آخر تحديث للموقع :

الثلاثاء 16 صفر 1441هـ الموافق:15 أكتوبر 2019م 10:10:56 بتوقيت مكة
   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

مؤتمرات التقريب بين المذاهب الاسلامية.. هل تساعد على وحدة الأمة؟ ..

أحمد الخمليشي


الجميع يشكو من واقع الاختلافات الفقهية - والعقائدية أحياناً - التي تفرق الأمة الإسلامية، ويرغب في تضييق دائرتها، وفي تقوية لحمة الوحدة، ووشائج التواصل، ونشرت آراء، وعقدت لقاءات متعاقبة حول موضوع: «التقريب بين المذاهب الاسلامية»، وغدا في ذهن كثير من الناس - وفي مقدمتهم الفقهاء - انه الطريق السالك الموصل الى الهدف المنشود، ويحتاج فقط الى متابعة المناقشة والحوار للوصول بالتقريب الى تحقيق الاتفاق او التوافق حول أغلب الاحكام الشرعية المنظمة لعلاقات المجتمعات الاسلامية، العامة منها والخاصة.

ولعل السبب الأساسي الذي كان وراء فكرة «التقريب بين المذاهب» هو ما اكتسبته «المذهبية» من قوة التأثير على أتباعها الذين هم كل المسلمين، طيلة اكثر من عشرة قرون، حتى أصبح من غير المقبول مخاطبة المسلم بأحكام شرعية مخالفة للمنصوص عليه في المذهب الذي يتعبد به، ولاسيما ان الخلاف بين المذاهب لا يقتصر على تفسير النصوص المنظمة للعلاقات والسلوك، وانما يتجاوز ذلك بين بعض المذاهب الى العقيدة ومفهوم الشريعة، مثلاً ما يؤمن به المسلمون الشيعة من عصمة الأئمة، واعتبار ما نقل عنهم من اقوال وأفعال جزءاً من الشريعة غير قابل للمناقشة والرد.

ومساهمة في موضوع «التقريب بين المذاهب» نرى ضرورة ابراز ملاحظات يفيد استحضارها في تقييم نتائجه العملية في التخفيف من الآثار السلبية للاختلاف، نردفها باقتراحات نأمل أن يكملها من نذروا انفسهم لخدمة الاسلام وقيمه الخالدة.

وتتلخص هذه الملاحظات في:

تحديد الموقف من الفهم المذهبي للنصوص.
ألا يعتبر حصر الهدف في التقريب بين المذاهب تشجيعا على التعصب لها؟
من يقوم بالتقريب؟ وكيف ينجز؟ وكيف يتحقق الالتزام به؟
هل مجموع الآراء والأحكام المدونة في المذاهب كافية لتغطية العلاقات القائمة في مجتمع اليوم؟


أولاً: لا بد من تحديد الموقف من الفهم المذهبي للنصوص، فالحديث عن التقريب بين المذاهب يعني قطعاً ما بينها من الاختلاف في الآراء الاجتهادية المؤسسة على فهم كل مذهب لنصوص الشريعة الخاصة او العامة.

يتعين اذن ان نتساءل عن الموقف المتخذ من هذا الفهم من حيث وصفه بالحق والنهائي، أو بالصواب القابل للخطأ، والموقت القابل للمراجعة؟

وبعبارة أخرى: بماذا توصف آراء المذهب إزاء آراء المذاهب الأخرى؟ وهل تعتبر تلك الآراء بالنسبة للأجيال الحاضرة نهائية او تملك ازاءها صلاحية المراجعة والتعديل؟

يبدو الجواب عن التساؤل أساسياً لتتضح خطوات الطريق.


المذاهب بين فكرة الحق والباطل:

هل ينطلق أتباع كل مذهب من الايمان بأن مذهبهم هو «الحق» وما عداه «باطل» كما نقرأ في عدد غير قليل من الكتابات، وبالأخص في الاختلافات العقائدية، وفي ما بين السنة والشيعة؟

في هذه الحالة لا مجال حتى للتفكير في معالجة الاختلافات وتدبيرها، لأن «الحق» وشقيقاته من «الهدى» و«النور» و«الصراط المستقيم» لا تداهن الباطل وأخوانه من «ضلال» و«ظلمات» و«انحراف» (1) ولا تسالمها وانما الواجب هو الابادة والافناء أو على الأقل الاقصاء...

وعلى العكس من ذلك اذ كانوا ينطلقون من وصف آراء مذهبهم بالصواب. (2) فهذا الوصف يعني أن جزءاً من آراء المذهب على الأقل، إما كان خاطئاً منذ صدوره، تأسيساً على مبدأ اعتماد الأحكام الاجتهادية على الظن، والظن يستحيل ان يصادف الحقيقة في جميع الحالات. أو كان صواباً عند صدوه، ولكن هذا الوصف فارقه بسبب ما طرأ على الواقع الاجتماعي من تغير أثَّر في مآل الحكم وأفقده علته التي بني عليها في السابق.

في هذه الحالة يمكن ان تحقق فائدة من الحوار حول التقريب بين المذاهب ولو انها فائدة محدودة جداً للملاحظات الأخرى التي سنشير اليها. عندما يقرأ المنتسب إلى هذا المذهب أو ذاك ما دون في مذهبه، يواجه سؤالين:

هل يتلوه على أنه الفهم النهائي لنصوص الشريعة، وأن مهمته تقتصر على الجمع والنقل؟
أم بدرسه على أساس أنه رأي في فهم النصوص يستأنس به ويلزم نفسه بمناقشته وتعديله أو مخالفته عند الاقتضاء؟

والموقف الأول خطير للغاية، لأنه يعفي الأجيال الحاضرة من مسؤولية التكليف بتلقي خطاب الوحي وفهمه وتطبيقه، ويكتفي منها بـ(التقليد) والاتباع.

فمن يتحمل مسؤولية تقرير هذا الاعفاء؟

وعلى كل، لا مجال للتقريب بالنسبة لمن لا يملك غير تلاوة الرأي المقلد وأمانة النقل.

أما إذا كان المنتسبون الى المذهب يخولون لأنفسهم صلاحية مناقشة آرائه ومراجعتها، أمكن الحديث عن تضييق دائرة الاختلاف بين المذاهب.

لهذا، قبل مناقشة موضوع التقريب بين المذاهب، يتعين تحديد الموقف من الفهم المذهبي للنصوص بشقيه اللذين أشرنا إليهما، ليتبين ما في المشروع من الجدية أو التنظير الهزيل النتائج.


ثانياً: الثقافة المذهبية : ألا يعتبر التركيز على المذاهب تشجيعا على التعصب لها؟

الثقافة المذهبية مترسخة في المجتمعات الاسلامية نتيجة ما كتبه فيها المنتسبون اليها وما يكتبونه اليوم، اضافة الى ما ينفق من أموال طائلة على نشر كتب ومجلات وانشاء مؤسسات تعليمية داخل الوطن وخارجه لبث آراء المذهب وتكوين الدعاة اليها.

هذا ما يتعين اخذه في الاعتبار من العلماء والمفكرين الذين يؤرقهم الخلاف ويسعون الى رأب الصدع وتقارب الافكار.

ان اعتماد الآراء المذهبية اساساً للتقارب في الآراء يشجع - في ما يبدو - على التعصب وتمسك كل فريق بسلامة رأي مذهبه وتفضيله على آراء المذاهب الأخرى.

قد يكون صحيحاً القول بتعذر إهمال المذهبية، وعزل العاملين في حقل الاصلاح عن معارفهم وما تلقوه عن المذهب الذين يدينون به والسند الشرعي للأحكام المدونة فيه.

لكن، مع ذلك ينبغي الاقتناع بأن الاصلاح المرغوب فيه لا يتحقق الا بتغيير «الثقافة» السائدة حول مصطلح «المذهب» وما اكتسبه من هالة أحلته محل «الشريعة» (3)

وهذا ليس بالأمر الهين، ولكنه يبدو الطريق الأسلم لتحقيق الاصلاح.

في تقديرنا يتعين تقديم ما دون منسوباً الى أي مذهب على أنه «آراء» في تفسير نصوص الشريعة، او في صحة السند للأحاديث المختلف في ثبوتها. يتم هذا في مؤسسات التكوين وفي كل ما ينشر من مؤلفات وأبحاث ومقالات...

وهذه الآراء مع ما يتمتع به القائلون بها من تقدير في المجتمع الاسلامي، تبقى قابلة للمناقشة، سواء من حيث قوة السند والظروف الاجتماعية وحتى السياسية التي صدرت فيها، أو من حيث المآل والآثار في الواقع الاجتماعي.

ان استحضار نصوص الشريعة، ومقارنة ما ورد من آراء مختلفة في تفسيرها ييسران للمتحاورين الانتهاء الى حلول مفيدة للأمة، وحتى مفهوم الاختلاف يغدو بسيطاً لا يؤثر على سلوك المسلم، ولا يبقى اختلافاً بين «الحق والباطل» كما هو سائد اليوم.

اما عندما يكون موضوع الحوار هو «التقريب بين المذاهب» فإن المحاور يطلب منه ما لا يملك،. لأن «المذهب» يتجاوزه، وهو «فوق» رأيه الشخصي، فلا يستطيع التنازل عما دون فيه من «حق» ليقترب من «باطل» مذهب آخر او من خطإه على الأقل. (4)

لكل هذا نعتقد ان عبارة «التقريب بين المذاهب» ينبغي ان تعوض مثلا بـ«التقريب في تفسير نصوص الشريعة».


ثالثاً- من يقوم بالتقريب؟ وكيف ينجز؟ وكيف يتحقق الالتزام به؟

يؤخذ من الممارسة اليومية ومن الأدبيات المستعملة في الموضوع ان الذين يقومون بالتقريب بين المذاهب هم العلماء.

فمن هؤلاء العلماء؟ ومن يحدد مواصفاتهم؟ ومن يعينهم سواء على مستوى دولة واحدة او على امتداد العالم الإسلامي؟ والعلماء غير المعينين هل يلزمون بعدم التعبير عن آرائهم؟ والمعينون أنفسهم إذا اختلفوا - وقطعا سيختلفون - من يحسم في اختلافهم؟

هذه الأسئلة وغيرها لم تثر للتشويش أو تثبيط العزائم، وإنما هي أسئلة جدية يتعين استحضارها لبناء مشروع الإصلاح على أسس ثابتة ورؤية سليمة ونافذة، بمعنى الإنجاز الفعلي للتقريب وقبول الجميع بنتائجه وتنفيذها.

يمكن القول إن المهم الآن هو البداية، وتهذيب الخطاب المذهبي وإشاعة الحوار والتقارب في الأفكار. وهذا يكفي أن يؤسس له رواد ولو قلائل يدعون لمشروعهم بالحسنى ويأتون منه بالقدر الذي يستطيعون، ثم يواصل من بعدهم الطريق بالوسائل التي يرونها ذات جدوى أفضل.

لكن ما ينبغي الانتباه له كذلك أن الدعوة الى الحوار بين المذاهب بدأت منذ فترة ليست باليسيرة، ولم يظر لها أثر في الدراسات النظرية وفي واقع الحياة.

ولعل السبب الأساسي في ذلك ان المتحاورين لا يمتلكون الصفة التي تشترطها تلك الدراسات او يفرضها هذا الواقع والتي تضفي على ما يتوصلون اليه من نتائج القوة الالزامية للجميع.

فالتنظير الاصولي كما يدرس في الكليات والجامعات لا يزال يلقن وفق الضوابط التالية:

ان الذي يقرر الاحكام هو الفرد او مجموعة افراد توافرت فيهم شروط معرفية وسلوكية يكتسبون بها صفة «مجتهد». وهو ما لم يعترف به لأي واحد من العلماء «المعاصرين».
عند تصريح هذا «المجتهد» بالحكم يكون ملزما لباقي افراد الامة الذين لا حق لهم في الرفض وحتى في المناقشة.
اذا تعدد «المجتهدون» واختلفت آراؤهم في حكم واقعة واحدة، كانت هذه الآراء كلها متساوية في وجوب التطبيق.
لا حق لغير «المجتهدين» في تقرير أي حكم، وانما هم ملزمون بالتقليد.

أما الواقع الذي نعيش فيه فإن الأمور تسير فيه بالآلية التالية:

يسند اقرار الأحكام الملزمة الى «المؤسسات» وليس الى الافراد.
يقوم التنظيم فيه على وحدة الحكم، ويمنع وجود حكمين مختلفين في المضمون لواقعة واحدة.
المتخصصون في المجالات المختلفة، يستفاد من معرفتهم في تحضير مشاريع الاحكام (القوانين) ومناقشتها، ولا يوكل اليهم اقرارها واعلانها.
علاقات المجتمع التي يجب تنظيمها تعقدت واتسعت، وتعددت التخصصات المعرفية فيها بشكل يجعل اسناد وضع أحكامها الى فرد او افراد معينين امراً مستحيلاً.

يتأكد من هذا أن الذين يجتمعون للتقريب بين المذاهب ليست لهم الصفة التي تؤهلهم لاضفاء القوة الالزامية على ما يقررون، سواء الصفة التي تنظر لها مؤسسات التعليم والتكوين، او التي يأخذ بها المجتمع في التدبير الفعلي لشؤونه.

ألا يتعين والحالة هذه التساؤل عن الغاية من التقريب بين المذاهب كي تحدد الشروط التي تمكنه من تحقيق ما انشئ من اجله؟


كيف ينجز التقريب؟

المفهوم اللغوي لكلمة «التقريب» يفيد عدم الاستبعاد الكلي لأي رأي من الآراء التي قال بها احد المذاهب. بحيث يكون الحكم المقترح للواقعة موضوع الاختلاف آخذاً بجزء من رأي كل مذهب. ويبدو هذا متعذر التحقيق عملياً في اكثر الاحكام موضوع الخلاف.

والتقريب الممكن التصور هو الأخذ مثلا بالرأي «الوسط» عندما تتفاوت المذاهب ضيقاً وتوسعا في الحكم المختلف فيه، مثلاً:

أ - الزكاة

لا يوجبها الظاهرية إلا في ثمانية أنواع من المال. (5)
ويزيد الشيعة الامامية على هذه الثمانية «الزبيب» (6)
ويبلغ فيها مالك الى ثمانية عشر نوعا في المزروعات وحدها. (7)
ويزيد المذهب الحنبلي في منتوجات الارض التي تستعمل لوجوب الزكاة فيها معيار: الكيل، والبقاء، واليبس. (8)
ويتوسع اكثر المذهب الحنفي كما هو معروف مع عدم اشتراط النصاب في زكاة ما يخرج من الارض.

ب - متعة الزوجة عند الطلاق:

يقول ابن حزم بوجوبها لكل المطلقات حتى المختلعة، والتي سمي لها الصداق وطلقت قبل الدخول. (9)
ويرى مالك عدم وجوبها لجميع المطلقات. (10)
ويوجبها الشافعي (في الجديد) لكل من طلقها الزوج برغبة منه لا التي سمي لها الصداق وطلقت قبل الدخول. (11)
ويقصر ابو حنيفة الوجوب للمطلقة قبل الدخول التي لم يسم لها صداق (12)

ج - عقد الهبة وعقود التبرع عموماً:

الحيازة فيها شرط صحة عند أبي حنيفة والشافعي، فلا تلزم بالإيجاب والقبول، ولا يجبر الواهب قضاءً على التنفيذ. (13)
الحيازة ليست شرط صحة ولا شرط كمال، وبمجرد ايجابها يجبر الواهب قضاءً على التنفيذ، ولا اثر لإفلاسه او فقد اهليته او وفاته على لزوم الهبة ونفاذها. (14)
الهبة تلزم بمجرد الالتزام ويجبر الواهب على التنفيذ، لكنها تبطل اذا حدث الافلاس، او فقد الاهلية، او الوفاة قبل تنفيذها. (15)

لا فائدة من الاطالة في الامثلة، فأغلبية الاحكام الفقهية يتفرع اليها الاختلاف الى اكثر من ثلاثة او خمسة آراء.

فهل يمكن التقريب بالاخذ بالرأي الوسط في هذه الامثلة؟ وما هو الرأي الوسط فيها؟ علما بان هناك اختلافات متفرعة في الجزئيات لا تكاد تحصر مثل ما هو واقع في الزكاة، كالنصاب، وما يسقطها والواجب فيها، ووقت الوجوب، ولمن تسلم، ومتى، وأين...

حتى اذا اخذنا - جدلاً - التقريب بمفهوم الرأي الوسط من بين مجموع الآراء المذهبية المدونة، تبقى هناك عقبتان اساسيتان:

الأولى: الاعتماد التلقائي للرأي الوسط، يغيب معه تقييم الآراء من حيث السند، ومن حيث المآل في التطبيق، وهو ما يجعل التطبيق وسيلة عشوائية تفيد احيانا وتضر احيانا لعدم مراعاة مآل الحكم عند تطبيقه على الواقع الذي تغير فيه الكثير من ملابسات العلاقات الاجتماعية المقصود تنظيمها. (16)

والثانية: في حالات غير قليلة يتطلب الأمر تجاوز كل آراء المذاهب بسبب ما طرأ على الواقع من ملابسات تفرض حلولا غير التي سبق القول بها في الاجتهاد الفقهي بمذاهبه المختلفة.

من الامثلة:

التوثيق بالكتابة لعقود الزواج والطلاق. (17)
وسائل الاثبات التي لم يعد كافيا الأخذ فيها بأكثر المذاهب توسعا بشأنها. (18)
التدخل التشريعي بقواعد آمرة تحد من إرادة الطرف الأقوى في عقود العمل، والشراء، والنقل منه.
عدم الحاجة الى تخلي الراهن عن حيازة المرهون في الحالات التي يتوفر فيها ضمان حقوق المرتهن بغير هذا التخلي.

وأغلب مجالات التنظيم الاجتماعي بما في ذلك العقود ونظام الاسرة (19) اصبحت تتطلب - في تفاوت بين مجال وآخر- مقتضيات جديدة، وتستغني عن أخرى وضعها الاجتهاد الفقهي عندما رأى فيها تلبية لحاجات المجتمع في حينها.

ينبغي إذن التفكير ملياً في كيفية انجاز التقريب باستحضار واقع الاختلاف المذهبي والواقع الذي نعيشه للحكم على امكانية وكيفية انجاز التقريب، وما سيحققه فعلاً من مصلحة لحاضر الأمة ومستقبلها.


كيفية الالتزام بنتائج التقريب:

التقريب بين المذاهب يهدف بالتأكيد الى الاستفادة من نتائجه في حياة الأمة، وتنظيم علاقات افرادها وسلوكهم، ولكي يتم هذا يتعين ان يتحقق الالتزام بتطبيق تلك النتائج، فهل هذا في الإمكان؟

كل الدول الاسلامية لها نظام دستوري يحدد جهات الاختصاص بإقرار الاحكام الملزمة في التنظيم الاجتماعي، والقائمون بالتقريب ليسوا من تلك الجهات، فما الفائدة من تقريب يكتب في الأوراق وليس أمامه طريق الى التطبيق الإلزامي؟

هذه الملاحظة ليست قاصرة في الواقع على موضوع التقريب بين المذاهب، وإنما تمس جوهر الوجود الحضاري للأمة، فليس هناك تطابق بين التنظير والممارسة.

التنظير يخول «المجتهد» وحده صلاحية تحديد أحكام الشريعة المنظمة للعلاقات الاجتماعية واقرارها، والممارسة تسند ذلك الى مؤسسات أخرى.

وإثارة الموضوع هنا قصد به حث القائمين بالتقريب بين المذاهب على المساهمة في تقديم الأفكار التي تساعد على تحقيق الانسجام بين التنظير والممارسة. ولا يبدو الأمر متعذراً.

فكل من الأفكار والقواعد التي يقوم عليها التنظير الأصول والأنظمة الدستورية الحاضرة، لا يشكل نهاية انتاج فكر الإنسان، ولا تطبق عليه العبارة السائدة «ليس في الإمكان أبدع مما كان».

وإنما يحتاج الأمر فقط الى وقفة تأمل، وإنهاء الانفصام والعزلة الفاصلة بين لغة التكوين في كل من أصول الفقه والأنظمة الدستورية وبين مضمونها. (20)


هل يستوعب فقه المذاهب علاقات المجتمعات:

فقه كل المذاهب لم يكتف بتقديم الحلول للعلاقات الموجودة فعلاً في حياة الناس، وإنما أضاف في كل باب فقهي عشرات - وربما مئات - الوقائع، منها ما يمكن حدوثه ومنها ما يستحيل تحققه.

لكن كل هذا كان في حدود الواقع المعاش آنذاك وملابساته، وقد تطور هذا الواقع اليوم في اتجاهين متوازيين:

الاتساع والتنوع في العلاقات المحتاجة الى التنظيم.
التغير في الملابسات المؤثرة على الأحكام المقررة طبق المبدأ الأصولي الذي يفرض ربط الأحكام بمآلها وآثارها المنتظرة من التطبيق.

فالاتساع والتنوع يبدوان واضحين في المجالات المستجدة مثل تنظيم الاحزاب والجمعيات والنشر: وما يشمله مفهوم «الحريات العامة» والملكية الأدبية، والمؤسسات التمثيلية، ومرافق الدولة ومؤسساتها، والتحفيظ أو الشهر العقاري وغير ذلك كثير... وكذلك في المجالات التي أصبحت أحكامها الموروثة بسيطة لا تفي بما لحقها من تمدد وتفرع مثل عقود النقل التي كانت تجمع في عنوان: كراء الزواحل والسفن، وأنواع الشركات، ووسائل الاثبات، والضمانات أو المسؤولية التقصيرية...

أما التغيير في الملابسات المؤثرة على الأحكام فيمكن القول إنه يشمل كل الأبواب الفقهية المتعلقة بالمعاملات دون استثناء (21)، مثل ضرورة التدخل للحد من ارادة الطرفين في العقد كعقود العمل، والكراء، والنقل، والاستغناء عن الحيازة في عقد الرهن بوسائل يقررها القانون لضمان حقوق المرتهن، وتنظيم القضاء ومسؤولية الادارة...

إذن، بدل ان نتناقش في التقريب بين المذاهب في موضوعات التنظيم القضائي، ووسائل الاثبات وتنظيم الشركات، وعقود النقل، والعمل، والكراءة والرهن مثلاً، عوض ذلك نتحاور ونتعاون على وضع أحكام لهذه الموضوعات وغيرها، تحقق في ظل الواقع الاجتماعي المعيش وملابساته العدل الذي أمر الله به، ولا تخالف دليلاً من الأدلة القطعية للشريعة ولا أصلاً من أصولها.

هذا لا يزال عبئاً وهو سبب عقم ما انتج القرن الماضي - رغم كثرته المادية - حول الصحوة الاسلامية، فما يزال الاجتهاد والتجديد وتطبيق احكام الشريعة وما ماثلها من المصطلحات تسود فيها كل سنة آلاف الكتب والأبحاث والمقالات تشتغل بها المطابع وترص على رفوف المكتبات العامة والخاصة. ولكن الأوضاع التي كانت سائدة في المجتمع الاسلامي في بدايات القرن العشرين هي نفسها القائمة في مطلع القرن الواحد والعشرين بالنسبة لطريقة وضع الأحكام المنظمة لمؤسساته وللعلاقات بين أفراده سواء من حيث المضمون أو الشكل. (22)


مقترحات للتقريب بين العلماء:

موضوع الاقتراحات أو ما ينبغي أن يكون لتحقيق التقارب بين علماء ومجتمعات الأمة الإسلامية، ليس سهل التناول. فالهوة سحيقة جداً بين الفكر والممارسة، وإقامة جسر التواصل بينهما ثم الاندماج، تحتاج إلى تكاثف الجهود، والتفكير العميق في الوضع القائم بكل مكوناته، وفي أسبابه وفي تجاوزه والانتقال منه الى الأفضل.

ولذلك نأمل أن يكون ما سنثيره موضوع مناقشة، بالتعديل والاضافة كي تتضح معالم الطريق أكثر، وينجلي الصواب من الخطأ وشبهاته.

اولاً: الموقف من التراث المذهبي

يبدو أن الخطوة الأولى التي تكشف عن جدية الحوار أو عن صفته التنظيرية البعيدة عن الواقعية، هي الجواب عن سؤال بديهي مؤداه:

هل أجيال المسلمين المتعاقبة من واجبها:

قراءة نصوص الوحي وفهمها وتفسيرها في ظل ملابسات الواقع الذي يعيشه كل جيل؟ (23)
أم يكفيها النقل وتقليد ما تقرر في «المذهب» باعتباره التفسير «الحق» لمضمون الشريعة؟
وبصيغة أخرى: هل التراث المذهبي مرجعية واجبة الاتباع والدفاع عنها في مواجهة المذاهب الأخرى؟ أم هو فهم وتفسير لنصوص الوحي صدرا عن طائفة من المسلمين يسري عليهم ما يسري على غيرهم من الصواب والخطأ، فضلاً عن كون أحكام كثير من الجزئيات الواردة فيه، رجحت الافتاء بها الملابسات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تغير أغلبها في مجتمع اليوم؟

اذا كان الجواب هو وجوب القراءة، وامكانية الصواب والخطأ في تفسير السابقين، فإن جدية الحوار تتأكد ويمكن الانتقال الى الخطوات المتوالية.

أما اذا كان الالتزام بالآراء المدونة في المذهب من المسلمات غير القابلة للنقاش، فإن الحديث بعد ذلك عن «التقريب» أو «الاجتهاد» أو «التجديد» وما الى ذلك من المصطلحات... يكون من الكلام غير المفيد، ليس له اصل ثابت في ارض البناء النظري، ولا فروع في سماء الاستنتاج الفقهي يمكن ان تثمر ما ينفع الناس ويستفيدون منه في واقعهم ومآلهم.

في المذاهب «السنية» نقرأ الكثير عن «الاجتهاد» وعن كون الاحكام الاجتهادية في المذاهب قابلة للمراجعة والتعديل، لكن في الواقع العملي لا يزال التمسك الحرفي بتلك الأحكام مسيطراً لم يتزحزح قيد أنملة. (24)

ويزيد الأمر تعقيداً عند المذاهب الشيعية القائمة على «عصمة الأئمة» المعينين من الله لبيان شريعته وتبليغها، الأمر الذي يجعل ما روي عنهم - ويشمل أكثر جزئيات الفقه الشيعي - «جزءاً» من الشريعة، مثل أحاديث الرسول (ص) لدى أهل السنة، وليست مجرد تفسير اجتهادي قابل للمناقشة والتعديل. والتقريب يتصور في الأحكام الاجتهادية دون المقررة بنص شرعي صريح لا يحتمل أكثر من تفسير واحد. (25)

لذلك، فإن السعي الى توحيد الأمة فكرياً أو على الأقل التقريب بين أفكارها إزاء أحكام الشرعية، ينبغي ان يسبقه التساؤل عن الموقف من التراث المذهبي.

إذا انطلق كل فريق في الحوار من اعتقاد ان مذهبه هو «الحق» وما عداه «ضلال» أو خطأ على الأقل، وأن ما أسسه مذهبه من أفكار وآراء ملزم له، فإن هذا الحوار يكون مجرد مضيعة للوقت ويستبعد جداً ان ينتهي الى نتائج مفيدة.

وعلى العكس من ذلك يثمر الحوار اذا انطلق من بحث الأسباب والملابسات التاريخية التي تولدت منها المذهبية العقدية والفقهية على السواء، وأن الأحكام الاجتهادية في كل مذهب تحتمل الصواب والخطأ (26) بحكم الوصف الجوهري الذي يتفق الجميع على اطلاقه عليها بأنها ظنية. ومع الأخذ في الاعتبار للأسباب والملابسات المشار إليها والتي يتعذر على أي «مجتهد» الانفلات من جاذبية التأثر بها.

إن سلوك هذا النهج مع استعمال وسائل البحث المستجدة في العلوم الانسانية سيؤدي حتماً الى نتائج باهرة متى كان الهدف هو تلمس الاهتداء الى الحق والصواب بعيداً عن الأحكام المسبقة، أو خلفيات دافعة...


ثانياً- الصواب والخطأ بدل الحق والباطل

الاختلاف سنة ثابتة ولازمة للإنسان بحكم تكوينه العقلي والفكري والانفعالي... وهو في مصلحته باعتبار أن مؤهلاته المحدودة - أو على الأصح الناقصة - تجعله كفرد عاجزاً عن ادراك الحقيقة في كل ما حوله او يفكر فيه، فإذا تعددت الرؤى والتحليلات، وتعمقت بالمناقشة، وصقلها النقد الموضوعي، لامست الحقيقة أو كادت. وهذه - والله أعلم - هي الأمانة التي طوق بها الانسان نفسه.

وكل جماعة انسانية تنتظم مسيرتها إزاء هذا الاختلاف بأحد المسلكين:

1- 
مسلك رشيد: يعتقد فيه صاحب الرأي صواب ما يقول به، وخطأ مخالفه، ولكن في حدود: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي مخالفي خطأ يحتمل الصواب. ويتفق المختلفون على وسيلة يحتكمون إليها لحسم الخلاف فيما لا يمكن أن يطبق عليه إلا رأي واحد.

2- 
مسلك الفتنة وتحطيم الشوكة: يؤمن فيه كل صاحب رأي بأن رأيه هو الحق المطلق الذي لا ريب فيه، وكل ما عداه باطل وضلال مبين، وهنا لا مجال للتفكير في معاجلة الاختلاف وتدبيره، وإنما الواجب هو «تغيير المنكر» الذي يتم باللسان عند «المعتدلين» وباليد عند «المتشددين»...

وبالرجوع الى تاريخنا، يمكن أن نلحظ المسلك الثاني، ولا سيما في الاختلافات العقدية، فرمت كل طائفة الطوائف الأخرى باللغو والمروق من الدين، وفي أحسن الأحوال بالزندقة والفسق وما الى ذلك من ألفاظ التنابز التي يعلمها الجميع.

وروجت لذلك أحاديث تشير الى نجاة فرقة واحدة من نيف وسبعين فرقة (من أمة الاسلام طبعاً) وأن الفرقة الناجية ستبقى وحدها ظاهرة على الحق لا يضرها من «خالفها» الى قيام الساعة...

هذا التوجه الذي أوهن الأمة في الماضي وكاد أن يفتت نواتها، لا يزال له طابور قوي من الأنصار لا يقتصر على الجماعات التي تسمى بالمتطرفة، وإنما انخرط فيه كثير من «الفقهاء» و«المفكرين» الذين يحرصون في كتاباتهم على بيان «الحق» الذي عليه طائفتهم، و«الباطل» الذي أضل الطوائف الأخرى. وهناك جامعات منحت فيها شهادات العالمية او الدكتوراه بميزة مشرفة عن تحقيق مؤلفات وضعها أصحابها - عفا الله عنهم - لإلصاق تهم التكفير والزندقة بمخالفي طائفتهم.

نخلص من هذا الى أن كل محاولة مشكورة تهدف الى تجاوز الاختلاف المعطل لامكانات الأمة، ينبغي أن تؤسس على أنه داخل الاسلام لا وجود لخلاف بين الحق والباطل، وانما الاختلاف ينحصر في احتمال الصواب والخطأ في الرأي، وأنه اذا كان من البدهي ان كل صاحب رأي يعتقد صواب رأيه وخطأ الرأي الآخر فإنه يتعين كذلك الالتزام:

1 - 
بالعبارة المأثورة عن بعض الأئمة: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي مخالفي خطأ يحتمل الصواب». وهو ما يفرض الابتعاد المطلق عن التيه في اختلاق خلفيات للرأي المخالف وفي النيل من عقيدة صاحبه.

2 - 
بقبول تعايش الآراء المختلفة، والاحتكام الى وسيلة تحسم الاختلاف في الموضوعات الخاصة بالعلاقات الاجتماعية التي لا يمكن تنظيمها الا بحكم واحد.


ثالثاً- ادراك مميزات الواقع

نقصد بهذا أن مميزات كل واقع اجتماعي تؤثر على التصور المحدد لطريقة الاصلاح المرغوب فيه ووسائله.

فالواقع الذي كان من قبل (والحقيقة أنه أريد له أن يكون كذلك) ساد فيه تصور:

الشؤون أو المرافق العامة بقيت خارج التفكير الجمعي، أوكلت نظرياً الى «أولي الأمر» (27) بدءاً من الأمن العام، والتعليم، والإدارة، والدفاع الوطني، وباقي التجهيزات الملبية للحاجات الأساسية للمواطن، إلى ثالثة الأثافي الموارد المالية للدولة، إيراداً وانفاقاً...
العلاقات الخاصة بين الأفراد وفي حدود ما كان موجوداً منها، تكفل «المجتهدون» بوضع أحكامها المستخلصة من نصوص الشريعة ومبادئها. ومن مدوناتها وما نقل عنهم بالسند المصطلح عليه، وتوالى «العلماء» على مر القرون في إعادة تدوينها في المختصرات والشروح والحواشي و«تبليغها».

هذا الواقع الذي نعيشه تغيرت فيه الأفكار والحاجات معاً، وبالنسبة للأفكار، أصبح من الثقافة الراسخة الحقائق التالية:

1- 
أن تدبير الشؤون العامة والتقرير فيها وفي تنظيم العلاقات الخاصة، مسؤولية الجميع، ولا تقسيم بين مقرر ومنفذ أو «مجتهد» و«مقلد».

2- 
ممارسة هذه الصلاحية بتقرير الأحكام التنظيمية الملزمة، تتم عن طريق «المؤسسات» وليس عن طريق الأفراد. (28)

3- 
المتخصصون في المجالات المعرفية الكثيرة يستفيد المجتمع من معرفتهم بالبيان والاقتراح لا بتخويلهم سلطة التقرير والإلزام.

4- 
وجوب تنظيم المجتمع والعلاقات بين أفراده بقواعد مكتوبة معلنة تلزم الجميع.

وبالنسبة للحاجات والمرافق المطلوب تنظيمها بأحكام ملزمة يشير الواقع الى أنه:

1- 
تشعبت واتسعت كثيراً عما كان عليه الأمر في المجتمع القديم، حتى غدت «النصوص القانونية» السارية في التطبيق تعد بعشرات الألاف.

2- 
مع اتساعها وتنوعها، لا يحكم فيها التخصص المعرفي، وانما تتم بالتداخل وتكامل كل التخصصات او جلها في صياغة الأحكام الملائمة لكل فرع ونوع منها.

3- 
بحكم تغير ملابساتها، لم يعد الكثير من الأحكام الاجتهادية التي وضعت لها منذ قرون، قادراً على المسايرة وتحقيق الغايات المتوخاة منه.

ولعل هذه المميزات التي أشرنا إليها للواقع الذي نعيشه، وأخرى لم تتعرض لها، كافية للاقتناع بضرورة تغيير التفكير في الوسائل الموصلة الى التنظيم السليم للمجتمع، وإلى تحويل الاختلاف في الرأي من معول هدم وأداة تنافر الى عنصر يساعد على اكتشاف الصواب والطريق الأفضل للبناء، وهو ما يفرض الالتزام بتأسيس الرأي على الحجة والبرهان وتقديمه بلغة الحوار والاقناع، لا بلغة التبليغ والإلزام.


أحمد الخمليشي : مدير دار الحديث الحسنية في المملكة المغربية.

الهوامش:

1- 
هذا الخطاب شائع، ويروج له بالحديث المتداول بكثرة من أن فرقة واحدة من نيف وسبعين فرقة (من أمة الاسلام طبعاً) هي الناجية وأنها ستبقى وحدها ظاهرة على الحق لا يضرها من خالفها الى قيام الساعة...
فكل فرقة او طائفة ترى انها هي التي على الحق، وكل الطوائف الأخرى منحرفة وضالة مصيرها عند الله العذاب الأليم.
2- 
من البدهي ان المقلد لأي مذهب يعتقد صواب الأحكام التي يقلده فيها: فهناك أمر ضروري للركون الى التقليد والاقتناع به.
3- 
نجد هذا واضحاً في:
عدد من قوانين الاحوال الشخصية في الدول الاسلامية التي تأمر بالرجوع الى مذهب معين في كل ما لم تتعرض له من احكام.
فرض كل دولة على القضاء، تطبيق مذهبها الفقهي في المجالات التي بقيت فيها خاضعة للفقه الاسلامي.
تجاوز بعضها ذلك الى اعتبار الالتزام بالمذهب مبدأ دستورياً غير قابل للمناقشة والتعديل، مثل جمهورية إيران الاسلامية التي ينص دستورها على ان المذهب الجعفري هو وحده مذهب الدولة، وان هذا المقتضى الدستوري غير قابل للمراجعة.
4- 
يظهر هذا جلياً بين المذاهب السنية والمذاهب الشيعية التي تختلف مثلا في شرط «العدالة» المطلوب لقبول رواية الحديث.
كما ان اغلبية الأحكام الفقهية في المذاهب الشيعية منصوص عليها مباشرة في الروايات المنقولة عن الأئمة «المعصومين» وكل ما يملكه «المجتهد» هو نقل الرواية مع أفق محدود للتفسير لا تسمح بأكثر منه الصيغة التفصيلية لأكثرية النصوص فضلاً عن منع القياس المروي عن الأئمة.
والشيعة الاثنا عشرية يعتمدون الحديث المعروف بمصطلح «التوقيع» الذي يقولون عنه ان الإمام الثاني عشر سئل عن الموقف في غيبته الكبرى فقال: «واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وانا حجة الله».
والكتابات المتراكمة عبر قرون في موضوع تجريح المذاهب المخالفة لا يزال أثرها حاضراً في وجدان الكثيرين وكتاباتهم سواء بين السنة والشيعة او بين مذاهب الطائفة الواحدة منهما فهذا احد «علماء السنة» تنقل عنه مجلة لها حضورها الواسع في كانون الثاني - يناير - ما يلي: («أهل السنة» يطلق ويراد به معنيان:
المعنى الأعم ويدخل فيه كل الطوائف المنتسبة الى الاسلام الى الرافضة، فالأشاعرة والمعتزلة وغيرهم ممن ليسوا من الرافضة هم على هذا الاصطلاح من أهل السنة، وهذا اصطلاح العوام.
المعنى الأخص وهذا لا يدخل فيه أهل الأهواء والبدع من الجهمية، والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم ممن خالف السنة، وسلك غير سبيل أهلها. وهذا الاصطلاح هو الذي يذكره أهل العلم في كتبهم، ويذكرونه في كلامهم. وأقوال العلماء في ذلك كثيرة لا مجال لحصرها في هذا المقال.
اذا علمت هذا تبين لك الحكم الصحيح في الأشاعرة وأنهم من أهل القبلة، أما أنهم أهل السنة فلا وألف لا فكيف يكونون من أهل السنة وهم قد نبذوها وحكموا العقل، ضاربين بالكتاب والسنة عرض الحائط، يزعمون - وبئس الزعم هو - ان العقل مقدم على النقل عند التعارض، وليت شعري أي عقل ذاك الذي تعارض به النصوص؟ اللهم إلا عقل من لا عقل له ولا فهم...).
يمكن التأكيد على أن المتمسكين بمثل هذه المواقف يتناقصون جيلا بعد آخر، لكن الواقع لا ينبغي أن يتجاوز أو يغض الطرف عنهم.
لذلك قلنا ان التركيز على المذهبية في التقريب قد يكون عقبة تعرقل مسيرة الاصلاح نحو هدفها. والله ولي التوفيق.
5- 
المحلى» لابن حزم: /5/208.
6- 
فقه جعفر الصادق» لمحمد مغنية: 2/55.
7- 
الشرح الكبير على مختصر خليل: 1/447.
8- 
المغني» لابن قدامة: 2/690.
9- 
المحلى: 01/542.
10- 
تفسير القرطبي: 3/200.
11- 
تفسير الطبري: 2/532، وبداية المجتهد 2/97.
12- 
تفسير الطبري: 2/532.
13- 
القوانين الفقهية» لابن جزي ص: 271. و«البدائع» للكاساني: 6/123.
14- 
بداية المجتهد: 2/423، والمحلى: 9/120.
15- 
بداية المجتهد: 2/423، والقوانين الفقهية، ص : 172.
16- 
مثلاً الزكاة التي نجد أغلب من يكتب فيها ينادي بتوسيع وعائها أكثر مما قال به الموسعون القدماء كأبي حنيفة.
17- 
حتى العقود الأخرى من بيع، ورهن، وشركة وغيرها في الحالات التي يؤثر فيها غياب الكتابة على استقرار المعاملات أو الإضرار بحقوق الغير.
18- 
بالنسبة لكل المذاهب تنحصر وسائل الاختلاف فيما لا يقبل فيه إلا شهادة العدلين، وفيما تقبل فيه شهادة النساء وعددهم...
واليوم تتصدر الكتابة وسائل الاثبات القضائي، واكتسبت القرائن أهمية كبرى في هذا الاثبات، بينما الشهادة لم يعد ممكنا في الحياة تقسيم الناس ازاءها الى «عدول» تفرض شهادتهم على القاضي وان تأكد من كذبها، والى «غير عدول» يمنع عليه اعتماد ما يشهدون به وان تأكد من صدقهم كما يقول الفقهاء.
وإنما تخضع الشهادة في قيمتها الاثباتية للسلطة التقديرية للقاضي كان الشاهد «عدلا» او «غير عدل» كما تؤكد ذلك: - الآيتان 501 و601 من سورة المائدة اللتان خولتا للقاضي سلطة التحقيق مع الشاهدين اذا لم يقتنع بها: وذلك بالزامهما بأداء اليمين عقب الصلاة سواء كان الشاهدان عدلين او حتى غير مسلمين: (ذوا عدل منكم او آخران من غيركم).
الآية 6 من سورة الحجرات التي لم تقرر عدم قبول شهادة الفاسف، وانما اأمرت بالتثبت من صدقها او كذبها عن طريق التحقيق الذي يجريه القاضي بكل وسيلة يراها مفيدة في الكشف عن الحقيقة.
19- 
للتأكد من ذلك يكفي الرجوع مثلا الى بابي الزواج والطلاق في مراجع اي مذهب فقهي، وقراءة ما دون فيها من جزئيات احكامها، ومقارنتها بالأحكام التي نصت عليها قوانين الأحوال الشخصية في الدول الاسلامية.
فبصرف النظر عما بين هذه القوانين من الاختلاف في عدد من الأحكام، تتفق كلها في اضافة أحكام جديدة، والاستغناء عن أخرى وردت في الفقه.
20- 
لا يبدو من المقبول ان يوجد داخل مجتمع واحد وفي الزمن نفسه نوعان من التكوين:
تكوين عن طريق أصول الفقه يسند إقرار القواعد أو الأحكام الملزمة في التنظيم الاجتماعي الى الفرد «المجتهد» وحده، ويفرض على «غيره» التقليد والاتباع دون مناقشة أو معارضة.
وتكوين في القانون الدستوري يقسم قواعد هذا التنظيم الى دستورية، وقانونية وتنظيمية، ويحدد الجهات، والمؤسسات المختصة بإقرار كل نوع منها.
والتكوينان منفصلان ومنعزلان، والفريق المتخرج من احدهما لا اهتمام له بالفريق الآخر. ويرى تخصصه وحده هو المكتسب لصفة الشرعية والمؤهل لتنظيم حياة المجتمع.
21- 
بما في ذلك عقد الزواج مثلاً لم يقل احد من الأئمة بوجوب توثيقه كتابة، واختلفوا في وجوب اشهاد شاهدين عدلين او غير عدلين، او الاكتفاء بالاشهار بأية وسيلة كانت.
فهل يكفي اليوم التقريب بين هذه الآراء؟ أم يتعين اشتراط التوثيق الرسمي للعقد نظرا لواقع الحياة الاجتماعي المتسم بكثرة حركة الافراد وتنقلهم وهو ما يجعل اشهاد شخصين او الاشهار باقامة وليمة مثلا وسيلة غير مأمونة لاثبات العلاقة الزوجية في كثير من الحالات، والاقتصار على هذه الوسائل يؤدي الى ضياع نسبة كبيرة من الاطفال في انسابهم وتنتهك اعراض الأمهات، وقد يتضرر حتى الآباء عندما تنكرهم زوجاتهم.
ان التركيز على التقريب بين المذاهب خلق ثقافة مؤداها ان كل ما لم تقل به هذه المذاهب لا يعتبر من الشريعة وان فرضت تقريره مصلحة ظاهرة مثل توثيق عقد الزواج المأمور به في قوانين الاحوال الشخصية.
لذلك نجد كثيرا من «الفقهاء» الذين كتبوا عن هذه القوانين يؤكدون صراحة ان التوثيق الذي امرت به لا يترتب عن الاخلال به اي اثر لأن «الشريعة الاسلامية» لم تشترطه اي ان احكام هذه الشريعة محصورة في اجتهادات السابقين، اما الاجتهادات الحالية فلا تلحق بها أيا كان السند والمصلحة المراد تحقيقها او المفسدة الواجب الوقاية منها.
ينبغي الاحتياط كل الاحتياط للنتائج والآثار المرتبة عن المصطلحات والعبارات المستعملة في تناول الموضوعات ذات الاهمية في تصورات الناس وسلوكهم.
22- 
المضمون في أغلبيته المطلقة يؤخذ من خارج المصادر المدون بها «فقه المذهب» وشكل الاقرار والاصدار لا علاقة به بـ«المجتهد» الذي ينيط به اصول الفقه اقرار الاحكام الواجبة التطبيق.
لا نقصد بهذا ان تشريعات الدول الاسلامية التي يطلق عليها مصطلح «القانون الوضعي» غير اسلامية، وهو ما بالغ فيه البعض الى حد التكفير، والرمي بجاهلية القرن العشرين.
وإنما القصد هو استمرار وضع التشريع بمضمونه وشكله بعيدا عن خطاب نهضة الاصلاح والتجديد الذي لم يهتد بعد الى الباب الموصل الى دخول البيت.
أما مضمون ذلك التشريع فنعتقد انه في اغلبه لا يتعارض مع احكام الشريعة ومبادئها. وما فيه من عيوب سببه الاستبداد في الرأي وتأثير مصالح ذوي النفوذ....
23- 
سبقت الاشارة الى ان اعادة قراءة نصوص الشريعة لا تعني استبعاد ما قاله الأولون حولها، وانما القصد الوقوف في حدود الاستئناس بما قالوه دون تجاوز ذلك الى اعتقاد وجوب الالتزام به من غير مناقشة ولا تحليل.
24- 
لا نقول هذا بلغة المبالغة، وانما هو الحقيقة الثابتة التي يؤكدها:
أولاً: مضمون «الفقه» الذي درس في مؤسسات الدراسات الاسلامية، او مكتب فيه باسم «الفقه الاسلامي» لا يعرض فيه الا الفقه المذهبي الموروث.
وإذا ذكرت آراء - وذلك نادر - لفقهاء او «كتاب» معاصرين او حديثي الوفاة، فإنها لا تدمج في «الفقه الاسلامي» وانما يشار اليها كآراء شخصية لا ترقى حتى الى «رأي في المذهب» فبالأحرى ان تعتبر الغاءً للاجتهاد السابق الذي لم يعد ملائما للتطبيق.
ثانياً: بعض الأحكام التي قررتها قوانين الاحوال الشخصية وخالفت فيها الفقه مراعاة للواقع، او لمنع التعسف فيها، لا تزال تعتبر احكاما «غير شرعية».
ففي فتاوى وكتابات فقهاء مرموقين نقرأ مثلا ان ما يفرضه القانون من توثيق عقد الزواج وتحديد سن اهليته، ووجوب اذن القاضي بالتعدد، ليس له اثر على صحة الزواج عند المخالفة، لان ما يؤثر على صحة عقد الزواج هو مخالفة شروطه «الشرعية» وهذه قاصرة على التي حددها «الفقهاء» ولا يدخل فيها ما يقرره «القانون» من «تنظيمات» او «شروط ادارية».
ولا يثار التساؤل حول الغاية من فرض القانون لهذه الشروط، فإن كانت تجلب مفسدة او تفوت مصلحة تعين استنكارها وبيان المفسدة التي جلبتها او المصلحة التي فوتتها والدعوة الى الغائها، وان كان العكس تبعد مفسدة او تحقق مصلحة، وجب اعتبارها «شروطا شرعية» يترتب عن الاخلال بها ما يترتب على الشروط الشرعية التي قال بها الفقهاء السابقون.
ان هذا المثال يبرز بشكل جلي التناقض الصارخ بين التطبيق وبين التنظير الذي يكثر فيه الحديث عن الاجتهاد والتجديد و... و...
25- 
يمكن ان يمتد الاجتهاد الى أحكام شرعية دلت عليها نصوص صريحة ولم تؤسس على الاجتهاد.
ولكن هذا اولا يرتبط بالمبدأين الاصوليين: «مراعاة مآلات الافعال» و«الحكم يدور مع علته وجودا وعدماً»، وثانيا انه قليل ولا يتعلق الا بنصوص جزئية مثل موقف عمر من «المؤلفة قلوبهم» في الزكاة، وعثمان من جمع الابل الضالة.
26- 
ليس القصد احتمال الصواب والخطأ بالسوية، فهذا لم يقل به احد، ولأنه يؤدي الى عدم صحة العمل بتلك الآراء لأن ما يستوي فيه الصواب والخطأ لا يصح تعبد الله به، وانما القصد ان الصفة الظنية للاحكام الاجتهادية تلزمنا بالعمل بها لأن صفة الظنية أقصى ما يمكن ان يتحقق بها، ولم نكلف بتجاوزها الى القطع الذي يستحيل الوصول اليه، ولا تكليف بما لا يطاق.
لكن في الوقت نفسه، الصفة الظنية للأحكام تسمح بل تفرض مناقشتها على ضوء قراءة سندها وآثارها في الواقع المعيش وملابساته.
27- 
يقول الماوردي في احكامه السلطانية: «فإذا استقرت الخلافة لمن تقلدها... فعلى الأمة تفويض الأمور العامة اليه من غير افتئات عليه ولا معارضة له ليقوم بما وكل اليه من وجوه المصالح وتدبير الأعمال...» ص: 51
28- قد يثار جدلا بأن ما يعنينا هو «الأحكام الشرعية» وليس تلك التي يصنعها الافراد او مؤسسات الدولة، والاحكام الشرعية يحددها «المختصون» اي «العلماء» دون سواهم.
لكن هذا لا يبدو سليماً:
أولاً: لأن التكليف بأحكام الشريعة فردي والمسؤولية عنه شخصية: (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت، لا ظلم اليوم) (غافر 71) وفي القرآن عشرات الآيات في الموضوع.
وإذا كان الأفراد يتفاوتون قطعا في المعرفة الدينية فإن ذلك لا يعني منح «العالم» سلطة التقرير والالزام بما يراه تفسيرا للنصوص، وفرض التقليد والامتثال على «غير العالم»، وانما واجب العالم الارشاد والمساعدة على الفهم، وواجب غيره الادراك والاقتناع، وهو أمر ميسر اليوم في المجتمع الحديث الذي يسعى الى انهاء الأمية وتعميم التعليم.
ثانياً: تعذر تقسيم مرافق التنظيم الاجتماعي الى ما يختص العلماء بوضع احكامه، والى ما يسند الاختصاص فيه الى غيرهم، ما دام من المستحيل على التخصص المعرفي للعلماء ان يشرعوا في كل ما يحتاجه المجتمع الحديث المتشعب المصالح ومجالات التنظيم.
ثالثا:الواقع المعاش يؤكد يقيناً عدم امكانية تنظيم المجتمع بفتوى من فرد او مجموعة افراد، فضلا عن الاختلاف الذي لا مناص منه سواء بين العلماء او بين غيرهم.
رابعاً: عندما نتحدث عن التشريع المؤسسي فالعلماء غير غائبين لأنهم جزء من المجتمع الذي يكون مؤسسات التشريع، ويستطيعون التأثير في توجيهها متى قدموا معرفتهم بأسلوب الحوار ووسائل الاقناع، لأن الانطلاق ينبغي ان يكون من الايمان بأن الأمة في مجموعها حريصة على عقيدتها وشريعتها وتصغي بصدق الى من يرشدها، وليس من منطلق معاكس لا يصدق فيه صاحب الخطاب الا نفسه، ولا يثق في ايمان غيره وفي قدرته على التفكير وتوجيه نفسه.
نحو تقارب في فهم نصوص الوحي : لا جزئيات في المذاهب

رأينا ان من المؤثرات التي ترد على الدعوة الى التقريب بين المذاهب، انها لم تتجاوز المذهبية الى فكرة التقريب بين المسلمين في فهمهم للاسلام، وأتوقع الاستجابة والقبول من مجموع الأمة ومفكريها لهذه الفكرة في صورة أوسع من المساهمة في التقريب بين المذاهب، اعتباراً لما اكتسبته الثقافة المذهبية من رسوخ يجعل إثارة المذاهب المخالفة والاقتراب منها تقابل بحذر شديد وتوجسات مقلقة، وعلى العكس من ذلك، لا نعتقد وجود من يعارض قراءة نصوص الوحي قصد محاولة التقارب في فهمها وتطبيقها على وقائع الحياة المعيشة.

والتقارب في فهم نصوص الوحي يبدو ميسراً لأن الأمر يتعلق باستعراض وقائع الحياة الاجتماعية بكل ملابساتها الحاضرة وعناصرها المؤثرة في الحكم، وهو ما يسهل التكييف وبالتالي تحديد الحكم الشرعي الملائم لكل واقعة منها، بينما الأحكام الاجتهادية المدونة في المذاهب، تقرر أغلبها في القرن الثاني وبداية القرن الثالث الهجريين، وكانت مرتبطة بالملابسات الثقافية والاجتماعية المحيطة بالواقع آنذاك. ومحاولة التقريب الآن في القرن الخامس عشر بين تلك الأحكام، يعني تغييب كل ما طرأ على ملابساتها من تغيير، لذلك فإن محاولة التقريب بينها بمعرفة المسلك غير مأمونة النتائج.

ان العالم الاسلامي اليوم، يعيش على خريطة مترامية الأطراف متباعدة جغرافيّاً ومتنوعة ثقافياً، وما يلائم هذا الاتساع والتنوع هو التقريب في فهم الاسلام الذي يركز على المبادئ والاحكام العامة، بينما الكثير من الاحكام الجزئية لا ضير في بقائها مختلفة بين اقليم وآخر، وبين ثقافة وأخرى، وبهذا تضيق دائرة الاختلاف وتتيسر أكثر معالجتها.

أما الاختلاف المذهبي فيكاد ينحصر في الجزئيات ومحاولة التقريب بين أحكام الجزئيات، يوسع مجال الاختلاف، ويناقض طبيعة التجمعات الانسانية وخصوصياتها وتنوع ثقافاتها(1).


تلافي الأثر السلبي للاختلاف:

قد ينتهي الحوار الى الاتفاق وتوحيد الرأي، ولكن قليلاً ما يحدث هذا إن لم يكن نادراً ونادراً جداً. وتؤكد قراءة سريعة للتاريخ أن ما قصم ظهر الأمة من فتنة الخلافات السياسية والفكرية (العقائدية) وحتى الفقهية احياناً، كان مصدره اغفال تنظيم وسيلة يحتكم إليها عند الاختلاف، ويكون قرارها ملزماً للجميع في التطبيق والتنفيذ(2).

بدأت كوارث هذا الاغفال بحصار الخليفة عثمان رضي الله عنه وسط المدينة أيام عدة واقتحام داره واغتياله، وتعاقبت على مر الأزمان واختلاف الأقطار. وما تزال حتى اليوم، تعبث باستقرار المجتمعات الاسلامية وبامكاناتها المادية والفكرية. فهل من المقبول الاستمرار في هذا الفراغ؟ وألا يكفي ما عانيناه وما نزال نتجرعه من مآسيه؟

إن اعلان الأفكار ونشرها، أصبحت له وسائل نافذة لم تكن متوافرة من قبل، وهو ما يؤكد ضرورة ايجاد وسيلة لابعاد الاختلاف عن التطبيق، وذلك بتحديد مؤسسة يعهد اليها مناقشة كل الآراء وتقرير الرأي الواجب التطبيق على تنظيم العلاقة الاجتماعية موضوع الاختلاف. وقرار هذه المؤسسة يلزم الجميع من حيث التنفيذ مع احتفاظ كل صاحب رأي بممارسة حقه في الدفاع عنه بأسلوب الحوار والمناقشة الفكرية الخالصة.

وهذا لن يتأتى إلا إذا سبقته خطوة أساسية يتعين الانتباه إليها، فالموضوع الذي نناقشه هو الأحكام الاجتهادية المتعلقة بتنظيم المجتمع أي تنظيم مؤسساته، والعلاقات بين أفراده، وعلاقاته بالمجتمعات الأخرى. والثقافة السائدة الآن هي اصدار «فتاوى» بهذه الأحكام في شكل الاخبار واسلوب تبليغ «أحكام الشريعة» وليس كرأي في تفسير نصوص الشريعة يوجد الى جانبه رأي أو آراء اخرى.

إذن، ينبغي أولا الفصل في طبيعة الفتوى من حيث كونها تعبر عن الرأي في تفسير النص، وتمكن مناقشتها من خلال ما تقدم من مؤيدات للتفسير الذي اعتمدته مقارنة بالمستندات التي تقدمها الفتاوى المخالفة، وبعد ذلك الاتفاق على الوسيلة التي تدبر الاختلاف بتقرير الحكم الملزم. ومن دون ذلك يبقى كل تنظير حول الاجتهاد ومقاصد الشريعة والتقريب بين المذاهب ومصطلحات أخرى عدة، مجرد جدل تستهلكه وسائل التواصل المتباينة في بواعثها وأهدافها، معزولاً عن التأثير في توجيه حياة الناس وطموحاتهم، والواقع السائد في المجتمعات الاسلامية مؤشر مقنع للباحث عن الاقتناع...


مشكل التكوين:

كثر الحديث عن الاصلاح وعن وسائله ويبدو ان وسيلته الأهم لم يتسن لها التميز الذي تستحقه وهذه الوسيلة هي التكوين، وصدق رسول الله (ص) عندما قال: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه او ينصرانه، او يمجسانه...»(3).

كان الأبوان من قبل مصدر التوجيه لولدهم وغرس المعتقدات والأفكار في ذهنه، واليوم أصبحت الوسيلة الاساسية في ذلك المدرسة ثم الوسائط الأخرى لتلقي الأفكار والمعرفة التي قد تنقل بالفرد الى نقيض ما قدمه له أبواه في صغره...

لذلك، فإن العناية بالاصلاح يجب ان توجه الى مرحلة التكوين والتعليم التي تترك أثرها بارزاً في أفكار المتعلم وفي تعامله مع الآخرين. صحيح ان مرحلة النضوج الفكري بعد الانتهاء من الدراسة النظامية قد تمكن الفرد من اعادة النظر في كل أفكاره وعلاقاته بما حوله، وبناء نظرته الخاصة الى الحياة وما ينبغي ان يسود فيها من قيم وأدوات التعايش، ولكن الحالة الغالبة هي استمرار الأسر داخل الأفكار والمعلومات الملقنة باعتبارها الحقيقة التي ما بعدها إلا الضلال...

والظاهرة العامة في الدول الاسلامية هي وجود نوعين من التعليم: تعليم عام وتعليم اسلامي، وإن كان الأمر يختلف من بلد الى آخر: في التسمية، وفي استقلال كل من النوعين من الآخر من الابتدائي الى المرحلة الجامعية، وفي وجود الجسور بينهما، تمكن المنتمين الى أحدهما من الانتقال الى مواصلة تعليمه في النوع الآخر.

وما يهمنا هنا هو التعليم الاسلامي او الشرعي (4) الذي يمكن ان نثير بشأنه: لغة التلقين، والمضمون. وقبل الحديث عن هاتين الملاحظتين ينبغي التأكيد على ان الجانب الاساسي المقصود من «التعليم الاسلامي او الديني» هو المتعلق بالأحكام الاجتهادية في مجالات:

ـ مضمون العقيدة والاستدلال عليها.
ـ مؤسسات الدولة ومرافقها وتنظيمها(5).
ـ العلاقات بين الأفراد التي يطلق عليه الفقه مصطلح المعاملات.

التكوين في هذه المجالات هو الذي نعنيه بملاحظتي لغة التلقين والمضمون.


لغة التلقين:

في القرنين الأول والثاني للهجرة كان هناك قراء وفقهاء يتولون تلقين أحكام الدين تدريسا وافتاء، وكان التلقين يشمل النصوص وتفسيرها الذي يقدمه القارئ او الفقيه باعتباره رأيه الشخصي الذي فهمه من النص أو من مجموعة نصوص. ولذلك فإن تلامذته يوافقونه في بعض آرائه ويخالفونه في البعض الآخر.

هذا ما نجده واضحاً في هذين القرنين ويشمل شيوخاً وتلامذة وكل من اعتبرت آراؤه في ما بعل تشكل «مذهباً» له «أصوله» وأحكامه الملزمة لا تجوز مخالفتها إلا ممن يدرك صفة «المجتهد المطلق» وآخر من اعترف له بهذه الصفة (بالكاد) أحمد بن حنبل في بداية القرن الثالث...

بعد ذلك، تغيرت شيئاً فشيئاً لغة التلقين، ولم يعد المعلم والمتعلم معا يميزان بين الأحكام القطعية القليلة جداً، وبين الأحكام الاجتهادية التي تشكل الغالبية المطلقة للغة الملقن، فهذه وان بقيت نظرياً توصف بأنها «ظنية» إلا أنها عمليّاً امتدت إليها صفة «القطعية» بحكم الاتفاق على وجوب التلقي والتقليد من دون مناقشة على كل من لم يعترف له بصفة الاجتهاد، وهذه الصفة غابت منذ بداية القرن الثالث، وظهرت كتابات أواخر القرن الخامس وما بعده تنظر لانتهاء الاجتهاد تأسيساً على قصور معرفة «فقهاء الوقت» ومعلوماتهم وذهاب الخير والاحتياط في الدين مع السابقين...

هذه الثقافة صبغت لغة التقليد بمميزات ملائمة من اهمها:

1 - 
فصل الأحكام عن النصوص، واقتصار الاستدلال لها على ذكر من رواها عن إمام المذهب أو أحد تلامذته، واذا أشير إلى النص في حالات قليلة، فعلى وجه الزيادة في البيان لا غير، وليس لمناقشة تفسير الإمام او كبار تابعيه ونقدهم.

2 - 
نتيجة لذلك اختفى الفصل بين الأحكام القطعية وبين الأحكام الاجتهادية الظنية، وأضحى كل ما يلقن يوصف بأحكام الشريعة أو أحكام الله الواجب تلقيها بالقبول والإذعان، لا تطالها المناقشة وإثارة الأسئلة.

3 - 
استمر تدريس مادة أصول الفقه بمضمونها النظري دون ان تنتج شيئاً من آثارها العملية بسبب فرض التقليد، ليس المذهبي منه وحده، ولكن حتى داخل المذهب في حال تعدد آراء فقهائه السابقين، فلم يسمح للأجيال المتعاقبة من بعدهم بحرية اختيار الرأي الذي تقتنع به، وإنما ألزمت بتقليد الرأى: «الراجح» ثم «المشهور»، ثم «ما به العمل او الفتوى» وتوافقت كل المدونات المذهبية على منع الفقهاء من الفتوى والقضاة من الحكم بغير الراجح أو المشهور أو ما جرى به العمل في المذهب المقلد.

4 - 
غاب البحث في مضمون الأحكام وسندها ومؤيداتها، وتركزت العناية على سند الرواية التي تقلد بها هذه الأحكام عن الإمام أو الشيخ.

5 - 
تقدم المعلومات على أساس أنها نهائية، وأنها الحق الذي ما بعده إلا الضلال، لذلك فإن المطلوب من المتلقي ليس ا لبحث عن الاقتناع بالتحليل والاستنتاج والاضافة وإنما الحفظ وأمانة النقل، أي أن المتلقي العبقري هو الذي يتفوق على أقرانه بالحفظ والاستحضار من المصادر والمراجع المعتمدة.

فالتلقين يجعل الحصول على المعلومة او المعرفة الهدف والغاية، ويغيب اعتبار ذلك وسيلة للمساهمة في أداء أمانة التكليف، وخلافة عمارة الأرض. وكان هذا السبب الأساسي لانفصال كثير من الأحكام الملقنة عن واقع العلاقات التي تجري بين أفراد المجتمع ومؤسساته، وقد بلغ الانفصال ذروته في الوقت الحاضر ولا حاجة الى التذكير بالنتائج والآثار...

هذا، ومن أخطر النتائج التي أفرزها التلقين المتبع:

أ - الانتقال من دور الإرشاد والمساعدة على فهم نصوص الشريعة إلى الإلزام بالوساطة وفرض التقليد على «غير المختصين» الذين لا حق لهم في المناقشة وإبداء الرأي.

نقرأ هذا بوضوح عند الشيعة استناداً إلى حديث «التوقيع» الذي سبقت الاشارة إليه، كما نقرأه في كتابات «أهل السنة» التي تؤكد اختصاص «العلماء» وحدهم ببيان احكام الدين وأن غيرهم لا حق لهم في الخوض في الموضوع(6).

ربما كان للمقولة ما يبررها من قبل عندما كان التعليم قاصراً على تكوين «العلماء» ومن عداهم أميون، لذلك كان تقسيم الناس الى علماء وعوام، والأمي أو العامي يستبعد ان يصدر منه رأي في تفسير نصوص الشريعة وتأويلها.

واليوم تنوعت فروع التعليم التي يجمعها الجذع المشترك المعبر عنه بمواد الثقافة العامة والأمية في طريق الاختفاء والانقراض، وكثير من التخصصات في العلوم الانسانية تبحث مباشرة في العلاقات السائدة في المجتمع، ووسائل تحصينها، سلوكاً وتنظيماً وهي الوظيفة التي ينجزها الفقه الاجتهادي نفسها.

هذا التطور الكيفي والكمي الذي حدث في التعليم، وبالأخص في العلوم الانسانية، يضيق من مفهوم التخصص المتعارف عليه من قبل، وهو ما يفرض ان تتغير معه لغة التلقين كي يدرك المتخصص ان مهمته هي الارشاد والاقناع ومناقشة الآخرين بالتي هي أحسن بدل لغة التحجير وسلب أهلية إبداء الرأي.

ب - اعلان الأحكام الاجتهادية بلغة التبليغ والاخبار بشريعة الله، دون افصاح عن الطبيعة الاجتهادية للحكم وعن مستنده من نصوص الوحي، فبالأحرى مستندات الرأي والآراء المختلفة، وإنما يكتفي بإرفاقه بسند الرواية عمن يجب تقليدهم من السلف.

وكثيراً ما نشاهد في الفضائيات من يؤكد بصريح العبارة ان ما يصدر عنه من حكم أو تحليل او تحريم ليس هو الذي يقوله، وانما تقوله الشريعة أو الله ورسوله، ثم يتلو آية أو حديثاً دون بيان لمؤيدات التفسير الذي قدمه ولا اشارة إلى الرأي او الآراء المخالفة.

صحيح أن دور هذا الداعية لم يزد عن النقل، لكن النقل في تفسير نص، توجد الى جانبه آراء أخرى وقد يقتضي الأمر تجاوز كل الآراء السابقة وتقديم تفسير تفرضه ملابسات الحياة المعيشة تطبيقاً للمبدأ الاصولي القاضي بوجوب مراعاة مآلات الأحكام في التطبيق.

الموضوع يتطلب تفصيلاً وتوسعاً، ولكن يبدو أن ما أشرنا إليه بإيجاز كاف لإبراز الثغرات الكامنة في لغة التلقين، التي تنعكس آثارها السلبية على الخطاب الذي يتمسك به المتعلم بعد تخرجه، وعلى الصعوبة البالغة في اقناعه بمراجعة ما ترسخ في اعتقاده بأن ما تلقاه كله - دون تمييز بين الأحكام النصية والأحكام الاجتهادية - هو الشريعة وهو الحق الذي لا ريب فيه وكل ما عداه من الآراء التفسيرية المخالفة انحراف وربما زيغ وزندقة... وأن الثقة قاصرة على التفسير الذي قال به السابقون دون المحدثين...

إن الرغبة في تضييق فجوة الاختلاف الفكري بين المسلمين، يتوقف تحقيقها على وجود التربية والمناخ الصالحين للحرث والإنبات، وهو ما لا يتحقق إلا بإيمان المساهمين في الاصلاح كلهم او جلهم بأن:

وحدة الأمة أسمى من اختلاف الآراء.
السنة الفطرية في تعدد الآراء تستلزم حتمية تعايشها، وقبول الحوار بينها بالحسنى.
الرأي الاجتهادي الفردي يختلف في طبيعته عن «الحكم الشرعي» الواجب التطبيق باعتبار الأول رأياً شخصياً يستأنس به وغير ملزم، بينما الثاني هو ما تقرره الأمة بالوسيلة التي تختارها لهذا التقرير.
نصوص الوحي الممتدة أحكامها زماناً ومكاناً، لا يمكن ان ينحصر تفسيرها في رأي فرد او مجموعة آراء، كل رأي منها تأثر قطعاً بثقافة الزمن والمكان.
الاستئناس بآراء السابقين اذا كان مطلوباً ومرغوباً فيه، فإنه لا يحجب الواجب الملقى على الأجيال المتعاقبة، والذي يلزمها بالقراءة المتوالية لنصوص الوحي، والبحث عن التطبيق الملائم لها إزاء لحظة الزمن وحيز المكان.

ورغم ان لغة التلقين السائدة في مؤسسات التعليم الاسلامي لا ترسخ هذه المبادئ، لذا نكرر مرة أخرى ضرورة إصلاح هذه اللغة ليسهل المرور إلى علاج سلبيات الاختلاف وأمراض الطائفية المزمنة....


مضمون التلقين:

يختلف بلا شك بين دولة وأخرى مضمون التعليم الملقن في مؤسسات الدراسات الاسلامية. ومن ذلك يمكن التأكد على أن الثغرات التي سنشير إليها موجودة في كل المؤسسات، وإن وجد بينها تفاوت في ذلك فهو قليل الأهمية.

ومن أهم الثغرات المتعلقة بالمضمون:

1 - 
أنه محدود جداً، فالخطاب يؤكد على أمرين اثنين: شمولية أحكام الشريعة لكل سلوك الفرد وعلاقاته بالآخرين، ومرجعية العلماء وحدهم في صياغة هذه الأحكام.

لكن، مقارنة المعلومات الملقنة مع الاتساع والتنوع الهائلين لمجالات التنظيم الاجتماعي تؤكد استحالة كفاية تلك المعلومات لصياغة التنظيمات المطلوبة(7).

وغير صحيح القول بأن ما يتناوله اختصاص «العالم» يدخل ضمن ما يطلق عليه منطقة الفراغ التي يعالجها الحاكم او المـؤسسات السياسية بضوابط «السياسة الشرعية»، فمن الناحية العملية يتعذر عزل أي مرفق أو مجال، والقول بأن الشريعة أجازت تنظيمه دون مراعاة نصوصها الخاصة والعامة وضوابط تفسير هذه النصوص وقواعد تطبيقها.

2 - 
ظاهرة النقل وتهيب مناقشة آراء السابقين ومعارضتها، التي رسختها الثقافة المتوارثة عبر القرون والتي تؤكد أن الماضي خير من الحاضر، وأنه لذلك يتميز السابقون في سلوكهم بالاستقامة والزهد، والاحتياط في الدين وفي عقيدتهم بالصدق واليقين، وفي معرفتهم بالعمق والسعة وسعة الاستدلال (8). وعلى العكس من ذلك، الحاضرون او المعاصرون فلا يحق لهم التطاول على من هم أصدق عقيدة وأقوم سلوكاً وأوسع معرفة وعلماً.

وهذه الثقافة لم تبدأ في القرون القليلة الأخيرة كما قد يتوهم من فتاوى ومن أحكام قضائية تعتمد مؤلفات فقهاء القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وتصفهم بأضخم نعوت المعرفة والصلاح، وانما نشأت منذ العصر الأول لتدوين الفقه، فارتبطت بها الاجيال التي ألفت ان تخلع الثقة والصلاح على من سبقها، وتتمسك بالحذر والحيطة إزاء من يعاصرها.

فالحارث بن أسد المحاسبي مثلا الذي ولد في العام 861 هـ وتوفي في العام 342 هـ، يقول(9): «إنني تدبرت احوالنا في دهرنا فأطلت فيه التفكر، فرأيت زمنا مستعصباً قد تبدلت فيه شرائع الايمان، وانتقصت فيه عرى الاسلام، وتغيرت فيه معالم الدين، واندرست فيه الحدود، وذهب الحق وباد أهله، وعلا الباطل وكثر اتباعه، ورأيت فتناً متراكمة يحار فيها اللبيب، ورأيت هوى غالباً، وعدواً مستكلباً، وأنفساً والهةً عن التفكير، محجوبةً قد جللها الرياء، عميت عن الآخرة، فالضمائر والاحوال في دهرنا بخلاف أحوال السلف وضمائرهم»، ويضيف: «وبلغنا عن رسول الله (ص) انه قال: «يأتي على الناس زمان، المستمسك يومه بدينه كالقابض على الجمر». وقوله الحق (ص) «المستمسك بسنتي عند فساد الناس له أجر مائة شهيد...»، وأنه بلغنا - والله اعلم - ان الرجل ليسلب ايمانه وهو لا يشعر، وأن الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه فيرجع وما معه من دينه شيء... على أن الله لم يخل دنياه من غرباء على عصرهم ينتمون الى فرقة الرسول الناجية... فقيض لي الرؤوف بعباده قوماً وجدت فيهم دلائل التقوى، واعلام الورع وايثار الآخرة على الدنيا» (10

ومن المؤكد أن أشد المتشائمين في بداية القرن الخامس عشر لن يقول أكثر مما قاله المحاسبي رحمه الله في القرن الثاني...

وثقافة النقل والحفظ والاستحضار أصابت الفكر الاسلامي والفكر الفقهي، بخاصة بعقم مميت برز في انفصاله عن الواقع وعجزه عن توجيه مسيرة المجتمع الى البناء وتحقيق الافضل، وهذا أمر طبيعي ما دامت الدراسة والمعرفة المتلقاة فيها لا تنطلق من واقع حياة الناس، ولا تبث في المتلقي روح البحث والمسؤولية عن تحليل هذا الواقع وتقديم الأفكار المفيدة في السير به الى الأحسن.

ولا نقول هذا جزافاً أو رغبة في النقد أو التشهير، ولعل تقديم بعض الأمثلة من مضمون التعليم الذي نناقشه ينهي كل جدل عقيم.

وهذه الأمثلة اخذ بعضها من البرامج التعليمية بالمغرب، وهي لا تختلف عما هو موجود في مؤسسات التعليم الاسلامي بباقي الدول الاسلامية لأنها جميعا ما تزال دائرة في فلك النمودج الموروث. ويؤكد ذلك أنه لا توجد - فيما نعلم - مؤسسة تقدم لطلابها «فقهاً اسلامياً» أنجزه باحثوها من الفقه الموروث ومن واقع العلاقات الاجتماعية الفعلية سواء في الانظمة الدستورية والادارية والمالية مثلاً، او في عقود النقل والعمل والكراء والشركات وباقي أبواب الفقه.

وتلتقي الأمثلة التي سنشير إليها في تأكيد صفة لصيقة بالتعليم «الاسلامي» وهي انفصاله عن الواقع وعدم العناية بمواكبة مشاكله وتحليلها وتقديم الحلول الملائمة لعلاجها.

وهذه أمثلة من المواد او الموضوعات، نعرض باختصار شديد مضمون تدريسها وما يوجه إليه من مآخذ:


مادة أصول الفقه:

إنها المادة الاساسية في التكوين الفقهي، فهل تؤدي هذه الوظيفة؟

يمكن التأكد من ذلك بالرجوع الى معالم مضمونها التي في مقدمتها:

الحديث عن «المجهتد» بمواصفاته المتداولة منذ قرون، وإضفاء صفة «الحكم الشرعي» على آرائه التي تلزم كل من لم يبلغ درجة الاجتهاد أي جميع الأمة، مع اغفال مناقشة الوسائل التي يمكن بها تطبيق ذلك التنظير ومع التمسك بالمذاهب المؤسسة منذ اكثر من اثني عشر قرناً، وتدريس أحكامها بلغة التبليغ والاخبار وليس بأسلوب المناقشة والتقييم واستحضار ملابسات العلاقات الاجتماعية وظروفها.

ربط تفسير النصوص بالدلالة المعجمية للألفاظ والعبارات، مع المناقشة غير المفيدة حول ما اذا كانت هذه الدلالة توقيفية او وضعية دون الاستفادة من ناحية مما حققه علم اللسانيات في مجال دلالة اللغة ومن ناحية ثانية اغفال جانب الحكمة والقيم العالية للشريعة عند التفسير، والتركيز على المعاني اللغوية للكلمات والتراكيب.

عدم مراعاة الواقع الذي يتميز أولاً باتساع وتنوع مرافقه التنظيمية التي يضيق عنها قطعاً تخصص فرد او مجموعة افراد، وثانياً بتطور في الفكر الاجتماعي والسياسي، يحتل فيه الفرد مركز الصدارة ولم يعد يقبل بترتيب الأفراد بين «مجتهد» يتعلق بالاحكام و«مقلد» يتلقى وينفذ... ولو اخذ هذا الواقع في الاعتبار لأعيد النظر في مفهوم «المجتهد» وفي دوره كمتخصص في الدراسات المتعلقة بنصوص الشريعة.

النتيجة الحتمية لهذه الطريقة التي يتم بها تدريس أصول الفقه هي العقم الكامل في انتاج فقه يواجه العلاقات اليومية في المجتمع، ويبحث لها عن الحلول الملائمة.

فالدارس يحفظ عن ظهر قلب عشرات المبادئ والقواعد الاصولية، ولكنه لا يستعملها خضوعاً لثقافة التقليد المسيطرة على التكوين (11) واذا غاب الرأي الشخصي صعب التقريب بين الآراء المختلفة الصادرة عن اشخاص آخرين، فالفرد يمكنه ان يغير او يعدل رأيه الخاص بعد محاورة صاحب الرأي المخالف، ولكنه لا يملك التصرف في رأي غيره او تعديله. ومن اجل هذا نؤكد على ضرورة تكوين من ينتج الفقه، كي يسهل التقريب بين الآراء في هذا الفقه، أما اذا اقتصر المتحاورون على عرض آراء ليست من انتاجهم فيبدو التقريب بينها بعيد المنال.


المنطق:

دراسة مادة المنطق في الفكر العالمي تطورت كثيراً وتفرعت وهو ما بقي بعيداً عن مؤسساتنا التعليمية الموروثة. ففي التعليم «العتيق»، الذي صدر قانونه في المغرب في العام 2002، يدرس المنطق في السلك الثانوي بمنظومة السلم للأخضري بشرح القويسني في السنة الثانية، وحاشية بناني في السنة الثالثة، هذه المنظومة التي تبتدئ بحكاية ثلاثة أقوال حول تعلم المنطق (12) لا يتضمن إلا معلومات محدودة عن المنطق الأريسطي يبقى معها الدارس بعيداً من الافكار التي تقدمها الدراسات الحديثة لمادة المنطق وعن التأثير على أفقه الفكري في الربط بين الفلسفة وفلسفة الاجتماع.


النظام السياسي والولايات الشرعية:

قد تختلف المصطلحات المستعملة، ولكن المضمون واحد وهو ما يطلق عليه في الاصطلاح التقليدي للدراسات القانونية عبارة «القانون العام» الذي يشمل الأنظمة الدستورية والادارية والمالية...

في كليات الشريعة في المغرب مثلاً وبعد صدور القانون المنظم للتعليم العالي في العام2000 تقرر أن تدرس في وحدة «النظم الإسلامية والقانون» مادتان هما:

- «
النظم الاسلامية الشرعية»،
و«القانون الدستوري».

وغير خاف ما في كلمتي «الاسلامية الشرعية» من التداعيات الايحائية... بخاصة عند المقارنة مع «القانون الدستوري» الذي يعني القانون الوضعي غير الشرعي والذي صدرت بشأنه فتاوى تكفر كل من يحتكم الى دستور غير القرآن الكريم.

نتجاوز كل هذا، ونتساءل عن المضمون الذي يقدم في مادة النظم الاسلامية الشرعية، منقولاً طبعاً عن المؤلفات المتداولة في الموضوع منذ «الخراج» لأبي يوسف، و«الاحكام السلطانية والولايات الشرعية» للماوردي ومن بعدهما:

رئاسة الدولة يتم الوصول إليها في رأيي بإحدى وسيلتين: تعيين ممن كان قبله او اختيار من «اهل الحل والعقد» (13) من جلهم او يكفي خمسة منهم، او ثلاثة يتولاها احدهم قياساً على عقد النكاح الذي ينعقد بشاهدين وولي، او يكفي واحد قياساً على قول العباس بن عبد المطلب لعلي رضي الله عنه: «امدد يدك أبايعكم»(14

ورأي ثان يضيف وسيلة ثالثة وهي القهر والغلبة أي ما يطلق عليه اليوم «الانقلاب الدموي» و«من ظهر عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يومن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً براً كان أو فاجراً»(15).

اذا تحققت الرئاسة بإحدى الوسائل الثلاث، «فعلى كافة الأمة تفويض الأمور العامة إليه من غير افتيات عليه ولا معارضة له ليقوم بما وكِّل إليه من وجوه المصالح وتدبير الأعمال»(16). والصلاحيات المطلقة والواسعة التي يخولها الفقه للامام معروفة ومفصلة في مراجعها الخاصة. وكذا الصيغ المقبولة وغير المقبولة في تقليده «الولايات الشرعية» لمن يختاره لها...

علاقة المسلمين بغيرهم أو أحكام دار الاسلام والكفر تلخص في تقسيم العالم الى دارين: دار الاسلام أو مجتمع المسلمين الذي قد يعيش فيه الى جانبهم «أهل الذمة» بوضعيتهم المفصلة في الفقه، ودار الكفر التي يجب مواجهتها بالسيف أو بالاستعداد له ما لم يبرم معها عقد أمان وموادعة...

النظام المالي للدولة أي الخزينة العامة او بيت المال موارده كلها من مال الآخرين ولا يساهم فيها المسلم بشيء (17)، وهذه الموارد تتكون من «الفيء» ومن جزء من «الغنائم» (18) وكلها اختفت في العصور الأولى لقيام الدولة الاسلامية، ومع ذلك يكتفي بحكاية ما قيل (19) ولا يقدم للدارسين اي بديل يشكل رأياً للفقه الاسلامي في موضوع النظام المالي للدولة: موارد ومصارف رغم الواقع المعيش للدولة المعاصرة.

هذه اشارات محدودة جدا الى مضمون ما يقدم من النظم السياسية الشرعية المفصلة في مؤلفات: الاحكام السلطانية، والولايات الشرعية، والخراج، والأموال، وما شابهها. وفيما اشير إليه كفاية لإدراك ما يتعين ان توجه إليه يد الاصلاح لإنقاذ الفكر الاسلامي من الاختلاف العقيم، والجمود المميت...


الأبواب الفقهية الأخرى:

تقدم الأبواب الفقهية كلها بالأحكام المدونة في المذهب المتبع دون استثناء من الزواج والطلاق والعقود العوضية والضمان ووسائل الاثبات، الى النظام القضائي واجراءاته الى غيرها مما يشمله مصطلح «القانون الخاص» في الدراسات القانونية.

وكل بال - مع تفاوت بينها - يتضمن نسبة من احكامه الجزئية لتطبق قابلة للتطبيق. وفي الوقت نفسه أصبح واقع هذه العلاقات الاجتماعية المتجددة يتطلب حلولاً أخرى غير تلك المدونة في الشروح والحواشي.

والنتيجة أن الدارس يتلقى كمية كبيرة من المعلومات منها المفيد ومنها ما تجاوزته سنة التطور، ولا يواجه بواقع العلاقات الاجتماعية الذي يفرض عليه المساهمة في تحليلها والبحث عن الحلول الملائمة لها.

الأمر لا يحتاج إلى أمثلة، ويكفي الرجوع الى قراءة أي باب في أي كتاب فقهي ومقارنة الأحكام الجزئية الواردة فيه مع الأحكام المقررة في القوانين المطبقة أمام القضاء والإدارة (20) بما في ذلك أبواب الزواج والطلاق(21

إن التكوين الذي أشرنا إلى بعض معالم مضمونه تنتج عنه ثلاث نتائج بالغة الأهمية:

الأولى: ترسيخ تداول المصطلحين: «الأحكام الشرعية أو الفقه الإسلامي» و«القانون الوضعي»، وهذا المصطلح الثاني أفرز ظاهرة الاستخفاف بالقانون وعدم الشعور بالمسؤولية الدينية والأخلاقية عن الإخلال بأحكامه وآثار ذلك لا تخفى على أحد وشكل السرطان المدمر للانضباط الاجتماعي الذي بدونه لن يقوم أي بناء، كما وجدت فيه اتجاهات شاذة مبرراً للقول بتكفير المجتمعات التي تقره لأنها تحكم بغير ما أنزل الله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون).

والثانية: ما تحدثه هذه الازدواجية من اضطراب في فكر المسلم وسلوكه، وبالتالي في مسيرة المجتمع وتوحيد الجهود والرؤية.

والثالثة: غياب دارسي «الفقه الإسلامي» عن المساهمة في «الفقه العملي» أي دراسة القوانين المطبقة في مختلف فروعها ومناقشة مضمونها للإبقاء على الصالح، واستبعاد وتعديل ما يراه الدارس جديراً بذلك، اعتماداً على نصوص الشريعة الثابتة ومبادئها العامة، في ظل الواقع وملابساته.

وبدون ذلك، يفقد «الفقه الإسلامي» حيويته وحضوره في تحليل العلاقات التي يعيشها الناس فعلاً، وفي اقتراح (22) تنظيمها بما هو مفيد، ولا يعارض نصاً صريحاً ولا مبدأ من مبادئ الشريعة وقيمها.

لهذا نعتقد أن اللبنة الأساسية التي ينبغي أن يبدأ منها البناء هي لغة التلقين ومضمون المعرفة المقدمة في مؤسسات الدراسات الإسلامية، وبالأخص الجانب المتعلق منها بالأفكار العقدية وبتنظيم مؤسسات المجتمع ومختلف علاقاته. وذلك لتحقيق:

تواصل الدارس المباشر مع نصوص الشريعة ومساعدته على فهمها.
ربطه بواقع الحياة وحاجاته ليناقشها ويدلي بدلوه في ما ينبغي أن تخضع له من تنظيم وتدبير.
شعوره بأن ما يتلقاه من معرفة هي وسيلة لإنتاج معرفة أخرى استجابة لسنة التطور، وامتثالاً لآية (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً).
وأنه لا يطلب منه أن يكون مجرد وعاء للخزن والنقل، وأداة للاستحضار والحكاية كما هو سائد اليوم.
ثقافة تعايش مختلف الأفكار والآراء، والسجال بينها يكون بأسلوب الحوار والاقناع، وليس بالتجريح والاتهام بالزيغ والانحراف.


خلاصة:

أود في هذه الخلاصة إثارة بعض الأسئلة التي يبدو الجواب عنها مساعداً على وضوح الرؤية، وعلى تحديد موضوعات المناقشة، واختيار الوسائل الملائمة لعلاجها.

1 - 
الخلافات المذهبية مجرد خلاف في فهم نصوص الشريعة أو في ثبوتها. فهل هذه الخلافات في الفهم وفي ثبوت بعض نصوص السنة قابلة للمناقشة والمراجعة، أم أنها نهائية لا يملك الجيل الحاضر إزاءها إلا أمانة النقل وحرفية التطبيق؟

2 - اتسعت وتنوعت كثيراً المرافق والعلاقات الاجتماعية وتغيرت ملابساتها، وتشعبت التخصصات المعرفية بشأنها.

فهل يكفي ما يقدمه أصول الفقه حول المفسر وطرق التفسير (أو المستثمر وطرق الاستثمار بلغة الإمام الغزالي) لمواجهتها وصياغة الأحكام الملائمة لها؟

أم تقسم مجالات التنظيم الاجتماعي ليشرع في جزء منها «المجتهد» (ولا أحد يعلم كيف ومتى سيتحقق وجوده الفعلي) وفي الجزء الآخر غيره من المتخصصين أو المؤسسات الموكول إليها صياغة «القانون الوضعي»؟

وهل هذا التقسيم ممكن عمليّاً مثلاً في العقود والمعاملات وفي نظام الحكم او النظام الدستوري بالاصطلاح المتداول؟

3 - تطبيق نصوص الشريعة على وقائع العلاقات الاجتماعية، ساد اسناده من قبل الى ا فراد بمواصفات معينة «المجتهدين» عند المسلمين كافة اضافة الى «الأئمة المعصومين» عند الشيعة.

واليوم أصبحت كل المجتمعات المتمتعة بالنضج والاستقرار تميز بين رأي الفرد - أياً كان وصفه - الذي لا يلزم أحداً، وبين الحكم الملزم في السلوك الاجتماعي، وتسنده إلى المؤسسات وليس الى الأفراد.

فهل نهمل هذا الواقع ونتجاهله، ونقصر المناقشة على «الاجتهاد» الفردي أو الجماعي الذي يسند الى «الفقهاء» وحدهم أو مع «المتخصصين» في كل مجال يراد التشريع فيه؟

أم إن التجاهل مستحيل، وأن المفيد هو البحث عن الوسيلة القادرة على مسايرة هذا الواقع «الدستور» الذي لا يبدو مخالفاً للإسلام، وفي الوقت نفسه تحقق تلك الوسيلة ارتباط تنظيم المجتمع بالشريعة، وشعور الفرد المسلم بعدم مخالفة او انتهاك احكام وقيم دينه في الأنظمة الاجتماعية التي يطلب منه الامتثال لها؟

4 - اختلف السابقون في آرائهم، ولم يضعوا وسيلة لتحديد الرأي الواجب التطبيق من بين مختلف الآراء، فنشأت بذلك، الفرق والمذاهب التي تدعو اليوم الى التقريب بينها.

وبما أن الاختلاف من سنن الله الأبدية، أفلا نتعظ بما حدث للأمة الاسلامية منذ حوصر الخليفة الثالث وذبح في داره الى أيامنا هذه التي تتناسل فيها الفتاوى ذات اليمين وذات اليسار بالتحليل والتحريم والتكفير الفردي والجماعي، لنركز البحث عن الوسيلة التي تجنبنا الآثار السلبية للاختلاف وذلك بالتمييز:

بين رأي الفرد الذي هو فهم او استنتاج شخصي من النصوص ولا ينبغي أن يوصف مباشرة بـ«حكم الشريعة»، سواء كان في صورة «فتوى» أو في أي شكل آخر، ولا سند لفرضه على الآخرين وإلزامهم به.

وبين ما تقرره الأمة (المجتمع) عن طريق المؤسسات التي تنتدبها لذلك من تشريعات تلزم الجميع في التطبيق وهي التي يتعين اعتبارها معبرة عن «اجتهاد الأمة» في تفسير نصوص الشريعة وتطبيق أحكامها، مستأنسة فيه بالآراء الفردية المختلفة؟.

5 - 
وأخيراً اذا كان المشكل التشريعي في المجتمعات الاسلامية يمكن حله بالتقريب بين المذاهب الذي يكفي للقيام به عمل ثلة من العلماء الراسخين المتمتعين بالورع وصدق النية أفلا ينبغي تأكيد صدق ذلك:

بإنجاز نموذج محدود لهذا التقريب (مثلاً: عقد الرهن أو العمل او الشركات أو الاجراءات أمام القضاء) لإثبات أنه كافٍ لتنظيم علاقات المجتمع بظروفها التي يعيشها الناس.

ببيان الحل الواجب اتباعه ازاء الآراء المخالفة التي قد يقدمها العلماء الذين لم يشاركوا في صياغة نموذج التقريب.

ببيان الوسائل والاجراءات التي تمكن النموذج من الصفة لالزامية في التطبيق في ظل الواقع الدستوري الذي تعيشه كل دولة اسلامية؟

ان التنظير ينبغي ان ينطلق من الواقع بحثاً عن وسائل عملية لتسير به الى الأفضل، أما التصورات المجردة فلا تقدم للناس شيئاً ينفعهم. والله الهادي الى سواء السبيل.


أحمد الخمليشي : مدير دار الحديث الحسنية في المملكة المغربية.


الهوامش:

1- 
فمن هذه الطبيعة والخصوصيات التمايز والاختلاف في النظر الى جزئيات غير يسيرة من وقائع العلاقات الاجتماعية، ومن ثم ترتيبها في سلم تنظيم المجتمع، وتحديد الاحكام المناسبة لها.
من المعروف مثلاً ان الشافعي بعد انتقاله الى مصر غيّر كثيرا من آرائه التي كان يقول بها وهو في العراق، تم هذا بين اقليمين متقاربين اجتماعيّاً وجغرافيّاً وفي فترة النصف الاخير من القرن الثاني، فكيف نقول الآن بفرض احكام المذهب الشافعي الجزئية في كل من مصر مثلا والغالبية المسلمة في تايلاند اللذين يأخذان بهذا المذهب؟
2- أي في العلاقات الاجتماعية التي يتعين اخضاعها عمليّاً لحكم واحد بحيث يفرض الحكم الواجب التطبيق ويلتزم به حتى المخالفون مع حقهم في الاستمرار في اعلان آرائهم بأسلوب الحوار والمجادلة بالحسنى. وما استبعد اليوم قد يظهر صوابه غداً، ويستدعي المنطق والمصلحة الرجوع إليه.
اما الاختلاف في التنظير والأفكار المجردة التي لا تستلزم تنظيّماً تطبيقيّاً في الحياة اليومية، فعلاجه المقبول هو الايمان بتعايشها باعتبار ذلك سنة الله التي خلق عليها الانسان ولن تختفي ما دام له وجود على هذه الأرض. والايمان بتعايش الآراء المختلفة تتبعه ضرورة الالتزام بالمناقشة بالحسنى مع قصرها على الرأي ومستنداته، والابتعاد عن الغمز واللمز، وعن كل أشكال التجريح لشخص صاحب الرأي المخالف.
3- 
البخاري (ح 5831)
4- 
أما التعليم العمومي من زاوية علاقته بالموضوع الذي نناقشة، فيمكن التركيز فيه على ضعف المعرفة الدينية التي يقدمها وبساطتها، حيث تقتصر على معلومات جزئية واحياناً غير دقيقة ولا نافعة، الأمر الذي يجعل غالب المتخرجين منه:
يعتبرون هذه المعرفة شبه غيبية لا يدركها إلا رجالها المتخصصون فيها، وبسبب ذلك تجد ذوي شهادات عليا يستفتون في احكام بسيطة او معلومة من الدين بالضرورة تمكن معرفتها بسهولة من المراجع الميسرة المتداولة. وهم لذلك لا يناقشون مستند «الفتوى» وانما يكفيهم الحكم الذي نطقت به، ويعلم الجميع نتائج هذه الظاهرة التي افرزت استباحة قتل المسلمين حتى داخل المساجد وهم يصلون...
وجزء منهم يتعرض بسهولة لاهتزاز عقيدته الدينية، لانه لم يلقنها بأسلوب الفهم والحوار والاقناع.
تفادي ذلك كله او جلّه على الاقل، يتطلب التركيز في التعليم العمومي على تلقين العقيدة الدينية في بعدها الفلسفي والروحاني، وترسيخ قيمها الاجتماعية والسلوكية، وما يعنيه «التكليف» من مسؤوليات الفهم، وأداء الواجبات والمطالبة بالحقوق، او ما يجمعه مفهوم «تحمل الامانة».
ان هذا يمكن المتلقي - أيّاً كان تخصصه التعليمي فيما بعد - من معرفة نافذة الى العمق يستطيع بها ان يسير على بصيرة من امره فيما يصادفه من افكار حول الانسان والوجود وفلسفة الحياة، وان يميز بين الغث والسمين إزاء الآراء والفتاوى المتناثرة ذات اليمين وذات اليسار.
5- 
مع قلة ما كتب فيها مقارنة بما دون في «المعاملات» يجمعها بهذه الأخيرة امران:
الأول: اضفاء الصفة الدينية على ما وضع لها من احكام، لذلك عنون الماوردي مثلا كتابه «الاحكام السلطانية والولايات الدينية» وعدد الى جانب ولاية الامامة تسع عشرة ولاية كانت تمثل كل مؤسسات الدولة ومرافقها، وكلها مفوضة الى من ندبه الله «للأمة زعيماً خلف به النبوة واحاط به الملة وفوض إليه السياسة ليصدر التدبير عن دين مشروع، وتجتمع الكلمة على رأي متبوع» ـ ص - 1.
الثاني: التقيد فيها بمذاهب الفقهاء وآرائهم (المرجع السابق)، وتؤكده المؤلفات المدونة في موضوع الولايات الدينية او الشرعية كلا او بعضاً وفي الخراج او الاموال حيث تبنى كلها على آراء الفقهاء والسابقين.
6- 
بالمقابل، ظهر الخطاب المنادي بمنع «الفقهاء» من ابداء رأيهم في السياسة وفيما يخرج عن «اختصاصهم».
ففي بداية الاسبوع الثاني من شهر ايار ـ مايو ـ الجاري (3002) كتب احدهم تحت عنوان: «دخول اهل الدين في السياسة» مقالا يتعجب فيه «من متخصصين في شؤون الدين يفتون في الشأن السياسي» مثل «الكبيسي وقبله القرضاوي وبعدهما مشايخ وفقهاء ايران والسعودية ومصر ولبنان وغيرها».
صحيح ان تعرض الاحكام التي تصدر عن غير المتخصص للخطأ اكثر منه عند المتخصص، يصدق هذا على الفقيه والسياسي والاقتصادي والمهندس، وعلى غيرهم من قائمة عشرات التخصصات المعرفية التي تفرعت إليها المعرفة الانسانية اليوم، وان المبادئ الاخلاقية - والدينية كذلك - تدعو الفرد الى الاحتياط اكثر عند ابدائه الرأي خارج اختصاصه.
لكن، لا يبدو مقبولا عزل كل المتخصصين في زاوية اختصاصهم المعرفي الاكاديمي ومنعهم من المناقشة وابداء الرأي فيما يثار ويتداول خارج ذلك الاختصاص.
فبالاضافة الى تغير طبيعة التكوين المعرفي وتطور وسائل التلقي، اصبح من الحقوق الاساسية للفرد ابداء الرأي في كل ما يمس الشأن العام، وبناء تنظيمه على الادراك والاقتناع وليس على الفرض ومصادرة التفكير.
نعم، يبقى الدور الاساسي للمتخصص هو : كشف الخطأ في الرأي الذي قدمه غير المتخصص، وبيان صواب رأيه بأسلوب الحوار والبرهان، ووسائل الاقناع والمجادلة بالحسنى. علماً بأن التخصص في العلوم الانسانية ـ وفي مقدمتها الفقه الاجتهادي - يتسم بمرونة واضحة بسبب الدور الاساسي فيه لكل من العقل وظروف حياة المجتمع وملابساتها.
7- 
يقترح اشراك المتخصصين في المجال المعني بالتنظيم، او استشارتهم كخبراء، او توزيع «العلماء» على التكوين في كل فرع من فروع التخصصات الحديثة، فيجمع «العالم» بين المعرفة الشرعية والمعرفة الحديثة في الاقتصاد مثلاً، او الادارة، او النظام الدستوري او الضريبي... الخ.
ولكن، بقليل من التأمل يتأكد تعذر تطبيق هذه المقترحات النظرية، فضلا عن كون اسناد التقرير الى فرد او مجموعة افراد بحكم تخصصهم المعرفي تجاوزته القيم والمبادئ التي تحكم تنظيم المجتمع المعاصر.
8- 
يقول ابن مالك في ألفيته: «ما أصح علم من تقدما»
9- 
كلام المحاسبي هذا ورد في كتابه «الوصايا او النصائح» ونقله الدكتور حسين القوتلي في ص: 62 و72 من تحقيقه لمؤلف المحاسبي «العقل وفهم القرآن».
10- 
ان الفكرة التي عبر عنها المحاسبي مثل كثيرين غيره، والتي انتجت ثقافة التهيب من مراجعة آراء السابقين ومناقشتها، خلطت بين امرين متميزين ومنفصلين، الاشخاص والآراء فالأشخاص يجب احترامهم دينيا واخلاقيا ولا يجوز المساس بحرمتهم وصدق طويتهم. أما الآراء التي تتعلق بشبكة العلاقات الاجتماعية، فإنها ملك الجميع وبحكم عدم عصمة صاحبها من الخطأ وامتداداها مكاناً وزمانا،ً وخضوع حياة المجتمع وعلاقاته لسنة التطور، تكون مناقشتها أمراً ضروريا وحتميّاً والاقتصار على ترديدها وتقليدها اخلال بمسؤولية التكليف، وتضييع للأمانة التي عرضت على السماوات والأرض فأبين ان يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان...
11- 
الذي يثبت هذا بصورة يقينية هو واقع مؤسسات الدراسات الاسلامية بمختلف اسمائها، فما يدرس فيها باسم «الفقه الاسلامي» هو الفقه المنقول، والشيء نفسه ينطبق على مؤلفات شيوخها وعلى ابحاث الطلبة، ونادراً ما يعترض على بعض الاحكام، لكن استناداً الى رأي آخر قديم، والمؤكد هو انه لا وجود لمؤلف «فيما اعلم - انطلق من قراءة شخصية لنصوص الوحي على ضوء الواقع المعيش، وصاغ «احكام الفقه الاسلامي» في باب او مجموعة ابواب من فقه المعاملات، مكتفيا بالاستئناس بآراء السابقين بدل نقلها واعتمادها دون مناقشة. وفي كل الاحوال، اذا ادلى شيخ، او فقيه بآرائه في بعض الجزئيات داخل كتاب او بحث، فـإن آراءه هذه لا تندمج في منظومة، «احكام الفقه الاسلامي» المتعارف عليها في التدريس والتأليف والافتاء.
12- 
والخلف في جواز الاشتغال/ به على ثلاثة اقوال
فابن الصلاح والنواوي حرما/ وقال قوم ينبغي ان يعلما
والقولة المشهورة الصحيحة/ جوازه لكامل القريحة
ممارس السنة والكتاب/ ليهتدي به الى الصواب
13- لم يسبق ان عينوا فعلا، او حددت وسائل عملية لهذا التعيين،، كل ما قيل هو الاشارة الى بعض الشروط او الاوصاف. فمثلاً: الماوردي وابو يعلى يذكران ثلاثة شروط: العدالة، والعلم بشروط من يستحق الامانة، والرأي والحكمة او التدبير. بينما يحددهم الشيخ محمد رشيد رضا في «كبار الفقهاء، ورؤساء الجند، والقضاة، وكبار التجار، والزراع واصحاب المصالح العامة، ومديرو الجمعيات والشركات وزعماء الاحزاب ونابغو الكتاب والاطباء والمحامين» تفسير المنار 5/891
14- الأحكام السلطانية ص: 6-7
15- الاحكام السطانية لأبي يعلى ص : 32
اي ان القوة والسبق، والانقلاب الدموي كل ذلك وسيلة مشروعة للوصول الى السلطة، واحتلال كرسي الامامة او الرئاسة.
16- 
الماوردي، ص: 51
17- فالمسلم لا يفرض عليه شيء في ماله غير الزكاة، وهي ليست من موارد بيت المال لأن لها مصادرها المحددة في القرآن يقول أبو يعلى الحنبلي:
«
وأما الصدقة فضربان: احدهما صدقة مال باطن فلا يكون من حقوق بيت المال لجواز ان ينفرد اربابه بإخراج زكاته في أهله.
والضرب الثاني: صدقة مال ظاهر: كأعشار الزرع والثمار وصدقات المواشي، فذهب احمد إلى انه ليس من حقوق بيت المال أيضا لأنه لجهات معينة لا يجوز مصرفه في غير جهاته، ولا هو محل لإحرازه عند تعذر جهاته لانه لا يجب دفعه الى الامام وان جاز ان يدفع اليه» ص: 252.
ويقول الماوردي عن زكاة المال الظاهر انها عند ابي حنيفة «من حقوق بيت المال لانه يجوز صرفه على رأي الامام واجتهاده ولم يعينه في اهل السهمين، وعلى مذهب الشافعي لا يكون من حقوق بيت المال لانه معين الجهات عنده لا يجوز صرفه على غير جهاته» ص: 412
وحتى ما يؤديه المسلم من العشور على بضائعه التجارية عند الحدود يعتبر زكاة ويأخذ حكمها (الخراج لأبي يوسف، ص: 431). وداخل دار الاسلام لا يجوز اخذ العشور: «وأما اعشار الأموال المتنقلة في دار الاسلام من بلد الى بلد فمحرمة لا يبيحها شرع ولا يسوغها اجتهاد ولا هي من سياسات العدل..». الماوردي، ص: 802.
18- 
يقول الماوردي: «وأموال الفيء والغنائم ما وصلت من المشركين او كانوا سبب وصولها» ينفقان في ان كل واحد من المالين واصل الكفر، ويختلفان في «ان مال الفيء مأخوذ عفوا، ومال الغنيمة مأخوذ قهراً» فالفيء «كل ما وصل من المشركين عفوا من غير قتال ولا بإيجاف خيل ولا ركاب، فهو كمال الهدنة، والجزية، واعشار متاجرهم، او كان واصلاً بسبب من جهتهم كمال الخراج» ص: 621.
وتشمل الغنائم: الأسرى، والسبي، والأرضيون، والاموال المنقولة، ولا يدخل مثلا في موارد بيت المال الا الارضون على احد القولين الذي يرى ان للامام وقفها او قسمتها.
19- 
ما قيل عن الفيء والغنائم نظريّاً ولا علاقة له بالواقع، وكذا عن انفاق ما في بيت المال الذي يرجع الى اختصاص الامام وحده. واذا شحت موارده، وهي اصلاً غير موجودة منذ قرون - يقول الفقه:
المصارف المستحقة «على وجه البدل كأرزاق الجند وأثمان الكراع والسلاح» يجب التعجيل بدفعها «كالديون مع اليسار» والا وجب الانظار «كالدين مع الاعسار».
المصارف المستحقة للمصالح والمرافق العامة دون بدل، تؤدي ان وجدت، واذا لم توجد سقط وجوب القيام بتلك المصالح والمرافق، فإن كان في عدم القيام بها ضرر عام، اعتبر انجازها فرض كفاية على المسلمين كافة «حتى يقوم بها منهم من فيه كفاية كالجهاد وان كان مما لا يعم ضرره كوعورة طريق قريب يجد الناس طريقا غيره بعيداً، او انقطاع شرب يجد الناس غيره شراباً، فإذا سقط وجوبه عن بيت المال بالعمد، سقط وجوبه عن الكافة لوجود البدل». الماوردي ص: 412 - 512، وأبو يعلى، ص : 252 - 352.
نعم هناك فتاوى تبيح للامام عند الحاجة إلزام الاغنياء والموسرين بأداء ما تسد به هذه الحاجة لكن من ناحية توجد كذلك فتاوى مضادة، ومن ناحية ثانية الفتاوى المبيحة لم تقدم أية وسائل عملية لضبط معايير الحاجة والفرض، فكان ضررها اكبر من نفعها في كثير من الحالات.
20- 
صحيح ان احكام تلك القوانين ليست سليمة كلها، ولكن ما يجب التأكيد عليه هو:
أولاً - ما دامت تنظم العلاقات التي تناولها الفقه الاسلامي فإنه من المتعين معرفتها ومناقشتها لتأييد الصالح واقتراح البديل لما قد يبدو مخالفاً لأحكام الشريعة او غير ملائم للتطبيق، اما الاعراض عنها وتغييبها فلا يبدو مسلكا رشيداً.
ثانياً - من المحقق ان اكثر احكامها ملائم لما طرأ على العلاقات الاجتماعية من ملابسات، مثل عقود النقل، والعمل، والرهن، والضمان الاجتماعي، والتنظيم القضائي، والحريات العامة... الخ.
21- 
فكل قوانين الاحوال الشخصية في الدول الاسلامية تتضمن مقتضيات - تضيق وتتسع - مخالفة للمنصوص عليه في المذهب المقلد.
في الزواج: مثلا: السن، ولاية الاجبار، ولاية الزواج عموماً، اشتراط توثيق العقد، الزام الخاطبين باحضار وثائق عدة لابرام العقد.
وفي الطلاق: ألغيت صيغ عدة كان الفقه يقول بوقوع الطلاق بها، واعتبر الطلاق بلفظ الثلاث طلقة واحدة رجعية، وطلاق الزواج رجعيّاً وان وصفه بالبائن وفرض تدخل القاضي لمحاولة الصلح، وتقدير مستحقات الزوجة والاطفال قبل تسجيل الطلاق...
22- 
نؤكد على كلمة «اقتراح» لأن رأي الفرد لا يمكن ان يكون الا اقتراحاً، باعتبار ان الآراء متعددة، وضروري اختلافها، فيتعين اذن التمييز بين رأي الفرد وبين الحكم الملزم للأمة جميعا، والذي يرجع إليها هي أمر تقريره بالوسيلة التي تراها ملائمة حسب ظروف الزمن والمكان وأهمية الحكم.
أما الخلط بين رأي الفرد وبين الحكم الملزم فنتائجه السلبية حاضرة بيننا ولا تحتاج الى تعليق او بيان.
المصدر: مجلة النور العدد 151/152

عدد مرات القراءة:
1343
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :