آخر تحديث للموقع :

الثلاثاء 16 صفر 1441هـ الموافق:15 أكتوبر 2019م 10:10:56 بتوقيت مكة
   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

الزعم بأن الإمامة من أهم أصول الدين وأن المذهب الشيعي واجب الإتباع ..
زعم الرافضة أن الإمامة من أهم أصول الدين

قال المصنف الرافضي أما بعد: فهذه رسالة شريفة، ومقالة لطيفة اشتملت على أهم المطالب في أحكام الدين، وأشرف مسائل المسلمين وهي مسألة الإمامة، التي يحصل بسبب إدراكها نيل درجة الكرامة، وهي أحد أركان الإيمان، المستحق بسببه الخلود في الجنان، والتخلص من غضب الرحمن، فلقد قال رسول الله (: ((من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)). خدمت بها خزانة السلطان الأعظم مالك رقاب الأمم، ملك ملوك طوائف العرب والعجم، مولى النعم ومسدي الخير والكرم، شاهنشاه المكرم غياث الملة والحق والدين (أولجايوخدابنده)، قد لخصت فيه خلاصة الدلائل، وأشرت إلى رؤوس المسائل، وسميتها منهاج الكرامة، في معرفة الإمامة، وقد رتبتها على فصول. الفصل الأول في نقل المذاهب في هذه المسألة، ثم ذكر الفصل الثاني في أن مذهب الإمامية واجب الاتباع، ثم ذكر الفصل الثالث في الأدلة على إمامة علي (بعد رسول الله (، ثم ذكر الفصل الرابع في الاثني عشر ثم ذكر الفصل الخامس في إبطال خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فيقال الكلام على هذا من وجوه:
(أحدها): أن يقال أولا أن القائل: أن مسألة الامامة أهم المطالب في أحكام الدين، وأشرف مسائل المسلمين، كذب بإجماع المسلمين، سنيهم وشيعيهم، بل هوكفر، فإن الإيمان بالله ورسوله أهم من مسألة الامامة.
وهذا معلوم بالاضطرار من دين الاسلام، فالكافر لا يصير مؤمنا حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهذا هوالذي قاتل عليه الرسول (الكفار كما استفاض عنه في الصحاح وغيرها أنه قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها)) (1)
__________
(1) انظر البخاري ج1ص1. وأماكن أخر، ومسلم ج1ص52 - 53.
وقد قال تعالى: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ((1). وكذلك قال لعلي لما بعثه إلى خيبر وكذلك كان النبي (. يسير في الكفار فيحقن دماءهم بالتوبة من الكفر لا يذكر لهم الامامة بحال وقد قال تعالى بعد هذا: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ((2).
فجعلهم إخوانا في الدين بالتوبة، فإن الكفار على عهد رسول الله (كانوا إذا أسلموا أجرى عليهم أحكام الاسلام، ولم يذكر لهم الإمامة بحال، ولا نقل هذا عن الرسول أحد من أهل العلم، لا نقلا خاصا ولا عاما، بل نحن نعلم بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه لم يكن يذكر للناس إذا أرادوا الدخول في دينه الإمامة لا مطلقا ولا معنيا.
فكيف تكون أهم المطالب في أحكام الدين؟ ومما يبين ذلك ان الامامة بتقدير الاحتياج إلى معرفتها لا يحتاج إليها من مات على عهد رسول الله (_ فكيف يكون أشرف مسائل المسلمين وأهم المطالب في الدين لا يحتاج إليه أحد على عهد النبي (.
أوليس الذين آمنوا بالنبي (في حياته واتبعوه باطنا وظاهرا ولم يرتدوا ولم يبدلوا هم أفضل الخلق باتفاق المسلمين أهل السنة والشيعة، فكيف يكون أفضل المسلمين لا يحتاج إلى أهم المطالب في الدين؟ وأشرف مسائل المسلمين؟.
فإن قيل إن النبي (كان هوالإمام في حياته، وإنما يحتاج إلى الامام بعد مماته فلم تكن هذه المسألة أهم مسائل الدين في حياته وإنما صارت أهم مسائل الدين بعد موته قيل: الجواب عن هذا من وجوه:
__________
(1) الآية 5 من سورة التوبة.
(2) الآية 11 من سورة التوبة.
(أحدها): أنه بتقدير صحة ذلك لا يجوز أن يقال إنها أهم مسائل الدين مطلقا، بل في وقت دون وقت، وهي في خير الأوقات ليست أهم الطالب في أحكام الدين ولا أشرف مسائل المسلمين.
(الثاني): أن يقال الإيمان بالله ورسوله في كل زمان ومكان أعظم من مسألة الامامة، فلم تكن في وقت من الأوقات لا الأهم ولا الأشرف.
(الثالث): أن يقال فقد كان يجب بيانها من النبي (لأمته الباقين من بعده، كما بين لهم أمور الصلاة والزكاة والصيام والحج، وعين أمر الإيمان بالله وتوحيده واليوم الآخر.
ومن المعلوم أنه ليس بيان مسألة الإمامة في الكتاب والسنة ببيان هذه الأصول، فإن قيل بل الإمامة في كل زمان هي الأهم والنبي (كان نبيا إماما وهذا كان معلوما لمن آمن به أنه كان إمام ذلك الزمان قيل الاعتذار بهذا باطل من وجوه:
(أحدها): أن قول القائل الإمامة أهم المطالب في أحكام الدين إما أن يريد به إمامة الاثني عشر أوإمامة إمام كل زمان بعينه في زمانه بحيث يكون الأهم في زماننا الإيمان بإمامة محمدالمنتظر، والأهم في زمان الخلفاء الأربعة الإيمان بإمامة علي عندهم، والأهم في زمان النبي (الإيمان بإمامته.
وإما أن يريد به الإيمان بأحكام الإمامة مطلقا غير معين. وإما أن يريد به معنى رابعا، أما الأول فقد علم بالاضطرار أن هذا لم يكن معلوما شائعا بين الصحابة ولا التابعين بل الشيعة تقول أن كل واحد إنما يعين بنص من قبله، فبطل أن يكون هذا أهم أمور الدين.
وأما الثاني فعلى هذا التقدير يكون أهم المطالب في كل زمان الإيمان بإمام ذلك الزمان، ويكون الإيمان من سنة ستين ومائتين إلى هذا التاريخ إنما هوالإيمان بإمامة محمد بن الحسن، ويكون هذا أعظم من الإيمان بأنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ومن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، ومن الإيمان بالصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر الواجبات، وهذا مع أنه معلوم فساده بالاضطرار من دين الاسلام، فليس هوقول الإمامية، فإن اهتمامهم بعلي وإمامته أعظم من اهتمامهم بإمامة المنتظر كما ذكره هذا المصنف، وأمثاله من شيوخ الشيعة.
وأيضا فإن كان هذا هوأهم المطالب في الدين فالإمامية آخر الناس في صفقة هذا الدين، لأنهم جعلوا الإمام المعصوم، هوالإمام المعدوم الذي لم ينفعهم في الدين والدنيا، فلم يستفيدوا م أهم الأمور الدينية شيئا من منافع الدين ولا الدنيا.
وإن قالوا: إن المراد أن الإيمان بحكم الإمامة مطلقا هوأهم أمور الدين، كان هذا أيضا باطلا للعلم الضروري أن غيرها من أمور الدين أهم منها، وإن أريد معني رابع فلا بد من بيانه لنتكلم عليه.
(الوجه الثاني) أن يقال إن النبي (لم تجب طاعته على الناس لكونه إماما، بل لكونه رسول الله إلى الناس، وهذا المعنى ثابت له حيا وميتا، فوجوب طاعته على من بعده كوجوب طاعته على أهل زمانه، وأهل زمانه فيهم الشاهد الذي يسمع أمره ونهيه، وفيهم الغائب الذي بلغه الشاهد أمره ونهيه.
فكما يجب على الغائب عنه في حياته طاعة أمره ونهيه، يجب ذلك على من يكون بعد موته، وهو(أمره شامل عام لكل مؤمن شهده أوغاب عنه، في حياته وبعد موته، وهذا ليس لأحد من اهل الأئمة ولا يستفاد هذا بالإمامة.
حتى إنه (إذا أمر ناسا معينين بأمور وحكم في أعيان معينة بأحكام لم يكن حكمه وأمره مختصا بتلك المعينات، بل كان ثابتا في نظائرها وأمثالها إلى يوم القيامة، فقوله (لمن شهده: ((لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود)) (1) هوحكم ثابت لكل مأموم بإمام أن لا يسبقه بالركوع ولا بالسجود، وقوله لمن قال: ((لم أشعر فحلقت قبل أن أرمي. قال: ارم ولا حرج. ولمن قال نحرت قبل أن أحلق. قال: احلق ولا حرج)) (2). أمر لمن كان مثله.
وكذلك قوله لعائشة (ا لما حاضت وهي معتمرة: ((اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت)) (3)، وأمثاله هذا كثير، بخلاف الإمام إذا أطيع.
وخلفاؤه بعده في تنفيذ أمره ونهيه كخلفائه في حياته، فكل آمر بأمر يجب طاعته فيه، إنما هومنفذ لأمر رسول الله (_ لأن الله أرسله إلى الناس وفرض عليهم طاعته، لا لأجل كونه إماما له شوكة وأعوان، أولأجل أن غيره عهد له بالإمامة، أوغير ذلك، فطاعته لا تقف على ما تقف عليه طاعة الأئمة من عهد من قبله، أوموافقته ذوي الشوكة أوغير ذلك بل تجب طاعته (_ وإن لم يكن معه أحد، وإن كذبه جميع الناس.
وكانت طاعته واجبة بمكة قبل أن يصير له أعوان، وأنصار يقاتلون معه، فهوكما قال سبحانه فيه: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ((4)
__________
(1) انظر مسلم ج1ص32. وابن ماجه ج1ص3.8 - 3.9.
(2) انظر البخاري ج2 ص173 ومسلم ج2ص948.
(3) انظر البخاري ج2 ص159.
(4) الآية 144 من سورة آل عمران.
بين سبحانه وتعالى أنه ليس بموته ولا قتل ينتقض حكم رسالته، كما ينتقض حكم الإمامة بموت الأئمة وقتلهم، وأنه ليس من شرطه أن يكون خالدا لا يموت، فإنه ليس هوربا وإنما هورسول قد خلت من قبله الرسل.
وقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه، فطاعته واجبة بعد مماته وجوبها في حياته، وأوكد لأن الدين كمل واستقر بموته فلم يبق فيه نسخ، ولهذا جمع القرآن بعد موته لكماله واستقراره بموته، فإذا قال القائل إنه كان إماما في حياته، وبعده صار الإمام غيره إن أراد بذلك أنه صار بعده من هونظيره يطاع كما يطاع الرسول فهوباطل، وإن أراد أنه قام من يخلفه في تنفيذ أمره ونهيه فهذا كان حاصلا في حياته، فإنه إذا غاب كان هناك من يخلفه. وإن قيل أنه بعد موته لا يباشر معينا بالأمر بخلاف حياته قيل مباشرته بالأمر ليست شرطا في وجوب طاعته، بل تجب طاعته على من بلغه أمره ونهيه كما تجب طاعته على من سمع كلامه.
وقد كان يقول: ((ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع)) (1) وإن قيل إنه في حياته كان يقضي في قضايا معينة، مثل إعطاء شخص بعينه، وإقامة الحد على شخص بعينه، وتنفيذ جيش بعينه. قيل نعم وطاعته واجبة في نظير ذلك إلى يوم القيامة، بخلاف الأئمة. لكن قد يخفى الاستدلال على نظير ذلك كما يخفى العلم على من غاب عنه، فالشاهد أعلم بما قال وأفهم له من الغائب، وإن كان فيمن غاب وبلغ أمره من هوأوعى له من بعض السامعين، لكن هذا لتفاضل الناس في معرفة أمره ونهيه، لا لتفاضلهم في وجوب طاعته عليهم.
__________
(1) رواه البخاري ج2ص176 وغيره.
فما تجب طاعة ولي أمر بعده إلا كما تجب طاعة ولاة الأمور في حياته فطاعته شاملة لجميع العباد شمولا واحدا، وإن تنوعت خدمتهم في البلاغ والسماع والفهم، فهؤلاء يبلغهم من أمره ما لم يبلغ هؤلاء، وهؤلاء يسمعون من أمره ما لم يسمعه هؤلاء، وهؤلاء يفهمون من أمره ما لا يفهمه هؤلاء، وكل من أمر بما أمر به الرسول وجبت طاعته، طاعة لله ورسوله لا له.
وإذا كان للناس ولي أمر قادر ذوشوكة، فيأمر بما يأمر ويحكم بما يحكم، انتظم الأمر بذلك، ولم يجز أن يولى غيره، ولا يمكن بعده أن يكون شخص واحد مثله، وإنما يوجد من هوأقرب إليه من غيره، فأحق الناس بخلافة نبوته أقربهم إلى الأمر بما يأمر به، والنهي عما نهى عنه، ولا يطاع أمره طاعة ظاهرة غالبة إلا بقدرة وسلطان يوجب الطاعة، كما لم يطع أمره في حياته طاعة ظاهرة غالبة حتى صار معه من يقاتل على طاعة أمره، فالدين كله طاعة لله ورسوله وطاعة الله ورسوله هي الدين كله فمن يطع الرسول فقد أطاع الله.
ودين المسلمين بعد موته طاعة الله ورسوله، وطاعتهم لولي الأمر فيما أمروا بطاعته فيه هوطاعة لله ورسوله، وأمر ولي الأمر الذي أمره الله أن يأمرهم به، وقسمه وحكمه هوطاعة لله ورسوله، فأعمال الأئمة والأمة في حياته ومماته التي يحبها الله ويرضاها، كلها طاعة لله ورسوله.
ولهذا كان أصل الدين شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله، فإذا قيل هوكان إماما وأريد بذلك إمامة خارجة عن الرسالة، أوإمامة يشترط فيها ما لا يشترط في الرسالة، أوإمامة يعتبر فيها طاعته بدون طاعة الرسول، فهذا كله باطل فإن كل ما يطاع به داخل في رسالته، وهوفي كل ما يطاع فيه يطاع بأنه رسول الله ولوقدر أنه كان إماما مجردا لم يطع حتى تكون طاعته داخلة في طاعة رسول آخر.
فالطاعة إنما تجب لله ورسوله، ولمن أمرت الرسل بطاعتهم.
فإن قيل أطيع بإمامته طاعة داخلة في رسالته كان هذا عديم التأثير، فإن مجرد رسالته كافية في وجوب طاعته، بخلاف الإمام فإنه إنما يصير إماما بأعوان ينفذون أمره، وإلا كان كآحاد أهل العلم والدين، فإن قيل أنه (لما صار له شوكة بالمدينة صار له مع الرسالة إمامة بالعدل، قيل بل صار رسولا له أعوان وأنصار ينفذون أمره، ويجاهدون من خالفه وهوما دام في الأرض من بل صار رسولا له أعوان وأنصار ينفذون أمره، ويجاهدون من خالفه وهوما دام في الأرض من يؤمن بالله ورسوله له أنصار وأعوان ينفذون أمره ويجاهدون من خالفه فلم يستفد بالأعوان ما يحتاج أن يضمه إلى الرسالة مثل كونه إماما أوحاكما أوولى أمر إذا كان هذا كله داخل في رسالته، ولكن بالأعوان حصل له كمال قدرة أوجبت عليه من الأمر والجهاد ما لم يكن واجبا بدون القدرة، والأحكام تختلف باختلاف حال القدرة والعجز والعلم وعدمه كما تختلف باختلاف الغنى والفقر والصحة والمرض، والمؤمن مطيع لله في ذلك كله، وهومطيع لرسول الله في ذلك كله، ومحمد رسول الله فيما أمر به ونهى عنه مطيع لله في ذلك كله.
وإن قالت الإمامية: الإمامة واجبة بالعقل بخلاف الرسالة فهي أهم من هذا الوجه، قيل: الوجوب العقلي فيه نزاع كما سيأتي، وعلى القول بالوجوب العقلي فما يجب من الإمامة جزء من أجزاء الواجبات العقلية، وغير الإمامة أوجب من ذلك كالتوحيد، والصدق والعدل، وغير ذلك من الواجبات العقلية.
وأيضا فلا ريب أن الرسالة يحصل بها هذا الواجب، فمقصودها جزء من أجزاء الرسالة، فالإيمان بالرسول يحصل به مقصود الإمامة، في حياته وبعد مماته بخلاف الإمامة، وأيضا فمن ثبت عنده أن محمداً رسول الله وأن طاعته واجبة عليه واجتهد في طاعته بحسب الإمكان إن قيل أنه يدخل الجنة فقد استغنى عن مسألة الإمامة.
وإن قيل لا يدخل الجنة كان هذا خلاف نصوص القرآن، فإنه سبحانه أوجب الجنة لمن أطاع الله ورسوله في غير موضع كقوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِين وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ َرفِيقاً} (1).
... {وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلُهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَار خَالِدِينَ فِيها وَذَلِكَ الْفَوْز العَظِيم} (2).
وأيضا فصاحب الزمان الذي يدعون إليه، لا سبيل للناس إلى معرفته ولا معرفة ما يأمرهم به، وما ينهاهم عنه، وما يخبرهم به، فإن كان أحد لا يصير سعيدا إلا بطاعة هذا الذي لا يعرف أمرهولا نهيه لزم أن لا يتمكن أحد من طريق النجاة والسعادة وطاعة الله، وهذا من أعظم تكليف ما لا يطاق وهم من أعظم الناس إحالة له.
وإن قيل بل هويأمر بما عليه الإمامية، قيل فلا حاجة إلى وجوده، ولا شهوده، فإن هذا معروف سواء كان هوحيا أوميتا، وسواء كان شاهدا أوغائبا، وإذا كان معرفة ما أمر الله به الخلق ممكنا بدون هذا الإمام المنتظر، علم أنه لا حاجة إليه ولا يتوقف عليه طاعة الله ولا نجاة أحد ولا سعادته، وحينئذ فيمتنع القول بجواز إمامة مثل هذا، فضلا عن القول بوجوب إمامة مثل هذا، وهذا أمر بيّن لمن تدبره.
لكن الرافضة من أجهل الناس، وذلك أن فعل الواجبات العقلية والشرعية إما أن يكون موقوفا على معرفة ما يأمر به، وينهى عنه هذا المنتظر وإما أن لا يكون موقوفا، فإن كان موقوفا لزم تكليف ما لا يطاق، وأن يكون فعل الواجبات وترك المحرمات موقوفا على شرط لا يقدر عليه عامة الناس، بل ولا أحد منهم فإنه ليس في الأرض من يدعي دعوة صادقة أنه رأى هذا المنتظر، أوسمع كلامه.
__________
(1) الآية 69 من سورة النساء.
(2) الآية 13 من سورة النساء.
وإن لم يكن موقوفا على ذلك أمكن فعل الواجبات العقلية والشرعية وترك القبائح العقلية والشرعية بدون هذا المنتظر، فلا يحتاج إليه ولا يجب وجوده ولا شهوده.
وهؤلاء الرافضة علقوا نجاة الخلق وسعادتهم وطاعتهم لله ورسوله بشرط ممتنع لا يقدر عليه الناس، ولا يقدر عليه أحد منهم، وقالوا للناس لا يكون أحد ناجيا من عذاب الله إلا بذلك، ولا يكون سعيدا إلا بذلك، ولا يكون أحد مؤمنا إلا بذلك.
فلزمهم أحد أمرين، إما بطلان قولهم وإما أن يكون الله قد آيس عباده من رحمته وأوجب عذابه لجميع الخلق، المسلمين وغيرهم وعلى هذا التقدير فهم أوّل الأشقياء، المعذبين فإنه ليس لأحد منهم طريق إلى معرفة أمر هذا الإمام، الذي يعتقدون أنه موجود غائب، ولا نهيه ولا خبره، بل عندهم من الأقوال المنقولة عن شيوخ الرافضة ما يذكرون أنه منقول عن الأئمة المتقدمين على هذا المنتظر، وهم لا ينقلون شيئا عن المنتظر وإن قدر أن بعضهم نقل عنه شيئا علم أنه كاذب، وحينئذ فتلك الأقوال إن كانت كافية فلا حاجة إلى المنتظر، وإن لم تكن كافية فقد أقروا بشقائهم وعذابهم، حيث كانت سعادتهم موقوفة على آمر لا يعلمون بماذا أمر.
وقد رأيت طائف من شيوخ الرافضة كابن العود الحلي يقول: إذا اختلفت الإمامية على قولين أحدهما يعرف قائله والآخر لا يعرف قائله، كان القول الذي لا يعرف قائله هوالقول الحق الذي يجب اتباعه لأن المنتظر المعصوم في تلك الطائفة.
وهذا غاية الجهل والضلال، فإنه بتقدير وجود المنتظر المعصوم لا يعلم أنه قال ذلك القول إذ لم ينقله عنه أحد، ولا عن من نقله عنه، فمن أين يجزم بأنه قوله، ولم لا يجوز أن يكون القول الآخر هوقوله وهولغيبته وخوفه من الظالمين لا يمكنه إظهار قوله، كما يدعون ذلك فيه.
وكان أصل دين هؤلاء الرافضة مبنيا على مجهول، ومعدوم، لا على موجود ولا معلوم، يظنون أن إمامهم موجود معصوم، وهومفقود معدوم، ولوكان موجودا معصوما فهم معترفون بأنهم لا يقدرون أن يعرفوا أمره ونهيه، كما كانوا يعرفون أمر آبائه ونهيهم، والمقصود بالإمام إنما هوطاعة أمره، فإذا كان العلم بأمره ممتنعاً كانت طاعته ممتنعة، فكان المقصود به ممتنعاً، وإذا كان المقصود به ممتنعاً لم يكن في إثبات الوسيلة فائدة أصلا، بل كان إثبات الوسيلة التي لا يحصل بها مقصودها من باب السفه والعبث والعذاب القبيح باتفاق أهل الشرع، وباتفاق العقلاء القائلين بتحسين العقول وتقبيحها، بل باتفاق العقلاء مطلقا، فإنهم إذا فسروا القبيح بما يضر كانوا متفقين على أن معرفة الضار يعلم بالعقل.
والإيمان بهذا الإمام الذي ليس فيه منفعة بل مضرة في العقل والنفس والبدن والمال وغير ذلك قبيح شرعا وعقلا، ولهذا كان المتبعون له من أبعد الناس عن مصلحة الدين والدنيا، لا تنتظم لهم مصلحة دينهم ولا دنياهم، إن لم يدخلوا في طاعة غيرهم. كاليهود الذين لا تنتظم لهم مصلحة إلا بالدخول في طاعة من هوخارج عن دينهم.
فهم يوجبون وجود الإمام المنتظر المعصوم، لأن مصلحة الدين والدنيا لا تحصل إلا به عندهم، وهم لم يحصل لهم بهذا المنتظر مصلحة في الدين ولا في الدنيا، والذين كذبوا به لم تفتهم مصلحة في الدين ولا في الدنيا، بل كانوا أقوم بمصالح الدين والدنيا من أتباعه.
فعلم بذلك أن قولهم في الإمامة لا ينال به إلا ما يورث الخزى والندامة، وأنه ليس فيه شيء من الكرامة، وان ذلك إذا كان أعظم مطالب الدين فهم أبعد الناس عن الحق والهدى، في أعظم مطالب الدين، وإن لم يكن أعظم مطالب الدين ظهر بطلان ما ادّعوه من ذلك. فثبت بطلان قولهم على التقديرين، وهوالمطلوب.
فإن قال هؤلاء الرافضة: إيماننا بهذا المنتظر المعصوم مثل إيمان كثير من شيوخ الزهد والدين بالياس والخضر والغوث والقطب، ورجال الغيب، ونحوذلك من الأشخاص الذين لا يعرفون وجودهم، ولا بماذا يأمرون، ولا عن ماذا ينهون، فكيف يسوغ لمن يوافق هؤلاء أن ينكر علينا ما ندعيه؟ قيل الجواب من وجوه:
(أحدها): أن الإيمان بوجود هؤلاء ليس واجبا عند أحد من علماء المسلمين وطوائفهم المعروفين، وإن كان بعض الغلاة يوجب على أصحابه الإيمان بوجود هؤلاء، ويقول إنه لا يكون مؤمنا وليا لله إلا من يؤمن بوجود هؤلاء في هذه الأزمان، كان قوله مردودا، كقول الرافضة
(الوجه الثاني):أن يقال من الناس من يظن أن التصديق بهؤلاء يزداد الرجل به إيمانا وخيرا، وموالاة لله وأن المصدق بوجود هؤلاء أكمل وأشرف وأفضل عند الله ممن لم يصدق بوجود هؤلاء، وهذا القول ليس مثل قول الرافضة من كل وجه، بل هومشابه له من بعض الوجوه، لكونهم جعلوا كمال الدين موقوفا على ذلك.
وحينئذ، فيقال هذا القول أيضاً باطل باتفاق علماء المسلمين وأئمتهم، فإن العلم بالواجبات والمستحبات وفعل الواجبات والمستحبات كلها ليس موقوفا على التصديق بوجود هؤلاء، ومن ظن من أهل النسك والزهد والعامة أن شيئا من الدين واجبا أومستحبا موقوف على التصديق بوجود هؤلاء فهذا جاهل ضال، باتفاق أهل العلم والإيمان العالمين بالكتاب والسنّة، إذ قد علم بالأضرار من دين الإسلام أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يشرع لأمته التصديق بوجود هؤلاء، ولا أصحابه كانوا يجعلون ذلك من الدين، ولا أئمة المسلمين وأيضا.
فجميع هذه الألفاظ لفظ الغوث والقطب والأوتاد والنجباء وغيرها لم ينقل أحد عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بإسناد معروف أنه تكلم بشيء منها، ولا أصحابه، ولكن لفظ الإبدال تكلم به بعض السلف ويروى فيه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حديث ضعيف (1) وقد بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.
شرك بعض الصوفية حتى في الربوبية
(الوجه الثالث): أن يقال القائلون بهذه الأمور، منهم من ينسب إلى أحد هؤلاء ما لا تجوز نسبته إلى أحد من البشر، مثل دعوى بعضهم أن الغوث أوالقطب هوالذي يمد أهل الأرض في هداهم ونصرهم ورزقهم، وأن هذا لا يصل إلى أحد إلا بواسطة نزوله على ذلك الشخص وهذا باطل بإجماع المسلمين، وهومن جنس قول النصارى في الباب وكذلك ما يدعيه بعضهم من أن الواحد من هؤلاء يعلم كل ولى له كان أويكون، اسمه واسم أبيه ومنزلته من الله ونحوذلك من المقالات الباطلة، التي تتضمن أن الواحد من البشر يشارك الله في بعض خصائصه.
مثل أنه بكل شيء عليم، أوعلى كل شيء قدير، ونحوذلك كما يقول بعضهم في النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفي شيوخه: أن علم أحدهم ينطبق على علم الله وقدرته منطبقة على قدرة الله، فيعلم ما يعلمه الله ويقدر ويقدر على ما يقدر الله عليه، فهذه المقالات، وما يشبهها من جنس قول النصارى، والغالية في عليّ، وهي باطلة بإجماع المسلمين.
__________
(1) ورد الحديث في المسند ج2 ص 171 تحقيق أحمد شاكر.
ومنهم من ينسب إلى الواحد من هؤلاء ما تجوز نسبته إلى الأنبياء وصالحي المؤمنين، من الكرامات، كدعوة مجابة ومكاشفات من مكاشفات الصالحين، ونحوذلك فهذا القدر يقع كثيرا من الأشخاص الموجودين المعاينين، ومن نسب ذلك إلى من لا يعرف وجوده، فهؤلاء وإن كانوا مخطئين في نسبة ذلك إلى شخص معدوم فخطؤهم كخطأ من اعتقد أن في البلد الفلاني رجالا من أولياء الله تعالى وليس فيه أحد، أواعتقد في ناس معينين أنهم أولياء الله ولم يكونوا كذلك، ولا ريب أن هذا خطأ وجهل وضلال يقع فيه كثير من الناس، لكن خطأ الإمامية وضلالهم أقبح وأعظم.
لا وجود لإلياس والخضر
(الوجه الرابع):أن يقال الصواب الذي عليه محققوالعلماء أن إلياس والخضر ماتا، وأنه ليس أحد من البشر واسطة بين الله عز سلطانه وبين خلقه في خلقه ورزقه وهداه ونصره، وإنما الرسل وسائط في تبليغ رسالاته، لا سبيل لأحد إلى السعادة إلا بطاعة الرسل.
وأما خلقه وهداه ونصره ورزقه فلا يقدر عليه إلا الله تعالى. فهذا لا يتوقف على حياة الرسل وبقائهم، بل ولا يتوقف نصر الخلق ورزقهم على وجود الرسل أصلا، بل قد يخلق ذلك بما شاء من الأسباب بواسطة الملائكة أوغيرهم، وقد يكون لبعض البشر في ذلك من الأسباب ما هومعروف في البشر.
وأما كون ذلك لا يكون إلا بواسطة من البشر، أوأن أحدا من البشر يتولى ذلك كله ونحوذلك، فهذا كله باطل، وحينئذ فيقال للرافضة إذا احتجوا بضلال الضلال {ولن ينفعكم اليوم إذا ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} (1).
__________
(1) الآية من سورة الزخرف
وأيضا فمن المعلوم أن أشرف مسائل المسلمين وأهم المطالب في الدنيا ينبغي أن يكون ذكرها في كتاب الله تعالى أعظم من غيرها وبيان الرسول لها أولى من بيان غيرها، والقرآن مملوء بذكر توحيد الله تعالى وذكر أسمائه وصفاته، وآياته، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقصص، والأمر والنهي، والحدود، والفرائض، بخلاف الإمامة فكيف يكون القرآن مملوء بغير الأهم الأشرف؟ وأيضا فإن الله تعالى قد علق السعادة بما لا ذكر فيه للإمامة، فقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءَ وَالصَّالِحِين وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا} (1) وقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَناَّت} إلى قوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيها وَلَهُ عَذَابٌ مُهِين} (2).
فقد بين الله في القرآن أن من أطاع الله ورسوله كان سعيدا، في الآخرة ومن عصى الله ورسوله وتعدّى حدوده كان معذباً، وهذا هوالفرق بين السعداء والأشقياء، ولم يذكر الإمامة.
__________
(1) ألاية 69 من سورة النساء.
(2) ألايتان 14،13 من سورة النساء.
فإن قال قائل: أن الإمامة داخلة في طاعة الله ورسوله. قيل نهايتها أن تكون كبعض الواجبات، كالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك، مما يدخل في طاعة الله ورسوله، فكيف تكون هي وحدها أشرف مسائل المسلمين وأهم مطالب الدين؟ فإن قيل لا يمكننا طاعة الرسول إلا بطاعة الإمام، فإنه هوالذي يعرف الشرع. قيل هذا هودعوى المذهب، ولا حجة فيه، ومعلوم أن القرآن لم يدل على هذا كما دل على سائر أصول الدين، وقد تقدم أن هذا الإمام الذي يدعونه لم ينتفع به أحد في ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى أن ما جاء به الرسول لا يحتاج في معرفته إلى أحد من الأئمة.
أصول الدين عند الإمامية
(الوجه الثاني) (1) أن يقال: أصول الدين عند الإمامية أربعة، التوحيد والعدل والنبوة، والإمامة، هي آخر المراتب، والتوحيد والعدل والنبوة قبل ذلك، وهم يدخلون في التوحيد نفي الصفات، والقول بأن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة، ويدخلون في العدل التكذيب بالقدر، وأن الله لا يقدر أن يهدي من يشاء، ولا يقدر أن يضل من يشاء، وأنه قد يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، وغير ذلك، فلا يقولون أنه خالق كل شيء، ولا أنه على كل شيء قدير، ولا أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لكن التوحيد والعدل والنبوة مقدمة على الإمامة، فكيف تكون الإمامة أشرف وأهم؟ وأيضاً فالإمامة إنما أوجبوها لكونها لطفا في الواجبات، فهي واجبة وجوب الوسائل، فكيف تكون الوسيلة أشرف وأهم من المقصود.
تناقض الرافضة في الإمامة بين القول والتطبيق
__________
(1) الوجه الأول ما تقدم في ص 38 على قول الرافضة أن الإمامة أهم أمور الدين.
(الوجه الثالث): أن يقال إن كانت الإمامة أهم مطالب الدين، وأشرف مسائل المسلمين، فأبعد الناس عن هذا الأهم الاشرف هم الرافضة، فإنهم قد قالوا في الإمامة أسخف قول وأفسده في العقل والدين، كما سنبينه إن شاء الله تعالى إذا تكلمنا عن حججهم.
ويكفيك أن مطلوبهم بالإمامة أن يكون لهم رئيس معصوم، يكون لطفا في مصالح دينهم ودنياهم، وليس في الطوائف أبعد عن مصلحة اللطف والإمامة منهم، فإنهم يحتالون على مجهول ومعدوم، لا يرى له عين ولا أثر، ولا يسمح له حس ولا خبر، فلم يحصل لهم من الأمر المقصود بإمامته شيء وأي من فرض إماما نافعا في بعض مصالح الدين والدنيا كان خيرا ممن لا ينتفع به في شيء من مصالح الإمامة.
ولهذا تجدهم لما فاتهم مصلحة الإمامة يدخلون في طاعة كافر أوظالم لينالوا به بعض مقاصدهم، فبينا هم يدعون الناس إلى طاعة إمام معصوم، أصبحوا يرجعون إلى طاعة كفور ظلوم، فهل يكن أبعد عن مقصود الإمامة وعن الخير والكرامة، ممن سلك منهاج الندامة، وفي الجملة فالله تعالى قد علق بولاة الأمور مصالح في الدين والدنيا، سواء كانت الإمامة أهم الأمور أولم تكن، والرافضة أبعد الناس عن حصول هذه المصلحة لهم، فقد فاتهم على قولهم الخير المطلوب من أهم مطالب الدين وأشرف مسائل المسلمين.
ولقد طلب مني بعض أكابر شيوخهم الفضلاء أن يخلوبي وأتكلم معه في ذلك فخلوت به وقررت له ما يقولونه في هذا الباب كقولهم إن الله أمر العباد ونهاهم، فيجب أن يفعل بهم اللطف الذي يكونون عنده أقرب إلى فعل الواجب، وترك القبيح، لأن من دعا شخصاً ليأكل طعاما فإذا كان مراده الأكل فعل ما يعين على ذلك من الأسباب، كتلقيه بالبشر وإجلاسه في مجالس مناسبة وأمثال ذلك.
وإن لم يكن مراده أن يأكل عبس في وجهه وأغلق الباب، ونحوذلك وهذا أخذوه من المعتزلة، ليس هومن أصول شيوخهم القدماء.
ثم قالوا والإمام لطف، لأن الناس إذا كان لهم إمام يأمرهم بالواجب وينهاهم عن القبيح كانوا أقرب إلى فعل المأمور، وترك المحظور، فيجب أن يكون لهم إمام، ولا بد أن يكون معصوما، لانه إذا لم يكن معصوما لم يحصل به المقصود، ولم تدع العصمة لأحد بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلا لعليّ فتعين أن يكون هوإياه، للإجماع على انتقاء ما سواه وبسطت له العبارة في هذه المعانى.
ثم قالوا: وعليّ نص على الحسن، والحسن على الحسين إلى أن انتهت النوبة إلى المنتظر محمد بن الحسن صاحب السرداب الغائب، فاعترف أن هذا تقرير مذهبهم على غاية الكمال، قلت له: فأنا وأنت طالبان للعلم والحق والهدى وهم يقولون من لم يؤمن بالمنتظر فهوكافر، فهذا المنتظر هل رأيته، أورأيت من رآه، أوسمعت بخبره، أوتعرف شيئا من كلامه، الذي قاله هو، أوما أمر به أونهى عنه مأخوذاً عنه كما يؤخذ من الأئمة؟ قال: لا. قلت: فأي فائدة في إيماننا هذا؟ وأي لطف يحصل لنا بهذا؟.
ثم كيف يجوز أن يكلفنا الله تعالى بطاعة شخص ونحن لا نعلم ما يأمرنا به ولا ما ينهانا عنه، ولا طريق لنا إلى معرفة ذلك بوجه من الوجوه، وهم من أشد الناس إنكاراً لتكليف ما لا يطاق، فهل يكون في تكليف ما لا يطاق أبلغ من هذا؟
فقال: إثبات هذا مبني على تلك المقدمات. قلت: لكن المقصود لنا من تلك المقدمات هوما يتعلق بنا نحن، وإلا فما علينا مما مضى إذا لم يتعلق الأمر بنا منه أمر ولا نهى.
وإذا كان كلامنا في تلك المقدمات لا يحصل لنا فائدة ولا لطفا ولا يفيدنا إلا تكليف ما لا يقدر عليه، علم ان الإيمان بهذا المنتظر من باب الجهل والضلال، لا من باب اللطف والمصلحة.
والذي عند الإمامية من النقل عن الأئمة الموتى إن كان حقا يحصل به سعادتهم فلا حاجة بهم إلى المنتظر، وإن كان باطلا فهم أيضا لم ينتفعوا بالمنتظر في رد هذا الباطل، فلم ينتفعوا بالمنتظر لا في إثبات حق ولا في نفي باطل، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، ولم يحصل به لواحد منهم شيء من المصلحة واللطف والمنفعة المطلوبة من الإمامة.
والجهال الذين يعلقون أمورهم بالمجهولات كرجال الغيب والقطب والغوث والخضر ونحوذلك مع جهلهم وضلالهم وكونهم يثبتون ما لم يحصل لهم به مصلحة ولا لطف ولا منفعة لا في الدين ولا في الدنيا، أقل ضلالا من الرافضة، فإن الخضر ينتفع برؤيته وبموعظته، وإن كان غالطا في اعتقاده انه الخضر فقد يرى أحدهم بعض الجنّ فيظنّ أنه الخضر، ولا يخاطبه الجني إلا بما يرى أنه يقبله منه ليربطه على ذلك، فيكون الرجل أتى من نفسه لا من ذلك المخاطب له ومنهم من يقول لكل زمان خضر، ومنهم من يقول لكل وليّ خضر.
وللكفار كاليهود مواضع يقولون أنهم يرون الخضر فيها، وقد يرى الخضر على صور مختلفة، وعلى صورة هائلة، وأمثال ذلك، وذلك لأن هذا الذي يقول أنه الخضر هوجني، بل هوشيطان، يظهر لمن يرى أنه يضله، وفي ذلك حكايات كثيرة يضيق هذا الموضع عن ذكرها، وعلى كل تقدير فأصناف الشيعة أكثر ضلالا من هؤلاء، فإن المنتظر ليس عندهم نقل ثابت عنه، ولا يعتقدون فيمن يرونه أنه المنتظر، ولما دخل السرداب كان عندهم صغيرا لم يبلغ سنّ التمييز، وهم يقبلون من الأكاذيب أضعاف ما يقبله هؤلاء، ويعرضون عن الاقتداء بالكتاب والسنّة أكثر من إعراض هؤلاء، ويقدحون في خيار المسلمين قدحا يعاديهم عليه هؤلاء، فهم أضل عن مصالح الإمامة من جميع طوائف الأمة، فقد فاتهم على قولهم أهم الدين وأشرفه.
لا يحصل بمعرفة الإمام خير إن لم يعمل صالحا
(الوجه الرابع): أن يقال قوله التي يحصل بسبب إدراكها نيل درجة الكرامة، كلام باطل فإن مجرد معرفة إمام وقته وإدراكه بعينه لا يستحق به الكرامة، إن لم يوافق أمره وإلا فليست معرفة إمام الوقت بأعظم من معرفة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن عرف أن محمدا رسول الله فلم يؤمن به ولم يطع أمره لم يحصل له شيء من الكرامة.
ولوآمن بالنبي وعصاه، وضيع الفرائض وتعدّ الحدود كان مستحقا للوعيد عند الإمامية وسائر طوائف المسلمين، فكيف بمن عرف الإمام وهومضيّع للفرائض متعدّ للحدود؟ وكثير من هؤلاء يقول حب عليّ حسنة لا يضر معها سيئة، وإن كانت السيئات لا تضر مع حب عليّ فلا حاجة إلى الإمام المعصوم، الذي هولطف في التكليف، فإنه إذا لم يوجد إنما توجد سيئات ومعاص، فإن كان حب عليّ كافيا فسواء وجد الإمام أولم يوجد ..
ليست الإمامة من واجبات الدين
(الوجه الخامس): قوله وهي أحد أركان الإيمان، المستحق بسببه الخلود في الجنان، فيقال له: من جعل هذا من الإيمان إلا أهل الجهل والبهتان؟ وسنتكلم إن شاء الله تعالى على ما ذكره من ذلك.
والله تعالى وصف المؤمنين وأحوالهم، والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد فسر الإيمان، وذكر شعبه، ولم يذكر الله ولا رسوله الإمامة، في أركان الإيمان ففي الحديث الصحيح حديث جبريل لما أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في صورة أعرابي، وسأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، قال له ((الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، قال والإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره)) (1) ولم يذكر الإمامة.
__________
(1) رواه مسلم ج1 ص36 والبخاري في مواضع. انظر ج1 ص15.
قال والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وهذا الحديث متفق على صحته، متلقى بالقبول، أجمع أهل العلم بالنقل على صحته، وقد أخرجه أصحاب الصحيح من غير وجه، فهومن المتفق عليه من حديث أبي هريرة وفي أفراد مسلم من حديث عمر، وهم وإن كانوا لا يقرون بصحة هذه الأحاديث، فالمصنف قد احتج بأحاديث موضوعة كذب باتفاق أهل المعرفة.
فإما أن يحتج بما يقوم الدليل على صحته نحن وهم، أولا يحتج بشيء من ذلك نحن ولا هم، فإن تركوا الرواية رأسا أمكن أن نترك الراوية.
أما إذا رووا هم فلا بد من معارضة الراوية بالرواية، والاعتماد على ما تقوم به الحجة، ونحن نبين الدلائل الدالة على كذب ما يعرضون به أهل السنّة من الروايات الباطلة، والدلائل الدالة على صحة ما نقله أهل العلم بالحديث وصححوه.
وهب أنّا لا نحتج بالحديث فقد قال الله تعالى: {إ ِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُم إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُون الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونْ أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًا لَهُم دَرَجَاتٍ عِنْدَ رَبِّهِم وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم} (1). فشهد لهؤلاء بالإيمان من غير ذكر للإمامة وقال تعالى: {إِنَّمَا الُمؤْمِنونَ الَّذِينَ آمنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون} (2). فجعلهم صادقين في الإيمان من غير ذكر للإمامة.
__________
(1) الآيات 2 - 4 من سورة الأنفال.
(2) الآية 15 من سورة الحجرات.
وأيضا فنحن نعلم بالاضطرار من دين محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن الناس كانوا إذا أسلموا لم يجعل إيمانهم موقوفا على معرفة الإمامة، ولم يذكر لهم شيئا من ذلك.
وما كان أحد أركان الإيمان لا بد أن يبينه الرسول لأهل الإيمان ليحصل لهم به الإيمان، فإذا علم بالاضطرار أن هذا مما لم يكن الرسول يشترطه في الإيمان، علم أن اشتراطه في الإيمان من أقوال البهتان.
فإن قيل هنا قد دخلت في عموم النص، أوهي من باب لا يتم الواجب إلا به، أودل عليه نص آخر.
قيل هذا كله لوصح لكان غايته أن تكون من بعض فروع الدين، لا تكون من أركان الإيمان، فإن ركن الإيمان ما لا يحصل الإيمان إلا به كالشهادتين، فلا يكون الرجل مؤمنا حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فلوكانت الإمامة ركنا في الإيمان لا يتم إيمان أحد إلا به، لوجب أن يبينه الرسول بيانا عاما قاطعا للعذر كما بين الشهادتين، والإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، فكيف ونحن نعلم بالاضطرار من دينه أن الذين دخلوا في دينه أفواجا لم يشترط على أحد منهم في الإيمان بالإمامة، مطلقا ولا معينا.
(الوجه السادس): قوله قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.
فيقال له أوّلا من روى هذا الحديث بهذا اللفظ، وأين إسناده؟ وكيف يجوز أن يحتج بنقل عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من غير بيان الطريق الذي به يثبت أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قاله، هذا لوكان مجهول الحال عند أهل العلم بالحديث، فكيف وهذا الحديث بهذا اللفظ لا يعرف، إنما الحديث المعروف مثل روى مسلم في صحيحه عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية، فقال اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال إني لم آتك لأجلس أتيتك لأحدثك حديثا سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقوله سمعته يقول ((من خلع يدا من طاعة لقى الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)) (1).
وهذا حديث حدث به عبد الله بن عمر لعبد الله بن مطيع بن الأسود لما خلعوا طاعة أمير وقتهم يزيد، مع إنه كان فيه من الظلم ما كان، ثم أنه اقتتل هووهم وفعل بأهل الحرة أمورا منكرة، فعلم أن هذا الحديث دل على ما دل عليه سائر الأحاديث الآتية، من أنه لا يخرج على ولاة أمور المسلمين بالسيف، فإن لم يكن مطيعا لولاة الأمور مات ميتة جاهلية.
وهذا ضد قول الرافضة، فإنهم أعظم الناس مخالفة لولاة الأمور وأبعد الناس عن طاعتهم إلا كرها، ونحن نطالبهم أولا بصحة النقل ثم بتقدير أن يكون ناقله واحد، فكيف يجوز أن يثبت أصل الإيمان بخبر مثل هذا الذي لا يعرف له ناقل، وإن عرف له ناقل أمكن خطؤه وكذبه، وهل يثبت أصل الإيمان إلا بطريق علمي.
(الوجه السابع): أن يقال إن كان هذا الحديث من كلام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فليس فيه حجة لهذا القائل، فإن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد قال مات ميتة جاهلية.
__________
(1) رواه مسلم ج3 ص 1478.
وهذا الحديث يتناول من قاتل في العصبية، والرافضة رؤوس هؤلاء، ولكن لا يكفر المسلم بالاقتتال في العصبية، كما دل على ذلك الكتاب والسنّة، فكيف يكفر بما دون ذلك.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة (قال. قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات، مات ميتة جاهلية)) (1).وهذا حال الرافضة، فإنهم يخرجون عن الطاعة ويفارقون الجماعة.
وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله (ما عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ((من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإن من خرج من السلطان شبراً، مات ميتة جاهلية)) (2).
وهذه النصوص مع كونها صريحة في حال الرافضة فهي وأمثالها المعروفة عند أهل العلم لا بذلك اللفظ الذي نقله.
(الوجه الثامن): أن هذا الحديث الذي ذكره حجة على الرافضة، لأنهم لا يعرفون إمام زمانهم، فإنهم يدّعون أنه الغائب المنتظر محمد بن الحسن، الذي دخل سرداب سامرّا، سنة ستين ومائتين أونحوهما ولم يعد، بل كان عمره إما سنتين، وإما ثلاثا، وإما خمساً أونحوذلك وله الآن على قولهم أكثر من أربعمائة سنة ولم ير له عين ولا أثر، ولا سمع له حس ولا خبر.
فليس فيهم أحد يعرفه لا بعينه، ولا صفته، لكن يقولون أن هذا الشخص الذي لم يره أحد، ولم يسمع له خبر هوإمام زمانهم، ومعلوم أن هذا ليس هومعرفة بالإمام، ونظير هذا أن يكون لرجل قريب من بني عمه في الدنيا ولا يعرف شيئا من أحواله، فهذا لا يعرف ابن عمه وكذلك المال الملتقط إذا عرف أن له مالكا ولم يعرف عينه لم يكن عارفا لصاحب اللقطة، بل هذا أعرف لأن هذا يمكن ترتيب بعض أحكام الملك والنسب عليه.
__________
(1) انظر مسلم ج3 ص 1476.
(2) انظر البخاري ج9 ص 47 ومسلم ج3 ص 1477.
وأما في المنتظر فلا يعرف له حال ينتفع به في الإمامة، فإن معرفة الإمام التي تخرج الإنسان من الجاهلية، هي المعرفة التي يحصل بها طاعة وجماعة، خلاف ما كان عليه أهل الجاهلية، فإنهم لم يكن لهم إمام يجمعهم، ولا جماعة تعصمهم، والله تعالى بعث محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، وهداهم به إلى الطاعة والجماعة، وهذا المنتظر لا يحصل بمعرفته طاعة ولا جماعة، فلم يعرف معرفة تخرج الإنسان من الجاهلية، بل المنتسبون إليه أعظم الطوائف جاهلية، وأشبههم بالجاهلية، إن لم يدخلوا في طاعة غيرهم إما طاعة كافر أوطاعة مسلم، هوعندهم من الكفار أوالنواصب لم ينتظم لهم مصلحة لكثرة اختلافهم، وافتراقهم وخروجهم عن الطاعة وهذا يبينه.
(الوجه التاسع): وهوأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بطاعة الأئمة الموجودين، المعلومين الذين لهم سلطان يقدرون به على سياسة الناس، لا بطاعة معدوم ولا مجهول، ولا من ليس له سلطان ولا قدرة على شيء أصلا، كما أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالاجتماع والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، ولم يأمر بطاعة الأئمة مطلقا، بل أمر بطاعتهم في طاعة الله دون معصيته، وهذا يبين أن الأئمة الذين أمر بطاعتهم في طاعة الله ليسوا معصومين.
فإن قال أنا أردت بقولي أنها أهم المطالب في الدين وأشرف مسائل المسلمين التي تنازعت الأمة فيها بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهذه هي مسألة الإمامة. قيل له فلا لفظ فصيح، ولا معنى صحيح فإن ما ذكرته لا يدل على هذا المعنى، بل مفهوم اللفظ ومقتضاه أنها أهم المطالب في الدين مطلقا، وأشرف مسائل المسلمين مطلقا.
وبتقدير أن يكون هذا مرادك، فهومعنى باطل، فإن المسلمين تنازعوا بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، في مسائل أشرف من هذه.
وبتقدير أن تكون هي الأشرف، فالذي ذكرته فيها أبطل المذاهب، وأفسد الطالب، وذلك أن النزاع في الإمامة لم يظهر إلا في خلافة علي.
وأما على عهد الخلفاء الثلاثة فلم يظهر نزاع، إلا ما جرى يوم السقيفة، وما انفصلوا حتى اتفقوا، ومثل هذا لا يعد نزاعا، ولوقدّر أن النزاع فيها كان عقب موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فليس كل ما تنوزع فيه عقب موته صلى الله تعالى عليه وسلم يكون أشرف مما تنوزع فيه بعد موته بدهر طويل.
وإذا كان كذلك فمعلوم أن مسائل التوحيد والصفات، والإثبات والتنزيه، والقدر، والتعديل، والتجويز والتحسين والتقبيح، أهم وأشرف من مسائل الإمامة، ومسائل الأسماء والأحكام والوعد والوعيد، والشفاعة والتخليد، أهم من مسائل الإمامة.
فإن كانت أهم مسائل الدين وهم لم ينتفعوا بالمقصود منها، فقد فاتهم من الدين أهمه وأشرفه، وحينئذ فلا ينتفعون بما حصل لهم من التوحيد، والعدل لأنه يكون ناقصا بالنسبة إلى مقصود الإمامة، فيستحقون العذاب.
كيف وهم يسلمون أن مقصود الإمامة في الفروع الشرعية، وأما الأصول العقلية فلا يحتاج فيها إلى الإمام، وتلك هي أهم وأشرف، ثم بعد هذا كله فقولكم في الإمامة من أبعد الأقوال عن الصواب، ولولم يكن فيه إلا أنكم أوجبتم الإمامة، لما فيها من مصلحة الخلق، في دينهم ودنياهم، وإمامكم صاحب الوقت، لم يحصل لكم من جهته مصلحة، لا في الدين ولا في الدنيا.
فأي سعى أضل من سعى من يتعب التعب الطويل، ويكثر القال والقيل، ويفارق جماعة المسلمين، ويلعن السابقين والتابعين، ويعاون الكفار والمنافقين، ويحتال بأنواع الحيل، ويسلك ما أمكنه من السبل ويعتض بشهود الزور، ويدلى أتباعه بحبل الغرور، ويفعل ما يطول وصفه، ومقصوده بذلك أن يكون له إمام يدله على أمر الله ونهيه، ويعرّفه ما يقربه إلى الله تعالى، ثم إنه لما علم اسم ذلك الإمام ونسبه لم يظفر بشيء من مطلوبه، ولا وصل إليه شيء من تعليمه وإرشاده، ولا أمره ولا نهيه، ولا حصل له من جهته منفعة، ولا مصلحة أصلا، إلا إذهاب نفسه وماله، وقطع الأسفار وطول الانتظار بالليل والنهار، ومعاداة الجمهور، لداخل في سرداب، ليس له عمل ولا خطاب.
ولوكان موجودا بيقين لما حصل به منفعة لهؤلاء المساكين، فكيف وعقلاء الناس يعلمون أن ليس معهم إلا الإفلاس، وأن الحسن بن علي العسكري لم ينسل ولم يعقب، كما ذكر ذلك محمد بن جرير الطبري، وعبد الباقي بن قانع، وغيرهما من أهل العلم بالنسب.
وهم يقولون أنه دخل في السرداب بعد موت أبيه، وعمره إما سنتان وإما ثلاث وإما خمس، وإما نحوذلك، ومثل هذا بنص القرآن يتيم، يجب أن يحفظ له ماله حتى يؤنس منه الرشد، ويحضنه من يستحق حضانته من قرابته، فإذا صار له سبع سنين أمر بالطهارة والصلاة.
فمن لا توضأ ولا صلى، وهوتحت حجر وليه في نفسه وماله بنص القرآن لوكان موجودا يشهده العيان، فما جاز أن يكون هوإمام أهل الإيمان، فكيف إذا كان معدوما أومفقودا مع طول هذه الغيبة.
والمرأة إذا غاب وليها زوّجها الحاكم أوالولي الحاضر، لئلا تفوت مصلحة الإمامة مع طول هذه المدة، مع هذا الإمام المفقود.
(فصل)
قال الرافضي: لما بعث الله محمداً صلى الله تعالى عليه وسلم قام بثقل الرسالة، ونص على أن الخليفة بعده علي بن أبي طالب عليه السلام، ثم من بعده على ولده الحسن الزكي، ثم على ولده الحسين الشهيد، ثم على علي بن الحسين زين العابدين، ثم على محمد بن علي الباقر، ثم على جعفر بن محمد الصادق، ثم على موسى بن جعفر الكاظم، ثم على عليّ بن موسى الرضا، ثم على محمد بن علي الجواد، ثم على علي بن محمد الهادي، ثم على الحسن بن علي العسكري، ثم على الخلف الحجة محمد بن الحسن المهدي، عليهم الصلاة والسلام وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يمت إلا عن وصية بالإمامة، وقال: وأهل السنّة ذهبوا إلى خلاف ذلك كله.
(فصل)
وأما قوله عن أهل السنّة أنهم يقولون إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم ينص على إمامة أحد، وأنه مات عن غير وصية.
فالجواب أن يقال ليس هذا قول جميعهم، بل قد ذهبت طوائف من أهل السنّة إلى أن إمامة أبي بكر ثبتت بالنص، والنزاع في ذلك معروف في مذهب أحمد وغيره، من الأئمة.
وقد ذكر القاضي أبويعلى وغيره في ذلك روايتين عن الإمام أحمد إحداهما أنها ثبتت بالأخبار قال وبهذا قال جماعة من أهل الحديث والمعتزلة والأشعرية وهذا اختيار القاضي أبي يعلى وغيره.
والثانية أنها ثبتت بالنص الخفي، والإشارة قال وبهذا قال الحسن البصري، وجماعة من أهل الحديث، وبكر ابن أخت عبد الواحد، والبيهسية من الخوارج.
قال شيخه أبوعبد الله بن حامد: فأما الدليل على استحقاق أبي بكر الخلافة دون غيره من أهل البيت، والصحابة فمن كتاب الله وسنّة نبيه، قال وقد اختلف أصحابنا في الخلافة هل أخذت من حيث النص أوالاستدلال، فذهب طائفة من أصحابنا إلى أن ذلك بالنص، وأنه صلى الله تعالى عليه وسلم ذكر ذلك نصا، وقطع البيان على عينه حتما، ومن أصحابنا من قال أن ذلك بالاستدلال الجلى.
قال ابن حامد والدليل على إثبات ذلك بالنص، أخبار من ذلك ما أسنده البخاري، عن جير بن مطعم قال: ((أتت امرأة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه، قالت أرأيت إن جئت فلم أجدك، كأنها تريد الموت، قال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر)) (1) وذكر له سياقا آخر وأحاديث أُخر. قال وذلك نص على إمامته.
قال وحديث سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، عن حذيفة ابن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)) (2).
وأسند البخاري، عن أبي هريرة، قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. قال: ((بيّنا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع منها ذنوبا أوذنوبين وفي نزعه ضعف ولله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربا فأخذها عمر بن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن)) (3) قال: وذلك نص في الإمامة.
قال: ويدل عليه ما أخبرنا أبوبكر بن مالك، وروى عن مسند أحمد، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوما: ((أيكم رأى رؤيا فقلت: أنا رأيت يا رسول الله كأن ميزانا دلي من السماء، فوزنت بأبي بكر فرجحت بأبي بكر، ثم وزن أبوبكر بعمر فرجح، أبوبكر بعمر ثم وزن عمر بعثمان فرجح عمر بعثمان ثم رفع الميزان، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ((خلافة نبوه، ثم يؤتي الله الملك لمن يشاء)) (4).
__________
(1) البخاري ج5 ص5 ومواضع أخر، ومسلم ج4 ص 1856.
(2) رواه أحمد ج5 ص 382، والترمذي ج5 ص 271.
(3) البخاري ج5 ص6 ومواضع أُخر ومسلم ج4 ص 186..
(4) أبوداود ج4 ص 289، والترمذي ج3 ص 368.
قال وأسند أبوداود عن جابر الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((رأى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر))، قال جابر فلما قمنا من عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. قلنا أما الصالح فرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأما نوط بعضهم ببعض، فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه.
قال: ومن ذلك حديث صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة -رضي الله عنها -، قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. اليوم الذي بدئ فيه، فقال ((ادعي لي أباك وأخاك، حتى أكتب لأبي لكر كتابا، ثم قال يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، وفي لفظ فلا يطمع في هذا الأمر طامع)) (1).
وهذا الحديث في الصحيحين ورواه من طريق أبي داود الطيالسي، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: لما ثقل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ((ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر لأكتب لأبي بكر كتابا، لا يختلف عليه ثم قال معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر))، وذكر أحاديث تقديمه في الصلاة، وأحاديث أُخر لم أذكرها لكونها ليست مما يثبته أهل الحديث.
وقال أبومحمد بن حزم في كتابه الملل والنحل: اختلف الناس في الإمامة بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالت طائفة: إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يستخلف أحدا، ثم اختلفوا فقال بعضهم: لكن لما استخلف أبا بكر على الصلاة كان ذلك دليلا على أنه أولاهم بالإمامة والخلافة على الأمر، وقال بعضهم: لا ولكن كان أثبتهم فضلا، فقدموه لذلك، وقالت طائفة: بل نص رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على استخلاف أبي بكر بعده، على أمور الناس نصا جليا.
__________
(1) انظر البخاري ج7 ص119 ومسلم ج4 ص1857.
قال أبومحمد وبهذا نقول: لبراهين أحدها أطباق الناس كلهم، وهم الذين قال الله فيهم: {ِللفقراءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالَهُم َيبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُم
الصَّادِقُون} (1).
فقد اتفق هؤلاء الذين شهد الله لهم بالصدق، وجميع إخوانهم من الأنصار (م، على أن سموه خليفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
ومعنى الخليفة في اللغة هوالذي يستخلفه المرء، لا الذي يخلفه دون أن يستخلفه هو، لا يجوز غير هذا البتة في اللغة بلا خلاف، يقال: استخلف فلان فلانا يستخلفه فهوخليفته ومستخلفه، فإن قام مكانه دون أن يستخلفه لم يقل إلا خلف فلان فلانا يخلفه فهوخالف.
قال: ومحال أن يعنوا بذلك الاستخلاف على الصلاة، لوجهين ضروريين.
(أحدهما): أنه لم يستحق أبوبكر قط هذا الاسم على الإطلاق في حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهوحينئذ خليفته على الصلاة فصح يقينا أن خلافته المسمى بها هي غير خلافته على الصلاة.
(والثاني):أن كل من استخلفه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في حياته، كعليّ في غزوة تبوك، وابن أم مكتوم في غزوة الخندق، وعثمان بن عفان في غزوة ذات الرقاع، وسائر من استخلفه على البلاد باليمن، والبحرين، والطائف، وغيرها، لم يستحق أحد منهم بلا خلاف بين أحد من الأئمة أن يسمى خليفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم -، فصح يقينا بالضرورة التي لا محيد عنها أنها الخلافة بعده، على أمته.
__________
(1) الآية 8 من الحشر.
ومن المحال أن يجمعوا على ذلك، وهولم يستخلفه نصا، ولولم يكن هاهنا إلا استخلافه في الصلاة، لم يكن أبوبكر أولى بهذا الاسم من سائر من ذكرناه، قال: وأيضا فإن الرواية قد صحت. أن امرأة قالت: يا رسول الله: أرأيت إن رجعت فلم أجدك، كأنها تعني الموت؟ قال: ((فأتي أبا بكر)) (1) قال: وهذا نص جلى على استخلاف أبي بكر.
قال: وأيضا فإن الخبر قد جاء من الطرق الثابتة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لعائشة في مرضه الذي توفي فيه: ((لقد هممت أن أبعث إلى أبيك وأخيك وأكتب كتابا وأعهد عهدا لكيلا يقول قائل: أنا أحق أويتمنى متمنى، ويأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر)) (2).
وروى أيضا - ويأبى الله والنبيون إلا أبا بكر - قال: فهذا نص جلى على استخلافه صلى الله تعالى عليه وسلم - أبا بكر على ولاية الأمة بعده.
قال: واحتج من قال لم يستخلف بالخبر المأثور عن عبد الله بن عمر، عن عمر، أنه قال إن استخلف فقد استخلف من هوخير مني يعني أبا بكر، وإلا استخلف فلم يستخلف من هوخير مني، يعني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (3).وبما روى عن عائشة (ا، أنها سئلت: من كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مستخلفا لواستخلف؟ (4)
__________
(1) تقدم تخريجه قريبا.
(2) تقدم قريبا.
(3) البخاري ج9 ص 83 ومسلم ج3 ص 1454.
(4) مسلم ج 4 ص 1856.
قال: ومن المحال أن يعارض إجماع الصحابة الذي ذكرنا عنهم، والأثران الصحيحان المسندان إلى رسول الله صلى تعالى الله عليه وسلم، من لفظه بمثل هذين الأثرين الموقوفين على عمر وعائشة، مما لا تقوم به حجة ظاهرة. مع أن هذا الأثر خفى على عمر، كما خفى عليه كثير من أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، كالاستئذان وغيره، وأنه أراد استخلافا بعهد مكتوب، ونحن نقر أن استخلافه لم يكن بعهد مكتوب، وأما الخبر في ذلك عن عائشة (ا فكذلك أيضا، وقد يخرج كلاهما عن سؤال سائل. وإنما الحجة في روايتهما لا في قولهما.
(قلت):الكلام في تثبيت خلافة أبي بكر وغيره مبسوط في غير هذا الموضع، وإنما المقصود هنا البيان لكلام الناس في خلافته، هل حصل عليها نص خفى أوجلى، وهل تثبت بذلك أوبالاختيار، من أهل الحل والعقد فقد تبين أن كثيراً من السلف والخلف قالوا فيها بالنص الجلى، أوالخفى، وحينئذ فقد بطل قدح الرافضي في أهل السنة بقوله: انهم يقولون ان النبي (لم ينص إلى إمامة أحد، وانه مات عن غير وصية.
وكذلك ان هذا القول لم يقله جميعهم، فان كان حقا فقد قاله بعضهم، وان كان الحق هونقيضه فقد قال بعضهم ذلك، فعلى التقديرين لم يخرج الحق عن أهل السنّة، أيضا فلوقدر أن القول بالنص هوالحق لم يكن في ذلك حجة للشيعة فإن الرواندية تقول بالنص على العباس كما قالوا هم بالنص على علي.
قال القاضي أبويعلى وغيره،: واختلفت الرواندية فذهب جماعة منهم إلى أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نص على العباس بعينه واسمه وأعلن ذلك وكشف وصرح به، وأن الأمة جحدت هذا النص وارتدت. وخالفت أمر الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم عنادا، ومنهم من قال: إن النص على العباس وولده من بعده إلى أن تقوم الساعة، يعني هونص خفي. فهذان قولان للرواندية، كالقولين للشيعة، فإن الإمامية تقول: أنه نص علي بن أبي طالب من طريق التصريح والتسمية، بأن هذا هوالإمام من بعدي. فاسمعوا له وأطيعوا، والزيدية تخالفهم في هذا.
ثم من الزيدية من يقول: إنما نص عليه بقوله: من كنت مولاه فعليّ مولاه، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، وأمثال ذلك من النص الخفي الذي يحتاج إلى تأمل لمعناه، وحكي عن الجارودية من الزيدية: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نص على عليّ بصفة لم توجد إلا فيه، لا من جهة التسمية، فدعوى الرواندية في النص من جنس دعوى الرافضة، وقد ذكر في الإمامية أقوال أخرى.
والمقصود هنا أن أقوال الرافضة معارضة بنظيرها، فإن دعواهم النص على عليّ كدعوى أولئك النص على العباس، وكلا القولين مما يعلم فساده بالاضطرار، ولم يقل أحد من أهل العلم شيئاً من هذين القولين، وإنما ابتدعهما أهل الكذب كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه، ولهذا لم يكن أهل الدين من ولد العباس وعلي يدّعون هذا، ولا هذا بخلاف النص على أبي بكر فإن القائلين به طائفة من أهل العلم.
والمقصود هنا أن كثيراً من أهل السنّة يقولون: أن خلافته تثبت بالنص، وهم يسندون ذلك إلى أحاديث معروفة صحيحة، ولا ريب أن قول هؤلاء أوجه من قول من يقول أن خلافة علي أوالعباس ثبتت بالنص.
فإن هؤلاء ليس معهم إلا مجرد الكذب والبهتان الذي يعلم بطلانه بالضرورة كل من كان عارفاً بأحوال الإسلام، أواستدلال بألفاظ لا تدل على ذلك، كحديث استخلافه في غزوة تبوك، ونحوه مما سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى.
فيقال لهذا: إن وجب أن يكون الخليفة منصوصا عليه، كان القول بهذا النص أولى من القول بذلك، وإن لم يجب هذا بطل ذاك. والتحقيق أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم دل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه، بأمور متعددة من أقواله وأفعاله، وأخبر بخلافته أخبار راض بذلك حامدا له وعزم على أن يكتب بذلك عهدا، ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك.
ثم عزم على ذلك في مرضه يوم الخميس، ثم لما حصل لبعضهم شك هل ذلك القول من جهة المرض، أوهوقول يجب اتباعه، فترك الكتابة اكتفاء بما علم أن الله يختاره والمؤمنون من خلافة أبي بكر (، فلوكان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيانا قاطعا للعذر، لكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر هوالمتعين وفهموا ذلك حصل المقصود.
ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: ((وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر)) رواه البخاري ومسلم (1) وفي الصحيحين أيضا عنه أنه قال يوم السقيفة بمحضر من المهاجرين والأنصار: ((أنت خيرنا وسيدنا، وأحبنا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم)) (2) - ولم ينكر ذلك منهم منكر، ولا قال أحد من الصحابة أن غير أبي بكر من المهاجرين أحق بالخلافة منه، ولم ينازع أحد في خلافته، إلا بعض الأنصار طمعا في أن يكون من الأنصار أمير ومن المهاجرين أمير، وهذا مما ثبت بالنصوص المتواترة عنه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بطلانه.
__________
(1) انظر البخاري ج8 ص 169 ومواضع أُخر ومسلم ج3 ص 1317.
(2) البخارى ج 5 ص7.
ثم الأنصار جميعهم بايعوا أبا بكر إلا سعد بن عبادة لكونه هوالذي كان يطلب الولاية، ولم يقل قط أحد من الصحابة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نص على غير أبي بكر لا على العباس ولا على علي، ولا غيرهما، ولا ادعى العباس ولا علي -ولا أحد ممن يحبهما -الخلافة لواحدٍ منهما، ولا أنه منصوص عليه، بل ولا قال أحد من الصحابة أن في قريش من هوأحق بها من أبي بكر، لا من بني هاشم ولا من غير بني هاشم، وهذا كله مما يعلمه العلماء العالمون بالآثار والسنن والحديث، وهومعلوم عندهم بالاضطرار.
فخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها، وثبوتها ورضا الله ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم له بها، وانعقدت بمبايعة المسلمين له، واختيارهم إياه، اختياراً أسندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله، وأنه أحقهم بهذا الأمر عند الله ورسوله.
فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعا لكن النص دل على رضا الله ورسوله بها وأنها حق وأن الله أمر بها وقدرها وأن المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها لأنه حينئذ كان يكون طريق ثبوتها مجرد العهد.
وأما إذا كان المسلمون قد اختاروه من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم فيما فعلوه، ورضا الله ورسوله بذلك، كان ذلك دليلا على أن الصديق كان فيه من الفضائل التي بان بها عن غيره ما علم المسلمون به أنه أحقهم بالخلافة، فإن ذلك لا يحتاج فيه إلى عهد خاص، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. لما أراد أن يكتب لأبي بكر فقال لعائشة: ((ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمنى، ويقول قائل أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)) (1) أخرجاه في الصحيحين وفي البخاري: ((لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه، وأعهد أن يقول القائلون، أويتمنى المتمنون، ويدفع الله ويأبى المؤمنون)) (2) فبين صلى الله تعالى عليه وسلم أنه يريد ان يكتب كتابا خوفا ثم علم أن الأمر واضح ظاهر، ليس مما يقبل النزاع فيه، والأمة حديثة عهد بنبيها، وهم خير أمة أخرجت للناس، وأفضل قرون هذه الأمة فلا يتنازعون في هذا الأمر الواضح الجلي.
فإن النزاع إنما يكون لخفاء العلم، أولسوء القصد وكلا الأمرين منتف، فإن العلم بفضيلة أبي بكر جلى، وسوء القصد لا يقع من جمهور الأمة الذين هم أفضل القرون، ولهذا قال يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، فترك ذلك لعلمه بأن ظهور فضيلة أبى بكر الصديق واستخلافه لهذا الأمر يغني عن العهد، فلا يحتاج إليه، فتركه لعدم الحاجة وظهور فضيلة الصديق، واستحقاقه وهذا أبلغ من العهد.
(فصل)
__________
(1) تقدم تخريجه ص 64.
(2) تقدم أيضا ص 63.
وأما قول الرافضي: إنهم يقولون الإمام بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم -أبوبكر بمبايعة عمر، برضا أربعة، فيقال له ليس هذا قول أئمة السنّة، وإن كان بعض أهل الكلام يقول أن الإمامة تنعقد ببيعة أربعة، كما قال بعضهم: تنعقد ببيعة اثنين، وقال بعضهم: تنعقد ببيعة واحد، فليس هذه أقوال أئمة السنّة، بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إماما حتى يوافقه، أهل الشوكة الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فإن المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان، صار إماما، ولهذا قال أئمة السنّة من صار له قدرة وسلطان، يفعل بهما مقصود الولاية فهومن أولي الأمر، الذين أمر الله بطاعتهم، ما لم يأمروا بمعصبة الله، فالإمامة ملك وسلطان، والملك لا يصير ملكا بموافقة واحد ولا اثنين، ولا أربعة، إلا أن تكون موافقة غيرهم بحيث يصير ملكا بذلك، وهكذا كل أمر يفتقر إلى المعاونة عليه، لا يحصل إلا بحصول من يمكنهم التعاون عليه، ولهذا لما بويع علي (وصار معه شوكة صار إماما.
وأما قوله: ثم عثمان بن عفان بنص عمر على ستة هوأحدهم فاختاره بعضهم، فيقال أيضا عثمان لم يصر إماما باختيار بعضهم بل بمبايعة الناس له، وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان لم يتخلف عن بيعته أحد.
قال الإمام أحمد في رواية حمدان بن علي: ما كان في القوم اوكد من بيعة عثمان كانت بإجماعهم.
فلما بايعه ذووالشوكة والقدرة صار إماما، وإلا لوقدر أن عبد الرحمن بايعه ولم يبايعه غيره علي ولا غيره من الصحابة أهل الشوكة لم يصر إماما.
ولكن عمر لما جعلها شورى في ستة: عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف ثم أنه خرج طلحة والزبير وسعد باختيارهم وبقي عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف، واتفق الثلاثة باختيارهم على أن عبد الرحمن بن عوف لا يتولى ويولى أحد الرجلين.
وأقام عبد الرحمن ثلاثا حلف أنه لم يغتمض فيها بكبير نوم، يشاور السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان، ويشاور أمراء الأمصار وكانوا قد حجوا مع عمر ذلك العام، فأشار عليه المسلمون بولاية عثمان.
وذكرهم أنهم كلهم قدموا عثمان فبايعوه، لا عن رغبة أعطاهم إياها ولا عن رهبة أخافهم بها، ولهذا قال غير واحد من السلف والأئمة كأيوب السختياني وأحمد بن حنبل والدارقطني وغيرهم: من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وهذا من الأدلة الدالة على ان عثمان أفضل لأنهم قدموه باختيارهم، واشتوارهم.
وأما قوله: ثم علي بمبايعة الخلق له فتخصيصه عليّا بمبايعة الخلق دون أبي بكر وعمر وعثمان كلام ظاهر البطلان، وذلك أنه من المعلوم لكل من عرف سيرة القوم، أن اتفاق الخلق ومبايعتهم لأبي بكر وعمر وعثمان أعظم من اتفاقهم على بيعة علي (وعنهم أجمعين وكل أحد يعلم أنهم اتفقوا على بيعة عثمان أعظم من اتفاقهم على بيعة علي والذين بايعوا عثمان في أول الأمر أفضل من الذين بايعوا عليّا، فإنه بايعه علي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود والعباس بن عبد المطلب وأبي بن كعب وأمثالهم مع سكينة وطمأنينة، وبعد مشاورة المسلمين ثلاثة أيام، وأما علي (فإنه بويع عقب قتل عثمان (، والقلوب مضطربة، مختلفة وأكابر الصحابة متفرقون وأحضر طلحة إحضاراً حتى قال من قال أنهم جاءوا به مكرها، وأنه قال بايعت واللج على قفىّ وكان لأهل الفتنة بالمدينة شوكة لما قتلوا عثمان، وماج الناس لقتله موجا عظيما، وكثير من الصحابة لم يبايع عليّا كعبد الله بن عمر وأمثاله، وكان الناس معه ثلاثة أصناف، صنف قاتلوا معه، وصنف قاتلوه، وصنف لم يقاتلوه ولم يقاتلوا معه، فكيف يجوز أن يقال في علي بمبايعة الخلق له، ولا يقال مثل ذلك في مبايعة الثلاثة ولم يختلف عليهم أحد لما بايعهم الناس، كلهم لا سيما عثمان.
وأما أبوبكر (فتخلف عن بيعته سعد لأنهم كانوا قد عينوه للإمارة، فبقي في نفسه ما يبقى في نفوس البشر، ولكن هومع هذا (لم يعارض، ولم يدفع حقا، ولا أعان على باطل.
بل قد روى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في مسند الصديق عن عثمان، عن أبي معاوية عن داود بن عبد الله الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن هوالحميري فذكر حديث السقيفة وفيه: أن الصديق قال: ((ولقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال وأنت قاعد قريش ولاة هذا الأمر فبرّ الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم، قال، فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء)) (1).
فهذا مرسل حسن ولعل حميدا أخذه عن بعض الصحابة الذين شهدوا بذلك، وفيه فائدة جليلة جدا وهي أن سعد بن عبادة نزل عن مقامه الأول، في دعوى الإمارة، وأذعن للصديق بالإمارة فرضي الله عنهم أجمعين.
فإن قال: أردت أن أهل السنّة يقولون أن خلافته انعقدت بمبايعة الخلق له، لا بالنص فلا ريب أن أهل السنّة وإن كانوا يقولون: إن النص على أن علياً من الخلفاء الراشدين لقوله خلافة النبوة ثلاثون سنة، فهم يروون النصوص الكثيرة، في صحة خلافة غيره وهذا أمر معلوم عند أهل الحديث يروون، في صحة خلافة الثلاثة نصوصا كثيرة بخلاف خلافة علي، فإن نصوصها قليلة.
فإن الثلاثة اجتمعت الأمة عليهم، فحصل بهم مقصود الإمامة، وقوتل بهم الكفار وفتحت بهم الأمصار، وخلافة علي لم يقاتل فيها كافر. ولا فتح مصر وإنما كان السيف بين أهل القبلة.
وأما النص الذي تدعيه الرافضة فهوكالنص الذي تدعيه الرواندية، على العباس وكلاهما معلوم الفساد بالضرورة عند أهل العلم، ولولم يكن في إثبات خلافة علي إلا هذا لم تثبت له إمامة قط، كما لم تثبت للعباس إمامة بنظيره.
وأما قوله: ثم اختلفوا فقال بعضهم: أن الإمام بعده الحسن، وبعضهم قال أنه معاوية، فيقال أهل السنّة لم يتنازعوا في هذا بل هم يعلمون أن الحسن بايعه أهل العراق مكان أبيه، وأهل الشام كانوا مع معاوية قبل ذلك.
__________
(1) المسند ج1 ص 164 تحقيق أحمد شاكر.
وقوله: ثم ساقوا الإمامة في بني أمية ثم في بني العباس. فيقال: أهل السنة لا يقولون أن الواحد من هؤلاء كان هوالذي يجب أن يولى دون من سواه، ولا يقولون أنه تجب طاعته في كل ما يأمر.
بل أهل السنة يخبرون بالواقع، ويأمرون بالواجب، فيشهدون بما وقع، ويأمرون بما أمر الله ورسوله، فيقولون هؤلاء هم الذين تولوا، وكان لهم سلطان وقدرة،، يقدرون بها على مقاصد الولاية، من إقامة الحدود، وقسم الأموال، وتولية الولاية، وجهاد العدوّ، وإقامة الحج والأعياد، والجمع وغير ذلك من مقاصد الولاية.
ويقولون: إن الواحد من هؤلاء ونوابهم وغيرهم لا يجوز أن يطاع في معصية الله تعالى - بل يشارك فيما يفعله من طاعة الله، فيغزى معه الكفار، ويصلى معه الجمعة، والعيدان ويحج معه، ويعاون في إقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمثال ذلك.
فيعاونون على البر والتقوى ولا يعاونون على الإثم والعدوان.
ويقولون: أنه قد تولى غير هؤلاء بالمغرب من بني أمية، ومن بني علي.
ومن المعلوم أن الناس لا يصلحون إلا بولاة، وأنه لوتولى من هودون هؤلاء من الملوك الظلمة لكان ذلك خيرا من عدمهم.
كما يقال ستون سنة مع إمام جائر خير من ليلة واحدة بلا إمام، ويروى عن علي (أنه قال: ((لا بد للناس من إمارة، برة كانت أوفاجرة، قيل له هذه البرة قد عرفناها فما بال الفاجرة؟ قال: يؤمن بها السبيل، ويقام بها الحدود، ويجاهد بها العدوّ، ويقسم بها الفيء)) ذكره علي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية.
وكل من تولى كان خيرا من المعدوم المنتظر، الذي تقول الرافضة أنه الخلف الحجة، فإن هذا لم يحصل بإمامته شيء من المصلحة، لا في الدنيا ولا في الدين أصلا، ولا فائدة في إمامته، إلا الاعتقادات الفاسدة، والأماني الكاذبة، والفتن بين الأمة وانتظار من لا يجيء فتطوى الأعمار ولم يحصل من فائدة هذه الإمامة شيء.
والناس لا يمكنهم بقاء أيام قليلة بلا ولاة أمور، بل كانت أمورهم تفسد، فكيف تصلح أمورهم إذا لم يكن لهم إمام إلا من لا يعرف، ولا يدري ما يقول، ولا يقدر على شيء من أمور الإمامة، بل هومعدوم.
وأما آباؤه فلم يكن لهم قدرة وسلطان الإمامة، بل كان لأهل العلم والدين منهم إمامة أمثالهم من جنس الحديث، والفتيا ونحوذلك، لم يكن لهم سلطان لشوكة، فكانوا عاجزين عن الإمامة، سواء كانوا أولى بالولاية أولم يكونوا أولى.
فبكل حال ما مكنوا ولا ولوا، ولا كان يحصل بهم المطلوب، من الولاية لعدم القدرة والسلطان، ولوأطاعهم المؤمن لم يحصل له بطاعتهم المصالح التي تحصل بطاعة الأئمة من جهاد الأعداء، وإيصال الحقوق إلى مستحقيها، أوبعضهم وإقامة الحدود.
فإن قال القائل: إن الواحد من هؤلاء أومن غيرهم إمام أي ذوسلطان وقدرة، يحصل بهما مقاصد الإمامة، كان هذا مكابر للحس.
ولوكان ذلك كذلك لم يكن هناك متول يزاحمهم، ولا يستبد الأمر دونهم، وهذا لا يقوله أحد. وإن قال أنهم أئمة بمعنى أنهم هم الذين يجب أن يولوا، وأن الناس عصوا بترك توليتهم.
فهذا بمنزلة أن يقال فلان كان يستحق أن يولى القضاء، ولكن لم يول ظلما وعدوانا.
ومن المعلوم أن أهل السنّة لا ينازعون في أنه كان بعض أهل الشوكة بعد الخلفاء الأربعة، يولون شخصا وغيره أولى بالولاية منه، وقد كان عمر بن عبد العزيز يختار أن يولى القاسم بن محمد بعده لكنه لم يطق ذلك، لأن أهل الشوكة لم يكونوا موافقين على ذلك. وحينئذ فأهل الشوكة الذين قدّموا المرجوح وتركوا الراجح، والذي تولى بقوّته وقوة أتباعه ظلما وبغيا، فيكون إثم هذه الولاية على من ترك الواجب مع قدرته على فعله، أوأعان على الظلم.
وأما من لم يظلم ولا أعان ظالما وإنما أعان على البر والتقوى فليس عليه من هذا شيء. ومعلوم أن صالحي المؤمنين لا يعاونون الولاة إلا على البر والتقوى، لا يعاونونهم على الإثم والعدوان.
وأهل السنّة يقولون ينبغي أن يولى الاصلح للولاية، إذا أمكن إما وجوبا عند أكثرهم، وإما استحبابا عند بعضهم، وإن من عدل عن الأصلح مع قدرته لهواه فهوظالم، ومن كان عاجزا عن تولية الأصلح مع محبته لذلك فهومعذور.
ويقولون: من تولى فإنه يستعان به على طاعة الله بحسب الإمكان، ولا يعان إلا على طاعة الله، ولا يستعان به على معصية الله، ولا يعان على معصية الله تعالى.
أفليس قول أهل السنّة في الإمامة خيرا من قول من يأمر بطاعة معدوم، أوعاجز لا يمكنه الإعانة المطلوبة من الأئمة، ولهذا كانت الرافضة لما عدلت عن مذهب أهل السنّة في معونة أئمة المسلمين والاستعانة بهم، دخلوا في معاونة الكفار والاستعانة بهم.
فهم يدعون إلى الإمام المعصوم، ولا يعرف لهم إمام موجود، يأتمون به، إلا كفور أوظلوم، فهم كالذي يحيل بعض العامة على أولياء الله رجال الغيب، ولا رجال للغيب عنده إلا أهل الكذب والمكر، الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدّون عن سبيل الله، أوالجن أوالشياطين الذين يحصل بهم لبعض الناس أحوال شيطانية.
فلوقدر أن ما تدّعيه الرافضة من النص هوحق موجود، وأن الناس لم يولوا المنصوص عليه لكانوا قد تركوا من يجب توليته، ولولوا غيره وحينئذ فالإمام الذي قام بمقصود الإمامة هوهذا المولى، دون الممنوع المقهور.
نعم ذاك يستحق أن يولى، لكن ما ولى، فالإثم على من ضيع حقه، وعدل عنه لا على من لم يضع حقه ولم يتعد. وهم يقولون: أن الإمام وجب نصبه، لأن لطف ومصلحة للعباد، فإذا كان الله ورسوله يعلم أن الناس لا يولون هذا المعين إذا أمروا بولايته كان أمرهم بولاية من يولونه وينتفعون بولايته أولى، من أمرهم بولاية من لا يولونه، ولا ينتفعون بولايته.
كما قيل في إمامة الصلاة والقضاء، وغير ذلك، فكيف إذا كان ما يدعونه من النص من أعظم الكذب والافتراء؟ والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد أخبر أمته بما سيكون، وما يقع بعده، من التفرق فإذا نص لأمته على إمامة شخص يعلم أنهم لا يولونه، بل يعدلون عنه ويولون غيره -يحصل لهم بولايته مقصود الولاة - وأنه إذا أفضت النوبة إلى المنصوص حصل من سفك دماء الأمة ما لم يحصل بغير المنصوص، ولم يحصل من مقاصد الولاية ما حصل بغير المنصوص، كان الواجب العدول عن المنصوص.
مثال ذلك أن ولىّ الأمر إذا كان عنده شخصان، ويعلم أنه إن ولى أحدهما أطيع وفتح البلاد، وأقام الجهاد، وقهر الأعداء، وأنه إذا ولى الآخر لم يطع، ولم يفتح شيئا من البلاد، بل يقع في الرعية الفتنة والفساد، كان من المعلوم لكل عاقل أنه ينبغي أن يولي من يعلم أنه إذا ولاه حصل به الخير والمنفعة، لا من إذا ولاه لم يطع وحصل بينه وبين الرعية الحرب والفتنة. فكيف مع علم الله ورسوله بحال ولاية الثلاثة؟ وما حصل فيها من مصالح الأمة، في دينها ودنياها، لا ينص عليها وينص على ولاية من لا يطاع بل يحارب ويقاتل، حتى لا يمكنه قهر الأعداء ولا إصلاح الأولياء.
وهل يكون من ينص على ولاية هذا دون ذاك إلا جاهلا إن لم يعلم الحال أوظالما مفسدا. إن علم. والله ورسوله بريء من الجهل والظلم.
وهم يضيفون إلى الله ورسوله العدول عما فيه مصلحة العباد، إلى ما ليس فيه إلا الفساد.
وإذا قيل إن الفساد حصل من معصيتهم لا من تقصيره. قيل أفليس ولاية من يطيعونه فتحصل المصلحة أولى من ولاية من يعصونه، فلا تحصل المصلحة بل المفسدة؟
ولوكان للرجل ولد وهناك مؤدبان إذا أسلمه إلى أحدهما تعلم وتأدب، وإذا أسلمه إلى الآخر فرّ وهرب، أفليس إسلامه إلى ذاك أولى؟ ولوقدر أن ذاك افضل، فأيّ منفعة في فضيلته إذا لم يحصل للولد به منفعة لنفوره عنه.
ولوخطب المرأة رجلان أحدهما افضل من الآخر لكن المرأة تكرهه، وإن تزوجت به لم تطعه، بل تخاصمه وتؤذيه، فلا تنتفع به ولا ينتفع هوبها، والآخر تحبه ويحصل به مقاصد النكاح، أفليس تزويجها بهذا المفضول أولى باتفاق العقلاء؟ ونص من ينص على تزويجها بهذا أولى من النص على تزويجها بهذا.
فكيف يضاف إلى الله ورسوله ما لا يرضاه إلا ظالم، أوجاهل، وهذا ونحوه مما يعلم به بطلان النص بتقدير أن يكون علي هوالأفضل الأحق، بالإمارة، لكن لا يحصل بولايته إلا ما حصل، وغيره ظالم يحصل به ما حصل من المصالح، فكيف إذا لم يكن الأمر كذلك، لا في هذا ولا في هذا.
فقول أهل السنّة خبر صادق وقول حكيم، وقول الرافضة خبر كاذب وقول سفه، فأهل السنّة يقولون الأمير والإمام والخليفة ذوالسلطان الموجود، الذي له القدرة على عمل مقصود الولاية، كما أن إمام الصلاة هوالذي يصلي بالناس، وهم يأتمون به ليس إمام الصلاة من يستحق أن يكون إماما وهولا يصلي بأحد، لكن هذا ينبغي أن يكون إماما، والفرق بين الإمام وبين من ينبغي أن يكون هوالإمام لا يخفى على الطغام.
ويقولون أنه يعاون على البر والتقوى، دون الإثم والعدوان، ويطاع في طاعة الله دون معصيته، ولا يخرج عليه بالسيف، وأحاديث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إنما تدل على هذا.
كما في الصحيحين، عن ابن عباس -رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ((من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس يخرج عن السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية)) (1) فجعل المحذور هوالخروج عن السلطان ومفارقة الجماعة وأمر بالصبر على ما يكره من الأمير لم يخص بذلك سلطاناً معيناً ولا أميرا معينا ولا جماعة معينة.
(قال الرافضي الفصل الثاني في أن مذهب الإمامية واجب الاتباع)
ومضمون ما ذكره أن الناس اختلفوا بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيجب النظر في الحق واعتماد الإنصاف، ومذهب الإمامية واجب الاتباع لأربعة وجوه، لأنه أحقها، وأصدقها، ولأنهم باينوا جميع الفرق في أصول العقائد، ولأنهم جازمون بالنجاة لأنفسهم، ولأنهم أخذوا دينهم عن الأئمة المعصومين، وهذا حكاية لفظه.
قال الرافضي: أنه لما عمت البلية بموت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم -واختلف الناس بعده، وتعددت آراؤهم، بحسب تعدد أهوائهم، فبعضهم طلب الأمر لنفسه بغير حق، وبايعه أكثر الناس للدنيا، كما اختار عمروبن سعد ملك الرى أياما يسيرة، لما خير بينه وبين قتل الحسين مع علمه، بأن من قتله في النار، واختياره ذلك في شعره حيث يقول:
فوالله ما أدري وإني لصادق أفكرفي أمرعلى خطرين
أاترك ملك الرىّ والرى منيتي أم أصبح مأثوما بقتل حسين
وفي قتله النار التي ليس دونها حجاب وملك الرىّ قرة عيني
__________
(1) سبق ذكره انظر ص
وبعضهم اشتبه الأمر عليه، ورأى لطالب الدنيا مبايعا، فقلده وبايعه وقصر في نظره، فخفى عليه الحق فاستحق المؤاخذة من الله تعالى بإعطاء الحق لغير مستحقه بسبب إهمال النظر، وبعضهم قلد لقصور فطنته، ورأى الجم الغفير فتابعهم، وتوهم أن الكثرة تستلزم الصواب، وغفل عن قوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} (1) {وَقَلِيلُ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور} (2) وبعضهم طلب الأمر لنفسه بحق له وبايعه الأقلون الذين أعرضوا عن الدنيا وزينتها، ولم يأخذهم في الله لومة لائم بل أخلصوا لله واتبعوا ما أمروا به من طاعة من يستحق التقديم.
وحيث حصل للمسلمين هذه البلية، وجب على كل أحد النظر في الحق واعتماد الإنصاف، وأن يقر الحق مستقره، ولا يظلم مستحقه، فقد قال تعالى: {أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِين} (3) وإنما كان مذهب الإمامية واجب الاتباع لوجوه هذا لفظه.
فيقال: أنه قد جعل المسلمين بعد نبيهم أربعة أصناف،، وهذا من أعظم الكذب فإنه لم يكن من في الصحابة المعروفين أحد من هذه الأصناف الأربعة، فضلا عن أن لا يكون فيهم أحد إلا من هذه الأصناف.
إما طالب للأمر بغير حق كأبي بكر في زعمه. وإما طالب للأمر بحق كعلي في زعمه.
وهذا كذب على علي (، وعلى أبي بكر (، فلا علي طلب الأمر لنفسه قبل قتل عثمان، ولا أبوبكر طلب الأمر لنفسه فضلا عن أن يكون طلبه بغير حق.
وجعل القسمين الآخرين إما مقلدا لأجل الدنيا، وإما مقلدا لقصوره في النظر، وذلك أن الإنسان يجب عليه ان يعرف الحق وأن يتبعه، وهوالصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم، من النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين. وهذا هوالصراط الذي أمرنا أن نسأله هدايتنا إياه، في كل صلاة بل في كل ركعة.
__________
(1) الآية 24 من سورة ص.
(2) الآية 13 من سورة سبأ.
(3) الآية 18 من سورة هود.
وهذه الأمة خير الأمم، وخيرها القرن الأول، كان القرن الأول أكمل الناس في العلم النافع، والعمل الصالح.
وهؤلاء المفترون وصفوهم بنقيض ذلك، بأنهم لم يكونوا يعلمون الحق ويتبعونه، بل كان أكثرهم عندهم يعلمون الحق ويخالفونه، كما يزعمون في الخلفاء الثلاثة، وجمهور الصحابة، والأمة، وكثير منهم عندهم لا يعلم الحق، بل اتبع الظالمين تقليداً لعدم نظرهم المفضى إلى العلم، والذي لم ينظر قد يكون تركه النظر لأجل الهوى وطلب الدنيا، وقد يكون لقصوره ونقص إدراكه.
وادعى أن منهم من طلب الأمر لنفسه بحق يعني علياً، وهذا مما علمنا بالاضطرار أنه لم يكن، فلزم من ذلك على قول هؤلاء أن تكون الأمة كلها كانت ضالة، بعد نبيها ليس فيها مهتد.
فتكون اليهود ولنصارى بعد النسخ والتبديل خيراً منهم، لأنهم كما قال تعالى: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةً يَهْدُونَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْدِلُون} (1). وقد أخبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن اليهود والنصارى افترقت على أكثرمن سبعين فرقة، فيها واحدة ناجية، وهذه الأمة على موجب ما ذكروه لم يكن فيهم بعد موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمة تقوم بالحق ولا تعدل به، وإذا لم يكن ذلك في خيار قرونهم ففيما بعد ذلك أولى.
فيلزم من ذلك ان يكون اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خيرا من خير أمة أخرجت للناس، فهذا لازم لما يقوله هؤلاء المفترون، فإذا كان هذا في حكايته لما جرى عقب موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من اختلاف الأمة، فكيف سائر ما ينقله ويستدل به، ونحن نبين ما في هذه الحكاية من الأكاذيب من وجوه كثيرة، فنقول:
__________
(1) الآية 159 من سورة الأعراف.
ما ذكره هذا المفترى من قوله: أنه لما عمت البلية على كافة المسلمين بموت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. واختلف الناس بعده، وتعددت آراؤهم بحسب تعدد أهوائهم، فبعضهم طلب الأمر لنفسه، وتابعه أكثر الناس طلباً للدنيا، كما اختار عمر بن سعد، ملك الرى أياما يسيرة لما خير بينه وين قتل الحسين، مع علمه بان في قتله النار واختياره ذلك في شعره.
فيقال في هذا الكلام من الكذب، والباطل وذم خيار الأمة، بغير حق ما لا يخفى من وجوه. (أحدهما):قوله تعددت آراؤهم بحسب تعدد أهوائهم، فيكون كلهم متبعين أهوائهم، ليس فيهم طالب حق، ولا مريد لوجه الله تعالى والدار الآخرة، ولا من كان قوله عن اجتهاد واستدلال.
وعموم لفظه يشمل علياً وغيره، وهؤلاء الذين وصفهم بهذا، هم الذين أثنى الله عليهم هوورسوله، ورضي الله عنهم ووعدهم الحسنى، كما قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرينَ وَالأَنْصَار الَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَان (م وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتها الأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيم} (1).وقال تعالى: {ُمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءَ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءَ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُم في وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودْ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ في التَّوْرَاةِ، وَمَثَلُهُمْ في الِإنْجِيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ ِبِهم الكُفَّار، وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيمًا} (2).
__________
(1) الآية 1.. من سورة التوبة.
(2) الاية 29 من سورة الفتح.
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أَوْلَئِكَ بَعضُهم أَوْلِيَاءَ بَعْض -إلى قوله -أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُم مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعد وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُم فَأُوْلَئِكَ مِنْكُم} (1).
وقال تعالى: {لاَ يَسْتَوِي مِنْكُم مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَل أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْد وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى} (2).
وقال تعالى: {ِللفقراءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِم يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضوانًا وَيَنْصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُم الصَّادِقُون وَالَّذِينَ تَبَوّؤا الدَّارَ وَالإِيمَان مِن قَبْلِهِم يُحِبُّون مَن هَاجَرَ إِلَيْهِم وَلاَ يَجِدُونَ في صُدُورِهِم حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفسِهِم وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِم يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَان وَلاَ تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيم} (3).
وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين، والأنصار، وعلى الذين جاءوا من بعدهم، يستغفرون لهم ويسألون الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم، وتتضمن أن هؤلاء الأصناف هم المستحقون للفيء.
__________
(1) الآيات من 72 - 75 من سورة الأنفال.
(2) الآية 1. من سورة الحديد.
(3) الآيات 1.،9،8 من سورة الحشر.
ولا ريب أن هؤلاء الرافضة خارجون من الأصناف الثلاثة فإنهم لم يستغفروا للسابقين، وفي قلوبهم غل عليهم، ففي الآيات الثناء على الصحابة، وعلى أهل السنّة الذين يتولونهم، وإخراج الرافضة من ذلك، وقد روى ابن بطة وغيره من حديث أبي بدر، قال: حدثنا عبد الله بن زيد، عن طلحة بن مصرف، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص، قال: ((الناس على ثلاث منازل فمضت منزلتان وبقيت واحدة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون، أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت.
ثم قرأ {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا، هؤلاء المهاجرون، وهذه منزلة قد مضت، ثم قرا والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا. ويؤثرون على أنفسهم ولوكان بهم خصا صة}.
ثم قال هؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت.
ثم قرأ {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ، يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَان، وَلا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غُلاًّ للَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (1)، فقد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت أن تستغفروا لهم)) (2).
وروى أيضا بإسناده عن مالك بن أنس أنه قال: ((من سب السلف فليس له في الفيء نصيب)) لأن الله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِم} (3)
-الآية - وهذا معروف عن مالك، وغير مالك من أهل العلم كأبي عبيد القاسم بن سلام (4).
__________
(1) الآية 1. من سورة الحشر.
(2) يظهر أن هذا الأثر في الإبانة الكبرى إذ لم أجده في الصغرى.
(3) هذا الأثر في الإبانة مختصرا ص 162 والظاهر أن المؤلف ينقل عن الكبرى.
(4) انظر المرجع المذكور ص 162.
وكذلك ذكره أبوحكيم النهرواني، من أصحاب أحمد وغيره من الفقهاء، وروى أيضا عن الحسن بن عمارة، عن الحكيم عن مقسم عن ابن عباس (ما. قال: ((أمر الله بالاستغفار لأصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهويعلم أنهم يقتتلون)) (1).
وقال عروة قالت لي عائشة (ا: ((يا ابن أختي أمروا بالاستغفار لأصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. فسبوهم)) (2).
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري (قال. قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((لا تسبوا أصحابي فلوان أحدهم أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) (3).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة (أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ((لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لوأن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) (4).
وفي صحيح مسلم أيضاً عن جابر بن عبد الله قال: قيل لعائشة: ((إن ناسا يتناولون أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى أبا بكر وعمر، فقالت وما تعجبون من هذا، انقطع عنهم العمل، فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر)) (5).
وروى ابن بطة بالإسناد الصحيح عن عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي. حدثنا معاوية. حدثنا رجاء عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((لا تسبوا أصحاب محمد فإن الله تعالى قد أمرنا بالاستغفار لهم وهويعلم أنهم سيقتلون)) (6).
__________
(1) المرجع المذكور ص 119.
(2) انظر الإبانة ص 12..
(3) البخاري ج 5 ص 8 ومسلم ج 4 ص 1967.
(4) مسلم ج 4 ص 1967.
(5) يظهر أنه في بعض النسخ فإني لم أجده في مسلم.
(6) انظر الإبانة ص119.
ومن طريق أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي، وطريق غيره عن وكيع، وأبي نعيم ثلاثتهم، عن الثوري، عن نسير بن ذعلوق، سمعت عبد الله بن عمر يقول: ((لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة يعني مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم خير من عمل أحدكم أربعين سنة)).
وفي رواية وكيع (خير من عبادة أحدكم عمره).
وقال تعالى: {َلقد رَضِيَ اللهُ عَنِ الُمُؤمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَة فَعَلِمَ مَا في قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِم وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيمًا وَعَدَكُم اللهُ مَغَانِمَ كَثِيَرةً تَأخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُم هَذِهِ وَكَفَّ أيدي النَّاسِ عَنْكُم وَلِتَكُونَ آيةً للمُؤمِنِين وَيهْديكُم صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا} (1)
وقد أخبر الله أنه سبحانه وتعالى رضي عنهم، وأنه علم ما في قلوبهم، وأنه أثابهم فتحا قريبا.
وهؤلاء هم أعيان من بايع أبا بكر وعمر وعثمان، بعد موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، لم يكن في المسلمين من يتقدم عليهم، بل كان المسلمون كلهم يعرفون فضلهم عليهم، لأن الله تعالى بين فضلهم في القرآن بقوله: {لاَ يَسْتَوِي مِنْكُم مَن أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذينَ أَنْفَقُوا مِن بَعدُ وَقَاتَلوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى} (2).
ففضل المنفقين المقاتلين قبل الفتح، والمراد بالفتح هنا صلح الحديبية، ولهذا سئل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ((أوفتح هو؟ فقال: نعم)) (3).
__________
(1) الآيات 18 - 21 من سورة الفتح.
(2) الآية 1. من سورة الحديد.
(3) انظر سنن أبي داود ج3 ص1.1.
وأهل العلم يعلمون أن فيه أنزل الله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتَمَ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَينْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزاً}. فقال بعض المسلمين: يا رسول الله هذا لك، فما لنا؟ يا رسول الله. فأنزل الله تعالى: {ُهوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِم}.
وهذه الآية نص في تفضيل المنفقين المقاتلين قبل الفتح على المنفقين بعده، ولهذا ذهب جمهورالعلماء إلى أن السابقين في قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَار} (1) هم هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح قاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، وقد ذهب بعضهم إلى أن السابقين الأوّلين، هم من صلى إلى القبلتين، وهذا ضعيف، فإن الصلاة إلى القبلة المنسوخة ليس بمجرده فضيلة، ولأن النسخ ليس من فعلهم، الذي يفضلون به، ولأن التفضيل بالصلاة إلى القبلتين لم يدل عليه دليل شرعي، كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد، والمبايعة تحت الشجرة.
__________
(1) 4) الآية 1.. من سورة التوبة.
وقد علم بالاضطرار أنه كان في هؤلاء السابقين الأولين أبوبكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وبايع النبي بيده عن عثمان، لأنه كان غائبا قد أرسله إلى أهل مكة ليبلغهم رسالته، وبسببه بايع النبي الناس، لما بلغه أنهم قتلوه: وقد ثبت في صحيح مسلم، عن جابر بن عبد الله (أنه قال: ((لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)) (1)، وقال تعالى: {َلقدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِي وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَار الَّذِينَ اتّبَعُوهُ في سَاعَةِ العُسْرَة مِن بَعْدِ مَا كَانَ يَزِيغُ قُلُوبَ فَرِيقٍ مِنْهَمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِم إِنَّهُ بِهِم رَءُوفٌ رَحِيم} (2).فجمع بينهم وبين رسول الله في التوبة. وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِم وَأَنْفُسِهِم في سَبِيلِ الله، وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُم أَوْلِيَاءَ بَعْض، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا -إلى قوله تعالى -وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعد وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُم فَأُوْلَئِكَ مِنْكُم} (3) فأثبت الموالاة بينهم وقال للمؤمنين: {َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتِّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضهُم أَوْلِيَاءَ بَعْض وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِين -إلى قوله - إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ َحِزْبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُون} (4). وقال تعالى: {وَالمُؤمِنُونَ و
__________
(1) مسلم ج4 ص 1942 رقم 2496.
(2) الآية 117 من سورة التوبة.
(3) الآيات 72 - 75 من سورة الأنفال.
(4) 1) الآيات من 51 - 56 من سورة المائدة.
َالمُؤمِنَات بَعْضَهُم أَوْلِيَاء بَعْض} (1).
فأثبت الموالاة بينهم، وأمرهم بموالاتهم، والرافضة تتبرأ منهم ولا تتولاهم، وأصل الموالاة المحبة، وأصل المعاداة البغض، وهم يبغضونهم ولا يحبونهم.
وقد وضع بعض الكذابين حديثا مفترى، أن هذه الآية نزلت في علي لما تصدق بخاتمه في الصلاة، وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل، وكذبه بيّن من وجوه كثيرة.
منها أن قوله الذين صيغة جمع. وعلي واحد.
ومنها أن الواوليست واوالحال إذ لوكان كذلك لكان لا يسوغ أن يتولى إلا من أعطى الزكاة في حال الركوع. فلا يتولى سائر الصحابة والقرابة.
ومنها ان المدح إنما يكون بعمل واجب أومستحب، وإيتاء الزكاة في نفس الصلاة ليس واجب ولا مستحب، باتفاق علماء الملة، فإن الصلاة شغلا.
ومنها أنه لوكان إيتاؤها في الصلاة حسنا لم يكن فرق بين حال الركوع وغير الركوع، بل إيتاؤها في القيام والقعود أمكن.
ومنها أن عليا لم يكن عليه زكاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
ومنها أن إيتاء غير الخاتم في الزكاة خير من إيتاء الخاتم، فإن أكثر الفقهاء يقولون لا يجزئ إخراج الخاتم في الزكاة.
ومنها أن هذا الحديث فيه أنه أعطاه السائل، والمدح في الزكاة أن يخرجها ابتداء ويخرجها على الفور، لا ينتظر أن يسأله سائل.
ومنها أن الكلام في سياق النهي عن موالاة الكفار، والأمر بموالاة المؤمنين، كما يدل عليه سياق الكلام، وسيجيء إن شاء الله تعالى تمام الكلام على هذه الآية، فإن الرافضة لا يكادون يحتجون بحجة إلا كانت حجة عليهم لا لهم، كاحتجاجهم بهذه الآية على الولاية التي هي الإمارة، وإنما هي في الولاية التي هي ضد العداوة.
__________
(1) الآية 71 من سورة التوبة.
والرافضة مخالفون لها، والإسماعيلية والنصيرية ونحوهم يوالون الكفار، من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين، ويعادون المؤمنين من المهاجرين والأنصار والذين اتبوعهم بإحسان إلى يوم الدين، وهذا أمر مشهور.
يعادون خيار عباد الله المؤمنين ويوالون اليهود والنصارى والمشركين من الترك وغيرهم، وقال تعالى: {َيا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين} (1). أي الله كافيك ومن اتبعك من المؤمنين، والصحابة أفضل من اتبعه من المؤمنين، وأولهم وقال تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْح وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}.
والذين رآهم النبي (يدخلون في دين الله أفواجا هم الذين كانوا على عصره، وقال تعالى: {ُهوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} (2). وإنما أيده في حياته بالصحابة، وقال تعالى:
{وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ المتُّقُون لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِين لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُم أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُون} (3).
وهذا الصنف الذي يقول الصدق، ويصدق به خلاف الصنف الذي يفتري الكذب أويكذب بالحق، لما جاءه كما سنبسط القول فيهما إن شاء الله تعالى.
__________
(1) الآية 64 من سورة الأنفال.
(2) الآية 62 من سورة الأنفال.
(3) الآيات 33 - 35 من سورة الزمر.
والصحابة الذين كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن القرآن حق، هم أفضل من جاء بالصدق وصدق به، بعد الأنبياء وليس في الطوائف المنتسبة إلى القبلة أعظم افتراء للكذب على الله وتكذيبا بالحق من المنتسبين إلى التشيع. ولهذا لا يوجد الغلوفي طائفة أكثر مما يوجد فيهم.
ومنهم من ادعى إلهية البشر، وادعى النبوة في غير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وادعى العصمة في الأئمة، ونحوذلك مما هوأعظم مما يوجد في سائر الطوائف، واتفق أهل العلم أن الكذب ليس في طائفة من المنتسبين إلى القبلة أكثر منه فيهم، وقال تعالى: {ُ قلِ الْحَمْدُ ِللهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى}. قال طائفة من السلف هم أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا ريب أنهم أفضل المصطفين من هذه الأمة، التي قال الله فيها: {ُثمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُم ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُقْتَصِد وَمِنْهُم سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ الله ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِير جَنَّات عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُم فِيها حَرِير وَقَالوا الْحَمْدُ ِللهِ الَّذي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَن إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُور الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ المُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لاَ يَمَسّنَا فيها نَصبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فيها لُغُوب} (1).
فأمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الذين أورثوا الكتاب بعد الأمتين قبلهم اليهود والنصارى.
وقد أخبر الله تعالى أنهم الذين اصطفى.
__________
(1) الآيات 32 - 35 من سورة فاطر.
وتواتر عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ((خير القرون القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم))، ومحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه هم المصطفون، من المصطفين من عباد الله وقال تعالى: {ُمحمدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءَ عَلَى الْكُفَّارُ رُحَمَاءَ بَيْنَهُم} (1) إلى آخر السورة. وقال تعالى {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم في الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُم وَلَيُبْدِلَنَّهُم مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُون} (2). فقد وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف، كما وعدهم في تلك الآية مغفرة وأجرا عظيما، والله لا يخلف الميعاد.
فدل ذلك أن الذين استخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم ومكن لهم دين الإسلام، وهوالدين الذي ارتضاه لهم، كما قال تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دينًا} (3) وبدلهم بعد خوفهم أمنا لهم (4) المغفرة والأجر العظيم.
وهذا يستدل به على وجهين: على أن المستخلفين مؤمنون عملوا الصالحات، لأن الوعد لهم لا لغيرهم، ويستدل به على ان هؤلاء مغفور لهم، ولهم أجر عظيم، لأنهم آمنوا وعملوا الصالحات، فتناولتهم الآيتان - آية النور وآية الفتح.
__________
(1) الآية 29 من سورة الفتح.
(2) الآية 55 من سورة النور.
(3) جزء من الآية رقم 3 من سورة المائدة.
(4) قوله " لهم المغفرة والأجر العظيم " خبر عن قوله فدل ذلك الخ.
من المعلوم أن هذه النعوت منطبقة على الصحابة على زمن أبي بكر وعمر وعثمان، فإنه إذ ذاك حصل الاستخلاف، وتمكن الدين والأمن، بعد الخوف لما قهروا فارس والروم وفتحوا الشام والعراق، ومصر وخراسان، وأفريقية.
ولما قتل عثمان وحصلت الفتنة لم يفتحوا شيئا من بلاد الكفار، بل طمع فيهم الكفار بالشام وخراسان، وكان بعضهم يخاف بعضاً.
وحينئذ قد دل القرآن على إيمان أبي بكر وعمر وعثمان، ومن كان معهم في زمن الاستخلاف والتمكين والأمن، والذين كانوا في زمن الاستخلاف والتمكين والأمن أدركوا زمن الفتنة كعلي وطلحة وأبي موسى الأشعري، ومعاوية وعمروبن العاص، دخلوا في الآية لأنهم استخلفوا ومكنوا، وأمنوا.
وأما من حدث في زمن الفتنة كالرافضة الذين حدثوا في الإسلام، في زمن الفتنة والافتراق، وكالخوارج المارقين، فهؤلاء لم يتناولهم النص، فلم يدخلوا فيمن وصف بالإيمان والعمل الصالح، المذكورين في هذه الآية، لأنهم أولا ليسوا من الصحابة المخاطبين بهذا.
ولم يحصل لهم من الاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف ما حصل للصحابة، بل لا يزالون خائفين مقلقلين غير ممكنين.
فإن قيل لما قال وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم ولم يقل وعدهم كلهم. قيل كما قال وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات، ولم يقل وعدكم.
و"من" تكون لبيان الجنس فلا يقتضي أن يكون قد بقي من المجرور بها شيء خارج، عن ذلك الجنس كما في قوله تعالى: {َفاجتنبوْا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَان} (1) فإنه لا يقتضى أن يكون من الأوثان ما ليس برجس، وإذا قلت ثوبا من حرير، فهوكقولك ثوب حرير، وكذلك قولك باب من حديد فهو، كقولك باب حديد، وذلك لا يقتضي أن يكون هناك حرير وحديد غير المضاف إليه، وإن كان الذي يتصوره كليا، فإن الجنس الكلي، هوما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وإن لم يكن مشتركاً فيه في الوجود.
فإذا كانت من بيان الجنس، كان التقدير وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هذا الجنس، وإن كان الجنس كلهم مؤمنين صالحين، وكذلك إذا قال وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هذا الجنس والصنف مغفرة وأجراً عظيما، لم يمنع ذلك أن يكون جميع هذا الجنس مؤمنين صالحين.
ولما قال لأزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} (2) لم يمنع أن يكون كل منهن تقنت لله ورسوله، وتعمل صالحا، ولما قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَليَكُم كَتَبَ رَبُّكُم عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُم سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (3) لم يمنع أن يكون كل منهم متصفاً بهذه الصفة، ولا يجوز ان يقال أنهم لوعملوا سوءاً بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا لم يغفر إلا لبعضهم.
ولهذا تدخل من هذه في النفي لتحقيق نفي الجنس كما في قوله تعالى:
__________
(1) الآية 3. من سورة الحج.
(2) الآية 31 من سورة الأحزاب.
(3) الآية 54 من سورة الأنعام.
{وَمَا التَّنَاهُم مِن عَمَلِهِم مِن شَيء} (1) وقوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ الله} (2) {فَمَا مِنْكُم مِن أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِين} (3).
ولهذا إذا دخلت في النفي تحقيقا أوتقديرا أفادت نفي الجنس قطعاً، (فالتحقيق ما ذكر والتقدير كقوله تعالى: {لا إله إلا الله} وقوله: {لاَرَيْبَ فيه} ونحوذلك بخلاف ما إذا لم تكن "من"موجودة كقولك ((ما رأيت رجلا)) فإنها ظاهرة لنفي الجنس، ولكن قد يجوز أن ينفي بها الواحد من الجنس، كما قال سيبويه: يجوز أن يقال ما رأيت رجلا، بل رجلين.
فتبين أنه يجوز إرادة الواحد، وإن كان الظاهر نفي الجنس، بخلاف ما إذا دخلت (من) فإنه ينفي الجنس قطعا، ولهذا لوقال لعبيده من أعطاني منكم ألفا فهوحر فأعطاه كل واحد ألفا عتقوا كلهم.
وكذلك لوقال واحد لنسائه من أبرأتني منكن من صداقها فهي طالق فأبرأنه كلهن، طلقن كلهن.
فإن المقصود بقوله منكن بيان جنس المعطى والمبرئ لا إثبات هذا الحكم لبعض العبيد والأزواج.
فإن قيل فهذا كما لا يمنع أن يكون كل المذكور متصفا بهذه الصفة فلا يوجب ذلك أيضا، فليس في قوله وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ما يقتضي أن يكونوا كلهم كذلك.
__________
(1) الآية 21 من سورة الطور.
(2) الآية 62 من سورة آل عمران.
(3) الآية 47 من سورة الحاقة.
قيل: نعم ونحن لا ندعي أن مجرد هذا اللفظ دل على ان جميعهم موصوفون بالإيمان والعمل الصالح، ولكن مقصودنا أن (من) لا ينافى شمول هذا الوصف لهم فلا يقول قائل ان الخطاب دل على ان المدح شملهم وعمهم بقوله محمد رسول الله والذين معه إلى آخر الكلام، ولا ريب أن هذا مدح لهم بما ذكر، من الصفات، وهوالشدة على الكفار، والرحمة بينهم والركوع والسجود يبتغون فضلا من الله ورضوانا، والسيما في وجوههم من أثر السجود، وانهم يبتدئون من ضعف إلى كمال القوة والاعتدال، كالزرع والوعد بالمغفرة والأجر العظيم، ليس على مجرد هذه الصفات بل على الإيمان والعمل الصالح.
فذكر ما به يستحقون الوعد، وإن كانوا كلهم بهذه الصفة، ولولا ذكر ذلك لكان يظن انهم بمجرد ما ذكر يستحقون المغفرة والأجر العظيم ولم يكن فيه بيان سبب الجزاء، بخلاف ما إذا ذكر الإيمان والعمل الصالح.
فإن الحكم إذا علق باسم مشتق مناسب كان ما منه الاشتقاق سبب الحكم.
فإن قيل فالمنافقون كانوا في الظاهر مسلمين، قيل المنافقون لم كونوا متصفين بهذه الصفات، ولم يكونوا مع الرسول والمؤمنين ولم يكونوا منهم، كما قال الله تعالى: {َفعسى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا في أَنْفُسِهِم نَادِمِين، وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنوا أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِم إِنَّهُم لَمَعَكُم حَبطت أَعْمَالُهُم فَاَصْبَحُوا خَاسِرِين} (1) وقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذوى في اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابَ اللهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولن إِنَّا مَعَكُم أَوَ لَيْسَ الله بِأَعْلَم بِمَا في صُدُور العَالَمِين وَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُم وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِين} (2).
فأخبرأن المنافقين ليسوا من المؤمنين، ولا من أهل الكتاب.
هؤلاء لا يجدون في طائفة من المتظاهرين بالإسلام، أكثر منهم في الرافضة، ومن انطوى إليهم. فدل هذا على ان المنافقين لم يكونوا من الذين آمنوا معه، والذين كانوا منافقين منهم من تاب عن نفاقه وانتهى عنه، وهم الغالب بدليل قوله تعالى: {َلئنْ لَمْ يَنْتَهِ المْنُافِقُونَ وَالَّذِينَ في قُلُوبِهِم مَرَضٌ وَالْمُرْجَفُونَ في الْمَدِينَةِ ِلنُغْرِيَنَّكَ بِهِم ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إلاَّ قَلِيلاً مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً} (3).
__________
(1) الآيات 52 - 53 من سورة المائدة.
(2) الآيتان 1. و11 من سورة العنكبوت.
(3) الآيتان 6. و61 من سورة الأحزاب.
فلما لم يغره الله بهم، ولم يقتلهم تقتيلا، بل كانوا يجاورونه بالمدينة فدل ذلك على أنهم انتهوا، والذين كانوا معه بالحديبية كلهم بايعوه تحت الشجرة، إلا الجد بن قيس فإنه اختبأ خلف جمل أحمر.
وكذا حاء في الحديث كلهم يدخل الجنة إلا صاحب الجمل الأحمر، وبالجملة فلا ريب أن المنافقين كانوا مغمورين مقهورين، أذلاء، لا سيما في آخر أيام الرسول (. وفي غزوة تبوك لأن الله تعالى قال: {َيقولون لئن رَجعنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيَخْرُجَنَّ الأَعَزَّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلله العِزَّةُ َلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤمِنِين وِلَكِن الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُون} (1).
فأخبر أن العزة للمؤمنين، لا للمنافقين، فعلم أن العزة والقوة كانت في المؤمنين، وأن المنافقين كانوا أذلاء بينهم.
فيمتنع أن تكون الصحابة الذين كانوا أعز المسلمين من المنافقين، بل ذلك يقتضى أن من كان أعز كان أعظم إيمانا.
ومن المعلوم أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، الخلفاء الراشدين وغيرهم كانوا اعز الناس، وهذا كله مما يبين أن المنافقين كانوا ذليلين في المؤمنين.
فلا يجوز أن يكون الأعزاء من الصحابة منهم، ولكن هذا الوصف مطابق للمتصفين به من الرافضة وغيرهم، والنفاق والزندقة في الرافضة أكثر منه في سائر الطوائف.
بل لا بد لكل منهم من شعبة نفاق، فإن أساس النفاق الذي بني عليه، الكذب، وأن يقول الرجل بلسانه ما ليس في قلبه، كما اخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.
والرافضة تجعل هذا من أصول دينها وتسميه التقية وتحكى هذا عن أئمة أهل البيت الذين برأهم الله عن ذلك، حتى يحكوا ذلك عن جعفر الصادق أنه قال التقية ديني ودين آبائي وقد نزه الله المؤمنين من أهل البيت وغيرهم عن ذلك.
__________
(1) الآية 8 من سورة المنافقون.
بل كانوا من أعظم الناس صدقا وتحقيقا للإيمان، وكان دينهم التقوى لا التقية، وقول الله تعالى: {لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِين وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَلَيْسمِنَ اللهِ في شَيء إلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُم تُقَاه} (1).إنما هوالأمر بالاتقاء من الكافرين، لا الأمر بالنفاق والكذب.
والله تعالى قد أباح لمن أكره على كلمة الكفر أن يتكلم بها، إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان، لكن لم يكره أحداً من أهل البيت على شيء من ذلك، حتى أن أبا بكر (لم يكره أحدا لا منهم، ولا من غيرهم على متابعته، فضلا على ان يكرههم على مدحه، والثناء عليه.
بل كان علي وغيره من أهل البيت يظهرون ذكر فضائل الصحابة والثناء عليهم والترحم عليهم والدعاء لهم ولم يكن أحد يكرههم على شيء منه باتفاق الناس.
وقد كان زمن بني أمية وبني العباس خلق عظيم دون عليّ وغيره في الإيمان والتقوى يكرهون منهم أشياء ولا يمدحونهم ولا يثنون عليهم، ولا يقربونهم، ومع هذا لم يكن هؤلاء يخافونهم، ولم يكن أولئك يكرهونهم مع أن الخلفاء الراشدين كانوا باتفاق الخلق أبعد عن قهر الناس وعقوبتهم على طاعتهم، من هؤلاء.
فإذا كان لم يكن الناس مع هؤلاء مكرهين على ان يقولوا بألسنتهم خلاف ما في قلوبهم، فكيف يكونون مكرهين مع الخلفاء على ذلك، بل على الكذب وشهادة الزور وإظهار الكفر، كما تقوله الرافضة من غير ان يكرههم أحد على ذلك.
فعلم أن ما تتظاهر به الرافضة هومن باب الكذب والنفاق، وأنهم يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، لا من باب ما يكره المؤمن عليه، من التكلم بالكفر وهؤلاء أسرى المسلمين، في بلاد الكفار غالبهم يظهرون دينهم، والخوارج مع تظاهرهم بتكفير الجمهور، وتكفير عثمان وعلي ومن ولاهما يتظاهرون بدينهم.
__________
(1) الآية 28 من سورة آل عمران.
وإذا سكنوا بين الجماعة، سكنوا على الموافقة والمخالفة، والذي يسكن في مدائن الرافضة فلا يظهر الرفض وغايته إذا ضعف ان يسكت عن ذكر مذهبه لا يحتاج أن يتظاهر بسب الخلفاء والصحابة، إلا أن يكونوا قليلا.
فكيف يظن بعلي (وغيره من أهل البيت أنهم كانوا اضعف دينا من الأسرى في بلاد الكفر، ومن عوام أهل السنة، ومن النواصب، مع أنا قد علمنا بالتواتر أن أحدا لم يكره عليّا ولا أولاده على ذكر فضائل الخلفاء، والترحم عليهم، بل كانوا يقولون ذلك من غير إكراه، ويقوله أحدهم لخاصته كما ثبت ذلك بالنقل المتواتر.
وأيضا فقد يقال في قوله تعالى: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُم وَعَمِلوا الصَّالِحَات} أن ذلك وصف الجملة بصفة تتضمن حالهم عند الاجتماع كقوله تعالى: {وَمَثَلُهُم في الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِه يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغيظَ بِهِم الكُفَّار} والمغفرة والأجر في الآخرة يحصل لكل واحد واحد، فلا بد ان يتصف بسبب ذلك، وهوالإيمان والعمل الصالح، إذ قد يكون في الجملة منافقا.
وفي الجملة ما في القرآن من خطاب المؤمنين والمتقين والمحسنين، ومدحهم والثناء عليهم، فهم أول من دخل في ذلك من هذه الأمة، وأفضل من دخل في ذلك من هذه الأمة كما استفاض عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من غير وجه أنه قال: ((خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) (1).
(الوجه الثاني): في بيان كذبه وتحريفه فيما نقله عن حال الصحابة بعد موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
(قوله: فبعضهم طلب الأمر لنفسه بغير حق، وبايعه اكثر الناس طلبا للدنيا).
__________
(1) انظر البخاري ج3 ص171 ومواضع أُخر، ومسلم ج4 ص 1962.
وهذا إشارة إلى أبي بكر فإنه هوالذي بايعه أكثر الناس، ومن المعلوم أن أبا بكر لم يطلب الأمر لنفسه، لا بحق ولا بغير حق، بل قال: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، إما عمر بن الخطاب وإما أبا عبيدة.
قال عمر: فوالله لأن أقدم فتضرب عنقي لا يقرّبني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبوبكر، وهذا اللفظ في الصحيحين (1).
وقد روى عنه انه قال: أقيلوني، أقيلوني، فالمسلمون اختاروه وبايعوه، لعلمهم بأنه خيرهم، كما قال له عمر يوم السقيفة بمحضر المهاجرين والأنصار أنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم ينكر ذلك أحد، وهذا أيضا في الصحيحين (2).
والمسلمون اختاروه كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث الصحيح لعائشة: ((ادعى لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا، لا يختلف عليه الناس من بعدي، ثم قال يأبى الله والمؤمنون أن يتولى غير أبي بكر)) (3) فالله هوولاه قدرا، وشرعا، وأمر المؤمنين، بولايته، وهداهم إلى أن ولوه من غير أن يكون طلب، ذلك لنفسه.
(الوجه الثالث): أن يقال فهب أنه طلبها وبايعه أكثر الناس فقولكم: أن ذلك طلب للدنيا كذب ظاهر.
فإن أبا بكر لم يعطهم دنيا، وكان قد أنفق ماله في حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولما رغب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الصدقة جاء بماله كله، فقال له: ((ما تركت لأهلك. قال: تركت لهم الله، ورسوله)) (4)
والذين بايعوه هم أزهد الناس في الدنيا، وهم الذين أثنى الله عليهم.
وقد علم الخاص والعام زهد عمر، وأبي عبيدة، وأمثالهما، وإنفاق الأنصار أموالهم كأسيد بن حضير، وأبي طلحة، وأبي أيوب وأمثالهم.
__________
(1) انظر البخاري ج8 ص 14. - 142.
(2) انظر الذي قبله.
(3) وقد سبق ذكره ص 63.
(4) انظر البخاري ج2 ص 112 وغيره.
ولم يكن عند موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لهم بيت مال يعطيهم ما فيه، ولا كان هناك ديوان للعطاء يفرض لهم فيه، والأنصار كانوا في أملاكهم، وكذلك المهاجرون من كان له شيء من مغنم أوغيره فقد كان له.
وكانت سيرة أبي بكر في قسم الأموال التسوية، وكذلك سيرة علي (، فلوبايعوا عليّا أعطاهم ما أعطاهم أبوبكر، مع كون قبيلته أشرف القبائل، وكون بني عبد مناف وهم أشراف قريش الذين هم اقرب العرب من بني أمية وغيرهم إذ ذلك كأبي سفيان بن حرب وغيره، وبني هاشم كالعباس وغيره، كانوا معه.
فقد أراد أبوسفيان وغيره أن تكون الإمارة في بني عبد مناف، على عادة الجاهلية فلم يجبه إلى ذلك علي ولا عثمان، ولا غيرهما لعلمهم، أودينهم فأيّ رياسة، وأي مال كان لجمهور المسلمين بمبايعة أبي بكر، لا سيما وهويسوّي بين السابقين والأولين، وبين آحاد المسلمين في العطاء، ويقول: إنما أسلموا لله وأجورهم على الله، وإنما هذا المتاع بلاغ.
وقال لعمر لما أشارعليه بالتفضيل في العطاء: أفأشتري منهم إيمانهم؟
فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم أولا، كعمر وأبي عبيدة وأسيد بن حضير وغيرهم، سوّى بينهم وبين الطلقاء الذين أسلموا عام الفتح، وبين من أسلم بعد موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فهل حصل لهؤلاء من الدنيا بولايته شيء.
(الوجه الرابع): أن يقال: أهل السنّة مع الرافضة كالمسلمين مع النصارى، فإن المسلمين يؤمنون بأن المسيح عبد الله ورسوله، ولا يغلون فيه غلوالنصارى، ولا يجفون جفاء اليهود.
والنصارى تدعى فيه الإلهية وتريد أن تفضله على محمد وإبراهيم وموسى، بل تفضل الحواريين على هؤلاء الرسل.
كما تريد الروافض أن تفضل من قاتل مع علي كمحمد بن أبي بكر والأشتر النخعي على أبي بكر وعمر وعثمان وجمهور المهاجرين والأنصار، فالمسلم إذا ناظر النصراني لا يمكنه أن يقول في عيسى إلا الحق، لكن إذا أردت أن تعرف جهل النصراني وأنه لا حجة له فقدّر المناظرة بينه وبين اليهود.
فإن النصراني لا يمكنه أن يجيب عن شبهة اليهودي (1) إلا بما يجيب به المسلم، فإن لم يدخل في دين الإسلام وإلا كان منقطعا مع اليهودي، فإنه إذا أمر بالإيمان بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم.
فإن قدح في نبوته بشيء من الأشياء، لم يمكنه أن يقول شيئا إلا قال اليهودي في المسيح ما هوأعظم من ذلك، فإن البينات لمحمد أعظم من البينات للمسيح.
وبعد أمره عن الشبهة، أعظم من بعد المسيح عن الشبهة، فإن جاز القدح فيما دليله أعظم وشبهته أبعد عن الحق، فالقدح فيما دونه أولى.
وإن كان القدح في المسيح باطلا فالقدح في محمد أولى بالبطلان، فإنه إذا بطلت الشبهة القوية فالضعيفة أولى بالبطلان، وإذا ثبتت الحجة التي غيرها أقوى منها فالقوية أولى بالإثبات.
ولهذا كان مناظرة كثير من المسلمين للنصارى من هذا الباب كالحكاية المعروفة عن القاضي أبي بكر بن الطيب، لما أرسله المسلمون إلى ملك النصارى بالقسطنطينية، فإنهم عظموه، وعرف النصارى قدره، فخافوا أن لا يسجد للملك إذا دخل، فأدخلوه من باب صغير ليدخل منحنيا، ففطن لمكرهم، فدخل مستدبرا متلقيا لهم بعجزه.
__________
(1) يعني أن اليهود يرمون مريم بالفجور، وما دام النصراني يكذب ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم لا يمكنه الرد على اليهود في أمر عيسى. لأن عيسى أمر بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فإذا امتنع النصارى من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم صار ذلك فيه كذيب لعيسى.
ففعل نقيض ما قصدوه، ولما جلس وكلموه، أراد بعضهم القدح في المسلمين، فقال له ما قيل في عائشة امرأة نبيكم، يريد إظهار قول الإفك الذي يقوله من يقول من الرافضة، أيضا.
فقال القاضي ثنتان قدح فيهما ورميتا بالزنا إفكا وكذبا، مريم وعائشة فأما مريم فجاءت بالولد تحمله من غير زوج، وأما عائشة فلم تأت بولد مع أنه كان لها زوج، فأبهت النصارى.
وكان مضمون كلامه أن ظهور براءة عائشة أعظم من ظهور براءة مريم، وأن الشبهة إلى مريم أقرب منها إلى عائشة، فإذا كان مع هذا قد ثبت كذب القادحين في مريم، فثبوت قدح الكاذبين في عائشة أولى.
ومثل هذه المناظرة أن يقع التفضيل بين طائفتين، ومحاسن إحداهما أكثر وأعظم ومساويها أقل وأصغر، فإذا ذكر ما فيها من ذلك عورض بأن مساوئ تلك أعظم، كقوله تعالى: {يسئلونكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٌ فِيه قُل قِتَالٌ فيهِ كَبِير} ثم قال: {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرَ عِنْدَ الله وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرَ مِنَ الْقَتْل} (1) فإن الكفار عيروا سرية من سرايا المسلمين بأنهم قتلوا ابن الحضرمي في الشهر الحرام، فقال تعالى هذا كبير وما عليه المشركون من الكفر بالله والصد عن سبيله وعن المسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله، فإن هذا صد عما لا تحصل النجاة والسعادة إلا به، وفيه من انتهاك المسجد الحرام ما هوأعظم من انتهاك الشهر الحرام.
لكن في هذا النوع قد اشتملت كل من الطائفتين على ما يذم، وأما النوع الأول فيكون كل من الطائفتين لا يستحق الذم، بل هناك شبه في الموضعين، وأدلة في الموضعين وأدلة أحد الصنفين أقوى وأظهر، وشبهته أضعف وأخفى، فيكون أولى بثبوت الحق مما تكون أدلته أضعف، وشبهته أقوى.
__________
(1) الآية 217 من سورة البقرة.
هذا حال النصارى واليهود مع المسلمين، وهوحال أهل البدع مع أهل السنّة لاسيما الرافضة، وهكذا أمر أهل السنّة مع الرافضة في أبي بكر وعلي، فإن الرافضي لا يمكنه أن يثبت إيمان علي وعدالته وأنه من أهل الجنة فضلا عن إمامته إن لم يثبت ذلك لأبي بكر وعمر وعثمان.
وإلا فمتى أراد إثبات ذلك لعلي وحده لم تساعده الأدلة، كما أن النصراني إذا أراد إثبات نبوة المسيح دون محمد لم تساعده الأدلة.
فإذا قالت له الخوارج الذين يكفرون عليّا، أوالنواصب الذين يفسقونه أنه كان ظالما طالبا للدنيا، وأنه طلب الخلافة لنفسه، وقاتل عليها بالسيف وقتل على ذلك ألوفا من المسلمين، حتى عجز عن انفراده بالأمر، وتفرق عليه أصحابه وظهروا عليه فقتلوه، فهذا الكلام إن كان فاسد ففساد كلام الرافضي في أبي بكر وعمر أعظم، وإن كان ما قاله في أبي بكر وعمر متوجها مقبولا، فهذا أولى بالتوجيه والقبول.
لأنه من المعلوم للخاصة والعامة أن من ولاه الناس باختيارهم ورضاهم من غير أن يضرب أحدا بالسيف ولا عصى ولا أعطى أحدا ممن ولاه من مال واجتمعوا عليه فلم يول أحد من أقاربه، وعترته، ولا خلف لورثته مالاً من مال المسلمين، وكان له مال قد أنفقه في سبيل الله، فلم يأخذ بدله، وأوصى أن يرد إلى بيت مالهم ما كان عنده لهم، وهوجرد قطيفة، وبكر وأمة سوداء، ونحوذلك.
حتى قال عبد الرحمن بن عوف لعمر: أتسلب هذا آل أبي بكر، قال كلا والله لا يتحنث فيها أبوبكر وأتحملها أنا، وقال يرحمك الله يا أبا بكر لقد أتعبت الأمراء بعدك.
ثم مع هذا لم يقتل مسلما على ولايته، ولا قاتل مسلما بمسلم، بل قاتل بهم المرتدين عن دينهم، والكفار حتى شرع بهم في فتح الأمصار واستخلف القوي الأمين العبقري، الذي فتح الأمصار ونصب الديوان، وعم بالعدل والإحسان.
فإن جاز للرافضي أن يقول إن هذا كان طالبا للمال والرياسة، أمكن الناصبي أن يقول: كان علي ظالما طالبا للمال والرياسة، قاتل على الولاية حتى قتل المسلمون بعضهم بعضا، ولم يقاتل كافراً ولم يحصل للمسلمين في مدة ولايته إلا شر وفتنة في دينهم ودنياهم.
فإن جاز أن يقال: علي كان مريدا لوجه الله، والتقصير من غيره من الصحابة، أويقال كان مجتهداً مصيباً، وغيره مخطئ مع هذه الحالة فإنه يقال كان أبوبكر وعمر مريدين وجه الله مصيبين والرافضة مقصرون في معرفة حقهم مخطئون في ذمهم بطريق الأولى والأحرى.
فإن أبا بكر وعمر كان بعدهما عن شبة طلب المال والرياسة أشد من بعد علي عن ذلك، وشبهة الخوارج الذين ذموا عليّا وعثمان وكفروهما أقرب من شبهة الرافضة الذين ذموا أبا بكر وعمر وكفروهما، فكيف بحال الصحابة والتابعين الذين تخلفوا عن بيعته أوقاتلوه فشبهتهم أقوى من شبهة من قدح في أبي بكر وعمر وعثمان، فإن أولئك قالوا ما يمكننا أن نبايع إلا من يعدل علينا، ويمنعنا ممن ظلمنا، ويأخذ حقنا ممن ظلمنا، فإذا لم يفعل هذا كان عاجزاً أوظالما، وليس علينا أن نبايع عاجزا أوظالما.
وهذا الكلام إذا كان باطلا، فبطلان قول من يقول أن أبا بكر وعمر كانا ظالمين طالبين للرياسة والمال أبطل وأبطل، وهذا الأمر لا يستريب فيه من له بصر ومعرفة، وأين شبهة مثل أبي موسى الأشعري الذي وافق عمروعلى عزل علي ومعاوية، وأن يجعل الأمر شورى في المسلمين، من شبهة عبد الله بن سبأ وأمثاله الذين يدعون أنه إمام معصوم، وأنه إله أونبي.
بل أين شبهة الذين رأوا أن يولوا معاوية من شبهة الذين يدعون أنه إله أونبي، فإن هؤلاء كفار باتفاق المسلمين بخلاف أولئك، ومما يبين هذا أن الرافضة تعجز عن إثبات إيمان علي وعدالته، مع كونهم على مذهب الرافضة، ولا يمكنهم ذلك إلا إذا صاروا من أهل السنة، فإذا قالت لهم الخوارج وغيرهم ممن تكفره، أوتفسقه، لا نسلم أنه كان مؤمناً، بل كان كافرا أوظالما، كما يقولون هم في أبي بكر وعمر لم يكن لهم دليل على إيمانه وعدله، إلا وذاك الدليل على أبي بكر وعمر وعثمان أدل.
فإن احتجوا بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده فقد تواتر ذلك عن هؤلاء، بل تواتر إسلام معاوية ويزيد وخلفاء بني أمية وبني العباس وصلاتهم وصيامهم، وجهادهم للكفار فإن ادعوا في واحد من هؤلاء النفاق، أمكن الخارجى أن يدعى النفاق فيه (1).
وإذا ذكروا شبهة، ذكر ما هوأعظم منها، وإذا قالوا ما تقوله أهل الفرية، من أن أبا بكر وعمر كانا منافقين في الباطن، عدوين للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم. أفسدا دينه، بحسب الإمكان أمكن الخارجى ان يقول ذلك في علي ويوجه ذلك بأن يقول: كان يحسد ابن عمه وأنه كان يريد إفساد دينه فلم يتمكن من ذلك في حياته وحياة الخلفاء الثلاثة حتى سعى في قتل الخليفة الثالث، وأوقد الفتنة، حتى غلى في قتل أصحاب محمد، وأمته بغضا له وعداوة، وأنه كان مباطناً للمنافقين الذين ادعوا فيه الإلهية والنبوة، وكان يظهر خلاف ما يبطن، لأن دينه التقية، فلما أحرقهم بالنار، أظهر إنكار ذلك، وإلا فكان في الباطن معهم.
ولهذا كانت الباطنية من اتباعه، وعندهم سره، وهم ينقلون عنه الباطن الذي ينتحلونه، ويقول الخارجى مثل هذا الكلام الذي يروج على كثير من الناس أعظم، مما يروج كلام الرافضة في الخلفاء الثلاثة، لأن شبهة الرافضة أظهر فسادا من شبهة الخوارج، وهم أصح منهم عقلا، ومقصدا.
__________
(1) يعني في علي.
والرافضة أكذب وأفسد دينا، وإن أرادوا إثبات إيمانه وعدالته بنص القرآن عليه، قيل القرآن عام وتناوله له ليس بأعظم من تناوله لغيره، وما من آية يدعون اختصاصها به إلا أمكن أن يدعى اختصاصها أواختصاص مثلها أوأعظم منها بأبي بكر وعمر.
فباب الدعوى بلا حجة ممكنة، والدعوى في فضل الشيخين أمكن منها في فضل غيرهما، وإن قالوا ثبت ذلك بالنقل والرواية، فالنقل والرواية في أولئك أكثر وأشهد، فإن ادعوا تواتراً، فالتواتر هناك أصح، وإن اعتمدوا على نقل الصحابة فنقلهم لفضائل أبي بكر وعمر أكثر، ثم هم يقولون: أن الصحابة ارتدوا إلا نفرا قليلا فكيف تقبل رواية هؤلاء في فضيلة أحد، ولم يكن في الصحابة رافضة كثيرون، يتواتر نقلهم، فطريق النقل مقطوعا عليهم، إن لم يسلكوا طريق أهل السنة، كما هومقطوع على النصارى في إثبات نبوة المسيح إن لم يسلكوا طريق المسلمين.
وهذا كمن أراد أن يثبت فقه ابن عباس دون علي، أوفقه علقمة والأسود دون ابن مسعود، ونحوذلك من الأمور التي يثبت فيها للشيء حكم دون ما هوأولى بذلك الحكم منه، فإن هذا تناقض ممتنع عند من سلك طريق العلم والعدل.
ولهذا كانت الرافضة من أجهل الناس وأضلهم، كما أن النصارى من أجهل الناس، والرافضة من أخبث الناس، كما أن اليهود من أخبث الناس، ففيهم نوع من ضلال النصارى، ونوع من خبث اليهود.
(الوجه الخامس): أن يقال: تمثيل هذا بقصة عمر بن سعد طالبا للرياسة والمال مقدما على المحرّم لأحل ذلك فيلزم أن يكون السابقون الأولون بهذه الحال، وهذا أبوه سعد بن أبي وقاص، كان من أزهد الناس في الإمارة والولاية، ولما وقعت الفتنة اعتزل الناس في قصره بالعقيق، وجاءه عمر ابنه هذا فلامه على ذلك، وقال له الناس في المدينة يتنازعون الملك وأنت ههنا؟ فقال: ((اذهب فإني سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول إن الله يحب العبد التقي الغني الخفيّ)) (1).
هذا ولم يكن قد بقي أحد من أهل الشورى غيره وغير علي رضي الله عنهما، وهوالذي فتح العراق، وأذل جنود كسرى وهوآخر العشرة موتا.
فإذا لم يحسن أن يشبه بابنه عمر أيشبه به أبوبكر وعمر وعثمان، هذا وهم لا يجعلون محمد بن أبي بكر بمنزلة أبيه، بل يفضلون محمداً ويعظمونه، ويتولونه لكونه آذى عثمان وكان من خواص أصحاب علي لأنه كان ربيبه، ويسبون أباه أبا بكر ويلعنونه، فلوأن النواصب فعلوا بعمر بن سعد مثل ذلك فمدحوه على قتل الحسين، لكونه كان من شيعة عثمان، ومن المنتصرين له، وسبوا أباه سعد لكونه تخلف عن القتال مع معاوية والانتصار لعثمان، هل كانت النواصب لوفعلت ذلك إلا من جنس الرافضة.
بل الرافضة شر منهم، فإن أبا بكر أفضل من سعد، وعثمان كان أبعد عن استحقاق القتل من الحسين، وكلاهما مظلوم وشهيد رضي الله تعالى عنهما، ولهذا كان الفساد الذي حصل في الأمة بقتل عثمان أعظم من الفساد الذي حصل في الأمة بقتل الحسين.
__________
(1) انظر المسند ج3 ص26 تحقيق أحمد شاكر، وانظر صحيح مسلم ج4 ص2277.
وعثمان من السابقين الأولين وهوخليفة مظلوم طلب منه أن ينعزل بغير حق فلم ينعزل ولم يقاتل عن نفسه حتى قتل، والحسين (لم يكن متوليا وإنما كان طالبا للولاية، حتى رأى أنها متعذرة وطلب منه ليستأسر ليحمل إلى يزيد مأسورا، فلم يجب إلى ذلك وقاتل حتى قتل مظلوما، شهيدا، فظلم عثمان كان أعظم وصبره وحلمه كان أكمل، وكلاهما مظلوم شهيد، ولومثل ممثل طلب علي والحسين للأمر بطلب الإسماعيلية كالحاكم وأمثاله وقال إن علي والحسين كانا ظالمين طالبين للرياسة من غير حق، بمنزلة الحاكم وأمثاله من ملوك بني عبيد، أما كان يكون كاذبا مفتريا في ذلك لصحة إيمان الحسن والحسين، ودينهما وفضلهما، ولنفاق هؤلاء وإلحادهم.
وكذلك من شبه عليا والحسين ببعض من قام من الطالبيين أوغيرهم بالحجاز، أوالشرق أوالغرب يطلب الولاية بغير حق، ويظلم الناس في أموالهم وأنفسهم، أما كان يكون ظالما كاذبا؟ فالمشبه بأبي بكر وعمر بعمر بن سعد أولى بالكذب والظلم، ثم غاية عمر بن سعد وأمثاله، أن يعترف بأنه طلب الدنيا بمعصية يعترف أنها معصية، وهذا ذنب كثير وقوعه من المسلمين.
وأما الشيعة فكثيرمنهم يعترفون بأنهم إنما قصدوا بالملك إفساد دين الإسلام، ومعاداة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما يعرف ذلك من خطاب الباطنية وأمثالهم، من الداخلين في الشيعة، فإنهم يعترفون بأنهم في الحقيقة لا يعتقدون دين الإسلام، وإنما يتظاهرون بالتشيع لقلة عقل الشيعة وجهلهم ليتوصلوا بهم إلى أغراضهم.
... وأوّل هؤلاء، بل خيارهم هوالمختار بن أبي عبيد الكذاب، فإنه كان أمير الشيعة، وقتل عبيد الله بن زياد، وأظهر الانتصار للحسين، حتى قتل قاتله وتقرب بذلك إلى محمد بن الحنفية وأهل البيت، ثم ادعى النبوة وأن جبريل يأتيه، وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ((سيكون في ثقيف كذاب ومبير)) (1).
__________
(1) مسلم ج4 ص 1971.
فكان الكذاب هوالمختار بن أبي عبيد، وكان المبير هوالحجاج بن يوسف الثقفي، ومن المعلوم أن عمر بن سعد أمير السرية التي قتلت الحسين، مع ظلمه وتقديمه الدنيا على الدين، لم يصل في المعصية إلى فعل المختار بن أبي عبيد، الذي أظهر الانتصار للحسين، وقتل قاتله بل كان هذا أكذب وأعظم ذنبا من عمر بن سعد.
فهذا الشيعي شر من ذلك الناصبي، بل والحجاج بن يوسف خير من المختار بن أبي عبيد، فإن الحجاج كان مبيرا كما سماه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم -يسفك الدماء بغير حق، والمختار كان كذابا يدعى الوحي وإتيان جبريل إليه، وهذا الذنب أعظم من قتل النفوس، فإن هذا كفر وإن لم يتب منه كان مرتدا، والفتنة أعظم من القتل.
وهذا باب مطرد لا تجد أحداً ممن تذمه الشيعة بحق أوباطل إلا وفيهم من هوشر منه، ولا تجد أحداً ممن تمدحه الشيعة إلا وفيمن تمدحه الخوارج من هوخير منه، فإن الروافض شر من النواصب، والذين تكفرهم أوتفسقهم الروافض، هم أفضل من الذين تكفرهم أوتفسقهم النواصب.
وأما أهل السنة فيتولون جمع لمؤمنين، ويتكلمون بعلم وعدل ليسوا من أهل الجهل، ولا من أهل الأهواء، ويتبرءون من طريقة الروافض والنواصب جميعا، ويتولون السابقين الأولين كلهم، ويعرفون قدر الصحابة، وفضلهم، ومناقبهم، ويرعون حقوق أهل البيت التي شرعها الله لهم، ولا يرضون بما فعله المختار ونحومن الكذابين، ولا ما فعل الحجاج ونحوه من الظالمين.
ويعلمون مع هذا مراتب السابقين الأولين، فيعلمون أن لأبي بكر وعمر من التقدم والفضائل ما لم يشاركهما فيهما أحد، من الصحابة لا عثمان ولا علي ولا غيرهما، وهذا كان متفقا عليه في الصدر الأول، إلا أن يكون خلاف شاذ لا يعبأ به.
حتى إن الشيعة الأولى أصحاب علي لم يكونوا يرتابون في تقديم أبي بكر وعمر عليه، فكيف وقد ثبت عنه من وجوه متواترة أنه كان يقول: خير هذه الأمة بعد نبيها أبوبكر وعمر، ولكن كان طائفة من شيعة علي، تقدمه على عثمان، وهذه المسألة أخفى من تلك، ولهذا كان أئمة أهل السنة متفقين على تقديم أبي بكر وعمر كما في مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ومالك، وأحمد بن حنبل، والثورى، والأوزاعي، والليث بن سعد، وسائر أئمة المسلمين، من أهل الفقه والحديث والزهد والتفسير من المتقدمين والمتأخرين.
وأما عثمان وعلي فكان طائفة من أهل المدينة يتوقفون فيهما، وهي إحدى الروايتين عن سفيان الثوري، ثم قيل إنه رجع عن ذلك لما اجتمع به أيوب السختياني، وقال من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وسائر أئمة السنة على تقديم عثمان وهومذهب جماهير أهل الحديث وعليه يدل النص، والإجماع والاعتبار.
وأما ما يحكى عن بعض المتقدمين من تقديم جعفر أوتقديم طلحة أونحوذلك فذلك في أمور مخصوصة لا تقديما عاما، وكذلك ما ينقل عن بعضهم في علي.
وأما قوله: فبعضهم اشتبه الأمرعليه ورأى لطالب الدنيا مبايعا فقلده،
وبايعه وقصر في نظره فخفي عليه الحق فاستحق المؤاخذة من الله تعالى، بإعطاء الحق لغير مستحقه، قال: وبعضهم قلد لقصور فطنته، ورأى الجم الغفير فتابعهم، وتوهم أن الكثرة تستلزم الصواب، وغفل عن قوله تعالى:
{وَقَلِيلٌ مَا هُم} (1)، {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور} (2).
فيقال لهذا المفترى: الذي جعل الصحابة الذين بايعوا أبا بكر ثلاثة أصناف أكثرهم طلبوا الدنيا وصنف قصروا في النظر، وصنف عجزوا عنه، لأن الشر إما أن يكون لفساد القصد. وإما أن يكون للجهل، والجهل إما أن يكون لتفريط في النظر، وإما أن يكون لعجز عنه.
__________
(1) الآية 24 من سورة ص.
(2) الآية 24 من سورة ص.
وذكر أنه كان في الصحابة وغيرهم من قصر في النظر حين بايع أبا بكر، ولونظر لعرف الحق، وهذا يؤاخذ على تفريطه، بترك النظر الواجب، وفيهم من عجز عن النظر، فقلد الجم الغفير، يشير بذلك إلى سبب مبايعة أبي بكر.
فيقال له هذا من الكذب الذي لا يعجز عنه أحد، والرافضة قوم بهت فلوطلب من هذا المفتري دليل على ذلك لم يكن له على ذلك دليل، والله تعال قد حرم القول بغير علم، فكيف إذا كان المعروف ضد ما قاله فلولم نكن نحن عالمين بأحوال الصحابة لم يجز أن نشهد عليهم بما لا نعلم من فساد القصد، والجهل بالمستحق. قال تعالى: {ولا تقفُ ما ليس لك به علم إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أولئِكَ كان عنهُ مَسئولاً} (1) وقال تعالى: {َها أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمُ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْم} (2) فكيف إذا كنا نعلم أنهم كانوا أكمل هذه الأمة عقلا، وعلما، ودينا، كما قال فيهم عبد الله بن مسعود: ((من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد كانوا والله أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوبا، وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فأعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم، في آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم، ودينهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم)) (3). رواه غير واحد منهم ابن بطة، عن قتادة.
__________
(1) الآية 36 من سورة الإسراء.
(2) الآية 66 من سورة آل عمران.
(3) انظر المسند ج5 ص211 تحقيق أحمد شاكر، وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار، والطبراني في الكبير. مجمع الزوائد ج1 ص177
وروى هووغيره بالأسانيد المعروفة إلى زر بنت حبيش، قال: قال عبد الله بن مسعود: ((إن الله تبارك وتعالى نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسنا فهوعند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئاً فهوعند الله سيء)) (1).
وفي رواية قال أبوبكر بن عياش الراوي لهذا الأثر، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود (، وقد رأى أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر.
فقول عبد الله بن مسعود كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، كلام جامع بين فيه حسن قصدهم ونياتهم، ببر القلوب وبين فيه كمال المعرفة ودقتها بعمق العلم، وبين فيه تيسر ذلك عليهم وامتناعهم من القول بلا علم، بقلة التكلف وهذا خلاف ما قاله هذا المفترى الذي وصف أكثرهم بطلب الدنيا، وبعضهم بالجهل، إما عجزا وإما تفريطا والذي قاله عبد الله حق فإنهم خير هذه الأمة، كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حيث قال: ((خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) (2).وهم أفضل الأمة الوسط الشهداء على الناس، الذين هداهم الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فليسوا من المغضوب عليهم الذين يتبعون أهواءهم، ولا من الضالين الجاهلين، كما قسمهم هؤلاء المفترون، إلى ضلال وغواة، بل لهم كمال العلم، وكمال القصد.
__________
(1) انظر المرجع السابق.
(2) تقدمت الإشارة إلى مواضعه انظر ص.
إذ لولم يكن كذلك للزم أن لا تكون هذه الأمة خير الأمم، وأن لا يكونوا خير الأمة وكلاهما خلاف الكتاب والسنة، وأيضا فالاعتبار العقلي يدل على ذلك، فإن من تأمل أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وتأمل أحوال اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين، تبين له من فضيلة هذه الأمة على سائر الأمم في العلم النافع، والعمل الصالح، ما يضيق هذا الموضع عن بسطه.
والصحابة أكمل الأمة في ذلك بدلالة الكتاب والستة والإجماع، والاعتبار ولهذا لا تجد أحدا من أعيان الأمة إلا وهومعترف بفضل الصحابة عليه، وعلى أمثاله، وتجد من ينازع في ذلك كالرافضة من أجهل الناس، ولهذا لا يوجد في أئمة الفقه الذين يرجع إليهم رافضي، ولا في أئمة الحديث ولا في أئمة الزهد والعبادة، ولا في أئمة الجيوش المؤيدة المنصورة رافضي، ولا في الملوك الذين نصروا الإسلام وأقاموه وجاهدوا عدوه من هورافضي، ولا في الوزراء الذين لهم سيرة محمودة من هورافضي.
وأكثر ما تجد الرافضة إما في الزنادقة المنافقين الملحدين، وإما في جهال ليس لهم علم بالمنقولات ولا بالمعقولات، قد نشأ بالبوادي والجبال، وتجبروا على المسلمين، فلم يجالسوا أهل العلم والدين، وإما في ذوي الأهواء ممن قد حصل له بذلك رياسة ومال، أوله نسب يتعصب به كفعل أهل الجاهلية، وأما من هوعند المسلمين من أهل العلم والدين، فليس في هؤلاء رافضي، لظهور الجهل والظلم في قولهم، وتجد ظهور الرفض في شر الطوائف كالنصيرية والاسماعيلية، والملاحدة الطرقية، وفيهم من الكذب والخيانة وإخلاف الوعد ما يدل على نفاقهم، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ((آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان)) (1) - زاد مسلم - ((وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم)) وأكثر ما توجد هذه الثلاث في طوائف أهل القبلة في الرافضة.
وأيضا فيقال لهذا المفترى: هب أن الذين بايعوا الصديق كانوا كما ذكرت إما طالب دنيا وإما جاهل، فقد جاء بعد أولئك في قرون الأمة، من يعرف كل أحد زكاءهم، وذكاءهم.
مثل سعيد بن المسيب، الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، وعلقمة، والأسود، وعبيدة السلماني، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء جابر بن زيد، وعلي بن زيد، وعلي بن الحسين، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، ومطرف بن الشخير، ومحمد بن واسع، وحبيب العجمى، ومالك بن دينار، ومكحول، والحكم بن عتبة، ويزيد بن أبي حبيب، ومن لا يحصي عددهم إلا الله.
__________
(1) انظر البخاري ج1 ص 12 وغيره، ومسلم ج1 ص78.
ثم بعدهم أيوب السختياني، وعبد الله بن عون، ويونس بن عبيد، وجعفر بن محمد، والزهري، وعمروبن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأبوالزناد، ويحيى بن أبي كثير، وقتادة، ومنصور بن المعتمر، والأعمش، وحماد بن أبي سليمان، وهشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة.
ومن بعد هؤلاء مثل، مالك بن انس، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، والليث بن سعد، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وشريك، وابن أبي ذئب، وابن الماجشون.
ومن بعدهم، مثل يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن القاسم، وأشهب بن عبد العزيز، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحق بن راهويه، وأبي عبيد، وأبي ثور، ومن لا يحصى عدده إلا الله تعالى، ممن ليس لهم غرض في تقديم غير الفاضل لا لأجل رياسة، ولا مال.
وممن هم اعظم الناس نظرا في العلم وكشفا لحقائقه، وهم كلهم متفقون على تفضيل أبي بكر وعمر.
بل الشيعة الأولى الذين كانوا على عهد علي كانوا يفضلون أبا بكر وعمر، قال أبي القاسم سألت مالكا عن أبي بكر وعمر، فقال: مارأيت أحدا ممن اقتدى به يشك في تقديمهما. يعني على علي وعثمان فحكى إجماع أهل المدينة على تقديمهما.
وأهل المدينة لم يكونوا مائلين الى بني أمية كما كان أهل الشام، بل قد خلعوا بيعة يزيد، وحاربهم عام الحرة وجرى بالمدينة ما جرى.
ولم يكن أيضا قتل علي منهم أحدا كما قتل من أهل البصرة ومن أهل الشام، بل كانوا يعدّونه من علماء المدينة، إلى أن خرج منها، وهم متفقون على تقديم أبي بكر وعمر.
وروى البيهقي بإسناده عن الشافعي. قال: لم يختلف الصحابة والتابعون في تقديم أبي بكر وعمر، وقال شريك بن أبي نمر: وقال له قائل أيما أفضل أبوبكر أوعلي؟ فقال له: أبوبكر. فقال له السائل: تقول هذا وأنت من الشيعة؟ فقال: نعم إنما الشيعيّ من يقول هذا، والله لقد رقى علىّ هذه الأعواد، فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبوبكر وعمر أفكنا نردّ قوله، أفكنا نكذبه، والله ما كان كذابا (1).
وذكر هذا القاضي عبد الجبار في كتاب تثبت النبوة له، وعزاه إلى كتاب أبي القاسم البلخي، الذي صنفه في النقض على ابن الرواندي اعتراضه على الجاحظ (2).
فكيف يقال مع هذا أن الذين بايعوه كانوا طلاب الدنيا، أوجهالا، ولكن هذا وصف الطاعن فيهم، فإنك لا تجد في طوائف القبلة أعظم جهلا من الرافضة، ولا أكثر حرصا على الدنيا، وقد تدبرتهم فوجدتهم لا يضيفون إلى الصحابة عيبا إلا وهم أعظم الناس اتصافا به، والصحابة ابعد عنه، فهم أكذب الناس بلا ريب كمسيلمة الكذاب، إذ قال: أنا نبي صادق، ولهذايصفون أنفسهم بالإيمان، ويصفون الصحابة بالنفاق، وهم أعظم الطوائف نفاقا، والصحابة أعظم الخلق إيمانا.
وأما قوله: وبعضهم طلب الأمر لنفسه بحق وبايعه الأقلون الذين اعرضوا عن الدنيا وزينتها، ولم تأخذهم بالله لومة لائم، بل أخلصوا لله واتبعوا ما أمروا به من طاعة من يستحق التقديم، وحيث حصل للمسلمين هذه البلية، وجب على كل أحد النظر في الحق واعتماد الإنصاف، وأن يقر الحق مقره، ولا يظلم مستحقه، فقد قال تعالى: {َأَلاَ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الظَّالِمِين} (3).
__________
(1) تقدمت الإشارة إليه ص55 وص9.
(2) انظر في تثبيت دلائل النبوة ج 2 ص 549.
(3) الآية 18 من سورة هود عليه السلام
فيقال له أولا: قد كان الواجب أن يقال لما ذهب طائفة إلى كذا، وطائفة إلى كذا، وجب أن ينظر أي القولين أصح، فأما إذا رضيت إحدى الطائفتين باتباع الحق، والأُخرى باتباع الباطل، فإن كان هذا قد تبين فلا حاجة إلى النظر، وإن لم يتبين بعد لم يذكر حتى يتبين.
ويقال له ثانيا: قولك: أنه طلب الأمر لنفسه بحق، وبايعه الأقلون كذب على علي (، فإنه لم يطلب الأمر لنفسه في خلافة أبي بكر، وعمر وعثمان، وإنما طلبه لما قتل عثمان وبويع وحينئذ فأكثر الناس كانوا معه، لم يكن معه الأقلون وقد اتفق أهل السنة والشيعة على أن عليا لم يدع إلى مبايعته في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، ولا بايعه على ذلك أحد.
ولكن الرافضة تدعى أنه كان يريد ذلك، وتعتقد أنه الإمام المستحق للإمامة، دون غيره، لكن كان عاجزا عنه وهذا لوكان حقا لم يفدهم، فإنه لم يطلب الأمر لنفسه، ولا تابعه أحد على ذلك، فكيف إذا كان باطلا.
وكذلك قوله بايعه الأقلون، كذب على الصحابة فإنه لم يبايع منهم أحد لعلي على عهد الخلفاء الثلاثة، ولا يمكن أحد أن يدعي هذا، ولكن غاية ما يقول القائل انه كان فيهم من يختار مبايعته، ونحن نعلم أن عليا لما تولى كان كثير من الناس يختار ولاية معاوية، وولاية غيرهما، ولما بويع عثمان كان في نفوس بعض الناس ميل إلى غيره، فمثل هذا لا يخلومن الوجود.
وقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة وبها وما حولها منافقون، كما قال تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِنَ الأَعْرَاب مُنَافِقُون وَمِن أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُم نَحْنُ نَعْلَمُهُم} (1) وقد قال تعالى عن المشركين: {وَقَالُوا لَوْلاَ نَزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم} (2)
__________
(1) الآية 1.1 من سورة التوبة.
(2) الآية 31 من سورة الزخرف.
فأحبوا أن ينزل القرآن على من يعظمونه من أهل مكة والطائف، قال تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُم في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُم فَوْقَ بَعْض دَرَجَات} (1).
وأما ما وصفه لهؤلاء بأنهم الذين أعرضوا عن الدنيا وزينتها، وأنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم، فهذا من أبين الكذب، فإنه لم ير الزهد والجهاد في طائفة أقل منه في الشيعة، والخوارج المارقون كانوا أزهد منهم وأعظم قتالا، حتى يقال في المثل حملة خارجية وحروبهم مع جيوش بني أمية وبني العباس وغيرهما بالعراق والجزيرة وخراسان والمغرب وغيرهما معروفة، وكانت لهم ديار يتحيزون فيها لا يقدر عليهم أحد.
وأما الشيعة فهم دائما مغلوبون، مقهورون منهزمون، وحبهم للدنيا وحرصهم عليها ظاهر، ولهذا كاتبوا الحسين (، فلما أرسل إليهم ابن عمه، ثم قدم بنفسه غدروا به، وباعوا الآخرة بالدنيا، وأسلموه إلى عدوه، وقاتلوه مع عدوه، فأي زهد عند هؤلاء، وأي جهاد عندهم.
__________
(1) الآية 32 من سورة الزخرف.
وقد ذاق منهم علي بن أبي طالب (من الكاسات المرة ما لا يعلمه إلا الله، حتى دعا عليهم، فقال: اللهم إني سئمتهم وسئموني فأبدلني بهم خيرا منهم، وأبدلهم بي شرا مني، وقد كانوا يغشونه ويكاتبون من يحاربه، ويخونونه في الولايات، والأموال، هذا ولم يكونوا بعد صاروا رافضة، إنما سمعوا شيعة علي لما افترق الناس فرقتين، فرقة شايعت أولياء عثمان، وفرقة شايعت أولياء عليا رضى الله عنهما، فأولئك خيار الشيعة، وهم من شر الناس معاملة لعلي بن أبي طالب (، وابنيه سبطى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وريحانته في الدنيا الحسن والحسين، وهم أعظم الناس قبولا للوم اللائم في الحق، وأسرع الناس إلى الفتنة، وأعجزهم عنها، يغرون من يظهرون نصره من أهل البيت، حتى إذا اطمأن إليهم ولامهم عليه اللائم، خذلوه وأسلموه وآثروا عليه الدنيا، ولهذا أشار عقلاء المسلمين ونصحاؤهم على الحسين أن لا يذهب إليهم، مثل عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام وغيرهم، لعلمهم بأنهم يخذلونه، ولا ينصرونه، ولا يوفون له بما كتبوا به إليه، وكان الأمر كما رأى هؤلاء، ونفذ فيهم دعاء عمر بن الخطاب، ثم دعاء علي بن أبي طالب.
حتى سلط الله عليهم الحجاج بن يوسف، كان لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم، ودب شرهم إلى من لم يكن منهم، حتى عم الشر، وهذه كتب المسلمين التي ذكر فيها زهاد الأمة ليس فيهم رافضي.
كيف والرافضي من جنس المنافقين، مذهبه التقية فهل هذا حال من لا تأخذه بالله لومة لائم، إنما هذه حال من نعته الله في كتابه بقوله: {َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِيِنهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهَ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين يُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمْ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيم} (1).
وهذه حال من قاتل المرتدين، وأولهم الصديق، ومن اتبعه إلى يوم القيامة، فهم الذين جاهدوا المرتدين، كأصحاب مسيلمة الكذاب، ومانعي الزكاة، وغيرهما وهم الذين فتحوا الأمصار، وغلبوا فارس والروم، وكانوا أزهد الناس، كما قال عبد الله بن مسعود لأصحابه: أنتم أكثر صلاة وصياما من أصحاب محمد، وهم كانوا خيرا منكم، قالوا: لما يا أبا عبد الرحمن، قال: لأنهم كانوا، أزهد في الدنيا، وأرغب في الآخرة، فهؤلاء هم الذين لاتأخذهم في الله لومة لائم.
بخلاف الرافضة، فإنهم أشد الناس خوفا من لوم اللائم، ومن عدوّهم، وهم كما قال تعالى: {َيحسبونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِم هُم الْعَدُوّ فَاحْذَرْهُم قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُون} (2).ولا يعيشون في أهل القبلة إلا من جنس اليهود في أهل الملل. ثم يقال: من هؤلاء الذين زهدوا في الدنيا، ولم تأخذهم في الله لومة لائم، ممن لم يبايع أبا بكر وعمر وعثمان (م، وبايع عليا، فإنه من المعلوم أن في زمن الثلاثة لم يكن أحد منحازا عن الثلاثة مظهراً لمخالفتهم ومبايعة علي، بل كل الناس كانوا مبايعين لهم فغاية ما يقال أنهم كانوا يكتمون تقديم علي وليست هذه حال من لا تأخذه في الله لومة لائم.
__________
(1) الآية 54 من سورة المائدة.
(2) الآية 4 من سورة المنافقون.
وأما في حال ولاية علي فقد كان (من أكثر الناس لوما لمن معه على قلة جهادهم، ونكولهم عن القتال، فأين هؤلاء الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، من هؤلاء الشيعة، وإن كذبوا على أبي ذر من الصحابة وسلمان وعمار وغيرهم، فمن المتواتر أن هؤلاء كانوا من أعظم الناس تعظيما لأبي بكر وعمر، واتباعاً لهما، وإنما ينقل عن بعضهم التعنت على عثمان، لا على أبي بكر وعمر، وسيأتي الكلام على ما جرى لعثمان (.
ففي خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، لم يكن أحد يسمى من الشيعة، ولا تضاف الشيعة إلى أحد لا عثمان ولا علي ولا غيرهما، فلما قتل عثمان تفرق المسلمون، فمال قوم إلى عثمان، ومال قوم إلى علي واقتتلت الطائفتان، وقتل حينئذ شيعة عثمان شيعة علي، وفي صحيح مسلم عن سعد بن هشام أنه أراد أن يغزوفي سبيل الله وقدم المدينة فأراد أن يبيع عقارا له فيها فيجعله في السلاح والكراع، ويجاهد الروم حتى يموت، فلما قدم المدينة لقي أناسا من أهل المدينة، فنهوه عن ذلك وأخبروه أن رهطاً ستة أرادوا ذلك في حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نهاهم نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وقال: ((أليس لكم بي أسوة؟))، فلما حدثوه بذلك راجع امرأته، وقد كان طلقها وأشهد على رجعتها. فأتى ابن عباس وسأله عن وتر رسول الله صلى لله تعالى عليه وسلم. فقال ابن عباس: ألا أدلك علىأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فقال من؟ قال: عائشة رضى الله عنها، فأتها فاسألها ثم ائتني فاخبرني، بردها عليك، قال فانطلقت إليها فأتيت على حكيم بن افلح فاستلحقته إليها فقال: ما أنا بقاربها لأني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئا فأبت فيهما لا مضيا.
... قال: فأقسمت عليه فجاء فانطلقنا إلى عائشة رضى الله عنها وذكرا
الحديث (1)
__________
(1) انظر مسلم ج2 ص 512.
، وقال معاوية لابن عباس أنت على ملة علي، فقال لا على ملة علي، ولا على ملة عثمان، أنا على ملة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
وكانت الشيعة أصحاب علي يقدمون عليه أبا بكر وعمر، وإنما كان النزاع في تقديمه على عثمان، ولم يكن حينئذ يسمى أحد لا إماميا ولا رافضيا وإنما سموا رافضة، وصاروا رافضة، لما خرج زيد بن علي بن الحسين بالكوفة، في خلافة هشام، فسألته الشيعة عن أبي بكر وعمر، فترحم عليهما فرفضه قوم، فقال رفضتموني رفضتموني. فسموا رافضة، وتولاه قوم فسموا زيدية، لانتسابهم إليه.
ومن حينئذ انقسمت الشيعة، إلى رافضة إمامية وزيدية، وكلما زادوا في البدعة زادوا في الشر، فالزيدية خير من الرافضة، أعلم وأصدق وأزهد، وأشجع.
ثم بعد أبي بكر، عمر بن الخطاب هوالذي لم تكن تأخذه في الله لومة لائم، وكان أزهد الناس باتفاق الخلق كما قيل فيه رحم الله عمر لقد تركه الحق ما له من صديق.
ونحن لا ندعي العصمة لكل صنّف من أهل السنّة، وإنما ندعي أنهم لا يتفقون على ضلالة، وأن كل مسألة اختلف فيها أهل السنّة والجماعة والرافضة، فالصواب فيها مع أهل السنّة.
وحيث تصيب الرافضة، فلا بد أن يوافقهم على الصواب بعض أهل السنّة، وللروافض خطأ لا يوافقهم أحد عليه من أهل السنّة، وليس للرافضة مسألة واحدة لا يوافقهم فيها أحد فانفردوا بها عن جميع أهل السنّة والجماعة إلا وهم مخطئون فيها كإمامة الإثنى عشر، وعصمتهم.
أن الإمامة أهم مطالب الدين
إن قول القائل:"إن مسألة الإمامة أهم المطالب في أحكام الدين، وأشرف مسائل المسلمين"، كذب بإجماع المسلمين سنيِّهم وشيعيِّهم، بل هذا كفر.
فإن الإيمان بالله ورسوله أهم من مسألة الإمامة، وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فالكافر لا يصير مؤمناً حتى يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وهذا هوالذي قاتل عليه الرسول صلى الله عليه وسلم الكفار أولاً، كما استفاض عنه في الصحاح وغيرها أنه قال:"أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله". وفي رواية:"ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها".
وقد قال تعالى:} فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ {[سورة التوبة: 5]. فأمر بتخلية سبيلهم إذا تابوا من الشرك وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة. [وكذلك قال لعليّ لما بعثه إلى خيبر].
وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يسير في الكفار؛ فيحقن دماءهم بالتوبة من الكفر، لا يذكر لهم الإمامة بحال. وقد قال تعالى بعد هذا:} فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ {[سورة التوبة: 11]، فجعلهم إخواناً في الدين بالتوبة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولم يذكر الإمامة بحال.
ومن المتواتر أن الكفار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا أسلموا أجرى عليهم أحكام الإسلام ولم يذكر لهم الإمامة بحال، ولا نقل هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد من أهل العلم: لا نقلاً خاصاً ولا عاماً. بل نحن نعلم بالاضطرار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يذكر للناس إذا أرادوا الدخول فيه دينه الإمامة لا مطلقاً ولا معيناً، فكيف تكون أهم المطالب في أحكام الدين؟
ومما يبين ذلك أن الإمامة - بتقدير الاحتياج إلى معرفتها - لا يحتاج إليها من مات على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة، ولا يحتاج إلى التزام حكمها من عاش منهم إلى بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون أشرف مسائل المسلمين وأهم المطالب في الدين لا يحتاج إليه أحد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ أوليس الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته واتبعوه باطناً وظاهراً، ولم يرتدوا ولم يبدِّلوا، هم أفضل الخلق باتفاق المسلمين: أهل السنة والشيعة؟ فكيف يكون أفضل المسلمين لا يحتاج إلى أهم المطالب في الدين وأشرف مسائل المسلمين؟
فإن قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان هوالإمام في حياته، وإنما يُحتاج إلى الإمام بعد مماته، فلم تكن هذه المسألة أهم مسائل الدين في حياته، وإنما صارت أهم مسائل الدين بعد موته.
قيل: الجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أنه بتقدير صحة ذلك لا يجوز أن يقال: إنها أهم مسائل الدين مطلقاً، بل في وقت دون وقت، وهي في خير الأوقات ليست أهم المطالب في أحكام الدين ولا أشرف مسائل المسلمين.
الثاني: أن يقال: الإيمان بالله ورسوله في كل زمان ومكان أعظم من مسألة الإمامة، فلم تكن في وقت من الأوقات لا الأهم ولا الأشرف.
الثالث: أن يقال: فقد كان يجب بيانها من النبي صلى الله عليه وسلم لأمته الباقين [من] بعده، كما بين لهم أمور الصلاة والزكاة والصيام والحج، [وعين] أمر الإيمان بالله وتوحيده واليوم الآخر. ومن المعلوم أنه ليس بيان مسألة الإمامة في الكتاب والسنة كبيان هذه الأصول.
فإن قيل: بل الإمامة في كل زمان هي الأهم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان نبياً إماماً، وهذا كان معلوماً لمن آمن به أنه [كان] إمام ذلك الزمان.
قيل: الاعتذار بهذا باطل من وجوه:
أحدها: أن قول القائل: الإمامة أهم المطالب في أحكام الدين: إما أن يريد به إمامة الاثني عشر، أوإمام كل زمام بعينه في زمانه، بحيث يكون الأهم في زماننا الإيمان بإمامة محمد المنتظر، والأهم في زمان الخلفاء الأربعة الإيمان بإمامة عليّ عندهم، والأهم في زمان النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بإمامته. وإما أن يراد به الإيمان بأحكام الإمامة مطلقاً غير معين. وإما أن يراد به معنى رابعاً.
أما الأول: فقد عُلم بالاضطرار أن هذا لم يكن معلوماً شائعاً بين الصحابة ولا التابعين، بل الشيعة تقول: إن كل واحد إنما يُعيّن بنص مَنْ قبله، فبطل أن يكون هذا أهم أمور الدين.
وأما الثاني: فعلى هذا التقدير يكون أهم المطالب في كل زمان الإيمان بإمام ذلك الزمان، ويكون الإيمان من سنة سِتين ومائتين إلى هذا التاريخ إنما هوالإيمان بإمامة محمد بن الحسن، ويكون هذا أعظم من الإيمان بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ومن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، ومن الإيمان بالصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر الواجبات. وهذا مع أنه معلوم فساده بالاضطرار من دين المسلمين، فليس هومذهب الإمامية، فإن اهتمامهم بعلي وإمامته أعظم من اهتمامهم بإمامة المنتظر، كما ذكره هذا المصنف وأمثاله من شيوخ الشيعة.
وأيضاً: فإن كان هذا هوأهم المطالب في الدين فالإمامية أخسر الناس صفقة في الدين، لأنهم جعلوا الإمام المعصوم هوالإمام المعدوم والذي لم ينفعهم في دين ولا دنيا، فلم يستفيدوا من أهم الأمور الدينية شيئاً من منافع الدين ولا الدنيا.
فإن قالوا: إن المراد [أن] الإيمان بحكم الإمامة مطلقاً هوأهم أمور الدين. كان هذا أيضاً باطلاً للعلم الضروري أن غيرها من أمور الدين أهم منها.
وإن أريد معنى رابع فلابد من بيانه لنتكلم عليه.
الوجه الثاني: أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم تجب طاعته على الناس لكونه إماماً، بل لكونه رسول الله إلى الناس. وهذا المعنى ثابت له حيًّا وميتاً، فوجوب طاعته على من بعده، كوجوب طاعته على أهل زمانه. وأهل زمانه فيهم الشاهد الذي يسمع أمره ونهيه، وفيهم الغائب الذي بلَّغه الشاهد أمره ونهيه، فكما يجب على الغائب عنه في حياته طاعة أمره ونهيه، يجب ذلك على من يكون بعد موته.
وهوصلى الله عليه وسلم أمره شامل عام لكل مؤمن شهده أوغاب عنه في حياته وبعد موته، وليس هذا لأحد من الأئمة ولا يستفاد هذا بالإمامة حتى أنه صلى الله عليه وسلم إذا أمر ناساً معينين بأمور، وحكم في أعيان معينة بأحكام، لم يكن حكمه وأمره مختصاً بتلك المعينات، بل كان ثابتاً في نظائرها وأمثالها إلى يوم القيامة. فقوله صلى الله عليه وسلم لمن شهده:"لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود"، هوحكم ثابت لكل مأموم بإمام أن لا يسبقه بالركوع ولا بالسجود. وقوله لمن قال: لم أشعر فحلقت قبل أن أرمي. قال:"ارم ولا حرج". ولمن قال: نحرت قبل أن أحلق.
قال:"احلق ولا حرج"، أمر لمن كان مثله. وكذلك قوله لعائشة - رضي الله عنهما - لما حاضت وهي معتمرة:"اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت"، وأمثال هذا كثير، بخلاف الإمام إذا أطيع.
وخلفاؤه بعده في تنفيذ أمره ونهيه كخلفائه في حياته، فكل آمر بأمر يجب طاعته [فيه] إنما هومنفذ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله أرسله إلى الناس وفرض عليهم طاعته، لا لأجل كونه إماماً له شوكة وأعوان، أولأجل أن غيره عهد إليه بالإمامة [أوغير ذلك]. فطاعته لا تقف على ما تقف عليه طاعة الأئمة من عهد من قبله أوموافقة ذوي الشوكة أوغير ذلك، بل تجب طاعته صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن معه أحد وإن كذبه جميع الناس.
وكانت طاعته واجبة بمكة قبل أن يصير له أنصار وأعوان يقاتلون معه، فهوكما قال سبحانه [فيه]:} وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ {[سورة آل عمران: 144]، بيَّن سبحانه وتعالى أنه ليس بموته ولا قتله ينتقض حكم رسالته كما ينتقض حكم الإمامة بموت الأئمة وقتلهم، وأنه ليس من شرطه أن يكون خالداً لا يموت، فإنه ليس هوربًّا وإنما هورسول قد خلت من قبله الرسل، وقد بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه، فطاعته واجبة بعد مماته وجوبها في حياته وأوكد، لأن الدين كمل واستقر بموته فلم يبق فيه نسخ، ولهذا جُمع القرآن بعد موته كماله واستقراره بموته.
فإذا قال القائل: إنه كان إماماً في حياته، وبعده صار الإمام غيره. إن أراد بذلك أنه صار بعده من هونظريه يُطاع كما يطاع الرسول، فهذا باطل. وإن أراد أنه قام من يخلفه في تنفيذ أمره ونهيه، فهذا كان حاصلاً في حياته فإنه إذا غاب كان هناك من يخلفه.
وإن قيل: إنه بعد موته لا يباشر معيناً بالأمر بخلاف حياته.
قيل: مباشرته بالأمر ليست شرطاً في وجوب طاعته، بل تجب طاعته على من بَلَغه أمره [ونهيه]، كما تجب طاعته على من سمع كلامه، وقد كان يقول:"ليُبَلِّغ الشاهد الغائب فرب مُبلَّغ أوعى من سامع".
وإن قيل: إنه في حياته كان يقضي في قضايا معينة، مثل إعطاء شخص بعينه، وإقامة الحد على شخص بعينه، وتنفيذ جيش بعينه.
قيل: نعم. وطاعته واجبة في نظير ذلك إلى يوم القيامة بخلاف الأئمة، لكن قد يخفى الاستدلال [على نظير ذلك] كما يخفى العلم على من غاب عنه. فالشاهد أعلم بما قال وأفهم له من الغائب، وإن كان فيمن غاب وبُلِّغ أمره من هوأوعى له من بعض السامعين، لكن هذا التفاضل الناس في معرفة أمره ونهيه، لا [لتفاضلهم] في وجوب طاعته عليهم، فما تجب طاعة ولي الأمر بعده إلا كما تجب طاعة ولاة الأمور في حياته. فطاعته واجبة شاملة لجميع العباد شمولاً واحداً، وإن تنوعت طرقهم في البلاغ والسماع والفهم. فهؤلاء يبلغهم من أمره ما لم يبلغ هؤلاء، وهؤلاء يسمعون من أمره ما لم يسمعه هؤلاء، وهؤلاء يفهمون من أمره ما لم يفهمه هؤلاء.
وكل من أمر بما أمر به الرسول وجبت طاعته طاعة الله ورسوله لا له، وإذا كان للناس ولي أمر قادر ذوشوكة فيأمر بما يأمر ويحكم بما يحكم، انتظم الأمر بذلك، ولم يجز أن يُوَلَّى غيره، ولا يمكن بعده أن يكون شخص واحد مثله، إنما يوجد من هوأقرب إليه من غيره، فأحق الناس بخلافة نبوته أقربهم إلى الأمر بما يأمر به والنهي عما نهى عنه، ولا يطاع أمره طاعة ظاهرة غالبة إلا بقدرة وسلطان يوجب الطاعة، كما لم يُطع أمره في حياته طاعة [ظاهرة] غالبة حتى صار معه من يقاتل على طاعة أمره.
فالدين كله طاعة لله ورسوله، وطاعة الله ورسوله هي الدين كله، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله. ودين المسلمين بعد موته طاعة الله ورسوله، وطاعتهم لولي الأمر فيما أُمروا بطاعته فيه هوطاعة لله ورسوله، وأمر ولي الأمر الذي أمره الله أن يأمرهم به وقَسْمُه وحكمه هوطاعة لله ورسوله، فأعمال الأئمة والأمة في حياته ومماته التي يحبها الله ويرضاها كلها طاعة لله ورسوله، ولهذا كان أصل الدين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
فإذا قيل: هوكان إماماً، وأُريدَ بذلك إمامة خارجة عن الرسالة، أوإمامة يُشترط فيها ما لا يشترط في الرسالة، أوإمامة تعتبر فيها طاعته بدون طاعة الرسول، فهذا كله باطل. فإن كل ما يطاع به داخل في رسالته، وهوأن كل ما يطاع فيه يطاع بأنه رسول الله، ولوقُدِّر أنه كان إماماً مجرداً لم يطع حتى تكون طاعته داخلة في طاعة رسول آخر، فالطاعة إنما تجب لله ورسوله ولمن أَمَرت الرسل بطاعتهم.
فإن قيل: أُطيع بإِمامته طاعة داخلة في رسالته. كان هذا عديم التأثير، فإن مجرد رسالته كافية في وجوب طاعته، بخلاف الإمام فإنه إنما يصير إماماً بأعوان ينفذون أمره، وإلا كان كآحاد أهل العلم والدين، إن كان من أهل العلم والدين.
فإن قيل: إنه صلى الله عليه وسلم لما صار له شوكة بالمدينة، صار له مع الرسالة إمامة القدرة.
قيل: بل صار رسولاً له أعوان وأنصار ينفذون أمره ويجاهدون من خالفه. وهوما دام في الأرض من يؤمن بالله ورسوله ويجاهد في سبيله، له أعوان وأنصار ينفذون أمره ويجاهدون من خالفه، فلم يستفد بالأعوان ما يحتاج أن يضمه إلى الرسالة، مثل كونه إمامًا أوحاكمًا أوولي أمر، إذا كان هذا كله داخلاً في رسالته، ولكن بالأعوان حصل له كمال قدره، أوجبت عليه من الأمر والجهاد ما لم يكن واجباً بدون القدرة. والأحكام تختلف باختلاف حال القدرة والعجز والعلم وعدمه، كما تختلف باختلاف الغنى والفقر والصحة والمرض. والمؤمن مطيع لله في ذلك كله، وهومطيع لرسول الله في ذلك كله، ومحمد رسول الله فيما أمر به ونهى عنه، [مطيع لله] في ذلك كله.
وإن قالت الإمامية: الإمامة واجبة بالعقل بخلاف الرسالة، فهي أهم من هذا الوجه.
قيل: الوجوب العقلي فيه نزاع كما سيأتي. وعلى القول بالوجوب العقلي، فما يجب من الإمامة جزء من أجزاء الواجبات العقلية، وغير الإمامة أوجب من ذلك، كالتوحيد والصدق والعدل وغير ذلك من ا لواجبات العقلية.
وأيضاً: فلا ريب أن الرسالة يحصل بها هذا الواجب، فمقصودها جزء من مقصود الرسالة، فالإيمان بالرسول يحصل به مقصود الإمامة في حياته وبعد مماته، بخلاف الإمامة.
وأيضاً: فمن ثبت عنده أن محمداً رسول الله، وأن طاعته واجبة عليه، واجتهد في طاعته حسب الإمكان. إن قيل: إنه يدخل الجنة، فقد استغنى عن مسألة الإمامة.
وإن قيل: لا يدخل الجنة، كان هذا خلاف نصوص القرآن. فإنه سبحانه أوجب الجنة لمن أطاع الله ورسوله في غير موضع، كقوله - تعالى -:} وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا {[سورة النساء: 69]، وقوله:} تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ {[سورة النساء: 13].
وأيضاً: فصاحب الزمان الذي يدعون إليه، لا سبيل للناس إلى معرفته، ولا معرفة ما يأمرهم به، وما ينهاهم عنه، وما يخبرهم به. فإن كان أحد لا يصير سعيداً إلا بطاعة هذا الذي لا يُعرف أمره ولا نهيه لزم أنه لا يتمكن أحد من طريق النجاة والسعادة وطاعة الله، وهذا من أعظم تكليف ما لا يطاق، وهم من أعظم الناس إحالة له.
وإن قيل: بل هويأمر بما عليه الإمامية.
قيل: فلا حجة إلى وجوده ولا شهوده، فإن هذا معروف سواء كان هوحيًّا أوميتًا وسواء كان شاهدًا أوغائبًا. وإذا كان معرفة ما أمر الله به الخلق ممكناً بدون هذا الإمام المنتظر، عُلم أنه لا حاجة إليه ولا يتوقف عليه طاعة الله ورسوله ولا نجاة أحد ولا سعادته. وحينئذ فيمتنع القول بجواز إمامه مثل هذا. فضلاً عن القول بوجوب إمامة مثل هذا، وهذا أمر بيّن لمن تدبره، لكن الرافضة من أجهل الناس.
وذلك أن فعل الواجبات العقلية والشرعية، وترك المستقبحات العقلية والشرعية، إما أن يكون موقوفاً على معرفة ما يأمر به وينهى عنه هذا المنتظر، وإما أن لا يكون موقوفاً. فإن كان موقوفاً، لزم تكليف ما لا يطاق، وأن يكون فعل الواجبات وترك المحرمات موقوفاً على شرط لا يقدر عليه عامة الناس، بل ولا أحد منهم، فإنه ليس في الأرض من يدَّعي دعوى صادقة أنه رأى هذا المنتظر أوسمع كلامه. وإن لم يكن موقوفاً على ذلك أمكن فعل الواجبات العقلية والشرعية. وترك القبائح العقلية والشرعية، بدون هذا المنتظر، فلا يُحتاج إليه، ولا يجب وجوده ولا شهوده.
وهؤلاء الرافضة علَّقوا نجاة الخلق وسعادتهم، وطاعتهم لله ورسوله، بشرط ممتنع لا يقدر عليه الناس، بل ولا يقدر عليه أحد منهم، وقالوا للناس: لا يكون أحد ناجياً من عذاب الله إلا بذلك، ولا يكون سعيداً إلا بذلك، ولا يكون أحداً مؤمناً إلا بذلك.
فلزم أحد أمرين: إما بطلان قولهم. وإما أن يكون الله قد آيس عباده من رحمته، وأوجب عذابه لجميع الخلق المسلمين وغيرهم. وعلى هذا التقدير فهم أول الأشقياء المعذبين، فإنه ليس لأحد منهم طريق إلى معرفة أمر هذا الإمام الذي يعتقدون أنه موجود غائب، ولا نهيه ولا خبره، بل عندهم من الأقوال المنقولة عن شيوخ الرافضة ما يذكرون أنه منقول عن الأئمة [المتقدمين على هذا المنتظر]، وهم لا ينقلون شيئاً عن المنتظر، وإن قٌدِّر أن بعضهم نقل عنه شيئاً عُلم أنه كاذب. وحينئذ فتلك الأقوال إن كانت كافية فلا حاجة إلى المنتظر، وإن لم تكن كافية فقد أقروا بشقائهم وعذابهم، حيث كانت سعادتهم موقوفة على آمر لا يعلمون بماذا أمر.
وقد رأيت طائفة من شيوخ الرافضة كابن العود الحلي يقول: إذا اختلفت الإمامية على قولين، أحدهما يُعرف قائله والآخر لا يعرف قائله، كان القول الذي لا يعرف قائله هوالقول الحق الذي يجب إتباعه، لأن المنتظر المعصوم في تلك الطائفة.
وهذا غاية الجهل والضلال، فإنه بتقدير وجود المنتظر المعصوم، لا يُعلم أنه قال ذلك القول، إذ لم ينقله عنه أحد، ولا عمَّن نقله عنه. فمن أين يجزم بأنه قوله؟ ولم لا يجوز أن يكون القول الآخر هوقوله، وهولغيبته وخوفه من الظالمين لا يمكنه إظهار قوله، كما يدَّعون ذلك فيه؟
فكان أصل دين هؤلاء الرافضة مبنيًّا على مجهول ومعدوم، لا على موجود ولا معلوم، يظنون أن إمامهم موجود معصوم، وهومفقود معدوم، ولوكان موجوداً معصوماً، فهم معترفون بأنهم لا يقدرون أن يعرفوا أمره ونهيه، كما [كانوا] يعرفون أمر آبائه ونهيهم.
والمقصود بالإمام إنما هوطاعة أمره، فإذا كان العلم بأمره ممتنعاً، كانت طاعته ممتنعة، فكان المقصود [به] ممتنعاً. وإذا كان المقصود [به] ممتنعاً، لم يكن [في] إثبات الوسيلة فائدة أصلاً، بل كان إثبات الوسيلة التي لا يحصل بها مقصودها من باب السفه والعبث والعذاب القبيح باتفاق أهل الشرع، و[باتفاق] العقلاء القائلين بتحسين العقول وتقبيحها، بل باتفاق العقلاء مطلقاً. فإنهم إذا فسروا القبح بما يضر كانوا متفقين على أن معرفة الضار يُعلم بالعقل، والإيمان بهذا الإمام الذي ليس فيه منفعة، بل مضرة في العقل والنفس والبدن والمال وغير ذلك، قبيح شرعاً وعقلاً.
ولهذا كان المتبعون له من أبعد الناس عن مصلحة الدين والدنيا، لا تنتظم لهم مصلحة دينهم ولا دنياهم إن لم يدخلوا في طاعة غيرهم، كاليهود الذين لا تنتظم لهم مصلحة إلا بالدخول في طاعة من هوخارج عن دينهم. فهم يوجبون وجود الإمام المنتظر المعصوم، لأن مصلحة الدين والدنيا لا تحصل إلا به عندهم، وهم لم يحصل لهم بهذا المنتظر مصلحة في الدين ولا في الدنيا، والذين كذَّبوا به لم تفتهم مصلحة في الدين ولا في الدنيا، بل كانوا أقوم بمصالح الدين والدنيا من أتباعه.
فعلم بذلك أن قولهم في الإمامة، لا ينال به إلا ما يورث الخزي والندامة، وأنه ليس فيه شيء من الكرامة، وأن ذلك إذا كان أعظم مطالب الدين، فهم أبعد الناس عن الحق والهدى في أعظم مطالب الدين، وإن لم يكن أعظم مطالب الدين، ظهر بطلان ما ادَّعوه من ذلك، فثبت بطلان قولهم على التقديرين، وهوالمطلوب.
فإن قال هؤلاء الرافضة: إيماننا بهذا المنتظر المعصوم، مثل إيمان كثير من شيوخ الزهد والدين بإلياس والخضر والغوث والقطب [ورجال الغيب]، ونحوذلك من الأشخاص الذين لا يعرف وجودهم، ولا بماذا يأمرون، ولا عمَّاذا ينهون، فكيف يسوغ لمن يوافق هؤلاء أن ينكر علينا ما ندعيه؟
قيل: ا لجواب من وجوه:
أحدها: أن الإيمان بوجود هؤلاء ليس واجباً عند أحد من علماء المسلمين وطوائفهم المعروفين، وإذا كان بعض الغلاة يوجب على أصحابه الإيمان بوجود هؤلاء، ويقول: إنه لا يكون مؤمناً وليًّا لله إلا من يؤمن بوجود هؤلاء في هذه الأزمان، كان قوله مردوداً كقول الرافضة. فإن من قال من هؤلاء الغلاة: إنه لا يكون وليًّا لله إن لم يعتقد الخضر، ونحوذلك، كان قوله مردوداً، كقوله الرافضة.
الوجه الثاني: أن يقال: من الناس من يظن أن التصديق بهؤلاء يزداد به الرجل إيماناً وخيراً وموالاة لله، وأن المصدِّق بوجود هؤلاء أكمل [وأشرف] وأفضل عند الله ممن لم يصدِّق بوجود هؤلاء. وهذا القول ليس مثل قول الرافضة من كل وجه، بل هومشابه له من بعض الوجوه، لكونهم جعلوا كمال الدين موقوفاً على ذلك.
وحينئذ فيقال: هذا القول أيضاً باطل باتفاق علماء المسلمين وأئمتهم. فإن العلم بالواجبات والمستحبات، وفعل الواجبات والمستحبات كلها ليس موقوفاً على التصديق بوجود أحد من هؤلاء، ومن ظن من أهل النسك والزهد والعامة أن شيئاً من الدين - واجبة أومستحبة - موقوفاً على التصديق بوجود هؤلاء، فهوجاهل ضال باتفاق أهل العلم والإيمان العالمين بالكتاب والسنة، إذ قد عُلم بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأمته التصديق بوجود هؤلاء، ولا أصحابه كانوا يجعلون ذلك من الدين، [ولا أئمة المسلمين].
وأيضاً، فجميع هذه الألفاظ: لفظ الغوث والقطب والأوتاد والنجباء وغيرها، لم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد معروف أنه تكلم بشيء منها ولا أصحابه. ولكن لفظ الأبدال تكلم به بعض السلف، ويُروى فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث ضعيف، وقد بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع].
الوجه الثالث: أن يقال: القائلون بهذه الأمور منهم من ينسب إلى أحد هؤلاء ما لا تجوز نسبته إلى [أحد من] البشر، مثل دعوى بعضهم أن الغوث أوالقطب هوالذي يمد أهل الأرض في هداهم ونصرهم ورزقهم، فإن هذا لا يصل إلى أحد من أهل الأرض إلا بواسطة نزوله على ذلك الشخص، وهذا باطل بإجماع المسلمين، وهومن جنس قول النصارى في الباب.
وكذلك ما يدَّعيه بعضهم من أن الواحد من هؤلاء قد يعلم كل وليٍّ لله كان ويكون، واسمه واسم أبيه، ومنزلته من الله، ونحوذلك من المقالات الباطلة، التي تتضمن أن الواحد من البشر يشارك الله في بعض خصائصه، مثل أنه بكل شيء عليم، أوعلى كل شيء قدير، ونحوذلك. كما يقول بعضهم في النبي صلى الله عليه وسلم، وفي شيوخه: إن علم أحدهم ينطبق على علم الله، وقدرته منطبقة على قدرة الله، فيعلم ما يعلمه الله، ويقدر على ما يقدر الله عليه.
فهذه المقالات وما يشبهها من جنس قول النصارى والغالية في عليٍّ، وهي باطلة بإجماع علماء المسلمين. ومنهم من ينسب إلى الواحد من هؤلاء ما تجوز نسبته إلى الأنبياء وصالحي المؤمنين من الكرامات، كدعوة مجابة، ومكاشفة من مكاشفات الصالحين، ونحوذلك.
فهذا القدر يقع كثيراً من الأشخاص الموجودين [المعاينين]، ومن نسب ذلك إلى من لا يُعرف وجوده، فهؤلاء وإن كانوا مخطئين في نسبة ذلك إلى شخص معدوم، فخطؤهم كخطأ من اعتقد أن في البلد الفلاني رجالاً من أولياء الله وليس فيه أحد، أواعتقد في ناس معينين أنهم أولياء الله ولم يكونوا كذلك. ولا ريب أن هذا خطأ وجهل وضلال يقع فيه كثير من الناس، لكن خطأ الإمامية وضلالهم أقبح وأعظم.
الوجه الرابع: أن يقال: الصواب الذي عليه محققوالعلماء أن إلياس والخضر ماتا، وأنه ليس أحد من البشر واسطة بين الله وبين خلقه في رزقه وخلقه، وهداه ونصره، وإنما الرسل وسائط في تبليغ رسالاته، لا سبيل لأحد إلى السعادة إلا بطاعة الرسل. وأما خلقه ورزقه، وهداه ونصره [فلا يقدر عليه إلا الله تعالى]، فهذا لا يتوقف [على حياة الرسل وبقائهم. بل ولا يتوقف نصر الخلق ورزقهم على وجود الرسل أصلاً]، بل قد يخلق الله ذلك بما شاء من الأسباب بواسطة الملائكة [أوغيرهم]، وقد يكون لبعض البشر في ذلك من الأسباب ما هومعروف في البشر.
وأما كون ذلك لا يكون إلا بواسطة البشر، أوأن أحداً من البشر يتولى ذلك كله، ونحوذلك، فهذا كله باطل. وحينئذ فيُقال للرافضة إذا احتجوا بضلال الضلال:} وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ {[الزخرف: الآية 39].
وأيضاً: فمن المعلوم أن أشرف مسائل المسلمين، وأهم المطالب في الدين، ينبغي أن يكون ذكرها في كتاب الله أعظم من غيرها، وبيان الرسول لها أولى من بيان غيرها. والقرآن مملوء بذكر توحيد الله، وذكر أسمائه وصفاته وآياته، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقصص والأمر والنهي، والحدود الفرائض، بخلاف الإمامة. فكيف يكون القرآن مملوءً بغير الأهم الأشرف؟
وأيضاً: فإن الله تعالى قد علَّق السعادة بما لا ذكر فيه للإمامة فقال:} وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا {[سورة النساء: 69]، وقال:} تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم ُ* وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ {[سورة النساء: 13، 14]. فقد بيَّن الله في القرآن أن من أطاع الله ورسوله كان سعيداً في الآخرة، ومن عصى الله ورسوله كان سعيداً في الآخرة، ومن عصى الله ورسوله وتعدَّى حدوده كان معذباً، فهذا هوالفرق بين السعداء والأشقياء، ولم يذكر الإمامة.
فإن قال قائل: إن الإمامة داخلة في طاعة الله ورسوله.
قيل: غايتها أن تكون كبعض الواجبات: كالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك مما يدخل في طاعة الله ورسوله، فكيف تكون هي وحدها أشرف مسائل المسلمين وأهم مطالب الدين؟
فإن قيل: لا يمكننا طاعة الرسول إلا بطاعة إمام فإنه هوالذي يعرف الشرع.
قيل: هذا [هو] دعوى المذهب ولا حجة فيه. ومعلوم أن القرآن لم يدل على هذا كما دلّ على سائر أصول الدين. [وقد تقدم أن هذا الإمام الذي يدعونه لم ينتفع به أحد في ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى أن ما جاء به الرسول لا يحتاج في معرفته إلى أحد من الأئمة].
الوجه الثاني:
أن يقال: أصول الدين عن الإمامية أربعة: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة. فالإمامة هي آخر المراتب، والتوحيد والعدل والنبوة قبل ذلك. وهم يدخلون في التوحيد نفي الصفات، والقول بأن القرآن مخلوق، وأن الله لا يُرى في الآخرة. ويدخلون في العدل التكذيب بالقدر، وأن الله لا يقدر أن يهدي من يشاء، ولا يقدر أن يضل من يشاء، وأنه قد يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، وغير ذلك. فلا يقولون: إنه خالق كل شيء، ولا إنه على كل شيء قدير، ولا إنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. لكن التوحيد والعدل والنبوة مقدم على الإمامة، فكيف تكون [الإمامة] أشرف وأهم؟
وأيضاً: فإن الإمامة إنما أوجبوها لكونها لطفاً في الواجبات، فهي واجبة وجوب الوسائل، فكيف تكون الوسيلة أهم وأشرف من المقصود؟
الوجه الثالث:
أن يقال: إن كانت الإمامة أهم مطالب الدين، وأشرف مسائل المسلمين، فأبعد الناس عن هذا الأهم الأشرف هم الرافضة. فإنهم [قد] قالوا في الإمامة أسخف قول وأفسده في العقل والدين، كما سنبينه إن شاء الله تعالى [إذا تكلمنا عن حججهم]. ويكفيك أن مطلوبهم بالإمامة أن يكون لهم رئيس معصوم يكون لطفاً في مصالح دينهم ودنياهم، وليس في الطوائف أبعد عن مصلحة اللطف والإمامة منهم، فإنهم يحتالون على مجهول ومعدوم لا يُرى له عين ولا أثر، ولا يُسمع له حس ولا خبر، فلم يحصل لهم من الأمر المقصود بإمامته شيء.
وأي من فرض إماماً نافعاً في بعض مصالح الدين والدنيا، كان خيراً ممن لا ينتفع به في شيء من مصالح الإمامة. ولهذا تجدهم لما فاتهم مصلحة الإمامة، يدخلون في طاعة كافر أوظالم لينالوا به بعضهم مقاصدهم. فبينما هم يدعون الناس إلى طاعة إمام معصوم، أصبحوا يرجعون إلى طاعة ظلوم كفور. فهل يكون أبعد عن مقصود الإمامة، وعن الخير والكرامة، ممن سلك منهاج الندامة؟
وفي الجملة، فالله تعالى قد علق بولاة الأمور مصالح في الدين والدنيا، سواء كانت الإمامة أهم الأمور أولم تكن. والرافضة أبعد الناس عن حصول هذه المصلحة لهم، فقد فاتهم على قولهم الخير المطلوب من أهم مطالب الدين وأشرف مسائل المسلمين.
ولقد طلب [مني] أكابر شيوخهم أن يخلوبي وأتكلم معه في ذلك، فخلوت به وقررت له ما يقولونه في هذا الباب. كقولهم: إن الله أمر العباد ونهاهم لينالوا به عض مقاصدهم، فيجب أن يفعل بهم اللطف الذي يكونون عنده أقرب إلى فعل الواجب وترك القبيح، لأن من دعا شخصاً ليأكل طعامه، فإذا كان مراده الأكل فعل ما يعين على ذلك من الأسباب، كتلقيه بالبشر وإجلاسه في مجلس يناسبه، وأمثال ذلك. وإن لم يكن مراده أن يأكل، عبس في وجهه وأغلق الباب، ونحوذلك. وهذا أخذوه من المعتزلة، ليس هومن أصول شيوخهم القدماء.
ثم قالوا: والإمام لطف، لأن الناس إذا كان لهم إمام يأمرهم بالواجب وينهاهم عن القبيح، كانوا أقرب إلى فعل المأمور وترك المحظور، فيجب أن يكون لهم إمام، ولا بد أن يكون معصوماً، لأنه إذا لم يكن معصوماً لم يحصل به المقصود. ولم تدع العصمة لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا لعليّ، فتعين أن يكون هوإياه للإجماع على انتفاء ما سواه، وبسطت له العبارة في هذه العبارة في هذه المعاني.
ثم قالوا: وعلى نصَّ على الحسن، والحسن على الحسين، إلى أن انتهت النوبة إلى المنتظر محمد بن الحسن صاحب السرداب الغائب.
فاعترف بأن هذا تقرير مذهبهم على غاية الكمال.
قلت له: فأنا وأنت طالبان للعلم والحق والهدى، وهم يقولون: من لم يؤمن بالمنتظر فهوكافر. فهذا المنتظر: هل رأيته؟ أورأيت من رآه؟ أوسمعت له بخبر؟ أوتعرف شيئاً من كلامه الذي قاله هو؟ أوما أمر به أوما نهى عنه مأخوذاً عنه كما يؤخذ عن الأئمة؟
قال: لا.
قلت: فأي فائدة في إيماننا هذا؟ وأي لطف يحصل لنا بهذا؟ ثم كيف يجوز أن يكلفنا الله بطاعة شخص، ونحن لا نعلم ما يأمرنا به ولا ما ينهانا عنه، ولا طريق لنا إلى معرفة ذلك بوجه من الوجوه؟ وهم من أشد الناس إنكاراً لتكليف ما لا يطاق، فهل يكون في تكليف ما لا يطاق أبلغ من هذا؟!
فقال: إثبات هذا مبني على تلك المقدمات.
قلت: لكن المقصود لنا من تلك المقدمات هوما يتعلق بنا نحن، وإلا فما علينا مما مضى إذا لم يتعلق بنا منه أمر ولا نهي. وإذا كان كلامنا في تلك المقدمات لا يُحَصِّلُ لنا فائدة ولا لطفاً، ولا يفيدنا إلا تكليف ما لا يُقدر عليه، عُلم أن الإيمان بهذا المنتظر من باب الجهل والضلال، لا من باب المصلحة واللطف.
والذي عند الإمامية من النقل عن الأئمة الموتى: إن كان حقًّا يحصل به سعادتهم فلا حاجة بهم إلى المنتظر. وإن كان باطلاً فهم أيضاً لم ينتفعوا بالمنتظر في رد هذا الباطل. فلم ينتفعوا بالمنتظر [لا] في إثبات: حق، ولا في نفي باطل، ولا أمر بمعروف، ولا نهي عن منكر، ولم يحصل لواحد منهم به شيء من المصلحة واللطف المطلوب من الإمامة.
والجُهَّال الذين يعلِّقون أمورهم بالمجهولات، كرجال الغيب والقطب [والغوث] والخضر ونحو[ذلك، مع جهلهم وضلالهم] وكونهم يثبتون ما لم يحصل لهم به مصلحة ولا لطف ولا منفعة لا في الدين ولا في الدنيا، أقلّ ضلالاً من الرافضة.
فإن الخضر كان موجوداً، وقد ذكره الله في القرآن، وفي قصته عبرة وفوائد. وقد يرى أحدهم شخصاً صالحاً يظنه الخضر فينتفع به وبرؤيته وموعظته، وإن كان غالطاً في اعتقاده أنه الخضر، [فقد يرى أحدهم بعض الجن فيظن أنه الخضر، ولا يخاطبه الجني إلا بما يرى أنه يقبله منه ليربطه على ذلك، فيكون الرجل أُتي من نفسه لا من ذلك المخاطب له. ومنهم من يقول: لكل زمان خضر. ومنهم من يقول: لكل وليٌّ خضر. وللكفار كاليهود مواضع يقولون إنهم يرون الخضر فيها، وقد يُرى الخضر على صور مختلفة وعلى صورة هائلة وأمثال ذلك. وذلك لأن هذا الذي يقول إنه الخضر هوجني، بل هوشيطان يظهر لمن يرى أنه يضله. وفي ذلك حكايات كثيرة يضيق هذا الموضع عن ذكرها].
وعلى كل تقدير فأصناف الشيعة أكثر ضلالاً من هؤلاء. فإن منتظرهم ليس عندهم نقل ثابت عنه، ولا يعتقدون فيمن يرونه أنه المنتظر، ولما دخل السرداب كان عندهم صغيراً لم يبلغ سنَّ التمييز، وهم يقبلون من الأكاذيب أضعاف ما يقبله هؤلاء، ويعرضون عن الاقتداء بالكتاب والسنة أكثر من إعراض هؤلاء ويقدحون في خيار المسلمين قدحاً يعاديهم عليه هؤلاء. فهم أضل عن مصالح الإمامة من جميع طوائف الأمة، فقد فاتهم على قولهم أهم الدين وأشرفه.
الوجه الرابع:
أن يقال: قوله:"التي يحصل بسبب إدراكها نيل درجة الكرامة"كلام باطل. فإن مجرد معرفة الإنسان إمام وقته وإدراكه بعينه، لا يستحق به الكرامة إن لم يوافق أمره ونهيه. وإلا فليست معرفة إمام الوقت بأعظم من معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن عرف أن محمداً رسول الله فلم يؤمن به ولم يطع أمره، لم يحصل له شيء من الكرامة. لوآمن بالنبي وعصاه فضيع الفرائض وتعدى الحدود، كان مستحقاً للوعيد عند الإمامية وسائر طوائف المسلمين، فكيف بمن عرف الإمام وهومضيع للفرائض متعد للحدود!
وكثير من هؤلاء يقول: حب عليّ حسنة لا يضر معها سيئة. وإن كانت السيئات لا تضر مع حب عليّ، فلا حاجة إلى الإمام المعصوم الذي هولطف في التكليف، فإنه إذا لم يوجد، إنما توجد سيئات ومعاص. فإن كان حب عليّ كافياً، فسواء وجد الإمام أولم يوجد.
الوجه الخامس:
قوله:"وهي أحد أركان الإيمان، المستحق بسببه الخلود في الجنان".
فيقال له: من جعل هذا من الإيمان، إلا أهل الجهل والبهتان؟ وسنتكلم إن شاء الله على ما ذكره من ذلك.
والله تعالى وصف المؤمنين وأحوالهم، والنبي صلى الله عليه وسلم قد فسَّر الإيمان وذكر شعبه، ولم يذكر الله ولا رسوله الإمامة في أركان الإيمان ففي [الحديث] الصحيح حديث جبريل لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابي وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان. قال [له]:"الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت". قال: والإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، [واليوم الآخر]، والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره". ولم يذكر الإمامة. قال:"والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". وهذا الحديث متفق على صحته، مُتلقى بالقبول، أجمع أهل العلم بالنقل على صحته وقد أخرجه أصحاب الصحيح من غير وجه، فهومتفق عليه من حديث أبي هريرة، وفي [أفراد] مسلم من حديث عمر.
وهؤلاء وإن كانوا لا يقرون بصحة هذه الأحاديث، فالمصنف [قد] احتج بأحاديث موضوعة كذب باتفاق أهل المعرفة، فإما أن نحتج بما يقوم الدليل على صحته نحن وهم، أولا نحتج بشيء من ذلك لا نحن ولا هم. فإن تركوا الرواية رأساً أمكن أن نترك الرواية. وأما إذا رووا هم، فلا بد من معارضة الرواية [بالرواية]، والاعتماد على ما تقوم به الحجة. ونحن نبين الدلائل الدالة على كذب ما يعارضون به أهل السنة من الروايات الباطلة، والدلائل الدالة على صحة ما نقله أهل العلم بالحديث وصححوه.
وهب أنَّا لا نحتج بالحديث، فقد قال الله تعالى:} إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ {[سورة الأنفال: 2 - 4]، فشهد هؤلاء بالإيمان من غير ذكر للإمامة.
وقال تعالى:} إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ {[سورة الحجرات: 15]، فجعلهم صادقين في الإيمان من غير ذكر للإمامة.
وقال تعالى:} لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ {[سورة البقرة: 177] ولم يذكر الإمامة.
وقال تعالى:} الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {[سورة البقرة: 1 - 5]، فجعلهم مهتدين مفلحين ولم يذكر الإمامة.
وأيضاً: فنحن نعلم بالاضطرار من دين محمد [بن عبد الله] صلى الله عليه وسلم أن الناس كانوا إذا أسلموا لم يَجْعل إيمانهم موقوفاً على معرفة الإمامة، ولم يذكر لهم شيئاً من ذلك. وما كان أحد أركان الإيمان لا بد أن يبينه الرسول لأهل الإيمان ليحصل لهم [به] الإيمان. فإذا عُلم بالاضطرار أن هذا مما لم يكن الرسول يشترطه في الإيمان، عُلم أن اشتراطه في الإيمان من أقوال أهل البهتان.
فإن قيل: قد دخلت في عموم النصوص، أوهي من باب ما لا يتم الواجب إلا به، أودلّ عليها نص آخر.
قيل: هذا كله لوصح لكان غايته أن تكون من بعض فروع الدين، لا تكون من أركان الإيمان، فإن ركن الإيمان ما لا يحصل الإيمان إلا به كالشهادتين، فلا يكون الرجل مؤمناً حتى يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. فلوكانت الإمامة ركناً في الإيمان لا يتم إيمان أحد إلا به، لوجب أن يبين ذلك الرسول بياناً عاماً قاطعاً للعذر، كما بين الشهادتين والإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر. فكيف ونحن نعلم بالاضطرار من دينه أن الناس الذين دخلوا في دينه أفواجاً، لم يشترط على أحد منهم في الإيمان بالإمامة لا مطلقاً ولا معيناً!؟
الوجه السادس:
قوله: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات مِيتة جاهلية.
يقال له أولاً: من روى هذا الحديث بهذا اللفظ وأين إسناده؟ وكيف يجوز أن يُحتج بنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير بيان الطريق الذي به يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله؟ وهذا لوكان مجهول الحال عند أهل العلم بالحديث، فكيف وهذا الحديث بهذا اللفظ لا يُعرف؟!
إنما الحديث المعروف مثل ما روى مسلم في صحيحه عن نافع، قال: جاء [عبد الله] بن عمروإلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحَرَّة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثاً سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله. سمعته يقول:"من خلع يدًّا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية".
وهذا حدَّث به [عبد الله] بن عمر لعبد الله بن مطيع [بن الأسود] لما خلعوا طاعة أمير وقتهم يزيد، مع أنه كان فيه من الظلم ما كان. ثم إنه اقتتل هووهم، وفعل بأهل الْحَرَّة أموراً منكرة.
فعُلم أن هذا الحديث دلّ على ما دلّ عليه سائر الأحاديث الآتية من أنه لا يُخْرَج على ولاة أمور المسلمين بالسيف، وأن من لم يكن مطيعاً لولاة الأمور مات ميتة جاهلية. وهذا ضد قول الرافضة، فإنهم أعظم الناس مخالفة لولاة الأمور، وأبعد الناس عن طاعتهم إلا كرهاً.
ونحن نطالبهم أولاً بصحة النقل، ثم بتقدير أن يكون ناقلة واحداً، فكيف يجوز أن يثبت أصل الإيمان بحبر مثل هذا [الذي] لا يُعرف له ناقل؟! وإن عُرف له ناقل أمكن خطؤه وكذبه، وهل يثبت أصل الإيمان إلا بطريق علمي؟!
الوجه السابع:
أن يقال: إن كان هذا الحديث من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فليس فيه حجة لهذا القائل. فإن النبي صلى الله عليه وسلم [قد] قال:"من مات ميتة جاهلية"في أمور ليست من أركان الإيمان التي من تركها كان كافراً.
كما في صحيح مسلم عن جُندب بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من قُتل تحت راية عُمِّيَّة يدعوعصبية أوينصر عصبية فقِتْلَته جاهلية". وهذا الحديث يتناول من قاتل في العصبية، والرافضة رءوس هؤلاء. ولكن لا يكفر المسلم بالاقتتال في العصبية، كما دلّ على ذلك الكتاب والسنة، فكيف يكفر بما هودون ذلك؟!
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، ثم مات، مات ميتة جاهلية". وهذا حال الرافضة فإنهم يخرجون عن الطاعة ويفارقون الجماعة.
وفي الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإن من فارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية". وفي لفظ:"من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإن من خرج من السلطان شبراً، مات ميتة جاهلية".
وهذه النصوص مع كونها صريحة في حال الرافضة، فهي وأمثالها المعروفة عند أهل العلم، لا بذلك اللفظ الذي نقله.
الوجه الثامن:
أن هذا الحديث الذي ذكره حجة على الرافضة لأنهم لا يعرفون إمام زمانهم، فإنهم يدَّعون أنه الغائب المنتظر محمد بن الحسن الذي دخل سرداب سامرَّا سنة سِتين ومائتين أونحوها ولم يميز بعد، بل كان عمره إما سنتين أوثلاثاً أوخمساً أونحوذلك، وله الآن - على قولهم - أكثر من أربعمائة وخمسين سنة ولم يُر له عين ولا أثر، ولا سُمع له حس ولا خبر. فليس فيهم أحد يعرفه لا بعينه ولا صفته، لكن يقولون إن هذا الشخص الذي لم يره أحد ولم يسمع له خبر هوإمام زمانهم. ومعلوم أن هذا ليس هومعرفة بالإمام.
ونظير هذا أن يكون لرجل قريب من بني عمه في الدنيا ولا يعرف شيئاً من أحواله، فهذا لا يعرف ابن عمه. وكذلك المال المُلْتَقَط إذا عَرف أن له مالكاً ولم يعرف عينه لم يكن عارفاً لصاحب اللقطة. بل هذا أعرف، لأن هذا يمكن ترتيب بعض أحكام الملك والنسب [عليه]، وأما المنتظر فلا يعرف له حال ينتفع به في الإمامة.
فإن معرفة الإمام الذي يُخرِج الإنسان من الجاهلية، هي المعرفة التي يحصل بها طاعة وجماعة، خلاف ما كان عليه أهل الجاهلية، فإنهم لم يكن لهم إمام يجمعهم ولا جماعة تعصمهم، والله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم وهداهم به إلى الطاعة والجماعة. وهذا المنتظر لا يحل بمعرفته طاعة ولا جماعة، فلم يُعرف معرفة تخرج الإنسان من [حال] الجاهلية، بل المنتسبون إليه أعظم الطوائف جاهلية وأشبههم بالجاهلية، وإن لم يدخلوا في طاعة غيرهم - إما طاعة كافر وإما طاعة مسلم هوعندهم من الكفار أوالنواصب - لم ينتظم لهم مصلحة، لكثرة اختلافهم وافتراقهم وخروجهم عن الطاعة والجماعة.
وهذا يتبين
بالوجه التاسع:
وهوأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بطاعة الأئمة الموجودين [المعلومين]، الذين لهم سلطان يقدرون به على سياسة الناس، لا بطاعة معدوم ولا مجهول، ولا من ليس له سلطان ولا قدرة على شيء أصلاً. كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاجتماع والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، ولم يأمر بطاعة الأئمة مطلقاً، بل أمر بطاعتهم في طاعة الله دون معصيته، وهذا يبين أن الأئمة الذين أمر بطاعتهم في طاعة الله ليسوا معصومين.
ففي صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلُّون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم". قال: قلنا: يا رسول الله! أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال:"لا ما أقاموا فيكم الصلاة. ألا من وُلِيّ عليه والٍ، فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة".
وفي [صحيح] مسلم عن أم سَلَمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع". قالوا: [يا رسول الله]، أفلا نقاتلهم؟ قال:"لا، ما صلُّوا".
وهذا يبين أن الأئمة هم الأمراء ولاة الأمور، وأنه يُكره ويُنكر ما يأتونه من معصية الله، ولا تنزع اليد من طاعتهم، بل يطاعون في طاعة الله، وأن منهم خياراً وشراراً، من يُحَب ويُدعى له ويُحِب الناس ويدعولهم، ومن يبغض ويدعوعلى الناس ويبغضونه ويدعون عليه.
وفي الصحيحين [عن أبي هريرة]، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"كانت بنوإسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر. قالوا: فما تأمر؟ قال: يفُوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عمّا استرعاهم". فقد أخبر أن بعده خلفاء كثيرين، وأمر أن يوفي ببيعة الأول فالأول وأن يعطوهم حقهم.
وفي الصحيحين عن [عبد الله] بن مسعود، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنكم سترون بعدي أََثَرة وأموراً تنكرونها". قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدّوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم". وفي لفظ:"ستكون أثرة وأمور تنكرونها". قالوا: يا رسول الله! فما تأمرنا؟ قال:"تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم".
وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت، قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في اليسر والعسر، والمنشط والمكره، وعلى أَثَرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم.
وفي الصحيحين عن ابن عمر: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة".
فإن قال: أنا أردت بقولي: إنها"أهم المطالب في الدين، وأشرف مسائل المسلمين"المطالب التي تنازعت الأمة فيها بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه هي مسألة الإمامة.
قيل له: فلا لفظ فصيح، ولا معنى صحيح. فإن ما ذكرته لا يدل على هذا المعنى، بل مفهوم اللفظ ومقتضاه أنها أهم المطالب في الدين مطلقاً، وأشرف مسائل المسلمين مطلقاً.
وبتقدير أن يكون هذا مرادك فهومعنى باطل، فإن المسلمين تنازعوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل أشرف من هذه. وبتقدير أن تكون هي الأشرف، فالذي ذكرته فيها أبطل المذاهب، وأفسد المطالب.
وذلك أن النزاع في الإمامة لم يظهر إلا في خلافة علي - رضي الله عنه -[وأما] على عهد الخلفاء الثلاثة فلم يظهر نزاع إلا ما جرى يوم السقيفة، وما انفصلوا حتى اتفقوا، ومثل هذا لا يُعد نزاعاً. ولوقُدِّر أن النزاع فيها كان عقب موت النبي صلى الله عليه وسلم، فليس كل ما تنوزع فيه عقب موته صلى الله عليه وسلم، يكون أشرف مما تنوزع فيه بعد موته بدهر طويل.
وإذا كان كذلك، فمعلوم أن مسائل القدر والتعديل والتجوير والتحسين والتقبيح والتوحيد والصفات والإثبات والتنزيه، أهم وأشرف من مسائل الإمامة. ومسائل الأسماء والأحكام، والوعد والوعيد، والعفووالشفاعة والتخليد، أهم من مسائل الإمامة.
ولهذا كل من صنَّف في أصول الدين يذكر مسائل الإمامة في الآخر، حتى الإمامية يذكرون مسائل التوحيد والعدل والنبوة قبل مسائل الإمامة. وكذلك المعتزلة يذكرون أصولهم الخمس: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، وإنفاذ الوعيد، والخامس هوالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه تتعلق مسائل الإمامة.
ولهذا كان جماهير الأمة نالوا الخير بدون مقصود الإمامة التي تقولها الرافضة، فإنهم يُقرُّون بأن الإمام الذي هوصاحب الزمان مفقود لا ينتفع به أحد، وأنه دخل السرداب سنة ستين ومائتين أوقريباً من ذلك، وهوالآن غائب أكثر من أربعمائة وخمسين سنة، فهم في هذه المدّة لم ينتفعوا بإمامته لا في دين ولا في دنيا، بل يقولون: إن عندهم علماً منقولاً عن غيره.
فإن كانت أهم مسائل الدين، وهم لم ينتفعوا بالمقصود منها، فقد فاتهم من الدين أهمه وأشرفه، وحينئذ فلا ينتفعون بما حصل لهم من التوحيد والعدل، لأنه يكون ناقصاً بالنسبة إلى مقصود الإمامة، فيسحقون العذاب. كيف، وهم يسلِّمون أن مقصود الإمامة إنما هوفي الفروع الشرعية، وأما الأصول العقلية فلا يُحتاج فيها إلى الإمام، وتلك هي أهم وأشرف!
ثم بعد هذا كله، فقولكم في الإمامة من أبعد الأقوال عن الصواب، ولولم يكن فيه إلا أنكم أوجبتم الإمامة لما فيها من مصلحة الخلق في دينهم ودنياهم، وإمامكم صاحب الوقت لم يحصل لكم من جهته مصلحة لا في الدين ولا في الدنيا، فأي سعي أضل من سعي من يتعب التعب الطويل، ويكثر القال والقيل، ويفارق جماعة المسلمين، ويلعن السابقين والتابعين، ويعاون الكفار والمنافقين، ويحتال بأنواع الحيل، ويسلك ما أمكنه من السبل، ويعتضد بشهود الزور، ويُدلي أتباعه بحبل الغرور، ويفعل ما يطول وصفه، ومقصوده بذلك أن يكون له إمام يدله على أمر الله ونهيه، ويعرّفه ما يقربه إلى الله [تعالى]؟!
ثم إنه لما علم اسم ذلك الإمام ونسبه، لم يظفر بشيء من مطلوبه، ولا وصل إليه [شيء] من تعليمه وإرشاده، ولا أمره ولا نهيه، ولا حصل له من جهته منفعة ولا مصلحة أصلاً، إلا إذهاب نفسه وماله، وقطع الأسفار، وطول الانتظار بالليل والنهار، ومعاداة الجمهور لداخل في سرادب، ليس له عمل ولا خطاب، ولوكان موجوداً بيقين، لما حصل به منفعة لهؤلاء المساكين. فكيف وعقلاء الناس يعلمون، أنه ليس معهم إلا الإفلاس، وأن الحسن بن علي العسكري لم ينسل ولم يُعْقِبَ، كما ذكر ذلك محمد بن جرير الطبري، وعبد الباقي بن قانع، وغيرهما من أهل العلم بالنسب؟!
وهم يقولون إنه دخل السرداب بعد موت أبيه وعمره إما سنتان وإما ثلاث، وإما خمس، وإما نحوذلك. ومثل هذا بنص القرآن يتيم يجب أن يُحفظ له ماله حتى يؤنس منه الرشد، ويحضنه من يستحق حضانته من أقربائه، فإذا صار له سبع سنين أُمر بالطهارة والصلاة. فمن لا توضأ ولا صلى، وهوتحت جحر وليِّه في نفسه وماله بنص القرآن، لوكان موجوداً يشهده العيان، لما جاز أن يكون هوإمام أهل الإيمان، فكيف إذا كان معدوماً أومفقوداً مع طول هذه الغيبة؟!
والمرأة إذا غاب عنها وليُّها، زوَّجها الحاكم أوالولي الحاضر لئلا تفوت مصلحة المرأة بغيبة الوليِّ المعلوم الموجود، فكيف تضيع مصلحة الأمة مع طول هذه المدَّة، مع هذا الإمام المفقود؟!
(المرجع: منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية، 1/ 75 - 123).
القول بأن مذهب الإمامية واجب الاتباع


ومضمون ما ذكره أن الناس اختلفوا بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيجب النظر في الحق واعتماد الإنصاف ، ومذهب الإمامية واجب الاتباع لأربعة وجوه ، لأنه أحقها ، وأصدقها ، ولأنهم باينوا جميع الفرق في أصول العقائد ، ولأنهم جازمون بالنجاة لأنفسهم ، ولأنهم أخذوا دينهم عن الأئمة المعصومين ، وهذا حكاية لفظه .

قال الرافضي : أنه لما عمت البلية بموت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم واختلف الناس بعده ، وتعددت آراؤهم ، بحسب تعدد أهوائهم ، فبعضهم طلب الأمر لنفسه بغير حق ، وبايعه أكثر الناس للدنيا ، كما اختار عمرو بن سعد ملك الرى أياما يسيرة ، لما خير بينه وبين قتل الحسين مع علمه ، بأن من قتله في النار ، واختياره ذلك في شعره حيث يقول:

فوالله ما أدري وإني لصـادق             أفـكرفي أمـرعلى خطرين

أاترك ملك الرىّ والرى منيتي           أم أصبـح مأثوما بقتل حسين

وفي قتله النار التي ليس دونها            حجاب وملك الرىّ قرة عيني

وبعضهم اشتبه الأمر عليه ، ورأى لطالب الدنيا مبايعا ، فقلده وبايعه وقصر في نظره ، فخفى عليه الحق فاستحق المؤاخذة من الله تعالى بإعطاء الحق لغير مستحقه بسبب إهمال النظر ، وبعضهم قلد لقصور فطنته ، ورأى الجم الغفير فتابعهم ، وتوهم أن الكثرة تستلزم الصواب ، وغفل عن قوله تعالى :]وَقَلِيلٌ مَا هُمْ [([1] ] وَقَلِيلُ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور [([2] وبعضهم طلب الأمر لنفسه بحق له وبايعه الأقلون الذين أعرضوا عن الدنيا وزينتها ، ولم يأخذهم في الله لومة لائم بل أخلصوا لله واتبعوا ما أمروا به من طاعة من يستحق التقديم .

وحيث حصل للمسلمين هذه البلية ، وجب على كل أحد النظر في الحق واعتماد الإنصاف ، وأن يقر الحق مستقره ، ولا يظلم مستحقه ، فقد قال تعالى : ]أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِين [([3])  و إنما كان مذهب الإمامية واجب الاتباع لوجوه هذا لفظه .

فيقال: أنه قد جعل المسلمين بعد نبيهم أربعة أصناف ،، وهذا من أعظم الكذب فإنه لم يكن من في الصحابة المعروفين أحد من هذه الأصناف الأربعة، فضلا عن أن لا يكون فيهم أحد إلا من هذه الأصناف .

إما طالب للأمر بغير حق كأبي بكر  في زعمه . وإما طالب للأمر بحق كعلي  في زعمه .

وهذا كذب على عليt ، وعلى أبي بكرt ، فلا علي طلب الأمر لنفسه قبل قتل عثمان ، ولا أبو بكر طلب الأمر لنفسه فضلا عن أن يكون طلبه بغير حق .

وجعل القسمين الآخرين إما مقلدا لأجل الدنيا، وإما مقلدا لقصوره في النظر، وذلك أن الإنسان يجب عليه ان يعرف الحق وأن يتبعه ، وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم ، من النبيين والصديقين ، والشهداء والصالحين ، غير المغضوب عليهم ، ولا الضالين . وهذا هو الصراط الذي أمرنا أن نسأله هدايتنا إياه ، في كل صلاة بل في كل ركعة .

 وهذه الأمة خير الأمم ، وخيرها القرن الأول ، كان القرن الأول أكمل الناس في العلم النافع ، والعمل الصالح .

 وهؤلاء المفترون وصفوهم بنقيض ذلك ، بأنهم لم يكونوا يعلمون الحق ويتبعونه ، بل كان أكثرهم عندهم يعلمون الحق ويخالفونه ، كما يزعمون في الخلفاء الثلاثة ، وجمهور الصحابة ، والأمة ، وكثير   منهم عندهم لا يعلم الحق ،  بل اتبع الظالمين تقليداً لعدم نظرهم المفضى إلى العلم ، والذي لم ينظر قد يكون تركه النظر لأجل الهوى وطلب الدنيا ، وقد يكون لقصوره ونقص إدراكه .

 وادعى أن منهم من طلب الأمر لنفسه بحق يعني علياً ، وهذا مما علمنا بالاضطرار أنه لم يكن ، فلزم من ذلك على قول هؤلاء أن تكون الأمة كلها كانت ضالة ، بعد نبيها ليس فيها مهتد .

فتكون اليهود ولنصارى بعد النسخ والتبديل خيراً منهم ، لأنهم كما قال تعالى:  ]وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةً يَهْدُونَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْدِلُون [([4]. وقد أخبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن اليهود والنصارى افترقت على أكثرمن سبعين فرقة ، فيها واحدة ناجية ، وهذه الأمة على موجب ما ذكروه لم يكن فيهم بعد موت النبي  صلى الله تعالى عليه وسلم أمة تقوم بالحق ولا تعدل به، وإذا لم يكن ذلك في خيار قرونهم  ففيما بعد ذلك أولى .

فيلزم من ذلك ان يكون اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خيرا من خير أمة أخرجت للناس ، فهذا لازم لما يقوله هؤلاء المفترون ، فإذا كان هذا في حكايته لما جرى عقب موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من اختلاف الأمة ، فكيف سائر ما ينقله ويستدل به ، ونحن نبين ما في هذه الحكاية من الأكاذيب من وجوه كثيرة،  فنقول :

ما ذكره هذا المفترى من قوله : أنه لما عمت البلية على كافة المسلمين بموت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . واختلف الناس بعده ، وتعددت آراؤهم بحسب تعدد أهوائهم ، فبعضهم طلب الأمر لنفسه ، وتابعه أكثر  الناس طلباً للدنيا ، كما اختار عمر بن سعد ، ملك الرى أياما يسيرة لما خير بينه وين قتل الحسين ، مع علمه بان في قتله النار واختياره ذلك في شعره .

فيقال في هذا الكلام من الكذب ، والباطل وذم خيار الأمة ، بغير حق ما لا يخفى من وجوه . (أحدهما ) :قوله تعددت آراؤهم بحسب تعدد أهوائهم ، فيكون كلهم متبعين أهوائهم ، ليس فيهم طالب حق ، ولا مريد لوجه الله تعالى والدار الآخرة ، ولا من كان قوله عن اجتهاد واستدلال .

 وعموم لفظه يشمل علياً وغيره ، وهؤلاء الذين وصفهم بهذا ، هم الذين أثنى الله عليهم هو ورسوله ، ورضي الله عنهم ووعدهم الحسنى ، كما قال تعالى : ]وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرينَ وَالأَنْصَار الَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانtم وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتها الأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيم [ ([5].وقال تعالى : ] ُمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءَ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءَ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُم في وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودْ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ في التَّوْرَاةِ ، وَمَثَلُهُمْ في الِإنْجِيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ ِبِهم الكُفَّار ، وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيمًا [([6].

وقال تعالى : ]إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أَوْلَئِكَ بَعضُهم أَوْلِيَاءَ بَعْض إلى قوله أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُم مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعد وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُم فَأُوْلَئِكَ مِنْكُم [([7] .

وقال تعالى : ]لاَ يَسْتَوِي مِنْكُم مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَل أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْد وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى [([8].

وقال تعالى : ]ِللفقراءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِم يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضوانًا وَيَنْصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُم الصَّادِقُون وَالَّذِينَ تَبَوّؤا الدَّارَ وَالإِيمَان مِن قَبْلِهِم يُحِبُّون مَن هَاجَرَ إِلَيْهِم وَلاَ يَجِدُونَ في صُدُورِهِم حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفسِهِم وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِم يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَان وَلاَ تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيم [([9].

وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين ، والأنصار ، وعلى الذين جاءوا من بعدهم ، يستغفرون لهم ويسألون الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم ، وتتضمن أن هؤلاء الأصناف هم المستحقون للفيء .

 ولا ريب أن هؤلاء الرافضة خارجون من الأصناف الثلاثة فإنهم لم يستغفروا للسابقين ، وفي قلوبهم غل عليهم ، ففي الآيات الثناء على الصحابة، وعلى أهل السنّة الذين يتولونهم ، وإخراج الرافضة من ذلك ، وقد روى ابن بطة وغيره من حديث أبي بدر ، قال : حدثنا عبد الله بن زيد ، عن طلحة بن مصرف ، عن مصعب بن سعد ، عن سعد بن أبي وقاص ، قال : ((الناس على ثلاث منازل فمضت منزلتان وبقيت واحدة ، فأحسن ما أنتم عليه كائنون، أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت .

ثم قرأ ] للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ، هؤلاء المهاجرون ، وهذه منزلة قد مضت، ثم قرا والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما  أوتوا . ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصا صة[ .     

  ثم قال هؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت .

ثم قرأ ] وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ، يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَان ، وَلا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غُلاًّ للَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [([10]، فقد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة ، فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت أن تستغفروا لهم ))([11] .

وروى أيضا بإسناده عن مالك بن أنس أنه قال:(( من سب السلف فليس له في الفيء نصيب )) لأن الله تعالى يقول : ] وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِم [([12])

-الآية  وهذا معروف عن مالك ، وغير مالك من أهل العلم كأبي عبيد القاسم بن سلام([13] .

وكذلك ذكره أبو حكيم النهرواني ، من أصحاب أحمد وغيره من الفقهاء، وروى أيضا عن الحسن بن عمارة ، عن الحكيم عن مقسم عن ابن عباسtما . قال : (( أمر الله بالاستغفار لأصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهو يعلم أنهم يقتتلون ))([14] .

وقال عروة قالت لي عائشةtا : (( يا ابن أختي أمروا بالاستغفار لأصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . فسبوهم ))([15] .

وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدريt قال . قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : (( لا تسبوا أصحابي فلو ان أحدهم أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه))([16].

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرةt أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : (( لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ))([17].

وفي صحيح مسلم أيضاً عن جابر بن عبد الله قال : قيل لعائشة : (( إن ناسا يتناولون أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، حتى أبا بكر وعمر ، فقالت وما تعجبون من هذا ، انقطع عنهم العمل ، فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر ))([18] .

وروى ابن بطة بالإسناد الصحيح عن عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي . حدثنا معاوية . حدثنا رجاء عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (( لا تسبوا أصحاب محمد فإن الله تعالى قد أمرنا بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتلون ))([19]).

ومن طريق أحمد ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، وطريق غيره عن وكيع ، وأبي نعيم ثلاثتهم ، عن الثوري ، عن نسير بن ذعلوق ، سمعت عبد الله بن عمر يقول : (( لا تسبوا أصحاب محمد ، فلمقام أحدهم ساعة يعني مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم خير من عمل أحدكم أربعين سنة )).

وفي رواية وكيع ( خير من عبادة أحدكم عمره ) .

وقال تعالى : ]َلقد رَضِيَ اللهُ عَنِ الُمُؤمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَة فَعَلِمَ مَا في قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِم وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيمًا وَعَدَكُم اللهُ مَغَانِمَ كَثِيَرةً تَأخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُم هَذِهِ وَكَفَّ أيدي النَّاسِ عَنْكُم  وَلِتَكُونَ آيةً للمُؤمِنِين وَيهْديكُم صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا [([20])

وقد أخبر الله أنه سبحانه وتعالى رضي عنهم ، وأنه علم ما في قلوبهم ، وأنه أثابهم فتحا قريبا .

 وهؤلاء هم أعيان من بايع أبا بكر وعمر وعثمان ، بعد موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، لم يكن في المسلمين من يتقدم عليهم ، بل كان المسلمون كلهم يعرفون فضلهم عليهم ، لأن الله تعالى بين فضلهم في القرآن بقوله : ]لاَ يَسْتَوِي مِنْكُم مَن أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذينَ أَنْفَقُوا مِن بَعدُ وَقَاتَلوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى [([21]) .

ففضل المنفقين المقاتلين قبل الفتح ، والمراد بالفتح هنا صلح الحديبية ، ولهذا سئل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (( أو فتح هو ؟ فقال : نعم ))([22]).

 وأهل العلم يعلمون أن فيه أنزل الله تعالى : ] إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتَمَ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَينْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزاً [. فقال بعض المسلمين : يا رسول الله هذا لك ، فما لنا ؟ يا رسول الله . فأنزل الله تعالى :] ُهوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِم [.

وهذه الآية نص في تفضيل المنفقين المقاتلين قبل الفتح على المنفقين بعده، ولهذا ذهب جمهورالعلماء إلى أن السابقين في قوله تعالى: ] وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَار [ ([23])  هم هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح قاتلوا ، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم ،وكانوا  أكثر من ألف وأربعمائة ، وقد ذهب بعضهم إلى أن السابقين الأوّلين، هم من صلى إلى القبلتين ، وهذا ضعيف ، فإن الصلاة إلى القبلة المنسوخة ليس بمجرده فضيلة، ولأن النسخ ليس من فعلهم ، الذي يفضلون به ، ولأن التفضيل بالصلاة إلى القبلتين لم يدل عليه دليل شرعي ، كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد ، والمبايعة تحت الشجرة .  

وقد علم بالاضطرار أنه كان في هؤلاء السابقين الأولين أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وطلحة ، والزبير ، وبايع النبي بيده عن عثمان ، لأنه كان غائبا قد أرسله إلى أهل مكة ليبلغهم رسالته ، وبسببه بايع النبي   الناس ، لما بلغه  أنهم قتلوه : وقد ثبت في صحيح مسلم، عن جابر بن عبد اللهt أنه قال : (( لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة ))([24])، وقال تعالى: ]َلقدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِي وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَار الَّذِينَ اتّبَعُوهُ في سَاعَةِ العُسْرَة مِن بَعْدِ مَا كَانَ يَزِيغُ قُلُوبَ فَرِيقٍ مِنْهَمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِم إِنَّهُ بِهِم رَءُوفٌ رَحِيم[([25].فجمع بينهم وبين رسول الله في التوبة . وقال تعالى : ]إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِم وَأَنْفُسِهِم في سَبِيلِ الله ، وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُم أَوْلِيَاءَ بَعْض ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا إلى قوله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعد وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُم فَأُوْلَئِكَ مِنْكُم [([26]فأثبت الموالاة بينهم وقال للمؤمنين:] َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتِّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضهُم أَوْلِيَاءَ بَعْض وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِين إلى قوله  إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ َحِزْبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُون [([27]. وقال تعالى : ] وَالمُؤمِنُونَ و َالمُؤمِنَات بَعْضَهُم أَوْلِيَاء بَعْض[ ([28]).

فأثبت الموالاة بينهم، وأمرهم  بموالاتهم ، والرافضة تتبرأ منهم ولا تتولاهم ،وأصل الموالاة المحبة ، وأصل المعاداة البغض ،وهم يبغضونهم ولا يحبونهم .

وقد وضع بعض الكذابين حديثا مفترى ، أن هذه الآية نزلت في علي لما تصدق بخاتمه في الصلاة ، وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل ، وكذبه بيّن من وجوه كثيرة .

        منها أن قوله الذين صيغة جمع . وعلي واحد .

        ومنها أن الواو ليست واو الحال إذ لو كان كذلك لكان لا يسوغ أن يتولى إلا من أعطى الزكاة في حال الركوع . فلا يتولى سائر الصحابة والقرابة .

        ومنها ان المدح إنما يكون بعمل واجب أو مستحب ، وإيتاء الزكاة في نفس الصلاة ليس واجب ولا مستحب ، باتفاق علماء الملة ، فإن الصلاة شغلا.

        ومنها أنه لو كان إيتاؤها في الصلاة حسنا لم يكن فرق بين حال الركوع وغير الركوع ، بل إيتاؤها في القيام و القعود أمكن .

        ومنها أن عليا لم يكن عليه زكاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

        ومنها أن إيتاء غير الخاتم في الزكاة خير من إيتاء الخاتم ، فإن أكثر الفقهاء  يقولون لا يجزئ إخراج الخاتم في الزكاة .

        ومنها أن هذا الحديث فيه أنه أعطاه السائل ،والمدح في الزكاة أن يخرجها ابتداء ويخرجها على الفور ، لا ينتظر أن يسأله سائل .

        ومنها أن الكلام في سياق النهي عن موالاة الكفار ، والأمر بموالاة المؤمنين ، كما يدل عليه سياق الكلام ، وسيجيء إن شاء الله تعالى تمام الكلام على هذه الآية ، فإن الرافضة لا يكادون يحتجون بحجة إلا كانت حجة عليهم لا لهم ، كاحتجاجهم بهذه الآية على الولاية التي هي الإمارة ، وإنما هي في الولاية التي هي ضد العداوة .

والرافضة مخالفون لها ، والإسماعيلية والنصيرية ونحوهم يوالون الكفار ، من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين ، ويعادون المؤمنين من المهاجرين والأنصار والذين اتبوعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وهذا أمر مشهور .

يعادون خيار عباد الله المؤمنين ويوالون اليهود والنصارى والمشركين من الترك وغيرهم ، وقال تعالى : ] َيا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين[([29]. أي  الله كافيك ومن اتبعك من المؤمنين ، والصحابة أفضل من اتبعه  من المؤمنين، وأولهم و قال تعالى :  ] إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْح وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [.

والذين رآهم النبي eيدخلون في دين الله أفواجا هم الذين كانوا على عصره ، وقال تعالى : ]  ُهوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ [([30] . و إنما أيده  في حياته بالصحابة ، و قال تعالى :

] وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ المتُّقُون لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِين لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُم  أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُون [([31].

وهذا الصنف الذي يقول الصدق ، ويصدق به خلاف الصنف الذي يفتري الكذب أو يكذب بالحق ، لما جاءه كما سنبسط القول فيهما إن شاء الله تعالى .

والصحابة الذين كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وأن القرآن حق ، هم أفضل من جاء بالصدق وصدق به ، بعد الأنبياء وليس في الطوائف المنتسبة إلى القبلة أعظم افتراء للكذب على الله وتكذيبا بالحق من المنتسبين إلى التشيع . ولهذا لا يوجد الغلو في طائفة أكثر مما يوجد فيهم .

ومنهم من ادعى إلهية البشر ، وادعى النبوة في غير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وادعى العصمة في الأئمة ، ونحو ذلك مما هو أعظم مما يوجد في سائر الطوائف ، واتفق أهل العلم أن الكذب ليس في طائفة من المنتسبين إلى القبلة أكثر منه فيهم ، وقال تعالى : ]ُ قلِ الْحَمْدُ ِللهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى [. قال طائفة من السلف هم أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ،ولا ريب أنهم أفضل المصطفين من هذه الأمة ، التي قال الله فيها :]  ُثمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُم ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُقْتَصِد وَمِنْهُم سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ الله ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِير جَنَّات عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُم فِيها حَرِير وَقَالوا الْحَمْدُ ِللهِ الَّذي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَن إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُور الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ المُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لاَ يَمَسّنَا فيها نَصبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فيها لُغُوب [([32].

        فأمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الذين أورثوا الكتاب بعد الأمتين قبلهم اليهود والنصارى .

        وقد أخبر الله تعالى أنهم الذين اصطفى .

وتواتر عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال : (( خير القرون القرن الذي بعثت فيه ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ))، ومحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه هم المصطفون ، من المصطفين من عباد الله وقال تعالى : ] ُمحمدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءَ عَلَى الْكُفَّارُ رُحَمَاءَ بَيْنَهُم[([33]) إلى آخر السورة . وقال تعالى  ]وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم في الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُم وَلَيُبْدِلَنَّهُم مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُون [([34]. فقد وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف ، كما وعدهم في تلك الآية مغفرة وأجرا عظيما ، والله لا يخلف الميعاد .

فدل ذلك أن الذين استخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم ومكن لهم دين الإسلام ، وهو الدين الذي ارتضاه لهم ، كما قال تعالى : ] وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دينًا [([35]وبدلهم بعد خوفهم أمنا لهم ([36]المغفرة والأجر العظيم .

وهذا يستدل به على وجهين : على أن المستخلفين مؤمنون عملوا الصالحات ، لأن الوعد لهم لا لغيرهم ، ويستدل به على ان هؤلاء مغفور لهم،  ولهم أجر عظيم ، لأنهم آمنوا وعملوا الصالحات ، فتناولتهم الآيتان  آية النور وآية الفتح .

من المعلوم أن هذه النعوت منطبقة على الصحابة على زمن أبي بكر وعمر وعثمان ، فإنه إذ ذاك حصل الاستخلاف ، وتمكن الدين والأمن ، بعد الخوف لما قهروا فارس والروم وفتحوا الشام والعراق ، ومصر وخراسان ، وأفريقية .

ولما قتل عثمان وحصلت الفتنة لم يفتحوا شيئا من بلاد الكفار ، بل طمع فيهم الكفار بالشام وخراسان ، وكان بعضهم يخاف بعضاً .

وحينئذ قد دل القرآن على إيمان أبي بكر وعمر وعثمان ،ومن كان معهم في زمن الاستخلاف والتمكين والأمن ، والذين كانوا في زمن الاستخلاف والتمكين والأمن أدركوا زمن الفتنة كعلي وطلحة وأبي موسى الأشعري ، ومعاوية وعمرو بن العاص ، دخلوا في الآية لأنهم استخلفوا ومكنوا ، وأمنوا .

و أما من حدث في زمن الفتنة كالرافضة الذين حدثوا في الإسلام ، في زمن الفتنة والافتراق ، وكالخوارج المارقين ،فهؤلاء لم يتناولهم النص ، فلم يدخلوا فيمن وصف بالإيمان والعمل الصالح ، المذكورين في هذه الآية ، لأنهم أولا ليسوا من الصحابة المخاطبين بهذا .

ولم يحصل لهم من الاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف ما حصل للصحابة ، بل لا يزالون خائفين مقلقلين غير ممكنين .

فإن قيل لما قال وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم ولم يقل وعدهم كلهم . قيل كما قال وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ، ولم يقل وعدكم .

و"من" تكون لبيان الجنس فلا يقتضي أن يكون قد بقي من المجرور بها شيء خارج ، عن ذلك الجنس كما في قوله تعالى : ]َفاجتنبوْا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَان [([37]فإنه لا يقتضى أن يكون من الأوثان ما ليس برجس ، وإذا قلت ثوبا من حرير ، فهو كقولك ثوب حرير ، وكذلك قولك باب من حديد فهو، كقولك باب حديد ، وذلك لا يقتضي أن يكون هناك حرير وحديد غير المضاف إليه ، وإن كان الذي يتصوره كليا ، فإن الجنس الكلي ، هو ما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه ، وإن لم يكن مشتركاً فيه في الوجود .

فإذا كانت من بيان الجنس ، كان التقدير وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هذا الجنس ، وإن كان الجنس كلهم مؤمنين صالحين ، وكذلك إذا قال وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هذا الجنس والصنف مغفرة وأجراً عظيما ، لم يمنع ذلك أن يكون جميع هذا الجنس مؤمنين صالحين .

ولما قال لأزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: ] وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا [([38]لم يمنع أن يكون كل منهن تقنت لله ورسوله ، وتعمل صالحا ، ولما قال تعالى : ]وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَليَكُم كَتَبَ رَبُّكُم عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُم سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ ([39]لم يمنع أن يكون كل منهم متصفاً بهذه الصفة ، ولا يجوز ان يقال أنهم لو عملوا سوءاً بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا لم يغفر إلا لبعضهم.

ولهذا تدخل من هذه في النفي لتحقيق نفي  الجنس كما في قوله تعالى :

]وَمَا التَّنَاهُم مِن عَمَلِهِم مِن شَيء[([40]وقوله تعالى: ]وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ الله[([41] ]فَمَا مِنْكُم مِن أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِين [([42].

ولهذا إذا دخلت في النفي تحقـيقا أو تقديرا أفادت نفـي الجنس قطعاً ، (فالتحقيق ما ذكر والتقدير كقوله تعالى: ]لا إله إلا الله[ وقوله: ]لاَرَيْبَ فيه[  ونحو ذلك بخلاف ما إذا لم تكن "من"موجودة كقولك (( ما رأيت رجلا )) فإنها ظاهرة لنفي الجنس ، ولكن قد يجوز أن ينفي بها الواحد من الجنس ، كما قال سيبويه : يجوز أن يقال ما رأيت رجلا ، بل رجلين .

فتبين أنه يجوز إرادة الواحد ، وإن كان الظاهر نفي الجنس ، بخلاف ما إذا دخلت (من ) فإنه ينفي الجنس قطعا ، ولهذا  لو قال لعبيده من أعطاني منكم ألفا فهو حر فأعطاه كل واحد ألفا عتقوا كلهم .

       وكذلك لو قال واحد لنسائه من أبرأتني منكن من صداقها فهي طالق فأبرأنه كلهن ، طلقن كلهن .

      فإن المقصود بقوله منكن بيان جنس المعطى والمبرئ لا إثبات هذا الحكم لبعض العبيد والأزواج .

      فإن قيل فهذا كما لا يمنع أن يكون كل المذكور متصفا بهذه الصفة فلا يوجب ذلك أيضا ، فليس في قوله وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ما يقتضي أن يكونوا كلهم كذلك .

قيل : نعم ونحن لا ندعي أن مجرد هذا اللفظ دل على ان جميعهم موصوفون بالإيمان والعمل الصالح ، ولكن مقصودنا أن (من ) لا ينافى شمول هذا الوصف لهم فلا يقول قائل ان الخطاب دل على ان المدح شملهم وعمهم بقوله محمد رسول الله والذين معه إلى آخر الكلام ، ولا ريب أن هذا مدح لهم بما ذكر ، من الصفات ، وهو الشدة على الكفار ، والرحمة بينهم والركوع والسجود يبتغون فضلا من الله ورضوانا ، والسيما في وجوههم من أثر السجود ، وانهم يبتدئون من ضعف  إلى كمال القوة والاعتدال ، كالزرع والوعد بالمغفرة والأجر العظيم ، ليس على مجرد هذه الصفات بل على الإيمان والعمل الصالح .

فذكر ما به يستحقون الوعد ، وإن كانوا كلهم بهذه الصفة ، ولولا ذكر ذلك لكان يظن انهم بمجرد ما ذكر يستحقون المغفرة والأجر العظيم ولم يكن فيه بيان سبب الجزاء ، بخلاف ما إذا ذكر الإيمان والعمل الصالح .

فإن الحكم إذا علق باسم مشتق مناسب كان ما منه الاشتقاق سبب الحكم.

فإن قيل فالمنافقون كانوا في الظاهر مسلمين  ، قيل المنافقون لم كونوا متصفين بهذه الصفات ، ولم يكونوا مع الرسول والمؤمنين ولم يكونوا منهم ، كما قال الله تعالى : ] َفعسى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ  أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا في أَنْفُسِهِم نَادِمِين ، وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنوا أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِم إِنَّهُم لَمَعَكُم حَبطت أَعْمَالُهُم فَاَصْبَحُوا خَاسِرِين [([43] وقوله تعالى: ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذوى في اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابَ اللهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولن إِنَّا مَعَكُم أَوَ لَيْسَ الله بِأَعْلَم بِمَا في صُدُور العَالَمِين وَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُم وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِين [([44]) .

 فأخبرأن المنافقين ليسوا من المؤمنين ، ولا من أهل الكتاب .

هؤلاء لا يجدون في طائفة من المتظاهرين بالإسلام ، أكثر منهم في الرافضة ، ومن انطوى إليهم . فدل هذا على ان المنافقين لم يكونوا من الذين آمنوا معه ، والذين كانوا منافقين منهم من تاب عن نفاقه وانتهى عنه ، وهم الغالب بدليل قوله تعالى : ] َلئنْ لَمْ يَنْتَهِ المْنُافِقُونَ وَالَّذِينَ في قُلُوبِهِم مَرَضٌ وَالْمُرْجَفُونَ في الْمَدِينَةِ ِلنُغْرِيَنَّكَ بِهِم ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إلاَّ قَلِيلاً مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً [([45].

فلما لم يغره الله بهم ، ولم يقتلهم تقتيلا ، بل كانوا يجاورونه بالمدينة فدل ذلك على أنهم انتهوا ، والذين كانوا معه بالحديبية كلهم بايعوه تحت الشجرة ، إلا الجد بن قيس فإنه اختبأ خلف جمل أحمر  .

وكذا حاء في الحديث كلهم يدخل الجنة إلا صاحب الجمل الأحمر ، وبالجملة فلا ريب أن المنافقين كانوا مغمورين مقهورين ، أذلاء ، لا سيما في آخر أيام الرسول e. وفي غزوة تبوك لأن الله تعالى قال : ]َيقولون لئن رَجعنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيَخْرُجَنَّ الأَعَزَّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلله العِزَّةُ َلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤمِنِين وِلَكِن الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُون[([46].

فأخبر أن العزة للمؤمنين ، لا للمنافقين ، فعلم أن العزة والقوة كانت في المؤمنين ، وأن المنافقين كانوا أذلاء بينهم .

فيمتنع  أن تكون الصحابة الذين كانوا أعز المسلمين من المنافقين ، بل ذلك يقتضى أن من كان أعز كان أعظم إيمانا .

 ومن المعلوم أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، الخلفاء الراشدين وغيرهم كانوا اعز الناس ، وهذا كله مما يبين أن المنافقين كانوا ذليلين في المؤمنين .

فلا يجوز أن يكون الأعزاء من الصحابة منهم ، ولكن هذا الوصف مطابق للمتصفين به من الرافضة وغيرهم ،والنفاق والزندقة في الرافضة أكثر منه في سائر الطوائف .

بل لا بد لكل منهم من شعبة نفاق ، فإن أساس النفاق الذي بني عليه ، الكذب ، وأن يقول الرجل بلسانه ما ليس في قلبه ، كما اخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم .

والرافضة تجعل هذا من أصول دينها وتسميه التقية وتحكى هذا عن أئمة  أهل البيت الذين برأهم الله عن ذلك ، حتى يحكوا ذلك عن جعفر الصادق أنه قال التقية ديني ودين آبائي و قد نزه الله المؤمنين من أهل البيت وغيرهم عن ذلك.

 بل كانوا من أعظم الناس صدقا وتحقيقا للإيمان ، وكان دينهم التقوى لا التقية ، وقول الله تعالى : ]لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِين وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَلَيْسمِنَ اللهِ في شَيء إلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُم تُقَاه[([47]).إنما هو الأمر بالاتقاء من الكافرين ، لا الأمر بالنفاق والكذب .

والله تعالى قد أباح لمن أكره على كلمة الكفر أن يتكلم بها ، إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان ، لكن لم يكره أحداً من أهل البيت على شيء من ذلك ، حتى أن أبا بكرt لم يكره أحدا لا منهم، ولا من غيرهم  على متابعته، فضلا على ان يكرههم على مدحه ، والثناء عليه.

 بل  كان علي وغيره من أهل البيت يظهرون ذكر فضائل الصحابة والثناء عليهم والترحم عليهم والدعاء لهم ولم يكن أحد يكرههم على شيء منه باتفاق الناس .

وقد كان زمن بني أمية وبني العباس خلق عظيم دون عليّ وغيره في الإيمان والتقوى يكرهون منهم أشياء ولا يمدحونهم ولا يثنون عليهم ، ولا يقربونهم ، ومع هذا لم يكن هؤلاء يخافونهم ، ولم يكن أولئك يكرهونهم مع أن الخلفاء الراشدين كانوا باتفاق الخلق أبعد عن قهر الناس  وعقوبتهم على طاعتهم ، من هؤلاء .

 فإذا كان لم يكن الناس مع هؤلاء مكرهين على ان يقولوا بألسنتهم خلاف ما في قلوبهم ، فكيف يكونون مكرهين مع الخلفاء على ذلك ، بل على الكذب وشهادة الزور وإظهار الكفر ، كما تقوله الرافضة من غير ان يكرههم أحد على ذلك .

 فعلم أن ما تتظاهر به الرافضة هو من باب الكذب والنفاق ، وأنهم  يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، لا من باب ما يكره المؤمن عليه ، من التكلم بالكفر وهؤلاء أسرى المسلمين ، في بلاد الكفار غالبهم يظهرون دينهم،والخوارج مع تظاهرهم بتكفير الجمهور، وتكفير عثمان وعلي ومن ولاهما يتظاهرون بدينهم.

وإذا سكنوا بين الجماعة ، سكنوا على الموافقة والمخالفة ، والذي يسكن في مدائن الرافضة فلا يظهر الرفض وغايته إذا ضعف ان يسكت عن ذكر مذهبه لا يحتاج أن يتظاهر بسب الخلفاء والصحابة، إلا أن يكونوا قليلا .

فكيف يظن بعليt وغيره من أهل البيت أنهم كانوا اضعف دينا من الأسرى في بلاد الكفر ، ومن عوام  أهل السنة ، ومن النواصب ، مع أنا قد علمنا بالتواتر أن أحدا لم يكره عليّا ولا أولاده على ذكر فضائل الخلفاء ، والترحم عليهم ، بل كانوا يقولون ذلك من غير إكراه ، ويقوله أحدهم لخاصته كما ثبت ذلك بالنقل المتواتر .

 وأيضا فقد يقال في قوله تعالى : ]وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُم وَعَمِلوا الصَّالِحَات [ أن ذلك وصف الجملة بصفة تتضمن حالهم عند الاجتماع كقوله تعالى : ]وَمَثَلُهُم في الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِه يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغيظَ بِهِم الكُفَّار [ والمغفرة والأجر في الآخرة يحصل لكل واحد واحد ، فلا بد ان يتصف بسبب ذلك ، وهو الإيمان والعمل الصالح، إذ قد يكون في الجملة منافقا .

 وفي الجملة ما في القرآن من خطاب المؤمنين والمتقين والمحسنين ، ومدحهم والثناء عليهم ، فهم أول من دخل في ذلك من هذه الأمة ، وأفضل من دخل في ذلك من هذه الأمة كما استفاض عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من غير وجه أنه قال : ((  خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ))([48].

(الوجه الثاني ) : في بيان كذبه وتحريفه فيما نقله عن حال الصحابة بعد موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم .

(قوله : فبعضهم طلب الأمر لنفسه بغير حق ، وبايعه اكثر الناس طلبا للدنيا ) .

 وهذا إشارة إلى أبي بكر فإنه هو الذي بايعه أكثر الناس ، ومن المعلوم أن أبا بكر لم يطلب الأمر لنفسه ، لا بحق ولا بغير حق ، بل قال: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، إما عمر بن الخطاب وإما أبا عبيدة .

قال عمر : فوالله لأن  أقدم فتضرب عنقي لا يقرّبني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ، وهذا اللفظ في الصحيحين([49] .

 وقد روى عنه انه قال : أقيلوني، أقيلوني ، فالمسلمون اختاروه وبايعوه ، لعلمهم بأنه خيرهم ، كما قال له عمر يوم السقيفة بمحضر المهاجرين والأنصار أنت سيدنا وخيرنا ، وأحبنا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم ينكر ذلك أحد ، وهذا أيضا في الصحيحين([50].

والمسلمون اختاروه كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث الصحيح لعائشة : (( ادعى لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا، لا يختلف عليه الناس من بعدي ، ثم قال يأبى الله والمؤمنون أن يتولى غير أبي بكر ))([51]) فالله هو ولاه قدرا ، وشرعا ، وأمر المؤمنين ، بولايته ، وهداهم إلى أن ولوه من غير أن يكون طلب ، ذلك لنفسه .

(الوجه الثالث ) : أن يقال فهب أنه طلبها وبايعه أكثر الناس فقولكم : أن ذلك طلب للدنيا كذب ظاهر .

 فإن أبا بكر لم يعطهم دنيا ، وكان قد أنفق ماله في حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ولما رغب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الصدقة جاء بماله كله ، فقال له:((ما تركت لأهلك . قال :تركت لهم الله ، ورسوله ))([52])

 والذين بايعوه هم أزهد الناس في الدنيا ، وهم الذين أثنى الله عليهم.

وقد علم الخاص والعام زهد عمر ، وأبي عبيدة ، وأمثالهما ، وإنفاق الأنصار أموالهم كأسيد  بن حضير ، وأبي طلحة ، وأبي أيوب وأمثالهم .

 ولم يكن عند موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لهم بيت مال يعطيهم ما فيه ، ولا كان هناك ديوان للعطاء يفرض لهم فيه ، والأنصار كانوا في أملاكهم ، وكذلك المهاجرون من كان له شيء من مغنم أو غيره فقد كان له .

وكانت سيرة أبي بكر في قسم الأموال التسوية ، وكذلك سيرة عليt ، فلو بايعوا عليّا أعطاهم ما أعطاهم أبو بكر ، مع كون قبيلته أشرف القبائل ، وكون بني عبد مناف وهم أشراف قريش الذين هم اقرب العرب من بني أمية وغيرهم إذ ذلك كأبي سفيان بن حرب وغيره ، وبني هاشم كالعباس وغيره ، كانوا معه .

فقد أراد أبو سفيان وغيره أن تكون الإمارة في بني عبد مناف ، على عادة الجاهلية فلم يجبه إلى ذلك علي ولا عثمان ، ولا غيرهما لعلمهم ، أو دينهم فأيّ رياسة ، وأي مال كان لجمهور المسلمين بمبايعة أبي بكر ، لا سيما وهو يسوّي بين السابقين والأولين ، وبين آحاد المسلمين في العطاء ، ويقول : إنما أسلموا لله وأجورهم على الله ،وإنما هذا المتاع بلاغ .

وقال لعمر لما أشارعليه بالتفضيل في العطاء : أفأشتري منهم إيمانهم ؟

فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم أولا ، كعمر وأبي عبيدة وأسيد بن حضير وغيرهم ، سوّى بينهم وبين الطلقاء الذين أسلموا عام الفتح ، وبين من أسلم بعد موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فهل حصل لهؤلاء من الدنيا بولايته شيء .

(الوجه الرابع ) : أن يقال : أهل السنّة مع الرافضة كالمسلمين مع النصارى ، فإن المسلمين يؤمنون بأن المسيح عبد الله ورسوله ، ولا يغلون فيه غلو النصارى ، ولا يجفون جفاء اليهود .

والنصارى تدعى فيه الإلهية وتريد أن تفضله على محمد وإبراهيم وموسى ، بل تفضل الحواريين على هؤلاء الرسل .

كما تريد الروافض أن تفضل من قاتل مع علي كمحمد بن أبي بكر والأشتر النخعي على أبي بكر وعمر وعثمان وجمهور المهاجرين والأنصار ، فالمسلم إذا ناظر النصراني لا يمكنه أن يقول في عيسى إلا الحق ، لكن إذا أردت أن تعرف جهل النصراني وأنه لا حجة له فقدّر المناظرة بينه وبين اليهود .

فإن النصراني لا يمكنه أن يجيب عن شبهة اليهودي([53]إلا بما يجيب به المسلم، فإن لم يدخل في دين الإسلام وإلا كان منقطعا مع اليهودي ، فإنه إذا أمر بالإيمان بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم .

فإن قدح  في نبوته بشيء من الأشياء ، لم يمكنه أن يقول شيئا إلا قال اليهودي في المسيح ما هو أعظم من ذلك ، فإن البينات لمحمد أعظم من البينات للمسيح .

 وبعد أمره عن الشبهة ، أعظم من بعد المسيح عن الشبهة ، فإن جاز القدح فيما دليله أعظم وشبهته أبعد عن الحق ، فالقدح فيما دونه أولى .

وإن كان القدح في المسيح باطلا فالقدح في محمد أولى بالبطلان ، فإنه إذا بطلت الشبهة القوية فالضعيفة أولى بالبطلان ، وإذا ثبتت الحجة التي غيرها أقوى منها فالقوية أولى بالإثبات .

ولهذا كان مناظرة كثير من المسلمين للنصارى من هذا الباب كالحكاية المعروفة عن القاضي أبي بكر بن الطيب ، لما أرسله المسلمون إلى ملك النصارى بالقسطنطينية ، فإنهم عظموه ، وعرف النصارى قدره ، فخافوا أن لا يسجد للملك إذا دخل ، فأدخلوه من باب صغير ليدخل منحنيا ، ففطن لمكرهم ، فدخل مستدبرا متلقيا لهم بعجزه .

 ففعل نقيض ما قصدوه ، ولما جلس وكلموه ، أراد بعضهم القدح في المسلمين ، فقال له ما قيل في عائشة امرأة نبيكم ، يريد إظهار قول الإفك الذي يقوله من يقول من الرافضة ، أيضا .

 فقال القاضي ثنتان قدح فيهما ورميتا بالزنا إفكا وكذبا ، مريم وعائشة فأما مريم فجاءت بالولد تحمله من غير زوج ، وأما  عائشة فلم تأت بولد مع أنه كان لها زوج ، فأبهت النصارى .

وكان مضمون كلامه أن ظهور براءة عائشة أعظم من ظهور براءة مريم ، وأن الشبهة إلى مريم أقرب منها إلى عائشة ، فإذا كان مع هذا قد ثبت كذب القادحين في مريم ، فثبوت قدح الكاذبين في عائشة أولى .

ومثل هذه المناظرة أن يقع التفضيل بين طائفتين ، ومحاسن إحداهما أكثر وأعظم ومساويها أقل وأصغر ، فإذا ذكر ما فيها من ذلك عورض بأن مساوئ تلك أعظم ، كقوله تعالى : ] يسئلونكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٌ فِيه قُل قِتَالٌ فيهِ كَبِير[ثم قال : ] وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرَ عِنْدَ الله وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرَ مِنَ الْقَتْل [([54]فإن الكفار عيروا سرية من سرايا المسلمين بأنهم قتلوا ابن  الحضرمي في الشهر الحرام ، فقال تعالى هذا كبير وما عليه المشركون من الكفر بالله والصد عن سبيله وعن المسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ، فإن هذا صد عما لا تحصل النجاة والسعادة إلا به ، وفيه من انتهاك المسجد الحرام ما هو أعظم من انتهاك الشهر الحرام.

لكن في هذا النوع قد اشتملت كل من الطائفتين على ما يذم ، وأما النوع الأول فيكون كل من الطائفتين لا يستحق الذم ، بل هناك شبه في الموضعين ، وأدلة في الموضعين وأدلة أحد الصنفين أقوى وأظهر ، وشبهته أضعف وأخفى ، فيكون أولى بثبوت الحق مما تكون أدلته أضعف ، وشبهته أقوى .

هذا حال النصارى واليهود مع المسلمين ، وهو حال أهل البدع مع أهل السنّة لاسيما الرافضة ، وهكذا أمر أهل السنّة مع الرافضة في أبي بكر وعلي، فإن الرافضي لا يمكنه أن يثبت إيمان علي وعدالته وأنه من أهل الجنة فضلا عن إمامته إن لم يثبت ذلك لأبي بكر وعمر وعثمان .

وإلا فمتى أراد إثبات ذلك لعلي وحده لم تساعده الأدلة ، كما أن النصراني إذا أراد إثبات نبوة المسيح دون محمد لم تساعده الأدلة .

فإذا قالت له الخوارج الذين يكفرون عليّا ، أو النواصب الذين يفسقونه أنه كان ظالما طالبا للدنيا ، وأنه طلب الخلافة لنفسه ، وقاتل عليها بالسيف وقتل على ذلك ألوفا من المسلمين ، حتى عجز عن انفراده بالأمر ، وتفرق عليه أصحابه وظهروا عليه فقتلوه ، فهذا الكلام إن كان فاسد ففساد كلام الرافضي في أبي بكر وعمر أعظم ،وإن كان ما قاله في أبي بكر وعمر متوجها مقبولا ، فهذا أولى بالتوجيه والقبول .

 لأنه من المعلوم للخاصة والعامة أن من ولاه الناس باختيارهم ورضاهم من غير أن يضرب أحدا بالسيف ولا عصى ولا أعطى أحدا ممن ولاه من مال واجتمعوا عليه فلم يول أحد من أقاربه ، وعترته ، ولا خلف لورثته مالاً من مال المسلمين ، وكان له مال قد أنفقه في سبيل الله ، فلم يأخذ بدله ، وأوصى أن يرد إلى بيت مالهم ما كان عنده لهم ، وهو جرد قطيفة ، وبكر وأمة سوداء ، ونحو ذلك .

 حتى قال عبد الرحمن بن عوف لعمر : أتسلب هذا آل أبي بكر ، قال كلا والله لا يتحنث فيها أبو بكر وأتحملها أنا ، وقال يرحمك الله يا أبا بكر لقد أتعبت الأمراء بعدك .

ثم مع هذا لم يقتل مسلما على ولايته ، ولا قاتل مسلما بمسلم ، بل قاتل بهم المرتدين عن دينهم ، والكفار حتى شرع بهم في فتح الأمصار واستخلف القوي الأمين العبقري ، الذي فتح الأمصار ونصب الديوان ، وعم بالعدل والإحسان .

فإن جاز للرافضي أن يقول إن هذا كان طالبا للمال والرياسة ، أمكن الناصبي أن يقول : كان علي ظالما طالبا للمال والرياسة ، قاتل على الولاية حتى قتل المسلمون بعضهم بعضا ،ولم يقاتل كافراً ولم يحصل للمسلمين في مدة ولايته إلا شر وفتنة في دينهم ودنياهم .

فإن جاز أن يقال : علي كان مريدا لوجه الله ، والتقصير من غيره من الصحابة ، أو يقال  كان مجتهداً مصيباً ، وغيره مخطئ مع هذه الحالة فإنه يقال كان أبو بكر وعمر مريدين وجه الله مصيبين والرافضة مقصرون في معرفة حقهم مخطئون في ذمهم بطريق الأولى والأحرى .

 فإن أبا بكر وعمر كان بعدهما عن شبة طلب المال والرياسة أشد من بعد علي عن ذلك ،وشبهة الخوارج الذين ذموا عليّا وعثمان وكفروهما أقرب من شبهة الرافضة الذين ذموا أبا بكر  وعمر وكفروهما ، فكيف بحال الصحابة والتابعين الذين تخلفوا عن بيعته أو قاتلوه فشبهتهم أقوى من شبهة من قدح في أبي بكر وعمر وعثمان ، فإن أولئك قالوا ما يمكننا أن نبايع إلا من يعدل علينا ،ويمنعنا ممن ظلمنا ، ويأخذ حقنا ممن ظلمنا ، فإذا لم يفعل هذا كان عاجزاً أو ظالما ، وليس علينا أن نبايع عاجزا أو ظالما .

وهذا الكلام إذا كان باطلا ، فبطلان قول من يقول أن أبا بكر وعمر كانا ظالمين طالبين للرياسة والمال أبطل وأبطل ، وهذا الأمر لا يستريب فيه من له بصر ومعرفة ، وأين شبهة مثل أبي موسى الأشعري الذي وافق عمرو على عزل علي ومعاوية ، وأن يجعل الأمر شورى في المسلمين ، من شبهة عبد الله بن سبأ وأمثاله الذين يدعون أنه إمام معصوم ، وأنه إله أو نبي .

 بل أين شبهة الذين رأوا أن يولوا معاوية من شبهة الذين يدعون أنه إله أو نبي ، فإن هؤلاء كفار باتفاق المسلمين بخلاف أولئك ، ومما يبين هذا أن الرافضة تعجز عن إثبات إيمان علي وعدالته ، مع كونهم على مذهب الرافضة ، ولا يمكنهم ذلك إلا إذا صاروا من أهل السنة ، فإذا قالت لهم الخوارج وغيرهم ممن تكفره ، أو تفسقه ، لا نسلم أنه كان مؤمناً ، بل كان كافرا أو ظالما ، كما يقولون هم في أبي بكر وعمر لم يكن لهم دليل على إيمانه وعدله ، إلا وذاك الدليل على  أبي بكر  وعمر وعثمان أدل .

 فإن احتجوا بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده فقد تواتر ذلك عن هؤلاء ، بل تواتر إسلام معاوية ويزيد وخلفاء بني أمية وبني العباس وصلاتهم وصيامهم ، وجهادهم للكفار فإن ادعوا في واحد من هؤلاء النفاق ، أمكن الخارجى أن يدعى النفاق فيه([55]) .

وإذا ذكروا شبهة ، ذكر ما هو أعظم منها ، وإذا قالوا ما تقوله أهل الفرية ، من أن أبا بكر وعمر كانا منافقين في الباطن ، عدوين للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم . أفسدا دينه ، بحسب الإمكان أمكن الخارجى ان يقول ذلك في علي ويوجه ذلك بأن يقول : كان يحسد  ابن عمه وأنه كان يريد إفساد دينه فلم يتمكن من ذلك في حياته وحياة الخلفاء الثلاثة حتى سعى في قتل الخليفة الثالث ، وأوقد الفتنة ، حتى غلى في قتل أصحاب محمد ، وأمته بغضا له وعداوة ، وأنه كان مباطناً للمنافقين الذين ادعوا فيه الإلهية والنبوة ، وكان يظهر خلاف ما يبطن  ، لأن دينه التقية ، فلما أحرقهم بالنار، أظهر إنكار ذلك ، وإلا فكان في الباطن معهم .

ولهذا كانت الباطنية من اتباعه ،وعندهم سره ، وهم ينقلون عنه الباطن الذي ينتحلونه ، ويقول الخارجى مثل هذا الكلام الذي يروج على كثير من الناس أعظم ، مما يروج كلام الرافضة في الخلفاء الثلاثة ، لأن شبهة الرافضة أظهر فسادا من شبهة الخوارج ، وهم أصح منهم عقلا ، ومقصدا .

والرافضة أكذب وأفسد دينا ، وإن أرادوا إثبات إيمانه وعدالته بنص القرآن عليه ، قيل القرآن عام وتناوله له ليس بأعظم من تناوله لغيره ، وما من آية يدعون اختصاصها به إلا أمكن أن يدعى اختصاصها أو اختصاص مثلها أو أعظم منها بأبي بكر وعمر .

فباب الدعوى بلا حجة ممكنة ، والدعوى في فضل الشيخين أمكن منها في فضل غيرهما ، وإن قالوا ثبت ذلك بالنقل والرواية ، فالنقل والرواية في أولئك أكثر وأشهد ، فإن ادعوا تواتراً ، فالتواتر هناك أصح ، وإن اعتمدوا على نقل الصحابة فنقلهم لفضائل أبي بكر وعمر أكثر ، ثم هم يقولون : أن الصحابة ارتدوا إلا نفرا قليلا فكيف تقبل رواية هؤلاء في فضيلة أحد ، ولم يكن في الصحابة رافضة كثيرون ، يتواتر نقلهم ، فطريق النقل مقطوعا عليهم، إن لم يسلكوا طريق أهل السنة ، كما هو مقطوع على النصارى في إثبات نبوة المسيح إن لم يسلكوا طريق المسلمين .

وهذا كمن أراد أن يثبت فقه ابن عباس دون علي ، أو فقه علقمة والأسود دون ابن مسعود ، ونحو ذلك من الأمور التي يثبت فيها للشيء حكم  دون ما هو أولى بذلك الحكم منه ، فإن هذا تناقض ممتنع عند من سلك طريق العلم والعدل .

ولهذا كانت الرافضة من أجهل الناس وأضلهم ، كما أن النصارى من أجهل الناس ، والرافضة من أخبث الناس ، كما أن اليهود من أخبث الناس ، ففيهم  نوع من ضلال النصارى ،ونوع من خبث اليهود .

(الوجه الخامس): أن يقال : تمثيل هذا بقصة عمر بن سعد طالبا للرياسة والمال مقدما على المحرّم لأحل ذلك فيلزم أن يكون السابقون الأولون بهذه الحال ، وهذا أبوه سعد بن أبي وقاص، كان من أزهد الناس في الإمارة والولاية ، ولما وقعت الفتنة اعتزل الناس في قصره بالعقيق ، وجاءه عمر ابنه هذا فلامه على ذلك ، وقال له الناس في المدينة يتنازعون الملك وأنت ههنا؟ فقال : (( اذهب فإني سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول إن الله يحب العبد التقي الغني الخفيّ ))([56].

هذا ولم يكن  قد بقي أحد من أهل الشورى غيره وغير علي رضي الله عنهما ، وهو الذي فتح العراق ، وأذل جنود كسرى وهو آخر العشرة موتا.

فإذا لم يحسن أن يشبه بابنه عمر أيشبه به أبو بكر وعمر وعثمان ، هذا وهم لا يجعلون محمد بن أبي بكر بمنزلة أبيه ، بل يفضلون محمداً ويعظمونه ، ويتولونه لكونه آذى عثمان وكان من خواص أصحاب علي لأنه كان ربيبه ، ويسبون أباه أبا بكر ويلعنونه ، فلو أن النواصب فعلوا بعمر بن سعد مثل ذلك فمدحوه على قتل الحسين ، لكونه كان من شيعة عثمان ، ومن المنتصرين له ، وسبوا أباه سعد لكونه تخلف عن القتال مع معاوية والانتصار لعثمان ، هل كانت النواصب لو فعلت ذلك إلا من جنس الرافضة .

 بل الرافضة شر منهم ، فإن أبا بكر أفضل من سعد ، وعثمان كان أبعد عن استحقاق القتل من الحسين ، وكلاهما مظلوم وشهيد رضي الله تعالى عنهما ، ولهذا كان الفساد الذي حصل في الأمة بقتل عثمان أعظم من الفساد الذي حصل في الأمة بقتل الحسين .

 وعثمان من السابقين الأولين وهو خليفة مظلوم طلب منه أن ينعزل بغير حق فلم ينعزل ولم يقاتل عن نفسه حتى قتل ، والحسينt لم يكن متوليا وإنما كان طالبا للولاية ، حتى رأى أنها متعذرة وطلب منه ليستأسر ليحمل إلى يزيد مأسورا ، فلم يجب إلى ذلك وقاتل حتى قتل مظلوما ، شهيدا ، فظلم عثمان كان أعظم وصبره وحلمه كان أكمل ، وكلاهما مظلوم شهيد ، ولو مثل ممثل طلب علي والحسين للأمر بطلب الإسماعيلية كالحاكم وأمثاله وقال إن علي والحسين كانا ظالمين طالبين للرياسة من غير حق ، بمنزلة الحاكم وأمثاله من ملوك بني عبيد ، أما كان يكون كاذبا مفتريا في ذلك لصحة إيمان الحسن والحسين ، ودينهما وفضلهما ، ولنفاق هؤلاء وإلحادهم .

 وكذلك من شبه عليا والحسين ببعض من قام من الطالبيين أو غيرهم بالحجاز ، أو الشرق أو الغرب يطلب الولاية بغير حق ، ويظلم الناس في أموالهم وأنفسهم ، أما كان يكون ظالما كاذبا ؟ فالمشبه بأبي بكر وعمر بعمر بن سعد أولى بالكذب والظلم ، ثم غاية عمر بن سعد وأمثاله ، أن يعترف بأنه طلب الدنيا بمعصية يعترف أنها معصية ، وهذا ذنب كثير وقوعه من المسلمين .

وأما الشيعة فكثيرمنهم يعترفون بأنهم إنما قصدوا بالملك إفساد دين الإسلام ، ومعاداة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم  كما يعرف ذلك من خطاب الباطنية وأمثالهم ، من الداخلين في الشيعة ، فإنهم يعترفون بأنهم في الحقيقة لا يعتقدون دين الإسلام ، وإنما يتظاهرون بالتشيع لقلة عقل الشيعة وجهلهم ليتوصلوا بهم إلى أغراضهم .

          وأوّل هؤلاء ، بل خيارهم هو المختار بن أبي عبيد الكذاب ، فإنه كان أمير الشيعة ، وقتل عبيد الله بن زياد ، وأظهر الانتصار للحسين ، حتى قتل قاتله وتقرب بذلك إلى محمد بن الحنفية وأهل البيت ، ثم ادعى النبوة وأن جبريل يأتيه ، وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال : (( سيكون في ثقيف كذاب ومبير ))([57] .

فكان الكذاب هو المختار بن أبي عبيد ، وكان المبير هو الحجاج بن يوسف الثقفي ، ومن المعلوم أن عمر بن سعد أمير السرية التي قتلت الحسين، مع ظلمه وتقديمه الدنيا على الدين ، لم يصل في المعصية إلى فعل المختار بن أبي عبيد ، الذي أظهر الانتصار للحسين ، وقتل قاتله بل كان هذا أكذب وأعظم ذنبا من عمر بن سعد .

 فهذا الشيعي شر من ذلك الناصبي ، بل والحجاج بن يوسف خير من المختار بن أبي عبيد ، فإن الحجاج كان مبيرا كما سماه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يسفك الدماء بغير حق ، والمختار كان كذابا يدعى الوحي وإتيان جبريل إليه ، وهذا الذنب أعظم من قتل النفوس ، فإن هذا كفر وإن لم يتب منه كان مرتدا ، والفتنة أعظم من القتل .

 وهذا باب مطرد لا تجد أحداً ممن تذمه الشيعة بحق أو باطل إلا وفيهم من هو شر منه ، ولا تجد أحداً ممن تمدحه الشيعة إلا وفيمن تمدحه الخوارج من هو خير منه ، فإن الروافض شر من النواصب ،والذين تكفرهم أو تفسقهم الروافض ، هم أفضل من الذين تكفرهم أو تفسقهم النواصب .

 وأما أهل السنة فيتولون جمع لمؤمنين ، ويتكلمون بعلم وعدل ليسوا من أهل الجهل ، ولا من أهل الأهواء ، ويتبرءون من طريقة الروافض والنواصب جميعا ، ويتولون السابقين الأولين كلهم ،ويعرفون قدر الصحابة ، وفضلهم ، ومناقبهم ،ويرعون حقوق أهل البيت التي شرعها الله لهم ، ولا يرضون بما فعله المختار ونحو من الكذابين ، ولا ما فعل الحجاج ونحوه من الظالمين .

 ويعلمون مع هذا مراتب السابقين الأولين ، فيعلمون أن لأبي بكر وعمر من التقدم والفضائل ما لم يشاركهما فيهما أحد ، من الصحابة لا عثمان ولا علي ولا غيرهما ، وهذا كان متفقا عليه في الصدر الأول ، إلا أن يكون خلاف شاذ لا يعبأ به .

 حتى إن الشيعة الأولى أصحاب علي لم يكونوا يرتابون في تقديم أبي بكر وعمر عليه ، فكيف وقد ثبت عنه من وجوه متواترة أنه كان يقول : خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر ، ولكن كان طائفة من شيعة علي ، تقدمه على عثمان ، وهذه المسألة أخفى من تلك ، ولهذا كان أئمة أهل السنة متفقين على تقديم أبي بكر وعمر كما في مذهب أبي حنيفة ، والشافعي ، ومالك ، وأحمد بن حنبل ، والثورى ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، وسائر أئمة المسلمين ، من أهل الفقه والحديث والزهد والتفسير من المتقدمين والمتأخرين.

 وأما عثمان وعلي فكان طائفة من أهل المدينة يتوقفون فيهما ، وهي إحدى الروايتين عن سفيان الثوري ، ثم قيل إنه رجع عن ذلك لما اجتمع به  أيوب  السختياني ، وقال من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار ، وسائر أئمة السنة على تقديم عثمان وهو مذهب جماهير أهل الحديث وعليه يدل النص ، والإجماع والاعتبار .

 وأما ما يحكى عن بعض المتقدمين من تقديم جعفر أو تقديم طلحة أو نحو ذلك فذلك في أمور مخصوصة لا تقديما عاما ، و كذلك ما ينقل عن بعضهم في علي .

وأما قوله : فبعضهم اشتبه الأمرعليه ورأى لطالب الدنيا مبايعا فقلده ،

وبايعه وقصر في نظره فخفي عليه الحق فاستحق المؤاخذة من الله تعالى ، بإعطاء الحق لغير مستحقه ، قال : وبعضهم قلد لقصور فطنته ، ورأى الجم الغفير فتابعهم ، وتوهم أن الكثرة تستلزم الصواب ، وغفل عن قوله تعالى :

 ]وَقَلِيلٌ مَا هُم [([58] ،  ] وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور [([59] .

فيقال لهذا المفترى : الذي جعل الصحابة الذين بايعوا أبا بكر ثلاثة أصناف أكثرهم طلبوا الدنيا وصنف قصروا في النظر ، وصنف عجزوا عنه، لأن الشر إما أن يكون لفساد القصد . وإما أن يكون للجهل ، والجهل إما أن يكون لتفريط في النظر ، وإما أن يكون لعجز عنه .

 وذكر أنه كان في الصحابة وغيرهم من قصر في النظر حين بايع أبا بكر ، ولو نظر لعرف الحق ، وهذا يؤاخذ على تفريطه ، بترك النظر الواجب، وفيهم من عجز عن النظر ، فقلد الجم الغفير ، يشير بذلك إلى  سبب مبايعة أبي بكر .

 فيقال له هذا من الكذب الذي لا يعجز عنه أحد ، والرافضة قوم بهت فلو طلب من هذا المفتري دليل على ذلك لم يكن له على ذلك دليل ، والله تعال قد حرم القول بغير علم ، فكيف إذا كان المعروف ضد  ما قاله فلو لم نكن نحن عالمين بأحوال الصحابة لم يجز أن نشهد عليهم بما لا نعلم من فساد القصد ، والجهل بالمستحق . قال تعالى : ]ولا تقفُ ما ليس لك به علم إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أولئِكَ كان عنهُ مَسئولاً [([60] وقال تعالى : ]َها أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمُ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْم [([61]فكيف إذا كنا نعلم أنهم كانوا أكمل هذه الأمة عقلا ، وعلما ، ودينا ، كما قال فيهم عبد الله بن مسعود : (( من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات ، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة ، أولئك أصحاب محمد كانوا والله أفضل هذه الأمة ، وأبرها قلوبا ، وأعمقها علما وأقلها تكلفا ، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ، وإقامة دينه، فأعرفوا لهم فضلهم ، واتبعوهم ، في آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ، ودينهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ))([62]. رواه غير واحد منهم ابن بطة ، عن قتادة .

 وروى هو وغيره بالأسانيد المعروفة إلى زر بنت حبيش ، قال :  قال عبد الله بن مسعود : (( إن الله تبارك وتعالى نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه ، وابتعثه برسالته ، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه ، يقاتلون على دينه ، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ، وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيء ))([63].

 وفي رواية قال أبو بكر بن عياش الراوي لهذا الأثر ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعودt ، وقد رأى أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر .

 فقول عبد الله بن مسعود كانوا أبر هذه الأمة قلوبا ، وأعمقها علما ، وأقلها تكلفا ، كلام جامع بين فيه حسن قصدهم ونياتهم ، ببر القلوب وبين فيه كمال المعرفة ودقتها بعمق العلم ، وبين فيه تيسر ذلك عليهم  وامتناعهم من القول بلا علم ، بقلة التكلف وهذا خلاف ما قاله هذا المفترى الذي وصف أكثرهم بطلب الدنيا ، وبعضهم بالجهل ، إما عجزا وإما تفريطا والذي قاله عبد الله حق فإنهم خير هذه الأمة ، كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حيث قال : (( خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ))([64].وهم أفضل الأمة الوسط الشهداء على الناس ، الذين هداهم الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ، فليسوا من المغضوب عليهم الذين يتبعون أهواءهم ، ولا من الضالين الجاهلين ، كما قسمهم هؤلاء المفترون ، إلى ضلال وغواة ، بل لهم كمال العلم ،وكمال القصد .

 إذ لو لم يكن كذلك للزم أن لا تكون هذه الأمة خير الأمم ،وأن لا يكونوا خير الأمة وكلاهما خلاف الكتاب والسنة ، وأيضا فالاعتبار العقلي يدل على ذلك ، فإن من تأمل أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، وتأمل أحوال اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين ، تبين له من فضيلة هذه الأمة على سائر الأمم في العلم النافع ،والعمل الصالح ، ما يضيق هذا الموضع عن بسطه .

 والصحابة أكمل الأمة في ذلك بدلالة الكتاب والستة والإجماع ، والاعتبار ولهذا لا تجد أحدا من أعيان الأمة إلا وهو معترف بفضل الصحابة عليه ، وعلى أمثاله ، وتجد من ينازع في ذلك كالرافضة من أجهل الناس ، ولهذا لا يوجد في أئمة الفقه الذين يرجع إليهم رافضي ، ولا في أئمة الحديث ولا في أئمة الزهد والعبادة ، ولا في أئمة الجيوش المؤيدة المنصورة رافضي، ولا في الملوك الذين نصروا الإسلام وأقاموه وجاهدوا عدوه  من هو رافضي، ولا في الوزراء الذين لهم سيرة محمودة من هو رافضي .

 وأكثر ما تجد الرافضة إما في الزنادقة المنافقين الملحدين ، وإما في جهال ليس لهم  علم بالمنقولات ولا بالمعقولات ، قد نشأ بالبوادي والجبال ، وتجبروا على المسلمين ، فلم يجالسوا أهل العلم والدين ، وإما في ذوي الأهواء ممن قد حصل له بذلك رياسة ومال ، أوله نسب يتعصب به كفعل  أهل الجاهلية ، وأما من هو عند المسلمين  من أهل العلم والدين ، فليس في هؤلاء رافضي ، لظهور الجهل والظلم في قولهم ، و تجد ظهور الرفض في شر الطوائف كالنصيرية والاسماعيلية ، والملاحدة الطرقية ، وفيهم من الكذب والخيانة وإخلاف الوعد ما يدل على نفاقهم ، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال : (( آية المنافق ثلاث ،إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان ))([65]) زاد مسلم  (( وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم )) وأكثر ما توجد هذه الثلاث في طوائف أهل القبلة في الرافضة.

وأيضا فيقال لهذا المفترى :هب أن الذين بايعوا  الصديق كانوا كما ذكرت إما طالب دنيا وإما جاهل ، فقد جاء بعد أولئك في قرون الأمة ، من يعرف كل أحد زكاءهم ، وذكاءهم .

 مثل سعيد بن المسيب ، الحسن البصري ، وعطاء بن أبي رباح ، وإبراهيم النخعي ، وعلقمة ، والأسود ، وعبيدة السلماني ، وطاوس ، ومجاهد، وسعيد بن جبير ، وأبي الشعثاء جابر بن زيد ، وعلي بن زيد ، وعلي بن الحسين ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، وعروة بن الزبير ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر ، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام ، ومطرف بن الشخير ، ومحمد بن واسع ، وحبيب العجمى ، ومالك بن دينار، ومكحول ، والحكم بن عتبة ، ويزيد بن أبي حبيب ، ومن لا يحصي عددهم إلا الله .

 ثم بعدهم أيوب السختياني ، وعبد الله بن عون ، ويونس بن عبيد ، وجعفر بن محمد ، والزهري، وعمرو بن دينار ، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وأبو الزناد ، ويحيى بن  أبي كثير ، وقتادة ، ومنصور بن المعتمر ، والأعمش ، وحماد بن أبي سليمان ، وهشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة .

 ومن بعد هؤلاء مثل ، مالك بن انس ، وحماد بن زيد ، وحماد بن سلمة ، والليث بن سعد ، والأوزاعي ، وأبي حنيفة ، وابن أبي ليلى ، وشريك، وابن أبي ذئب ، وابن الماجشون .

 ومن بعدهم ، مثل يحيى بن سعيد القطان ، وعبد الرحمن بن مهدي ، ووكيع بن الجراح ، وعبد الرحمن بن القاسم ، وأشهب بن عبد العزيز ، وأبي يوسف ، ومحمد بن الحسن ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحق بن راهويه ، وأبي عبيد ، وأبي ثور ، ومن لا يحصى عدده إلا الله تعالى ،ممن ليس لهم غرض في تقديم غير الفاضل لا لأجل رياسة ،ولا مال .

وممن هم اعظم الناس نظرا في العلم وكشفا لحقائقه ، وهم كلهم متفقون على تفضيل أبي بكر وعمر .

 بل الشيعة الأولى الذين كانوا على عهد علي كانوا يفضلون أبا بكر وعمر ، قال أبي القاسم سألت مالكا عن أبي بكر وعمر، فقال : مارأيت أحدا ممن اقتدى به يشك في تقديمهما. يعني على علي وعثمان فحكى إجماع أهل المدينة على تقديمهما.

 وأهل المدينة لم يكونوا مائلين الى بني أمية كما كان أهل الشام ، بل قد خلعوا بيعة يزيد ، وحاربهم  عام الحرة وجرى بالمدينة ما جرى .

 ولم يكن أيضا قتل علي منهم أحدا كما قتل من أهل البصرة ومن أهل الشام ، بل كانوا يعدّونه من علماء المدينة ، إلى  أن خرج منها ، وهم متفقون على تقديم أبي بكر وعمر .

 وروى البيهقي بإسناده عن الشافعي . قال : لم يختلف الصحابة والتابعون في تقديم أبي بكر وعمر ، وقال  شريك بن أبي نمر : وقال له قائل أيما أفضل أبو بكر أو علي ؟ فقال له : أبو بكر . فقال له السائل : تقول هذا و أنت من الشيعة ؟ فقال: نعم إنما الشيعيّ من يقول هذا ، والله لقد رقى علىّ هذه الأعواد، فقال : ألا إن  خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر أفكنا نردّ قوله، أفكنا نكذبه ، والله ما كان كذابا([66].

 وذكر هذا القاضي عبد الجبار في كتاب تثبت النبوة له ، وعزاه إلى كتاب أبي القاسم البلخي ، الذي صنفه في النقض على ابن الرواندي اعتراضه  على الجاحظ([67].

فكيف يقال مع هذا أن الذين بايعوه كانوا طلاب الدنيا ،أو جهالا،ولكن هذا وصف الطاعن فيهم ، فإنك لا تجد في طوائف القبلة أعظم جهلا من الرافضة، ولا أكثر حرصا على الدنيا ، وقد تدبرتهم فوجدتهم لا يضيفون إلى الصحابة عيبا إلا وهم أعظم الناس اتصافا به ، والصحابة ابعد عنه ، فهم أكذب الناس بلا ريب كمسيلمة الكذاب ، إذ قال : أنا نبي صادق، ولهذايصفون أنفسهم بالإيمان ، ويصفون الصحابة بالنفاق ،وهم أعظم الطوائف نفاقا ، والصحابة أعظم الخلق إيمانا .

وأما قوله : وبعضهم طلب الأمر لنفسه بحق وبايعه الأقلون  الذين اعرضوا عن الدنيا وزينتها ، ولم تأخذهم بالله لومة لائم ، بل أخلصوا لله واتبعوا ما أمروا به من طاعة من يستحق التقديم ، وحيث حصل للمسلمين هذه البلية ،وجب على كل أحد النظر في الحق واعتماد الإنصاف ، وأن يقر الحق مقره، ولا يظلم مستحقه ، فقد قال تعالى: ]َأَلاَ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الظَّالِمِين [([68].

فيقال له أولا : قد كان الواجب أن يقال لما ذهب طائفة إلى كذا ، وطائفة إلى كذا ، وجب أن ينظر  أي القولين أصح ، فأما إذا رضيت إحدى الطائفتين باتباع الحق ، والأُخرى باتباع الباطل ، فإن كان هذا قد تبين فلا حاجة إلى النظر ، وإن لم يتبين بعد لم يذكر حتى يتبين .

ويقال له ثانيا : قولك : أنه طلب الأمر لنفسه بحق ، وبايعه الأقلون كذب على عليt  ، فإنه لم يطلب الأمر لنفسه في خلافة أبي بكر ، وعمر وعثمان ،وإنما طلبه لما قتل عثمان وبويع وحينئذ فأكثر الناس كانوا معه ، لم يكن معه الأقلون  وقد اتفق أهل السنة والشيعة على أن عليا لم يدع إلى مبايعته في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ، ولا بايعه على ذلك أحد.

 ولكن الرافضة تدعى أنه كان يريد ذلك ، وتعتقد أنه الإمام المستحق للإمامة ، دون غيره ، لكن كان عاجزا عنه  وهذا لو كان حقا لم يفدهم ، فإنه لم يطلب الأمر لنفسه ، ولا تابعه أحد على ذلك ، فكيف إذا كان باطلا.

وكذلك قوله بايعه الأقلون ، كذب على الصحابة فإنه لم يبايع منهم أحد  لعلي على عهد الخلفاء الثلاثة ، ولا يمكن أحد أن يدعي هذا ،  ولكن غاية ما يقول القائل انه كان فيهم من يختار مبايعته ، ونحن نعلم أن عليا لما تولى كان كثير من الناس يختار ولاية معاوية ، وولاية غيرهما ، ولما بويع عثمان كان في نفوس بعض الناس ميل إلى غيره  ، فمثل هذا لا يخلو من الوجود .

 وقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة وبها وما حولها منافقون ، كما قال تعالى : ] وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِنَ الأَعْرَاب مُنَافِقُون وَمِن أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُم نَحْنُ نَعْلَمُهُم [([69]وقد قال تعالى عن المشركين : ] وَقَالُوا لَوْلاَ نَزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم[ ([70])

فأحبوا أن ينزل القرآن على من يعظمونه من أهل مكة والطائف ، قال تعالى : ] أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُم في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُم فَوْقَ بَعْض دَرَجَات [([71])  .

وأما ما وصفه لهؤلاء بأنهم الذين أعرضوا عن الدنيا وزينتها ، وأنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم ، فهذا من أبين  الكذب ، فإنه لم ير الزهد والجهاد في طائفة أقل منه في الشيعة ، والخوارج المارقون كانوا أزهد منهم وأعظم قتالا ، حتى يقال في المثل حملة خارجية وحروبهم مع جيوش بني أمية وبني العباس وغيرهما بالعراق والجزيرة وخراسان والمغرب وغيرهما معروفة ، وكانت لهم ديار يتحيزون فيها لا يقدر عليهم أحد .

 وأما الشيعة فهم دائما مغلوبون ، مقهورون منهزمون ، وحبهم للدنيا وحرصهم عليها ظاهر ، ولهذا كاتبوا الحسين t ، فلما أرسل إليهم ابن عمه، ثم قدم بنفسه غدروا به ، وباعوا الآخرة بالدنيا ، وأسلموه إلى عدوه ، وقاتلوه مع عدوه ، فأي زهد عند هؤلاء ، وأي جهاد عندهم .

 وقد ذاق منهم علي بن أبي طالب t من  الكاسات المرة ما لا يعلمه إلا الله ، حتى دعا عليهم ، فقال: اللهم إني سئمتهم وسئموني فأبدلني بهم خيرا منهم ، وأبدلهم بي شرا مني ، وقد كانوا يغشونه ويكاتبون من يحاربه ، ويخونونه في الولايات ، والأموال ، هذا ولم يكونوا بعد صاروا رافضة ، إنما سمعوا شيعة علي لما افترق الناس فرقتين ، فرقة شايعت أولياء عثمان ، وفرقة شايعت أولياء عليا رضى الله عنهما ، فأولئك خيار الشيعة ، وهم من شر الناس معاملة لعلي بن أبي طالب t ، وابنيه سبطى رسول  الله صلى الله تعالى عليه وسلم وريحانته في الدنيا الحسن والحسين ، وهم أعظم الناس قبولا للوم اللائم في الحق ، وأسرع الناس إلى الفتنة ، وأعجزهم عنها ، يغرون من يظهرون نصره من أهل البيت ، حتى إذا اطمأن إليهم ولامهم عليه اللائم ، خذلوه وأسلموه وآثروا عليه الدنيا ، ولهذا أشار عقلاء المسلمين ونصحاؤهم على الحسين أن لا يذهب إليهم ، مثل عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام وغيرهم ، لعلمهم بأنهم يخذلونه ، ولا ينصرونه ، ولا يوفون له بما كتبوا به إليه ، وكان الأمر كما رأى هؤلاء ، ونفذ فيهم دعاء عمر بن الخطاب ، ثم دعاء علي بن أبي طالب.

 حتى سلط الله عليهم الحجاج بن يوسف ، كان لا يقبل من محسنهم ، ولا يتجاوز عن مسيئهم ، ودب شرهم إلى من لم يكن منهم، حتى عم الشر ، وهذه كتب المسلمين التي ذكر فيها زهاد الأمة ليس فيهم رافضي .

 كيف والرافضي من جنس المنافقين ، مذهبه التقية فهل هذا حال من لا تأخذه بالله لومة لائم ، إنما هذه حال من نعته الله في كتابه بقوله : ]َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِيِنهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهَ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين يُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمْ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيم  [ ([72].

وهذه حال من قاتل المرتدين ، وأولهم الصديق ، ومن اتبعه إلى يوم القيامة ، فهم الذين جاهدوا المرتدين ، كأصحاب مسيلمة الكذاب ، ومانعي الزكاة ، وغيرهما وهم الذين فتحوا الأمصار، وغلبوا فارس والروم ، وكانوا أزهد الناس ، كما قال عبد الله بن مسعود لأصحابه : أنتم أكثر صلاة وصياما من أصحاب محمد ، وهم كانوا خيرا منكم ، قالوا : لما يا أبا عبد الرحمن ، قال: لأنهم كانوا ،  أزهد في الدنيا ، وأرغب في الآخرة ، فهؤلاء هم الذين لاتأخذهم في الله لومة لائم .

 بخلاف الرافضة ، فإنهم أشد الناس خوفا من لوم اللائم ،ومن عدوّهم، وهم كما قال تعالى : ]َيحسبونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِم هُم الْعَدُوّ فَاحْذَرْهُم قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُون [([73].ولا يعيشون في أهل القبلة إلا من جنس اليهود في أهل الملل . ثم يقال : من هؤلاء الذين زهدوا في الدنيا ، ولم تأخذهم في الله لومة لائم ، ممن لم يبايع أبا بكر وعمر وعثمانtم ، وبايع عليا، فإنه من المعلوم أن في زمن الثلاثة لم يكن أحد منحازا عن الثلاثة مظهراً لمخالفتهم ومبايعة علي ، بل كل الناس  كانوا مبايعين لهم فغاية ما يقال أنهم كانوا يكتمون تقديم علي وليست هذه حال من لا تأخذه في الله لومة لائم .

 وأما في حال ولاية علي فقد كان t من أكثر الناس لوما لمن معه على قلة جهادهم ، ونكولهم عن القتال ، فأين هؤلاء الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم ، من هؤلاء الشيعة ، وإن كذبوا على أبي ذر من الصحابة وسلمان وعمار وغيرهم ، فمن المتواتر أن هؤلاء كانوا من أعظم الناس تعظيما لأبي بكر وعمر ، واتباعاً لهما ، وإنما ينقل عن بعضهم  التعنت على  عثمان ، لا على أبي بكر وعمر ، وسيأتي الكلام على ما جرى لعثمان t .

 ففي خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ، لم يكن أحد يسمى من الشيعة ، ولا تضاف الشيعة إلى أحد لا عثمان ولا علي ولا غيرهما ، فلما قتل عثمان تفرق المسلمون ، فمال قوم إلى عثمان ، ومال قوم إلى علي واقتتلت الطائفتان، وقتل حينئذ شيعة عثمان شيعة علي ، وفي صحيح مسلم عن سعد بن هشام  أنه أراد أن يغزو في سبيل الله وقدم المدينة فأراد أن يبيع عقارا له فيها فيجعله في السلاح والكراع ، ويجاهد الروم حتى يموت ، فلما قدم المدينة لقي أناسا من أهل المدينة ، فنهوه عن ذلك وأخبروه أن رهطاً ستة أرادوا ذلك في حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نهاهم نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم . وقال : (( أليس لكم بي أسوة ؟)) ، فلما حدثوه بذلك راجع امرأته ، وقد كان طلقها وأشهد على رجعتها . فأتى ابن عباس وسأله عن وتر رسول الله صلى لله تعالى عليه وسلم . فقال ابن عباس : ألا أدلك علىأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ؟ فقال من ؟ قال : عائشة رضى الله عنها ، فأتها فاسألها ثم ائتني فاخبرني ، بردها عليك ، قال فانطلقت إليها فأتيت على حكيم بن افلح فاستلحقته إليها فقال : ما أنا بقاربها لأني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئا فأبت فيهما لا مضيا .

          قال : فأقسمت عليه  فجاء  فانطلقنا إلى عائشة رضى الله عنها و ذكرا

الحديث ([74])، وقال معاوية لابن عباس أنت على ملة علي ، فقال لا على ملة علي ، ولا على ملة عثمان ، أنا على ملة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم .

 وكانت الشيعة أصحاب علي يقدمون عليه أبا بكر وعمر ، وإنما كان النزاع في تقديمه على عثمان ،ولم يكن حينئذ يسمى أحد لا إماميا ولا رافضيا وإنما سموا رافضة ، وصاروا رافضة ، لما خرج زيد بن علي بن الحسين بالكوفة ، في خلافة هشام ، فسألته الشيعة عن أبي بكر وعمر ، فترحم عليهما فرفضه قوم ، فقال رفضتموني رفضتموني . فسموا رافضة ، وتولاه قوم فسموا زيدية ، لانتسابهم إليه .

 ومن حينئذ انقسمت الشيعة ، إلى رافضة إمامية وزيدية ، وكلما زادوا في البدعة زادوا في الشر ، فالزيدية خير من الرافضة ، أعلم وأصدق وأزهد ، وأشجع .

 ثم بعد أبي بكر ، عمر بن الخطاب  هو الذي لم تكن تأخذه في الله لومة لائم ، وكان أزهد الناس باتفاق الخلق كما قيل فيه رحم الله عمر لقد تركه الحق ما له من صديق .

ونحن لا ندعي العصمة لكل صنّف من أهل السنّة ، وإنما ندعي أنهم لا يتفقون على ضلالة ، وأن كل مسألة اختلف فيها أهل السنّة والجماعة والرافضة ، فالصواب فيها مع أهل السنّة .

وحيث تصيب الرافضة ، فلا بد أن يوافقهم على الصواب بعض أهل السنّة، وللروافض خطأ لا يوافقهم أحد عليه من أهل السنّة ، وليس للرافضة مسألة واحدة لا يوافقهم فيها أحد فانفردوا بها عن جميع أهل السنّة والجماعة إلا وهم مخطئون فيها كإمامة الإثنى عشر ، وعصمتهم .


(1) الآية 24 من سورة ص .

(2) الآية 13 من سورة سبأ .

(3) الآية 18 من سورة هود .

(1)  الآية 159 من سورة الأعراف .

(1) الآية 100 من سورة التوبة .

(2) الاية 29 من سورة الفتح .

(3) الآيات من 72- 75 من سورة الأنفال .

(4) الآية 10 من سورة الحديد .

(1) الآيات 10،9،8 من سورة الحشر .

(1) الآية 10 من سورة الحشر .

(2) يظهر أن هذا الأثر في الإبانة الكبرى إذ لم أجده في الصغرى .

(3) هذا الأثر في الإبانة مختصرا ص 162 والظاهر أن المؤلف ينقل عن الكبرى .

(4) انظر المرجع المذكور ص 162 .

(5) المرجع المذكور ص 119 .

(6) انظر الإبانة ص 120 .

(7) البخاري ج 5 ص 8 و مسلم ج 4 ص 1967 .

(8)  مسلم ج 4 ص 1967 .

(2) يظهر أنه في بعض النسخ فإني لم أجده في مسلم .

(3) انظر الإبانة ص119 .

(1) الآيات 18-21 من سورة الفتح .

(2) الآية 10 من سورة الحديد .

(3) انظر سنن أبي داود ج3 ص101 .

(4 ) الآية 100 من سورة التوبة .

(1) مسلم ج4 ص 1942 رقم 2496 .

(2) الآية 117 من سورة التوبة .

(3) الآيات 72-75 من سورة الأنفال .

(1 ) الآيات من 51  56 من سورة المائدة .

(2) الآية 71 من سورة التوبة .

(1) الآية 64 من سورة الأنفال .

(2) الآية 62 من سورة الأنفال .

(3) الآيات 33-35 من سورة الزمر .

([32] ) الآيات 32  35 من سورة فاطر .

(1) الآية 29 من سورة الفتح .

(2) الآية 55 من سورة النور .

(1) جزء من الآية رقم 3 من سورة المائدة .

(2) قوله " لهم المغفرة والأجر العظيم " خبر عن قوله فدل ذلك الخ .

(1) الآية 30 من سورة الحج .

(2) الآية 31 من سورة الأحزاب .

(1) الآية 54 من سورة الأنعام .

(2) الآية 21 من سورة الطور.

(3) الآية 62 من سورة آل عمران .

(4) الآية 47 من سورة الحاقة .

(1)الآيات 52 53 من سورة المائدة .

(2)الآيتان 10 و11 من سورة العنكبوت .

(1) الآيتان 60 و61 من سورة الأحزاب.

(2) الآية 8 من سورة المنافقون .

(1)  الآية 28 من سورة آل عمران .

(1)  انظر البخاري ج3 ص171 ومواضع أُخر ، ومسلم ج4 ص 1962 .

(2) انظر  البخاري ج8 ص 140  142 .

(3)  انظر الذي قبله .

(1) وقد سبق ذكره ص 63 .       

(2)  انظر البخاري ج2 ص 112 وغيره .

(1)   يعني أن اليهود يرمون مريم بالفجور ، وما دام النصراني يكذب ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم لا يمكنه الرد على اليهود في أمر عيسى . لأن عيسى أمر بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فإذا امتنع النصارى من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم صار ذلك فيه كذيب لعيسى .

(1)  الآية 217 من سورة البقرة .

(1)  يعني في علي .

(1) انظر المسند ج3 ص26 تحقيق أحمد شاكر ، وانظر صحيح مسلم ج4 ص2277.

(1)  مسلم ج4 ص 1971 .

(1) الآية 24 من سورة ص .

(2) الآية 24 من سورة ص .

(1)  الآية 36 من سورة الإسراء .

(2)  الآية 66 من سورة آل عمران .

(3) انظر المسند ج5 ص211 تحقيق أحمد شاكر ، وقال الهيثمي : رواه أحمد والبزار ، والطبراني في الكبير . مجمع الزوائد ج1 ص177

(1)  انظر المرجع السابق .

(2)  تقدمت الإشارة إلى مواضعه انظر ص.

(1) انظر البخاري ج1 ص 12 وغيره ، ومسلم ج1 ص78 .

(1)  تقدمت الإشارة إليه ص55 وص9 .

(2) انظر في تثبيت دلائل النبوة ج 2 ص 549 .

(1) الآية 18 من سورة هود عليه السلام

(1)  الآية 101 من سورة التوبة .

(2)  الآية 31 من سورة الزخرف .

(3)  الآية 32 من سورة الزخرف .

(1)  الآية 54 من سورة المائدة .

(1) الآية 4 من سورة المنافقون .

(1)  انظر مسلم ج2 ص 512 .


المذهب الشيعي أولى بالإتباع

قال الرافضي : (( فلينظر العاقل أي الفريقين أحق بالأمن : الذي نزَّه الله وملائكته وأنبياءه وأئمته ؛ ونزَّه الشرع عن المسائل الردّية ، ومن يبطل الصلاة بإهمال الصلاة على أئمتهم ،ويذكر أئمة غيرهم ، أم الذي فعل ضد ذلك واعتقد خلافه ؟ )).

والجواب أن يقال : ما ذكرتموه من التنزيه إنما هو تعطيل وتنقيض لله ولأنبيائه . بيان ذلك أن قول الجهمية نفاة الصفات يتضمن وصف الله تعالى بسلب صفات الكمال التي يشابه فيها الجمادات والمعدومات ، فإذا قالوا : إنه لا تقوم به حياة ولا علم ولا قدرة ، ولا كلام ولا مشيئة ،ولا حب ولا بغض ، ولا رضا ولا سخط ، ولا يُرى ولا يفعل بنفسه فعلاً ، ولا يقدر أن يتصرف بنفسه ، كانوا قد شبّهوه بالجمادات المنقوصات ، وسلبوه صفات الكمال ، فكان هذا تنقيصا وتعطيلا لا تنزيها ، وإنما التنزيه أن ينزَّه عن النقائص المنافية لصفات الكمال ، فينزَّه عن الموت والسِّنة والنوم ، والعجز والجهل والحاجة ، كما نزَّه نفسه في كتابه ، فيُجمع له بين إثبات صفات الكمال ، ونفي النقائص المنافية للكمال ، وينزّه عن مماثلة شيء من المخلوقات له في شيء من صفاته ، وينزّه عن النقائص مطلقا ، وينزّه في صفات الكمال أن يكون له فيها مثلٌ من الأمثال .

وأما الأنبياء فإنكم سلبتموهم ما أعطاهم الله من الكمال وعلو الدرجات، بحقيقة التوبة والاستغفار ، والانتقال من كمال إلى ما هو أكمل منه، وكذّبتم ما أخبر الله به من ذلك وحرَّفتم الكلم عن مواضعه ، وظننتم أن انتقال الآدمي من الجهل إلى العلم ، ومن الضلال إلى الهدى ، ومن الغي إلى الرشاد ،تنقّصا ، ولم تعلموا أن هذا من أعظم نعم الله وأعظم قدرته ، حيث ينقل العباد من النقص إلى الكمال ، وأنه قد يكون الذي يذوق الشر والخير ويعرفهما ، يكون حبه للخير وبغضه للشر أعظم ممن لا يعرف إلا الخير . كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (( إنما تُنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية )) .

وأما تنزيه الأئمة فمن الفضائح التي يُستحيا من ذكرها ، لا سيما الإمام المعدوم الذي لا يُنتفع به لا في دين ولا دنيا .

وأما تنزيه الشرع عن المسائل الردّية ، فقد تقدم أن أهل السنّة لم يتفقوا على مسألة ردّية ، بخلاف الرافضة ؛ فإن لهم من المسائل الردّية ما لا يوجد لغيرهم .

وأما قوله : (( ومن يبطل الصلاة بإهمال الصلاة على أئمتهم ، ويذكر أئمة غيرهم )) .

فإما أن يكون المراد بذلك أن تجب الصلاة على الأئمة الاثنى عشر ، أو على واحد معيّن غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم أو من غيرهم .

وإما أن يكون المراد وجوب الصلاة على آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم .فإن أراد الأول فهذا من أعظم ضلالهم وخروجهم عن شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فإنا نحن وهم نعلم بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر المسلمين أن يصلّوا على الاثنى عشر : لا في الصلاة ، ولا في غير الصلاة ، ولا كان أحد من المسلمين يفعل شيئا من ذلك على عهده ، ولا نقل هذا أحد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا بإسناد صحيح ولا ضعيف،ولا كان يجب على أحد في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يتخذ أحداً من الاثنى عشر إماما ،فضلا عن أن تجب الصلاة عليه في الصلاة.

وكانت صلاة المسلمين صحيحة في عهده بالضرورة والإجماع . فمن أوجب الصلاة على هؤلاء في الصلاة ، وأبطل الصلاة بإهمال الصلاة عليهم ، فقد غيَّر دين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبدَّله ، كما بدَّلت اليهود والنصارى دين الأنبياء.

وإن قيل:المراد أن يصلى على آل محمد،وهم منهم .

قيل:آل محمد يدخل فيهم بنو هاشم وأزواجه،وكذلك بنو المطلب على أحد القولين.وأكثر هؤلاء تذمّهم الإمامية؛ فإنهم يذمون ولد العباس ، لاسيما خلفاؤهم ، وهم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويذمّون من يتولى أبا بكر وعمر . وجمهور بني هاشم يتولون أبا بكر وعمر ، ولا يتبرأ منهم صحيح النسب من بني هاشم إلا نفر قليل بالنسبة إلى كثرة بني هاشم . وأهل العلم والدين منهم يتولون أبا بكر وعمر رضى الله عنهما .

ومن العجب من هؤلاء الرافضة أنهم يدَّعون تعظيم آل محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ، وهم سعوا في مجيء التتر الكفّار إلى بغداد دار الخلافة ، حتى قتلت الكفار من المسلمين ما لا يحصيه إلا الله تعالى من بني هاشم وغيرهم وقتلوا بجهات بغداد ألف ألف وثمانمئة ألف ونيفا وسبعين ألفا وقتلوا الخليفة العباسي ، وسبوا النساء الهاشميات وصبيان الهاشميين .

فهذا هو البغض لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلا ريب . وكان ذلك من فعل الكفار بمعاونة الرافضة ، وهم الذي سعوا في سبي الهاشميات ونحوهم إلى يزيد وأمثاله ، فما يعيبون على غيرهم بعيب إلا وهو فيهم أعظم.


أن الإمامية جازمون بحصول النجاة لهم ولأئمتهم ، قاطعون بذلك ، وبحصول ضدها لغيرهم . وأهل السنة لا يجيزون ولا يجزمون بذلك

قال الرافضي : ((الوجه الثالث:أن الإمامية جازمون بحصول النجاة لهم ولأئمتهم ، قاطعون بذلك ، وبحصول ضدها لغيرهم . وأهل السنة لا يجيزون ولا يجزمون بذلك لا لهم ولا لغيرهم . فيكون اتّباع أولئك أوْلى ، لأنَّا لو فرضنا مثلا خروج شخصين من بغداد يريدان الكوفة ، فوجدا طريقين سلك كل منهما طريقا ، فخرج ثالث يطلب الكوفة : فسأل أحدهما : إلى أين تذهب؟ فقال إلى الكوفة . فقال له : هل طريقك توصلك إليها ؟ وهل طريقك آمن أم مخوف ؟ وهل طريق صاحبك تؤديه إلى الكوفة ؟ وهل هو آمن أم مخوف ؟ فقال : لا أعلم شيئا من ذلك . ثم سأل صاحبه فقال أعلم أن طريقي يوصِّلني إلى الكوفة ، وأنه آمن ، وأعلم أن طريق صاحبي لا يؤديه إلى الكوفة ، وأنه ليس بآمن ، فإن الثالث إن تابع الأول عدَّه العقلاء سفيها ، وإن تابع الثاني نُسب إلى الأخذ بالحزم )) .

هكذا ذكره في كتابه ، والصواب أن يُقال : وسأل الثاني فقال له الثاني: لا أعلم أن طريقي تؤديني إلى الكوفة ولا أعلم أنه آمن أم مخوف .

والجواب على هذا من وجوه :

أحدها :أن يُقال : إن كان اتّباع الأئمة الذين تُدَّعى لهم الطاعة المطلقة، وأن ذلك يوجب لهم النجاة واجبا ، كان اتّباع خلفاء بني أمية الذين كانوا يوجبون طاعة أئمتهم طاعة مطلقة ويقولون : إن ذلك يوجب النجاة مصيبين على الحق ، وكانوا في سبِّهم عليا وغيره وقتالهم لمن قاتلوه من شيعة عليّ مصيبين ، لأنهم كانوا يعتقدون أن طاعة الأئمة واجبة في كل شيء ، وأن الإمام لا يؤاخذه الله بذنب ، وأنه لا ذنب لهم فيما أطاعوا فيه الإمام ، بل أولئك أوْلى بالحجة من الشيعة ، لأنهم كانوا مطيعين أئمة أقامهم الله ونصيهم وأيّدهم وملّكهم ، فإذا كان مذهب القدرية أن الله لا يفعل إلا ما هو الأصلح لعباده ،كان تولية أولئك الأئمة مصلحة لعباده .

ومعلوم ان اللطف والمصلحة التي حصلت بهم أعظم من اللطف والمصلحة التي حصلت بإمام معدوم أو عاجز . ولهذا حصل لاتّباع خلفاء بني أمية من المصلحة في دينهم ودنياهم ، أعظم مما حصل لاتّباع المنتظر ؛ فإن هؤلاء لم يحصل لهم إمام يأمرهم بشيء من المعروف ، ولا ينهاهم عن شيء من المنكر ، ولا يعينهم على شيء من مصلحة دينهم ولا دنياهم ، بخلاف أولئك ؛ فإنهم انتفعوا بأئمتهم منافع كثيرة في دينهم ودنياهم ، أعظم مما انتفع هؤلاء بأئمتهم .

فتبين أنه إن كانت حجة هؤلاء المنتسبين إلى مشايعة علي ّt صحيحة ، فحجة أولئك المنتسبين إلى مشايعة عثمان t أوْلى بالصحة ، وإن كانت باطلة فهذه أبطل منها . فإذا كان هؤلاء الشيعة متفقين مع سائر أهل السنة على أن جزم أولئك بنجاتهم إذا أطاعوا  أولئك الأئمة طاعة مطلقة خطأ وضلال ، فخطأ هؤلاء وضلالهم إذا جزموا بنجاتهم لطاعتهم لمن يدّعي أنه نائب المعصوم  والمعصوم لا عين له ولا أثر  أعظم وأعظم ؛ فإن الشيعة ليس لهم أئمة يباشرونهم بالخطاب ، إلا شيوخهم الذين يأكلون أموالهم بالباطل، ويصدّونهم عن سبيل الله.

الوجه الثاني : أن هذا المثل إنما كان يكون مطابقاً لو ثبت مقدمتان : إحداهما : أن لنا إماما معصوماً.  والثانية : أنه أمر بكذا وكذا . وكلتا المقدمتين غير معلومة ، بل باطلة . دع المقدمة الأولى ، بل الثانية ، فإن الأئمة الذين يدّعى فيهم العصمة قد ماتوا منذ سنين كثيرة ، والمنتظر له غائب أكثر من أربعمائة وخمسين سنة ، وعند آخرين هو معدوم لم يوجد . والذين يُطاعون شيوخ من شيوخ الرافضة ، أو كتب صنّفها بعض شيوخ الرافضة ، وذكروا أن ما فيها منقول عن أولئك المعصومين . وهؤلاء الشيوخ المصنِّفون ليسوا معصومين بالاتفاق ، ولا مقطوعاً لهم بالنجاة .

فإذاً الرافضة لا يتّبعون   إلا أئمة لا يقطعون بنجاتهم ولا سعادتهم ، فلم يكونوا قاطعين لا بنجاتهم ، ولا بنجاة أئمتهم الذين يباشرونهم بالأمر والنهي ، وهم أئمتهم ، وإنما هم في انتسابهم إلى أولئك الأئمة ، بمنزلة كثير من أتباع شيوخهم الذين ينتسبون إلى شيخ قد مات من مدة ،ولا يدرون بماذا أمر ، ولا عماذا نهى ، بل له اتباع يأكلون أموالهم بالباطل ويصدون عن سبيل الله ، يأمرونهم بالغلو في ذلك الشيخ وفي خلفائه ، وأن يتخذوهم أربابا ، وكما تأمر شيوخ الشيعة أتباعهم ، وكما تأمر شيوخ النصارى أتباعهم ، فهم يأمرونهم بالإشراك بالله وعبادة غير الله ،  ويصدونهم  عن سبيل الله ، فيخرجون عن حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله ، فإن التوحيد أن نعبد الله وحده ، فلا يُدعى إلا هو ، ولا يُخشى إلا هو ، ولا يتقى إلا هو ، ولا يتوكل إلا عليه ، ولا يكون الدين إلا له ، لا لأحد من الخلق ، وأن لا نتخذ الملائكة والنبيين أرباباً ، فكيف بالأئمة والشيوخ والعلماء والملوك وغيرهم !؟

والرسول صلى الله تعالى عليه وسلم هو المبلِّغ عن الله أمره ونهيه ، فلا يُطاع مخلوق طاعة مطلقة إلا هو ، فإذا جُعل الغمام والشيخ كأنه إله يُدعى مع مغيبه وبعد موته ، ويُستغاث به ، ويُطلب منه الحوائج ، والطاعة إنما هي لشخص حاضر يأمر بما يريد ، وينهى عمّا يريد كان الميت مشبَّها بالله تعالى، والحي مشبهاً برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فيخرجون عن حقيقة الإسلام الذي أصله شهادة أن لا إله إلا الله ، وشهادة أن محمداً رسول الله .

ثم إن كثيراً منهم يتعلّقون بحكايات تُنقل عن ذلك الشيخ ، وكثير منها كذب عليه ، وبعضها خطأ منه ، فيَعدِلون عن النقل الصدق عن القائل المعصوم إلى نقل غير مصدَّق عن قائل غير معصوم . فإذا كان هؤلاء مخطئين في هذا ، فالشيعة أكثر وأعظم خطأ ، لأنهم أعظم كذبا فيما ينقلونه عن الأئمة ، وأعظم غلوا في دعوى عصمة الأئمة .

الوجه الثالث : منع الحكم في هذا المثال الذي ضربه وجعله أصلا قاس عليه،فان الرجل إذا قال له أحد الرجلين:طريقى آمن يوصلني،وقال له الآخر:لا علم لي بأن طريقي آمن يوصلني،أو قال ذلك الأول ، لم يحسن في العقل تصديق الأول بمجرد قوله ، بل يجوز عند العقلاء أن يكون هذا محتالا عليه ، يكذب حتى يصحبه في الطريق فيقتله ويأخذ ماله ، ويجوز أن يكون جاهلا لا يعرف ما في الطريق من الخوف ، وأما ذاك الرجل فلم يضمن للسائل شيئا ، بل رده إلى نظره ، فالحزم في مثل هذا أن ينظر الرجل أيّ الطريقين أولى بالسلوك : أحد ذينك الطريقين أو غيرهما .

فتبين أن مجرد الإقدام على الحزم لا يدل على علم صاحبه ولا على صدقه، وأن التوقف والإمساك حتى يتبين الدليل هو عادة العقلاء .

الوجه الرابع : أن يقال : قوله : (( إنهم جازمون بحصول النجاة لهم دون أهل السنة )) كذب ، فإنه إن أراد بذلك أن كل واحد ممن اعتقد اعتقادهم يدخل الجنة ، وإن تَرَك الواجبات وفَعَل المحرمات ، فليس هذا قول الإمامية ، ولا يقوله عاقل .

وإن كان حب عليّ حسنة لا يضر معها سيئة ، فلا يضره ترك الصلوات ، ولا الفجور بالعلويّات ، ولا نيل أغراضه بسفك دماء بني هاشم إذا كان يحب عليًّا .

فإن قالوا : المحبة الصادقة تستلزم الموافقة ، عاد الأمر إلى أنه لا بد من أداء الواجبات وترك المحرمات . وإن أراد بذلك أنهم يعتقدون أن كل من اعتقد الاعتقاد الصحيح ، وأدى الواجبات ، وترك المحرّمات يدخل الجنة  فهذا اعتقاد أهل السنة ؛ فإنهم يجزمون بالنجاة لكل من اتّقى الله ، كما نطق به القرآن.

وإنما يتوقفون في الشخص المعين لعدم العلم بدخوله في المتيقن ، فإنه إذا علم أنه مات على التقوى عُلم أنه من أهل الجنة . ولهذا يشهدون بالجنة لمن شهد له الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ، ولهم فيمن استفاض في الناس حسن الثناء عليه قولان .

فتبين أنه ليس في الإمامية جزم محمود اختُصوا به عن أهل السنة والجماعة . وإن قالوا : إنّا نجزم لكل شخص رأيناه ملتزماً للواجبات عندنا تاركاً للمحرمات ، بأنه من أهل الجنة ، من غير أن يخبرنا بباطنه معصوم . قيل : هذه المسألة لا تتعلق بالإمامية ، بل إن كان إلى هذا طريق صحيح فهو لأهل السنة ،  وهم بسلوكه أحذق ، وإن لم يكن هنا طريق صحيح إلى ذلك ، كان ذلك قولا بلا علم ، فلا فضيلة فيه ، بل في عدمه .

ففي الجملة لا يدّعون علما صحيحا إلا وأهل السنة أحق به ، وما ادّعوه من الجهل فهو نقص وأهل السنة أبعد عنه .

الوجه الخامس : أن أهل السنة يجزمون بحصول النجاة لأئمتهم أعظم من جزم الرافضة . وذلك أن أئمتهم بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هم السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار ، وهم جازمون بحصول النجاة لهؤلاء ، فإنهم يشهدون ان العشرة في الجنة ، ويشهدون أن الله قال لأهل بدر: (( اعملوا ما شئتم  فقد غفرت لكم )) ، بل يقولون : إنه ((لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة )) كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم([1] . فهؤلاء أكثر من ألف وأربعمائة إمام لأهل السنة ، يشهدون أنه لا يدخل النار منهم أحد ، وهي شهادة بعلم ، كما دل على ذلك الكتاب والسنة .

الوجه السادس : أن يقال : أهل السنة يشهدون بالنجاة : إما مطلقا ، وإما معينا ، شهادة مستندة إلى علم . وأما الرافضة فإنهم إن شهدوا شهدوا بما لا يعلمون ، أو شهدوا بالزور الذي يعلمون أنه كذب ، فهم كما قال الشافعي رحمه الله : ما رأيت قوما أشهد بالزور من الرافضة .

الوجه السابع : أن الإمام الذي شهد له بالنجاة : إما أن يكون هو المطاع في كل شيء وإن نازعه غيره من المؤمنين ، أو هو مطاع فيما يأمر به من طاعة الله ورسوله ، وفيما يقوله باجتهاده إذا لم يعلم أن غيره أوْلى منه، ونحو ذلك . فإن كان الإمام هو الأول ، فلا إمام لأهل السنة بهذا الاعتبار إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهم يقولون  كما قال مجاهد والحاكم ومالك وغيرهم : كل أحد يُؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله عليه السلام . وهم يشهدون لإمامهم أنه خير الخلائق ، ويشهدون ان كل من ائتم به ، ففعل ما أُمر به وترك ما نُهى عنه ، دخل الجنة . وهذه الشهادة بهذا وهذا هم فيها أتم من الرافضة من شهادتهم للعسكريِيْن وأمثالهما بأنه من أطاعهم دخل الجنة .

فثبت أن إمام  أهل السنة أكمل ، وشهادتهم له ولهم إذا أطاعوه أكمل ، ولا سواء .

ولكن قال الله تعالى : ]ءآلله خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكون [([2])،فعند المقابلة يُذكر الخير المحض  على الشر المحض ، وإن كان الشر المحض لا خير فيه .

وإن أرادوا بالإمام الإمام المقيَّد ، فذاك لا يُوجب  أهل السنة طاعته ، إن لم يكن ما أمر به موافقا لأمر الإمام المطلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهم إذا أطاعوه فيما أمر الله بطاعته فيه ، فإنما هم مطيعون لله ورسوله ، فلا يضرهم توقفهم في الإمام المقيَّد : هل هو في الجنة أم لا ؟ .

الوجه الثامن : أن يُقال : إن الله قد ضمن السعادة لمن أطاعه وأطاع رسوله ، وتوعّد بالشقاء لمن لم يفعل ذلك ، فمناط السعادة طاعة الله ورسوله . كما قال تعالى : ] وَمَن يُطِعْ اللهَ وَالرَّسُولَ  فَأُوْلئِكَ مَعَ الَّذينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقينَ والشُّهَداءْ وَالصَّالِحينَ وَحَسَنَ أولَئِكَ رَفيقًا [([3]) وأمثال ذلك .

وإذا كان كذلك والله تعالى يقول : ] فاتَّقوا الله ما اسْتَطَعْتُمْ [([4]فمن اجتهد في طاعة الله ورسوله بحسب استطاعته كان من أهل الجنة .

فقول الرافضة : لن يدخل الجنّة إلا من كان إماميا ، كقول اليهود والنصارى : ]َلنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ، تِلْكَ أَمَانِّيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين ، بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ ِللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون [([5].

ومن المعلوم أن المنتظر الذي يدّعيه الرافضي لا يجب على أحد طاعته ، فإنه لا يُعلم له قول منقول عنه ، فإذاً من أطاع الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم دخل الجنة وإن لم يؤمن بهذا الإمام ، ومن آمن بهذا الإمام لم يدخل الجنة إلا إذا أطاع الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ، فطاعة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم هي مدار السعادة وجودا وعدما ، وهي الفارقة بين أهل الجنة والنار ، ومحمد صلى لله تعالى عليه وسلم فرّق بين الناس ، والله سبحانه وتعالى قد دل الخلق على طاعته بما بينه لهم ، فتبين أن أهل السنة جازمون بالسعادة والنجاة لمن كان من أهل السنّة .


(1)  انظر البخاري ج3 ص46 ومسلم  ج2 ص 822.

(1) الآية 59 من سورة النمل .

(2) الآية 69 من سورة النساء .

(1) الآية 69 من سورة النساء .

(2) الآيتان 111 ، 112 من سورة البقرة .


عدد مرات القراءة:
762
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :