من الذي يدعم الإرهابيين في العراق؟ ..   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

فرق الشيعة، تاريخها وعقائدها ..
اجتمع شيعة علي رضي الله عنه بعد استشهاده حول ابنه الحسن رضي الله عنه، وجعلوه إمامًا لهم في اليوم الثالث بعد انتقال أبيه من دار الدنيا إلى دار الآخرة " (3) ".
(3) - مروج الذهب للمسعودي الشيعي ج2 ص426
وأول من بايعه كان قيس بن سعد بن عبادة" (1) ".
وعند ذاك ظهرت السبئية من جديد بكل قوة وأظهروا العقائد التي طالما أخفوها خوفًا من بطش عليّ رضي الله عنه، وحذرًا من يقظته ومراقبته الأفكار الهدامة ومن يريد بثها في صفوف شيعته، ومعاقبتهم معاقبة شديدة، ولقد ذكر مؤرخ شيعي حيث قال:
إن بدعة السبئية في الغلوظهرت على عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طاب -رضي الله عنه- عندما مرّ بقوم يأكلون في شهر رمضان نهارًا، فقال لهم: أسفر أنتم أم مرضى؟ قالوا لا ولا واحدة منهما، قال: فمن أهل الكتاب أنتم فتعصمكم الذمة والجزية؟ قالوا: لا. قال: فما بال الأكل نهارًا في رمضان؟ فقالوا له: أنت أنت، يومئون إلى ربوبيته. فاستتابهم واستأنى ووعّدهم فأقاموا على قولهم. فحفر لهم حفرًا دخن عليهم فيها طمعًا في رجوعهم، فأبوا فحرقهم وقال: ألا تروني قد حفرت لهم حفرًا:
أوقدت ناري ودعوت قنبرا
إني إذا رأيت شيئًا منكرًا
فلم يبرح عليه السلام من مكانه حتى صاروا حممًا. ثم استترت عنهم المقالة سنة أونحوها، ثم ظهر عبد الله بن سبأ وكان يهوديًّا يتستر بالإسلام بعد وفاة أمير المؤمنين - رضي الله عنه - فأظهرها واتبعه قوم فسموا السبئية، وقالوا: "إن عليًّا لم يمت" (2) ".
وبمثل ذك القول قال أقدم من كتب عن الفرق من الشيعة النوبختي حيث قال:
فلما قتل علي عليه السلام افترقت التي ثبتت على إمامته وأنها فرض من الله عز وجل ورسوله عليه السلام فصاروا فرقًا ثلاثة، فرقة منهم قالت:
__________
(1) الطبري: ج6 ص91 - 
(2) - الشيعة في التاريخ لمحمد حسين الزين الشيعي ص54 - 55، ابن أبي الحديد ج2 ص309
إن عليًّا لم يقتل ولم يمت ولا يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملأ الأرض عدلاً وقسطًا كما ملئت ظلمًا وجورًا وهي أول فرقة قالت في الإسلام بالوقف بعد النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الأمة وأول من قال منها بالغلووهذه الفرقة تسمى (السبأية) أصحاب "عبد الله بن سبأ" وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم وقال إن عليًّا عليه السلام أمره بذلك فأخذه عليّ فسأله عن قوله هذا فأقر به فأمر بقتله فصاح الناس إليه: يا أمير المؤمنين! أتقتل رجلاً يدعوإلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك فصيره إلى المدائن، وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي عليه السلام أن عبد الله بن سبأ كان يهوديًّا فأسلم ووالى عليًّا عليه السلام وكان يقول وهوعلى يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى عليه السلام بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في علي عليه السلام بمثل ذلك، وهوأول من شهر القول بفرض ولاية علي عليه السلام وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه،؟؟ وهناك قال من خالف الشيعة أن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية، وقد بلغ عبد الله بن سبأ نعي علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت لوجئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل ولا يموت حتى يملك الأرض" (1) ".
وأورد مثل هذا كل من ألمّ بتاريخ التشيع وفرقه سواء كان من الشيعة أم من السنة. كما ذكرناه فيما قبل من مؤلفي الشيعة وكتبهم.
__________
(1) - فرق الشيعة للنوبختي ص43 - 44 ط. النجف
ولقد ذكر ظهور السبئية من جديد والمجاهرة بعقائدهم الخبيثة بعد مقتل علي رضي الله عنه من كتب علماء السنة في الفرق من عبد القاهر البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق " (1) " والأشعري في مقالات الإسلاميين " (2) " والرازي في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين" (3) " والأسفرائيني في التبصير " (4) "والشهرستاني في الملل والنحل " (5) " وابن حزم الظاهري في الفصل " (6) " وأبوالحسن البلطي في التنبيه" (7) " والجرجاني في التعريفات " (8) " والمقريزي في الخطط.
فذكر كل واحد منهم أن عبد الله بن سبأ رجع بعد شهادة علي رضي الله عنه من منفاه وأظهر عقائده في عليّ آنذاك، فيقول الأسفرائيني:
"ثم إن عليًّا رضي الله عنه خاف من إحراق الباقين منهم شماتة أهل الشام، وخاف اختلاف أصحابه عليه، فنفى ابن سبأ إلى سباط المدائن، فلما قتل علي رضي الله عنه زعم ابن سبأ أن المقتول لم يكن عليًّا" (9) ".
وكذلك قال الشهرستاني:
"إنما أظهر عبد الله بن سبأ بعد انتقال علي - رضي الله عنه - واجتمعت عليه جماعته" (10) ".
فحاربه الحسن رضي الله عنه وحارب أفكاره وعقائده دأب أبيه كما ذكر ابن أبي الحديد الشيعي:
__________
(1) - ص225 و233
(2) - ج1 ص85
(3) - ص57
(4) - ص108 - 109
(5) - ج2 ص11 الهوامش
(6) - ج4 ص180
(7) - ص25 و148
(8) - ص79
(9) - الفرق بين الفرق ص233
(10) - الفصل ج2 ص11 الهوامش
"ثم ظهر عبد الله بن سبأ وكان يهوديًّا يتستر بالإسلام بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام فأظهرها، واتبعه قوم فسموا السبئية، وقالوا: إن عليًّا عليه السلام لم يمت، وإنه في السماء، والرعد صوته والبرق ضوئه؛ وإذا سمعوا صوت الرعد، قالوا: السلام عليك يا أمير المؤمنين! وقالوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أغلظ قول، وافتروا عليه أعظم فرية، فقالوا كتم تسعة أعشار الوحي، فنقض عليهم قولهم الحسن بن علي بن محمد بن الحنفية رضي الله عنه في رسالته، التي يذكر فيها الإرجاء، رواها عنه سليمان بن أبي شيخ، عن الهيثم بن معاوية، عن عبد العزيز بن أبان، عن عبد الواحد بن أيمن المكي، قال: شهدت الحسن بن علي بن محمد بن الحنفية يملي هذه الرسالة، فذكرها وقال فيها: ومن قول هذه السبئية: هدينا لوحي ضل عنه الناس، وعلم خفي عنهم؛ وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم تسعة أعشار الوحي؛ ولوكتم صلى الله عليه وسلم شيئًا مما أنزل الله عليه لكتم شأن امرأة زيد، وقوله تعالى: {تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} " (1) "
ولكن لم يكن محاربته إياهم مثل محاربة أبيه، فبدأ السبئية يزرعون بذور الفتنة والفساد ويبثون سموم الخلاف والشقاق والفرقة بكل حرية وانطلاقة، وخاصة بعد أن تخاذل الشيعة عن الحسن وبعد تفرقهم عنه ودخول بعضهم في السبئية وميول بعضهم إلى معاوية والتحاق البعض الآخرين بالخوارج وغيرهم، ولقد صوّر هذه الأحوال شيخ الشيعة المفيد والأربلي الشيعي والمجلسي في كتبهم وهم يذكرون تحرك معاوية إلى العراق:
__________
(1) - شرح النهج لابن أبي الحديد ج8 ص120 ط. دار إحياء الكتب.
"وسار معاوية نحوالعراق ليغلب عليه فلما بلغ جسر منبج تحرك الحسن عليه السلام وبعث حجر بن عدي يأمر العمال بالمسير واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا عنه ثم خفوا ومعه أخلاط من الناس بعضهم شيعة له ولبيه، وبعضهم محكمة يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم، وبعضهم شكاك، وبعضهم أصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين، فسار حتى أتى حمام عمر ثم أخذ إلى دير كعب فنزل ساباط دون القنطرة وبات هناك فلما أصبح أراد - رضي الله عنه - أن يمتحن أصحابه ويستبرئ أحوالهم في الطاعة له ليتميز بذلك أولياءه من أعداءه ويكون على بصيرة من لقاء معاوية وأهل الشام فأمر بهم أن ينادى بالصلاة جامعة فاجتمعوا فصعد المنبر فخطبهم فقال:
الحمد لله كلما حمده حامد وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله بالحق وائتمنه على الوحي صلى الله عليه وسلم.
"أما بعد: فوالله إني لأرجوأن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملاً على مسلم ضغينة ولا مريدًا له بسوء ولا غائلة، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيرًا من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أميّ ولا تردوا علي رأيي غفر الله لي ولكم وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا. قال: فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالوا ما ترونه يريد بما قال؟ قالوا: نظنه والله يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إيه، فقالوا: كفر والله الرجل، ثم شدوا على فسطاطه وانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته، ثم شد عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي فنزع مطرفه عن عانقه، فبقي جالسًا متقلدًا السيف بغير رداء، ثم دعا بفرسه فركبه وأحدث به طوائف من خاصته وشيعته ومنعوا منه من أراده فقال: ادعوا إليّ ربيعة وهمدان فدعوا فطافوا به ودفعوا الناس عنه رضي الله عنه وسار ومعه شوب من غيرهم، فلما مر في مظلم ساباط بدر إليه رجل من بني أسد يقال له الجراح بن سنان فأخذ بلجام بغلته وبيده مغول وقال الله أكبر أشركت يا حسن! كما أشرك أبوك من قبل، ثم طعنه في فخذه فشقه حتى بلغ العظم ثم اعتنقه الحسن عليه السلام وخرّا جميعًا إلى الأرض، فوثب إليه رجل من شيعة الحسن - رضي الله عنه - يقال له عبد الله بن خطل الطائي فانتزع المغول من يده وخضخض به جوفه فأكب عليه آخر يقال له ظبيان بن عمارة فقطع أنفه فهلك من ذلك، وأخذ آخر كان معه فقتل، وحمل الحسن عليه السلام على سرير إلى المدائن فأنزل به على سعد بن مسعود الثقفي وكان عامل أمير المؤمنين عليه السلام بها فأقره الحسن عليه السلام على ذلك، واشتغل الحسن عليه السلام بنفسه يعالج جرحه، وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالسمع والطاعة له في السر واستحثوه على المسير نحوهم وضمنوا له تسليم الحسن رضي الله عنه إليه عند دنوهم من عسكره أوالفتك به، وبلغ
الحسن رضي الله عنه ذلك وورد عليه كتاب قيس بن سعد رضي الله عنه وكان قد أنقذه مع عبيد الله بن العباس عند مسيره من الكوفة ليلقى معاوية ويرده عن العراق وجعله أميرًا على الجماعة، وقال: إن أصبت فالأمير قيس بن سعد، فوصل كتاب قيس بن سعد يخبره أنهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها الحبوبية بإزاء مسكن وإن معاوية أرسل إلى عبيد الله بن العباس يرغبه في المسير إليه وضمن له ألف ألف درهم يعجل له منها النصف ويعطيه النصف الآخر عند دخوله إلى الكوفة، فانسل عبيد الله في الليل إلى معسكر معاوية في خاصته، وأصبح الناس قد فقدوا أميرهم، فصلى بهم قيس بن سعد رضي الله عنه ونظر في أمورهم فازدادت بصيرة الحسن عليه السلام بخذلان القوم له وفساد نيات المحكمة فيه بما أظهروه له من السب والتكفير له واستحلال دمه ونهب أمواله، ولم يبق معه من يأمن غوائله إلا خاصته من شيعة أبيه وشيعته، وهم جماعة لا تقوم لأجناد الشام، فكتب إلى معاوية في الهدنة والصلح، وأنفذ إليه بكتب أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه إليه، فاشترط له على نفسه في إجابته إلى صلحه شروطًا كثيرة وعقد له عقودًا كان الوفاء بها مصالح شاملة، فلم يثق به الحسن - رضي الله عنه - وعلم باحتياله بذلك واغتياله غير أنه لم يجد بدًّا من إجابته إلى ما التمس من ترك الحرب وإنفاذ الهدنة لما كان عليه أصحابه مما وصفناه من ضعف البصائر في حقه والفساد عليه والخلف منهم له، وما انطوى عليه كثير منهم في استحلال دمه وتسليمه إلى خصمه، وما كان من خذلان ابن عمه له ومصيره إلى عدوه وميل الجمهور منهم إلى العاجلة وزهدهم في الآجلة. فتوثق - رضي الله عنه - لنفسه من معاوية بتوكيد الحجة عليه والأعذار فيما بينه وبينه عند الله تعالى وعند كافة المسلمين واشترط عليه ترك سب أمير المؤمنين - رضي الله عنه - والعدول عن القنوت عليه في الصلاة وأن يؤمن شيعته رضي الله عنهم ولا يتعرض لأحد منهم بسوء، ويوصل
إلى كل ذي حق منهم حقه فأجابه معاوية إلى ذلك كله وعاهد عليه وحلف له بالوفاء" (1) ".
وزاد على ذلك ابن أبي الحديد الشيعي:
لما أراد الحسن أن يرتحل إلى المدائن قام فخطب الناس فقال: أيها الناس؛ إنكم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت، وإني والله ما أصبحت محتملاً على أحد من هذه الأمة ضغينة في شرق ولا غرب، ولما تكرهون في الجماعة والألفة والأمن وصلاح ذات البين خير مما تحبون في الفرقة، والخوف والتباغض والعداوة، وإن عليًّا أبي كان يقول: لا تكرهوا إمارة معاوية؛ فإنكم لوفارقتموه لرأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها كالحنظل. ثم نزل.
فقال الناس: ما قال هذا القول إلا وهوخالع نفسه ومسلم الأمر لمعاوية، فثاروا به فقطعوا كلامه، وانتهبوا متاعه، وانتزعوا مطرفًا عليه، وأخذوا جارية كانت معه، واختلف الناس فصارت طائفة معه؛ وأكثرهم عليه، فقال: اللهم أنت المستعان، وأمر بالرحيل، فارتحل الناس، وأتاه رجل بفرس، فركبه وأطاف به بعض أصحابه، فمنعوا الناس عنه وساروا، فقدمه سنان بن الجراح الأسدي إلى مظلم ساباط، فأقام به فلما دنا منه تقدم إليه يكلمه، وطعنه في فخذه بالمعول طعنة كادت تصل إلى العظم، فغشي عليه وابتدره أصحابه" (2) ".
__________
(1) - الإرشاد للمفيد ص189 - 191، جلاء العيون للمجلسي ص90 وما بعد، كشف الغمة للأربلي ج2 ص65 ط. بيروت، ومثل ذلك في تاريخ اليعقوبي الشيعي ص214 - 215، مروج الذهب ص431
(2) - شرح النهج لابن أبي الحديد ج16 ص36
ولقد صرح المؤرخون والكتّاب من الشيعة بأن الذين غصبوا الحسن وانتهبوا مضاربه وما فيها وجرحوه كانوا من ساباط المدائن، وهي المحل الذي نفي إليه عبد الله بن سبأ من قبل علي رضي الله عنه، وكانوا متأثرين بأفكاره وعقائده والساعين في الفرقة والاختلاف، ومن بينهم كان فريسة السبئية المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي كان له شأن فيما بعد والذي أظهر نفس العقائد التي تلقنها من عبد الله بن سبأ اليهودي الماكر الخبيث ومن السبئية الماكرة الخبيثة، ولقد ذكر المؤرخون أن السن بن علي رضي الله عنه دخل المدائن ونزلها وهوجريح على علم المختار:
"فقال له المختار وهوشاب: هل لك في الغنى والشرف؟ قال: وما ذاك؟ قال: تأخذ الحسين بن علي وتقيده وتبعثه إلى معاوية، فقال له عمه: قبحك الله وقبح ما جئت به، أأغدر بابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم" (1) "
ولما رأى الحسن ذلك ومعاملة السبئية من جانب، وتخاذل الشيعة من جانب، وإراقة الدماء من ناحية أخرى رأى الصلح خيرًا، ولقد ذكر المؤرخ الشيعي اليعقوبي:
وحمل الحسن إلى مدائن وقد نزف نزفًا شديدًا، واشتدت به العلة، فافترق الناس عنه، وقدم معاوية إلى العراق، فغلب على الأمر، والحسن عليل شديد العلة، فلما رأى الحسن أن لا قوة به، وأن أصحابه قد افترقوا عنه فلم يقوموا له، صالح معاوية، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا، وقد سالمت معاوية، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين" (2) ".
ولم يكتف الحسن بصلحه مع معاوية وتسليمه الأمر له، بل وأكثر من ذلك بايعه على رؤوس الأشهاد وبمن معه من إخوانه وقادة جيشه كما ذكر الرجالي الشيعي المشهور، الكشي عن جعفر بن الباقر أنه قال:
__________
(1) - الطبري ج6 ص92، ابن الأثير ج3 ص203، ابن كثير ج8 ص14، واللفظ له.
(2) - تاريخ اليعقوبي ج2 ص215
"إن معاوية كتب إلى الحسن رضي الله عنه أن اقدم أنت والحسين وأصحاب علي، فخرج معه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري وقدموا إلى الشام فأذن لهم معاوية وأعد لهم الخطباء فقال: يا حسن قم فبايع، ثم قال للحسين رضي الله عنه: قم فبايع، فقام فبايع، ثم قال: يا قيس قم فبايع، فالتفت إلى الحسين رضي الله عنه ينظر ما يأمره فقال: يا قيس إنه إمامي - يعني الحسن رضي الله عنه" (1) "
وذكر مثل هذا شيعي متعصب المجلسي في كتابه (جلاء العيون) الفارسي" (2) " وثقة محدثي الشيعة العباس القمي في تاريخه الفارسي الكبير منتهى الآمال" (3) " وكذلك ابن أبي الحديد الشيعي في كتابه شرح نهج البلاغة" (4) ".
وعندئذ افترق الشيعة بفرق أخرى:
"لما وادع الحسن معاوية وأخذ منه المال الذي بعث به إليه وصالح معاوية الحسن طعنوا فيه وخالفوه ورجعوا عن إمامته فدخلوا في مقالة جمهور الناس وبقي سائر أصحابه على إمامته إلى أن قتل، فلما تنحى عن محاربة معاوية وانتهى إلى مظلم ساباط وثب عليه رجل من هناك يقال له الجراح بن سنان فأخذ بلجان دابته ثم قال الله أكبر أشركت كما أشرك أبوك من قبل وطعنه بمعول في أصل فخذه فقطع الفخذ إلى العظم، فاعتنقه الحسن وخرا جميعًا فاجتمع الناس على الجراح فوطئوه حتى قتلوه ثم حمل الحسن على سرير فأتي به المدائن، فلم يزل يعالج بها في منزل سعد بن مسعود الثقفي حتى صلحت جراحته ثم انصرف إلى المدينة فلم يزل جريحًا من طعنته كاظمًا لغيظه متجرد طريقه على الشجا والأذى من أهل دعوته حتى توفي رضي الله عنه في آخر صفر سنة سبع وأربعين وهوابن خمس وأربعين سنة وستة أشهر، وقال بعضهم أنه ولد سنة ثلاث من الهجرة من شهر رمضان وإمامته ست سنين وخمسة أشهر" (5) ".
__________
(1) - رجال الكشي ص102.
(2) - ج1 ص395
(3) - ص316
(4) شرح النهج ج16 ص38 - 
(5) - النوبختي ص46
ففرقة ثبتوا مع الحسن بعد هذا الصلح وبايعوا معاوية رضي الله عنه معه، وأطاعوا وأخلصوا له الوفاء طيلة حياتهم من سنة إحدى وأربعين إلى سنة ستين من الهجرة، وكان على رأس هؤلاء أولاد علي رضي الله عنه وأهل بيته من الحسين ومحمد بن الحنفية وعبد الله بن العباس وأبناء عقيل وجعفر وغيرهم من الهاشميين الكبار من أسرة النبي صلى الله عليه وسلم يعتقدون نفس الاعتقادات التي كان يعتقدها المسلمون عامة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بدون تكفير أحد وتفسيق أحد من المسلمين، متحدين متفقين، ناسين الخلافات التي حدثت، ومعرضين عن الوقائع التي وقعت، متآخين متزوجين فيما بينهم كما ذكرنا ذلك مفصلاً فيما سبق، وفرقة مالت عن الحسن والحسين وقالت بإمامة محمد بن الحنفية وعرفت بعد ذلك بالكيسانية وقويت بعدما صالح الحسن معاوية وازدادت قوتها وشوكتها وحملت نفس الأفكار التي كانت تحملها السبئية، وتطورت فيما بعد تطورًا سريعًا، وتشعبت منها فرق شيعية كثيرة أخرى كما سنذكرها فيما بعد، ولقد ذكرها النوبتي الشيعي في الفرق التي نشأت بعد قتل علي رضي الله عنه وعدها من إحدى الثلاث التي كانت في عهد الحسن، فإنه قال:
"فلما قتل علي رضي الله عنه افترقت التي ثبتت على إمامته ... فصاروا فرقًا ثلاثًا، أولاً: السبئية، وثانيًا: فرقة قالت بإمامة محمد بن الحنفية لأنه كان صاحب راية أبيه يوم البصرة دون أخويه فسموا الكيسانية، وإنما سموا بذلك لأن المختار بن أبي عبيد الثقفي كان رئيسهم وكان يلقب كيسان وهوالذي طلب بدم الحسين بن علي رضي الله عنهما وثأره حتى قتل من قتلته وغيرهم من قتل وادعى أن محمد بن الحنفية أمره بذلك وأنه الإمام بعد أبيه، وإنما لقب المختار كيسان لأن صاحب شرطته المكنى بأبي عمرة كان اسمه وكان أفرط في القول والفعل والقتل من المختار جدًّا، وكان يقول أن محمد بن الحنفية وصي علي بن أبي طالب وأنه الإمام وأن المختار قيمه وعامله، ويكفر من تقدم عليًّا ويكفر أهل صفين والجمل، وكان يزعم أن جبرائيل عليه السلام يأتي بالوحي من عند الله عز وجل فيخبره ولا يراه، وروى بعضهم أنه سمي بكيسان مولى علي بن أبي طالب عليه السلام وهوالذي حمله على الطلب بدم الحسين بن علي عليه السلام ودله على قتلته وكان صاحب سره ومؤامرته والغالب على أمره" (1) "
وبذلك صرح الشهرستاني:
ومن قالوا إن الإمام تثبت بالنص اختلفوا بعد علي عليه السلام فمنهم من قال: إنما نص على ابنه محمد بن الحنفية وهؤلاء هم الكيسانية ... وأما من لم يقل بالنص على محمد بن الحنفية فقال بالنص على الحسن والحسين وقال: الإمامة في الأخوين الحسن والحسين" (2) ".
__________
(1) فرق الشيعة للنوبختي ص44 - 45، ومثل ذلك ورد في رجال الكشي ص117.
(2) - الملل والنحل ج1 ص28 - 29 الهوامش
وبذلك القول قال القاضي النعمان " (1) " (الشيعي الفاطمي أوالاثنا عشري على اختلاف الأقوال)
واختلفوا وكثر الكلام، فقال قوم:
وأسقطوا الحسن والحسينا
إنه الإمام بعد علي والوصي بنا
بل هوفي شعب برضوى قد ثبت
ثم غلوا فيه فقالوا: لم يمت
يأتيه قالوا رزق من ربه" (2) "
بين أسود فيه وكلوا به
وقد ذكر الكيسانية من السنة كل من البغدادي في الفرق بين الفرق " (3) " والأشعري في مقالات الإسلاميين " (4) " والملطي في التنبيه " (5) " والرازي في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين " (6) " والإسفرائيني في التبصير " (7) " وابن خلدون " (8) " وابن حزم في الفصل " (9) " والمقريزي وغيرهم.
وفرقة تركت التشيع مطلقًا بعد صلح الحسن مع معاوية رضي الله عنه ولم يعدوا أنفسهم من الشيعة فيما بعد:
"لما واعد الحسن معاوية وأخذ المال الذي بعث به إليه وصالح معاوية الحسن طعنوا فيه وخالفوه ورجعوا عن إمامته، فدخلوا في مقولة جمهور الناس" (10) "
وأما السبئية فلقد انتشرت انتشارًا فظيعًا في هذا العصر، كما أقر بذلك مؤرخ شيعي بقوله:
__________
(1) - هوأبوحنيفة النعمان بن أبي عبد الله محمد بن منصور بن أحمد بن الحيوان التميمي المغربي، عاش في النصف الأول من القرن الرابع من الهجرة، وتوفي بالقاهرة سنة 634هـ، وصلى عليه الإمام الفاطمي المعز لدين الله، وهومن الأعلام الثلاثة من الدعاة الفاطميين، وهوعلمهم وأسبقهم وقدوتهم، عاصر أربعة من الخلفاء الفاطميين من المهدي مؤسس الدولة الفاطمية في المغرب إلى المعز لدين الله في مصر (مقدمة تأويل الدعائم ص12، 13). وينسبه الشيعة الاثنا عشرية إلى طائفتهم (انظر مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي وغيره)
(2) - الأرجوزة المختارة للقاضي النعمان ص224 - 225 ط
(3) - ص38
(4) - ج1 ص89
(5) - ص29 و148
(6) - ص62
(7) - ص35
(8) - ص198
(9) - ج4 ص179
(10) - فرق الشيعة للنوبختي ص46.
"فقد ظهرت هذه البدعة الضالة وسرت سريان الوباء إلى نفر من أهل العراق - ثم ذكر أسباب انتشارها فيهم نقلاً عن ابن أبي الحديد لأنهم - كانوا من ركاكة البصائر وضعفها على حال مشهور فلا عجب من مثلهم أن تستخفهم المعجزات - التي رأوها من علي - رضي الله عنه -، فيعتقدوا في صاحبها أن الجوهر الإلهي قد حل فيه. وقد قيل إن جماعة من هؤلاء من نسل النصارى واليهود، وقد كانوا سمعوا من آبائهم وسلفهم القول بالحلول في أنبيائهم، فاعتقدوا فيه رضي الله عنه مثل ذلك. ويجوز أن يكون أصل هذه المقالة من قوم ملحدين أرادوا إدخال الإلحاد في دين الإسلام" (1) ".
الشيعة أيام الحسين رضي الله عنه
ولما توفي الحسن رضي الله عنه واجتمع الشيعة حول أخيه الحسين رضي الله عنه حدثت حادثة كبيرة، ووقعت كارثة عظيمة، ألا وهي خروج الحسين على يزيد بن معاوية بعد وفاة أبيه وقتله في كربلاء. ونقف برهة يسيرة قبل أن نذكر تفرق الشيعة بعد هذه الكارثة لسرد وبيان تخاذل الشيعة وغدرهم عن الحسين، فلقد ذكر اليعقوبي المؤرخ الشيعي الغالي أن يزيد بن معاوية لما تولى الخلافة بعد أبيه كتب إلى عامله بالمدينة الوليد بن عقبة بن أبي سفيان أن يأخذ البيعة من الحسين بن علي رضي الله عنهما ولما طلب الوليد منه ذلك:
فخرج الحسين إلى مكة، فأقام بها أيامًا، وكتب أهل العراق إليه، ووجهوا بالرسل على أثر الرسل، فكان آخر كتاب ورد عليه منهم كتاب هانئ بن أبي هانئ، وسعيد بن عبد الله الخثعمي:
"بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي من شيعته المؤمنين والمسلمين، أما بعد فحيّ هلا، فإن الناس ينتظرونك، لا إمام لهم غيرك، فالعجل ثم العجل والسلام" (2) ".
والمؤرخ الشيعي الآخر المسعودي يكتب:
__________
(1) - الشيعة في التاريخ لمحمد حسين الزين ص105
(2) - تاريخ اليعقوبي ج2 ص241، 242، ومثلُ ذلك في الإرشاد للمفيد ص203 وكشف الغمة للأربلي ج2 ص32
"ولما مات معاوية راسل أهل الكوفة " (1) " إلى الحسين بن علي: "أن قد حبسنا أنفسنا على بيعتك، ونحن نموت دونك، ولسنا نحضر جمعة ولا جماعة" (2) ".
وكتبًا أخرى: فقد اخضرت الجنات، وأينعت الثمار، فإذا شئت فأقبل على جند لك مجندة" (3) ".
ولما تواترت الرسائل وكثرت، واشتد طلب الكوفيين:
وجه إليهم مسلم بن عقيل بن أبي طالب وكتب إليهم، وأعلمهم أنه إثر كتابه، فلما قدم مسلم الكوفة اجتمعوا إليه، فبايعوه وعاهدوه وعاقدوه، وأعطوه المواثيق على النصرة والمشايعة والوفاء " (4) ".
وزاد المفيد: "فبايعوه وهم يبكون، وتجاوز عددهم ثمانية عشر ألفًا" (5) "
وبعد أيام وصل إليه من مسلم بن عقيل:
"أن لك مائة أله، ولا تتأخر" (6) ".
__________
(1) نعم الكوفة التي كانت مركزًا للشيعة ومرتعًا خصبًا حتى قالوا فيها:
وأما الكوفة وسوادها فهناك شيعة علي بن أبي طالب. وأما البصرة فعثمانية تدين بالكف.
وأما الجزيرة فحرورية مارقة. وأما أهل الشام فليس يعرفون إلا آل أبي سفيان وطاعة بني مروان .... وأما أهل مكة والمدينة فقد غلب عليهما أبوبكر وعمر (عيون الأخبار للرضا - نقلاً عن الشيعة في التاريخ).
ورووا عن جعفر أنه قال:
إن الله عرض ولايتنا على أهل الأمصار فلم يقبلها إلا أهل الكوفة (بصائر الدرجات ج2 الباب العاشر).
وأيضًا ما رواه الكليني في كافيه عن عبد الله الوليد الكندي:
قال: دخلنا على أبي عبد الله عليه السلام في زمن مروان، فقال: من أنتم؟ فقلنا: من أهل الكوفة، فقال: ما بلدة من البلدان أكثر محبًا لنا من أهل الكوفة، ولا سيما هذه العصابة، إن الله جل ذكره هداكم لأمر جهله الناس وأحببتمونا وأبغضنا الناس واتبعتمونا وخالفنا الناس، وصدقتمونا وكذبنا الناس، فأحياكم الله محيانا وأماتكم مماتنا (الروضة من الكافي)]
(2) - مروج الذهب ج3 ص54
(3) - إعلام الورى للطبرسي ص223، 1 الإرشاد للمفيد ص220
(4) - تاريخ اليعقوبي ج2 ص242
(5) - الإرشاد ص220
(6) - الإرشاد للمفيد ص220
فتحرك نحوالكوفة، فأتاه ابن العباس من بني هاشم وقائد جيوش علي رضي الله عنه ومستشاره الخاص والرجل المجرب المحنك الذي كان يعرف شيعة زمانه حق المعرفة فقال له - كما نقل المسعود الشيعي -:
"يا ابن عم، قد بلغني أنك تريد العراق، وإنهم أهل غدر، وإنما يدعونك للحرب، فلا تعجل، وإن أبيت إلا محاربة هذا الجبار وكرهت المقام بمكة فاشخص إلى اليمن، فإنها في عزلة، ولك فيها أنصار وإخوان، فأقم بها وبث دعاتك: واكتب إلى أهل الكوفة وأنصارك بالعراق أن يخرجوا أميرهم، فإن قووا على ذلك ونفوه عنها، ولم يكن بها أحد يعاديك أتيتهم، وما أنا لغدرهم بآمن، وإن لم يفعلوا أقمت بمكانك إلى أن يأتي الله بأمره، فإن فيها حصونًا وشعوبًا، فقال الحسين: يا ابن عم، إني لأعلم أنك لي ناصح وعلي شفيق، ولكن مسلم بن عقيل كتب إلي باجتماع أهل المصر على بيعتي ونصرتي، وقد أجمعت على المسير إليهم، قال: إنهم من خبرت وجربت، وهم أصحاب أبيك وأخيك وقتلتك غدًا مع أميرهم - ما أصدقه وما أحنك به وأخبر بهم - إنك لوقد خرجت فبلغ ابن زياد خروجك استنفرهم إليك، وكان الذين كتبوا إليك أشد من عدوك، فإن عصيتني وأبيت إلى الخروج إلى الكوفة فلا تخرجن نساءك وولدك معك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه" (1) "
هذا ما قاله عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما، وله من المنزلة والمقام عند علي رضي الله عنه ما لا يخفى على أحد حتى كتب مفيد الشيعة:
"كان أمير المؤمنين يتعشى ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند عبد الله بن العباس" (2) ".
وهذا ما كان يحمل من الشيعة، وكيف لا وقد قال فيهم علي رضي الله عنه نفسه: لوددت أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلاً منهم" (3) ".
__________
(1) - مروج الذهب ج3 ص55
(2) - الإرشاد للمفيد ص14
(3) - نهج البلاغة
ثم أيد ابن عباس أبوبكر بن هشام في وصف الشيعة بالغدر والخيانة وعدم الخروج إليهم كما نقله الشيعي المسعودي: دخل أبوبكر بن الحارث بن هشام على الحسين فقال: يا ابن عم، إن الرحم يظائرني عليك، ولا أدري كيف أنا في النصيحة لك، فقال: يا أبا بكر ما أنت ممن يستغش ولا يتهم، فقل، فقال أبوبكر: كان أبوك أقدم سابقة، وأحسن في الإسلام أثرًا، وأشد بأسًا، والناس له أرجى، ومنه أسمع وعليه أجمع، فسار إلى معاوية والناس مجتمعون عليه إلا أهل الشام وهوأعز منه، فخذلوه، وتثاقلوا عنه، حرصًا على الدنيا، وضنًّا بها، فجرعوه الغيظ، وخالفوه حتى صار إلى ما صار إليه من كرامة الله ورضوانه، ثم صنعوا بأخيك بعد أبيك ما صنعوا، وقد شهدت ذلك كله ورأيته، ثم أنت تريد أن تسير إلى الذي عدوا على أبيك وأخيك تقاتل بهم أهل الشام وأهل العراق ومن هوأعد منك وأقوى، والناس منه أخوف، وله أرجى، فلوبلغهم مسيرك إليهم لاستطغوا الناس بالأموال، وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك من وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره، فاذكر الله في نفسك، فقال الحسين: جزاك الله خيرًا يا ابن عم، فقد أجهدك رأيك، ومهما يقض الله يكن، فقال: إنا لله وعند الله نحتسب يا أبا عبد الله، ثم دخل على الحارث بن خالد بن العاص بن هشام المخزومي والي مكة وهويقول:
وظنين المغيب يلفي نصيحًا
كم نرى ناصحًا فيعصى
"فقال: وما ذاك؟ فأخبره بما قال للحسين، فقال: نصحت له ورب الكعبة" (1) "
ثم وننقل القصة بكاملها من الشيعة أنفسهم كي يعرف ويدرك خيانة القوم وجبنهم. فيذكر المسعودي:
__________
(1) - مروج الذهب ج3 ص56.
"واتصل خبر مجيء مسلم الكوفة بيزيد فكتب إلى عبيد الله بن زياد بتولية الكوفة؛ فخرج من البصرة مسرعًا حتى قدم الكوفة على الظهر، فدخلها في أهله وحشمه وعليه عمامة سوداء قد تلثم بها، وهوراكب بغلة والناس يتوقعون قدوم الحسين فجعل بن زياد يسلم على الناس فيقولون؛ وعليك السلام يا ابن رسول الله! قدمت خير مقدم، حتى انتهى إلى القصر وفيه النعمان بن بشير، فتحصن فيه، ثم أشرف عليه، فقال: يا ابن رسول الله مالي وما لك؟ وما حملك على قصد بليد من بين البلدان؟ فقال ابن زياد: لقد طال نومك يا نعيم، وحسر اللثام عن فيه، فعرفه، ففتح له، وتنادى الناس: ابن مرجانة، وحصبوه بالحصباء، ففاتهم ودخل القصر، ولما اتصل خبر ابن زياد بمسلم تحول إلى هانئ بن عروة المرادي، ووضع ابن زياد الرصد على مسلم حتى علم بموضعه، فوجه محمد بن الأشعث ابن قيس إلى هانئ، فجاءه فسأله عن مسلم، فأنكره فأغلظ له ابن زياد القول، فقال هانئ: إن لزياد أبيك عندي بلاء حسنًا، وأنا أحب مكافأته به، فهل لك في خير؟ قال ابن زياد: وما هو؟ قال تشخص إلى أهل الشام أنت وأهل بيتك سالمين بأموالكم، فإنه قد جاء حق من هوأحق من حقك وحق صاحبك، فقال ابن زياد: أدنوه مني، فأدنوه منه، فضرب وجهه بقضيب كان في يده حتى كسر أنفه وشق حاجبه، ونثر لحم وجنته، وكسر القضيب على وجهه ورأسه، وضرب هانئ بيده إلى قائم سيف شرطي من تلك الشرط، فجاذبه الرجل، ومنعه السيف، وصاح أصحاب هانئ بالباب: قتل صاحبنا، فخافهم ابن زياد، وأمر بحبسه في بيت إلى جانب مجلسه، وأخرج إليهم ابن زياد شريحًا القاضي، فشهد عندهم أنه حي لم يقتل، فانصرفوا، ولما بلغ مسلمًا ما فعل ابن زياد بهانئ، أمر مناديًا فنادى "يا منصور" وكانت شعارهم، فتنادى أهل الكوفة بها، فاجتمع إليه في وقت واحد ثمانية عشر ألف رجل، فسار إلى ابن زياد، فتحصن منه، فحصروه في القصر فلم يمس مسلم ومعه غير مائة رجل، فلما نظر إلى الناس يتفرقون عنه سار
نحوأبواب كندة، فما بلغ الباب إلا ومعه منهم ثلاثة، ثم خرج من الباب فإذا ليس معه منهم أحد، فبقي حائرًا لا يدري أين يذهب، ولا يجد أحدًا يدله على الطريق فنزل عن فرسه ومشى متلددًا في أزقة الكوفة لا يدري أين يتوجه، حتى انتهى إلى باب مولاة للأشعث بن قيس، فاستسقاها ماء فسقته، ثم سألته عن حاله، فأعلمها بقضيته، فرقت له وآوته، وجاء ابنها فعلم بموضعه، فلما أصبح غدا إلى محمد بن الأشعث فأعلمه، فمضى ابن الأشعث إلى ابن زياد فأعلمه" (1) "
فقتله وقتل هانئ بن عروة وهويصيح:
"يا آل مراد، وهوشيخها وزعيمها، وهويومئذ يركب في أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل، وإذا أجابتها أحلافها من كندة وغيرها كان في ثلاثين ألف دارع، فلم يجد زعيمهم منهم أحدًا فشلاً وخذلانًا" (2) ".
فلما بلغ الحسين القادسية لقيه الحر بن يزيد التميمي فقال له: أين تريد يا ابن رسول الله؟ قال: أريد هذا المصر، فعرفه بقتل مسلم وما كان من خبره، ثم قال: ارجع، فإني لم أدع خلفي خيرًا أرجوه لك، فهم بالرجوع فقال له أخوة مسلم: والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أونقتل كلنا، فقال الحسين: لا خير في الحياة بعدكم" (3) ".
ثم قال للناس:
__________
(1) - مروج الذهب للمسعودي ج3 ص57، 58
(2) - مروج الذهب ص59
(3) - مروج الذهب ص60، 61
"أما بعد فإنه قد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن يقطر وقد خذلنا شيعتنا فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف في غير حرج ليس معه ذمام فتفرق الناس عنه وأخذوا يمينًا وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير ممن انضموا إليه وإنما فعل ذلك لأنه - رضي الله عنه - علم أن الأعراب الذين اتبعوه إنما اتبعوه وهم يظنون أنه يأتي بلدًا قد استقامت له طاعة أهله، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون على ما يقدمون، فلما كان السحر أمر أصحابه فاستقوا ماء وأكثروا ثم ساروا حتى مر ببطن العقبة فنزل عليها فلقيه شيخ من بني عكرمة يقال له عمروبن لوذان فسأله أين يريد فقال له الحسين - رضي الله عنه - الكوفة فقال الشيخ أنشدك لما انصرفت فوالله ما تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف وإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لوكانوا كفوك مؤنة القتال ووطئوا لك الأشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأيًا فأما على هذه الحالة التي تذكر فإني لا أرى لك أن تفعل فقال له يا عبد اله ليس يخفى علي الرأي وإن الله تعالى لا يغلب على أمره" (1) ".
ثم ارتحل إلى الكوفة فلقي في الطريق واحدًا من أهل الكوفة وأخبره عن غدرهم وتخاذلهم وجبنهم قائلاً:
"ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة بل نتخوف أن يكونوا عليك" (2) ".
ولما عارضه ورفاقه جيش الكوفة ورأى منهم عكس ما كتبوا وقالت رسلهم، وتنكروا ما كتبوا إليه قال لبعض أصحابه:
اخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إلي، فأخرج خرجين مملوئين كتبًا فنشرت بين يديه" (3) ".
فأنكروا عليه هذه الكتب والرسائل، ثم سار حتى وصل كربلاء:
__________
(1) - الإرشاد للمفيد ص223، إعلام الورى للطبرسي ص231، 232، جلاء العيون للمجلسي ج2 ص540
(2) - الإرشاد ص222
(3) - إعلام الورى ص232، الإرشاد ص225، جلاء العيون ص541 - 542
"فلما كثرت العساكر على الحسين أيقن أنه لا محيص له فال: اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا ثم هم يقتلوننا، فلم يزل يقاتل حتى قتل رضوان الله عليه ... وكان جميع من حضر مقتل الحسين من العساكر وحاربه وتولى قتله من أهل الكوفة خاصة، فلم يحضرهم شامي" (1) ".
ثم يذكر اليعقوبي الشيعي المتحمس - كما يسميه ولهوزن - "إن أهل الكوفة لما قتلوه، انتهبوا مضاربه وابتزوا حرمه، وحملوهن إلى الكوفة، فلما دخلن إليها خرجت نساء الكوفة يصرخن ويبكين، فقال علي بن الحسين: هؤلاء يبكين علينا فمن قتلنا؟." (2) ".
وهنا نريد أن نثبت ما ذكره ولهوزن المستشرق الألماني المتعاطف على الشيعة:
__________
(1) - مروج الذهب ج3 ص61
(2) - تاريخ اليعقوبي ج1 ص235
ولم يكن جمهور أهل الكوفة حريصًا على مساعدة الحكومة، ولكنه مع ذلك لم ينضم إلى صف أعدائها. وحتى أولئك الذين بعثوا بالكتب إلى الحسين وأقسموا على الإخلاص له تخلوا عنه في المحنة ولم يقدموا له يد المعونة، وقصارى ما فعلوه أنهم راقبوا المعركة من بعيد ومصرعه الأخير ثم بكوا. وقليلون جدًّا هم أولئك الذين تجاسروا على اللحاق به ومشاركته في مصيره، مثل أبي ثمامة الصائدي خازن بيت المال، وابن عوسجة. وعدا هذا فإن بعض الذين شاركوه في مصرعه إما أنهم كانوا من أولئك الذين التقطهم عرضًا في الطريق أومن أولئك الذين دفعتهم الحمية الإنسانية في اللحظة الأخيرة إلى الانضمام إليه وإن لم يكن لهم من قبل شأن به أولم يكونوا من شيعته. وقد أبرز المؤرخون هذا التعارض بين المكلفين، الذين لم يعملوا شيئًا، وبين غير المكلفين الذين أخجلوا الأولين، أبرزوه وعرضوه أحيانًا عرضًا دراميًّا. ومما هوجدير بالاعتبار أن الأنصار أيضًا، لا القرشيون وحدهم، قد تخلوا عن الحسين، فلم يخرج من المدينة واحد منهم معه ولم يكن منهم بين شيعة الكوفة إلا أفراد قلائل جدًّا. والثورة التي قامت في المدينة سنة 63هـ لم تكن من أجل آل علي، كما أن علي بن الحسين نفض يديه منها.
"وفي مقابل الجبناء وغير المخلصين كان أعداء الشيعة الصرحاء وهم أتباع حكومة بني أمية وموظفوها. ولم يكن الجدال يدور حول أمور دينية إيمانية" (1) "
وعلى ذلك قال البغدادي:
روافض الكوفة موصوفون بالغدر، والبخل، وقد سار المثل بهم فيهما، حتى قيل: أبخل من كوفي، وأغدر من كوفي، والمشهور من غدرهم ثلاثة أشياء:
"أحدهما: أنهم بعد قتل علي رضي الله عنه بايعوا ابنه الحسن، فلما توجه لقتال معاوية غدروا به في ساباط المدائن، فطعنه سنان الجعفي في جنبه فصرعه عن فرسه، وكان ذلك أحد أسباب مصالحته معاوية.
__________
(1) - الخوارج والشيعة ص134.
والثاني: أنهم كاتبوا الحسين بن علي رضي الله عنه، ودعوه إلى الكوفة لينصروه على يزيد بن معاوية فاغتر بهم، وخرج إليهم، فلما بلغ كربلاء غدروا به، وصاروا مع عبيد الله بن زياد يدًا واحدة عليه، حتى قتل الحسين وأكثر عشيرته بكربلاء.
والثالث: غدرهم بزيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب بعد أن خرجوا معه على يوسف بن عمر، ثم نكثوا بيعته وأسلموا عند اشتداد القتال حتى قتل وكان من أمره ما كان" (1) ".
فهؤلاء كانوا الشيعة، شيعة علي والحسن والحسين، وهذه هي كانت معاملتهم لأئمتهم وقادتهم.
ولقد فصلنا في ذلك القول لأنه بعد هذه الحادثة حصل في التشيع تطور كبير، وبدأ يتجه إلى اتجاه ديني ويصبغ بصبغة مذهبية بعد أن كان سياسيًّا بحتًا، يرى رأي علي وأولاده مقابل معاوية وبني أمية. وبذلك صرح ولهوزن بكل وضوح حيث يذكر مقتل الحسين وبعده قيام المختار باسم الثأر، فيقول:
__________
(1) - الفرق بين الفرق ص37
"كان التشيع في الكوفة آنذاك قد لبس ثوبًا جديدًا. وقد عرفنا من قبل المعنى الذي كان يدل عليه في الأصل. لقد كان تعبيرًا عن الاتجاه السياسي العام لمعارضة العراق لسلطان الشام. وفي بادئ الأمر كان الأشراف صفًّا واحدًا مع سائر الناس ويتولون قيادتهم. ولكن حينما أحدث الخطر تراجعوا واستلانوا لإغراء الحكومة (حكومة الأمويين في الشام) ثم استخدموا للقضاء على الثورات الشيعية. وبهذا انفصلوا عن الشيعة، فتحدد نطاق التشيع واتخذ شيئًا فشيئًا صورة فرقة دينية في تعارض مع الأرستقراطية ونظام العشائر، وأصبح بفضل استشهاد زعمائه وأوليائه ذا طابع مثالي خيالي. وكان أنصار سليمان بن صرد يرمون إلى الثورة على أرستقراطية العشائر في الكوفة. ولكن المختار كان أول من نفذ هذا الغرض وحققه عمليًّا. وإلى هذه الحركة اجتذب الموالي أيضًا. وهؤلاء كان اجتذابهم سهلاً لأنهم كانوا ذوي نزعة واضحة إلى الحكم الديني، لا القومي الشعوبي، وإن كان العرب هم الذين كانوا يتولونه حتى ذلك الحين، كما كانوا - أعني الموالي - يكرهون المتعصبين لسيادة العرب.
فلما ارتبطت الشيعة بالعناصر المضطهدة تخلت عن تربية القومية العربية وكانت حلقة الارتباط هي الإسلام. ولكنه لم يكن ذلك الإسلام القديم، بل نوعًا جديدًا من الدين" (1) ".
__________
(1) - الخوارج والشيعة ص167 - 168
وبدأ التشيع يحمل الأفكار الأجنبية المدسوسة، كما بدأ يحصل فيه التفرق الكثير، "وصار مأوى وملجأ لكل من أراد هدم الإسلام لعداوة أوحقد، ومن كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزرادشتية وهندية، ومن كان يريد استقلال بلاده والخروج على مملكته، كل هؤلاء كانوا يتخذون حب أهل البيت ستارًا يضعون وراءه كل ما شاءت أهواؤهم، فاليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة، وقال الشيعة: إن النار محرمة على كل شيعي إلا قليلاً، كما قال اليهود: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات، والنصرانية ظهرت في التشيع في قول بعضهم: إن نسبة الإمام إلى الله كنسبة المسيح إليه، وقالوا: إن اللاهوت اتحد بالناسوت في الإمام، وإن النبوة والرسالة لا تنقطع أبدًا، فمن اتحد به اللاهوت فهونبي، وتحت التشيع ظهر القول بتناسخ الأراوح وتجسيم الله والحلو، ونحوذلك من الأقوال التي كانت معروفة عند البراهمة والفلاسفة والمجوس من قبل الإسلام، وتستر بعض الفرس بالتشيع وحاربوا الدولة الأموية، وما في نفوسهم إلا الكره للعرب ودولتهم، واسعي لاستقلالهم" (1) ".
كما نقل عن المقريزي أنه قال:
إن الفرس كانوا ذوي سعة وعلويد على جميع الأمم وجلالة الخطر في أنفسها بحيث إنهم كانوا يسمون أنفسهم الأحرار والأسياد، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدًا لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، وكان العرب عند الفرس أقل الأمم خطرًا، تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، وفي كل ذلك يظهر الله الحق ... فرأوا أن كيده على الحيلة أنجع، فأظهر قوماًَ منهم الإسلام واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل البيت واستبشاع ظلم علي، ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن طريق الهدى" (2) ".
__________
(1) - فجر الإسلام لأحمد أمين ص276 - 277
(2) - الخطط للمقريزي - نقلاً عن فجر الإسلام ص77
ونرجع الآن إلى تفرقهم واختلافهم بعد ذكرنا إياهم وخذلانهم مناصرة زعمائهم ومن كانوا يدعون حبهم وموالاتهم، فبعد قتل الحسين رضي الله عنه افترقت الشيعة ثلاث فرق كما يذكر النوبختي:
الكيسانية
فلما قتل الحسين حارت فرقة من أصحابه وقالت: قد اختلف علينا فعل الحسن وفعل الحسين لأنه إن كان الذي فعل الحسن حقًّا واجبًا صوابًا من موادعته معاوية وتسليمه له عند عجزه عن القيام بمحاربته مع كثرة أنصار الحسن وقوتهم فما فعله الحسين من محاربته يزيد بن معاوية مع قلة أنصار الحسين وضعفهم. وكثرة أصحاب يزيد لعنة الله عليه حتى قتل وقتل أصحابه جميعًا باطل غير واجب لأن الحسين كان أعذر في القعود عن محاربة يزيد وطلب الصلح والموادعة من الحسن في القعود عن محاربة معاوية. وإن كان ما فعله الحسين حقًّا واجبًا صوابًا من مجاهدته يزيد بن معاوية حتى قتل وقتل ولده وأصحابه فقعود الحسن وتركه مجاهدة معاوية وقتاله ومعه الكثير باطل فشكوا لذلك في إمامتهما ورجعوا فدخلوا في مقالة العوام وبقي سائر أصحاب الحسين على القول الأول بإمامته حتى مضى.
ثم افترقوا بعده ثلاث فرق: (ففرقة) قالت بإمامة محمد بن الحنفية وزعمت أنه لم يبق بعد الحسن والحسين أحد أقرب إلى أمير المؤمنين عليه السلام من محمد بن الحنفية فهوأوى الناس بالإمامة كما كان الحسين أولى بها بعد الحسن من ولد الحسن فمحمد هوالإمام بعد الحسين.
" (وفرقة) قالت إن محمد بن الحنفية رحمه الله تعالى هوالإمام المهدي وهووصي علي بن أبي طالب عليه السلام ليس لأحد من أهل بيته أن يخالفه ولا يخرج عن إمامته ولا يشهر سيفه إلا بإذنه وإنما خرج الحسن بن علي إلى معاوية محاربًا له بإذن محمد ووادعه وصالحه بإذنه وإن الحسين إنما خرج لقتال يزيد بإذنه ولوخرجا بغير إذنه هلكا وضلا وإن من خالف محمد بن الحنفية كافر مشرك وأن محمدًا استعمل المختار بن أبي عبيد على العراقين بعد قتل الحسين وأمره بالطلب بدم الحسين وثأره وقتل قاتليه وطلبهم حيث كانوا وسماه كيسان لكيسه ولما عرف من قيامه ومذهبه فيهم فهم يسمون (المختارية) ويدعون: الكيسانية" (1) "
ولقد ذكرنا قبل ذلك أن الكيسانية وجدت بعد قتل علي رضي الله عنه ولكن غلب هذا الاسم على المختارية، ومن الكيسانية تفرعت فروع كثيرة، وتفرقت فرق متعددة مثل الكرابية والحربية والرزارمية والبيانية والرواندية وأبوالمسلمية والهاشمية والحارثية وغيرها الكثيرة الكثيرة " (2) ".
ويجمع هذه الفرق كلها القول بإمامة محمد بن الحنفية والاعتقاد بالعقائد التي زرع بذورها السبئية وعبد الله بن سبأ، الغيبة والرجعة والتناسخ وغيرها، وفي ذلك قال شاعرهم:
ولاة الحق أربعة سواء
ألا إن الأئمة من قريش
هم الأسباط ليس بهم خفاء
علي والثلاثة من بنيه
وسبط غيبته كربلاء
فسبط سبط إيمان وبر
يقود الخيل يقدمها اللواء
وسبط لا يذق الموت حتى
برضوى عنده عسل وماء" (3) "
تغيب لا يرى فيهم زمانًا
__________
(1) - فرق الشيعة للنوبختي ص47 - 48.
(2) -انظر لمعرفة ذلك فرق الشيعة للنوبختي ص48 وما بعد ومقالات الإسلاميين ص89 والفرق بين الفرق ص38 وما بعد، والحور العين ص157 وما بعد، والملل والنحل للشهرستاني ج1 ص، والتبصير للإسفرائيني، مقدمة ابن خلدون ص199 وما بعد ط. مصر
(3) - الفرق بين الفرق ص41
وقد أجاب على هذه الأبيات البغدادي في كتابه (الفرق بين الفرق) " (1) ".
وقال أحد الكيسانين أيضًا:
وأهد له بمنزله السلاما
ألا حي المقيم بشعب رضوى
وسموك الخليفة والإماما
أضر بمعشر والوك منا
مقامك عنهم سبعين عاما
وعادوا فيك أهل الأرض طرا
تراجعه الملائكة الكلاما
لقد أمسى بجانب شعب رضوى
لا وارث له أرض عظاما
وما ذاق ابن خولة طعم موت
وأندية تحدثه كراما" (2) "
وإن له به لمقيل صدق
وأجابه البغدادي أيضًا بقوله:
لمن وارى التراب له عظاما
لقد أفنيت عمرك بانتظار
تراجعه الملائكة الكلاما
فليس بشعب رضوى من إمام
وأشربة يعل بها الطعاما
ولا من عنده عسل وماء
كما قد ذاق والده الحماما
وقد ذاق ابن خولة طعم موت
لعاض المصطفى أبدًا وداما" (3) "
ولوخلد امرؤ لعلومجد
والجدير بالذكر أن من الكيسانية انتقلت الإمامة إلى بني العباس لأن بعض فرقها اعتقدت انتقال الإمامة من أبي هاشم بن محمد بن الحنفية إلى محمد بن علي بن العباس، ومنه إلى ابنه إبراهيم، ومن إبراهيم إلى أبي العباس، ومن أبي العباس إلى أبي جعفر المنصور المؤسس للدولة العباسية" (4) "
__________
(1) - انظر ص42
(2) - فرق الشيعة ص51
(3) - الفرق بين الفرق ص43
(4) - انظر فرق الشيعة ص69، مقدمة ابن خلدون ص199.
ومن بين هذه الفرق كلها اشتهرت فرقة المختار بن أبي عبيد الثقفي لما كان له من صولة وجولة باسم القصاص بدم الحسين رضي الله عنه، وقد ذكر المختار هذا، الكشي في (رجاله) عن محمد بن مسعود قال: حدثني ابن أبي علي الخزاعي قال: [حدثني] خالد بن يزيد العمري عن الحسن بن زيد عن عمر بن علي: أن المختار أرسل إلى علي بن الحسين - رضي الله عنه - بعشرين ألف دينار فقبلها وبنى بها دار عقيل بن أبي طالب ودارهم التي هدمت. قال: ثم إنه بعث إليه بأربعين ألف دينار بعدما أظهر الكلام الذي أظهره فردها ولم يقبلها، والمختار هوالذي دعا الناس إلى محمد بن علي بن أبي طالب ابن الحنفية وسموالكيسانية، وهم المختارية، وكان لقبه كيسان ولقب بكيسان لصاحب شرطته المكنى أبا عمرة وكان اسمه كيسان. وقيل إنه سمي كيسان بكيسان مولى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وهوالذي حمله على الطلب بدم الحسين ودله على قتلته، وكان صاحب سره والغالب على أمره، وكان لا يبلغه عن رجل من أعداء الحسين - رضي الله عنه - أنه في دار أوموضع إلا قصده وهدم الدار بأسرها وقتل كل من فيها من ذي روح، وكل دار بالكوفة خراب فهي مما هدمها، وأهل الكوفة يضربون به المثل فإذا افتقر إنسان قالوا "دخل أبوعمرة بيته" حتى قال فيه الشاعر:
يغويك ويطغيك ولا يعطيك كسرة" (1) "
إبليس بما فيه خير من أبي عمرة
كما ذكره النوبختي الذي نقلنا عنه آنفًا:
ولقد ذكره ولهوزن أيضًا بالتفصيل، ولعل الحديث عنه أطول حديث في كتابه نقطع منه هذا الجزء لتصوير الرجل وتحليله الذي حلل به شخصيته:
__________
(1) - رجال الكشي ص117
كان المختار ينعت بأنه سحار " (1) "، وأنه "الدجال"1"ويوصف عادة بـ"الكذاب". وهذا الوصف لا لأنه زعم أنه مكلف من قبل ابن الحنفية، بل لأنه تبدى على أنه نبي. حقًّا إنه لم يسم نفسه بهذا الاسم، ولكنه أتى أفعالاً من شأنها أن تعطي عنه هذه الفكرة، فكرة أنه نبي. وكان يتكلم وكأنه جالس في الحضرة الإلهية، يعلم الغيب، ويسجع سجع الكهان بطلاقة ومهارة. ويريد أن يفرض شخصيته على الناس، وأفلح في هذا أيضًا وإن كان نجاحه لدى الخاصة والعقلاء أقل منه لدى العامة والدهماء. وطالما حالفه النصر اتسعت دوائر المؤمنين به. فلما مني بالهزيمة أدبرت عنه الدنيا. وراحت الروايات تطلق سهامها على ذكراه بعد مقتله. في البدء كانت تذمه دون أن تشوه صورته. ولكنها راحت بعد ذلك في مرحلة متأخرة تنعته بنعوت أملاها الحقد. وهذه النعوت نفسها هي التي تسود الصورة التي كونتها عنه الأجيال التالية. و"دوزي" لا يستخدم غيرها لرسم الصورة التي عملها للمختار في كتابه "مقالة في تاريخ الإسلام": فيقول عنه إنه هوالذي أمر بإطلاق الحمام البيض، وأنه كان خارجيًّا ثم زبيريًّا ثم شيعيًّا، وأنه ابتدع القول بالبداء في الله كيما يبرر تقلبه هومن مذهب إلى مذهب. ولكن لا يحق للمرء أن يجعله معرضًا للسخرية من أجل أن يفهمه على حقيقته. ولحسن الحظ كان لنشر "تاريخ" الطبري الفضل في وضع حد لهذا النحومن تصوير الرجل.
__________
(1) - الطبري ج2 ص730 س13، ص686 س7
فإن كان لابد من الإجابة عن السؤال: هل كان المختار نبيًّا صادقًا أومتنبئًا كاذبًا؟ - فلا مناص من تعديله إلى هذه الصيغة: أكان المختار مخلصًا أم غير مخلص؟ قد يأخذ عليه المرء أنه استعان بالتنبؤ للوصول إلى الحكم. ولكن هذا المأخذ عينه قد يؤخذ على محمد، وعلى المرء أن يلاحظ أن الإسلام دين سياسي وأن أي نبي مسلم لابد أن يسعى إلى الحكم. ولكن ما هوأشد من ذلك المأخذ خطرًا وأكبر وزنًا هوأنه تستر وراء شبح وناطور خيالي (هومحمد بن الحنفية) لم يعرف عن أمره شيئًا ولم يشأ أيضًا أن يعلم عن أمره شيئًا. فلم يكن ضميره نقيًّا من هذه الناحية، ولكن الظروف في ذلك الحين لم تسمح له - بوصفه مسلمًا وشيعيًّا - أن يظهر باسمه هوالخاص، بل كان عليه أن يخلق لنفسه مركز "أمين" للمهدي المستتر ... وإن المختار اتخذ نقطة ابتدائه من بدعة غريبة غامضة اختط بها المختار وهي "السبئية". والسبئية كانت قد اتخذت اتجاهًا أنشأ يسيطر على طبقات واسعة بحيث اضطرت الشيعة بوجه عام إلى اتخاذ موقف أشد حدة بإزاء الإسلام السني وازداد إبراز الخلافات بين الشيعة والسنة. والسبئية يسمون أيضًا "الكيسانية" وكان كيسان زعيمًا للموالي، فإن كان في نفس الوقت زعيمًا للسبئية، فيستنتج من هذا أن السبئية والموالي كانوا شيئًا واحدًا تقريبًا " (1) ". واعتمادًا على هذا الاستنتاج مضى البعض فزعم أن التشيع كمذهب ديني إيراني الأصل، لأن غالبية موالي الكوفة كانوا إيرانيين. قال دوزي" (2) ": "كانت الشيعة في حقيقتها فرقة فارسية، وفيها يظهر أجلى ما يظهر ذلك الفارق بين الجنس العربي، الذي يحب الحرية، وبين الجنس الفارسي الذي اعتاد الخضوع كالعبيد. لقد كان مبدأ انتخاب خليفة للنبي أمرًا غير معهود ولا مفهوم، لأنهم لم يعرفوا غير مبدأ الوراثة في الحكم، لهذا اعتقدوا أنه مادام محمد لم يترك ولدًا يرثه، فإن عليًّا
__________
(1) - ص623 س14، ص651 س2
(2) - في كتابه المذكور آنفًا، ص220 وما يليها
هوالذي كان يجب أن يخلفه وأن الخلافة يجب أن تكون وراثية في آل علي. ومن هنا فإن جميع الخلفاء - ما عدا عليًّا - كانوا في نظرهم مغتصبين للحكم لا تجب لهم طاعة. وقوي هذا الاعتقاد عندهم كراهيتهم للحكومة وللسيطرة العربية، فكانوا في الوقت نفسه يلقون بأنظارهم النهمة إلى ثروات سادتهم. وهم قد اعتادوا أيضًا أن يروا في ملوكهم أحفادًا منحدرين من أصلاب الآلهة الدنيا، فنقلوا هذا التوقير الوثني إلى علي وذريته. فالطاعة المطلقة "للإمام" الذي من نسل علي - كانت في نظرهم الواجب الأعلى، حتى إذا ما أدى المرء هذا الواجب، استطاع بعد ذلك بغير لائمة ضمير أن يفسر سائر الواجبات والتكاليف تفسيرًا رمزيًّا وأن يتجاوزها ويتعداها. لقد كان "الإمام" عندهم هوكل شيء، إنه الله قد صار بشرًا. فالخضوع الأعمى المقرون بانتهاك الحرمات - ذلك هوالأساس في مذهبهم" وعلى نحومشابه يتحدث أ. ملر في كتابه المذكور سابقًا ج1 ص327، ويضيف إلى هذا أن الفرس كانوا - تحت تأثير الأفكار الهندية قبل الإسلام بعهد طويل - يميلون إلى القول بأن الشاهنشاه هوتجسد لروح الله التي تنتقل في أصلاب الملوك من الآباء إلى الأبناء.
أما أن آراء الشيعة كانت تلائم الإيرانيين - فهذا أمر لا سبيل إلى الشك فيه، أما كون هذه الآراء قد انبعثت من الإيرانيين، فليست تلك الملاءمة دليلاً عليه" (1) "
__________
(1) - الخوارج والشيعة ص165 إلى 169.
وأما عقائدهم الباقية فإنها لمبسوطة موجودة في كتب الفرق، ولقد ذكرنا ما فيها الكفاية وتفي بالمطلوب. ولقد طولنا الكلام في هذه الفئة من الشيعة وهذا الرجل لأنه هووطائفته هم تركة السبئية الحقيقية، ومنهم أخذ بالأفكار وتمسك بالآراء من جاء من الشيعة بعدهم، وعندئذ بدأ التشيع الأصلي يذوب، والشيعة الأولى ينقرضون إلا القليل القليل. وعلى رأسهم أولاد علي وبنوهاشم، وبدأت أفكار السبئية تتسرب إليهم وتتغلب عليهم، خصوصًا شهادة حسين رضي الله عنه جعلت الموالين لعلي وأولاده، وحتى بعض الطالبيين أيضًا يحسون بالحرمان الكبير واليأس الكثير، ويجدون أنفسهم تواقة إلى الانتقام وخصوصًا قلب نظام الحكم القائم المتهم بقتل الحسين وأهله في كربلاء، وبدأ بعض الجهلة والمغفلين ينقمون كل ما يتصل بالحكام ويبغضون كل ما يرى برأيهم وحتى العقائد والمعتقدات، فلما رأى هؤلاء أن ولاة الأمر يعظمون أبا بكر وعمر وعثمان وبقية أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه أمهات المؤمنين بدءوا يتبرؤون منهم ويتكلمون فيهم. لا لأنهم يجدون عليهم شيئًا، بل كرهًا لكل ما يسمعونه على المنابر وفي المحاريب. وعلى ذلك نقل الذهبي عن شيخ الإسلام ابن تيمية:
كان السلف متفقين على تقديم أبي بكر وعمر حتى شيعة علي رضي الله عنه. وروى ابن بطة عن شيخه المعروف بأبي العباس بن مسروق: حدثنا محمد بن حميد حدثنا جرير عن سفيان عن عبد الله بن زياد بن حدير قال: قدم أبوإسحاق السبيعي الكوفة، قال لنا شمر بن عطية: قوموا إليه، فجلسنا إليه، فتحدثوا. فقال أبوإسحاق: خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما، وقدمت الآن وهم يقولون ويقولون، ولا والله ما أدري ما يقولون ... وعن ضمرة عن سعيد بن حسن قال: سمعت ليث بن أبي سليم يقول: أدركت الشيعة الأولى وما يفضلون على أبي بكر وعمر أحدًا. وقال أحمد بن حنبل حدثنا سفيان بن عيينة عن خالد بن سلمة عن مسروق قال: حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة. ومسروق من أجلّ تابعي الكوفة وكذلك قال طاووس ... وقد روى ذلك عن ابن مسعود. وكيف لا تقدم الشيعة الأولى أبا بكر وعمر وقد تواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبوبكر ثم عمر. وقد روي هذا عنه من طرق كثيرة قيل إنها تبلغ ثمانين طريقًا. وقد روى البخاري عنه في صحيحه من حديث الهمدانيين - الذين هم أخص الناس بعلي حتى كان يقول:
لقلت لهمدان ادخلي بسلام
ولوكنت بوابًا على باب جنة
فقد رواه البخاري من حديث سفيان الثوري وهوهمداني، عن منذر وهوهمداني عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: يا أبت من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: يا بني أوما تعرف؟ فقلت: لا. قال: أبوبكر. فقلت: ثم من؟ قال: عمر. وهذا يقوله لابنه بينه وبينه، ليس هومما يجوز أن يقوله تقية. ويرويه عن أبيه خاصة. وقاله على المنبر. وعنه أنه كان يقول: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري" (1) "
__________
(1) - المنتقى للذهبي ص360، 361 ط. القاهرة بتحقيق السيد محي الدين الخطيب.
"وكتب محب الدين الخطيب في الهامش هذا نص تاريخي عظيم في تحديد تطور التشيع، فإن أبا إسحاق السبيعي كان شيخ الكوفة وعالمها، ولد في خلافة أمير المؤمنين عثمان قبل شهادته بثلاث سنين، وعمّر حتى توفي سنة 127، وكان طفلاً في خلافة أمير المؤمنين علي. وهويقول عن نفسه: رفعني أبي حتى رأيت علي بن أبي طالب يخطب أبيض الرأس واللحية. ولوعرفنا متى فارق الكوفة ثم عاد فزارها لتوصلنا إلى معرفة الزمن الذي كان فيه شيعة الكوفة علويين يرون ما يراه إمامهم من تفضيل أبي بكر وعمر، ومتى أخذوا يفارقون عليًّا ويخالفونه فيما كان يؤمن به ويعلنه على منبر الكوفة من أفضلية أخويه صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيريه وخليفتيه على أمته في أتقى وأطهر أزمانها. ومن العجيب أن الخوارج والإباضية ثبتوا على عقيدتهم الأولى في أبي بكر وعمر كما كانوا عليه مع علي إلى مدة الحكم، والشيعة نقضوا هذه العقيدة وعصوا فيها إمامهم بعد القرن الأول، أي في أواخر حياة أبي إسحاق السبيعي" (1) ".
هذا وبلغ الأمر بعد تطور الشيعة إلى حد أنهم بدءوا ينكرون المسلمات والأسس التي عليها يقوم المذهب الإسلامي الحنيف والشريعة السماوية السمحاء. فقط لأن الحكام يتمسكون بها ويعتقدونها، مثل القرآن، الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وسنة رسول الله التي جعلها الله بيانًا لهذا القرآن" (2) "
__________
(1) المنتقى للذهبي الهامش ص360، 361
(2) - ولقد فصلنا القول في هذا في كتابنا (الشيعة والقرآن) و(الشيعة والسنة) من أراد معرفة ذلك فليرجع إليهما.
ثم وبعد شهادة الحسين رضي الله عنه كثرت الخزعبلات والخرافات في الشيعة حتى إن المخلصين من الأشراف ومن الشيعة الأولى حاولوا إقامة السد في طريق هذه السخافات ومنع الناس عن اعتناقها ولكنهم فشلوا في ذلك، ثم اضطروا إلى التباعد عنها وعن التشيع بعدما قنطوا ويئسوا من رجوع القوم إلى الحق وانتهائهم عن الغي والضلالات، فهذا هوابن الأشتر إبراهيم يذكره ولهوزن ضمن تسلط المختار على الشيعة وامتناع إبراهيم عن الانضمام إليه حيث يقول:
فكان على المختار أن يكسب رجلاً آخر في الكوفة نفسها لا يستطيع من دونه أن يلقى رؤساء الشيعة نجاحًا ضد الأشراف والوالي. هذا الرجل هوإبراهيم بن الأشتر زعيم قبلة النخع من مذحج. وكان بارعًا ماكرًا مستقل الرأي، وكان كأبيه مخلصًا لعلي، وكان على اتصال بابن الحنفية. ولكنه لم يكن يؤمن بالتشيع على الصورة التي استحال إليها في ذلك العهد. لم يشأ الانضمام إلى سليمان بن صرد كما لم يرغب في أن يعرف شيئًا عن المختار. ولم تفلح المحاولات في اكتسابه. وأخيرًا وصله كتاب يطلب فيه ابن الحنفية نفسه منه أن يعترف بالمختار بن أبي عبيد. ولكنه تضايق من كون ابن الحنفية يلقب نفسه في هذا الكتاب بلقب "المهدي" وهوأمر لم يعهد منه، فحاك في صدره الشك في صحته. ولكن الذين قدموا بالكتاب، والمختار نفسه أكدوا صحة الكتاب، إلا اثنين لفتا نظره بتحفظهم، وهما: عامر بن شراحيل الشعبي الراوي الفقيه المحدث الكبير. وأبوه شراحيل. فانتحى بعامر ناحية وسأله هل يشك في أمانة هؤلاء الشهود على صحة الكتاب. فقال عامر الشعبي: معاذ الله فإنهم "سادة القراء ومشيخة المصر وفرسان العرب ولا أرى مثل هؤلاء يقولون إلا حقًّا! " (1) ".
فسأله ابن الأشتر أن يكتب له أسماءهم وكتب محضرًا صوريًّا بما وقع. فلما اطمأن قلبه بهذا امتثل لما ورد في الكتاب ووضع نفسه في خدمة المختار بن أبي عبيد" (2) ".
__________
(1) - الطبري 2/ 612
(2) الخوارج والشيعة ص147، 148
ولما تقلب المختار وبدأ يظهر ما كان يكنه من الأفكار السبئية من عداوة السلف الصالح والطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"أخذوا يعتبون على المختار أنه تأمر عليهم بغير رضى منهم ولا بإذن من ابن الحنفية وأنه أظهر هووسبئيته (ببدع ابتدعها في الإسلام) البراءة من أسلافهم الصالحين" (1) ".
"واحتل هؤلاء الأشراف المراكز الرئيسية في الكوفة وحصروا المختار في القصر والمسجد وقطعوا الاتصال بينه وبين الخارج. وحتى يفسد عليهم تدبيرهم اقترح عليهم أن يبعثوا من قبلهم وفدًا إلى ابن الحنفية ويرسل هومن قبله وفدًا إليه لسؤاله في تأييد ابن الحنفية له، ولكن لم ينجح في هذا التدبير" (2) ".
ويقول: "كان المختار في الذروة، وكان أيضًا أمام الهاوية. فالشيعة العرب من الجيل القديم كانوا لا يثقون به حتى اعتزلوه جانبًا" (3) ".
وهذا القدر يكفي لبيان الصراع الذي حدث بين الشيعة في التطور والتغير من المنهج الأول القديم، وبدأ الشيعة أكثرهم يعتقدون بمثل هذه الخرافات والسخافات عن الحمامات البيض بأنها ملائكة، وعن الكرسي المقدس والنبوءات وأخبار الغيب.
ثم حصلت التفرقة في الشيعة مرة ثانية بعد قتل المختار:
ففرقة قالت بإمامة علي بن الحسين، وكان يكنى بأبي محمد ويكنى بأبي بكر وهي كنيته الغالبة عليه فلم تزل مقيمة على إمامته حتى توفي بالمدينة في المحرم في أول سنة أربع وتسعين وهوابن خمس وخمسين سنة، وكان مولده في سنة ثمان وثلاثين وأمه أم ولد يقال لها سلافة وكانت تسمى قبل أن تسبى جهانشاه وهي ابنة يزدجرد بن شهريار بن كسرى ابرويز بن هرمز وكان يزدجرد آخر ملوك فارس.
__________
(1) - الخوارج والشيعة ص155
(2) - الخوارج والشيعة ص156.
(3) - الخوارج والشيعة ص159
(وفرقة) قالت انقطعت الإمامة بعد الحسين إنما كانوا ثلاثة أئمة مسمين بأسمائهم استخلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوصى إليهم وجعلهم حججًا على الناس وقومًا بعده واحدًا بعد واحد فلم يثبتوا إمامة لأحد بعدهم.
(وفرقة) "قالت إن الإمامة صارت بعد مضي الحسين في ولد الحسن والحسين فهي فيهم خاصة دون سائر ولد علي بن أبي طالب وهم كلهم فيها شرع سواء من قام منهم ودعا لنفسه فهوالإمام المفروض الطاعة بمنزلة علي بن أبي طالب واجبة إمامته من الله عز وجل على أهل بيته وسائر الناس كلهم فمن تخلف عنه في قيامه ودعائه إلى نفسه من جميع الخلق فهوهالك كافر ومن ادعى منهم الإمامة وهوقاعد في بيته مرخى عليه ستره فهوكافر مشرك وكل من اتبعه على ذلك وكل من قال بإمامته" (1) ".
وفرق أخرى كثيرة، منها من قالت بإمامة أبناء الحسن ومن قالت بغيره.
ومنهم من ذهب إلى إثبات النبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لغيره، ومنهم من أوجب الإلهية لغير الله عز وجل كما ذكرهم ابن حزم في فصله:
فالطائفة التي أوجبت النبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم فرق، فمنهم الغرابية وقولهم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أشبه بعلي من الغراب بالغراب، وأن الله عز وجل بعث جبريل عليه السلام بالوحي إلى علي، فغلط جبريل بمحمد .. وفرقة قالت بنبوة علي، وفرقة قالت بأن علي بن أبي طالب والحسن والحسين رضي الله عنهم وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي والحسن بن محمد والمنتظر ابن الحسن أنبياء كلهم.
وفرقة قالت بنبوة محمد بن إسماعيل بن جعفر فقط وهم طائفة من القرامطة.
__________
(1) - فرق الشيعة للنوبختي الشيعي ص74
وفرقة قالت بنبوة علي وبنيه الثلاثة الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية فقط. وهم طائفة من الكيسانية وقد حام المختار حول [ادعاء] النبوة لنفسه وسجع أسجاعًا وأنذر بالغيوب عن الله تعالى واتبعه على ذلك طوائف من الشيعة الملعونة وقال بإمامة محمد بن الحنفية.
وفرقة قالت بنبوة المغيرة بن سعيد ... وقالت فرقة منهم بنبوة منصور العجلي وهوالملقب بالكسف، وكان يقال إنه المراد بقول الله عز وجل: {وإن يروا كسفًا من السماء ساقطًا ... } والقسم الثاني الذين يقولون بالإلهية لغير الله عز وجل فأولهم قوم من أصحاب عبد الله بن سبأ الحميري لعنه الله أتوا إلى علي بن أبي طالب فقالوا مشافهة أنت هوفقال لهم ومن هوقالوا أنت الله فاستعظم الأمر وأمر بنار فأججت وأحرقهم بالنار فجعلوا يقولون وهم يرمون في النار الآن صح عندنا أنه الله لأنه لا يعذب بالنار إلا الله وفي ذلك يقول رضي الله عنه:
أججت نارًا ودعوت قنبرا
لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا
يريد قنبرًا مولاه وهوالذي تولى طرحهم في النار نعوذ بالله من أن نفتتن بمخلوق أويفتتن بنا مخلوق فيما جل أودقّ فإن محنة أبي الحسن رضي الله عنه من بين أصحابه رضي الله عنهم كمحنة عيسى صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من الرسل عليهم السلام وهذه الفرقة باقية إلى اليوم فاشية عظيمة العدد يسمون العليانية منهم كان إسحاق بن محمد النخعي الأحمر الكوفي وكان من متكلميهم وله في ذلك كتاب سماه الصراط نقض عليه البهنكي والفياض لما ذكرنا، ويقولون أن محمدًا رسول علي، وقالت طائفة من الشيعة يعرفون بالمحمدية أن محمدًا عليه السلام هوالله، تعالى الله عن كفرهم ... وفرقة قالت بإلاهية آدم عليه السلام والنبيين بعده نبيًّا نبيًّا إلى محمد عليه السلام ثم بإلاهية علي ثم بإلاهية الحسن ثم الحسين ثم محمد بن علي ثم جعفر بن محمد ووقفوا هاهنا وأعلنت الخطابية بذلك نهارًا بالكوفة في ولاية عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس فخرجوا صدر النهار في جموع عظيمة في ازرواردية محرمين ينادون بأعلى أصواتهم لبيك جعفر! لبيك جعفر قال ابن عياش وغيره كأني أنظر إليهم يومئذ فخرج إليهم عيسى بن موسى فقاتلوه فقتلهم واصطلمهم، ثم زادت فرقة على ما ذكرنا فقالت بإلاهية محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد وهم القرامطة وفيهم من قال بإلاهية أبي سعيد الحسن بن بهرام الجبائي وأبنائه بعده، ومنهم من قال بإلاهية أبي القاسم النجار القائم باليمن في بلاد همدان المسمى بالمنصور، وقالت طائفة منهم بإلاهية عبيد الله ثم الولاة من ولده إلى يومنا هذا، وقالت طائفة بإلاهية أبي الخطاب محمد بن أبي زينب مولى بني أسد بالكوفة وكثر عددهم بها حتى تجاوزوا الألوف وقالوا هوإله وجعفر بن محمد إله إلا أن أبا الخطاب أكبر منه وكانوا يقولون جميع أولاد الحسن أبناء الله وأحباؤه وكانوا يقولون أنهم لا يموتون ولكنهم يرفعون إلى السماء وأشبه على الناس بهذا الشيخ الذي ترون،
ثم قالت طائفة منهم بإلاهية معمر بائع الحنطة بالكوفة وعبدوه كان من أصحاب أبي الخطاب لعنهم الله أجمعين، وقالت طائفة بإلاهية الحسن بن منصور حلاج القطن المصلوب ببغداد بسعي الوزير ابن حامد بن العباس رحمه الله أيام المقتدر، وقالت طائفة بإلاهية محمد بن علي ابن الشلمغاني الكاتب المقتول ببغداد أيام الراضي وكان أمر أصحابه أن يفسق الأرفع قدرًا منهم به ليولج فيه النور كل هذه الفرق ترى الاشتراك في النساء، وقالت طائفة منهم بإلاهية شباش المغيم في وقتنا هذا حيًّا بالبصرة، وقالت طائفة منهم بإلاهية أبي مسلم السراج ثم قالت طائفة من هؤلاء بإلاهية المقنع الأعور القصار القائم بثار أبي مسلم واسم هذا القصار هاشم وقتل لعنه الله أيام المنصور وأعلنوا بذلك فخرج المنصور فقتلهم وأفناهم إلى لعنة الله، وقالت الرنودية بإلاهية أبي جعفر المنصور، وقالت طائفة منهم بإلاهية عبد الله بن الخرب الكندي الكوفي وعبدوه وكان يقول بتناسخ الأرواح وفرض عليهم تسعة عشر صلاة في اليوم والليلة في كل صلاة خمسة عشر ركعة إلى أن ناظره رجل من متكلمي الصفرية وأوضح له براهين الدين فأسلم وصح إسلامه وتبرأ من كل ما كان عليه وأعلم أصحابه بذلك وأظهر التوبة فتبرأ منه جميع أصحابه الذين كانوا يعبدونه ويقولون بإلاهيته ولعنوه وفارقوه ورجعوا كلهم إلى القول بإمامة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وبقي عبد الله بن الخرب على الإسلام وعلى مذهب الصفرية إلى أن مات وطائفته إلى اليوم تعرف بالحزبية ومن السبابية القائلين بإلهية علي، وطائفة تدعي النصرية وقد غلبوا في وقتنا هذا على جند الأردن والشام وعلى مدينة طبرية خاصة ومن قولهم لعن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعن الحسن والحسين ابني علي رضي الله عنهم وسبهم بأقذع السب وقذفهم بكل بلية والقطع بأنها وابنيها رضي الله عنهم ولعن مبغضيهم شياطين تصوروا في صورة الإنسان وقولهم في عبد
الرحمن بن ملجم المرادي قاتل علي رضي الله عنه عن علي ولعنة الله على ابن ملجم فيقول هؤلاء أن عبد الرحمن بن ملجم المرادي أفضل أهل الأرض وأكرمهم في الآخرة لأنه خلص روح اللاهوت مما كان يتشبث فيه من ظلمة الجسد وكدرة فأعجبوا لهذا الجنون واسألوا الله العافية من بلاء الدنيا والآخرة فهي بيده لا بيد أحد سواه جعل الله حظنا منها الأوفى، واعلموا أن كل من كفر هذه الكفرات الفاحشة ممن ينتمي إلى الإسلام فإنما عنصرهم الشيعة والصوفية فإن من الصوفية من يقول إن من عرف الله تعالى سقطت عنه الشرائع، وزاد بعضهم واتصل بالله تعالى، وبلغنا أن بنيسابور اليوم في عصرنا هذا رجلاً يكنى أبا سعيد أبا الخير هكذا معًا من الصوفية مرة يلبس الصوف ومرة يلبس الحرير المحرم على الرجال ومرة يصلي في اليوم ألف ركعة ومرة لا يصلي لا فريضة ولا نافلة وهذا كفر محض ونعوذ بالله من الضلال" (1) ".
وقد ذكر هذه الفرق جلها كل من الأشعري والبغدادي والملطي والإسفرائيني وغيرهم من الأعلام.
وجلّ هذه الفرق حدثت بعد قتل الحسين رضي الله عنه وفي أيام علي بن الحسين الملقب بزين العابدين.
الشيعة بعد علي بن الحسين
توفي علي بن الحسين وهوعلى ولاء كامل ووفاء تام لحكام بني أمية وخلفائه حتى إنه تجنب مساعدة ومناصرة كل من قام ضدهم في المدينة أوفي مكة " (2) "
__________
(1) - الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ص183 وما بعد.
(2) - انظر لذلك كتب التاريخ للشيعة والسنة.
الزيدية
وخلف علي بن الحسين أولادأً كثيرين، منهم محمد المكنى بأبي جعغر الباقر وزيد وعمر وغيرهم، فاختلف الشيعة في أمر محمد بن علي وزيد بن علي، فقوم إتبعوا محمداً، وقوم منهم زيداً كما ذكر المؤرخ الشيعي:
إن الزيدية قالوا بإمامة علي ثم ابنه الحسن ثم أخيه الحسين ثم ابنه زين العابدين، ثم ابنه زيد بن علي، وهوصاحب هذا المذهب، وخرج بالكوفة داعياً إلى الإمامة، فُقتل وصُلب بالكناسة.
وقال الزبدية بإمامة ابنه يحيى من بعده، فمضى إلى خراسان وُقتل بالجوزجان بعد أن أوصى إلى محمد بن عبدالله بن حسن بن الحسن السبط.
فخرج بالحجاز فُقتل، وعهد إلى أخيه إبراهيم، فقام بالبصرة ومعه عيسى بن زيد، فوجه إليهم المنصور عساكره، فقتل إبراهيم وعيسى .... وذهب آخرون من الزيدية، إلى أن الإمام بعد يحيى هوأخوه عيسى، ونقلوا الإمامة في عقبه، وقال آخرون منهم أن الإمام بعد محمد بن عبدالله هوأخوه إدريس الذي فر إلى المغرب ومات هناك، وقام بأمره ابنه إدريس واختط مدينة فاس.
وكان عقبه ملوك المغرب، وكان منهم الداعي الذي ملك طبرستان، وأخوه محمد.
ثم قام بهذه الدعوة في الديلم، الناصر الأطروش منهم، وأسلموا على يده (1).
وأما النوبختي فكتب:
الزيدية، الأقوياء منهم والضعفاء.
فأما الضعفاء منهم فسموا العجلية، وهم أصحاب هارون سعيد العجلي، وفرقة منهم يسمون البترية، وهم أصحاب كثير النواء والحسن بن صالح بن حي وسالم بن أبي حفصة والحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل وأبي المقدام ثابت الحداد، وهم الذين دعوا الناس إلى ولاية علي عليه السلام، ثم خلطوها بولاية أبي بكر وعمر، فهم عند العامة أفضل هذه الأصناف، وذلك أنهم يفضلون علياً، ويثبتون إمامة أبي بكر، وينتقصون عثمان وطلحة والزبير، ويرون الخروج مع كل ولد علي عليه السلام، يذهبون في ذلك إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويثبتون لمن خرج من ولد علي الإمامة عند خروجه، ولا يقصدون في الإمامة قصد رجل بعينه حتى يخرج، كل ولد علي عندهم على السواء، من أي بطن كان.
وأما الأقوياء منهم فمنهم أصحاب (أبي الجارود) وأصحاب (أبي خالد الواسطي) وأصحاب (فضيل الرسان) و"منصور بن أبي الأسود ".
__________
(1) الشيعة في التاريخ لمحمد حسين الزين ص70،71،72، ومثل ذلك في شيعة دار سلام فارسي لمحمد حسين الطباطبائي ط قم. ص 34.
وأما (الزيدية) الذين يدعون (الحسينية) فإنهم يقولون: من دعا إلى الله عز وجل من آل محمد، فهومفترض الطاعة. وكان (علي بن أبي طالب) إماماً في وقت ما دعا الناس وأظهر أمره، ثم كان بعد " الحسين " إماماً عند خروجه وقبل ذلك إذا كان مجانباً لمعاوية ويزيد بن معاوية حتى ُقتل، ثم زيد بن علي بن الحسين المقتول في الكوفة، أمه أم ولد. ثم يحيى بن زيد بن علي المقتول بخراسان وأمه ريطة بنت أبي هاشم عبدالله بن محمد بن الحنفية، ثم ابنه الآخر عيسى بن زيد بن علي، وأمه أم ولد، ثم محمد بن عبدالله بن الحسن وأمه هند بنت أبي عبيدة بن عبدالله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن العزي بن قصي، ثم من دعا إلى طاعة الله من آل محمد صلى الله عليه وآله فهوإمام " (1).
ولقد ذكر الشهرستاني عند ذكر فرق الشيعة واختلافهم في الآراء:
الزيدية، أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي عليه السلام، ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة عليها السلام ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم، إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم زاهد شجاع سخي خرج بالإمامة يكون إماماً واجب الطاعة، سواء كان من أولاد الحسن أومن أولاد الحسين، وعن هذا قالت طائفة منهم بإمامة محمد وإبراهيم الإمامين ابني عبدالله بن الحسن بن الحسين الذين خرجا في أيام المنصور، وُقتلا على ذلك.
وجوزوا خروج إمامين في قطرين يستجمعان هذه الخصال، ويكون كل واحد منهما واجب الطاعة.
وزيد بن علي لما كان مذهبه هذا المذهب، أراد أن يحصل على الأصول والفروع حتى يتحلى بالعلم، فتتلمذ في الأصول واصل بن عطاء الغزال رأس المعتزلة، مع اعتقاد واصل بأن جده علي بن أبي طالب في حروبه التي جرت بينه وبين أصحاب الجمل وأصحاب الشام، ما كان على يقين من الصواب، وأن أحد الفريقين منهما كان على خطأ لا بعينه.
__________
(1) فرق الشيعة للنوبختي ص77 إلى 80
فاقتبس منه الاعتزال، وصارت أصحابه كلها معتزلة.
وكان من مذهبه جواز إمامه المفضول مع قيام الأفضل، فقال: كان علي بن أبي طالب أفضل الصحابة، إلا أن الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها، وقاعدة دينية راعوها من تسكين ثائرة الفتنة، وتطييب قلوب العامة، فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريبا، وسيف أمير المؤمنين علي عليه السلام عن دماء المشركين من قريش لم يجف بعد، والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هي، فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل ولا تنقاد له الرقاب كل الانقياد، وكانت المصلحة أن يكون القيام بهذا الشأن من عرفوه باللين والتودد، والتقدم بالسن، والسبق في الإسلام، والقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ألا ترى أنه لما أراد في مرضه الذي مات فيه تقليد الأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، زعق الناس وقالوا: لقد وليت علينا فظاً غليظاً، فما كانوا يرضون بأمير المؤمنين عمر لشدة وصلابة وغلظة له في الدين، وفظاظة على الأعداء، حتى سكنهم أبوبكر رضي الله عنه.
وكذلك يجوز أن يكون المفضول إماماً والأفضل قائم، فيرجع إليه في الأحكام، ويحكم بحكمه في القضايا. ولما سمعت شيعة أهل الكوفة هذه المقالة منه، وعرفوا أنه لا يتبرأ من الشيخين، رفضوه، حتى أتى قدره عليه، فسميت رافضة. وجرت بينه وبين أخيه محمد الباقر مناظرة لا من هذا الوجه، بل من حيث كان يتلمذ لواصل بن عطاء، ويقتبس العلم ممن يجوّز الخطاء على جده في قتال الناكثين والقاسطين، ومن يتكلم في القدر على غير ما ذهب إليه أهل البيت. ومن حيث إنه يشترط الخروج شرطاً في كون الأمام إماما. حتى قال له يوماً: على قضية مذهبك والدك ليس بإمام، لأنه لم يخرج قط، ولا تعرض للخروج.
ولما قتل زيد بن علي، قام بالإمامة بعده يحيى بن زيد، ومضى إلى خراسان ... فزيد بن علي قتل بكناسة الكوفة، قتله هشام بن عبدالملك، ويحيى بن زيد قتل في خراسان، قتله أميرها، ومحمد الأمام قتله بالمدينة عيسى بن ماهان، وإبراهيم الإمام قتل بالبصرة، أمر بقتلهما المنصور. ولم ينتظم أمر الزيدية بعد ذلك حتى ظهر بخراسان ناصر الأطروش، فطلب مكانه ليقتل، فاختفى واعتزل إلى بلاد الديلم، والجبل لم يتحلوا بدين الإسلام بعد، فدعى الناس دعوة الإسلام على مذهب زيد بن علي، فدانوا بذلك، ونشأوا عليه.
وبقيت الزيدية في تلك البلاد ظاهرين، وكان يخرج واحد بعد واحد من الأئمة، ويلي أمرهم، وخالفوا بني أعمامهم من الموسوية في مسائل الأصول، ومالت أكثر الزيدية بعد ذلك عن القول بإمامة المفضول، وطعنت في الصحابة طعن الإمامية، وهم أصناف ثلاثة:
جارودية وسليمانية وبترية، والصالحية منهم والبترية على مذهب واحد.
الجارودية، أصحاب أبي الجارود، زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على عليّ عليه السلام بالوصف دون التسمية، والإمام بعده علي، والناس قصروا، لم يتعرفوا الوصف ولم يطلبوا الموصوف، وإنما نصبوا أبا بكر باختيارهم، فكفروا بذلك. وقد خالف أبوالجارود في هذه المقالة، إمامه زيد ين علي، فإنه لم يعتقد بهذا الاعتقاد.
واختلف الجارودية في التوقف والسوق، فساق بعضهم الإمامة من علي إلى الحسن ثم إلى الحسين ثم إلى علي بن الحسين زين العابدين، ثم إلى زيد بن علي، ثم منه إلى الإمام محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسين ... والذين قالوا بإمامة محمد الإمام إختلفوا، فمنهم من قال: إنه لم يُقتل وهوبعد حي، وسيخرج فيملأ الأرض عدلاً، ومنهم من أقر بموته وساق الإمامة إلى محمد بن القاسم بن علي بن الحسين بن علي بن صاحب الطالقان. وقد أسر في أيام المعتصم، وحُمل إليه، فحبسه في داره حتى مات.
ومنهم من قال بإمامة يحيى بن عمر صاحب الكوفة، فخرج ودعا الناس، واجتمع عليه خلق كثير، وُقتل في أيام المستعين، وُحمل رأسه إلى محمد بن عبدالله بن ظاهر، حتى قال فيه بعض العلوية:
قتلت أعز من ركب المطايا صلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلم وجئتك استلينك في الكلام
وعزّ عليّ أن ألقاك إلا صلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلم وفيما بيننا حد الحسام
وهويحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين زيد بن علي.
وأما أبوالجارود، فكان ُيسمى سرحوب. سماه بذلك أبوجعفر محمد بن علي الباقر رضي الله عنه. وسرحوب، شيطان أعمى يسكن البحر " (1).
وذكر القاضي النعمان الزيدية في أرجوزته بقوله:
وقالت الطائفة الزيدية صلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلم مقالة لم تكُ بالمرضية
بأن كل قائم يقوم من صلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلم نسل الحسين بن علي والحسن
بسيفه يدعوإلى التقدم صلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلم فهوالإمام دون من لم يقم
منهم ومن كل إمرئ في وقته صلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلم مستتراً قد انزوى في بيته
واتبعوا زيداً على ما رتبوا صلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلم من الدعاوي، وإليه نسبوا
حتى إذا ُقتل قاموا بعده صلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلم مع الحسين، حين قام وحده
واتبعوا يحيى بن زيد إذ بداصلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلم ثم تولوا بعده محمدا
أعني ابن عبدالله من نسل حسن صلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلم وكلهم ظل قتيلاً مرتهن
فهؤلاء عندهم أئمة صلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلم ومن يقوم بعدهم للأمة
وكل من سواهم الرعية صلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلمصلى الله عليه وآله وسلم كسائر الأمة بالسوية (2).
وقبل أن ننتهي من الكلام فيهم، نريد أن نذكر شيعة الكوفة، وجبنهم وتخاذلهم القديم. الكوفة التي وضعوا فيها روايات مختلقة كثيرة عن علي رضي الله عنه أنه قال:
__________
(1) الملل والنحل ج 1 ص207 ومابعد، ومثل ذلك في مقالات الاسلاميين ج1 ص28 ومابعد، ومقدمة إبن خلدون ص179، الفرق بين الفرق ص 29، والتبصير ص 32، الفصل ج 4 ص179، ومقاتل الطالبيين للأصفهاني الشيعي ص127 ومابعد.
(2) الأرجوزة المختارة للقاضي النعمان ص214 ط مونتريال - كندا.
" كأني بك يا كوفة تمدين مد الأديم العكاظي، تعركين بالنوازل، وتركبين بالزلازل، وإني لأعلم أنه ما أراد بك جبار سوء إلا ابتلاه الله بشاغل، أورماه بقاتل " (1).
وقال:
أنه ُيحشر من ظهورها يوم القيامة سبعون ألفاً، وجوههم على صورة القمر. وقوله عليه السلام: هذه مدينتنا ومحلتنا، ومقر شيعتنا.
وقول جعفر بن محمد عليه السلام: اللهم ارم من رماها، وعاد من عاداها.
وقوله عليه السلام: تربة تحبنا ونحبها " (2).
نذكر في هذه الكوفة، عبارتين عن إمامي الشيعة الكبار، فإن المسعودي روى أن زيد بن علي بن الحسين الذي استشهد في سنة إحدى وعشرين ومائة، أوإثنتين وعشرين ومائة:
" شاور أخاه أبا جعفر بن علي إبن الحسين بن علي، فأشار عليه بأن لا يركن إلى أهل الكوفة، إذ كانوا أهل غدر ومكر، وقال له: بها ُقتل جدك علي، وبها ُطعن عمك الحسن، وبها ُقتل أبوك الحسين، وأعمالها شتمنا أهل البيت " (3).
وأما الثاني، فهوالمفيد يكتب وهويذكر زيد بن علي:
إنه لم يكره قوم قط حد السيف إلا ذلوا. فلما وصل إلى الكوفة، إجتمع إليه أهلها، فلم يزالوا به حتى بايعوه على الحرب، ثم نقضوا وأسلموه فقتل، وصلب بينهم أربع سنين لا ينكر أحد منهم ولا يعينوه بيد ولسان " (4)
هذا كان أمر الزيدية (5) وهؤلاء كانوا هم.
وهناك فرق أخرى افترقوا وتفرعوا إلى فرق وفروع أخرى غير الزيدية، مثل الذين قالوا بإمامة عبدالله بن محمد بن عبدالله بن حسن المثنى بن علي بن أبي طالب المقتول بها،
__________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 3 ص197.
(2) أيضا ص198.
(3) مروج الذهب ج3 ص206.
(4) الإرشاد المفيد ص269.
(5) ولقد اختصرنا القول في الزيدية لقصدنا اصدار كتاب مستقل إن شاء الله.
" وزعموا أنه القائم وأنه الإمام المهدي وأنه ُقتل، وقالوا إنه حي لم يمت مقيم بجبل يقال له العلمية، وهوالجبل الذي في طريق مكة ونجد، الحاجز عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، وهوالجبل الكبير، وهوعنده مقيم فيه حتى يخرج، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: القائم المهدي إسمه إسمي، واسم أبيه إسم أبي.
وكان أخوه (إبراهيم بن عبدالله بن الحسن) خرج بالبصرة، ودعا إلى إمامة أخيه (محمد بن عبدالله) واشتدت شوكته، فبعث إليه المنصور بالخيل، فُقتل بعد حروب كانت بينهم. وكان (المغيرة بن سعد) قال بهذا القول لما توفي أبوجعفر محمد بن علي، وأظهر المقالة بذلك، فبرئت منه الشيعة أصحاب (أبي عبدالله جعفر بن محمد) عليهما السلام، ورفضوه، فزعم أنهم رافضة وأنه هوالذي سماهم بهذا الاسم، ونصب أصحاب المغيرة إماماً، وزعم أن الحسين بن علي أوصى إليه ثم أوصى إليه علي بن الحسين، ثم زعم أن أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام وعلى آبائه السلام أوصى إليه، فهوالإمام إلى أن يخرج المهدي.
وأنكروا إمامة أبي عبدالله جعفر بن محمد عليه السلام، وقالوا لا إمامة في بني علي بن أبي طالب بعد أبي جعفر محمد بن علي، وأن الإمامة في (المغيرة بن سعيد) إلى خروج المهدي، وهوعندهم (محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن) وهوحي لم يمت ولم يُقتل، فسموا هؤلاء (المغيرية)، بإسم المغيرة بن سعيد، مولى خالد بن عبدالله القسري. ثم ترقى الأمر بالمغيرة، إلى أن زعم أنه رسول نبي، وأن جبرئيل يأتيه بالوحي من عند الله. فأخذه خالد بن عبدالله القسري فسأله عن ذلك، فأقر به، ودعا خالداً إليه، فاستتابه خالد، فأبى أن يرجع عن قوله، فقتله وصلبه، وكان يدّعي أنه يحيي الموتى، وقال بالتناسخ، وكذلك قول أصحابه إلى اليوم " (1).
__________
(1) فرق الشيعة للنوبختي ص82، 83، 84.
وطائفة إعتقدت الإمامة لمحمد الباقر بن علي زين العابدين، وقالوا إنه هوالإمام بعد أبيه بنص منه (1).
وبعد وفاة محمد الباقر سنة أربعة عشرة بعد المائة، إجتمعت الشيعة حول إبنه جعفر، البقية الذين بقوا على إمامته لأن البعض منهم رجعوا ومالوا عن إمامته كما ذكر النوبختي:
" وأما الذين ثبتوا على إمامة علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين، ثم لعلي بن الحسين عليه السلام، ثم نزلوا إلى القول بإمامة أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين باقر العلم عليه السلام، فأقاموا على إمامته إلى أن توفى، غير نفر يسير منهم، فإنهم سمعوا رجلاً منهم ُيقال له (عمر بن رياح) زعم أنه سأل أبا جعفر عليه السلام عن مسألة، فأجابه فيها بجواب، ثم عاد إليه في عام آخر فسأله عن تلك المسألة بعينها فأجابه فيها بخلاف الجواب الأول، فقال لأبي جعفر: هذا خلاف ما أجبتني في هذه المسألة العام الماضي، فقال له: إن جوابنا ربما خرج على وجه التقية. فشك في أمره وإمامته.
فلقي رجلاً من أصحاب أبي جعفر ُيقال له (محمد بن قيس) فقال له: إني سألت أبا جعفر عن مسألة فأجابني فيها بجواب، ثم سألته عنها في عام آخر فأجابني فيها بخلاف جوابه الأول، فقلت له لم فعلت ذلك فقال فعلته للتقية، وقد علم الله أني ما سألته عنها إلا وأنا صحيح العزم على التدين بما يفتيني به، فلا وجه لاتقائه إياي وهذه حالي. فقال له محمد بن قيس: فلعله حضرك من اتقاه. فقال له: ما حضر مجلسه في واحدة من المسألتين غيري، لا، ولكن جوابيه جميعاً خرجا على وجه التبكيت، ولم يحفظ ما أجاب به في العام الماضي فيجيب مثله.
__________
(1) الكافي للكليني ج1 ص304.
فرجع عن إمامته وقال: لا يكون إماماً من يفتي بالباطل على شيئ بوجه من الوجوه، ولا في حال من الأحوال، ولا يكون إماماً من يفتي تقية بغير ما يجب عند الله، ولا من يرخي ستره ويغلق بابه، ولا يسع الإمام إلا الخروج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فمال بسببه إلى قول البترية، ومال معه نفر يسير" (1).
__________
(1) فرق الشيعة للنوبختي ص80، 81.

الشيعة أيام جعفر بن الباقر
وفي أيامه كمل التطور في التشيع والتغير الجذري والتبدل التام الذي شمل عامة الشيعة، والذي كان بدؤه بعد مقتل الحسين رضي الله عنه وعلى أيدي السبئية، فإنهم استطاعوا بعد ستين سنة من قتله وبعد تسعين سنة من نشأتهم، فصل طائفة من الناس عن المسلمين في معظم المعتقدات وجل العقائد. الطائفة الكاملة التي تنسب إلى التشيع لعلي وأولاده رضي الله عنهم بجميع فرقها وطوائفها مع اختلاف القادة والزعماء واتجاهاتهم ومطامعهم، أغراضهم وأهدافهم، من حيث استغلوا النقمة المتوارثة والغضب الشديد المتنقل من الآباء إلى الأبناء من المحن والآلام والأوجاع نتيجة معارضة الحكام ومخالفة ولاة الأمور، والمقاتلة ضدهم والخروج عليهم والتشريد والتقتيل، زيادة على ذلك الدسائس والمؤامرات التي تدبر ويحكم نسيجها من وراء الأستار والتسميم الذهني والفكري، والاختلاط مع الشعوب الأجنبية بأفكارها وآرائها، المقهورة والمهزومة والمتغلب عليها وعلى بلادها وأمورها، والموتورة على الولاة وعساكرها الغازية المنصورة وجيوشها المظفرة المتغلبة، ثم واجتماع الفرس والموالي من البابليين والعاشوريين والكلدانيين وغيرهم من أصحاب الحضارات القديمة والثقافات الراقية - حسب زعمهم - واحتياجهم إلى منظمة ثائرة على الحكم والحكام، والناقمة على كل ما صدر منهم أويصدر من الآراء والأفكار وحتى العقائد والمعتقدات.
هذه الأشياء كلها جعلت التشيع يتقلب في قالب جديد، والشيعة تكون كتلة مختلفة عن الحكام والآخذين في زمام الأمور، إختلافا كاملا في جميع ما يذهبون إليه ويعتقدون به، وتشهد على ذلك رواية مروية عن جعفر أنه قال: إن كل حكم يخالف العامة يؤخذ به ويترك ما يوافقهم. فسأله سائل: جعلت فداك، أرأيت إن كان فقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة، ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفاً لهم، بأي الخبرين يؤخذ؟
قال: ماخالف العامة ففيه الرشاد.
فقلت: جعلت فداك، فإن وافقهما الخبران جميعاً؟
قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكامهم وقضاتهم، فيترك ويؤخذ بالآخر" (1).
فيجب أن يكون هناك خلافاً، ويجب أن تكون مخالفة ولوعلى حساب القرآن والسنة، ولوعلى حساب الدين والمذهب. ولما كانت الأفكار السبئية والعقائد المختلقة منهم تناوئ الإسلام وتعاليمه، وكانت تلك العقائد والأفكار المختلقة المخترعة صادرة من الذين ادعوا التشيع لعلي، فكان الأجدر والأليق أن تتبنى وُيتمسك بها، لأنها تخالف معتقدات العامة وصدرت من الذين انتحلوا حب علي ومودته.
وبدأ الشيعة يتجاهرون، وبدأت الشيعة تصوغ وتصنع في ضوء العقائد السبئية المسائل والفتاوى في العبادات والمعاملات، وتشرع في العقائد والمعاملات، وتنسبها إلى أئمة أهل بيت علي رضي الله عنه، لتأسيس مذهب جديد وتكوين دين مستقل، له تشريعه وفقهه، وأصوله وأسسه، وقواعده وقوانينه، منفصلة عن الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وقدمه للبشر كافة، واعتنقه أول ما اعتنق به أصحابه الأخيار ورفاقه الكرام البررة، ونقلوه عنه وتعاليمه التي أعطاها إياهم من القرآن وإرشادات الرسول الناطق بالوحي.
__________
(1) الأصول من الكافي، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث ج1 ص68.
وصار التشيع قائماً على أقاويل الرجال وأفعالهم سواء صدرت هذه الأقوال منهم أم لا ولكنها تكفي بأنها نسبت إليهم.
وإن عارضها أوناقضها أي هذه الأقوال والأفعال قول وفعل ثابت عنهم قالوا: لم يكن هذا إلا تقية. وإن خالفها الكتاب المنزل من السماء قالوا: إن الكتاب حصل فيه التغيير والتبديل. وإن عارضتها السنة الثابتة قالوا: إنها لم تنقل إلا عن المرتدين - عياذاً بالله - لأن أصحاب الرسول كلهم ارتدوا بعده إلا ثلاثة (1) فالقرآن مغيّر ومبدّل، والحديث رواته كفرة مرتدون، فلا عبرة بهما. لأن القرآن والحديث يناصران العامة ونحن على خلاف ما يقوله العامة.
ولأجل ذلك نبه أولاد علي رضي الله عنه، الطيبون منهم، على كذب وافتراء هؤلاء المنتحلين المدعين حبهم.
كما روي عن جعفر بن الباقر - الإمام السادس المعصوم عند الشيعة - أنه قال: " لقد أمسينا وما أحد أعدى لنا ممن ينتحل مودتنا " (2).
عنه أيضا أنه قال:
" إنا أهل بيت صادقون، لا نخلوا من كذاب يكذب علينا، فيسقط صدقنا بكذبه عند الناس، كان رسول الله أصدق الله لهجة وكان مسيلمة يكذب عليه، وكان أمير المؤمنين (ع) أصدق من برأ الله من بعد رسول الله، وكان الذي يكذب عليه من الكذب عبدالله بن سبأ لعنه الله، وكان أبوعبدالله الحسين بن علي (ع) قد ابتلي بالمختار، ثم ذكر أبوعبدالله الحارث الشامي والبنان فقال: كانا يكذبان على علي بن الحسين (ع)، ثم ذكر المغيرة بن سعيد وبزيعا والسري وأبا الخطاب ومعمراًُ وبشار الأشعري وحمزة اليزيدي وصائب النهدي - أي أصحابه - فقال: لعنهم الله، إنا لا نخلوا من كذاب يكذب علينا، كفانا الله مؤنة كل كذاب وأذاقهم الله حر الحديد " (3).
__________
(1) انظر لتفصيل ذلك كتابنا (الشيعة والسنة) و(الشيعة أهل البيت) و(الشيعة والقرآن).
(2) رجال الكشي ص259 تحت ترجمة أبي الخطاب.
(3) أيضا ص257، 258.
وعن حفيده علي الرضا - الإمام الثامن المعصوم حسب زعمهم - أنه قال: كان بنان يكذب على علي بن الحسين (ع) فأذاقه الله حر الحديد، وكان المغيرة بن سعيد يكذب على إبن جعفر (ع) فأذاقه الله حر الحديد، وكان محمد بن بشر يكذب على إبن الحسن علي بن موسىالرضى (ع) فأذاقه الله حر الحديد، وكان أبوالخطاب يكذب على أبي عبدالله (ع) فأذاقه الله حر الحديد، والذي يكذب علي، محمد بن الفرات (1).
وعن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال: " لعن الله بنان البيان، وإن بنان لعنه الله كان يكذب على أبي، أشهد أن أبي كان عبداً صالحاً " (2).
وبدءوا يتبرءون منهم، ويمنعون متبعيهم من الوقوع في شراكهم وحبائلهم، كما نقل الكشي عن جعفر أنه ذكر عنده جعفر بن واقد ونفر من أصحاب أبي الخطاب فقيل: أنه صار إليهم يتردد وقال فيهم:
وهوالذي في السماء إله، وفي الأرض إله، قال هوالإمام، فقال أبوعبدالله (ع): لا والله لا يأويني وإياه سقف بيت أبدا، هم شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا، والله ما صغر عظمة الله تصغيرهم شيئاً قط، وإن عزيراً جال في صدره ما قالت اليهود، فمحى الله إسمه من النبوة. والله لوأن عيسى أقّر بما قالت فيه النصارى، لأورثه الله صمماً إلى يوم القيامة، والله لوأقررت بما يقول فيّ أهل الكوفة لأخذتني الأرض، وما أنا إلا عبد مملوك لا أقدر على ضر شيئ ولا نفع شيئ.
محمد بن مسعود قال: حدثني علي بن محمد قال: حدثني محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن عيسى عن زكريا عن ابن مسكان عن قاسم الصيرفي قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: " قوم يزعمون أني لهم إمام، والله ما أنا لهم بإمام، مالهم لعنهم الله كلما سترت ستراً هتكوه، هتك الله سترهم، أقول كذا، يقولون إنما يعني كذا، أنا إمام من أطاعني " (3).
__________
(1) أيضا ص256.
(2) رجال الكشي ص255.
(3) رجال الكشي ص254، 255.
ولكن باءت الجهود المخلصة بالفشل، وزادت الشيعة في غلوائهم وغيهم لكثرة ما وجد في ذلك الزمان من الكذابين ومن المنتحلين مودة أهل البيت، والمدعين موالاتهم ومشايعتهم من أبي الخطاب وأبي البصير المرادي وزرارة بن أعين وجابر الجعفي ومغيرة بن سعيد والهشامين وأبي الجارود وغيرهم. فكثرت الآراء وتشعبت، وزادت الفرق وتفرقت، ذهب بعضها إلى المذاهب البعيدة، وزاد حتى على السبئية مؤسسي بنيانها وواضعي نواتها، وقربت البعض منها، وأحصرت على تلقي ما لقنته السبئية وألقته إليهم، وقلل الأخذ بعض منها وأكثر البعض، ولقد أقر بذلك مؤرخ شيعي حيث قال:
" ولم يتمكن الصادق - في تلك الظروف القاسية التي ظهرت فيها الزيدية - على أن يناظرهم غالباً في شيئ من أمر الإمامة، لأنه كان يتكتم فيها، ويتقي ملوك عصره، ويحذر من وشاتهم وجواسيسهم الكثيرة، ومع تكتمه الشديد قد أحضره المنصور وقال له: قتلني الله إن لم أقتلك، أتلحد في سلطاني؟ فقال له الصادق (ع): والله ما فعلت ولا أردت، وإن كان بلغك، فمن كاذب " (1).
فمن الذين اختلفوا أول الأمر على جعفر وأخذوا عليه في حياته، من ذكرهم النوبختي:
__________
(1) الشيعة في االتاريخ ص107، 108.
" وأما الفرقة الأخرى من أصحاب أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام، فنزلت إلى القول بإمامة أبي عبدالله جعفر بن محمد عليه السلام، فلم تزل ثابتة على إمامته أيام حياته غير نفر منهم يسير، فإنهم لما أشار جعفر بن محمد إلى إمامة إبنه إسماعيل، ثم مات إسماعيل في حياة أبيه، رجعوا عن إمامة جعفر، وقالوا كذبنا ولم يكن إماماً، لأن الإمام لا يكذب ولا يقول مالا يكون، وحكموا على جعفر أنه قال: إن الله عز وجل بداله في إمامة إسماعيل، فأنكروا "البداء " والمشيئة من الله، وقالوا هذا باطل لا يجوز، ومالوا إلى مقالة (البترية) ومقالة سليمان بن جرير، وهوالذي قال لأصحابه بهذا السبب أن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبداُ، وهما القول بالبداء وإجازة التقية. فأما البداء فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون، والإخبار بما يكون في غد، وقالوا لشيعتهم أنه سيكون في غد وفي غابر الأيام كذا وكذا، فإن جاء ذلك الشيئ على ما قالوه، قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون، فنحن نعلم من قِبَل الله عز وجل ما علمته الأنبياء، وبيننا وبين الله عز وجل مثل تلك الأسباب التي علمت بها الأنبياء عن الله ما علمت. وإن لم يكن ذلك الشيئ الذي قالوا إنه يكون على ما قالوا لشيعتهم، بدا لله في ذلك بكونه.
وأما التقية، فإنه لما كثرت على أئمتهم مسائل شيعتهم في الحلال والحرام وغير ذلك من صنوف أبواب الدين، فأجابوا فيها، وحفظ عنهم شيعتهم جواب ما سألوهم وكتبوه ودونوه، ولم يحفظ أئمتهم تلك الأجوبة لتقادم العهد، وتفاوت الأوقات، لأن مسائلهم لم ترد في يوم واحد ولا في شهر واحد، بل في سنين متباعدة، وأشهر متباينة، وأوقات متفرقة. فوقع في أيديهم في المسألة الواحدة عدة أجوبة مختلفة متضادة، وفي مسائل مختلفة أجوبة متفقة. فلما وقفوا على ذلك منهم، ردوا إليهم هذا الإختلاف والتخليط في جواباتهم، وسألوهم عنه، وأنكروا عليهم فقالوا: من أين هذا الإختلاف؟ وكيف جاز ذلك؟ قالت لهم أئمتهم: إنما أجبنا بهذا للتقية، ولنا أن نجيب بما أجبنا، وكيف شئنا، لأن ذلك إلينا، ونحن نعلم بما يصلحكم ومافيه بقاؤكم، وكف عدوكم عنا وعنكم.
فمتى يظهر من هؤلاء على كذب؟ ومتى يعرف لهم حق من باطل؟.
فمال إلى سليمان بن جرير هذا لهذا القول، جماعة من أصحاب أبي جعفر، وتركوا القول بإمامة جعفر عليه السلام " (1).
وهنا آخران من أهل البيت إدعيا الإمامة في حياة جعفر، وهما عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي، وأمه فاطمة بنت الحسين بن علي.
وهوالذي كان يقول: ولدني رسول الله صلى الله عليه وآله مرتين " (2).
والذي قال عنه الأصفهاني الشيعي:
" كان عبدالله بن الحسن بن الحسن شيخ بني هاشم والمقدم فيهم، وذا الكثير منهم فضلاً وعلماً وكرماً" (3).
والثاني إبنه محمد بن عبدالله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية، هوالذي كتب فيه الأصفهاني الشيعي:
__________
(1) فرق الشيعة للنوبختي ص84إلى 87.
(2) مقاتل الطالبيين للأصفهاني ص181.
(3) الأغاني لأبي فرج الأصفهاني ج1 ص205، مقاتل ص180.
" وكان محمد بن عبدالله الحسن، من أفضل أهل بيته، وأكبر أهل زمانه في زمانه في علمه بكتاب الله، وحفظه له، وفقهه في الدين، وشجاعته، وجوده، وبأسه، وكل أمر يجمل بمثله، حتى لم يشك أحد أنه المهدي، وشاع ذلك له في العامة، وبايعه رجال من بني هاشم جميعاً، من آل أبي طالب، وآل العباس، وسائر بني هاشم " (1).
وقد ذكر الكليني في (كافيه) إدعاءهما الإمامة زمن جعفر ودعوتهما إياه إليهما، حيث ذكر أن عبدالله بن الحسن دخل على جعفر بن الباقر وقال: " قد علمت جُعلت فداك أن السن لي عليك، وأن في قومك من هوأسن منك، ولكن الله عز وجل قد قدم لك فضلاً ليس هولأحد من قومك، وقد جئتك معتمداً لما أعلم من برّك، واعلم - فديتك - إنك إذا أجبتني لم يتخلف عني أحد من أصحابك، ولم يختلف علي إثنان من قريش ولا غيرهم. فقال له أبوعبدالله عليه السلام: إنك تجد غيري أطوع لك مني ولا حاجة لك فيّ، فوالله إنك لتعلم أني أريد البادية أوأهم بها فأثقل عنها، وأريد الحج فما أدركه إلا بعد كد وتعب ومشقة على نفسي، فاطلب غيري وسله ذلك ولا تعلمهم أنك جئتني. فقال له: إن الناس مادون أعناقهم إليك، وإن أجبتني لم يتخلف عني أحد، ولك أن لا تكلف قتالاً ولا مكروهاً. قال: وهجم علينا ناس فدخلوا وقطعوا كلامنا، فقال أبي: جعلت فداك ما تقول؟. فقال: نلتقي إن شاء الله. فقال: أليس على ما أحب؟. فقال: على ما تحب إن شاء الله من إصلاحك ... فقال له أبوعبدالله عليه السلام: يا ابن عم، إني أعيذك بالله من التعرض لهذا الأمر الذي أمسيت فيه، وإني لخائف عليك أن يكسبك شرا. فجرى الكلام بينهما، حتى أفضى إلى ما لم يكن يريد. وكان من قوله: بأي شيئ كان الحسين أحق بها من الحسن؟ فقال أبوعبدالله عليه السلام: رحم الله الحسن، ورحم الحسين، وكيف ذكرت هذا؟ قال: لأن الحسين عليه السلام، كان ينبغي له إذا عدل أن
__________
(1) مقاتل ص233.
يجعلها في الأسن من ولد الحسن ... فقام أبي يجر ثوبه مغضباً، فلحقه أبوعبدالله عليه السلام، فقال له: أخبرك أني سمعت عمك وهوخالك يذكر أنك وبني أبيك ستقتلون، فإن أطعتني ورأيت أن تدفع بالتي هي أحسن فافعل، فوالله الذي لا إله إلا هوعالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الكبير المتعال على خلقه، لوددت أني فديتك بولدي وبأحبهم إلي بأحب أهل بيتي إلي، وما يعدلك عندي شيئ، فلا ترى أني
غششتك. فخرج أبي من عنده مغضباً أسفا ... ثم أتى محمد بن عبدالله بن حسن، فأخبر أن أباه وعمومته قتلوا - قتلهم أبوجعفر- إلا حسن بن جعفر وطباطبا وعلي بن ابراهيم وسليمان بن داوود بن حسن وعبدالله بن داود، قال: فظهر محمد بن عبدالله عند ذلك، ودعى الناس لبيعته، قال: فكنت ثالث ثلاثة بايعوه واستوثق الناس لبيعته، ولم يختلف عليه قرشي ولا أنصاري ولا عربي، قال: وشاور عيسى بن زيد وكان من ثقاته وكان على شرطه، فشاوره في البعثة إلى وجوه قومه، فقال له عيسى بن زيد: إن دعوتهم دعاء يسيراً لم يجيبوك، أوتغلظ عليهم، فخلني وإياهم، فقال له محمد: إمض إلى من أردت منهم، فقال: إبعث إلى رئيسهم وكبيرهم - يعني أبا عبدالله جعفر بن محمد عليه السلام - فإنك إذا أغلظت عليه علموا جميعاً أنك ستمرهم على الطريق التي أمررت عليها أبا عبدالله عليه السلام، قال: فوالله ما لبثنا أن أتى بأبي عبدالله عليه السلام حتى أوقف بين يديه، فقال له عيسى بن زيد: أسلم تسلم، فقال له عبدالله عليه السلام: أحدثت نبوة بعد محمد صلى الله عليه وآله؟ فقال له محمد: لا، ولكن بايع تأمن على نفسك ومالك وولدك ولا تكلفن حرباً، فقال له أبوعبدالله عليه السلام: ما فيّ حرب ولا قتال، ولقد تقدمت إلى أبيك وحذرته الذي حاق به، ولكن لا ينفع حذر من قدر، يابن أخي عليك بالشباب، ودع عندك الشيوخ. فقال له محمد: ما أقرب ما بيني وبينك في السن، فقال
له أبوعبدالله عليه السلام: إني لم أعازّك ولم أجيئ لأتقدم عليك في الذي أنت فيه. فقال له محمد: لا والله لابد من أن تبايع. فقال له أبوعبدالله عليه السلام: ما فيّ ياابن أخي طلب ولا حرب، وإني لأريد الخروج الى البادية فيصدني ذلك ويثقل علي حتى تكلمني في ذلك الأهل غير مرة، ولا يمنعني منه إلا الضعف، والله والرحم أن تدبر عنّا ونشقى بك. فقال له: يا أبا عبدالله قد والله مات أبوالدوانيق - يعني أبا جعفر - فقال له أبوعبدالله عليه السلام: وما تصنع بي وقد مات؟ قال: أريد الحمال بك، قال: ما إلى ما تريد السبيل، لا والله ما مات أبوالدوانيق إلا أن يكون مات موت النوم. قال: والله لتبايعني طائعا ً أومكرها ولا تحمد في بيعتك. فأبى عليه إباء شديداً، وأمر به إلى الحبس. فقال له عيسى بن زيد: أما إن طرحناه في السجن وقد خرب السجن وليس عليه اليوم غلق، خفنا أن يهرب منه. فضحك أبوعبدالله عليه السلام، ثم قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أوتراك تسجنني؟ قال: نعم والذي أكرم محمد صلى الله عليه وآله بالنبوة، لأسجننك ولأشددّن عليك. فقال عيسى بن زيد: إحبسوه في المخبأ - وذلك دار ريطة اليوم - فقال له أبوعبدالله عليه السلام: أما والله إني سأقول ثم أصدق. فقال له عيسى بن زيد: لوتكلمت لكسرت فمك. فقال له أبوعبدالله عليه السلام: أما والله يا أكشف يا أزرق، لكأني بك تطلب لنفسك جحراً تدخل فيه، وما أنت في المذكورين عند اللقاء، وإني لأظنك إذا صفق خلفك، طرت مثل الهيق النافر. فنفر عليه محمد بانتهار: إحبسه وشدد عليه وأغلظ عليه. فقال له أبوعبدالله عليه السلام: أما والله لكأني بك خارجاً من سدة أشجع إلى بطن الوادي وقد حمل عليك فارس معلم في يده طرّادة نصفها أبيض ونصفها أسود، على فرس كميت أقرح، فطعنك فلم يصنع فيك شيئاً وضربت خيشوم فرسه فطرحته، وحمل عليك آخر
خارج من زقاق آل أبي عمار الدئليين عليه غديرتان مضفورتان، وقد خرجتا من تحت بيضة، كثير شعر الشاربين، فهووالله صاحبه، فلا رحم الله رمته. فقال له محمد: يا أبا عبدالله، حسبت فأخطأت. وقام إليه السراقي بن سلخ الحوت، فدفع في ظهره حتى أدخل السجن واصطفى ما كان له من مال وما كان لقومه ممن لم يخرج مع محمد " (1).
هذا ما حصل في حياة جعفر بن الباقر من افتراق الشيعة وتحزبهم بأحزاب مختلفة، وتشعبهم بفرق متعددة.

الشيعة بعد وفاة جعفر
وأما بعد وفاته سنة ثمان وأربعين ومائة، حصل الإختلاف العظيم، وافترق الشيعة إلى فرق عديدة، ولقد عدها الكاتب الشيعي المشهور النوبختي، وهوالأوائل من كتب في الفرق من القوم، ست فرق فقال:
" فلما توفي أبوعبدالله جعفر بن محمد عليهما السلام، إفترقت الشيعة بعده ست فرق ... ودفن في القبر الذي دفن فيه أبوه وجده في البقيع ... وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأمهما أسماء (2). بنت عبدالرحمن بن أبي بكر " (3).
والفرق الستة التي عدّها، الأولى منها:
" الناووسية: وهي التي قالت إن جعفر بن محمد حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر ويلي أمر الناس، وأنه هوالمهدي. وزعموا أنهم رووا عنه أنه قال: إن رأيتم رأسي قد أهوى عليكم من جبل فلا تصدقوه، فإني صاحبكم. وإنه قال لهم: إن جاءكم من يخبركم عني أنه مرضني وغسلني وكفنني، فلا تصدقوه، فإني صاحبكم صاحب السيف.
وهذه الفرقة تسمى الناووسية. وُسميت بذلك لرئيس لهم من أهل البصرة يُقال له فلان بن فلان الناووس " (4).
__________
(1) الأصول من الكافي، كتاب الحجة ج1 ص358 ومابعد.
(2) وعلى ذلك كان يقول: لقد ولدني أبوبكر مرتين (كشف الغمة للأربلي الشيعي ج2ص161)
(3) فرق الشيعة للنوبختي ص78
(4) أيضاً ص87 - 88
" وزعم قوم أن الذي يتبدى للناس لم يكن جعفرا، وإنما تصور لناس في تلك الصورة. وانظم إلى هذه الفرقة قوم من السبئية، فزعموا جميعاً أن جعفراً كان عالماً بجميع معالم الدين من العقليات والشرعيات، فإذا قيل للواحد منهم: ماتقول في القرآن أوفي الرؤية أوفي غير ذلك من أصول الدين أوفي فروعه؟ يقول: أقول فيها ما كان يقوله جعفر الصادق، يقلدونه " (1).
هذا ما حصل في حياة جعفر بن الباقر من افتراق الشيعة وتحزبهم بأحزاب مختلفة وتشعبهم في فرق متعددة.
والفرقة الثانية: السمطية أوالشميطية: وهم القائلون إن الإمام بعد جعفر بن محمد إبنه محمد بن جعفر، وذلك لأن أباه جعفر وصي له في صباه، وكان يقول: إنه يشبه أبي محمد الباقر وجدي رسول الله، فجعل هؤلاء الإمامة في محمد بن جعفر وولده من بعده.
وهذه الفرقة تسمى السمطية وتنسب إلى يحيى بن أبي السميط أوأبي الشميط " (2).
والجدير بالذكر أن محمد بن جعفر هذا خرج أيام المأمون، ودعا الناس إلى نفسه: وبايع له أهل المدينة بإمرة المؤمنين " (3).
فحصلت بينه وبين جيوش المأمون بقيادة هارون بن المسيب معارك عديدة.
__________
(1) الفرق بين الفرق ص61، مقالات الإسلاميين ج1ص97، إعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص53، الملل والنحل للشهرستاني ج2ص3،2 الحور العين ص162، التبصير للإسفرائيني ص40، الفصل في الملل والأهواء والنحل لإبن حزم ج4ص
180، الخطط للمقريزي ج 4ص 174.
(2) أنظر فرق الشيعة ص98، مقالات الإسلاميين ج1 ص99، الفرق بين الفرق ص 61، 62، إعتقادات للرازي ص54، التبصير ص41، الحور العين ص163، الملل لإبن حزم ج2 ص3.
(3) مقاتل للأصفهاني ص357، الإرشاد ص 286، تاريخ بغداد ج2 ص114.
ثم وجه إليه هارون خيلا فحاصرته في موضعه، لأنه كان موضعا حصينا لا يوصل إليه، فلما بقوا في الموضع ثلاثا ونفد زادهم وماؤهم، جعل أصحابه يتفرقون ويتسللون يمينا وشمالا، فلما رأى ذلك لبس بردا ونعلا، وصار إلى مضرب هارون فدخل إليه وسأله الأمان لأصحابه، ففعل هارون ذلك " (1).
وذكر المفيد بأنه كان يرى رأى الزيدية في الخروج بالسيف، ولذلك اتبعه كثير من الزيدية الجارودية (2).
والفرقة الثالثة: الفطحية: فلقد ذكرها الكشى تحت عنوان الفطحية بقوله:
" هم القائلون بإمامة عبدالله بن جعفر بن محمد، وسموا بذلك لأنه قيل أنه كان أفطح الرأس، وقال بعضهم: كان أفطح الرجلين، وقال بعضهم: إنهم نسبوا إلى رئيس من أهل الكوفة يقال له: عبدالله بن فطيح، والذين قالوا بإمامته عامة مشائخ العصابة وفقهائها، مالوا إلى هذه المقالة فدخلت عليهم الشبهة لما روى عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا مضى إمام ... ثم إن عبدالله مات بعد أبيه بسبعين يوما، فرجع الباقون إلا شاذا منهم عن القول بإمامته إلى القول بإمامة أبي الحسن (ع) ورجعوا إلى الخبر الذي روى: إن الإمامة لا يكون في الآخوين بعد الحسن والحسين (ع) " (3).
وذكر مثل هذا النوبختي الشيعي وزاد:
" ومال إلى هذه الفرقة جل مشائخ الشيعة وفقهائها، ولم يشكوا في أن الإمامة في محمد بن جعفر وفي ولده من بعده، فمات عبدالله ولم يخلف ذكرا " (4).
وأما المفيد فقال:
__________
(1) مقاتل ص540، الإرشاد ص 286.
(2) الإرشاد للمفيد ص286.
(3) رجال الكشى ص219
(4) فرق الشيعة للنوبختي ص99.
" وكان عبدالله بن جعفر أكبر إخوته بعد إسماعيل، ولم تكن منزلته عند أبيه كمنزلة غيره من ولده في الإكرام، وكان متهما بالخلاف على أبيه في الإعتقاد، ويقال أنه كان يخالط الحشوية، ويميل إلى مذهب المرجئة. وادعى بعد أبيه الإمامة، واحتج بأنه أكبر إخوته الباقين، فاتبعه على قوله جماعة من أصحاب أبي عبدالله عليه السلام. ثم رجع أكثرهم بعد ذلك إلى القول بإمامة أخيه موسى عليه السلام، لما تبينوا ضعف دعواه وقوة أمر أبي الحسن (ع)، ودلالة حقه وبراهين إمامته. وأقام نفر يسير منهم على أمرهم، ودانوا بإمامة عبدالله بن جعفر، الطائفة الملقبة بالفطحية " (1).
وقد ذكرهم الأربلي أيضاً في كشف الغمة (2).
وُيسمون العمارية أيضاً كما ذكره الأشعري في (مقالات الإسلاميين) نسبة إلى رئيس لهم يُعرف بعمار (3).
والجدير بالذكر أن الشيعة يروون روايات عن أئمتهم المعصومين حسب زعمهم بأن الإمامة في أكبر الأبناء كما روى الكليني:
" عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: إن الأمر في الكبير ما لم تكن به عاهة " (4).
وبذلك استدل على إمامته " واحتج بأنه أكبر الإخوة الباقين، فاتبعه جماعة من أصحاب أبي عبدالله عليه السلام " (5).
ثم ومع هذا كيف يعدلون عنه ولم يكن به عاهة؟
اللهم إلا أنهم يذكرون أنه كان يخالف أباه في العقائد (6).
ونريد أن نلفت الأنظار، إلى أن ابن جعفر الآخر وهومحمد أيضاً، كان منكِراً لإمامة أبيه جعفر ومخالفاً لأفكاره وآرائه، كما ذكره الطوسي والمفيد (7).
والفرقة الرابعة: الذين قالوا بإمامة موسى بن جعفر، وأنكروا إمامة عبدالله، وخطؤوه في فعله وجلوسه مجلس أبيه، وادعائه الإمامة (8).
__________
(1) الإرشاد ص285، 286.
(2) ج2 ص393.
(3) ج1ص99.
(4) كتاب الحجة من الكافي في الأصول ج1ص357.
(5) الإرشاد للمفيد ص285.
(6) كشف الغمة للأربلي ج2ص393.
(7) أظر أعلام الورى ص291، الإرشاد للمفيد ص286.
(8) فرق الشيعة للنوبختي ص100.
فسنذكر تفاصيل واختلافات هؤلاء فيما بعد، تحت أيام موسى الملقب بالكاظم.

الإسماعيلية
وأما الفرقة الخامسة والسادسة التي حدثت ونشأت من بين الشيعة، فهي الإسماعيلية. فأولاً نذكرهم من الشيعة أنفسهم، فيقول النوبختي:
"وفرقة زعمت أن الإمام بعد جعفر بن محمد إبنه إسماعيل بن جعفر، وأنكرت موت إسماعيل في حياة أبيه، وقالوا: كان ذلك على جهة التلبيس من أبيه على الناس لأنه خاف فغيبه عنهم، وزعموا أن إسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض يقوم بأمر الناس، وأنه هوالقائم، لأن أباه أشار إليه بالإمامة من بعده، وقلدهم ذلك له، وأخبرهم أنه صاحبه، والإمام لا يقول إلا الحق. فلما ظهر موته، علمنا أنه قد صدق، وأنه القائم، وأنه لم يمت. وهذه الفرقة هي الإسماعيلية الخالصة " (1).
ثم لهم فرق كثيرة، نذكر بعضها بالإختصار. فذكر المفيد تحت عنوان: أولاد أبي عبدالله وعددهم وأسماؤهم وطرف أخبارهم:
" وكان إسماعيل أكبر الأخوة، وكان أبوعبدالله عليه السلام شديد المحبة له والإشفاق عليه، وكان قوم من الشيعة يظنون أنه القائم بعد أبيه والخليفة له من بعده، إذ كان أكبر إخوته سناً، ولميل أبيه إليه، وإكرامه له. فمات في حياة أبيه عليه السلام بالعريض، وحُمل على رقاب الرجال إلى أبيه بالمدينة حتى دفن بالبقيع.
وروي أن أبا عبدالله عليه السلام جزع عليه جزعاً شديداً، وحزن عليه حزناً عظيماً، وتقدم سريره بغير حذاء ولا رداء، وأمر بوضع سريره على الأرض قبل دفنه مراراً كثيرة، وكان يكشف وجهه وينظر إليه، يريد بذلك تحقيق أمر وفاته عند الظانين خلافته له من بعده، وإزالة الشبهة عنهم في حياته.
__________
(1) أيضاً ص89،88.
ولما مات إسماعيل (رحمه الله)، إنصرف عن القول بإمامته من بعد أبيه من كان يظن ذلك فيعتقده من أصحاب أبيه، وأقام على حياته شرذمة لم تكن من خاصة أبيه، ولا من الرواة عنه، وكانوا من الأباعد والأطراف.
فلما مات الصادق عليه السلام انتقل فريق منهم إلى القول بإمامة موسى بن جعفر عليه السلام، وافترق الباقون فريقين، فريق منهم رجعوا عن حياة إسماعيل وقالوا بإمامة إبنه محمد بن إسماعيل، لظنهم أن الإمامة كانت في أبيه، وأن الإبن أحق بمقام الإمامة من الأخ.
وفريق ثبتوا على حياة إسماعيل، وهم اليوم شذاذ لا يُعرف منهم أحد يومى إليه. وهذان الفريقان يسميان بالإسماعيلية. والمعروف منهم الآن من يزعم أن الإمامة بعد إسماعيل في ولده وولد ولده إلى آخر الزمان " (1).
وذكر مثل ذلك في كتب الشيعة الأخرى مثل (شرح إبن أبي الحديد) و(أعيان الشيعة) و(الشيعة في التاريخ).
ولقد ذكر الإسماعيلية من السنة، كل من الأشعري والبغدادي والأسفرائيني والرازي والشهرستاني وغيرهم من المتقدمين، كما ذكرهم كثير من المتأخرين السنة، ولكن نذكر ما ذكره ابن خلدون، فيقول:
__________
(1) الإرشاد للمفيد ص285،284.
" فأما الإسماعيلية فقالوا بإمامة إسماعيل الإمام بالنص من أبيه جعفر، وفائدة النص عليه عندهم وإن كان قد مات قبل أبيه، إنما هوبقاء الإمامة في عقبه، كقصة هارون مع موسى صلوات الله عليهما، قالوا: ثم انتقلت الإمامة من إسماعيل إلى إبنه محمد المكتوم، وهوأول الأئمة المستورين، لأن الإمام عندهم قد لا يكون له شوكة فيستتر، وتكون دعاته ظاهرين إقامة للحجة على الخلق، وإذا كانت له شوكة، ظهر وأظهر دعوته، قالوا: وبعد محمد المكتوم إبنه جعفر الصادق وبعده إبنه محمد الحبيب، وهوآخر المستورين، وبعده إبنه عبدالله المهدي الذي أظهر دعوته أبوعبدالله الشيعي في كتامة، وتتابع الناس على دعوته، ثم أخرجه من معتقله بسجلماسة، وملك القيروان والمغرب، وملك بنوه من بعد مصر، كما هومعروف في أخبارهم. ويسمى هؤلاء نسبة إلى القول بإمامة إسماعيل، ويسمون أيضاً بالباطنية، نسبة إلى قولهم بالإمام الباطن، أي المستور. ويسمون أيضاً الملحدة، لما في ضمن مقالاتهم من الإلحاد. ولهم مقالات قديمة، ومقالات جديدة دعا إليها الحسن بن محمد الصباح في آخر المائة الخامسة، وملك حصوناً بالشام والعراق، ولم تزل دعوته فيها إلى أن توزعها الهلاك بين ملوك الترك بمصر، وملوك التتر في العراق " (1).
وذكرهم الشهرستاني بقوله:
" الإسماعيلية قالوا: إن الإمام بعد جعفر إسماعيل نصاً عليه باتفاق من أولاده، إلا أنهم اختلفوا في موته في حال حياة أبيه، فمنهم من قال: لم يمت إلا أنه أظهر موته تقية من خلفاء بني العباس، وعقد محضراً وأشهد عليه عامل المنصور بالمدينة.
__________
(1) مقدمة إبن خلدون ص201
ومنهم من قال: الموت صحيح، والنص لا يرجع القهقري، والفائدة في النص بقاء الإمامة في أولاد المنصوص عليه دون غيره، فالإمام بعد إسماعيل محمد بن إسماعيل، وهؤلاء يقال لهم: المباركية. ثم منهم من وقف على محمد بن إسماعيل، وقال برجعته بعد غيبته. ومنهم من ساق الإمامة في المستورين منهم، ثم في الظاهرين القائمين من بعدهم " (1).
ثم ساق أدلتهم لإثباتهم إمامة إسماعيل بن جعفر بقوله:
"إسماعيل بن جعفر وهوإبنه الأكبر المنصوص في بدء الأمر، وقالوا: لم يتزوج الصادق على أمه بواحدة من النساء، ولا اشترى جارية، كسنة رسول الله في حق خديجة، وكسنة علي في حق فاطمة. وذكرنا اختلافهم في موته في حال حياة أبيه، فمنهم من قال: إنه مات، وإنما فائد النص عليه، انتقال الإمامة منه إلى أولاده خاصة، كما نص موسى إلى هارون عليهما السلام، ثم مات هارون في حال حياة أخيه، وإنما فائدة النص انتقال الإمامة منه إلى أولاده، فإن النص لا يرجع القهقري، والقول بالبدأ محال، ولا ينص الإمام على واحد من ولده إلا بعد السماع من آبائه، والتعيين لا يجوز على الإبهام والجهالة.
ومنهم من قال: إنه لم يمت، لكن أظهر موته تقية عليه، حتى لا يقصد بالقتل. ولهذا القول دلالات: منها أن محمد كان صغيراً، وهوأخوه لأمه، مضى إلى السرير الذي كان إسماعيل نائماً عليه، ورفع الملاءة، فأبصره وهوقد فتح عينه، وعاد إلى أبيه مفزعاً وقال: عاش أخي، عاش أخي. قال والده: إن أولاد الرسول كذا يكون حالهم في الآخرة. قالوا: وما السبب في الإشهاد على موته؟.
وعن هذا لما رفع إلى المنصور أن إسماعيل بن جعفر رؤي بالبصرة على مقعد فدعى فبرئ بإذن الله، بعث المنصور إلى الصادق أن إسماعيل في الأحياء، وأنه رؤي بالبصرة، أنفذ السجل إليه وعليه شهادة عامله بالمدينة.
__________
(1) الملل والنحل للشهرستاني ج2 ص5
قالوا: وبعد إسماعيل، محمد بن إسماعيل السابع التام، وإنما تم دور السبعة به. ثم ابتدى منه بالأئمة المستورين الذين كانوا يسيرون في البلاد، ويظهرون الدعاة جهراً، قالوا: ولن تخلوا الأرض قط من إمام حيّ، إما ظاهر مكشوف، وإما باطن مستور. فإذا كان الإمام ظاهراً، يجوز أن يكون حجته مستورة، وإذا كان الإمام مستوراً فلابد أن يكون حجته ودعاته ظاهرين، وقالوا: إنما الأئمة تدور أحكامهم على سبعة كأيام الأسبوع والسموات السبع والكواكب السبع. والنقباء تدور أحكامهم على أثنى عشر، قالوا: وعن هذا وقعت الشبهة للإمامية القطعية حيث قرروا عدد النقباء للأئمة، ثم بعد الأئمة المستورين كان ظاهر المهدي والقائم بأمر الله وأولادهم نصاً بعد نص على إمام بعد إمام. ومذهبهم أن من مات ولم يعرف إمام زمانه، مات ميتة جاهلية، وكذلك من مات ولم يكن في عنقه بيعة إمام، مات ميتة جاهلية ... وأشهر ألقابهم الباطنية، وإنما لزمهم هذا اللقب لحكمهم بأن لكل ظاهر باطنا، ولكل تنزيلاً تأويلا.
ولهم ألقاب غير هذا من القرامطة والمزدكية والملحدة.
وهم يقولون: نحن إسماعيلية لأنا تميزنا عن فرق الشيعة بهذا الإسم .. ثم أصحاب الدعوة الجديدة تنكبوا هذه الطريقة، حين أظهر الحسن بن الصباح دعوته وقصر عن الإلزامات كلمته واستظهر بالرجال وتحصن بالقلاع. وكان بدؤ صعوده إلى قلعة الموت في شعبان سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، وذلك بعد أن هاجر إلى بلاد إمامه، وتلقى منه كيفية الدعوة لأبناء زمانه. فعاد ودعا الناس أول دعوة إلى تعيين إمام صادق قائم في كل زمان، وتمييز الفرقة الناجية من سائر الفرق بهذه النكتة، وهوأن لهم إماماً وليس لغيرهم إمام " (1).
__________
(1) الملل والنحل ج2 ص33،32.

القرامطة
وتفرعت على الإسماعيلية فرق عديدة، والمشهور منها:
القرامطة المنسوبون إلى حمدان الأشعث المعروف بقرمط لقصر قامته ورجليه وتقارب خطوه، في سنة أربع وستين ومائتين 264هـ. وكان ظهوره بسواد الكوفة، فاشتهر مذهبه بالعراق، وقام ببلاد الشام صاحب الحال، والمدثرالمطوق. وقام أبوسعيد الجنابي بالبحرين، وعظمت دولته ودولة بنيه، حتى أوقعوا بعساكر الخلفاء العباسيين، وغزوا بغداد والشام ومصر والحجاز، وانتشرت دعاتهم بأقطار الأرض.
فدخل جماعة من الناس في دعوتهم، ومالوا إلى قولهم الذي سموه علم الباطن، وهوتأويل شرائع الإسلام، وصرفها عن ظواهرها إلى أمور زعموها من عند أنفسهم، فضلوا وأضلوا عالماً كثيرا.
وقيل غير ذلك في تاريخ ظهور حمدان هذا في تسمية بقرمط، يقول الوطواط " ظهر في أيام خلافة المعتمد سنة 278هـ من سواد الكوفة، رجل أحمر العينين يسمى كرميته، فاستثقلوا هذه اللفظة، فخففوها وقالوا قرمط. ثم ذكر أنواع تعاليمه وبدعه الفاسدة، وذكر أن المعز الفاطمي وقائده جوهر، قد حاربا القرامطة حروباً دامية سنة 362هـ ".
ويقول إبن خلكان: " والقرامطة نسبتهم إلى رجل من سواد الكوفة، يقال له قِرمط بكسر القاف، ولهم مذهب مذموم، وكانوا قد ظهروا في سنة 281هـ في خلافة المعتضد، وقيل كان ظهورهم في سنة 278هـ ".
ويرى أبوالفداء " أن ظهورهم كان في هذه السنة أي سنة 278هـ في سواد الكوفة، وأن الرجل الذي دعاهم إلى مذهبه كان شيخاً وقد تمرض بقرية من سواد الكوفة، فحمله رجل من أهل القرية يقال له كرميته لحمرة عينيه وهوبالنبطية إسم لحمرة العين. فلما تعافى الشيخ المذكور سمي بإسم ذلك الرجل الذي آواه ومرضه. ثم ُخفف فقالوا قِرمط. ودعا قوماً من أهل البادية ممن ليس لهم دين ولا عقل إلى دينه، فأجابوه ".
ولايهمنا أكان الرجل الذي دعا القرامطة هونفس الرجل المسمى بقرمط أوغيره، ولكنه سمي بإسم قرمط، وإنما يهمنا أن نعرف تاريخ ظهورهم في أي سنة كان، لنعرف أكان في زمن الأئمة من أهل البيت أم لا. وقد رأيت إختلاف الروايات في تحديد زمان ظهورهم. والأرجح أنه كان في سنة 278هـ، أي بعد انقضاء زمن الأئمة الميامين، وفي أثناء الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر " (1).
وقد ذكرهم الأشعري بقوله:
" القرامطة يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على علي بن أبي طالب، وأن علياً نص على إمامة إبنه الحسن، وأن الحسن بن علي نص على إمامة أخيه الحسين بن علي، وأن الحسين بن علي نص على إمامة إبنه علي بن الحسين، وأن علي بن الحسين نص على إمامة إبنه محمد بن علي، ونص محمد بن علي على إمامة إبنه جعفر، ونص جعفر على إمامه إبنه محمد بن إسماعيل، وزعموا أن محمد بن إسماعيل حي إلى اليوم لم يمت، ولا يموت حتى يملك الأرض، وأنه هوالمهدي الذي تقدمت البشارة به، واحتجت في ذلك بأخبار رووها عن أسلافهم، يخبرون فيها أن سابع الأئمة قائمهم " (2).
كما ذكرهم الآخرون:
ومنهم المباركية وغيرها، والموجود المشهور منها فرق ثلاثة:
الآغاخانية أوالنزارية أتباع آغاخان، والبهرة أوالمستعلية والسليمانية.
__________
(1) الشيعة في التاريخ ص231 - 234.
(2) مقالات الإسلاميين ج1 ص98
ولكل واحدة منها عقائد وآراء متفقة في بعضها ومختلفة في البعض الأخرى منها، ولنا فيهم في جميع فرقهم وعقائدهم، آرائهم وأفكارهم والأسس التي قامت عليها معتقادتهم، وفي تاريخهم وفي بداية أمرهم، كلام مستقل طويل ناقشنا فيه آراء المستشرقين والكتاب المصريين والإسماعيليين، السوريين منهم والهنديين، وفندنا بعض الآراء التي ابتنوها عن هؤلاء القوم وأثبتنا أخطاءهم الفاحشة، التاريخية منها والعقائدية. كما أوردنا في بحثنا ذاك معلومات جديدة حقيقية عن معتقدات القوم الأصلية من كتبهم العتيقة القديمة، المخطوطة منها والمطبوعة. وأثبتنا فيه جهالات كثيرة للأسماء الكبيرة وللأشخاص المشهورة المعروفة، وحتى من يتربع على زعامة الإسماعيلية ويدعي أنه من أكابرها، وهذا في كتاب مستقل (1).
ولأجل ذلك تجنبنا إطالة القول في كتابنا هذا عنهم وعن عقائدهم، واكتفينا بنقل الأقوال وسرد العبارات عمن كتب في الفرق من الشيعة والسنة، كيلا نخرج عن أصل الموضوع ولا يطول بنا الحديث.
الدروز
__________
(1) وسيصدر هذا الكتاب عما قريب إن شاء الله بعد صدور هذا الكتاب، وكنا ننوي اصداره قبل هذا حيث كنا قد جمعنا كل شئ عن الاسماعيلية ولكننا تأخرنا بعدما سمعنا بوجود بعض المخطوطات الأخرى التي لم نحصل عليها حتى الآن، فأردنا أن لا ينقصنا شئ من ذلك، ويكون البحث كاملاً شاملاً وجامعاً مانعاً قدر الاستطاعة وما ذلك على الله بعزيز.
وإننا لنرى بأن هذا الكتاب سيثير ضجة كبرى في الأوساط العلمية العالمية حيث اكتشفنا فيه بعض الحقائق المستورة التي لم يهتد إليها من اشتهر وعرف في العالم بتخصصه من المستشرقين والمصريين، وحتى من الإسماعيلية أنفسهم، كما كشفنا فيه النقاب عن بعض البديهيات التي خفيت على هؤلاء الفئة من الناس فهناك وفيه الملتقى إن شاء الله في التفصيل.
ومن الفرق التي تفرعت وخرجت من الإسماعيلية ومنها أخذت أفكارها وعقائدها طائفة الدروز. وكانت نشأتها أيام الحاكم بأمر الله الفاطمي الذي تولى ملك مصر بعد وفاة أبيه سنة 386هـ وكان عمره آنذاك أحد عشر عاماً، واستقل به سنة 390هـ بعد قتل أحد الأوصياء عليه (1).
فاستغل صغر عمره وطموحه وشذوذه في المأكل والمشرب والسكن والقيام والهالة المقدسة التي كانت تحيطه بعض دعاة الإسماعيلية الملاحدة مرسلوا الفرس والمجوس، فأحاطوا به، وزيّنوا له فكرة ألوهيته وربوبيته. وكان من أبرزهم حمزة بن علي أحمد الزوزني، ومحمد بن إسماعيل الدرزي، والحسن بن حيدرة الفرغاني، وغيرهم المشهور بالأخرم أوالأجدع (2).
فذهبوا شأواً بعيداً في الإنحراف والإنحلال.
ويقول المؤرخون: إن بداية الدعوة إلى ألوهية الحاكم كانت سنة 408هـ (3).
ومن أهم عقائدهم، ألوهية الحاكم كما ورد في مصحف الدروز ميثاق للدرزيين أن يقولوا:
" آمنت بالله، ربي الحاكم، العلي الأعلى، رب المشرقين، ورب المغربين، وإله الأصلين والفرعين، منشئ الناطق والأساس، مظهر الصورة الكاملة بنوره، الذي على العرش استوى، وهوبالأفق الأعلى، ثم دنا فتدلى، وآمنت به، وهورب الرجعى، وله الأولى والآخرة، وهوالظاهر والباطن.
وآمنت بأولى العزم من الرسل، ذوي مشارق التجلي المبارك حولها وبحاملي العرش الثمانية، وبجميع الحدود، وأؤمن عاملاً قائماً بكل أمر ومنع ينزل من لدن مولانا الحاكم، وقد سلمت نفسي وذاتي وذواتي، ظاهراً وباطناً، علماً وعملاً، وأن أجاهد في سبيل مولانا سراً وجهراً بنفسي ومالي وولدي وما ملكت يميني، قولاً وعملاً، وأشهدت على هذا الإقرار جميع ما خلق بمشارقي ومات بمغاربي.
__________
(1) أنظر سمط النجوم العوالي ج2ص414.
(2) أنظر طائفة الدروز لمحمد كامل حسين ص75.
(3) أضواء على العقيدة الدرزية لأحمد فوزان، طائفة الدروز لمحمد كامل حسين.
وقد التزمت وأوجبت على هذا نفسي وروحي بصحة من عقلي وعقيدتي، وإني أقّر بهذا غير مكره أومنافق، وإنني أشهد مولاي الحق الحاكم، من هوفي السماء إله وفي الأرض إله، وأشهد مولاي هادي المستجيبين، المنتقم من المشركين المرتدين، حمزة بن علي بن أحمد، من به أشرقت الشمس الأزلية، ونطقت فيه وله سحب الفضل: أنني قد برئت وخرجت من جميع الأديان والمذاهب والمقالات والإعتقادات قديمها وحديثها، وآمنت بما أمر به مولانا الحاكم الذي لا أشرك في عبادته أحداً في جميع أدواري " (1).
ومن عقائدهم: التناسخ والحلول:
كلما مات إنسان إنتقلت روحه لمولود جديد (2).
كما أن من أهم عقائدهم الغيبة والرجعة، ويقولون بأن الحاكم بأمر الله غاب عن الأبصار، وسيرجع في آخر الزمان وسيحل عند الركن اليماني من الكعبة.
وغيره من العقائد المشتركة بينهم وبين الشيعة.
ولقد ذكرهم شيخ الإسلام إبن تيمية، هؤلاء والنصيرية، في جواب سائل سأله:
" الدرزية هم أتباع هشتكين الدرزي، وكان من موالي الحاكم، أرسله إلى أهل وادي تيم الله بن ثعلبة، فدعاهم إلى إلاهية الحاكم. ويسمونه الباري، العلام، ويحلفون به. وهم من الإسماعيلية القائلين بأن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبدالله. وهم أعظم كفراً من الغالية. يقولون بقدم العالم، وإنكار المعاد، وإنكار واجبات الإسلام ومحرماته. وهم من القرامطة الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب. وغايتهم أن يكونوا فلاسفة على مذهب أرسطووأمثاله، أومجوسا.
وقولهم مركب من قول الفلاسفة والمجوس، ويظهرون التشيع نفاقاً. والله أعلم ".
فقال شيخ الإسلام رداً عليه:
__________
(1) مصحف الدروز: عرف العهد والميثاق ص107،108.
(2) الدروز والثورة السورية لكريم ثاقب ص34.
" كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون، بل من شك في كفرهم فهوكافر مثلهم. لا هم بمنزلة أهل الكتاب ولا المشركين. بل هم الكفرة الضالون، فلا يُباح أكل طعامهم، وُتسبى نساؤهم، وُتؤخذ أموالهم. فإنهم زنادقة مرتدين لا ُتقبل توبتهم، بل ُيقتلون أينما ُثقفوا، وُيلعنون كما وصفوا، ولا يجوز استخدامهم للحراسة والبوابة والحفاظ، ويجب قتل علمائهم وصلحائهم، لئلا يضلوا غيرهم. وُيحرم النوم معهم في بيوتهم، ورفقتهم، والمشي معهم، وتشييع جنائزهم إذا علم موتها. ويحرم على ولاة أمور المسلمين إضاعة ما أمر الله من إقامة الحدود عليهم بأي شيئ يراه المقيم المقام عليه " (1).
فهذه هي الفرق التي افترقت وحدثت ونشأت بعد موت جعفر بن الباقر، وتفرقت آراؤهم، واختلفت أقوالهم مع اتفاقهم على توارث الأفكار السبئية.
__________
(1) فتاوي شيخ الإسلام ج 35 ص162،161.

فرق الشيعة أيام موسى الكاظم
ثم الذين قالوا بإمامة موسى بن جعفر أيضاً تفرقوا إلى فرق عديدة في حياته وبعد مماته. كما ذكر النوبختي الشيعي:
" ثم إن جماعة من المؤتمين بموسى بن جعفر لم يختلفوا في أمره، فثبتوا على إمامته إلى حبسه في المرة الثانية، ثم اختلفوا في أمره، فشكوا في إمامته عند حبسه في المرة الثانية التي مات فيها في حبس الرشيد، فصاروا خمس فرق " (2)
وذلك في سنة ثلاث وثمانين ومائة.
فالفرقة الأولى قالت:
أنه مات في حبس السندى بن شاهك، وأن يحيى بن خالد البرمكي سمّه في رطب وعنب بعثهما إليه فقتله. وأن الإمام بعد موسى، علي بن موسى الرضا، فسميت هذه الفرقة القطعية، لأنها قطعت على وفاة موسى بن جعفر وعلى إمامة عليّ إبنه بعده، ولم تشك في أمرها ولا ارتابت ومضت على المنهاج الأول.
وقالت الفرقة الثانية:
(2) فرق الشيعة للنوبختي ص100.
أن موسى بن جعفر لم يمت، وأنه حي ولا يموت حتى يملك شرق الأرض وغربها ويملأها كلها عدلاً كما ملئت جوراً، وأنه القائم المهدي. وزعموا أنه خرج من الحبس، ولم يره أحد نهاراً ولم يعلم به. وأن السلطان وأصحابه إدعوا موته وموّهوا على الناس وكذبوا، وأنه غاب عن الناس واختفى. ورووا في ذلك روايات عن أبيه جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: "هوالقائم المخبأ، فإن يدهده رأسه عليكم من جبل فلا تصدقوا، فإنه القائم " (1).
وسُميت هذه الفرقة بالموسوية لانتظارها موسى بن جعفر" (2).
كما تُسمى المفضلية: لأنهم نسبوا إلى رئيس لهم ُيقال له المفضل بن عمر، وكان ذا قدر فيهم (3).
وُيقال لهم الممطورة: لأنهم لما أظهروا هذه المقالة، قال لهم قوم: والله ما أنتم إلا كلاب ممطورة، يعني أنهم من الكلاب المبتلة بالمطر، من غاية ركاكة هذه المقالة (4).
ولأن الناس يطردونهم ويتحرزون منهم (5).
وقد ذكرهم إين حزم في الفصل (6).
والفرقة الثانية قالت:
" أنه القائم وقد مات، ولا تكون الإمامة لغيره حتى يرجع فيقوم ويظهر، وزعموا أنه قد رجع بعد موته، إلا أنه مختف في موضع من المواضع حي يأمر وينهى، وأن أصحابه يلقونه ويرونه. واعتلوا في ذلك بروايات عن أبيه أنه قال: سُمي القائم لأنه يقوم بعد ما يموت " (7).
والفرقة الثالثة قالت:
" أنه مات وأنه القائم، وأن فيه شبهاً من عيسى بن مريم صلى الله عليه، وأنه لم يرجع ولكنه يرجع في وقت قيامه، فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورا، وأن أباه قال: إن فيه شبهاً من عيسى بن مريم، وأنه يُقتل في يدي ولد العباس، فقد قتل " (8).
والرابعة قالت:
__________
(1) أيضاً ص101.
(2) الفرق بين الفرق ص63.
(3) مقالات الإسلاميين للأشعري ج1ص101.
(4) إعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص54.
(5) التبصيرص41.
(6) ج4 ص179.
(7) فرق الشيعة ص101.
(8) أيضاً ص102.
"لا ندري أهوحي أم ميّت، لأنا قد روينا فيه أخباراً كثيرة تدل على أنه القائم المهدي، فلا يجوز تكذيبها، وقد ورد علينا من خبر وفاة أبيه وجده والماضين من آبائه عليهم السلام في معنى صحة الخبر. فهذا أيضاً مما لا يجوز ردّه وإنكاره لوضوحه وشهرته وتواتره من حيث لا يكذب مثله، ولا يجوز التواطؤ عليه، والموت حق والله عز وجلّ يفعل ما يشاء، فوقفنا عند ذلك على إطلاق موته وعلى الإقرار بحياته، ونحن مقيمون على إمامته لا نتجاوزها، حتى يصح لنا أمره وأمر هذا الذي نصب نفسه مكانه وادعى الإمامه - يعنون علي بن موسى الرضا - فإن صحت لنا إمامته كإمامة أبيه من قبله بالدلالات والعلامات الموجبة للإمامة بالإقرار منه على نفسه بإمامته وموت أبيه، لا بأخبار أصحابه سلمنا له ذلك وصدقناه " (1).
ومثل ذلك ذكر الرازي في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (2). والأشعري في مقالات الإسلاميين (3) والملطي في التنبيه (4) والإسفرائيني في التبصير (5) والبغدادي في الفرق بين الفرق (6) والمفيد في الإرشاد (7) والشهرستاني في الملل والنحل (8).
وكانت هناك فرقة أخرى سادسة وهي: البشرية، ذكرها النوبختي بقوله:
(البشرية) أصحاب محمد بن بشير مولى بني أسد من أهل الكوفة، قالت:
__________
(1) أيضاً ص103، 104.
(2) ص54.
(3) ج1 ص88.
(4) ص38.
(5) ص42.
(6) ص63.
(7) ص 302.
(8) ج 2 ص4،3. الهامش
" إن موسى بن جعفر لم يمت ولم يحبس، وإنه حي غائب، وإنه القائم المهدي، في وقت غيبته استخلف على الأمر محمد بن بشير، وجعله وصيه، وأعطاه خاتمه، وعلمه جميع ما يحتاج إليه رعيته، وفوّض إليه أموره، وأقامه مقام نفسه. فمحمد بن بشير الإمام بعده، وأن محمد بن بشير لما توفي أوصى إلى ابنه سميع بن محمد بن بشير فهوالإمام، ومن أوصى إليه (سميع) فهوالإمام المفترض الطاعة على الأمة إلى وقت خروج موسى وظهوره، فما يلزم الناس من حقوقه في أموالهم وغير ذلك مما يتقربون به إلى الله عز وجلّ، فالفرض عليهم أداؤه إلى هؤلاء إلى قيام القائم. وزعموا أن علي بن موسى، ومن ادعى الإمامة من ولد موسى بعده فغير طيب الولاده، ونفوهم عن أنسابهم، وكفروهم في دعواهم الإمامة، وكفروا القائلين بإمامتهم، واستحلوا دماءهم وأموالهم، وزعموا أن الفرض من الله عليهم، إقامة الصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان. وأنكروا الزكاة والحج وسائر الفرائض. وقالوا بإباحة المحارم من الفروج والغلمان. واعتلوا في ذلك بقول الله عز وجل " أويزوجهم ذكراناً وإناثاً (42 - 50) وقالوا بالتناسخ، وأن الأئمة عندهم واحد، إنما هم منتقلون من بدن إلى بدن. والمساواة بينهم واجبة في كل ما ملكوه من مال، وكل شيئ أوصى به رجل منهم في سبيل الله فهولسميع بن محمد وأوصيائه من بعده " (1).
ولقد ذكر محمد بن بشير هذا، الكشي في رجاله، بقوله:
__________
(1) فرق الشيعة ص105،104.
" أن محمد بشير لما مضى أبوالحسن (ع) ووقف عليه الواقفة، جاء محمد بن بشير- وكان صاحب شعبذة ومخارق معروفاً بذلك - فادعى أنه يقول بالوقف على موسى بن جعفر (ع) هوكان ظاهراً بين الخلق يرونه جميعاً، يتراءى لأهل النور بالنور، ولأهل الكدرة في مثل خلقهم بالإنسانية والبشرية اللحمانية. ثم حجب الخلق جميعاً عن إدراكه، وهوقائم فيهم موجود كما كان، غير أنهم محجوبون عن إدراكه كالذي كانوا يدركونه.
وكان محمد بن بشير هذا من أهل الكوفة، من موالي بني أسد وله أصحاب، قالوا: أن موسى بن جعفر لم يمت ولم يُحبس، وأنه غاب واستتر، وهوالقائم المهدي، وأنه في وقت غيبته استخلف على الأمة محمد بن بشير، وجعله وصيه، وأعطاه خاتمه، وعلمه جميع ما تحتاج إليه رعيته في أمر دينهم ودنياهم، وفوض إليه جميع أمره وأقامه مقام نفسه، فمحمد بن بشيرالإمام بعده ... وكفروا القائلين بإمامتهم واستحلوا دماءهم وأموالهم .... وزعموا أن كل من انتسب إلي محمد فهم ثبوت وطروق، وأن محمداً هورب حل في كل من انتسب إليه، وأنه لم يلد ولم يولد، وأنه محتجب في هذه الحجب.
وزعمت هذه الفرقة والمخسمة والعلياوية وأصحاب أبي الخطاب، أن كل من انتسب إلى أنه من آل محمد فهومبطل في نسبته، مفتر على الله كاذب. وأنهم الذين قال الله تعالى فيهم أنهم يهود ونصارى في قوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} " محمد " في مذهب الخطابية، و" علي " في مذهب العلياوية فهم ممن خلق.
هؤلاء كاذبون فيما ادعوا، إذ كان محمد عندهم وعلي هورب لا يلد ولا يولد ولا يُستولد، تعالى الله عما يصفون وعما يقولون علواً كبيرا.
وكان سبب مقتل محمد بن بشير لعنه الله لأنه كان معه شعبذة ومخاريق، فكان يظهر الواقفة أنه ممن وقف على علي بن موسى (ع)، وكان يقول في موسى بالربوبية، ويدعي لنفسه أنه نبي. وكان عنده صورة قد عملها وأقامها شخصاً كأنه صورة أبي الحسن (ع) من ثياب حرير، وقد طلاها بالأدوية، وعالجها بحيل عملها فيها، حتى صارت شبه صورة إنسان. وكان يطويها، فإذا أراد الشعبذة نفخ فيها فأقامها. فكان يقول لأصحابه: إن أبا الحسن (ع) عندي، فإن أحببتم أن تروه وتعلموا أني نبي، فهلموا أعرضه عليكم. وكان يدخلهم البيت والصورة المطوية معه، فيقول لهم: هل ترون في البيت مقيماً أوترون غيري وغيركم؟ فيقول: فاخرجوا، فيخرجون من البيت، فيصير هووراء الستر بينه وبينهم، ثم يقدم تلك الصورة، ثم يرفع تلك الستر بينهم وبينه، فينظرون إلى صورة قائمة وشخص كأنه شخص أبي الحسن، لا ينكرون منه شيئاً، ويقف هومعه بالقرب فيريهم من طريق الشعبذة أنه يكلمه ويناجيه ويدنومنه كأنه يساره، ثم يغمزهم أن يتنحوا فيتنحون، ويسبل الستر بينه وبينهم فلا يرون شيئا.
وكانت معه أشياء عجيبة من صنوف الشعبذة ما لم يروا مثلها، فهلكوا بها.
فكانت هذه حاله مدة، حتى ُرفع خبره إلى بعض الخلفاء - أحسبه هارون أوغيره ممن كان بعده من الخلفاء - أنه زنديق، فأخذه وأراد ضرب عنقه، فقال له: يا أمير المؤمنين، استبقني، فإني أتخذ لك أشياء يرغب الملوك فيها، فأطلقه، فكان أول ما اتخذ له الدوالي، فإنه عمد إلى الدوالي فسواها وعلقها وجعل الزيبق بين تلك الألواح، فكانت الدوالي تمتلئ من الماء وتملي الألواح، وينقلب الزيبق من تلك الألواح فيتسع الدوالي لذلك، فكانت تعمل من غير مستعمل لها، وتصب الماء في البستان، فأعجبه ذلك مع أشياء عملها، يضاهي الله بها في خلقه الجنة، فقواه وجعل له مرتبة. ثم إنه يوماً من الأيام، إنكسرت بعض تلك الألواح، فخرج منها الزيبق، فتعطلت فاستراب أمره، وظهر عليه التعطيل والإباحات " (1).
هذا وقد إدعى الإمامة في عهده آخران من بني عمومته، أحدهما حسين بن علي بن الحسن بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي. وأمه زينب بنت عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي. فلقد إدعى الإمامة أيام أبي موسى الهادي العباسي حفيد أبي جعفر المنصور (2).
وبايعه على إمامته يحيى وسليمان وإدريس بنوعبدالله بن الحسن بن الحسن، وعبدالله الحسن الأفطس، وإبراهيم بن إسماعيل الطباطبا، وعمر بن الحسن بن علي بن الحسن بن الحسين، وعبدالله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن الثاني المثنى، وعبدالله بن جعفر بن محمد، وعبدالله بن جعفر بن الباقر، وعبدالله وعمر إبنا إسحاق بن الحسن بن علي زين العابدين، وغيرهم (3)
حتى قال الأصفهاني:
" ولم يتخلف عنه أحد من الطالبيين إلا الحسن بن جعفر بن حسن المثنى فإنه استعفاه ولم يكرهه.
وموسى بن جعفر بن محمد - الإمام السابع المزعوم عند الشيعة - قال عنيزة القصباني:
__________
(1) رجال الكشي ص407،406،405.
(2) أنظر مروج الذهب والطبري وابن كثير وغيرها من الكتب.
(3) أنظر مقاتل الطالبيين للأصفهاني الشيعي ص456،446.
" رأيت موسى بن جعفر بعد عتمة، وقد جاء إلى الحسين صاحب فخ، فانكب عليه شبه الركوع، وقال: أحب أن تجعلني في سعة وحل من تخلفي معك، فأطرق الحسين طويلاً لا يجيبه، ثم رفع رأسه إليه، فقال: أنت في سعة " (1).
وقد ذكر هذا الكليني في (كافيه) حيث قال:
" حدثنا عبدالله بن المفضل مولى عبدالله بن جعفر بن أبي طالب قال: لما خرج الحسين بن علي المقتول بفخ واحتوى على المدينة، دعا موسى بن جعفر إلى البيعة، فأتاه فقال له: ياابن عم لا تكلفني ما كلف إبن عمك أبا عبدالله، فيخرج مني ما لا أريد، كما خرج من أبي عبدالله مالم يكن يريد، فقال له الحسين: إنما عرضت عليك أمراً فإن أردته دخلت فيه، وإن كرهته لم أحملك عليه والله المستعان " (2).
والثاني الذي ادعى الإمامة أيامه، يحيى بن عبدالله بن الحسن المثنى. وقد ذكره الكليني أيضاً حيث قال:
__________
(1) أيضاً ص447.
(2) الأصول من الكافي ج1 ص366.
" كتب إلى موسى بن جعفر يدعوه: خبرني من ورد عليّ من أعوان الله على دينه ونشر طاعته بما كان من تحننك مع خذلانك .. وقد احتجبتها واحتجبها أبوك من قبلك، وقديماً ادعيتم ماليس لكم، وبسطتم أعمالكم إلى ما لم يؤتكم الله، فاستهويتم وأضللتم، وأنا محذرك ماحذرك الله من نفسه. فكتب إليه أبوالحسن موسى بن جعفر عليه السلام: من موسى بن جعفر ... ذكرت أني ثبطت الناس عنك لرغبتي عما في يديك ... وأحذرك معصية الخليفة (1) وأحثك على بره وطاعته، وأن تطلب لنفسك أماناً قبل أن تأخذك الأظفار ويلزمك الخناق من كل مكان، فتروّح إلى النفس من كل مكان ولا تجده، حتى يمن الله عليك بمنه وفضله ورقة الخليفة أبقاه الله، فيؤمّنك ويرحمك، ويحفظ فيك أرحام رسول الله، والسلام على من اتبع الهدى " (2).
فهذه هي الفرق الشيعية أيام موسى وبعده، وهذه هي عقائدهم وأفكارهم المثبتة من كتب الشيعة والسنة أيضاً، والذي قيل:
" حمله الرشيد من المدينة وقد قدم إليها منصرفاً من العمرة. ثم شخص هارون للحج وحمله معه، ثم انصرف على طريق البصرة، فحبسه عند السندي بن شاهك، فتوفي في حبسه بغداد لخمس ليال بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة وهوابن خمس أوأربع وخمسين سنة، ودفن في مقابر قريش " (3).
__________
(1) أنظر إلى الصدق كيف يتطلع وحتى من الكذابين، إمام معصوم للشيعة يمنع الناس عن معصية الخليفة العباسي والخروج عليه، فهل هناك شك بأنه لم يكن أولاد علي يدعون في أنفسهم ما ينسب إليهم هؤلاء القوم.
(2) الأصول من الكافي ج1 ص367.
(3) فرق الشيعة ص105 - 106.

الشيعة أيام علي بن موسى الملقب بالرضا
وحصل الإختلاف في الشيعة الذين اجتمعوا حول علي بن موسى الرضا ختن المأمون على ابنته بعد وفاته.
ففرقة قالت بأن الإمام بعده أخوه أحمد بن موسى بن جعفر:
" أوصى إليه وإلى الرضا عليه السلام وأجازوها في أخوين. فهي المؤلفة، فقطعوا على إمامة علي بن موسى.
وفرقة منهم تسمى المحدثة، كانوا من أهل الإرجاء وأصحاب الحديث، فدخلوا في القوم بإمامة موسى بن جعفر، وبعده بإمامة علي بن موسى، وصاروا شيعة رغبة في الدنيا وتصنعاً، فلما توفي علي بن موسى عليه السلام رجعوا إلى ما كانوا عليه.
وفرقة كانت من الزيدية الأقوياء منهم والبصراء، فدخلوا في إمامة علي بن موسى عليه السلام عندما أظهر المأمون فضله وعقد بيعته تصنعاً للدنيا واستكانوا الناس بذلك دهراً، فلما توفي علي بن موسى عليه السلام رجعوا إلى قومهم من الزيدية " (1)
وفرقة أخرى قالت:
إن الإمامة بعد علي بن موسى عليه السلام لإبنه محمد بن علي عليه السلام، ولم يكن لغيره (2).
وكانت هناك فرق أخرى غير هذه الفرق إتبعت فريقاً من الطالبيين الذين ادعوا الإمامة في أيام الرضا ودعوا الناس إليهم، فمنهم محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهوالمعروف بإبن طباطبا.
ومحمد بن يحيى بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي.
ومحمد بن جعفر عم علي الرضا.
وإبراهيم بن موسى بن جعفر أخوعلي الرضا.
وحسين بن الحسن بن علي بن علي زيد العابدين وغيرهم.
وقد ذكرهم جميعاً ودعوتهم الناس إليهم وخروجهم على المأمون وتسلطهم على بعض المدن والمناطق ومعاركهم مع عساكر العباسيين من الشيعة، الأصفهاني في مقاتل الطالبيين (3)، والمسعودي في كتابه مروج الذهب. ولقد نقل عنه خروج هؤلاء العلويين وادعاءهم الإمامة بإيجاز واختصار، فيقول:
__________
(1) أيضاً ص107
(2) أيضاً ص 106
(3) ص513 وما بعد.
وفي سنة تسعة وتسعين ومائة خرج أبوالسرايا السرى بن منصور الشيباني بالعراق، واشتد أمره، ومعه محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي إبن أبي طالب، وهوإبن طباطبا ووثب بالمدينة محمد بن سليمان بن داود إبن الحسن بن الحسن بن علي رحمهم الله، ووثب بالبصرة علي بن محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي عليهم السلام، وزيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، فغلبوا على البصرة.
وفي هذه السنة مات إبن طباطبا الذين كان يدعوا إليه أبوالسرايا، وأقام أبوالسرايا مكانه محمد بن محمد بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي.
وظهر في هذه السنة باليمن - وهي سنة تسع وتسعين ومائة - إبراهيم إبن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي، وظهر في أيام المأمون بمكة ونواحي الحجاز محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين رحمهم الله، وذلك في سنة مائتين، ودعا لنفسه، وإليه دعت السبطية من فرق الشيعة، وقالت بإمامته. وقد افترقوا فرقاً: فمنهم من غلا ومنهم من قصر وسلك طريق الإمامية.
وقد ذكرنا في كتاب " المقالات في أصول الديانات " وفي كتاب " أخبار الزمان " من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الدائرة، في الفن الثلاثين من أخبار خلفاء بني العباس ومن ظهر في أيامهم من الطالبيين، وقيل: إن محمد بن جعفر هذا دعا في بدء أمره وعنفوان شبابه إلى محمد بن إبراهيم بن طباطبا صاحب أبي السرايا، فلما مات إبن طباطبا، وهومحمد بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن دعا لنفسه، وتسمى بأمير المؤمنين، وليس في آل محمد ممن ظهر لإقامة الحق ممن سلف وخلف قبله وبعده من تسمى بأمير المؤمنين غير محمد بن جعفر هذا، وكان يُسمى بالديباجة، لحسنه وبهائه ... وظهر في أيام المأمون أيضاً بالمدينة، الحسين بن الحسن إبن علي بن علي بن الحسين بن علي، وهوالمعروف بإبن الأفطس. وقيل: أنه دعا في بدء أمره إلى إبن طباطبا، فلما مات إبن طباطبا، دعا إلى نفسه والقول بإمامته، وسار إلى مكة، فأتى الناس وهم بمنى، وعلى الحجاج داود بن عيسى بن موسى الهاشمي، فهرب داود، ومضى الناس إلى عرفة، ودفعوا إلى مزدلفة بغير إنسان عليهم من ولد العباس. وقد كان إبن الأفطس وافى الموقف بالليل. ثم صار إلى المزدلفة والناس بغير إمام فصلى بالناس، ثم مضى إلى منى، فنحر ودخل مكة، وجرد البيت مما عليه من الكسوة إلا القباطي البيض فقط (1).
والجدير بالذكر أن علي بن موسى هوالذي جعل المأمون العباسي فيه ولاية العهد بعده.
__________
(1) مروج الذهب للمسعودي ج3 ص440،439.
" وأمر المأمون الحسن بن سهل والفضل بن سهل وزيريه أن يعرضا ذلك عليه، فامتنع منه، فلم يزالا به حتى أجاب، ورجعا إلى المأمون فعرفاه إجابته. فسر بذلك وجلس للخاصة في يوم خميس، وخرج الفضل بن سهل فأعلم برأي المأمون في علي بن موسى عليه السلام، وأنه قد ولاه عهده، وسماه الرضا. وأمرهم بلبس الخضرة، والعود لبيعته في الخميس الآخر، على أن يأخذوا رزق سنة. فلما كان اليوم، ركب الناس على طبقاتهم من القواد والحجاب والقضاة وغيرهم في الخضرة. وجلس المأمون ووضع للرضا عليه السلام وسادتين عظيمتين، حتى لحق بمجلسه وفرشه وأجلس الرضا (ع) عليهما في الخضرة وعليه عمامة وسيف، ثم أمر إبنه العباس بن المأمون أن يبايع له أول الناس ... فبايعه الناس ووضعت البذر، وقام الخطباء والشعراء، فجعلوا يذكرون فضل الرضا عليه السلام، وما كان عليه من أمره .. ثم قال المأمون للرضا عليه السلام: إخطب الناس وتكلم فيهم، فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن لنا عليكم حقاً برسول الله، ولكم علينا حقا به، فإذا أنتم أديتم إلينا ذلك، وجب علينا الحق لكم. ولم يُذكر عنه غير هذا في ذلك المجلس.
وأمر المأمون، فضربت له الدراهم، وطبع عليها إسم الرضا عليه السلام، وزوج إسحاق بن موسى بن جعفر بنت عمه إسحاق بن جعفر بن محمد، وأمره فحج بالناس، وخطب للرضا عليه السلام في كل بلد بولاية العهد " (1).
ولكنه مات قبل أن ينال الخلافة في حياة المأمون.
__________
(1) الإرشاد للمفيد ص 311،310، أعلام الورى للطبرسي ص334.
" ولما توفي الرضا عليه السلام، كتم المأمون موته يوماً وليلة، ثم أنفذ إلى محمد بن جعفر الصادق عليه السلام وجماعة من آل أبي طالب الذين كانوا عنده، فلما حضروه، نعاه إليهم وبكى، وأظهر حزناً شديداً وتوجعاً، وأراهم إياه صحيح الجسد، قال: يعزعليّ يا أخي أن أراك في هذه الحال، قد كنت أؤمل أن أقدم قبلك، فأبى الله إلا ما أراد. ثم أمر بغسله وتكفينه وتحنيطه، وخرج مع جنازته يحملها حتى انتهى إلى الموضع الذي هومدفون الآن فدفنه. والموضع دار حميد بن قحطبة، في قرية يُقال لها سناباد، على قربة من نوقان بأرض طوس، وفيها قبر هارون الرشيد وقبر أبي الحسن عليه السلام بين يديه في قبلته.
ومضى الرضا علي بن موسى عليهما السلام، ولم يترك ولداً نعلمه إلا الإمام من بعده أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام، وكانت سنه يوم وفاة أبيه سبع سنين وأشهرا " (1).
وكان ذلك في صفر سنة ثلاث ومائتين، وله يومئذ خمسة وخمسون سنة، وأمه أم ولد يُقال لها أم البنين.
__________
(1) الإرشاد للمفيد ص304، أعلام الورى للطبرسي ص313، عيون أخبار الرضا ج2 ص247، كشف الغمة ج3 ص72، جلاء العيون ج2ص739، منتهى الآمال ص1049.

الشيعة أيام محمد بن علي الملقب بالجواد أوالتقي
ولقد حصل الإختلاف الشديد بين الشيعة في إمامة محمد بن علي لأنه لم يكن بلغ الحلم عند وفاة أبيه، ولذلك اختلف الشيعة في إمامته وتفرقوا عنه كما مر، وقالوا:
" لا يجوز الإمام إلا بالغاً، ولوجاز أن يأمر الله عز وجل بطاعة غير بالغ، لجاز أن يكلف الله غير بالغ، فكما لا يعقل أن يحتمل التكليف غير بالغ، فكذلك لا يفهم القضاء بين الناس ودقيقه وجليله وغامض الأحكام وشرائع الدين وجميع ما أتى به النبي صلى الله عليه وآله وما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة من أمر دينها ودنياها طفل غير بالغ، ولوجاز أن يفهم ذلك من قد نزل عن حد البلوغ درجة، لجاز أن يفهم ذلك من قد نزل عن حد البلوغ درجتين وثلاثاً وأربعاً راجعاً إلى الطفولية. حتى يجوز أن يفهم ذلك من طفل في المهد والخرق، وذلك غير معقول ولا مفهوم ولا متعارف.
ثم إن الذين قالوا بإمامه أبي جعفر محمد بن علي بن موسى عليهم السلام اختفلوا في كمية علمه لحداثة سنه ضروباً من الإختلاف. فقال بعضهم لبعض: الإمام لا يكون إلا عالماً، وأبوجعفر غير بالغ وأبوه قد توفي، فكيف علم؟ ومن أين علم؟ فأجابوه:
فقال بعضهم: لا يجوز أن يكون علمه من قبل أبيه، لأن أباه حمل إلى خراسان وأبوجعفر إبن أربع سنين وأشهر، ومن كان في هذه السن فليس في حد من يستفرغ تعليم معرفة دقيق الدين وجليله، ولكن الله عز وجل علمه ذلك عند البلوغ بضروب مما يدل على جهات علم الإمام، مثل الإلهام والنكت في القلب والنقر في الأذن والرؤيا الصادقة في النوم والملك المحدث له ووجوه رفع المنار والعمود والمصباح وعرض الأعمال، لأن ذلك كله قد صحت الأخبار الصحيحة القوية الأسانيد فيه التي لا يجوز دفعها ولا رد مثلها.
وقال بعضهم: قبل البلوغ هوإمام، على معنى أن الأمر له دون غيره إلى وقت البلوغ، فإذا بلغ علم، لا من جهة الإلهام والنكت ولا الملك ولا لشيئ من الوجوه التي ذكرتها الفرقة، لأن الوحي منقطع بعد النبي صلى الله عليه وآله بإجماع الأمة، ولأن الإلهام إنما هوأن يلحقك عند الخاطر والفكر معرفة بشيئ قد كانت تقدمت معرفتك به من الأمور النافعة فذكرته، وذلك لا يعلم به الأحكام وشرائع الدين على كثرة إختلافها وعللها قبل أن يوقف بالسمع منها على شيئ، لأن أصح الناس فكراً وأوضحه خاطراً وعقلاً وأحضره توفيقاً، لوفكر وهولا يسمع بأن الظهر أربع والمغرب ثلاث، والغداة ركعتان، مااستخرج ذلك بفكره، ولا عرفه بنظره، ولا استدل عليه بكمال عقله، ولا أدرك ذلك بحضور توفيقه، ولا لحقه علم ذلك من جهة التوفيق أبداً. ولا يعقل أن يعلم إلا بالتوقيف والتعليم، فقد بطل أن يعلم شيئاً من ذلك بالإلهام والتوفيق.
لكن نقول: أنه علم ذلك عند البلوغ من كتب أبيه، وما ورثه من العلم فيها، وما رسم له من الأصول والفروع.
وبعض هذه الفرقة تجيز القياس في الأحكام للإمام، خاصة على الأصول التي في يديه، لأنه معصوم من الخطأ والزلل، فلا يخطئ في القياس، وإنما صاروا إلى هذه المقالة لضيق الأمر عليهم في علم الإمام وكيفية تعليمه، إذ هوليس ببالغ عندهم.
وقال بعضهم: الإمام يكون غير بالغ ولوقلت سنه، لأنه حجة الله، فقد يجوز أن يعلم وإن كان صبياً، ويجوز عليه الأسباب التي ذكرت من الألهام والنكت والرؤيا والملك المحدث ورفع المنار والعمود وعرض الأعمال، كل ذلك جائز عليه وفيه، كما جاز ذلك عن سلفه من حجج الله الماضين. واعتلوا في ذلك بيحيى بن زكريا، وأن الله آتاه الحكم صبيا، وبأسباب عيسى بن مريم، وبحكم الصبي بين يوسف بن يعقوب وامرأة الملك، وبعلم سليمان بن داود حكماً من غير تعليم، وغير ذلك، فإنه قد كان في حجج الله ممن كان غير بالغ عند الناس " (1).
وولد محمد بن علي هذا سنة خمس وتسعين ومائة بالمدينة، وقبض ببغداد سنة عشرين ومائتين، وله يومئذ خمس وعشرون سنة، وأمه أم ولد، يُقال لها سميكة، وكانت نوبية (2).
وكان متزوجاً من إبنة المأمون أم الفضل.
" فكانت إحدى الأختين تحت محمد بن علي بن موسى والأخرى تحت أبيه علي بن موسى " (3)
وفي أيامه إدعى الإمامة واحد من الحسينيين، وهومحمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (4).
" وانقاد إليه وإلى إمامته خلق كثير من الناس، ثم حمله عبدالله بن طاهر إلى المعتصم، فحبسه في أزج اتخذه في بستان بسر من رأى.
وقد ُتنوزع في محمد بن القاسم، فمن قائل يقول: أنه قتل بالسم، ومنهم من يقول: أن أناساً من شيعته من الطالقان أتوا ذلك البستان، فتأتوا للخدمة فيه من غرس وزراعة، واتخذوا سلالم من الحبال واللبود والطالقانية، ونقبوا الأزج، وأخرجوه فذهبوا به، فلم يُعرف له خبر إلى هذه الغاية.
__________
(1) فرق الشيعة للنوبختي ص 110، 111، 112.
(2) الإرشاد للمفيد ص 316، أعلام الورى ص 344، 345، مروج الذهب ج3 ص 464.
(3) مروج الذهب ج 3ص 441.
(4) مقاتل الطالبيين ص 577، أيضاً الطبري وابن الأثير وغيرهما.
وقد انقاد إلى إمامته خلق كثير من الزيدية إلى هذا الوقت - وهوسنة إثنتين وثلاثين وثلثمائة - ومنهم خلق كثير يزعمون أن محمداً لم يمت، وأنه حي يُرزق، وأنه يخرج فيملؤها عدلاً كما مُلئت جورا، وأنه مهدي هذه الأمة. وأكثر هؤلاء بناحية الكوفة وجبال طبرستان والديلم وكثير من كور خراسان " (1).
__________
(1) مروج الذهب ج 3 ص 465.

الشيعة في أيام علي بن محمد المكنى بأبي الحسن والملقب بالهادي أوالنقي
ولما مات محمد بن علي، خلف إبنيه علياً وموسى، وكان الأكبر منهما لا يتجاوز الثامنة من عمره حسب قول الشيعة. وكانا من الصغر بمكان حتى " أوصى أبوهما على تركته من الضياع والأموال والنفقات والرقيق إلى عبدالله بن المساور إلى أن يبلغا (2) الحلم " (3)
فاختلف الشيعة في أمرهما، فقوم قالوا بإمامة علي بن محمد، وقوم ذهبوا إلى إمامة أخيه موسى بن محمد (4)
النصيرية
وفي حياة علي بن محمد الهادي المكنى بأبي الحسن، ظهرت من الشيعة فرق أخرى، قالت:
بنبوة رجل ُيقال له محمد بن نصير النميري، وكان يدعي أنه نبي بعثه أبوالحسن العسكري عليه السلام، وكان يقول بالتناسخ والغلوفي أبي الحسن ويقول فيه بالربوبية، ويقول بالإباحة للمحارم، ويحلل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم، ويزعم أن ذلك من التواضع والتذلل، وأنه إحدى الشهوات والطيبات، وأن الله عز وجل لم يحرم شيئاً من ذلك. وكان يقوي أسباب هذا النميري محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات. فلما توفي قيل له في علته وقد اعتقل لسانه: لمن هذا الأمر من بعدك؟
فقال: لأحمد.
فلم يدروا من هو.
فافترقوا ثلاث فرق.
(2) ولا ندري كيف يعتمد على صبي في أمور الدين من لم يعتمد عليه أبوه - وهوإمام معصوم عند الشيعة - في أمر دنياه.
(3) الكافي ج 1 ص 325.
(4) أنظر فرق الشيعة ص 113.
فرقة قالت: أنه (أحمد) إبنه، وفرقة قالت: هوأحمد بن موسى بن الحسن بن الفرات، وفرقة قالت: أحمد بن أبي الحسين محمد بن محمد بن بشير بن زيد.
فتفرقوا، فلا يرجعون إلى شيئ.
وادعى هؤلاء النبوة عن أبي محمد فسمت النميرية أوالنصيرية (1).
ولقد ذكر الشهرستاني النصيرية في ملله، وذكر مذهبهم أنهم يقولون:
" إن الله قد ظهر بصورة أشخاص، ولما لم يكن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من علي عليه السلام وبعده أولاده المخصوصون هم خير البريّة، فظهر الحق بصورتهم، ونطق بلسانهم، وأخذ بأيديهم، فعن هذا أطلقنا اسم الألهية عليهم، وإنما أثبتنا هذا الإختصاص لعلي دون غيره، لأنه كان مخصوصاً بتأييد من عند الله تعالى مما يتعلق بباطن الأسرار. قال النبي صلى الله عليه وسلم، أنا أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر. وعن هذا كان قتال المشركين إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقتال المنافقين إلى علي. وعن هذا شبهه بعيسى ابن مريم، وقال: ولولا أن يقول الناس فيك ما قالوا في عيسى بن مريم وإلا لقلت فيك مقالاً. وربما أثبتوا له شركة في الرسالة. إذ قال: فيكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله ألا وهوخاصف النعل، فعلم التأويل وقتال المنافقين ومكالمة الجن، وقلع باب خيبر لا بقوة جسدانية من أدل الدليل على أن فيه جزء آلهياً وقوة ربانية. أوأن يكون هوالذي ظهر الإله بصورته، وخلق بيده، وأمر بلسانه. وعن هذا قالوا كان هوموجود قبل خلق السموات والأرض. قال كنا أظلة على يمين العرش، فسبحنا فسبحت الملائكة بتسبيحنا، فتلك الظلال وتلك الصور العرية عن الأظلال هي حقيقة وهي مشرقة بنور الرب تعالى إشراقاً لا ينفصل عنها، سواء كانت في هذا العالم أوفي ذلك العالم. وعن هذا قال أنا أحمد، الضوء من الضوء. يعني لا فرق بين النورين، إلا أن أحدهما أسبق والثاني لا حق
__________
(1) فرق الشيعة للنوبختي ص 115، 116.
به. قال له وهذا يدل على نوع شركة.
فالنصيرية أميل إلى تقرير الجزء الآلهي.
والإسحاقية أميل إلى تقرير الشركة في النبوة (1).
وذكر الرازي أن هذه الطائفة موجودة في حلب ونواحي الشام إلى يومنا هذا (2).
ونحن نقول: إنها موجودة حتى اليوم في سوريا وتركيا، ويُعرفون بالعلويين.
وأما النصيرية فيقولون: إن محمد بن النصير النميري لم يدّع ِ النبوة، بل إنه كان باباً للإمام الحادي عشر الحسن العسكري (3).
ويقولون: أنه كان ينافسه رجل اسمه أبويعقوب اسحاق بن محمد النخعي، فادعى هوالثاني هوالباب للحسن العسكري.
فالحاصل أن هؤلاء الذين يقولون ويصرحون بألوهية علي، وكان رسول الله هورسوله هو. كما يقولون:
إن عليّاً أرسل جابر بن يزيد الجعفي في قضاء غرض له، فلما أن وصل إلى الوضع المقصود، رأى علي بن أبي طالب جالساً على كرسي من نور، والسيد محمد (يعني سيدنا محمدا) عن يمينه، والسيد سلمان (يعني الصحابي الجليل سلمان الفارسي) عن شماله، ثم التفت جابر إلى ورائه فرآه هكذا. ثم التفت عن يمينه فرآه هكذا. ثم نظر إلى السماء فرآه في السماء والملائكة حوله يسبحون بحمده ويسجدون له " (4).
وقد دوّنوا لهم قرآناً مستقلاً، ومنها هذه الآيات:
__________
(1) الملل والنحل للشهرستاني ج 2 ص 25 - 26.
(2) إعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص61.
(3) تاريخ العلويين للطويل ص202.
(4) الباكورة السليمانية ص87.
"ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين .. أشهد عليّ أيها الحجاب العظيم، أشهد عليّ أيها الباب الكريم، أشهد عليّ يا سيدي المقداد اليمين، أشهد يا عليّ أبوالدر الشمال ... بأن ليس إلهاً إلا عليّ بن أبي طالب الأصلع المعبود، ولا حجاب إلا السيد محمد المحمود، ولا باب إلا السيد سلمان الفارسي المقصود، وأكبر الملائكة الخمسة الأيتام، ولا رأي إلا رأي شيخنا وسيدنا الحسين بن حمدان الخصبي الذي شرع الأديان في سائر البلدان. أشهد بأن الصورة المرئية التي ظهرت في البشرية هي الغاية الكلية، وهي الظاهرة بالنورانية، وليس إله سواها، وهي علي بن أبي طالب. وأنه لم يُحاط ولم يُحصر ولم يُدرك ولم يُبصر.
أشهد بأني نصيري الدين، جندبي الرأي، جنبلاني الطريقة، خصيبي المذهب، جليّ المقال، ميموني الفقه، وافر الرجعة البيضاء والكرة الزهراء وفي كشف الغطاء وجلاء العماء وإظهار ما كتم وإجلاء ما خفي، وظهور علي بن أبي طالب من عين الشمس قابض على كل نفس، الأسد من تحته، وذوالفقار بيده، والملائكة خلفه، والسيد سلمان بين يديه، والماء ينبع من بين قدميه، والسيد محمد ينادي ويقول: هذا مولاكم علي بن أبي طالب فاعرفوه وسبحوه وعظموه وكبروه. هذا خالقكم ورازقكم فلا تنكروه. إشهدوا علي يا أسيادي، أن هذا ديني واعتقادي، وعليه اعتمادي، وبه أحيا وعليه أموت، وعلي بن أبي طالب حي لا يموت، بيده القدرة والجبروت. إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا علينا من ذكرهم السلام " (1).
وغير ذلك من الخرافات.
__________
(1) الباكورة السليمانة ص26.
" وتوفي علي بن محمد هذا بسرّ من رأى في رجب سنة أربع وخمسين ومائتين. وولد سنة إثنتي عشرة ومائتين. وكان المتوكل قد أشخصه مع يحيى بن أكثم إلى سرّ من رأى، فأقام بها وأمه " (1).
هذا ولقد ادعى في أيامه كثير من العلويين الإمامة، وبايعهم خلق من الشيعة ومن أهل بيت علي رضي الله عنه. منهم يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي زين العابدين (2).
فاستولى على الكوفة وما حولها، ولما قتل أيام المستعين العباسي، رثاه كثير من الشعراء حتى قال الأصفهاني:
" وما بلغني أن أحداً ممن قتل في الدولة العباسية من آل أبي طالب رثي بأكثر مما رثي به يحيى، ولا قيل فيه الشعر بأكثر مما قيل فيه " (3).
ووافق على ذلك إبن الأثير في تاريخه الكامل (4).
وكذلك ادعى الإمامة حسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن المثنى.
ظهر في بلاد طهرستان، وغلب عليهما وعلى جرجان بعد حروب كثيرة وقتال شديد (5).
وكذلك حسين بن محمد بن حمزة بن عبيد الله بن الحسين بن علي سنة إحدى وخمسين ومائتين (6).
__________
(1) الإرشاد ص 327، أعلام الورى للطبرسي ص 355، كشف الغمة ج 3 ص 166، جلاء العيون ج2 ص 754.
(2) مقاتل الطالبيين للأصفهاني ص 639، مروج الذهب ج 4 ص 63.
(3) مقاتل الطالبيين ص 465، وبمثل ذلك في مروج الذهب ج 4 ص 64.
(4) ج 5 ص315.
(5) مروج الذهب ج 4 ص 68.
(6) ايضاً ص 69، ومقاتل الطالبيين للأصفهاني ص 665.

الشيعة في أيام الحسن بن علي العسكري
ولما توفي أبوالحسن بن علي الهادي، افترقت الشيعة إلى فرق عديدة.
" ففرقة قالت بإمامة إبنه محمد، وقد كان توفي في حياة أبيه بسرّ من رأى، وزعموا أنه حي لم يمت، واعتلوا في ذلك بأن أباه أشار إليه وأعلمهم أنه الإمام من بعده، والإمام لا يجوز عليه الكذب، ولا يجوز البداء فيه، فهووإن كانت ظهرت وفاته لم يمت في الحقيقة، ولكن أباه خاف عليه فغيّبه، وهوالقائم المهدي. وقالوا فيه بمثل مقالة أصحاب إسماعيل بن جعفر " (1)
والجدير بالذكر أن محمداً هذا وهوالمكنى بأبي جعفر كان وصي أبيه والخليفة بعده حسب تصريحات الشيعة، ولكنه مات قبل أن تصل إليه الإمامة وخلافة أبيه، فشك القوم في أمره وإمامة أبيه، فقال أبوه علي الهادي المكنى بأبي الحسن:
" بدا لله في أبي محمد بعد أبي جعفر عليه السلام مالم يكن يعرف له، كما بدا في موسى بعد مضي اسماعيل ماكشف عن حاله، وهوكما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون، وأبومحمد إبني الخلف من بعدي، عنده علم ما يحتاج إليه ومعه آلة الإمامة " (2)
وفرقة قالت بإمامة جعفر بن علي - وهوالملقب بجعفر الكذاب عند الشيعة - وقالوا:
" أوصى إليه أبوه بعد مضي محمد، وأوجب إمامته وأظهر أمره، وأنكروا إمامة محمد أخيه، وقالوا: إنما فعل ذلك أبوه اتفاقا عليه ودفاعا عنه، وكان الإمام في الحقيقة جعفر بن علي " (3).
وفرقة قالت بإمامة الحسن العسكري إبن علي، وكان يكنى بأبي محمد (4).
وقال المفيد:
" وكان الإمام بعد أبي جعفر عليه السلام إبنه أبوالحسن علي بن محمد (ع) لاجتماع خصال الإمامة فيه وتكامل فضله، وإنه لا وارث لمقام أبيه سواه، وثبوت النص عليه بالإمامة والإشارة إليه من أبيه بالخلافة " (5).
__________
(1) فرق الشيعة ص116، 117
(2) الأصول من الكافي، كتاب الحجة، باب الإشارة والنص على أبي محمد ج1 ص 327.
(3) النوبختي ص117، 118
(4) أيضاً ص117.
(5) الإرشاد ص 327.
وتوفي يوم الجمعة سنة ستين ومائتين، وكان مولده بالمدينة في شهر ربيع الأول من سنة اثنتي وثلاثين ومائتين، ودفن في داره بسرّ من رأى، في البيت الذي دفن فيه أبوه، وأمه أم ولد يقال لها حديثة (1).
وعمره يومئذ ثماني وعشرون سنة.
وقال النوبختي:
يقال: لإمه أصفان، وقيل: سليل، وقيل غير ذلك.
وصلى عليه أبوعيسى بن المتوكل. وكانت في سني أمامته بقية ملك المعتز أشهرا، ثم ملك المهتدي أحد عشر شهراً وثمانية وعشرين يوماً، ثم ملك أحمد المعتمد على الله بن جعفر المتوكل عشرين سنة وأحد عشر شهراً " (2).
وفي أيامه ادعى كثير من العلويين الإمامة، منهم علي بن زيد بن الحسين العلوي (3).
وكذلك الكثيرون الذين ذكرهم الأصفهاني في مقاتل الطالبيين والمسعودي في مروج الذهب، وأما من السنة فذكرهم جميع المؤرخين.
__________
(1) أيضاً ص 335.
(2) أعلام الورى ص 367.
(3) مقاتل الطالبيين ص 675، مروج الذهب ج3 ص94.

الشيعة بعد وفاة الحسن العسكري
مات الحسن العسكري بدون خلف ولا عقب كما نص على ذلك النوبختي: " توفى ولم يُر له أثر، ولم يُعرف له ولد ظاهر، فاقتسم ميراثه أخوه جعفر وأمه " (4).
فأوجد موته خلافاً شديداً في شيعته، لأن التشيّع بعد تطوره يوجب على مدعي الإمامة أن يكون بعده عقب، وكذلك أن يكون عليه نص من الذي قبله، وهوالذي يقوم بتجهيزه وتكفينه، فكيف وهنا لا يُرى له أثر، فالتجؤوا لتأويل ذلك إلى سخافات عديدة. كل قوم حسب أهوائهم ومزاعمهم يهوون.
فقال النوبختي:
" فافترق أصحابه بعده أربع عشرة فرقة.
ففرقة قالت:
أن الحسن بن علي حي لم يمت، وإنما هوغائب وهوالقائم، ولا يجوز أن يموت ولا ولد له ظاهر، لأن الأرض لا تخلومن إمام ..
وقالت الفرقة الثانية:
(4) الشيعة للنوبختي ص 118، 119.
أن الحسن بن علي مات وعاش بعد موته، وهوالقائم المهدي، لأننا روينا أن معنى القائم، هوأن يقوم بعد الموت، ويقوم ولا ولد له، لأن الإمامة كانت تثبت لولده، ولا أوصى إلى أحد، فلا شك أنه القائم ..
وقالت الفرقة الثالثة:
أن الحسن بن علي توفي، والإمام بعده أخوه جعفر وإليه أوصى الحسن .. فلما قيل له أن الحسن وجعفر ما زالا متهاجرين متصارمين متعادين طول زمانهما، وقد وقفتم على صنائع جعفر وسوء معاشرته له في حياته، ولهم من بعد وفاته في اقتسام مواريثه. قالوا: إنما ذلك بينهما في الظاهر، وأما في الباطن فكانا متراضيين متصافيين لا خلاف بينهما .. .
وممن قوى إمامة جعفر وأمال الناس إليه، علي بن الطاهر الخراز، وكان متكلماً محجاجاً، وأعانته على ذلك أخت الفارس بن حاتم بن ماهويه القزويني.
وقالت الفرقة الرابعة:
أن الإمام بعد الحسن جعفر، وأن الإمامة صارت إليه من قبل أبيه، لا من قبل الحسن، وأن الحسن كان مدعياً باطلاً، لأن الإمام لا يموت حتى يوصي ويكون له خلف. والحسن قد توفي ولا وصية له ولا ولد، والإمام لا يكون من لا خلف له ظاهر معروف مشار إليه، كما لا يجوز أن تكون الأمامة في الأخوين بعد الحسن والحسين كما نص عليه جعفر.
وأما الفرقة الخامسة: فإنها رجعت إلى القول بإمامة محمد بن علي أخي الحسن المتوفى في حياة أبيه، وأما الحسن وجعفر فإنهما ادعيا ما لم يكن لهما، لأن جعفر فيه خصال مذمومة وهوبها مشهور. ظاهر الفسق وغير صائن نفسه، معلن بالمعاصي. ومثل هذا لا يصلح للشهادة على درهم، فكيف يصلح لمقام النبي صلى الله عليه وآله؟
وأما الحسن فلقد توفى ولا عقب له.
وقالت الفرقة السادسة:
أن للحسن بن علي إبناً سماه محمداً، وولد قبل وفاته بسنين، وزعموا أنه مستور، لا يُرى خائف من جعفر.
وقالت الفرقة السابعة:
بل ولد بعد وفاته بثمانية أشهر، وأن الذين ادعوا له ولداً في حياته كاذبون مبطلون في دعواهم، لأن ذلك لوكان لم يخف غيره، ولكنه مضى ولم يُعرف له ولد. ولا يجوز أن يخفي ذلك وقد كان الحبل فيما مضى قائماً ظاهراً ثابتاً عند السلطان وعند سائر الناس، وامتنع من قسمة ميراثه من أجل ذلك حتى بطل ذلك عند السلطان وخفى أمره، فقد ولد له إبن بعد وفاة أبيه بثمانية أشهر، وقد كان أمر أن يُسمى محمداً، وأوصى بذلك، وهومستور لا يُرى.
وقالت الفرقة الثامنة:
أنه لا ولد لحسن أصلاً، لانا قد أمتحنا ذلك وطلبناه بكل وجه، فلم نجده، ولوجاز لنا أن نقول في مثل الحسن وقد توفي ولا ولد له أن له ولد، لجاز مثل هذه الدعوى في كل ميت من غير خلف، ولجاز مثل ذلك في النبي صلى الله عليه وآله أن يُقال خلف إبناً نبياً رسولا. وكذلك في عبدالله بن جعفر بن محمد أنه خلف إبنا، وأن أبا الحسن الرضا عليه السلام خلف ثلاثة بنين غير أبي جعفر أحدهم الإمام، لأن مجيئ الخبر بوفاة الحسن بلا عقب كمجيئ الخبر بأن النبي صلى الله عليه وآله لم يخلف ذكراً من صلبه، ولا خلف عبدالله بن جعفر إبناً، ولا كان للرضا أربعة بنين. فالولد قد بطل لا محالة، ولكن هناك حبل قائم قد صح في سرية له وستلد ذكراً إماماً متى ما ولدت، فإنه لا يجوز أن يمضي الإمام ولا خلف له، فتبطل الإمامة وتخلوالأرض من الحجة.
واحتج أصحاب الولد على هؤلاء فقالوا: أنكرتم علينا أمراً قلتم بمثله، ثم لم تقنعوا بذلك حتى أضفتم إليه ما تنكره العقول، قلتم أن هناك حبلاً قائماً، فإن كنتم اجتهدتم في طلب الولد فلم تجدوه فأنكرتموه لذلك، فقد طلبنا معرفة الحبل وتصحيحه أشد من طلبكم، واجتهدنا فيه أشد من اجتهادكم، فاستقصينا في ذلك غاية الإستقصاء فلم نجده، فنحن في الولد أصدق منكم. لأنه قد يجوز في العقل والعادة والتعارف، أن يكون للرجل ولد مستور لا يعرف في الظاهر ويظهر بعد ذلك ويصح نسبه، والأمر الذي ادعيتموه منكر وشنيع، ينكره عقل كل عاقل، ويدفعه التعارف والعادة، مع مافيه من كثرة الروايات الصحيحة عن الأئمة الصادقين أن الحبل لا يكون أكثر من تسعة أشهر، وقد مضى للحبل الذي ادعيتموه سنون، وإنكم على قولكم بلا صحة ولا بيّنة.
وقالت الفرقة التاسعة:
أن حسن بن علي قد صحت وفاة أبيه وجده وسائر آبائه عليه السلام. فكما صحت وفاتهم بالخبر الذي لا يكذب مثله، كذلك صح أنه لا إمام بعد الحسن .... والأرض اليوم بلا حجة إلا أن يشاء الله، فيبعث القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله، فيحيي الأرض بعد موتها، كما بعث محمد صلى الله عليه وآله حين فترة من الرسل.
وقالت الفرقة العاشرة:
أن أبا جعفر محمد بن علي كان الميت في حياة أبيه، وهوالذي كان الإمام بوصية من أبيه، ثم أوصى هوإلى غلام له صغير كان في خدمته يُقال له نفيس، ثم بعد موته نقل هذا الغلام الوصية إلى جعفر.
وقالت الفرقة الحادية عشرة:
قد اشتبه علينا الأمر، ولا ندري من هوالإمام، وأن الأرض لا تخلومن حجة فنتوقف ولا نقدم على شيئ حتى يصح لنا الأمر ويتبين.
وقالت الفرقة الثانية عشرة:
ليس القول كما قال هؤلاء، بل لا يجوز أن تخلوالأرض من حجة، ولوخلت لساخت الأرض ومن عليها., وأما هوخائف مستور بستر الله لا يجوز ذكر اسمه ولا السؤال عن مكانه، وليس علينا البحث عن أمره، بل البحث عن ذلك وطلبه حرام.
وقالت الفرقة الثالثة عشرة:
أن الحسن بن علي توفى، وأنه كان الإمام بعد أبيه، وأن جعفر بن علي الإمام بعده، كما كان موسى بن جعفر إماماً بعد عبدالله بن جعفر، للخبر الذي روى أن الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا مضى. وأن الخبر الذي روى عن الصادق عليه السلام، أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام صحيح لا يجوز غيره، وإنما ذلك إذا كان للماضي خلف من صلبه، فإنه لا تخرج منه إلى أخيه، بل تثبت في خلفه. وإذا توفى ولا خلف له، رجعت إلى أخيه ضرورة، لأن هذا معنى الحديث عندهم. وكذلك قالوا في الحديث الذي روى أن الإمام لا يغسله إلا إمام، وأن هذا عندهم صحيح لا يجوز غيره. وأقروا أن جعفر بن محمد عليهما السلام غسله موسى، وادعوا أن عبدالله أمره بذلك، لأنه كان الإمام بعده، وإن جاز أن لا يُغسله لأنه إمام صامت في حضرة عبدالله.
فهؤلاء الفطحية الخلص الذين يجيزون الإمامة في أخوين، إذا لم يكن الأكبر منهما خلف ولدا. والإمام عندهم جعفر بن علي، على هذا التأويل ضرورة.
وأما الفرقة الرابعة عشرة فقالت:
إن الإمام بعده إبنه محمد، وهوالمنتظر، غير أنه مات، وسيجئ ويقوم بالسيف، وسيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجورا (1).
فهذه هي الفرق المشهورة للشيعة، ذكرناها من كتب القوم أنفسهم، مع سرد الروايات والعبارات من كتب السنة أيضاً تأييداً وتوثيقاً، لا أصلاً واستدلالاً.
__________
(1) ملخصاً فرق الشيعة للنوبختي ص 119 وما بعد.
غير أن هنالك فرقاً شيعية أخرى، ذكرها أصحاب الفرق من السنة من البيانية والجناحية والرزامية والمقنعية والحلمانية والخلاجية والأزافرة وغيرهم، لم نذكرها لانقراضها، ولعدم ورود ذكرها في كتب الشيعة، وكي لا يقول قائل:
يعلم الله أن هذه الأسماء كلها لم نسمع بها ولم نرها في كتب الشيعة، وما هي إلا مختلقة لا يُقصد من ذكرها غير التشنيع والتهجين. وهي أسماء بلا مسميات، ولم يذكرها أحد من المؤرخين، ولا نقلها من كتب في الملل والشيعة كالشيخ أبي محمد الحسن بن موسى النوبختي من أهل القرن الرابع في كتاب الفرق والمقالات المتكفل بذكر فرق الشيعة وغيره (1).
وبقيت هناك فرق أخرى، ألا وهي:
الأثنا عشر أوالجعفرية الإمامة، فإنها ذكرت ضمن الأربع عشرة فرقة التي افترقت بعد موت الحسن العسكري، ولكن لما لها من أهمية، وإن هذا السرد الطويل لم يكن إلا لأجلها، لأنه عند إطلاق لفظ الشيعة لا يتبادر إلى الذهن الآن إلا هذه الفرقة. فنخصص لها باباً مستقلاً في تاريخها وعقائدها وعلاقتها بالسبئية، وتوارثها جميع الأفكار الموجودة في الفرق البائدة من الغلاة والمتطرفين. كما سنذكر الفرق التي تفرقت منها، وهي موجودة حتى الآن.
__________
(1) أعيان الشيعة للسيد محسن أمين القسم الأول الجزء الأول ص24.
ونلفت ههنا أنظار القرآء والباحثين إلى أمر هام يجب الإنتباه إليه، وهوان كل فرقة من فرق الشيعة التي ذكرناها في هذا الباب سيجد القارئ من مطالعة موجز المعتقدات والعقائد التي حملها أؤلئك، أن كل واحدة منها أخذ حظاً وافراً من السبئية أبناء اليهود، واغترفت غرفاً كثيرة من الأديان الباطلة الأخرى من النصرانية والمجوسية والأفكار المدسوسة من الهندوس والبابليين والعاشوريين والكلدانيين وغيرهم، كما أن الشيعة بعد تطور التشيّع الأول في جميع أدوارهم وعصورهم، التزموا بقول الرجعة والغيبة والولاية والبراءة والوصاية والتوارث، كما أرسخها مؤسس القوم عبدالله بن سبأ وشلته الماكرة.
تاريخ فرق الشيعة ومذاهبهمٍ


بسم الله الرحمن الرحيم.



الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، والصلاة والسلام على اشرف المرسلين سيدنا محمد بن عبد الله وعلى صحبه أجمعين ، رضينا بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً و بأبي بكر و عمر و عثمان و علي خلفاء راشدين مهديين من بعد الرسول.

أما بعد : تقسم الشيعة تاريخياً إلى الفرق التالية:

الاولى السبئية : وهم اتباع عبدالله بن سبأ اليهودي قيل انه من الحيرة وهو الارجح او من اليمن ، اظهر الاسلام في عهد عثمان (رض) مكرا لإشعال الفتنة و قد نجح ، ويعتبر هو اول من نادى بالغلو في أهل البيت و هو اول من وضع اساس ذلك و لذلك ينسب اليه كل طوائف الشيعة .

انتقل من بلد الى اخرى ينشر هذه الافكار وعندما وجد من يتبعه دعى الى ولاية علي (رض) ثم الى ألوهية علي (رض) وكلما بث هذه الافكار في من معه اظهر فكرة جديدة في الغلو فقد دعى الى الرجعة ثم الى صعود علي (رض) الى السماء ونفى موته وان الرعد صوته والبرق سوطه ولذلك قال عند موت علي (رض) " والله لو جئتمونا بدماغه في صره لم نصدق بموته ، ولا يموت حتى ينزل من السماء ويملك الارض". وهو اول من علم الشيعة كيف يؤولون القران بحسب هواهم فقد دعى ان محمد (ص) سيعود واستدل بقول الله تعالى ( ان الذي فرض عليك القران لرادك الى معاد ) فسبحان الله من جهل بالتفسير واسباب التنزيل ،ولكن اصبح هذا منهج الشيعة عامة ، ولقد بدأ بهذه الفتن في عهد علي الذس نفاه الى اليمن وياليته احرقه مع من احرق ولكن الله يقدر ، وان كان بعض الشيعة ينكرون عودتهم الى ابن سبأ بل وآخرين ينفون وجود أي شخصية بهذا الاسم الا ان الاسس التي اخذها ابن سبأ من اليهودية وباقي الديانات الخرافية ووضعها عقيدة له ولأتباعه ما زالت عقيدة لك طوائف الشيعة برغم تفاوتهم بالغلو ، ولذلك تعتبر هذه الفرقة هي اصل كل طوائف الشيعة الى يومنا بختلاف حججهم و دعواهم فقد وضع ابن سبأ قاعدة عدم رد الاحاديث الى الرسول بل الى علي وعلى نهجه فطوائف الشيعة تغير من منهجها ما يحلو لها ولميولها بأحاديث تنسبها كذبا الى الأئمة دون ردها الى الرسول ولاحظ ذلك في كتبهم وادلتهم .

الثانية الكيسانية : ظهرت هذه الطائفة بعد مقتل الامام علي (رض) وعرفوا بموالآتهم لابن الحنفية وقد اشتد ظهورهم بع تنازل الحسن (رض) لمعاوية (رض) فقد اسقطوا خلافة الحسن والحسين (رض) ودعوا الى خلافة محمد بن الحنفية (رض) وانه وصي ابيه وان كانت فرقة منهم اثبتت امامة الحسن ثم الحسين ثم ابن الحنفية الا ان الاكثرية دعوا الى امامة ابن الحنفية مباشرة وكفروا مخالفه ، وتنسب تسمية الكيسانية الى كيسان مولى علي (رض) او الى كيسان تلميذ ابن الحنفية (رض) ومع مرور الوقت تحول الكثير من طوائف الكيسانية الى المختارية .

الثالثة : المختارية : يتزعمها المختار بن ابي عبيد الثقفي وقد بدأ بجماعة صغيرة ثم تجمع معه الكثير من اتباع الكيسانية كما ذكرنا ، كان المختار ذكي وماكر وعمه والي الكوفة من قبل علي (رض) وقد سمي فيما بعد بكيسان فقد اطلق ابن الحنفية كما يزعمون عليه هذا اللقب تكريما له وتشبيها بأفضل تلامذته وقد دخل الكثير من المعارك بأسم ابن الحنفية و انتصر بها ثم تمادى حتى ادعى انه يوحى اليه ويعتقد انه كذاب ثقيف الذي روته حديثه اسماء (رض) عن الرسول (ص) وقد ادعت هذه الطائف بأن ابن الحنفية لم يمت بل حبسه الله وسوف يخرج في آخر الزمان بل وتمادوا في وصف حالته في محبسه كوجود اسد عن يمينه ونمر عن شماله ..الخ من الخرافات. و قد حاول المختار جاهداً إقناع بن الحنيفة بتآييده فرفض هذا الأخير. فلم يجد المختار بداً من طلب الخلافة لنفسه. و قد كانت نهايته على يد مصعب بن الزبير (رض).

الرابعة : الزيدية : ظهرت هذه الطائفة بعد مقتل الحسين (رض) فلم يجدوا في بزين العابدين الامام الذي سوف يسير على هواهم بل تركهم وما يدعون واصبح من اولياء بني امية و جليس يزيد بن معاوية لذلك انتسبت هذه الفرقة الى ابنه زيد الذي خرج على حكام بني امية و أشهر سيفه ولذلك سموا بالزيدية و استكملت هذه الطائفة الامامة في ابناء زيد وتعتبر هذه الفرقة من اقرب طوائف الشيعة الى اهل السنة فهم لم يكفروا الصحابة (رض) ولم يتطاولوا عليهم بل واعترفوا بأمامة الخلفاء أبو بكر و عمر و عثمان (رض) لمبايعة علي(رض) لهم وان كان بعض فرق الزيدية خالفة ذلك وخرجت على مبادىء زيد الا انهم قلة. وقد قتل زيد بن علي (رض) بعدما غدر به الشيعة من اتباعة وتركوه في ارض المعركة منفردا وماهو الا تاريخ يعيد نفسه فكما غدروا بعلي (رض) والحسين (رض) غدروا الآن به لقتل منفردا .

وهم كما قلنا اقرب الفرق للسنة فهم يقولون بولاية المفضول و بعدم عصمة الائمة ولا يدعي بوجود الغائب المكتوم و لكنهم وافقوا المعتزلة بمرتكب الكبيرة و انه بين المنزلتين كما لم يقل بابداء و لا بالرجعة ، و الجدير بالذكر ان هذه العقيدة انحرفت لدخول علماء الضلالة بها فالكثير منهم اصبحوا يتبعون باقي طوائف الشيعة بعقيدتهم المنحرفة. و توجد اليوم عند بعض العشائر البدوية في اليمن. ومن اشهر طوائف هذه الفرقة الجارودية و الحصنية. و الجارودية يقولون بتكفير الصحابة أيضاً.

الخامسة : الرافضة : وقد سموا بهذا الاسم لرفضهم اكثر الصحابة وقيل لرفضهم امامة زيد الا ان الاول هو الارجح لأنهم وجدوا قبل زيد بل ودعوه لمعتقداتهم من رفض امامة الشيخان ورفض حكم بني امية و غيرها ولقد رفضها جميعها ولم يلتفت اليهم ، ومن اهم مسمياتهم الخشبية لقتالهم بالخشب فهم لا يجيزون رفع السلاح الا بوجود راية للإمام المعصوم ، كما اطلق عليهم الامامية لدعوتهم بوجود نص الهي بولاية علي (رض) ، ومن هنا نعلم ان طائفة الشيعة الاثنا عشرية احد طوائف فرقة الروافض الذين يقولون بالمهدي والرجعة والبداء والتقية وغيرها من خرافات هذه العقيدة . و سنسعى جاهدين الا تفصيل هذه الفرق بتفرعاتها التي اصبحت عليها الآن لكي نعلم اساس الطوائف التي يلعوا صوتها بكل باطل بل ويناظرون وهم على باطل. و تتركز هذه الفرقة إيران و الخليج العربي و العراق و جنوب لبنان و الهند.

المصادر لمن اراد الاستزادة :
تاريخ الطبري
البداية والنهاية ج7
الفرق بين الفرق 
منهج المقال
ابن سبأ حقيقة لا خيال 
الملل والنحل 
تاريخ المذاهب الاسلامية 
فرق الشيعة
الاديان والفرق والمذاهب المعاصرة
الشيعة والتشيع

ملاحظة: نحذر من قراءة أي مصدر من مصادر القوم دون العلم بعقيدتهم .


 تاريخ مذاهب الشيعة الإمامية


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، والصلاة والسلام على اشرف المرسلين سيدنا محمد بن عبد الله .
أما بعد…
لقد مر التشيع في عدة اطوار :
اولا : الشيعة الاولى :
وهم الذين كانوا في وقت خلافة أمير الامؤمنين علي(رض) قد عرفوا حقه وجاهدوا معه وقد استشهدوا معه ، ومن ظل منهم كان قائما بطاعته ومحبته وتعظيمه ومن هؤلاء عبدالله بن عمر (رض) ، وهؤلاء لم ينتقصوا احدا من الصحابة فضلا عن تكفيرهم وسبهم وهؤلاء لم يتخلفوا عن اهل السنة بأي شيء وان سموا بشيعة علي (رض).
*******************************
ثانيا :الفرقة الثانية من الشيعة :
وهم الذين يفضلون عليا (رض) على سائر الصحابة (رض) من غير سب لهم او بغض ومن هؤلاء ابي سعيد يحيى بن عمير ، وهؤلاء جائوا بعد ثلاثة سنوات من الفرقة الاولى وضلوا على الصراط المستقيم دون الانحراف عن السنة ولم يبتدعوا لأنفسهم كتب مستقلة او علماء او عقيدة جديدة.
*******************************
الثالثة : الشيعة السبئية :
وهم الذين بدأ بسب الصحابة الا قليلا منهم كسلمان الفارسي وغيره من الصحابة (رض) القليلين جدا ، وينسبون الكفر والنفاق -وحاشاهم - الى الصحابة (رض) ومنهم من يزعم برتداد جميع الصحابة الذين حضروا غدير خم وبايع غيره ، وهذه الفرقة ظهرت في عهد علي (رض) وقد اشعل نار هذه الفرقة عبدالله بن سبأ اليهودي الصنعاني ، وقد انكر علي (رض) هذه المقولة وتوعد لمن يفضله على ابي بكر (رض) و عمر (رض) وقال (رض) "لئن سمعت احد يفضلني على الشيخين (رض) لأحدنه الفرية " وعندها خشي القوم من علي (رض) فأصبحوا ينشرون ذلك في المجالس وبين القوم فقال (رض) "لعن الله منم أضمر لهما الا الحسن الجميل " ثم نفى ابن سبأ الى المدائن قائلا " لا تساكني في بلدة أبدا " وعندها كل الصحابة والصالحين تراجعوا عن لقب الشيعة تحرزا من الالتباس و دمجوا انفسهم مع اهل السنة والجماعة ولذلك قال الواقدي " فلان كان من الشيعة لا ينافي ما وقع في غيرها أنه كان من رؤوس اهل السنة " فالمراد بالشيعة هم الشيعة الاولى ولذلك كان الشافعي ينظم كثير من الابيات في حب آل البيت وهذا لا ينافي عقيدة السنة والجماعة .
*******************************
الرابعة : الشيعة الغلاة :
وهم القائلين بألوهية علي (رض) ونحو ذلك من الهراء ةالخزعبلات التي صموا بها اذان الدنيا ومنهم أبي الحديد ، وظل هذا الغلو بين مد وجزر فهم في زيادة كلما زاد الجهل وهم في نقص كلما علم الناس الى يومنا هذا ، وقد اشعل علي (رض) النار في هؤلاء لكي رجعوا عن هذا القول ولكنهم ابوا الا الكفر الصريح، وبين هذا المد والجزر ولدت الشيعة الامامية الاثنى عشرية لتكون مع باقي القرق الشيعية نسيج خيوط التشيع ، ولتكون احد ارجل الاخطبوط الشيعي الذي اراد تطوق العقيدة الاسلامية .
*******************************
الخامسة : الشيعة الامامية الاثنى عشرية :
وهم القائلون بإمامة علي الرضا بعد ابيه موسى الكاظم ثم امامة ابنه محمد النقي ثم ابنه العسكري ثم ابنه محمد المهدي ، وقد ظهرت هذه الفرقة في سنة مئتين وخمس وخمسين .
وقد ابتدعت هذه الفرقة فهي لم تغلو بألوهية علي صريحة ولم تعود للفرق الصحيحة الاولى ، فعتقدت بمشاركة علي للنبي (ص) وقولهم بالرجعة والبداء وبتحريف القران وانفردوا بكتبهم وعلمائهم الذين زينوا لهم هذه الاعتقادات ووضعوا لها اصول من اختلاقهم ، وقد احدث وو ضع اصول لهذا المذهب قوم منافقين ليس لهم من الدين شيء استندوا على مبادء قوم عاقبهم علي(رض) في حياته فقتل بعضهم وحرق آخرين و هرب قوم آخرين منهم وجلد آخرين ، فهذه الفرقة تسير داخل اطار فرقة الشيعة الغلاة بما يعتقدون من عقائد بل ويترأسونها احيانا كثيرة ، ولذلك فمن القرن الثاني الى اليوم لا يوجد شيعي غير غال لوجود اصول قد وضعت على هذا الغلو ولذلك يقول المامقاني "ان ما كان يعده قدماؤنا غلو اصبح من ضروريات المذهب في الوقت الحالي - تنقيح المقام - و لذلك فهم لا يعترفون بدين او توجيه الا عن طريقهم فقال قائلهم " لا تأخذ معالم دينك عن غير شيعتنا فانك ان تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم ، الذين اؤتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه فعليهم لعنة الله ورسوله والملائكة ولعنة آبائي الكرام البررة ولعنتي ولعنة شيعتي الى يوم القيامة " -رجال الكشي - ويكفي من هذا القول ان تعرف عقيدة القوم ، وهذا كله ثمرات العقيدة الفاسدة المبنية على مصادر واسس وقواعد بل ومراجع كتبها قوم بريؤون من الاسلام والاسلام منهم براء ولذلك نسبوا لأإمتهم اقوال من عند انفسهم لكي يستشهدوا بها فلا يرجون لقول رسول او قول قران فهما محرفان ، اما بمجابهة باقي الفرق فيحملوت الآيات ما لا تحتمل و يقولون الرسول ما لم يقل …ولا يعترفون باسناد او رجال وكلها عقيدة وضعها لهم علمائهم الذين عاقبهم علي (رض) بنفسه ، ثم ينتسبون له .
_________________________________
المصادر :
تبديل الظلام وتنبيه النيام
تنقيح المقام التحفة الاثنى عشرية
منهاج السنة النبوية
مختصر التحفة الاثنى عشرية
اصول الشيعة الاثنى عشرية

انظر أيضاً :
  1. الفرق بين الرافضة والشيعة ..
  2. إساءات مراجع الشيعة (الكبار) للامام علي (عليه السلام) ..
  3. الشيعة والتشيع ..
  4. سيناريو التكوين النفسي للرافضي المطبر منذ الطفولة ..
  5. فارسية التشيع ..
  6. الشيطان يحتاج إلى كذب الشيعة ..
  7. الشيعة شر من اليهود ..
  8. أسئلة حار فيها الشيعة ..
  9. أسماء علي رضي الله عنه ..
  10. إهانة آل البيت رضي الله عنهم ..
  11. الشيعة والطعن في فاطمة الزهراء ..
  12. 100 سؤال وسؤال لإجابة لها في الدين الشيعي ..
  13. عيد النوروز ..
  14. الشيعة والمجوس ..
  15. أيهما على حق السنة أم الشيعة؟ ..
  16. نصوص بروتوكولات آيات قم ..
  17. استدراج العوام والإيقاع بهم ..
  18. الباطنية ..
  19. البهائية ..
  20. الإسماعيلية المكارمة ..
  21. النخاولة ..
  22. البرامكة ..
  23. البويهيون ..
  24. العبيديون ..
  25. الحُجّتية ..
  26. الزندقة ..
  27. الشبك ..
  28. أضواء على طائفة المرشدية ..
  29. البهرة ..
  30. العلويون في تركيا ..
  31. القاديانية ..
  32. الأغاخانية ..
  33. القرامطة ..
  34. الزيدية ..
  35. البهائية ..
  36. الشيخية ..
  37. الأخبارية ..
  38. الإسماعيلية ..
  39. الحشاشون ..
  40. النصيرية ..
  41. الشيعة الدروز ..
  42. فرق الشيعة ..
  43. فرق الشيعة ..
  44. ذكر فرق الشيعة وبيان أحوالهم وكيفية حدوثهم وتعداد مكايدهم ..
  45. هل الإمامية الإثتي عشرية - غلاة ..
  46. الشيعة ..
  47. فرق الشيعة، تاريخها وعقائدها ..
  48. الشيعة ..
  49. الجذور العقدية والتاريخية للإمامية ..
  50. الشيعة ..
  51. الرافضة وفرقهم القديمة والحديثة ..
  52. تعريف الشيعة ..
  53. تعريف موجز بأهم عقائد الرافضة ..
  54. الرافضة شر من وطأ الحصى ..
  55. الشيعة وأهل البيت ..
  56. من أقوال الشيعة ..
  57. الشيعة الإثنى عشرية ..
  58. هل الرافضة هم الشيعة؟ ..
  59. الشيعة الإمامية الإثني عشرية ..
  60. جواز التعبد بالمذهب الإمامي ..
  61. افتراق الشيعة إلى فرق مختلفة عقب وفاة كل إمام يبين كذب واختلاق أحاديث النص ..
  62. متى ظهرت فرقة الرافضة؟ ..
  63. إلى كم تنقسم فرقة الرافضة؟ ..
  64. عَقيدةُ الدّرُوز ..
  65. تاريخ الشيعة ..
  66. الرافضة وفرقهم القديمة والحديثة ..
  67. الرافضة وآل البيت ..
  68. التشيع العربي والتشيع الفارسي ..
  69. الحقيقة في انتساب الشيعة لأهل البيت ..
  70. أثر العناصر الأجنبية في صنع التشيع ..
  71. بعض عقائد الإمامية المخالفة لعقائد أهل السنة ..
  72. كيف تبدأ الفرق في الظهور ومنهج العلماء في عد الفرق ..
  73. هذه نصيحتي إلى كل شيعي ..
  74. هل أتاك حديث الرافضة ..
  75. الرافضة وطهارة المولد ..
  76. التشيع والفرس واليهود ..
  77. من مقالات أحمد الإحسائي مؤسس الشيخية ..
  78. أضواء على الخطة السرية دراسة في الأسلوب الجديد لتصدير الثورة الإيرانية ..
  79. حقيقة وحجم الصراع بين الأجنحة الثلاثة (الأخباريون - الأصوليون - الشيخية) ..
  80. نشأة الشيعة وجذورها التاريخية وذكر فرقهم ..
  81. شذوذ في العقائد وشذوذ في المواقف ..
  82. غدر ومطاعن وتكذيب وأهانة الشيعة لآل البيت رضي الله عنهم ..
  83. شيعي في «المكتب» خير من سنّي في تركيا! ..
  84. الرافضة في أحاديث الرسول صلي الله عليه وآله سلم ..
  85. من خيانات ومؤامرات وجرائم الشيعة عبر التاريخ ..
  86. بحوث ومقالات في عبد الله بن سبأ ..
  87. تشابه عقائد اليهود والشيعة ..
  88. الدور الشيعي التنويري بعيداً عن أتباع ولاية الفقيه ..
  89. المرجعية الشيعية والسياسة: الخوئى وصدام حسين ..
  90. نشأة التشيع ..
  91. فتاوى في الشيعة وعقائدهم ..
  92. خطر الشيعة ..
  93. زُبدَةُ المقالِ "في عقيدةِ الآل"ِ ..
  94. مطوية من أقوال ائمة آل البيت عليهم السلام ..
  95. من هم أهل البيت؟ ..
  96. أعياد الشيعة الإمامية الاثنا عشرية ..
  97. حكم علماء الإسلام وفتاواهم في الشيعة الإمامية الاثنا عشرية ..
  98. الحسينيات والمساجد ..
  99. المواسم عند الشيعة ..
  100. التعليم الديني لشيعة المنطقة ..
  101. الحكم على الشيعة ..
  102. خلافنا مع الرافضة في أصول الدين وفروعه ..
  103. الحمد لله.. بطلت حجة الشيعة.. بكلمة واحده فقط ..
  104. شيعة اليوم أخطر على الاسلام من شيعة الأمس ..
  105. أركان الإسلام عند الشيعة ..
  106. أوكارهم في العالم الاسلامي ..
  107. بطلان عقائد الشيعة ..
  108. أهل البيت والشيعة ..
  109. الشيعة وأهل البيت ..
  110. الشّيعة والسُّنّة ..
  111. بعض ادلة تحريف الصفويين للتشيع الجعفري ..
  112. الشيعة الإثنا عشرية والعقائد السبئية ..
  113. التشيع الأول والشيعة الأولى ..
  114. التشيع مرتع خصب للفكر الشاذ المنحرف ..
  115. التشيع والوسطية الإسلامية ..
  116. الإخباريون والأصوليون ..
  117. الرافضة (الشيعة)
  118. أهل السنة و الجماعة فى العراق (هام ) لدحض تقية الشيعة حول نسبتهم فى العراق
  119. الرد على موضوع أين كانوا أهل السنة،، بما فعلوا أهل التشيع بأئمتهم، من كتبهم ومشائخهم
  120. متابعة الشيعة الإمامية للمعتزلة في بعض مسائل العقيدة
  121. في ذكر ما أختص بهم ولم يوجد في غيرهم من فرق الإسلام ..
  122. "الهلال الشيعي" بين الحقيقة والوهم
  123. إحصائيات عن الشيعة
  124. من هم الرافضة؟
  125. نسبة السنة والشيعة في العراق
  126. فصول في مشابهة الرافضة للكفار
  127. اعتقاد الشيعة في الإيمان وأركانه ..
  128. الأصول التي خالفت فيها الشيعة الإمامية أهل السنة والجماعة
  129. حول ثبوت رؤية «الهلال الشيعي»!
  130. 10 مغالطات حول التبشير الشيعي
  131. براءة الآل من البدع والضلال
  132. العقيدة الألفية تنتقل من إيران إلى الهند ..
  133. خطأ إطلاق إسم الشيعة على الرافضة المعاصرين
  134. حجم شيعة الخليج والعراق بين الحقيقة والخيال
  135. ذم أئمة آل البيت للشيعة ..
  136. مشابهة الرافضة لليهود والنصارى
  137. يا لثارات الحسين ( قراءة فى الشعر الشعبي الشيعي )
  138. الرافضة
  139. مشابهة الشيعة لليهود والنصارى
  140. أوجه الشبه بين الشيعة واليهود
  141. التحذير من الانتساب إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا بحق
  142. الحقائق الغائبة بين الشيعة وأهل السنة
  143. الشيعة
  144. تفصيل القول في الروافض
  145. ناشطات وداعيات شيعيات
  146. طعن الشيعة في آل البيت - دلائل ومحاورات
  147. لماذا الشيعي يخجل من معتقده !! موازنة وتناقضات
  148. حقيقة التشيع.. بين الموضوعية والمحاباة
  149. زحف البهرة.. من الخفاء إلى العلن! ..
  150. محاولات أولية لإصلاح الفكر الشيعي
  151. الشيعة وقضية التكفير - مظلومون أم ظالمون؟
  152. ياترى هل آل البيت وهابية؟
  153. البراءة من الشيعة المزورة: ثقافة المفاسد
  154. شباب يبحث عن الحرية والحب
  155. الخوئى وآية الله جعفر السبحانى يكفران الإمامان جعفر الصادق والرضا
  156. طلب الولد
  157. مسابقة ثقافية.. للشيعة فقط
  158. نقد عام للتيجاني ومنهجه في كتبه ..
  159. رافضي بدرجة آية الله يؤكد: الملائكة جهلاء وحقراء بل أغبياء
  160. الفرق بين العمائم السوداء والبيضاء عند الشيعة
  161. التيجاني يعترف بأن دوافع تشيعه مادية !
  162. محاولات يائسة لمصادرة حق الامة في التفكير والاجتهاد
  163. نصرة نورة القحطاني والرد على الدكتور الشيعي محمد جعفر آل حسن
  164. الطعن في عقيدة ختم النبوة ..
  165. الغيب بين السنة والشيعة
  166. إتهام الخميني للرسول بالفشل في تبليغ الرسالة
  167. 13 شبهة للقبوريين والجواب عليها
  168. الاستغاثه بغير الله
  169. أقبح ما عند الرافضة
  170. قارنوا معي مع الرافضة
  171. مقالات متنوعة في أخلاق وآداب وعقائد الشيعة
  172. طرفاً من حماقات الشيعة
  173. من أقوال العلماء في الشيعة (الرافضة) ..
  174. معلومات سريعة في علوم وآداب الشيعة -2
  175. منوعات سريعة في علوم وآداب الشيعة -1
  176. بعض المضحكات المبكيات عند الشيعة وإن من البلية لما يضحك
  177. من عقائد الشيعة
  178. من هم الشيعة؟
  179. هل شيعة اليوم جعفرية أم صفوية ..
  180. أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بين الشيعة والنواصب
  181. من هم أهل البيت؟
  182. الشيعة ينسبون لله ما ينزهون عنه أنفسهم
  183. شهادة الآل ضد الشيعة
  184. ما ورد في الحديث عن أهل البيت رضي الله عنهم
  185. مقارنة بين السنة و الشيعة
  186. مشابهة الشيعة للخوارج
  187. إنتساب الرافضة للمجوس الفرس
  188. الولاء والبراء عند الرافضة
  189. تعارض القرآن وروايات الشيعة ..
  190. روايات ونصوص من مذهب الشيعة
  191. مهم جداً : 37 سبباً لهدم ونسف عقيدة الشيعة
  192. بحث علمي يدحض كل دعاوى قدم نشأة الشيعة
  193. الخيانات العلمية عند علماء الشيعة ومؤلفيهم وكتابهم
  194. نقد العقل الشيعي.. خطوات واثقة باتجاه خسارة المعركة
  195. خذلان الشيعة لأهل البيت
  196. البهرة في قلب القاهرة
  197. العلاقة بين الزندقة والرافضة
  198. متى انحرف التشيع؟ نص تاريخي لأهل السنة
  199. لهذه الأسباب تعد الرافضة من أخطر الفرق على الأمة
  200. الطعن في أهل البيت من كتب الشيعة
  201. ماذا تعرف عن الشيعة؟ ..
  202. غدر الشيعة بأهل البيت
  203. الشيعة والسنة
  204. خلاصة القول في الشيعة الروافض
  205. زنادقة تحت ستار التشيع ..
  206. التشيع الفارسي بين الأمراض والعقد النفسية والانحرافات الفكرية والسلوكية ..
  207. التشيع العربي والتشيع الفارسي ومعالم المنهج القرآني المطلوب ..
  208. الخميني.. تاريخ حافل بالمؤامرات والاغتيالات
  209. الشعية المعاصرون وصلتهم بأسلافهم
  210. أثر الشيعة في العالم الإسلامي ..
  211. ألقاب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
  212. من أقوال الشيعة
  213. أقوال علماء السنة في الشيعة
  214. رافضي يقتل أخته السنية في المحكمة
  215. جعفر الصادق أم جعفر الكاذب؟
  216. سر إنتشار هذا المرض بين الرافضة
  217. آل البيت رضي الله عنهم
  218. الشيعة والحسينيات
  219. رواية شيعية مجوسية تتهم علي رضي الله عنه بإهانة لفظ الجلالة
  220. لمحات عن الثورة الإيرنية وموقف الإسلاميين منها
  221. عداء الشيعة الزيدية لأهل السنة
  222. مذاهب الشيعة
  223. ما هذا يا رافضة؟
  224. من عقائد الروافض الفاسدة والمحرفة
  225. كذب نسبة فرق الشيعة إلى آل البيت وخاصة الزيدية
  226. حقائق عن الروافض
  227. يارافضة العلم بالشيء ولا الجهل به
  228. نصيحة لكل شيعي
  229. من فتاوى علماء الرافضة
  230. مراجع الرافضة
  231. الحكم على الشيعة ..
  232. عقيدة الشيعة الإثنا عشرية باختصار
  233. تعاليم الرافضة مأخوذه من التلمود اليهودي
  234. المقارنة بين النواصب والروافض
  235. الشيعة تخالف المسلمين في الأصول وليس فقط في الفروع
  236. أئمة الرافضة يموتون منتحرين
  237. النهي عن تخصيص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بكرم الله وجهه
  238. الرافضة والنصيرية والصهاينة أسرار وخفايا
  239. وقفات مع كتاب (كشف الأسرار - للخميني)
  240. للمهتمين بأمر الرافضة.. معلومات موثقة من كتبهم
  241. مقارنة سريعة بين السنة والرافضة
  242. فتوى فضيلة الشيخ بن جبرين في الرافضة
  243. حول السنة والشيعة
  244. أقوال مسمومة لدراهم معدودة
  245. أئمة الشيعة يأمرون أتباعهم بطاعة ولاة أمر المسلمين مؤمنهم وفاسقهم!
  246. القبور والأضرحة - دراسة وتقويم وبعض الروايات من طرق الشيعة في النهي عن البناء على القبور
  247. الحجج الواضحات في هدم دين الرافضيين والرافضيات
  248. تكفير الرافضة الإمامية للزيدية
  249. تبكون الحسين وأنتم من قتله؟
  250. ما يهدم وينسف عقيدة الشيعة
  251. العلاقة بين الرفض والزندقة - الرفض مطية الزنادقة
  252. تلبيس إبليس على الرافضة
  253. رسالة الدكتور سعود الهاشمي القرشي الى عامة الشيعة
  254. علماء الشيعة والنسب الهاشمي
  255. التجمعات الشيعية في العالم العربي
  256. حقيقة الانتشار الشيعي في العالم
  257. حقيقة الخلاف بين علماء الشيعة وجمهور علماء المسلمين
  258. كشف الحقائق والأسرار في مذهب آل البيت الأطهار ..
    للمزيد ..
عدد مرات القراءة:
1877
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :