من الذي يدعم الإرهابيين في العراق؟ ..   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

العصمة والنص وعلامات الإمام ..
قال الرافضي: ((الفصل الثالث: في الأدلة الدالة على إمامة أمير المؤمنين، عليّ بن أبي طالب بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. الأدلة في ذلك كثيرة لا تحصى، لكن نذكر المهم منها، وننظم أربعة مناهج: المنهج الأول: في الأدلة العقلية، وهي خمسة:
الأول: أن الإمام يجب أن يكون معصوما، ومتى كان ذلك كان الإمام هوعليًّا عليه السلام.
أما المقدمة الأولى: فلأن الإنسان مدنيّ بالطبع، لا يمكن أن يعيش منفردا، لافتقاره في بقائه إلى ما يأكل ويشرب ويلبس ويسكن، ولا يمكن أن يفعلها بنفسه، بل يفتقر إلى مساعدة غيره، بحيث يفزع كل واحد منهم إلى ما يحتاج إليه صَاحبه، حتى يتم قيام النوع. ولما كان الاجتماع في مظنّة التغالب والتغابن، بأن كل واحد من الأشخاص قد يحتاج إلى ما في يد غيره، فتدعوه قوته الشهوانية إلى أخذه وقهره عليه وظلمه فيه، فيؤدي ذلك إلى وقوع الهرج والمرج وإثارة الفتن، فلا بد من نصب إمامٍ معصوم يصدّهم عن الظلم والتعدّي، ويمنعهم عن التغالب والقهر، وينصف المظلوم من الظالم، ويوصِّل الحق إلى مستحقّه، لا يجوز عليه الخطأ ولا السهوولا المعصية، وإلا افتقر إلى إمام آخر، لأن العلة المُحْوِجة إلى نصب الإمام هي جواز الخطأ على الأمة، فلوجاز الخطأ عليه لاحتاج إلى إمام آخر، فإن كان معصوماً كان هوالإمام، وإلا لزم التسلسل.
أما المقدمة الثانية فظاهرة، لأن أبا بكر وعمر وعثمان لم يكونوا معصومين اتفاقاً، وعليّ معصوم، فيكون هوالإمام)).
والجواب عن ذلك: أن نقول: كلتا المقدمتين باطلة. أما الأولى: فقوله: ((ولا بد من نصب إمام معصوم يصدّهم عن الظلم والتعدّي، ويمنعهم عن التغالب والقهر، وينصف المظلوم من الظالم، ويوصِّل الحق إلى مستحقِّه، لا يجوز عليه الخطأ ولا السهوولا المعصية)).
فيقال له: نحن نقول بموجب هذا الدليل إن كان صحيحا، فإن الرسول هوالمعصوم وطاعته واجبة في كل زمان على كل أحد. وعلم الأمة بأمره ونهيه أتم من علم آحاد الرعية بأمر الإمام الغالب، كالمنتظر ونحوه، بأمره ونهيه. فهذا رسول - صلى الله عليه وسلم - إمام معصوم، والأمة تعرف أمره ونهيه، ومعصومهم ينتهي إلى الغائب المنتظر، الذي لوكان معصوما لم يعرف أحدٌ لا أمره ولا نهيه، بل ولا كانت رعية عليّ تعرف أمره ونهيه، كما تعرف الأمة أمر نبيّها ونهيه، بل عند أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من علم أمره ونهيه ما أغناهم عن كل إمام سواه، بحيث أنهم لا يحتاجون قط إلى المتولّى عليهم في شيء من معرفة دينهم، ولا يحتاجون في العمل إلى ما يحتاجون فيه إلى التعاون. وهم يعلمون أمره ونهيه أعظم من معرفة آحاد رعيّة المعصوم، ولوقُدِّر وجوده بأمره. فإنه لم يتولّ على الناس ظاهراً من ادُّعيت له العصمة إلا عليٌّ.
ونحن نعلم قطعا أنه كان في رعيته باليمن وخراسان وغيرهما من لا يدري بماذا أمر ولا عمَّاذا نهى، بل نوّابه كانوا يتصرفون بما لا يعرفه هو.
وأما الورثة الذين ورثوا علم محمد - صلى الله عليه وسلم - فهم يعرفون أمره ونهيه، ويَصْدُقُون في الإخبار عنه، أعظم من علم نواب عليّ بأمره ونهيه، ومن صِدْقهِم في الإخبار عنه. وهم إنما يريدون أنه لا بد من إمام معصوم حيّ.
فنقول: هذا الكلام باطل من وجوه:
أحدها: أن هذا الإمام الموصوف لم يوجد بهذه الصفة. أما في زماننا فلا يُعرف إمام معروف يُدَّعى فيه هذا، ولا يدعى لنفسه، بل مفقود غائب عند متّبعيه، ومعدوم لا حقيقة له عند العقلاء. ومثل هذا لا يحصل به شيء من مقاصد الإمامة أصلا، بل من وَلِيَ على الناس، ولوكان فيه بعض الجهل وبعض الظلم، كان أنفع لهم ممن لا ينفعهم بوجه من الوجوه.
وهؤلاء المنتسبون إلى الإمام المعصوم لا يوجدون مستعينين في أمورهم إلا بغيره، بل هم ينتسبون إلى المعصوم، وإنما يستعينون بكفور أوظلوم. فإذا كان المصدِّقون لهذا المعصوم المنتظر لم ينتفع به أحد منهم لا في دينه ولا في دنياه، لم يحصل لأحد به شيء من مقاصد الإمامة.
وإذا كان المقصود لا يحصل منه شيء، لم يكن بنا حاجة إلى إثبات الوسيلة لأن الوسائل لا تُراد إلا لمقاصدها. فإذا جزمنا بانتفاء المقاصد كان الكلام في الوسيلة من السعي الفاسد، وكان هذا بمنزلة من يقول: الناس يحتاجون إلى من يطعمهم ويسقيهم، وينبغي أن يكون الطعام صفته كذا، والشراب صفته كذا، وهذا عند الطائفة الفلانية، وتلك الطائفة قد عُلم أنها من أفقر الناس، وأنهم معروفون بالإفلاس.
وأي فائدة في طلب ما يُعلم عدمه، واتباع ما لا ينتفع به أصلا؟ والإمام يُحتاج إليه في شيئين. إما في العلم لتبليغه وتعليمه، وإما في العمل به ليعين الناس عل ذلك بقوته وسلطانه.
وهذا المنتظر لا ينتفع لا بهذا ولا بهذا. بل ما عندهم من العلم فهومن كلام مَنْ قَبْله، ومن العمل، إن كان ممّا يوافقهم عليه المسلمون استعانوا بهم، وإلا استعانوا بالكفّار والملاحدة ونحوهم، فهم أعجز الناس في العمل، وأجهل الناس في العلم، مع دعوهم ائتمامهم بالمعصوم، الذي مقصوده العلم والقدرة، ولم يحصل لهم لا علم ولا قدرة، فعلم انتفاء هذا مما يدّعونه.
وأيضا فالأئمة الاثنا عشر لم يحصل لأحدٍ من الأمة بأحد منهم جميع مقاصد الإمامة.
أما من دون عليّ فإنما كان يحصل للناس من علمه ودينه مثل ما يحصل من نظرائه. وكان عليّ بن الحسين، وابنه جعفر بن محمد يعلّمون الناس ما علّمهم الله، كما علمه علماء زمانهم، وكان في زمنهم من هوأعلم منهم وأنفع للأمة.
وهذا معروف عند أهل العلم. ولوقدِّر أنهم كانوا أعلم وأَدْيَن، فلم يحصل من أهل العلم والدين ما يحصل من ذوي الولاية والقوة والسلطان، وإلزام الناس بالحق، ومنعهم باليد عن الباطل.
وأما بعد الثلاثة كالعسكريَيْن، فهؤلاء لم يظهر عليهم علم تستفيده الأمة، ولا كان لهم يد تستعين بها الأمة، بل كانوا كأمثالهم من الهاشميين لهم حرمة ومكانة، وفيهم من معرفة ما يحتاجون إليه في الإسلام والدين ما في أمثالهم، وهوما يعرفه كثير من عوام المسلمين.
وأما ما يختص به أهل العلم، فهذا لم يعرف عنهم. ولهذا لم يأخذ عنهم أهل العلم، كما أخذوا عن أولئك الثلاثة. ولووجدوا ما يُستفاد لأخذوا، ولكن طالب العلم يعرف مقصوده.
وإذا كان للإنسان نسب شريف، كان ذلك مما يعينه على قبول الناس منه. ألا ترى أن ابن عبّاس لما كان كثير العلم عَرَفت الأمه له ذلك، واستفادت منه، وشاع ذكره بذلك في الخاصة والعامة.
وكذلك الشافعي لما كان عنده من العلم والفقه ما يُستفاد منه، عرف المسلمون له ذلك، واستفادوا ذلك منه، وظهر ذكره بالعلم والفقه.
ولكن إذا لم يجد الإنسان مقصوده في محل لم يطلبه منه. ألا ترى أنه لوقيل عن أحد: أنه طبيب أونحوي، وعُظِّم حتى جاء إليه الأطباء أوالنحاة، فوجدوه لا يعرف من الطب والنحوما يطلبون، أعرضوا عنه، ولم ينفعه دعوى الجهّال وتعظيمهم؟
وهؤلاء الإمامية أخذوا عن المعتزلة أن الله يجب عليه الإقدار والتمكين واللطف، بما يكون المكلَّف عنده أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، مع تمكّنه في الحالين.
ثم قالوا: والإمامة واجبة، وهي أوجب عندهم من النبوة، لأن بها لطفاً في التكاليف. قالوا: إنّا نعلم يقينا بالعادات واستمرار الأوقات أن الجماعة متى كان لهم رئيس مهيب مطاع متصرّف منبسط اليد كانوا بوجوده أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإذا لم يكن لهم رئيس وقع الهرج والمرج بينهم، وكانوا عن الصلاح أبعد، ومن الفساد أقرب. وهذه الحال مشعرة بقضية العقل معلومة لا ينكرها إلا من جهل العادات، ولم يعلم استمرار القاعدة المستمرة في العقل. قالوا: وإذا كان هذا لطفا في التكليف لزم وجوبه. ثم ذكروا صفاته من العصمة وغيرها.
ثم أورد طائفة منهم على أنفسهم سؤالا، فقالوا: إذا قلتم: إن الإمام لطف، وهوغائب عنكم، فأين اللطف الحاصل مع غيبته؟ وإذا لم يكن لطفه حاصلا مع الغيبة، وجاز التكليف، بطل أن يكون الإمام لطفاً في الدين. وحينئذ يفسد القول بإمامة المعصوم.
وقالوا في الجواب عن هذا السؤال: إنَّا نقول: إن لطف الإمام حاصل في حالة الغيبة للعارفين به في حال الظهور. وإنما فات اللطف لمن لم يَقُل بإمامته. كما أن لطف المعرفة لم يحصل لمن لم يعرف الله تعالى، وحصل لمن كان عارفا به. قالوا: وهذا يُسقط هذا السؤال، ويوجب القول بإمامة المعصومين.
فقيل لهم: لوكان اللطف حاصلا في حال الغيبة كحال الظهور، لوجب أن يستغنوا عن ظهوره، ويتبعوه إلى أن يموتوا. وهذا خلاف ما يذهبون إليه.
فأجابوا بأنّا نقول: إن اللطف في غيبته عند العارف به من باب التنفير والتبعيد عن القبائح مثل حال الظهور، ولكن نوجب ظهوره لشيء غير ذلك، وهورفع أيدي المتغلّبين عن المؤمنين، وأخذ الأموال ووضعها في مواضعها من أيدي الجبابرة، ورفع ممالك الظلم التي لا يمكننا رفعها إلا بطريقه، وجهاد الكفار الذي لا يمكن إلا مع ظهوره.
فيقال لهم: هذا كلام ظاهر البطلان. وذلك أن الإمام الذي جعلتموه لطفاً، هوما شهدت به العقول والعادات، وهوما ذكرتموه. قلتم: إن الجماعة متى كان لهم رئيس مهيب مطاع متصرِّف منبسط اليد، كانوا بوجوده أقرب إلى الصلاح، وأبد عن الفساد، واشترطتم فيه العصمة. قلتم: لأن مقصود الانزجار لا يحصل إلا بها. ومن المعلوم أن الموجودين الذين كانوا قبل المنتظر، لم يكن أحد منهم بهذه الصفة: لم يكن أحد منهم منبسط اليد ولا متصرفا.
وعليّ رضي الله عنه تولّى الخلافة، ولم يكن تصرفه وانبساطه تصرف من قبله وانبساطهم. وأما الباقون فلم تكن أيديهم منبسطة ولا متصرّفون، بل كان يحصل بأحدهم ما يحصل بنظرائه.
وأما الغائب فلم يحصل به شيء، فإن المعترِف بوجوده إذا عَرَف أنه غاب من أكثر من أربعمائة سنة وستين سنة، وأنه خائف لا يمكنه الظهور، فضلا عن إقامة الحدود، ولا يمكنه أن يأمر أحداً ولا ينهاه - لم يزل الهرج والفساد بهذا.
ولهذا يوجد طوائف الرافضة أكثر الطوائف هرجاً وفساداً، واختلافا بالألسن والأيدي، ويوجد من الاقتتال والاختلاف وظلم بعضهم لبعض، ما لا يوجد فيمن لهم متولٍّ كافر، فضلا عن متولٍّ مسلم، فأي لطف حصل لمتبعيه به؟
وأما قولهم إن اللطف به يحصل للعارفين به، كما يحصل في حال الظهور، فهذه مكابرة ظاهرة؛ فإنه إذا ظهر حصل به من إقامة الحدود والوعظ وغير ذلك، ما يوجب أن يكون في ذلك لطفٌ لا يحصل مع عدم الظهور.
وتشبيههم معرفته بمعرفة الله في باب اللطف، وأن اللطف به يحصل للعارف دون غيره، قياس فاسد. فإن المعرفة بأن الله موجود حيّ قادر، يأمر بالطاعة ويثيب عليا، وينهى عن المعصية ويعاقب عليها، من أعظم الأسباب في الرغبة والرهبة منه، فتكون هذه المعرفة داعية إلى الرغبة في ثوابه، بفعل المأمور وترك المحظور، والرهبة من عقابه إذا عصى، لعلم العبد بأنه عالم قادر، وأنه قد جرت سنته بإثابة المطيعين وعقوبة العاصين.
وأما شخص يعرف الناس أنه مفقود من أكثر من أربعمائة سنة، وأنه لم يعاقب أحداً، وأنه لم يثب أحداً، بل هوخائف على نفسه إذا ظهر، فضلا عن أن يأمر وينهى، فكيف تكون المعرفة به داعية إلى فعل ما أمر وترك ما حظر، بل المعرفة بعجزه وخوفه توجب الإقدام على فعل القبائح، لا سيما مع طول الزمان وتوالي الأوقات وقتا بعد وقت، وهولم يعاقب أحداً ولم يثب أحداً.
بل لوقُدِّر أنه يظهر في كل مائة سنة مرة فيعاقب، لم يكن ما يحصل به من اللطف مثل ما يحصل بآحاد ولاة الأمر، بل لوقيل: إنه يظهر في كل عشر سنين، بل ولوظهر في السنة مرة، فإنه لا تكون منفعته كمنفعة ولاة الأمور الظاهرين للناس في كل وقت، بل هؤلاء - مع ذنوبهم وظلمهم في بعض الأمور - شرع الله بهم، وما يفعلونه من العقوبات، وما يبذلونه من الرغبات في الطاعات، أضعاف ما يقام بمن يظهر بعد كل مدة، فضلا عمَّن هومفقود، يعلم جمهور العقلاء أنه لا وجود له، والمقرّون به يعلمون أنه عاجز خائف لم يفعل قط ما يفعله آحاد الناس، فضلا عن ولاة أمرهم.
وأي هيبة لهذا؟ وأي طاعة، وأي تصرّف، وأي يد منبسطة؟ حتى إذا كان للناس رئيس مهيب مطاع متصرّف منبسط اليد، كانوا أقرب إلى الصلاح بوجوده.
ومن تدبر هذا علم أن هؤلاء القوم في غاية الجهل والمكابرة والسفسطه، حيث جعلوا اللطف به في حال عجزه وغيبته، مثل اللطف به في حال ظهوره، وأن المعرفة به مع عجزه وخوفه وفقده لطف، كما لوكان ظاهراً قادراً آمنا، وأن مجرد هذه المعرفة لطف، كما أن معرفة الله لطف.
الوجه الثاني: أن يقال: قولكم: لا بد من نصب إمامٍ معصوم يفعل هذه الأمور. أتريدون أنه لا بد أن يخلق الله ويقيم من يكون متصفاً بهذه الصفات؟ أم يجب على الناس أن يبايعوا من يكون كذلك؟
فإن أردتم الأول، فالله لم يخلق أحداً متصفاً بهذه الصفات؛ فإن غاية ما عندكم أن تقولوا: إن عليًّا كان معصوما لكن الله لم يمكّنه ولويؤيّده، لا بنفسه، ولا بجند خلقهم له حتى يفعل ما ذكرتموه.
بل أنتم تقولون: إنه كان عاجزا مقهوراً مظلوما في زمن الثلاثة، ولما صار له جند، قام له جند آخرون قاتلوه، حتى لم يتمكن أن يفعل ما فعل الذين كانوا قبله، الذين هم عندكم ظلمة.
فيكون الله قد أيد أولئك الذين كانوا قبله، حتى تمكنوا من فعل ما فعلوه من المصالح، ولم يؤيّده حتى يفعل ذلك.
وحينئذ فما خلق الله هذا المعصوم المؤيِّد الذي اقترحتموه على الله.
وإن قلتم: إن الناس يجب عليهم أن يبايعوه ويعاونوه.
قلنا: أيضا فالناس لم يفعلوا ذلك، سواء كانوا مطيعين أوعصاة. وعلى كل تقدير فما حصل لأحد من المعصومين عندكم تأييد، لا من الله ولا من الناس. وهذه المصالح التي ذكرتموها لا تحصل إلا بتأييد، فإذا لم يحصل ذلك لم يحصل ما به تحصل المصالح، بل حصل أسباب ذلك، وذلك لا يفيد المقصود.
الوجه الثالث: أن يقال: إذا كان لم يحصل مجموع ما به تحصل هذه المطالب، بل فات كثير من شروطها، فلم لا يجوز أن يكون الفائت هوالعصمة؟ وإذا كان المقصود فائتا: إما بعدم العصمة، وإما بعجز المعصوم، فلا فرق بين عدمها بهذا أوبهذا، فمن أين يُعلم بدليل العقل أنه يجب على الله أن يخلق إماماً معصوما؟
وهوإنما يخلقه ليحصل به مصالح عباده، وقد خلقه عاجزاً لا يقدر على تلك المصالح، بل حصل به من الفساد ما لم يحصل إلا بوجوده.
وهذا يتبين بالوجه الرابع: وهوأنه لولم يخلق هذا المعصوم، لم يكن يجري في الدنيا من الشر أكثر مما جرى، إذا كان وجوده لم يدفع شيئاً من الشر، حتى يُقال: وجوده دفع كذا. بل وجوده أوجب أن كذَّب به الجمهور، وعادوا شيعته، وظلموه وظلموا أصحابه، وحصل من الشرور التي لا يعلمها إلا الله، بتقدير أن يكون معصوماً.
فإنه بتقدير أن لا يكون عليّ رضي الله عنه معصوما، ولا بقية الاثنى عشر ونحوهم، لا يكون ما وقع من تولية الثلاثة، وبني أمية، وبني العباس، فيه من الظلم والشر ما فيه، بتقدير كونهم أئمة معصومين. وبتقدير كونهم معصومين فما أزالوا من الشر إلا ما يزيله من ليس بمعصوم، فصار كونهم معصومين إنما حصل به الشر لا الخير.
فكيف يجوز على الحكيم أن يخلق شيئا ليحصل به الخير، وهولم يحصل به إلا الشر لا الخير؟
وإذا قيل: هذا الشر حصل من ظلم الناس له.
قيل: فالحكيم الذي خلقه إذا كان خلقه لدفع ظلمهم، وهويعلم أنه إذا خلقه زاد ظلمهم، لم يكن خلقه حكمة بل سفهاً، وصار هذا كتسليم إنسانٍ ولدَه إلى من يأمره بإصلاحه، وهويعلم أنه لا يطيعه بل يفسده. فهل يفعل هذا حكيم؟
الوجه الخامس: إذا كان الإنسان مدينا بالطبع، وإنما وجب نصب المعصوم ليزيل الظلم والشر عن أهل المدينة، فهل تقولون: إنه لم يزل في كل مدينة خلقها الله تعالى معصوم يدفع ظلم الناس أم لا؟
فإن قلتم بالأول، كان هذا مكابرة ظاهرة. فهل في بلاد الكفّار من المشركين وأهل الكتاب معصوم؟ وهل كان في الشام عند معاوية معصوم؟
وإن قلتم: بل نقول: هوفي كل مدينة واحد، وله نوّاب في سائر المدائن.
قيل: فكل معصوم له نوّاب في جميع مدائن الأرض أم في بعضها؟
فإن قلتم: في الجميع، كان هذا مكابرة. وإن قلتم: في البعض دون البعض.
قيل: فما الفرق إذا كان ما ذكرتموه واجبا على الله، وجميع المدائن حاجتهم إلى المعصوم واحدة؟
الوجه السادس: أن يُقال: هذا المعصوم يكون وحده معصوما؟ أوكلٌّ من نوابه معصوما؟ وهم لا يقولون بالثاني، والقول به مكابرة. فإن نوّاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكونوا معصومين، ولا نوّاب عليّ، بل كان في بعضهم من الشر والمعصية ما لم يكن مثله في نوّاب معاوية لأميرهم، فأين العصمة؟
وإن قلت: يشترط فيه وحده.
قيل: فالبلاد الغائبة عن الإمام، لا سيما إذا لم يكن المعصوم قادراً على قهر نوابه بل هوعاجز، ماذا ينتفعون بعصمة الإمام، وهم يصلّون خلف غير معصوم، ويحكم بينهم غير معصوم، ويطيعون غير معصوم، ويأخذ أموالهم غير معصوم؟
فإن قيل: الأمور ترجع إلى المعصومين.
قيل: لوكان المعصوم قادراً ذا سلطان، كما كان عمر وعثمان ومعاوية وغيرهم، لم يتمكن أن يوصّل إلى كل من رعيته العدل الواجب الذي يعلمه هو. وغاية ما يقدر عليه أن يولِّي أفضل من يقدر عليه، لكن إذا لم يجد إلا عاجزاً أوظالماً، فكيف يمكنه تولية قادر عادل؟
فإن قالوا: إذا لم يخلق الله إلا هذا سقط عنه التكليف.
قيل: فإذاً لم يجب على الله أن يخلق قادراً عادلاً مطلقا، بل أوجب على الإمام أن يفعل ما يقدر عليه، فكذلك الناس عليهم أن يولّوا أصلح من خلقه الله تعالى، وإن كان فيه نقص: إما من قدرته، وإما من عدله.
وقد كان عمر رضي الله عنه يقول: ((اللهم إليك أشكوجَلَدَ الفاجر وعجز الثقة))، وما ساس العالم أحدٌ مثل عمر، فكيف الظن بغيره؟
هذا إذا كان المتولّى نفسه قادراً عادلا، فكيف إذا كان المعصوم عاجزاً؟ ومن الذي يُلْزمها بطاعته حتى تطيعه؟ وإذا أظهر بعض نوّابه طاعته حتى يولّيه، ثم أخذ ما شاء من الأموال، وسكن في مدائن الملوك، فأي حيلة للمعصوم فيه؟
فعلم أن المعصوم الواحد لا يحصل به المقصود، إذا كان ذا سلطان، فكيف إذا كان عاجزاً مقهوراً؟ فكيف إذا كان مفقوداً غائبا لا يمكنه مخاطبة أحد؟ فكيف إذا كان معدوما لا حقيقة له؟
الوجه السابع: أن يُقال: صَدُّ غيره عن الظلم، وإنصاف المظلوم منه، وإيصال حق غيره إليه فرع على منع ظلمه، واستيفاء حقِّه. فإذا كان عاجزاً مقهوراً لا يمكنه دفع الظلم عن نفسه، ولا استيفاء حقّه من ولايةٍ ومال، ولا حق امرأته من ميراثها، فأي ظلم يَدْفع؟ وأي حق يُوصِّل؟ فكيف إذا كان معدوما أوخائفا لا يمكنه أن يظهر في قرية أومدينة خوفا من الظالمين أن يقتلوه، وهودائما على هذا الحال أكثر من أربعمائة وستين سنة، والأرض مملوءة من الظلم والفساد، وهولا يقدر أن يعرّف بنفسه، فكيف يدفع الظلم عن الخلق، أويُوصِّل الحق إلى المستحق؟ وما أخلق هؤلاء بقوله تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَاْلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} (1)!
الوجه الثامن: أن يُقال: حاجة الإنسان إلى تدبير بدنه بنفسه، أعظم من حاجة المدينة إلى رئيسها. وإذا كان الله تعالى لم يخلق نفس الإنسان معصومةً، فكيف يجب عليه أن يخلق رئيساً معصوما؟
مع أن الإنسان يمكنه أن يكفر بباطنه، ويعصي بباطنه، وينفرد بأمور كثيرة من الظلم والفساد، والمعصوم لا يعلمها، وإن علمها لا يقدر على إزالتها، فإذا لم يجب هذا فكيف يجب ذاك؟
الوجه التاسع: أن يقال: هل المطلوب من الأئمة أن يكون الصلاح بهم أكثر من الفساد، وأن يكون الإنسان معهم أقرب إلى المصلحة وأبعد عن المفسدة، مما لوعدموا ولم يقم مقامهم؟ أم المقصود بهم وجود صلاحٍ لا فساد معه؟ أم مقدار معين من الصلاح؟
__________
(1) الآية 44 من سورة الفرقان.
فإذا كان الأول، فهذا المقصود حاصل لغالب ولاة الأمور. وقد حصل هذا المقصود على عهد أبي بكر وعمر وعثمان، أعظم مما حصل على عهد عليّ. وهوحاصل بخلفاء بني أمية وبني العباس، أعظم مما هوحاصل بالاثنى عشر. وهذا حاصل بملوك الروم والترك والهند، أكثر مما هوحاصل بالمنتظر الملقّب صاحب الزمان، فإنه ما من أمير يتولى ثم يُقدَّر عدمه بلا نظير، إلا كان الفساد في عدمه أعظم من الفساد في وجوده، لكن قد يكون الصلاح في غيره أكثر منه، كما قد قيل: ((ستون سنة مع إمام جائر خير من ليلة واحدة بلا إمام)).
وإن قيل: بل المطلوب وجود صلاحٍ لا فساد معه.
قيل: فهذا لم يقع، ولم يخلق الله ذلك، ولا خلق أسبابا توجب ذلك لا محالة. فمن أوجب ذلك، وأوجب ملزوماته على الله، كان إمّا مكابراً لعقله، وإما ذامًّا لربّه. وخَلْقُ ما يمكن معه وجود ذلك، لا يحصل به ذلك، إن لم يخلق ما يكون به ذلك.
ومثل هذا يقال في أفعال العباد، لكن القول في المعصوم أشد، لأن مصلحته تتوقف على أسباب خارجة عن قدرته، بل عن قدرة الله عند هؤلاء. الذين هم معتزلة رافضة، فإيجاب ذلك على الله أفسد من إيجاب خلق مصلحة كل عبد له.
الوجه العاشر: أن يقال: قوله: ((لولم يكن الإمام معصوما لافتقر إلى إمام آخر، لأن العلة المحوجة إلى إمام هي جواز الخطأ على الأمة، فلوجاز الخطأ عليه لاحتاج إلى إمام آخر)).
فيقال له: لم لا يجوز أن يكون إذا أخطأ الإمام كان في الأمة من ينبهه على الخطأ، بحيث لا يحصل اتفاق المجموع على الخطأ، لكن إذا أخطأ بعض الأمة، نبهه الإمام أونائبه أوغيره، وإن أخطأ الإمام أونائبه نبهه آخر كذلك، وتكون العصمة ثابتة للمجموع، لا لكل واحد من الأفراد، كما يقوله أهل الجماعة؟
وهذا كما أن كل واحد من أهل خبر التواتر يجوز عليه الخطأ، وربما جاز عليه تعمد الكذب، لكن المجموع لا يجوز عليهم ذلك في العادة. وكذلك الناظرون إلى الهلال أوغيره من الأشياء الدقيقة، قد يجوز الغلط على الواحد منهم، ولا يجوز على العدد الكثير.
وكذلك الناظرون في الحساب والهندسة، ويجوز على الواحد منهم الغلط في مسألة أومسألتين، فأما إذا كثر أهل المعرفة بذلك، امتنع في العادة غلطهم.
ومن المعلوم أن ثبوت العصمة لقوم اتفقت كلمتهم، أقرب إلى العقل والوجود من ثبوتها لواحدٍ. فإن كانت العصمة لا تمكن للعدد الكثير، في حال اجتماعهم على الشيء المعيّن، فان لا تمكن للواحد أَولى. وإن أمكنت للواحد مفرداً، فلإن تمكن له ولأمثاله مجتمعين بطريق الأَوْلى والأحرى.
فعُلم أن إثبات العصمة للمجموع أَوْلى من إثباتها للواحد، وبهذه العصمة يَحْصُل المقصود المطلوب من عصمة الإمام، فلا تتعين عصمة الإمام.
ومن جهل الرافضة إنهم يوجبون عصمة واحد من المسلمين، ويجوّزون على مجموع المسلمين الخطأ إذا لم يكن فيهم واحد معصوم. والمعقول الصريح يشهد أن العلماء الكثيرين، مع اختلاف اجتهاداتهم، إذا اتفقوا على قولٍ كان أولى بالصواب من واحد، وأنه إذا أمكن حصول العلم بخبرٍ واحد، فحصوله بالأخبار المتواترة أَوْلى.
ومما يبيّن ذلك أن الإمام شريك الناس في المصالح العامة، إذ كان هووحده لا يقدر أن يفعلها، إلا أن يشترك هووهم فيها، فلا يمكنه أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق، ولا يوفّيها، ولا يجاهد عدواً إلا أن يعينوه، بل لا يمكنه أن يصلّي بهم جمعة ولا جماعة إن لم يصلّوا معه، ولا يمكن أن يفعلوا ما يأمرهم به إلا بقواهم وإرادتهم. فإذا كانوا مشاركين له في الفعل والقدرة، لا ينفرد عنهم بذلك، فكذلك العلم والرأي لا يجب أن ينفرد به بل يشاركهم فيه، فيعاونهم ويعاونونه، وكما أن قدرته تعجز إلا بمعاونتهم، فكذلك علمه يعجز إلا بمعاونتهم.
الوجه الحادي عشر: أن يُقال: العلم الديني الذي يحتاج إليه الأئمة والأمة نوعان: علم كلّي، كإيجاب الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، والزكاة، والحج، وتحريم الزنا والسرقة والخمر ونحوذلك. وعلم جزئي، كوجوب الزكاة على هذا، ووجوب إقامة الحد على هذا، ونحوذلك.
فأما الأول، فالشريعة مستقلة به، لا تحتاج فيه إلى الإمام. فإن النبي إما أن يكون قد نصّ على كليات الشريعة التي لا بد منها، أوترك منها ما يحتاج إلى القياس. فإن كان الأول ثبت المقصود. وإن كان الثاني، فذلك القدر يحصل بالقياس.
وإن قيل: بل ترك فيها ما لا يُعلم بنصّه ولا بالقياس، بل بمجرد قول المعصوم، كان هذا المعصوم شريكا في النبوّة لم يكن نائبا؛ فإنه إذا كان يُوجب ويحرّم من غير إسناد إلى نصوص النبي، كان مستقلا، لم يكن متّبعا له، وهذا لا يكون إلا نبيًّا، فأما من لا يكون إلا خليفة لنبيّ، فلا يستقل دونه.
وأيضا فالقياس إن كان حجةً جاز إحالة الناس عليه، وإن لم يكن حجةً وجب أن ينصّ النبي على الكليّات.
وأيضا فقد قال تعالى: {اليَوْمَ أَكْملْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ اْلإِسْلاَمَ دِينًا} (1).
وهذا نصٌ في أن الدين كامل لا يحتاج معه إلى غيره.
وأما الجزئيات فهذه لا يمكن النصّ على أعيانها، بل لا بد فيها من الاجتهاد المسمّى بتحقيق المناط، كما أن الشارع لا يمكن أن ينصَّ لكل مصلٍّ على جهة القبلة في حقِّه، ولكل حاكم على عدالة كل شاهد، وأمثال ذلك.
وإذا كان كذلك، فإن ادّعوا عصمة الإمام في الجزئيات، فهذه مكابرة، ولا يدَّعيها أحد، فإن عليًّا رضي الله عنه كان يولِّي من تبين له خيانته وعجزه وغير ذلك، وقد قطع رجلا بشهادة شاهدين، ثم قالا: أخطأنا. فقال: لوأعلم أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما.
__________
(1) الآية 3 من سورة المائدة.
وكذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، ففي الصحيحين عنه أنه قال: ((إنكم تختصمون إلىَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضى بنحوما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار)) (1) 2).
الوجه الثاني عشر: أن يُقال: العصمة الثابتة للإمام: أهي فعل للطاعات باختياره وتركه للمعاصي باختياره، مع أن الله تعالى عندكم لا يخلق اختياره؟ أم هي خلق الإرادة له؟ أم سلبه القدرة على المعصية؟
فإن قلتم بالأول، وعندكم أن الله لا يخلق اختيار الفاعلين، لزمكم أن الله لا يقدر على خلق معصوم.
وإن قلتم بالثاني بطل أصلكم الذي ذهبتم إليه في القدرة.
وإن قلتم: سَلْبُ القدرة على المعصية، كان المعصوم عندكم هوالعاجز عن الذنب. كما يعجز الأعمى عن نقط المصاحف، والمُقعد عن المشي.
والعاجز عن الشيء لا يُنهى عنه ولا يؤمر به، وإذا لم يُؤمر وُينه لم يستحق ثواباً على الطاعة، فيكون المعصوم عندكم لا ثواب له على ترك معصية، بل ولا على فعل طاعة. وهذا غاية النقص.
وحينئذ فأيّ مسلم فُرض كان خيراً من هذا المعصوم، إذا أذنب ثم تاب، لأنه بالتوبة محيت سيئاته، بل بُدِّل بكل سيئة حسنة مع حسناته المتقدمة، فكان ثواب المكلَّفين خيراً من المعصوم عند هؤلاء، وهذا يناقض قولهم غاية المناقضة.
وأما المقدمة الثانية: فلوقدر أنه لابد من معصوم، فقولهم ليس بمعصومٍ غير عليٍّ اتفاقاً ممنوع، بل كثير من الناس من عبَّادهم وصوفيتهم وجندهم وعامتهم يعتقدون في كثير من شيوخهم من العصمة، من جنس ما تعتقده الرافضة في الاثنى عشر، وربما عبَّروا عن ذلك بقولهم: ((الشيخ محفوظ)).
وإذا كانوا يعتقدون هذا في شيوخهم، مع اعتقادهم أن الصحابة أفضل منهم، فاعتقادهم ذلك في الخلفاء من الصحابة أَوْلى.
__________
(1) انظر البخاري ج3 ص 18. وج9 ص 25 ومسلم ج3 ص 1337 - 1338.
وكثير من الناس فيهم من الغلوفي شيوخهم من جنس ما في الشيعة من الغلوفي الأئمة.
وأيضا فالإسماعيلية يعتقدون عصمة أئمتهم، وهم غير الاثنى عشر.
وأيضا فكثير من أتباع بني أمية - أوكثرهم - كانوا يعتقدون أن الإمام لا حساب عليه ولا عذاب، وأن الله لا يؤاخذهم على ما يطيعون فيه الإمام، بل تجب عليهم طاعة الإمام في كل شيء، والله أمرهم بذلك. وكلامهم في ذلك معروف كثير.
وقد أراد يزيد بن عبد الملك أن يسير بسيرة عمر بن عبد العزير، فجاء إليه جماعة من شيوخهم، فحلفوا له بالله الذي لا إله إلا هو، أنه إذا ولَّى اللّهُ على الناس إماماً تقبل اللََََََََّهُ منه الحسنات وتجاوز عنه السيئات.
ولهذا تجد في كلام كثير من كبارهم الأمر بطاعة وليّ الأمر مطلقا، وأن من أطاعه فقد أطاع الله. ولهذا كان يُضرب بهم المثل، يقال: ((طاعة شاميّة)).
وحينئذ فهؤلاء يقولون: إن إمامهم لا يأمرهم إلا بما أمرهم الله به، وليس فيهم شيعة، بل كثير منهم يبغض عليًّا ويسبُّه.
ومن كان اعتقاده أن كل ما يأمر به فإنما مما أمر الله به، وأنه تجب طاعته، وأن الله يثيبه على ذلك، ويعاقبه على تركه - لم يحتج مع ذلك إلى معصوم غير إمامه.
وحينئذ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن يُقال: كلٌّ من هذه الطوائف إذا قيل لها: أنه لا بد لها من إمام معصومٍ. تقول: يكفيني عصمة الإمام الذي ائتممت به، لا أحتاج إلى عصمة الاثنى عشر: لا عليّ ولا غيره. ويقول هذا: شيخي وقدوتي. وهذا يقول: إمامي الأموي والإسماعيلي. بل كثير من الناس يعتقدون أن من يطيع الملوك لا ذنب له في ذلك، كائنا من كان، ويتأوَّلون قوله: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي اْلأَمْرِ مِنْكُمْ} (1).
فإن قيل: هؤلاء لا يعتدّ بخلافهم.
قيل: هؤلاء خيرٌ من الرافضة والإسماعيلية.
__________
(1) الآية 59 من سورة النساء.
وأيضا فإن أئمة هؤلاء وشيوخهم خير من معدوم لا يُنتفع به بحال. فهم بكل حال خير من الرافضة.
وأيضا فبطلت حجة الرافضة بقولهم: لم تدّع العصمة إلا في عليّ وأهل بيته.
فإن قيل: لم يكن في الصحابة من يدّعي العصمة لأبي بكر وعمر وعثمان.
قيل: إن لم يكن فيهم من يدّعي العصمة لعليّ بطل قولكم. وإن كان فيهم من يدّعي العصمة لعليّ، لم يمتنع أن يكون فيهم من يدعي العصمة للثلاثة، بل دعوى العصمة لهؤلاء أَوْلى، فإنّا نعلم يقينا أن جمهور الصحابة كانوا يفضّلون أبا بكر وعمر، بل عليّ نفسه كان يفضلهما عليه، كما تواتر عنه. وحينئذ فدعواهم عصمة هذين أولى من دعوى عصمة عليّ.
فإن قيل: فهذا لم يُنقل عنهم.
قيل لهم: ولا نُقل عن واحدٍ منهم القول بعصمة عليّ. ونحن لا نثبت عصمة لا هذا ولا هذا، لكن نقول: ما يمكن أحداً أن ينفي نقل قول أحدٍ منهم بعصمة أحد الثلاثة، مع دعواهم أنهم كانوا يقولون بعصمة علي. فهذا الفرق لا يمكن أحدا ًأن يدّعيه، ولا ينقله عن واحد منهم. وحينئذ فلا يُعلم زمان ادّعى فيه العصمة لعليّ أولأحدٍ من الاثنى عشر، ولم يكن من ذلك الزمان من يدّعي عصمة غيرهم، فبطل أن يحتج بانتفاء عصمة الثلاثة ووقوع النزاع في عصمة عليّ.
الوجه الرابع عشر: أن يقال: إما أن يجب وجود المعصوم في كل زمان، وإما أن لا يجب. فإن لم يجب بطل قولهم. وإن وجب لم نسلّم على هذا التقدير أن عليًّا كان هوالمعصوم دون الثلاثة. بل إذا كان هذا القول حقًّا، لزم أن يكون أبوبكر وعمر وعثمان معصومين، فإن أهل السنّة متفقون على تفضيل أبي بكر وعمر، وأنهما أحق بالعصمة من عليّ، فإن كانت العصمة ممكنة، فهي إليهما أقرب، وإن كانت ممتنعة، فهي عنه أبعد.
وليس أحد من أهل السنّة يقول بجواز عصمة عليّ دون أبي بكر وعمر، وهم لا يسلّمون انتفاء العصمة عن الثلاثة، إلا مع انتفائها عن عليّ. فأما انتفاؤها عن الثلاثة دون عليّ، فهذا ليس قول أحدٍ من أهل السنة.
وإذا قال: أنتم تعتقدون انتفاء العصمة عن الثلاثة.
قلنا: نعتقد انتفاء العصمة عن عليّ، ونعتقد أن انتفاءها عنه أَوْلى من انتفائها عن غيره، وأنهم أحق بها منه إن كانت ممكنة، فلا يمكن مع هذا أن يحتج علينا بقولنا.
وأيضا فنحن إنما نسلّم انتفاء العصمة عن الثلاثة، لاعتقادنا أن الله لم يخلق إماماً معصوماً. فإن قُدِّر أن الله خلق إماماً معصوما فلا يُشك أنهم أحق بالعصمة من كل من جاء بعدهم، ونفينا لعصمتهم لاعتقادنا هذا التقدير.
وهنا جواب ثالث عن أصل الحجة، وهوأن يُقال: من أين علمتم أن عليًّا معصوم، ومن سواه ليس بمعصوم. فإن قالوا بالإجماع على ثبوت عصمة عليّ وانتفاء عصمة غيره كما ذكروه من حجتهم.
قيل لهم: إن لم يكن الإجماع حجة بطلت هذه الحجة، وإن كان حجة في إثبات عصمة عليّ - التي هي الأصل - أمكن أن يكون حجة في المقصود بعصمة من حفظ الشرع ونقله. وكن هؤلاء يحتجّون بالإجماع، ويردّون كون الإجماع حجة، فمن أين علموا أن عليًّا هوالمعصوم دون من سواه؟
فإن ادّعوا التواتر عندهم عن النبي في عصمته، كان القول في ذلك كالقول في تواتر النص على إمامته، وحينئذ فلا يكون لهم مستند آخر.
الجواب الرابع: أن يُقال: الإجماع عندهم ليس بحجة، إلا أن يكون قول المعصوم فيه، فإن لم يعرفوا ثبوت المعصوم إلا به لزم الدور، فإنه لا يُعرف أنه معصوم إلا بقوله، ولا يُعرف أن قوله حجة إلا إذا عُرف أنه معصوم، فلا يثبت واحد منهما.
فعُلم بطلان حجتهم على إثبات المعصوم. وهذا يبين أن القوم ليس لهم مستند علمي أصلا فيما يقولون.
فإذا قيل لهم: بم عرفتم أنه معصوم، وأن من سواه ليسوا معصومين؟
قالوا: بأنه قال: أنا معصوم، ومن سواي ليس بمعصوم. وهذا مما يمكن كل أحد أن يقوله، فلا يكون حجة.
فإذا قدِّر أن الحاجة إلى المعصوم ثابتة، فالكلام في تعيّنه. فإذا طُولب الإسماعيلي بتعيين معصومه، وما الدليل على أن هذا هوالمعصوم دون غيره، لم يأت بحجة أصلا، وتناقضت أقواله.
وكذلك الرافضي أخذ من القدرية كلامهم في وجوب رعاية الأصلح، وبنى عليه أنه لا بد من معصوم. وهي أقوال فاسدة، ولكن إذا طُولب بتعيينه، لم يكن له حجة أصلا، إلا مجرد قول من لم تثبت بعد عصمته: إني معصوم.
فإن قيل: إذا ثبت بالعقل أنه لا بد من معصوم، فإذا قال عليّ: إني معصوم، لزم أن يكون هوالمعصوم، لأنه لم يدّع هذا غيره.
قيل لهم: لوقُدِّر ثبوت معصوم في الوجود، لم يكن مجرد قول شخص: أنا معصوم، مقبولاً لإمكان كون غيره هوالمعصوم، وإن لم نعلم نحن دعواه، وإن لم يُظهر دعواه، بل يجوز أن يسكت عن دعوى العصمة وإظهارها على أصلهم، كما جاز للمنتظر أن يخفي نفسه خوفا من الظَّلَمَة.
ومع هذا كله بتقدير دعوى عليّ العصمة، فإنما يُقبل هذا لوكان عليّ قال ذلك، وحاشاه من ذلك.
وهذا جواب خامس وهوأنه إذا لم تكن الحجة على العصمة إلا قول المعصوم: إني معصوم، فنحن راضون بقول عليٍّ في هذه المسألة، فلا يمكن أحد أن يَنْقٍلَ عنه بإسناد ثابت أنه قال ذلك، بل النقول المتواترة عنه تنفي اعتقاده في نفسه العصمة.
وهذا جواب سادس، فإن إقراره لقضاته على أن يحكموا بخلاف رأيه، دليل على أنه لم يعدّ نفسه معصوما.
قال الرافضي: ((الوجه الثاني: أن الإمام يجب أن يكون منصوصاً عليه، لما بيَّنَّا من بطلان الاختيار، وأنه ليس بعض المختارين لبعض الأمة أَوْلى من البعض المختار الآخر، ولأدائه إلى التنازع والتشاجر، فيؤدّى نصب الإمام إلى أعظم أنواع الفساد التي لأجل إعدام الأقل منها أوجبنا نصبه. وغير عليٍّ من أئمتهم لم يكن منصوصا عليه بالإجماع فتعيّن أن يكون هوالإمام)).
والجواب: عن هذا بمنع المقدمتين أيضا، لكن النزاع هنا في الثانية أظهر وأَبْيَن، فإنه قد ذهب طوائف كثيرة من السلف والخلف، من أهل الحديث والفقه والكلام، إلى النصّ على أبي بكر. وذهبت طائفة من الرافضة إلى النصّ على العباس.
وحينئذ فقوله: ((غير عليّ من أئمتهم لم يكن منصوصاً عليه بالإجماع)) كذب متيقن فإنه لا إجماع على نفي النصّ عن غير عليّ. وهذا الرافضي المصنِّف، وإن كان من أفضل بني جنسه، ومن المبرّزين على طائفته، فلا ريب أن الطائفة كلها جُهَّال. وإلا فمن له معرفة بمقالات الناس كيف يدَّعى مثل هذا الإجماع؟!
ونجيب هنا بجواب ثالث مركَّب، وهوأن نقول: لا يخلوإما أن يُعتبر النص في الإمامة وإما أن لا يُعتبر. فإن اعتُبر منعنا المقدمة الثانية، إن قلنا: إن النص ثابت لأبي بكر. وإن لم يُعتبر بطلت المقدمة الأولى.
وهنا جواب رابع: وهوأن نقول: الإجماع عندكم ليس بحجة، وإنما الحجة قول المعصوم، فيعود الأمر إلى إثبات النصّ بقول الذي يُدَّعى له العصمة. ولم يثبت بعد لا نص ولا عصمة، بل يكون قول القائل: ((لم يُعرف صحة قوله: أنا المعصوم، وأنا المنصوص على إمامتي)) حجة، وهذا من أبلغ الجهل. وهذه الحجة من جنس التي قبلها.
وجواب خامس: وهوأن يُقال: ما تعني بقولك: ((يجب أن يكون منصوصاً عليه))؟. لأنه لا بد أن يقول: هذا هوالخليفة من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا، فيكون الخليفة بمجرد هذا النص؟ أم لا يصير هذا إماما حتى تُعقد له الإمامة مع ذلك؟
فإن قلت بالأول. قيل: لا نسلّم وجوب النص بهذا الاعتبار. والزيدية مع الجماعة تنكر هذا النص، وهم من الشيعة الذين لا يُتَّهَمون عَلَى عليٍّ.
أما قوله: ((إنه إذا لم يكن كذلك أدّى إلى التنازع والتشاجر)).
فيقال: النصوص التي تدل على استحقاقه الإمامة وتُعلم دلالتها بالنظر والاستدلال، يحصل بها المقصود في الأحكام، فليست كل الأحكام منصوصة نصاًّ جليا يستوي في فهمه العام والخاص. فإذا كانت الأمور الكلية التي تجب معرفتها في كل زمان يُكتفى فيها بهذا النص، فَلأَن يكتفى بذلك في القضية الجزئية، وهوتولية إمام معيّن، بطريق الأَوْلى والأحرى. فإنّا قد بينا أن الكليات يمكن نصّ الأنبياء عليها، بخلاف الجزئيات.
وأيضا فيه إذا كانت الأدلة ظاهرة في أن بعض الجماعة أحق بها من غيره استغنى بذلك عن استخلافه.
والدلائل الدالّة على أن أبا بكر كان أحقهم بالإمامة ظاهرة بيّنة، لم ينازع فيها أحد من الصحابة، ومن نازع من الأنصار لم ينازع في أن أبا بكر أفضل المهاجرين، وإنما طلب أن يُولَّى واحدٌ من الأنصار مع واحدٍ من المهاجرين.
فإن قيل: إن كان لهم هوًى مُنٍعوا ذلك بدلالة النصوص.
قيل: وإذا كان لهم هوىً عصوا تلك النصوص وأعرضوا عنها، كما ادعيتم أنتم عليهم. فمع قصدهم الحق يحصل المقصود بهذا وبهذا، ومع العناد لا ينفع هذا لا هذا.
وجواب سادس: أن يقال: النص على الأحكام على وجهين: نص كلي عام يتناول أعيانها، ونص على الجزئيات.
فإن قلتم: لا بد من النصّ على الإمام. إن أردتم النصّ على العام الكلي: عَلَى ما يُشترك للإمام، وما يجب عليه، وما يجب له، كالنص على الحكّام والمفتين والشهود وأئمة الصلاة والمؤذنين وأمراء الجهاد، وغير هؤلاء ممن يتقلّد شيئا من أمور المسلمين - فهذه النصوص ثابتة - ولله الحمد - كثيرة، كما هي ثابتة على سائر الأحكام.
وجواب سابع: وهوأن يقال: أنتم أوجبتم النص، لئلا يفضى إلى التشاجر، المفضى إلى أعظم أنواع الفساد التي لأجل إعدام الأقل منها أوجبتم نصبه.
فيقال: الأمر بالعكس، فإن أبا بكر رضي الله عنه تولّى بدون هذا الفساد. وعمر وعثمان توليا بدون هذا الفساد. فإنما عَظُم هذا الفساد في الإمام الذي ادّعيتم أنه منصوص عليه دون غيره، فوقع في ولايته من أنواع التشاجر والفساد التي لأجل إعدام الأقل منها أوجبتم نصبه، فكان ما جعلتموه وسيلة إنما حصل معه نقيض المقصود، وحصل المقصود بدون وسيلتكم، فبطل كون ما ذكرتموه وسيلة إلى المقصود.
وهذا لأنهم أوجبوا على الله ما لا يجب عليه، وأخبروا بما لم يكن، فلزم من كذبهم وجهلهم هذا التناقض.
وجواب ثامن: وهوأن يقال: النصّ الذي يزيل هذا الفساد يكون على وجوه:
أحدها: أن يخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بولاية الشخص ويثني عليه في ولايته، فحينئذ تعلم الأمة أن هذا إن تولّى كان محموداً مرضيا، فيرتفع النزاع، وإن لم يقل: وَلُّوه.
وهذا النص وقع لأبي بكر وعمر.
الثاني: أن يخبر بأمور تستلزم صلاح الولاة، وهذه النصوص وقعت في خلافة أبي بكر وعمر.
الثالث: أن يأمر من يأتي بعد موته شخصا يقوم مقامه، فيدل على أنه خليفة من بعده. وهذا وقع لأبي بكر.
الرابع: أن يريد كتابة كتاب، ثم يقول: إن الله والمؤمنون لا يولُّون إلا فلاناً، وهذا وقع لأبي بكر.
الخامس: أن يأمر بالاقتداء بعده بشخص، فيكون هوالخليفة بعده.
السادس: أن يأمر باتّباع سنّة خلفائه الراشدين المهديين، ويجعل خلافتهم إلى مدة معينة، فيدل على أن المتولين في تلك المدة هم الخلفاء الراشدون.
السابع: أن يخص بعض الأشخاص بأمر يقضى أنه هوالمقدَّم عنده في الاستخلاف، وهذا موجود لأبي بكر.
كما في الصحيحين أنه قال لعائشة: ((ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه الناس من بعدي)) ثم قال: ((يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)) (1).
__________
(1) تقدم تخريجه ص 54..
فعلم أن الله لا يولّي إلا أبا بكر والمؤمنون لا يبايعون إلا أبا بكر. وكذلك سائر الأحاديث الصحيحة تدلّ على أنه علم ذلك، وإنما كان ترك الأمر مع علمه أفضل، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأن الأمة إذا ولّته طوعاً منها بغير إلزام - وكان هوالذي يرضاه الله ورسوله - كان أفضل للأمة، ودلّ على علمها ودينها.
(فصل)
قال الرافضي: ((الثالث: إن الإمام يجب أن يكون حافظا للشرع، لانقطاع الوحي بموت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقصور الكتاب والسنة على تفاصيل الأحكام الجزئية الواقعة إلى يوم القيامة، فلا بد من إمام منصوب من الله تعالى، معصوم من الزلل والخطأ، لئلا يترك بعض الأحكام، أويزيد فيها عمداً أوسهوا. وغير عليّ لم يكن كذلك بالإجماع)).
والجواب من وجوه: أحدها: أنّا لا نسلم أنه يجب أن يكون حافظاً للشرع، بل يجب أن تكون الأمة حافظة للشرع. وحفظ الشرع يحصل بمجموع الأمة كما يحصل بالواحد ن بل الشرع إذا نقله أهل التواتر كان خيراً من أن ينقله واحد منهم. وإذا كان كل طائفة تقوم بهم الحجة تنقل بعضه، حصل المقصود. وعصمة أهل التواتر حصل في نقلهم أعظم عند بني آدم كلهم من عصمة من ليس بنبي، فإن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا - ولوقيل إنهم معصومون - فما نقله المهاجرون والأنصار أبلغ مما نقله هؤلاء.
وأيضا فإن كان أكثر الناس يطعنون في عصمة الناقل لم يحصل المقصود، فكيف إذا كان كثير من الأمة يكفّره؟
والتواتر يحصل بأخبار المخبرين الكثيرين وإن لم تعلم عدالتهم.
الوجه الثاني: أن يقال: أتريد به من يكون حافظا للشرع وإن لم يكن معصوما؟ أومن يكون معصوما؟ فإن اشترطت العصمة فهذا من الوجه الأول، وقد كررته، وتقدم الجواب عليه. وإن اشترطت مجرد الحفظ، فلا نسلم أن عليًّا كان أحفظ للكتاب والسنة، وأعلم بهما من أبي بكر وعمر، بل هما كانا أعلم بالكتاب والسنة منه، فبطل ما ادّعاه من الإجماع.
الوجه الثالث: أن يقال: أتعني بكونه حافظا للشرع معصوما أنه لا يُعلم صحة شيء من الشرع إلا بنقله؟ أم يمكن أن يُعلم صحة شيء من الشرع بدون نقله؟
إن قلت بالثاني لم يحتج لا إلى حفظه ولا إلى عصمته، فإنه إذا أمكن حفظ شيء من الشرع بدونه، أمكن حفظ الآخر، حتى يُحفظ الشرع كله من غير حاجة إليه.
وإن قلت: بل معناه أنه لا يمكن معرفة شيء من الشرع إلا بحفظه.
فيقال: حينئذ لا تقوم حجة على أهل الأرض إلا بنقله، ولا يُعلم صحة نقله حتى يُعلم أنه معصوم، ولا يُعلم أنه معصوم إلا بالإجماع على نفي عصمة من سواه، فإن كان الإجماع معصوماً أمكن حفظ الشرع به، وإن لم يكن معصوماً لم تُعلم عصمته.
الوجه الرابع: أن يُقال: لماذا لا يجوز أن تكون العصمة في الحفظ والبلاغ ثابتة لكل طائفة بحسب ما حملته من الشرع. فالقرَّاء معصومون في حفظ القرآن وتبليغه، والفقهاء معصومون في فهم الكلام والاستدلال على الأحكام.
وهذا هوالواقع المعلوم الذي أغنى الله به عن واحد معدوم.
الوجه الخامس: أنه إذا كان لا يحفظ الشرع ويبلّغه إلا واحدٌ بعد واحد، معصوم عن معصوم، وهذا المنتظر له أكثر من أربعمائة وستين سنة لم يأخذ عنه أحدٌ شيئا من الشرع، فمن أين علمتم القرآن من أكثر من أربعمائة سنة؟ ولم لا يجوز أن يكون هذا القرآن الذي تقرؤونه ليس فيه شيء من كلام الله؟
وكذلك من أين لكم العلم بشيء من أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحكامه، وأنتم لم تسمعوا شيئا من ذلك من معصوم، لأن المعصوم إما مفقود وإما معدوم؟
فإن قالوا: تواتر ذلك عند أصحابنا بنقلهم عن الأئمة المعصومين.
قيل: فإذا كان تواتر أصحابكم عن الأئمة يوجب حفظ الشرع ونقله، فلماذا لا يجوز أن يكون تواتر الأمة كلها عن نبيها أَوْلى بحفظ الشرع ونقله، من غير احتياج إلى نقل واحد عن واحد؟
الوجه السادس: أن يقال: قولك: ((لانقطاع الوحي وقصور النصوص عن تفاصيل الأحكام)) أتريد به قصورها عن بيان جزئي جزئى بعينه؟ أوقصورها عن البيان الكليّ المتناول للجزئيات؟
فإن ادّعيت الأول، قيل لك: وكلام الإمام وكل أحد بهذه المنزلة، فإن الأمير إذا خاطب الناس فلا بد أن يخاطبهم بكلام عام يعمّ الأعيان والأفعال وغير ذلك، فإنه من الممتنع أن يعيّن بخطابه كل فعل من كل فاعل في كل وقت، فإن هذا غير ممكن، فإذاً لا يمكنه إلا الخطاب العام الكليّ، والخطاب العام الكلي ممكن من الرسول.
وإن ادّعيت أن نفس نصوص الرسول ليست عامة كلية.
قيل لك: هذاممنوع، وبتقدير أن يُمنع هذا في نصوص الرسول الذي هوأكمل من الإمام، فمنع ذلك من نصوص الإمام أَوْلى وأحرى، فأنت مضطر في خطاب الإمام إلى أحد أمرين: إما ثبوت عموم الألفاظ، وإما ثبوت عموم المعاني بالاعتبار. وأيّهما كان أمكن إثباته في خطاب الرسول، فلا يحتاج في بيانه الأحكام إلى الإِمام.
الوجه السابع: أن يُقال: وقد قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (1)، وقال تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل} (2)، وقال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُول إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبينَ} (3). وأمثال ذلك.
فيقال: وهل قامت الحجة على الخلق ببيان الرسول أم لا؟
فإن لم تقم بطلت هذه الآيات وما كان في معناها، وإن قامت الحجة ببيان الرسول عُلم أنه لا يحتاج إلى معيّن آخر يفتقر الناس إلى بيانه، فضلا عن حفظ تبليغه، وأن ما جعل الله في الإنسان من القوة الناقلة لكلام الرسول وبيانه كافية من ذلك. لا سيما وقد ضمن الله حفظ ما أنزله من الذكر، فصار ذلك مأمونا أن يبدَّل أويغيَّر.
__________
(1) الآية 4 من سورة إبراهيم.
(2) الآية 165 من سورة النساء.
(3) الآية 54 من سورة النور.
وبالجملة دعوى هؤلاء المخذولين أن دين الإسلام لا يُحفظ ولا يُفهم إلا بواحدٍ معيّن، من أعظم الإفساد لأصول الدين. وهذا لا يقوله - وهويعلم لوازمه - إلا زنديق ملحد، قاصد لإبطال الدين، ولا يُروج هذا إلا على مفرط في الجهل والضلال.
الوجه الثامن: أن يُقال قد عُلم بالاضطرار أن أكثر المسلمين بلغهم القرآن والسنة بدون نقل عليّ، فإن عمر رضي الله عنه لما فتح الأمصار بعث إلى الشام والعراق من علماء الصحابة من علَّمهم وفقههم، واتصل العلم من أولئك إلى سائر المسلمين، ولم يكن ما بلّغه عليّ للمسلمين أعظم مما بلّغه ابن مسعود ومعاذ بن جبل وأمثالهما.
وهذا أمر معلوم. ولولم يُحفظ الدين إلا بالنقل عن عليّ لبطل عامة الدين؛ فإنه لا يمكن أن يُنقل عن عليّ إلا أمر قليل لا يحصل به المقصود والنقل عنه ليس متواتراً، وليس في زماننا معصوم يمكن الرجوع إليه، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وما أسخف عقول الرافضة!
(فصل)
قال الرافضي: ((الرابع: أن الله تعالى قادر على نصب إمام معصوم، وحاجة العالم داعية إليه، ولا مفسدة فيه، فيجب نصبه. وغير عليّ لم يكن كذلك إجماعاً، فتعيّن أن يكون الإمام هوعليّ. أما القدرة فظاهرة، وأما الحاجة فظاهرة أيضاً لما بّيّنا من وقوع التنازع بين العالم. وأما انتفاء المفسدة فظاهر، لأن المفسدة لازمة لعدمه. وأما وجوب نصبه، فلأن ثبوت القدرة والداعي وانتفاء الصارف يجب الفعل)).
والجواب: أن هذا هوالوجه الأول بعينه ولكن قرّره. وقد تقدمت الأجوبة عنه بمنع المقدمة الأولى وبيان فساد هذا الاستدلال، فإن مبناه على الاحتجاج بالإجماع، فإن كان الإجماع معصوماً أغنى عن عصمة عليّ، وإن لم يكن معصوماً بطلت دلالته على عصمة عليّ، فبطل الدليل على التقديرين.
ومن العجب أن الرافضة تثبت أصولها على ما تدَّعيه من النص والإجماع، وهم أبعد الأمة عن معرفة النصوص والإجماعات، والاستدلال بها، بخلاف السنّة والجماعة؛ فإن السنّة تتضمن النص، والجماعة تتضمن الإجماع. فأهل السنّة والجماعة هم المتّبعون للنص والإجماع.
ونحن نتكلم على هذا التقدير ببيان فساده، وذلك من وجوه:
أحدها: أن يقال: لا نسلم أن الحاجة داعية إلى نصب إمام معصوم، وذلك لأن عصمة الأمة مغنية عن عصمته، وهذا مما ذكره العلماء في حكمة عصمة الأمة.
الثاني: إن أُريد بالحاجة أن حالهم مع وجوده أكمل، فلا ريب أن حالهم مع عصمة نوّاب الإمام أكمل، وحالهم مع عصمة أنفسهم أكمل. وليس كل ما تقدّره الناس أكمل لكل منهم يفعله الله، ولا يجب عليه فعله.
وأيضا فجعل غير النبي مماثلاً للنبي في ذلك، قد يكون من أعظم الشُّبَهْ والقدح في خاصة النبي، فإنه إذا وجب أن يؤمن بجميع ما يقوله هذا، كما يجب الإيمان بجميع ما يقوله النبي، لم تظهر خاصة النبوة، فإن الله أمرنا أن نؤمن بجميع ما أتى به النبيون، فلوكان لنا من يساومهم في العصمة، لوجب الإيمان بجميع ما يقوله، فيبطل الفرق.
الوجه الثاني: أن يقال: المعصوم الذي تدعوالحاجة إليه: أهوالقادر على تحصيل المصالح وإزالة المفاسد؟ أم هوعاجز عن ذلك؟ الثاني ممنوع؛ فإن العاجز لا يحصل به وجود المصلحة ولا دفع المفسدة، بل القدرة شرط في ذلك، فإن العصمة تفيد وجود داعية إلى الصلاح، لكن حصول الداعي بدون القدرة لا يوجب حصول المطلوب.
وإن قيل: بل المعصوم القادر.
قيل: فهذا لم يوجد. وإن كان هؤلاء الاثنا عشر قادرين على ذلك ولم يفعلوه، لزم أن يكونوا عصاة لا معصومين، وإن لم يقدروا لزم أن يكونوا عاجزين. فأحد الأمرين لازم قطعا أوكلاهما: العجز وانتفاء العصمة. وإذا كان كذلك، فنحن نعلم بالضرورة انتفاء ما استدل به على وجوده. والضروريات لا تعارض بالاستدلال.
ففي الجملة لا مصلحة في وجود معصوم بعد الرسول إلا وهي حاصلة بدونه وفيه من الفساد ما لا يزول إلا بعدمه. فقولهم: ((الحاجة داعية إليه)) ممنوع. وقولهم: ((المفسدة فيه معدومة)) ممنوع.
بل الأمر بالعكس؛ فالمفسدة معه موجودة، والمصلحة معه منتفية. وإذا كان اعتقاد وجوده قد أوجب من الفساد ما أوجب، فما الظن بتحقيق وجوده؟
(فصل)
قال الرافضي: ((الخامس: أن الإمام يجب أن يكون أفضل من رعيته. وعليّ أفضل أهل زمانه على ما يأتي، فيكون هوالإِمام لقُبْح تقديم المفضول على الفاضل عقلا ونقلا. قال تعالى: {أَفَمَن يَهْدِي إلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهْدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} (1).
والجواب من وجوه: أحدها: منع المقدمة الثانية الكبرى، فإنا لا نسلم أن عليًّا أفضل أهل زمانه. بل خير هذه الأمة بعد نبيها أبوبكر ثم عثمان، كما ثبت ذلك عن عليّ وغيره. وسيأتي الجواب عمَّا ذكروه، وتقرير ما ذكرناه.
الثاني: أن الجمهور من أصحابنا وغيرهم، وإن كانوا يقولون: يجب تولية الأفضل مع الإمكان، لكن هذا الرافضي لم يذكر حجة على هذه المقدمة. وقد نازعه فيها كثير من العلماء. وأما الآية المذكورة فلا حجة فيها له، لأن المذكور في الآية: من يهدي إلى الحق، ومن لا يَهِدِّي إلا أن يهدى. والمفضول لا يجب أن يُهدى إلا أن يهديه الفاضل، بل قد يحصل له هدىً كثير بدون تعلّم من الفاضل، وقد يكون الرجل أعلم ممن هوأفضل منه، وإن كان ذلك الأفضل قد مات، وهذا الحي الذي هوأفضل منه لم يتعلم منه شيئا.
وأيضا فالذي يهدي إلى الحق مطلقا هوالله، والذي لا يَهدِّي إلا أن يُهدى صفة كل مخلوق لا يهدي إلا أن يهديه الله تعالى. وهذا هوالمقصود بالآية وهي أن عبادة الله أولى من عبادة خلقه.
__________
(1) الآية 35 من سورة يونس.
كما قال في سياقها: {قُلْ َهْل مِنْ شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهْدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى} (1).
فافتتح الآيات بقوله: {قُلْ مَن يَرْزقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَاْلأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَاْلأَبْصَارَ وَمَن يخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} (2).إلى قوله: {قُلْ َهْل مِنْ شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ} (3).
وأيضا فكثير من الناس يقول: ولاية الأفضل واجبة، إذا لم تكن في ولاية المفضول مصلحة راجحة، ولم يكن في ولاية الأفضل مفسدة.
وهذه البحوث يبحثها من يرى عليًّا أفضل من أبي بكر وعمر، كالزيدية وبعض المعتزلة، أومن يتوقف في ذلك، كطائفة من المعتزلة.
وأما أهل السنّة فلا يحتاجون إلى منع هذه المقدمة، بل الصدِّيق عندهم أفضل الأمة. لكن المقصود أن نبيّن أن الرافضة، وإن قالوا حقا، فلا يقدرون أن يدلُّوا عليه بدليل صحيح، لأنهم سدُّوا على أنفسهم كثيراً من طرق العلم، فصاروا عاجزين عن بيان الحق، حتى أنهم لا يمكنهم تقرير إيمان عليّ عَلَى الخوارج، ولا تقرير إمامته على المروانية، ومن قاتله فإن ما يستدل به على ذلك فقد أطلق جنسه على أنفسهم، لأنهم لا يدرون ما يلزم أقوالهم الباطلة من التناقض والفساد، لقوة جهلهم، واتباعهم الهوى بغير علم.
عدد مرات القراءة:
765
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :