من الذي يدعم الإرهابيين في العراق؟ ..   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

العقل منكر للنص ..
(إذن ما حقيقة قصة الغدير
(هل أريد بحديث الغدير النص على علي بالخلافة؟؟
(علي إمام المسلمين بحق
العقل منكرٌ للنص
1 ـ القول بأن الله تعالى هوالذي نصب وعين الأئمة وفرض طاعتهم على العالمين وحرم الجنة على من لم يعرفهم أولم يتبعهم، مع نسبة صفات الأنبياء لهم مثل أن الوحي يأتيهم وأن عند كل منهم صحيفة خاصة من الله تعالى يؤمر بالعمل بها، وأنهم شجرة النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة، يأتيهم الملاك ويسمعون صوته وإن كانوا لا يرونه، وأن روح القدس الذي يكون للنبي ينتقل بعده للإمام .. الخ ـ كما نجد ذلك في عدد من الروايات في كتبنا الحديثية الأساسية خاصة أحاديث كتاب الحجة من كتاب أصول الكافي (1)
__________
(1) كحديث أن الأئمة عليهم السلام: (( .. شجرة النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة)) (أصول الكافي: كتاب الحجة: ج1 / ص 221 فما بعد)، وأنهم: ((مُحدَّثون يسمعون صوت الملاك ولكنهم لا يرون ولا يعاينون الملاك)) (المصدر السابق: ج1/ 176 ـ 177)، وأنهم: ((خزان علم الله وتراجمة أمر الله، نحن قوم معصومون أمر الله تبارك وتعالى بطاعتنا ونهى عن معصيتنا، نحن الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض .. )) (المصدر السابق: ج1 / ص 269 ـ 27.)، وأن: ((روح القدس به حمل النبوة فإذا قبض النبي (صلىالله عليه وآله) انتقل روح القدس فصار إلى الإمام .. )) (المصدر السابق: ج1 / ص 27. فما بعد)، و((أن في الأنبياء والأوصياء خمسة أرواح: روح القدس وروح الإيمان وروح الحياة وروح القوة وروح الشهوة ... فبروح القدس عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى ... )) (المصدر السابق: ج1 / ص 271 فما بعد). وأن: ((الأئمة لم يفعلوا شيئا ولا يفعلوا إلا بعهد من الله عز وجل لا يتجاوزونه، وأن الله عز وجل أنزل على نبيه (صلىالله عليه وآله وسلم) كتابا قبل وفاته فقال: يا محمد هذه وصيتك إلى النخبة من أهلك ... علي بن أبي طالب وولده عليهم السلام، وكان على الكتاب خواتيم من ذهب كل إمام يفك خاتما ويعمل بما فيه ثم يدفعه لمن بعده فيفك خاتما ويعمل بما فيه ... الحديث)) (المصدر السابق: ج1 / ص 279 فما بعد، الحديث 1 و4). بل في حديث صريح منسوب للإمام الصادق عليه السلام: ((الأئمة بمنزلة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إلا أنهم ليسوا بأنبياء ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي، فأما ما خلا ذلك فهم فيه بمنزلة رسول الله (صلى الله عليه وآله).)) (المصدر السابق: ج1 / ص 27.). ( x)
،  حيث نسبت إليهم في بعض الروايات صفات تفوق حتى صفات الأنبياء، أي لا يوجد في القرآن مثلها حتى للأنبياء أولي العزم، أي الرسل أصحاب التشريع، فضلا عن الأنبياء ذوي النبوة التبليغية فقط! (1)
__________
(1) كالأحاديث التي تصف علم الأئمة عليهم السلام بأنهم: ((يعلمون ما كان وما يكون وأنهم لا يخفى عليهم شيء)) (أصول الكافي: كتاب الحجة: ج1 / ص 26.)، وأنهم: ((يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل)) (المصدر السابق: ج1 / ص 255 فما بعد)، وأن: ((الإمام لا يخفى عليه كلام (لغة) أحد من الناس ولا طير ولا بهيمة ولا شيء فيه الروح .. )) (المصدر السابق: ج1 / ص 285)، وأن: ((عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله عز وجل وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها)) (المصدر السابق: ج1 / ص 227)، وأن: ((أعمال العباد تعرض عليهم في الصباح والمساء .. )) المصدر السابق: ج1 / ص 219 فما بعد)، وأن: ((عندهم ألواح موسى وعصاه وقميص آدم (الذي ألقي على وجه يعقوب فارتد بصيرا) وخاتم سليمان (الذي كان يسخر به الجن والشياطين) .. )) (المصدر السابق: ج1 / ص 231 ـ 232).
... أوالأحاديث التي تصف خلقتهم بأوصاف خارجة عن أوصاف سائر البشر مثل أن: ((للإمام عشر علامات: يولد مطهرا مختونا وإذا وقع على الأرض وقع على راحته رافعا صوته بالشهادتين، ولا يجنب، تنام عينيه ولا ينام قلبه، ولا يتثاءب ولا يتمطى، ويرى من خلفه كما يرى من أمامه، ونجوه كرائحة المسك والأرض موكلة بستره وابتلاعه ... الحديث)) (أصول الكافي: كتاب الحجة / باب مواليد الأئمة عليهم السلام، حديث رقم 8، ج1 / ص 385 فما بعد)، ورواية أخرى أن الإمام: ((إذا وقع من بطن أمه وقع واضعا يديه علىالأرض رافعا رأسه إلىالسماء، فأما وضعه يديه على الأرض فإنه يقبض كل علم لِلَّه أنزله من السماء إلى الأرض، وأما رفع رأسه إلى السماء فإن مناديا ينادي من بطنان العرش من قبل رب العزة من الأفق الأعلى باسمه واسم أبيه يقول: يا فلان بن فلان، اثبت تثبت، فلعظيم ما خلقتك، أنت صفوتي من خلقي وموضع سري وعيبة علمي وأميني على وحيي وخليفتي في أرضي ... فيجيبه (الإمام المولود) واضعا يديه رافعا رأسه إلى السماء: {شهد الله أن لا إله إلا هووالملائكة وأولوالعلم قائما بالقسط لا إله إلا هوالعزيز الحكيم} آل عمران/ 18)) (المصدر السابق نفس الكتاب والباب: حديث رقم 1)، وأن الإمام يمكن أن يقوم بالحجة وهوابن ثلاث سنين! (المصدر السابق: ج1 / ص 321، الأحاديث 1. و13)، وأن: ((الله خلقهم من نور عظمته وخلقت أبدانهم من طينة مخزونة لم يخلق منه أحد إلا الأنبياء .. الحديث)) (المصدر السابق: ج1 / ص 389). ( x)
ـ أقول أن مثل هذا القول لا يتناسب مع قاعدة ختم النبوة التي هي موضع اتفاق جميع فرق المسلمين وإجماع الأمة قاطبة.
... إذ أن نصبَ الله تعالى وتعيينه أئمةً بمثل تلك الخصائص التي هي من خصائص الأنبياء وفرضَ طاعتهم على كل بني الإنسان ـ، سيكون بمثابة بعث أنبياء جدد بعد نبينا محمد (صلىالله عليه وآله وسلم)، بل إن تلك الخصائص المذكورة للأئمة عليهم السلام أعلى وأهم من خصائص الأنبياء المبلغين الذين كانوا يبعثون لتأييد وتبليغ رسالة النبي الذي سبقهم (1)، أوعلى الأقل ليست دونهم مرتبة، وهذا لا يتفق أبدا مع مبدأ ختم النبوة، فإذا كانت العهود التي سبقت نبينا الخاتم (صلىالله عليه وآله وسلم) احتاجت لمثل أولئك الأنبياء المبلغين بعد أنبيائهم، فإن عهد الرشد الذي وصلت إليه البشرية بعد خاتم النبيين وسد باب النبوة والرسالة نهائيا، برسالة سيدنا محمد (صلىالله عليه وآله وسلم) لم يبقِ مجالا لبعث أنبياء بعده. فإن قيل: لا أحد يعتبر أويسمي الأئمةَ أنبياءَ، بل رواياتنا تمنع وتكره تسميتهم بذلك بشدة، قلنا إن ذلك لا يغير من حقيقة الأمر شيئاً، فالعبرة ليست بالاسم بل بالمعنى، فإذا نسبت لأولئك الأئمة كل أوصاف الأنبياء وخصائصهم الإلهية مثل التعيين من الله تعالى وفرض طاعتهم على العالمين ووحي الله تعالى إليهم بواسطة الملاك وروح القدس الخاص بالأنبياء وعصمتهم المطلقة وأن كل واحد منهم عنده كتاب خاص من الله تعالى يعمل به، وأن معرفتهم والإيمان بهم شرط النجاة الأبدية يوم القيامة ... الخ، فهم
__________
(1) أي مثل كثير من أنبياء بني إسرائيل الذين لم يبعثوا برسالة أوكتاب جديد، بل كانوا على شريعة التوراة وإنما بعثوا للهداية وإرشاد الخلق وإحياء التوراة والعمل بالدين ونصرته، مثل يوشع بن نون وصموئيل وحزقيل ودانيال و... وزكريا ويحيى ومئات الأنبياء الذين كان يبعث العشرات منهم أحيانا في نفس الوقت. (مت)
كالأنبياء بكل معنى الكلمة وإنكار ذلك مجرد تلاعب بالألفاظ.
... وأنا أعتقد أن الذين يصرون كل هذا الإصرار على الإمامة المنصوص عليها من الله، لم يدركوا كما يجب معنى ختم النبوة.
... وقد ألف أحد الفضلاء المعاصرين وهوالعلامة الشيخ الأستاذ "مرتضى مطهري" كتابا قيما باسم "ختم النبوة" شرح فيه بشكل ممتاز فلسفة ختم النبوة ـ هذا رغم أنه بقي على القول بالإمامة بالنص دون أن ينتبه إلى أنها تتناقض مع لوازم نظريته ـ، ومن المفيد هنا أن ننقل بعض العبارات من كتابه ذاك، قال: ((إن رسالة نبي الإسلام تختلف عن رسالات سائر الأنبياء الذين سبقوه بأنها من نوع القانون لا البرنامج المفصل، أي أنها دستور عام للبشرية (ص 26). ((وحي هذا النبي هوفي مستوى دستور كلي أبدي)) (ص 3.). ((النبي الخاتم هوالذي طوى جميع المراحل ولم يبقِ ـ من ناحية الوحي الإلهي ـ أي طريق لم يُطرَق أونقطة لم تُكتَشف)) (ص34). ((الوحي الإلهي أعلى مظاهر الهداية وأرقى درجاتها. الوحي يتضمن إرشادات خارجة عن متناول الحس والخيال والعقل والعلم، ولذلك لا يمكن لشيء من هذه الأمور أن يحل محل الوحي. ولكن الوحي الذي له تلك الخواص هوالوحي التشريعي لا التبليغي، أما الوحي التبليغي فعلى العكس. طالما لم تصل البشرية بعد إلى درجة النضوج الكامل في العقل والعلم والمدنية بحيث يمكنها أن تقوم بنفسها بحمل رسالة الله والقيام بمهمة الدعوة والتعليم والتبليغ والتفسير والاجتهاد، فإن الحاجة للوحي التبليغي تكون لا زالت باقية. ظهور العلم والعقل وبعبارة أخرى وصول الإنسانية لمرحلة الرشد والبلوغ، ينهي تلقائيا مرحلة الوحي التبليغي، حيث يصبح العلماء هم ورثة الأنبياء)) (ص 47). ((في الواقع، أحد أركان الخاتمية هوالبلوغ الاجتماعي للبشر إلى الحد الذي يصبحون معه قادرين على حفظ مواريثه العلمية والدينية والقيام بنشرها وتعليمها وتفسيرها))
(ص 13).
... وإذا رأينا أن نبيا من أنبياء بني إسرائيل يقوم ـ بأمر الله تعالى ـ بتعيين "طالوت" ملكا عليهم (البقرة/ آية 246)، وهوما يدعي مثله القائلون بالإمامة بالنص بالنسبة للأئمة عليهم السلام، فإن هذا إنما تم (بالنسبة لطالوت) لأنه كان من الأمور التي ـ على حد قول الأستاذ مطهري ـ: ((لا بد أن تتم بالوحي في مرحلة طفولة البشرية)) (ص 87) أي المرحلة التي تكون البشرية فيها لا تزال بحاجة لكلا نوعي النبوة: التشريعي والتبليغي. ((فقد كانت البشرية، قبل عدة آلاف من السنين، غير متمكنة من الحفاظ على مواريثها الدينية والعلمية ولم يكن من الممكن توقع خلاف ذلك منها)) (ص 12) لأنها لم تبلغ في إمكانياتها ووسائلها ورشدها الاجتماعي والسياسي والفكري إلى الحد الذي يمكنها من المحافظة على تراث الأنبياء نقيا بلا تغيير ولذا كانت ((التحريفات والتبديلات تظهر في تعاليم الأنبياء وكتبهم المقدسة ... وبالتالي كانت تلك الكتب والتعاليم تفقد صلاحيتها لهداية الناس)) (ص 11). ولكن بعد نزول قوله تعالى {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر/آية 9) ((انتفى الداعي الرئيس للرسالات الجديدة ولبعث أنبياء جدد)) (ص 12). وعلى حد قول المفكر الباكستاني محمد إقبال اللاهوري: ((لا يمكن للبشرية أن تبقى للأبد بمرحلة الطفولة والحاجة للإرشاد من الخارج. إلغاء الكهانة والملك الوراثي في الإسلام، والتأكيد الدائم في القرآن الكريم على العقل والتجربة، والأهمية التي أولاها ذلك الكتاب المبين للطبيعة والتاريخ كمصادر للمعرفة البشرية، كل هذا مظاهر مختلفة لفكرة واحدة هي ختم الرسالة)) (1).
__________
(1) كل ما ذكر بين المعقوفتين في الصفحات الثلاث الأخيرة اقتباسات من كتاب "ختم النبوة" للأستاذ الشيخ مرتضى مطهري، نشر دار صدرى، طهران.
... لذلك نرى ـ في ضوء ما ذكر أعلاه ـ أن النص من جانب الله، على إمامة وحكم أفراد معينين، إن تم مثله قبل ختم النبوة، ـ مع أننا لم نجد مثل تلك الأوصاف الخارقة التي تنسَب للأئمة عليهم السلام حتى للأنبياء المبلغين السابقين! ـ فإنه ليس معقولا ولا يمكن أن يتم بعد ختم النبوة والرسالة بنوعيها التشريعي والتبليغي.
... 2 ـ إن تعيين ونصب عدد معين من الأشخاص سواء اثنا عشر أوإحدى عشر أوسبع .. الخ لحكم البشرية وسياستها لمدة مئات آلاف السنين إلى يوم القيامة أمر مخالف للعقل وللمنطق ولواقع الحياة، لأن المدة التي يمكن لهؤلاء الاثني عشر شخصا أن يعيشوا فيها ويحكموا الناس فعلا، لن تتجاوز المائتين وسبعين إلى ثلاثمائة عام! في حين أن الإسلام دين أبدي خالد، والمسلمون يحتاجون لحاكم فعلي يسوسهم وينفذ فيهم أحكام الله تعالى في جميع الأزمنة والأعصار، حيث لا يجوز تعطيل أحكام الشرع ولا للحظة واحدة. فلا بد أن يكون الشارع المقدس قد بين الطريق والمنهج الكلي في قضية الحاكم واختياره عندئذ، لأنه لا يمكن أن يترك الشرع هذا الأمر الحياتي دون أن بيان إطاره أوخطوطه العريضة الكلية للناس وهوالدين الأبدي الكامل. فإذا أقر القائلون بالنص على وجود مثل هذا التعليم لكن قيدوه بما بعد انتهاء عهد ظهور الأئمة المنصوبين المنصوص عليهم، أرجعنا نحن نفس هذا التعليم إلى كل الفترة الزمنية التي تتلورحلة النبي (صلىالله عليه وآله وسلم) إلى يوم القيامة بلا استثناء، لأنه لا يمكن أن يكون هناك تفاوت في تعاليم الشرع بين فترة زمنية وفترة أخرى أي لا يمكن أن يكون لجزء من زمان ما بعد النبي (صلىالله عليه وآله وسلم) تعليم ما ولبقية هذا الزمان إلى يوم القيامة تعليم آخر، إلا بدليل، ولا دليل لدينا أصلا إلا مجرد الادعاء.
... 3 ـ النص من جانب الله تعالى على أشخاص معينين بأسمائهم ليكونوا حكاما على الناس، في العصر الذي بلغت فيه البشرية سن الرشد وختمت به النبوات وحُفِظ فيه الكتاب السماوي الخالد بلا تغيير أوتبديل أ زيادة أونقصان، أمر لا ينسجم مع فلسفة التشريع وهدف الخلق الذي هوابتلاء الناس وامتحانهم. فقد صار على المسلمين الآن أن يديروا مجتمعاتهم بأنفسهم ويُمْتَحنوا في مدى التزامهم بالعمل بمشيئة الله وتعاليم كتابه. عليهم ـ بالرجوع إلى أوامر الشرع المقدس ونواهيه ـ أن ينتخبوا رئيسهم وأن يميزوا بين الصالح والطالح وبين المتقي والفاجر، ثم يكونوا رقباء عليه يطيعوه ويعينوه إذا أصاب ويسددوه ويقوموه إذا انحرف، أما إذا عين الله تعالى فردا أوأفرادا مخصوصين لحكم وسياسة المسلمين على الدوام، فإن كل فلسفة ابتلاء الناس وامتحانهم وفتنتهم هذه تبطل، وتصبح كل أوامر ونواهي الشرع التي تبين من تجب طاعته ومن يتوجب عصيانه، بلا معنى، حيث يخرج الاختيار من يد الفرد والجماعة عندما يتوجب عليهم الطاعة العمياء للقائد الحاكم الذي له القدرة، بسلطته، على إجبار الناس على تنفيذ أقواله واتباع أوامره، خاصة أن القائلين بالنص يعتقدون أن المنصوص عليهم معصومون مطلقا فلا مجال للسؤال والنقاش عند إطاعة أوامرهم. هذا في حين أننا نرى أن القرآن الكريم آيات عديدة تحدد من تجب طاعته ومن تجب معصيته:
فأولا: ليس في القرآن الكريم أمر بالطاعة المطلقة إلا لِلَّه ورسوله فقط وما، وذلك في قوله تعالى: {قل أطيعوا الله والرسول ... } آل عمران/32، {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ... } النساء/64، {من يطع الرسول فقد أطاع الله ... } النساء/8.. أما ما عدا الله تعالى ورسوله فطاعته مشروطة بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} النساء/ 59.
وثانيا: حددت كثير من الآيات صفات من تجب طاعته كقوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ... } التوبة/ 1..، {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهِدِّي إلا أن يهدى؟ فما لكم كيف تحكمون؟} يونس/35، {واتبع سبيل من أناب إلي} لقمان/15، {وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد} غافر/38. ونحوها من الآيات الكريمة.
... في حين بينت آيات عديدة أخرى صفات من تجب معصيتهم وتحرم طاعتهم، مثل: {ولا تتبع سبيل المفسدين} الأعراف/142، {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} الكهف/28، {ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون} الشعراء/151 ـ 152، {ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} الجاثية/18، {فلا تطع المكذبين. ودوا لوتدهن فيدهنون. ولا تطع كل حلاف مهين. هماز مشاء بنميم. مناع للخير معتد أثيم. عتل بعد ذلك زنيم} القلم/ 8 ـ 13، {فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أوكفورا} الإنسان/24، {ومن… ...... ويتبِّع غير سبيل المؤمنين نوَلِّه ما تولى ونصله جهنم ... } النساء/ 115.
... فلوكان ثمة أئمة منصوص عليهم ومعصومون، وبالتالي الوحيدون الذين تجب طاعتهم المطلقة على المؤمنين، لقال الشارع عليكم طاعة فلان وفلان فقط، ولما كان هناك حاجة لمثل تلك الأوامر والنواهي الكلية! في حين أن هذه التعاليم تعتبر دستورا تسترشد بها الأمة في تعيينها لحاكمها، وتميز به بين اللائق لهذا المقام ومن لا يليق به. أي أن زمن المسؤولية حل ابتداء من عهد ختم النبوة. في الواقع إن الإسلام أكثر حسن ظن بالبشرية من القائلين بالإمامة المنصوصة. (1)
... 4 ـ لم يكن لأي نبي من الأنبياء السابقين ولا في أي شريعة من الشرائع الإلهية الماضية أئمة منصوص عليهم وحكام معصومون يجب على الأمة طاعتهم تعبدا وديانة، ولا كان لأي من الأنبياء السابقين وصيا معينا للحكومة. والادعاء بأن لكل نبيٍّ وصيٌّ نصَّ عليه ليخلفه في شأن الحكم واستلام زمام الأمور ادعاء عار من الحقيقة ولا أساس له، ولا غروفمثل هذا لوحصل يكون، كما أوضحنا سالفا، نقضا للغرض المراد من وراء تشريع الشرائع، أعني امتحان الناس واختبارهم، إذ يسلب من الناس (المحكومين) مجال الاختيار والتمييز بين الصواب والخطأ في كل فعل وأمر، والقرآن المجيد والعقل السليم لا يصدقان مثل هذا الادعاء، كما لا يوجد في التاريخ ما يؤيده.
__________
(1) أرجوأن ينتبه القراء جيدا لهذه النقطة. فكما يقول الأستاذ مرتضى مطهري: ((لقد كان وضع البشر في الأدوار السابقة يشبه تلميذ المدرسة الذي يعطى كتابا ليتعلم منه، فإذا به يحوله إلى مزق بعد عدد من الأيام، أما البشرية في الدور الإسلامي (دور ختم النبوة) فتشبه العالم كبير السن الذي يعتني بكتبه ويحفظها غاية الحفظ رغم رجوعه المتكرر إليها)) (كتاب ختم النبوة، ص 49). ( x)
...  نعم يمكن للنبي أن يعين وصيا أوأوصياء للقيام بأمور شخصية خاصة مثل غسله وكفنه ودفن جثمانه وأداء ديونه أوالقيام بشأن عياله وأولاده الصغار ونحوذلك، أما تعيين وصي ليكون إماما وحاكما ورئيس سلطة بأمر الله فهذا ما لا يفعله لأنه مخالف ومناقض لحقيقة الدين والغرض منه. فليس إذن في دين الإسلام، الذي هوفي الحقيقة الدين الأساس والنبع الذي نبعت منه جميع الرسالات السماوية، مثل هذا الأمر.
... 5 ـ فور وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قام المهاجرون والأنصار، دون إضاعة للوقت، بالاجتماع في سقيفة بني ساعدة لتعيين الرئيس الذي سيكون حاكما عليهم، وأخذوا يتناقشون ويتشاورون لتحقيق هذا الغرض مما يفيد أن هذا الأمر سبيله، في نظرهم، هوالبحث والتشاور، وأن إقامة الحاكم هوبلا شك واجب شرعي ضروري على المسلمين، ولم يأت خلال المناقشات، كما بينا، أي ذكر لكون الحاكم لا يُختار بل هومنصوص عليه من الله، ومن البديهي أنه لوكان للحكومة أي ارتباط بالنص والتعيين الإلهي، لوقعت الإشارة لذلك ولذكَّر به البعض على الأقل، مع أن أحدا لم يتكلم بمثل هذا أبدا، ولا أحد طلب من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن ينصب لهم الحاكم بنفسه لأنهم كانوا يدركون أن هذا مناف لأصل التكليف.
... 6 ـ لم يُسْمَع في تاريخ جميع حكومات الدنيا منذ أن وُجدت الدولة والحكومة على وجه الأرض، بحكَّام منصوص عليهم من الله ومعينين من قِبَلِه إلا لدى القائلين بذلك من الشيعة! اللهم إلا لدى الملوك الجبابرة كفراعنة مصر وملوك فارس وأباطرة اليابان والصين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أبناء الشمس ووارثي السلطان على الدنيا (وأن الملك حقهم الإلهي) تتوارثه ذريتهم جيلا بعد جيل. ومثل هذا الادعاء كان من الممكن أن يلقى قبولا في قرون الظلام وعصور الجهل القديمة، أما اليوم وبفضل نور الدين والعلم، لم يعد لمثل هذه الادعاءات رونق ولا قبول، سيما أن الناس رأت كيف أنه لما يصبح المُلْكُ وراثيا فسيأتي إليه لا محالة من لا يتصف بالصفات الضرورية للحاكم كالعلم والعدالة والسياسة والشجاعة.
... 7ـ في تاريخ الأديان الحقة، لم نجد إلا في بني أسرائيل، حادثة قيام أحد أنبيائهم بنصب ملك (طالوت) عليهم ـ بناء على طلب منهم ـ ليجاهدوا في سبيل الله تحت لوائه، كما أخبرنا الله تعالى في سورة البقرة. ولكن طالوت الملك على الرغم من أن الله تعالى اصطفاه لهم لما أوتي من بسطة في العلم والجسم، إلا أنه لم يكن معصوما، بل عندما قَتلَ داودُ جالوتَ، وكان طالوتُ قد وعد من قَتل جالوت أن ينكحه ابنته، لكن بعد أن صارت لداود شعبية وغدى محبوبا في بني إسرائيل خشي طالوت منه على ملكه فسعى في قتله فعلم داود ذلك ففر منه ... إلى آخر ما جاء في التواريخ التي ذكرت هذه القصة. فتبين أنه لم يكن هناك شيء اسمه إمامٌ أي حاكمٌ معصومٌ، حتى بالنسبة لذلك الحاكم المنصوب والمعين قطعا من قبل نبي من أنبياء الله!
إذن ما حقيقة قصة الغدير؟
... أحد القضايا التي يغفلها الكثيرون ولا يميلون للبحث فيها في موضوع الإمامة بالنص هودراسة خلفية حادثة الغدير أي الأمور التي حدثت في السنة العاشرة للهجرة وكانت الأرضية الأساسية التي أدت لواقعة الغدير، في حين أن الاطلاع على هذه الخلفية ضروري جداً للفهم الصحيح لخطبة غدير خم.
... خلاصة قصة الغدير، طبقا لما روته كتب التاريخ الإسلامي مثل سيرة ابن هشام (الجزء الرابع، الصفحة 274) التي هي أقدم كتب السيرة المتوفرة، وتواريخ وتفاسير الفريقين الشيعة والسنة، كتفسير جمال الدين أبي الفتوح الرازي (1) وتفسير ابن كثير وتاريخ البداية والنهاية لابن كثير أيضا وكتاب مجالس المؤمنين (الجزء الأول، صفحة 43) للقاضي نور الله الشوشتري (2) وغيرها، ما يلي:
__________
(1) تفسير رَوح الجَنان ورُوح الجِنان " تصحيح علي أكبر غفاري، جيد4 / ص 275 إلى 277.
(2) هوا السيد نور الله بن شريف الدين الحسيني المرعشي التستري أوالشوشتري الهندي، يعرف بالشهيد الثالث، متكلم فقيه إمامي دافع عن المذهب ورد على مبطليه في عدة كتب شهيرة، توفي مقتولا سنة 1.19 هـ. (مت)
... في السنة العاشرة للهجرة توجه رسول الله صلّىالله عليه وآله إلى مكة المكرمة ليؤدي مناسك الحج الإسلامي ويعلّمها الناس ولتكون فرصة يعطي فيها المسلمين الذين انضووا تحت رسالته آخر وصاياه، وأرسل صلّىالله عليه وآله رسائل إلى رؤساء القبائل العربية وعماله في نواحي الجزيرة العربية يدعوهم فيها إلى المجيء لمكة في أيام الحج ليؤدوا المناسك معه، وكان من جملة الرسائل كتابٌ بعث به إلى علي بن أبي طالب - عليه السلام - الذي كان في ذلك الحين في اليمن، حيث كان صلّىالله عليه وآله وسلّم بعثه لجمع أموال الزكاة فيها، دعاه فيه كذلك إلى الحضور لمكة أيام الحج، فوصل الكتاب لعليٍّ وهوفي اليمن أوفي طريقه من اليمن إلى المدينة حاملا أموال الزكاة، فرأى - عليه السلام - أنه لوأراد أن يأتي مكة بما معه من أموال بيت المال ـ التي كان أغلبها في ذلك الوقت من المواشي كالإبل والبقر والغنم ـ لما استطاع الوصول إلى الحج في الوقت المطلوب، لذا اضطر أن يوكل أمر حمل أموال الزكاة 'إلى الذين كانوا برفقته، كأبي بريدة الأسلمي وخالد بن الوليد وغيرهما، وينطلق بمفرده مسرعا إلى مكة، فوصل مكة ولقي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يوم السابع أوالثامن من ذي الحجة، وبعد أداء مناسك الحج، قفل راجعا إلى طريق اليمن ليكمل مهمته في حمل أموال بيت المال، فلقي القافلة وهي في طريقها إلى المدينة، ووجد بريدة الأسلمي وخالد بن الوليد تصرّفا في بعض أموالها، سيما بعض الحلل اليمنية، فغضب ـ كما هي عادته تجاه أي تصرف شخصي ليس في محله في بيت مال المسلمين ـ فنهر بريدة وخالدا ووبخهم على صنيعهم، وفي بعض التواريخ أنه - عليه السلام - سبهم وضربهم، فكبر ذلك عليهم، لا سيما أنهما كانا من الوجهاء والأكابر في قومهما، فحملا في قلبهما الحقد على علي واستعدا للانتقام لأنفسهما فأرسلا شخصا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، الذي
كان في طريق عودته من مكة إلى المدينة، وفي بعض التواريخ أنهم ذهبوا إليه بأنفسهم، واشتكوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عنف وتشدد علي معهم، لدرجة أن بعض التواريخ تذكر أنهم سبوا عليا في محضر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، ولما رأوا علامات الغضب على وجهه وظنوا أنه غضب لأجلهم من علي، واصلوا الشكوى بلهجة أكثر حدة، عند ذلك نهاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ومنعهم من هذا الكلام وذكر طرفا من فضائله، وكان مما قال: "ارفعوا ألسنتكم عن علي فإنه خشن في ذات الله غير مداهن في دينه" أو"ما لكم ولعلِيّ! علِيٌّ منّي وأنا منه وهووليّ كلّ مؤمن بعدي " أو"من كنت مولاه فعلِيٌّ مولاه ".
... لكن خالدا وبريدة والآخرين كانوا قد أساؤا القول من قبل بحق عليٍّ أمام الصحابة الآخرين بما فيه الكفاية، ولعلهم استمروا في ذلك حتى بعد نهي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لهم، مما شوّه صورة علي في ذهن عديد من الصحابة، لا سيما أن عددا منهم لم يكن قد تعرّف على عليٍّ بعد، فلما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ذلك، شعر أنه لا بد من الدفاع عن شخصية حضرة عليّ البارزة االمتميزة ويعرّف المسلمين بعلومقامه وذلك قبل أن يتفرق المسلمون هنا وهناك عائدين إلى بلدانهم (1)، ثم بالإضافة لكون الدفاع عن شخصية مؤمن مسلم ممتاز أمراً لازما وواجبا شرعا، فإنه مما لا شك فيه أيضا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) كان يميل في قلبه إلى أن يرتضي المسلمون من بعده عليا لولاية أمرهم وإمامتهم وحكمهم، لهذا كله قام (صلى الله عليه وآله وسلّم) ـ أثناء توقفه لصلاة الظهر بجوار غديرٍ يُدْعى خُمَّا ـ بإلقاء كلمة عقب الصلاة أشار فيها لدنورحيله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ولمقام أهل بيته ثم عرَّف المسلمين بذلك الجناب (أي علي) وبيّن وجوبَ موالاته ومحبته على كل مسلم، لكن ما قاله وبينه لم يكن معناه أبدا النص عليه بالخلافة والإمارة بأمر الله تعالى وحكمه، وذلك للدلائل العقلية والنقلية التي سبقت والتي ستأتي إن شاء الله.
هل أُريد بحديث الغدير النص على عليٍّ (ع') بالخلافة؟
__________
(1) وإلا لوكان القصد من التوقف وخطبة الغدير هوإعلان إمارة علي (ع) فلماذا لم يفعل النبي (ص) ذلك في خطبة حجة الوداع أولا لأنه كان يحضرها آلاف المسلمين وثانيا لأنه كان (ص) بذلك يطلع جميع أهل مكة على إمامة علي ويقيم عليهم الحجة بذلك؟! أولماذا على الأقل لم يخطب هذه الخطبة في المدينة ليطلع عليها ويسمعها جميع أهل المدينة ـ الذين لعبوا الدور الأول والأساسي في تولية أبي بكر؟! ( x)
...  للدلائل التالية نرى أن هذا الحديث ليس نصا على علي بالخلافة:
... 1 ـ أقوى دليل على ذلك أن أحدا من الذين شهدوا ذلك الاجتماع وسمعوا تلك الخطبة لم يفهم منها هذا المعنى، ولهذا لم يأت أحد على حديث الغدير بذكر في سقيفة بني ساعدة ولا حتى أُشير إليه مجرّد إشارة، ولا استند إليه أحد بعد ذلك في تمام عهد الخلفاء الراشدين، إلى أن جاء المفرِّقون بعد عهد طويل فاستندوا إليه وقالوا ما قالوا.
... 2 ـ لم يأت أمير المؤمنين عليٌّ - عليه السلام - نفسه ولا أنصاره من بني هاشم وغيرهم في السقيفة وبعد نصب أبي بكر - رضي الله عنه - للخلافة، على حديث الغدير بذكر ولا استندوا عليه لإثبات النص على علي، وحتى الاثني عشر نفراً من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين ـ طبقا لادعاء بعض الروايات ـ احتجوا على أبي بكر - رضي الله عنه - مؤيدين لحق علي في الخلافة، لم يستندوا إلى هذا الحديث لإثبات أولويته - عليه السلام - بأمر الخلافة، وعندما جاء في كلمات بعضهم ذكر لهذا الحديث، كان على سبيل ذكر الفضائل والمناقب لا على أساس أنه نص إلهي قاطع من جانب الله، هذا بغض النظر عن أن حديث احتجاج النفر الاثني عشر يحتاج لتمحيص أكثر للتأكد من صحته أوسقمه لأن احتمال وضعه قوي جدا بل يقيني.
... 3 ـ قوة إيمان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ومدح القرآن لهم يتناقض تماما مع ادعاء كتمانهم للإمامة وردهم للخلافة المقررة من قبل الله - عز وجل -، خاصة أنه كما تبين معنا لم يكن لدى الكثير منهم أي مانع أواعتراض على زعامته حيث صرحوا أنهم لوسمعوا كلام علي قبل تمام بيعتهم لأبي بكر لما تخلفوا عن بيعته، مما يؤكد عدم وجود أي دافع لهم لكتمان خطبة الغدير أوللإعراض عن العمل بها لوكانوا قد فهموا منها حقا النصب الإلهي لعلي خليفة وإماما.
... 4 ـ كون قصة الغدير ـ كما تبين ـ أوجبتها قضية تصرف خالد وبريدة بأموال الزكاة بلا وجه حق والتي أدت لغضب علي - عليه السلام - وتعنيفه لهم مما أثار سخطهم عليه وشكايتهم إياه إلى رسول الله (1)، يبين أن مراده (صلىالله عليه وآله وسلم) من خطبته تلك أن يؤكد على المسلمين محبة ونصرة وتقدير علي - عليه السلام -.
... 5 ـ الجملة المهمة والحاسمة في حديث غدير خم والتي يتفق جميع المسلمين على صحة صدورها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) هي قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): [من كنت مولاه فهذا علي مولاه]. إن الانتباه الدقيق لمعنى هذه الجملة من شأنه أن يرفع كثير من المشكلات. فهذه الجملة لا تفيد أبدا معنى الخلافة والإمامة لعلي بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) للدلائل التالية:
أ ـ ذكر العلامة عبد الحسن الأميني في كتابه "الغدير" ـ نقلا عن علماء اللغة ـ لكلمة "المولى" سبعة وعشرين معنى وهي:
1ـ الربّ 2ـ العمّ 3ـ ابن العمّ 4ـ الابن 5ـ ابن الأخت
6ـ المعتِق 7ـ المعتَق 8ـ العبد 9ـ المالك 1.ـ التابع
11ـ المنعَم عليه ... 12ـ الشريك ... 13ـ الحليف ... 14ـ الصاحب ... 15ـ الجار
16ـ النزيل ... 17ـ الصهر ... 18ـ القريب ... 19ـ المنعِم 2.ـ الفقيد
21ـ الولي 22ـ الأولى بالشيء 23ـ السيد غير المالك والمعتِق
24ـ المحب 25ـ الناصر 26ـ المتصرِّف في الأمر 27ـ المتولى في الأمر.
__________
(1) يروي العلامة الأميني في كتابه الغدير (ج1/ص 384، الطبعة الثالثة): ((عن بريدة قال: غزوت مع علي اليمن، فرأيت منه جفوة فلما قدمت على رسول الله (ص) ذكرت عليا فتنقَّصته، فرأيت وجه رسول الله يتغير، فقال: يا بريدة! ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه)).
... ورغم كل ما بذله العلامة الأميني من جهد، لم يوَفَّق في استخراج معنى: الخليفة أوالحاكم أوالأمير ... لكلمة "المولى"، واعترف أن لفظ "المولى" من الألفاظ المشتركة وأنه أكثر ما يقصد به هو"الأولى بالشيء" (أي المعنى الثاني والعشرين). وعليه فلا يمكن فهم المعنى المراد من "المولى" بدون قرينة. فإذا انتبهنا لقرينة السبب الذي أوجب إلقاء هذه الكلمة، وإلى القرينة اللفظية المتجلية في تتمة الحديث: ((اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره ... )) لم يعد من الصعب أن نعرف أن المعنى المراد من "المولى" هنا هوشيء يجمعه المعاني: الصاحب (الصديق) المحب الناصر (المعاني: 14 و24 و25)، لأن معنى التتمة هو: اللهم صادق وأحب كل من يصادق ويحب عليا وعاد كل من يبغض ويعادي علياً (1).
ب ـ كان الرسول يريد من الناس محبة علي، حيث أن الباعث لكلمته تلك كان موقف خالد وأبي بريدة وبعض الصحابة من علي كما بينّا.
ج ـ لا يُفْهَم أبدا من كلمة المولى معنى الخليفة والإمام ولم تأت هذه الكلمة في لغة العرب بهذا المعنى.
__________
(1) انظر لسان العرب لابن منظور: ج 15 / ص 4.9 حيث يقول: " والى فلان فلانا: إذا أحبَّه " ويقول قبل ذلك:" وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) اللهم وال من والاه: أي أحب من أحبه "
... 5 ـ في جملة "من كنت مولاه فعلي مولاه" نقطة ذات دلالة مهمة جدا، كثيرا ما حالت غوغاء الجدال والعصبية المذهبية من التنبه إليها رغم وضوحها الشديد، وهي أن كلمة "مولاه" أيا كان المعنى المراد منها، فإن معنى الجملة لن يكون إلا أنه: كل من أنا الآن مولاه فإن عليا الآن أيضا مولاه، وبعبارة أخرى أن النبي (صلىالله عليه وآله وسلم) بكلمة "فعلي مولاه" يريد تأكيد الثبوت المتزامن لعلي لنفس الأمر الذي هوثابت للنبي (صلىالله عليه وآله وسلم) الآن. فلوفرضنا جدلا أن المقصود من كلمة "مولاه": حاكمه وإمامه (رغم عدم مساعدة اللغة على ذلك)، للزم أن يقيّدها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بقيد: [بعدي]، لأنَّ علياً لا يمكنه أبداً أن يكون إمام المسلمين وحاكمهم مع وجود الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)!، مع أن مثل هذا القيد لا يوجد في أيٍّ من روايات الحديث.
... 6 ـ طبقا للروايات والأحاديث الواهية الكثيرة للقائلين بالنص، فإن خلافة وولاية علي - عليه السلام - أهم غرض ومراد لرب العالمين! إذ يدَّعون أن جميع رسل الله تعالى وأنبيائه الكرام من لدن آدم إلى النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)، بينوا لأقوامهم مسألة إمامة علي وولايته، كما بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك الأمر أكثر من ألف مرة منذ بداية بعثته وإلى رحلته (صلى الله عليه وآله وسلم) وذكّر به في كل مناسبة، في مجالس فردية أوجماعية، كما نزلت أكثر آيات القرآن في هذا الأمر، ورغم كل ذلك لم يول أحد هذا الأمر عناية بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكأن الله تعالى ـ والعياذ بالله ـ عجز عن تحقيق إرادته، مع أنه القائل: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز} المجادلة / 21. فكيف تأتَّى أن يُهْجَرَ مثل ذلك الأمر ويُنْسَى نهائيا على ذلك النحو؟؟ ألا يدل ذلك على أنه لم يكن على الصورة التي ذكروها؟.
... 7 ـ تشير سنة الله تعالى إلى أنه عندما يريد أن يختار أحدا من عباده ويبعثه للدعوة والإصلاح، فإنه يصطفيه من بين الضعفاء والفقراء ويخلع عليه خلعة النبوة، ثم يؤيده وينصره على جبابرة الدنيا وعتاتها، ليحقق بذلك إرادته. ومن هنا نرى أن الله سبحانه يجتبي إبراهيم - عليه السلام - من عائلة وثنية تنحت الأصنام، فيبعثه سبحانه ليشيد بنيان التوحيد على ذلك النحو، ورغم اضطهاده وإجباره على الهجرة والخروج من بيته وموطنه، كانت إرادة الله تعالى هي الغالبة في نهاية المطاف، ووصل إبراهيم لذلك المقام العظيم الذي قال فيه سبحانه: {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما} النساء / 54. وأرسل موسى - عليه السلام - بلباس الراعي ونعله وعصاه، إلى فرعون، مدّعي الألوهية ومالك ملك مصر، فنصره عليه ومنحه قوة وقدرة جعلت فرعون وآله يصيرون إلى قاع البحر، وغدا موسى بعصاه ويده البيضاء مؤسسا لسلطان ملوك كبار من بعده (من بني اسرائيل)، ويأتي بدين وكتاب بعث الله تعالى بعده أكثر من سبعين ألف نبي لتجديده وإحيائه.
... وكذلك اصطفى محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) وهويتيم أمي من أم أرملة فقيرة توفي زوجها قبل أن يولد وما ترك لها إلا وليدها الصغير وأربع عنزات وبغلة، فأضفى عليه سبحانه عظمة وقدرة وأصبح دينه أبديا خالدا، وأخضع له رقاب كبار الطغاة في عصره، فإذا به يكتب ـ خلال المدة القصيرة لبعثته ـ رسائل لستةٍ من كبار سلاطين الدنيا في عصره الذين كانوا ملوك العصر الذين لا يُنازَعون، يدعوهم فيها للدخول في دينه، ثم لا تمضي مدة قصيرة إلا وتنضوي جميع تلك البلدان، التي كتب لملوكها الرسائل، تحت سلطان الدولة الإسلامية التي أسسها، ويبقى دينه خالدا ما بقي الدهر.
... فلوأن خلافة علي وولايته كانت حقا غاية إلهية عظيمة وكان الله ورسوله يريدان ذلك عبر كل تلك الأحاديث والروايات، فلماذا لم يستطع الله (!) ـ تعالى الله عن ذلك ـ حتى بيان ذلك المطلب بشكل قاطع وصريح في كتابه الكريم وبواسطة نبيه الكريم أوأي أحد آخر من عباده لتتحقق إرادته وينتصر هدفه ولا يضل الناس ذلك الضلال المبين؟، هذا إن كان عدم توليته ضلالا مبينا حقا، أوليس هوالقائل: {والله غالب على أمره} والقائل: {ألا إن حزب الله هم الغلبون}؟ فكيف نفسر هذا الفشل في تحقيق ذلك المراد الخطير؟ اللهم إلا أن نعترف بأنه لم يكن هناك مثل هذا الهدف والقصد وأن تلك الادعاءات العريضة ادعاءات باطلة لا أساس لها.
... 8 ـ والأهم من ذلك هوتلك الطريقة العجيبة التي ليس لها سابقة والتي لا يمكن أبدا تبريرها التي يدعون أن الشارع تعالى بين بها أصل "الإمامة المنصوص عليها"، رغم أهميته العظيمة. وهذه قضية جديرة بأن تفتح الطريق أمام المنصفين وطلاب الحق لمعرفة حقيقة القضية.
... فإن في القرآن الكريم مئات الآيات البينة المحكمة التي تقرر أصل "التوحيد" وكذلك عشرات بل مئات الآيات التي تتكلم عن "اليوم الآخر"، وكذلك ليست قليلة الآيات الواضحة التي تقرر أصل "النبوة العامة" وتبين وتستدل على أصل "نبوة النبي (صلىالله عليه وآله وسلم) الخاصة"، وهكذا حول بقية أصول الدين وأركان الإيمان، بل لقد بين القرآن أيضا كثيرا من الفروع (حتى الجزئية الصغيرة منها كلزوم رد التحية بأحسن منها والتوسع في المجالس .. إلخ)، وقد بين القرآن كل تلك الأصول بعبارات واضحة جلية محكمة لا مجال للبس أوالاحتمال أوالغموض فيها، يفهم منها المراد مباشرة ـ بنحوالإجمال على أقل تقدير ـ بدون الحاجة للاعتماد على الحديث. ولكن لماذا ترك القرآن هذه الطريقة في بيانه أصل "الإمامة" الخطير الذي هومناط السعادة وحفظ الدين كما يقولون؟؟! وأما الآيات التي يذكرونها على أنها تنص على موضوع الإمامة فهي آيات يقتضي قبول ارتباطها بموضوع الإمامة أن نغمض النظر عما قبلها وما بعدها من آيات أي عن سياقها، بل أحيانا يقتضي أن لا نكمل الآية إلى آخرها أي أن نقص العبارة من الآيات قصا!! علاوة على الإشكال الأكبر وهوأنها آيات لا تفيد المدعى إلا بمساعدة الحديث، وبدونه لا تدل على المطلوب أبدا؟!! حقا إنه لعجيب جدا هذا الاستثناء في طريقة الشارع المقدس في بيانه لأصول الدين، حيث عوضا عن الصراحة والوضوح المعهودين دائما منه، يختار هنا ـ في هدايته الأمة لهذا الأصل العظيم ـ الإبهام والغموض. وحتى عندما نأتي للحديث الذي يدعون أنه نص على الإمامة نجده غير قاطع في المراد، ونجده يستخدم كلمة "مولى" التي يعترف المؤيدون للإمامة بالنص، أن لها على الأقل سبعة وعشرون معنى في اللغة العربية!!! ونجد سياق الحديث وملابساته وقرائنه تدل على أن المراد بالمولى أمر غير الإمامة والإمارة. هذا في حين أن النبي الأكرم (صلىالله عليه وآله
وسلم) كان شديد الحرص على هداية قومه (1) وكان "أفصح من نطق بالضاد"، فلا شك أنه لوأراد هداية أمته وإتمام الحجة عليها ببيان أصل أساسي وخطير من أصول الدين لبينه بعبارات واضحة جلية لا لبس فيها، لا بعبارات مشتبهة مشتركة يعسر فهم المراد منها!! (2).
__________
(1) إشارة إلى ما جاء في سورة الكهف/ آية 6: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} ونحوها في سورة الشعراء/ آية 3. وكذلك قوله تعالى: {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل} النحل/37، وقوله عز من قائل: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} التوبة/ 128. ( x)
(2)  هذا الغموض كان لدرجة أنه انعكس حتى في روايات المعتقدين بالإمامة المنصوصة من الله لعلي (ع) وكأنهم يعترفون بهذا المغموض!! فمن جملة ذلك ما رواه الطبرسي في "الاحتجاج" أن الأنصار لم يفهموا مراد الرسول من خطبة الغدير!!! واضطروا لأجل ذلك أن يرسلوا شخصا إلى النبي (ص) ليسأله عن مقصوده من ذلك الحديث، والنبي (ص) ـ طبق هذه الرواية ـ حتى في توضيحه لحديثه لم يستخدم أيضا لفظة: "ولي الأمر"؟!! وسنتعرض لهذه الرواية بالتفصيل في الصفحات القادمة إن شاء الله. ( x)
...  هل أهمية أصل "الإمامة" أقل من قصة "زيد" الذي ذُكِر اسمه صريحا في القرآن؟! هل يمكن قبول هذا التفاوت لهذا الحد في طريقة بيان أصول الدين؟! ليت شعري هل فكر القائلون بالإمامة المنصوصة من الله تعالى بهذه القضية أنه لماذا لا يوجد في القرآن الكريم أي أثر لأصل هذه الإمامة رغم أنها عندهم أعلى من "النبوة والرسالة"؟!! (1) هل يمكن أن نتصور أن قائل: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} (الأنعام/38) و{نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} النحل/89 يغفل ذكر موضوع على ذلك الجانب من الخطورة والأهمية؟؟! هل أهمية قصة أصحاب الكهف الذي لم يغفل الله تعالى حتى ذكر كلبهم أكثر من أهمية موضوع الإمامة؟؟ هل يترك القرآن الكريم ـ الذي أنزله الله تعالى لهداية الناس إلى يوم القيامة ـ البيان القاطع الشافي لموضوع وقع فيه الاختلاف بين الأمة لقرون بل أدى أحيانا لحروب ومنازعات بينها في حين يذكر بالتفصيل قصص السابقين مثل ذي القرنين ولقمان وهارون و... ؟ هل يمتنع الله تعالى الذي لم يمتنع عن ذكر البعوضة في القرآن أن يذكر موضوع الإمامة؟؟ هل هكذا كانت تكون طريقة هداية الناس؟
... في رأينا إن كل من له معرفة وأنس بالقرآن الكريم، لن يرتاب أبدا في أن هذا النحوالمدعى من موقف القرآن وبيانه عن الإمامة لا يتناسب مع طريقة القرآن الكريم من قريب ولا بعيد.
علي إمام المسلمين بحق
__________
(1) يعتقد الإمامية أن مقام " الإمامة" فوق مقام "النبوة والرسالة" أما أنهم كيف إذن لم يعتبروا عليا (ع) أفضل من رسول الله (ص) بل يجمعون على علووأفضلية النبي (ص)؟ فسببه أنهم يقولون أن الرسول (صلىالله عليه وآله وسلم) كان حائزا أيضا على مقام الإمامة علاوة على مقام النبوة والرسالة. ( x)
...  مما لا نحتاج لتنبيه القارئ إليه أن ما ذكرناه ودللنا عليه من عدم النص والفرض الإلهي المباشر لعليٍّ حاكما وخليفةً، ليس معناه أبدا إنكار إمامة علي للمسلمين، بل هوأحق من استحق في كل التاريخ لقب خليفة رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) لا من جهة كونه خليفة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنص خاص من جانب الله - عز وجل -، بل من جهة حقيقة وواقع الأمر أي من جهة ملكات علي - عليه السلام - الذاتية ومناقبه الشخصية وكونه خير من تجسَّدت به شخصية الرسول (صلىالله عليه وآله وسلم) وتعاليم الإسلام، فهوإمام المسلمين وأولاهم بخلافة النبي انطلاقا من مقامه الروحي والعلمي وأفضليته الدينية التي لا يرقى إليها أحد من صحابة رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم)، فعلي - عليه السلام - كان بلا شك أليق وأحق من جميع المسلمين بإمامة الأمة بمعنييها الروحي والسياسي، فهوالخليفة بحق، لأن الإمام في أمة الإسلام يجب أن يكون أعلم وأشجع وأتقى وأليق الأمة وهذه الصفات كانت متوفرة في حضرته بشكلها الأتم والأكمل ولم يكن من بين الصحابة من يصل إلى درجته، حتى أنه يمكن القول بأنه لم يكن يوجد في الصحابة من ينكر ذلك الأمر، بقي أن نفسر إذا لماذا سبقه غيره من الصحابة إلى منصب الخلافة وتقدم عليه؟؟ بتأمل ملابسات الخلافة بعد رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) يتبين أن علل ذلك يمكن تلخيصها بالأسباب التالية:
... 1ـ تمت بيعة السقيفة بشكل مفاجئ وسريع حتى أن عمر - رضي الله عنه - أقر منصفا أكثر من مرة أن: "بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرَّها! " وأن: "من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له ولا الذي بايعه" (1)، وعلة ذلك عدة أمور:
__________
(1) انظر سيرة ابن هشام: ج4 / ص 3.7.
كانت مدة مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قصيرة لم تتجاوز الأسبوع، وقد وجدت آثار التحسن في حاله الشريفة أكثر من مرة خلال هذه المدة بحيث أنه ما كان يُظّنُّ أن الرسول سيفارق الدنيا على أثر هذا المرض، لذا لم يكن لدى الصحابة المجال الكافي للتفكير والتدبر في الأمر برويّة.
وقعت وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في وقت كان فيه أربعة من الدجَّالين قد ادعوا النبوَّة في أطراف المدينة المنوَّرة وهم مسيلمة وسجاح والأسود وأبوطليحة، فلوحصل أي تردد أوتأخير في تعيين الحاكم ورئيس الجماعة المسلمة لكان من الممكن أن يجد مدّعوا النبوَّة ـ الذين كانوا أعداء متربصين بالإسلام ـ الفرصة سانحة لمحاصرة المدينة والاستيلاء عليها وقد ينجر ذلك لوقوع مذبحة للمسلمين.
كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد كتب في أواخر حياته الشريفة رسائل إلى ملوك ورؤساء الدنيا حوله يدعوهم فيها إلى الإسلام، كرسائله التي كتبها لهرقل عظيم الروم في سوريا والمقوقس ملك الأقباط في مصر وخسروبرويز (كسرى) شاهنشاه إيران، ولذلك كان هؤلاء يتحسَّبون لخطر المسلمين، فإذا عرفوا أن نبي المسلمين قد فارق الدنيا وأن أصحابه انقسموا في شأن خلافته ولا زالوا بلا قائد يوحدهم، لربما سارعوا إلى الانقضاض علىالمدينة وإخضاع المسلمين، لذا كان (الصحابة يشعرون أنه) لا بد من الإسراع في نصب الخليفة دفعا لهذه الأخطار المحتملة.
كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حال احتضاره قد جهز جيشا بقيادة أسامة بن زيد وأمره بالتحرُّك نحواليرموك، ولكن طروء وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) أوقع الجيش في ارتباك وحيرة وما عاد يعرف ماذا يتوجب عليه فعله في هذا الظرف الجديد، لذا كان لا بد من تعيين سريع لإمام وحاكم على المسلمين ليعين تكليف هذا الجيش.
كان المسلمون يدركون أن تعيين الرئيس الحاكم عليهم، وصاحب السلطة التنفيذية لتنفيذ أحكام الإسلام، من أهم الواجبات، خاصة في تلك الظروف الحرجة والأوضاع المضطربة المذكورة (1). وهذا ما أشار إليه علي - عليه السلام - في رسالة جوابية كتبها لمعاوية حيث قال: [والواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المسلمين، بعدما يموت إمامهم أويُقتَل، ضالا كان أومهتديا، مظلوما كان أوظالما، أن لا يعملوا عملا ولا يُحْدِثوا حدثا ولا يقدِّموا يدا أورجلا ولا يبدؤا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماما].
__________
(1) تذكر كتب التاريخ مثل السيرة النبوية لابن هشام (ج 4/ ص 316) والكامل في التاريخ لابن الأثير أنه: "لما توفي رسول الله (ص) ارتدت العرب واشرأبت اليهودية والنصرانية ونجم النفاق وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم " وتذكر أيضا: "أن أكثر أهل مكة لما توفي رسول الله (ص) هموا بالرجوع عن الإسلام وأرادوا ذلك، حتى خافهم عتاب بن أسيد (رض) فتوارى، فقام سهيل بن عمروفحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر وفاة رسول الله (ص) وقال إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة". ( x)
وقوع اختلاف بين المهاجرين والأنصار في إحدى الغزوات، وكذلك بين الأوس والخزرج، كان دالا على أن العصبية القبائلية لم تجف جذورها بل لا زالت ذات أثر فيهم، وهي عصبية قد تؤدي لمصائب إذا لم يتم كبحها بسرعة، لذا كان لا بد من عدم التواني لحظة في نصب الإمام والحاكم لضبط الأمور ومنع حدوث أي صراع أونزاع قد يفلت معه الأمر من أيديهم، ولمواصلة تطبيق أحكام وأوامر الشريعة الإلهية الخالدة التي لا يجوز تعطيلها حتى ولا دقيقة واحدة، من هذا المنطلق كان الصحابة في غاية العجلة لتحقيق هذا الأمر، يضاف إلى ذلك أن جماعة المهاجرين الذين كانوا قد سمعوه (صلىالله عليه وآله وسلم) يقول: ((الأئمة من قريش)) وسمعوه يوصي بالأنصار قائلا: ((اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار)) (1)، و((إن الأنصار كَرِشي وعيبتي .. فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم .. )) (2)، فهموا من ذلك ـ كما فهم علي - عليه السلام - ذلك أيضا (3)
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه: 44ـ كتاب فضائل الصحابة/ حديث 172 عن زيد بن أرقم، والترمذي في جامعه: ج 5/ 39.2) عن قتادة. (مت)
(2) أخرجه البخاري في صحيحه (63 ـ كتاب فضائل الأنصار/ 11 ـ باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - اقبلوا من محسنهم .. ) ومسلم في صحيحه (44 ـ كتاب فضائل الصحابة / ح 176). (مت)
(3) جاء في الخطبة رقم 67 من نهج البلاغة أنه: ((لما انتهت إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) قال عليه السلام: ما قالت الأنصار؟ قالوا: قالت: منا أمير ومنكم أمير، قال عليه السلام: فهلا احتججتم عليهم بأن رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) وصى بأن يُحسَن إلى محسنهم ويُتَجاوز عن مسيئهم؟ قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟ فقال عليه السلام: لوكانت الإمامة فيهم لم تكن الوصية بهم. ثم قال عليه السلام: فماذا قالت قريش؟ قالوا: احتجت بأنها شجرة الرسول (صلىالله عليه وآله وسلم)، فقال عليه السلام: احتجوا بالشجرة، وأضاعوا الثمرة!)).
... ونلاحظ هنا أيضا أن عليا لم يشر في هذا المقام إلى موضوع النص عليه في غدير خم، رغم أن المقام كان يوجب الإشارة لذلك والاحتجاج به، بل كل ما قاله أنه أولى بالرسول (صلىالله عليه وآله وسلم) لأنه إذا كانت قريش والمهاجرون شجرة الرسول فهولب هذه الشجرة وثمرتها. ولا شك أنه لوكان عليه السلام يعتقد بأن الله تعالى نص عليه فعلا في الغدير، لقال للناس عوضا عن ذلك ـ من باب الأمر بالمعروف وإرشاد خلق الله وتذكير الناس بالحق وإتمام الحجة عليهم ـ: لماذا لم يذكروا أولم يحتجوا بخطبة غدير خم؟ ولماذا تخلفوا عن أمر الله تعالى؟ حقا إنه غير قابل للتصديق أن يكتفي علي عليه السلام ببيان أولويته وأصلحيته، ويسكت عن بيان أمر الله تعالى ونصه! (برقعي)
ـ موافقته (صلىالله عليه وآله وسلم) على أن ولاية الأمر ليست فيهم بل في قريش والمهاجرين شجرة الرسول (صلىالله عليه وآله وسلم)، لذلك اضطرهم ما رأوه من استعجال الأنصار في سعيهم لتنصيب خليفة من بينهم أن يتداركوا الأمر بسرعة ويمنعوهم من ذلك قبل أن يخرج الأمر عن أيديهم وينقسم المسلمون على بعضهم، فجزاهم الله تعالى عن الإسلام وأهله كل خير.
... 2 ـ كان علي - عليه السلام - مشغولا بتجهيز رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يشارك في المشورة في السقيفة ولم يطرح نفسه لانتخاب الناس، ولعله لم يسرع في هذا الأمر لأنه ما كان يتوقع أن يعدل عنه الناس، ولربما فهم بعض الناس من عدم حضوره السقيفة أوإرساله من ينوب عنه فيها، عدم رغبته في الأمر، ولذلك لم يتعرضوا لانتخابه، ومن دون شك أنه لوكان قد طرح نفسه للخلافة من البداية واستدل على أولويته بما هومعهود من فصاحته وبلاغته المحيرة وقدرته على الإقناع لما عدل الصحابة عنه إلى غيره ولما وُجِدَ له معارض، كما مر معنا أن عددا من الأنصار لما سمعوا كلامه بعد حادثة السقيفة اعترفوا قائلين: لوسمعنا كلامك هذا من قبل لبايعناك.
... 3 ـ لم يكن يوجد في ذلك الحين كل هذا الكم الهائل من أحاديث فضائل ومناقب ذلك الجناب - عليه السلام - التي يرفعه بعضها إلى مقامات أسطورية فوق بشرية والتي نراها في كتبنا اليوم، ولا كل تلك التأويلات للآيات القرآنية في حقه، ولا كان أحد يعتبر عليا "عين الله الناظرة ويد الله الباسطة"! ولا كان أحد قد وقع بعد في تلك الحيرة (!) التي واجهت أحد شعراء العصور التالية فقال مخاطبا عليا - عليه السلام -:من اكر خداي ندانمت ... متحيرم كه جه خوانمت؟؟ ...
أي: ... إن لم أعتبرك الله ... فأنا محتار ماذا أعتبرك؟؟
... بل كانوا يعتبرونه صحابيا من السابقين المهاجرين المجاهدين العالمين الفقهاء بالقرآن وأحكام الإسلام، ورغم أن تميزه وأفضليته لم تكن مجهولة لدى الصحابة إلا أنهم لم يكونوا متقيدين بأن يكون هوالإمام حتما، ولا كان هذا التميز لدرجة تمنع بالضرورة الآخرين من ذوي الفضل والسابقة في الإسلام أن يتقدموا لهذا المنصب، ولعلهم كانوا يرجحون الشيوخ ذوي التجربة على الشباب من أصحاب الفضل والجهاد، ولذا انتخبوا غيره، ومع ذلك كان في صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من يرى عليا أحق الناس بها لا من جهة أنه منصوص عليه من قِبَل الله تعالى ورسوله، بل من جهة أعلميته بأحكام شرع الله في كل موضوع، ونفس أمير المؤمنين كان يعتبر نفسه أحق وأولى بمقام الإمامة من الآخرين، كما يظهر ذلك في جميع احتجاجاته أواعتراضاته (التي لا نجد فيها إشارة لموضوع نص إلهي عليه)، كما نجد ذلك واضحا في:
1) خطبته الشقشقية المشهورة التي لا تفيد أكثر من كونه كان يرى نفسه أحق من غيره، من حيث الفضل والعلم، بإمامة المسلمين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يقول: [لقد تقمَّصها فلان وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلى الطير .. ] (1) فالكلام فيها عن مقامه المعنوي وعلوكعبه، الذي لا يُرقى إليه، في الفقه والعلم، لا عن نصب إلهي.
__________
(1) من الجدير بالذكر أن راوي هذه الخطبة عن علي عليه السلام هو"عكرمة مولى ابن عباس" وقد قال عنه الممقاني في رجاله: ((قال عن العلامة الحلي في خلاصة الرجال في القسم الثاني من كتابه المخصص للضعفاء: [إنه ليس على طريقتنا ولا من أصحابنا ولم يرد فيه توثيق.] وأورد الشيخ الكليني في الكافي ضمن حديثٍ: [هذا عكرمة في الموت! (أي حاله الروائي ميت) وكان يرى رأي الخوارج.] (ثم استنتج الممقاني قائلا:) [على كل حال فكون عكرمة مولى ابن عباس منحرفا لا يحتاج إلى برهان كما نبه على ذلك السيد ابن طاووس])) انظر تنقيح المقال في أحوال الرجال للممقاني: ج2 / ص 256.
... وهذا ما يحعلنا نتحفظ كثيرا في صحة نسبة هذه الخطبة لعلي عليه السلام إذ من المحتمل جدا أن يكون عكرمة الخارجي ـ والخوارج كانوا ألد أعداء علي ـ نسبها لعلي ليُعرِّفه للناس على أنه كان عدوا للشيخين إذ يقول أنه لولا ضعف اليد وقلة الناصر لحاربهم على الخلافة!! فيصوره عليه السلام على أنه ذووجهين وأنه رغم أنه بايع الخلفاء وصلى خلفهم وصاهرهم إلا أنه كان باغضا لخلافتهم يتمنى لويقدر ان يحاربهم!! ( x)
2 )  ما جاء في كلام آخر له في نهج البلاغة (قسم رسائله - عليه السلام - / الرسالة رقم 62) حين قال: [فلما مضى تنازع المسلمون الأمر من بعده فوالله ما كان يُلقى في روعي ولا خطر على بالي أن العرب تزعج هذا الأمر مِن بعدِهِ مِن أهل بيته] فهويتعجب كيف أزيحت الخلافة عن أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون أن يحتج في ذلك باختصاصه بنص خاص من الله والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على الخلافة.
3) ما رواه ابن طاوس (1)، في كتابه "الطرائف"، والعلامة المجلسي في "البحار" (ج6/ ص 31.) عن أبي الطفيل، قال: [فسمعت عليا يقول: بايع الناس أبا بكر وأنَا والله أولى بالأمر منه .. ].
4) في رسالته التي كتبها - عليه السلام - إلى شيعته بعد مقتل محمد بن أبي بكر وأمر بقراءتها على الناس بعد كل صلاة جمعة، كما رواها ابن طاوس في كتابه "كشف المحجَّة" والثقفي (2) في كتابه "الغارات"، قال: [فلما رأيت الناس قد انثالوا على بيعة أبي بكر أمسكت يدي وظننت أني أولى وأحق بمقام رسول الله منه ومن غيره .. ] (3).
5) في خطبة له - عليه السلام - رواها الثقفي في "الغارات" (ج1/ص 2.2) والسيد ابن طاوس في "كشف المحجة" والمجلسي في البحار (ج 8/ ص 175 من طبعة تبريز) جاء: (( ... أجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم)).
__________
(1) السيد رضي الدين أبوالقاسم علي بن موسى بن طاوس الحلي، متكلم إما مي مشارك توفي 664هـ (مت)
(2) أبواسحق ابراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال المعروف بابن هلال الثقفي الكوفي من علماء القرن الهجري الثالث، كان في أول أمره زيديا ثم انتقل إلى القول بالإمامة، نشأ بالكوفة ثم انتقل إلى أصفهان وتوفي فيها سنة 283هـ (مت)
(3) الغارات، أوالاستنفار والغارات: ص 2.2 (بيروت، دار الأضواء، 14.7هـ/ 1987) (مت)
6) في نهج البلاغة أيضا (الخطبة 74) لما بايع الناس عثمان قال: ((لقد علمتم أني أحق بها من غيري والله لأسلمن ماسلمت أمور المسلمين)).
7) ما رواه سليم بن قيس الهلالي (1) في كتابه، ضمن حديثٍ طويلٍ، عن الإمام علي - عليه السلام - من قوله: [ .. فوَلَّوْا أمرهم قبلي ثلاثة رهط ما بينهم رجل جمع القرآن ولا يدعي أن له علما بكتاب الله وسنة نبيه وقدعلموا أني أعلمهم بكتاب الله وسنة نبيه وأفقههم وأقرؤهم لكتاب الله وأقضاهم بحكم الله ... ]. ومثل هذا جاء أيضا في كثير في كلماته الأخرى - عليه السلام -.
... ولقد ذكرنا في كتابنا "حكومت در اسلام " (أي الحكومة في الإسلام) من الصفحة 141 إلى 149 ما جاء من كلمات الإمام علي - عليه السلام - حول هذا الموضوع منقولة من كتب الشيعة (الإمامية) المعتمدة، حيث تبين فيها جميعا أن الإمام - عليه السلام - كان يعتبر نفسه الأولى والأحق بهذا الأمر من الآخرين، فقط لا غير، ولم يحتجّ أبداً بنص من جانب الله أوالرسول، فلم يقل أبدا أن الخلافة حقي الإلهي الذي أمر الله تعالى به نبيه (صلىالله عليه وآله وسلم) أن ينصِّبني فيه في غدير خم!! مما يؤكد أنه لم يكن ثمة نص على الخلافة لا في الغدير ولا في غير الغدير.
... ولكن صانعي الفرق ومفرقي أمة الإسلام لفَّقوا أدلة باطلة في مواجهة هذه الحقائق الناصعة، فيما يلي بيانها ثم الرد عليها:
__________
(1) انظر الكلام عليه وعلىكتابه المسوم بِ "أسرار آل محمد"في الصفحات:148 - 151 من هذا الكتاب (مت)
(شبهات المخالفين على الأدلة التي ذكرناها والإجابة عليها
(شبهة آية يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك
(شبهة الاستدلال بالآيات التي تتكلم عن المنافقين
شبهات المخالفين على الأدلة التي ذكرناها والإجابة عليها (1):
... (قال بعضهم):السبب في عدم وجود آيات قرآنية صريحة في القرآن الكريم في النص على إمامة علي وخلافته بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أن مخالفي إمامة الإمام حذفوا تلك الآيات لمَّا دونوا القرآن أوحرَّفوها!
... الجواب: وهل كان القرآن الكريم وآياته ملكا خاصا ومنحصرا بيد رقباء الإمام علي حتى يتمكنوا من التصرف به كما يشاؤن فيَحْذِفون أويحرِّفون على هواهم؟؟ ألم يكن نبي الإسلام صلىالله عليه وآله يتلوكل ما يتنَزَّل عليه من آيات على مسامع المسلمين الحاضرين، سواء في مكة أوالمدينة، ثم يبلِّغها لمن كان غائبا، تنفيذا لأمر الله تعالى له بإبلاغ ما أنزله إليه، ليس للعرب فقط بل للعالمين، كما قال سبحانه في سورة الأنعام /91: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ .. } أوقال في سورة المائدة / 67: {يا أيها الرسول بلِّغ ما أُنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلَّغت رسالته}؟؟
__________
(1) قمت بترتيب هذا الباب واختيار عناوين مناسبة له حيث كان بالأصل غير مرتب وبدون عناوين. (مت)
... وهكذا فإن آيات القرآن الكريم كانت تُتْلى على مسامع عشرات الآلاف من المسلمين، وليس هذا فحسب، بل كان المسلمون أيضا مأمورين بأن يتلوا القرآن بأنفسهم في الليل والنهار، وفي صلواتهم الخمس، كما قال سبحانه: {فاقرؤا ما تيسر من القرآن} وقال: {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور .. }، هذا وقد استجاب المؤمنون لهذا النداء الإلهي فكانوا كما وصفهم الله: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به}، فهل من عاقل يمكنه أن يصدق أن آياتٍ من القرآن كانت تُسمَع وتُتْلَى من قبل الآلاف وعلى مدار 23 عاما، تتعرض للنسيان بحيث أن لا أحد يذكرها وبحيث يتمكن عدد من الأشخاص من إسقاطها وحذفها دون أن يلتفت إلى ذلك أحد؟! إن الذي يدَّعي ذلك الادِّعاء إما جاهل أوكافر، أما المؤمن العارف بسيرة نبي الإسلام صلىالله عليه وآله وتاريخ صدر الإسلام فلا يمكنه أن يتفوَّه بمثل ذلك على الإطلاق.
... وعلاوة على ما سبق، ألم يضمن اللهُ تعالى ربُّ العالمين ومُنْزِلُ القرآن المبين حفظَ كتابه وصيانَتَه من الضياع أوالتغيير والتبديل حين قال: {إنا نحن نزَّلنا الذكر وإنَّا له لحافظون} (الحجر/9)؟؟ فهل نصدق قول الله تعالى الذي أنزل القرآن وأكَّد أنه سيحفظه أم قول ذلك الأحمق الجاهل الذي يدعي أن آيات من القرآن حُذِفَت أوحُرِّفَت؟؟
... وأقر بعضهم بأنه لم تنزل في القرآن أية آية تتعلق بِـ "الإمامة المنصوص عليها" وأن الأئمة الاثني عشر ليس لهم ذكر في القرآن، وأن القرآن مصون من أي زيادة أونقصان، ولكنه قال إن علة عدم وجود أي إشارة لهم في القرآن هي أنهم لوذكروا في كتاب الله لقام أعداء الأئمة بحذف تلك الآيات من القرآن ولوقع التحريف في القرآن الكريم، ولذا لم تذكر أسماء الأئمة حفاظا على القرآن من أن تمسه يد التحريف!!؟
... وهذا لعمري قول عجيب وحجة باطلة من أساسها، فكيف نقرأ قوله تعالى {ما فرطنا في الكتاب من شيء} الأنعام/ 38، ثم نقبل أن القرآن ترك ذكر أصل من أصول الدين وبيان أئمة المسلمين الذين معرفتهم شرط للنجاة يوم الدين، مهما كانت أسباب ذلك؟! ثم هل ينطبق ذلك الادعاء، مع الإيمان بالله تعالى القادر على كل شيء؟! أليس في قدرة الله تعالى أن يذكر الإمامة والأئمة في كتابه وبنفس الوقت يصون كتابه من تدخل الأعداء ويحفظه. هل يعقل أن الله تعالى القادر المتعال الفعال لما يشاء يضطر لترك أمر يريده ويغير مشيئته خوفا من العمل المحتمل لحفنة من عباده الضعفاء؟!! لعمري إنه قول لا ينبغي لمسلم ومحبِّ لعلي أن يتفوه به.
شبهة آية يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك
... يستند القائلون بالنص إلى قوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين} المائدة / 67 كدليل على مدعاهم قائلين أن الذي أُمِرَ الرسول بتبليغه في هذه الآية هوالنص الإلهي على خلافة علي وولاية أمره.
... والجواب: أنه ليس في مضمون الآية ولا في سياقها أي شيء يفيد ما يقولونه أبداً، فآيات سورة المائدة بدأً من الآية 13: {فبما نقضهم ميثاقهم لعنَّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية ... } ثم الآيات 41 إلى 45: يبين الله تعالى فيها عصيان اليهود وطغيانهم وتعدِّيهم حدود الله، وعدم حكمهم بما أنزل الله إليهم في التوراة، ثم من الآية 46 فما بعد يتوجه الله تعالى إلى النصارى ويدعوهم للعمل بالإنجيل، ويأمر رسوله (صلى الله عليه وآله و;سلم) بالحكم بما أنزله إليه وعدم اتباع أهواء أهل الكتاب والحذر من فتنتهم، وخلال ذلك ينهى المسلمين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، ويأمرهم بموالاة الله ورسوله والمؤمنين، ليعود ثانية (في الآية 58 فما بعد) لمذمة أعمال أهل الكتاب وموقفهم في مواجهة دعوة الإسلام، وتقريع اليهود على أفعالهم السيئة من قول الإثم وأكل السحت وإيقاد نيران الحروب والسعي في الأرض بالفساد إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد فيقول: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين} أي بلغ ما أنزلناه إليك بشأن أهل الكتاب ولا تخف فالله سيحميك من شر اليهود والنصارى ويظهر أمرك ودينك لأن الله لا يهدي المعرضين عن الحق الكافرين به من أهل الكتاب، ويعقبها مباشرة بقوله: {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم ... } فيأمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول لأهل الكتاب أنهم ليسوا على شيءٍ من الدين ولا حتى الإنسانية إلا إذا أقاموا التوراة والإنجيل وما أُنزل إليهم من ربهم، ثم يذكِّر اليهود كيف نقضوا ميثاقهم وقتلوا أنبياءهم وعَمُوا وصَمُّوا، ثم يعلن بكل صراحة ـ وهذا أخطر ما في القضية ـ كفر النصارى الذين قالوا أن الله هوالمسيح بن مريم أوالذين قالوا أن الله
ثالث ثلاثة، ثم يقول للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم نفعا ولا ضرا ... قل يا أهل الكتاب لا تغلوفي دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا .... لُعِنَ الذين كفروا من بني اسرائيل ... } فهذه هي الأمور الحاسمة الخطيرة التي أُمِر صلوات الله وسلامه عليه وآله بالصدع بها دون خوف ولا وجل ولولم يفعل فما بلغ رسالة الله - عز وجل -.
... هذا ما يقتضيه سياق الآيات، فهل يمكن لعاقل ذي وجدان أن يجعل قوله تعالى {والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين} موجها لأصحاب رسول الله أولئك المسلمين المؤمنين الذين فرغوا لتوهم من أداء فريضة الحج مع رسول الله؟؟ هل كان هذا هوالثواب والجزاء الذي أثاب الله تعالى به الذين أتموا فريضة الحج اتباعا لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وآله، فاعتبرهم كافرين غير مستحقين للهداية؟؟ هذا مع أنه تعالى هونفسه كان قد مدح أولئك الأصحاب في عشرات الآيات قبل هذه الآية وبعدها؟ ألا يوقع تفسير القائلين بالنص لهذه الآية، ألا يوقعهم في نسبة التناقض لكلام الله ـ والعياذ بالله تعالى ـ؟؟
... ثم إن الآية تأمر بإبلاغ " ما أُنْزِلَ إليك " وهوتعبير يراد به الوحي القرآني بالذات، فأين الآيات التي ذُكِر فيها النص على علي بالخلافة والإمامة؟ وكيف سيتم إبلاغ إمامة وخلافة علي ببلاغ ما أنزله الله تعالى إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من القرآن، مع أنه لا توجد فيه آية واحدة صريحة أوحتى غير صريحة حول هذا الموضوع؟
شبهة الاستدلال بالآيات التي تتكلم عن المنافقين ...
... (قال بعضهم): صحيح أن في القرآن آيات في مدح الصحابة، لكن فيه، في مقابل ذلك، آيات عديدة أيضا تدل على أنه كان من بينهم كثير من المنافقين وذلك كالآيات التالية: في سورة النساء/61: { ... رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} وفي سورة المنافقون: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} إلى آخر السورة، وفي سورة الحشر/11 وما بعدها: {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب .. }، وفي سورة الأحزاب /12: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} ثم الآية 6.: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض .. }. وأوضح ذلك ما جاء في سورة التوبة التي من أسمائها الفاضحة لأنها فضحت المنافقين، ففي الآية 64 منها يقول الحق: {يحذر المنافقون أن تُنَزَّلَ عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم .. } وفي الآية 1.1: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم .. } ونحوها كثير في السورة.
... الجواب: هذا الاعتراض منشؤه إما الجهل أوالغرض. نعم كان يوجد بين أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منافقون، لكنهم كانوا متميِّزين بصفات خاصة يبرأ منها بقية أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويمكن من تتبع آيات القرآن الكريم أن نميِّز المنافقين عن غيرهم من عدّة وجوه:
قسم كبير من المنافقين الذين جاء ذمهم في القرآن الكريم، هم المنافقون الذين امتنعوا عن السفر والخروج مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى غزوة تبوك، وقد نزل قسم كبير من آيات سورة التوبة (من الآية 38 إلى آخر السورة) في ذمهم وكشف أحوالهم وأقوالهم وأعمالهم، ولكن جاء خلال ذلك أيضا، في نفس السورة، مدح صادقي الصحابة وذكر أوصافهم العالية التي تميزهم عن المنافقين.
... مثلا في قوله تعالى: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ...... (إلى قوله): إلا تنصروه فقد نصره الله .... (إلى قوله): عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} يذم تعالى المنافقين بعدم نصرتهم للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدم نفرهم معه للجهاد واعتذارهم الكاذب بأنهم لواستطاعوا لخرجوا معه، ويعاتب الله تعالى ويعفوعن رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لإذنه للمنافقين بعدم الخروج معه. لكنه تعالى يقول بعد ذلك: {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين} التوبة/44، مما يبين أن الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في تلك الغزوة هم غير أولئك المنافقين القاعدين ولا تنطبق عليهم آيات الذم تلك.
... والآن للنظر من هم أولئك الذين اعتذروا عن الخروج للجهاد واستأذنوا للقعود؟ هل كانوا هم أصحاب القرار في بيعة السقيفة؟ أبداً، إن أدنى من له معرفة بالسيرة وتاريخ صدر الإسلام وأسباب النزول، يعلم أن هؤلاء المنافقين والمتخلفين والقاعدين وكذلك الذين ذمهم الله تعالى على لمزهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بشأن الصدقات، كما قال عز شأنه: {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يُعطَوْا منها إذا هم يسخطون} التوبة / 58، لم يكونوا أبدا في سقيفة بني ساعدة ولا كان لهم حلٌّ ولا عقدٌ فيها أصلاً.
... وأما الآية الكريمة التي تذكر وجود منافقين في أهل المدينة وفيمن حولها: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ... } التوبة /1.1 فقد جاء قبلها تماما قوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} وجاء بعدها بعدة آيات أيضا: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة .... } التوبة /1.7، وعليه فلا يمكن لأحد مهما كان مغرضا أوجاهلا أن يجعل المهاجرين والأنصار في عداد المنافقين، لأن القرآن فرق بين الفريقين وقابل بينهما مقابلة النور والظلام والإيمان والكفر، فكيف يسوي بينهما إلا مجنون أورجل أعمى التعصب بصيرته؟! إن الذين مدحهم القرآن لم يُبْتَلَوْا أبدا بالنفاق أوالردة وهذا أمر في غاية الوضوح والظهور، علاوة على أن آيات القرآن لا يناقض بعضها بعضا، وأن العقل والوجدان لا يمكنهما أن يصدِّقا أبدا اجتماع حالة (الإيمان الكامل ومدح القرآن مع الردة والنفاق) بحق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله (1).
__________
(1) لقد شهد الله تعالى بالإيمان القلبي الصادق لأهل بيعة الرضوان الذين يشكلون عمدة أهل الحل والعقد في بيعة السقيفة، وذلك في قوله سبحانه: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا} ( x)
الطائفة الثانية من المنافقين المذمومين في القرآن: هم الذين آمنوا أوبالأحرى تظاهروا بالإسلام مكرهين مجبرين لما رأوا راية الإسلام ارتفعت فوق رؤوسهم، وهؤلاء عدة معروفة من أمثال عبد الله بن أُبَيِّ بن سَلُول وأبي سفيان صخر بن حرب والحكم بن أبي العاص ونظائرهم. وقد وصف القرآن الكريم أفعالهم وأقوالهم كقوله عنهم: {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمِروا أن يكفروا به ... } النساء/6.، وقوله: {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لَوَّوْا رؤوسهم ورأيتهم يصدُّون وهم مستكبرون ... (ثم يقول): هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ... } أي كانوا يحرضون الأنصار على عدم إيواء ومساعدة من هاجر إليهم من المهاجرين وفقراء الصحابة، ثم يقول عنهم: {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعز منها الأذل ... } المنافقون / 5 - 7. ومن الواضح أن أحدا من هؤلاء المنافقين لم يكن له حضور في سقيفة بني ساعدة ولا طلب أحد رأيه في مسألة تعيين الخليفة والإمام، حيث أن بعضهم كان قد مات قبل ذلك والبعض الآخر كان خارج المدينة أوكان على درجة من افتضاح نفاقه لا يتمكن معها من حضور مثل تلك الاجتماعات.
والطائفة الثالثة من المنافقين الذين ذمهم القرآن هم الذين كانوا يوالون أعداء الإسلام من اليهود والنصارى ويتحالفون معهم خفية أويعدونهم بالنصرة والعون ضد المسلمين، وصفتهم هذه كانت تظهر للعيان كلما واجه المسلمون عداوة أهل الكتاب أووقعوا في حرب معهم، وكان من الطائفتين السابقتين من يشارك هؤلاء في هذه الصفة الخبيثة، وقد جاء ذكر أمر هؤلاء النمط في عدة سور كقوله تعالى في سورة المائدة: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة .. } الآية 52، وفي سورة النساء: {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما. الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا} الآيتان 138 - 139، وفي سورة الحشر: {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لنخرجنَّ معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا ولئن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون} الآية 11، فإذا دققنا النظر في هذه الآيات (وأسباب نزولها) اتضح لنا مراد الله تعالى من المنافقين وتبين أنه لا يمكن أن نجد أحداً من الأنصار والمهاجرين وسائر الصحابة الكرام الممدوحين في القرآن كان مبتلى بتلك الصفات المذكورة، أوحضر، متلبسا بالنفاق، في السقيفة ليعارض خلافة علي على الرغم من نص الله ووصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم!
... وعلاوة على كل ما سبق، فإن المنافقين كانوا أشخاصا قد أمر الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بمجاهدتهم والغلظة عليهم، فأي واحد من الذين حضروا السقيفة كان ممن كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يجاهده ويغلظ عليه؟ هل عمل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر الله تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير} أم لا؟ فإن عمل فأي واحد من المهاجرين أوالأنصار الحاضرين في السقيفة والذين ساعدوا في البيعة لأبي بكر - رضي الله عنه - كان من الذين جاهدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وغلظ عليهم؟؟!
... 4 ـ (استدل بعضهم) بأن هناك آيات قرآنية تدل على إمكان ارتداد أولئك الأصحاب حتى في زمن حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذلك كقوله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أوقتل انقلبتم على أعقابكم؟! .. } آل عمران / 144، وقوله سبحانه: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه .. } البقرة / 143، وقوله عز من قائل: {يا أيها الذين آمنوا مَنْ يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين .. } المائدة / 54.
... وعلاوة على ذلك، فقد حذَّرَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم (صلى الله عليه وآله) من الوقوع في المعصية أوالجنوح لأهواء المضلين، ومثل هذه التحذيرات تدل على أن وقوع الرسول (صلى الله عليه وآله) في تلك الأمور أمر ممكن ومحتمل (إن لم يعصمه الله)، فإن كان هذا في حق الرسول (صلى الله عليه وآله) ممكنا، أفلا يكون في حق غيره محتملا بنسبة أكثر بكثير؟ وذلك مثل قوله تعالى: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك وإذا لاتخذوك خليلا. ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا. إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف المماة ثم لا تجد لك علينا نصيرا} الإسراء/73 ـ 75 أوقوله تعالى: { .. ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين} البقرة /145، أوقوله سبحانه: { .. ولا تكوننَّ من المشركين. ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين} يونس/1.5 ـ 1.6، أوقوله: {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين .. } الأحزاب/1 ونحوها.
... قالوا: ففي هذه الآيات حذَّر الله الرسولَ (صلى الله عليه وآله) من الوقوع في الشرك أوالخطأ أوالعصيان أواتباع أهواء الكفار، فلولا أن هذا الأمر ممكن الوقوع عقلا لما كان هناك معنى للتحذير منه، هذا مع أن العقل والنقل يشهدان أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) استحق مدح الله والثناء عليه أكثر من أي أحد، وعليه فكما أنه لم يمنع كل المديح والثناء الذي شرف الله تعالى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بقاء إمكان الانحراف والوقوع بالعصيان منه، فمن باب أولى أن يبقى هذا الاحتمال ممكنا في حق أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) رغم كل ما جاء في حقهم من مدائح لا سيما أن الله لم يأخذ على نفسه عصمتهم وحفظهم. وهذا ما وقع فعلا منهم حسبما ندعيه من ردة أكثرهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) طبقا لحديث: ارتد الناس بعد رسول الله إلا ثلاثة!
... الجواب: هذا الاستنتاج من الآيات بأنه حتى الأنبياء ممكن (عقلا) أن يقعوا في الشرك والعصيان، لا يصح أبدا على مذهب القائلين بالنص لأنهم يقولون بعصمة أئمتهم المطلقة من الولادة وحتى الوفاة، فضلا عن عصمة الأنبياء المطلقة بل عن إيمان وتوحيد جميع آباء الأنبياء حتى آدم عليه السلام، رغم أن العقل والنقل يدلان على أن آباء بعضهم كانوا كافرين وثنيين (1). ولنفرض أنهم تنازلوا عن عقيدتهم وجعلوا إمكان وقوعهم في المعصية بل الكفر غير محال وقالوا من باب أولى أن يكون هذا الاحتمال واردا بحق الصحابة، سيما أنه تعالى حذرهم بأن من يرتد منهم عن دينه فسوف يحبط الله عمله ويستبدلهم بمؤمنين آخرين، فنقول: أجل إن احتمال الوقوع في المعصية والشرك وارد في حق كل ابن آدم أيا كان ولكن هذا مجرد احتمال وإمكان، والإمكان لِوَحْدِهِ لا يدل على الوقوع، بل لا بد من الإتيان بدليل على الوقوع الفعلي لتلك الردَّة المدَّعاة بحق الصحابة من المهاجرين والأنصار، ودون ذلك خرط القتاد، لأن الردة إنما تحصل إما بإنكار وحدانية الله تعالى أوإنكار رسالة الرسول (صلى الله عليه وآله) أوإنكار ما هومعلوم من الدين بالضرورة مما يكون من أحكام القرآن المسلمة القطعية، فمن الذي أنكر شيئا من هذا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيما المهاجرين والأنصار منهم؟؟ في أي سورة أوآية من آيات القرآن ورد موضوع الإمامة على النحوالذي يدعونه أوالنص على علي فأنكروه؟؟ وأصلا لوكان لمسألة الإمامة على النحوالذي تدعيه الإمامية أصل في القرآن لكان المقصر الأول في هذا الأمر علي بن أبي طالب نفسه الذي لم يأت على هذا النص أوالآيات بذكر ولم يدع النص على جنابه من قبل الله تعالى ورسوله في أي مقام وتخاذل في هذا الأمر إلى هذا
__________
(1) لعل المؤلف يقصد أبا سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي ذكر القرآن صراحة شركه ونحته للأصنام وعدم توبته. (مت)
الحد!! لوكان حضرة علي قد عُيِّنَ من قِبَل الله تعالى ورسوله للخلافة لوجب عليه أن يخالف وينازع أبا بكر حتى الموت ولا يسمح له بحال أن يرقى منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كما قال هونفسه - عليه السلام - ذلك حسبما رواه عنه قيس بن عباد: [والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لوعهد إليَّ رسول الله عهدا لجالدت عليه ولم أترك ابن أبي قحافة يرقى في درجة واحدة من منبره]، وكما قال ذلك أيضا حفيده الحسن المثنى بن الحسن المجتبى - عليه السلام - فيما أخرجه عنه ابن عساكر في تاريخه قال: ((حدثنا الفضيل بن مرزوق قال: سمعت الحسن بن السحن أخا عبد الله بن الحسن وهويقول لرجل ممن يغلوفيهم: ويحكم أحبونا لِلَّه فإن أطعنا الله فأحبونا، وإن عصينا الله فأبغضونا، قال: فقال له الرجل: إنكم ذووقرابة رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) وأهل بيته، فقال: ويحكم لوكان الله نافعا بقرابة من رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) بغير عملٍ بطاعته لنفع بذلك من هوأقرب إليه منا أباه وأمه، والله إني لأخاف أن يضاعف الله للعاصي منا العذاب ضعفين، والله إني لأرجوأن يؤتى المحسن منا أجره مرتين. ثم قال: لقد أساء آباؤنا وأمهاتنا إن كان ما تقولون من دين الله حقا ثم لم يخبرونا به ولم يطلعونا عليه ولم يرغبونا فيه، فنحن والله كنا أقرب منهم قرابة منكم وأوجب عليهم حقا وأحق بأن يرغبوا فيه منكم، ولوكان الأمر كما تقولون: إن الله ورسوله اختارا عليا لهذا الأمر وللقيام على الناس بعده، كان علي لأعظم الناس في ذلك خطيئة وجرما إذ ترك أمر رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) أن يقوم فيه كما أمره ويعذر فيه إلى الناس. فقال له الرافضي: ألم يقل رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) لعلي: "من كنت مولاه فعلي مولاه؟؟ ". قال: أم والله، أن لويعني رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) بذلك الإمرة والسلطان والقيام على الناس، لأفصح
لهم بذلك كما أفصح بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت ولقال لهم: أيها الناس إن هذا ولي أمركم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا، فما كان من وراء هذا، فإن أفصح الناس كان للمسلمين رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم)))، ثم قال الحسن: ((أقسم بالله سبحانه أن الله تعالى لوآثر عليا لأجل هذا الأمر ولم يُقْدِم عليٌّ كرم الله وجهه لكان أعظم الناس خطأً)) (1)، أجل إن سكوت ذلك الجناب وتسليمه لمن سبقه أفضل دليل على عدم النص عند أولي الألباب، وكما يقال: السكوت في موضع البيان، بيان.
__________
(1) انظر تهذيب تاريخ دمشق الكبير، للشيخ عبد القاردر بدران: ج 4 / ص 169 ط 2 (بيروت، دار المسيرة 1399 هـ / 1979) أوتاريخ مدينة دمشق: لابن عساكر، طبع دار الفكر، ج13 / ص 7. ـ 71.
(عودة لكتاب الاحتجاج ونقد رواياته
(قول محققي العلماء في سليم بن قيس الهلالي وكتابه
عودة لكتاب الاحتجاج ونقد رواياته
... قلنا أن مشعلي نار الاختلاف ومهدمي بنيان الاتحاد والوفاق ضخموا مسألة الإمامة كثيرا موقدين بذلك نار العداوة والفرقة بين المسلمين مِمَّا أوقع المسلمين في بلاولا يعلم عاقبتها إلا الله.
... من جملة ذلك الأحاديث والأخبار التي أوردها الطبرسي في كتابه "الاحتجاج على أهل اللجاج"، فبعد أن أورد قصة السقيفة على نحوما ذكره ابن قتيبة في كتابه " الإمامة والسياسة " مما تقدم ذكره، أضاف في آخر الرواية: [ .. فقال بشير بن سعد الأنصاري، الذي وطَّأ الأمر لأبي بكر، وقالت جماعة من الأنصار: يا أبا الحسن لوكان هذا الأمر سمعته منك الأنصار قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف فيك اثنان] (1).
... قلتُ: هذا الاعتذار من بشير بن سعد وجماعة من الأنصار عذر صادق وصحيح، وهوأكبر شاهد على أنه لم يكن عند الأنصار نية مبيتة وسيئة ضد علي وإصرار من البداية على ألا يتولى منصب الخلافة!، ولا غروفلم يكن أحد من المهاجرين أوالأنصار بمنكر لفضائله ومناقبه وعلمه وشجاعته ولياقته لذلك المنصب، فكيف يكون حالهم لوسمعوا النص على عليٍّ من رسول الله؟ فبطريق أولى لن يختلف من الأصل على بيعته اثنان.
__________
(1) الاحتجاج: ج 1 / ص 96 (طبع قم)، أوج1/ ص 184 من الطبعة التي حققها الشيخان ابراهيم البهادري ومحمد هادي به، باشراف الشيخ جعفر السبحاني (طبع قم، انتشارات أسوة، 1413 هـ) وهي الطبعة التي سأوثق منها من الآن فصاعدا نظرا لأنها المتوفرة لدي حاليا. (مت)
... ومن ذلك نعلم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يكن قد نصب عليا أبدا بصراحة حاكما وخليفة له على المسلمين بأمر من الله تعالى في يوم الغدير، إذ لوحصل ذلك كما ادعوا وزعموا أنه أخذ البيعة له من جميع الصحابة، لاستحال أن يتكلم بعد ذلك أحد من الأنصار المحبين لعلي في موضوع نصب الخليفة أويسعى لنيل هذا المقام! ولاستحال أن يرشح سعد بن عبادة - رضي الله عنه - ـ الذي كان من الأوفياء المخلصين والمجاهدين بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ـ نفسه لهذا الأمر، ثم يأتي أبوبكر وعمر وأبوعبيدة (رضي الله عنهم) ويَجُرُّوا البساط من تحت الأنصار وينتزعوا الخلافة من غاصبيها الأولين ليصيروا غاصبيها الثانين!! ثم لا ينبري أحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذين حضروا بيعة غدير خم وكان عددهم (كما يقولون) يزيد على المائة ألف، ليصيح بأهل السقيفة: ويحكم! أيها الناس الذين لا دين لهم ولا حياء!! يا أراذل البشر وأجبنهم وأخونهم و... و... !! ألم تبايعوا عليا بالخلافة منذ سبعين يوم فقط وجعلتموه إماما عليكم وخاطبتموه بأمير المؤمنين؟؟ وأنشد شاعركم حسان بن ثابت في ذلك قصيدته؟! فما هذه المهزلة والسخرية التي قمتم بها؟؟!!
... إن مثل هذا لم يحصل في تاريخ البشر ولا يمكن أن يحصل أبدا، أي أن يبايع جمٌّ غفير يربوعلى المائة ألف، رجلا بالإمامة، ويعطوه على ذلك العهد والميثاق، سواء طائعين مختارين أم مكرهين مجبرين، ثم في خلال سبعين أوثمانين يوما فقط ينسون جميعا تلك البيعة التي في أعناقهم أويجتمعون بأجمعهم على كتمانها وكأنها شيئا لم يكن؟!! هذا مع كونهم يظهرون عبارات الغدير في سائر مواقفهم الأخرى بكل احترام ويلتزمون بها!!! (1)
__________
(1) من ذلك ما ينقله العلامة عبد الحسن الأميني في كتابه "الغدير" فيقول: ((أخرج احافظ ابن السمان كما في الرياض النضرة ج2/ص17.، وذخائر العقبى للمحب الطبري ص 68، ووسيلة المآل للشيخ أحمد بن باكثير المكي، ومناقب الخوارزمي ص 97، والصواعق ص 1.7 عن الحافظ الدارقطني عن عُمَرَ وقد جاءه أعرابيان يختصمان فقال لعلي: إقض بينهما، فقال أحدهما: هذا يقضي بيننا؟ فوثب إليه عمر وأخذ بتلبيبه وقال: ويحك ما تدري من هذا؟ هذا مولاي ومولى كل مؤمن، ومن لم يكن مولاه فليس بمؤمن.
... وعنه نازعه رجل في مسألة فقال: بيني وبينك هذا الجالس، وأشار إلى علي بن أبي طالب، فقال الرجل: هذا الأبطن؟ فنهض عمر عن مجلسه وأخذ بتلبيبه حتى شاله من الأرض ثم قال: أتدري من صغَّرت؟ هذا مولاي ومولى كل مسلم.
... وفي الفتوحات الإسلامية ج2 / ص 3.7: حكم علي مرة على أعرابي بحكم فلم يرض بحكمه فتلبَّبه عمر بن الخطاب وقال له: ويلك إنه مولاك ومولى كل مؤمن ومؤمنة. وأخرج الطبراني أنه قيل لعمر: إنك تصنع بعليٍّ ـ أي من التعظيم ـ شيئا لا تصنع مع أحد من أصحاب النبي (ص) فقال: إنه مولاي. وذكره الزرقاني في شرح المواهب ص 13 عن الدارقطني.)) انتهى من "الغدير" ج1 / ص 382 ـ 383. ( x)
إن مثل هذا الأمر يستحيل وقوعه ليس في عالم الدنيا فحسب بل حتى في عالم الرؤيا والخيال، فضلا عن أن يقوم به أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين مدحهم القرآن وشهد لهم تاريخ الإسلام بالإخلاص والتضحية بالنفس والمال في سبيل إعلاء كلمة هذا الدين ونشره.
... ويتابع الطبرسي روايته فيقول: [قال علي (مجيبا الأنصار): يا هؤلاء أكنت أدع رسول الله مسجى لا أواريه وأخرج أنازع في سلطانه؟ والله ما خفت أحدا يسموله وينازعنا أهل البيت ويستحل ما استحللتموه، ولا علمت أن رسول الله ترك يوم غدير خم لأحد حجة ولا لقائل مقالا، فأنشد الله رجلا سمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم غدير خم يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله، أن يشهد بما سمع] (1).
__________
(1) المصدر السابق ج 1 / ص 184 (مت)
... قلت: في مثل هذا المقام، لوكانت قصة الغدير نصا حقا على خلافة وإمامة علي، لكان كلام علي هنا (وهوأمير الفصاحة والبيان) ناقصا وغير مبين للمراد! لأن كل ما ذكره أنه أراد أن يقوم رجل واحد فقط ـ من بين جماعة كان يربوعددهم على المائة ألف سمعوا وفهموا وسلَّموا وبايعوا ـ ليشهد بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قال من كان يحبني ويتولاني فليحب عليا وليتولاه، اللهم أحب وكنْ نصير من أحبه ونصره وعاد واخذل من عاداه وخذله! حيث ذكرنا سابقا أن لكلمة " مولى " 27 معنى وأنه لا بد من قرينة لفهم المعنى المراد وأن قوله (صلى الله عليه وآله) اللهم وال من والاه وعادِ من عاداه، قرينة على أن المراد من المولى معنى النصير المحب، وأيا كان فليس في معاني المولى معنى الخليفة والإمام! فإذا لم يفهم الناس من تلك الخطبة معنى الخلافة والإمامة فعندهم كل الحق في ذلك! خصوصا مع وجود القرينة المذكورة. وعلاوة على ذلك فإن نسق الحديث يدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله) يريد من كلمة المولى معنى هوحائز عليه الآن ويريد أن يجعل عليا حائزا عليه الآن أيضا (لأنه قال من كنت مولاه فعلي مولاه)، والأمر الذي كان الرسول (صلى الله عليه وآله) متصفا به هوالنبوة والرسالة وبديهي أنه لا يريد أن يكون علي أيضا حائزا على هذه المرتبة لا ذلك الوقت ولا بعد وفاته، وإذا قصد بالمولى الخلافة فالرسول (صلى الله عليه وآله) لم يكن خليفة لأحد حتى يريد جعل الخلافة لعلي أيضا، ولوسلمنا جدلا أن المقصود من المولى الإمامة والرئاسة لوجب أن يقول النبي من كنت مولاه فإن عليا مولاه بعدي، لأنه لا يمكن أن يكون علي رئيسا حاكما على المسلمين في حال رئاسة النبي (صلى الله عليه وآله) وحكومته، لكن مثل هذه الإضافة لم يدع أحد صدورها عن النبي (صلى الله عليه وآله) في هذا الحديث. لذلك قلنا أن مطالبة علي بمثل هذه الشهادة في ذلك المقام ـ إن
صحت ـ ليست في محلها ولا تؤدي المراد. ونحن نقطع في الواقع أن هذه المطالبة ليست إلا من اختلاق ووضع الرواة الكذبة ولا ربط لعلي بها أصلا.
... ويتابع صاحب كتاب الاحتجاج روايته فيقول: [قال زيد بن أرقم: فشهد اثنا عشر بدريا بذلك. وكنت ممن سمع القول من رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم فكتمت الشهادة يومئذ، فدعا عَلَيَّ فذهب بصري] (1).
... قلتُ: هذا الحديث كله رواه الطبرسي عن "أبي المفضل محمد بن عبد الله الشيباني" عن رجال ثقة! ولا يعلم أحد من هؤلاء الرجال الثقة؟! أما محمد بن عبد الله الشيباني فقد ذكره النجاشي في رجاله (ص 3.9) وقال: [أصله كوفي ورأيت جلّ أصحابنا يضعِّفونه] وقال القهبائي في "مجمع الرجال " (ج 5 / ص 241): [محمد بن عبد الله الشيباني أبوالفضل: وضاع كثير المناكير] وقال عنه الشيخ الطوسي في كتابه " الفهرست ": [ضعَّفه جماعة من أصحابنا]، وفي كتاب الأخبار الدخيلة (ص 48) عن الغضائري: [إنه كذاب وضاع للحديث]، هذا من ناحية السند.
... ثم إن زيد بن أرقم لم يكن ممن تسمع شهادتهم في ذلك الوقت، ولا طلب أمير المؤمنين منه هذه الشهادة في ذلك الوقت بل طلبها في رحبة الكوفة زمن خلافته - عليه السلام - كما جاء ذكر ذلك في بحار الأنوار (ج 22 / ص 23).
__________
(1) المصدر السابق ج 1 / ص 185، هذا ويجدر أن نذكر أننا سبق وأشرنا إلى أن الروايات متضاربة بشأن شهادة أوعدم شهادة زيد بن أرقم فهناك عدة روايات لا تذكر عنه أنه لم يشهد.
... اما الاثنا عشر بدريا الذين تقول رواية الطبرسي هذه أنهم شهدوا بما قاله النبي (صلى الله عليه وآله) في غدير خم، فيبدوأنهم نفس الاثني عشرالذين ذكرهم الطبرسي في روايته، التالية مباشرة لهذه الرواية، والتي يرويها الطبرسي من غير سند (!) بل مرسلة عن أبان بن تغلب أنه سأل حضرة الإمام جعفر الصادق - عليه السلام - فقال: [قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق - عليه السلام -: جعلت فداك هل كان أحد في أصحاب رسول الله صلىالله عليه وآله أنكر على أبي بكر فعله وجلوسه مجلس رسول الله صلىالله عليه وآله؟ قال: نعم كان الذي أنكر على أبي بكر اثني عشر رجلا، من المهاجرين: خالد بن سعيد بن العاص، وكان من بني أمية، وسلمان الفارسي وأبوذر الغفاري والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر وبريدة الأسلمي، ومن الأنصار: أبوالهيثم بن التيهان وسهل وعثمان ابنا حنيف وخزيمة بن ثابت ذوالشهادتين وأبي بن كعب وأبوأيوب الأنصاري. قال (أي الإمام جعفر الصادق): فلما صعد أبوبكر المنبر تشاوروا بينهم، فقال بعضهم لبعض والله لنأتينَّه ولننزلنَّه عن منبر رسول الله صلىالله عليه وآله (1)، وقال آخرون منهم: والله لئن فعلتم ذلك إذن أعنتم على أنفسكم وقد قال الله عز وجل: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " فانطلِقوا بنا إلى أمير المؤمنين (أي علي) لنستشيره ونستطلع رأيه].
__________
(1) من المفروض ـ حسب حديث ارتد الناس إلا ثلاثة أن يكون سائر هؤلاء الاثني عشر ـ ما عدا سلمان وأبوذر والمقداد ثم عمار ـ في عداد المرتدين!! ولكنهم هنا في هذه الرواية يقسمون بالله على أنهم سينزلون أبا بكر عن منبر الرسول أي أنهم غير قابلين ببيعته بل يعتقدون بخلافة علي وأدوا الشهادة بذلك، فأي الروايات نقبل: رواية أنهم مرتدون أم رواية أنهم ثابتون مؤمنون؟؟! أم أنها أكاذيب وحبل الكذب قصير!! ( x)
...  ثم يذكر الراوي أن عليا لم يوافقهم على ما أرادوا فعله لما فيه من تهديد حياته بالقتل وقال لهم في آخر كلامه: [فانطلِقوا بأجمعكم إلى الرجل (أي أبوبكر) فعرِّفوه ما سمعتم من قول نبيكم ليكون ذلك أوكد للحجة وأبلغ للعذر وأبعد لهم من رسول الله (صلىالله عليه وآله) إذا وردوا عليه! قال: فسار القوم حتى أحدقوا بمنبر رسول الله (صلىالله عليه وآله) وكان يوم الجمعة، فلما صعد أبوبكر المنبر قال المهاجرون للأنصار تقدموا وتكلموا، فقال الأنصار بل تكلموا أنتم] (1)
__________
(1) الاحتجاج: ج1 / ص 186 ـ 187 (مت)
... ويستقر الاختيار على خالد بن سعيد بن العاص (والحال أن خالد بن سعيد هذا إنما كان قد أسلم بفضل دعوة وإرشاد أبي بكر - رضي الله عنه - فكانت هدايته للإسلام على يده، اشترك في زمان خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - وبأمرٍ منه في معركة "أجنادين" واستشهد فيها وكان ذلك قبل 24 يوما من وفاة أبي بكر) فيقوم خالد فيعظ أبا بكر - رضي الله عنه - ويذكّره، لكنه لا يذكر في كلامه شيئا عن غدير خم، بل يذكر حادثة وكلاما قاله الرسول (صلى الله عليه وآله) لعلي يوم بني قريظة ليس له ذكر في أي من التواريخ المتقدمة! والأغرب من ذلك ما ذكره الراوي من أن عمر - رضي الله عنه - قام فقال: [اسكت يا خالد! فلست من أهل المشورة ولا ممَّن يُقْتَدى برأيه!]، هذا مع أن خالد بن سعيد لا ينقصه شيء عن عمر - رضي الله عنه - حتى يخاطبه عمر - رضي الله عنه - بهذه الصورة ويقول له لست من أهل المشورة، دون أن يعترض خالد ولا غيره على ذلك!! إذ لوكانت الأفضلية بالسبق إلى الإسلام فخالد بن سعيد خامس رجل أسلم فكان إسلامه قبل عمر - رضي الله عنه - بعدة سنوات، وكان من أصحاب الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) جميع الغزوات، وأرسله رسول الله (صلى الله عليه وآله) قُبيل وفاته إلى اليمن وعيَّنه حاكما على قبيلة مذحج في قسمٍ من اليمن، ولا ندري كيف أتى به الراوي الكذّاب من اليمن إلى المدينة وجعله أول من تكلم معترضا على أبي بكر!! .. وعلى أي حال فلم يأت في كلام خالد أي ذكر لحديث الغدير مع كونه أهم مستند للخلافة المنصوص عليها، بل كل ما كان في احتجاجه هوسباب وشتائم لعمر - رضي الله عنه - حتى أنه قال له: [وإنك في هذا الأمر بمنزلة الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين!] (1)
__________
(1) المصدر السابق: ج1 / ص 191 ـ 192 (مت)
.
... وكل مطلع على تاريخ صدر الإسلام يعلم يقينا كذب مثل هذه الأقاويل. ثم كان سلمان الفارسي ثاني من تكلم من المهاجرين ولم يشر في كلامه أيضا لمسألة النص على عليٍّ يوم الغدير بل اقتصر كلامه على ذكر بعض فضائل علي وتذكير أبي بكر بأنه كان عليه النفوذ في جيش أسامة بن زيد (1) ... أما المحتج الثالث فكان أبا ذر الذي لم يشر كذلك لا من قريب ولا بعيد للغدير، وكذلك فعل الذي بعده أي المقداد بن الأسود (2) ثم بريدة الأسلمي وكان عمار بن ياسر آخر من تكلم من المهاجرين واقتصر كلامه على تخويف أبي بكر عاقبة فعله وتذكيره بفضائل أهل البيت حيث قال: [وإن أهل بيت نبيكم أولى وأحق بإرثه و... (إلى قوله) فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا الأمر منكم .. ] ثم ذكر عددا من فضائل علي.
__________
(1) في الواقع إن أبا بكر ـ مثله مثل علي (ع) ـ لم يكن مأمورا من قبل النبي (ص) بالانضمام لجيش إسامة. يقول ابن كثير في السيرة النبوية (ج4 / ص 441): ((ومن قال إن أبا بكر كان فيهم فقد غلط! فإن رسول الله (ص) اشتد به المرض وجيش اسامة مخيم بالجرف وقد أمر النبي (ص) أبا بكر أن يصلي بالناس، كما سيأتي، فكيف يكون في الجيش؟!)). ثم ذكر في الصفحات 459 فما بعد الروايات العديدة التي تدل على أمر النبي (ص) أبا بكر أن يؤم الناس في الصلاة. ( x)
(2)  عرفنا مما سبق أن المقداد لم يكن يعتقد بالنص الإلهي على علي (ع). ولكن الراوي الساذج اختاره ليجعله من ضمن المعترضين على أبي بكر. ( x)
...  ثم جاء دور الأنصار فكان أول من تكلم منهم أبي بن كعب الذي أنَّب أبا بكر دون أن يأتي في كلامه بأي إشارة لغدير خم، وتكلم بعده خزيمة بن ثابت فاقتصر كلامه على ذكر فضائل أهل البيت، وكان المتكلم الثالث أبوالهيثم بن التيهان وكان أول من أشار لمسألة الغدير، لكن الذي يُفهم من كلامه أن خطبة الغدير كانت غامضة فحصل خلاف بين الصحابة في فهم معناها، حيث يقول الراوي: [فقالت الأنصار: ما أقامه للخلافة، وقال بعضهم: ما أقامه إلا ليعلم الناس أنه مولى من كان رسول الله صلىالله عليه وآله مولاه، وكثر الخوض في ذلك فبعثنا رجالا منا إلى رسول الله فسألوه عن ذلك فقال: قولوا لهم عليٌّ ولي المؤمنين بعدي وأنصح الناس لأمتي .. ]. وهنا أيضا لا نرى كلاما صريحا في الخلافة والنص على علي بالحكومة والإمارة بأمر من الله عز وجل، بل إن دل كلام الراوي على شيء فإنه يدل على إثباته النقص والقصور في بيان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (حاشاه من ذلك) (1).
__________
(1) هل يعقل أن نبي الله (ص) ـ الذي أوتي فصاحة البيان وجوامع الكلم ـ يوقف الناس في الصحراء الحارة ليلقي كلمة هامة ولكنه يعجز عن أن يبين مقصوده منها ويتم حجته على المستمعين حتى يضطروا أن يرسلوا شخصا ليسأله عن مقصوده من كلمته؟!! ( x)
...  أما الإشكال الأكبر من هذا، في هذه الرواية، فهوأن التواريخ تؤكد أن "أبا عمارة خزيمة بن ثابت الأوسي، ذي الشهادتين" و" أبا الهيثم مالك بن التيهان الأوسي" رغم كونهما من أنصار ومؤيدي علي - عليه السلام -، لم يكونا قطعا من المعتقدين بالنص النبوي الإلهي على إمارته. ينقل "أحمد بن يحيى البلاذري" في كتابه "أنساب الأشراف" الذي يعد من أقدم التواريخ الإسلامية، أن هذان الشخصان كانا مترددين حتى في القتال إلى جانب علي في حربه مع معاوية، مع وضوح عدم حقانية معاوية وبغيه فيها!، وبقوا مترددين في المشاركة مع علي في القتال إلى أن استشهد ـ في صف علي ـ عمار بن ياسر - رضي الله عنه - عند ذلك وضح الحق لهما، فخاضا الحرب بكل إخلاص إلى جانب علي - عليه السلام - واستشهدا في نصرته! قال البلاذري: ((عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، قال: شهد خزيمة الجمل فلم يسل سيفا وشهد صفين فقال لا أقاتل أبدا حتى يقتل عمار فأنظر من يقتله فإني سمعت رسول الله  r  يقول: تقتله الفئة الباغية، قال: فلما قتل عمار، قال خزيمة: قد بانت الضلالة فقاتل حتى قتل)) (1). ويروي الكشي في كتابه الرجال (ص 51) نقلا عن محمد بن عمار بن خزيمة أيضا: ((ما زال جدي بسلاحه يوم الجمل وصفين، حتى قتل عمار، (فعند ذلك) سلَّ سيفه حتى قُتِل)). وكذلك ذكر "البلاذري" في "أنساب الأشراف" عن أبي الهيثم: ((حضر أبوالهيثم بن التيهان الصفين، لما رأى عمارا قد قتل، قاتل حتى قُتِل، فصلى عليه علي ودفنه)) (2).
... ولذلك فقد كان اختيار واضع رواية الاحتجاج لهاتين الشخصيتين لأداء ذلك الدور الذي نسبه لهما اختيارا غير موفق وغير خبير!!
__________
(1) أنساب الأشراف، البلاذري، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات: تصحيح محمد باقر المحمودي، ج2 / ص 313.
(2) المرجع السابق: ج2 / ص 319.
... ثم تذكر رواية الاحتجاج أن المعترض الرابع كان سهل بن حنيف الذي قام وشهد أنه رأى رسول الله صلىالله عليه وآله في هذا المكان (يعني روضة المسجد النبوي) وقد أخذ بيد علي وقال: [أيها الناس هذا علي إمامكم من بعدي ووصيي في حياتي وبعد وفاتي .. ] ولكنه لم يشر لموضوع الغدير، وقام بعده أخوه عثمان بن حنيف فقال: [سمعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أهل بيتي نجوم الأرض فلا تتقدموهم وقدموهم فهم الولاة من بعدي]، وكان آخر المتكلمين أبوأيوب الأنصاري الذي بدأ كلامه قائلا: [اتقوا الله عباد الله في أهل بيت نبيكم ارددوا إليهم حقهم ... ] ثم ذكر فضيلة لأهل البيت ولعلي دون أن يأت بأي ذكر لقضية غدير خم. (1)
__________
(1) المصدر السابق: ج 1 / ص 199 (مت)
... رغم أن متن هذا الحديث يكفي للحكم بوضعه، لكننا سنفرض جدلا أنه صحيح وأن هذا الاعتراض من أولئك الاثني عشر قد تم فعلا بالصورة المذكورة، فلنا أن نسأل: لوكان النبي (صلى الله عليه وآله) قد نص صراحة على خلافة وإمارة علي في غدير خم وأخذ له البيعة من الناس، ألم يكن من المنطقي أن يذكر أولئك المعترضون هذا الأمر قبل أي شيء آخر باعتباره أوضح دليل وأقطع حجة على أن الخليفة الحق هوعلي ولا يمكن أن يكون غيره؟؟ أليس عدم ذكرهم لذلك يؤكد ما قلناه من أن قضية غدير خم لم تكن أبدا نصا على علي بالخلافة بل كل ما في الأمر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خشي من عداوة بعض المسلمين لعلي، فأراد أن يبين للمسلمين وجوب محبته؟ بل يمكن القول أن هذا الحديث من معجزات النبي (صلى الله عليه وآله) إذ يشير إلى أن النبي نُبِّئ بما سيلقاه عليٌّ في عهد خلافته من عداء ومحاربة، لذا أوصى بمحبته وموالاته مرات عديدة، تلك المحبة والموالاة الصادقة التي تنفع عليا وتعينه على نصرة الحق ولا تتركه لوحده، لا المحبة والولاء الادعائي الذي يكون وسيلة للتجرُّؤ على المعاصي وتعدي حدود الله تعالى، كما يفعل اليوم عديد من الأراذل قائلين (حبُّ عليٍّ حسنةٌ لا تضرُّ معها سيئة!) فيغرّهم الشيطان بارتكاب المعاصي والآثام، لا والله.
... ويتابع الطبرسي روايته الواضحة الاختلاق والمنسوبة زورا وبهتانا للإمام الصادق فيقول: [قال الصادق - عليه السلام -: فأُفْحِم أبوبكر على المنبر حتى لم يَحِرْ جوابا، ثم قال: وُليتكم ولست بخيركم أقيلوني أقيلوني! فقال له عمر بن الخطاب: انزل عنها يا لُكَع (1)، إذا كنت لا تقوم بحجج قريش، إذاً لم أقمت نفسك هذا المقام؟ والله لقد هممت أن أخلعك وأجعلها في سالم مولى أبي حذيفة! (2) قال: فنزل (ابوبكر) ثم أخذ (عمر) بيده وانطلق إلى منزله وبقوا ثلاثة أيام لا يدخلون مسجد رسول الله صلىالله عليه وآله، فلما كان في اليوم الرابع جاءهم خالد بن الوليد ومعه ألف رجل فقال لهم: ما جلوسكم فقد طمع فيها والله بنوهاشم؟ وجاءهم سالم مولى أبي حذيفة ومعه ألف رجل، وجاءهم معاذ بن جبل ومعه ألف رجل، فما زال يجتمع إليهم رجل رجل حتى اجتمع أربعة آلاف رجل، فخرجوا شاهرين بأسيافهم يقدمهم عمر بن الخطَّاب حتى وقفوا بمسجد رسول الله صلىالله عليه وآله، فقال عمر: والله يا أصحاب علي لئن ذهب منكم رجل يتكلم بالذي تكلم بالأمس لنأخذن الذي فيه عيناه.
... فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص وقال: يا بن صهاك الحبشية أبأسيافكم تهددوننا أم بجمعكم تفزعوننا، والله إن أسيافنا أحد من أسيافكم وإنا لأكثر منكم وإن كنا قليلين لأن حجة الله فينا، والله لولا أني أعلم أن طاعة الله ورسوله وطاعة إمامي أولى بي لشهرت سيفي وجاهدتكم في الله إلى أن أبلي عذري.
__________
(1) اللكع: اللئيم والعبد الأحمق. (مت)
(2) الكاذب الذي وضع هذه الرواية يتصور أن عمر كان صاحب سلطة مطلقة في الأمر والنهي بين العرب، وأنه كانت له من القدرة ما يمكنه من أن يأتي بسالم ويخلع أبا بكر متى أراد! لا شك أن هذا الراوي الأحمق من أجهل الناس بتاريخ صدر الإسلام ومن الذين نشأوا في عهد السلاطين المتجبرين والملوك ذوي السلطة الفردية المطلقة!! (برقعي)
... فقال أمير المؤمنين: اجلس يا خالد فقد عرف الله لك مقامك وشكر لك سعيك، فجلس وقام إليه سلمان الفارسي فقال: الله أكبر الله أكبر سمعت رسول الله صلىالله عليه وآله بهاتين الأذنين وإلا صمتا يقول: " بينا أخي وابن عمي جالس في مسجدي مع نفر من أصحابه إذ تكبسه جماعة من كلاب أصحاب النار يريدون قتله وقتل من معه، فلست أشك إلا وأنكم هم"، فَهَمَّ به عمر بن الخطَّاب فوثب إليه أمير المؤمنين - عليه السلام - وأخذ بمجامع ثوبه ثم جلد به الأرض ثم قال: يابن صهاك الحبشية لولا كتابٌ من الله سبق وعهد من رسول الله تقدم لأريتك أيُّنا أضعف ناصرا وأقل عددا. ثم التفت إلى أصحابه فقال: انصرفوا رحمكم الله، فوالله لا دخلت المسجد إلا كما دخل أخواي موسى وهارون، إذ قال له أصحابه: " فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هيهنا قاعدون " والله لا دخلته إلا لزيارة رسول الله صلىالله عليه وآله أولقضية أقضيها فإنه لا يجوز بحجة أقامها رسول الله صلىالله عليه وآله أن يترك الناس في حيرة] (1)
__________
(1) المصدر السابق: ج 1 / ص 2.. ـ 2.1 (مت)
... قلت: إن هذه القصة المختلقة أشبه ما تكون بحكايات القصاصين الخرافية في القهاوي الشعبية التي يثيرون بها السذَّج الرعاع تلقاء أجر من المال. وللأسف فإن كتاب الاحتجاج مليء بأمثال هذه القصص الخرافية، من جملتها تلك الرواية التي ذكرها عقب روايته السابقة، عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: [ثم إن عمر احتزم بإزاره وجعل يطوف بالمدينة وينادي: ألا إن أبا بكر قد بويع له فهلموا إلى البيعة، فينثال الناس يبايعون، فعرف أن جماعة في بيوتٍ مستترون (1)، فكان يقصدهم في جمع كثير ويكبسهم ويحضرهم المسجد فيبايعون حتى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير إلى منزل علي - عليه السلام - فطالبه بالخروج فأبى، فدعا عمر بحطب ونار وقال: والذي نفس عمر بيده ليخرجن أولأحرقنه على ما فيه. فقيل له: إن فاطمة بنت رسول الله وولد رسول الله وآثار رسول الله صلىالله عليه وآله فيه، وأنكر الناس ذلك من قوله، فلما عرف إنكارهم قال: ما بالكم أتروني فعلت ذلك إنما أردت التهويل، فراسلهم علي أن ليس إلى خروجي حيلة لأني في جمع كتاب الله الذي قد نبذتموه وألهتكم الدنيا عنه، وقد حلفت أن لا أخرج من بيتي ولا أدع ردائي على عاتقي حتى أجمع القرآن.
__________
(1) إذا كان هذا صحيحا فلماذا قال الغلاة ارتد الناس إلا ثلاثة أوسبعة! والحال أن كل هؤلاء رفضوا البيعة واستتروا في بيوتهم وما أتوها إلا مكرهين، كما تدعي هذه الرواية؟؟!! حقا إن حبل الكذب قصير! (مت)
... قال: وخرجت فاطمة بنت رسول الله صلىالله عليه وآله إليهم فوقفت خلف الباب ثم قالت: لا عهد لي بقوم أسوء محضرا منكم، تركتم رسول الله صلىالله عليه وآله جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم فيما بينكم ولم تؤمرونا ولم تروا لنا حقا، كأنكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم، والله لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع منكم بذلك الرجاء، ولكنكم قطعتم الأسباب بينكم وبين نبيكم، والله حسيب بيننا وبينكم في الدنيا والآخرة] (1).
... قلت: إن الراوي عبد الله بن عبد الرحمن هذا، لا يُعْرَفُ من هو، ويظهر أنه نفس " عبد الله بن عبد الرحمن الأصم المسمعي البصري " الذي اعتبرته كتب الرجال ضعيفا وليس بشيء، وذكر عنه الغضائري " أنه وضع زيارات تدل على خبث عظيم ومذهب متهافت وكان من كذَّابة أهل البصرة " (2).
... أجل لا يروي مثل تلك الأكاذيب وينسبها للآخرين إلا أمثال هؤلاء الغلاة الدواب الذين لا يعقلون!
__________
(1) المصدر السابق: ج 1 / ص 2.1 ـ 2.3، أو: صفحة 1.5 من الطبعة القديمة. (مت)
(2) انظر جامع الرواة، للفاضل الأردبيلي: ج 1/ص494. (بيروت: دار الأضواء، 14.3 هـ / 1983) (مت)
... ثم يذكر صاحب الاحتجاج رواية يرويها عن "سليم بن قيس الهلالي" عن سلمان الفارسي أنه قال: [أتيت عليا - عليه السلام - وهويغسّل رسول الله صلىالله عليه وآله، وقد كان أوصى أن لا يغسّله غير علي - عليه السلام -، وأُخْبِرَ أنه لا يريد أن يقلب منه عضوا إلا قُلِبَ له، وقد قال أمير المؤمنين - عليه السلام - لرسول الله صلىالله عليه وآله: من يعينني على غسلك يا رسول الله؟ قال جبرئيل. فلما غسّله وكفّنه أدخلني وأدخل أبا ذر والمقداد وفاطمة وحسنا وحسينا عليهم السلام فتقدم وصففنا خلفه فصلى عليه وعائشةُ في الحجرة لا تعلم قد أخذ جبرئيل ببصرها، ثم أدخل عشرة من المهاجرين وعشرة من الأنصار فيصلون ويخرجون، حتى لم يبق من المهاجرين والأنصار إلا صلى عليه، وقلت لعلي - عليه السلام - حين غسّل رسول الله صلىالله عليه وآله: إن القوم فعلوا كذا وكذا وإن أبا بكر الساعة لعلَى منبر رسول الله صلىالله عليه وآله وما يرضى الناس أن يبايعوا له بيد واحدة إنهم ليبايعون بيديه جميعا يمينا وشمالا. فقال علي - عليه السلام -: يا سلمان فهل تدري من أول من يبايعه على منبر رسول الله صلىالله عليه وآله؟ فقلت: لا إلا أني قد رأيته في ظلة بني ساعدة حين خُصِمَتِ الأنصار، وكان أول من بايعه بشير بن سعد ثم أبوعبيدة بن الجراح ثم عمر بن الخطَّاب ثم سالم مولى أبي حذيفة و[معاذ بن جبل]. قال: لست أسألك عن هذا، ولكن تدري من أول من بايعه حين صعد منبر رسول الله صلىالله عليه وآله؟ قلت: لا ولكني رأيت شيخا كبيرا متوكئا على عصاه بين عينيه سجادة، شديد التشمير وهويبكي ويقول: الحمد لله الذي لم يمتني ولم يخرجني من الدنيا حتى رأيتك في هذا المكان ابسط يدك أبايعك، فبسط يده فبايعه ثم نزل فخرج من المسجد. فقال لي علي - عليه السلام -: يا سلمان وهل تدري من هو؟ قلت: لا ولكني ساءتني مقالته كأنه شامت بموت رسول الله صلىالله
عليه وآله. قال عليٌّ: إن ذلك إبليس لعنه الله!] (1).
... ويتابع "سليم بن قيس" هذا الهراء والسخافات المضحكة، فيذكر كيف حمل عليٌّ فاطمة على حمار وأخذ ابنيه الحسن والحسين يستنصر الناس على أبي بكر، فلم يستجب له في النهاية إلا أربعة هم سلمان وأبوذر والمقداد والزبير! ثم يحكي كيفية مطالبة أبي بكر وعمر علياً بالبيعة وإجباره بالعنف على ذلك، وتآمر مؤيدي أبي بكر على قتل عليٍّ وسبّ الزبير لعمر وقصة الستة أهل تابوت جهنم وأصحاب الصحيفة الملعونة! ... إلخ.
... وإذا وصل الأمر لسليم بن قيس فلا بد من كلمة عنه، فقد أكثر صاحب " الاحتجاج " من نقل أمثال هذه الروايات ـ التي لا ريب أنها من وضع أعداء الإسلام ـ عنه، ولا نستغرب من سليم بن قيس أمثال هذه الأكاذيب، فعدد من العلماء يتفقون معنا في تكذيبه والحكم بالوضع والكذب على كتابه الذي يروج له الوعاظ الجهلة عندنا ويسمونه بـ " أبجد الشيعة " أو" أسرار آل محمد "! ويجعلون قراءته فرضا على كل شيعي! ـ فلنر موقف المحققين من رجاليينا منه ومن كتابه:
قول محققي العلماء في سليم بن قيس الهلالي وكتابه
__________
(1) الاحتجاج: ج 1 / ص 2.5 من الطبعة المحققة، أوج 1 / ص 1.5 من الطبعة القديمة (مت)
... زبدة القول بشأن سليم بن قيس وكتابه ما قاله ابن الغضائري: [ .. وكان أصحابنا يقولون أن سليما لا يُعْرَف ولا ذُكِرَ في حديثٍ، وقد وجدتُ ذكره في مواضع من غير جهة كتابه ولا من رواية أبان بن عياش عنه، وقد ذَكَرَ ابن عقدة في رجال أمير المؤمنين أحاديث عنه، والكتاب موضوع لا مرية فيه، وعلى ذلك علامات منها ما ذكر أن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت ومنها أن الأئمة ثلاثة عشر وغير ذلك] (1)، وذلك لأن سن محمد بن أبي بكر عند وفاة أبيه، لم تكن تتجاوز السنتين وعدة أشهر، فكيف وعظ أباه وهوبهذه السن؟! (2) وأمثال تلك الأخطاء الفاضحة في هذا الكتاب كثيرة، منها أنه أورد في أحد أحاديثه التي رواها ـ بغرض إثبات إمامة الأئمة الاثني عشر ـ حديثا مطولا يروي فيه عن علي - عليه السلام - أن رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) قال له: ((لست أتخوف عليك النسيان والجهل ولكن اكتُبُ لشركائك الذين من بعدك ... )) فيسأله عليٌّ - عليه السلام -: ومن شركائي يا رسول الله؟ فيعرِّفه الرسول على الأئمة من ولده.
__________
(1) انظر كتاب "جامع الرواة " للفاضل الأردبيلي: ج 1/ ص74 (بيروت: دار الأضواء، 14.3هـ). (مت)
(2) محمد بن أبي بكر، هوابن "أسماء بنت عميس" التي كانت من قبل تحت جعفر بن أبي طالب، ولما استشهد جعفر في غزوة مؤتة سنة ثماني للهجرة، تزوج أبوبكر من أسماء فولدت له محمد بن أبي بكر هذا، وتوفي عنها أبوبكر في السنة الثالثة عشرة للهجرة، أي كان عمر ابنه محمد سنتين وعدة أشهر فقط، من هنا استحالة أن يعظ أباه وهوفي هذه السن!!! ( x)
...  هذا الحديث، ـ حسبما جاء في كتاب "إثبات الهداة" للحر العاملي (ج2/ص 455) ـ رواه "الفضل بن شاذان" في كتابه "إثبات الرجعة" ونقله عنه الشيخ الصدوق فقال: ((عن سليم بن قيس أنه حدث الحسن والحسين بهذا الحديث بعد موت معاوية، فقالا: صدقت يا سليم! حدثك أمير المؤمنين ونحن جلوس ... )). هذا في حين أن الإمام الحسن المجتبى - عليه السلام - كان قد توفي قبل وفاة معاوية بعشر سنوات، إذ توفي الحسن سنة خمسين للهجرة وتوفي معاوية سنة ستين باتفاق المؤرخين، فكيف تأتَّى لسليم أن يعرض هذا الحديث على الحسن وأخيه بعد وفاة معاوية؟!! فهذا كاف لبيان مدى الجهل الفاضح، لواضع هذا الحديث، بالتاريخ.
... من هنا فقد أورد العلامة الشوشتري في كتابه "قاموس الرجال" (ج4/ص44) نقولا عن عدد من العلماء في ذم هذا الكتاب واعتباره موضوعا (مختلقا) من أساسه.
... وقال الشيخ المفيد في شرحه لعقائد الصدوق (الصفحة 72): [إن هذا الكتاب غير موثوق به وقد حصل فيه تخليط وتدليس ولا يجوز العمل على أكثره فينبغي للمتديِّن أن يجتنب العمل بكل ما فيه].
... وقال ابن أبي داود الحلي في رجاله: [سليم بن قيس الهلالي ينسب إليه الكتاب المشهور وهوموضوع بدليل أنه قال إن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند موته وقال فيه إن الأئمة ثلاثة عشر مع زيد وأسانيده مختلفة. لم يروعنه إلا ابن أبي عياش، وفي الكتاب مناكير مشتهرة وما أظنه إلا موضوعا] (1)
__________
(1) الرجال، ابن أبي داود الحلي، المطبعة الحيدرية، النجف، ص 249.
... هذا وقد قال زعيم الحوزة العلمية في النجف آية الله السيد أبوالقاسم الخوئي عن الكتاب: [والكتاب موضوع لا مرية فيه وعلى ذلك علامات فيه تدل على ما ذكرناه، منها أن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت ومنها أن الأئمة ثلاثة عشر وغير ذلك، قال المفيد: هذا الكتاب غير موثوق به وقد حصل فيه تخليط وتدليس] (معجم رجال الحديث، السيد أبوالقاسم الخوئي: قم، ج8/ ص 219) ( x)
.
...  أما العلامة الحلي فقد حاول في كتابه " خلاصة الأقوال في معرفة الرجال" تعديل سليم بن قيس حيث قال: [والوجه عندي الحكم بتعديل المشار إليه والتوقف في المفاسد من كتابه]، لكن "الشهيد الثاني" انتقد ذلك قائلا فيما علقه بخطه على الخلاصة: [وأما حكمه بتعديله فلا يظهر له وجه أصلا، ولا وافقه عليه غيره] كما قال بشأن كتابه: [في الطريق ابراهيم بن عمر الصنعاني وأبان بن أبي عياش طعن فيهما ابن الغضائري وضعَّفهما، ولا وجه للتوقُّف في الفاسد (من كتابه) بل في الكتاب (كله) لضعف سنده على ما رأيت، وعلى التنزّل كان ينبغي أن يُقال: ورد الفاسد منه والتوقف في غيره] (1).
... والنتيجة أن الكتاب ساقط وموضوع من أصله، وعلاوة على ذلك فقد صرح علماء الرجال بأن كتاب "سليم بن قيس" لم يُرْوإلا من طريق رجل واحد هو" أبان بن أبي عياش "، وهومجروح مضعَّف في كتب الرجال:
ففي كتاب "مجمع الرجال" للقهبائي (ص 16) قال: [غض: أبان بن أبي عياش ضعيف لا يُلْتَفَتُ إليه وينسِب أصحابنا وضع كتاب سليم بن قيس إليه].
وضعَّفه ابن داود في كتابه "الرجال" (ص 414) بنفس تلك العبارات.
وأورده الشيخ طه نجف أيضا في (ص 254) من كتابه " إتقان الرجال " في عداد الضعفاء.
وقال التفرشي في "نقد الرجال" (ص 4) [أبان بن عياش تابعي ضعيف لا يُلتفت إليه ونُسِبَ وضع كتاب سليم بن قيس إليه].
__________
(1) أعيان الشيعة للعلامة السيد محسن الأمين العاملي: ج 7/ص 293 (بيروت: دار التعارف، 14.3) (مت)
... فإن قيل: إذا كان الكتاب ضعيفاَّ ومتهافتاً لهذه الدرجة (1) فما السر في توقف بعض أكابر العلماء فيه، كما فعل العلامة الحلي وغيره، فلم يردوه مطلقا؟ فالجواب واضح: لوتخلوا عن كتاب سليم بن قيس وكتاب "الاحتجاج" للطبرسي وأمثالهما من الكتب ككتاب " إرشاد القلوب " للديلمي، وكتاب "غاية المرام" للبحراني، والمئات من أمثال هذه الكتب المليئة بالأكاذيب بحكم العقل والوجدان والتي علامات الوضع فيها ظاهرة، لما بقي في أيديهم شيء يثبتون به النص الصريح أوبقية الأمور التي يدعونها. أجل هذه الكتب هي الحجج القاطعة (!) لهؤلاء المفرِّقين لأمة الإسلام.
__________
(1) لمزيد من الاطلاع على فساد هذا الكتاب انظر الطبعة الأولى من كتاب"معرفة الحديث" للشيخ "محمد باقر البهبودي"، طبع "مركز انتشارات علمي وفرهنكي" (الصفحات: 256 إلى 26.) (برقعي)
... وما دمنا قد ذكرنا كتاب "إرشاد القلوب" للديلمي، فلا بأس أن نشير إلى طرف مما رواه حول موضوع السقيفة وبيعة أبي بكر - رضي الله عنه -، لنرى إلى أي حد حُشِيَتْ به هذه القصة بالأكاذيب والخرافات، في أمثال هذه الكتب، فقد روى الديلمي احتجاجا طويلا لعليٍّ على أبي بكر لتوليه الخلافة وصل لغاية أن قال علي لأبي بكر: [الله ورسوله عليك من الشاهدين يا أبا بكر إن رأيت رسول الله صلى ا لله عليه وآله حيا يقول لك إنك ظالم في أخذ حقي الذي جعله الله ورسوله لي دونك ودون المسلمين أن تسلم هذا الأمر إلي وتخلع نفسك؟ فقال أبوبكر: يا أبا الحسن! وهذا يكون أن أرى رسول الله حيا بعد موته فيقول لي ذلك؟ فقال له أمير المؤمنين نعم يا أبا بكر، قال: فأرني إن كان ذلك حقا ... قال: تسعى إلى مسجد قبا، فلما ورداه ... فإذا هما برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جالس في قبلة المسجد، فلما رآه أبوبكر سقط لوجهه كالمغشي عليه فناداه رسول الله: ارفع رأسك أيها الضليل المفتون ..... ويلك يا أبا بكر أنسيت ما عاهدت الله ورسوله عليه في المواطن الأربعة لعلي - عليه السلام - ... قال: هل من توبة يا رسول الله؟ ... إلخ] (1). ثم يروي أن أبا بكر - رضي الله عنه - ندم على تولِّيه الخلافة وقرَّر أن يذهب لمسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) ليعلن انسحابه منها وتسليمها لعلي فلما علم عمر بذلك أخذ يثنيه عن ذلك فقال له أبوبكر: إنك شيطاني يا عمر .... ثم أقنعه عمر أن يذهب إلى بيته بحجة الوضوء فيشرب خمرا ـ وهم في شهر رمضان! ـ ويقول شعراً ينضح بالكفر (2)
__________
(1) إرشاد القلوب: ج 2 / ص 58 إلى 63.
(2) بالإضافة لمتن الرواية الذي يشهد لوحده بوضعها، فإن التاريخ أيضا يؤكد كذبها، لأن أقصى مدة امتناع علي عن بيعة أبي بكر ستةُ أشهر على قول من يقول أن فاطمة لحقت بأبيها (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ستة أشهر من وفاته، أوخمسةٌ وسبعون يوما على قول أكثر روايات الشيعة التي ترى أنها لحقت به بعد 75 يوما من وفاته فقط، حيث أن الجميع متفق على أن عليا بايع أبا بكر عقب وفاة فاطمة عليها السلام فإذا كانت وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ حسب رواية الشيعة ـ في شهر صفر ـ فمعنى هذا أن عليا بايع أبا بكر قبل رمضان فكيف أمكن أن تقع هذه الحادثة في رمضان؟ ألا لعنة الله على الكاذبين! (برقعي)
.... بعدها يروي قصة محاربة أشجع بن مزاحم الثقفي ـ الذي كان من مؤيدي أبي بكر ـ لعلي بصورة لا يمكن حتى لمجنون أن يصدقها، إذ يروي أن أمير المؤمنين خرج من المدينة لحيازة ضيعة له فوقعت مواجهة بينه وبين أشجع تحولت لمعركة، ولما ظهرت علائم الهزيمة على أشجع، سارع أبوبكر بإمداد أشجع في حربه لعلي بفريق من المقاتلين، لكن هذا لم يحل دون انتصار علي على أشجع وأسره له ثم فعل علي كذا وكذا ... وحقا إن الإنسان ليستحي من قراءة مثل هذه الأباطيل والخزعبلات. أجل بمثل هذه الأساطير والأوهام أرادوا أن يثبتوا النص على علي، فأوهنوا بالأحرى أسس دين الإسلام، وهم لا يشعرون!
(خلاصة ما سبق
(تمحيص سند خطبة الغدير الطويلة
خلاصة ما سبق
1 ـ لوكانت مسألة الإمامة ـ التي اختلفت الأمة حولها كل هذا الاختلاف وألفت فيها مئات بل آلاف الكتب ـ هامة فعلا إلى هذا الحد في نظر الشارع، أعني لوكان الشارع تبارك وتعالى قد اختار لها أشخاصا معينين فرض طاعتهم المطلقة على العالمين، تماما كطاعة الأنبياء والمرسلين؛ لحكم العقل والوجدان أن يبين الله عز وجلّ ذلك في تنزيله العزيز وذكره الحميد بأوضح بيان وأن يحفظ هذه الآيات، بقدرته، من عبث العابثين، حتى لا تختلف الأمة ولا تضل.
2 ـ يحكم العقل أيضا أن تعيين أئمة وحكام معينين لأجل شريعة أبدية ستبقى حتى يرث الله الأرض ومن عليها، أمر غير مناسب ولا معقول، بل يعد نقضا لأبدية هذا الدين؛ إذ كيف يعيَّن له عدد محدود من الأئمة هم اثنا عشر فقط، مع أنه دين خاتم باقٍ ما دامت السموات والأرض؟
3 ـ تعيين أشخاص معينين لحكم المسلمين بأمر الله تعالى إلى يوم الدين يضيق دائرة تكليف المؤمنين وميدان عملهم وتكاملهم، ويضعف حريتهم واختيارهم ويذهب بالتالي بهدف النبوة الخاتمة كما سبق توضيحه، كما أنه يناقض أساس الشرائع الإلهية، والهدف الذي لأجله خلق الله البرية والذي يستلزم وجود الاختيار والافتتان ليمتحن الله تعالى الناس ويرى أيهم أحسن عملا؟!
4 ـ تؤكد التواريخ المعتمدة أنه كان أحيانا لبعض الأئمة ـ من الأئمة الاثني عشر الذين ترى الإمامية عصمتهم المطلقة ـ وجهات نظر ومواقف وأعمال متخالفة، مثل مصالحة الإمام الحسن - عليه السلام - لمعاوية ومحاربة الإمام الحسين - عليه السلام - ليزيد، مما أوقع العلماء في تخبطات حين حاولوا التوفيق بين هذه المواقف المختلفة (1)
__________
(1) أشار المؤلف إلى اختلاف وجهات نظر الأئمة مع بعضهم فنذكر تأييدا لقوله بعضا من هذه الاختلافات:
1 ـ فمن ذلك ما رواه العلامة المجلسي في البحار فقال: ((عن حبيب بن أبي ثابت قال: كان بين علي وفاطمة كلام فدخل رسول الله (ص) ....... فأخذ رسول الله (ص) يد علي فوضعها على سرته وأخذ يد فاطمة فوضعها على سرته فلم يزل حتى أصلح بينهما، ثم خرج فقيل له يا رسول الله! دخلت وأنت على حال وخرجت ونحن نرى البشرى في وجهك! قال: وما يمنعني وقد أصلحت بين اثنين أحب من على وجه الأرض إلي)). [بحار الأنوار، الطبعة الجديدة، تحقيق وتعليق محمد باقر البهبودي، ج3 / ص 146].
2 ـ ومن ذلك ما ذكره العلماء المؤرخون من اختلاف في الرأي بين الإمام الحسن وأبيه الإمام علي عليهما السلام، من ذلك ما نقله الدينوري في الأخبار الطوال فقال: (( ... فدنا منه الحسن فقال: يا أبتِ أشرت عليك حين قتل عثمان وراح الناس إليك وغدوا وسألوك أن تقوم بهذا الأمر ألا تقبله حتى تأتيك طاعة جميع الناس في الآفاق، وأشرت عليك حين بلغك خروج الزبير وطلحة بعائشة إلى البصرة أن ترجع إلى المدينة فتقيم في بيتك وأشرت عليك حين حوصر عثمان أن تخرج من المدينة، فإن قتل، قتل وأنت غائب، فلم تقبل رأيي في شيء من ذلك. فقال له علي: أما انتظاري طاعة جميع الناس من جميع الآفاق، فإن البيعة لا تكون إلا لمن حضر الحرمين من المهاجرين والأنصار فإذا رضوا وسلموا وجب على جميع الناس الرضا والتسليم وأما رجوعي إلى بيتي والجلوس فيه، فإن رجوعي لورجعت كان غدرا بالأمة، وأما خروجي حين حوصر عثمان فكيف أمكنني ذلك؟ وقد كان الناس أحاطوا بي كما أحاطوا بعثمان، فاكفف يا بني عما أنا أعلم به منك)) [الأخبار الطوال، أبوحنيفة الدينوري، تحقيق عبد المنعم عامر وجمال الدين الشيال، ص 145] هذا وقد نقل العلامة المجلسي في بحار الأنوار عن الشيخ المفيد نظير هذا الاعتراض من الإمام الحسن على أبيه فقال فيه: ((فلما فرغ (أمير المؤمنين) من صلاته قام إليه ابنه الحسن بن علي ـ عليهما السلام ـ وجلس بين يديه ثم بكى وقال: يا أمير المؤمنين إني لا أستطيع أن أكلمك وبكى، فقال له أمير المؤمنين: لا تبك يا بني وتكلم ولا تحنَّ حنين الجارية، فقال: يا أمير المؤمنين: إن القوم حصروا عثمان يطلبونه بما يطلبونه إما ظالمون أومظلومون، فسألتك أن تعتزل الناس وتلحق بمكة حتى تؤوب العرب وتعود إليها أحلامها وتأتيك وفودها ... ثم خالفك طلحة والزبير فسألتك أن لا تتبعها وتدعها فإن اجتمعت الأمة فذاك وإن اختلفت رضيتَ بما قسم الله وأنا اليوم أسألك ألا تقدم العراق وأذكرك بالله أن لا تُقتَل بمضيعة، فقال أمير المؤمنين: أما قولك إن عثمان حصر فما ذاك وما عليَّ منه فقد كنت بمعزل عن حصره، وأما قولك ايت مكة فوالله ما كنت لأكون رجل الذي يستحل بمكة، وأما قولك اعتزل العراق ودع طلحة والزبير فوالله ما كنت لأكون كالضبع تنتظر حتى يدخل عليها طالبها فيضع الحبل في رجلها ... )) [بحار الأنوار: الطبعة الجديدة، ج 32 / ص 1.3 ـ 1.4 وذكر محقق البحار في نفس حاشية الصفحة أن الحديث ورد في أمالي الشيخ الطوسي الطبعة الأولى، الجزء الثاني/ ص 32، وفي كتاب نهج السعادة كذلك].
3 ـ ذكر عدد من المؤرخين اختلاف الإمام الحسين عليه السلام مع أخيه الإمام الحسن عليه السلام بشأن صلحه مع معاوية وفيه يقسم الحسين عليه بالله ألا يقبل بهذا الصلح، ولكن، كما نعلم، لم يصغ الحسن لالتماس أخيه وأمضى الصلح مع معاوية. [انظر تاريخ الأمم والملوك للطبري، وتاريخ دمشق لابن عساكر، تحقيق علي شيري، دار الفكر، ج 13/ ص 267، وتاريخ ابن خلدون، طبع مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ج 2 / ص 186. هذا ومن الجدير بالذكر أن تضعيف بعض المحدثين لسند هذا الحديث ليس في موضعه، فصحيح أن "عثمان بن عبد الرحمن" لم يكن شيعيا إلا أنه ـ كما يقرر الشهيد الثاني في " دراية الحديث" ـ المهم هوصدق الراوي ولوكان مخالفا في المذهب، فيؤخذ برواية الصدوق ولولم يكن شيعيا وتسمى روايته بالموثقة. وقد ذكر الرجالي "ابن معين" في ترجمة "عثمان بن عبد الرحمن" هذا أنه ((صدوق))، وإذا كان البخاري قد قال عنه في رجاله أنه ((يروي عن أقوام ضعاف)) فإن ابن أبي حاتم نقل عن أبيه قوله ((أنكر أبي على البخاري إدخال عثمان في كتاب الضعفاء وقال هوصدوق)). طبعا البخاري لم يجرح عثمان نفسه بل بين أنه يروي عن أقوام ضعاف، فإذا ثبت أن روايته هنا لم تكن عن ضعيف فليس للبخاري إذا من اعتراض عليها.].
4 ـ ومن الاختلافات الأخرى ما نجده في الكتب الفقهية من روايات ونقول مختلفة ومتعارضة عن الأئمة عليهم السلام مع عدم إمكان حمل أحد الخبرين على التقية لعدم وجود مورد للخوف والتقية من المخالفين في أي من الروايتين، من ذلك مثلا هذان الخبران المتناقضان عن الإمام الصادق والإمام الكاظم عليهما السلام، الأول: ((محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حفص بن البختري عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام في زيارة القبور، قال: إنهم يأنسون بكم فإذا غبتم عنهم استوحشوا))، أما الخبر الثاني: ((محمد بن علي بن الحسين (ابن بابويه) بإسناده عن صفوان بن يحيى قال: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر بلغني أن المؤمن إذا أتاه الزائر أنس به فإذا انصرف عنه استوحش، فقال: لا يستوحش)) [وسائل الشيعة، الشيخ الحر العاملي، ج2 / ص 878]. ويوجد أمثل أخرى لذلك الاختلاف وطبعا لا يمكن أن يكون كلا القولين المتخالفين صحيح. ( x)
وتمسك بعضهم بروايات واهية تقول بأنه كان لكل إمام صحيفة خاصة من الله تعالى يعمل بها‍!! ومعنى ذلك أنه كانت لكل منهم واجبات وكتاب وسنة خاصة بهم غير القرآن الكريم والسنة النبوية التي يعرفها سائر المسلمون!! وهذا، لعمري، أصل خطير جدا يؤدي القول به إلى لزوم قبول كل ما ينسب لإمام من الأئمة من أعمال وأقوال ولوكانت مخالفة لظواهر القرآن الكريم، والأمر بطاعته، وهذا بمثابة منشار يجتث تعاليم القرآن من أساسها!! هذا في حين أن الأئمة "عليهم السلام" أنفسهم جعلوا القرآن الكريم المعيار والمرجع الذي يوزن به كل ما ينسب إليهم وينقل عنهم من أخبار فما وافق القرآن الكريم كان عنهم وما خالفه فليس عنهم بل مردود وزخرف من القول ويضرب به عرض الحائط.
5 ـ لوكانت مسألة النص على الإمام على ذلك المقدار من الخطورة والأهمية لبلغها الرسول صلى الله عليه وآله بشكل واضح وصريح ولنادى بها في الملأ العام ولأعلن بها كل صباح ومساء، ولما اقتصر على حديث الغدير الذي لم يستطع حتى أقرباء وأنصار علي - عليه السلام - أن يدركوا منه معنى التعيين لمنصب الخلافة والإمامة، كما مر معنا من مقالة أبي الهيثم بن التيهان لدى ذكر احتجاج الاثني عشر شخصا على أبي بكر، على الرغم من أن الحديث، في الغالب، موضوع من أساسه، لكنه على أي حال إقرار من واضعه بغموض دلالة الحديث على النصب للإمامة.
... وكذلك لا يمكن اعتبار أحاديث مثل حديث "الطير المشوي" وحديث "المؤاخاة" وحديث "إعطاء الراية" وأمثالها من الأحاديث الواردة في كتب الفريقين في مناقب وفضائل علي - عليه السلام - دليلا على النص عليه وتعيينه إماما مفترض الطاعة من قِبَلِ الله تعالى على المؤمنين طاعة مطلقة كطاعة الرسول صلى الله عليه وآله؛ نعم هي أحاديث صحيحة في فضل علي - عليه السلام - وعظيم مقامه، لكنها ليست مستندا للقول بإمامته المنصوص عليها من الله بل أكثر ما تفيده أولويته وأفضليته لمنصب الإمامة فحسب.
6 ـ كان حديث الغدير ـ الذي هوأهم ما يستند إليه القوم في إثبات النص على علي بالإمامة ـ بعيدا جدا في نظر الصحابة عن إفادة هذا المعنى لدرجة أن أحدا منهم لم يستند إليه للاستدلال على النص على الإمام ولم يستفد منه موضوع الإمارة والخلافة! هذا في حين أن الأنصار لما ذُكِّروا بحديث "الأئمة من قريش"، الذي ربما لم يسمعه من النبي (صلىالله عليه وآله وسلم) إلا القليل، تقاعدوا عن الإصرار على تولي منصب الإمامة واقتنعوا بحجة المهاجرين عملا بقول نبيهم الكريم، فكيف كان من الممكن أن يعرضوا عن نص صريح دال على إمامة علي - عليه السلام -؟؟! هذا مع التذكير بما قلناه مرارا أن عليا - عليه السلام - كان دائما محبا وحاميا للأنصار (أي لم يكن عندهم أي داع لرفض إمامته عليهم). أجل لم يكن لحديث الغدير من الأهمية، حتى في أنظار شيعة علي وأنصاره، ما كان لحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمّار بن ياسر - رضي الله عنه -: [تقتلك الفئة الباغية] (1) والذي ربما لم يقله أكثر من مرة واحدة، لكنه كان في نظر الصحابة على درجة من الأهمية بحيث أنه لما قتل عمّار في وقعة صفين على أيدي جيش معاوية، وقعت ضجة واضطراب وصخب في صفوف الطرفين، حتى كاد جيش معاوية ينقلب ضده أوعلى الأقل يتخلى عنه وعن القتال معه، هذا من جهة جيش معاوية، ومن الجهة الأخرى أقدم عدد من المتردِّدين من أصحاب علي ـ بعد استشهاد عمار ـ على الحرب معه ضد معاوية وجنده بكل ميل ورغبة، حتى أن خزيمة بن ثابت - رضي الله عنه -، الذي جعله صاحب كتاب الاحتجاج أحد المحتجين الاثني عشر على أبي بكر، لم يكن مستعدا في البداية أن يشهر سيفه ويقاتل إلى جانب علي في صفين بيقين
__________
(1) حديث متواتر روي عن نيف وعشرين صحابيا، رواه البخاري في صحيحه وغيره وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي: [قال ابن عبد البر: تواترت بذلك الأخبار وهومن أصح الحديث] (مت).
واطمئنان! ـ كما يروي ذلك البلاذري صاحب أحد أقدم الكتب التاريخية أي كتاب "أنساب الأشراف" ـ لكنه لما علم باستشهاد عمار وقتله على يد فئة معاوية أيقن أن معاوية وجماعته هم البغاة بنص الحديث فأقدم بكل حماس وإيمان على القتال إلى جانب علي حتى نال شربة الشهادة رضي الله عنه (1). إذاً في نظر خزيمة كان حديث " عمار مع الحق، تقتله الفئة الباغية " أهم من حديث: "عليّ مع الحق" فضلا عن حديث: "من كنت مولاه فعليٌّ مولاه .. الخ"، وكذلك أبوالهيثم بن التيهان - رضي الله عنه -، الذي يذكر صاحب كتاب الاحتجاج عنه أيضا أنه كان من المحتجين الاثني عشر على أبي بكر - رضي الله عنه -، لم يكن مستعدا للقتال في صف علي - عليه السلام - في بداية صفين إلى أن استشهد عمار، عندها أقدم على القتال إلى جانب علي حتى نال الشهادة، كما نقل عنه هذا الأمر "البلاذري" أيضا في كتابه المذكور (ج2/ص 319).
... إذاً لوكان حديث الغدير "من كنت مولاه فهذا علي مولاه .. " يدل على الإمارة والخلافة المنصوص عليها من الله تعالى لعليّ لما أعرض عنها أولئك الأصحاب أبدا، ولذكرها واستند إليها الأنصار على الأقل.
... أما خطبة الغدير الطويلة جدا التي يُذكَر فيها النص على علي بكل صراحة ووضوح والتي توردها كتب الشيعة منسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، كتلك التي يرويها الطبرسي في كتابه " الاحتجاج "، فهي خطبة موضوعة مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وآله وفيما يلي بيان ذلك:
تمحيص سند خطبة الغدير الطويلة
__________
(1) هل يمكن للعقل والوجدان السليمين أن يقبلا بأن يكون مثل هؤلاء الصحابة الذين كانوا مؤمنين مطيعين لتعاليم نبيهم (ص) ومستسلمين لأوامره إلى هذه الدرجة، أن يكونوا قد سمعوا نصا منه (صلىالله عليه وآله وسلم) في تنصيب علي عليهم إماما وخليفة ومع ذلك يكتموا هذا النص ولا يولوه أي عناية؟؟!! ( x)
...  يروي الطبرسي في كتابه "الاحتجاج" بقوله: حدثني .. ويذكر سلسلة مشايخ إجازته إلى قوله: [قال: حدثنا محمد بن موسى الهمداني قال حدثنا محمد بن خالد الطيالسي قال حدثني سيف بن عميره وصالح بن عقبة جميعا عن قيس بن سمعان عن علقمة بن محمد الحضرمي عن أبي جعفر محمد بن علي - عليه السلام - ...... ويسوق الحديث الطويل (الذي يقع في 29 صفحة مع الحواشي!) عن جابر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)] (1).
... فلنبدأ ببيان الحال التعيسة لمحمد بن موسى الهمداني:
قال التفرشي في "نقد الرجال" (ص336): [محمد بن موسى الهمداني ضعَّفه القميُّون بالغلووكان ابن الوليد يقول إنه كان يضع الحديث. (غض) ضعيف يروي عن الضعفاء].
في "تنقيح المقال" للممقاني (ج3/ ص 194)، ضمن بيانه لحال الرجل قال عنه أنه وضع كتابا باسم زيد النرسي وضع فيه أحاديث كثيرة!.
في قاموس الرجال للعلامة التستري (ج 8/ ص 4.9)، بعد أن بين حاله خلص إلى القول: [فضعفه اتفاقي، قال به ابن الوليد وابن بابويه وابن نوح وفهرست الطوسي والنجاشي وابن الغضائري].
وأورده ابن داود الحلي في (ص 512 من) "رجاله" في القسم الثاني المخصص للمجروحين والمجهولين وذمه بوضع الحديث والغلو.
وقال النجاشي في (ص 6. من كتابه) "الرجال": [محمد بن موسى الهمداني ضعَّفه القميُّون بالغلووكان ابن الوليد يقول إنه كان يضع الحديث.].
أورده الشيخ طه نجف أيضا في "إتقان المقال" (ص 26.) ضمن قسم الضعفاء والغلاة، واعتبره الميرزا الاسترآبادي في "منهج المقال" (ص 327) غاليا وضاعا للحديث، وقال أن الشيخ الصدوق ضعفه. كما اعتبره الأردبيلي في "جامع الرواة" (ج2/ ص 2.5) من الضعفاء.
... أما عن سيف بن عميره:
__________
(1) الاحتجاج: ج 1 / ص 133 - 162.
فقد نقل الممقاني في تنقيح المقال (ج 2 / ص 79) عن الشهيد الثاني تضعيفه. وقال عنه أيضا: [ومن موضع من كشف الرموز أنه مظنون وعن موضع آخر أنه مطعون فيه وملعون]
وأورده الشيخ طه نجف في "اتقان المقال" (ص 299) مع الضعفاء.
... وأما صالح بن عقبة:
فأورده العلامة الحلي في خلاصته (ص 23.) في القسم الثاني الخاص بالضعفاء وقال: [صالح بن عقبة بن قيس بن سمعان، روى عن أبي عبد الله كذَّاب غال لا يُلْتَفَتُ إليه].
وأورده ابن داود في الرجال (ص 462) في قسم المجروحين والمجهولين وقال عنه: [ليس حديثه بشيء، كذاب غال كثير المناكير]. وهكذا وصفوه في سائر كتب الرجال بأنه [غال كذاب لا يُلتَفَت إليه .. ].
... إذن لا ريب في أن خطبة الغدير الطويلة المفصلة هذه كذب على الله ورسوله، ومن اختلاق أمثال أولئك الكذبة الغلاة الوضَّاعين. هذا من ناحية السند أما من ناحية المتن فهناك قرائن قاطعة أخرى على وضعها نوجزها فيما يلي:
كما قلنا إذا كان حديث [عمار تقتله الفئة الباغية] قد هز بشدة حتى أصحاب معاوية حتى كاد جيشه يتصدع، وحتى خشي معاوية أن ينقض عليه بعض جنده، فاستطاع بمكره وحيلته أن يقلب الحقائق ويزعم لهم أن عليا هوالذي قتل عمارا لأنه أخرجه معه إلى المعركة رغم كبر سنه الذي كان يتجاوز التسعين!! واستطاع بهذه الحيلة أن يخمد الشغب، فإنه من المحال أن يكون هناك نص صريح وواضح ـ مثل هذه الخطبة ـ على علي بالإمامة وولاية الأمر ثم يهمله مثل أولئك الصحابة ولا يعتنوا به أدنى اعتناء لا لشيء إلا لأجل أبي بكر الذي لم يكن يملك عدة ولا عددا لتحقيق مقصده بالقوة، بل كان عليٌّ أكثر منه عشيرة ولم يكن أدنى منه مالا وقوة، فيعدلوا عنادا عمن نصبه لهم ربهم تبارك وتعالى ويعهدوا بمنصبه لآخر، قسما بالله إنها لتهمة كبيرة وجناية عظيمة وإثم لا يغتفر أن يُنسَب مثل هذا الأمر لأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله).
لم يحصل أن استنبط واستنتج أي شخص من حديث الغدير وسائر الأحاديث ـ التي تستدل بها الإمامية ـ خلال كل النصف الأول من القرن الهجري الأول على الأقل، النصَّ النبويَّ على علي إماما وحاكما بأمر الله، ولا يمكنك أن تجد أي حديث صحيح يبين استناد نفس أمير المؤمنين - عليه السلام - إلى قضية النص ولا استناد أي من أولاده خلال النصف الأول من القرن الأول، بل كان علي يرى، استنادا إلى مناقبه وعلمه وعظيم بلائه في الإسلام وشدة قربه والتصاقه بالرسول (صلى الله عليه وآله) الذي لا يدانيه فيه أحد، وهذه أهم نقطة في الأمر، أنه أولى وأحق الناس بمقام خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإمامة المسلمين، وتلك بالضبط كانت عقيدة أنصاره ومحبيه الميَّالين إليه من الصحابة، وعليه، فلوكان هناك نص صريح في نصب الله تعالى لعلي إماما لاستند إليه قطعا أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وشيعة علي ومحبيه، وعلى الأقل لاستند إليه علي نفسه، في حين أن شيئا من هذا لم يحصل، ولا يوجد مثل هذا الادعاء أوالمطالبة في تمام ما نقل إلينا من احتجاجات لعلي وأنصاره بعد بيعة أبي بكر. نعم، لما أدت الصراعات السياسية فيما بعد إلى نشوء فرق عديدة كالكيسانية والمرجئة والخطابية والراوندية ... إلخ بدأنا نجد أمثال هذه الروايات الصريحة ـ التي أكثرها مكذوب وموضوع ـ في النص على عليّ والاستناد إليها لإثبات إمامته المنصوص عليها من قبل الله عز وجل.
إن المطالعة الدقيقة والخالية من التعصب للتواريخ الإسلامية تبين أنه في ذلك الزمن، كان أهم ما يستند إليه الذين يرون أنفسهم أحق وأليق وأولى بالخلافة، موضوع النسب والقبيلة أومقدار الصلة والقرب العائلي أوالقبلي من شخص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لذا نجد أبا بكر - رضي الله عنه - يستند، للرد على منافسه سعد بن عبادة، إلى الحديث المعروف "الأئمة من قريش"، وهوغير صحيح بنظري لأن فيه تأييدا للعصبية القبلية والقومية، ولذا فإن عمر - رضي الله عنه - وهوالصديق الوفي لأبي بكر، كذب صحة هذا الحديث (أودلالته على أحقية قريش بالإمامة) عندما قال عند وفاته أنه لوكان سالم مولى أبي حذيفة حيا لما عدل عنه، مع أن سالما هذا ليس بقرشي. ونفس الأمر سار عليه الخلفاء الأمويون والعباسيون الذين حكموا المسلمين سنوات طويلة في ادعائهم أحقيتهم بالخلافة. والأعجب من ذلك أن الأحاديث الشيعية أيضا كانت تنظر للخلافة ومن أحق بها، من زاوية القرابة أوالانتماء العائلي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله! فمن ذلك ما ورد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين - عليه السلام - أنه لما سمع احتجاج أبي بكر - رضي الله عنه - على الأنصار بحديث " الأئمة من قريش " قال: [احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة!]، وكذلك ما ورد في النهج أيضا وغيره من كتب السيرة والتاريخ أن عليا قال معلقا على احتجاج أبي بكر - رضي الله عنه - على الأنصار:
... فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم
... ... ... ... فكيف بهذا والمُشيرون غُيَّبُ؟
... وإن كنت بالقربى حججت خصمهم
... ... ... ... فغيرك بالنبي أولى وأقربُ
... وورد في كتاب إثبات الوصية للمؤرخ المسعودي، كما ذكره المجلسي في بحار الأنوار (ج 8 / ص 58)، ما يلي: [واتصل الخبر بأمير المؤمنين بعد فراغه من غسل رسول الله وتحنيطه وتكفينه وتجهيزه ودفنه بعد الصلوة عليه مع من حضر من بني هاشم وقوم من صحابته مثل سلمان وأبي ذر والمقداد وعمار وحذيفة وأبي بن كعب وجماعة نحوأربعين رجلا، فقام خطيبا: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن كانت الإمامة في قريش فأنا أحق قريش بها وإن لا تكن في قريش فالأنصار على دعواهم! ثم اعتزل الناس ودخل بيته.] وبناء عليه فإما أن تكون القرابة هي المعيار فعليٌّ أقرب القوم إلى النبي. وإما ألا تكون، فإذن ادعاء الأنصار، في منطق أمير المؤمنين - عليه السلام -، ادعاء في محله لأن الوطن وطنهم ودين الإسلام إنما قوي وارتفعت رايته بدارهم وبفضل إيوائهم ونصرتهم له بالأنفس والأموال.
... وهذه الحجة أيضا نشاهدها في منطق شيعة أمير المؤمنين - عليه السلام - ـ حسبما تنقله كتب الشيعة ـ كما مر معنا في احتجاج عمار على أبي بكر حيث قال: [إن أهل بيت نبيكم أولى به وأحق بإرثه ... وقد علمتم أن بني هاشم أحق بهذا الأمر فيكم!].
... هذا ولكن لما كانت مسألة التعصب العشائري والقبائلي والقومية والعرقية من آثار الجاهلية التي أبطلها الإسلام كما سيأتي شرحه إن شاء الله، لذا لا مجال في الإسلام للحكم الوراثي والعائلي، فكل ادعاء من هذا النوع ادعاء في غير محله ولا يؤيده العقل ولا النقل بل هومخالف بكل صراحة لتعاليم الإسلام. (1)
__________
(1) لوتأملنا كلام هذا الإمام الهمام بعمق ـ بعيدا عن أي تعصب طائفي ـ لأدركنا أنه عليه السلام لم يرد من كلامه تقرير مبدأ كون القرابة والوراثة هي الأصل في موضوع تعيين الحاكم والخليفة، بقدر ما أراد ـ كما سبق وأوضحناه ـ أن يرد على حجة المهاجرين ويبين أن طريقتهم العجولة في نصب الإمام ـ قبل اكتمال مجلس أهل الحل والعقد ـ لم تكن بالطريقة الصحيحة والسليمة، فكأنه أراد أن يقول إذا كانت مجرد القرشية والقرابة من الرسول هي المعيار في تعيين الإمام فلقد كنت أولى الناس بذلك لأنني علاوة على كوني من قريش ومن بني هاشم: أسرة النبي وأشرف بطون قريش وأكرم من بني تيم بن مرة، فإن لي إلى رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) قرابة نسبية وسببية وكنت أقرب الناس إليه: ربيت في حجره منذ نعومة أظفاري وتعلمت وتربيت على يديه منذ صغري، فإذا كان الهدف من الشجرة هوثمرتها فكيف احتج المهاجرون بأنهم شجرة النبي واضاعوا ثمرة هذه الشجرة؟! وأما حديث "الأئمة من قريش" فمعناه أن الإمام سيكون من قريش وليس معناه أن القرشيين فقط لهم الحق في تعيين الخليفة دون سائر أهل الحل والعقد من المسلمين لا سيما الأنصار، كما أنني أنا من قريش أيضا فلماذا لم أُستَشَر في الأمر وتم دوني؟!
... فهدف الإمام من اعتراضه ذاك هوـ في الحقيقة ـ بيان أن تعيين الخليفة ينبغي ألا يتم إلا بتشاور ورضا جميع أهل الحل والعقد من كبار ووجهاء المسلمين لا أن يفتأت البعض بالأمر بسرعة دون مشورة وحضور البقية. ( x)
ادعاء النص لم يرد في كلمات أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذريته
... لم يأت أبدا في أقوال أولئك الذين عرفوا بالتقوى والعلم والفضل من بين أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبناء أعمامه وأحفاده وذريته، مثل هذا الادعاء بأن عليا - عليه السلام - قد نُصِبَ إماما على الأمة من قِبَلِ الله تعالى ورسوله، فقد مر معنا قول الحسن المثنى بن الحسن المجتبى - عليه السلام -: [لوكان النبي أراد خلافته لقال: أيها الناس هذا ولي أمري والقائم عليكم بعدي فاسمعوا له وأطيعوا، (ثم أضاف): أقسم بالله سبحانه أن الله تعالى لوآثر عليا لأجل هذا الأمر ولم يُقْدِم عليٌّ كرَّم الله وجهه لكان أعظم الناس خطأ].
... ومر أيضا قول أمير المؤمنين نفسه، حسبما أورده المسعودي في كتابه "إثبات الوصية"، أنه - عليه السلام -، لما سمع أن الناس بايعوا أبا بكر - رضي الله عنه - قال: [إن تكن الإمامة في قريش فأنا أحق قريش وإن لم تكن في قريش فالأنصار على دعواهم]، واعتزل الناس دون أن يذكر أي بيان أواحتجاج آخر! فهل وظيفة المنصوص عليه من قبل الله تعالى ورسوله هي أن يذهب ويعتزل في بيته دون أن يقوم بأي دعوة أومطالبة؟! وكما ذكرنا في رواية قيس بن عباد أن حضرة علي قال: [والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لوعهد إلي رسول الله عهدا لجاهدت عليه ولم أترك ابن أبي قحافة يرقى رجة واحدة من منبره!].
... وأورد الكشي في رجاله (ص 164 من طبعة النجف) قصة نقاشٍ وقع بين مؤمن الطاق وزيد بن علي يدل على أنه لم يكن في أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علم بشيء اسمه الإمامة المنصوص عليها من الله، قال: [إن مؤمن الطاق قيل له: ما جرى بينك وبين زيد بن علي في محضر أبي عبد الله؟ قال: قال زيد بن علي: يا محمد بن علي! بلغني أنك تزعم أن في آل محمد إماما مفترض الطاعة! قال: قلت نعم، وكان أبوك علي بن الحسين أحدهم. قال (أي زيد): وكيف وقد كان يؤتى بلقمة وهي حارة فيبرِّدها بيده ثم يلقمنيها، أفترى يشفق علي من حر اللقمة ولا يشفق علي من حر النار؟؟] (1)، أي أن زيدا - رضي الله عنه - يؤكد أن والده لم يخبره بموضوع وجود إمام مفترض الطاعة من الله! مما يفيد أن زيدا كان يرى في علي إماما في الحلال والحرام فحسب، أي أنه إذا قضى بشيء من أحكام الشرع كان ذلك حجة يجب على المؤمنين العمل بها باعتباره كان أعلم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأحكام الحلال والحرام.
__________
(1) رجال الكشي، ص 164 (طبعة النجف). أواختيار معرفة الرجال، طبعة مشهد: ص 187، الحديث 329.
... وهذا المعنى جاء أيضا في رواية طويلة أوردها فرات بن ابراهيم الكوفي في تفسيره (ص 181 طبع النجف) فيما يلي نصها: [قال: حدثنا أحمد بن القاسم معنعنا: عن أبي خالد الواسطي قال: قال أبوهاشم الرماني ـ وهوقاسم بن كثير! (1) ـ لزيد بن علي: يا أبا الحسين بأبي أنت وأمي هل كان علي صلوات الله عليه مفترض الطاعة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: فضرب رأسه ورقَّ لذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ثم رفع رأسه فقال: يا أبا هاشم كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نبيا مرسلا فلم يكن أحد من الخلائق بمنزلته في شيء من الأشياء إلا أنه كان من الله للنبي قال: {ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وقال: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} (النساء / 8.)، وكان في علي أشياء من رسول الله صلى الله عليه وآله و&  nbspp;  سلم كان علي صلوات الله عليه من بعده إمام المسلمين في حلالهم وحرامهم وفي السنة عن نبي الله وفي كتاب الله، فما جاء به عليٌّ من الحلال والحرام أومن سنة أومن كتاب فرد الراد على علي وزعم أنه ليس من الله ولا رسوله كان الراد على عليٍّ كافرا، فلم يزل كذلك حتى قبضه الله على ذلك شهيدا، ثم كان الحسن والحسين فوالله ما ادعيا منزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا كان القول من رسول الله فيهما ما قال في علي غير أنه قال: " سيدي شباب أهل الجنة " فهما كما سمى رسول الله كانا إمامي المسلمين أيهما أخذت منه حلالك وحرامك وبيعتك فلم يزالا كذلك حتى قُبِضا شهيدين، ثم كنا ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بعدهما ولدهما ولد الحسن والحسين، فوالله ما ادعى أحد منا
__________
(1) أبوهاشم الرماني الواسطي اسمه يحيى توفي سنة 122 وقيل 145، وأما قاسم بن كثير فكنيته أبوهاشم ونسبته الخارفي الهمداني بياع السابري روى عنه سفيان الثوري، لهما ترجمة في التهذيب وهما ثقتان (مت)
منزلتهما من رسول الله ولا كان القول من رسول الله فينا ما قال في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم السلام، غير أنا ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يحق مودتنا وموالاتنا ونصرتنا على كل مسلم، غير أنا أئمتكم في حلالكم وحرامكم يحق علينا أن نجتهد لكم ويحق عليكم أن لا تدعوا أمرنا من دوننا، فوالله ما ادعاها أحد منا لا من ولد الحسن ولا من ولد الحسين أن فينا إمام مفترض الطاعة علينا وعلى جميع المسلمين. فوالله ما ادعاها أبي علي بن الحسين في طول ما صحبته حتى قبضه الله إليه وما ادعاها محمد بن علي فيما صحبته من الدنيا حتى قبضه الله إليه فما ادعاها ابن أخي من بعده لا والله ولكنكم قوم تكذبون.
... فالإمام يا أبا هاشم منا المفترض الطاعة علينا وعلى جميع المسلمين: الخارج بسيفه، الداعي إلى كتاب الله وسنة نبيه، الظاهر على ذلك، الجارية أحكامه، فأما أن يكون إمام مفترض الطاعة علينا وعلى جميع المسلمين متكئ فراشه مرجئ على حجته مغلق عنه أبوابه يجري عليه أحكام الظلمة فإنا لا نعرف هذا يا أبا هاشم.] (1).
__________
(1) تفسير فرات بن ابراهيم الكوفي (وهومن أعلام الغيبة الصغرى ومعاصر للمحدث الكليني والحافظ ابن عقدة، قيل أنه كان زيديا) ص 474 ـ 475 (من الطبعة التي حققها محمد كاظم، طبع طهران،141. هـ / 199.). (مت)
... هذا هوالكلام المتين والبرهان المبين الذي تفضل به جناب زيد بن علي بن الحسين - عليه السلام - الذي يرى أن عليا إنما هوإمام المسلمين في بيان أحكام الإسلام من الحلال والحرام، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علمه ذلك كله (بالإضافة لما اختصه الله تعالى به من فهم متميز خاص للقرآن وفقهه) فما بينه من أحكام الشريعة وجب على المسلمين الأخذ به، ونجد هذا واضحا في تاريخ الخلفاء الراشدين سيما أبي بكر - رضي الله عنه - وعمر - رضي الله عنه - اللذان كانا يرجعان إليه ويستفسران رأيه في كل مسألة عويصة تعرض عليهما فلا يعدلان عن رأيه أبدا فكانا يعتبرانه إماما لهما في العلم والدين إلى الحد الذي اشتهر عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال في أكثر من سبعين موردا: [لولا علي لهلك عمر] وكان كثيرا ما يقول: [لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن!] (1)، وفي نظر جناب زيد أن الحسن والحسين أيضا كانا إمامين طوال مدة حياتهما بمعنى كون كل منهما قدوة ومرجع للناس في بيان الحلال والحرام، وكذلك كان كل واحد من علماء أهل البيت: سواء علي بن الحسين (زين
__________
(1) كان علي من الناصحين للخليفتين ابي بكر وعمر وكانا يعملان بمشورته، فمن ذلك أخذ أبي بكر برأي علي في موضوع مبدأ التأريخ الإسلامي بهجرة النبي (ص)، كماأن عمر عمل بنصح ومشورة علي له في موضوع شخوصه لحرب الفرس وحرب الروم (انظر نهج البلاغة، الخطبتين: 134، و146). ولورجعنا إلى كتاب مسند زيد بن علي عليهما السلام لوجدنا عددا من الروايات يقر فيها الخليفة الثاني بأن عليا أعلم منه ويرجع إليه في حل كثير من الأمور، بل يحتاط في الإجابة على سؤال رغم أنه سمع جواب مثله من النبي (ص) بنفسه ولكنه مع ذلك يعهد بالإجابة عن السؤال إلى علي (ع). (انظر مثلا الحديث السادس في باب الحيض والاستحاضة، من كتاب الطهارة، والحديث الثالث في باب جزاء الصيد من كتاب الحج) (برقعي)
العابدين) أم الحسن بن الحسن أم محمد بن علي (الباقر) أم عبد الله بن الحسن بن الحسن (الكامل) أم زيد بن علي أم محمد بن عبد الله (النفس الزكية)، إماما ومرجعا للناس في عصره في الإرشاد وبيان الأحكام، وهذا هوالمعنى الصحيح لحديث الثقلين: [إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي]، وبهذا المنطق فقط يمكن حل جميع الاختلافات الدينية بين المسلمين وإعادة المياه إلى مجاريها وتحويل العداوة والبغضاء إلى الأخوَّة والاتفاق، لا بسبِّ أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله) و&  nbssp;  الخلفاء أوسب واتهام سائر الفرق الإسلامية! لأنني لا أتصور أنه يوجد بين المسلمين أحد ممن يرجوالنجاة لنفسه من عقبات يوم القيامة مّنْ يرفض هذا المنطق ـ إلا من كان في قلبه مرض أوغرض ـ، فمَن مِن المسلمين يمكنه أن ينكر فضائل علي - عليه السلام - مع كل تلك الأحاديث النبوية التي صدرت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) طوال مدة حياته في حقه؟ من الذي يمكنه أن ينكر جهاد ذلك الإمام الهمام وسيرته التي كلها تضحيات في سبيل نصرة الإسلام واعلاء كلمته؟ في حين أنه لا توجد مرحلة من مراحل الدعوة الإسلامية إلا وكان لعلي دور مؤثر في تقدمها وعلوشأنها، وإن سيرته العطرة مليئة بالمواقف البطولية الخالدة والأعمال العظيمة المحيرة، والقطرات التي بقيت من بحر علمه في عرضه لحقائق تعاليم الإسلام للناس، تعتبر لوحدها محيطات لا حد لها يمكن ليس لأمة الإسلام فحسب بل للمجتمع البشري أن يفخر بها ويتخذها نبراسا لحياته يسير على ضوئها لأجل تحقيق سعادة الدنيا والآخرة، فإذا رأينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يثني عليه ويبين رفيع مقامه في كل مناسبة ومقام ويعرِّفه للمسلمين كرمز للعلم والتقوى والصلاح والفلاح والأخلاق الإسلامية، ويعتبره أهلا للإمامة وقيادة المسلمين، فإن هذا لا يعني أنه (صلى الله عليه وآله) نصبه بنص تعييني وأمر إلهي
للخلافة وحكم المسلمين بعد رسول الله أونَصَبَ أولاده حكاما على المسلمين إلى يوم القيامة، بحيث لورجع المسلمون إلى غيره في أمر الحكومة والسياسة واعتبروه أهلا لقيادتهم السياسية وأطاعوه مادام ملتزما بتطبيق أحكام القرآن والسنة كانوا من أهل النار أجمعين، إماما ومأمومين!!
... نعم لووجد من أهل بيت النبي وعترته من كان أفضل أهل زمانه في العلم والفضل والتقوى والشجاعة والدراية فمن البديهي أنه يكون أولى وأحق من أي أحد سواه بإمامة المسلمين وسياستهم، وعلى الناس أن ينتخبوه، طواعية من أنفسهم، لهذا المقام، وفي الغالب ما يحصل هذا فعلا لأن طبيعة ونفس وروح الناس تتجه لاحترام رسول دينها ونبي شريعتها وأهل بيته وذريته، وإذا شاهدنا عدول الناس لحد ما عن عترة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في صدر الإسلام فلهذا علل سبقت الإشارة لبعضها يضاف إليها جهل كثير من الناس بحقائق تعاليم الدين وعداء مخالفي الإسلام الذين رأوا في هذا الدين الجديد تهديدا يزلزل أركان أديانهم وشرائعهم الموروثة كاليهودية والنصرانية والمجوسية فسعوا في إضعاف الإسلام وتخريبه بأنواع المكائد والحيل التي منها الاندساس في هذا الدين وتخريبه من داخله بإحياء سنن الجاهلية وآداب ورسوم المجوسية أواليهودية أوالمسيحية تحت غطاء إسلامي، يريدون بهذا أن يجتثوا حقائق الإسلام من جذورها، لكن مع ذلك نجد في تاريخ الإسلام أنه كلما قام رجل من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعترته يدعولإقامة الحق والعدل والقضاء على الجور الظلم والحكم بالكتاب والسنة، التف معه المسلمون من كل حدب وصوب وجاهدوا معه حكام الوقت، كقيام العشرات من آل علي وآل جعفر ضد خلفاء بني أمية وبني العباس مما تكفل كتاب "مقاتل الطالبيين" ببيان قصة جهادهم وإمامتهم، وحتى هذا اليوم عندما يقوم رجل من المنتسبين للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
من أحفاد علي وفاطمة عليهم السلام لعزل الظلمة وإقامة حكم القرآن ويكون أهلا للإمامة والحكم والقيادة، فإن أكثر المسلمين يؤيدونه ويقومون معه وينصرونه رغم أن أكثرهم يجهل كثيرا من تعاليم الإسلام، حيث أصبح القليل من المسلمين في يومنا هذا مَنْ له معرفة صحيحة بأحكام الدين، حيث دخلت في هذا الدين ـ خلال السنين الطويلة التي مرَّت على الإسلام منذ ظهوره وحتى اليوم ـ أغراض وأمراض من الصديق والعدووتراكمت طبقات كثيفة من غبار الأوهام والخرافات والبدع على الوجه النوراني للإسلام فغطته، فلم يعد يدرك حقائقه النقية الناصعة إلا القليل ممن هداهم الله: " ذلك هدى الله يهدي به من يشاء " "ومن يهدي الله فهوالمهتدي".
... فإمامة علي بمعنى كونه خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بعد رحلته، في بيان أحكام الحلال والحرام وفي كونه مرجع الخاص والعام في الإرشاد والهداية ومعرفة أحكام الشرع، لا يمكن أن ينكرها أي مسلم منصف ومؤمن بالله ورسوله ومطلع على تاريخ الإسلام وسيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومثل هذا المقام والمنصب لا يمكن الاستيلاء عليه واغتصابه من صاحبه الأصلي بالقوة! لأن العلم والمعرفة والفضل والتقوى أمور لا يمكن غصبها والاستيلاء عليها، فهذه الإمامة لم يغصبها أحد من علي وآله، وهكذا كان الذين فاقوا أقرانهم في العلم والفضل والتقوى من أولاد وأحفاد علي، أئمةَ الناس في عصرهم ومرجع الخاص والعام في بيان أحكام الدين ومعرفة حلال شرع الله وحرامه.
... وإذا رأينا رجالا من أمثال فقهاء المدينة السبعة في عهد حضرة الإمام السجاد - عليه السلام -، أوأمثال مالك بن أنس وأبي حنيفة النعمان بن ثابت ومحمد ابن إدريس الشافعي وابن أبي ليلى (رحمهم الله تعالى جميعا)، في زمن حضرات الباقر والصادق والكاظم عليهم السلام، قد اشتهروا بالعلم والفقه وصاروا مراجع جمهور المسلمين في أحكام الشرع والدين، فإن علة ذلك أولاً: فضلهم وعلمهم وتقواهم بلا شك، فكل واحد منهم كان حقيقة ذا علم وفضل وتقوى، وكل من كان كذلك لا بد أن يحوز توجه الناس واقبالهم ومحبتهم، فيشتهر ويُقَلَّد.
... وعلة ذلك ثانيا: سياسة خلفاء بني العباس الذين كانوا يشعرون بالخطر من شخصيات أولاد علي التي تشكل، في الواقع وفي أنظار المسلمين، خير منافس لهم، أكثر من أي شخصية إسلامية أخرى، مثل حضرات الباقر والصادق وعبد الله بن الحسن ومحمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية) والحسين بن علي شهيد الفخ ومحمد بن جعفر، حيث كان كل واحد من أولئك الأعلام من أفضل أهل عصره في العلم والفقه والتقوى مع الشجاعة والقوة في الحق واللياقة بمنصب إمامة المسلمين أكثر من أي أحد، مما كان يجعل قلوب الكثيرين تميل لإمارتهم وخلافتهم، بل بعضهم بويع فعلا بالإمامة من الخاص والعام، وقام ونهض (لإحياء حكم القرآن وإقامة عدل الإسلام)، لذا كان الخلفاء العباسيون يضيقون عليهم ويضطهدونهم ولا يسمحون لهم بالحرية التي تجعل الناس يلتفون حولهم، ويسعون بشتى الوسائل في إخمال ذكرهم والتعتيم عليهم، في حين أعطوا الآخرين الحرية ومجال الشهرة بل روجوا لهم وعهدوا لهم أولتلاميذهم بالمناصب، لأمنهم من عدم طمعهم في الحكم والزعامة، وحتى لوطمح منهم طامح فإنه لن يجد من يلتف حوله وينصره في طلبه الإمامة، لأن شهرة حديث [الأئمة من قريش] لم تترك مجالا لأبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل وغيرهم من الأئمة الفقهاء ممن لم يكن بقرشي (1)
__________
(1) لم يكن الأئمة الأربعة أيضا راضون عن خلفاء عصرهم من بني العباس، فأحمد بن حنبل أمضى سنوات طويلة في سجونهم مع ضربه بالسياط لحد فقدان الوعي بسبب رأي كلامي اختلف فيه مع المأمون. ومالك اعتقل بسبب تأييده لثورة العلويين بقيادة النفس الزكية وإفتائه بجواز نقض البيعة التي تؤخذ بالإكراه، وقد ضرب يالسياط حتى خلعت كتفه!!، كما روى عن الإمام الصادق (ع) في كتابه الموطأ. وكذلك "الشافعي" رغم أنه كان قرشيا، إلاأنه كان محبا ومؤيدا لآل علي (ع) حتى اتهم بالتعاون معهم في اليمن واعتقل لأجل ذلك. وأشعاره في حب علي وآل النبي مشهورة يعرفها العام والخاص. أما تأييد الإمام أبي حنيفة لثورات العلويين في عصره، والذي يدل على أنه كان يراهم أولى الأمة بالخلافة ولم يكن يرى مشروعية خلافة الخلفاء في عصره، فأشهر من أن يذكر، مما حدى ببعض المؤرخين أن يعتبره شيعيا في ولائه السياسي، وقد سجن أبوحنيفة، بسبب أرائه تلك، عدة مرات، في زمن المنصور الدوانيقي ورفض أن يستلم أي منصب من المناصب التي عرضت عليه في عهده حتى توفي آخر الأمر وهوفي سجن المنصور. (برقعي)
.
... ومن هذا المنطلق أيضا قرر الخلفاء العباسيون (أوأيدوا) مبدأ العول والتعصيب في فقه المواريث (1) ليثبتوا أن العباس كان وارث النبي فيثبتوا بهذا أنهم الخلفاء الشرعيون لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)!
... ولهذا نال فقه الآخرين وآراؤهم من الشهرة والرواج بين المسلمين ما لم ينله فقه أئمة العترة عليهم السلام، ومع ذلك قيض الله تعالى لهم في كل عصر أتباعا محبين وتلاميذ أذكياء من الباحثين عن الحقيقة غير الآبهين في سبيلها بالأخطار، ممن كان يرجع في فهم دينه وأخذ أحكام شرعه إلى أولاد علي لا يعدل عنهم إلى غيرهم، فحفظوا من فقههم وبياناتهم آلاف الأحاديث وملؤوا آلاف الدفاتر، التي لا تزال توجد إلى اليوم في متناول المسلمين وتحوز انتباه العام والخاص، مما جعل الغلاة وأعداء الإسلام يستغلون شهرة ومرجعية أولئك الأئمة ويروون عنهم كذبا آلاف الروايات مما شوه صورتهم في أنظار الناس، الأمر الذي حان الوقت للبدء بسرعة في إصلاحه.
__________
(1) تعتمد المذاهب السنية الأربعة قاعدتي التعصيب والعول في الإرث، أما التعصيب فهوأن يُعْطَى ما يتبقى من التركة، بعد أن يأخذ كل ذي فرض فرضه، لأّوْلى عصبة ذكر، وهم الأبناء ثم الآباء ثم الإخوة ثم أبناءهم ثم الأعمام ثم أولاد العم، والعباسيون وافقهم هذا الرأي حيث أنه لما لم يكن لرسول الله (ص) أبناء (ذكور) ولا آباء أوإخوة، كان ورثته وعصبته هم أعمامه (العباس) وأبناء عمه (العباسيون)! أما في الفقه الجعفري فلا تعصيب أصلا بل يأخذ أصحاب الفروض من الطبقة الواحدة فقط كل التركة ولوكانت بنتا واحدة فقط، فرضاً ثم ردَّاً. (مت)
... والحاصل أن أئمة العترة كانوا أئمة الناس في الفقه والدين وفي بيان الحلال والحرام (وفي قيادة الأرواح إلى الله عز وجل)، والرد عليهم، من هذه الزاوية، رد على الله ورسوله، وحتى الفقهاء الأربعة وغيرهم رجعوا إليهم وأخذوا عنهم العلم.

انظر أيضاً :
  1. لماذا لم يذكر اسم علي في القرآن؟ ..
  2. تكفير غير الإمامية ..
  3. تكفير من مات ليس له إمام ..
  4. الإمامة ..
  5. إمامنا رسول الله ..
  6. إقصاء أبناء الحسن من الإمامة ..
  7. اول من اشهر القول بفرض امامة علي هوعبد الله بن سبأ ..
  8. أشرب النبيذ ولا تنكر الإمامة ..
  9. الخطبة الشقشقية لا تثبت عن علي رضي الله عنه ..
  10. نصوص في الإمامة ..
  11. كفر منكر الإمامة ..
  12. منزلة الولاية ..
  13. الحسن بايع معاوية ..
  14. أشرب النبيذ ولا تنكر الإمامة ..
  15. معنى الصلاة على (آل محمد) ..
  16. هل علي رضي الله عنه أخبر أقرب الناس إليه بترتيب الأئمة الاثني عشر؟ ..
  17. إبن الحنفية لا يعرف الإمام ..
  18. أهل البيت يبايعون الصحابة ..
  19. أين الولاية؟ ..
  20. هل الإمامة منصوصة ..
  21. المرتضى: خبر الغدير وخبر المنزلة نص خفي وليس جلي ..
  22. النوري الطبرسي : لم يصرح النبي لعلي بالخلافة بعده بلا فصل ..
  23. الولاية ليست شرطا لدخول الجنة والنجاة من النار ..
  24. هل الزوجة من أهل الرجل؟ ..
  25. أئمة الشيعة ثلاثة عشر ..
  26. التشابه بين عقيدتي اليهود والشيعة في الوصية ..
  27. تواتر المضامين عند الشيعة الإمامية يفضي إلى هدم الدين (الإمامة والتحريف أنموذجاً) ..
  28. غدير خم .. بين الواقع وتزوير الروافض ..
  29. بيعة علي بن أبي طالب صحتها ورد شبهتها ..
  30. زعمهم وجود نص على خلافة علي رضي الله عنه ..
  31. في الإمامة – وفيه ست تنبيهات ..
  32. في إمامة عليّ رضي الله عنه ..
  33. الولاية والوصاية ..
  34. تحديات تواجه النظرية الامامية ..
  35. الامامة والحق المغصوب ..
  36. الخلافة - تاج الفروض ..
  37. في نقل المذاهب في مسألة الإمامة ..
  38. الإمامة ..
  39. استدلالهم على مسألة الإمامة ..
  40. الشيعة الإثنا عشرية ومسألة الإمامة ..
  41. الإمامة عند الشيعة من خلال مرويات أصول الكافي - دراسة مقارنة بالقرآن والعقل ..
  42. هل الرسول أوصى بالخلافة لعلي؟ ..
  43. إثبات الإمامة عند الشيعة بالخرافات ..
  44. الوجوه الاثنى عشر في نقض إمامة وعصمة أئمة الرفض الاثنى عشر ..
  45. يا رافضة جئتكم بما يهدم دينكم من القواعد ..
  46. العقل منكر للنص ..
  47. دراسة وتمحيص أحادث النص على اثني عشر إمام ..
  48. الإمامة ..
  49. ذكر أفضليتة الخلافة على هذا الترتيب ..
  50. الإمامة عند الشيعة ..
  51. متى كان النص؟ ..
  52. بحوث في ولاية الفقيه والشورى ..
  53. بحوث ودراسات في حديث غدير خم ..
  54. بحوث في حديث بدء الدعوة أو يوم الدار ..
  55. الإستدلال بآية (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) ..
  56. بحوث في روايات التصدق بالخاتم ..
  57. بحوث في آية التطهير ..
  58. بحوث في حديث الطائر المشوي ..
  59. بحوث في حديث الثقلين ..
  60. الإمامة والقرآن ..
  61. هل عدد الأئمة عند الشيعة 13؟ ..
  62. رد على شبهات الشيعة ..
  63. بحوث في حديث "يكون بعدي إثنا عشر أميرا" ..
  64. شجرة الأئمة عند الإسماعلية
  65. ثلاث قصص تبطل مزاعم الشيعة ..
  66. صحة خلافة أبي بكر ونقض الولاية عن الشيعة ..
  67. آل محمد - حق لكل أمة محمد ، الحق المسلوب من كل مسلم ..
  68. الخوئي يقر بعدم وجود رواية تنص على أسماء الأئمة ..
  69. من هم أهل البيت ..
  70. لماذا لم يروي الرافضة عن هؤلاء (أولاد الائمة) وأحفادهم.. أحاديث النص على الأئمة الـ 12 ..
  71. صرف الإمامة عن ذرية الحسن رضي الله عنه ..
  72. الآيات الدالة على وجوب التحاكم إلى الله ورسوله ..
  73. هل ذكر أئمة الشيعة في التوراة؟ ..
  74. حديث "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية" لا أصل له بهذا اللفظ ..
  75. الإستدلال بحديث المنزلة ..
  76. الإستدلال بآية المباهلة ..
    للمزيد ..
عدد مرات القراءة:
1336
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :