آخر تحديث للموقع :

الأحد 2 صفر 1442هـ الموافق:20 سبتمبر 2020م 12:09:05 بتوقيت مكة
   شارك برأيك ..   موقف الشيعة من المخالفين (مئات الوثائق) ..   من روايات الغلو في الأئمة ..   كتاب فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب للنوري الطبرسي وأقوال بعض العلماء فيه ..   أبو طالب عند الشيعة من الأنبياء ..   على من يطلق الشيعة مصطلح النواصب؟ ..   الإباحية الجنسية عند الشيعة - نعمة الله الجزائري (أنموذجاً) ..   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   الله عزوجل يزور الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   ماذا قالوا في موقع فيصل نور؟ ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع

قضية التحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما ..

قضية التحكيم بين علي ومعاوية، والزعم بأن عمرو بن العاص خدع أبا موسى الأشعري، رضي الله عن جميع الصحابة


"لم يرد إلينا عن قضية التحكيم إلا روايات ضعيفة جداً مع أنها تعتبرمن أخطر الموضوعات في تاريخ الخلافة الراشدة، وقد تاه فيها كثير من الكتاب، وتخبط فيها آخرون وسطروها في كتبهم ومؤلفاتهم، وكأنها حقيقة من أكبر حقائق التاريخ، وقد تلقاها الناس منهم بالقبول دون تمحيص لها وكأنها صحيحة لا مرية فيها؛
 وقد يكون لصياغتها القصصية المثيرة وما زعم فيها من خداع ومكر أثر في اهتمام الناس بها وعناية المؤرخين بتدوينها، وليعلم أن كلامنا هذا ينصب  على التفصيلات لا على أصل التحكيم ؛ حيث إن أصله حق لا شك فيه". ص 378
 


"لقد كثر الكلام حول قصة التحكيم، وتداولها المؤرخون والكتاب على أنها حقيقة ثابتة لا مرية فيها، فهم ما بين مطيل في سياقها ومختصر وشارح ومستنبط للدروس وبان للأحكام على مضامينها، وقلما تجد أحداً وقف عندها فاحصاً محققاً، وقد أحسن ابن العربي في ردها إجمالاً وإن كان غير مفصِّل، وفي هذا دلالة على قوة حاسته النقدية للنصوص، إذ إن جميع متون قصة التحكيم لا يمكن أن تقوم أمام معيار النقد العلمي، بل هي باطلة من عدة وجوه:
 


الأول: أن جميع طرقها ضعيفة، وأقوى طريق وردت فيه هو ما أخرجه عبدالرزاق والطبري بسند رجاله ثقات عن الزهري مرسلاً قال: "قال الزهري: فأصبح أهل الشام قد نشروا مصاحفهم، ودعوا إلى ما فيها، فهاب أهل العراقين، فعند ذلك حكموا الحكمين، فاختار أهل العراق أبا موسى الأشعري، واختار أهل الشام عمرو بن العاص فتفرّق أهل صفين حين حكم الحكمان، فاشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن ويخفضا ما خفض القرآن، وأن يختارا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهما يجتمعان بدومة الجندل، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح. فلما انصرف عليّ خالفت الحرورية وخرجت  -وكان ذلك أول ما ظهرت- فآذنوه بالحرب، وردوا عليه: أن حكم بني آدم في حكم الله عز وجل، وقالوا:  لا حكم إلا لله سبحانه! وقاتلوا، فلما اجتمع الحكمان بأذرح، وافاهم المغيرة بن شعبة فيمن حضر من الناس، فأرسل الحكمان إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبدالله بن الزبير في إقبالهم في رجال كثير، ووافى معاوية بأهل الشام، وأبى علي وأهل العراق أن يوافوا، فقال المغيرة بن شعبة لرجال من ذوي الرأي من قريش: أترون أحداً من الناس برأي يبتدعه يستطيع أن يعلم أيجتمع الحكمان أم يتفرقان؟ قالوا: لا نرى أحداً يعلم ذلك، قال: فو الله إني لأظن أني سأعلمه منهما حين أخلو بهما وأراجعهما، فدخل على عمرو بن العاص وبدأ به فقال: يا أبا عبدالله، أخبرني عما أسألك عنه، كيف ترانا معشر المعتزلة، فإنا قد شككنا في الأمر الذي تبين لكم من هذا القتال، ورأينا أن سنتأنى ونتثبت حتى تجتمع الأمة!  قال: أراكم معشر المعتزلة خلف الأبرار، وأمام الفجار! فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك، حتى دخل على أبي موسى فقال له مثل ما قال لعمرو فقال أبو موسى: أراكم أثبت الناس رأياً، فيكم بقية المسلمين، فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك، فلقي الذين قال لهم ما قال من ذوي الرأي من قريش، فقال: لا يجتمع هذان على أمر واحد، فلما اجتمع الحكمان وتكلما قال عمرو بن العاص: يا أبا موسى، رأيت أول ما تقضي به من الحق أن تقضي لأهل الوفاء بوفائهم، وعلى أهل الغدر بغدرهم، قال أبو موسى: وما ذاك؟ قال: ألست تعلم أن معاوية وأهل الشام قد وفوا، وقدموا للموعد الذي واعدناهم إياه؟ قال: بلى،  قال عمرو: اكتبها فكتبها أبو موسى، قال عمرو: يا أبا موسى، أأنت على أن نسمّي رجلاً يلي أمر هذه الأمة؟ فسمّه لي، فإن أقدر على أن أتابعك فلك عليّ أن أتابعك وإلا فلي عليك أن تتابعني! قال أبا موسى: أسمي لك عبد الله بن عمر وكان ابن عمر فيمن اعتزل، قال عمرو: إني أسمّي لك معاوية بن أبي سفيان، فلم يبرحا مجلسهما حتى استبّا، ثم خرجا إلى الناس، فقال أبو موسى: إني وجدت مثل عمرو مثل الذين قال الله عز وجل:
{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا } [الأعراف:175.

فلما سكت أبو موسى تكلم عمرو فقال: أيها الناس وجدت مثل أبي موسى كمثل الذي قال عز وجل: { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا } [الجمعة:5، وكتب كل واحد منهما مثله الذي ضرب لصاحبه إلى الأمصار". انتهى .

والزهري لم يُدرك الحادثة فهي مرسلة، ومراسيله كأدراج الرياح لا تقوم بها حجة.


الطريق الثاني: ما أخرجه ابن عساكر بسنده عن عمر بن الحكم بنحو رواية أبي مخنف رقم (107) وفيها العلل التالية:

1- أنها مرسلة، فعمر بن الحكم لم يُدرك القصة فقد ولد سنة 37هـ.

2- وفيها أبو بكر بن أبي سبرة قال عنه الإمام أحمد "كان يضع الحديث".

3- وفيها أيضاً الواقدي وإسحاق بن عبدالله بن أبي فروة وكلاهما متروك.


الطريق الثالث: ما أخرجه ابن عساكر بسنده إلى الزهري، وهي مرسلة، وفيها أبو بكر بن أبي سبرة والواقدي. وهذا نصها: "... رفع أهل الشام المصاحف وقالوا: ندعوكم إلى كتاب الله والحكم بما فيه، وكان ذلك مكيدة من عمرو بن العاص، فاصطلحوا وكتبوا بينهم كتاباً  على أن يوافقوا رأس الحول أذرح، وحكموا حكمين ينظران في أمور الناس فيرضوا بحكمهما، فحكّم علي أبا موسى الأشعري، وحكّم معاوية عمرو بن العاص، وتفرق الناس فرجع علي إلى الكوفة بالاختلاف والدغل، واختلف عليه أصحابه فخرج عليه الخوارج من أصحابه ممن كان معه، وأنكروا تحكيمه وقالوا: لا حكم إلا الله. ورجع معاوية إلى الشام بالألفة واجتماع الكلمة عليه، ووافى الحكمان بعد الحول بأذرح في شعبان سنة ثمان وثلاثين،  واجتمع الناس إليهما وكان بينهما كلام اجتمعا عليه في السر خالفه عمرو بن العاص في العلانية، فقدم أبا موسى فتكلم وخلع علياً ومعاوية، ثم تكلم عمرو بن العاص فخلع علياً وأقر معاوية، فتفرق الحكمان ومن كان اجتمع إليهما ، وبايع أهل الشام معاوية في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين".


أما طرق أبي مخنف فهي معلولة بغيره؛ ففي رواية رقم (103)
 زياد بن النضر الحارثي وهو مجهول، ورواية رقم (107) من طريق أبي جناب الكلبي وهو ضعيف ولم يدرك الحادثة أيضاً.

هذه مجموع طرق هذه القصة فيما وقفت عليه.



وبعد: أفبمثل هذا تقوم حجة، أو يعول على مثل ذلك في تاريخ الصحابة الكرام وعصر الخلفاء الراشدين عصر القدوة والأسوة؟! ولو لم يكن في هذه الروايات إلا الاضطراب في متونها لكفاها ضعفاً  فكيف إذا أضيف إلى ذلك ضعف أسانيدها؟!


الثاني: أهمية هذه القضية في جانب الاعتقاد والتشريع، ومع ذلك لم تُنقل لنا بسند صحيح، ومن المحال أن يُطبق العلماء  على إهمالها مع أهميتها وشدة الحاجة إليها.


الثالث: وردت رواية تناقض تلك الروايات تماماً، وذلك فيما أخرجه البخاري في تاريخه مختصراً بسند رجاله ثقات، وأخرجه ابن عساكر مطولاً، عن الحصين بن المنذر أن معاوية أرسله إلى عمرو بن العاص فقال له: "إنه بلغني عن عمرو بعض ما أكره فأته فاسأله عن الأمر الذي اجتمع  عمرو وأبو موسى فيه كيف صنعتما فيه؟ قال: قد قال الناس وقالوا،  ولا والله ما كان ما قالوا ولكن لما اجتمعت أنا وأبو موسى قلت له: ما ترى في هذا الأمر؟ قال: أرى أنه في النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض. قال: فقلت:  أين تجعلني من هذا الأمر أنا ومعاوية؟ قال: إن يستعن بكما ففيكما معونة،
وإن يستغن عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما".


فهذه الرواية لم تذكر خدعة ولا مكراً، ولا تولية ولا عزلاً،  وقول أبي موسى هذا القول وهو يعلم أنه لم يبق من العشرة المبشرين بالجنة إلا سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد، وعلي بن أبي طالب، وهو أفضلهم وأجلّهم، وقد اعتزلا الفتنة ولم يرغبا في ولاية ولا إمارة، فلم يبق إذاً إلا علي رضي الله عنه.


الرابع: أن معاوية كان يقرّ بفضل علي عليه، وأنه أحق بالخلافة منه، فلم ينازعه الخلافة ولا طلبها لنفسه في حياة علي، فقد أخرج يحيى بن سليمان الجعفي بسند جيد عن أبي مسلم الخولاني أنه قال لمعاوية: "أنت تنازع علياً في الخلافة أو أنت مثله؟ قال: لا وإني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قُتل مظلوماً وأنا ابن عمه ووليه أطلب بدمه؟  فأتوا علياً فقولوا له يدفع لنا قتلة عثمان وأسلم له، فأتوا علياً فكلموه فلم يدفعهم إليه".

فهذا هو أصل النـزاع بين علي ومعاوية رضي الله عنهما،
فالتحكيم من أجل حل هذه القضية المتنازع عليها لا لاختيار خليفة أو عزله.


الخامس: أن الشروط التي يجب توفرها في الخليفة هي العدالة والعلم، والرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، وأن يكون قرشياً.

وقد توفرت هذه الشروط في علي رضي الله عنه فهل بيعته منعقدة أم لا ؟
فإن كانت منعقدة -ولا شك في ذلك وقد بايعه المهاجرون والأنصار أهل الحل والعقد، وخصومه يقرون له بذلك، فقول معاوية السابق يدل عليه- فمن يحل هذا العقد ومتى يحل وتنقض البيعة؟ أجيب عن ذلك بأن "الإمام إذا لم يَخْل عن صفات الأئمة، فرام العاقدون له عقد الإمامة أن يخلعوه، لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً باتفاق الأئمة، فإن عقد الإمام لازم، لا اختيار في حله من غير سبب يقضيه، ولا تنتظم الإمامة ولا تفيد الغرض المقصود منها إلا مع القطع بلزومها، ولو تخير الرعايا في خلع إمام الخلق على حكم الإيثار والاختيار لما استتب للإمام طاعة ولما استمرت له
 قدرة واستطاعة ولما صح لمنصب الإمام معنى". (غياث الأمم، للجويني).


وإذاً فليس الأمر بهذه الصورة التي تحكيها الروايات: كل من لم يرض بإمامة خلعه! فعقد الإمامة لا يحله إلا من عقده، وهم أهل الحل والعقد وبشرط إخلال الإمام بشروط الإمامة، وهل علي رضي الله عنه فعل ذلك واتفق أهل الحل والعقد على عزله عن الخلافة حتى يقال إن الحكمين اتفقا على ذلك؟! "فما ظهر منه قط إلى أن مات رضي الله عنه شيء يوجب نقض بيعته، وما ظهر منه قط إلا العدل، والجد، والبر والتقوى والخير".


السادس: أن الزمان الذي قام فيه التحكيم زمان فتنة، وحالة المسلمين مضطربة مع وجود خليفة لهم، فكيف تنتظم حالتهم مع عزل الخليفة؟! لا شك أن الأحوال ستزداد سوءاً، والصحابة الكرام أحذق وأعقل من أن يقدموا على هذا.


السابع: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حصر الخلافة في أهل الشورى، وهم الستة، وقد رضي المهاجرون والأنصار بذلك، فكان ذلك إذناً في أن الخلافة لا تعدو هؤلاء إلى غيرهم ما بقي منهم واحد، ولم يبق منهم في زمان التحكيم إلا سعد بن أبي وقاص وقد اعتزل الأمر ورغب عن الولاية والإمارة،  وعلي بن أبي طالب القائم بأمر الخلافة وهو أفضل الستة بعد عثمان فكيف يتخطى بالأمر إلى غيره؟!
 


الثامن: أوضحت الروايات أن أهل الشام بايعوا معاوية بعد التحكيم، والسؤال ما المسوغ الذي جعل أهل الشام يبايعون معاوية؟ إن كان من أجل التحكيم، فالحكمان لم يتفقا ولم يكن ثمة مبرر آخر حتى ينسب عنهم ذلك، مع أن ابن عساكر نقل بسند رجاله ثقات  عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي أعلم الناس بأمر الشام أنه قال:
 "كان علي بالعراق يدعى أمير المؤمنين وكان معاوية بالشام يدعى الأمير فلما مات علي دعي معاوية بالشام أمير المؤمنين"، فهذا النص يبين أن معاوية لم يبايع بالخلافة إلا بعد وفاة علي، وإلى هذا ذهب الطبري. فقد قال في آخر حوادث سنة أربعين: "وفي هذه السنة بويع لمعاوية بالخلافة بإيليا"  وعلق على هذا ابن كثير بقوله: "يعني لما مات علي قام أهل الشام فبايعوا معاوية على إمرة المؤمنين لأنه لم يبق له عندهم منازع".

وكان أهل الشام يعلمون بأن معاوية ليس "كفئاً لعلي بالخلافة،
ولا يجوز أن يكون خليفة مع إمكان استخلاف علي رضي الله عنه، فإن فضل علي وسابقته، وعلمه، ودينه، وشجاعته، وسائر فضائله:  كانت عندهم ظاهرة معروفة، كفضل إخوانه: أبي بكر، وعمر، وعثمان،  وغيرهم رضي الله عنهم"، وإضافة إلى ذلك فإن النصوص تمنع من مبايعة خليفة مع وجود الأول، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال:  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" والنصوص في هذا المعنى كثيرة، ومن المحال أن يطبق الصحابة على مخالفة ذلك.


الغرائب التي اشتملت عليها روايات التحكيم عند أبي مخنف


وقد سجلتُ بعض الغرائب على روايات أبي مخنف هذه أهمها:

1- أخرج أحمد وابن زنجويه عن أبي وائل قال: "كنا بصفين، 
فلما استحر القتل بأهل الشام اعصتموا بتل، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أرسل إلى علي بمصحف وادعه إلى كتاب الله فإنه لن يأبى عليك، فجاء به رجل فقال: بيننا وبينكم كتاب الله  { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ
 ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ } [آل عمران:23، فقال علي: نعم، أنا أولى بذلك، بيننا وبينكم كتاب الله، قال فجاءته الخوارج -ونحن ندعوهم يومئذ القرّاء وسيوفهم على عواتقهم- فقالوا: يا أمير المؤمنين ما ننتظر بهؤلاء القوم الذين على التل؟ ألا نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فتكلم سهل بن حنيف فقال:
 يا أيها الناس اتهموا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية -يعني الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين- ولو نرى قتالاً لقاتلنا، فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:  يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على باطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟  فقال: يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني أبداً، قال: فرجع وهو متغيظ، فلم يصبر حتى أتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر ألسنا على حق وهم على باطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟
فقال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يضيعه أبداً، قال: فنـزلت سورة الفتح، قال: فأرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر فاقرأها إياه، قال: يا رسول الله وفتح هو قال: نعم".


2- رواية رقم (98)، قول علي في الوليد بن عقبة وعبد الله بن أبي السرح -وقد مضى كلامنا على ذلك وأنهما اعتزلا الفتنة-، وقول علي أيضاً أنه صحب عمراً بن العاص طفلاً. هذا لا يصح من علي؛ حيث أن عمراً كان رجلاً يوم ولادة علي، فهو أسنّ منه بما يزيد على عشرين سنة، فقد توفي عمرو سنة 44هـ، وعمره يناهز التسعين، وتوفي علي سنة 40 هـ  وعمره 63 سنة، وقيل 58 سنة.


3- روايات رقم (99، 100، 101، 102، 105) وفيها المبالغة برفع منزلة الأشتر كما أوضحنا ذلك في روايات سابقة.


4- ما أورده في رواية (106) من قول علي رضي الله عنه :  "إن المرض لا أجر فيه". فلا أظنه يصحّ عن علي رضي الله عنه، إذ أن الأدلة متظافرة على ثبوت الأجر للمريض، فقد أخرج مسلم في صحيحه ثلاثة أحاديث تدل على ذلك:

الأول: عن عائشة رضي الله عنها قالت « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة ».

الثاني: عنها بمعناه.

الثالث: عنها أيضاً « ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه، إلا كتب الله له بها حسنة، أو حطت عنه بها سيئة ».


5- قوله في رواية (110) "وكان في ابن عمر غفلة". كيف يستقيم هذا الوصف وقد جعله عمر مع أهل الشورى يستأنس برأيه؟ وكان يعد بعد العشرة  من أرفع الناس علماً وفقهاً، وكان الناس يوازونه بعمر، وقد انتهت إليه الفتيا في زمانه، ومن الدلائل على اختلاق هذه الكلمة كون الراوي لها  مولاه نافع أشد الناس ملازمة ورواية وحباً له.


6- رواية (111) عن شريح بن هانيء أنه قال لعمرو "ما يمنعك أن تقبل من مولاك وسيد المسلمين بعد نبيهم". وقد وضّحت فيما سبق أنه نقل عنه قوله  "من فضلني على أبي بكر وعمر جلدته حد المفتري"، وقوله:  "أفضل الناس بعد نبيهم أبو بكر ثم عمر"، وغير ذلك من أقواله،  وأن جيشه وأتباعه أعلم الناس بذلك، فكيف بعمرو بن العاص!  ولماذا إن كان قد قال هذا القول لعمرو لم ينقل لنا رد عمرو عليه؟


7- في رواية رقم (112) قول عمرو بن العاص لأبي موسى: "أنت أسن مني". فهذا لا يصح؛ ذلك أن أبا موسى توفي هو وعمرو في سنة واحدة وكان عمره 63 سنة، وعمرو يناهز التسعين كما مضى بيان ذلك.  


8- من العجيب اشتهار أبي موسى بالذكاء، والفطنة، والعلم، مع التقوى والبر والصلاح، وقد ولاّه النبي صلى الله عليه وسلم أشد الأعمال حاجة إلى هذه الصفات وهو القضاء، وكان عمر من أشد الخلفاء تحرّياً في اختيار عماله، وقد ولّى أبا موسى إمرة الكوفة والبصرة، وولي البصرة لعثمان أيضاً.  وبعد هذا كله نجد في رواية رقم (112) قوله "وكان أبو موسى مغفلاً" فهذا ليس قدحاً في أبي موسى فحسب، بل في رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر وعثمان حيث ولّوا من كان بهذه الصفة مشتملاً.


9- في نفس رواية (112) قول أبي موسى الأشعري: "نخلع علياً ومعاوية".  وهل كان معاوية خليفة حتى يخلع؟ وإذا كان المقصود من إمارة الشام،  فهذا راجع إلى الخليفة الذي يلي أمر المسلمين!


10- علّق ابن كثير على ما ورد في آخر رواية رقم (112) من القنوت واللعن بقوله "ولا يصح هذا".

( مرويّات أبي مخنف في تاريخ الطبري، للدكتور يحيى اليحيى، ص 403-418).

(وانظر: وقفات هادئة مع أشرطة قصص من التاريخ الإسلامي،
 للدكتور خالد الغيث، ص 30 – 35)
 
المصدر : http://www.islamway.com/?iw_s=Article&iw_a=view&article_id=2019


قصة التحكيم

وإعادة قراءة التاريخ (37 هـ)

(الراصد)

يعتبر التاريخ مصدراً هاماً من مصادر حفظ كيان الأمم والشعوب, لذلك كانت كتابة التاريخ أمراً ذا حساسية وخطورة بالغتين, لما لكتابة التاريخ من أثر بالغ في تشكيل القليّات وإقناع الناس, وادّعاء الحقوق, وليس اليهود في فلسطين عنّا ببعيد, فقد امتدت أيديهم إلى التاريخ تحريفاً وتزويراً وهم يخرجون لنا النصوص والوثائق التي يحرفونها أو يحرفون مدلولاتها ليقولوا للعالم أن فلسطين أرض يهودية منحها الله لهم.

والتاريخ الإسلامي شأنه شأن تاريخ الأمم والشعوب الأخرى لم يسلم من هذا التحريف والتزوير, الذي أصبح –للأسف- كالحقائق المسلّم بها عند الخاصة والعامة على حدّ سواء, وأصبحت كتب التاريخ والأدب تعج بالأباطيل والأكاذيب, ويقدم هذا كله على أنه "التاريخ الإسلامي".

والمؤرخون والباحثون على أنواع:

الصنف الأول: لا يسرّه أن يرى راية الإسلام مرتفعة خفّاقة, ويحب أن يشوّه هذا التاريخ المليء بالجهاد والتضحية ونصرة الإسلام, ولا يرى التاريخ إلا مجموعة من الغاضبين للسلطة المعادين لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.

الصنف الثّاني: الذين يخلطون بين الغث والسمين, وينقلون الروايات بلا تمحيص أو تثبيت, وبعضهم يرغب في إشباع موضوعه بغض النظر عن الروايات المنقولة.

الصنف الثالث: هم الذين يؤمنون بنصاعة تاريخنا الإسلامي وخاصة في عصوره المتقدمة, ويرون عدالة الصحابة, ويتثبتون مما ينقلونه, ويعرضون عن الروايات المكذوبة والمختلفة.

نقول هذا عن التاريخ لنعرج على حدث من أحداث التاريخ الإسلامي في عصوره المتقدمة, وتحديداً زمن الخلافة الراشدة, ألا وهو حادثة التحكيم التي جرت سنة 37هـ في أعقاب حرب صفين التي دارت رحاها بين جيش العراق الذي قاده الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجيش الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

لقد كانت حادثة التحكيم نموذجاً للتحريف الذي أصاب كتابة التاريخ بحيث تم تصوير الرغبة في حقن دماء المسلمين وإنهاء الحرب بأنها مثال للغدر والخديعة.

ولعل الحديث عن التحكيم يعيدنا للأحداث التي سبقتها خاصة معركة صفين سنة 37هـ حيث انطلق خليفة المسلمين الإمام علي بن أبي طالب من الكوفة في العراق([1]) يريد قتال أهل الشام الذين امتنعوا عن مبايعته, حيث كان معاوية يرى أن تسليمه قتلة عثمان لأنه وليه يجب أن يتم قبل مبايعته لعلي, أما علي فكان يرى أن مبايعة معاوية –وكان آنذاك والياً على الشام- يجب أن تتم أولاّ, ثم ينظر في شأن قتلة عثمان بحسب المصلحة والقدرة.

واندلع القتال بين الطرفين, وقتل من المسلمين عدد كبير, وحلّت بالمسلمين فاجعة سرعان ما دفعت العقلاء والمخلصين من الطرفين للدعوة لوقف هذه الحرب وحقن الدماء, وكانت الرغبة بالصلح رغبة عامة, ورفعت المصاحف على الرماح رغبة في أن يتم التحاكم إلى كتاب الله.

وانتدب الإمام عليّ أبا موسى الأشعري من طرفه حكماً, وانتدب معاوية من طرفه عمرو بن العاص في محاولة منهما لنزع فتيل الأزمة ووقف الحرب.

يقول الإمام أبو بكر بن العربي في كتابه العواصم من القواصم: "وكان أبو موسى رجلاً تقيّاً ثقفاً فقيهاً عالماً, أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن مع معاذ, وقدّمه عمر وأثنى عليه بالفهم". وكذا كان عمرو بن العاص ذكيّاً فطناً صاحب رأي ومشورة. واتفق الطرفان على إنهاء الحرب, وأن يرجع كلّ منهما إلى بلده, ولم يتطرقا إلى الأمور الشائكة وهي مبايعة معاوية لعليّ, وتسليم علي قتلة عثمان إلى معاوية, وركّزا على التهدئة وترك الأمور التي سببت النزاع جانباً.

وبالرغم مما بذله الحكمان, أبو موسى وعمرو, من جهد لتسوية النزاع, وبالرغم من الأثر الإيجابي للتحكيم, إلا أن فئة من الناس لم يَرُق لها أن يضع المسلمون حدّاً لاقتتالهم, فإن في ذلك خطراً عليهم وعلى مصالحهم, ومن بين هؤلاء الخوارج الذين كفروا المسلمين عامة ومن رضي بهذا التحكيم خاصة, مدّعين أن تحكيم الرجال تعدٍّ على حكم الله وشرعه, وممن رفض هذا الصلح تلك الفئة المثيرة للفتن من أنصار عبد الله بن سبأ الذي تولى كبر فتنة عثمان رضي الله عنه, حيث كان أبرز الذين ألبّوا الناس على عثمان, وبالغوا في عليّ حتّى ألّهوه.

لم يرق لهؤلاء وغيرهم أن تتوقف الحرب بين هاتين الفئتين من المسلمين, فلفّقوا ما استطاعوا تلفيقه, وصوّروا أبا موسى الأشعري رضي الله عنه بصورة المغفل الساذج مقابل عمرو بن العاص الغادر المخادع, إذ قدّموا لنا رواية عن التحكيم بطلها وراويها هو أبو مخنف لوط بن يحيى, وهو رجل لا يوثق به, مبغض للصحابة, وأعرضوا عما رواه الإمام البخاري, فقد روى أبو مخنف هذا أن عمرو بن العاص اتفق مع أبي موسى الأشعري على عزل علي ومعاوية, فصعد أبو موسى المنبر وقال: أني أنزع عليّاً من الخلافة كما أنزع خاتمي هذا, ثم نزع خاتمه, وقام عمرو وقال: وأنا أنزع عليّاً كذلك كما نزعه أبو موسى كما أنزع خاتمي هذا, وأثبت معاوية كما أثبت خاتمي هذا.

وهذه الرواية لا يعتمد عليها لأسباب:

أولاً: السند ضعيف فيه أبو مخنف الكذاب.

ثانياً: خليفة المسلمين لا يعزله أبو موسى ولا غيره, إذ لا يعزل الخليفة عند أهل السنة بهذه السّهولة, والذي وقع في التحكيم هو أنهما اتفقا على أن يبقى علي في الكوفة وهو خليفة المسلمين, وأن يبقى معاوية في الشام أميراً عليها.

ويضيف د. حامد الخليفة في كتابه (الإنصاف) معلّقاً على رواية أبي مخنف:

((فالمغالطة هنا أن معاوية لم يكن يومئذ خليفة, ولم يكن يطالب بالخلافة, فكيف يخلع عن شيء لا يمتلكه))؟.

ولا يخفى ما تنطوي عليه هذه الروايات من قدح وذمّ في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتهام بعضهم بالغدر والخيانة, وما يخالف هذا امتداح الله ورسوله لهم.

للاستزادة:

1- الإنصاف فيما وقع في تاريخ العصر الراشدي من الخلاف – الدكتور حامد محمد الخليفة ص533.

2- حقبة من التاريخ – الشيخ عثمان الخميس ص84.

3- العواصم من القواصم – القاضي أبو بكر بن العربي ص117.

([1] ) كان الإمام علي رضي الله عنه يتخذ الكوفة عاصمة له.


 ومن الأدلة التي سوغت للشيعة -في نظرهم- الطعن في أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: ما عرف بقضية التحكيم:


فإن الشيعة يزعمون أن أبا موسى الأشعري خان علي بن أبي طالب وغدر به، وركن إلى الدنيا واتبع هواه:
قال النوبختي عن أبي موسى الأشعري: أمره علي (ع) أن يحكم بكتاب الله فخالف([703])، وقال البياضي في معرض حديثه عن عمرو بن العاص: ثم خدعَ الأشعري في التحكيم، وقيل: إنما كان ذلك عن علم منه.. ولقد قال له الأشعري: أنت كالكلب إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث، وقال عمرو: أنت كالحمار يحمل أسفاراً، ولعمري إنهما صادقان، وقد أخرج البخاري في الشيطان: لقد صدقك، وهو كذوب([704])وقال محمد علي الحسني: أبو موسى الأشعري خائن، جلف، لا رأي له، ولا دين له، وهو بحق عدو خبيث، سيقوم بكل قواه لصرف الخلافة عن علي (ع)، ويختار غيره([705]).

وقال عبد الواحد الأنصاري: كذب الأشعري بطل التحكيم، وراوية قرآن سجاح الذي أخذ يخلط بين قرآن الله وقرآن سجاح بعد أن ذهب عقله ودينه في دومة الجندل مكان التحكيم([706]).

وينسب الشيعة -زوراً وبهتاناً- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن بني إسرائيل اختلفوا، فلم يزل الاختلاف بينهم، حتى بعثوا حكمين ضالين، فضلا وأضلا من اتبعهما، ولا ينفك أمر أمتي تختلف، حتى يبعثوا حكمين يَضلاّن ويُضلاّن من اتبعهما»([707]).

وينسبون إلى علي كذلك قوله عن الحكمين: (كلاهما ركن إلى الدنيا، واتبع هواه فيما أرضاه)([708])إلى آخر ما أوردوه في هذه القضية من المزاعم.

مناقشة هذه المزاعم:
من القضايا التي استطاع الشيعة من خلالها الدس في تاريخنا الإسلامي: قضية التحكيم؛ إذ أن المرويات التي أوردها أكثر مؤرخي أهل السنة في أسانيدها راوٍ أو أكثر من الشيعة.

فأكثر المرويات التي أوردها ابن جرير الطبري مثلاً في هذه القضية في إسنادها أبو مخنف لوط بن يحيى الشيعي المحترق، ومرويات أبي مخنف تحمل في ثناياها أقبح الصور عن الخلاف والتحكيم، ومن المستغرب أن مضامين مروياته هذه هي الثابتة في أذهان العوام؛ إذ أن المشهور لدى عامة الناس أن عمرو بن العاص غدر بـأبي موسى الأشعري وقدمه للكلام بعد أن اتفقا على خلع علي ومعاوية رضي الله عنهما، فتقدم أبو موسى وخلع معاوية وعلياً، ثم تقدم عمرو بن العاص فخلع علياً، وأثبت معاوية -وهذا كله من وضع أبي مخنف([709]).

كذلك اشتهر عند العوام أن أبا موسى شبه عمْراً بالكلب، وأن عمْراً شبه أبا موسى بالحمار، وهذا من وضع أبي مخنف أيضاً([710]).

بل إن روايات أبي مخنف صرحت بأن عمرو بن العاص كان غادراً، وأن أبا موسى الأشعري كان مغفلاً([711]).

وقد صرح القاضي ابن العربي، والحافظ ابن كثير أنه لا يصح شيء من هذا([712]).

فـعمرو بن العاص رضي الله عنه من صالحي قريش -كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك([713])لم يكن ذا طمع في الدنيا([714])، ولقد وثق رسول الله صلى الله عليه وسلم به فولاه، وولاه من بعده الصديق رضي الله عنه([715])، ولم يعرف عنه غدر أو خيانة رضي الله عنه.

وكذلك أبو موسى الأشعري رضي الله عنه كان موضع ثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فولاه على زبيد وعدن وأعمالهما، ثم استعمله عمر من بعده على البصرة؛ فافتتح الأهواز ثم أصبهان، ثم استعمله عثمان على الكوفة([716]).
ولما وقعت الفتنة اعتزل الناس، وبقي معتزلهم إلى أن اختاره أصحاب علي ليكون ممثلاً لهم في أمر التحكيم.

وقد أثنى علي رضي الله عنه على علم أبي موسى الأشعري؛ فقد روي أنه سئل عن موضع أبي موسى في العلم؟ فقال علي رضي الله عنه: (صُبغ في العلم صبغة)([717])، ولقد ذكر بعض الشيعة أن علياً هو الذي اختار أبا موسى الأشعري ليمثله، وأن ذلك وقع برضاه([718]).

أما الروايات التي جاءت من طريق أبي مخنف، التي تمسك بها الشيعة زاعمين أن أهل السنة هم الذين رووها: فإضافة إلى كونها من رواية من لا يحتج بقوله، فهي تحوي تناقضات عديدة، منها: ما ورد فيها من أن أبا موسى وعمرو بن العاص اتفقا على خلع معاوية وعلي بن أبي طالب.

ومعلوم أن معاوية لم يكن خليفة حتى يخلعه الرجلان، بل ولم يكن يطالب بالخلافة؛ قال الجويني: ومعاوية وإن قاتل علياً فإنه لا ينكر إمامته، ولا يدعيها لنفسه، وإنما كان يطلب قتلة عثمان رضي الله عنه ظاناً أنه مصيب، لكنه كان مخطئاً([719]).

وقال محب الدين الخطيب: وأصل المغالطة من تجاهل المغالطين أن معاوية لم يكن يومئذ خليفة، ولا هو ادعى الخلافة حتى يحتاج عمرو إلى خلعها عنه([720])على أن موقف أبي موسى في التحكيم لم يكن موقف بلاهة وغفلة -كما زعم الشيعة- ولو كان كذلك لفهم من يعاصروه ومن جاؤوا بعده ذلك، ولكان الأمر سبةّ عليه في التاريخ.

بيد أن الجيل الذي أتى بعده فهم موقفه على أنه من مفاخره التي كتب الله له بها النجاح والسداد؛ فهذا ذو الرمة([721])، الشاعر يخاطب بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري -حفيد أبي موسى - فيقول:
أبوك تلافى الدين والناس بعدما         تشاءوا وبيت الدين منقطع الكسر
فشد أصار الدين أيام أذرح([722])      ورد حروباً قد لقحن إلى عقر([723])
وكذا موقف عمرو بن العاص، لم يكن موقف غدر وخيانة، بل كان موقف رجل يبغي الإصلاح.

وقد روي أن معاوية غضب منه غضباً شديداً بسبب هذا التحكيم؛ فقد روى الدارقطني بسنده عن حضين بن المنذر([724]) أن معاوية قال له: (إنه بلغني عن هذا -أي عن عمرو - كذا وكذا، فاذهب فانظر ما هذا الذي بلغني عنه، فأتيته فقلت: أخبرني عن الأمر الذي وليت أنت وأبو موسى، كيف صنعتما فيه؟ قال: قد قال الناس في ذلك ما قالوا، والله ما كان الأمر على ما قالوا، ولكن قلت لـأبي موسى: ما ترى في هذا الأمر؟ قال: أرى أنه في النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، قلت: فأين تجعلني أنا ومعاوية؟ فقال: إن يستعن بكما ففيكما معونة، وإن يستغن عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما، قال -أي حضين -: فكانت -أي هذا الاتفاق الذي تم بين عمرو وأبي موسى - هي التي قتل معاوية منها نفسه..)([725]).

فـعمرو إذاً لم يغالط أبا موسى ولم يخدعه؛ لأنه لم يعط معاوية شيئاً جديداً، ولم يقرر في التحكيم غير الذي قرره أبو موسى، ولم يخرج عما اتفقا عليه معاً، أما مزاعم الشيعة فهي من نسج خيالهم، ومما دبروه في الظلام فدسوه في تاريخ أهل السنة.

أما عن الحديث الذي نسبه الشيعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم([726])فهو حديث موضوع؛ قال الحافظ ابن كثير: إنه حديث منكر، ورفعه موضوع، والله أعلم؛ إذ لو كان هذا معلوماً عند علي لم يوافق على تحكيم الحكمين حتى لا يكون سبباً لإضلال الناس كما نطق به هذا الحديث([727]).

وأما ما نسبوه إلى علي أنه قال عن الحكمين أنهما ركنا إلى الدنيا واتبعا أهواءهم فهو من إفك الشيعة، ولا يوجد في كتاب معتبر من كتب أهل السنة وخلاصة القول: أنه لا يصح شيء من مزاعم الشيعة عن أبي موسى الأشعري، والثابت عنه في قضية التحكيم أنه وعمرو بن العاص قاما بمهمتهما بحسب ما أدى إليه اجتهادهما، ولم يقصرا في ذلك، ولكن لم تكن وراءهما قوة تنفذ ما اتفقا عليه؛ لذلك لم يتغير الحال عما كان عليه قبل التحكيم.
عبدالقادر صوفي ..


 ([703]فرق الشيعة للنوبختي (ص:37).
([704]الصراط المستقيم للبياضي (3/177).
([705]في ظلال التشيع للحسني (ص:194).
([706]أضواء على خطوط محب الدين للأنصاري (ص:60).
([707]فصل الخطاب للنوري الطبرسي (ص:44، 46).
([708]الخصال للصدوق (2/378).
([709]تاريخ الطبري (6/36-40).
([710]تاريخ الطبري (6/36-40).
([711]تاريخ الطبري (6/36-40).
([712]قال القاضي ابن العربي: هذا كله كذب صراح، ما جرى منه حرف قط، وإنما هو شيء اخترعته المبتدعة، ووضعته التاريخية للملوك، فتوارثته أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع. (العواصم من القواصم لابن العربي (ص:179). وانظر: البداية والنهاية لابن كثير (7/310).
([713]راجع: (ص:1365).
([714]راجع: (ص:1365).
([715]تاريخ الطبري (3/389)، والبداية والنهاية لابن كثير (7/2).
([716]الاستيعاب لابن عبد البر (2/371-373)، والإصابة لابن حجر (2/359-360).
([717]طبقات ابن سعد (6/16)، والاستيعاب لابن عبد البر (2/373). وانظر: الإصابة لابن حجر (2/359).
([718]الطرائف لابن طاوس (ص:511).
([719]لمع الأدلة لعبد الملك الجويني (ص:115).
([720]حاشية محب الدين الخطيب على العواصم من القواصم (177).
([721]هو غيلان بن عقبة العدوي. كان مولده سنة سبع وسبعين، ووفاته سنة سبع عشرة ومائة. (وفيات الأعيان لابن خلكان (1/404)، والأعلام للزركلي (5/124).
([722]بلد في أطراف الشام، فيها اجتمع الحكمان. (راجع: مراصد الاطلاع للبغدادي 1/47).
([723]ديوان شعر ذي الرمة، ط. المكتب الإسلامي، بتحقيق مطيع الببيلي. (انظر: حاشية محب الدين الخطيب على العواصم من القواصم (ص:178).
([724]اعتبره الشيعة من كبار أصحاب علي بن أبي طالب. انظر: (ص:889) من هذه الأطروحة.
([725]نقلها عنه القاضي ابن العربي في العواصم والقواصم (ص:180-181). وذكر أنه رواها الأئمة الأثبات.
([726]وهو: إن بني إسرائيل اختلفوا، فلم يزل الاختلاف بينهم حتى بعثوا حكمين ضالين... وقد تقدم بتمامه.
([727]البداية والنهاية لابن كثير (7/310).


شبهة قصة التحكيم بين عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد:

هذه سلسلة ردود علمية على شبهات الشيعة الروافض حول أصحاب رسولنا الكريم بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.

ادَّعى أحد الشيعة الروافض أن الصحابة الكرام وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان تقاتلوا على السلطة والجاه وسَبُّوا بعضهم بعضاً، ولعنوا بعضهم بعضاً، ثم أتى أناس من جلدتنا ممن يسمون أنفسهم بالفنانين ليكرروا هذا الكلام الساقط بحجة أنه موجود في الكتب.!

واستدل بما رواه الطبري:

{قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي أَبُو جناب الكلبي: أن عمرًا، وأبا مُوسَى حَيْثُ التقيا بدومة الجندل أخذ عَمْرو يقدم أبا مُوسَى فِي الكلام، يقول: إنك صاحب رَسُول اللَّهِ، وأنت أسن مني فتكلم وأتكلم، فكان عَمْرو قَدْ عود أبا مُوسَى أن يقدمه فِي كل شَيْء، اغتزى بِذَلِكَ كله أن يقدمه، فيبدأ بخلع علي، قَالَ: فنظر فِي أمرهما وما اجتمعا عَلَيْهِ، فأراده عَمْرو عَلَى مُعَاوِيَة فأبى، وأراده عَلَى ابنه فأبى، وأراد أَبُو مُوسَى عمرا عَلَى عَبْد اللَّهِ بن عُمَرَ فأبى عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عَمْرو: خبّر مَا رأيك؟ قَالَ: رأيي أن نخلع هَذَيْنِ الرجلين، ونجعل الأمر شورى بين الْمُسْلِمِينَ، فيختار الْمُسْلِمُونَ لأنفسهم من أحبوا، فَقَالَ لَهُ عَمْرو: فإن الرأي مَا رأيت، فأقبلا إِلَى النَّاسِ وهم مجتمعون، فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، أعلمهم بأن رأينا قَدِ اجتمع واتفق، فتكلم أَبُو مُوسَى، فَقَالَ: إن رأيي ورأي عَمْرو قَدِ اتفق عَلَى أمر نرجو أن يصلح اللَّه، بِهِ أمر هَذِهِ الأمة، فَقَالَ عَمْرو: صدق وبر يَا أَبَا مُوسَى تقدم فتكلم، فتقدم أَبُو مُوسَى ليتكلم، فَقَالَ لَهُ ابن عَبَّاس: ويحك! وَاللَّهِ إني لأظنه قَدْ خدعك إن كنتما قَدِ اتفقتما عَلَى أمر فقدمه فليتكلم بِذَلِكَ الأمر قبلك، ثُمَّ تكلم أنت بعده، فإن عمرا رجل غادر وَلا آمن أن يكون قَدْ أعطاك الرضا فِيمَا بينك وبينه، فإذا قمت فِي الناس خالفك، وَكَانَ أَبُو مُوسَى مغفلًا، فَقَالَ: إِنَّا قَدِ اتفقنا فتقدم أَبُو مُوسَى، فَحَمِدَ اللَّهَ، وأثنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا قَدْ نظرنا فِي أمر هَذِهِ الأمَّة فلم نَرَ أَصْلَحَ لِأَمْرِهَا وَلا أَلَمَّ لِشَعْثِهَا مِنْ أَمْرٍ قَدْ أَجْمَع رأيي ورأي عَمْرو عَلَيْهِ، وَهُوَ أن نخلع عَلِيًّا ومعاوية، وتستقبل هَذِهِ الأمَّةُ هَذَا الأمر فَيُوَلُّوا مِنْهُمْ مَنْ أَحَبُّوا عَلَيْهِم، وإني قَدْ خلعت عَلِيًّا ومعاوية فاستقبلوا أمركم، وَوَلُّوا عَلَيْكُمْ مَن رأيتموه لهذا الأمر أَهْلًا، ثُمَّ تَنَحَّى وَأَقْبَلَ عَمْرو بن الْعَاصِ فقام مقامه فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: إن هَذَا قَدْ قَالَ مَا سمعتم وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي مُعَاوِيَة، فإنه ولي عُثْمَان بن عَفَّانَ، رضي الله عنه، والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: ما لك، لا وفقك اللَّه، غدرت وفجرت، إنما، مثلك كمثل الكلب؛ إن تحمل عَلَيْهِ يلهث، أو تتركه يلهث، قَالَ عَمْرو: إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا، وحمل شريح بن هانئ عَلَى عَمْرو فقنعه بالسوط، وحمل عَلَى شريح ابنٌ لعمرو فضربه بالسوط، وقام الناس فحجزوا بينهم، وَكَانَ شريح بعد ذَلِكَ يقول: مَا ندمت عَلَى شَيْء ندامتي عَلَى ضرب عَمْرو بالسوط، أَلا أكون ضربته بالسيف آتيا بِهِ الدهر مَا أتى، والتمس أهل الشام أبا مُوسَى فركب راحلته ولحق بمكة، قَالَ ابن عَبَّاس: قبح اللَّه رأي أبي مُوسَى، حذرته وأمرته بالرأي فما عقل، فكان أَبُو مُوسَى، يقول: حذرني ابنُ عَبَّاس غدرة الفاسق، ولكني اطمأننت إِلَيْهِ، وظننت أنه لن يؤثر شَيْئًا عَلَى نصيحة الأمة، ثُمَّ انصرف عَمْرو وأهلُ الشام إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بالخلافة، ورجع ابن عَبَّاس وشريح بن هانئ إِلَى علي، وَكَانَ إذا صلى الغداة يقنت، فيقول: اللَّهُمَّ العن مُعَاوِيَة وعمرا وأبا الأعور السلمي وحبيبا وعبد الرَّحْمَن بن خَالِدٍ والضحاك بن قيس والوليد، فبلغ ذَلِكَ مُعَاوِيَة، فكان إذا قنت لعن عَلِيًّا وابن عباس والأشتر وحسناً وحسيناً}. (1)

وللرد على هذا الافتراء أقول:

أولاً: الرواية غير صحيحة:

فسندُها فيه راويان، أحدهما شيعي رافضي كذاب والآخر ضعيف، ثم الانقطاع.

والمسلمون لا يقبلون في دينهم إلا حديثاً صحيحاً فقط، ويجب أن تنطبق عليه شروط خمس وهي:

1 - اتصال السند.

2 - عدالة الرواة.

3 - ضبط الرواة.

4 - انتفاء الشذوذ.

5 - انتفاء العلة.

قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح:

{أَمَّا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: فَهُوَ الْحَدِيثُ الْمُسْنَدُ الّذِي يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ الضّابِطِ عَنِ الْعَدْلِ الضّابِطِ إِلَى مُنْتَهَاهُ، وَلَا يَكُونُ شَاذَّاً، وَلا مُعَلَّلاً}. (2)

علل الرواية:

العلة الأولى: أبو مخنف لوط بن يحيى

قال الإمام شمس الدين الذهبي:

لوط بن يحيى، أبو مخنف، أخباري تالف، لا يوثق به.

تركه أبو حاتم وغيره.

وقال الدارقطني: ضعيف.

وقال ابن معين: ليس بثقة.

وقال مَرَّةً: ليس بشيء.

وقال ابن عدي: شيعي محترق، صاحب أخبارهم. (3)

العلة الثانية: أبو جنابٍ الكلبي.

قال الإمام شمس الدين الذهبي:

أبو جنابٍ الكلبي، سمع الشعبي وطبقته.

قال يحيى القطان: لا أستحل أن أَرْوِىَ عنه.

وقال النسائي والدارقطني: ضعيف.

وقال أبو زرعة: صدوق يدلس.

وقال ابن الدورقي عن يحيى: أبو جناب ليس به بأس إلا أنه كان يُدَلِّس.

وروى عثمان عن ابن معين: صدوق.

ثم قال عثمان: هو ضعيف.

وقال الفَلَّاسُ: متروك. (4)

العلة الثالثة: الانقطاع.

ذكرنا أنَّ مِنْ شروط صحة الحديث الصحيح اتصال السند.

ونحن نجد في هذه الرواية انقطاعاً كبيراً بين أبي جنابٍ الكلبي وبين هذه الواقعة التي لم يدركها ولم يحدث بها عن أحد الذين عاصروها. فحتى لو كان أبو جنابٍ الكلبي ثقةً فالرواية أيضاً لا تصح لعدم اتصال سندها.

فهذه ثلاثة علل تكفي كل علة منها منفردة لكي نرد هذه الرواية وننبذ ما جاء فيها من إفك وبهتان، فما بالك إذا اجتمعت هذه العلل الثلاثة في الإسناد وحده؟

ثانياً: الرواية تخالف الواقع وصحيح السنة:

من المعلوم لكل ذي عينين أن الرواية الصحيحة المتفق على صحتها يؤخذ بها وتُقَدَّم على الرواية الأقل منها في القوة من حيث الإسناد، فما بالك بالرواية التي لا يصح سندها أصلاً كالرواية التي بين أيدينا الآن؟

فهل على الأمة الإسلامية أن تترك الصحيح المتفق عليه وتذهب خلف الرافضة لتصدق ما افتراه أَوَائِلُهُم على السادةِ أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟

وإليك بعض الأمور التي خالفت فيها هذه الرواية الباطلة ما صح من روايات

· تقول الرواية أن أبا موسى قال لعمرو: {رأيي أن نخلع هَذَيْنِ الرجلين}

ومن قال أن معاوية كان خليفة وقتها حتى يُخلع أصلاً من الخلافة؟!

هذا تزوير متعمد للتاريخ.!

فالخليفة وقتها هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه وحده، وليس معاوية.

أقول: لقد ضرب الصحابةُ الكرامُ أروعَ الأمثلةِ في الإخلاص والتفاني لنصرة هذا الدين العظيم، ولم يحيدوا عن ذلك قيد أنملة.

تقول الرواية أن بن عباس قال عن عمرو بن العاص أنه رجل غادر.!

وهذه شهادة النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص:

{عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ابْنَا الْعَاصِ مُؤْمِنَانِ: عَمْرٌو وَهِشَامٌ}. (5)

{عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَسْلَمَ النَّاسُ، وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ}. (6)

· تقول الرواية أن أبا موسى كان مغفلاً.!

وهذا ليس فقط قدحاً في أبي موسى الأشعري، وإنما هو قدحٌ في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ائتمن أبا موسى وَوَلَّاهُ على أمور المسلمين.

قال الإمام شمس الدين الذهبي:

{وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمُعَاذاً عَلَى زَبِيْدٍ، وَعَدَنَ. وَوَلِيَ إِمْرَةَ الكُوْفَةِ لِعُمَرَ، وَإِمْرَةَ البَصْرَةِ، وَقَدِمَ لَيَالِيَ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَغَزَا، وَجَاهَدَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَحَمَلَ عَنْهُ عِلْماً كَثِيْراً}. (7)

قال الإمام شمس الدين الذهبي:

{عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ، قَالَ: أَتَيْنَا عَلِيّاً، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

قَالَ: عَنْ أَيِّهِمْ تَسْأَلُوْنِي؟ .. قُلْنَا: أَبُو مُوْسَى؟

قَالَ: صُبِغَ فِي العِلْمِ صِبْغَةً، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ}. (8)

وهذا الكلام من علي بن أبي طالب خصوصاً له مغزى خاص.

فهذا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه العالِم الصادق المجاهد الوالي الحاكم الأمين

فكيف تقول هذه الرواية المكذوبة الباطلة عنه أنه كان مغفلاً؟!!

الرواية الباطلة تقول أن الصحابة لعنوا بعضهم بعضا على المنابر.!

وهذا والله من الإفك المبين

فكيف يتجاوز الصحابة الكرام نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللعن ليطلقوا ألسنتهم بهذه الطريقة الفجة على المنابر بلعن من يعلمون جيدا أنهم محبون لله ورسوله؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم: {وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ}. (9)

· الرواية الباطلة تقول أن الصحابة سَبُّوا بعضهم بعضاً

فكيف يتجاوزن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ}. (10)

ثالثاً: موقف عليَّ بن أبي طالب من الرافضة:

يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

{من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين}. (11)

ويقول: علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

{سيكون بعدنا قوم ينتحلون مودتنا، يكذبون علينا، مارقة، آية ذلك، أنهم يسبون أبا بكر وعمر}. (12)

فهذا ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم فيمن يَسُبُّونَ أصحابَه، وهذا قول علي بن أبي طالب في الشيعة الرافضة.

فأيُّ دِينٍ بَقِيَ للرافضة وهم يطعنون في خير البشر بعد الرسل والأنبياء؟

وحُقَّ للإمام أبي زُرْعَةَ الرَّازِي أن يقول:

{إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول عندنا حق والقرآن حق وإنما أدَّى إلينا هذا القرآن والسنن أصحابُ رسول الله صلى الله عليه و سلم وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح أولى بهم وهم زنادقة}. (13)

مراجع البحث:

(1) تاريخ الرسل والملوك للإمام محمد بن جرير الطبري ج 5 ص 71 ط دار المعارف - مصر، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم.

(2) علوم الحديث للإمام أبي عمرو بن الصلاح ص 11، ط دار الفكر المعاصر - لبنان، دار الفكر - سوريا، ت: نور الدين عنتر.

(3) ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام شمس الدين الذهبي ج 5 ص 508، ط دار الكتب العلمية - بيروت.

(4) ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام شمس الدين الذهبي ج 7 ص 170، ط دار الكتب العلمية - بيروت.

(5) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 13 ص 409 ط مؤسسة الرسالة- بيروت، ت: شعيب الأرنؤُوط، د/عبد الله بن عبد المحسن التركي.

(6) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 28 ص 629 ط مؤسسة الرسالة- بيروت، ت: شعيب الأرنؤُوط، د/عبد الله بن عبد المحسن التركي.

(7) سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج 2 ص 381 ط مؤسسة الرسالة- بيروت، ت: شعيب الأرنؤُوط.

(8) سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج 2 ص 388 ط مؤسسة الرسالة- بيروت، ت: شعيب الأرنؤُوط.

(9) صحيح البخاري للإمام محمد بن إسماعيل البخاري ص 1515 ح 6047 ط دار بن كثير- بيروت.

(10) صحيح البخاري للإمام محمد بن إسماعيل البخاري ص 20 ح 48 ط دار بن كثير- بيروت.

(11) المعجم الكبير للإمام سليمان بن أحمد الطبراني ج 12 ص 142 ط مكتبة العلوم والحكم - الموصل، ت: حمدي عبد المجيد السلفي.

(12) معجم بن الأعرابي للإمام أبي سعيد بن الأعرابي البصري ج 1 ص 152 ط دار ابن الجوزي - السعودية، ت: عبد المحسن إبراهيم الحسيني.

(13) الكفاية في علم الرواية للإمام الخطيب البغدادي ص 49 ط المكتبة العلمية - المدينة المنورة، ت: أبو عبد الله السورقي , إبراهيم حمدي المدني.

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه


إبطال قصة التحكيم الشهيرة بين أبي موسى وعمرو بن العاص رضي الله عنهما


سليمان بن صالح الخراشي

قصة تحكيم أبي موسى وعمرو بن العاص في الخلاف الذي كان بين علي ومعاوية – رضي الله عن الجميعمشهورة ذائعة في كتب الإخباريين وأهل الأدب ، وفيها ما فيها من لمز الصحابة رضي الله عنهم بما ليس من أخلاقهم .

وقد فند هذه القصة الباطلة :

ابن العربي في العواصم ، والدكتور يحيى اليحيى في " مرويات أبي مخنف " .
وقد وجدتُ الشيخ محمد العربي التباني قد أجاد في إبطالها في رده على الخضري المؤرخ ؛ فأحببتُ نشر رده باختصار ليطلع عليه القراء ، وينتشر بينهم ؛ لاسيما وهو في كتاب شبه مفقود .

قال الشيخ التبانيلا صحة لما اشتهر في التاريخ من خديعة عمرو بن العاص لأبي موسى في قضية التحكيم 

( قال – أي الخضري - في ص 72( فتقدم أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه ثم قالأيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أمر قد أجمع عليه رأيي ورأي عمرو وهو أن نخلع علياً ومعاوية وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر ؛ فيولوا منهم من أحبوا عليهم وأني قد خلعت علياً ومعاوية فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رآيتموه لهذا الأمر أهلاً ثم تنحى وأقبل عمرو فقام مقامه فحمد الله وأثنى عليه وقال : إن هذا قال ما قد سمعتم وخلع صاحبه وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية فإنه ولي عثمان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه ، فتنابزا، ويروي المسعودي أنهما لم يحصل منهما خطبة وإنما كتبا صحيفة فيها خلع علي ومعاوية وأن المسلمين يولون عليهم من أحبوا ، وهذا القول أقرب في نظرنا إلى المعقول وإن لهج كثير من المؤرخين بذكر الأول اهـ ) .


أقول: هذه الأسطورة الموضوعة في خديعة عمرو لأبي موسى في التحكيم شبيهة بالأسطورة الموضوعة على علي وابن عباس والمغيرة بن شعبة في إشارة هذا على أمير المؤمنين بإبقاء عمال عثمان ، فإن المقصود من وضعها الطعن في حيدرة ببعده عن الدهاء والسياسة وتبريز المغيرة وابن عباس فيهما عليه ، وقد تقدم إبطالها ، والمقصود من هذه إظهار بلاهة حكمه وتبريز حكم معاوية عليه فيهما.

فهذه الأسطورة باطلة بثمانية أوجه.

الأول: رواها أبو مخنف المتفق أئمة الرواية على أنه أخباري هالك ليس بثقة.

الثاني: الطعن في أبي موسى بأنه مغفل طعن في النبي صلى الله عليه وسلم الذي ولاه على تهائم اليمن زبيد وعدن وغيرهما وهو مغفل.

الثالث: الطعنُ فيه بما ذكر طعنٌ في الفاروق الذي ولاه أميراً على البصرة وقائداً على جيشها فافتتح الأهواز وأصبهان، وكتب في وصيته لا يقر لي عامل أكثر من سنة وأقروا الأشعري أربع سنين وهو مغفل ، فأقره عثمان عليها قليلاً ثم عزله عنها فانتقل إلى الكوفة وسكنها وتفقه به أهلها كما تفقه بها أهل البصرة وقرأوا عليهثم ولاه عثمان على الكوفة بطلب أهلها ذلك لما طردوا عاملهم سعيد بن العاص .  قال الشعبي : انتهى العلم إلى ستة فذكره فيهم، وقال ابن المديني: قضاة الأمة أربعة عمر وعلي وأبو موسى وزيد بن ثابت، وقال الحسن البصري فيه :  ما أتاها –يعني البصرة- راكب خير لأهلها منه، فهؤلاء الوضاعون الكائدون للإسلام ورجاله مغفلون لا يحسنون وضع الأباطيل ؛ لأنهم يأتون فيها بما يظهر بطلانها في بادئ الفهم الصحيح لكل مسلم.

الرابع: ذكر ابن جرير في فاتحة هذه الأسطورة أن عمراً قال لأبي موسى ألست تعلم أن معاوية وآله أولياء عثمان ؟ قال : بلى، قال : فإن الله عز وجل قال ( ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً ) وكلاماً كثيراً بعده في استحقاق معاوية للخلافة ، فأجابه أبو موسى عن جله جواباً شافياً ولم يجبه عن احتجاجه بالآية، وكأنه سلمه، والاحتجاج بها على خلافة معاوية فاسد من أوجه كثيرة لا حاجة لذكرها كلها ؛ منها أنه تعالى قال ( فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً )  فأي إسراف ونصر حصلا له في جيش أمير المؤمنين وقد قتل من جيشه الطالب بدم عثمان البريء منه خمسة وأربعون ألفاً على أقل تقدير، ومن جيش حيدرة خمسة وعشرون ألفاً ؟ وأي إسراف ونصر حصلا له وقد أشرف على الهزيمة الكبرى ولولا المصاحف لهلك جل جيشه ؟ وجهل فادح ممن يحتج بها على ذلك ، فمحال صدوره من عمرو وهو من علماء الصحابة ومحال تسليمه ولو صدر منه من أبي موسى الأعلم منه.

الخامسما نقصت هذه الخديعة لو صحت مما كان لأمير المؤمنين عند أتباعه شيئاً وما أفادت معاوية شيئاً جديداً زائداً عما كان له حتى يصح أن يقال فيها إن فلاناً داهية كاد أمة من المسلمين بكيد مقدمها ومحكمها ، وغاية أمرها أنها أشبه بعبث الأطفال لا تتجاوز العابث والمعبوث به ، وبرَّأ الله تعالى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا العبث.

السادس: لو صحت هذه الأسطورة لم يلزم منها غفلة أبي موسى ودهاء عمرو ، بل تدل على مدح أبي موسى بالصدق والوفاء بالوعد والعهد وهي من صفات الأخيار من بني آدم فضلاً عن المؤمنين فضلاً عن الصحابة ، ووصم عمرو بالخيانة والكذب والغدر وهي من صفات الأشرار من بني آدم ، وكان العرب في جاهليتهم ينفرون منها أشد النفور ولا قيمة لمن اتصف بواحدة منها عندهم ، وقد ذم ورهب دين الإسلام مرتكبيها، وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال"ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه وينادى على رؤوس الخلائق هذه غدرة فلان فلان".

السابع: لا يخلو قول عمرو فيما زعموا عليه ( وأثبت صاحبي معاويةمن أمرين: الأول ثبته في الخلافة كما كان أولاً ، وهذا هو المتبادر من لفظ التثبيت ، وهو باطل قطعاً ؛فإنه لم يقل أحد ينتسب إلى الإسلام إن معاوية كان خليفة قبل التحكيم حتى يثبته حَكمه فيها بعده ، ولم يدعها هو لا قبله ولا بعده ، ولم ينازع حيدرة فيها.

الثاني ثبته على إمارة الشام كما كان قبل ، وهذا هو المتعين دراية وإن لم يصح رواية ، وهو تحصيل الحاصل ، وأي دهاء امتاز به على أبي موسى في تحصيل الحاصل ؟ وأي تغفيل يوصم به أبو موسى مع هذا العبث؟ فهل زاد به معاوية شيئاً جديداً لم يكن له من قبل ؟ وهل نقص به علي عما كان له قبل؟


الثامن:قال القاضي أبو بكر بن العربي في القواصم والعواصمقد تحكم الناس في التحكيم فقالوا فيه مالا يرضاه الله ، وإذا لحظتموه بعين المروءة دون الديانة رأيتم أنها سخافة حمل على تسطيرها في الكتب في الأكثر عدم الدين، وفي الأقل جهل متين، ثم قال : وزعمت الطائفة التاريخية الركيكة أن أبا موسى كان أبله ضعيف الرأي مخدوعاً في القول ، وأن ابن العاص كان ذا دهاء وأرب حتى ضربت الأمثال بدهائه تأكيداً لما أرادت من الفساد ، اتبع في ذلك بعضُ الجهال بعضاً وصنفوا فيه حكايات ، وغيره من الصحابة كان أحذق منه وأدهى ، وإنما بنوا ذلك على أن عمراً لما غدر أبا موسى في قصة التحكيم صار له الذكر في الدهاء والمكر، ثم ذكر الأسطورة باختصار ثم قالهذا كله كذب صراح ما جرى منه حرف قط ، وإنما هو شيء أخبر عنه المبتدعة ووضعته التاريخية للملوك ؛ فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع ..  ثم ذكر أن الذي رواه الأئمة الثقات الأثبات كخليفة بن خياط والدارقطني أنهما لما اجتمعا للنظر في الأمر عزل عمرو معاوية اهـ ملخصاً ) .( تحذير العبقري من محاضرات الخضري ، 2 / 86-91 ) .

صيد الفوائد


أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وقصة التحكيم


الحمد لله رب العالمين وفق من شاء لطاعته وهداه، وأضل من شاء بعلمه وحكمته، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له يمتحن الناس في هذه الحياة الدنيا، فيغتبط الصالحون ويندم المفرطون المفسدون.

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ربى صحابته على الإيمان والتقى، فكانوا منارات يستضاء بها في الأرض كحال النجوم في السماء، اللهم صل على محمد وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين …. وبعد:

فأي عقل لبيب وأي منطق سليم يرضي ويقنع بروايات أهل البدع والأهواء في هذا الجيل الفريد، وقاتل الله الرافضة فكم شوهوا في تاريخنا وكم حرفوا في مروياتنا.

ولقد نال أبا موسى الأشعري رضي الله عنه من هذا التشويه والتحريف ما أصبح مادة لمن في قلوبهم مرض، فراموا تشويه تاريخ الصحابة بهدف تشويه الدين أساساً، وتأمل مقولة الإمام مالك رحمه الله في هدف الذين يقدحون في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه، حتى يقال: رجل سوء ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين[1].

ومما ذاع وشاع في التاريخ قديماً وحديثاً موقف الحكمين:

أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص رضي الله عنهما في قصة التحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، حين وقعت الفتة، وأن موقف أبي موسى رضي الله عنه يمثل موقف المغفل المخدوع، بينما يمثل موقف عمرو بن العاص موقف الماكر الخادع.

إذ اتفقوا – كما تقول الرواية الساقطةعلى أن يخلع كل منهما صاحبه أمام المسلمين وتولي الأمة من أحبت، فابتدأ أبو موسى وخلع صاحبه علياً، فلما جاء دور عمرو بن العاص وافق على خلع علي وأثبت صاحبه معاوية؟ فهل تليق هذه المراوغة بالصالحين من أبناء المسلمين فضلاً عن نسبتها للمؤمنين الصادقين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟

إن المقام لا يتسع للحديث عن شخصية عمرو بن العاص الإيمانية ومواقفه الجهادية، وعسى أن تتاح الفرصة لذلك قريباً.

ولكن القضية مرفوضة أولاً بميزان العقل والمنطق، فكيف يتهم أبو موسى الأشعري رضي الله عنه بالتغفيل، وقد أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زبيد وعدن، واستعمله عمر رضي الله عنه على البصرة حتى قتل، ثم استعمله عثمان على البصرة، ثم على الكوفة وبقي والياً عليها إلى أن قتل عثمان، فأقره علي رضي الله عنه، فهل يتصور أن يثق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خلفاؤه من بعده برجل يمكن أن تجوز عليه مثل الخدعة التى ترويها قصة التحكيم[2]؟

سبحانك هذا بهتان عظيم.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله معلقا على حديث البخاري في بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن، قال: واستدل به على أن أبا موسى كان عالماً فطناً حاذقاً، ولولا ذلك لم يوله النبي صلى الله عليه وسلم الإمارة، ولو كان فوض الحكم لغيره لم يحتج إلى توصيته بما وصاه به، ولذلك اعتمد عليه عمر ثم عثمان ثم علي، وأما الخوارج والرافض فطعنوا فيه، ونسبوه إلى الغفلة، لما صدر منه في التحكم بصفين[3].

وكيف يسوغ أن يتهم الفقيه القاضي، والعالم المتجر بمثل هذا؟ بل ويقطع الفاروق عمر رضي الله عنه بكياسة أبي موسى، ومن هو أفضل من الفاروق في تقويم الرجال: (ألا إنه كيّس، ولا تسمعها إياه).

والقضية مرفوضة ثانياً بميزان العلم والنقد، وليس نقد السند بأقل من نقد المتن، فرواتها الذين صدروها ابتداء متهمون، وهم من أهل الأهواء والبدع، ويكفي أن فيها أبا مخنف، لوط بن يحيى، وهو شيعي محترق كما قال أهل العلم:

هو مشهور بالكذب والافتراء والدس والتشويه في التاريخ عموماً، وأحداث الفتنة بين الصحابة خصوصاً.

قال الحافظ الذهبي رحمه اللهولا ريب أن غلاة الشيعة يبغضون أبا موسى رضي الله عنه لكونه ما قاتل مع علي، ثم لما حكمه على نفسه عزله وعزل معاوية، وأشار بابن عمر فما انتظم من ذلك حال[4].

إخوة الإسلام:

وإذا رفضنا هذه المرويات الكاذبة لسقوطها سنداً ومتناً فما هى الرواية الصحيحة في التحكيم والتى تليق بمقام الصحابة رضوان الله عليهم، هناك رواية أخرجها البخاري في تاريخه مختصراً بسند رجال ثقاة، وأخرجها ابن عساكر مطولاً عن الحضين بن المنذر أن معاوية أرسله إلى عمرو بن العاص فقال له: (إنه بلغني عن عمرو بعض ما أكره – يعني في مسألة التحكيم بينه وبين أبي موسى الأشعري فأته فاسأله عن الأمر الذي اجتمع عمرو وأبو موسى فيه، كيف صنعتما فيه؟ قال: قد قال الناس وقالوا، ولا والله ما كان ما قالوا، ولكن لما اجتمعت أنا وأبو موسى قلت له: ما ترى في هذا الأمر؟ قال أرى أنه في النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض. قال عمرو –  فقلت أين تجعلنى من هذا الأمر أنا ومعاوية؟ قال: إن يستعن بكما ففيكما معونة، وإن يستغني عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما[5].

فأين الخداع، وأين الكذب، وأين التغفيل والمراوغة، في مثل هذه المرويات الصحيحة؟.

إن تاريخ الأمة المسلمة محتاج إلى استجلاء وتصحيح ونظر وتدقيق، وإن تاريخ الصحابة بالذات محتاج إلى تمحيص وفقه لأخذ الدروس والعبر، ومعرفة الطريق الأبلج، والمنهج الإسلامي، وكم من كنوز هذا التاريخ تحتاج إلى استخراج، وكم من عبر تنتظر السالكين إلى الله ..  ويأبى الله إلا أن يدافع عن الذين آمنوا ولو كذب المنافقون،

ولو تزيد المزايدون.
قال تعالى: فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال [الرعد:17].

أيها المسلمون: إ

ن من أعظم الدروس التي نستفيدها من هذا الحدث، أن تدرك كيف تُروج إشاعات، وكيف تُساق جزافاً الاتهامات، وإذا كان هذا في جيل محمد صلى الله عليه وسلم، فغيرهم من باب أولى!.
فهل يتثبت المسلمون في أخبار الموتورين، وهل يتأكدون من الشائعات قبل ترويجها ... وهل نحافظ جميعاً على سمعه الخيرين من المبطلين ..  وهل نزن الأمور بميزان الشرع والحق،

لا بميزان الهوى والباطل … إن ذلك خليق بالمسلم الذي يقرأ قوله تعالـى:
ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً [الإسراء:36
--------------------------------------------------------------------------------
[1] الصارم المسلول / 513 ، مرويات أبى مخنف / 10.
[2]
أمحزون : تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة 2/266، 277.
[3]
الفتح 8/62.
[4]
سير أعلام النبلاء 2/394.
[5]
أنظر : مرويات أبى حنف في تاريخ الطبرى : يحيى اليحيى / 408.

جزء من خطبة للشيخ سليمان بن حمد العودة - المصدر المنبر


بسم الله الرحمن الرحيم

بيعة علي رضي الله عنه:

التحكيم في صفين أو بعد صفين مباشرة لما صار القتال بين علي ومعاوية.


فالتحكيم الذي شُهر عند الناس أن التحكيم كان أبو موسى الأشعري طرفاً عن علي رضي الله عنه وعمرو بن العاص طرفاً عن معاوية واتفقا على عزل علي وعزل معاوية ثم بعد ذلك النظر في أمر الخلافة من جديد.

فقام أبو موسى الأشعري وقال:  إني أعزل علياً من الخلافة كما أنزع خاتمي هذا من يدي، وأعزل معاوية كذلك كما أنزع خاتمي هذا من يدي فقام عمرو بن العاص فقال: أما أنا فأعزل علياً كما أنزع خاتمي هذا من يدي مع أبو موسى وأثبت معاوية كما أثبت خاتمي هذا في يدي فالتفت أبو موسى الأشعري وقال: لقد خدعتني فقالما خدعتك ثم رجع أبو موسى الأشعري ولم يرجع إلى علي للكوفة ولكن ذهب إلى مكة يقولون لم يستطع أن يواجه علياً لأنه غُدر به وضُحك عليه، وهذا باطل.

أولاً: أبو موسى الأشعري هو الذي أرسل إليه عمر بن الخطاب رسالة القضاء فكان قاضياً في عهدعمر وأبي بكر فهو ليس بالسذاجة حتى يُضحك عليه.

ثانياً: ثم أن هذه القصة مكذوبة من رواية أبي مخنف الكذاب.

فالقصة الصحيحة التي أخرجها الإمام البخاري أن أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص اجتمعا فقالا عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري ماذا ترى؟ فقال أبو موسى الأشعريأرى أن علياً من الذين مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنهم راض، فقال عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعريأين تضعني أنا ومعاوية إذا كان هذا موقفك من علي؟ قال: إن يستعن بكما ففيكما معونة وإن يستغن عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكم، (أي ليس بالضرورة أن يكون لكما شأن في البيعة أو غيره)، وهذا هو الإسناد الصحيح في هذه المسألة.

ثم كذلك يقال كيف يصح أن يجتمع اثنان فيعزلان خليفة المسلمين؟ الخلافة في الإسلام ليست بهذه السهولة بحيث يجتمع شخصان فيقول الأول للآخر أنه عزل خليفة وثبّت آخر.

ثالثاً: ثم معاوية ما كان يقول أنه خليفة حتى يعرض في خلافة علي ولكن معاوية كان يرى أن يؤجل أمر الخلافة حتى تنتهي قضية قتلة عثمان ثم يُنظر بعد ذلك في أمر الخلافة.

جزء من محاضرة : مفاهيم يجب أن تصحح من التاريخ للشيخ عثمان الخميس
الشيخ عثمان الخميس

عدد مرات القراءة:
13366
إرسال لصديق طباعة
الأربعاء 17 شوال 1438هـ الموافق:12 يوليو 2017م 03:07:33 بتوقيت مكة
عبدالمعين 
اذا كانت كل الروايات هذه ضعيفة فما الذي جرى بين الحكمين؟ كل من يبحث المسألة يكرر مثل هذا الكلام ولا أحد يذكر ما الدي جرى!
الأحد 18 ربيع الأول 1438هـ الموافق:18 ديسمبر 2016م 09:12:15 بتوقيت مكة
rgtreg 
fgdsfg
 
اسمك :  
نص التعليق :