آخر تحديث للموقع :

الخميس 25 ذو القعدة 1441هـ الموافق:16 يوليو 2020م 07:07:23 بتوقيت مكة
   شارك برأيك ..   موقف الشيعة من المخالفين (مئات الوثائق) ..   من روايات الغلو في الأئمة عند الشيعة ..   كتاب فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب للنوري الطبرسي وأقوال بعض العلماء فيه ..   أبو طالب عند الشيعة من الأنبياء ..   مصطلح النواصب عند الشيعة يطلق على أهل السنة ..   الإباحية الجنسية عند الشيعة - نعمة الله الجزائري (أنموذجاً) ..   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   ماذا قالوا في موقع فيصل نور؟ ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع

الباطنية ..
مذهب الباطنية من أخبث وأردأ المذاهب، وأهله من عتاة الشر وأفسد المخلوقات، وهم أعدى أعداء المسلمين قديماً وحديثاً، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى بعض عقائدهم نحوالمسلمين، فذكر أن لهم في معاداة الإسلام وأهله وقائع مشهورة، فإذا كانت لهم مكنة يسفكون دماء المسلمين، وإن عجزوا لجئوا إلى الخطط والمؤامرات السرية ضدهم، وحينما استولوا على البحرين وصارت لهم فيه دولة عاثوا فساداً.
وكذلك حينما تمكنوا من الوصول إلى مكة والناس في الحج قتلوا الحجيج، بل حصدوهم كما تحصد الحشائش، وألقوا بجثثهم في بئر زمزم، وبعضهم دفنوهم في صحن المسجد، وبعضهم تركوهم جثثاً منثورة، ثم اقتلعوا الحجر الأسود وأخذوه معهم، وقتلوا من علماء المسلمين ومشائخهم وأمرائهم وجندهم ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى.
وهم دائماً مع كل عدوللمسلمين، فقد كانوا في أيام الحروب الصليبية أعظم أعوان النصارى، فلم يستول الصليبيون على السواحل الشامية إلا من جهتهم، وما دخل التتار بلاد المسلمين إلا بمعونتهم، فلقد كان النصير الطوسي أبرز عيونهم، ولقد كان الخليفة مغتراً.
وما أن دخل التتار بغداد حتى حرضهم النصير الطوسي على قتل الخليفة وعشرات الألوف من المسلمين، وهدم عليهم دورهم، وقتل النساء والأطفال، وسبى من أراد سبيه من نسائهم وفضحهن، وأغرق كثيراً من كتب المسلمين في نهر دجلة حتى تغير ماء النهر.
وأعظم أعيادهم هواليوم الذي يصيب المسلمين فيه بلاء وكرب، كيوم استيلاء الصليبيين على سواحل الشام، وكيوم استيلاء التتار على بغداد.
كما كانت أعظم مصائبهم يوم أن نصر الله المسلمين على التتار والصليبيين والعبيديين.
وقد أوجز البغدادي عداوة الفرق الباطنية للإسلام والمسلمين في كلامه الآتي فقال:
((اعلموا أسعدكم الله أن ضرر الباطنية على فرق المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى والمجوس عليهم، بل وأعظم من الدهرية وسائر أصناف الكفرة عليهم، بل أعظم من ضرر الدجال الذي يظهر في آخر الزمان، لأن الذين ضلوا عن الدين بدعوة الباطنية من وقت ظهور دعوتهم إلى يومنا أكثر من الذين يضلون بالدجال من وقت ظهوره، لأن فتنة الدجال لا تزيد مدتها عن أربعين يوماً وفضائح الباطنية أكثر من عدد الرمل والقطر)) (1).
والسبب أن من ذكرهم البغدادي خطرهم ظاهر وعداوتهم معروفة والناس يحذرونهم بطبيعة الحال، ولكن الضرر الشديد يأتي ممن يتظاهر بالإسلام فيغتر به المسلمون، فيطعنهم من خلفهم كما هوحال الباطنية في مختلف عصورهم، وقلما تجد كاتباً من علماء المسلمين من المؤرخين وعلماء الفرق إلا وهويذكر من أفعال هؤلاء بالمسلمين ما تقشعر له الجلود.
وقد وصف ابن كثير رحمه الله عداوتهم ووقيعتهم بالمسلمين حينما قادهم أبوطاهر الجنابي ووصلوا إلى مكة، والناس في الحج آمنون مطمئنون ... قال عن ذلك:
((فانتهب أموالهم، واستباح قتالهم، فقتل في رحاب مكة وشعابها وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة من الحجاج خلقاً كثيراً، وجلس أميرهم أبوطاهر لعنه الله على باب الكعبة والرجال تصرع حوله، والسيوف تعمل في الناس في المسجد الحرام، في الشهر الحرام، في يوم التروية الذي هومن أشرف الأيام وهويقول: ((أنا الله وبالله أنا، أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا)). فكان الناس يفروّن منهم فيتعلقون بأستار الكعبة فلا يجدي ذلك عنهم شيئاً بل يقتلون وهم كذلك، ويطوفون فيقتلون وهم في الطواف ... ))) إلى أن قال:
((فلما قضى القرمطي لعنه الله أمره، وفعل ما فعل بالحجيج من الأفاعيل القبيحة أمر أن تدفن القتلى في بئر زمزم ودفن كثيراً منهم في أماكنهم من الحرم وفي المسجد الحرام. وهدم قبّة زمزم، وأمر بقلع باب الكعبة ونزع كسوتها عنها وشققها بين أصحابه ... )) (2) الخ ما ذكره عن جرم هؤلاء، وقد حدد بعض العلماء عدد من قتل بثلاثة عشرة ألف نسمة (3).
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أشد المحذرين من الباطنية لمعرفته الواسعة بمذاهبهم، وقد أجاب من سأله عنهم بجواب طويل جاء فيه:
((هؤلاء القوم المسمَّونْ بالنصيرية (4) هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار التتار والفرنج وغيرهم، فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع وموالاة أهل البيت، وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسلوله ولا بكتابه ولا بأمر ولا بنهي ولا بثواب ولا بعقاب ولا بجنة ولا بنار ... )).
إلى أن قال: ((فإن كانت لهم مكنة سفكوا دماء المسلمين كما قتلوا مرة الحجاج وألقوهم في بئر زمزم ... )) إلى أن قال: ومن المعلوم عندنا أن السواحل الشامية إنما استولى عليها النصارى من جهتهم، وهم دائماً مع كل عدوللمسلمين، فهم مع النصارى على المسلمين، ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار.
ومن أعظم أعيادهم إذا استولى -والعياذ بالله- النصارى على ثغور الإسلام.
ثم إن التتار ما دخلوا بلاد الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعونتهم ومؤازرتهم، فإن منجم هولاكوالذي كان وزيرهم وهوالنصير الطوسي، كان وزيراً لهم بالموث، وهوالذي أمر بقتل الخليفة وبولاية هؤلاء)) (5).
وفي كتب الباطنية من المدح والتمجيد لهذا المجرم ما لا يستحقه. يقول مصطفى غالب عنه:
((حتى أخضع هولاكوخان قلعتي ((آلموت))، ((ميمون دز)) فعثر على هذا الفيلسوف الكبير في مرصد القلعة، فاقتاده الجند إلى هولاكوخان، ولما مثل بين يديه أكرمه وطلب منه أن يلتحق بخدمته كوزير له، فرفض في بادئ الأمر إلا إذا أمن على أرواح وممتلكات الإسماعيلية، فوعده خيراً شريطة أن يرافقه في حملته على بغداد، وهكذا انتقل هذا الفيلسوف العظيم إلى خدمة هولاكوخان بعد أن أخذ منه العهد على المحافظة على الإسماعيلية)).
ثم قال عن إشارته على هولاكوبقتل خليفة المسلمين:
((وبعد أن تم لهولاكواحتلال بغداد أشار عليه بأن يقتل آخر خلفاء بني العباس المستعصم بالله)).
ثم قال عن سرقته كتب المسلمين، ونهب ما شاء منها:
((واغتنم فرصة وجوده في بغداد، فجمع كل ما تمكن من جمعه من الكتب النادرة، وقيل: إن مكتبته أصبحت بعد فتح بغداد- انظر كيف يسمي تلك الفاجعة فتحاً -تضم أكثر من أربعمائة ألف مجلد)) (6).
ولقد ظل هؤلاء على عداوتهم للمسلمين، ورغم تشتت النصيرية قديماً لكنهم ظلوا يعملون في الخفاء بنشاط، إلى أن استطاعوا الوصول إلى الحكم في سوريا في هذا العصر على حين غفلة من المسلمين، فما كان لهم همّ مثل همِّهم القضاء على المسلمين أهل السنة في سوريا وفي غيرها، وأفعالهم اليوم تعيد إلى الأذهان فعل أسلافهم قديماً.
ولهم في الحروب التي جرت بين العرب واليهود في سنة 1967م تعاون ظاهر وخفي، إذ مكنوا- كما قال المطلعون على أخبارهم اليهود من احتلال أجزاء كبيرة من سوريا -هضبة الجولان والقنيطرة- ومن الأردن ومن لبنان لقاء اتفاقيات سرية ومصالح مشتركة (7).
ومن المؤسف أن تجد الكثير من أهل الكتب من أهل السنة قد انخدع بنفاق هؤلاء الباطنية، فصادقوهم وأمدوهم بالأموال متناسين ما تنطوي عليه نيات هؤلاء، ظانين أن تغير الأسماء قد أخرجهم عن ديانتهم وحقدهم على المسلمين.
متى ظهر مذهب الباطنية
اختلفت كلمة العلماء حول تحديد ظهور هذا المبدأ الهدام- على نحوما قدمنا في بيان بدء- ظهور الفرق- وقد ذهب بعض العلماء إلى التحديد بالزمن، فذكر أن الباطنية ظهر مذهبهم في سنة 2.5هـ وقال آخرون: في سنة 25.هـ، وبعض العلماء يقول: مائتين وكسر.
وذكر أصحاب التواريخ أن دعوة الباطنية ظهرت في زمن المأمون وانتشرت في عهد المعتصم، ومنهم من نسب الباطنية إلى الصابئين بحرّان، ويذكر البغدادي أنهم دهرية زنادقة.
ويقول الديلمي في بيانه لنشأتهم:
((اعلم أن ابتداء وضع مذهب الباطنية - سلط الله عليهم طوفان نوح- وريح عاد وحجارة لوط، وصاعقة ثمود -كان في سنة خمسين ومائتين من الهجرة)) (8).
وقال عندما شرع في تفصيل مذهبهم:
((اعلم أن مذهب الفرقة الغويّة الضالة الشقية المسماة بالباطنية -قطع الله دابرها، وبتَّ أواخرها، وألحق أولها بآخرها -على ما نقله العلماء -حدث بعد مائتي سنة وكسر من الهجرة)) (9).
ويقول البغدادي في بدء ظهور الباطنية:
((ومنهم من نسب الباطنية إلى الصابئين الذين هم بحرّان ... )) إلى أن يقول: ((قال عبد القاهر: الذي يصح عندي من دين الباطنية أنهم دهرية زنادقة يقولون بقدم العالم)) (1.).
بينما يذهب الشيخ محمد بن مالك بن أبي الفضائل الحمادي إلى أن نشأة الباطنية كان في سنة مائتين وست وسبعين، حينما قام زعيمهم ميمون القداح بإنشاء هذا المذهب الخبيث وهووزملاؤه الذين كانوا على شاكلته (11).
والذي يظهر لي أن سبب اختلاف العلماء في تحديد نشأة الباطنية يعود إلى عوامل عدة من أهمها:
غموض أمر الباطنية في أدوار كثيرة مرّ بها تاريخهم، كل واحد من العلماء أرّخ لهم حسب ما وصل إليه من أخبارهم.
أن مذهب الباطنية نفسه يقبل تلك الاختلافات ... فمن قال: إنهم ظهروا في الإسلام، فلما يبدونه من تظاهرهم به وتشيعهم أيضاً لآل البيت.
ومن قال: إن أفكارهم تعود إلى ما قبل الإسلام من أفكار الصابئة أوالدهرية، فلما وجده من آرائهم الكثيرة التي بدا عليها طابع الدهرية أوالفلاسفة القدماء أوالبرهمية أواليهودية أوالنصرانية أوالبوذية، لأن مذهب الباطنية خليط من شتى الديانات.
والحقيقة التي يجب أن ندركها أن مهما كانت الأسباب فإن الدعوة الباطنية يحوطها كثير من الغموض خصوصاً في بدء أمرها، أي في الدور الذي يسمونه ((دور الستر))؛ إذ لا يتمكن أحد من معرفتهم والكتابة عنهم الكتابة الدقيقة، ومهما كان فإن عقائد الباطنية على العموم قد استمدت من عقائد قديمة.
ولكن بدأ التخطيط لإقامة هذا المذهب في الإسلام كما يترجح من أقوال العلماء ما بين سنة 2 .. و3 .. هـ أي بعد انتشار الإسلام وعز أهله به، وانطفاء نار المجوسية، كسر صليب النصارى، وكسر طاغوت الوثنية، ودحر اليهودية، وضرب الذلة والمسكنة عليهم.
فأكل الحسد قلوبهم، وبدأوا يخططون في الخفاء لطريق ينفّسون بها عن أحقادهم للنيل من الإسلام وأهله، فاهتدوا إلى هذه الطرق التي سيأتي الحديث عنها، ليستيقن طالب العلم أن ما نعايشه في عصرنا هذا من مؤامرات ظاهرة وخفية على الإسلام وأهله إنما هوامتداد لتلك الحركات الأصول في ذلك الزمن، وإنما تخمد حيناً وتنشط أحياناً أخرى، والهدف واحد على امتداد الزمن.
الغرض من إقامة هذا المذهب وكيف تأسس
قام هذا المذهب الهدام من أول الأمر على النيل من الإسلام وأهله، إما بإخراج المسلم عن دينه بالكلية، أوبإدخال الشكوك في قلبه.
ولقد استفاض العلماء في بيان ذلك كله، واتضح أن قيام هذا المذهب كان لأسباب كثيرة ومقاصد خبيثة من أهمها:
إبطال الإسلام والقضاء عليه وعلى أهله، أوزعزعته من نفوس المسلمين أوتشكيكهم فيه، وإحلال المجوسية والإلحاد محله.
من أجل ذلك، ومن أجل إقامة حكم عام في الأرض تسيطر عليه الآراء الباطنية، وينفذ فيه حكمها .. قام هذا المذهب.
واتخذ أهله عدّة أقنعة تستّروا بها لتحقيق ما يهدفون إليه منها:
اعتمادهم على تأويل النصوص تأويلات تنافي ما يقرره الإسلام ويأمر به.
إظهار التشيع لعلمهم بأن مذهب التشيع يحتمل كلامهم، إذ لم يجدوا مدخلاً إلى الإسلام إلا من جهة إظهار التشيع والانتساب إلى المذهب الشيعي.
وقد تم تأسيس هذا المذهب -فيما يذكر الغزالي (12) - كما يلي:
((تم في اجتماع لقوم من أولاد المجوس والمزدكية وشرذمة من الثنوية الملحدين، وطائفة كبيرة من ملحدة الفلاسفة المتقدمين، -زاد الديلمي: وبقايا الخرمية واليهود- .. جمعهم ناد واشتوروا (13) في حيلة يدفعون بها الإسلام.
وقالوا: إن محمداً غلب علينا وأبطل ديننا، واتفق له من الأعوان ما لم نقدر على مقابلتهم، ولا مطمع لنا في نزع ما في أيدي المسلمين من المملكة بالسيف والحرب، لقوة شوكتهم وكثرة جنودهم، وكذلك لا مطمع لنا فيهم من قبيل المناظرة لما فيهم من العلماء والفضلاء والمتكلمين والمحققين فلم يبق إلا اللجوء إلى الحيل والدسائس.
ثم اتفقوا على وضع حيل وخطط مدروسة يسيرون عليها لتحقيق أهدافهم من خلال الأمور التالية:
التظاهر بالإسلام وحب آل البيت والانتصاف لهم.
دعوى أن النصوص لها ظاهر وباطن، والظاهر قشور والباطن لبّ، والعاقل يأخذ اللبّ ويترك القشور.
وهذا الزعم الكاذب يريدون من ورائه سلب المعاني عن الألفاظ، والإتيان بمعان باطنية تتفق مع ما يهدفون إليه من الكيد للإسلام.
اختاروا أن يدخلوا على المسلمين عن طريق التشيع، وعلى مذهب الرافضة، وإن كان هؤلاء الباطنيون يعتبرون الروافض أيضاً على ضلال، إلا أنهم رأوهم- على حد ما ذكر الغزالي- أرّك الناس عقولاً، وأسخفهم رأياً، وألينهم عريكة لقبول المحالات، وأطوعهم للتصديق بالأكاذيب المزخرفات (14)، وأكثر الناس قبولاً لما يلقى عليهم من الروايات الواهية الكاذبة، فتستروا بالانتساب إليهم ظاهراً للوصول إلى أصناف الناس، فكان ظاهرهم الرفض، وباطنهم الكفر المحض)) كما ذكر الغزالي (15).
أوكما قال بعض العلماء: إن الإمامية دهليز الباطنية ... وهذا هوالتفسير الواضح لما تلحظ من التقارب الشديد بين الباطنية والرافضة.
اتفقوا أن يبثوا دعاتهم وأن يلزموهم بخطة ماكرة، وهي أنه يجب على كل داعية أن يوافق هوى المدعومهما كان مذهبه ودينه مستعملاً معه الحيل التسع المعروفة عنهم والتي سنذكرها فيما بعد.
وكان من أبرز دعاتهم ميمون بن ديصان القدّاح، وهورئيسهم (16)، وابنه عبيد الله، وحمدان قرمط (17)، وزكرويه بن مهرويه -عبدان-، وأبوسعيد الجنابي، وولده أبوطاهر (18) ... وغيرهم ممن يطول حصرهم هنا.
وقد تحمل دعاة الباطنية كثيراً من المشقة والآلام والأسفار الكثيرة في نشر باطلهم من بلد إلى بلد، مما يتوجب على أهل الحق- وهم يعرفون بأنهم سيحصلون من دعوتهم إلى الله على خيري الدنيا والآخرة - ألا يكون هؤلاء الطغاة أكثر حماساً وصبراً منهم في نشر باطلهم.
أسماء الباطنية
وسبب تسميتهم بتلك الأسماء
أطلقت على هذه الطائفة أسماء كثيرة للتمويه على الناس، بعضها يقبلونه وبعضها لا يقبلونه، ومن أشهرها:
1 - الباطنية:
... وقد أطلق عليهم هذا الاسم لزعمهم أن النصوص من الكتاب والسنة لها ظاهر وباطن، وأن الظاهر بمنزلة القشور والباطن بمنزلة اللب (19).
2 - الإسماعيلية:
نسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق لزعمهم الانتساب إليه (2.) لأن والده جعفر الصادق نص إلى إمامته من بعده، وأوصى له بها رغم أن علماء النسب مجمعون على أن إسماعيل مات في حياة والده سنة (145هـ)، لكن الإسماعيليون يزعمون أن إسماعيل لم يمت في حياة والده وفي العام المذكور.
بل إن أباه قد جعله وصيه، ولخوفه عليه من الخليفة العباسي احتال لإخفائه عنه فكتب محظراً بوفاته وأشهد عليه عامل المنصور العباسي بالمدينة المنورة، وفي نفس الوقت توجّه إسماعيل سراً إلى (السلمية) وهي من أعمال حماة، وإلى الجنوب الشرقي منها، بينهما 35كم، وهي مركز الإسماعيلية حيث كان يقيم فيها آنذاك رهط من بني هاشم، وانتسب إليهم فعرفوه وأقام بينهم.
يقول مصطفى غالب عن سلمية هذه:
((ويكفي سلميّة فخراً أنها أنجبت جماعة إخوان الصفا، ومنها انطلقت جحافل الإمام عبيد الله المهدي لتأسيس الدولة الفاطمية في المغرب)).
ثم يزعم الإسماعيليون أن الخليفة العباسي علم بمكان إسماعيل في السلمية، وحينئذ خرج إسماعيل متخفياً إلى دمشق، وعلم به كذلك الخليفة، وكان العامل على دمشق إسماعيلياً فأخبر إسماعيل بما كتب به الخليفة من إلقاء القبض على إسماعيل وإرساله إلى الخليفة.
فقرر إسماعيل التوجه إلى العراق ووصل البصرة سنة 151هـ، ثم ظل ينتقل بين أتباعه سراً وتحت أزياء مختلفة وأسماء عديدة إلى أن توفي سنة 158هـ بعد أن رزق -حسب زعمهم- من الأولاد محمد وعلي وفاطمة، وبعد أن أوصى بالإمامة من بعده إلى محمد (21).
وقد حصل شقاق وتفرق بين الإمامية والإسماعيلية في سوق الإمامة، فبينما هي عند الشيعة الاثني عشرية في جعفر الصادق ثم في موسى الكاظم، إذا هي عند الإسماعيلية في جعفر الصادق ثم في ابنه إسماعيل ثم في محمد بن إسماعيل .. إلى آخر أئمتهم المستورين.
وقد تفرقت الإسماعيلية إلى ثلاث فرق معاصرة هي:
أ- الدروز.
ب- الإسماعيلية النزارية-البهرة-.
ج- الإسماعيلية الأغا خانية.
وأخبار الإسماعيلية طويلة، وقد كتب فيها الشيخ إحسان إلهي كتاباً مستقلاً (22).
3 - السبعية:
قيل في سبب إطلاق هذه التسمية عليهم ما يلي:
أ- لدعواهم أن أدوار الإمامة سبعة سبعة، كلما انتهى حكم سبعة من الأئمة قامت القيامة وابتدأ الدور من جديد إلى ما لا نهاية.
ثم لشغفهم بالعدد سبعة حيث فسروا كثيراً من الأمور على وفق هذا العدد، فقالوا: إن السموات سبع، والأرضين سبع، والكواكب السيارة سبعة، والأيام سبعة، وأعضاء الإنسان سبعة، والنقب في رأس الإنسان سبعة ... إلى آخر أدلتهم على مزية العدد سبعة.
وقد رد بعض العلماء على الإسماعيلية بتفضيل بعض الأعداد على السبعة، إما الأربعة، أوالخمسة، أوالعشرة، وكل ذلك مما لا طائل تحته ولا حاجة تدعوإليه، والذين يتشاءمون بالأعداد أويتفاءلون بها جهال.
ب- وقيل: إنه أطلق عليهم بسبب اعتقادهم أن العالم السفلي تديره الكواكب السبعة وهي: زحل، المشتري، عطارد، المريخ، الزهرة، الشمس، القمر. وهي عقيدة مأخوذة من ملاحدة المنجمين (23).
((وملتفت إلى مذاهب الثنوية في أن النور يدبر أجزاءه الممتزجة بالظلمة بهذه الكواكب السبعة)) (24).
4 - التعليمية:
وقد أطلق عليهم بسبب أن مذهبهم قائم على الحجر على العقل، وإبطال النظر والاستدلال، والدعوة إلى الإمام المعصوم المستور، وأن العلم لا يجوز أخذه إلا منه.
واستدلوا لهذا بأن الحق إما أن يعرف بالرأي أوبالتعليم، وباطل أن يعرف بالرأي لتعارض الآراء واختلاف العقلاء، فلم يبق إلا أن يعرف بالتعليم، والعلم لا يجوز أخذه عن أحد غير الإمام المعصوم لضمان صحته والوثوق به (25).
وهذا الدليل من أردأ الأدلة، بل هويحكي رداءة مذهبهم وأفكارهم الشريرة.
ويرد عليهم بأن الإمام الذي يدعون إليه وإلى أخذ العلم عنه لا وجود له إلا في أذهانهم وفي خططهم لاحتواء كل الأديان والسيطرة على الناس، فإن دعواهم أنه مستور لا يظهر هوأقوى الأدلة على كذبهم.
5 - الإباحيّة:
وهذه التسمية التي أطلقت عليهم في الواقع مأخوذة من اعتقاداتهم وأفعالهم، وهم لذلك أهل إباحة لا يحرمون محرّما ولا يلتزمون بشرع، بل الحلال ما حل في أيديهم، والحرام ما منعوا منه. ويستدلون على هذا المسلك بقول الله عز وجل: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً} (26)
ومن أدلتهم على ما يذهبون إليه أيضاً من استحلال المحرمات حسب بواطن النصوص التي اطلعوا عليها بفهمهم السقيم قول الله عز وجل: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} (27)، وقوله عز وجل: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ} (28)، أي أن فيه حكماً ظاهراً وحكماً باطناً.
فقالوا: إن الظواهر من النصوص قد تدل على التحريم، بينما بواطنها تدل على الإباحة، وهذه حيلة من حيلهم لاستدراج الناس إلى مذاهبهم الرديئة وحججهم الباطلة على أن الأحكام لها ظاهر ولها باطن، فهم يريدون من التأكيد على هذا المفهوم هدم ظواهر النصوص بعد ذلك بتلاعبهم بمعانيها وفق أهوائهم وتحريفاتهم.
6 - القرامطة (29):
أما سبب تسميتهم بهذا الاسم فلانتسابهم إلى رجل يقال له حمدان قرمط، وهورجل من أهل الكوفة، وقد كان راعياً مائلاً إلى الزهد والديانة (3.) -فيما يذكر عنه- في بداية حياته، وقيل: إنه كان يتظاهر بذلك وأنه على المجوسية (31) فصادفه أحد دعاة الباطنية -ويسمى حسين الأهوازي- وهومتوجه إلى قريته، وبين يدي حمدان بقر يسوقها، فدارت بينهما المحادثة التالية:
قال حمدان لذلك الداعي وهولا يعرفه ولا يعرف حاله: أراك سافرت من موضع بعيد فأين مقصدك؟ (انظر إلى تفاني أهل الباطل في تبليغ الناس باطلهم).
فذكر له الداعي موضعاً هوقرية حمدان.
فقال له حمدان: اركب بقرة من هذا البقر لتستريح من تعب المشي- فلما رآه مائلاً إلى الزهد والديانة أتاه من حيث رآه مائلاً إليه، وهذه إحدى خطط الباطنية - فقال له: إني لم أومر بذلك.
فقال حمدان: وكأنك لا تعمل إلا بأمر؟
قال: نعم.
قال حمدان: وبأمر من تعمل؟
فقال الداعي: بأمر مالكي ومالكك ومن له الدنيا والآخرة.
فقال: ذلك هورب العالمين.
فقال الداعي: صدقت، ولكن الله يهب ملكه لمن يشاء.
قال حمدان: وما غرضك في البقعة التي أنت متوجه إليها؟
قال: أمرت أن أدعوأهلها وأخرجهم من الجهل إلى العلم، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الشقاوة إلى السعادة، وأن أستنقذهم من ورطات الذل والفقر، وأملكهم ما يستغنون به عن الكد والتعب.
فقال حمدان: أنقذني أنقذك الله فما أشد احتياجي إلى مثل ما ذكرته.
فتحرج الداعي أن يخبره بشيء حتى يأخذ عليه العهد أن لا يفشي سرّ الإمام المعصوم المستور، ولا يفشي له خبر- وهذه إحدى حيل الباطنية -فعاهده حمدان على ذلك، فشرع الداعي في استدراجه إلى الباطنية حتى صار فيما بعد ركناً من أركانها، وصار له أتباع وفرقة تنسب إليه تسمى (القرامطة) أو (القرمطية) كان لهم في تاريخ الأمة الإسلامية حوادث هائلة، وأخبار بتنكيلهم بالمسلمين مؤسفة (32).
قال ابن كثير رحمه الله في حوادث سنة 278هـ:
((وفيما تحركت القرامطة، وهم فرقة من الزنادقة الملاحدة أتباع الفلاسفة من الفرس الذين يعتقدون بنبوة زرادشت ومزدك، وكانا يبيحان المحرمات، ثم هم بعد ذلك أتباع كل ناعق إلى باطل، وأكثر ما يفسدون من جهة الرافضة، ويدخلون إلى الباطل من جهتهم، لأنهم أقل الناس عقولاً، ويقال لهم الإسماعيلية لانتسابهم إلى إسماعيل الأعرج ابن جعفر الصادق (33).
وفي سنة 286 تحرك القرامطة برئاسة أبي سعيد الحسن بن بهرام الحنابي واستولوا على هجر وما حولها من البلاد وأكثروا فيها الفساد.
وقد كان أبوسعيد هذا سمساراً في الطعام يبيعه للناس في القطيف، فجاء بعض الدعاة الباطنيون إلى شيعة القطيف فاستجابوا له وتأمر عليهم أبوسعيد الجنابي، وأصله من بلدة جنابه قريبة من القطيف، وعاثوا في الأرض فساداً وأخافوا أهل العراق والشام إلى أن هلك أبوسعيد هذا في عام3.1هـ فتولى بعده ولده أبوطاهر الجنابي وكثر دعاة القرامطة وصارت لهم دولة (34).
وفي سنة 317هـ اشتدت شوكتهم جداً وتمكنوا من الوصول إلى الكعبة، والناس يوم التروية، فما شعروا إلا والقرامطة برئاسة أبي طاهر الجنابي قد انتهبوا أموالهم وقتلوا كل من وجدوا من الحجيج في رحاب مكة وشعابها وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة.
وجلس أميرهم أبوطاهر -بل أبوالنجس- على باب الكعبة والرجال تصرع حوله، والسيوف تعمل في المسجد الحرام، في الشهر الحرام، في يوم التروية، وكان يقول هذا الملعون: أنا الله وبالله أنا، أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا -تعالى الله عما يقول علواً كبيراً-، ولم يدع أحداً طائفاً أومتعلقاً بأستار الكعبة إلا قتله.
ثم أمر بإلقاء القتلى في بئر زمزم، وأمر بقلع باب الكعبة، ونزع كسوتها عنها، ثم أمر بأن يقلع الحجر الأسود، فجاء قرمطي فضرب الحجر بمثقل في يده وهويقول: أين الطير الأبابيل، أين الحجارة من سجيل، ثم قلعه وأخذوه معهم، فمكث عندهم اثنين وعشرين سنة (35)، وهوابتلاء من الله للمسلمين في ذلك الوقت.
وفي نفس هذه السنة نبغت لهم نابغة في بلاد المغرب عرفت باسم الفاطميين على يد زعيمهم أبي محمد عبيد الله بن ميمون القداح، وكان يهودياً صباغاً بسلمية فادعى أنه أسلم ثم سافر من سلمية فدخل بلاد المغرب، وادعى أنه شريف فاطمي فصدقته طائفة كثيرة من البربر حتى صارت له دولة فملك مدينة سجلماسة (36)، ثم ابتنى مدينة سماها المهدية، وانتزع الملك من يد أبي نصر زيادة الله آخر ملوك بني الأغلب على أفريقية، وقد اختلف في نسبه:
فمرة قيل: هوعبيد الله بين الحسن بن محمد، وينتهي نسبه إلى علي بن أبي طالب.
ومرة قيل: إنه من نسل إسماعيل بن جعفر الصادق.
قال ابن خلكان:
((والمحققون ينكرون دعواه في النسب وينصون على أن هؤلاء المتسمين بالفاطميين أدعياء، وأنهم من أصل يهودي من سلمية بالشام، وأن والده لقب بالقداح لأنه كان كحالاً يقدح العيون، وقد هلك عبيد الله سنة 322هـ.
وتمكن حفيده المعز من الاستيلاء على مصر واستمر ملك العبيديين بها نحوقرنين من الزمان، إلى أن قضى عليهم بطل الإسلام صلاح الدين الأيوبي في سنة 564هـ وأزال منها كل آثار العبيديين وقطع شرورهم عن الناس، وأراح الله منهم العباد.
أماكن وجود القرامطة:
مما يجدر ذكره أن القرامطة توزعوا إلى أقسام، وأخذوا أماكن كثيرة تجمعوا فيها؛ ويمكن أن نوجز أماكن تجمعاتهم فيما يلي:
1 - في اليمن:
وقد تزعم القرامطة في أول الأمر رجلان، وهما: المنصور بن الحسن بن زاذان، وعلي بن الفضل الجدني، أرسلهما ميمون ين ديصان القداح، وقد تلقب المنصور بمنصور اليمن، واجتمع حوله عدد من القبائل، وأظهر الدعوة باسم الإمام الإسماعيلي المنتظر، وقد تمكن عام 266هـ أن يؤسس أول دولة إسماعيلية، وقام بنشاط كبير، ثم أرسل الدعاة إلى عدة جهات بعيدة عن مركز الخلافة العباسية، مثل الداعية عبيد الله المهدي الذي ذهب إلى المغرب، وادعى كذباً أنه شريف فاطمي من آل البيت، وكون هناك -كما سبق- دولة.
وكان علي بن الفضل الجدني أيضاً من أصدقاء المنصور إلا أنه اختلف معه فيما بعد، وقامت بينهما حروب حين تمكن علي بن الفضل من جمع عدة قبائل حوله، ثم ادعى النبوة وأباح المحرمات، وكان المؤذن يؤذن في مجلسه: ((وأشهد أن علي بن الفضل رسول الله))، وامتد له العتووالفجور فكان يكتب إلى عماله: ((من باسط الأرض وداحيها، ومزلزل الجبال ومرسيها علي بن الفضل إلى عبده فلان ... ))). إلى أن مات مسموماً بواسطة طبيب أقسم ليقتلنه غيرة لله، فتم له ذلك في سنة 3.3هـ (37).
2 - العراق:
والمعروف أن جنوب العراق القريب من فارس أرض الشيعة ومهدها الأول، ومركز الجهل والخرافات أيضاً، كان القاعدة والمركز الأساسي لانتشار القرامطة، وقد نشط الدعاة من الإسماعيلية هنا أمثال مهرويه وهومجوسي من أصل فارسي، وحسين الأهوازي وهوفارسي وانتسب إلى الأهواز لإخفاء شخصيته، لأن الأهواز كانت عربية وتسمى ((الأحواز))، وعبيد الله بن ميمون القداح رأس الدعوة الإسماعيلية الذي فرق أولاده في أماكن كثيرة من تلك الجهات.
ونشط دعاة آخرون متسترون بالدين وبالانتساب إلى آل البيت وقلوبهم المجوسية تغلي على الإسلام والمسلمين، وبسطوا نفوذهم في أماكن كثيرة من الأهواز وخراسان والشام إلى أن قتل آخر زعمائهم وهوزكرويه عام 3.1هـ، وتشتت أتباعه في تفاصيل كثيرة يذكرها علماء الفرق (38).
ولقد كان أساس نشأة القرامطة في العراق بتأثير من حمدان قرمط الذي تأثر بدعوة حسين الأهوازي حين خرج من سلمية في الشام قاصداً العراق فصادف حمدان وجرى بينهما ما قدمنا الإشارة إليه من تلك المحادثة التي أعقبها دخول حمدان في دعوة الباطنية، ثم كان له بعد ذلك شأن كبير في إشاعة الفساد وتخويف الآمنين.
((وقد قدر عدد الضحايا الذين سقطوا في حروب القرامطة من أهل الشام ومن البوادي ومن الحجيج ومن أهل المدن، ومن جند مصر، ومن جند العراق بما يزيد على 6 ...... بين رجل وامرأة وطفل)) (39).
3 - البحرين:
أول ما عرف شأن القرامطة في البحرين كان على يد شخص نزل البحرين وأعطى نفسه اسم يحيى بن المهدي (4.)، وبعضهم يقول: الحسن بن بهرام الفارسي (41).
وقد استمال إليه الناس بالتدريج فأظهر بالتدرج أولاً أنه شيعي، وحينما رأى إقبال الناس ادعى أنه المهدي المنتظر.
وكانت الدولة العباسية قد بدأت في مراحل الضعف واشتغلت بمشاكلها الداخلية الكثيرة، وقد تبع هذا الداعية رجال كان لهم شهرة وقيادة مثل الحسن ابن بهرام الذي عرف باسم أبي سعيد الجنابي، الذي عاث في الأرض فساداً، وأذاق الناس القتل والجوع إلى أن قتل عام 3.1هـ، وتولى بعده أبوطاهر، وفعل أفعالاً تقشعر منها الجلود من القتل والنهب، فقد دخل البصرة عام 311هـ في 27 .. من رجاله فقتل خلقاً عظيماً وحمل الأموال والأمتعة والنساء والصبيان ورجع بها.
وفي عام 312هـ قطع على الحجاج الطريق، فأخذ منهم جميع ما يملكون، وترك من لم يقتله منهم بلا ماء ولا زاد، فمات أكثرهم في تلك القفار.
وفي عام 313هـ دخل الكوفة وعاث فيها فساداً مدة ستة أيام نقل خلالها ما أراد من الأمتعة، وفعل ما فعله في العام السابق، وأغار على مدينة الأنبار وعين التمر.
وفي عام 317هـ فعل فعلته الكبرى فهجم على الحجاج في يوم التروية كما تقدم، فنهب الأموال، وقتل الحجاج في المسجد الحرام، وفي البيت نفسه، ورمى القتلى في بئر زمزم حتى امتلأت بالجثث، وخلع باب الكعبة ووقف يلعب بسيفه على بابها، وخلع الحجر الأسود ورجع به إلى بلده وبقي معهم اثنتين وعشرين سنة، إلى أن رده هؤلاء القرامطة بتأثير من الفاطميين في المغرب، وهم الذين أمروهم برد الحجر الأسود إلى مكانه بعد أن ساءت سمعتهم كثيراً في العالم الإسلامي، ولحق الفاطميين بالمغرب شيء من سوء تصرفاتهم، فسعوا في إرجاع الحجر الأسود إلى البيت تغطية لشنائعهم.
ووصل نفوذ هؤلاء القرامطة إلى نجد والحجاز والشام، وأرادوا القاهرة إلا أنهم صدّوا من قبل جوهر الصقلي.
ثم تناوب عدة زعماء إلى أن أراد الله إهلاكهم فقام أحد زعماء قبيلة بني عبد القيس المشهورة، وهوعبيد الله بن علي العيوني فاستعان بالخلفية العباسي القائم بأمر الله، كما استعان بالسلطان السلجوقي ((ملكشاه))، وجاءت القوات العباسية وساعدت عبيد الله بن علي العيوني، وقضت على القرامطة نهائياً في عام 467هـ وأراح الله منهم العباد، وطهر منهم البلاد (42).
ويذكر العلماء أحداثاً كثرة لتحركات قرامطة البحرين، وما فعلوه من قتلهم المسلمين وتخريب بلدانهم لا نرى ضرورة للتطويل بذكرها، إذ إن خلاصتها أن هؤلاء الذين يتظاهرون بالتشيع والإسلام فعلوا ما لم يفعله سائر الكفار غير التتار.
7 - الملاحدة:
لأنهم ينفون وجود الله عز وجل ويقولون بتأثير الكواكب (43).
هكذا يذكر الديلمي، وهوالواقع، ولا يرد على هذا ما يوجد عندهم من ذكر الله تعالى وذكر صفاته عز وجل فقد وصفوا الله تعالى بصفات سلبية مؤداها إنكار وجوده تعالى.
8 - المزدكية:
نسبة إلى رجل يقال له مزدك، قيل: إنه رئيس الخرمية، وقيل غير ذلك (44)، ولعله غير مزدك صاحب الشيوعية الأولى، ثم أطلق على الباطنية لمشابهتهم مذهب مزدك.
9 - البابكية:
لانتسابهم إلى بابك الخرمي، خرج في أيام المعتصم بناحية أذربيجان، فجهز لهم الجيوش حتى قتلهم.
وقد كان من إباحية هؤلاء البابكية أن لهم ليلة يجتمع فيها رجالهم ونساؤهم ويطفئون السرج ثم يتناهبون النساء، فيبيت كل واحد مع امرأة، ويزعمون أن من احتوى على امرأة استحلها بالاصطياد كائنة من كانت، وأن هذا الصيد من أطيب المباحات بزعمهم، وتسمى هذه الليلة ((ليلة الإفاضة))، وهوعمل لا تقبل به حتى البهائم، وقبلته عقولهم التي هي أحط من عقول البهائم.
إضافة إلى أنهم يدعون نبوة رجل كان من ملوكهم قبل الإسلام يقال له ((شروين))، يزعمون أنه أفضل من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومن سائر الأنبياء (45).
1. - الخرمية أوالخرمدينية:
وكلمة ((خرم)) أعجمية، ومعناها: الشيء المستلذ المستطاب الذي ترتاح له النفس، وهومن باب الدعاية لمذهبهم الذي هورفع التكاليف وتسليط الناس على ارتكاب الشهوات، وهولقب كان يطلق على المزدكية قبل الإسلام وهم أصحاب الشيوعية الأولى، الإباحية الذين ظهروا في عهد قياذ، وقضى عليهم ولده أنوشروان (46).
وهم الذين قال فيهم أبوالحسين الملطي عند ذكره لأصناف الفرق: ((وإنما سموا مزدكية لأنه ظهر في زمن الأكاسرة رجل يقال له مزدك، فقال هذه المقالة (47).
11 - المحمرة:
قيل: لأنهم صبغوا ثيابهم بالحمرة في أيام بابك، ولبسوها شعاراً لهم.
وقيل: لأنهم يطلقون على مخالفيهم اسم الحمير (48).
وقيل لأن أخلاقهم وطبائعهم صارت شبيهة بطبائع الحمير (49).
ولا مانع أن توجد هذه الأسباب كلها فيهم، وإن كان أكثر العلماء يرجح القول الأول.
وقد أضاف أحد علمائهم وهو ((مصطفى غالب)) اسماً جديداً للباطنية هو ((الهادية)) وهواسم يشعر بالهداية التي يطلبها كل أحد، ولكن ما أكثر الخداع في التسميات، فهم أليق أن يسموا بالهاوية لأنه لا هدى لديهم إلا تأليه غير الله عز وجل، والسير خلف ميمون القداح اليهودي وأتباعه الذين دافع عنهم مصطفى غالب في كتابه ((أعلام الإسماعيلية)) دفاعاً طويلاً.
وبقراءة عابرة لهذا الكتاب يجد المنصف صريح الكفر والغلوظاهراً عليه.
يقول ناصر خسرو، من أعلام الإسماعيلية عن المسلمين: ((فأعط التأويل للحكماء، وأعط التنزيل للغوغاء، فاطلب المعنى الحقيقي لظاهر التنزيل، وكن كالرجال الأصفياء ولا تكن كالحمير فتقنع بالنهيق والقول الهراء)) (5.).
ويقول مصطفى غالب في ترجمته لمحمد الباقر:
((وقيل: إن الإمام الباقر كان يعرف الغيب)) (51). وقد تحاشى كلمة ((يعلم)) خداعاً منه
ومن العجيب أن يذكر هذا المؤلف بعض عظماء الإسلام على أنهم من أعلام ورجال الإسماعيلية مثل علي بن أبي طالب (52)، ومحمد الباقر (53)، والحسين بن علي بن أبي طالب (54)، وغيرهم إلى جانب ميمون القداح، وحمدان قرمط، والحاكم بأمر الله، وغيرهم من طغاة الإسماعيلية.
ويقول أيضاً في غلوهم في الأئمة:
((والإسماعيلية يعتبرون -من حيث الظاهر- أن الأئمة من البشر، وأنهم خلقوا من الطين، ويتعرضون للأمراض والآفات والموت مثل غيرهم من بني آدم، ولكن في التأويلات الباطنية يسبغون عليه وجه الله ويد الله وجنب الله، وأنه هوالذي يحاسب الناس يوم القيامة، وهوالصراط المستقيم والذكر الحكيم إلى غير ذلك من الصفات)) (55).
وحينما يسمي الباطنيون الله بالعقل الأول أوالسابق نجدهم يقولون:
((يجب أن يكون في العالم الأرضي عالم جسماني ظاهر يماثل العالم الروحاني الباطن، فالإمام هومثل السابق، وحجته مثل التالي، وكل خصائص العقل الأول السابق جعلت للإمام)) (56).
أي أن الإمام عندهم مثل الله تماماً، وهل بعد هذا الكفر كفر، وأقوال أخرى كثيرة كلها تدل على مدى كفر هذه الطائفة، ينقلها أحد علمائهم المعاصرين، وهويفتخر بأعلامه الإسماعيليين وتمسكهم بالدين الإسلامي وتبحرهم في العلوم.
الطرق والحيل التي يستعملها الباطنيون لإغواء الناس
من المبادئ الأساسية عند الباطنية تقديس النفاق والكذب والخداع، ومن الوصايا الهامة التي يجب أن يسير بموجبها كل داعية باطنية هي أن يجاري من يخاطبه، ويوافقه في مذهبه تماماً، بل ويحسِّن له الغلوفيه، ويريه أنه أحرص منه على التزامه به.
فإذا كان المدعوشيعياً فإنه يجب أن يكون مذهب الداعية شيعياً أيضاً، وإذا كان المدعوفاجراً مستهتراً أوناسكاً متعبداً أويهودياً أونصرانياً أومجوسياً فإن مذهب الداعي كذلك.
فإذا كان المدعوفاجراً حسَّن له الداعي انتهاب اللذات، وأن الحياة منتهية والدنيا فانية.
وإذا كان المدعوناسكاً حسن له التعبد والزهد وعدم الالتفات إلى الدنيا.
وإذا كان المدعويهودياً حسَّن له الداعي مذهبه، وأظهر له تعظيم السبت، وشتم النصارى والمسلمين جميعاً.
وإذا كان مجوسياً يظهرون عنده تعظيم النار والضوء والشمس وغير ذلك من مذهب المجوس.
ومن وجدوه نصرانياً يظهرون عنده الطعن في اليهود والمسلمين جميعاً، وأن القول بالأب والابن وروح القدس حق، ويعظمون الصليب عندهم.
ومن وجدوه فيلسوفاً فهومنهم وقد وصل الحبيب إلى المحبوب لاتفاق هؤلاء مع الفلاسفة في دعوى أن النصوص لها ظاهر وباطن، وإنكار الشرائع، وقالوا بسائر أقوال الفلاسفة مع قدم العالم، وإبطال المعاد والمعجزات وغيرها من أقوال الفلاسفة.
ومن وجدوه ثنوياً فقد ظفروا ببغيتهم فيدخلون عليه بإبطال التوحيد والقول بالسابق والتالي.
وهكذا فإن مذهبهم هومذهب المدعوين، مهما كان هذا المذهب، يتلونون تلون الماء بالإناء الذي فيه والنتيجة من كل ذلك هواستجلاب المدعوثم إخراجه من دينه إلى دين الباطنية.
ولهم حيل وطرق للوصول إلى قلوب الناس والتدرج بهم في الكفر شيئاً فشيئاً. وقد ذكرها الغزالي قائلا: ((ففي الاطلاع على هذه الحيل فوائد جمة لجماهير الأئمة)) (57).
وسبب استتارهم وراء هذه الحيل هوالخوف من إظهار كفرهم بطريقة مكشوفة، وترتيب حيلهم هذه كما يلي:
الزرق والتفرس، ثم التأنيس، ثم التشكيك، ثم التعليق، ثم الربط، ثم التدليس، ثم التأسيس، ثم الخلع، ثم المسخ أوالسلخ.
وفيما يلي تعريف موجز بهذه الحيل:
الحيلة الأولى:
وهي حيلة الزرق والتفرس، ومعناها: أن يكون الداعي ذكياً فطناً صاحب فراسة، يميز بين من يطمع في استدراجه لقبول دعوته، ومن لا يطمع في ذلك وله معرفة بتأويل النصوص وإخراجها عن معانيها الظاهرة إلى المعاني الباطنة، وأن لا يبدأ بالمخالفة للمدعوبل يوافقه ثم يستدرجه بعد ذلك على حسب الخطط الباطنية إذا تفرس فيه القبول.
الحيلة الثانية:
وهي التأنيس: والمراد بها الوصول إلى قلب المدعوواستمالته بلطف الحديث وذكر بعض الآيات والأحاديث والأشعار، وبحث جوانب من الأمور اليومية، وإلقاء خطب ومواعظ، ويظهر له كل أمر يزيد في الأنس بينهما ويقرِّب بين الأفهام.
الحيلة الثالثة:
هي التشكيك: وهي أن يسأل الداعي المدعوعن مسائل في أمور الدين، وهي مسائل يعجز المدعوعن الإجابة عنها لجهله، وذلك أن الدعاة الباطنيين يركزون دعوتهم في العوام.
وأيضاً لأن بعض تلك المسائل تعبدية قد لا تعرف الحكمة فيها، كأن يسأله عن متشابه القرآن، ومسائل يعجز المدعوعن الإجابة عنها لجهله، وذلك أن الدعاة الباطنيين يركزون دعوتهم في العوام.
وأيضاً لأن بعض تلك المسائل تعبدية قد لا تعرف الحكمة فيها، كأن يسأله عن متشابه القرآن، ومسائل فقهية: لم أمر بالغسل من المني، ومن الغائط والبول بالوضوء وهما أغلظ نجاسة؟ ولم أمرت الحائض بقضاء الصوم دون الصلاة وهما واجبان على السواء، ولم كانت أبواب الجنة ثمانية وأبواب النار سبعة؟ وعن رمي الجمار، والإحرام، والطواف، وعن الحروف التي في أوائل السور {آلمر}، و {كهيعص} وغير ذلك، ويعظمون أمرها ويدّعون أن لكل ذلك جواباً لا يعرفه كل أحد، بل علم ذلك إليهم وإلى إمامهم المستور بزعمهم.
الحيلة الرابعة:
وهي التعليق: فتتم بعد طرح تلك المسائل، فإذا طلب المدعوالاستفسار عنها، وتعلق قلبه بها وبمعرفتها قالوا له: إننا لا نخبرك بشيء حتى تعطينا العهد والميثاق، فإذا رضي بذلك نقلوه إلى الحيلة الخامسة، وهي الربط.
الحيلة الخامسة:
وهي الربط: وهي إحكام قبضتهم عليه بما يؤخذ عليه من العهود والمواثيق الغليظة في عدم إفشائه سراً من أسرارهم، وأنه إذا فعل ذلك فقد استوجب لعنة الله وغضبه، وأنه مخلد في النار أبد الآباد ... إلى آخر تلك الإيمان الطويلة التي لا يؤمنون بها هم.
فإذا كان المدعوذكياً موفقاً عرف أن هذه الأيمان كلها لا تطلب منه إلا لأن ما سيخبرونه به غير مرضي وليس فيه حق، لأن الحق لا يتكتم عليه أهله، ويتذكر قول الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} (58)، وآيات كثيرة يحذر الله فيها من كتمان العلم، وأن كتمانهم لعلمهم دليل على أنه مليء بالعورات والفضائح.
الحيلة السادسة:
وهي التأسيس: وهي إظهارهم تعظيم الشرع والرغبة في طلب العلم والمحافظة على أوامر الدين، وأن تلك العهود التي أعطاهم المدعويجب احترامها، وهم في الواقع إنما يظهرون له هذه الأمور من أجل اصطياده، وإلا فهم لا يؤمنون بعهد ولا بميثاق.
ومنها اشتراطهم أخذ العلم عن الإمام المعصوم المستور الذي يزعمون أنه هوالطريق إلى علم النبي الناطق والوصي، وهوالأساس إلى علم الناطق، وزعمهم أنه مستور، لأنهم يعلمون أن لا وجود له، فلئلا يطالبهم المدعوبلقائه زعموا أنه مستور، وإنما هودجل وتمويه وخداع للمدعو.
وقد ذكر الغزالي سبعة أمثلة لهذا المسلك وأطال في شرحها.
الحيلة السابعة:
التأسيس: وهي أنهم يضعون مقدمة لا تنكر في الظاهر، ولا تبطل الباطن، يستدرج فيها المدعوبحيث لا يدري، ويوهمونه أن الله تعالى جعل لكل شيء ظاهراً وباطناً، ويستدلون عليه بقوله تعالى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ} (59)، ونصوص أخرى.
ثم يقال له: الظاهر قشور والباطن هواللب، والظاهر رمز والباطن المعنى المقصود، ثم يؤسسون في نفسه الشغف لمعرفة البواطن والإعراض عن ظواهر النصوص .. لأنه وصل بزعمهم إلى مرتبة وهي طلب العلم الباطني.
الحيلة الثامنة:
وهي الخلع من الدين: فهي أن يقول الداعي للمدعو: إن فائدة الظاهر أن يفهم ما أودع فيه من علم الباطن لا العمل به، فمتى وقف المدعوعلى الباطن سقط عنه حكم الظاهر، وهوالمراد -بزعمهم الكاذب- لقوله تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (6.)، أي يضع عنهم هذه التكاليف الشاقة من صلاة وصيام وغيرها من شرائع الإسلام بعد أن يعرفوا بواطن النصوص التي تدعوإلى القيام بتلك التكاليف وهذا مثل خرافة غلاة الصوفية حين يصلون إلى اليقين بزعمهم.
الحيلة التاسعة:
الانسلاخ من الدين أوحيلة السلخ: فهي أنهم إذا أنسوا من المدعوالإجابة وصار منهم، أعلموه أنه قد أطلق من وثاقه وحل له كل ما حرم على غيره من الناس الذين لم يدخلوا مذهبهم: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} (61) ... وزالت عنه جميع التكاليف، ولا يحرم عليه شيء (62).
ولهم حيل في إسقاط التكاليف عن المدعو، حيث يوهمونه أن التكاليف تسقط عنه تلقائياً إذا تدرج في المعرفة ووصل إلى معرفة أن التكاليف إنما كانت موضوعة في الظاهر للناس الجهال حتى يطلبوا العلم ويخرجوا عن مشقة التكاليف.
لأن الإمام المعصوم المستور ونوّابه يعلمون معنى القيام بتلك التكاليف ومعناها الحقيقي، فتسقط عنهم فريضة الصلاة إذا دفع للإمام مبلغ 12ديناراً، ويقرأ له الإمام قول الله تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (63)، ويفهمه أن الصلاة معناها الحقيقي -بزعمهم- معرفة أسرار الباطن، أومعرفة خمسة أسماء وهي: علي والحسين والحسن ومحسن وفاطمة.
ثم يسقطون عنه فريضة الصوم بعد أن يدفع المبلغ المذكور للإمام، ثم يفهمونه أن الصوم إنما المقصود منه كتمان أسرار الباطنية، أومعرفة ثلاثين رجلاً أوثلاثين امرأة يعدّونهم في كتبهم، وليس معنى الصوم الامتناع عن الأكل والشرب، ويقرأ عليه قوله تعالى: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً} (64). فلوكان معنى الصوم ترك الطعام لقال: فلن أطعم؛ فدل على أن الصيام هوالصمت والسكوت عن إبداء أسرار الأئمة بزعمهم.
ثم يسقطون عنه الحج بتفهيمه أن المقصود بالحج إنما هوزيارة مشائخهم لا الذهاب إلى مكة.
ثم يسقطون عنه حرمة الخمر والميسر بتفهيمه أن المقصود بهما أبوبكر وعمر رضوان الله عليهما ولعن الباطنية، فأما الخمر المصنوع من العنب وسائر ما يصنع منه فليس بحرام، لأن كل ما تنبت الأرض حلال: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} (65)، {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا} (66).
ثم يسقطون عنه وجوب الاغتسال من الجنابة بدعوى أن الطهارة هي طهارة القلب، وأن المؤمن طاهر بذاته والكافر نجس بذاته والكافر نجس بذاته ولا يطهره الماء ولا غيره، بل إن الجنابة المقصود بها موالاة أضداد الأنبياء والأئمة، وأما المنيّ فهوطاهر إذ هوأصل الإنسان، ولوكان الاغتسال منه لنجاسته لكان الاغتسال من البول والغائط أولى بزعمهم.
وعلى هذا فإن معنى الآية {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} (67) أي إن كنتم لا تعرفون معنى الباطن فتعلموا واعرفوا العلم الباطني.
ثم يسقطون عنه حرمة الزنا، ويسمونه المشهد الأعظم ونهاية الفوز، وإن إحلال الزنا هودخول الجنة، ويتلوعليه قوله تعالى: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} (68). وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} (69).ويفسر له الزينة هنا بأنها ما خفي من أسرار النساء التي لا يطلع عليها إلا المخصوص بذلك.
ويسلك به مسالك ملتوية، وفي نهايتها يبدأ بتطبيق ما تعلمه المدعومن جواز الفحش والفجور، وأن ذلك حلال، فيبدأ يطبق ذلك على زوجته فيبيحها للمدعو، ثم يحضر المشهد الأعظم وهواجتماع الرجال والنساء في مكان واحد وإطفاء السرج بعد أن تدار الكؤوس، وتحمى الرؤوس، ثم يتناهبون النساء ويسمون ذلك صيداً كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم (7.).
وهكذا ينقضون الإسلام درجة درجة إلى أن يوهموا المدعوأنه أصبح فوق مستوى التكاليف لتعمقه في العلم ومعرفته لبواطن تلك الظواهر فيصل إلى تحقيق قول الله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (71)، وهوفي الحقيقة يصل إلى حمأة الفساد والإفلاس من الدين ومشابهة البهائم والخروج عن الإنسانية المكرّمة، فلا يعرف بعد ذلك معروفاً ولا ينكر منكراً، مات قلبه وضميره فهوأضل من البهائم، لأنها لا تعرف تلك المسالك الشيطانية التي وصل إليها هؤلاء المفسدون.
وينبغي أن تعلم أن ما قدمناه من ذكر تلك الحيل لا تتم على عجل، بل إنهم يدرسون الشخص دراسة لا نظير لها إذا وقع عليه اختيارهم، ولا ينبغي أن تفهم أن تلك التعليمات تلقى عليه بهذه البساطة التي عرضناها؛ بل إنه يمر بتعقيدات وتعليمات وصقل، قد يأخذ فيها مدداً طويلة أوقصيرة حسب ميوله وذكائه وتقبله، ولهذا يحكمون عليه قبضتهم.
وهذا ما يفسره وقوف التابعين لهم في صفهم ودفاعهم عن هذه العقيدة، لا يهمهم حتى تقديم دمائهم في سبيل نشرها وعلوّ شأنها، وذلك لتشبعهم بتلك التعاليم الملتوية ومسخ فكر الداخل وتفريغه من كل علاقة إلا بهذا المذهب.
ولمزيد من التفاصيل عن حيلهم وخططهم في استجلاب الناس إلى دعوتهم وترتيبهم العميق الذي لا يدركه المدعوإلا بعد الإطاحة به- ننقل هنا ما باح به أحد علمائهم المعاصرين؛ حيث قال ما نصه:
((ولقد وُفّقت الحركة الإسماعيلية بين جهاز الدعاية الذي نظمته خير تنظيم، وبين نظام الفلك ودورته، فجعلوا العالم الذي كان معروفاً في عصرنا، مثل السنة الزمنية، والسنة مقسمة إلى اثني عشر شهراً، وإذاً فيجب أن يقسم العالم إلى اثني عشر قسماً، وسموا كل قسم جزيرة، وجعلوا على كل جزيرة من هذه الجزر داعياً هوالمسئول الأول عن الدعاية فيها، وأطلقوا عليه لقب ((داعي دعاة الجزيرة)) أو ((حجة الجزيرة)) .. إلى أن يقول:
((والشهر ثلاثون يوماً، ولذلك كان لكل داعي جزيرة ثلاثون داعياً نقيباً لمساعدته في نشر الدعوة، وهم قوته التي يستعين بها في مجابهة الخصوم، وهم عيونه التي يعرف بها أسرار الخاصة والعامة.
واليوم مقسم إلى أربع وعشرين ساعة، اثنتي عشرة ساعة بالليل، واثنتي عشرة ساعة بالنهار، فجعل الإسماعيلية لكل داع نقيب أربعة وعشرين داعياً منهم اثنا عشر داعياً ظاهرين كظهور الشمس بالنهار، واثنا عشر داعياً محجوباً مستتراً استتار الشمس بالليل.
وبعملية حسابية نجد أن عدد الدعاة الذين بثهم الإسماعيلية في العالم كان حوالي (864.) داعياً في وقت واحد، وذلك بخلاف عدد آخر من الدعاة لا يشملهم هذا، وهم الدعاة الذين يكونون دائماً في مركز الدعوة الرئيسي مع الإمام.
علماً بأن لكل فئة من هؤلاء الدعاة عمل خاص لا يتعداه، حفظاً لنظام الدعوة وسريتها، فدعاة النهار الاثنا عشر في كل جزيرة كانوا يعرفون بالمكاسرين أوالمكالبين، وهم أصغر طبقة في درجات الدعاة.
وعلى عاتق المكالب تقع مهمة مجادلة العلماء والفقهاء أمام جماهير الناس وكأنهم تلاميذ يريدون الإفادة من أساتذتهم دون أن يخالج الشك العلماء والفقهاء أوالجماهير المجتمعة للأخذ عن هؤلاء العلماء أوالفقهاء بأن من يجادله أويناقشه مناقشة علمية عنيفة أنه من الدعاة -انظر إلى هذا الدهاء والمكر.
وفي أغلب الأحيان يظهر عجز العالم عن الجواب الصحيح، أوتبدومنه أخطاء فيسخر منه الداعي المكاسر ويتركه، وهنا تظهر عبقرية الداعي المكاسر، فيسرع إليه الناس يلتمسون منه الجواب الشافي عن الأسئلة التي طرحها، والموضوعات الني ناقش فيها العلماء.
ومن الظاهر أن الداعي المكاسر كان يختار اختياراً خاصاً، ولا يسمح له بالمكاسرة إلا بعد امتحان عسير وتجارب كثيرة، ونجد في بعض الكتب الإسماعيلية الشروط الواجب توفرها عند اختيار الداعي المكاسر، والخصال التي يجب أن يتحلى بها، من ذلك أن يكون من نفس البيئة التي سيكاسر فيها؛ ولد ونشأ بها حتى يكون معروفاً عند الجمهور، ويجب أن يكون حسيباً ونسيباً بين قومه .. إلى أن يقول:
((فإذا وثق داعي الجزيرة في شخص تتوفر فيه هذه الشروط شرع في تعليمه العلوم الإسلامية حتى يتبحر فيها! فإذا تم له ذلك أخذ يلقنه مسائل الخلاف بين المذاهب وآراء أهل الملل. والنحل كلها من فرق إسلامية وغير إسلامية، ويظهر له موطن الضعف في كل مذهب، وفي كل رأي.
ثم يعلمه كيف يجادل في اختلاف هذه الآراء، وكيف يناقش أصحابها فإذا تم له ذلك يبدأ الداعي في تدريبه على تفهم نفسية كل جماعة من الجماعات، وكيف يخاطب كل طائفة من الطوائف حتى يستميل الناس إليه.
فإذا أتقن كل هذه الأمور وتدرب عليها ونجح فيها النجاح الملحوظ سمح له الداعي أن يكاسر ويجادل الفرق الأخرى دون أن يشعر أحد بأنه إسماعيلي المذهب، بل يجب أن يكتم ذلك كتماناً شديداً، ولذلك يجب أن يكون المكاسر ذكياً ذا فراسة حتى لا يخطئ في معرفة نفسية المجتمع أوتقدير الناس الذين يخاطبهم.
فإذا فرض ووجد المكاسر أمامه خصماً عنيداً أكثر منه علماً وتبحراً في مختلف الفنون وجب على المكاسر في هذه الحالة -أن يلج في المسائل الفلسفية العميقة التي لا حد لها، والتي لا يفهمها العامة، ويدخل معه في مناقشات باطنية هي من أخص خواص الفلسفة الإسماعيلية التي لا يعرفها غير الدعاة، وبذلك ينجوالمكاسر من الظهور بمظهر الضعف أمام العامة، بل ربما عظم شأنه في أعينهم؛ لأنه يتحدث عن أشياء لا يفهمونها ولا يعرفون كنهها.
هكذا كان الداعي المكاسر أوالداعي المكالب الذي كانت مرتبته أقل مراتب النظام الإسماعيلي للدعاية، فإذا كان هذا هوشأن أصغر الدعاة استطعنا أن ندرك ما كان عليه أمر كبار الدعاة على اختلاف درجاتهم وتباين مراتبهم.
وفي حالة توصل الداعي المكاسر إلى إقناع أحد المستجيبين ممن يرغبون الوصول إلى معرفة الحقيقة يأخذه إلى أحد الدعاة الذين هم أعلى منه مرتبة، فيلاطفه ويفاتحه في لين ورفق دون أن يظهر له صفته المذهبية أوشيئاً من عقائده؛ بل يكتفي بإطلاعه على بعض المسائل المذهبية، ويلمح له ببعض التأويلات الباطنية التي لا ضير في كشفها.
فإذا أصر المستجيب على الاستزادة من المعرفة أحاله إلى الداعي المأذون، وهومن دعاة الليل الذي يبدأ بأخذ العهود والمواثيق، فإذا وثق بإخلاص المستجيب بدأ يكاشفه ببعض الأسرار الخفية التي لا ينفر منها، ويتدرج به حتى يطمئن الداعي المأذون إلى إخلاصه، ويطمئن المستجيب إلى الداعي ويثق به.
عندئذ ينقله إلى الداعي الذي أرقى منه مرتبة، وهكذا يتدرج المستجيب بين الدعاة حتى يسمح له أخيراً بحضور مجالس داعي دعاة الجزيرة الذي له وحده الحق في أن يعلم الناس التأويلات الباطنية للدين والقرآن والحديث، كما يعلّم الدعاة فلسفة الدعوة المذهبية أي علم الحقيقة.
صحيح كان داعي الدعاة يلقي المجالس والأحاديث على العامة الذين أخذت عليهم العهود والمواثيق دون أن يصلوا بعد إلى درجة عالية في علوم الدعوة، ولكن هذا المحاضرات كانت بعيدة عن الأسرار الإسماعيلية العليا)) (72).
ثم ذكر بعد ذلك مراتب كبار الدعاة الذين كانوا يلازمون مركز الإمامة، وهي 16 مرتبة.
فانظر أخي الكريم إلى هذه الخطط الشيطانية، وانظر كيف يدخلون إلى قلوب الناس ويسرون فيهم سريان النوم.
ولك أن تعجب من حال المدعووهم يقذفونه من شيخ إلى شيخ كأنه كرة في أيديهم دون أن يعلم الحال الذي سيوردونه عليه.
كما يحق لك أن تعجب من كثرتهم وتماسكهم؛ حيث ينتشرون في البلد الذي ينكب بهم مثل انتشار الجراثيم في الجسم السليم ثم يحكمون الطوق عليه ليقع فريسة هامدة أمامهم.
وكيف يدرسون نفسيات الناس وميولهم، ويعرفون كل شيء عنهم قبل الإقدام عليهم.
فأين دعاة الحق من مثل هذه التنظيمات؟! إن كثيراً منهم قد يجهل حتى أدنى الآداب التي يقابل بها الناس.
ولوعرضت الدعوة الصحيحة إلى الإسلام، ولوبقليل من هذه الخطط لكان للعالم الإسلامي شأن غير شأنه الموجود اليوم، فإن جودة عرض البضاعة تغري بشرائها.
ومن هنا نجد هذا الباطني يتمدح بهذا الجانب فيقول: ((وبفضل هذا التنظيم الدقيق انتشرت الدعوة الإسماعيلية بشكل لم تعهده أي دعوة إسلامية وغير إسلامية من قبل في جميع الأقاليم، وبين كل طبقات المجتمع على السواء)) (73).
الذي يهمنا من كلامه هذا هوالإشارة إلى دقتهم في التخطيط وحبك المؤامرات بغض النظر عن مبالغته في انتشار دعوتهم الخبيثة؛ فلقد انتشرت الدعوات الإسلامية الصحيحة انتشاراً لم تصل إلى القرب منها أية دعوة في العالم بأسره، ولم يثبت أصحاب أية دعوة في التمسك بمبادئهم ثبوت أصحاب العقيدة الصحيحة على مرِّ التاريخ.
عقائد الباطنية
يجد المتتبع لأخبار الباطنية ومذاهبهم تناقضاً ظاهراً، والسر في هذا التناقض يعود إلى أن أهل المذهب هم الذين أرادوا ذلك لكي تتضارب أخبارهم عند الناس، وبالتالي يستطيعون تكذيب ما يريدون مما ينقل عنهم بحجة أن الناس يكذبون عليهم.
ثم هم أيضاً لا يقوم مذهبهم إلى على هذا التلون الكثير، ومن هنا قال الغزالي: ((والذي قدمناه في جملة مذهبهم يقتضي لا محالة أن يكون النقل عنهم مختلفاً مضطرباً، فإنهم لا يخاطبون الخلق بمسلك واحد، بل غرضهم الاستتباع والاحتيال، فلذلك تختلف كلماتهم، ويتفاوت نقل المذهب عنهم)) (74).
ومهما كان الحال فإن عقائد الباطنية هي مجموعة أفكار ملفقة من مذاهب شتى، وكلها خبط واضطراب، ومن عجيب أمرهم أنهم يستدلون على كفرهم ومحاربة الإسلام ببعض الآيات من القرآن الكريم، وبأحاديث مختلقة مكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأحاديث صحيحة يحرفون معانيها، ويؤولونها على وفق اعتقاداتهم الإلحادية، وكل عقائدهم ترجع إلى:
1 - إنكار وجود الله تعالى.
2 - جحد أسمائه وصفاته.
3 - تحريف شرائع النبيين والمرسلين (75).
وفي كل ذلك يتسترون:
1 - إما بالتشيع لآل البيت.
2 - وإما بزعم التجديد والتقدم.
وغير ذلك مما يختلقون من الشعارات والأكاذيب المخترعة.
أولاً: عقيدتهم في الألوهية:
فقد اختلفت مذاهبهم فيه على درجات من الكفر والإلحاد كما اتضح من خلاصة معتقداتهم (76).
فذهب قسم منهم إلى القول بوجود إلهين، لا أول لوجودهما من حيث الزمن، إلا أن أحدهما علة لوجود الثاني، واسم العلة السابق، واسم المعلول التالي، وأن السابق خلق العالم بواسطة التالي لا بنفسه، وقد يسمون الأول عقلاً، والثاني نفساً تخرصاً وكذباً.
بل قالوا: إن السابق والتالي هما المراد باللوح والقلم، واستدلوا من القرآن الكريم بما جاء فيه من صيغة الجمع مثل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا} (77)، {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ} (78).
قالوا: ولولا أن معه إلهاً آخر له العلوأيضاً لما ورد قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} (79)، قالوا وهما أيضاً: الرحمن الرحيم (8.).
ولا شك أن هذا يدل على مدى جهلهم بلغة العرب لأنهم من فارس، وبعضهم لم يتقن العربية، وإلا لعلموا أن هذا الخطاب ((إنا)) أو ((نحن)) إنما هومن باب التعظيم، والله عز وجل له العظمة المطلقة.
وقد ذكر مصطفى غالب -باطني من أهل سلمية- خلاصة معتقدهم في الخالق عز وجل فقال:
((ولما كان الله فوق العالم وهوغير محدود، فلا يمكن أن يخلق العالم مباشرة وإلا اضطر إلى الاتصال به مع أنه بعيد عنه، لا ينزل إلى مستواه، ولما كان واحداً فلا يمكن أن يصدر عنه العالم المتعدد، ولا يستطيع أن يخلق الله العالم، لأن الخلق عمل وإنشاء شيء لم يكن، وذلك يستدعي التغير في ذات الله والإله لا يتغير)) (81).
ومعنى هذا الكفر أن الله علة العالم وسبب وجوده فقط، وأن الله فوق العالم، ولا يستطيع أن يتصل به ويخلقه بنفسه مباشرة لأنه واحد، ويستنكف أن يباشر خلق الأشياء بنفسه لترفعه وعلوه وهذا من أعظم الجهل والغفلة.
وذهب قسم آخر منهم إلى الاعتقاد أن علياًً رضي الله عنه هوالذي خلق السموات والأرض خالق محيي مميت مدبر للعالم، وأنه ظهر في صورة الناسوت -الناس- ليؤنس خلقه وعبيده ليعرفوه ويعبدوه، وقد أنشد بعضهم في سنة سبعمائة قوله:
أشهد أن لا إله إلا *** حيدرة الأنزع البطين
ولا حجاب عليه إلا *** محمد الصادق الأمين
ولا طريق إليه إلا *** سلمان ذوالقوة المتين (82)
وذهب بعضهم إلى أن الله تعالى لا يصح وصفه بأنه موجود ولا معدوم، ولا معلوم ولا مجهول، ولا موصوف ولا غير موصوف، ولا قادر ولا غير قادر ... وهذا ما يقصده مصطفى غالب حين قال:
((وتحدّث الفلاسفة الإسماعيليون عن وجود الله تعالى، فأثبتوا ضرورة وجوده عن طريق ليسيّته، وضرورة استناد الموجودات واحتياجها إلى موجد، ونفوا عن الله الأيسية كما نفوا عنه الليسية، وقالوا: إن الله لا يمكن أن يكون ليساً ولا أيساً، أي إنه لا يصح أن يكون الله غير موجود ولا أن يكون موجوداً من نوع الموجودات التي وجدت عنه، ويطلق عليه اسم المبدع الأول، والعقل الأول، والمحرك الأول ...
ويأتي بعده في ترتيب العقول، العقل الثاني الذي وجد عن طريق الانبعاث ... )) إلى آخر تقسيمه الطويل الممل.
إلى آخر خرافاتهم وإلحادهم وغرضهم نفي وجود الله تعالى بوجه يدق على عوام الناس، يكون ظاهره التنزيه، والغرض الحقيقي نفي وجود الله عز وجل، إذ لا يمكن أن تصدق تلك الأوصاف إلا على معدوم، ومثل هذه المزاعم معلوم بطلانها من دين الإسلام بالضرورة، فلا خالق إلا الله عز وجل كما هومعلوم عند أصحاب كل الأديان، وعليّ وغيره في هذا الكون مخلوق لله، أوجده بعد أن لم يكن، لا يملك أحد لنفسه ضراً ولا نفعاً. {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (83).
ثانياً: اعتقادهم في النبوات:
يجحد الباطنيون النبوات، وينكرون المعجزات، ويزعمون أنها من قبيل السحر والطلاسم، ويفسرون النبوة بأنها عبارة عن شخص فاضت عليه من السابق بواسطة التالي قوّة قدسية صافية مهيأة لأن تنتقش عند الاتصال بالنفس الكلية بما فيها من الجزئيات، كما قد يتفق ذلك لبعض النفوس الزكية في المنام حين تشاهد في مجاري الأحوال في المستقبل إما صريحاً بعينه أومدرجاً تحت مثال يناسبه مناسبة ما، فيفتقر فيه إلى التعبير، لأن النبي هوالمستعد لذلك في اليقظة (84).
ويزعمون أن هذه القوة القدسية الفائضة على النبي لا تستكمل في أول حلولها، كما لا تستكمل النطفة في الرحم إلا بعد تسعة أشهر، فكذلك هذه القوة كمالها أن تنتقل من الرسول الناطق إلى الأساس الصامت (85).
ومن هذا التصور الرديء اعتقدوا أن جبريل عبارة عن العقل الفائض على النبي لا أنه شخص يتنقل من علوإلى سفل.
وعلى هذا فهم يعتقدون أن القرآن الكريم تعبير محمد عن المعارف التي فاضت عليه من العقل الذي هوجبريل، وسمي كلام الله مجازاً.
ومن اعتقاداتهم التي بينها الغزالي أنهم قالوا: كل نبي لشريعته مدة، فإذا انصرمت مدته بعث الله نبياً آخر ينسخ شريعته. وحددوا لشريعة كل نبي سبعة أئمة (86)، أولهم النبي الناطق، ثم الأساس الصامت، ثم السوس, ومعنى الناطق أن شريعته ناسخة لما قبله، ومعنى الصامت أن يكون قائماً على ما أسسه غيره.
قالوا: ولكل نبي سوس، والسوس هوالباب إلى علم النبي في حياته والوصي بعد وفاته، والإمام لمن هوفي زمانه، ومن هنا زعموا أن آدم سوسه شيئاً، وهوالثاني، ويسمى من بعده متماً ولاحقاً وإماماً، إلى أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وسوسه علي بن أبي طالب، وقد استتم دوره بجعفر بن محمد.
فإن الثاني من الأئمة الحسن بن عليّ، والثالث الحسين بن علي، والرابع علي بن الحسين، والخامس محمد بن علي، والسادس جعفر بن محمد، وقد استتموا سبعة معه، وصارت شريعته ناسخة، وهكذا يدور الأمر أبد الدهر (87).
وفي مثل هذه الضلالات يقول علماؤهم:
((ويعتبر الإمام محمد بن إسماعيل أول الأئمة المستورين والناطق السابع، لأن إمامته كانت بداية دور جديد في تاريخ الدعوة الإسماعيلية، قام بنسخ الشريعة التي سبقته، فجمع بين النطق والإمامة، ورفع التكاليف الظاهرية للشريعة، فنادى بالتأويل واهتم بالباطن)) (88).
إلى أن يقول حاكياً عن أحد دعاتهم في ضمن فضائل محمد بن إسماعيل: ((وعطلت بقيامه ظاهر شريعة محمد صلى الله عليه وسلم)) (89).
ووصف مصطفى غالب محمد بن إسماعيل بأنه القيامة الكبرى (9.)، لاكتمال الدور به، والابتداء من جديد.
ويقول النوبختي وهومن أعرف الناس بهم:
((وزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم انقطعت عنه الرسالة في حياته في اليوم الذي أمر فيه بنصب علي بن أبي طالب عليه السلام للناس بغدير خم، فصارت الرسالة في ذلك اليوم في علي بن أبي طالب، واعتلوا في ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كنت مولاه، فعليّ مولاه))، وأن هذا القول منه خروج من الرسالة والنبوة، وتسليم منه في ذلك لعلي بن أبي طالب بأمر الله عز وجل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان مأموناً لعلي محجوجاً به ... )) إلى أن يقول:
((وزعموا أن محمد بن إسماعيل حيّ لم يمت، وأنه في بلاد الروم، وأنه القائم المهدي، معنى القائم عندهم أنه يبعث برسالة وشريعة جديدة ينسخ بها شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ... )) إلى أن يقول:
((واعتلوا في نسخ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وتبديلها بأخبار رووها عن أبي عبد الله جعفر بن محمد أنه قال: ((لوقام قائمنا علمتم القرآن جديداً)).
وأنه قال: ((إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء)) ونحوذلك من أخبار القائم)) (91).
وسبب نقل هذا الكلام إنما هولإيضاح إصرار الباطنية على نسخ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن ما يظهره مصطفى غالب وغيره من عتاة الباطنية من التلاعب بمعاني الكلام إنما هوخداع للناس وستر لهذه العقيدة الخبيثة التي ترد ما أخبر الله به من إتمام الدين إلى أن تقوم القيامة وينتهي هذا الكون ومن فيه ولا يبقى إلا وجه الله عز وجل.
ولا يخفى على القارئ اللبيب ما في آخر كلام النوبختي من عبارات تتفق مع هوى الشيعة الغلاة منهم حول القرآن الكريم.
وأما استدلالهم بأن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، بمعنى يظهر شخص ينسخه، فلا شك أنه كلام يدل على قصر عقولهم، فإن الإسلام والحال ما ذكروا لا يبقى غريباً فقط بل إنه لا يبقى له أي وجود ... فكيف يسمونه غريباً وقد انمحى ونسخ، وحاشا أن يتم ذلك.
وكلامهم إنما هوتأويل للحديث، وكذب على الله ورسوله أن يكون المراد من معنى الحديث ما ذكروا، بل إنه يدل على قلة المتمسكين به والعاملين بأحكامه وتعاليمه كما كان في بدء أمره كذلك.
وأما أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم يبشر في هذا الحديث بنسخ شريعته، فإنه لا حقيقة لهذا المقصود إلا في أفهام سخفاء العقول.
وأوَّلوا معجزات الأنبياء تأويلات باطنية، فثعبان موسى أي غلبته عليهم، وإظلال الغمام أي الإمام الذي نصبه موسى لإرشادهم، ومعنى عدم الأب لعيسى أنه لم يأخذ العلم عن إمام مستور معصوم، وإنما استفاد العلم من الله بغير واسطة والجن الذين ملكهم سليمان باطنية ذلك الزمان، والصيام الإمساك عن كشف السر.
في تخرصات وتلفيقات يطول ذكرها، ولا خير من وراء بحثها وإنما هي الإشارة إلى التحذير من مسالك هؤلاء، ومن أفكارهم وعباراتهم الخادعة، فلا ينبغي أن يهدر الوقت في التعمق في دراسة هذه الأفكار والردود عليها.
وقد أورد الغزالي في الباب الخامس من كتابه ((فضائح الباطنية)) أمثلة كثيرة لتلك التأويلات في فصلين:
* الفصل الأول: في تأويلاتهم للظواهر.
* الفصل الثاني: في استدلالهم بالأعداد والحروف وبيّن زيف أقوالهم في عدة صفحات (92)
وكذا الديلمي في كتابه " بيان مذهب الباطنية وبطلانه " ويحيى بن حمزة العلوي في كتابه ((الإفحام لأفئدة الباطنية الطغام)). كل هؤلاء وغيرهم من علماء الفرق قد ذكروا أمثلة ومناقشات لدحض أقوال الباطنية، تحتاج إلى دراسة خاصة ووقت متسع لها.
ثالثاً: اعتقادهم في الآخرة:
اتفق كلمة الباطنية على إنكار الآخرة التي جاء الإسلام بتفاصيل بيانها، وأوَّلوا القيامة في القرآن والسنة، وقالوا بأنها رموز تشير إلى خروج الإمام، وقيام قائم الزمان -إمام العصر-، السابع الناسخ للشرع المغير للأمر كما يصفونه، وقالوا أيضاً: إن معنى القيامة انقضاء الدور.
وأنكروا بعث الأجسام والجنة والنار، وقالوا: ((إن معنى المعاد هوعود كل شيء إلى أصله، وأن الإنسان مركب من عالم روحاني وعالم جسماني، فالجسماني منه جسده، وهومركب من الأخلاط الأربعة وهي: الصفراء، والسوداء، والبلغم، والدم فيتحلل الجسد ويعود كل خلط إلى طيبعته ...
فالصفراء تصير ناراً، والسوداء تصير تراباً، والدم يصير هواءً، والبلغم يصير ماءً). وهذا هوالمعاد الجسدي عندهم، فلا تعود الحياة إلى الأجساد بعد الموت.
أما الروحاني، وهوالنفس المدركة العاقلة من الإنسان فإنها إن صفيت بالمواظبة على العبادات، وزكيت بمجانبة الهوى والشهوات، وغذيت بغذاء العلوم والمعارف المتلقاة عن الأئمة الهداة اتحدت عند مفارقة الجسم بالعالم الروحاني الذي كان منه انفصالها، فتسعد بذلك وهذا هوجنتها (93).
بهذه الخرافات فسروا المعاد الأخروي، ولا شك أنها مأخوذة عن مذاهب الهندوس والبوذيين؛ ولذلك أجمع هؤلاء الباطنيون على القول بالتناسخ الموجود عند البراهمة والبوذيين، وصبغوه في الظاهر بالإسلام فصار الكلام مسلماً والفكر هندوسياً وبوذياً ووثنياً.
وقد أكثر الشيخ إحسان إلهي -رحمه الله- من النقول عن كتب الباطنية، وتأويلاتهم لأخبار القيامة بما لا يتسع لاستقصائه المجال هنا (94).
رابعاً: اعتقادهم في التكاليف الشرعية:
يتميز مذهب الباطنية بأنه من أشد المذاهب استحلالاً للمحرمات، وأوغل في الإباحية البهيمية، وأكثر تفلتاً عن القيام بالتكاليف الشرعية وتبرماً منها، مع أنهم لا يتظاهرون أمام العامة بترك التكاليف إلا فيما بينهم.
وأما ظاهر مذهبهم فهولزوم القيام بالتكاليف، بل وأحياناً بعضهم يبالغ في إيجاب أشياء لم تجب ليظهروا بمظهر الزهاد والعباد، وليستفيدوا من جهة أخرى، إرهاق الناس بكثرة التكاليف لتضيق صدورهم بها.
وفي مقابل ذلك يركز هؤلاء الفجار على مسامع الناس أن الخروج من تبعة هذه التكاليف أمر ميسر لكل أحد أراده.
وحينما يشتاق الشخص إلى معرفة هذا الأمر لا يجودون به عليه إلا بعد مراحل واختبارات عديدة ليشعر المدعوفعلاً أنه قد وصل إلى السر بعد تعب واجتهاد.
ومعرفة هذا السر يكون بطلب التابع لهم رتبة الكمال في العلوم التي تؤخذ -بشرط- من نواب الإمام المعصوم المستور. وعلى الشخص أن يجتهد ويسعى في العبادة في أثناء تلقيه لذلك إلى أن يصل إلى رتبة الكمال- وهي في الحقيقة رتبة منتهى الجهل والغفلة-، محباً للشهوات والفواحش على حد ما أخبر به النوبختي، حيث قال وهويعدد عقائد الباطنية:
((وإن الله تعارك وتعالى جعل لمحمد بن إسماعيل جنة آدم صلى الله عليه وسلم، ومعناها عندهم الإباحية للمحارم وجميع ما خلق في الدنيا، وهوقول الله عز وجل: {وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} (95))) (96).
هذا بالإضافة إلى أنهم يعمقون في ذهن الشخص أن القيام بهذه التكاليف والمنع والإباحية إنما تستهدف من ورائها فائدة واحدة وهي استنهاض همة القلب ليصل إلى معرفة بواطن هذه الأمور، فإذا لم يكن كذلك فإن عليه أن يبقى في عداد الجهال الذين هم مثل الحمير التي لا يمكن رياضتها إلا بالأعمال الشاقة (97).
في زخرف من القول أخذوه من شتى المذاهب، حيث أخذوا من كل مذهب شرّ ما فيه.
ولقد كان للرافضة عليهم فضل كبير، فقد أخذوا عنهم فكرة الإمام المعصوم المستور، وأنه لا حق إلا ما خرج عن الأئمة، وكذا تحريف الآيات على حسب هواهم، ودعوى وجود الإمام الصامت والناطق، ونسخ الشريعة الإسلامية بمجيء مهدي الشيعة ومجيء الإمام السابع من الأئمة المستورين عند الباطنية، وأشياء كثيرة لا تخفى على القارئ الكريم، وقد ذكر أكثرها في دراستنا للشيعة سابقاً.
فهذا الكليني يفسر قول الله تعالى: {وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} (98)، عن موسى بن جعفر أنه قال: ((البئر المعطلة الإمام الصامت، والقصر المشيد الإمام الناطق)) (99).
والوالدين اللذين ذكرهما الله في قوله: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} (1 .. )، فسرها الكليني فيما يزعم عن عليّ رضي الله عنه قال: ((الوالدان اللذان أوجب الله لهما الشكر هما اللذان ولدا العلم وورثا الحكم وأمر الناس بطاعتهما)) (1.1).
وعن الظاهر والباطن في النصوص يقول الكليني: ((إن القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرّم الله في القرآن هوالظاهر، والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحل الله تعالى في الكتاب هوالظاهر، والباطن من ذلك أئمة الحق)) (1.2).
وللطوسي في كتابه ((الغيبة)) مثل هذا التأسيس الباطني (1.3)، بل وبالغ الطوسي، وافترى -كما يبدو- على جعفر بن محمد أنه قال: ((حقيق على الله أن يدخل الضلال الجنة، فقال زرارة: كيف ذلك جُعلت فداك؟ قال: يموت الناطق، ولا ينطق الصامت، فيموت المرء بينهما فيدخله الله الجنة)) (1.4).
وإذا كان على حسب هذه الرواية كل من مات بين موت الناطق وسكوت الصامت (أي بين موت الرسول صلى الله عليه وسلم وسكوت علي) فكان ينبغي على الشيعة أن يقولوا بدخول الصحابة جميعهم الجنة وهم لا يقولون بذلك، وهذا جزء من تناقضهم، وهومن الأدلة على رغبتهم في تأسيس المذاهب الهدامة التي تخرج المسلم عن دينه.
ولقد انتفع الباطنيون كثيراً بمثل هذه الاعتقادات التي كوَّنوا منها ومن غيرها مذهبهم الرديء الذي خرج بسببه الآلاف المؤلفة من الناس عن دينهم.
عدد مرات القراءة:
1815
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :