لأنه غير متهم عليه)) وفي هذا إشارة إلى أن الأسكافي متهم. ونحن كما لا نتهم ابن قتيبة قد لا نتهم الاسكافي باختلاف الكذب، ولكن نتهمه بتلقف الأكاذيب من أفاكي أصحابه الرافضة والمعتزلة، وأهل العلم لا يقبلون الأخبار المنقطعة ولوذكرها كبار أئمة السنة.
فما بالك بما يحكيه ابن أبي الحديد عن الاسكافي عمن تقدمه بزمان!
قال ((وقد أخرج ابن عساكر من حديث السائب بن يزيد: لتتركن الحديث عن رسول الله أولألحقنك بأرض دوس أوبأرض القردة))
11
أقول: عزاه إل البداية 16:8 ولكن لفظه هناك (( .. . دوس، وقال لكعب الأحبار: لتتركن الحديث عن الأول أولألحقنك بأرض القردة)) فأسقط أبورية هنا ذكر كعب، وجمع الكلمتين لأبي هريرة وله في هذه الحكاية فعلة أشنع من هذه. قال ص3 ((وقال لكعب الأحبار: لتتركن الحديث أولألحقنك الخ)) أسقط قوله ((عن الأول)) لغرضين:
الأول: تقوية / دعواه أن عمر كان ينهى عن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني ترويج دعوى مهولة فاجرة خبيثة وهي دعوى أن كعباً مع أنه لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدث عنه بما يشاء، وكان الصحابة يسمعون منه تلك الأحاديث ويقبلونها بسذاحة مخجلة ثم لا يكتفون بذلك حتى يذهبوا فيروونها عن النبي صلى الله عليه وسلم رأساً فيوهموا الناس أنهم سمعوها من النبي صلى الله عليه وسلم أوعلى الأقل من بعض إخوانهم من الصحابة، ولزيادة تفظيع هذا الزعم بالغ في الحط على كعب وزعم أنه كان منافقاً يسعى لهدم الإسلام ويفتري ما شاء من الأكاذيب يرويها عن النبي صلى الله عليه وسلم فيتقبلها الصحابة ويروونها عن النبي صلى الله عليه وسلم رأساً، فعلى هذا يزعم أن كل ما جاء من أحاديث الصحابة ولم يصرح الصحابي بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يحتمل أن يكون مما افتراه كعب ((كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا)) وراجع ص73. [و74و75و82و89]
وهذه الخطة الجهنمية من أخطر تخطيط الكيد اليهودي الخاسر الذي مرت الإشارة إليه ص49و99.وكذا قال ص126 ((قال له: لتتركن الحديث أولألحقنك)) أسقط قوله ((عن الأول)) أيضاً ليؤكد لك أنه عمداً ارتكب ذلك. ثم لم يكفه حتى قال ص115 ((لما قدم كعب المدينة في عهد عمر وأظهر إسلامه أخذ يعمل في دهاء ومكر لما أسلم من أجله من إفساد الدين وافتراء الكذب على النبي (كذا؟) ولم يلبث عمر أن فطن لكيده وتبين له سوء دخلته فنهاه عن الرواية عن النبي (كذا؟) وتوعده إن لم يترك الحديث عن رسول الله (كذا؟) أوليلحقنه بأرض القردة، كذا قال، وعزا ذلك إلى المصدر نفسه وهوالبداية والنهاية ج8 لكنه جعل الصفحة 26 والصواب 16 فهل تعمد هذا ليعمي عن فضيحته؟
فليتدبر القارئ، وينظر من الذي يعمل في دهاء ومكر لإفساد الدين وسوء دخلة؟ هذا وسند الخبر غير صحيح، ولفظه في البداية ((قال أبوزرعة الدمشقي حدثني محمد بن زرعة الرعيني حدثنامروان بن محمد حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبد الله بن السائب الخ))
ومحمد بن زرعة لم أجد له ترجمة، والمجهول لا تقوم به حجة، وكذا إسماعيل إلا أن يكون الصواب إسماعيل بن عبيد الله (بالتصغير) بن أبي المهاجر فثقة معروف لكن لا أدري أسمع من السائب أم لا؟
وفي البداية عقبه ((قال أبوزرعة: وسمعت أبا مسهر يذكره عن سعيد بن عبد العزيز نحوا منه لم يسنده)) أقول وسعيد لم يدرك عمر ولا السائب، هذا ومخرج الخبر شامي، / ومن الممتنع أن يكون عمر نهى أبا هريرة عن الحديث البتة ولا يشتهر ذلك في المدينة ولا يلتفت إلى ذلك الصحابة الذين أثنوا على أبي هريرة ورووا عنه وهم كثير كما يأتي، منهم ابن عمر وغيره كما مر ص16، هذا باطل قطعاً، على أن أبا رية يعترف أن كعباً لم يزل يحدث عن الأول حياة عمر كلها، وكيف يعقل أن يرخص له عمر ويمنع أبا هريرة؟ هذا باطل حتماً، وأبوهريرة كان مهاجراً من بلاد دوس والمهاجر يحرم عليه أن يرجع إلى بلده فيقيم بها فكيف يهدد عمر مهاجراً أن يرده إلى البلد التي هاجر منها؟
وقد بعث عمر في أواخر إمارته أبا هريرة إلى البحرين على القضاء والصلاة كما في فتوح البلدان للبلاذري ص 92 - 93 وبطبيعة الحال كان يعلمهم ويفتيهم ويحدثهم
قال أبورية ص16 ((ومن أجل ذلك كثرت أحاديثه بعد وفاة عمر وذهاب الدرة، إذ أصبح لا يخشى أحداً بعده))
أقول: لم يمت الحق بموت عمر، وسيأتي تمام هذا
قال ((ومن قوله في ذلك: إني أحدثكم أحاديث لوحدثت بها زمن عمر لضربني بالدرة، وفي رواية: لشج رأسي))
أقول: يروى هذا عن يحيى بن أيوب عن ابن عجلان عن أبي هريرة، وابن عجلان لم يدرك أبا هريرة. فالخبر منقطع غير صحيح قال ((وعن الزهري عن أبي سلمة سمعت أبا هريرة يقول: ما كنا نستطيع أن نقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض عمر، ثم يقول: أفكنت محدثكم بهذه الأحاديث وعمر حي؟ أما والله إذا لأيقنت أن المخفقة ستباشر ظهري، فإن عمر كان يقول: اشتغلوا بالقرآن فإن القرآن كلام الله)) أقول: إنما رواه عن الزهري إنسان ضعيف يقال له صالح بن أبي الأخضر قال فيه الجوزجاني- وهومن أئمة الجرح والتعديل- ((اتهم في حديثه)). وهناك أخباراً وأثاراً تعارض هذا وأشباهه، إلا أن في أسانيدها مقالاً فلم أنشط
لذكرها وبيان عللها تجد بعضها في ترجمة أبي هريرة من الإصابة
وبعد فإن الإسلام لم يمت بموت عمر، وإجماع الصحابة بعده على إقرار أبي هريرة على الإكثار مع ثناء جماعة منهم عليه وسماع كثير منهم منه وروايتهم عنه كما يأتي يدل على بطلان المحكي عن عمر من منعه، بل لوثبت المنع ثبوتاً لا مدفع له لدل إجماعهم على أن المنع كان على وجه مخصوص أولسبب عارض أواستحساناً محضاً لا يستند إلى حجة ملزمة. وعلى فرض اختلاف الرأي فإجماعهم بعد عمر أولى بالحق من رأي عمر
112
ثم حكى أبورية عن صاحب المنار قال ((لوطال عمر عُمر حتى مات أبوهريرة، لما وصلت إلينا تلك الأحاديث / الكثيرة))
أقول: وما يدريك لعل عمر لوطال عمره حتى يستحر الموت بحملة العلم من الصحابة لأمر أبا هريرة وغيره بالإكثار وحث عليه وحفظ الله تبارك وتعالى لشريعته، وتدبيره بمقتضى حكمته، فوق عمر وفوق رأي عمر في حياة عمر وبعد موت عمر
ثم قال أبورية ص164 ((كيف سوغ كثرة الرواية؟ كان أبوهريرة يسوغ كثرة الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ما دام لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً فإنه لا بأس من أن يروي))
أقول: هذه دعوى من أبي رية، فهل من دليل؟
قال ((وقد أيد صنيعه هذا بأحاديث رفعها إلى النبي، ومنها مارواه الطبراني في الكبير عن أبي هريرة أن رسول الله قال: إذا لم تحلوا حراماً ولا تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس))
أقول: ههنا مآخذ: الأول أن هذا لم يروه أبوهريرة ولا رواه الطبراني عنه، إنما رواه الطبراني من طريق يعقوب بن عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثي عن أبيه عن جده قال: ((أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا له: بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله، إنا نسمع منك الحديث فلا تقدر أن نؤديه كما سمعنا. فقال: إذا لم الخ))
وهوفي مجمع الزوائد 154:1 وقال ((رواه الطبراني في الكبير، ولم أر من ذكر يعقوب ولا أباه))
الثاني أن هذا الخبر إنما يدل على إجازة الرواية بالمعنى لقوله فيه ((وأصبتم المعنى)) وقد تقدم الكلام في الرواية بالمعنى ص52 فما بعدها ودعوى أبي رية هنا شيء آخر كما يأتي
الثالث أن الخبر لا يثبت عن صحابيه لجهالة يعقوب وأبيه، ولهذا أعرضت عنه فلم استشهد به في فضل الرواية بالمعنى وإن كان موافقاً لقولي
قال ((وقال أيضاً إنه سمع الليثي يقول: من حدث حديثاً هولله عزوجل رضا فأنا قلته، وإن لم أكن قلته روى ذلك ابن عساكر في تاريخه))
أقول: أخذ أبورية هذا من كنز العمال 22:5 وهناك أن ابن عساكر أخرجه عن البختري بن عبيد عن أبيه عن أبي هريرة. أقول: البختري كذاب، وأبوه مجهول
113
قال أبورية ((وفي الأحكام .. .لابن حزم)) 78:2 أنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا / حدثتم عني بحديث يوافق الحق فخذوا به، حدثت به أولم أحدث))
أقول: إنما ذكره ابن حزم من طريق أشعت بن براز، ثم قال ابن حزم في ذلك الموضع نفسه ((وأشعت بن براز كذاب ساقط))
قال ((وروي عن رسول الله: إذا بلغكم عني حديث يحسن بي أن أقوله فأنا قلته، وإذا بلغكم حديث لا يحسن بي أقوله فليس مني ولم أقله))
أقول: عزاه إلى توجيه النظر ص278وهناك عقبة قول ابن حاتم ((الحديث منكر، الثقات لا يرفعونه)) يريد لا يصلونه، فإنه ذكره من طريق ابن ابي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً، وقد جاء من وجه آخر عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، ذكره البخاري في التاريخ 2/ 1/ 434 ثم ذكر أ ن بعضهم قال ((عن أبي هريرة)) قال البخاري ((وهووهم ليس فيه أبوهريرة)). ورواه بعضهم عن عبد الله ابن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة. ذكره ابن حزم في الأحكام عقب الحديث السابق وقال ((عبد الله بن سعيد كذاب مشهور)) وفي ألفاظه في الروايات اختلاف، وسأشرح بقية حاله في التعليق علىموضوعات الشوكاني إن شاء الله تعالى
هذه أدلة أبي رية على دعواه، وعلق على خبر البختري قوله ((ارجع إلى ص11)) وكان قد ذكر هناك بعض هذه الأخبار تحت عنوان ((كيف استجازوا وضع الأحاديث)) وبهذا يعرف حاصل دعواه هنا ومناسبتها لأدلتها، فإن تكذيب الصديقين لا يتم إلا بتصديق الكذابين
قال ((روى ذلك وغيره))
أقول: أما ((ذلك)) أي الأخبار المتقدمة فقد تبين أن أبا هريرة لم يروشيئاً منها، وأما غيره فما هو؟
قال ((على حين أن الثابت عن النبي أنه قال: من نقل عني ما لم أقله فليتبؤا مقعده من النار))
أقول: كذا ذكر الحديث هنا وص 4، والثابت ((من يقل علي ما لم أقل الخ)) رواه أحمد من حديث أبي هريرة، وكذا من حديث سلمة بن الأكوع وكذا جاء في أثناء حديث لأبي قتادة، وكما أن هذا هوالثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فكذلك هوالثابت عن أبي هريرة عنه كما ترى، وفي صحيح البخاري وغيره من
حديث مالك عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة قال ((إن الناس يقولون أكثر أبوهريرة، ولولا آيتان في كتاب الله /ما حدثت حديثاً ثم يتلو(إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى) إلى قوله (الرحيم) الحديث. وذكر مسلم سنده ولم يسق سنده.
وفي الإصابة ((أخرج أحمد من طريق عامر بن كليب عن أيبه سمعت أبا هريرة يبتديء حديثه بأن يقول: قال رسول الله الصادق المصدوق أبوالقاسم صلى الله عليه وسلم: من كذب علي متعمداً فليتبؤا مقعده من النار)) وذكره ابن كثير في البداية 17:8 وقال ((وروي مثله من وجه آخر))
قال أبورية ((وقد اضطر عمر أن يذكره بهذا الحديث لما أوغل في الرواية))
أقول: يريد ما روي عن أبي هريرة قال ((بلغ عمر حديثي فأرسل إلي فقال: كنت معنا يوم كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسم في بيت فلان؟ قال قلت: نعم، وقد علمت لم تسألني عن ذلك. قال: ولم سألتك؟ قلت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: من كذب علي متعمداً فليتبؤا مقعده من النار. قال أما إذاً فاذهب فحدث)) البداية 17:8 وهذا يدل على بطلان ما حكى من منعه أوعلى أ نه أذن له بعد منع ما، وهذا الخبر من جملة الأخبار التي قدمتُ ص111 أني أعرضت عنها لأن في أسانيدها مقالاً، وذكرته هنا لإشارة أبي رية إليه .. . وحديث ((من كذب علي الخ)) ثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة.
حقيقة التدليس وانتفاؤها عن الصحابة
قال أبورية آخر ص164: ((تدليسه))
أقول: قال الخطيب في الكفاية ص357 ((تدليس الحديث الذي لم يسمعه الراوي ممن دلسه عنه بروايته إياه على وجه يوهم أنه سمعه منه)) ومثال هذا أن قتادة
كان قد سمع من أ نس، ثم سمع من غيره عن أنس مالم يسمعه من أنس، فربما بعض ذلك بقوله ((قال أنس .... )) ونحوذلك، ثم ذكر الخطيب ص358 ما يؤخذ على المدلس، وهاك تلخيصه بتصرف:
أولاً: إيهامه السماع ممن لم يسمع منه
ثانياً: إنما لم يبين لعلمه أن الواسطة غير مرضي
ثالثاً: الأنفه من الرواية عمن حدثه
رابعاً: إيهام علوالإسناد
خامساً: عدول عن الكشف إلى الاحتمال
115
أقول: هذه الأمور منتفية فيما كان يقع من الصحابة رضي الله عنهم من قول أحدهم فيما سمعه من / صحابي آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((قال النبي صلى الله عليه وسلم)). أما الأول فلأن الإيهام إنما نشأ منذ عنى الناس بالإسناد، وذلك عقب حدوث الفتنة، وفي مقدمة صحيح مسلم ((عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم .. .. )) فمن حينئذ التزم أهل العلم الإسناد فأصبح هوالغالب حتى استقر في النفوس وصار المتبادر من قول من قد ثبت لقاؤه لحذيفة ((قال حذيفة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول .. .)) أونحوذلك أنه أسند، ومعنى الإسناد أنه ذكر من سمع منه فيفهم من ذاك القول أنه سمع من حذيفة، فلوقال قائل مثل ذلك مع إنه لم يسمع ذاك الخبر من حذيفة وإنما سمعه ممن أخبر به عن حذيفة كان موهماً خلاف الواقع وهذا العرف لم يكن مستقراً في حق الصحابة لا قبل الفتنة ولا بعدها، بل عرفهم المعروف عنهم أنهم كانوا يأخذون عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة، ويأخذ بعضهم بواسطة بعض، فإذا قال أحدهم ((قال النبي صلى الله عليه وسلم .... )) كان محتملاً أن يكون سمع النبي صلى الله عليه وسلم وأن يكون سمعه من صحابي آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم. فلم يكن في ذلك إيهام
وأما الثاني فلم يكن ثم احتمال لأن يكون الواسطة غير مرضي، لأنهم لم يكن أحد منهم يرسل إلا ما سمعه من صحابي آخر - يثق به وثوقه بنفسه- عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن أحد منهم يرسل ما سمعه من صبي أومن مغفل أوقريب العهد بالإسلام أومن مغموص بالنفاق أومن تابعي
وأما الثالث فلم يكن من شأنهم رضي الله عنهم
وأما الرابع فتبع الأول
وأما الخامس فلا ضرر في الاحتمال مع الوثوق بأنه إذا كان هناك واسطة فهوصحابي آخر
قال أبورية ((ذكر علماء الحديث أن أبا هريرة كان يدلس))
أقول: إنما جاء في ذلك كلمة شاذة يغلب على ظني أنها مصحفة سيأتي الكلام عليها
وذكر ص165 ما حكى عن شعبة في ذم التدليس وقال ((ومن الحفاظ من جرح من عرف بهذا التدليس من الرواة فرد روايته مطلقاً وإن أتى بلفظ الاتصال))
أقول: بعد أن استحكم العرف الذي مر بيانه نشأ أفراده لا يلتزمونه، وهم ضربان:
الضرب الأول من بين عدم التزامه فصار معروفاً عند الصحابة والآخذين عنه أنه إذا قال ((قال فلان)) ونحوذلك وسمي بعض شيوخه احتمل أن يكون سمع الخبر مع ذاك الشيخ وأن يكون سمعه من غيره عنه. فهؤلاء هم المدلسون الثقات. وكان الغالب أنه إذا دلس أحدهم خبراً مرة أسنده على وجهه أخرى. وإذا دلس فسئل بين الواقع
والضرب الثاني من لم يبين بل يتظاهر بالالتزام ومع ذلك يدلس عمداً
وتدليس هذا الضرب الثاني حاصله إفهام السامع خلاف الواقع، فإن كان المدلس مع ذلك يتظاهر بالثقة كان ذلك حملاً للسامع ومن يأخذ عنه على التدين بذاك الخبر وإفتاء وقضاء
فأما تدليس الضرب الأول فغايته أن يكون الخبر عند السامع محتملاً للاتصال وعدمه، وما يقال إن فيه إيهام الاتصال إنما هوبالنظر إلى العرف الغالب بين المحدثين، فأما النظر إلى عرف المدلس نفسه فما ثم إلا الاحتمال، فالضرب الثاني هواللائق بكلمات شعبة ونحوها، وبالجرح وإن صرح بالسماع، فأما الضرب الأول فقد عد منهم إبراهيم النخعي وإسماعيل بن أبي خالد وحبيب بن أبي ثابت والحسن البصري والحكم بن عتيبة وحميد الطويل وخالد بن معدان وسعيد بن أبي عروبة وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وسليمان التيمي والأعمش وابن جريج وعبد الملك بن عمير وأبوإسحاق السبيعي وقتادة وابن شهاب والمغيرة بن مقسم وهشيم بن بشير ويحيى بن أبي كثير ويونس بن عبيد، وهؤلاء كلهم ثقات أثبات أمناء مأمونون عند شعبة وغيره متفق على توثيقهم والاحتجاج بما صرحوا فيه بالسماع.
قال ابن القطان ((إذا صرح المدلس الثقة بالسماع قبل بلا خلاف، وإن عنعن ففيه الخلاف [فتح المغيث للسخاوي ص77] فأما الصحابة رضي الله عنهم فلا مدخل لهم في التدليس كما تقدم
قال ((ولولم يعرف أنه دلس إلا مرة واحدة، نص على ذلك الشافعي رحمه الله))
أقول: عبارته تعطي أن الشافعي يرى جرح المدلس مطلقاً ولوصرح بالسماع، وهذا كذب، وعبارة الشافعي في الرسالة ص379 ((ومن عرفناه دلس فقد أبان لنا عورته في روايته، وليست تلك العورة بالكذب فنرد بها حديثه، ولا النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق)) فقلنا لا نقبل من مدلس
حديثاً حتى يقول فيه: حدثني أوسمعت))
/ قال ((وروى مسلم بن الحجاج عن بسر بن سعيد قال: اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحدثنا عن كعب الأحبار، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله، وفي رواية: يجعل ما قاله كعب عن رسول الله، وما قاله رسول الله عن كعب، فاتقوا الله وتحفظوا في الحديث))
أقول: إنما يقع مثل هذا ممن يحضر المجلس من ضعفاء الضبط ومن لا عناية له بالعلم، ومثل هؤلاء لا يوثقهم الأئمة ولا يحتجون بأخبارهم ولابد أن ينتبهوا لغلطهم وعلى كل حال فلا ذنب لأبي هريرة في هذا، ولم يزل أهل العلم يذكر أحدهم في مجلسه شيئاً من الحديث، ويذكر معه مفصولاً عنه ماهومن كلام بعض أهل العلم أوغيرهم وماهومن كلام نفسه، والحكاية نفسها تدل على أن أبا هريرة كان يبين، وإنما يقع الغلط لبعض الحاضرين
قال ((وقال يزيد بن هارون سمعت شعبة يقول: أبوهريرة كان يدلس، أي يروي ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول الله ولا يميز هذا من هذا، ذكره ابن عساكر))
أقول: هذه عبارة ابن كثير في البداية، ساق كلمة بسر المتقدمة ووصلها بهذه الحكاية، وهي حكاية شاذة لا أدري كيف سندها إلى يزيد، ويقع في ظني إن كان السند صحيحاً أنه وقع فيها تحريف، فقد يكون الأصل ((أبوحرة)) فتحرفت على بعضهم فقرأها ((أبوهريرة)) وأبوحرة معروف بالتدليس كما تراه في طبقات المدلسين لابن حجر ص17، وقوله ((أي يروي .. ... )) أراه من قول ابن عساكر بناه على قصة بسر السابقة. فقوله ((لا يميز هذا من هذا)) يعني لا يفصل بين قوله
((قال النبي صلى الله عليه وسلم .. ... )) وقوله ((زعم كعب .. .. )) مثلاً بفصل طويل حتى يؤمن أويقل الالتباس على ضعفاء الضبط، وتسمية هذا تدليساً غريب فلذلك قال ابن كثير وحكاه أبورية ((وكأن شعبة يشير بهذا إلى حديث: من أصبح جنباً لا صيام له. فإنه لما حوقق عليه قال: أخبرنيه مخبر ولم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم))
أقول: يعني أنه قال أولاً ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ... )) مع أنه إنما سمعه من بعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا هوإرسال الصحابي الذي تقدم أنه ليس بتدليس، ولكنه على صورته، والله أعلم
ثم قال أبورية ص166 ((قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص5: وكان أبوهريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، وإنما سمعه من الثقة عنه فحكاه))
أقول: تتمة كلام ابن قتيبة ((وكذلك كان ابن عباس يفعل وغيره من الصحابة، وليس في /هذا كذب بحمد الله، ولا على قائله إن لم يفهمه السامع جناح إن شاء الله)). والمراد بالثقة الثقة من الصحابة على ما قدمت، وقدمت أن مثل ذلك من الصحابة كان عند السامعين محتملاً على السواء لأن يكون بلا واسطة وأن يكون بواسطة صحابي آخر، والمخبر الذي أخبر أبوهريرة صحابي كما يأتي
ثم قال أبورية ((أول راوية اتهم في الإسلام. قال ابن قتيبة إنه لما أتى أبوهريرة من الرواية عنه صلى الله عليه وسلم ما لم يأت بمثله من صحبه من جلة أصحابه والسابقين الأولين اتهموه وأنكروا عليه وقالوا: كيف سمعت هذا وحدك؟ ومن سمعه معك؟ وكانت عائشة رضي الله عنها أشدهم إنكاراً عليه لتطاول الأيام بها وبه))
أقول: تتمة كلام ابن قتيبة ((فلما أخبرهم أبوهريرة بأنه كان ألزمهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم لخدمته وشبع بطنه .. .. فعرف مالم يعرفوا وحفظ ما لم يحفظوا، أمسكوا عنه)). وكلمة ((اتهموه)) كلمة نابية يتبرأ منها الواقع، فإنه لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه اعترض على شيء من حديث أبي هريرة إلا عائشة وابن عمر، فأما عائشة فيأتي قريبا ًقولها ((إنك لتحدث حديثاً ما سمعته)) فأجابها ذاك الجواب الصريح فأقرت، وقد تتبع أبورية الأحاديث التي انتقدتها عائشة على أبي هريرة ويأتي الجواب الواضح عنها وأن أكثرها قد ثبت من رواية غير أبي هريرة من الصحابة، على أن انتقاد عائشة لها ليس على وجه الاتهام بكذب ونحوه- معاذ الله- وإنما فيه الاتهام بالخطأ وقد اتهمت عائشة بالخطأ عمر وابن عمر كما مر ص51 ويأتي. وقد عد الحاكم في المستدرك عائشة في الصحابة الذين رووا عن أبي هريرة كما يأتي، وأما ابن عمر فإنما استغرب حديثاً واحداً من حديث أبي هريرة فاستشهد أبوهريرة عائشة فشهدت فعاد ابن عمر بطيب الثناء على أبي هريرة وقال له ((يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمنا بحديثه)) وممن روى هذا الحاكم في المستدرك 51:3 وصححه وأقره الذهبي. وفي تهذيب التهذيب والإصابة ((وقال ابن عمر: أبوهريرة خير مني وأعلم)) زاد في الإصابة ((بما يحدث)) وفي الإصابة ((أخرج مسدد من طريق عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: كان ابن عمر إذا سمع أبا هريرة يتكلم قال: إنا نعرف ما يقول، لكنا نجبن ويجتريء)) وعاصم وأبوه ثقتان. وفي المستدرك 51:3 من طريق / (( .. . جرير عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رجل لابن عمر: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى اله عليه وسلم فقال ابن عمر: أعيذك بالله أن تكون في شك مما يجيء به، ولكنه اجترأ وجبنا)) هكذا ذكره الذهبي في تلخيص المستدرك ((جرير عن الأعمش .. .. )) وقد سمع أبووائل من ابن عمر فأخشى أن يكون ذكر حذيفة مزيداً على سبيل الوهم. والله أعلم. وفي الإصابة ((روينا في فوائد المزكي تخريج الدارقطني من طريق عبد الواحد
بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رفعه: إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه. فقال له مروان: أما يكفي أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع؟ قال: لا. فبلغ ذلك ابن عمر فقال: أكثر أبوهريرة. فقيل لابن عمر: هل تنكر شيئاً مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجببنا. فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: ما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا، وقد روى ابن عمر عن أبي هريرة كما في التهذيب وغيره
قال أبورية ((وممن اتهم أبا هريرة بالكذب عمر وعثمان وعلي))
أقول: هذا أخذه من كتاب ابن قتيبة، وإنماحكاه ابن قتيبة عن النظام بعد أن قال ابن قتيبة ((وجدنا النظام شاطراً من الشطار، يغدوا على سكر ويروح على سكر ويبيت على جرائرها، ويدخل في الأدناس، ويرتكب الفواحش والشائنات .. . ثم ذكر أشياء من آراء النظام المخالفة للعقل والإجماع، وطعنه على أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وحذيفة. فمن كان بهذه المثابة كيف يقبل نقله بلا سند؟
ومن الممتنع أن يكون وقع من عمر وعثمان وعلي وعائشة أوواحد منهم رمي لأبي هريرة بتعمد الكذب أواتهام به ثم لا يشتهر ذلك ولا ينقل إلا بدعاوى من ليس بثقة ممن يعادي السنة والصحابة كالنظام وبعض الرافضة، وقد تقدم ويأتي ثناء بعض أكابر الصحابة على أبي هريرة وسماع كثير منهم منه وروايتهم عنه، وأطبق أئمة التابعين من أبناء أولئك الأربعة وأقاربهم وتلاميذهم على تعظيم أبي هريرة والرواية عنه والاحتجاج بأخباره وعند أهل البدع من المعتزلة والجهمية والرافضة والناصبة حكايات معضلة مثل هذه الحكاية تتضمن الطعن القبيح في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعائشة وغيرهم، وفي كثير منها ما هوطعن في النبي صلى الله عليه وسلم. والحكم في ذلك واحد، وهوتكذيب تلك الحكايات البتة.
/ قال أبورية ((ولما قالت له عائشة: إنك لتحدث حديثاً ما سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم، أجابها بجواب لا أدب فيه ولا وقار إذ قال لها .. . شغلك عنه صلى الله عليه وسلم المرآة والمكحلة. وفي رواية: ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب، ولكن أرى ذلك شغلك))
أقول: تتمة الرواية الأخيرة كما في البداية ((فقالت: لعله)). والذي أنكره أبورية من جواب أبي هريرة عظيم الفائدة للباحث المحقق، وذلك أن أبا هريرة كان شديد التواضع، وقد تقدم أمثلة من ذلك، وعائشة معروفة بالصرامة وقوة العارضة، فجوابه يدل على قوة إدلاله بصدقه ووثوقه بحفظه، ولوكان عنده أدنى تردد في صدقه وحفظه لاجتهد في الملاطفة، فإن المريب جبان، وسكوت عائشة بل قولها ((لعله)): أي لعل الأمر كما ذكرت يا أبا هريرة. يدل دلالة واضحة أنه لم يكن عندها ما يقتضي اتهام أبي هريرة، هذا وحجة أبي هريرة واضحة فإن عائشة لم تكن ملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم بل انفردت عن الرجال بصحبته صلى الله عليه وسلم في الخلوة، وقد انفردت بأحاديث كثيرة تتعلق بالخلوة وغيرها فلم ينكرها عليها أحد، ولم يقل أحد- ولا ينبغي أن يقول-: إن سائر أمهات المؤمنين قد كان لهن من الخلوة بالنبي صلى الله عليه وسلم مثل ما لها فما بال الرواية عنهن قليلة جداً بالنسبة إلى رواية عائشة
قال ((وعلى أنه لم يلبث أن عاد فشهد بأنه أعلم منه .. .. ذلك أنه لما روى حديث (من أصبح جنباً فلا صوم عليه) .. أنكرت عليه عائشة هذا الحديث فقالت: إن رسول الله كان يدركه الفجر وهوجنب من غير احتلام فيغتسل ويصوم، وبعثت إليه بأن لا يحدث بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يسعه إزاء ذلك إلا الإذعان والاستخذاء وقال: إنها أعلم مني، وأنا لم أسمعه من النبي، وإنما سمعته من الفضل بن العباس
أقول: لم أجد حديث أبي هريرة هذا بلفظ ((فلا صوم عليه)) وإنما وجدته بلفظ ((فلا يصم)) ولا ريب أنه كان في رمضان يلزمه قضاء ذاك اليوم. هذا وقوله ((هي أعلم)) لا يناقض جوابه المتقدم، وإنما المعنى هي أعلم بذاك الشأن الذي تتعلق به المسألة ووجه ذلك واضح، وقد عرفت صرامة عائشة وشدة إنكارها ماترى أ نه خطأ، وسيأتي طرف من ذلك - وشدتها على أبي هريرة خاصة فاقتصارها إذ بلغها حديثه هذا على أن بعثت إليه أن لا يحدث بهذا الحديث / وذكرها فعل النبي صلى الله عليه وسل يدل دلالة قوية أنها عرفت الحديث ولكنها رأت أنه منسوخ بفعل النبي صلى الله عليه وسلم. ويؤيد هذا أن ابن اختها وأخص الناس بها وأعلمهم بحديثها عروة بن الزبير استمر قوله على مقتضى الحديث الذي ذكره أبوهريرة، وهذا ثابت عن عروة، وانظر فتح الباري 14:4، وذكر مثله أونحوه عن طاوس وعطاء وسالم بن عبد الله بن عمر والحسن البصري وإبراهيم النخعي، وهؤلاء من كبار فقهاء التابعين بمكة والمدينة والبصرة والكوفة، والنظر يقتضي هذا، وشرح ذلك يطول، وكأن عروة حمل فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكرته عائشة على الخصوصية أوغيرها مما لا يقتضي النسخ، واستدل الجمهور على النسخ بقول الله تعالى (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) قالوا فهذه الآية نسخت بالإجماع ما كان قبل ذلك من تحريم الجماع في ليالي رمضان بعد النوم وهي تتضمن إحلاله في آخر جزء من الليل بحيث ينتهي بانتهاء الليل، ومن ضرورة ذلك أن يصبح جنباً فهذان شاهدا عدل بصحة حديث أبي هريرة وصدقه: الأول اقتصار عائشة على ما اقتصرت عليه، الثاني مذهب تلميذها وابن اختها عروة، وثم شاهد ثالث وهوأن المتفق عليه بين أهل العلم وعليه دل القرآن أنه كان الحكم أولاً تحريم الجماع في ليالي رمضان بعد النوم، وأن من فعل ذلك لم يصح صومه ذلك اليوم، والحكمة من ذلك والله أعلم أن يطول الفصل بني الجماع وبين طول الفجر، ولما كان من المحتمل أن يلجأ بعض الناس إلى السهر طول الليل ويجامع قبيل الفجر بحجة أنه جامع قبل النوم ناسب ذلك أنه يحرم كونه جنباً عند طلوع الفجر ليضطر من يريد الجماع ممن يسهر إلى أن يقدمه قبل الفجر بمدة تتسع له وللغسل بعده فيحصل بذلك المقصود من طول الفصل، وهذا هومقتضى حديث أبي هريرة، وشاهد رابع وهوأنا مع علمنا بصدق أبي هريرة وأمانته لوفرضنا جدلاً خلاف ذلك فأي غرض شخصي لأبي هريرة في أن يرتكب الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ليحمل الناس على ما تضمنه حديثه؟ لا غرض له البتة، وإذاً فلابد أن يكون كان عنده دليل فهم منه ذلك وقد عرفنا أن قلماً يلجأ إلى الاستنباط الدقيق وإنما يتمسك بالنصوص، وقد نص هوعلى أن دليله هوذاك الحديث فبان أن الحديث كما عنده،
فهذه أربعة شهود على صدق أبي هريرة في هذا الحديث، وفوق ذك ماثبت من دينه وأمانته ودل عليه الكتاب والسنة كما يأتي في فصل عدالة الصحابة وشهد به جمع من الصحابة وأجمع عليه أهل العلم، فهذا هوالحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟
122
قال أبورية ((فاستشهد ميتاً، وأوهم الناس أنه سمع الحديث من رسول الله صى الله عليه وسلم كما قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث))
أقول: قد تقدم أن الصحابة كان يأخذ بعضهم عن بعض، ويقول لأحدهم فيما سمعه من أخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((قال النبي صلى الله عليه وسلم .. ... )) وكان ذلك يفهم على الاحتمال بدون إيهام لاشتهار عرفهم به قبل عرف المحدثين. وقد أخذ أبوهريرة عن غيره من الصحابة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وعقب وفاته ثم طال عمره حتى كانت قضية هذا الحديث في إمارة مروان على المدينة وذلك في خلافة معاوية، وكان معظم الصحابة قد ماتوا، فما الذي يستغرب من أن يكون مخبر أبي هريرة قد مات وقد تقدم بيان الأدلة الواضحة على صدق أبي هريرة وحديثه هذا، لكن انظر إلى عبارة أبي رية في قوه ((فاستشهد .. ... كما قال ابن قتيبة .. .... )) ألا ترى أن هذا الخبر يعطي أن ابن قتيبة قال ذلك من عنده وأنه رأيه، لكن الواقع أن ابن قتيبة إنما حكى ذلك عن النظام بعد أن وصفه بما تقدم ثم رد عليه، فماذا تقول في أبي رية؟
ثم قال ص168 ((وكان علي رضي الله عنه سيئ الرأي فيه، وقال عنه: ألا إنه أكذب الناس، أوقال: أكذب الأحياء على رسول الله لأبوهريرة))
أقول: لم يذكر أبورية مصدره فنفضحه، وكأنه أخذ هذا من كتاب عبد الحسين الرافضي (ظلمات بعضها فوق بعض) انظر ص119
ثم رأيت مصدره وهوشرح النهج لابن أبي الحديد 36:1 حكاية عن الاسكافي، ومع تهور ابن أبي الحديد والاسكافي فالعبارة هناك ((وقد روى عن علي عليه السلام أنه قال .. ... )) ولكن أبا رية يجزم. راجع ص19
قال ((ولما سمع أنه يقول: حدثني خليلي. قال له: متى كان النبي خيلك؟
أقول: هذا من دعاوي النظام على علي وقد كان أبوذر يقول هذه الكلمة، والنبي صلى الله عليه وسلم خليل كل مؤمن وإن لم يكن أحد من الخلق خليلاً له صلى الله عليه وسلم لقوله ((لوكنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبي بكر)) والخليل كالحبيب فكما أنه لا يلزم من كون إنسان حبيبك أن تكون حبيبه فكذلك الخليل، والخلة أعظم من المحبة فلا يلزم من نفي الخلة نفي المحبة
قال أبورية ((ولما روى حديث: متى استيقظ أ حدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يضعها في الإناء / فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده)) لم تأخذ به عائشة وقالت: كيف نصنع بالمهراس)) وعلق عليه: ((المهراس صخر ضخم منقور لا يحمله الرجال ولا يحركونه يملؤنه ماء ويتطهرون))
أقول: قد أسلفت (ص18) أن عائشة لم تتكلم في هذا الحديث بحرف، وإنما يروى عن رجل يقال له قين الأشجعي [مسند أحمد 382:2] أنه قال لأبي هريرة لما ذكر الحديث ((فكيف تصنع إذا جئنا مهراسكم هذا؟)) قال أبوهريرة ((أعوذ بالله من شرك)) كره أبوهريرة أن يقول مثلاً: إن المهراس ليس بإناء، والعادة أن يكون ماء الإناء قليلاً، وماء المهراس كثيراً، أويقول: أرأيت لوكانت يدك ملطخة بالقذر؟ أويقول: إن وجدت ماء غيره أووجدت ما تغرف به فذاك وإلا رجوت أن تعذر، أونحوذلك، لأن أبا هريرة رض الله عنه كان يتورع تشقيق المسائل، ويدع ذلك لمن هوأجرأ وأشد غوصاً على المعاني فيه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يلتزم في الوضوء أن يغسل يديه ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء، ثبت ذلك من حديث عثمان وعبد الله بن زيد، ولا يخفى ما في ذلك من رعاية النظافة والصحة
قال أبورية ((ولما سمع الزبير أحاديثه قال: صدق، كذب))
أقول: عزاه إلى البداية 19:8وهوهناك عن ابن إسحاق عن عمر- أوعثمان - بن عروة بن الزبير عن عروة قال ((قال لي أبي - الزبير- أدنني من هذا اليماني - يعني أبا هريرة- فإنه يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدنيته منه، فجعل أبوهريرة يحدث، وجعل الزبير يقول: صدق، كذب. صدق، كذب. قال قلت: يا أبت ماقولك: صدق كذب؟ قال: يا بني إما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أشك فيه، ولكن منها ما يضعه على مواضعه ومنها ما وضعه على غير مواضعه))
أقول: في خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ((إنكم تقرءون هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذ اهتديتم) الآية، وإنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن
الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقابه)) انظر تفسير ابن كثير 257: فالوضع على غير الوضع ليس بتغيير اللفظ، فإن الناس لم يغيروا من لفظ الآية شيئاً، وإنما هوالحمل على المحمل الحقيقي، ومثال ذلك في الحديث أ ن/ يذكر أبوهريرة حديث النهي عن الادخار من لحوم الأضاحي فوق ثلاث، وحديث النهي عن الانتباذ في الدباء والنقير والمزفت، فيرى الزبير أن النهي عن الادخار إنما كان لأجل الدافة، وأن النهي عن الانتباذ في تلك الآنية إنما كان إذ كانوا حديثي عهد بشرب الخمر، لأن النبيذ في تلك الآنية يسرع إليه التخمر، فقد يتخمر فلا يصبر عنه حديث العهد بالشرب ونحوذلك. وأن أبا هريرة إذ أخبر بذلك على إطلاقه يفهمه الناس على إطلاقه، وذلك وضع له على غير موضعه، ففي القصة شهادة الزبير لأبي هريرة بالصدق في النقل، فأما ما أخذه عليه فلا يضر، فإن في الأحاديث الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد، وقد يعلم الصحابي هذا دون ذاك، فعليه أن يبلغ ما سمعه، والعلماء بعد ذلك يجمعون الأحاديث والأدلة ويفهون كلاً منها بحسب ما يقتضيه مجموعا، وراجع ص32
قال أبوريةص169 وعن أبي حسان الأعرج أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدث عن رسول الله: إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار فطارت شققا ثم قالت: كذب والذي أنزل القرآن على أبي القاسم من حدث بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أهل الجاهلية يقولون: إن الطيرة في الدابة والمرأة والدار ثم قرأت ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها
124
أقول: أخرج أحمد وأبوداود بسند جيد عن سعد بن أبي وقاص مرفوعاً ((لا عدوى ولا طيرة ولا هام، إن تكن الطيرة في شيء ففي الفرس والمرأة والدار)) انظر مسند أحمد الحديث 52 و554. وفي فتح الباري 45:6 ((الطيرة والشؤم بمعنى واحد)) وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر قال ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((إنما الشؤم في ثلاثة في الفرس والمرأة والدار)) لفظ البخاري في كتاب الجهاد- باب ما يذكر من شؤم الفرس، وفي الصحيحين وغيرهما من حديث سهل بن سعد مرفوعاً ((إن كان ففي المرأة والفرس والمسكن)) زاد مسلم ((يعني الشؤم)) وجاء نحوه بسند جيد عن أم سلمة وزادت ((والسيف)) راجع فتح الباري 47:6 وفي صحيح مسلم من حديث جابر مرفوعاً ((إن كان في شيء ففي الربع والخادم والفرس))
125
أما روايته عن أبي هريرة فعزاه أبورية إلى تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة وقد رواه الإمام أحمد/ في المسند 15:6 و24و246 من طريق قتادة عن أبي حسان وليس بالصحيح عن عائشة لأن قتادة مدلس ولوصح عن عائشة لما صح المنسوب إلى أبي هريرة لجهالة الرجلين، وليس في شيء من روايات أحمد لفظ ((كذب)) ولوصحت لكانت بمعنى ((أخطأ)) كما يدل عليه آخر الحديث. وقد تبين أنه لا خطأ، فقد رواه جماعة من الصحابة كما علمت، فأما معناه والجمع بينه وبين الآية فيطلب من مظانه
قال أبورية ((وأنكر عليه ابن مسعود قوله: من غسل ميتاً .. .. وقال فيه قولاً شديداً ثم قال: يا أيها الناس لا تنجسوا موتاكم))
أقول: عزاه إلى جامع بيان العلم لابن عبد البر 85:2 وهوهناك بغير إسناد، وفي سنن البيهقي 1: 37 عن ابن مسعود ((إن كان صاحبكم نجساً فاغتسلوا وإن كان مؤمناً فلم تغتسل؟)) وسنده واه وقد جاء الغسل من غسل الميت من حديث علي وفعله ومن حديث عائشة وحذيفة وأبي سعيد والمغيرة، راجع سنن البيهقي 229:1 - 37 وتلخيص الجبير ص5و157. فمن أهل العلم من يستحب، ومنهم من يوجب، ومنهم من يقول: منسوخ، ومنهم من ينكر. ويظهر لي أن من جعله من باب التطهير لحدث أونجس قد أبعد، ومن أنكره لأن الميت ليس بنجس قد أبعد، وإنما هولمعنى آخر، والعارفون بعلم النفس والصحة يرون له تعلقاً بذلك والله أعلم
قال ولما روى حديث إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه فقال له مروان: أما يكفي أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع؟ فبلغ ذلك ابن عمر فقال: أكثر أبوهريرة))
أقول: تصرف أبورية في هذا، والحديث في سنن أبي داود في آخره ((قال فقيل لابن عمر: هل تنكر شيئاً مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجبنا، قال فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: ما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا)) وقد تقدم ص119 مع بعض ما يناسبه.
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة رضي الله عنه قالت ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن))
قال أبورية ((ولا نستوفي ذكر انتقاد الصحابة له والشك في روايته .. .... ))
أقول: قد ا تضح بحمد الله عزوجل الجواب عما ذكر، ومنه يعلم حال مالم يذكر
قال ((وقد امتد الإنكار عليه واتهامه في رواياته إلى من بعد الصحابة))
126
أقول: قد تبين أنه لم يتهمه أحد من الصحابة، بل أثنوا عليه وسمعوا منه ورووا عنه، وسيأتي تمام ذلك/ وتبين قيام حجته الواضحة في أكثر ماانتقد عليه، وعذره الواضح في ما بقي، وبذلك سقط ما يخالفه من كلام من دونهم، وسنرى
قال ((روى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: أقلد من كان من القضاة المفتين من الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والعبادلة الثلاثة، ولا أستجيز خلافهم برأيي إلا ثلاثة نفر _ وفي رواية: أقلد جميع الصحابة ولا أستجيز خلافهم برأيي إلا ثلاثة نفر: أنس بن مالك وأبوهريرة وسمرة بن جندب)) فقيل له في ذلك، فقال: أما أنس فاختلط في آخر عمره، وكان يستفتى فيفتي من عقله، وأنا لا أقلد عقله، وأما أبوهريرة فكان يروي كل ما سمع من غير أن يتأمل في المعنى ومن غير أن يعرف الناسخ من المنسوخ))
أقول: عزا أبورية هذه الحكاية إلى مختصر كتاب المؤمل لأبي شامة، وأبوشامة من علماء الشافعية في القرن السابع بينه وبين محمد بن الحسن عدة قرون، ولا ندري من أين أخذ هذا، وقد احتاج العلامة الكوثري في رسالته (الترحيب) ص24 إلى هذه الحكاية، ومع سعة اطلاعه على كتب أصحابه الحنفية وغيرهم لم يجد لها مصدراً إلا مصدر أبي رية هذا. وحكاية مثل هذا عن محمد بن الحسن عن أبي حنيفة لا توجد في كتب الحنفية أي قيمة لها؟
هذا والحكاية لا تتعرض للأحاديث التي يرويها الصحابة، وإنما تتعلق بقول الصحابي الموقوف عليه هل يجوز لمن بعده مخالفته برأيه؟ فحاصلها أن أبا حنيفة يقول إنه لا يخالف قول أحد من الصحابة برأيه سوى أولئك الثلاثة. فأقول: أما أنس فيراجع طليعة التنكيل الطبعة الثانية ص 11و18. وأما أبوهريرة فقوله فيه ((يروى كل ما سمع)) يعني بها كل ما سمعه من الأحاديث، وليس هذا بطعن في روايته ولا هوالمقصود، وإنما هومرتبط بما بعده وهوقوله ((من غير .. .)) والمدار على هذا، يقول: إنه لأجل هذا لا يوثق بما قاله برأيه إذ قد يأخذه من حديث منسوخ ونحوذلك، وسيأتي ما فيه)) [وقال أبورية في حاشية ص334 من أجل ذلك لم يأخذ أبوحنيفة بما جاء عن أبي هريرة وأنس بن مالك وسمرة ... كذا يقول أبورية، فانظر واعتبر!
وفي الحاشية ((قال في مرآة الوصول وشرحها مرقاة الأصول من أصول الحنفية رحمهم الله في بحث الراوي: وهوإن عرف بالرواية فإن كان ففيها تقبل منه الرواية مطلقاً سواء وافق القياس أوخالفه. وإن لم يكن ففيه (كأبي هريرة وأنس) رضي الله عنهما فترد روايته))
أقول: في هذا أمران، الأول أن الصواب ((في مرقاة الوصول وشرحها مرآة الأصول)). الثاني أن مؤدى العبارة على ما نقله أبورية رد رواية أبي هريرة وأنس ونحوهما مطلقاً، لكن تمام العبارة في مصدره ((إن لم يوافق- الحديث الذي رواه - قياساً أصلاً، حتى إن وافق قياساً وخالف قياساً تقبل)) على أن / هذا القول قد رده محققوالحنفية، قال ابن الهمام في التحرير ((وأبوهريرة فقيه)) قال شارحه ابن أمير الحاج 251:2)) لم يعدم شيئاً من أسباب الاجتهاد، وقد أفتى في زمن الصحابة، ولم يكن يفتي في زمنهم إلا مجتهد، وروى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من بين صحابي وتابعي، منهم ابن عباس وجابر وأنس، وهذا هوالصحيح))
ذكر أبورية في الحاشية أن قوله ((يروي كل ما سمع)) إشارة إلى حديث ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما يسمع))
أقول: هذا الحديث عام يشمل ما يسمع مما يعلم أويظن أنه كذب، وأبوهريرة إنما كان يحدث بالعلم، بما يعلم أويعتقد أنه صدق، فأين هذا من ذاك؟
وقال ص17 ((وروى أبويوسف قال قلت لأبي حنيفة: الخبر يجئني عن رسول الله يخالف قياسنا، ما نصنع به؟ فقال: إذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأي. فقلت: ما تقول في رواية أبي بكر وعمر؟ قال: ناهيك بهما. فقلت: وعلي وعثمان، قال: كذلك، فلما رآني أعد الصحابة قال: والصحابة كلهم عدول ما عدا رجالاً - وعد منهم أبا هريرة وأنس بن مالك))
أقول: لم يذكر مصدره. وهذه عادته (الحميدة) في تدليس بلاياه، ثم وجدت مصدره وهوشرح نهج البلاغه لابن أبي الحديد 36:1 عن أبي جعفر الاسكافي فراجع ما تقدم ص19.
ولا ريب أن هذا لا يصح عن أبي يوسف ولا أبي حنيفة، والمعروف عنهما وعن أصحابهما في كتب العقائد والأصول وغيرها ما عليه سائر أهل السنة أن الصحابة كلهم عدول، وإنما يقول بعضهم إن فيهم من ليس بفقيه أومجتهد، قال ابن الهمام في التحرير (( .. . يقسم الراوي الصحابي إلى مجتهد كالأربعة والعبادلة، فيقدم على القياس مطلقاً، وعدل ضابط كأبي هريرة وأنس وسلمان وبلال فيقدم، إلا أن خالف كل الأقيسة على قول عيسى والقاضي أبي زيد .. ... )) ثم قال بعد ذلك ((أبوهريرة مجتهد)) كما تقدم. وغير عيسى وأبي زيد ومن تبعه يرون تقديم الخبر مطلقاً. راجع فواتح الرحموت 145:2
ثم حكى أبورية ما روي عن إبراهيم: ((كان أصحابنا يدعون من حديث أبي هريرة، ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة، كانوا يرون في حديث أبي هريرة شيئاً ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة إلا ما كان من حديث صفة جنة أونار أوحث على عمل صالح أونهى عن شر جاء بالقرءان، دعني من حديث أبي هريرة، إنهم كانوا يتركون كثيراً من حديثه))
128
أقول: ذكر ابن كثير في البداية 19:8 بعض هذه الكلمات عن ابن عساكر، ولم يسق السند بتمامه، وباقيها أخذه أبورية من شرح النهج لابن أبي الحديد 36:1 حكاه ابن أبي الحديد عن الاسكافي، وراجع ص 19، وقد تقدم ص 121 أخذ إبراهيم بحديث أبي هريرة الذي أخبرت عائشة بخلافه فترك أبوهريرة / الإفتاء به وقال ((إنما حدثنيه الفضل بن عباس)) وأخذ به يدل على ثقة بالغة بأبي هريرة وحديثه، ثم إن صحت تلك الكلمات أوبعضها فقوله ((كان أصحابنا)) يريد بهم أشياخه من الكوفيين وإليهم يرجع الضمير في قوله ((كانوا)) وحتى هذه الكلمات- إن صحت عن إبراهيم - أن تنتقد عليه لا على أبي هريرة.
وقد تقدم بيان حال أبي هريرة عند الصحابة وثناؤهم عليه وسماعهم منه وروايتهم عنه، ويأتي لذلك مزيد، وبان سقوط كل ماخالف ذلك من مزاعم أهل البدع وظهرت حجة أبي هريرة فيما انتقده بعضهم عليهم، ثم إن التابعين من أهل الحجاز وعلمائه وهم أبناء علماء الصحابة وتلاميذهم والذين حضروا مناظرتهم لأبي هريرة وعرفوا حقيقة رأيهم فيه أطبقوا هم وعلماء البصرة والشام وسائر الأقطار- سوى ما حكي عن بعض الكوفيين- على الوثوق التام بأبي هريرة وحديثه. وقد كان بين الكوفيين والحجازيين تباعد، والكوفيون نشأوا على الأحاديث التي عرفوها من رواية الصحابة الذين كانوا عندهم، ثم حاولوا تكميل فقههم بالرأي وجروا على مقتضاه، ثم كانوا إذا جاءهم بعد ذلك حديث بخلاف ما قد جروا عليه وألفوه تلكأوا في قبوله وضربوا له الأمثال، وإذ كان أبوهريرة مكثرا كانت الأحاديث التي جاءتهم عنه بخلاف رأيهم أكثر من غيره، فلهذا ثقل على بعضهم بعض حديثه، وساعد على ذلك ما بلغهم أن بعض الصحابة قد انتقد بعض أحاديث أبي هريرة، وقد كان أهل الحجاز أيضاً ينفرون عن الأحاديث التي تأتيهم عن أهل العراق حتى اشتهر قولهم: نزلوا أهل العراق منزلة أهل الكتاب، لا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وعلى كل حال فقد ا نحصر مذهب أهل العراق في أصحاب أبي حنيفة، وقد علمت بأن أبا هريرة عندهم عدل ضابط، واعتراف محققيهم بأنه مع ذلك فقيه مجتهد، والأحاديث التي يخالفونها من مروياته سبيلها سبيل ما يخالفونه من مرويات غيره من الصحابة، والحق أحق أن يتبع، والله الموفق
قال أبورية ص 171 ((وقال أبوجعفر الاسكافي: وأبوهريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي بالرواية))
أقول:
وقد زادني حباً لنفسي أنني ... يفيض إلى كل امرئ غير طائل
قال ((ضربه عمر وقال: أكثرت من الحديث، وأحرى بك أن تكون كاذباً على رسول الله))
أقول: عزاه أبورية إلى شرح النهج لابن أبي الحديد، وقد مر النظر فيه ص 19)) وراجع ص 119
قال: وفي الأحكام للآمدي ((أنكر الصحابة على أبي هريرة كثرة روايته .. ))
أقول: قد فرغنا من هذا
/ قال ((وجرت مسألة المصراة في مجلس الرشيد، فتنازع القوم فيها وعلت أصواتهم، فاحتج بعضهم بالحديث الذي رواه أبوهريرة، فرد بعضهم الحديث وقال: أبوهريرة متهم، ونحا نحوه الرشيد))
أقول: جواب الحكاية في تتمتها التي حذفها أبورية وأخفى المصدر، وقد كنت وقعت عليها بتمامها في تاريخ بغداد أحسب، ولم أهتد إليها الآن، وقد كان يحضر مجلس الرشيد بعض رؤوس البدعة كبشر المريسي
وذكر أبورية كلاما لجولد زيهر اليهودي وغيره من المستشرقين لا شأن لنا به لأننا نعرف هؤلاء، وافتراءهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى القرآن، وراجع ص 72و94و99
وقال أبورية ص 172 ((أخذه عن كعب الأحبار .. ... اليهودي الذي أظهر إسلامه خداعاً وطوى قلبه على يهوديته))
أقول: قد تقدم النظر في حال كعب بما فيه كفاية، وسيلقى المجازف عاقبة تهجمه (ستكتب شهادتهم ويسألون)
ثم ذكر رواية الصحابة عن كعب، وقد تقدم النظر في ذلك ص73و11و115
قال ((ويبدوأن أبا هريرة كان أول الصحابة انخداعا وثقة فيه))
أقول: إنما الثابت أنه حكى عنه شيئاً مما نسبه كعب إلى صحف أهل الكتاب،
وليس في هذا ما يدل على ثقة
قال ((ورواية عنه وعن إخوانه))
أقول: إننا نتحدى أبا رية أن يجمع عشر حكايات مختلفة يثبت أن أبا هريرة رواها عن كعب، فأما إخوانه فعبد الله بن سلام لا يطعن فيه مسلم، وتميم الداري قريب منه، ولعله لا يثبت لأبي هريرة عن كل منهما إلا خبر واحد
وذكر كلاماً من تهويله تعرف قيمته من النظر في شواهده
قال ((فقد روى الذهبي في طبقات الحفاظ في ترجمة أبي هريرة أن كعباً قال فيه، أي في أبي هريرة: ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة. ورواية البيهقي في المدخل من [في كتاب أبي رية ((في))] طريق بكر بن عبد الله عن [فيه ((بن))] أبي رافع أن أبا هريرة لقي كعباً فجعل يحدثه ويسأله، فقال لكعب: ما رأيت رجلاً لم يقرأ التوراة أعلم بما في التوراة من أبي هريرة))
أقول: هي حكاية واحدة. فالذي في كتاب الذهبي ((الطيالسي أخبرنا عمران القطان عن بكر بن عبد الله عن أبي رافع .. ... )) فذكرها. وعمران القطان ضعيف ولا يتحقق سماعه من بكر، وفي القرآن والسنة قصص كثيرة مذكورة في التوراة الموجودة بأيدي أهل الكتاب الآن، فإذا تتبعها أبوهريرة وصار يذكرها لكعب كان ذلك كافياً لأن يقول كعب تلك الكلمة، ففيم التهويل الفارغ؟
13
/ قال ((ومما يدلك على أن هذا الحبر الداهية قد طوى أبا هريرة تحت جناحه حتى جعله يردد كلام هذا الكاهن بالنص ويجعله حديثاً مرفوعاً ما نورد لك شيئاً منه، روى البزار [عن أبي سلمة] عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة. فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال [أبوسلمة]: أحدثك عن رسول الله وتقول: ما ذنبهما؟. وهذا الكلام نفسه قد قاله
كعب بنصه، فقد روى أبويعلى الموصلي قال كعب: يجاء بالشمس والقمر كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم))
أقول: عزاه أبورية إلى حياة الحيوان، وسيأتي ما فيه
قال البخاري في باب صفة الشمس والقمر من بدء الخلق من صحيحه حدثنا مسدد حدثنا عبد العزيز بن المختار حدثنا عبد الله الداناج قال: حدثني أبوسلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الشمس والقمر مكوران يوم القيامة
وفي فتح الباري 214:6 أن البزار والاسماعيلي والخطابي أخرجوه من طريق يونس بن محمد بن عبد العزيز بن المختار، وزادوا بعد كلمة (مكوران): ((في النار))
أما حياة الحيوان للدميري مصدر أبي رية فإنه ذكر أولاً حديث البخاري، ثم حديث البزار وفيه ((ثوران)) كما مر، وظاهر ما في فتح الباري أوصريحه أن الذي في رواية البزار والاسماعيلي والخطابي ((مكوران)) كرواية البخاري لا ((ثوران)) [ثم وجدت بعضهم نقل رواية البزار بلفظ ((ثوران مكوران)) جمع بين الكلمتين] ثم قال الدميري: وروى الحافظ أبويعلى الموصلي من طريق درست بن زياد عن يزيد الرقاشي، وهما ضعيفان، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الشمس والقمر ثوران عقيران في النار، وقال كعب الأحبار: يجاء الشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم ليراهما من عبدهما، كما قال الله تعالى (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) الآية
درست ويزيد تالفان، فالخبر عن أنس وكعب ساقط، مع أنه لم يتبين من القائل ((قال كعب .. ... ))؟ وبهذا يعلم بعض أفاعيل أبي رية فأما المتن كما رواه البخاري
فمعناه في كتاب الله عزوجل، ففي سورة القيامة (وخسف القمر وجمع الشمس والقمر) وفي سورة التكوير (إذا الشمس كورت)
131
وزيادة غير البخاري ((في النار)) يشهد لها قول الله تعالى (98:21 إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) وفي صحيح البخاري وغيره من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً في صفة الحشر: ((ثم ينادي مناد: ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون. فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب / الأوثان مع أوثانهم وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم)) والحديث في صحيح مسلم وفيه ((فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار))
وفي الصحيحين حديث حدث به أبوهريرة، وأبوسعيد حاضر يستمع له فلم يرد عليه شيئاً، إلا كلمة في آخره وفيه ((يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ومن كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت .. ... )) ويوافق ذلك قوله تعالى في فرعون (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار))
وإن صحت كلمة ((ثوران)) أو((ثوران عقيران)) كما في خبر أبي يعلى على سقوط سنده فذلك والله أعلم تمثيل وقد ثبت أن المعاني تمثل يوم القيامة كما يمثل الموت بصورة كبش وغير ذلك، فما بالك بالأجسام؟ ومن الحكمة في تمثيل الشمس والقمر أن عبادهما يعتقدون لهما الحياة، والمشهور بعبادة الناس له من الحيوان العجل فمثلاً من جنسه، وفي الفتح ((قال الإسماعيلي: لا يلزم من جعلها في النار تعذيبهما، فإن لله في النار ملائكة وحجارة وغيرها لتكون لأهل النار عذاباً وآلة من آلات العذاب وما شاء الله من ذلك فلا تكون هي معذبة)) فأنت ترى شهادة القرآن والأحاديث الصحيحة لحديث أبي هريرة، ولم يثبت عن كعب شيء، ولوثبت لكان المعقول أنه هوالآخذ لذلك عن أبي هريرة أوغيره من الصحابة
وقول الحسن لأبي سلمة ((وما ذنبهما)) قد عرفت جوابه، وهويمثل حال أهل العراق في استعجال النظر فيما يشكل عليهم. وجواب أبي سلمة يمثل حال علماء الحجاز في التزام ما يقضي به كمال الإيمان من المسارعة إلى القبول والتسليم ثم يكون النظر بعد، وجوابه وسكوت الحسن يبين مقدار كمال الوثوق من علماء التابعين بأبي هريرة وثقته وإتقانه وأن ما يحكى مما يخالف ذلك إنما هومن اختلاق أهل البدع، وأبوسلمة هوابن عبد الرحمن ابن عوف من كبار أئمة التابعين بالمدينة مكثر الرواية عن الصحابة كأبي قتادة وأبي الدرداء وعائشة وأم سلمة وابن عمر وأبي هريرة، فهومن أعلم الناس بحال أبي هريرة في نفسه وعند سائر الصحابة رضي الله عنهم
132
قال أبورية ص 174 ((وروى الحاكم في المستدرك والطبراني ورجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة أن النبي قال: إن الله أذن لي أن أحدث عن ديك رجلاه في الأرض عنقه مثنية تحت العرش وهويقول: سبحانك ما أعظم شانك، فيرد عليه: ما يعلم ذلك من حلف بي كاذباً، وهذا الحديث من قول كعب الأحبار ونصه: إن لله ديكا عنقه تحت العرش وبراثنه في أسفل الأرض، فإذا صاح صاحت الديكة فيقول: سبحان القدوس الملك الرحمن لا إله غيره))
أقول: عزا هذا إلى نهاية الأرب للنويري، والنويري أديب من أهل القرن السابع، ولا يدرى من أين أخذ هذا، والحديث يروى عن جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة، منهم جابر والعرس بن عميرة وعائشة وثوبان وابن عمر وابن عباس وصفوان بن عسال وأبوهريرة.
ذكر ابن الجوزي حديث جابر والعرس في الموضوعات، وتعقبه السيوطي وذكر رواية الآخرين. راجع اللآلي المصنوعة 32:1. أما عن أبي هريرة فهومن طريق إسرائيل عن معاوية بن إسحاق عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، ومعاوية لم يخرج له مسلم وأخرج له البخاري حديثاً وا حداً متابعة، وقد قال فيه أبوزرعة ((شيخ واه)) ووثقة بعضهم، والمقبري اختلط قبل موته بأربع سنين، ولفظ الخبر مع ذلك مخالف لما نسبه النويري إلى كعب
قال أبورية ((وروى أبوهريرة أن رسول الله قال: النيل وسيحان وجيحان والفرات من أنهار الجنة، وهذا القول نفسه رواه كعب إذ قال: أربعة أنهار وصفها الله عزوجل في الدنيا، فالنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة، وسيحان نهر الماء في الجنة، وجيحان نهر اللبن في الجنة))
أقول: أما حديث ((سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة)) ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً، وذكر القاضي عياض فيه وجهين ثانيهما أنه كتابة أوبشارة عن أن الإيمان يعم بلادها، وتقريبه أنه بحذف مضاف، أي أنهار أهل الجنة وهم المسلمون.
فأما خبر كعب فيروى عن عبد الله بن صالح كاتب الليث- وهومتكلم فيه - فإن صح فإنما أخذ كعب حديث أبي هريرة وزاد فيه ما زاد أخذا من قول الله عزوجل (15:47: مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى)) وكأنه يرى أن في الجنة حقيقة أنهار سميت بأسماء أنهار الدنيا، والله أعلم [ويأتي ص17من كتابي هذا زيادة]
ثم قال أبورية ((وقال ابن كثير في تفسيره إن حديث أبي هريرة في يأجوج ومأجوج ...... لعل أبا هريرة تلقاه من كعب، فإنه كان كثيراً ما كان يجالسه ويحدثه))
أقول: تتمة عبارة ابن كثير ((فحدث به أبوهريرة [عن كعب] فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع فرفعه)) / وفي كلام أبي رية ((وقد روى أحمد هذا الحديث
عن كعب))، وهذا كذب، إنما قال ابن كثير ((لكن هذا (يعني المعنى بل بعضه) قد روى عن كعب .. .... )) وساق بعضه ولم يذكر سنده ولا من أخرجه. وصنيع ابن كثير هنا غير جيد، من أوجه لا أطيل بذكرها
وهذا الحديث مداره على قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة، رواه عن قتادة فيما وقفت عليه ثلاثة: الأول شيبان بن عبد الرحمن في مسند أحمد 523:2. الثاني أبوعوانة في سنن الترمذي ومستدرك الحاكم 488:4 الثالث سعيد بن أبي عروبة في تفسير ابن جرير 16:16 وسنن ابن ماجه ومسند أحمد 532:2
فأما شيبان وأبوعوانة ففي رايتهما (( .. ... قتادة عن أبي رافع))
وأما سعيد فرواه عنه فيما وقفت عليه ثلاثة: الأول يزيد بن زريع عند ابن جرير وفيه أيضاً (( .... قتادة عن أبي رافع)). الثاني عبد الأعلى بن عبد الأعلى عند ابن ماجه وفيه (( .... قتادة قال حدث أبورافع)) هكذا نقله ابن كثير في تفسيره طبعة بولاق 173:6 وطبعة المنار 333:5 ومخطوط مكتبة الحرم المكي، وهكذا في سنن ابن ماجه نسخ مكتبة الحرم المكي المخطوطة وهي أربع، وطبعة عمدة المطابع بدهلى في الهند سنة 1273، ووقع في أربع نسخ مطبوعة هنديتين ومصريتين (( .. .قتادة قال حدثنا أبورافع)) مع أن سياق السند من أوله فيها هكذا ((حدثنا أزهر بن مروان ثنا عبد الأعلى ثنا سعيد عن قتادة .. .. )) فلوكان في الأصل ((قال حدثنا)) لاختصر في الأصول المخطوطة لهذه النسخ الأربع إلى ((ثنا)) كسابقيه في أثناء السند، ولكنه جهل الطابعين، حسبوا أنه لا يقال ((حدث فلان)) وإنما يقال ((حدثنا فلان)) فأصلحوه بزعمهم، وتبع متأخرهم متقدمهم والله المستعان. الثالث روح بن عبادة عند أحمد وفيه (( .. ... قتادة ثنا أبورافع)) وأحسب هذا خطأ من ابن المذهب راوي المسند عن القطيعي عن عبد الله بن أحمد وفي ترجمته من الميزان واللسان قول الذهبي ((الظاهر من ابن المذهب أنه شيخ ليس بمتقن، وكذلك شيخه
ابن مالك، ومن ثم وقع في المسند أشياء غير محكمة المتن ولا الإسناد)) ومن المحتمل أن يكون الخطأ من روح، فإن كلا من يزيد 134
وعبد الأعلى أثبت منه، وقتادة مشهور بالتدليس فلوكان الخبر عند سعيد عنه مصرحاً فيه بالسماع لحرص سعيد على أن يرويه كذلك دائماً بل أطلق أبوداود أن قتادة لم يسمع من أبي رافع، وظاهره أنه لم يسمع منه شيئاً، ولكن نظر فيه ابن حجر، على كل حال فلم يثبت تصريح قتادة في هذا بالسماع فلم يصح الخبر عن أبي رافع، وأبورافع هونفيع البصري مخضرم ثقة لا يظن به أن يخطيء الخطأ الذي أشار إليه ابن كثير، فلوصح الخبر عنه لزم تصحيحه عن أبي هريرة، ولوصح عن أبي هريرة لصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولوصح مع ذلك أن كعباً أخبر بما يشبهه لكان محمله الطبيعي أن كعباً سمع الحديث من أبي هريرة أوغيره من الصحابة فاقتبس منه خبره، لكن الخبر لم يصح عن أبي رافع فلم يصح عن أبي هريرة فلم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ندري ممن سمعه قتادة، والله أعلم
قال أبورية ((وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: إن الله خلق آدم على صورته. وهذا الكلام قد جاء في الإصحاح الأول من التوراة ونصه هناك: وخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه))
أقول: قد علم الجن والإنس أن في الكتاب الموجود بأيدي أهل الكتاب مسمى بالتوراة ما هوحق وما هوباطل وأن في القرآن كثيرا من الحق الذي في التوراة وكذلك في السنة، فإذا كان هذا منه كان ماذا؟ والكلام في معناه معروف [وذكر رواية (على سورة الرحمن) وهذا جاء من حديث ابن عمر، قال ابن حجر في الفتح 133:5 ورجاله ثقات]
وعلق أبورية في الحاشية بذكر ما ورد في سياق الحديث أن طول آدم كان ستين ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص، واستشكال ابن حجر له بما يوجد من مساكن الأمم السالفة
أقول: لم يتحقق بحجة قاطعة كم مضى للجنس البشري منذ خلق آدم؟ وما في التوراة لا يعتمد عليه، وقد يكون خلق ستين ذراعاً فلما أهبط إلى الأرض نقص من طوله دفعة واحدة ليناسب حال الأرض إلا أنه بقي أطول مما عليه الناس الآن بقليل ثم لم يزل ذلك القليل يتناقص في الجملة. والله أعلم وفي فتح الباري 6:6 ((روى ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن أبي بن كعب مرفوعاً: إن الله خلق آدم رجلاً طوالاً كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق))
وقال في حاشية ص 175 ((وأنكر مالك هذا الحديث وحديث إن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة، وأنه .. ... يدخل في النار يده حتى يدخل من أراد إنكاراً شديداً))
135
أقول: لم يذكر أبورية مصدره إن كان له مصدر، والحديث الثالث أحسبه يريد به حديث الصحيحين عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً، وفيه ((فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً)) ومالك رحمه الله يؤمن بهذه الأحاديث ونظائرها الكثيرة في الكتاب والسنة
/ قال ((وحديث كشف الساق من رواية أبي هريرة في الصحيحين .. .))
أقول: هذا كذب، وإنما هوفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري، وله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود، وآخر من حديث أبي موسى، رضي الله عنهم
قال أبورية ص 175 ((ولما ذكر كعب صفة النبي في التوراة قال أبوهريرة في صفته صلى الله عليه وسلم: لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا سخاباً في الأسواق، وهذا من كلام كعب كما أوردناه من قبل))
أقول: ثبتت هذه الفقرة في خبر عبد الله بن عمروبن العاص في صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة، وجاء نحوه عن عبد الله بن سلام وعن كعب كما ص 71. أما أبوهريرة ففي المسند 448:2 من طريق صالح مولى التوأمة وهوضعيف: ((سمعت أبا هريرة ينعت النبي صى الله عليه وسلم فقال:: كان شبح الذراعيين أهدب أشفار العينين بعيد ما بين المنكبين يقبل إذا أقبل جميعاً ويدبر إذا أدبر جميعاً)) زاد بعض الرواة ((بأبي وأمي، لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا سخاباً بالأسواق)) وقد علم أبوهريرة معنى هذه الفقرة يقيناً بالمشاهدة والصحبة، فأي شيء عليه في أخذ لفظها مما ذكره عبد الله بن عمروأوغيره؟
قال ((وروى مسلم عن أبي هريرة: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة .. .)) وقد قال البخاري وابن كثير وغيرهما: إن أبا هريرة قد تلقى هذا الحديث عن كعب الأحبار لأنه يخالف نص القرآن في أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام))
أقول: هذا الخبر رواه جماعة عن ابن جريج قال ((أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال: أخذ .. ... )) وفي الأسماء والصفات للبيهقي ص 176 عن ابن المديني أن هشام بن يوسف رواه عن ابن جريج
وقد ا ستنكر بعض أهل الحديث هذا الخبر، ويمكن تفصيل سببب الاستنكار بأوجه:
الأول أنه لم يذكر خلق السماء، وجعل خلق الأرض في ستة أيام
الثاني أنه جعل الخلق في سبعة أيام
/ والقرآن يبين أن خلق السموات والأرض كان في ستة أيام، أربعة منها للأرض ويومان للسماء
الثالث أنه مخالف للآثار القائلة: إن أول الستة يوم الأحد، وهوالذي تدل عليه أسماء الأيام: الأحد- الاثنان- الثلاثاء- الأربعاء- الخميس
فلهذا حاولوا إعلاله، فأعله ابن المديني بأن إبراهيم بن أبي يحيى قد رواه عن أيوب، قال ابن المديني: ((وما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلا عن إبراهيم ابن أبي يحيى)) انظر الأسماء والصفات ص 276، يعني وإبراهيم مرمي بالكذب فلا يثبت الخبر عن أيوب ولا من فوقه
ويرد على هذا أن إسماعيل بن أمية ثقة عندهم غير مدلس، فلهذا والله أعلم لم يرتض البخاري قول شيخه ابن المديني وأعل الخبر بأمر آخر فإنه ذكر طرفه في ترجمة أيوب من التاريخ 1/ 1/ 413 ثم قال ((وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب. وهوأصح)) ومؤدى صنيعه أن يحدس أن أيوب أخطأ، وهذا الحدس مبني على ثلاثة أمور:
الأول: استنكار الخبر لما أمر. الثاني: أن أيوب ليس بالقوي وهومقل لم يخرج مسلم إلا هذا الحديث لما يعلم من الجمع بين رجال الصحيحين، وتكلم فيه الأزدي ولم ينقل توثيقه عن أحد من الأئمة إلا أن ابن حبان ذكره في ثقاته وشرط ابن حبان في التوثيق فيه تسامح معروف. الثالث الرواية التي أشار إليها بقوله ((وقال بعضهم)) وليته ذكر سندها ومتنها فقد تكون ضعيفة في نفسها وإنما قويت عنده للأمرين الآخرين. ويدل على ضعفها أن المحفوظ عن كعب وعبد الله بن سلام ووهب بن منبه ومن يأخذ عنهم أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد وهوقول أهل الكتاب المذكور في كتبهم وعليه بنوا قولهم في السبت، انظر الأسماء والصفات ص 272و275 وأوائل تاريخ ابن جرير. وفي الدر المنثور 91:3 ((أخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: بدأ الله بخلق السموات والأرض يوم الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، وجعل كل يوم ألف سنة)) وأسنده ابن جرير في أوائل التاريخ 22:1 - الحسينية واقتصر على أوله ((بدأ الله بخلق السموات والأرض يوم الأحد والإثنين)) فهذا يدفع أن يكون ما في الحديث من قول كعب
وأيوب لا بأس به وصنيع ابن المديني يدل على قوته عنده. وقد أخرج له مسلم في صحيحه كما علمت وإن لم يكن حده أن يحتج به في الصحيح. فمدار الشك في هذا الحديث على الاستنكار، وقد يجاب عنه بما يأتي:
137
أما الوجه الأول فيجاب عنه بأن الحديث وإن لم ينص على خلق السماء فقد أشار إليه بذكره في اليوم الخامس النور وفي السادس الدواب وحياة الدواب محتاجة إلى الحرارة، والنور والحرارة مصدرهما/ الأجرام السماوية. والذي فيه أ ن خلق الأرض نفسها كان في أربعة أيام كما في القرآن، والقرآن إذ ذكر خلق الأرض في أربعة أيام، لم يذكر ما يدل على أن جملة ذلك خلق النور والدواب، وإذ ذكر خلق السماء في يومين لم يذكر ما يدل على أنه في أثناء ذلك لم يحدث في الأرض شيئاً، والمعقول أنها بعد تمام خلقها أخذت في التطور بما أودعه الله تعالى فيها. والله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن
ويجاب عن الوجه الثاني بأنه ليس في هذا الحديث أنه خلق في اليوم السابع غير آدم، وليس في القرآن ما يدل على أن خلق آدم كان في الأيام الستة بل هذا معلوم البطلان. وفي آيات خلق آدم أوائل البقرة وبعض الآثار ما يؤخذ منه أنه قد كان في الأرض عمار قبل آدم عاشوا فيها دهراً فهذا يساعد القول بأن خلق آدم متأخر بمدة عن خلق السموات والأرض
فتدبر الآيات والحديث على ضوء هذا البيان يتضح لك إن شاء الله أن دعوى
مخالفة هذا الحديث لظاهر القرآن قد اندفعت ولله الحمد
وأما الوجه الثالث فالآثار القائلة أن ابتداء الخلق يوم الأحد ما كان منها مرفوعاً فهوأضعف من هذا الحديث بكثير، وأما غير المرفوع فعامته من قول عبد الله بن سلام وكعب ووهب ومن يأخذ عن الاسرائيليات. وتسمية الأيام كانت قبل الإسلام تقليداً لأهل الكتاب، فجاء الإسلام وقد اشتهرت وانتشرت فلم ير ضرورة إلى تغييرها، لأن إقرار الأسماء التي قد عرفت واشتهرت وانتشرت لا يعد اعترافاً بمناسبتها لما أخذت منه أوبنيت عليه، إذ قد أصحبت لا تدل على ذلك وإنما تدل على مسمياتها فحسب، ولأن القضية ليست مما يجب اعتقاده أويتعلق به نفسه حكم شرعي، فلم تستحق أن يحتاط لها بتغيير ما اشتهر وانتشر من تسمية الأيام
وقد ذكر السهيلي في الروض الأنف 271:1 هذه القضية وانتصر لقول ابن إسحاق وغيره الموافق لهذا الحديث حتى قال ((والعجب من الطبري على تبحره في العلم كيف خالف مقتضى هذا الحديث وأعنق في الرد على ابن إسحاق وغيره ومال إلى قول اليهود إن الأحد هوالأول .. .. ))
138
وفي بقية كلامه لطائف: منها إن تلك التسمية خصت خمسة أيام لم يأت في القرآن منها شيء، وجاء فيه اسما اليومين الباقيين- الجمعة والسبت- لأنه لا تعلق لها بتلك التسمية المدخولة
ومنها أنه على مقتضى الحديث يكون الجمعة سابعاً وهووتر مناسب لفضل الجمعة كما ورد ((إن الله وتر يحب الوتر)) ويضاف إلى هذا يوم الإثنين فإنه على هذا الحديث يكون الثالث وهوالمناسب لفضله، وفي الصحيح: ((فيه ولدت وفيه أنزل علي)) فأما الخميس فإنما ورد فضل صومه وقد يوجه ذلك بأنه لما امتنع صوم اليوم الفاضل وهوالجمعة لأنه عيد الأسبوع عوض عنه بصوم اليوم الذي قبله، وفي
ذلك ما يقوي شبه الجمعة بالعيد، وفي الصحيحين في حديث الجمعة ((نحن الآخرون السابقون .. .)) والمناسب أن يكون اليوم الذي للآخرين هوآخر الآيام
هذا وفي البداية لابن كثير 71:1 ((وقد رواه النسائي في التفسير عن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني عن محمد بن الصباح عن أبي عبيدة الحداد عن الأخضر بن عجلان عن ابن جريج عن عطاء عن ابن أبي رباح عن أبي هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيدي فقال: يا أبا هريرة إن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت)) وذكر بتمامه بنحوه. فقد اختلف على ابن جريج))
أقول: في صحة هذه الرواية عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح نظر لا أطيل ببيانه، فمن أحب التحقيق فليراجع تهذيب التهذيب 213:7 وفتح الباري 511:8 ومقدمته ص 373 وترجمتي أخضر وعثمان بن عطاء من الميزان وغيره. والله الموفق
ثم قال أبورية ((ومن العجيب أن أبا هريرة قد صرح في هذا الحديث بسماعه من النبي صلى الله عيه وسلم وأنه قد أخذ بيده حين حدثه به. وإني لأتحدى الذين يزعمون في بلادنا أنهم على شيء من علم الحديث وجميع من هم على شاكلتهم في غير بلادنا أن يحلوا لنا هذا المشكل، وأن يخرجوا بعلمهم الواسع شيخهم من الهوة التي سقط فيها .. .. ))
أقول: لم يقع شيخنا رضي الله عنه في هوة، ولا قال أحد من أهل العلم إنه وقع فيها، أما إذا بنينا على صحة الحديث عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهوالحق إن شاء الله فواضح، وأما على ما زعمه ابن المديني فلم يصح عن أبي هريرة ولا عمن روى عنه ولا عن الثالث شيء من هذا، لا قوله ((أخذ رسول الله بيدي فقال)) ولا قوله ((خلق الله التربة .. .))
139
وأما على حدس البخاري فحاصله أن أيوب غلط، وقع له عن أبي هريرة خبران، أ حدهما ((أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال)) فذكر حديثاً صحيحاً غير هذا. والثاني ((قال كعب: خلق الله التربة يوم السبت .. .)) فالتس المقولان على أيوب فجعل مقول كعب موضع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم ص 117 وقول بسر بن سعيد أنه سمع بعض من كان معهم في مجلس أبي هريرة ((يجعل ما قاله كعب عن رسول الله، وما قاله رسول الله عن كعب))
أما البيهقي فلم يقل شيئاً من عنده إنما قال ((زعم بعضهم أن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى .. .. )) فذكر قول ابن المديني
وأما ابن كثير فإنما قال ((فكأن هذا الحديث مما تلقاه أبوهريرة عن كعب عن صحفه فوهم بعض الرواه فجعله مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأكد رفعه بقوله: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي)) فابن كثير جعل هذه الجملة من زيادة الراوي الواهم ((وهوأيوب في حدس البخاري) وهذا أيضاً لا يمس أبا هريرة، ولكن الصواب ما تقدم
ثم قال أبورية ص 176 ((وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحر ب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحببته فكنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها .. . وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته)) [في كتاب أبي رية إساءته]
14
أقول: هذا الخبر نظر فيه الذهبي في ترجمة خالد بن مخلد من الميزا ن وابن حجر في الفتح 92:11: لأنه لم يروعن أبي هريرة إلا بهذا السند الواحد: محمد بن عثمان
ابن كرامه، [رواه عن محمد بن عثمان جماعة منهم البخاري] حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان بن بلال، حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء عن أبي هريرة)) ومثل هذا التفرد يريب في صحة الحديث مع أن خالداً له مناكير وشريكاً فيه مقال. وقد جاء الحديث بأسانيد فيها ضعف من حديث علي ومعاذ وحذيفة وعائشة وابن عباس وأنس. فقد يكون وقع خطأ لخالد أوشريك، سمع المتن من بعض تلك الأوجه الأخرى المروية عن علي أوغيره ممن سلف ذكره، وسمع حديثاً آخر بهذا السند ثم التبسا عليه فغلط، روى هذا المتن بسند الحديث الآخر. فإن كان الواقع هكذا فلم يحدث أبوهريرة بهذا، / وإلا فهوجملة من الأحاديث التي تحتاج ككثير من آيات القرآن إلى تفسير، وقد فسره أهل العلم بما تجده في الفتح وفي الأسماء والصفات ص 345 - 348 وقد أومأ البخاري إلى حاله فلم يخرجه إلا في باب التواضع من كتاب الرقاق
قال أبورية ((ومن له حاسة شم الحديث يجد في هذا الحديث رائحة إسرائيلية))
أقول: قد علمنا أن كلام الأنبياء كله حق من مشكاة واحدة، وأن الرب الذي أوحى إلى أنبياء بني إسرائيل هوالذي أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم. ولوجاز الحكم بالرائحة لما ساغ أدنى تشكك في حكم البخاري لأنه أعرف الناس برائحة الحديث النبوي، وبالنسبة إليه يكون أبورية اخشم فاقد الشم أوفاسده
وعلق في الحاشية أيضاً ((يبدوأن أستاذ أبي هريرة في هذا الحديث هووهب بن منبه، فقد وقع في الحلية في ترجمة هذا .. إني لأجد في كتب الأنبياء أن الله تعالى يقول: ما ترددت عن شيء قط ترددي عن قبض روح المؤمن))
أقول: في سنده من لم أعرفه، وقد ذكروا أن وهباً روى عن أبي هريرة، ولم يذكروا أن أبا هريرة حكى شيئاً عن وهب، ووهب صغير إنما ولد في أواخر خلافة عثمان، وإن صح حديث البخاري عن أبي هريرة فالمعقول إن كان أحدهما أخذ عن الآخر أن يكون وهب أخذه عن أبي هريرة أوبلغه عنه. ووهب مع صغره مولود في الإسلام من أبوين مسلمين فتوسعه في قراءة كتب الأوائل إ نما يكون في كبره بعد وفاة أبي هريرة بمدة. وهذا تنازل مني إلى عقل أبي رية وأشباهه، فأما الحقيقة فمكانة أبي هريرة رضي الله عنه أعلى وأشمخ وأثبت وأرسخ من أن يحتاج للدافع عنه إل مثل ما ذكرت
ثم قال أبورية ص 177 ((وقد بلغ من دهاء كعب الأحبار واستغلاله لسذاجة أبي هريرة وغفلته أن كان يلقنه ما يريد بثه في الدين الإسلامي من خرافات وترهات، حتى إذا رواها أبوهريرة عاد فصدق أبا هريرة .. .. وإليك مثلاً من ذلك .. ... روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، اقرأوا ما شئتم (وظل ممدود). ولم يكد أبوهريرة يروي هذا الحديث حتى أسرع كعب فقال: صدق، والذي أنزل التوراة على موسى والفرقان على محمد .. .. ومن العجيب أن يروي هذا الخبر الغريب وهب بن منبه .. ))
141
أقول: عزا أبورية هذا إلى تفسير ابن كثير 513:4 - 514 كذباً، وأبدله في التصويبات 289:4، وهوكذب أيضاً، وإنما ذكر ابن كثير الحديث وما يتعلق به 187:8 - 189، ذكره من حديث أربعة/ من الصحابة ثلاثةفي الصحيحين أبوهريرة وأبوسعيد الخدري وسهل بن سعد، وواحد في صحيح البخاري فقط وهوأنس، قال ابن كثير ((فهذا حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل متواتر مقطوع بصحته عند أئمة الحديث)) ولم أجد هناك ذكرا لوهب، إنما ذكر ابن كثير أثرا ً عن ابن عباس بمعنى الحديث وفيه زيادة، وقال هذا أثر غريب إسناده جيد قوي حسن)) وأين ابن عباس من وهب بن منبه؟ (فاعتبروا يا أولي الأبصار)
ثم قال أبورية ((ضعف ذاكرته: كان أبوهريرة يذكر عن نفسه أنه كان كثير النسيان لا تكاد ذاكرته تمسك شيئاً مما سمعه، ثم زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له فأصبح لا ينسى شيئاً يصل إلى أذنه، وقد ذكر ذلك كي يسوغ كثرة أحاديثه ويثبت في أذهان السامعين صحة ما يرويه))
أقول: في باب ما جاء في الغرس في صحيح البخاري من طريق الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة (( .. ... وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أفضي مقالتي هذه ثم يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي شيئاً أبداً. فبسطت نمرة .. .. ثم جمعتها إلى صدري، فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا)) هذه الرواية صريحة في اختصاص عدم النسيان بما حدث به النبي صلى الله عليه وسلم في ذاك المجلس
وفي باب الحجة على من قال الخ من كتاب الاعتصام من صحيح البخاري أيضاً من طريق الزهري عن الأعرج أيضاً عن أبي هريرة (( .. .. وقال: من يبسط رداءه حتى أفضي مقالتي ثم يقبضه فإنه لن ينسى شيئاً سمعه مني. فبسطت بردة كانت علي فوالذي بعثه بالحق ما نسيت شيئاً سمعته منه))
في هذه الرواية إطلاق، ولكن السياق ونص الرواية الأولى يقضي بالتقييد
وفي أوائل البيوع من صحيح البخاري أيضاً من طريق الزهري عن ابن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة (( .. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث يحدثه: إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أفضي مقالتي هذه ثم يجمع ثوبه إلا وعى ما أقول: فبسطت نمرة علي حتى إذا قضى رسول الله مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله تلك من شيء))
وهذه الرواية صريحة في الاختصاص أيضاً
وفي باب حفظ العلم من صحيح البخاري أيضاً من طريق ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة: قلت يا رسول الله إني أسمع منك حديثاً كثيراً أنساه. قال: ابسط رداءك، قال فبسطته، قال فغرف بيديه/ ثم قال: ضم. فضممت، فما نسيت شيئاً بعد))
هذه الرواية تصف فيما يظهر واقعة أخرى، فكأن أبا هريرة لما استفاد من الواقعة الأولى حفظ المقالة التي حدث بها النبي صلى الله عليه وسلم في ذاك المجلس على وجهها رغب في المزيد فقال للنبي صلى الله عليه وسلم ((إني أسمع منك حديثاً كثيراً أنساه)) وهذا القول لا يقتضى كما لا يخفى نسيان كل ما يسمع ولا نسيان المقالة التي تقدم خبرها. على أن المنهوم قد يحمله حرصه على المبالغة في الشكوى. وتقدم ص 1 ذكر شهادة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة بأنه أحرص الصحابة على العلم، وقد تقدم ص15 ما يتعلق بذلك، وليس في هذه الرواية ذكر نص عن النبي صلى الله عليه وسلم بعدم النسيان لشيء بعد ذلك، وإنما فيها قول أبي هريرة فما نسيت شيئاً بعد)) يعني شيئاً من الحديث لأن الشكوى إنما كانت من نسيانه، وهذه الكلمة بناها على اعتقاده حين قالها فلا يمتنع أن نسي بعد ذلك شيئاً من الحديث أوأن يتبين أنه قد كان نسي ولم يستحضر ذلك
ثم قال أبورية ص 178 ((روى مسلم عن الأعرج قال: سمعت أبا هريرة يقول: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله، والله الموعد، كنت رجلاً مسكيناً أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فقال رسول الله: من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئاً سمعه مني. فبسطت ثوبي حتى قضى حديثه ثم ضممته إلى فما نسيت شيئاً سمعته منه
قال مسلم: إن مالكاً انتهى حديثه عند انقضاء قول أبي هريرة. ولم يذكر في حديثه الرواية عن النبي: من يبسط ثوبه الخ. ولا ريب في أن رواية مالك هي الصحيحة لأن الكلام بعد ذلك مفكك الأوصال، ولا صلة بينه وبين الذي قبله))
أقول: كلمة أبي رية الأخيرة ((لا ريب أن رواية مالك هي الصحيحة)) تعطي أن الصحيح عن أبي هريرة هوما اقتصر عليه مالك فقط، ولا يخفى أن هذا يناقض قول أبي رية سابقاً ((ثم زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له)) ويناقض كلامه الآتي ((على أن هذه الذاكرة .. .. )) فكلام أبي رية متناقض حتماً، لا مفكك الأوصال فحسب، أما زعمه أن الخبر بتلك الزيادة مفكك الأوصال لا صلة بينه وبين الذي قبله)) فإنما جاء ذلك من اختيار أبي رية للفظ مسلم، والخبر في مواضع من صحيح البخاري مرت الإشارة إليها، وسياقه هناك سليم
/ ثم قال أبورية ((على أن هذه الذاكرة .. .. قد خانته في مواضع كثيرة، وإن ثوبه الذي بسطه قد تمزق لتناثر ما كان بين أطرافه، وإليك أمثلة من ذلك. روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي قال: لا عدوى ولا طيرةولا هامة. وقد روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة، ولكن الصحابة عملوا بما يخالفه، فقد روى البخاري عن أسامة بن زيد أن رسول الله قال: إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها. وقد جاء الحديث كذلك عن عبد الرحمن بن عوف. ولما سمع عمر هذين الحديثين وحديث لا يوردن ممرض على مصح- وهومما رواه أبوهريرة- وكان قد خرج إلى الشام ووجد الوباء عاد بمن معه، وقد اضطر أبوهريرة إزاء هذه الأخبار القوية إلى أن يعترف بنسيانه، ثم أنكر روايته الأولى، وفي رواية أنس: قال الحارث بن [أبي] ذباب ابن عم أبي هريرة، قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع حديث لا يوردن ممرض على مصح الخ حديث لا عدوى، فأنكر معرفته لذلك، ووقع عند الإسماعيلي من رواية شعيب: فقال الحارث ابن عم أبي هريرة: إنك حدثتنا، فأنكر أبوهريرة وغضب، وقال: لم أحدثك ما تقول))
أقول: ها هنا أمور تبين لنا تهور أبي رية ومجازفته:
الأول: حديث ((لا عدوى)) لم ينفرد به أبوهريرة، بل هوفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر وأنس، وفي صحيح مسلم وغيره من حديث جابر
الثاني: أن عمل الصحابة ليس مخالفاً له، وقد جمع بينهما أهل العلم بما هومعروف، ولبعض العصريين قول سأحكيه لينظر فيه. زعم أن العرب كانوا يعتقدون أن العدوى تحصل بالمجاورة وحدها بدون سبب آخر، حتى لوكان في شعر امرأة وثيابها قمل كثير فقامت إلى جانبها امرأة أخرى ثم بعد أيام قمل شعر الأخرى وثيابها لما سموا هذا عدوى، لأنهم يعرفون أنه لم يكن للمجاورة نفسها وإنما دب الفعل من تلك إلى هذه ثم تكاثر، قال وحديثا ((لا يورد ممرض على مصح)) و((فر من المجذوم فراراك من الأسد)) يفيدان انتقال الجرب والجذام، وقد ثبت أنه لا يكون بالمجاورة نفسها وإنما يكون بانتقال ديدان صغيرة جداً من هذا إلى ذاك فهومن قبيل انتقال القمل وليس من العدوى بالمعنى الذي كانوا يعتقدون
الثالث: أن المنقول أن عمر رجع لخبر عبد الرحمن بن عوف وحده، ولم ينقل أن عمر يخبر أسامة ولا خبر ((لا يورد ممرض على مصح)) كما زعم أبورية
الرابع: أن الخبر في الطاعون استفاض في عهد عمر، وبقي أبوهريرة يحدث بحديث ((لا عدوى)) زمانا بعد ذلك، حتى سمعه منه أبوسلمة وغيره ممن لم يدرك عمر
الخامس: قول أبي رية ((وقد اضطر .. .... )) يعطي أن أبا هريرة لم ينس الحديث، فما معنى قوله بعد ذلك ((وأن يعترف بنسيانه)) مع إيراده القصة شاهداً على النسيان كما زعم؟
السادس: لم يأت أبورية بدليل ولا شبه دليل على دعواه أن أبا هريرة اعترف بأنه نسي
السابع: اختلف الرواة عن الزهري في حكاية القصة، وأحسنهم سياقاً يونس بن يزيد الأيلي، وقد شهد له ابن المبارك بأن كتابه صحيح وأنه كتب حديث الزهري على الوجه، أي كما تلفظ به الزهري، وفي روايته في صحيح مسلم بعد كلام الحارث ((فأبى أبوهريرة أن يعرف ذلك وقال: لا يورد ممرض على مصح. فماراه الحارث في ذلك حتى غضب أبوهريرة فرطن بالحبشية فقال للحارث: أتدري ماذا قلت؟ قال: لا قال أبوهريرة: قلت: أبيت. قال أبوسلمة: ولعمري لقد كان أبوهريرة يحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا عدوى. فلا أدري نسي أبوهريرة أم نسخ أحد القولين الآخر))؟
145
ولوصرح أبوهريرة بنفي أن يكون حدثهم من قبل لجزم أبوسلمة بالنسيان، [فأما ما في صحيح البخاري عن أبي سلمة فما رأيته نسي حديثاً غيره فليس هذا جزماً بالنسيان لهذا الحديث، وإنما استثناه لأجل احتماله النسيان كما بينته الرواية الأخرى، وهذه شهادة عظيمة لأبي هريرة لجلالة أبي سلمة وطول ملازمته لأبي هريرة] لكن لما سكت أبا هريرة عن الحديث وامتنع أن يجيبهم سألوه وغضب وقال: أبيت، فهم بعض الرواة من ذلك إنكاره، فعبر بعضهم عن قول أبي سلمة ((فأبى أبوهريرة أن يعرف ذلك)) بقوله ((أنكر أبوهريرة الحديث الأول)) ولا يخفى الفرق، فقوله ((أبى أن يعرف)) إنما معناه: امتنع أن يقول: نعم قد عرفت. وهذا الامتناع لا يفهم منه الإخبار بنفي المعرفة. ثم جاء بعض من بعدهم فعبر عن الإنكار بنسبته أبي هريرة أنه قال ((لم أحدثك)) كما وقع عند الإسماعيلي من طريق شعيب ولا أدري ما سنده؟ وأصل حديث شعبة عند مسلم لكن لم يسق لفظه، وعند الطحاوي في مشكل الآثار 262:2 وليس فيه هذه الكلمة، وكأن أبا هريرة حدث بالحدثين مرة، فتشكك بعض الناس في الجمع بينهما فرأى أبوهريرة أن التحديث بهما مظنة أن يقع لبعض الناس ارتياب أوتكذيب فاختار الاقتصار على أحدهما وهوالذي يتعلق به حكم عملي: ((لا يورد ممرض على مصح)) وسكت على الآخر وود أن لا يكون حدث به قبل ذلك، فلما/ سئل عنه أبى أن يعترف به راجياً أن يكون في ذلك الإباء ما يمنع الذين كانوا سمعوا منه أن يحدثوا به عنه
وذكر أبورية ص179 قصة ذي اليدين وقال ((في رواية البخاري أنها صلاة العصر، وفي رواية النسائي ما يشهد أن الشك كان من أبي هريرة وهذا لفظه: صلى النبي إحدى صلاتي العشي ولكني نسيت))
أقول الحديث عند النسائي من طريق ((ابن عون عن محمد بن سيرين قال: قال أبوهريرة. صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي. قال قال أبوهريرة: ولكني نسيت .. ... )) وهوفي صحيح البخاري في كتاب المساجد، باب تشبيك الأصابع الخ من طريق ((ابن عون عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي. قال ابن سيرين قد سماها أبوهريرة ولكني نسيت أنا .. . وكلتا الروايتين من طريق ابن عون عن ابن سيرين. فإن رجحنا رواية الصحيح فذاك وإلا فلا يتم الاستشهاد مع التعارض. على أ ن النسيان هنا لا أثر له، فإن ذلك الحكم إذ ثبت لأحدى الصلاتين ثبت للأخرى إجماعاً
قال أبورية ((ولما روى أن رسول الله قال: لأن يمتليء جوف أحدكم قيحاً ودما خير من أن يمتليء شعراً، قالت عائشة: لم يحفظ، إنما قال .... من أن يمتليء شعراً هجيت به))
أقول: قال الله تبارك وتعالى (والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون مالا يفعلون، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا) الآية
وقال البخاري في صحيحه ((باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء الخ))
وذكر أحاديث، ثم قال ((باب هجاء المشركين)) وذكر أحاديث، ثم قال باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن)) وأخرج فيه حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ((لأن يمتليء جوف أحدكم قيحاً خيراً له من أن يمتليء شعراً)) ومن حديث أبي هريرة، ((لأن يمتليء جوف رجلاً قيحاً يريه خير من أن يمتليء شعراً))، وأخرج مسلم في صحيحه حديث أبي هريرة ثم أخرج مثله من حديث سعد ابن أبي وقاص، ثم من حديث أبي سعيد الخدري مثله بدون كلمة ((يريه)) وقد جاء الحديث في غير الصحيحين عن غير هؤلاء من الصحابة.
وأما ما ذكره أبورية عن عائشة فهومن رواية الكلبي وهوكذاب، عن أبي صالح مولى أم هانئ وهوواه. والإناء إذا امتلأ بشيء لم يبق فيه متسع لغيره، فمن امتلأ جوفه شعراً امتنع أن يكون ممن استثني في الآية ووصف بقوله ((وذكروا الله كثيراً)) وهذا بحمد الله واضح. وقد علق أبورية في الحاشية ما لاحاجة بنا بعد ما مر إلى النظر فيه
146
/ ثم قال أبورية ص 18 ((ومن عجيب أمر الذين يثقون بأبي هريرة ثقة عمياء أنهم يمنعون السهووالنسيان عنه، ولا يتحرجون من أن ينسبوهما إلى النبي صلوات الله عليه .. .... ))
أقول: لم يمنع أحد أن يسهوأبوهريرة أوينسى، ولكننا تصديقا للنبي صلى الله عليه وسلم وإيماناً به وببركة دعائه نقول: إن أبا هريرة لم ينس شيئاً من المقالة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لن ينسى منها شيئاً وأنه فيما عداها من الحديث كان من أحفظ الناس له ومن الناس من فهم أن خبر النبي صلى الله عليه وسلم بعدم النسيان يعم ما سمعه أبوهريرة منه في مجلسه ذلك وبعده وقد مر النظر في ذلك. والخير والفضل والكمال في ذلك كله عائد إلى الله ورسوله، فأما ما عدا الحديث فلم يقل أحد إن أبا هريرة لا يسهوولا ينسى.
ثم قال ص 181 (( .. .... فلم لم يحفظ القرآن))
أقول: ومن أين لك أنه لم يحفظه؟ غاية الأمر أنه لم يذكر فيمن جمع القرآن في العهد النبوي، والذين ذكروا أفراد قليلون ليسوا من كبار الصحابة. وأبوهريرة من أئمة القراءات وهوفيها أشهر شيخ للأعرج ولأبي جعفر القارئ. وهما أشهر شيوخ نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم أشهر القراء السبعة، وبهذا علم حفظه للقرآن وإتقانه. انظر ترجمته في طبقات القراء رقم 1574
قال ((وكذلك لوكان أبوهريرة قد بلغ هذه الدرجة .. . وهي عدم السهووالنسيان لاشتهر ...... ))
أقول: قد علمت أن المتحقق هوأنه لم ينس ما حدث به النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس خاص قد مر بيانه، وكان فيما عدا ذلك من أحفظهم، وهذا لا يرد عليه شيء مما ذكر أبورية
قال ص 182 ((ولكن الأمر قد جرى على غير ذلك .. .. ))
أقول: أعاد أشياء قد تقدم النظر فيها، ويأتي باقيها
ثم قال ((حفظ الوعاءين. أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: حفظت عن رسول الله وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلوبثثته لقطع هذا البلعوم. وهذا الحديث معارض بحديث .. . عن علي رضي الله عنه فقد سئل: هل عندكم كتاب؟ فقال: لا إلا كتاب الله .. ... أوما في هذه الصحيفة. وكذلك يعارضه ما رواه البخاري عن عبد العزيز بن رفيع قال: دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس، فقال له شداد: أترك النبي صلى الله عليه وسلم من شيء؟ فقال: ما ترك إلا مابين الدفتين، ولوكان هناك شيء يؤثر به النبي صلى الله عليه وسلم أحد خواصه .. .. ))
/ أقول: المنفي في خبري علي وابن عباس هوكتاب مكتوب غير القرآن، ولهذا استثنى علي صحيفته، ولم يقصد أبوهريرة ولا فهم أحد من كلامه أن عنده كتابين
أوكتاباً واحداً، وإنما قصد وفهم الناس عنه أنه حفظ ضربين من الأحاديث: ضرب يتعلق بالأحكام ونحوها مما لا يخاف هوولا مثله من روايته. وضرب يتعلق بالفتن وذم بعض الناس، وكل أحد من الصحابة كان عنده من هذا هذا، وكانوا يرغبون عن إظهار ما هومن الضرب الثاني، وقد ذكر أبورية حذيفة وعلمه بالفتن، وكان ربما حدث منه بالحرف بعد الحرف فينكره عليه إخوانه كسلمان وغيره
وقال ص 184 ((ومن هوأبوهريرة؟ فلا هومن السابقين الأولين، ولا المهاجرين))
أقول: قدمت 13 القول بأنه أسام في بلده قبل الهجرة، وبهذا يكون من السابقين إلى الإسلام، ولم يثبت ما يخالف ذلك. فأما من قال: أسلم عام خيبر، فإنما أراد هجرته وقد ثبت في خبر هجرته أنه قدم مسلماً، فأما الهجرة فهومهاجر حتماً وإن لم يكن من قريش ولا من أهل مكة، وإنما أسلمت قبيلته بعد أن هاجر بمدة، فقد ثبت أنه وجد النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر عقب الوقعة، وثبت من شعر كعب بن مالك قوله قبيل غزوة الطائف، وذلك بعد خيبر بمدة:
قضينا من تهامة كل ريب ... وخيبر ثم أجمعنا السيوفا
نخيرها ولونطقت لقالت ... قواقطعهن دوسا أوثقيفا
قال ((ولا من المجاهدين بأموالهم ولا بأنفسهم))
أقول: بل هومنهم، فقد غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم غزواته بعد خيبر
وعلق أبورية في الحاشية ((أثبت التاريخ أنه فر يوم مؤته، ولما عبروه بذلك لم يحر جواباً))
أقول: لقي المسلمون عدوهم بمؤتة وكان عندهم أكثر من نيف وثلاثين ضعفاً فكان القتال، ثم انحاز خالد بن الوليد بالمسلمين ورجع بهم فكان بعض الناس يصيح
فيهم: يا فرار، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: بل هم الكرار إن شاء الله تعالى
قال ((ولا .. . ولا من المفتين))
أقول: بل هومن المفتين بلا نزاع، غير أنه لم يمكن من المكثرين لأنه كان يتوقى ويحب أن يكفيه الفتوى غيره كما تقدم ص 123. وفي فتوح البلدان ص 92 - 93: [ذكره عن أبي محنف والهيثم.، وليس ذلك بحجة، ولكنه يستأنس به حيث لا مخالف له] إن عمر لما ولى قدامة بن مظعون إمارة البحرين بعث معه أبا هريرة على القضاء والصلاة، ثم ولاه الإمارة أيضاً، فترك عمر تولية قدامة القضاء والصلاة مع أنه من السابقين وأهل بدر، وتوليته ذلك أبا هريرة شهادة فا طمة بأن أبا هريرة من علماء الصحابة، وأنه أعلم من بعض السابقين البدريين
148
قال ص 15 ((ولا من القراء الذين حفظوا القرآن))
/ أقول: قد تقدم رد هذا آنفاً ص 146
قال ((ولا جاء في فضله حديث عن الرسول)) وعلق عليه ((روى البخاري وغيره .. . في فضل طائفة كبيرة من أجلاء الصحابة لم نر فيهم أبا هريرة))
أقول: نعم، لم يعقد البخاري لذكر أبي هريرة باباً في فضل الصحابة، لكن عنده في كتاب العلم أبواب تخص أبا هريرة كباب حفظ العلم وباب الحرص على العلم وغيره ذلك، وله باب في صحيح مسلم في كتاب فضائل الصحابة، وكذا في السنن والمستدرك وغيرها. وقد مضى أثناء الترجمة أشياء من فضائله ويأتي غيرها
وقال ص 185 ((تشيع أبي هريرة لبني أمية))
أقول: أسرف أبورية في هذا الفصل سباً وتحقيراً وتهما فارغة، وبحسبى أن أقول: قد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث العلاء بن الحضرمي على البحرين أصحبه أبا هريرة وأوصاه به خيراً. [يأتي تحقيقه فيما بعد] ومن ثم أخذت حال أبي هريرة المالية تتحسن، ولم يتحقق لي متى رجع، وبعد وفاة العلاء بن
الحضرمي استعمل عمر مكانه أبا هريرة، [يأتي تحقيقه فيما بعد] وقدم أبوهريرة مرة على عمر بخمسمائة ألف لبيت المال فأخبره فاستكثر ذلك ولم يكد يصدق، وقدم مرة - لا أدري هذه أم بعدها- بمال كثير لبيت المال وقدم لنفسه بعشرة آلاف، [أوعشرين ألفاً كما يأتي بعد] وثبت عن ابن سيرين أن عمر سأل أبا هريرة فأخبره فأغلظ له عمر وقال: فمن أين لك؟ فقال: خيل نتجت وغلة رقيق لي وأعطيه تتابعت علي [وفي رواية في طبقات ابن سعد 4/ 2/59 وفتوح البلدان ص93 ((ولكن خيلاً تناجت وسهاما اجتمعت)) يريد سهامه من المغانم لأنه كان مع العلاء بن الحضرمي في فتوحه] قال ابن سيرين ((فنظروا فوجدوه كما قال. فلما كان بعد ذلك دعا عمر ليستعمله فأبى أن يعمل له، فقال له: تكره العمل وقد طلبه من كان خيراً منك؟ طلبه يوسف عليه السلام. فقال: إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي وأنا أبوهريرة .. .)) انظر البداية 113:8 وابن سيرين من خيار أئمة التابعين، والسند إليه بغاية الصحة. قال ابن كثير ((وذكر غيره أن عمر غرمه)) وسيأتي ذلك. فمن كان له في عهد عمر خيل تناتج ورقيق يغل مع عطائه في بيت المال كغيره من الصحابة، ومع ما كان الأئمة يتعهدون به الصحابة من الأموال زيادة عل المقرر كل سنة بحسب توفر المال في بيت المال، أقول: من كانت هذه حالة كيف يسوغ أن يقال له إنه إنما تمول في عهد بني أمية؟ ويزعم أبورية- من وحي شيطانه- أن بني أمية أقطعوا أبا هريرة 149
وبنوا مسكنه بالعقيق وبذي الحليفة ويجعله أبورية قصوراً وأراضي، وأعجب من ذلك زعمه أنهم زوجوه ابنة غزوان، وينعى على أبي هريرة أنه / كان ممن نصر عثمان (وتلك شكاة ظاهر عنك عارها)) ويزعم أنه مال إل معاوية، وهذه من وحي الشياطين وتقولات الرافضة والقصاصين، ولا نثبت لأبي هريرة صلة بمعاوية إلا أنه وفد إليه بعد استقرار الأمر كله كما كان يفد إليه بنوهاشم وغيرهم، وينعى على استخلاف مروان له على إمرة المدينة، وتقدم ص18
أن ذلك الاستخلاف لم يزد أبا هريرة إلا تواضعاً وانكساراً وتهاوناً بالإمارة، فإن كان لذلك أثر فهوإحياؤه كثيراً من السنة، كما تقدم. وأحاديث أبي هريرة في فضائل أهل البيت معروفة وكذلك محبته لهم وتوقيرهم وشدة إنكاره على بني أمية لما منعوا أن يدفن الحسن بن علي مع جده صلى الله عليه وسلم وقوله لمروان في ذلك ((والله ما أنت بوال، وإن الوالي لغيرك، فدعه، ولكنك تدخل فيما لا يعنيك، وإنما تريد بهذا إرضاء من هوغالب عنك)) يعني معاوية. راجع البداية 18:8 ومن المتواتر عنه تعوذه بالله من عام الستين وإمارة الصبيان، كان يعلن هذا ومعاوية حي، وذلك يعني موت معاوية وتأمر ابنه يزيد وقد كان ذلك عام الستين بعد موت أبي هريرة بمدة
قال أبورية ص188 ((روى البيهقي عنه أنه لما دخل دار عثمان وهومحصور استأذن في الكلام، ولما أذن له قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنكم ستلقون بعدي فتنة واختلافاً، فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله .. . أوما تأمرنا؟ فقال: عليكم بالأمين وأصحابه، وهويشير إل عثمان وقد أورده أحمد بسند جيد
أقول: الحديث في المستدرك 99:3وفيه ((عليكم بالأمير)) وهوالظاهر وفي سنده مقال لكنه ليس بمنكر. وقول أبي هريرة: ((وهويشير إلى عثمان)) يريد أنه يفهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار بقوله ((الأمير)) إل عثمان ولوأراد أبوهريرة - وقد أعاذه الله - أن يكذب لجاء بلفظ صريح مؤكد مشدد
قال ((ولما نسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبوهريرة فقال: أصبت ووفقت، أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ..... قال فأعجب ذلك عثمان وأمر لأبي هريرة بعشرة آلاف. وهذا الحديث من غرائبه وهوينطق ولا ريب بأنه ابن ساعته))
15
أقول: عزاه أبورية إل البداية 26:7 وهوهناك من رواية الواقدي وهومتروك مرمي بالكذب عن [أبي بكر بن عبد الله بن محمد] بن أبي سبرة وهوكذاب يضع الحديث
/ قال ((ومن غرائبه كذلك ما رواه البيهقي قال: أصبت بثلاث مصيبات .... )) ذكر قصة المزود مطولة، وأسرف أبورية في التندر والاستهزاء وعزا الخبر إلى البداية 117:6 وهومروي من طرق في أسانيدها ضعف، واللفظ الذي ساقه أبورية من رواية يزيد بن أبي منصور الأزدي عن أبيه عن أبي هريرة، وأبومنصور الأزدي مجهول ولا يدرى أدرك أبا هريرة أم لا؟ وفيه أن المزود ذهب حين قتل عثمان
قال أبورية ((وهذا الحديث رواه عنه أحمد ولكن قال فيه .. . وعلقه في سقف البيت .. .. ))
أقول: أما هذه الرواية فرجالها ثقات، ولفظه ((أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من تمر فجعلته في مكتل فعلقناه في سقف البيت، فلم نزل نأكل منه حتى كان آخره أصابه أهل الشام حيث أغاروا على المدينة)) يعني مع بسر بن أرطأة، وذلك بعد قتل عثمان بمدة وهذه الرواية الأخيرة ليس فيها ما ينكر والظاهر أن الإعطاء كان في أواخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم
وقد جاءت أحاديث كثيرة بمثل هذا من بركة ما يدعوفيه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا المعنى متواتر قطعاً، حتى كان عند الصحابة كأنه من قبيل الأمور المعتادة من كثرة ما شاهدوه ومن يؤمن بقدرة الله عزوجل وإجابته دعاء نبيه وخرق العادة لا يستنكر ذلك، نعم يتوقف عما يرويه الضعفاء والمجهولون لأن من شأن القصاص وأضرابهم أن يطولوا القضايا التي من هذا القبيل ويزيدوا فيها ويغيروا في أسانيدها، والله المستعان
قال أبورية ص189 ((ومما [زعم المفتري أن أبا هريرة] وضعه في معاوية ما أخرجه الخطيب عنه: ناول النبي صلى الله عليه وسلم معاوية سهماً فقال خذ هذا السهم حتى تلقاني في الجنة))
أقول: في سنده وضاح بن حسان عن وزير بن عبد الله - ويقال ابن عبد الرحمن - الجزري عن غالب بن عبيد الله العقيلي، وهؤلاء الثلاثة كلهم هلكى متهمون بالكذب، ورابعهم أبورية القائل إن أبا هريرة كيت وكيت. والخبر أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات، وقد تفتن فيه الكذابون فرووه من حديث حابر، ومن حديث أنس، ومن حديث ابن عمر، وغير ذلك. راجع اللآلي المصنوعة 219:1
151
قال: ((وأخرج ابن عساكر وابن عدي والخطيب البغدادي عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله ائتمن على وحيه ثلاثاً أنا وجبريل ومعاوية .. ))
أقول وهذا أيضاً من أحاديث الموضوعات، راجع اللآلي المصنوعة 216:1 - 218 وقد تلاعب به الكذابون فرووه تارة عن واثلة وتارة عن أنس وتارة عن أبي هريرة، ورووا نحوه في أمانة معاوية من حديث علي وابن عباس وعبادة بن الصامت وجابر وابن عمر وعبد الله بن بسر. فإن لزم من نسبة الخبرين إلى أبي هريرة ثبوتهما عنه لزم ثبوتهما عمن ذكر معه من الصحابة، بل يلزم في جميع الأحاديث الضعيفة والموضوعة ثبوتها عمن نسبت إليهم من الصحابة. ومعنى هذا أن كل فرد من أفراد الرواة معصوم عن الكذب والغلط إلا الصحابة.
ولا ريب أن في الرواة المغفل والكذاب والزنديق، ولعل أبا رية أن يكون خيراً من بعضهم فيكون معصوماً فلماذا لا يستغني بهذه العصمة ويطلق أحكامه كيف يشاء ويريح نفسه وغيره من طول البحث والتفتيش في الكتب؟
قال ((ونظر أبوهريرة إلى عائشة بنت طلحة .. . فقال .. . والله ما رأيت وجهاً أحسن منك إلا وجه معاوية على منبر رسول الله))
أقول: عزاه إلى العقد الفريد، والحكاية فيه بلا سند، وحاول صاحب الأغاني إسنادها على عادته فلم يجاوز بها المدائني وبين المدائني وأبي هريرة نحوقرن ونصف، وهؤلاء سمريون إذا ظفروا بالنكتة لم يهمهم أصدقاً كانت أم كذباً، والعلم وراء ذلك
قال ((ولقد بلغ من مناصرته لبني أمية أنه كان يحث الناس على ما يطالب به عمالهم من صدقات، ويحذرهم أن يسبوهم. قال العجاج قال لي أبوهريرة: ممن أنت؟ قلت من أ هل العراق. قال يوشك أن يأتيك بقعان الشام فيأخذوا صدقتك، فإذا أتوك فتلقهم بها، فإذا دخلوها فكن في أقاصيها وخل عنهم وعنها، وإياك إن تسبهم فإنك إن سببتهم ذهب أجرك وأخذوا صدقتك، وإن صبرت جاءت في ميزانك يوم القيامة))
152
أقول: عزاه إلى الشعر والشعراء لابن قتيبة، والحكاية فيه بلا سند، فإن صحت فإنما هي نصيحة لا تدل إلا على النصح لكل مسلم، والإسلام يقضي بوجوب أداء الصدقة إلى عمال السلطان إذا طلبها وبحرمة سبهم إذا أ خذوها ولومنع العجاج الصدقة لأهين وأخذت منه قهراً، ولوسب قابضيها لأثم وضر نفسه ولم يضرهم شيئاً، ويكاد أبورية ينقم على أبي هريرة قوله لا إله إلا الله وببنى على / ذلك تهمة قال الله اللجاج
وقال ص19 ((وضعه [بزعم المفتري] أحاديث على علي. قال أبوجعفر الاسكافي: إن معاوية حمل قوماً من الصحابة والتابعين على رواية أخبار قبيحة على علي تقتضى الطعن فيه والبراءة منه وجعل لهم في ذلك جعلا، فاختلقوا ما أرضاه، منهم أبوهريرة وعمروبن العاص والمغيرة بن شعبة ومن التابعين عروة بن الزبير
أقول: قد تقدم النظر في ابن أبي الحديد والاسكافي ص 19، وهذه التهمة باطلة قطعاً، فأبوهريرة والمغيرة وعمروومعاوية صحابيون وكلهم عند أهل السنة عدول، ثم كانت الدولة لبني أمية فلوكان هؤلاء يستحلون الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم في عيب علي لامتلأ الصحيحان فضلاً عن غيرهما بعيبه وذمة وشتمه، فما بالنا لا نجد عن هؤلاء حديثاً صحيحاً ظاهراً في عيب علي ولا في فضل معاوية؟ راجع ص64.
وعروة من كبار التابعين الثقات عند أهل السنة لا نجد عنه خبراً صحيحاً في عيب علي، فأما الأكاذيب الموضوعات فلا دخل لها في الحساب، على أنك تجدها تنسب إلى هؤلاء وغيرهم في إطراء علي أكثر جداً منها في الغض منه
قال ((وروى الأعمش قال: لما قدم أبوهريرة العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثم ضرب صلعته مراراً وقال: يا أهل العراق: أتزعمون أني أكذب على الله وعلى رسوله وأحرق نفسي بالنار؟ والله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن لكل نبي حرماً وإن حرمي المدينة ما بين عبر إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثاً فعلية لعن الله والملائكة والناس أجمعين. وأشهد بالله أن عليا ً أحدث فيها)) فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاه إمارة المدينة))
أقول: هذا من حكاية ابن أبي الحديد 359 عن الاسكافي، وراجع ص19 ولا ندري سنده إلى الأعمش، وقد تواتر عن الأعمش رواية الحديث بنحوما هنا ((عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: خطبنا علي .... )) فذكر ما في صحيفته وذكر الحديث فهوثابت من رواية علي نفسه، ولا نعرف أن أبا هريرة قدم مع معاوية، ولا أن معاوية ولاه المدينة لا في ذلك الوقت ولا بعده، إنما استخلفه مروان على إمرته بعد ذلك بزمان
153
قال ص191 ((وعلى أن الحق لا يعدم أنصاراً .. .. فقد روى سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم بن عمر بن عبد الغفار أن أبا هريرة لما قدم الكوفة مع معاوية .. . فجاء شاب من أهل الكوفة / .. . فقال: يا أبا هريرة أنشدك بالله أسمعت رسول الله يقول لعلي بن أبي طالب: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه؟ فقال: اللهم نعم. فقال: أشهد بالله لقد واليت عدوه وعاديت وليه. ثم قام عنه))
أقول: وهذا أيضاً عن ابن أبي الحديد عن الاسكافي، ولا ندري ما سنده إلى الثوري؟ وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر من شيوخ الثوري، فمن عمر بن عبد الغفار؟ إنما المعروف عمروبن عبد الغفار الفقيمي، صغير لم يدرك عبد الرحمن فكيف يروي عنه عبد الرحمن؟ مع أن عمر هالك متهم بالوضع في فضائل لأهل البيت ومثالب لغيرهم. وبينه وبين الواقعة رجلان أوثلاث فمن هم؟ يظهر أن هذا تركيب من بعض الجهلة بالرواة وتاريخهم، ولهذا ترى الاسكافي وأضرابه يغطون على جهة من يأخذون عنه مفترياتهم بترك الإسناد، ويكتفون بالتناوش من مكان بعيد، ثم لوصح الخبر لكان فيه براءة لأبي هريرة (وهوبريء على كل حال) فإنه لم يستجز كتمان الحديث في فضل علي رضي الله عنه فكيف يتوهم عليه ما هوأشد؟
أما الموالاة فأي موالاة كانت منه؟ سلم الحسن بن علي الأمر لمعاوية وبايعه هووإخوته وبنوعمه وسائر بني هاشم والمسلمون كلهم وأبوهريرة
ثم ذكر أ بورية شيئاً من فضائل علي رضي الله عنه: ولا نزاع في ذلك، وقد جاء عن أ بي هريرة أحاديث كثيرة في فضائل أهل البيت تراها في خصائص علي والمستدرك وغيرهما، ولم يكن له إلا قصته عند وفاة الحسن بن علي، كان الحسن قد
استأذن عائشة أن يدفن مع جده النبي صلىلله عليه وسلم فأذنت، فلما مات قام مروان ومن معه من بني أمية في منع ذلك فثار أبوهريرة وجعل يقول: أتنفسون على ابن نبيكم بتربة تدفنونه فيها، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني (انظر المستدرك 71:3) وجرى له يومئذ مع مروان ما جرى مما تقدم بعضه ص 149 وباقيه في البداية 18:8
ثم قال أبورية ص192 ((سيرته وولايته: استعمل عمر أ با هريرة على البحرين سنة 21 ثم بلغه عن أشياء تخل بأمانة الوالي العادل فعزله ... واستدعاه وقال له:. . ..... ))
أقول: قول أبي رية ((بلغه عنه الخ)) من تظني أبورية وستعلم بطلانه. وأما ما ذكره بعد ذلك فلم يعزه إلى كتاب. وسأذكر ما أ ثتبه المتحرون من أهل العلم، وأقدم قبل ذلك مقدمة:
154
/ كان عمر رضي الله عنه يحب للصحابة ما يحب لنفسه، فكان يكره لأحدهم أن يدخل عليه مال فيه رائحة شبهة، وله في ذلك أخبار معروفة في سيرته، كان معاذ بن جبل من خيار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماء برتوة)) وقال أيضاً ((وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل)) وكان معاذ سمحاً كريماً، فركبته ديون، فقسم النبي صلى الله عليه وسلم ماله بين غرمائه، ثم بعثه على اليمن ليجبره، فعاد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ومعه مال لنفسه، فلقيه عمر فأشار عليه أن يدفع المال إلى أبي بكر ليجعله في بيت المال، فأبى وقال: إنما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجبرني. ثم رأى رؤيا فسمحت نفسه فذهب إلى أبي بكر وبذل له المال، فقال أبوبكر: قد وهبته لك. فقال عمر: الآن حل وطاب. يعني أن الشبهة التي كانت فيه هي احتمال أن يكون فيه حق لبيت المال فلما طيبه له أبوبكر - وهوالإمام- صار كأنه أعطاه من بيت المال، لاعتقاده أنه مستحق، فبذلك حل طاب (انظر ترجمة معاذ من الاستيعاب والمستدرك 272:3) فلما استخلف عمر جرى على احتياطه فكان يقاسم عماله أموالهم، فيجعل ما يأخذه منهم في بيت المال، قال ابن سيرين ((فكان يأخذ منهم ثم يعطيهم أفضل من ذلك)) كما سيأتي، وكان عمر يتخوف عليهم أن يكون الناس راعوهم في تجارتهم ومكاسبهم لأجل الإمارة، فكان يأخذ منهم ما يأخذ ويضعه في بيت المال لتبرأ ذممهم، ثم يعطيهم بعد ذلك من بيت المال بحسب ما يرى من استحقاقهم، فيكون حلاً لهم بلا شبهة، وقد قاسم من خيارهم سعد بن أبي وقاص وغيره كما ذكره ابن سعد وغيره
وكان عمر رضي الله عنه للصحابة بمنزلة الوالد، يعطف ويشفق ويؤدب ويشدد وكان الصحابة رضي الله عنهم قد عرفوا له ذلك، وقد تناول بدرته بعض أكابرهم كسعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب ولم يزده ذلك عندهم إلا حباً (انظر سنن الدارمي: باب من كره الشهرة والمعرفة. وطبقات ابن سعد: ترجمة عمر) فأهل العلم والإيمان ينظرون إلى ما جرى من ذلك نظرة غبطة وإكبار لعمر ولمن أدبه عمر. وأهل الأهواء ينظرون نظرة طعن على أحد الفريقين كما صنعه أبورية هنا. وكما يصنعه الرافضة في الطعن على عمر، أوعلى الفريقين معا كما ذكره أبورية ص 52 في ذكر عمر ((قل أن يكون في الصحابة من سلم من لسانه أويده))
155
أما أبوهريرة فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بعثه مع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين وأوصاه به خيرا / فاختار أن يكون مؤذنا كما في الإصابة والبداية وغيرهما. ثم رجع العلاء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كما في فتوح البلدان ص 92 ورجع معه أبوهريرة [يأتي تحقيقه فيما بعد] ثم بعث عمر سنة 2 أونحوها قدامة بن مظعون على إمارة البحرين وبعثه معه أبا هريرة على الصلاة والقضاء ثم جرت لقدامة قضية معروفة فعزله عمر وولى أبا هريرة الإمارة أيضاً، ثم قدم أبو
هريرة بمال لبيت المال ومال له، قال ابن كثير في البداية 113:8 ((قال عبد الزاق حدثنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين أن عمر استعمل أبا هريرة على ا لبحرين فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال [وفي رواية في طبقات ابن سعد 4/ 2/6 ((أسرقت مال الله)) وذكرها أبورية بلفظ سرقت مال الله] أي عدوالله وعدوكتابه؟ فقال أبوهريرة: لست بعدوالله ولا عدوكتابه، ولكن عدومن عاداهما. فقال: فمن أين هي لك؟ قال: خيل نتجت وغلة رقيق لي وأعطية تتابعت علي، فنظروا، فوجدوه كما قال. فلما كان بعد ذلك دعاه ليستعمله فأبى أن يعمل له، فقال له: تكره العمل وقد طلبه من كان خيراً منك. طلبه يوسف عليه السلام. فقال: إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي وأنا أبوهريرة ابن أميمة، وأ خشى ثلاثاً واثنين. قال عمر: فهلا قلت خمسة (؟) قال أخشى أن أ قول بغير علم وأقضي بغير حلم، أويضرب ظهري وينتزع مالي ويشتم عرضي؟
والسند بغاية الصحة. وفي فتوح البلدان ص 93 من طريق يزيد بن إبراهيم التستري عن ابن سيرين عن أبي هريرة أنه لما قدم من البحرين ... فذكر أول القصة نحوه. وفيه ((فقبضها منه)) والسند صحيح أيضاً. وأخرجه أيضاً من طريق أبي هلال الراسبي عن ابن سيرين عن أبي هريرة، فذكر نحوه إلا أنه وقع فيه ((اثنا عشر ألفاً)) والصواب الأول لأن أبا هلال في حفظه شيء، وفيه ((فلما صليت الغداة قلت: اللهم اغفر لعمر قال: فكان يأخذ منهم ويعطيهم أفضل من ذلك)) وفي تاريخ الإسلام للذهبي 338:2 ((همام ابن يحيى حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أن عمر قال لأبي هريرة: كيف وجدت الإمارة؟ قال: بعثتني وأنا كاره، ونزعتني وقد أحببتها)) وأتاه بأربعمائة ألف من البحرين فقال: أظلمت أحداً؟ قال: لا. قال: فما جئت به لنفسك؟ قال: عشرين ألفاً. قال من أين أصبتها؟ قال: كنت أتجر. قال:
انظر رأس مالك ورزقك فخذه واجعل الآخر في بيت المال))
156
فكأنه قدم لنفسه بعشرين ألفاً فقاسمه عمر كما كان يقاسم سائر عماله، فذكر ابن سيرين عشرة الآلاف المأخوذة لبيت المال
/ فقد تحقق بما قدمنا من الروايات الصحيحة أن المال الذي جاء به أبوهريرة لنفسه من البحرين كان من خيله ورقيقه وأعطيته، وأخذ عمر له أولبعضه لا يدل على ما قدمنا من الاحتياط، ثم يعطيهم خيراً منه. ومما يوضح براءة أبي هريرة في الواقع وعند عمر إظهاره المال وعزم عمر على توليته فيما بعد وامتناع أبي هريرة من ذلك
ثم قال أبورية ص 193 ((وفاته. مات أبوهريرة سنة 57 أوسنة 58))
أقول: أوسنة 59 كما في التهذيب وغيره، وهوقول الواقدي وابن سعد
قال ((عن ثمانين سنة))
أقول: المعروف ((عن ثماني وسبعين سنة))
قال ((وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان يومئذ أميراً على المدينة تكريماً له))
أقول: هذا رواه الواقدي بسند فيه نظر، ولكنها السنة التي كانوا يعملون بها أن يكون الأمير هوالذي يصلي على الموتى بدون تفريق
قال ((ولما كتب الوليد إلى عمه .. . أرسل .. . ادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم .. .. ، وهكذا يترادف رفدهم له حتى بعد وفاته))
أقول: هذا رواه الواقدي بسند فيه نظر، وفيه ((فإنه كان ممن نصر عثمان وكان معه في الدار)) وإنما حذف أبورية هذا ليوهم غيره
ثم ذكر أبورية كلمات لصاحب المنار قال في أبي هريرة (( ... فأكثر أحاديثه لم يسمعها من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما سمعها من الصحابة والتابعين))
157
أقول: فيه مجازفتان، الأولى زعم أن أكثر أحاديثه لم يسمها من النبي صلى الله عليه وسلم. ونحن إ ذ نظرنا إلى أحاديثه التي رواها عن غيره من الصحابة وجدناها بسيرة، ثم إذا نظرنا في أحاديثه التي يرويها عن النبي صلى الله عليه وسلم رأسا ولا يصرح بالسماع منه قلماً نجد فيها ما يعلم من متنه أنه كان في المدة التي لم يدركها أبوهريرة، مع أننا نجد عن غيره أحاديث كثيرة تتعلق بتلك المدة، فهذا مع ما تقدم ص16و118و119 وغيرها وما يأتي بعد من شهادة الصحابة له يقضي بعكس الدعوى المذكورة
/ المجازفة الثانية زعم أن بعض أحاديثه سمعها من التابعين، إن أريد أحاديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم فإننا لا نعرف له حديثاً كذلك، ورواية الصحابي الذي سمع من النبي صلى الله عليه وسلم كأبي هريرة عن تابعي عن صحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم بغاية القلة، وإنما ذكروا من هذا الضرب حديثاً لسهل بن سعد وآخر للسائب بن يزيد، وقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم وسهل ابن خمس عشرة سنة والسائب ابن سبع سنين، وذكروا أن الحافظ العراقي تتبع ما يدخل في هذا الضرب فجمع عشرين حديثاً لعل منها ما لا يصح وباقيها من أحاديث أصاغر الصحابة كالسائب
قال ((وقد ثبت أنه كان يسمع من كعب الأحبار))
أقول: أي شيء سمع مه؟ إنما سمعه منه أشياء يحكيها عن صحف أهل الكتاب، وذلك فن كعب
قال ((وأكثر أحاديثه عنعنة))
أقول: أما عنعنته فقد قدمنا ص 114 - 117 أنها تكون على احتمالين إما أن يكون سمع من النبي صلى الله عليه وسلم، وإما عن صحابي آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم. فأما الاحتمال الثالث أن يكون إنما سمع من تابعي - كعب أوغيره - ومع ذلك رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم فهذا من أبطل الباطل قطعاً، وراجع ما تقدم ص 73 - 75و82و89و94و99و19 - 11، ولا أدري أين كان أهل العلم من الصحابة والتابعين وأتباعهم وهلم جرا عن هذا الاحتمال حتى يثار في القرن الرابع عشراً؟ بل أين كان وعد الله تبارك وتعالى بحفظ دينه وشريعته فلم ينههم لهذا الاحتمال طوال تلك القرون؟ بل أين كان الشيطان عن هذا الاحتمال فلم يوسوس به لأحد؟ كلا، كانوا أعلم وأتقى من أن يطمع الشيطان أن ينصاعوا لوسوسة مثل هذه. ومن تدبر ما تقدم 114 - 117 علم أن هذا الاحتمال الثالث معناه اتهام الصحابي بالكذب، فإذا كانت الأدلة تبريء أبا هريرة ونظراءه من الكذب فإنها تبرئهم من هذا
قال ((على أنه صرح بالسماع في حديث: خلق الله التربة يوم السبت، وقد جزموا بأن الحديث أخذه عن كعب الأحبار)) أقول: قد تقدم النظر في هذا الحديث ص 135 - 139 بما يقتلع الشبهة من أصلها ولله الحمد
158
/ قال ص 194 ((وقال: إنه يكثر في أحاديثه الرواية بالمعنى
أقول: هذه مجازفة، وأبوهريرة موصوف بالحفظ كما مر ويأتي
قال ((إنه انفرد بأحاديث كثيرة .. .. ))
أقول: قد تتبع أبورية عامة ذلك، وتقدم النظر في بعضها ويأتي الباقي
قال ص 95 ((وقال وهويبين أن بطلي الاسرائيليات .. . هما كعب الأحبار ووهب بن منبه: وما يدرينا أن كل [تلك] الروايات- أوالموقوفة منها- ترجع إليهما .... ))
أقول: كلمة ((تلك)) ثابتة في مصدر أبي رية، والكلام هناك في روايات جاءت
في قضية خاصة، فأهمل أ بورية بيان ذلك وأسقط كلمة ((تلك)) ليفهمك أن صاحب المنار يجيز أن تكون المرويات الإسلامية كلها راجعة إلى كعب ووهب
وأعاد ص 196 - 197 بعض دعاويه ومزاعمه، وقد تقدم ويأتي ما فيه كفاية
ثم قال ص 198 ((أمثلة مما رواه أبوهريرة: أخرج البخاري ومسلم عنه قال: أرسل ملك الموت إلى موسى عليهما السلام، فلما جاءه صكه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت. فرد الله عليه عينه [في كتاب أبي رية ((عينيه)) وقال: ارجع فقل له يضع يده على متن ثور، فله بكل ما غطت يده بكل شعرة سنة. قال: أي رب ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن. فسأل [فيه ((فاسال)) الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلوكنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الكثيب الأحمر. وفي رواية لمسلم. قال: فلطم موسى عين مالك الموت ففقأها))
أقول القصة على ما ذكر هنا من كلام أبي هريرة: وإنما الذي من كلام النبي صلى الله عليه وسلم قوله ((فلوكنت ثم الخ)) وليس فيه ما يستشكل. فأما القصة فقد أ جاب عنها أهل العلم. وسألخص ذلك: ثبت الكتاب ولاسنة أن المشكلة قد يتمثلون في صور الرجال، وقد يراهم كذلك بعض الأنبياء فيظنهم من بني آدم كما في قصتهم مع إبراهيم ومع لوط عليهما السلام- اقرا من سورة هود الآيات 69 - 8 وقال الله تعالى في مريم عليه السلام (17:19 - فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سويا. قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا). وفي السنة أشياء من ذلك وأشهرها ما في حديث السؤال عن الإيمان والسلام والإحسان. / فمن كان جاحداً لهذا كله أومر تابا فيه فليس كلامنا معه، ومن كان مصدقاً علم أنه لا مانع أن يتمثل ملك الموت رجلاً ويأتي إلى موسى فلا يعرفه موسى
الجسد المادي الذي يتمثل به الملك ليس جسده الحقيقي، وليس من لازم تمثله فيه أن يخرج الملك عن ملكيته، ولا أن يخرج ذاك الجسم المادي عن ماديته، ولا أن تكون حقيقة الملك إلى ذاك الجسم كنسبة أوروح الناس إلى أجسامهم، فعلى هذا أوعرض ضرب أوطعن أوقطع لذاك الجسم لم يلزم أن يتألم بها الملك ولا أن تؤثر في جسمه الحقيقي، ما المانع أن تقتضي حكمة الله عزوجل أن يتمثل ملك الموت بصورة رجل ويأمره الله أن يدخل على موسى بغته ويقول له مثلاً: سأفبض روحك. وينظر ماذا يصنع؟ لتظهر رغبة موسى في الحياة وكراهيته للموت فيكون في قص ذلك عبرة لمن بعده
فعلى هذا فإن موسى لما رأى رجلاً لا يعرفه خل بغتة وقال ما قال، حمله حب الحياة على الاستعجال بدفعه، ولولا شدة حب الحياة لتأتي وقال: من أنت وما شأنك؟ ونحوذلك ووقوع الصكة وتأثيرها كان على ذاك الجسد العارض، ولم ينل الملك بأس. فأما قوله في القصة ((فرد الله عليه عينه)) فحاصله أن الله تعالى أعاد تمثيل الملك في ذاك الجسد المادي سليماً، حتى إذا رآه موسى قد عاد سليماً مع قرب الوقت عرف لأول وهلة خطأه أول مرة
قال أبورية ((وفي تاريخ الطبراني عن أبي هريرة أن ملك الموت .. .. ))
أقول: رجاله كلهم موصوفون بأنهم ممن يخطئ، فلا يصح عن أبي هريرة
قال ((وأخرجا كذلك عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: تحاجت الجنة والنار .. ... ))
أقول: قد وافق أبا هريرة على هذا الحديث أنس بن مالك بن مالك وحديثه في الصحيحين وغيرهما، وأبوسعيد وحديثه في صحيح مسلم ومسند أحمد وغيرهما، وأبي بن كعب وحديثه في مسند أبي يعلى. وتفسير الحديث معروف
قال ((وروى البخاري عنه: مابين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام الراكب
المسرع. وخرج أوله مسلم عنه مرفوعاً وزاد: وغلط جلده مسيرة ثلاثة أيام))
16
أقول: هذا من فهم أبي رية وتحر به. راجع فتح الباري 365:11 تعرف ما في صنيع أبي رية وتعرف الجواب
/ وقال ص199 ((وروى البخاري وابن ماجه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم يطرحه فإن في أحد جناحية داء والآخر شفاء))
أقول: هذا الحديث قد وافق أبا هريرة على روايته أبوسعيد الخدري وأنس. راجع مسند أحمد بتحقيق وتعليق الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله 124:12، وعلماء الطبيعة يعترفون بأنهم لم يحيطوا بكل شيء علماً، ولا يزالون يكتشفون الشيء بعد الشيء، فبأي إيمان بنفي أبورية وأضرار به أن يكون الله تعالى أطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على أمر لم يصل إليه علم الطبيعة بعد؟ هذا وخالق الطبيعة ومدبرها هوواضع الشريعة، وقد علم سبحانه أن كثيراً من عباده يكونون في ضيق من العيش، وقد يكون قوتهم اللبن وحده، فلوأرشدوا إلى أن يربقوا كل ما وقعت فيه ذبابة لأجحف بهم ذلك. فأغيثوا بما في الحديث، فمن خالف هواه وطبعه في استقذار الذباب فغسمه تصديقاً لله ورسوله دفع الله عنه ا لضرر، فكان في غمس مالم يكن انغمس ما يدفع ضرر ما كان انغمس، وعلماء الطبيعة يثبتون القوة الاعتقاد تأثيراً بالغاً، فما بالك باعتقاد منشؤه الإيمان بالله ورسوله؟
قال ص2 ((وروى الطبراني في الأوسط عن النبي صلى الله عليه وسلم: أتاني ملك برسالة من الله عزوجل ثم رفع رجله فوضعها فوق السماء والأخرى في الأرض لم يرفعها))
أقول: تفرد برواية صدقة بن عبد الله السمين وهوضعيف، والحديث معدود في منكراته فم يثبت عن أبي هريرة
قال ((وروى الترمذي عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم))
أقول: سنده إلى أبي هريرة كما قال الترمذي، لكنه معروف من رواية غيره من الصحابة، فقد ورد من حديث أبي سعيد وجابر، وجاء من حديث بريدة مرفوعاً: العجوة من فاكهة الجنة. وفي الصحيحين من حديث سعد ابن أبي وقاص مرفوعاً: من اصطبح كل يوم تمرات عجوة لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل. وله شاهد من حديث عائشة في صحيح مسلم. وراجع ما مر قريبا
161
قال ((وروى الحاكم وابن ما جه من حديثه بسند صحيح: خمروا الآنية وأوكثوا الأسقية وأجيفوا الأبواب واكفتوا صبيانكم عند الماء، فإن للجن انتشاراً وخطفة، وأطفئوا المصابيح عند الرقاد فإن الفويسقة ربما اجترت الفتيلة فأحرقت أهل البيت))
/ أقول: هذا حديث جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهوعن جابر بهذا اللفظ حرفاً حرفاً في صحيح البخاري كتاب بدء الخلق. انظر فتح الباري 253:6، وهوبألفاظ أخر في موضع آخر من صحيح البخاري وفي صحيح مسلم
قال ص21 ((وروى مسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة))
أقول: ق تقدم هذا ص 14 - فراجعه وتأمل صنيع أبي رية هناك
قال: ((وروايات أبي هريرة من هذا القبيل وأوهى منه تفهق الكتب بها .. .. ))
أقول: انتفد أبورية في ترجمة أبي هريرة نيفاً وثلاثين حديثاً، وهي على خمسة أضرب: ضرب نسبه إلى أبي هريرة اعتباطاً وإنما روى عن غيره. وضرب نحوعشرة أحاديث في سند كل منها كذاب أومتهم أوضعف أوانقطاع، فهذا لا شأن أبي هريرة به لأنه لم يثبت عنه، وراجع ص151. وضرب اختلف فيه أيصح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أم لا فهذا قريب من سابقه، فإنه على فرض تبين بطلان متنه يترجح عدم صحته عن أبي هريرة لأن تبعة الحديث إنم تتجه إلى الأدنى. وضرب صحيح عن أبي هريرة وقد وافقه عليه غيره من الصحابة اثنان أوثلاثة أوأكثر. ويبقى بعد الأضرب السابقة ثلاثة أوأربعة أحاديث قد مر الجواب الواضح عنهما بحمد الله تعالى
واعلم أن الناس تختلف مداركهم وأفهاميهم وآراؤهم ولا سيما في ما يتعلق بالأمور الدينية والغيبية لقصور علم الناس في جانب علم الله تعالى وحكمته، ولهذا كان في القرآن آيات كثيرة يستشكلها كثير من الناس وقد ألفت في ذلك كتب وكذلك استشكل كثير من الناس كثيراً من الأحاديث الثابتةعن النبي صلى الله عليه وسلم، منها ما هورواية كبار الصحابة أوعدد منهم كما مر، وبهذا يتبين أن استشكال النص لا يغني بطلانه. ووجود النصوص التي يستشكل ظاهرها لم يقع في الكتاب والسنة عفواً وإنما هوأمر مقصود شرعاً ليبلوالله تعالى ما في النفوس ويمتحن ما في الصدور. وييسر للعلماء أبوأبا من الجهاد يرفعهم الله به درجات
هذا وأنت تعلم أن أبا هريرة رجل أمي لا تكتب ولا يقرأ الكتب، وعاش حتى ناهز الثمانين، منها نحوأوأربعين سنة يحدث، وكثر حديثه، ولم يكن معصوماً عن الخطأ، وكذلك الموثقون من الرواة عنه ومن بعدهم. أما غير المؤثقين فلا اعتدد بهم وقد عاداه المبتدعة من الجهمية والمعتزلة والرافضة وغلاه أصحاب الرأي كما مرت شواهده في الترجمة، وحرصوا كل الحرص على أن يجدوا في أحاديثه / ما يطعنون به عليه وتتابعت جهودهم، ثم جاء أبورية فأطال التفتيش والتنبيش وقضى في ذلك سنين من عمره، ومع ذلك كله كانت النتيجة ما تقدم، فعلى ماذا يدل هذا؟
أبوهريرة والبحرين
ذكر جماعة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا هريرة مع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين وفي طبقات ابن سعد 4/ 2/76 عن الواقدي بسنده إلى العلاء بن الحضرمي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه منصرفه من الجعرانة إلى المنذر بن ساوى العبدين بالبحرين .. . وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معه نفراً فيهم أبوهريرة وقال له: استوص به خيراً)) ثم قال الواقدي ((حدثني عبد الله بن يزيد عن سالم مولى نبي نضر قال سمعت أبا هريرة يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العلاء بن الحضرمي وأوصاني به خيراً، فلما فصلنا قال لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أ وصاني بك خيراً فانظر ماذا تحب؟ قال: قلت تجعلني أؤذن لك ولا تسبقني بآمين، فأعطاه ذلك)) والواقدي ليس بحجة لكن للقصة شواهد، ففي فتح الباري 217:2 ((فروى سعيد بن منصور من طريق محمد بن سيرين أن أبا هريرة كان مؤذناً بالبحرين، وأنه اشترط على الإمام أن لا يسبقه بآمين. والإمام بالبحرين كان العلاء بن الحضرمي بينه عبد الرزاق من طريق أبي سلمة عنه)) وعند ابن سعد 4/ 2/54 بسند صحيح عن أبي هريرة قال ((صحبت النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين، ما كنت سنوات قط أعقل مني ولا أ حب إلي أن أعي ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم مني فيهن)) هذا مع أن قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم كان في صفر سنة 8، فمنه إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنين وشيء فاقتصاره على ((ثلاث سنين)) يدل أنه غالب في أثناء المدة سنة أونحوها، وقد كان البعث بعد الانصراف من الجعران كما مر، وكان الانصراف منها في أواخر ذي القعدة أوذي الحجة سنة8، وفي الطبقات 4/ 2/77 أن العلاء قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فولى النبي صلى الله عليه وسلم مكانه أبان بن سعيد بن العاص، فعلى هذا لما رجع العلاء رجع معه أبوهريرة، وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة أنه ممن رجع مع أبي بكر سنة 9، وكان ينادي مع على أن لا يحج بعد الطعام مشرك. انظر صحيح البخاري - تفسر سورة براءة - فصح أن غيبته كانت سنة أودونها
163
وثم ما يدل أن أبا هريرة عاد إلى البحرين في خلافة أبي بكر، ففي الطبقات 4/ 2/77 - عن الواقدي بسند أن أبا بكر أعاد في خلافته العلاء بن الحضرمي على البحرين، وذكر القصة وفيها فتح العلاء / درين سنة أربع عشرة، ثم ذكر ابن سعد بسند آخر أن عمر كتب إلى العلاء أن يذهب ليخلف عتبة بن غزوان على عمله، فخرج العلاء ومعه أبوهريرة فمات العلاء في الطريق ورجع أبوهريرة إلى البحرين، وذكر عن أبي هريرة قوله ((رأيت من العلاء بن الحضرمي ثلاثة أشياء ولا أ زال أحبه أبداً، رأيته قطع البحر فلما كنا بلياس (؟) فمات .. )) ومن أ هل الأخبار أن أبا هريرة رجع إلى البحرين مع العلاء حين ولاه أبوبكر وكان بها ستة أ ربع عشرة
ثم كان أبوهريرة بالبحرين أيضاً في إمارة مقدمة بن مظعون عليها كما يعلم من ترجمة قدامة في الإصابة وغيرها، وفي فتوح البلدان ص92 عن أبي مخنف في ذكر العلاء بن الحضرمي (( .. . حتى مات وذلك في سنة أربع عشرة أوفي أول ستة خمس عشرة، ثم إن عمر ولى قدامة بن مظعون الجمحي جباية البحرين وولى أبا هريرة الأحداث والصلاة .. .)) وفيه ص 93 عن الهيثم ((كان قدامة بن مظعون على الجباية والأحداث، وأبوهريرة على الصلاة والقضاء .. . ثم ولاه عمر البحرين بعد قدامة، ثم عزله وقاسمه، وأمره بالرجوع فأبى فولاها عثمان بن أبي العاصي .. ))
والقضية تحتاج إلى مزيد تتبع وتأمل، غير أن في ما تقدم ما يكفي الدلالة على أن إقامة أبي هريرة بالبحرين كانت كافية لأن يتمول، وبذلك يتأكد صدقة في قوله ((خيل نتجت .. .. )) كما مر 148
من فضل أبي هريرة
أما ما يسمعه وغيره من الصحابة رضي الله عنهم فيأتي في موضعه، وأما ما يخصه فمنه في الصحيحين عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في طريق من طرق المدينة وهوجنب فانسل فذهب فاغتسل، فتفقده النبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاء قال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: يا رسول الله لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن أجالسك حتى اغتسل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس، لفظ مسلم
164
ومر ص1 ما في صحيح البخاري من قول النبي صلى الله عليه وسلم ((لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني أحد عن هذا الحديث أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث .. .. ))
/ وفي صحيح مسلم وغيره في قصة إسلام أمه قول النبي صلى الله عليه وسلم ((اللهم حبب عبيدك هذا- يعني أبا هريرة - وأمه إلى عبادك المؤمنين .. .. )) قال ابن كثير في البداية 15:8 ((وهذا الحديث من دلائل النبوة، فإن أبا هريرة محبب إلى جميع الناس .. .)) وفي الإصابة ((وأخرج النسائي بسند جيد في العلم من كتاب السنن أن رجلاً جاء إلى زيد بن ثابت فسأله فقال له زيد: عليك بأبي هريرة، فإن بينما أنا وأبوهريرة وفلان في المسجد ندعوالله ونذكره إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس إلينا فقال: عودوا للذي كنتم فيه، قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمن على دعائنا ودعا أبوهريرة فقال: اللهم إني أسألك ما سأل صاحبي وأسألك علماً لا ينسى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمين. فقلنا يا رسول الله ونحن نسأل الله علماً ولا ينسى، فقال: سبقكم بها الغلام الدوسي)) ونحوه في تهذيب التهذيب وفيهما بعض ألفاظ محرفة
وفي مسند أحمد 541:2 وسنن أبي داود وغيرهما عنه قال ((بينما أنا أوعك في مسجد المدينة إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فقال: من أحسن الفتى الدوسي؟ من أ حسن الفتى الدوسي؟ فقال له قائل: هوذاك يوعك في جانب المسجد حيث ترى يا رسول الله. فجاء فوضع يده علي وقال لي معروفاً، فقمت فانطلق حتى قام في مقامه الذي يصلي فيه .. .))
ومر ما روى من تولية عمر لقدامة بن مظعون وأبي هريرة البحرين، قدامة عل الجباية، وأبا هريرة على الصلاة والقضاء، ثم جمع الكل لأبي هريرة. هذا مع أن قدامة من السابقين البدريين، ثم قاسم عمر أبا هريرة كما كان يقاسم عماله وأراج أن بعيده على الإمارة فأبى أبوهريرة
وتقدم صفحة 16و12و123 شهادة طلحة والزبير وأبي أيوب وعائشة له، وتقدم ص16و118 - 119 ثناء ابن عمر عليه. وذكر الحاكم في المستدرك أنه روى عنه بضعة وعشرون من الصحابة عد منهم أبي بن كعب وأبا موسى الأشعري وعائشة بن يزيد وأبا أيوب وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وجابر بن عبد الله وجماعة
165
وفي الإصابة ((قال البخاري روى عنه نحوالثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث / في عصره. قال وكيع في نسخته: حدثنا الأعمش عن ابن صالح قال: كان أبوهريرة أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرجه البغوي عن رواية أبي بكر بن عياش عن الأعمش بلفظ: ما كان أفضلهم، ولكنه كان أحفظ ... وقال الربيع قال الشافعي: أبوهريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. وقال أبوالزعيرعة كاتب مروان:/ أرسل مروان إلى أبي هريرة فجعل يحدثه
وكان أجلسني خلف السرير أكتب ما يحدث به، حتى إذا كان في رأس الحول أرسل إليه فسأله وأمرني أن أنظر، فما غير حرفاً من حرف)). وأخرجه الحاكم في المستدرك 51:3 وفيه ((فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر)) قال الحاكم ((صحيح الإسناد)) وأقرء الذهبي
وقال ابن كثير في البداية 11:8 ((وقد كان أبوهريرة من الصدق والحفظ والديانة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم .. .))
أحاديث
مشكلة
وفي طبقات ابن سعد 4/ 2/ 62 ((أخبرنا معن بن عيسى قال: حدثنا مالك ابن أنس عن المقبري عن أبي هريرة أن مروان دخل عليه في شكواه الذي مات فيه فقال: شفاك الله يا أبا هريرة. فقال أبوهريرة: اللهم إني أحب لقاءك، فأحب لقائي. قال فما بلغ مروان أصحاب القطا حتى مات أبوهريرة))
ثم ذكر ابورية ص 22 - 26 جماعة من الصحابة قلت أحاديثم، وقد نظرت في ذلك ص42
ثم قال ص 27 ((أحاديث مشكلة .. عن ابن عباس، إن الله خلق لوحاً محفوظاً من درة بيضاء دفناه من ياقونة حمراء .. .. ))
1
أقول: هذا من قول ابن عباس، أخرجه الحاكم في المستدرك 474:2 من طريق أبي حمزة الثمالي وقال الحاكم ((صحيح الإسناد))، تعقبه الذهبي فقال ((اسم أبي حمزة ثابت، وهوواه بمرة)) وينظر وجه الاستشكال؟
2
قال ((وروى الشيخان .. عن أبي ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس: أتدري أين تذهب؟ .. .. ))
3
أقول: النظر في هذا الحديث يتوقف على بيان معنى قول الله عزوجل (والشمس تجري لمستقر لها) ثم جمع طرقه وتدبر ألفاظه، ولم يتسير لي ذاك الآن والله المستعان. (ثم نظرت فيه فيما يأتي ص213)
/ قال ((وروى مسلم عن عبد الله بن عمروبن العاص صاحب الزاملتين قال: إن في البحر شياطين .. .. ))
4
أقول: هذا ذكره مسلم في مقدمة صحيحه، وهومن قول عبد الله بن عمرو، ليس بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال ((وروى البخاري .. . عن عامر بن سعيد [بن أبي وقاص] عن أبيه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من اصطبح كل يوم ثمرات عجوة م يضره سم ولا سحر ... وفي رواية: سبع تمرات عجوة. وكذا لمسلم عن سعيد بن أبي العاص. وعند النسائي من حديث جابر: العجوة من الجنة وهي شفاء من السم؟
أقول: الحديث في الصحيحين من رواية عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه. ولم أجد ذكر سعيد بن أبي العاص وراجع ما مر ص16
5
قال ((وأخرج الشيخان عن أبي هريرة: إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين .. .، وقال العلماء المحققون في شرح هذا الحديث: لئلا يسمع فيضطر أن يشهد بذلك يوم القيامة))
6
أقول: أما الحديث فلا إشكال فيه عنه من يؤمن بالقرآن، وفي بعض رواياته ((وله حصاص))، وفي صحيح مسلم عن جابر ((سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الشيطان إذا سمع النداء ذهب حتى يكون مكان الروحاء)) وأما التفسير الذي فيه إلى المحققين فهوقول بعضهم، فإن كان حقاً فلماذا السخرية منه؟ وإن كان باطلاً فتبعته على قائله، فلماذا يذكر هنا؟
قال ص 28 ((وروى مسلم عن أبي سفيان أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أعطني ثلاثاً: تزوج ابنتي أم حبيبة، وابني معاوية اجعله كاتباً، وأمرني أن أقاتل الكفار كما قالت المسلمين .. .. )) وأم حبيبة تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهي [في كتاب أبي رية ((وهو)) بالحبشة ..... ))
أقول: لفظ مسلم قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها)) وفي سنده عكرمة ابن عمار بأنه يغلط ويهم، فمن أ هل العلم من تكلم في هذا الحديث وقال انه من أوهام عكرمة، ومنهم من تأوله، وأقرب تأويل له أن زواج النبي صلى الله عليه وسلم لما كان قبل إسلام أبي سفيان كا بدون رضاه فأراد بقوله ((أزوجكها)) أرضى بالزواج، فأقبل مني هذا الرضا
قال ((وفي مسند أحمد عكرمة ابن عباس أن النبي صلى لاله عيله وسلم صدق أمية ابن أبي الصلت .. .. في قوله: والشمس تطلع .. .)) البيتين
167
/ أقول: مداره على محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن عكرمة عن ابن عباس، وفي مجمع الزوائد 127:8 ((رجاله ثقات، إلا أن ابن إسحاق مدلس)) والمدلس لا يحتج بخبره وحده مالم يتبين سماعه
قال ((وروى مسلم عن أنس بن مالك أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: متى تقوم الساعة؟ قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم هنيهة، ثم نظر إلى غلام بن يديه من أزدشنوءة فقال: إن عمر لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة، قال أنس: ذاك الغلام من أترابي يومئذ .. .))
أقول: من عادة مسلم في صحيحه أنه عند سياق الروايات المتفقة في الجملة يقدم الأصح فالأصح [قد مر مثال لهذا ص18]، فقد يقع في الرواية المؤخرة إجمال أوخطأ تبينه الرواية المقدمة في ذاك الموضع قدم حديث عائشة ((كان الأعراب إذا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن الساعة متى الساعة؟ فنظر إلى أحداث إنسان منهم فقال: إن يعيش هذا م يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم)) وهذا في صحيح البخاري بلفظ ((كان رجال من الأعراب جفاة يأتون ا لنبي صلى
الله عليه وسلم فيسألونه: متى الساعة؟ فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: إن يعش هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعته. قال هشام: يعني موتهم)) ثم ذكر مسلم حديث انس بلفظ ((إن يعش هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة)) ثم ذكره باللفظ الذي حكاه أبورية، وراجع فتح الباري 313:11
ثم قال ص 29 ((أحاديث المهدي .. ... )). وقال ص21 ((المهدي العباسي)) ثم قال ((المهدي السفياني .. .. )) ولم يسق الأخبار. والكلام فيها معرفو
ثم قال ص21 ((الخلفاء الاثنا عشر- جاءت أحاديث كثيرة: تنبئ أن الخلفاء سيكونون اثنى عشر خليفة. للبخاري عن جابر بن سمرة: يكون اثنا عشر أميراً كلهم من قريش. ورواية مسلم: لا يزال امر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً. وفي رواية أخرى: إن هذا الأمر لا يقتضي حتى يمضي له فيهم اثنا عشر خليفة، فقد رووا حديثاً يعارض هذه الأحاديث جميعاً وهوحديث سفينة .. .. الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكاً))
168
أقول: إن كان أص اللفظ النبوي ((أميراً)) كما في رواية البخاري وبعض روايات مسلم فواضح أنه لا يعارضه، وإن كان بلفظ ((خليفة)) فالمراد به من يتسمى بهذا الإسم أويحلف غيره في الإمارة / والخلافة في حديث خلافة النبوة. نقل معنى هذا عن القاضي عياش وهوظاهر
قال ((وكذلك أخرج أبوداود في حديث ابن مسعود رفعه: تدور رحى الإسلام .. .. ))
أقول: قد بسط الكلام في هذا في فتح الباري 181:13 - 186 فراجعه وحكى أبورية ص212 بعض ما قيل في ذلك مما يزيد في تصوير العارض. وهذا دأبه. كلما وجد اشكالاً قد حل، أواعتراضاً قد أجيب عنه، ذكر الإشكال أوالاعتراض وهول، ولم يعرض للجواب ثم قال ص213 ((الدجال. جاء في الدجال .. ... أحاديث كثيرة بعضها يصرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى أن من المحتمل الدجال في زمنه ... وبعضها يصرح بأنه يخرج بعد فتح المسلمين لبلاد الروم))
أقول: لم يكن صلى الله عليه وسلم أولاً ثم أعلمه الله
قال ((وبعض الأحاديث تقول بأنه سيكون معه جبال من خبز وأنهار من ماء وعسل))
أقول: لم أر في الأخبار ذكر العسل، ويظهر أن أبا رية اختطف كلماته في فتح الباري 81:13 وليس هناك ذكر العسل، فأما ذكر جبل - أوجبال- خبز فقد روى، مع أن الصحيحين عن المغيرة بن شعبة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم ((يقولون إن معه جبل خبز ونهر ماء)) فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((بل هوأهون على الله من ذلك)) لفظ البخاري. وقد يحمل ما ورد في أن معه ((جبال خبز)) على المجاز، أي أن معه مقادير عظيمة من الخبز، مع أن يخافيه محتاجون
قال ((وزاد مسلم: جبال من لحم))
أقول إنما في صحيح مسلم في كلام المغيرة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم ((إنهم يقولون معه جبال من خبز ولحم)) فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((هوأهون على الله من ذلك)) فانظر، واعتبر ‍!
قال ((وأخرج نعيم بن حماد من طريق كعب .. .))
أقول هوكلام منسوب إلى كعب من قوله، والسند إليه مع ذلك واه
قال ((ومن أخباره أنه ينزل .. .. ))
أقول: هذا كسابقه
وذكر اختلاف الرواية في مخرجه. أقول: في حديث أبي بكر الصديق عند أحمد
وغيره أنه يخرج من خراسان / ولا ينافيه ما صحيح مسلم أنه يتبعه يهود اصبهان، إذ لا يلزم من اتباعهم له أن يكون أول خروجه من عندهم. وكذا ما جاء في رواية ((أنه خارج بين الشام والعراق)) إذ لا يلزم أن يكون ذلك أول خروجه. فأما ما في حديث الجساسة أنه محبوس في جزيرة. فإن حمل على ظاهره فلا مانع مع أن يذهب بعد إطلاقه إلى خراسان ثم يظهر أمره منها، وإن حمل على التمثيل كما مرت الإشارة إليه ص95 فالأمر واضح
قال ((وهناك أحاديث .. .. كلها مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم))
أقول: ليس كل ما ورد في الدجال بمرفوع، على أن أبا رية ترك المرفوعات الثابتة في صحيح البخاري وغيره، وسقط على ما نسب إلى كعب مع أنه لا يصح عنه
قال ((ولكن يمكنوا لهذه الخرافة أوالاسطورة في عقول المسلمين أوردوا حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن من كذب بالمهدي فقد كفر، ومن كذب بالدجال فقد كفر))
أقول: لا أعرف حديثاً هكذا، ولا أرى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم للمهدي متواتراً ولا قريباً منه، فأما ذكره الدجال فمتواتر قطعاً، ومن اطلع على ما في صحيح البخاري وحده علم ذلك، ومع هذا فإنما أقول: من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم في خبر من أخباره عن الغيب فهوكفر
قال ص214 ((عمر الدنيا))
فأشار إلى صنيع السيوطي ولم يذكر الأحاديث حتى ننظر فيها، والذي أعرفه أنه ليس في ذلك صحيح صريح
قال ((وقد أعرفنا أعرضنا كذلك عن إيراد أخبار الفتن وأشراط الساعة ونزول عيسى التي زخرت بها كتب السنة المعتمدة بين المسلمين والمقدسة من الشيوخ الحشويين))
أقول صدق الله تبارك وتعالى (39:1 بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله، كذلك كذب الذين من قبلهم، فانظر كيف كان عاقبة الظالمين))
قال ((وكذلك أهملنا ذكر الأحاديث الواردة في خروج النيل والفرات وسيحون وجيجون من أصل سدرة المنتهى فوق السماء السابعة وهي في البخاري وغيره))
17
أقول: الذي في صحيح البخاري في حديث الإسراء عند ذكر سدرة المنتهى ((وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران. فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران/ فالنيل والفرات)) وقد فسره أهل العلم بما فسروان ورأيت بعض العصريين يذكر وجهاً سأحكيه لينظر فيه، قال: لا ريب أن كل ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء حق، لكن منه ما كان بضرب من التمثيل يحتاج إلى تأويل، وقد ذكر في بعض الروايات أشياء من هذا القبيل، انظر فتح الباري 153:7، وقد يقال: إن سدرة المنتهى مع أنها حقيقة ضربت مثلاً لكمة الإسلام على نحوقوله تعالى (24:14 ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء) الآيات، وجعل مغرسها مثلاً للأرض التي ستثبت فيها كلمة الإسلام في الدنيا والأرض التي يرثها أهله في الجنة، فرمز إلى الأولى بما فيه مثال النيل والفرات، وإلى الثانية بما فيه مثال النهرين اللذين في الجنة، وكأنه قيل النبي صلى الله عليه وسلم: هذه كرامتك، كما يدفع الملك إلى من يكرمه وثيقة فيها رسم أرض معروفة فيها قصر وحديقة، فيكون معنى ذلك أ، ه أنعم بها عليه، أما سيحون وجيجون فلا ذكر لهما، نعم في حديث لمسلم تقدم ص132 ذكر سيحان وجيجان، وهما غير سيحون وجيجون
ثم قال أبورية ص215 ((كلمة جامعة .. . انتهى العلامة السيد رشيد رضا في تفسيره .. . إلى هذه النتائج القيمة: 1 - أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم الغيب .. . وإنما أعلمه الله ببعض الغيوب بما أنزل عليه في كتابه، وهوقسمان: صريح ومستنبط))
أقول اقتصر أبورية على هذا، مع أن في ذاك الموضع من تفسير المنار 54:9 زيادة فيها ((2 - إن الله تعالى اعلمه ببعض ما يقع في المستقبل بغير القرآن من الوحي .. .. 3 - إنه كان يتمثل له صلى الله عليه وسلم ببعض أمور المستقبل كأنه يراه كما ثمثلت له الجنة والنار عرض الحائط وكما تمثل له في أثناء حفر الخندق ما يفتح الله لأصحابه من الملك .. . وكشفه هذا حق، وهوما يسميه أهل الكتاب نبوءاتن وقد ظهر منه شيء كثير كالشمس .. ))
قال ((لا شك أن أكثر الأحاديث قد روى بالمعنى .. . فعلى هذا كان يروى كل أحد ما فهمه، وربما يقع في فهمه الخطأ لأن هذه أمور غيبية، وربما فسر بعض ما فهمه بألفاظ يزيدها .. .))
أقول: ليس من الحق إنكار هذا الاحتمال، لكن ليس من الحق أن يجاوز به حده فهواحتمال نادر يزيده أويدفعه البتة أن تتفق روايتان صحيحتان فأكثر، والظاهر الغالب من رواية الثقة هوالصواب، وبه يجب الحكم مالم تقم حجة صحية على الخطأ
171
ثم قال ((إن العابثين بالإسلام .. . قد وضعوا أحاديث كثيرة ... وراج كثير منها بإظهار رواتها للصلاح والتقوى))
أقول: راجع ما تقدم 61 - 65
قال ((ولم يعرف بعض الأحاديث الموضوعة إلا باعتراف من تاب إلى الله من واضعيها))
أقول: من تدبر ما تقدم ص 61 - 65 وغيرها تبين له أن من كان حده أن
يكذب لا يخفى على حاله على الأئمة، غاية الأمر أنهم قد يقتصرون على قولهم ((متهم بالكذب)) ونحوذلك. وبهذا تعلم أ نه لوفرض عدم اعتراف من اعترف لم يلزم من ذلك أن يحكموا لخبره الصحة
قال ص216 ((إن بعض الصحابة والتابعين كانوا يروون عن كل مسلم ... وقد ثبت أن الصحابة كان يروي بعضهم عن بعض وعن التابعين حتى عن كعب الأحبار وأمثاله))
أقول: راجع ما تقدم 73 - 75 - و82و89و94 - 99و19 - 11و157
قال ((والقاعدة عند أهل السنة أن جميع الصحابة عدول .. . وهي قاعدة أغلبية لا مطردة))
أقول: سيأتي النظر في هذا في فصل عدالة الصحابة
قال ((فكل حديث مشكل المتن أواضطراب الرواية أومخالف لسنن الله تعالى في الخلق أولأصول الدين أونصوصه القطعة أوللحسيات وأمثالها من القضايا اليقينية فهومظنة لما ذكرنا. فمن صدق رواية مما ذكر ولم يجد فيها إشكالاً فالأصل فيها الصدق، ومن ارتاب في شيء منها أوأورد بعض المرتابين أوالمشككين إشكالاً في متونها فليحمله على ما ذكرنا من عدم الثقة بالرواية .. ... ))
أقول لا أ دري ما عني بالمشكل، فإن كان راجعاً إلى ما أتي فذاك، أما المضطرب فحمه معروف عند أهل العلم، وأما المخالف لسنن الله فمن سنن الله تعالى أن يخرق العادة إذا اقتضت حكته، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة لا تحصى. وراجع الوحي المحمدي ص63.وأما المخالف لأصول الدين فراجع ص2، وأما المخالف لنصوصه القطعية فراجع ص14، وبالجملة لا نزاع أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يخبر عن ربه وغيبه باطل، فإن روى عنه خبر تقوم الحجة على بطلانه
فالخلل من الرواية ن لكن الشأن كل الشأن في الحكم بالبطلان، فقد كثر اختلاف الآراء والأهواء والنظريات وكثر غلطها، ومن تدبرها / وتدبر الرواية وأمعن فيها وهوممن رزقه الله تعالى ا لإخلاص للحق والتثبت علم أن احتمال خطأ الرواية التي يثبتها المحققون من أئمة الحديث أقل جداً من احتمال الخطأ الرأي والنظر، فعلى المؤمن إذا أشكل عليه حديث قد صححه الأئمة ولم تطاوعه نفسه على حمل الخطأ على رأيه ونظره أن يعلم أنه إن لم يكن الخل في رأيه ونظره وفهمه غير في الرواية، وليفزع إلى من يثق دينه وعلمه وتقواه مع الابتهال إلى الله عزوجل فإنه ولي التوفيق.
عدد مرات القراءة:
2683
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :