من الذي يدعم الإرهابيين في العراق؟ ..   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

متى كان النص؟ ..
متى كان النص؟

يعتقد الشيعة أن الإمامة كالنبوة لا تكون إلا بالنص من الله عزوجل على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنها -مثلها- لطفٌ من الله عزوجل، ولا يجوز أن يخلو عصر من العصور من إمام مفروض الطاعة منصوب من الله تعالى، وليس للبشر حق اختيار الإمام وتعيينه، بل وليس للإمام نفسه حق تعيين من يأتي من بعده.
وقد وضعوا على لسان أئمتهم عشرات الروايات في ذلك، منها ما نسبوه إلى الإمام محمد الباقر / أنه قال: «أترون أن هذا الأمر إلينا نجعله حيث نشاء؟ لا والله، ما هو إلا عهد من رسول الله، رجل فرجل مسمى حتى تنتهي إلى صاحبها».
وفي أخرى نسبوها إلى ابنه جعفر الصادق رحمه الله أنه قال: «إن الإمامة عهد من الله عزوجل معهود لرجلٍ مُسمى، ليس للإمام أن يزويها عمن يكون من بعده»([1]).
ويعتقد الشيعة الاثنا عشرية أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد نصَّ على الأئمة من بعده، وعينهم بأسمائهم، وهم اثنا عشر إمامًا لا ينقصون ولا يزيدون، وهم:
1- علي بن أبي طالب [المرتضى - أمير المؤمنين] (23 قبل الهجرة - 40 هـ).
2- الحسن بن علي [الزكي - المجتبى] (2-50 هـ).
3- الحسين بن علي [سيد الشهداء] (3-61هـ).
4- علي بن الحسين [زين العابدين - السجاد] (38-95هـ).
5- محمد بن علي [الباقر - أبو جعفر] (57-114هـ).
6- جعفر بن محمد [الصادق - أبو عبد الله] (83-148هـ).
7- موسى بن جعفر [الكاظم - أبو الحسن - أبو الحسن الأول - أبو الحسن الماضي - أبو إبراهيم] (128-183هـ).
8- علي بن موسى [الرضا - أبو الحسن الثاني] (148-203هـ).
9- محمد بن علي [الجواد - أبو جعفر الثاني] (195-220 هـ).
10- علي بن محمد [الهادي - العسكري] (212-254 هـ).
11- الحسن بن علي [العسكري - أبو محمد] (232-260هـ).
12- محمد بن الحسن [المهدي - الحجة - القائم - الغائب - المنتظر] (256-؟).

 
نماذج من روايات الشيعة في النص
على أئمتهم الاثني عشر
 
لقد وضعوا في ذلك مئاتِ بل ألوفَ الروايات، ونسبوها إلى الله عزوجل، وإلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وإلى صحابته رضوان الله عليهم، وإلى أئمتهم.
ومنها: روايتهم عن الباقر أنه قال لجابر بن عبدالله الأنصاري: «يا جابر، أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما أخبرتك به أمي أنه في ذلك اللوح مكتوب؟
فقال جابر: أشهد أني دخلت على أمك فاطمة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهنأتها بولادة الحسين، ورأيت في يدها لوحًا أخضر ظننت أنه من زمردة، ورأيت فيه كتابًا أبيض شبه لون الشمس، فقلت لها: بأبي أنت وأمي يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما هذا اللوح؟
فقالت: هذا اللوح أهداه إليّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه اسم أبي، واسم بعلي، واسم ابني، واسم الأوصياء من ولدي، وأعطانيه أبي ليبشرني بذلك. قال جابر: فأعطتنيه أمك فاطمة، فقرأته واستنسخته، فقال: فهل لك يا جابر أن تعرضه عليَّ؟
قال: نعم، فأخرج الباقر صحيفة من رق، فقال له: يا جابر، انظر في كتابك لأقرأ عليك، فنظر جابر في نسخته فقرأه الباقر، فما خالف حرف حرفًا، فقال جابر: أشهد بالله أني هكذا رأيته في اللوح مكتوبًا: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله العزيز العليم لمحمد نبيه ونوره وسفيره وحجابه ودليله، نزل به الروح الأمين، من عند رب العالمين.. إلى أن قال: إني لم أبعث نبيًا فأكملت أيامه وانقضت مدته إلا جعلت له وصيًا، وإني فضلتك على الأنبياء، وفضلت وصيك على الأوصياء، وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسن وحسين، فجعلت حسنًا معدن علمي بعد استكمال مدة أبيه، وجعلت حسينًا خازن وحيي، وأكرمته بالشهادة([2])، وختمت له بالسعادة، فهو أفضل من استشهد، وأرفع الشهداء درجة، وجعلت كلمتي التامة معه، وحجتي البالغة عنده، بعترته أثيب وأعاقب، أولهم سيد العابدين، وزين أوليائي الماضين، وابنه شبيه جده المحمود، محمد الباقر علمي والمعدن لحكمتي، سيهلك المرتابون في جعفر، الراد عليه كالراد على الحق، حق القول مني لأكرمن مثوى جعفر، ولأسرنه في أشياعه وأنصاره وأوليائه، أتيحت بعده لموسى فتنة عمياء حندس، لأنّ خيط فرضي لا ينقطع، وحجتي لا تخفى، وإن أوليائي يسقون بالكأس الأوفى، من جحد منهم واحدًا فقد جحدني نعمتي، ومن غيَّر آية فقد افترى عليَّ، ويلٌ للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدة موسى عبدي، وحبيبي وخيرتي في علي وليي وناصري، ومن أضع عليه أعباء النبوة وأمتحنه بالاضطلاع بها، يقتله عفريت مستكبر يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح، إلى جنب شر خلقي، حق القول مني لأسرنه بمحمد ابنه وخليفته من بعده، ووارث علمه، فهو معدن علمي، وموضع سري، وحجتي على خلقي، لا يؤمن عبد به إلا جعلت الجنة مثواه، وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجبوا النار، وأختم بالسعادة لابنه علي وليي وناصري، والشاهد في خلقي، وأميني على وحيي، أخرج منه الداعي إلى سبيلي والخازن لعلمي الحسن، وأكمل ذلك بابنه محمد رحمة للعالمين»([3]).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لما أسري بي إلى السماء أوحى إليّ ربي جل جلاله، فقال: يا محمد، إني اطلعت على الأرض اطلاعةً فاخترتك منها، فجعلتك نبيًا، واشتققت لك اسمًا من أسمائي، فأنا المحمود وأنت محمد، ثم اطلعت ثانية فاخترت منها عليًا، فجعلته وصيك وخليفتك وزوج ابنتك وأبا ذريتك، وشققت له اسمًا من أسمائي، فأنا العلي الأعلى وهو علي، وجعلت فاطمة والحسن والحسين من نوركما، ثم عرضتُ وِلايتَكم على الملائكة، فمن قبلها كان عندي من المقربين.
يا محمد، لو أن عبدًا عبدني حتى ينقطع ويصير كالشن البالي، ثم أتاني جاحدًا لولايتهم ما أسكنته جنتي، ولا أظللته تحت عرشي.
يا محمد، أتحب أن تراهم؟ قال: نعم يا رب، فقال عزوجل: ارفع رأسك، فرفعت رأسي، فإذا أنوار علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن الحسين، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، ومحمد بن الحسن القائم في وسطهم كأنه كوكب دري، فقلت: يا رب، من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الأئمة، وهذا القائم الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين والجاحدين والكافرين»([4]).
وفي رواية قال: «ليلة أسري بي إلى السماء أوحى الله إليَّ أن سَلْ من أرسلنا من قبلك من رسلنا على ما بعثوا؟ قلت: على ما بعثتم؟
قالوا: على نبوتك، وولاية علي بن أبي طالب، والأئمة منكما، ثم أوحى إليَّ أن التفت عن يمين العرش، فالتفت فإذا علي، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والمهدي في ضحضاح من نور يصلون»([5]).
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري ا قال: «لما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: ( $pkš‰r'¯»tƒ tûïÏ%©!$# (#þعزوجلãYtB#uä (#عزوجلãè‹ÏÛr& ©!$# (#عزوجلãè‹ÏÛr&ur tAعزوجلߙ§9$# ’Í<'ré&ur ÍöDF{$# óOä3ZÏB ) [النساء:59] فقلت: يا رسول الله، عرفنا الله ورسوله، فمن أولو الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟
قال: هم خلفائي يا جابر، أئمة المسلمين بعدي، أولهم: علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر، وستدركه يا جابر، فإذا أدركته فأقرئه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم سميي وكنيتي حجة الله على أرضه، وبقيته في عباده، ابن الحسن بن علي»([6]).
وعن الرضا قال: «إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي ا: من سرَّه أن يلقى الله عزوجل وهو مقبل عليه ليس بمعرض عنه فليتولَّ عليًا، ومن سرَّه أن يلقى الله وهو راضٍ عنه فليتولَّ ابنك الحسن، ومن أحب أن يلقى الله لا خوف عليه فليتولَّ ابنك الحسين، ومن سرَّه أن يلقى الله وهو ممحو عنه ذنبه فليتولَّ علي بن الحسين السجاد، ومن سرَّه أن يلقى الله قرير العين فليتولَّ محمد بن علي الباقر، ومن أحب أن يلقى الله وكتابه بيمينه فليتولَّ جعفر بن محمد الصادق، ومن أحب أن يلقى الله طاهرًا مطهرًا فليتولَّ موسى الكاظم، ومن أحب أن يلقى الله وهو ضاحك مستبشر فليتولَّ علي الرضا، ومن أحب أن يلقى الله وقد رفعت درجاته وبدلت سيئاته حسنات فليتولَّ محمدًا الجواد، ومن أحبَّ أن يلقى الله وهو من الفائزين فليتولَّ عليًا الهادي، ومن أحبَّ أن يلقى الله وهو من الآمنين فليتولَّ الحسن العسكري، ومن أحب أن يلقى الله وقد كمل إيمانه وحسن إسلامه فليتولَّ الحجة صاحب الزمان المنتظر»([7]).
وعن سلمان الفارسي ا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من فقد الشمس فليتمسك بالقمر، ومن فقد القمر فليتمسك بالفرقدين، فإذا فقدتم الفرقدين فتمسكوا بالنجوم الزاهرة بعدي، فسألته عن ذلك، فقال: أنا الشمس وعليٌّ القمر، فإذا فقدتموني فتمسكوا به بعدي، وأما الفرقدان فالحسن والحسين، إذا فقدتم القمر فتمسكوا بهما، وأما النجوم الزاهرة فهم الأئمة التسعة بعدي، أئمة أبرار، عدد أسباط يعقوب وحواريي عيسى، قلت: فسمهم لي يا رسول الله؟ قال: أولهم وسيدهم علي بن أبي طالب وسبطاه، وبعدهما زين العابدين، وبعده محمد بن علي باقر علم النبيين، والصادق جعفر بن محمد، وابنه الكاظم سميّ موسى بن عمران، والذي يقتل بأرض الغربة ابنه علي، ثم ابنه محمد، والصادقان: علي والحسن، والحجة القائم المنتظر»([8]).
وعن أبي هريرة ا، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يا حسين، أنت الإمام ابن الإمام أبو الأئمة، تسعة من ولدك أئمة أبرار... إلى أن قال: ووضع يده على كتف الحسين، وقال: يخرج من صلبه رجل مبارك سميُّ جده علي، ويخرج من صلب علي ولد سميي وأشبه الناس بي، يبقر العلم بقرًا، ويخرج الله من صلبه كلمة الحق، يقال له: جعفر، صادق في قولـه وفعله، الراد عليه كالراد عليَّ، ويخرج الله من صلب جعفر مولودًا نقيًا طاهرًا سميَّ موسى بن عمران، ويخرج من صلب موسى علي ابنه يدعى بالرضا، موضع العلم، ومعدن الحلم، ويخرج من صلب علي ابنه محمد المحمود، أطهر الناس خلقًا وأحسنهم خلقًا، ويخرج من صلب محمد علي ابنه، طاهر الجنبة، صادق اللهجة، ويخرج من صلبه الحسن الميمون، التقي الطاهر، الناطق عن الله، أبو حجة الله، ويخرج من صلب الحسن قائمنا أهل البيت»([9]).
وعن عائشة ل، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن جبرائيل أخبره أن الأمة تقتل الحسين وينتقم الله منهم بقائمكم أهل البيت، فقال: ومن قائمنا أهل البيت؟ فقال: هو التاسع من ولد الحسين، كذا أخبرني ربي أنه سيخلق من صلب الحسين ولدًا وسماه عنده عليًا، ثم يخرج من صلب علي ابنه، وسماه عنده محمدًا، ثم يخرج من صلب محمد ابنه وسماه عنده جعفرًا، ثم يخرج من صلبه ابنه وسمَّاه عنده موسى، ويخرج من صلبه ابنه وسمَّاه عنده عليًا، ويخرج من صلبه ابنه وسماه عنده محمدًا، ويخرج من صلبه ابنه وسماه عنده عليًا، ثم يخرج من صلبه ابنه وسماه عنده الحسن، ويخرج من صلبه كلمة الحق، ولسان الصدق، ومظهر الحق، وحجة الله على بريته»([10]).
وعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أخبرني جبرائيل u، قال: لما أثبت الله اسم محمد في ساق العرش قلت: يا رب، هذا الاسم المكتوب في ساق العرش أراه أعزَّ خلقك عليك. فأراه
الله عزوجل اثني عشر إمامًا أشباحًا أبدانًا بلا أرواح بين السماء والأرض، فقال: يا رب، بحقهم عليك إلا أخبرتني من هم؟ قال: هذا نور علي بن أبي طالب، وهذا نور الحسن والحسين، وهذا نور علي بن الحسين، وهذا نور محمد بن علي، وهذا نور جعفر بن محمد، وهذا نور موسى بن جعفر، وهذا نور علي بن موسى، وهذا نور محمد بن علي، وهذا نور علي بن محمد، وهذا نور الحسن بن علي، وهذا نور الحجة القائم المنتظر»([11]).
وعن أمير المؤمنين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لما أسري بي إلى السماء نظرت إلى ساق العرش، فإذا فيه مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بعلي ونصرته به. ورأيت اثني عشر نورًا، فقلت: يا رب، أنوار من هذه؟ فنوديت: يا محمد، هذه أنوار الأئمة من ذريتك، قلت: يا رسول الله، ألا تسميهم لي؟ قال: نعم. أنت الإمام، والخليفة بعدي، تقضي ديني، وتنجز عداتي، وبعدك ابناك: الحسن والحسين، وبعد الحسين ابنه علي زين العابدين، وبعد علي ابنه محمد يُدعى بالباقر، وبعد محمد جعفر ابنه يُدعى بالصادق، وبعد جعفر ابنه موسى يُدعى بالكاظم، وبعد موسى ابنه علي يُدعى بالرضا، وبعد علي ابنه محمد يُدعى بالزكي، وبعد محمد ابنه علي يدعى بالنقي، وبعد علي ابنه الحسن يدعى بالأمين، والقائم من ولد الحسين سميّي، وأشبه الناس بي»([12]).
وفي رواية: «لما عرج بي إلى السماء رأيت على ساق العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بعلي ونصرته به، ورأيت اثني عشر اسمًا مكتوبًا بالنور، فيهم: علي بن أبي طالب وسبطاي، وبعدهما تسعة أسامي: عليًا عليًا عليًا ثلاث مرات، ومحمد محمد مرتين، وجعفر، وموسى، والحسن، والحجة يتلألأ من بينهم، فقلت: يا رب، أسامي من هؤلاء؟ فناداني ربي جل جلاله: يا محمد، هم الأوصياء من ذريتك، بهم أثيب وبهم أعاقب»([13]).
وعن الباقر قال: «إن الله لما خلق إبراهيم كشف لـه عن بصره، فرأى نورًا إلى جنب العرش، فقال: يا رب، ما هذا النور؟ فقيل له: هذا نور علي بن أبي طالب، ورأى إلى جنبه ثلاثة أنوار، فقال: إلهي، وما هذه الأنوار؟ فقال: هذا نور فاطمة وولديها الحسن والحسين، فقال: إلهي، وأرى تسعة أنوار قد حفوا بهم، قيل: يا إبراهيم، هؤلاء الأئمة من ولد علي وفاطمة، فقال إبراهيم: إلهي، بحق هؤلاء الخمسة من هؤلاء التسعة؟ فقيل: يا إبراهيم، أولهم: علي بن الحسين، وابنه محمد، وابنه جعفر، وابنه موسى، وابنه علي، وابنه محمد، وابنه علي، وابنه الحسن، والحجة القائم ابنه»([14]).
وعن أمير المؤمنين، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ليلة أسري بي إلى السماء رأيت قصورًا -وذكر وصفها- إلى أن قال: فقال لي جبرائيل: هذه القصور خلقها الله لشيعة أخيك علي، وخليفتك من بعدك على أمتك، وهم السواد الأعظم، ولشيعة ابنه الحسن من بعده، ولشيعة الحسين من بعده، ولشيعة علي بن الحسين من بعده، ولشيعة ابنه محمد بن علي من بعده، ولشيعة ابنه جعفر بن محمد من بعده، ولشيعة ابنه موسى بن جعفر من بعده، ولشيعة ابنه علي بن موسى من بعده، ولشيعة ابنه محمد بن علي من بعده، ولشيعة ابنه علي بن محمد من بعده، ولشيعة ابنه الحسن بن علي من بعده، ولشيعة ابنه محمد المهدي من بعده، هؤلاء يا محمد الأئمة من بعدك، أعلام الهدى، ومصابيح الدجى»([15]).
وعنه -أيضًا- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في قول الله تعالى: ] ª!$# â‘عزوجلçR ÅVºuعزوجل»yJ¡¡9$# ÇÚö‘F{$#ur [ [النور:35]: «يا علي [النور] اسمي، [والمشكاة] أنت يا علي، [مصباح، مصباح] الحسن والحسين، [الزجاجة] علي بن الحسين، [كأنها كوكب دري] محمد بن علي، [يوقد من شجرة] جعفر بن محمد، [مباركة] موسى بن جعفر، [زيتونة] علي بن موسى، [لا شرقية] محمد بن علي، [ولا غربية] علي بن محمد، [يكاد زيتها] الحسن بن علي، [يضيء] قائم المهدي»([16]).
فليت شعري إذا كان هذا هو معنى الآية فبأي لغة يفهم القرآن إذًا؟!! ولك أخي القارئ أن تحكم بنفسك على أمثال هذه الروايات.
وعنه أيضًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الليلة التي كانت فيها وفاته: «يا علي، أحضر صحيفة ودواة، فأملى رسول الله وصيته حتى انتهى إلى هذا الموضع، فقال: يا علي، إنه سيكون من بعدي اثنا عشر إمامًا، فأنت يا علي أول الاثني عشر، سمَّاك الله في سمائه: عليًا، والمرتضى، وأمير المؤمنين، والصديق الأكبر، والفاروق الأعظم، والمأمون المهدي، فلا تصلح هذه الأسماء لأحد غيرك.
يا علي، أنت وصيي على أهل بيتي حيهم وميتهم، وعلى نسائي، فمن ثبّتّها لقيَتْني غدًا، ومن طلقتها فأنا بريء منها، لم ترني ولم أرها في عرصة القيامة، وأنت خليفتي على أمتي من بعدي، فإذا حضرتك الوفاة فسلمها إلى ابني الحسن البر الوصول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابني الحسين الزكي الشهيد المقتول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه سيد العابدين ذي الثفنات علي، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد الباقر العلم، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه جعفر الصادق، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه موسى الكاظم، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه علي الرضا، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد الثقة التقي، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه علي الناصح، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه الحسن الفاضل، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد المستحفظ من آل محمد، فذلك اثنا عشر إمامًا»([17]).
وأمثال هذه الروايات كثيرة لا يتسع لذكر جميعها هذا الكتاب، وفيما أوردناه كفاية لذوي الألباب، ومن أراد الاستزادة فعليه بطلبها من مظانها([18]).

 
منزلة الإمامة والأئمة عند الشيعة
 
يرى الشيعة أن الإيمان بولاية الأئمة أصل من أصول الدين، ولا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها، شأنها في ذلك شأن باقي الأركان، وقد وضعوا على لسان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة أنهم قالوا: «بني الإسلام على خمس: الولاية، والصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، والحج».
وفي رواية: «بني الإسلام على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، والحج إلى البيت، وولاية علي بن أبي طالب»([19]).
بل إنهم جعلوها أعظم هذه الأركان، فزعموا أن الله عزوجل قد أوصى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالإمامة أكثر من أي شيء آخر.
فعن الصادق قال: «عرج بالنبي إلى السماء مائة وعشرين مرة، ما من مرة إلا وقد أوصى الله عزوجل فيها النبي بالولاية لعلي والأئمة أكثر مما أوصاه بالفرائض»([20]).
وعن زرارة، عن أبي جعفر قال: «بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة، والزكاة والصوم، والحج، والولاية، قال زرارة: وأي شيء من ذلك أعظم؟ فقال: الولاية أفضل، لأنها مفتاحهن»([21]).
لذا فليس من المستغرب أن يضع القوم روايات ترخص في جميع الأركان ما عداها، كقولـهم عن الباقر: «بني الإسلام على خمس: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، والولاية لنا أهل البيت، فجعل في أربع منها رخصة ولم يجعل في الولاية رخصة»([22]).
وزعموا أن الله عزوجل قد أخذ المواثيق من الأنبياء عند بعثتهم بالولاية، ووضعوا في ذلك روايات، كقولـهم: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي ا: «يا علي، ما بعث الله نبيًا إلا وقد دعاه إلى ولايتك طائعًا أو كارهًا».
وفي رواية: «لم يبعث الله نبيًا ولا رسولًا إلا وأخذ عليه الميثاق لمحمد بالنبوة ولعلي بالإمامة».
وفي رواية: عن الصادق: «ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث الله نبيًا قط إلا بها».
وعن الرضا: «ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولم يبعث الله نبيًا إلا بنبوة محمد ووصية علي صلوات الله عليهما»([23]).
وعليها جعلوا مدار قبول الأعمال من العباد، فنسبوا إلى الصادق قولـه: «إن أول ما يسأل عنه العبد إذا وقف بين يدي الله جل جلاله عن الصلوات المفروضات، وعن الزكاة المفروضة، وعن الصيام المفروض، وعن الحج المفروض، وعن ولايتنا أهل البيت، فإن أقر بولايتنا ثم مات عليها قبلت منه صلاته وصومه وزكاته وحجه، وإن لم يقر بولايتنا بين يدي الله جل جلاله لم يقبل الله منه شيئًا من أعماله»([24]).
وعنه أيضًا قال: «نزل جبرائيل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد، السلام يقرئك السلام، ويقول: خلقت السموات السبع وما فيهن، والأرضين السبع ومن عليهن، وما خلقت موضعًا أعظم من الركن والمقام، ولو أن عبدًا دعاني هناك منذ خلقت السموات والأرضين ثم لقيني جاحدًا لولاية علي لأكببته في سقر».
وفي رواية: «لو جاء أحدكم يوم القيامة بأعمال كأمثال الجبال ولم يجيء بولاية علي بن أبي طالب لأكبه الله عزوجل في النار».
وفي رواية: عن زين العابدين: «إن أفضل البقاع ما بين الركن والمقام، ولو أن رجلًا عُمِّر ما عُمِّر نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يصوم النهار ويقوم في ذلك الموضع ثم لقي الله بغير ولايتنا لم ينفعه ذلك شيئًا».
وعن جده علي بن أبي طالب ا قال: «لو أن عبدًا عبد الله ألف سنة لا يقبل الله منه حتى يعرف ولايتنا أهل البيت، ولو أن عبدًا عبد الله ألف سنة وجاء بعمل اثنين وسبعين نبيًا ما يقبل الله منه حتى يعرف ولايتنا أهل البيت، وإلا أكبه الله على منخريه في نار جهنم».
وفي رواية: «والله لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله منه إلا بولايتنا».
وفي أخرى: «أما والله لو أن رجلًا قام ليله وصام نهاره، وتصدق بجميع ماله، وحج جميع دهره، ولم يعرف ولاية وليي ما كان لـه على الله حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان»([25]).
ونسبوا إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «التاركون ولاية علي خارجون عن الإسلام»([26]).
وإلى الصادق قولـه: «الجاحد لولاية علي كعابد وثن»([27]).
لذا حكى المفيد إجماع الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة فهو كافر ضال، مستحق للخلود في النار([28]).
والروايات في الباب تطول، حتى عقد بعضهم أبوابًا خاصة في بيان هذه المسألة، كباب: أنه لا تقبل الأعمال إلا بالولاية([29])، وباب: كفر المخالفين والنُّصّاب([30]).
ولم يشأ القوم أن يتركوا من أمور السموات والأرض شيئًا حتى جعلوا له نصيبًا من هذه العقيدة، ولعلَّ في نقل مواضع الحاجة من الروايات الآتية -وهي غيض من فيض- بيانًا يغني عن التعليق.
يروي القوم أنّ (لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين) مكتوبة على مجرى الماء، وأطباق الأرض، ورؤوس الجبال([31]).
ومكتوب على أطواد الأرضين: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي وصيه([32]).
وعلى الشمس والقمر: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين([33]).
وفي رواية: «مكتوب على أحد وجهي الشمس: علي نور الأرضين»([34]).
وعلى أحد الغيوم التي كانت تظله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بعلي سيد الوصيين»([35]).
وفي أترجة هبط بها جبرائيل من الجنة: «لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين»([36]).
وعلى رأس غزال وجده عبد المطلب لما حفر زمزم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي ولي الله([37]).
وفي ليلة الإسراء والمعراج زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجد مكتوبًا على صخرة بيت المقدس: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بوزيره ونصرته بوزيره، فقال لجبرائيل: ومن وزيري؟ فقال: علي بن أبي طالب([38]).
وعندما نعرج إلى السماء؛ نجد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين مكتوب على أكناف السموات([39]).
وفي رواية: «مكتوب على باب كل سماء: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين»([40]).
وعلى كل أسطوانة في السماء مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين أيدته به([41]).
وقبل الدخول إلى الجنة نجد مكتوبًا على بابها بزعم القوم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أخو رسول الله([42]).
وفي رواية: «لا إله إلا الله محمد حبيب الله، علي ولي الله، فاطمة أمة الله، الحسن والحسين صفوة الله، على مبغضيهم لعنة الله»([43]).
وفي أخرى: «مكتوب على أبواب الجنة الثمانية: علي ولي الله»([44]).
وفي أخرى: «علي بن أبي طالب أمير المؤمنين»([45]).
وأما داخلَها فما التفتنا يمينًا أو شمالًا إلا وجدنا اسم علي بن أبي طالب ا دوننا، فعلى أوراق الجنة مكتوب: علي بن أبي طالب ولي الله([46]).
وعلى جناح جبرائيل u مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين([47]).
وفي رواية: «لا إله إلا الله علي الوصي»([48]).
وعلى جبهة إسرافيل: «لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين»([49]).
وبين منكبي أحد الملائكة: علي الصديق الأكبر([50])وآخر: علي وصيه([51]).
وفي سدرة المنتهى: إني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي، محمد صفوتي من خلقي، أيدته بوزيره، ونصرته بوزيره.
ويروي القوم أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال لجبرائيل: ومن وزيري؟ فقال: علي بن أبي طالب([52]).
وعندما نقترب من العرش نجد مكتوبًا على كل حجاب من حجب النور: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين([53]).
وعلى حواشي هذه الحجب مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي وصيه([54]).
وأورد القوم رواية فيها عدد هذه الحجب، وهي: (70.000) حجاب([55]).
وفي أخرى: «(90.000) حجاب([56])، وأما اللوح فمكتوب عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين»([57]).
وعلى حدوده مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي وصيه([58]).
أما العرش نفسه فلم يُترك جانب من جوانبه إلا وكتب عليه اسم علي بن أبي طالب ا، فعلى قوائمه مكتوب: أنا الله لا إله إلا أنا، محمد حبيبي، أيدته بوزيره، ونصرته بوزيره([59]).
وفي رواية: «لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين»([60]).
وفي ثالثة: «علي وصي محمد»([61]).
وفي أخرى: «علي بن أبي طالب أمير المؤمنين»([62]).
وأخرى: «لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بعلي، ونصرته بعلي»([63]).
وفي رواية أخرى: «مكتوب على إحدى قوائم العرش -وفي رواية: على الساق الأيمن-: أنا الله لا إله إلا أنا وحدي، خُلِقت عَدنٌ بيدي، محمد صفوتي من خلقي، أيدته بعلي، ونصرته بعلي»([64]).
وذكر القوم أن عدد أركان العرش هو (360.000) ([65]).
ومكتوب حول العرش: علي أمير المؤمنين([66])، وعليه: أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، محمد عبدي ورسولي أيدته بعلي([67]).
وفي رواية: «محمد خير النبيين، وعلي سيد الوصيين«([68]).
وعلى بطنان العرش: أنا الله لا إله إلا أنا وحدي، محمد عبدي ورسولي، أيدته بوزيره، ونصرته بوزيره([69])... وهكذا، وهي كثيرة لا يتسع المقام لحصرها([70]).
ولم يكتف آخرون بهذا، بل جعلوا له بُعدًا آخر تجاوز الموجودات؛ حيث جعلوا خلق الأئمة قبل آدم u، فزعم بعضهم أن ذلك -أي: خلقهم- كان قبل خلق آدم u بألفي عام، فعن داود بن كثير، عن أبي عبدالله، أنه نادى سماعة بن مهران وسأله أن يأتيه بسلّة الرطب، فأتاه بسلة فيها رطب، فتناول رطبة فأكلها واستخرج النواة من فمه فغرسها في الأرض، ففلقت وأنبتت وأطلعت وأعذقت، فضرب بيده إلى بسرة من عذق، فشقها واستخرج منها رقًا أبيض، ففضه ودفعه إليّ، وقال: اقرأه؟ فقرأته وإذا فيه سطران:
السطر الأول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
والسطر الثاني: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، الحسن بن علي، الحسين بن علي، علي بن الحسين، محمد بن علي، جعفر بن محمد، موسى بن جعفر، علي بن موسى، محمد بن علي، علي بن محمد، الحسن بن علي، الخلف الحجة، ثم قال: يا داود، أتدري متى كتب هذا في هذا؟ فقلت: الله أعلم ورسوله وأنتم، قال: قبل أن يخلق آدم بألفي عام([71]).
وعن أبي جعفر: «إن الله خلق أربعة عشر نورًا من نور عظمته قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فهي أرواحنا: محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وتسعة من أولاده»([72]).
وعن الصادق قال: «كنا أشباحَ نورٍ حول العرش نسبح قبل أن يخلق آدم بخمسة عشر ألف عام»([73]).
وعن الكاظم قال: «بينا رسول الله جالس؛ إذ دخل عليه ملك له أربعة وعشرون وجهًا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حبيبي جبرئيل، لم أرك في مثل هذه الصورة؟ فقال الملك: لست جبرئيل، أنا محمود، بعثني الله عزوجل أن أزوج النور من النور، فقال: مَن مِمن؟ قال: فاطمة من علي، قال: فلما ولَّى الملك إذ بين كتفيه: محمد رسول الله، علي وصيه، فقال له رسول الله: منذ كم كتب هذا بين كتفيك؟ فقال: من قبل أن يخلق الله عزوجل آدم باثنين وعشرين ألف عام».
وفي رواية: «بأربعة وعشرين ألف عام»([74]).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ليلة أسري بي إلى السماء ما مررت ببابٍ من أبواب الجنة إلا ورأيت مكتوبًا عليه: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين من قبل أن أخلق آدم بسبعين ألف عام»([75]).
ولم يقنع فريق آخر من القوم بكل هذا، وعزَّ عليه أن يجد أي مخلوق آخر قد سبق خلقه خلق الأئمة، فقالوا: إن الله خلق نور محمد قبل خلق المخلوقات كلها بأربعمائة ألف سنة وأربعة وعشرين ألف سنة، وخلق منه الأئمة.
وهنا -أيضًا- استمرت الأرقام في ازدياد وتفاوت، حتى استقرت على مليوني عام قبل الخلق، حيث روى القوم عن الصادق أنه قال: «إن الله خلقنا قبل الخلق بألفي ألف عام، فسبحنا فسبحت الملائكة لتسبيحنا»([76]).
كيف؟ وهل كانت الملائكة موجودة أم هي ليست من الخلق؟!
وفي حقيقة الأمر أن الروايات في هذه المسألة والتي سبقتها قد ملأت كتب القوم بحيث يستحيل حصرها في كتابنا الموجز هذا، وإن وقوفنا على هذا العدد -مليوني عام- لا يعني بالضرورة أن هذا آخر عدد ورد في المسألة، ولكنه آخر ما وقفنا عليه في المراجع المتواضعة التي بين أيدينا، فضلًا عن كوننا لم نأتِ عليها جميعًا.
ثم رمانا القوم بثالثة الأثافي بجعلهم الأئمة علة خلق آدم u، فقالوا: «إن الله عزوجل قال لآدم: فوعزتي وجلالي لولا عبدان أريد أن أخلقهما في آخر الزمان ما خلقتك، فقال آدم: يا رب، بقدرهم عندك ما اسمهم؟ فقال تعالى: يا آدم، انظر نحو العرش، فإذا بسطرين من نور:
أول السطر: لا إله إلا الله محمد نبي الرحمة، وعلي مفتاح الجنة.
والسطر الثاني: آليت على نفسي أن أرحم من والاهما، وأعذب من عاداهما»([77]).
وهنا أيضًا تجاوز خلق آدم إلى سائر الموجودات، فذكروا في رواية أن الله عزوجل قال لآدم ×: «لولاهما ما خلقت خلقي».
وفي أخرى: «لولاهم ما خلقتك ولا خلقت الجنة والنار ولا السماء والأرض».
وفي أخرى: «لولاهم لما خلق الله الأفلاك».
وفي رواية أخرى: «قال لآدم وحواء: لولاهم ما خلقتكما».
وفي أخرى: «لولاهم ما خلقتك، ولا خلقت الجنة ولا النار، ولا العرش ولا الكرسي، ولا السماء ولا الأرض، ولا الملائكة، ولا الجن ولا الإنس»([78]).
ونسبوا إلى زين العابدين قولـه: «لولا نحن لم يخلق الله أرضًا ولا سماءً، ولا جنةً ولا نارًا، ولا شمسًا ولا قمرًا، ولا برًا ولا بحرًا، ولا سهلًا ولا جبلًا، ولا رطبًا ولا يابسًا، ولا حلوًا ولا مرًا، ولا ماءً ولا نباتًا ولا شجرًا، اخترعنا الله من نور ذاته لا يقاس بنا بشر»([79]).. وغيرها([80]).
وذكروا أن تسمية علي بن أبي طالب ا بأمير المؤمنين كان وآدم بين الروح والجسد([81]).
وهنا -أيضًا- لم يرضَ البعض بهذا، فقال: بل كان ذلك لما خلق الله السموات والأرض إذ نادى منادٍ: علي أمير المؤمنين([82]).
وهكذا نجد أن أبعاد منزلة الإمامة عند الشيعة لم تقتصر على نصوص وردت على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في منزلة علي ا وإمامته -كما ستقف عليها وعلى حقيقتها- أو على كونها لطفًا من الله وبنص منه عزوجل لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم فحسب، بل جعلت ركنًا من أركان الإسلام وأفضلها، وبها أخذ الله ميثاق الأنبياء ‡ عند بعثتهم، وعليها مدار قبول الأعمال من العباد، وحكوا الإجماع على كفر منكرها وخلوده في النار.
وعلى أي حال، فقبل الشروع في المقصود نبين هنا -في عجالة- مسائل أخرى تبين منزلة الإمامة عند القوم زيادة على ما مر؛ فضلًا عما سنورده في طيات هذا الكتاب من نصوص أخرى، فنقول:
إن القوم عقدوا في كتبهم أبوابًا في بيان منزلة الإمامة والأئمة تبينها عناوينها، مما يغنينا عن سرد محتواها، منها:
باب: (وجوب معرفة الإمام، وأنه لا يعذر الناس بترك الولاية، وأن من مات ولا يعرف إمامه أو شك فيه مات ميتة جاهلية وكفر ونفاق)([83])
باب: (أن من أنكر واحدًا منهم فقد أنكر الجميع)([84])
باب: (أن الناس لا يهتدون إلا بهم، وأنهم الوسائل بين الخلق وبين الله، وأنه لا يدخل الجنة إلا من عرفهم)([85])
باب: (عرض الأعمال عليهم، وأنهم الشهداء على الخلق)([86])
باب: (تأويل المؤمنين والإيمان والمسلمين والإسلام بهم وبولايتهم، والكفار والمشركين والكفر والشرك والجبت والطاغوت واللات والعزى والأصنام بأعدائهم ومخالفيهم)([87])
باب: (أنهم الأبرار والمتقون والسابقون والمقربون، وشيعتهم أصحاب اليمين، وأعداؤهم الفجار والأشرار وأصحاب الشمال)([88])
باب: (أنهم النجوم والعلامات، وغرائب التأويل فيهم وفي أعدائهم)([89])
باب: (أنهم الصافون والمسبحون، وصاحب المقام المعلوم وحملة عرش الرحمن، وأنهم السفرة الكرام البررة)([90])
باب: (أنهم البحر واللؤلؤ والمرجان)([91])
باب: (أنهم الماء المعين، والبئر المعطلة، والقصر المشيد، وتأويل السحاب والمطر والظل والفواكه وسائر المنافع الظاهرة بعلمهم وبركاتهم)([92]).
باب: (في تأويل النحل بهم([93])، وأنهم السبع المثاني)([94]).
باب: (أنهم وولايتهم العدل والمعروف والإحسان والقسط والميزان، وترك ولايتهم وأعداؤهم الكفر والفسوق والعصيان والفحشاء والمنكر والبغي)([95])
باب: (تأويل الأيام والشهور بالأئمة)([96])
باب: (أنهم الصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الطاعات، وأعداؤهم الفواحش والمعاصي في بطن القرآن)([97])
باب: (جهات علومهم وما عندهم من الكتب وأنه ينقر في آذانهم وينكت في قلوبهم)([98])
باب: (أنهم يزدادون ولولا ذلك لنفد ما عندهم، وأن أرواحهم تعرج إلى السماء في ليلة الجمعة)([99])
باب: (أنهم خزان الله على علمه وحملة عرشه)([100])
باب: (أنهم لا يحجب عنهم علم السموات والأرض والجنة والنار، وأنه عرض عليهم ملكوت السموات والأرض، ويعلمون علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة)([101])
باب: (أنهم يعرفون الناس بحقيقة الإيمان وبحقيقة النفاق، وعندهم كتاب فيه أسماء أهل الجنة وأسماء شيعتهم وأعدائهم، وأنه لا يزيلهم خبر مخبر عما يعلمون من أحوالهم)([102])
باب: (أن الله يرفع للإمام عمودًا ينظر به أعمال العباد)([103])
باب: (أنه لا يحجب عنهم شيء من أحوال شيعتهم، وما تحتاج إليه الأمة من جميع العلوم، وأنهم يعلمون ما يصيبهم من البلايا ويصبرون عليها، ولو دعوا الله في دفعها لأجيبوا، وأنهم يعلمون ما في الضمائر، وعلم البلايا، وفصل الخطاب، والمواليد)([104])
باب: (في أن عندهم كتبًا فيها أسماء الملوك الذين يملكون في الأرض)([105])
باب: (أن عندهم جميع علم الملائكة والأنبياء، وأنهم أعطوا ما أعطاه الله الأنبياء ، وأن كل إمام يعلم جميع علم الإمام الذي قبله)([106])
باب: (في أن عندهم صلوات الله عليهم كتب جميع الأنبياء يقرؤونها على اختلاف لغاتها)([107]).
باب: (أنهم يعلمون جميع الألسن واللغات ويتكلمون بها)([108])
باب: (أنهم أعلم من الأنبياء )([109])
باب: (تفضيلهم على الأنبياء وعلى جميع الخلق، وأخذ ميثاقهم عنهم وعن الملائكة وعن سائر الخلق، وأن أولي العزم إنما صاروا أولي العزم بحبهم صلوات الله عليهم)([110])
باب: (أن دعاء الأنبياء استجيب بالتوسل والاستشفاع بهم صلوات الله عليهم)([111])
باب: (أن الملائكة تأتيهم وتطأ فرشهم، وأنهم يرونهم صلوات الله عليهم أجمعين)([112])
باب: (أن الجن خدامهم يظهرون لهم ويسألونهم عن معالم دينهم)([113])
باب: (أن عندهم الاسم الأعظم، وبه يظهر منهم الغرائب)([114])
باب: (أنهم يقدرون على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وجميع معجزات الأنبياء)([115])
باب: (أنهم سخر لهم السحاب ويسر لهم الأسباب)([116])
باب: (أنهم الحجة على جميع العوالم وجميع المخلوقات)([117])
باب: (ما ينفع حبهم فيه من المواطن، وأنهم يحضرون عند الموت وغيره، وأنه يسأل عن ولايتهم في القبر)([118])
باب: (أنهم يعلمون منطق الطيور والبهائم)([119])
باب: (أنهم يعلمون متى يموتون، وأنه لا يقع ذلك إلا باختيارهم)([120])
باب: (أنهم يظهرون بعد موتهم، ويظهر منهم الغرائب، ويأتيهم أرواح الأنبياء ، وتظهر لهم الأموات من أوليائهم وأعدائهم)([121])
باب: (أنهم شفعاء الخلق، وأن إياب الخلق إليهم وحسابهم عليهم، وأنه يسأل عن حبهم وولايتهم في يوم القيامة)([122])
باب: (ما عند الأئمة من سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآيات الأنبياء، مثل: عصا موسى، وخاتم سليمان، والطست، والتابوت، والألواح، وقميص آدم)([123]).
باب: (أنهم يعرفون الإضمار وحديث النفس قبل أن يخبروا به)([124]).
باب: (أنهم يخبرون شيعتهم بأفعالهم وسرهم وأفعال غيبهم وهم غيب عنهم)([125])
باب: (أنهم يعلمون من يأتي أبوابهم ويعلمون بمكانهم من قبل أن يستأذنوا عليهم)([126])
باب: (أنهم يعرفون آجال شيعتهم وسبب ما يصيبهم)([127])
وبهذا تحصلت عندك صورة واضحة لمنزلة الإمامة عند الشيعة والدرجة التي أوصلها القوم إليها، وإن كنا قد أعرضنا عن ذكر الكثير من الروايات، فضلًا عن عدم ذكرنا لأي رواية من روايات الأبواب آنفة الذكر رغم احتوائها على العشرات منها كما ترى؛ فإن عناوينها أغنتنا عن سرد محتواها.
وقد تعدى الأمر مسألة »الإمامة والنص« إلى ما رأيته من غلو دونه كل غلو في تقديس أشخاصهم وصفاتهم.

 
الكلام في النص وإمكانية خفائه ومتى كان النص
على علي بن أبي طالب رضي الله عنه
إذا علمت كل هذا: مِنْ أن الله عزوجل قد نصَّ على خلافة علي بن أبي طالب ا والأئمة من بعده، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد بلَّغ هذا وأظهر فرض طاعتهم كما مرَّ بك، استحال أن يكون النص مخفيًا عليه صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الأئمة، وعلى أصحابهم وأهل زمانهم، كما لا يجوز أن يظهر النبي شيئًا في زمانه فيخفى عمن ينشأ بعد زمانه حتى لا يعلمه إلا بنظر ثاقب، واستدلال عليه، كشأننا الآن.
بهذه التوطئة الموجزة التي يجب عليك أن تستحضرها وأنت تقرأ كتابنا هذا، والمقدمة التي قرأتَها والتي يجب ألا تفارقها نشرع في المقصود:
لا شك بعد كل ما مر بك أنه ليس بالمستغرب أن يضع القوم روايات تتفق مع هذه العقيدة عند مولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو علي بن أبي طالب ا، فرووا أن فاطمة بنت أسد جاءت إلى أبي طالب تبشره بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لها: «اصبري سبتًا آتيك بمثله إلا النبوة، وقال: السبت ثلاثون سنة، وكان بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين ثلاثون سنة»([128]).
وفي رواية: «إنك تحبلين وتلدين بوصيه ووزيره».
وفي أخرى: «أما إنك ستلدين مولودًا يكون وصيه».
وفي أخرى: «هو إنما يكون نبيًا وأنت تلدين وزيرًا بعد ثلاثين»([129]).
ويقولون: إن الراهب المثرم بن دعيب قد أخبره بأنه سيلد وصي محمد، وسيكون اسمه عليًا([130]).
وقالوا: لما ولد علي بن أبي طالب ا، أول شيء فعله عند مولده أن سجد على الأرض، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأشهد أن عليًا وصي محمد رسول الله، وبمحمد ختم الله النبوة، وبي يُتمّ الوصية، وأنا أمير المؤمنين([131]).
وعندها أهبط القوم جبرئيل u ليقول للرسول صلى الله عليه وآله وسلم بزعمهم: يا حبيب الله، الله يقرئك السلام، ويقول: هذا أوان ظهور نبوتك، وإعلاء درجتك، وكشف رسالتك، إذ أيدتك بأخيك وخليفتك، ومن شددت به أزرك، وأعليت به ذكرك علي بن أبي طالب([132]).
ثم يستمر القوم في سرد ما يناسب المقام ليضعوا رواية لعلها تبين أول لقاء بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعلي بن أبي طالب ا بعد مولده، ليدور التالي: «لما ولد علي بن أبي طالب ا خرَّ ساجدًا ثم رفع رأسه، فأذّن وأقام، وشهد بالوحدانية، ولمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة، ولنفسه بالخلافة والولاية، ثم أشار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أَقرأُ يا رسول الله؟ فقال: نعم، فابتدأ بصحف آدم، فقرأها حتى لو حضر شيث لأقر أنه أعلم بها منه، ثم تلا صحف نوح، وصحف إبراهيم، والتوراة والإنجيل، ثم تلا: ( ô‰s% yxn=øùr& tbعزوجلãZÏB÷sßJø9$# ) [المؤمنون:1] فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: نعم، قد أفلحوا إذ أنت إمامهم، ثم خاطبه بما يخاطب به الأنبياء والأوصياء، ثم سكت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: عد إلى طفوليتك، فأمسك»([133]).
وفي طفوليته تلك كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسأل أم علي بن أبي طالب ا -كما يزعم القوم- أن تضع مهده بقرب فراشه، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يلي أكثر تربيته، ويحمله على صدره، ويقول: «هذا أخي ووليي وناصري وصفيي وذخري وظهري وظهيري ووصيي وزوج كريمتي وأميني على وصيتي وخليفتي»([134]).
فتأمل.. كيف يكون هذا والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يبعث بعد!
ومرَّت على ذلك سنوات حتى بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكان أن دعاه ا وخديجة ل في بدء الدعوة، وقال كما يروي القوم عن الصادق: «إن جبرئيل عندي يدعوكما إلى بيعة الإسلام، فأسلما تسلما... إلى أن قال: يا خديجة، هذا علي مولاك ومولى المؤمنين وإمامهم بعدي، قالت: صدقت يا رسول الله، قد بايعته على ما قلت، أُشهد الله وأشهدك بذلك، وكفى بالله شهيدًا عليمًا»([135]).
ولم يشأ القوم أن يدعوا والدي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بمنأى عن هذه العقيدة، فكان أن وضعوا في شأنهما رواية تقول: «إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج إلى البقيع ذات ليلة مع علي بن أبي طالب ا، فأخرج أباه من قبره، وسأله: من وليك يا أبه؟ فقال: وما الولي يا بني؟ قال: هو هذا علي، فشهد أن عليًا وليه، ثم عدل إلى قبر أمه فصنع كما صنع عند قبر أبيه»([136]).
ويبدو أن واضع هذه الرواية جاهل بموقع قبري والدي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى جعلهما في البقيع.
وعلى أي حال، لا نمل القارئ بنسجنا على هذا المنوال وإلا طال بنا المقام، فكل ما أوردناه من روايات أو تلك التي أعرضنا عنها إنما وضعت لتخدم هذه العقيدة، فهي منسجمة تمامًا مع ما مرَّ بك في أول هذا الباب وتتفق معها باعتبار معتقد القوم، وبناءً على هذا لا يفترض خلاف ذلك: من جهلٍ بالنص، أو غيابه عن سائر الناس أو معظمهم فضلًا عن صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وسلم، أو على من يجب أن يلي الأمر من بعده من أئمة منصوص عليهم من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
ولكن الحال أن الأمر يختلف تمامًا عن هذه الفرضية التي يجب أن نسلم بها مع القوم باعتبار كل ما مر بك، فقد اضطرب القوم واضطربت رواياتهم بعد ذلك بشكل لا يكاد يضبط ولا بد؛ لقولـه تعالى: ( öعزوجلs9ur tb%x. ô`ÏB Ï‰ZÏã ÎŽöxî «!$# (#r߉y`uعزوجلs9 ÏmŠÏù $Zÿ»n=ÏF÷z$# #ZŽÏWŸ2 ÇÑËÈ )


[سورة النساء]

 
روايات من طرق الشيعة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
تتعارض مع مسألة النص
أول ذلك حديث يوم الدار أو بدء الدعوة، لما نزل قولـه تعالى: ( ö‘É‹Rr&ur y7s?uŽÏ±t㠚úüÎ/tø%F{$# ÇËÊÍÈ ) [سورة الشعراء] حيث روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا بني عبد المطلب وهم يومئذٍ أربعون رجلًا، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب، وكان قد أولَم لهم، وبعد أن أكلوا وشربوا، قال: «يا بني عبد المطلب، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني يكن أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي. فأحجم القوم جميعًا إلا عليًا قال: أنا يا نبي الله، فأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم برقبته، وقال: هذا أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا».
وهذا يعني أنه لم يكن وزيره ولا وصيه قبل ذلك.
وسوف نسهب في مناقشة أسانيد هذه القصة ومتونها في حينه، ولكن ما يعنينا من هذه الرواية الآن هو ما نحن بصدده، فإنه لا شك أنه قد تبادر إلى ذهنك شيء وهو: كيف خفي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى علي ا وعلى كل من حضر الوليمة مسألة النص بعد كل ما مر، حتى إننا لم نجد أحدًا منهم قد استدرك ذلك، لا أقلَّ من علي بن أبي طالب ا، وهو يجد أن إمامته توشك أن تذهب إلى غيره بعرضها عليهم، أو أبيه الذي انتظر سبتًا ليرى وصي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد ولد؟!!
فإن أبطلنا كل ما مرَّ بك باعتبار هذه الرواية، لا نلبث أن نرى أخرى تسقطها هي أيضًا.. وهكذا، وهذه الأخرى تتمثل في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أخذت الدعوة منحىً عامًا أخذ يعرض نفسه على القبائل، فجاء إلى بني كلاب، فقالوا: «نبايعك على أن يكون لنا الأمر بعدك، فقال: الأمر لله، فإن شاء كان فيكم أو في غيركم، فمضوا ولم يبايعوه، وقالوا: لا نضرب لحربك بأسيافنا ثم تحكم علينا غيرنا»([137]).
فما الذي اضطره صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا القول مع ما تقدم؟ ألم يكن عليه أن يبين أن هذا الأمر قد تم قبل أشهر حين قال لعشيرته وهو ممسك برقبة ابن عمه: «هذا أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا»، فضلًا عن أن ذلك قد تم منذ مليوني عام قبل الخلق؟
وقد تكرر منه صلى الله عليه وآله وسلم القول نفسه بعد ذلك بسنين طويلة، وذلك لما جاءه عامر بن الطفيل في وفد بني عامر بن صعصعة في السنة العاشرة من الهجرة، وقال له: «ما لي إن أسلمت؟ فقال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم، قال: تجعل لي الأمر من بعدك؟ قال: ليس ذلك إليَّ، إنما ذلك إلى الله عزوجل يجعله حيث يشاء»([138]).
وهكذا.. يستمر مسلسل خفاء النص عليه صلى الله عليه وآله وسلم، حتى أواخر أيامه بمكة قبل الهجرة، وذلك في ليلة الإسراء والمعراج([139])، وقد أعرضنا عن ذكر الكثير من الروايات السابقة لذلك تحاشيًا للتكرار، إذ إننا سنورد بعضها في حينها.
تقول رواية القوم: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إني لما بلغت بيت المقدس في معراجي إلى السماء وجدت على صخرتها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بوزيره ونصرته به، فقلت: يا جبرئيل، ومن وزيري؟ فقال: علي بن أبي طالب»([140]).
والطريف أن القوم يروون عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «كنت نائمًا بالحجر، إذ أتاني جبرئيل فحركني تحريكًا لطيفًا، ثم قال: عفا الله عنك يا محمد، قم واركب فَفِدْ إلى ربك، فأتاني بالبراق فركبت -ثم ذكر ما لاقاه في مسيره.. -إلى أن قال-: فإذا أنا برجل أبيض الوجه، جعد الشعر، فقال لي: يا محمد، احتفظ بالوصي -ثلاث مرات- علي بن أبي طالب المقرب من ربه، قال: لما جزت الرجل وانتهيت إلى بيت المقدس، إذا أنا برجل أحسن الناس وجهًا، وأتم الناس جسمًا، وأحسن الناس بشرةً، فقال: يا محمد، احتفظ بالوصي -ثلاث مرات- علي بن أبي طالب المقرب من ربه، الأمين على حوضك صاحب شفاعة الجنة... ثم ذكر بقية القصة، وفي نهايتها قال لـه جبرئيل: الذين لقيتهما في الطريق وقالا لك: احتفظ بالوصي، كانا عيسى وآدم إ»([141]).
أي: رغم هذه الوصايا الست منهما إ ، لم يدرك صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ وزيره الذي أيده ونصره به، وافترض أن يكون رجلًا آخر سوى علي ا.
والطريف -أيضًا- ذكرهم على لسانه صلى الله عليه وآله وسلم عشرات الروايات، يقول له فيها: إنه وزيره، ولعل أقربها إليك ما أوردناه آنفًا عند حديثنا عن بدء الدعوة.
وعلى أي حال، لنعرج مع القوم إلى السماء، وننظر ماذا حصل هناك.. قالوا: لما صعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء، قالت الملائكة: نشهد أنك رسول الله، فما فعل وصيك علي؟ قال: خلفته في أمتي، قالوا: نعم الخليفة خلفت، أما إن الله عزوجل فرض علينا طاعته. ثم صعد إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة مثلما قالت ملائكة السماء الدنيا، فلما صعد إلى السماء السابعة لقيه عيسى u فسلم عليه، وسأله عن علي، فقال له: خلفته في أمتي، قال: نعم الخليفة خلفت، أما إن الله فرض على الملائكة طاعته. ثم لقيه موسى u والنبيون نبيًا نبيًا، فكلهم يقول مقالة عيسى u ([142]).
وفي السماء الرابعة زعم القوم أنه صلى الله عليه وآله وسلم رأى ديكًا بدنه درة بيضاء، وعيناه ياقوتتان حمراوان، ورجلاه من الزبرجد الأخضر، وهو ينادي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ولي الله، فاطمة وولداها الحسن والحسين صفوة الله، يا غافلين اذكروا الله، على مبغضيهم لعنة الله([143]).
وفي نفس السماء صلَّى بالأنبياء وكانوا مائة وأربعة وعشرين ألف نبي، وسألهم جبريل: بم بعثتم؟ ولم نشرتم الآن يا أنبياء الله؟
فقالوا بلسان واحد: بعثنا ونشرنا لنقر لك يا محمد بالنبوة، ولعلي بن أبي طالب بالإمامة([144]).
وعندما وصل صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء السابعة سأله الله عزوجل: من لأمتك من بعدك؟ فقال: الله أعلم. قال: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وسيد المسلمين([145]).
وكأن القوم أرادوا أن يقولوا: إن صوت مائة وأربعة وعشرين ألفًا من الأنبياء -ولك أن تتخيل حجمه وهم يقولون بإمامة علي بن أبي طالب- لم يكن له هذا التأثير؛ حيث إنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يتذكر ذلك بعد لحظات لما سأله الله عزوجل: من لأمتك من بعدك؟ ليقول: الله أعلم، ولعلها غفلة استوجبت تحذير ديكهم، ليقول: يا غافلين، فتأمل!
نبقى مع القوم في السماء السابعة، لنراهم يروون عن الرضا، عن آبائه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لما عرج بي إلى السماء نوديت: يا محمد، فقلت: لبيك ربي وسعديك، تباركت وتعاليت، فنوديت: يا محمد، أنت عبدي وأنا ربك، فإياي فاعبد، وعلي فتوكل، فإنك نوري في عبادي، ورسولي إلى خلقي، وحجتي على بريتي، لك ولمن تبعك خلقت جنتي، ولمن خالفك خلقت ناري، ولأوصيائك أوجبت كرامتي، ولشيعتهم أوجبت ثوابي، فقلت: يا رب، ومن أوصيائي؟ فنوديت: يا محمد، أوصياؤك المكتوبون على ساق عرشي، فنظرت وأنا بين يدي ربي جل جلاله إلى ساق العرش، فرأيت اثني عشر نورًا، في كل نور سطر أخضر عليه اسم وصي من أوصيائي، أولهم: علي بن أبي طالب، وآخرهم: مهدي أمتي، فقلت: يا رب، هؤلاء أوصيائي؟ فنوديت: يا محمد، هؤلاء أوليائي، وأحبائي، وأصفيائي، وحججي بعدك»([146]).
ويرى القوم أنه بعد قراءته للأسماء نسي -أيضًا- أنهم أوصياؤه، كما أخبره بذلك ربه، فسأله في رواية أخرى للقوم: «يا رب، من هؤلاء الذين قرنتهم بي؟ فنودي: يا محمد، هم الأئمة بعدك، والأخيار من ذريتك»([147]).
وحين سأله: «يا محمد، فيم اختصم الملأ الأعلى؟ قال: إلهي، لا علم لي، فقال له: يا محمد، هل اتخذت من الآدميين وزيرًا أو أخًا ووصيًا من بعدك؟ فقال: إلهي، ومن أتخذ؟ تخير لي أنت. فأوحى الله إليه: يا محمد، اختر عليًا، فقلت: إلهي، ابن عمي؟..» الرواية([148]).
ولكن هل وقف الأمر على هذا؟ انظر إلى القوم -وبعد كل هذه التأكيدات والمواثيق وفي طريق العودة إلى الأرض وفي السماء الرابعة حيث ديكهم وتنبيهه للغافلين ومنهم واضع هذه الرواية- يروون أنه لما هبط النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء الرابعة ناداه ربه: «يا محمد، قال: لبيك ربي، قال: من اخترت من أمتك يكون من بعدك لك خليفة؟ قال: اختر لي ذلك، فتكون أنت المختار لي، فقال: اخترت لك خيرتك علي بن أبي طالب»([149]).
وعلى أي حال، حتى لا يطول مكثنا في السماء، نجتزئ بالإيجاز الذي أوردناه، فالروايات الشبيهة الواردة في ليلة الإسراء كثيرة([150])، وقد أوردنا شيئًا منها في أول الباب أيضًا، وكل واحدة منها تناقض سابقتها وتسقطها، فضلًا عن إسقاطها للباب بكامله، وهكذا جميع الروايات الآتية.
نعود إلى الأرض، وتحديدًا إلى مكة؛ حيث ما زلنا مع القوم ورواياتهم قبل الهجرة.
روى القوم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي ا ليلة الهجرة: «أرضيت أن أُطلب فلا أُوجد وتوجد فلعله أن يبادر إليك الجهال فيقتلوك؟ قال: بلى يا رسول الله، رضيت أن تكون روحي لروحك فداء، ونفسي لنفسك فداء»([151]).
لا شك أن وجه الدلالة غير خافٍ في الرواية، فافتراض القتل هنا - وفي روايات عدة سنأتي على ذكر بعضها- لا يمكن توجيهه باعتبار أن علي بن أبي طالب ا يلي الخلافة بعده صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف يمكن أن يقع افتراض أن يقتل أو يموت قبله؟! الأمر واضح، ولا أعتقد أنه يحتاج إلى زيادة تعليق.
فهذا يدل على خفاء النص على النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي يزعمون أنه نص على إمامة علي ا وهو في مكة قبل الهجرة للمدينة.
أما بعد الهجرة، فقد رووا عن ابن عباس ب أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله تبارك وتعالى أوحى إليَّ أنه جاعل لي من أمتي أخًا ووارثًا وخليفةً ووصيًا، فقلت: يا رب، من هو؟ فأوحى إليَّ عزوجل: يا محمد، إنه إمام أمتك، وحجتي عليها بعدك، فقلت: يا رب، من هو؟ فأوحى إلي عزوجل: يا محمد، ذاك من أحبه ويحبني، ذاك المجاهد في سبيلي، والمقاتل لناكثي عهدي، والقاسطين في حكمي، والمارقين من ديني، ذاك وليي حقًا، زوج ابنتك، وأبو ولدك علي بن أبي طالب»([152]).
ولا أقل في تاريخ هذه الرواية من أنه بعد السنة الثالثة للهجرة، بدليل قول الله عزوجل: «زوج ابنتك وأبو ولدك»، ولا شك -وباعتبار كل ما مرَّ بك في هذا الباب- أنه سيتبادر إلى ذهنك عند قراءتك لبداية الرواية أن المقصود هو علي بن أبي طالب ا.
فواعجبًا! هل غاب ذلك عمن كان سببًا في النص على إمامة علي ا، بل إنه يستفصل ويسأل حتى يبين الله أوصافه، ثم يذكر له اسمه!!
ثم يروي لنا القوم بعد هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يزال يسأل ربه أن يجعل عليًا وصيه وخليفته من بعده، وأن يجعل الإمامة في الحسن والحسين([153]).
وحين سأله جابر بن عبدالله الأنصاري ا -بزعمهم- عن وصيه من بعده أمسك عنه عشرًا لا يجيبه معتذرًا بانتظار وحي السماء، ثم قال له: «يا جابر، ألا أخبرك عما سألتني؟ فقلت: بأبي أنت وأمي، والله لقد سكتَّ عني حتى ظننت أنك وجدت عَلَيَّ، فقال: ما وجدت عليك يا جابر، ولكن كنت أنتظر ما يأتيني من السماء، فأتاني جبرائيل ×  فقال: يا محمد، ربك يقول: إن علي بن أبي طالب وصيك، وخليفتك على أهلك وأمتك»([154]).
ومثلها عن سلمان الفارسي ا حين سأله: «من وصيك من أمتك؛ فإنه لم يُبْعث نبي إلا كان له وصي من أمته؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لم يبيَّن لي بعد. فمكثت ما شاء الله أن أمكث، ثم دخلت المسجد فناداني، فقال: يا سلمان، سألتني عن وصيي من أمتي فهل تدري من كان وصي موسى من أمته؟ فقلت: يوشع بن نون فتاه، فقال: هل تدري لِم كان أوصى إليه؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: أوصى إليه لأنه كان أعلم أمته بعده، ووصيي وأعلم أمتي بعدي علي بن أبي طالب»([155]).
ولا تحتاج هذه الروايات إلى تعليق، فكيف يستقيم أن يجهل جابر بن عبدالله الأنصاري وسلمان الفارسي ب([156])، أمرًا مما علم من الدين بالضرورة باعتقاد القوم، حتى سألا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي غاب عنه هو أيضًا بزعم القوم من قيل عنه: إن مدار قبول الأعمال على القول بإمامته، ولولاه لما خلق الله الأكوان... إلى آخر ما مرَّ ذكره، حتى انتظر نزول الوحي به بعد عشر، ولا أدري أهي أيام أو شهور أو سنين، ولكن لا يغب عن بالك أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة كما هو معلوم من علم الأصول.
وفي يوم الخندق ذكر القوم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لما انتدب عمروٌ للمبارزة، وجعل يقول: هل من مبارز؟ والمسلمون يتجاوزون عنه، فركز رمحه على خيمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: ابرز يا محمد، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من يقوم إلى مبارزته فله الإمامة بعدي؟ فنكل الناس عنه، فقال: ادن مني يا علي، فنزع عمامته السحاب من رأسه وعممه بها وأعطاه سيفه، وقال: امض لشأنك، ثم قال: اللهم أعنه. وروي أنه لما قتل عمرًا أنشد أبياتًا منها:
قــد قــال إذ عممنــي عمــامة              أنت الذي بعدي له الإمامة([157])
فانظر معي إلى هذه الرواية، فإنه بالرغم من أن أحداثها وقعت في السنة الخامسة للهجرة حيث غزوة الخندق، لكن ما زال أعظم أركان الدين عند القوم غير مبيّن، وكنت أنتظر من علي بن أبي طالب ا أن يستدرك الأمر ويخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن أمر الإمامة قد انتهى بتعيينه خليفة له منذ أن نزل قوله عزوجل: ( ö‘É‹Rr&ur y7s?uŽÏ±t㠚úüÎ/tø%F{$# ÇËÊÍÈ ) [سورة الشعراء]، ولكن لم يحصل ذلك، فضلًا عن الروايات التي أوردناها، وفضلًا عن مليوني عام قبل الخلق، ويزيد من حيرتي صمت الصحابة رضوان الله عليهم، وعدم استدراك أحد منهم ذلك، وَلَعَلِّي أجد عند القوم ما يذهب عني حيرتي!
نعود إلى مسألة الخوف من موت اللاحق قبل السابق، ففي الغزوة نفسها وبعد أن خرج علي بن أبي طالب ا لمبارزة عمرو، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اللهم إنك أخذت مني عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة بن عبد المطلب يوم أحد، وهذا أخي علي بن أبي طالب، رب لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين»([158]).
وتتكرر القضية في موطن آخر، فقد روى القوم أن عليًا خرج في سرية ثلاثة أيام، لا يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم جبرئيل بخبره ولا خبر من الأرض، وأقبلت فاطمة بالحسن والحسين تقول: أوشك أن يؤتم هذين الغلامين، فأسبل النبي عينيه يبكي، ثم قال: «معاشر الناس، من يأتيني بخبر علي أبشره بالجنة، وافترق الناس في الطلب لعظم ما رأوه بالنبي، وخرج العواتق، فأقبل عامر بن قتادة يبشره بعلي، وهبط جبرائيل × على النبي فأخبره بما كان فيه»([159]).
ولسائل أن يسأل القوم عن كل هذا الخوف والقلق والاضطراب الذي استدعى إعلان حالة الطوارئ، وتفرق الناس في الأرض، وخروج العواتق، ونزول جبرئيل من أجل الخوف من موت أمير المؤمنين علي ا، وهم يرون أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما زال حيًا ماثلًا أمامهم، فكيف يفترض موت الخلف قبل السلف ما دام هناك نص على خلافته بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
وفي فتح مكة وجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متعلقًا بأستار الكعبة يسأل الله عزوجل العضد، ناسيًا كل ما ذكرناه في مقدمة الباب حتى الرواية السابقة، حتى استوجب غضب جبريل × بزعم القوم، فعن ابن عباس ب قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة متعلقًا بأستار الكعبة وهو يقول: اللهم ابعث إليَّ من بني عمي من يعضدني، فهبط جبرئيل كالمغضب، فقال: يا محمد، أوليس قد أيدك الله بسيف من سيوف الله مجرد على أعداء الله؟ يعني بذلك علي بن أبي طالب»([160]).
فلاحظ متى كان فتح مكة!
ثم نراه في غدير خم وقد هبط عليه جبرئيل u بأمر الله عزوجل بنصب علي ا وليًا بزعمهم، متسائلًا عن هذا الولي الذي سيكون من بعده، حيث قالوا: إن جبرئيل u نزل يوم غدير خم، فقال: «يا محمد، إن الله يأمرك أن تعلم أمتك ولاية من فرضت طاعته ومن يقوم بأمرهم من بعدك، وأكَّد ذلك في كتابه، فقال: ( $pkš‰r'¯»tƒ tûïÏ%©!$# (#þعزوجلãYtB#uä (#عزوجلãè‹ÏÛr& ©!$# (#عزوجلãè‹ÏÛr&ur tAعزوجلߙ§9$# ’Í<'ré&ur ÍöDF{$# óOä3ZÏB ) [النساء:59]، فقال: إي ربي، ومن ولي أمرهم بعدي؟ فقال: من هو لم يشرك بي طرفة عين، ولم يعبد وثنًا ولا أقسم بزلم، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين»([161]).
ولما قرب أجله، روى القوم أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ما قبض الله نبيًا حتى أمره أن يوصي إلى عشيرته من عصبته»، وفي لفظ: «إلى أفضل عشيرته من عصبته، وأمرني أن أوصي، فقلت: إلى من يا رب؟ فقال: أوص يا محمد إلى ابن عمك علي بن أبي طالب؛ فإني قد أثبته في الكتب السالفة، وكتبت فيها أنه وصيك، وعلى ذلك أخذت ميثاق الخلائق ومواثيق أنبيائي ورسلي، وأخذت مواثيقهم لي بالربوبية، ولك يا محمد بالنبوة، ولعلي بن أبي طالب بالولاية»([162]).
أقول: لا شك أن ورود إمامته في الكتب السالفة يقتضي ورود ذلك في القرآن من باب أولى، وبذلك يكون جهله صلى الله عليه وآله وسلم ممتنعًا من هذه الجهة، أما خلافه ففيه إسقاط للمعتقد من أصله، وسنأتي على بيان ذلك في حينه([163]).
وأمر آخر في الرواية: وهو أن الله تعالى إن كان قد أخذ المواثيق بإمامته ا على الخلائق بما فيهم الأنبياء والرسل ‡، فلا شك أن خير البشر صلى الله عليه وآله وسلم على رأسهم، فكيف جهل بهذا الميثاق؟
ثم يروي لنا القوم أنه صلى الله عليه وآله وسلم بكى عند موته، فجاءه جبرئيل، وقال: «لم تبكي؟ قال: لأجل أمتي، من لهم بعدي؟ فرجع، ثم قال: إن الله تعالى يقول: أنا خليفتك في أمتك»([164]).
فنِعمَ سببُ البكاء، ونعم الخليفة الله عزوجل الذي لم يشأ أن يجمع هذه الأمة المرحومة على ضلالة، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم كثيرًا ما يخشى على أمر أمته من بعده كما تذكر روايات القوم، وكان يُذَكِّر الوالي بعده، ويقول: «أُذَكِّر الله الوالي من بعدي على أمتي إلا ترحّم على جماعة المسلمين، فأجلّ كبيرهم، ورحم ضعيفهم، ووقر عالمهم، ولم يُضرَّ بهم فيذلهم، ولم يفقرهم فيكفرهم، ولم يغلق بابه دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم... إلخ»، وكان ذلك آخر كلام تكلم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على منبره، كما ذكر القوم ذلك عن الصادق([165]).
وهذه النصائح إن كانت موجهة إلى الإمام المعصوم فهي عبث لا فائدة منها؛ إذ إن المعصوم ليس بحاجة إلى توجيه علني على رؤوس الملأ كهذا، أما إن كانت النصائح موجهة إلى من سيغتصب الخلافة من الإمام المعصوم -حسب معتقد القوم- فإن عبثيتها ستكون أشد؛ إذ إن من تجرأ على اغتصاب الخلافة من الإمام المعصوم رغم كل ما مرَّ من نصوص لإثباتها لن يردعه حديث أو حديثان، فما هي الفائدة المرجوة من هذه النصائح؟
وبهذه الروايات التي لا تخلو من فوائد أخرى لا تخفى على القارئ اللبيب، تسقط جميع الروايات الآنفة الذكر من مليوني سنة قبل الخلق إلى موته صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الحادية عشرة للهجرة.
ونجتزئ بهذا القدر من الروايات في جهل أو غياب النص عنه صلى الله عليه وآله وسلم بزعم القوم([166])، لما التزمنا به في المقدمة من الاقتصار على ذكر بعض الأمثلة في كل موضوع لا حصر جميع الروايات، ولما سنورده من روايات أخرى تجدها مبثوثة في طيات هذا الكتاب.

 
روايات من طرق الشيعة عن علي بن أبي طالب
تتعارض مع مسألة النص
هذا ما كان من شأن صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وسلم والنص، أما شأن صاحب الشأن وهو علي بن أبي طالب ا فإليك بيانًا موجزًا بذلك:
ذكرنا ما يتعلق به صلى الله عليه وآله وسلم منذ حديث بدء الدعوة وما بعدها، وننتقل إلى السنة الثالثة عشرة من البعثة، وتحديدًا ليلة الهجرة، لنضيف التالي:
يروي القوم أنه ا لما بات في فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «وأمرني أن أضطجع في مضجعه وأقيه بنفسي، فأسرعت إلى ذلك مطيعًا له مسرورًا لنفسي بأن أقتل دونه»([167]).
وفي رواية: «فلما نامت العيون جاء أبو طالب ومعه أمير المؤمنين، فأقام رسولَ الله واضطجع أمير المؤمنين مكانه، فقال أمير المؤمنين: يا أبتاه، إني مقتول»([168]).
ولا شك أنك أدركت وجه الاستدلال هنا، فافتراض القتل يتعارض مع إرادة الله عزوجل في أن تكون الإمامة فيه بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بزعم القوم، ناهيك عن تذكره -وهو يرى القتل- ما سأل عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أشهر من مبيته، لما قال له بزعمهم: «لما أسري بي إلى السماء نظرت إلى ساق العرش؛ فإذا مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بعلي، ونصرته به، ورأيت اثني عشر نورًا، فقلت: يا رب، أنوار من هذه؟ فنوديت: يا محمد، هذه أنوار الأئمة من ذريتك، فقال علي ا: يا رسول الله، ألا تسميهم لي؟ قال: نعم، أنت الإمام والخليفة بعدي...» ثم ذكر أسماء بقية الأئمة([169]).
أما سؤاله وسؤال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قبله، فلا أذكرك به، فهو موضوع الباب كله.
وفي المدينة وبعد الهجرة يروي لنا القوم التالي: «دخل علي على رسول الله وعنده جبرئيل في صورة دحية الكلبي وسلَّم، فقال جبرئيل: وعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال رسول الله: يا علي، سلمت عليك ملائكة الله وسكان سمواته بإمرة المؤمنين من قبل أن يسلم عليك أهل الأرض.
يا علي، إن جبرائيل فعل ذلك من أمر الله وقد أوحى إليَّ عن ربي عزوجل من قبل دخولك أن أفرض ذلك على الناس وأنا فاعل ذلك إن شاء الله تعالى...» إلى آخر الرواية، وفيها بيعة المهاجرين والأنصار له([170]).
وهذه الرواية تؤكد بطلان كل ما مرَّ بك.
ونواصل مشوارنا مع غياب النص -في أعظم الأركان عند القوم- عن صاحبه علي بن أبي طالب ا، ونعود إلى مسألة افتراض الموت أو الرغبة في الشهادة، ففي رده على رجل سأله في أيام خلافته عن الفتنة، قال ا فيما قاله: «قلت لرسول الله: أوليس قد قلت لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين وحِيزت عني الشهادة فشق ذلك عليَّ، فقلت: أبشر، فإن الشهادة من ورائك...» الرواية([171]).
وفي رواية: «بأبي أنت وأمي كيف حرمت الشهادة([172])؟».
ثم رأيناه يوم الخندق يشارك النبي في نسيانه عندما قال: من يقوم إلى مبارزة عمرو بن ود وله الإمامة بعدي؟
بل نراه ينظم في ذلك شعرًا، وقد مرَّ بك تفصيل ذلك، والعجيب أن هذا أيضًا نسيه بعد أيام([173])، ففي غزوة وادي الرمل أو ذات السلسلة لما أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون فيها بكت الزهراء ل ، فدخل النبي وهي على تلك الحال، فقال لها: «مالك تبكين؟ أتخافين أن يقتل بعلك، كلا إن شاء الله، فقال علي: لا تنفَسْ علي بالجنة يا رسول الله، ثم خرج»([174]).
ثم يروي لنا القوم بشارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم له ا لما كان مع أخيه جعفر وعمه العباس ي في البقيع، حيث قال: «ألا أبشرك، ألا أخبرك يا علي؟ قال: بلى يا رسول الله، فقال: كان جبرائيل عندي آنفًا، وخبرني أن القائم الذي يخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا من ذريتك من ولد الحسين، فقال علي ا: يا رسول الله، ما أصبنا قط خيرًا من الله إلا على يدك»([175]).
ولا شك أن تاريخ هذه الرواية قريب من السنة الثامنة من الهجرة حيث معركة مؤتة التي استشهد فيها جعفر ا، ويقينًا حصولها بعد الهجرة بدلالة إسلام العباس وعودة جعفر من الحبشة أثناء غزوة خيبر، وذكر البقيع، رغم ذلك فدلالات عدم علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأمير بالأئمة واضحة، هذا برواية القوم أنفسهم!
وفي موطن آخر يذكر القوم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: «اكتب ما أملي عليك، فقال: يا نبي الله، أتخاف علي النسيان؟ قال: لست أخاف عليك النسيان وقد دعوت الله لك أن يحفظك ولا ينسيك، ولكن اكتب لشركائك، قال: قلت: ومن شركائي يا نبي الله؟ قال: الأئمة من ولدك، وهذا أولهم، وأومأ بيده إلى الحسن بن علي، ثم أومأ بيده إلى الحسين، ثم قال: والأئمة من ولده»([176]).
ولكن يبدو أن واضع هذه الرواية يرى أن الدعاء المذكور لم يؤتِ ثماره، فها هو علي بن أبي طالب ا نراه ناسيًا حيث يقول بزعم القوم: قلت لرسول الله: «أخبرني بعدد الأئمة بعدك؟ فقال: يا علي، هم اثنا عشر، أولهم أنت، وآخرهم القائم»([177]).
وفي موطن آخر وبعد أن قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «قد استجاب الله لي فيك وفي شركائك الذين يكونون من بعدك، قال: يا رسول الله، ومن شركائي من بعدي؟ قال: الذين قرنهم الله عزوجل بنفسه وبي، فقال: ( (#عزوجلãè‹ÏÛr& ©!$# (#عزوجلãè‹ÏÛr&ur tAعزوجلߙ§9$# ’Í<'ré&ur ÍöDF{$# óOä3ZÏB ) [النساء:59] فقلت: يا رسول الله، من هم؟ فقال: الأوصياء مني، فقلت: يا رسول الله، سمّهم لي؟ فقال: ابني هذا، ووضع يده على رأس الحسن، ثم ابني هذا، ووضع يده على رأس الحسين، ثم ابن لـه يقال لـه: علي، سيولد في حياتك، فأقرئه مني السلام، ثم يكمله اثنا عشر إمامًا»([178]).
ويبدو -أيضًا- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يردد ذلك عليه مرارًا، ففي روايات القوم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لـه: «أنت الإمام والخليفة بعدي، وابناك هذان إمامان وسيدا شباب أهل الجنة»([179]).
وفي رواية: «أنت سيد الأوصياء، وابناك سيدا شباب أهل الجنة»([180]).
وفي أخرى: «أنت الوصي على الأموات من أهل بيتي، والخليفة على الأحياء من أمتي»([181]).
وما زال صلى الله عليه وآله وسلم يبين ذلك وما زال هو ا يَسأل ويَسأل، ففي رواية قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا رسول الله، أمِنَّا الهداةُ أم من غيرنا([182])؟».
وفي أخرى: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من أولو الأمر؟ قال: أنت يا علي أولهم»([183]).
وأخرى: قال: «يا رسول الله، فكم يكون بعدي من الأئمة»([184]).
وأخرى: قلت لرسول الله: «أخبرني بعدد الأئمة بعدك؟»([185]) وأخرى.. وأخرى.
رغم روايتهم عن سلمان الفارسي ا أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي أكثر من عشر مرات: «يا علي، إنك والأوصياء من بعدك أعراف بين الجنة والنار، لا يدخل الجنة إلا من عرفكم وعرفتموه، ولا يدخل النار إلا من أنكركم وأنكرتموه»([186]).
ولا أدري كم ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك حتى سمعها سلمان هذا العدد من المرات، ولم أقف
-إضافة إلى جدوى إخباره بذلك رغم كل تلك النصوص التي أوردناها في المقدمة- على الفرق بين الأحياء والأموات، وبين الأمة والأهل في مسألة الخلافة.
نعود إلى مسألة افتراض الموت.
فقد روى القوم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنفذ عليًا في خيلٍ عند محاصرته أهل الطائف، وأمره أن يكسر كل صنم وجده، فلقيه جمعٌ كثير من خثعم، فبرز لـه رجل من القوم، وقال: «هل من مبارز؟ فلم يقم أحد، فقام علي، فوثب أبو العاص بن الربيع زوج بنت النبي، فقال: تكفاه أيها الأمير؟ فقال: لا، ولكن إن قتلت فأنت على الناس»([187]).
ثم ها هو الحسن بن علي بن أبي طالب ب ، يروي القوم أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي: «أنت وارث علمي، ومعدن حكمي، والإمام بعدي، فإذا استشهدت فابنك الحسن، فإذا استشهد الحسن فابنك الحسين، فإذا استشهد الحسين فابنه علي، يتلوه تسعة من صلب الحسين أئمة أطهار، فقلت: يا رسول الله، فما أسماؤهم؟ قال: علي، ومحمد، وجعفر، وموسى، وعلي، ومحمد، والحسن، والمهدي، من صلب الحسين، يملأ الله تعالى به الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا»([188]).
فالحسن ا ولد في السنة الثالثة من الهجرة، ووفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كانت في السنة الحادية عشرة من الهجرة، فتأمل كم كان عمر الحسن ا عندما سمع هذا الحديث ووعاه، فلا أقل من أن ذلك كان في أواخر حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، رغم ذلك نرى عدم علم الأمير ا بالأئمة ما زال آخذًا مأخذه، وحتى لو كان السائل هو الحسن، فالأمر سيان.
وكذا رواية الحسين ا، حيث ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: «يا حسين، أنت الإمام، ابن الإمام، أبو الأئمة، تسعة من ولدك أئمة أبرار، ووضع يده على كتف الحسين، وقال: يخرج من صلبه رجل مبارك سميّ جده علي، ويخرج الله من صلب علي ولدًا سميّي وأشبه الناس بي، يبقر العلم بقرًا، ويخرج الله من صلبه كلمة الحق يقال له: جعفر، صادق في قولـه وفعله -وذكر بقية الأئمة- فقال لـه علي: من هؤلاء؟ قال: يا علي، أسامي الأوصياء من بعدك»([189]).
ويروى -بزعم القوم- أنه ا دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيت أم سلمة وقد نزلت هذه الآية: ( $yJ¯RÎ) ß‰ƒÌãƒ ª!$# |=Ïdõ‹ã‹Ï9 ãNà6Ztã }§ô_Íh9$# Ÿ@÷dr& ÏMøt7ø9$# ö/ä.tÎdgsÜãƒur #ZŽÎgôÜs? ÇÌÌÈ ) [سورة الأحزاب]، فقال: «يا علي، هذه الآية نزلت فيك وفي سبطيك والأئمة من ولدك، قلت: يا رسول الله، وكم الأئمة بعدك؟ قال: أنت يا علي، ثم ابناك الحسن والحسين، وبعد الحسين علي ابنه -ثم ذكر بقية الأئمة- وقال: هكذا وجدت أساميهم مكتوبة على ساق العرش، فسألت الله عن ذلك، فقال: يا محمد، هم الأئمة بعدك»([190]).
وينسى القوم في فورة حماسهم دعاء الرسول له بعدم النسيان، حيث نراه وقد حضر رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم الموت، يقول لعلي -كما ذكر القوم عن عمار بن ياسرا-: «يا علي، أنت وصيي ووارثي»([191]). وإن كنت لا أدري أيهما الناسي.
وفي رواية ثانية نسبها القوم إلى علي بن أبي طالب ا نفسه، يقول فيها: «لما حضرت رسول الله الوفاة دعاني، فلما دخلت عليه قال لي: يا علي، أنت وصيي وخليفتي على أهلي وأمتي في حياتي وبعد موتي»([192]).
وفي أخرى: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الليلة التي كانت وفاته: يا علي، أحضر صحيفة ودواة، فأملى عليه وصيته حتى انتهى إلى هذا الموضع، فقال: يا علي، إنه سيكون من بعدي اثنا عشر إمامًا، فأنت يا علي أول الاثني عشر إمامًا، وأنت خليفتي على أمتي من بعدي، فإذا حضرتك الوفاة فسلمها إلى ابني الحسن، ثم ذكر بقية الأئمة»([193]).
فلا شك أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن خائفًا على علي ا النسيان وقد دعا له، حتى يُذكّره بذلك في لحظاته الأخيرة، كما لا يحتاج إلى بيان ذلك، فقد فرض الله ولايته على المسلمين منذ يوم الدار في بدء الدعوة، إلى يوم الغدير، فضلًا عن مئات وألوف بل ملايين السنين قبل الخلق، فهذا ما كان من شأن الأمير ا، وقد أعرضنا عن ذكر عشرات النصوص في ذلك([194]).

 
روايات من طرق الشيعة عن الحسن رضي الله عنه
تنفي وجود النص على افتراضه
أما شأن الحسن ا -إضافة إلى ما سبق- فنراه وهو إمام منصوب ومنصوص عليه من الله عزوجل يبايع معاوية بن أبي سفيان([195]) الذي هو إمام ليس من الله، وهو يعلم -كما يروي القوم عن أبي جعفر- قوله: «قال الله تبارك وتعالى: لأعذبن كل رعية في الإسلام أطاعت كل إمام ليس من الله، وإن كانت الرعية بارة تقية»([196]).
وعن أبي عبدالله في قوله تعالى: (الطَّاغُوتُ) إنما عني بذلك أنهم كانوا على نور الإسلام، فلما تولوا كل إمام جائر ليس من الله خرجوا بولايتهم إياه من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر، فأوجب الله لهم النار مع الكفار([197]).
وغير ذلك مما أوردناه في المقدمة كعدم قبول الأعمال، ولاشك أنه يعلم أن أباه كان يقول لمعاوية: «إنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة، ولا تعرض فيهم الشورى»([198]).
وكان يقول: «إني لا أرضى بمعاوية أميرًا، ولا العامة ترضى به خليفة»([199]).
وكان يصر على قتاله رغم اجتماع الناس عليه، فقد روى القوم أن علي بن أبي طالب ا سمع ضوضاء في عسكره، فقال: «ما هذا؟ قالوا: هلك معاوية، قال: كلاَّ والذي نفسي بيده، لن يهلك حتى تجتمع عليه هذه الأمة، قالوا: فبم تقاتله؟ قال: ألتمس العذر فيما بيني وبين الله تعالى»([200]).
أو على الأقل يدعوه للمبارزة، فأيهما قتل صاحبه فالأمر له كما فعل أبوه ا معه يوم صفين([201])، ولا خوف على الحسن ما دام أشجع الناس، فضلًا عن كونه -كما يزعم القوم-([202]) يعلم أنه محفوظ معصوم، فمن أي شيء يخاف إذًا؟!
وقبلها قالها جده صلوات الله وسلامه عليه: «الخلافة محرمة على آل أبي سفيان»([203]).
لذا ملأ القوم كتبهم من عتاب ولوم أصحابه لـه ا على ذلك، فهذا سليمان بن صرد الخزاعي يقول له: «ما ينقضي تعجبنا من بيعتك معاويةَ ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة كلهم يأخذ العطاء، وهم على أبواب منازلهم، ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم سوى شيعتك من أهل البصرة والحجاز»([204]).
وذاك يسمي الحسن ا بمذل المؤمنين، وآخر يقول له: يا مسود وجه المؤمنين.
وآخر: سودت وجوه المؤمنين.
وآخر وهو سفيان بن ليلى قال له: يا مذل المؤمنين.
وفي رواية: ومسود وجوه المؤمنين([205]).
وسفيان هذا من الممدوحين عند القوم، بل من حواريي الحسن ا ([206]).
وهذا حجر بن عدي ا يقول لـه: «أما والله لوددت أنك مت في ذلك اليوم ومتنا معك ولم نر هذا اليوم»([207]).
والحسن ا رغم كل هذا كان يقول: «أرى والله معاوية خيرًا لي من هؤلاء»([208]).
ولن نناقش القوم في عصمة الحسن ا؛ سواء باعتبار بيعته لمعاوية، أو عدم فهم أصحابه وحواريه بأنه إمام معصوم، وليس في أفعاله ما يستوجب تسويد وجوه المؤمنين أو إذلالهم؛ فإن لنا مع هذا الموضوع شأنًا تراه في حينه، ولكن لا شك أنه وهو يبايع معاوية لم يكن يرى أنه منصوص عليه من الله عزوجل أو رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
فمن كلامه إلى معاوية بعد وفاة أمير المؤمنين علي ا وقد بايعه الناس بعد وفاة أبيه، قال: «فإن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لما نزل به الموت ولاَّني هذا الأمر من بعده»([209]).
ومن كلامه ا -أيضًا- ما كتبه في كتاب الصلح لمعاوية: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين، وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحدٍ من بعده عهدًا، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين...» إلى آخر ما جاء في كتابه ا([210]).
فأنت ترى أن هذا الأمر للحسن ا، فسلمه لمعاوية، ثم أمره بأن يسير بسيرة الخلفاء الذين هم الراشدون عند الحسن ا، ولكنهم الغاصبون للخلافة عند من يزعم أنه من شيعته، ويأمره أن يجعل الأمر شورى من بعده، ليسقط كل ما ذكرناه من أول الكتاب.
وكون الأمر إليه ليس بنص من الله أو رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، يؤكده قولـه ا عن نفسه حيث يقول لأصحابه: «إن هذا الأمر الذي أختلف فيه أنا ومعاوية إما أن يكون حق امرئ فهو أحق به مني، وإما أن يكون حقًا هو لي فقد تركته»([211]).

 
مبايعة الحسن لمعاوية وإنكار كثير من أصحابه عليه ورجوع جماعة من الشيعة عن القول بالإمامة
ودخولهم في مقالة جمهور الناس
كان مما وقع للحسن ا أن رجع جماعة من أصحابه عن القول بإمامته، ودخلوا في مقالة جمهور الناس([212]).
وقبل ذلك كله نرى -أو يرينا القوم- أن مسألة افتراض موت أو قتل اللاحق تتكرر هنا أيضًا، فها هو أبوه ا يقول في معركة صفين: «فوالله ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلا مخافة أن يقتل هذان -وأومأ بيده إلى الحسن والحسين- فينقطع نسل رسول الله وذريته من أمته»([213]).
وتكررت المسألة في وصيته ا حيث يقول: «وإن حدث بحسن حدث وحسين حي فإنه إلى -وفي لفظ: من قام بالأمر بعده- الحسين بن علي»([214]).
وعلى ذكر الوصية، فقد روى القوم عن الباقر، أن علي بن أبي طالب ا جمع بنيه وهم اثنا عشر ذكرًا، فقال لهم: «إن الله أحب أن يجعل فِيَّ سنة من يعقوب؛ إذ جمع بنيه وهم اثنا عشر ذكرًا، فقال لهم: إني أوصي إلى يوسف فاسمعوا لـه وأطيعوا، وأنا أوصي إلى الحسن والحسين فاسمعوا لهما وأطيعوا، فقال لـه عبد الله ابنه: دون محمد بن علي؟ يعني: ابن الحنفية، فقال له: أجرأة عليّ في حياتي؟»([215]).
فها هو ابن الخليفة والوزير في يوم الدار والغدير يعترض عليه حتى استوجب غضبه، ذاهلًا عن أن هؤلاء قد نص الله على إمامتهم قبل ملايين السنين، وقديمًا قالوا: أهل البيت أدرى بما فيه، ولعلنا نلتمس له العذر في هذا الالتباس ما دام أبوه ا قد أوصى في أمرٍ هو تحصيل حاصل، وذلك للفراغ منه بكل ما أوردناه من قبل، وكذا صمت الأحد عشر الآخرين، وعلى رأسهم: السبطان ب ؛ بل كيف لا نعذره ونحن نجد القوم يقولون: إن الحسن ا - الذي احتج عبدالله على أبيه بسببه وأخيه دون ابن الحنفية - سأل جده صلى الله عليه وآله وسلم عن الأئمة بعده([216]).
وعلى أي حال، فتأخر تاريخ هذه الرواية واضح فتدبّر.
 

 
روايات من طرق الشيعة تدل على عدم علم الحسين رضي الله عنه بالنص على افتراضه
وأخرى على جهله بكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم آخر الأنبياء
أما شأن الحسين ا فأَعْجَب! فقد روى القوم عنه أنه لما أنزل الله تبارك وتعالى:
(#عزوجلä9'ré&ur Ïعزوجل%tnö‘F{$# öNåkÝÕ÷èt/ 4’n<÷rr& <Ù÷èt7Î/ ’Îû É=»tFÏ. «!$# ) [الأنفال:75] قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن تأويلها. فقال: والله ما عنى بها غيركم وأنتم أولو الأرحام، فإذا مت فأبوك علي أولى بي وبمكاني، فإذا مضى أبوك فأخوك الحسن أولى به، فإذا مضى الحسن فأنت أولى به، قلت: يا رسول الله، فمن بعدي أولى بي؟
وفي رواية: يا رسول الله، من بعدي؟»([217]).
وروى القوم عنه -أيضًا- أنه ا قال: «دخلت على رسول الله وهو متفكر مغموم، فقلت: يا رسول الله ما لي أراك متفكرًا؟ فقال: يا بني، إن الروح الأمين قد أتاني، فقال: يا رسول الله؛ العلي الأعلى يقرئك السلام، ويقول لك: إنك قد قضيت نبوتك، واستكملت أيامك، فاجعل الاسم الأكبر، وميراث العلم، وآثار علم النبوة عند علي بن أبي طالب؛ فإني لا أترك الأرض إلا وفيها عالم تعرف به طاعتي وتعرف به ولايتي؛ فإني لم أقطع علم النبوة من الغيب من ذريتك كما لم أقطعها من ذريات الأنبياء الذين كانوا بينك وبين أبيك آدم، قلت: يا رسول الله، فمن يملك هذا الأمر بعدك؟ قال: أبوك علي بن أبي طالب أخي وخليفتي»([218]).
ولن أجدني مضطرًا إلى بيان تأخر هذه الرواية وقربها من وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، أو بيان كيف خفي النص حتى هذا الوقت، فهو أمر قد اصطحبته معك من أول الكتاب وعبر كل الروايات السابقة، ولكن لا يفوتني أن أبدي حيرتي وتعجبي من سؤاله ا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم عمن يملك هذا الأمر بعده، رغم ذكر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لقول جبرئيل: «فاجعل الاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة عند علي بن أبي طالب»، وكأن واضع الرواية يريد أن يقول: إن الحسين ا لم يفهم أن من جعل عنده كل هذا فإنه أولى بالإمامة، وأعجب من سؤاله هذا سؤاله للرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «يا رسول الله، هل يكون بعدك نبي؟»([219]).
فمن جهل بكون محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء والرسل، فجهله بالإمام من بعده أولى، ولكن أن يخبرنا القوم أن ذلك صدر منه ا وهو من الأئمة المنصوص عليهم من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بزعمهم، فهو أمر لا يمكن توجيهه بحال.
أما الطامة الكبرى، فهي هذه الألوف المؤلفة من الرسائل التي بعث بها شيعة أبيه وأخيه ي، يسألونه المجيء إلى العراق للبيعة، وأنهم ليس عليهم إمام بعد الحسن ا ([220]).
ألم يعلم هؤلاء أن بيعتهم لـه لازمة في أعناقهم بعد الحسن ا، بنص الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، سواء أتى الكوفة أو لم يأتها؟
ألم يسمعوا أو يسمع واحد منهم -وهم اثنا عشر ألفًا كما في بعض الروايات، أو أكثر كما في روايات أخرى([221])- ألم يسمعوا من أبيه أو أخيه -وهم شيعتهم- أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد نصَّ على أبيه وأخيه وعليه وعلى تسعة من ولده بعده بالاسم، وأنهم الخلفاء والأئمة بعده([222])؟

 
الزهراء رضي الله عنها والنص
ولم يكن شأن أمهما الزهراء ل أيضًا بأحسن حالًا منهما أو من بعلها وأبيها صلوات الله عليهم أجمعين، كما يتبين ذلك من روايات القوم، فموقفها من زوجها علي بن أبي طالب ا وكذا من الحسين ا لما علمت بمقتله غير خافٍ على ذي لب، وسوف نوقفك عليه في حينه، ولكن أورد هنا رواية تتصل بموضوعنا.
فقد ذكر القوم أنها بكت لما عادت أباها صلى الله عليه وآله وسلم في مرض موته، حتى أرضاها بالبشرى بجعل بعلها وصيًا له، فذكروا أنها أتته في مرضه تعوده، فلما رأت ما برسول الله من المرض والجهد استعبرت وبكت حتى سالت دموعها على خديها، فقال لها النبي: «يا فاطمة، إني لكرامة الله إياك، زوّجتك أقدمهم سلمًا، وأكثرهم علمًا، وأعظمهم حلمًا، إن الله تعالى اطلع إلى أهل الأرض اطلاعة فاختارني منها فبعثني نبيًا، واطلع ثانية فاختار بعلك فجعله وصيًا، فسرّت فاطمة ل واستبشرت»([223]).
فما الذي استوجب سرورها واستبشارها -وهي في هذا الموقف- سرورًا طغى على ألم مصيبة فقدها أباها صلى الله عليه وآله وسلم؟ هل أن أباها صلى الله عليه وآله وسلم قد أتى بأمرٍ جديد كانت تجهله؟ أو أمر كانت تعلم أن مدار قبول الأعمال على الإيمان به، وأن الله قد افترضه قبل خلق الخلق بكذا وكذا سنة، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يزال ينادي به منذ بدء الدعوة؟ ومن ثم لا نجد في ذكره أمرًا ذا بالٍ يستوجب سرورها واستبشارها.

 
الصحابة رضي الله عنهم والنص
 
وقبل الشروع في ذكر أحوال بقية الأئمة وأصحابهم، أجد لزامًا أن أذكر نتفًا قليلة من شأن صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع النص على أمير المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين، هؤلاء الذين لزموا النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذ بدء الدعوة وجلسوا إليه وسافروا معه وشاركوه الحروب والغزوات وتزوجوا بناته وصاهرهم، ولم يدع من أمر الدين شيئًا مما يقربهم إلى الله عزوجل إلا وأخبرهم به، ولا أمرًا مما يدخلهم النار إلا وقد نهاهم عنه، حتى بيَّن لهم أي رجل يقدمون عند دخولهم الخلاء وبأيٍ يخرجون، فضلًا عن أركان الإسلام والإيمان، ناهيك عن أعظمها وعلة فرض غيرها، وهي الإمامة بزعم القوم.
فإن مثل هذا الأمر لا يمكن أن يخفى على من لازموه كظله، وكيف يخفى؟ وقد روى القوم عن الباقر في قولـه تعالى: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) [محمد:28]، قال: «كرهوا عليًا وكان أمر الله بولايته يوم بدر وحنين ويوم بطن نخلة ويوم التروية ويوم عرفة، نزلت فيه خمس عشرة آية في الحجة التي صدَّ فيها رسول الله عن المسجد بالجحفة وخم»([224]).
وعنه -أيضًا- في قول الله تعالى: ( $yg•ƒr'¯»tƒ šúïÏ%©!$# (#þعزوجلãYtB#uä (#عزوجلèù÷rr& ÏŠعزوجلà)ãèø9$$Î/ ) [المائدة:1] قال: «إن رسول الله أخذ لعلي بما أمر أصحابه، وعقد لـه عليهم الخلافة في عشرة مواطن، ثم أنزل عليه: ( $yg•ƒr'¯»tƒ šúïÏ%©!$# (#þعزوجلãYtB#uä (#عزوجلèù÷rr& ÏŠعزوجلà)ãèø9$$Î/ ) [المائدة:1]، يعني: التي عقدت عليهم لعلي أمير المؤمنين»([225]).
ولاشك أن القول بغياب النص عنهم مع كل هذا الذي أوردناه، سواء الروايتان السابقتان أو الباب كله منتفٍ وبعيد جدًا، ولكن ما أورده القوم في شأنهم يختلف تمامًا إلا مع موقف الأئمة من النص، كما سبق ذكره وسيأتي أيضًا.
فها هن أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم ورضي الله عنهن أجمعين، أقرب الناس إليه ملازمة، يروي القوم عنهن ما يدل على المقصود، ألا وهو غياب النص، هذا إن وجد النص أصلًا، فقد ذكر القوم أن جبرئيل u قال لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: «قد دنا يا محمد مصيرك إلى ربك وجنته، وهو يأمرك أن تنصب لأمتك من بعدك علي بن أبي طالب وتعهد إليه، فهو الخليفة القائم برعيتك وأمتك، وإن الله يأمرك أن تعلمه جميع ما علمك، وتستحفظه جميع ما حفظك واستودعك؛ فإنه الأمين المؤتمن.
يا محمد، إني اخترتك من عبادي نبيًا، واخترته لك وصيًا. فدعا عليًا يومًا فخلا به يومه ذلك وليلته واستودعه العلم والحكمة التي آتاه إياها، وعرفه ما قال جبرئيل، وكان ذلك يوم عائشة، فقالت: يا رسول الله، لقد طال استخلاؤك بعلي منذ اليوم. فأعرض عنها، فقالت: لم تعرض عني يا رسول الله بأمر لعله يكون لي صلاحًا؟ فقال: صدقت وأيم الله، إنه لأمر صلاح لمن أسعده الله بقبوله والإيمان به، وقد أمرني بدعاء الناس جميعًا إليه، وستعلمين ذلك إذا أنا قمت به في الناس، قالت: يا رسول الله، ولم لا تخبرني به الآن لأتقدم بالعمل به والأخذ بما فيه الصلاح؟ قال: سأخبرك به فاحفظيه إلى أن أؤمر بالقيام به في الناس جميعًا، فإنك إن حفظتيه حفظك الله في العاجلة والآجلة جميعًا، وكانت لك الفضيلة للأسبقية والمسارعة إلى الإيمان بالله ورسوله...
إلى أن قال: إن الله أخبرني أن عمري قد انقضى، وأمرني أن أنصب عليًا للناس، وأجعله فيهم إمامًا، وأستخلفه كما استخلف الأنبياء من قبلي أوصياءهم»([226]).
ويستشعر القارئ من الرواية تأخرها إلى أيامه الأخيرة صلى الله عليه وآله وسلم، ورغم ذلك ترى كل هذا التضارب في النص، وتجد فيها بطلان ما ورد من نصوص قبل ذلك، وهو أمر غدا لك واضحًا مع كل رواية جديدة، مما يغنينا عن التعليق عليها جميعًا.
وكذا شأن أم سلمة ل ، حيث قالوا: إن النبي دفع إليها كتابًا، فقال: من طلب هذا الكتاب منك ممن يقوم بعدي فادفعيه إليه، ثم ذكرت قيام أبي بكر وعمر وعثمان وأنهم ما طلبوه، ثم قالت: «فلما بويع علي نزل عن المنبر ومرّ، وقال لي: يا أم سلمة، هاتي الكتاب الذي دفعه إليك رسول الله، فقالت: أنت صاحبه؟ فقال: نعم، فدفعته إليه، قيل: ما كان في الكتاب؟ قالت: كل شيء دون قيام الساعة»([227]).
وفي رواية: قالت: «أعطاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتابًا، قال: أمسكي هذا، فإذا رأيت أمير المؤمنين صعد المنبر فجاء يطلب هذا الكتاب فادفعيه إليه، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صعد أبو بكر المنبر فانتظرته فلم يسألها، فلما مات صعد عمر المنبر فانتظرته فلم يسألها، فلما مات عمر صعد عثمان فانتظرته فلم يسألها.. الرواية»([228])، وغيرها([229]).
وكذا حال خادمه أنس بن مالك ا الذي خدمه منذ هجرته صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة حتى وفاته، فقد روى القوم عنه أنه قال: «كان رسول الله في بيت أم حبيبة بنت أبي سفيان، فقال: يا أم حبيبة، اعتزلينا فإنا على حاجة، ثم دعا بوضوء فأحسن الوضوء، ثم قال: إن أول من يدخل من هذا الباب أمير المؤمنين، وسيد العرب، وخير الوصيين، وأولى الناس بالناس، فقال أنس: فجعلت أقول: اللهم اجعله رجلًا من الأنصار، قال: فدخل علي وجاء يمشي حتى جلس إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجعل رسول الله يمسح وجهه بيده، ثم مسح بها وجه علي بن أبي طالب، فقال علي: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: إنك تبلغ رسالتي من بعدي، وتؤدي عني، وتسمع الناس صوتي، وتعلم الناس من كتاب الله ما لا يعلمون»([230]).
وفي رواية: «من هذا يا أنس؟ فقلت: علي، فقام مستبشرًا فاعتنقه، ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه، ويمسح عرق علي بوجهه، فقال علي: صنعت شيئًا ما صنعت بي قبل هذا، قال: وما يمنعني وأنت تؤدي عني وتسمع صوتي وتبين لهم ما اختلفوا فيه من بعدي»([231]).
ومتى كان هذا السلوك من فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
فهذه القصة لا أقل من افتراض حدوثها في أواخر السنة السابعة من الهجرة أو بعدها؛ وذلك أن قدوم أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان ب إلى المدينة إنما كان في ذي الحجة من السنة المذكورة، حيث كانت مهاجرة إلى الحبشة مع زوجها عبيدالله بن جحش الذي ارتد عن الإسلام وتنصر، ثم بعث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى النجاشي ليخطبها... إلى آخر القصة([232]).
فموضع الشاهد في القصة هو جهل أنس بن مالك بإمامة علي بن أبي طالب ا رغم مرور أكثر من سبعة أعوام من خدمته للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، حتى دعا ربه أن يجعله رجلًا من قومه، والعجيب قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: «إنك تبلغ رسالتي من بعدي، وتؤدي عني»، مما يوحي بأن علي بن أبي طالب ا كان جاهلًا به حتى ذلك الوقت.
ولا يرد على هذا أن معرفته بإمرة المؤمنين كانت واقعة، وأن مقولة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم له إنما هي استزادة مسئوليات، وذلك أن الإمامة -كما يراها القوم- تستلزم تبليغ رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأداء عنه، وتعليم الناس من كتاب الله ما لا يعلمون مما يستقبح تكراره وصدوره عنه صلى الله عليه وآله وسلم للناس فضلًا عن علي بن أبي طالب ا، وأعجب من هذا كله: الإبهام في ذكر اسم أمير المؤمنين، فلا يخلو الأمر من أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان عالمًا به، حيث يكون الأولى به أن يقول: إن أول من يدخل من هذا الباب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أو يكون جاهلًا به، وهذا الأخير يشهد لـه قولـه لأنس كما في الرواية الأخرى: من هذا يا أنس؟ رغم قولـه: إن أول من يدخل من هذا الباب أمير المؤمنين.
وهذا ابن عمه عبدالله بن عباس ب ، فقد روى القوم أنه دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والحسن على عاتقه والحسين على فخذه يلثمهما ويقبلهما، ويقول: «اللهم وال من والاهما وعاد من عاداهما، ثم قال: يا ابن عباس، كأني به وقد خضبت شيبته من دمه، يدعو فلا يجاب، ويستنصر فلا ينصر، قلت: فمن يفعل ذلك يا رسول الله؟ قال: شرار أمتي، لا أنالهم الله شفاعتي، ثم قال: يا ابن عباس، من زاره عارفًا بحقه كتب له ثواب ألف حجة وألف عمرة، ألا ومن زاره فكأنما قد زارني، ومن زارني فكأنما زار الله، وحق الزائر على الله أن لا يعذبه بالنار، وإن الإجابة تحت قبته، والشفاء في تربته، والأئمة من ولده. قلت: يا رسول الله، فكم الأئمة بعدك؟ قال: بعدد حواريي عيسى، وأسباط موسى، ونقباء بني إسرائيل، قلت: يا رسول الله، فكم كانوا؟ قال: كانوا اثني عشر، والأئمة بعدي اثنا عشر، أولهم: علي بن أبي طالب، وبعده سبطاي: الحسن والحسين، فإذا انقضى الحسين فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمد، فإذا انقضى محمد فابنه جعفر، فإذا انقضى جعفر فابنه موسى، فإذا انقضى موسى فابنه علي، فإذا انقضى علي فابنه محمد، فإذا انقضى محمد فابنه علي، فإذا انقضى علي فابنه الحسن، فإذا انقضى الحسن فابنه الحجة، قال ابن عباس: قلت: يا رسول الله، أسامي ما أسمع بهم قط، قال لي: يا ابن عباس، هم الأئمة بعدي»([233]).
فابن عباس ب كان مولده بشعب بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين، وانتقل إلى دار الهجرة بعد فتح مكة الذي كان في رمضان من السنة الثامنة للهجرة، وهذا يعني أنه صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحوًا من ثلاثين شهرًا، فلا شك إذًا في أن هذه الرواية يفترض حصولها في أحد أيام هذه الشهور الأخيرة.
رغم ذلك تأمل عدم علم ابن عباس ب بمسألة الإمامة والأئمة، واستغرابه هذه الأسماء التي لم يسمع بها قط، وهو من هو من قرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
بل ونراه يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مرض موته بزعم القوم: «إذا كان ما نعوذ بالله منه فإلى من؟ فأشار إلى علي ا، فقال: إلى هذا؛ فإنه مع الحق والحق معه، ثم يكون من بعده أحد عشر إمامًا مفترضة طاعتهم كطاعتي»([234]).
وكتب القوم مليئة بالروايات الشبيهة عنه ا ([235]).
وكذا شأن عبدالله بن مسعود ا وهو من السابقين الأولين، بل من أوائل الذين أسلموا؛ مما يستحيل أن يخفى عليه من شأن الإمامة شيء، نراه لا يختلف عن سابقيه في هذا الشأن.
فتأمل -مثلًا- رواية القوم هذه، وحصولها لا شك أنه بعد عشرين سنة من مبعثه صلى الله عليه وآله وسلم، إذ توحي عباراتها بقرب أجله صلى الله عليه وآله وسلم، تقول الرواية: إن ابن مسعود ا قال: قال لي رسول الله لما رجع من حجة الوداع: «يا ابن مسعود، قد قرب الأجل ونعيت إليّ نفسي فمن لك بعدي؟ فأقبلت أعد عليه رجلًا رجلًا، فبكى ثم قال: ثكلتك الثواكل! فأين أنت من علي بن أبي طالب لم تقدمه على الخلق أجمعين»([236]).
وفي رواية: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا ابن مسعود، نُعيَتْ إلي نفسي، فقلت: استخلف يا رسول الله، قال: من؟ قلت: أبا بكر، فأعرض عني، ثم قال: يا ابن مسعود، نعيت إلي نفسي، فقلت: استخلف، قال: من؟ قلت: عمر، فأعرض عني، قال: يا ابن مسعود، نعيت إلي نفسي، قلت: استخلف، قال: من؟ قلت: عليًا، قال: أما إن أطاعوه دخلوا الجنة أجمعون أكتعون»([237]).
وروى القوم عنه -أيضًا- ا قال: قلت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يا رسول الله، من يغسلك إذا مت؟ فقال: يغسل كل نبي وصيه، قلت: فمن وصيك يا رسول الله؟ قال: علي بن أبي طالب»([238]).
وهذا صحابي آخر وهو جابر بن عبدالله الأنصاري ب، وزيادةً عما أوردناه عنه في أول الباب نورد هنا رواية أخرى يرويها القوم عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ربه أنه قال: «من لم يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي، أو شهد أن محمدًا عبدي ورسولي، أو شهد بذلك ولم يشهد أن علي بن أبي طالب خليفتي، أو شهد بذلك ولم يشهد أن الأئمة من ولده حججي، فقد جحد نعمتي، وصغر عظمتي، وكفر بآياتي وكتبي، إن قصدني حجبته، وإن سألني حرمته، وإن ناداني لم أسمع نداءه، وإن دعاني لم أسمع دعاءه، وإن رجاني خيبته، وذلك جزاؤه مني، وما أنا بظلام للعبيد، فقام جابر بن عبدالله، فقال: يا رسول الله، ومَن الأئمة من ولد علي بن أبي طالب؟» والرواية طويلة أخذنا منها موضع الحاجة([239]).
وهذا أبو ذر الغفاري ا يقول: كنا ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسجد قباء ونحن نفر من أصحابه، إذ قال: «معاشر أصحابي، إنه يطلع عليكم من هذا الباب رجل هو أمير المؤمنين وإمام المسلمين، قال: فنظروا وكنت فيمن نظر، فإذا نحن بعلي بن أبي طالب قد طلع، فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: هذا إمامكم من بعدي»([240]).
وذكر مسجد قباء يؤكد لك تاريخ الرواية، وأنها بعد الهجرة، وأبو ذر ا من أوائل من أسلموا، حتى روي عنه أنه قال: كنت ربع الإسلام، أسلم قبلي ثلاثة نفر وأنا الرابع، فاستمع إليه بعد ثلاثة عشر سنة من إسلامه وهو يقول: «وكنت فيمن نظر»، ليرى مع أصحابه من يكون أمير المؤمنين هذا.
وعن أنس ا قال: «صلى بنا رسول الله صلاة الفجر، ثم أقبل علينا، وقال: معاشر أصحابي، من أحب أهل بيتي حشر معنا، ومن استمسك بأوصيائي من بعدي فقد استمسك بالعروة الوثقى، فقام إليه أبو ذر الغفاري، فقال: يا رسول الله، كم الأئمة بعدك؟ قال: عدد نقباء بني إسرائيل، فقال: كلهم من أهل بيتك؟ قال: كلهم من أهل بيتي، تسعة من صلب الحسين والمهدي تاسعهم»([241]).
وفي رواية أخرى أوردها القوم عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي توفي فيه -والرواية طويلة- وفيها أن أبا ذر ا قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا رسول الله، فكم الأئمة بعدك؟ قال: عدد نقباء بني إسرائيل»([242]).
وتذكرني هذه الرواية بالمثل القائل: كلام الليل يمحوه النهار، حيث أظهر القوم صاحبنا كمن نسي أسئلة الفجر التي في الرواية السابقة، ولكن لا تنس -عزيزي القارئ- أن الرواية الأخيرة كانت في مرض موته صلى الله عليه وآله وسلم، لتعرف مدى تأخرها.
وهذا سلمان الفارسي ا كما يروي القوم، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا نبي الله، إن لكل نبي وصيًا، فمن وصيك؟ قال: فسكت عني، فلمَّا كان بعدُ رآني من بعيد، فقال: يا سلمان، قلت: لبيك وأسرعت إليه، فقال: تعلم من كان وصي موسى؟ قلت: يوشع بن نون، فقال: ذاك لأنه يومئذٍ خيرهم وأعلمهم، ثم قال: وإني أشهد اليوم أن عليًا خيرهم وأفضلهم، وهو وليي ووصيي ووارثي»([243]).
وفي رواية أخرى: «يا رسول الله، إنك قلت: من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية، من هذا الإمام؟ قال: من أوصيائي يا سلمان»([244]).
ولا أدري كيف سمع سلمان الفارسي ا هذا الحديث، وكيف كان الصحابة رضوان الله عليهم يتداولونه رغم خطورته، مع عدم معرفة الإمام، ثم تنقلب الآية، فيروي القوم أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي سأل سلمان ا: «يا سلمان، إن الله عزوجل لم يبعث نبيًا ولا رسولًا إلا جعل له اثني عشر نقيبًا، قال: قلت: يا رسول الله، قد عرفت هذا من الكتابين -التوراة والإنجيل-. قال: يا سلمان، فهل علمت نقبائي الاثني عشر الذين اختارهم الله للإمامة من بعدي؟ فقلت: الله ورسوله أعلم»([245]).
لا أدري كيف وهو يؤكد ورود هذه العقيدة في كتب الأولين، ثم يبقى على جهله بهم حتى يسأله الرسول عن ذلك، ويرد بقولـه: الله ورسوله أعلم، ألم يخش أن يموت ميتة جاهلية؟ ثم أليست إجابة السؤال موجودة في التوراة كما زعموا؟ وقد ذكرنا ذلك فيما سبق.
وعلى ذكر قول سلمان: «عرفت هذا من الكتابين -التوراة والإنجيل-» فقد أورد القوم الكثير من الروايات في بيان ورود مسألة الإمامة والأئمة في الكتب السماوية، ومن أراد تفصيل ذلك فعليه بطلبها من مظانها، ولكن نذكر هنا رواية واحدة تقول: «إن أسماء الأئمة وردت في التوراة، وهي: تقوبيت، قيذوا، دبيرًا، مفسورًا، مسموعًا، دوموه، مثبو، هذار، يثمو، بطور، نوقس وقيدموا»([246]).
رجعنا الآن إلى ذكر سلمان الفارسي وغياب النص عنه، وكما أوردنا في الرواية السابقة عنه قولـه: عرفت هذا من الكتابين، ونسوق الرواية التالية التي تنسجم معها، فعن علي ا قال: «كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيت أم سلمة، إذ دخل عليه جماعة من أصحابه، منهم: سلمان، وأبو ذر، والمقداد، وعبد الرحمن بن عوف، فقال سلمان: يا رسول الله، إن لكل نبي وصيًا وسبطين، فمن وصيك وسبطاك؟ فأطرق ساعة، ثم قال: يا سلمان، إن الله بعث أربعة آلاف نبي، وكان لهم أربعة آلاف وصي، وثمانية آلاف سبط، فوالذي نفسي بيده لأنا خير الأنبياء، ووصيي خير الأوصياء، وسبطاي خير الأسباط، ثم قال: يا سلمان، أتعرف من كان وصي آدم؟ فقال: الله ورسوله أعلم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إني أعرفك يا أبا عبدالله، فأنت منا أهل البيت، إن آدم أوصى إلى ابنه شيث، وأوصى شيث إلى ابنه شبان -ثم ذكر بقية سلسلة الأنبياء والأوصياء إلى أن قال-: وأنا أدفعها إلى علي بن أبي طالب، فقال علي: فقلت: يا رسول الله، فهل بينهم أنبياء وأوصياء أخر؟ قال: نعم، أكثر من أن تحصى، ثم قال: وأنا أدفعها إليك يا علي، وأنت تدفعها إلى ابنك الحسن، والحسن يدفعها إلى أخيه الحسين -ثم ذكر بقية الأئمة- ثم التفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال رافعًا صوته: الحذر الحذر إذا فقد الخامس من ولد السابع من ولدي، قال علي: فقلت: يا رسول الله، فما يكون في هذه الغيبة حاله؟» والرواية طويلة أخذنا منها موضع الحاجة([247]).
والرواية -كما ترى- تدور أحداثها في بيت أم سلمة ل ، وكان قد تزوجها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في شوال من السنة الرابعة من الهجرة، فكيف يستقيم أن أمرًا من الخطورة بمكان أوردنا فيه في المقدمة ما أوردناه، لم يكن شائعًا بين الصحابة حتى السنة السابعة عشرة من البعثة، ولم يستوجب سؤال سلمان عنه رغم مرور ما لا يقل عن أربعة أعوام على إسلامه الذي كان بعد الهجرة، ونحن نعلم بالضرورة عدم سؤاله صلى الله عليه وآله وسلم عن عدد ركعات صلاة المغرب، أو في أيٍّ من الأشهر يكون الصيام؛ لأن ذلك من ضروريات الدين وأركانه، ولكن لا نعلم علة جهله بأهم الأركان، والذي ما عرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء في المائة والعشرين مرة -كما يزعم القوم- إلا وأوصي به أكثر من وصيته بالأركان الأخرى.
كذلك لا يفوتك في الرواية تساؤلات علي بن أبي طالب ا، سواء عمن سبقوه، أو عن حال الخامس من ولد السابع وغيرهما.
ثم ها هو ينسى كل ذلك، حيث نراه يسأل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «من الخليفة بعدك حتى نعلمه؟ فقال: يا سلمان، ادخل على أبي ذر ا وافهموا عني أن علي بن أبي طالب وصيي ووارثي وقاضي ديني وعداتي»([248]).
والغريب أن هذه الرواية -أيضًا- دارت أحداثها في بيت أم سلمة ل ، وهو كما عرفت مما سبق تاريخ وقوعها، وأبطالها هم أبطال القصة السابقة، أي: سلمان، وأبو ذر، والمقداد، وأم المؤمنين أم سلمة ي، وتتكرر القصة.
ثم إنني لم أقف على مغزى استدعاء هؤلاء النفر من الصحابة دون غيرهم، ولا العلة من هذه السرية في تبيين ما لولاه لما خلق الله شيئًا، ألم يكن يغني قولـه صلى الله عليه وآله وسلم: الخليفة من بعدي علي ابن أبي طالب عن كل هذا؟ ولعلي ألتمس العذر لجهل هؤلاء الصحابة -سواء الذين استدعاهم أو الذين لم يستدعهم- بخلافة علي بن أبي طالب ا حتى تاريخ هذه الرواية لسريتها كما يزعم القوم في هذه الرواية.
نعود إلى ما كنا فيه من ذكر غياب النص عن الصحابة ي، فعن أبي هريرة ا قال: «كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأبي بكر، وعمر، والفضل بن العباس، وزيد بن حارثة، وعبدالله بن مسعود، إذ دخل الحسين بن علي ي، فأخذه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: يا حسين، أنت الإمام ابن الإمام أبو الأئمة، تسعة من ولدك أئمة أبرار، فقال له عبدالله بن مسعود: ما هؤلاء الأئمة الذين ذكرتهم في صلب الحسين؟ فأطرق مليًا ثم رفع رأسه، فقال: يا عبدالله، سألت عظيمًا ولكني أخبرك أن ابني هذا -ووضع يده على كتف الحسين- يخرج من صلبه ولد مبارك سميّ جده علي، يُسمى: العابد ونور الزهاد، ويخرج الله من علي ولدًا اسمه اسمي، وأشبه الناس بي، يبقر العلم بقرًا، وينطق بالحق، ويأمر بالصواب، ويخرج الله من صلبه كلمة الحق ولسان الصدق، فقال له ابن مسعود: فما اسمه يا رسول الله؟ قال: يقال له: جعفر، صادق في قولـه وفعله، الطاعن عليه كالطاعن علي، والراد عليه كالراد علي، ثم دخل حسان بن ثابت وأنشد في رسول الله شعرًا وانقطع الحديث، فلما كان من الغد صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم دخل بيت عائشة ودخلنا معه أنا وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن العباس، وكان صلى الله عليه وآله وسلم من دأبه إذا سُئِلَ أجاب، وإذا لم يسأل ابتدأ، فقلت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ألا تخبرني بباقي الخلفاء من صلب الحسين؟ قال: نعم يا أبا هريرة -ثم ذكر بقية الأئمة- فقال له علي بن أبي طالب: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، من هؤلاء الذين ذكرتهم؟ قال: يا علي، أسامي الأوصياء من بعدك، والعترة الطاهرة، والذرية المباركة، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفس محمد بيده، لو أن رجلًا عبد الله ألف عام ثم ألف عام ما بين الركن والمقام، ثم أتاني جاحدًا لولايتهم لأكبه الله في النار كائنًا من كان»([249]).
هذه الرواية وإن كان الأنسب إيرادها عند حديثنا عن أمير المؤمنين أو ابن مسعود ب، إلا أن الغاية واحدة.
أقول: هذه الرواية منسوبة إلى أبي هريرة ا، الصدوق عند متقدمي القوم، والكذوب عند متأخريهم لحاجةٍ في نفس يعقوب، ليس هذا الكتاب محل بيانها.
وأبو هريرة ا قدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد فتح خيبر -أي: في السنة السابعة من الهجرة- بعد عشرين سنة من البعثة، فإذا علمت هذا فتأمل قول ابن مسعود: من هؤلاء الأئمة الذين ذكرتهم في صلب الحسين؟ وقول علي: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، من هؤلاء الذين ذكرتهم؟ فلا يحتاج إلى تعليق.
وعلى أي حال، حتى لا نطيل على القارئ في سيرنا على هذا المنوال بذكر صحابي صحابي، نورد هنا بعض الروايات المشتركة، ففيها غنىً لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وقبل هذا نذكرك برواية غزوة الخندق التي مرَّت بك، وقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: من يقوم إلى مبارزته -أي: عمرو بن ود- وله الإمامة بعدي؟ وعرفنا هناك أن هذه الغزوة كانت في شوال من السنة الخامسة من الهجرة، ولكن لم نعرف أن أحدًا من الصحابة ي -وكانوا ثلاثة آلاف في تلك الغزوة- استدرك ذلك على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو أخبره بأنه قال لهم: إن الأئمة خلقوا قبل الخلق بمليوني عام، وكذلك شأن علي بن أبي طالب نفسه الذي أنشد في ذلك شعرًا كما مرَّ بك، ولعلَّ كل هذا يدلك على عدم وجود نص على علي بن أبي طالب ا حتى في شوال من السنة الخامسة من الهجرة، أي: بعد مرور ثمانية عشر عامًا من البعثة، أو أن الجميع -بما فيهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأمير ا- قد نسوا كل تلك النصوص التي مرَّت بك حتى الآن، وأرى أن هذا الاحتمال قائم، وذلك أن الجميع -بما فيهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأمير ا- قد نسوا أمر هذه الغزوة، وأن علي بن أبي طالب بمبارزته وقتله ابن ود قد صار إمامًا بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فقد روى القوم عن خالد بن سعيد ا: «أن رسول الله قال لنا ونحن محتوشوه في يوم بني قريظة وقد أقبل على رجال منا ذوي قدر، فقال: معاشر المهاجرين والأنصار، أوصيكم بوصية فاحفظوها، وإني مؤد إليكم أمرًا فاقبلوه، ألا إن عليًا أميركم من بعدي وخليفتي فيكم، أوصاني بذلك ربي وربكم»([250]).
وقد علمت -أيضًا- مما مضى أن هذه الغزوة كانت عقب غزوة الخندق مباشرة، أي: أن بين قولـه صلى الله عليه وآله وسلم: من يبارز ابن ود فله الإمامة بعدي، وبين قولـه السابق أيامًا معدودات.
وتستمر تساؤلات الصحابة رضوان الله عليهم بزعم القوم في مواطن أخرى، فكلما سمعوا بذكر الأئمة تساءلوا عنهم، فعن أبي هريرة ا: «خطبنا رسول الله: معاشر الناس، من أراد أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، فليتول علي بن أبي طالب وبقية الأئمة من بعده، فقيل: يا رسول الله، فكم الأئمة بعدك؟»([251]).
وتأخر هذه الرواية بيِّن مما عرفت من إسلام أبي هريرة ا.
وعنه -أيضًا- ا قال: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد نزلت هذه الآية: ( !$yJ¯RÎ) |MRr& Ö‘É‹ZãB ( Èe@ä3Ï9ur Bعزوجلöعزوجلs% >Š$yd ÇÐÈ ) [سورة الرعد]، فقال: أنا المنذر، وعلي الهادي، وهو أبو الأئمة، فقيل: يا رسول الله، وكم الأئمة بعدك؟»([252]).
وعن أبي سعيد ا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «معاشر أصحابي، إن مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح وباب حطة في بني إسرائيل، فتمسكوا بأهل بيتي والأئمة الراشدين من ذريتي؛ فإنكم لن تضلوا أبدًا، فقيل: يا رسول الله، كم الأئمة بعدك؟»([253]).
وعنه -أيضًا- ا قال: سمعت رسول الله يقول: «أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، قيل: يا رسول الله، فالأئمة بعدك من أهل بيتك؟»([254]).
وعنه -أيضًا- ا قال: سمعت رسول الله يقول للحسين: «يا حسين، أنت الإمام، ابن الإمام، أخو الإمام، تسعة من ولدك أئمة أبرار، تاسعهم قائمهم، فقيل: يا رسول الله، كم الأئمة بعدك؟ قال: اثنا عشر، تسعة من صلب الحسين»([255]).
وأضف إلى جهلهم بالأئمة بعده حتى تاريخ هذه الرواية التي يخاطب فيها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الحسين ا، الذي ولد في السنة الثالثة من الهجرة، والذي لاشك أنه بلغ مبلغ الإدراك، أي: سبع سنوات.
أقول: أضف إلى ذلك جهلهم بالحساب، فتأمل!
قال علي بن أبي طالب ا بزعم القوم: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «طوبى لمن تمسك بي والأئمة الأطهار من ذريتي، فقيل: يا رسول الله، فكم الأئمة بعدك؟»([256]).
وعنه -أيضًا- ا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أنزلوا أهل بيتي بمنزلة الرأس من الجسد، وبمنزلة العينين من الرأس، وإن الرأس لا يهتدي إلا بالعين، اقتدوا بهم من بعدي لن تضلوا، فسألنا عن الأئمة؟ فقال: الأئمة بعدي من عترتي -أو قال: من أهل بيتي- عدد نقباء بني إسرائيل»([257]).
وتأمل تاريخ هاتين الروايتين، فراويهما هو ابن الأسقع الذي أسلم في السنة التاسعة من الهجرة.
وذكر القوم: «إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عرف أصحابه أمير المؤمنين مرتين، وذلك أنه قال لهم: أتدرون من وليكم بعدي؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن الله تبارك وتعالى قد قال: ( ¨bÎ*sù ©!$# uعزوجلèd çm9s9öعزوجلtB ã@ƒÎŽö9Å_ur ßxÎ=»|¹ur tûüÏZÏB÷sßJø9$# ) [التحريم:4] -يعني: أمير المؤمنين- وهو وليكم بعدي؟ والمرة الثانية في غدير خم حين قال: من كنت مولاه فعلي مولاه»([258]).
فالرواية فيها أن تعريف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بأمير المؤمنين مرتين:
الأولى: بعد نزول سورة التحريم، التي نزلت -كما في بعض الروايات- في شأن عائشة وحفصة ومارية القبطية رضي الله عنهن، ومارية أهداها المقوقس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الثامنة من الهجرة، فانظر متى تكون الرواية، وموقف جميع الروايات الآنفة الذكر والقادمة من غير هاتين المرتين، إلا أنه يسقط بها جميع ما أوردناه وما سنورده من روايات كانت أحداثها سابقة لروايتنا هذه.
كما لا يفوتك أن قول الصحابة ي: الله ورسوله أعلم، ينسجم تمامًا ويتفق مع ما قلناه، فتأمل!
أما المرة الأخرى -يوم غدير خم- فلنا معها شأن آخر في كتابنا هذا تجده في محله إن شاء الله.
ونبقى معك عزيزي القارئ في السنة نفسها -أي: الثامنة من الهجرة- فاقرأ معي رواية القوم هذه، وهي سواء كانت قبل سابقتها أو بعدها؛ فإحداهما تسقط الأخرى وما قبلها.
تقول الرواية: قال بعض الثقات: «اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عام فتح مكة، فقالوا: يا رسول الله، إن من شأن الأنبياء إذا استقام أمرهم أن يدلوا على وصي من بعدهم يقوم بأمرهم، فقال: إن الله تعالى قد وعدني أن يبين لي هذه الليلة الوصي من بعدي والخليفة الذي يقوم بأمري بآية تنزل من السماء، فلمَّا فرغ الناس من صلاة العشاء الآخرة من تلك الليلة، ودخلوا البيوت، وكانت ليلة ظلماء لا قمر فيها، فإذا نجم قد نزل من السماء بدوي عظيم، وشعاع هائل، حتى وقف على ذروة حجرة علي بن أبي طالب، وصارت الحجرة كالنهار، أضاءت الدور بشعاعه، ففزع الناس وجاءوا يهرعون إلى رسول الله، ويقولون: إن الآية التي وعدتنا بها قد نزلت، وهو نجم، وقد نزل على ذروة دار علي بن أبي طالب، فقال النبي: فهو الخليفة من بعدي، والقائم من بعدي، والوصي من بعدي، والولي بأمر الله عزوجل»([259]).
ولا أظن أن القارئ يحتاج مني إلى تعليق، ولكن أُذكره أن تاريخ رواية بعض الثقات هو عشرون عامًا بعد البعثة.
وعلى أي حال، نترك مكة وقد فتحت، ونجمة الخليفة وقد نزلت، ونعود مع العائدين إلى المدينة لنكمل مشوارنا، ونقترب هذه المرة من أواخر أيامه صلى الله عليه وآله وسلم خشية الإطالة ووفاءً بعهد الإيجاز الذي التزمنا به في المقدمة، يقول القوم: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي ا حين دنا موته: «هذا وليكم من بعدي، فإن أطعتموه رشدتم»([260]).
ويقولون: إنه حذَّر أمته بقولـه -كما نسبوا رواية ذلك إلى الأمير ا-: «ستكون بعدي فتنة مظلمة، الناجي منها من تمسك بالعروة الوثقى، فقيل: يا رسول الله، وما العروة الوثقى؟
قال: ولاية سيد الوصيين، قيل: ومن سيد الوصيين؟ قال: أمير المؤمنين، قيل: يا رسول الله، ومن أمير المؤمنين؟ قال: مولى المسلمين وإمامهم بعدي، قيل: يا رسول الله، من مولى المسلمين وإمامهم بعدك؟ قال: أخي علي بن أبي طالب»([261]).
ولا أدري ماذا كان موقف علي بن أبي طالب ا وهو راوي الحديث، وقد رأى إخوانه يجهلون كونه العروة الوثقى، وسيد الوصيين، وأمير المؤمنين، ومولى المسلمين، وإمامهم بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأعجب منه موقف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحلمه مع هؤلاء الذين لم يعرفوا مَن لولاه لما خلقوا.
وأرى أن نعذرهم بضمان الرواية الآتية التي يرويها القوم عن علي بن أبي طالب -أيضًا- حيث يقول لطلحة: «يا طلحة، أليس قد شهدت رسول الله حين دعا بالكتف ليكتب فيها ما لا تضل الأمة بعده ولا تختلف، فقال صاحبك ما قال: إن رسول الله يهجر، فغضب رسول الله وتركها؟
قال: بلى شهدته، قال: فإنكم لما خرجتم أخبرني رسول الله بالذي أراد أن يكتب فيها ويشهد عليه العامة، وإن جبرائيل أخبره بأن الله يعلم أن الأمة ستختلف وتفترق، ثم دعا بصحيفة فأملى عليَّ ما أراد أن يكتب بالكتف، وأشهد على ذلك ثلاثة رهط: سلمان الفارسي، وأبا ذر، والمقداد، وسمَّى من يكون من أئمة الهدى الذين أمر المؤمنين بطاعتهم إلى يوم القيامة، فسماني أولهم، ثم ابني هذا الحسن، ثم ابني هذا الحسين، ثم تسعة من ابني هذا الحسين»([262]).
ففي الرواية دلالة على أن الأئمة لم يكونوا مسمَّيْن حتى ربيع الأول من سنة إحدى عشرة من الهجرة، حيث انتقل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى، وبذلك نتبين موقف علي بن أبي طالب من الصحابة في الحديث السابق.
وفي الرواية فوائد أخرى سنتعرض لها في حينها، ولكن نأخذ منها الآن علة خوفه من أن تضل أمته بعده، مما اقتضى منه صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتب لهم هذا الكتاب.
فنقول: لا يخلو شأن أمته من أن يكون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد بيَّن لهم الخليفة من بعده، ومن ثمَّ ليس لهذا الكتاب حاجة، أو أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن قد نص بعد على خليفته من بعده، وفي الأخذ بأيهما إشكال لا يمكن توجيهه، ففي الأول خوف من أمرٍ قد فرغ منه، وتم تبيينه مرارًا كما مرَّ بك في هذا الفصل، فضلًا عما أوردناه في مقدمة الباب، مما يستوجب تكرارًا يستقبح صدور مثله عنه صلى الله عليه وآله وسلم.
فإن قال قائل: لعلَّ ذلك منه صلى الله عليه وآله وسلم إقامة للحجة على قومه وقد علم منهم مخالفتهم لـه بعد موته.. فيقال له: إن من عقد العزم على مخالفة كل تلك النصوص منذ بدء الدعوة لن يثنيه أو يغيره كتاب يُكتب في ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة.
أما الإشكال الآخر: وهو عدم نصه صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإن الأخذ به إسقاط لمعتقد الإمامية من أصله، ولعل ما يؤكد هذا الإشكال رواية القوم هذه التي سنختم بها حديثنا.
عن أبي عبد الله جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، قال: «لما مرض النبي مرضه الذي قبضه الله فيه اجتمع عليه أهل بيته وأصحابه، وقالوا: يا رسول الله، إن حدث بك حدث فمن لنا بعدك؟ ومن القائم فينا بأمرك؟
فلم يجبهم جوابًا وسكت عنهم، فلمَّا كان اليوم الثاني أعادوا عليه القول، فلم يجبهم عن شيء مما سألوه، فلما كان اليوم الثالث قالوا له: يا رسول الله، إن حدث بك حدثٌ فمن لنا من بعدك؟ ومن القائم فينا بأمرك؟
فقال لهم: إذا كان غدًا هبط نجم من السماء في دار رجلٍ من أصحابي فانظروا من هو؟ فهو خليفتي عليكم من بعدي، والقائم فيكم بأمري، ولم يكن فيهم أحد إلا وهو يطمع أن يقول له: أنت القائم من بعدي، فلمَّا كان اليوم الرابع جلس كل رجل منهم في حجرته ينتظر هبوط النجم، إذ انقض نجم من السماء قد غلب نوره على ضوء الدنيا حتى وقع في حجرة علي»([263]).
فهذه الرواية لا تحتاج إلى بيان، وأوجه الدلالة فيها واضحة، فهي تسقط كل ما أورده القوم قبل هذه القصة، وقد علمت تاريخها.
ولا يفوتني هنا أن أذكرك بقولـه: «اجتمع عليه أهل بيته وأصحابه»، وأنت خبير بأن أهل بيته عند القوم، هم: علي، وفاطمة، والحسن، والحسين دون غيرهم، وهذه الرواية لم يروها من لا يرى هذا الحصر في أهل البيت، بل رواها الصادق عن الباقر عن آبائه ي، وبهذا لا يخلو من أن يكون علي بن أبي طالب والزهراء والسبطان فيمن سأل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في أواخر أيامه عن الخليفة بعده، أو أن أهل البيت أعم من حصرهم في هؤلاء الأربعة، فإن كان الأول فقد علمت نتيجته، وإن كان الآخر فهو مأزق كبير سترى نتائجه لاحقًا([264])، هذا ما كان من شأن الرعيل الأول.

 
الإمام زين العابدين وأصحابه والنص
نبدأ حديثنا عن الإمام الرابع زين العابدين علي بن الحسين /، وأصحابه وأهل بيته، وموقف هؤلاء من الإمامة والنص، بسرد هذه الرواية التي تعيد إلى أذهاننا مسألة السرية والكتمان في مسألة جاهلها لا يعذر، وأعمال منكرها لا تقبل، ولكن كما عودناكم سنقتصر على النصوص دون اللجوء إلى التفسيرات والتعليلات، حيث إن هذه النصوص في ذاتها تغني عن ذلك.
نشرع في المقصود فنقول:
روى القوم عن أحمد بن إبراهيم، قال: دخلت على حكيمة بنت محمد بن علي الرضا أخت أبي الحسن صاحب العسكر، فقلت: «إلى من تفزع الشيعة؟ فقالت: إلى الجدة أم أبي محمد، فقلت: أقتدي بمن وصيته إلى امرأة؟ فقالت: اقتدِ بالحسين بن علي، والحسين بن علي أوصى إلى أخته زينب بنت علي في الظاهر، وكان ما يخرج عن علي بن الحسين من علم ينسب إلى زينب سترًا على علي بن الحسين».
وفي رواية عن الباقر: «إن الحسين لما حضره الذي حضره دعا ابنته فاطمة الكبرى، فدفع إليها كتابًا ملفوفًا ووصية ظاهرة، وكان علي بن الحسين مريضًا لا يرون أنه يبقى بعده، فلما قتل الحسين ورجع أهل بيته إلى المدينة، دفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين، ثم صار ذلك الكتاب والله إلينا»([265]).
أقول: إذًا أين تلك النصوص كلها التي تقول: إن الإمامة بعد الحسين تكون في زين العابدين؟ وتلك القائلة: إن معرفة ذلك ركن من أركان الدين ولا يتم إيمان المؤمن إلا بها؟ وأين هو محل هذه الوصية -ظاهرة كانت أم باطنة- من أمر قد عُلِمَ مسبقًا فيمن تكون؟ ولِم لَمْ ينكر أحد من الشيعة جعل الوصاية إلى امرأة، حتى لو كانت زينب ل ، أم فاطمة الكبرى على الخلاف الذي مرَّ بك في الروايتين، وهم يعلمون سلفًا بأن الأئمة مسمَّون بأسمائهم، وبوصية نزلت من السماء، وعهدٍ من رسول الله رجل فرجل مسمَّى حتى تنتهي إلى صاحبها، وليس للإمام أن يزويها عمن يكون من بعده، كما مرَّ بك؟
وعلى ذكر ما جاء في الرواية بأنهم لا يرون أن زين العابدين يبقى بعده، فقد كان للحسين موقف شبيه بموقف جده من وصييه، وأبيه منه ومن أخيه صلوات الله عليهم أجمعين، هذا الموقف هو افتراض موت اللاحق قبل السابق.
ففي فاجعة كربلاء خرج زين العابدين وكان مريضًا لا يقدر أن يقل سيفه وأم كلثوم تنادي خلفه: «يا بني، ارجع، فقال: يا عمتاه، ذريني أقاتل بين يدي ابن رسول الله، فقال الحسين ا: يا أم كلثوم، خذيه لئلا تبقى الأرض خالية من نسل آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»([266]).
فهل غاب عنه ا أن زين العابدين سيكون الإمام من بعده نصًا من الله ورسوله، وأن الأرض لا تخلو من حجة من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإلا لساخت؟!
والغريب أن زين العابدين كان جاهلًا بكل أحداث كربلاء، حتى بينت له ذلك زينب بنت علي ل ، وعزَّته وسلَّته وبشرته بدرجات الشهداء([267]).
وعلى أي حال، نشرع في بيان موقف الأصحاب من الإمامة والنص، فنقول: روى القوم عن الباقر أنه قال: «كان أبو خالد الكابلي يخدم محمد بن الحنفية دهرًا، وما كان يشك في أنه إمام حتى أتاه ذات يوم، فقال لـه: جعلت فداك، إن لي حرمة ومودة وانقطاعًا، فأسألك بحرمة رسول الله وأمير المؤمنين إلا أخبرتني، أأنت الإمام الذي فرض الله طاعته على الخلق؟».
وفي موضع آخر: قال لعلي بن الحسين: «الحمد لله الذي لم يمتني حتى عرفت إمامي، فقال له علي بن الحسين: وكيف عرفت إمامك يا أبا خالد؟ قال: إنك دعوتني باسمي الذي سمتني أمي التي ولدتني، وقد كنت في عمياء من أمري، ولقد خدمت محمد بن الحنفية دهرًا من عمري، ولا أشك إلا وأنه إمام»([268]).
فاسأل نفسك: كيف خفي على رجل كهذا، وهو من الثلاثة الذين لم يرتدوا بعد قتل الحسين ا -بزعم القوم([269])- كيف خفي عليه أمر الإمام وهو يعرف أنه لابد من إمام مفروض الطاعة على الخلق، وكان لصيقًا بأهل البيت ومن شيعتهم؟
على أي حال، سنوقفك قريبًا على علة جهله بهذا الأمر رغم خدمته دهرًا من عمره لابن الحنفية، وهو عم زين العابدين، ولا شك أنه يعرف أن إيمان العبد ومدار قبول أعماله متوقف على القول بإمامة أبيه أمير المؤمنين ا، وأخويه: الحسن والحسين، وابن أخيه، وبقية الأئمة، وهو يعرف أن خادمه هذا ضال بجهله بالإمام، بل وكافر لتوليه إمامًا ليس من الله، أي: ابن الحنفية.
ثم ها هو -أي: الكابلي- ينتقل إلى خدمة إمامه بعد أن عرفه وأنقذ نفسه من النار، وضمن قبول أعماله وطاعاته، نراه يلاحقه بتلك الأسئلة، فيقول: «دخلت على سيدي علي بن الحسين زين العابدين، فقلت له: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أخبرني بالذين فرض الله طاعتهم ومودتهم، وأوجب على خلقه الاقتداء بهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟» إلى تمام الرواية، وفيها ذكر زين العابدين للأئمة([270]).
ويبدو الأمر طبيعيًا حيث سؤاله، ولكن يبدو أنه نسي كل ذلك، فتراه يسأل زين العابدين: «من الحجة والإمام بعدك؟ فقال: ابني محمد»([271]).
ولا أدري إن كان قد اقتنع بكل ما مر أو أنه نسي مرة أخرى، وذهب إلى إمامه وهو في محرابه، وانتظره حتى فرغ من صلاته ليكرر عليه السؤال، حيث يقول: «دخلت على علي بن الحسين وهو جالس في محرابه، فجلست حتى انثنى وأقبل عليَّ بوجهه يمسح يده على لحيته، فقلت: يا مولاي، أخبرني كم يكون الأئمة بعدك؟ قال: ثمانية، قلت: وكيف ذاك؟ قال: لأن الأئمة بعد رسول الله اثنا عشر إمامًا عدد الأسباط»([272]). ولا أدري كيف صبر عليه الإمام إلى هذا الحد.
وآخر هو عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، قال: «كنت عند الحسين بن علي، إذ دخل علي بن الحسين الأصغر، فدعاه الحسين وضمه إليه ضمًا، وقبَّل ما بين عينيه، ثم قال: بأبي أنت ما أطيب ريحك وأحسن خلقك!
فتداخلني من ذلك، فقلت: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله، إن كان ما نعوذ بالله أن نراه فيك فإلى من؟ قال: علي ابني، هذا هو الإمام أبو الأئمة، قلت: يا مولاي، هو صغير السن؟ قال: نعم، إن ابنه محمدًا يؤتم به وهو ابن تسع سنين»([273]).
وفي الرواية إشكال آخر، وهو كون الإمام هو علي الأصغر، إذ المعروف أنه استشهد مع أبيه الحسين في كربلاء، وهكذا شأن الكثير من أصحابه، ولا بأس من ذكر أمثلة أخرى.
عن زيد بن علي بن الحسين ا قال: «بينا أبي مع بعض أصحابه إذ قام إليه رجل، فقال: يا ابن رسول الله، هل عهد إليكم نبيكم كم يكون بعده أئمة؟»([274]).
ولا يفوتك أن تتأمل في قولـه: مع بعض أصحابه!
وعن أخيه الحسين بن علي بن الحسين ا: «سأل رجل أبي عن الأئمة؟ فقال: اثنا عشر، سبعة من صلب هذا، ووضع يده على كتف أخي محمد»([275]).
ومنهم من ظن أن أباه هو المهدي، فعن عيسى الخشاب قال: قلت للحسين بن علي: «أنت صاحب هذا الأمر؟ قال: لا»([276]).

 
خلاف أهل البيت مع زين العابدين رحمه الله
على أي حال، نكتفي بذكر حال أصحابه المقربين خشية الإطالة، ونقترب إلى حال أهل بيته وهم من لا يفترض أن يغيب عنهم أو يخفى عليهم أمر لولاه لما خلق الله شيئًا، ولو أن أحدًا منهم صف رجليه بين الركن والمقام وعبد ربه هناك ألف عام ثم ألف عام ما تقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا حتى يقول بالإمام، فذكرهم أبلغ في المقصود.
فها هو ابنه عمر بن علي زين العابدين يسأل أباه -كما يزعم القوم- عن علة تسمية أخيه الباقر بهذا الاسم. فيرد عليه أبوه: «يا بني، إن الإمامة في ولده إلى أن يقوم قائمنا، فيملأها قسطًا وعدلًا، وإنه الإمام، وأبو الأئمة، ومعدن الحلم، وموضع العلم، يبقره بقرًا، والله لهو أشبه الناس برسول الله، فقال: فكم الأئمة بعده..» الرواية([277]).
كيف رضي أن يبقى ابنه جاهلًا بأعظم أركان الدين دون أن يبين لـه حتى كان هو الذي سأله، أوكان تاركه يموت على ضلالة لو لم يكن قد سأله؟! وعمر هذا قال عنه المفيد: «وكان عمر بن علي بن الحسين فاضلًا جليلًا، وولي صدقات النبي صلى الله عليه وآله وصدقات أمير المؤمنين u، وكان ورعًا سخيًا، وقد روى داود بن القاسم، قال: حدثنا الحسين بن زيد، قال: رأيت عمي عمر بن علي بن الحسين يشترط على من ابتاع صدقات علي u أن يثلم في الحايط كذا وكذا ثلمة، ولا يمنع من دخله أن يأكل منه»([278]).
وعن جرير القطان قال: سمعت عمر بن علي بن الحسين يقول: «المفرط في حبنا كالمفرط في بغضنا، لنا حق بقرابتنا من جدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحق جعله الله لنا، فمن تركه ترك عظيمًا، أنزلونا بالمنزل الذي أنزلنا الله به، ولا تقولوا فينا ما ليس فينا، إن يعذبنا الله فبذنوبنا، وإن يرحمنا الله فبرحمته وفضله»([279]).
ولعل في قولـه: «أنزلونا بالمنزل الذي أنزلنا الله به، ولا تقولوا فينا ما ليس فينا»، ما يزيل شبهة عدم علمه بالأئمة، واللبيب بالإشارة يفهم.
وعلى أي حال، فقبل أن أنتقل إلى حديث آخر أود ألا يفوتك اسم صاحبنا هذا -أي: عمر بن علي- فتدبر وجه الدلالة، ولنا مع مثل هذا وقفات في كتابنا هذا ستجدها في حينها إن شاء الله.
وهذا عمر آخر، وهو عمه، سترى أنه لم ينكر إمامته فحسب، بل ورأى منازعته في الصدقات، فقد روى القوم أن عمر بن علي خاصم علي بن الحسين إلى عبد الملك في صدقات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا ابن المصدق وهذا ابن ابن، فأنا أولى بها منه، فتمثل عبد الملك بقول ابن أبي الحقيق:
لا تجعل الباطل حقّا ولا   تلطّ دون الحقّ بالباطل
 
ادعاء محمد بن علي بن أبي طالب [ابن الحنفية]
رحمه الله للإمامة
قبل أن أنتقل إلى الكلام عن الإمام الباقر وأصحابه، أختم حديثي عن زين العابدين برواية القوم هذه.
تقول الرواية: «إنه لما قتل الحسين بن علي أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين فخلا به، وقال له: قد قتل أبوك ولم يوص، وأنا عمك وصنو أبيك، وولادتي من علي في سني وقدمتي، وأنا أحق بها منك في حداثتك، لا تنازعني في الوصية والإمامة ولا تجانبني، فقال له علي بن الحسين: يا عم، اتق الله ولا تدّع ما ليس لك بحق، إني أعظك أن تكون من الجاهلين، إن أبي -يا عم- قد أوصى إليَّ في ذلك قبل أن يتوجه إلى العراق، وعهد إليَّ في ذلك قبل أن يستشهد بساعة، وهذا سلاح رسول الله عندي، فلا تتعرض لهذا؛ فإني أخاف عليك نقص العمر وتشتت الحال، إن الله تبارك وتعالى لما صنع الحسن مع معاوية ما صنع أبى أن يجعل الوصية والإمامة إلا في عقب الحسين، فإن رأيت أن تعلم ذلك فانطلق بنا إلى الحجر الأسود حتى نتحاكم إليه ونسأله عن ذلك، قال أبو جعفر: وكان الكلام بينهما بمكة، فانطلقا حتى أتيا الحجر، فقال علي بن الحسين لمحمد بن الحنفية: ائته يا عم وابتهل إلى الله تعالى أن ينطق لك الحجر، ثم سله عما ادعيت، فابتهل في الدعاء وسأل الله ثم دعا الحجر، فلم يجبه، فقال علي بن الحسين: أما إنك يا عم لو كنت وصيًا وإمامًا لأجابك، فقال له محمد: فادع أنت يا ابن أخي فاسأله، فدعا الله علي بن الحسين بما أراده، ثم قال: أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الأنبياء والأوصياء وميثاق الناس أجمعين لما أخبرتنا مَن الإمام والوصي بعد الحسين؟ فتحرك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه، ثم أنطقه الله بلسان عربي مبين، فقال: اللهم إن الوصية والإمامة بعد الحسين بن علي إلى علي بن الحسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول الله».
وفي رواية: عن أبي بجير -عالم الأهواز- وكان يقول بإمامة ابن الحنفية، قال: «حججت فلقيت إمامي، وكنت يومًا عنده، فمرَّ به غلام شاب فسلم عليه، فقام فتلقاه وقبَّل ما بين عينيه وخاطبه بالسيادة، ومضى الغلام وعاد محمد إلى مكانه، فقلت له: عند الله أحتسب عنائي، فقال: وكيف ذاك؟ قلت: لأنا نعتقد أنك الإمام المفترض الطاعة تقوم تتلقى هذا الغلام وتقول له: يا سيدي؟ فقال: نعم، هو والله إمامي، فقلت: ومن هذا؟ قال: علي ابن أخي الحسين، اعلم أني نازعته الإمامة ونازعني، فقال لي: أترضى بالحجر الأسود حكمًا بيني وبينك؟ فقلت: وكيف نحتكم إلى حجر جماد؟ فقال: إن إمامًا لا يكلمه الجماد فليس بإمام، فاستحييت من ذلك، وقلت: بيني وبينك الحجر الأسود، فقصدنا الحجر...» فذكر القصة([280]).
وفي أخرى: عن أبي خالد الكابلي، قال: «دعاني محمد بن الحنفية بعد قتل الحسين ورجوع علي بن الحسين إلى المدينة وكنا بمكة، فقال: صر إلى علي بن الحسين، وقل له: إني أكبر ولد أمير المؤمنين بعد أخويَّ الحسن والحسين، وأنا أحق بهذا الأمر منك، فينبغي أن تسلمه إلي، وإن شئت فاختر حكمًا نتحاكم إليه، فصرت إليه وأديت رسالته، فقال: ارجع إليه، وقل له:
يا عم، اتق الله ولا تدّع ما لم يجعله الله لك، فإن أبيت فبيني وبينك الحجر الأسود، فمن أجابه الحجر فهو الإمام...» إلى آخر القصة([281]).
هذا غير منازعته له في الصدقات، فعن سفيان بن عيينة، قال: قيل للزهري: «من أزهد الناس؟
قال: علي بن الحسين حيث كان، وقد قيل له فيما بينه وبين محمد بن الحنفية من المنازعة في صدقات علي بن أبي طالب: لو ركبت إلى الوليد بن عبد الملك ركبة لكشف عنك من غرر شره وميله عليك بمحمد، فإن بينه وبينه خلة، قال: وكان هو بمكة والوليد بها، فقال: ويحك! أفي حرم الله أسأل غير الله عزوجل؟ إني آنف أن أسأل الدنيا خالقها، فكيف أسألها مخلوقًا مثلي؟
وقال الزهري: لا جرم أن الله عزوجل ألقى هيبته في قلب الوليد حتى حكم له على محمد بن الحنفية»([282]).
وفي رواية: عن ابن غندر قال: «جاء مال من خراسان إلى مكة، فقال محمد بن الحنفية: هذا المال لي وأنا أحق به، فقال علي بن الحسين: بيني وبينك الصخرة، فأتيا الصخرة، فكلمها ابن الحنفية فلم تنطق، فكلمها علي بن الحسين فنطقت، وقالت: المال مالك وأنت الوصي ابن الوصي، والإمام ابن الإمام، فبكى محمد، وقال: يا ابن أخي ظلمتك»([283]).
فهذه بعض مواقف ابن الحنفية من زين العابدين رحمهما الله، ولكن قبل الشروع في التعليق على هذه الروايات، أود أن أذكر هنا نبذة وجيزة عن منزلة ابن الحنفية:
قال الصدوق: «كان محمد موردًا لعطف أمير المؤمنين -يعني: عليًا ا- وشفقته، وقال: فوالله ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلا مخافة أن يقتل هذان -وأومأ بيده إلى الحسن والحسين- فينقطع نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذريته من أمته، ومخافة أن يقتل هذا وهذا، وأومأ بيده إلى عبدالله بن جعفر، ومحمد بن الحنفية»([284]).
وقال ابن شهر آشوب: «وجعله أمير المؤمنين في حرب صفين مع محمد بن أبي بكر وهاشم المرقال على ميسرة العسكر، وجعل الحسن والحسين ومسلم بن عقيل وعبد الله بن جعفر على الميمنة»([285]).
وأعطاه أمير المؤمنين الراية يوم البصرة، وقال له: «أنت ابني حقًا»([286])، وغيرها([287]).
نرجع إلى روايتنا فنقول: لو لم يكن في كتابنا سوى هذه الرواية فهي حسبه، فقول ابن الحنفية: قد قتل أبوك ولم يوصِ، ورد زين العابدين: إن أبي يا عم أوصى إليَّ في ذلك، من أعظم الدلالات على بطلان كل ما مرَّ بك من القول بالنص على الاثني عشر، ويكفيك عدم احتجاجه بذلك، وإلا كان حسبه القول: يا عم، إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد نصَّ على الأئمة من بعده، وعينهم بأسمائهم، وأنه لولاهم لما خلق الله شيئًا وأنت منهم، ولا قبل أعمال العباد وأنت منهم إلا باعتقاد إمامتهم... وهكذا، إلى ذكر كل ما مرَّ بك في مقدمة هذا الباب، بدلًا من قولـه: «إن أبي -يا عم- أوصى إليَّ في ذلك قبل أن يتوجه إلى العراق، وعهد إليَّ في ذلك قبل أن يستشهد بساعة»، وإن كنا لا نرى توجيهًا لعهد الحسين ا هذا لذات العلة.
ثم إن احتجاجه بعامل السن رغم كون زين العابدين قد جاوز العشرين سنة لا يخلو من علة، وهي أهمية هذا العامل في مثل هذه المسائل، وما دمنا قد تطرقنا إلى هذه المسألة فلا أرى بأسًا من ذكر بعض الدلائل التي تشير إلى أهمية ذلك، فزين العابدين نفسه لم يرَ في سن ابنه الباقر ما يجعله أهلًا للمحرمية، وذلك عندما أمر يزيد بقتله كما يروي القوم، فقال زين العابدين: «فإذا قتلتني فبنات رسول صلى الله عليه وآله وسلم من يردهن إلى منازلهن وليس لهن محرم غيري؟ فقال: أنت تردهن إلى منازلهن»([288]).
وكان الباقر حينذاك لم يتجاوز الرابعة من العمر، ناهيك أن افتراض مقتله يقتضي أن يتولى أمر المؤمنين من لم يبلغ الخامسة من عمره، لذا يروي القوم أنه -أي: الباقر- تكلم بعد موت أبيه بسبع سنين([289]).
أي: أن الأرض تركت من غير حجة يفزع الناس إليها في حلالهم وحرامهم كما تقتضيه مسألة اللطف عند القوم.
والغريب أن القوم يقولون: إن الشيعة لم تعرف الحلال أو الحرام حتى تكلم الباقر([290]).
 

 
أهمية عامل السن في متولي الخلافة
وعلى أي حال، ليس هذا موضوعنا، ونعود إلى مسألة السن، فقضية السن قضية فطرية أزلية لا يكاد يختلف فيها اثنان، ولا ينتطح فيها كبشان، فمنذ بدء الخليقة وهذا الاعتبار آخذ مأخذه.
فقد ذكر القوم: أن قابيل أتى هبة الله، فقال: «إن أبي أعطاك العلم الذي كان عنده وأنا أكبر منك وأحق به منك».
وفي رواية: «إن الله تبارك وتعالى أوصى إلى آدم أن يدفع الوصية واسم الله الأعظم إلى هابيل، وكان قابيل أكبر منه، فبلغ ذلك قابيل فغضب، فقال: أنا أولى بالكرامة والوصية»([291]).
وتستمر هذه القضية، فها هم بنو إسرائيل ينكرون على داود u استخلافه سليمان لصغر سنه([292]).
ولا يكاد يخلو عصر من العصور من اعتقاد الناس بعامل السن هذا، ففي عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يروي القوم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال للعباس: «قم من مكان علي؟ فقال: تقيم الشيخ وتجلس الغلام، فأعادها عليه ثلاث مرات، فقام العباس فنهض مغضبًا، وجلس عليٌّ مكانه، فقال رسول الله: يا عباس، يا عم رسول الله، لا أخرج من الدنيا وأنا ساخط عليك فيدخلك سخطي عليك النار، فرجع فجلس»([293])، مما يوحي إليك بتقديم اعتبار السن حتى لو أدَّى ذلك إلى سخط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حسب ما يعتقدون.
وها هو علي بن أبي طالب ا في قصة الكهف يرى ما تقدم، ففي روايات أوردها القوم في كتبهم من أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا ي إلى أهل الكهف -في قصة طويلة- فيها أن علي بن أبي طالب قال لأبي بكر ب: «يا أبا بكر، سلِّم فإنك أسننا»، وكذلك قولـه لعمر.
وفي رواية: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر: «وتقدم أنت يا أبا بكر؛ فإنك أسن القوم، ثم عمر، ثم عثمان»([294]).
وكان علي ا يحتج ويعتذر بهذا، حتى يوم أن أرسله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسورة براءة، فقال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنك خطيب وأنا حديث السن، فقال: لابد أن تذهب بها أو أذهب بها، قال: أما إذا كان كذلك فأنا أذهب يا رسول الله، قال: اذهب فسوف يثبت الله لسانك، ويهدي قلبك»([295]).
كل هذا في تبليغ سورة إلى مكة لا قرآن إلى أمة.
وبعدها لما أرسله إلى اليمن، قال: «بعثني رسول الله إلى اليمن، فقلت: بعثتني يا رسول الله وأنا حدث السن لا أعلم بالقضاء»([296]).
فأنت ترى أن ذلك رغم كونه في السنة العاشرة من الهجرة، وجاوز الأمير الثلاثين، ومع هذا لم ير التغاضي عن صغر سنه، أو إقراره بجهله بالقضاء، وكل هذا في توليه جزءًا صغيرًا من العالم الإسلامي الذي عليه أن يكون أميرًا عليها بعد أشهر قليلة من هذه الحادثة.
ولعل هذا ينسجم تمامًا مع قول أبي عبيدة ا له يوم البيعة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا أبا الحسن، إنك حدث السن، وهؤلاء مشيخة قريش ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور»([297]).
وكذا كان الأمر في أولاده، فما زال يحتج أهل البيت بعضهم على بعض بهذا العامل حتى ولو كان الفارق عامًا واحدًا مما ينبئك بأنه أمر لا يمكن التغاضي عنه.
يروي القوم عن الربيع بن عبدالله أنه قال: «وقع بيني وبين عبدالله بن الحسن كلام في الإمامة، فقال عبدالله بن الحسن: إن الإمامة في ولد الحسن والحسين، فقلت: بل في ولد الحسين إلى يوم القيامة دون ولد الحسن، فقال لي: وكيف صارت في ولد الحسين وهما سيدا شباب أهل الجنة، وهما في الفضل سواء، إلا أن للحسن على الحسين فضلًا بالكبر، وكان الواجب أن تكون الإمامة إذن في ولد الأفضل؟»([298]).
هذا مع العلم بأن بين الحسن والحسين ب طهر واحد فقط، ويؤيد ذلك روايتهم عن الصادق: «نزل أمر الحسن والحسين معًا، فتقدمه الحسن بالكبر»([299]).
ونراه مرة أخرى يجادل الصادق في ذات المسألة، ويقول له: «جعلت فداك، إن السن لي عليك؛ فإن في قومك من هو أسن منك»([300]).
وهذا عبد الله بن جعفر الصادق نراه يدَّعي الإمامة بعد وفاة أبيه على أساس السن، محتجًا بأنه أكبر أولاد الصادق بعد أخيه إسماعيل الذي توفي في حياة أبيه، وقد تبعه جماعة من الشيعة من أصحاب الصادق، وإن عاد أكثرهم عن القول بإمامته([301])، والإمام الكاظم / كان يومها في العشرين من عمره([302]).
ثم ها هو حفيده الإمام الجواد /، يتولى إمرة المسلمين -بزعم القوم- وعمره لم يتجاوز على اختلاف الروايات التاسعة([303])، حتى روى القوم في ذلك أن الناس أنكروا عليه حداثة سنه([304]).
وعندما أراد هو أن يوصي إلى ابنه الإمام الهادي استصغره([305]).
ولم أقف على علة الوصية وكذا الاستصغار في أمرٍ أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم في وصية مكتوبة فيها أسماء الأئمة بعده، كما مرَّ بك بزعم القوم.
وبالرغم من هذا فالهادي / تولَّى الإمامة وله من العمر ست سنين وخمسة أشهر([306]). ونراه يقول لابنه العسكري: «يا بني، أحدث لله شكرًا، فقد أحدث فيك أمرًا»([307]).
أي: جعلك إمامًا بموت أخيك محمد، ولنا مع هذه الرواية مقال في حينه.
أما المهدي فهو أمر آخر نرجئه إلى حينه.
ولا شك أن هذه الروايات -وغيرها كثير لم نذكره- تحمل في طياتها أمورًا كثيرة لم تخف علينا، ولا أظن أن القارئ اللبيب قد يفوته منها شيء، ولكن أعرضنا عن ذكرها هنا خشية التكرار؛ إذ إننا سنأتي على التعليق عليها في أماكنها، ولكن اقتصرنا هنا على إيراد موضع الشاهد منها، وهو أهمية عامل السن([308]).
نعود إلى روايتنا الأولى، ومنها إلى تساؤلنا عن عدم اللجوء إلى هذه الطريقة في إثبات الإمامة من قبل بقية الأئمة؟ ويحضرني هنا طريقة أخرى كان يمكن اللجوء إليها بدلًا من المشي إلى الحجر الأسود، وهي أن من علامات الإمام أنه يرى من خلفه كما يرى من بين يديه، ولا يكون له ظل.
وفي رواية: «فيء»([309]).
ولا أدري لِمَ لَمْ يستفد من هذه الأخيرة، لكن لعل الحادثة كانت ليلًا، والطريف قول البعض: إن ابن الحنفية إنما فعل ذلك إزاحةً لشكوك الناس في ذلك([310]).
ولا شك أنك علمت من الروايات الأخرى فساد هذا القول، ناهيك عن علة ذلك فيما عُرِفَ من الدين بالضرورة، وفي ركن من أعظم الأركان، ويكفيك منازعته لـه في صدقات الأمير([311])، دلالةً على عدم قناعته بما مرَّ، وسواء سبقت أحداث الرواية الأولى أو الثانية ففيهما ما يغني، وحسب ذلك كله قول الصادق كما يدَّعي القوم: «ما مات محمد بن الحنفية حتى أقرَّ لعلي بن الحسين»([312]).
ثم إن كانت هذه الروايات تشير إلى ادعائه الإمامة أو الرجوع عنها فقد اعتقد الكثير من الشيعة إمامته.
يقول النوبختي -وهو من علماء القوم- في معرض كلامه عن حال الشيعة بعد الحسين ا: ثم افترقوا بعده ثلاث فرق: ففرقة قالت بإمامة محمد بن الحنفية، وزعمت أنه لم يبق بعد الحسن والحسين أحد أقرب إلى أمير المؤمنين من محمد بن الحنفية، فهو أولى الناس بالإمامة كما كان الحسين أولى بها بعد الحسن من ولد الحسن، فمحمد هو الإمام بعد الحسين.
وفرقة قالت: إن محمد بن الحنفية / هو الإمام المهدي، وهو وصي علي بن أبي طالب ليس لأحد من أهل بيته أن يخالفه ولا يخرج عن إمامته ولا يشهر سيفه إلا بإذنه، وإنما خرج الحسن بن علي إلى معاوية محاربًا لـه بإذن محمد بن الحنفية ووادعه وصالحه بإذنه، وإن الحسين إنما خرج لقتال يزيد بإذنه([313])، ولو خرجا بغير إذنه هلكا وضلا، وإن من خالف محمد بن الحنفية كافر مشرك([314]).
بل إن من الشيعة من قال: إنه المهدي، سماه علي مهديًا، وهو لم يمت ولا يموت ولا يجوز ذلك؛ ولكنه غاب ولا يُدرى أين هو، وسيرجع ويملك الأرض، ولا إمام بعد غيبته إلى رجوعه.
بل إن منهم من قال: إن ابن الحنفية هو الله عزوجل -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا- وغير ذلك، والكلام في ذلك يطول([315]).
ولكن انظر أين القول بالنص من كل هذه النقول؟!

 
موقف الإمام محمد الباقر رحمه الله
وأصحابه من النص
ثم يأتي دور ابنه الباقر محمد بن علي رحمهما الله، وحديثنا عنه وعن أصحابه، ونبدأ بهذه الرواية: عن مالك بن أعين الجهني قال: «أوصى علي بن الحسين ابنه محمد بن علي، فقال: بني، إني جعلتك خليفتي من بعدي، لا يدَّعي فيما بيني وبينك أحد إلا قلَّده الله يوم القيامة طوقًا من نار، فاحمد الله على ذلك واشكره»([316]).
ولا أدري هل كان الأمر له يضعه حيث يشاء، أم إنه الإمام من بعده من الله عزوجل. ولو لم يوص إليه أكان سيخلفه من بعده؟!
لا شك أنك ترى مما مرَّ بك من أول الباب أن قولـه: «إني جعلتك خليفتي من بعدي»، مثل قوله: إني جعلت الصوم في شهر رمضان، فإما أن يكون هذان الأمران مفروضين من الله عزوجل، وليس لبشرٍ فيهما شأن، وإما الآخر، وهذا لا يقول به مسلم.
إذًا.. لا يبقى إلا أن ينتفي الآخر، أي: بطلان النص، وسيأتيك ما يدعمه.
ثم لا يفوتك أن قولـه: «لا يدعي فيما بيني وبينك أحد إلا قلَّده الله يوم القيامة طوقًا من نار»، يستشعر منه انتفاء النص، ذلك أن من نوى خلاف الله عزوجل فيمن نصَّ عليه لن يثنيه وصية بشر، ولا أظن أن هذا يفوت الإمام، أما شكره لهذه النعمة فلا شك أنها حاصلة قبل آلاف السنين من بدء الخليقة كما مرَّ بك، لا في السنة الخامسة والتسعين من الهجرة حيث توفي زين العابدين /.
والغريب أنه قد نسي الأمرين على افتراضهما، أي: سواء النص من الله عزوجل، أو وصية السجاد، فعندما سأله أبو حنيفة /: «أنت الإمام؟ قال: لا، قال: فإن قومًا بالكوفة يزعمون أنك إمام، قال: فما أصنع بهم؟ قال: تكتب إليهم تخبرهم، قال: لا يطيعوني»([317]).
فلا أعرف وجهًا لهذا الإنكار، فأبو حنيفة / لم يكن أبدًا من رجال السلاطين حتى يتقيه، فقد كان هواه مع آل البيت، وموقفه المؤيد لخروج زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ا على هشام بن عبد الملك، وخروج عبد الله بن الحسن وولديه: محمد المعروف بالنفس الزكية وإبراهيم على المنصور، ورفضه تولي القضاء وتعذيبه حتى موته في الحبس -كما في بعض الروايات- أمور لا تخفى على من له أدنى قراءة لتاريخ الرجل.
وحتى لو أعرضنا عن كل هذا فلا أرى وجهًا للتقية، هذه الحيلة التي يلجأ إليها القوم في كل ما اضطرب عليهم من أمور، أو خالف أهواءهم ولم يخدم أغراضهم، كما سيكون تعليقهم على الكثير مما مر وسيمر بك في هذا الكتاب.
أقول: لا أرى وجهًا للتقية هذه بدلالة الرواية التي أوردها القوم عن الصادق، من أن الله أنزل الوصية من السماء على محمد كتابًا، وعليها خواتيم لكل إمام، وكان فيما يخص خاتم الباقر أن قال له الله عزوجل فيه: «أن فسر كتاب الله تعالى، وصدِّق أباك، وورِّث ابنك، واصطنع الأمة، وقم بحق الله، وقل الحق في الخوف والأمن، ولا تخش إلا الله، ففعل».
وفي رواية: «حدِّث الناس ولا تخافن إلا الله عزوجل؛ فإنه لا سبيل لأحد عليك، ففعل»([318]).
فضلًا عن علمه بموعد موته باليوم والساعة، كما روى القوم عن الصادق أنه قال: «قال أبي لي ذات يوم: إنما بقي من أجلي خمس سنين، فحسبت فما زاد ولا نقص»([319]).
وقد مرَّ بك زعم القوم أن الأئمة يعلمون متى يموتون، وأنه لا يقع ذلك إلا باختيارهم، فتأمل كيف توفق بينهما!
نعود إلى ذكر الأصحاب، فعن أبي الجارود، قال: قلت لأبي جعفر: «جعلت فداك، إذا مضى عالمكم أهل البيت، فبأي شيء يعرفون من يجيء من بعده؟ قال: بالهدي والإطراق، وإقرار آل محمد لـه بالفضل، ولا يسأل عن شيء مما بين الدفتين إلا أجاب عنه»([320]).
لا أدري لماذا لم يكن جوابه أن ذلك يعرف بالنص من الله ورسوله على الاثني عشر، بدلًا من كل تلك الملاحظات والامتحانات؟!
فهل أبو الجارود هذا يحتاج في معرفة الإمام بعد الباقر -مثلًا- إلى وضع امتحان لـه في القرآن الذي بين الدفتين؟ أما كان يجزئه أن الإمام بعد الباقر ابنه الصادق بالنص من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم كما مر بك في المقدمة؟
وهذا آخر وهو أبو خليفة، يقول: «دخلت أنا وأبو عبيدة الحذاء على أبي جعفر، فقلت: كيف لنا بصاحب هذا الأمر حتى نعرف؟
قال: قول الله: ( tûïÏ%©!$# bÎ) öNßg»¨Y©3¨B ’Îû ÇÚö‘F{$# (#عزوجلãB$s%r& no4عزوجلn=¢Á9$# (#âعزوجلs?#uäur no4عزوجلŸ2¨“9$# (#rãtBr&ur Å$rã÷èyJø9$$Î/ (#öعزوجلygtRur Ç`tã Ìs3ZßJø9$# )[الحج:41] إذا رأيت هذا الرجل منا فاتبعه؛ فإنه هو صاحبك»([321]).
ولا أدري -أيضًا- كم رأى صاحبنا هذا من مكنه الله تمكين الباقر في الأرض، وفيه هذه الصفات فاتبعه، أو كم بحث وأجهد نفسه ليجد هذا الرجل، اللهم إلا أن يقال: بأنه ليس في آل محمد زمان الباقر من فيه هذه الصفات سوى الصادق، وهذا ما حدا بالباقر إلى هذا القول، وإن كنت أتمنى أنه لم يضف إلى ضلالة أبي خليفة بجهله بالأئمة تلبيس الأمر عليه، وأن يقول له وللحذاء صاحبه الذي لا شك أنه يشاركه الجهل: بأن الإمام من بعدي فلان، ومن بعده فلان.. إلى الثاني عشر.
والمجلسي في بيانه لمعنى الإطراق في روايتنا السابقة قال: «لعله أراد به السكوت في حال التقية»([322]).
ولكن هل كان بيانه هذا ينسحب على هذه الرواية أم لا؟
وإن كنت لا أظن ذلك لقولـه في تعليقه على روايتنا هذه: «إن من علامات الإمام أن يكون أشجع الناس؛ لأنه فئة المؤمنين التي يرجعون إليها، إن انهزم من الزحف انهزم الناس لانهزامه»([323]).
ولا أظن أن سؤال أبي خليفة هذا معركة، وهو أصلًا منزه عن الهزيمة فيها.
وآخر وهو عبد الرحيم القصير يقول: سألت أبا جعفر: «هل لولد جعفر فيها نصيب؟
-أي: في الإمامة- قال: لا، قال: فعددت عليه بطون بني عبد المطلب، كل ذلك يقول: لا، ونسيت ولد الحسن، فدخلت عليه بعد ذلك، فقلت: هل لولد الحسن فيها نصيب؟ فقال: يا أبا محمد، ما لمحمدي فيها نصيب غيرنا»([324]).
أقول: لا شك أن »لاءات« الباقر كانت كثيرة، وإن كنت أرى أن »لا« واحدة تجزئ وهو القول: لا تقبل أعمالك ولو عبدت الله بين الركن والمقام ألف عام ثم ألف عام إلا بولاية أهل البيت الذين نصَّ الله عليهم بأسمائهم، ويبدو أن خروج القصير كان كدخوله تمامًا، جاهلًا بالأئمة والإمامة، حيث قال: «فدخلت عليه بعد ذلك، فقلت: هل لولد الحسن فيها نصيب؟» ولا أدري كيف خفي عليه النص في أعظم أركان الدين، بل إن قبول الأركان الأخرى مقرونة بها، وكيف دخل على الباقر وخرج منه بالجهل نفسه، وأعجب منه جواب الإمام، وكنت أتمنى أن يقول: ويحك يا أبا محمد، أولم تعلم أن الأئمة بعد رسول الله اثنا عشر لا ينقصون ولا يزيدون، وهم مسمون بأسمائهم، وهم: علي، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم أنا، ثم ابني جعفر.. وهكذا إلى بقية الأئمة، بدلًا من أن يضطره إلى كل هذه الأسئلة، ويضطر هو إلى كل »لاءاته« تلك.
ما زلنا مع الباقر وأصحابه، فهذا الكميت -الشاعر- يروي القوم أنه قال: دخلت على سيدي أبي جعفر محمد بن علي الباقر، فقلت: «يا ابن رسول الله، إني قد قلت فيكم أبياتًا أتأذن لي في إنشادها؟ فقال: إنها أيام البيض، قلت: فهو فيكم خاصة، قال: هات، فأنشأت أقول:
أضحكني الدهر وأبكانـي   والدهر ذو صرف وألوان
إلى أن قال:
متى يقوم الحق فيـكم   متى يقـوم مهـديكم الثانـي؟
قال: سريعًا إن شاء الله سريعًا، ثم قال: يا أبا المستهل، إن قائمنا هو التاسع من ولد الحسين؛ لأن الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثنا عشر، الثاني عشر هو القائم، قلت: فمن هؤلاء الاثنا عشر؟ قال: أولهم: علي بن أبي طالب، وبعده الحسن والحسين، وبعد الحسين علي بن الحسين وأنا، ثم بعدي هذا، ووضع يده على كتف جعفر، قلت: فمن بعد هذا؟ قال: ابنه موسى، وذكر بقية الأئمة»([325]).
أقول: كنت أنتظر من شاعرنا أن يقول: يا سيدي، هل يحتاج معرفة أعظم أركان الدين ومَن لولاهم لما خلقت، ولا خلق الله الأكوان و.. و..، إلى بيان وتعريف، ولكن قولـه: يا سيدي، فمن هؤلاء الاثنا عشر؟ ثناني عن ذلك، إلا أن جهل شاعر كالكميت بالإمامة والأئمة أمر لا يمكن توجيهه، ولا أقلَّ من معرفته بإمامة أمير المؤمنين الذي قال فيه وفي إمامته أشعارًا، فتشيعه كان ظاهرًا، والتقية منه كانت محالًا، فشأنه كشأن أبي حنيفة لم يكن أبدًا من رجال الدولة، بل إن شعره يطفح بعكس ذلك، ومن قولـه في ذم بني أمية:
فقل لبني أمية حيث حَلُّوا
أجـاع الله من أشبعتموه
  وإن خفت المهند والقطيعا
وأشبع من بجوركم أجيعـا
ويروي القوم أن الصادق لما أنشده هذه القصيدة دعا له([326]).
ويقولون: إنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذا علي بن أبي طالب ا في منامه، وطلبا منه أن ينشدهما قصيدته العينية من الهاشميات التي منها:
ويوم الدوح دوح غدير خم   أبان لـه الولاية لو أطيعا([327])
ويبدو جليًا أن الكميت لم يفهم الولاية هنا بمعنى الخلافة أو الإمارة كما يزعم القوم في حادثة الغدير، بدلالة روايتنا الأولى التي استفسر فيها عن الأئمة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
ويروون أنه دخل على الباقر فأنشده قصيدته هذه، فقال: «اللهم اغفر للكميت، اللهم اغفر للكميت»([328])، وفي موطن آخر أنشده:
من لقلـب متيم مستهـا   مغير ما صبوة ولا أحلام
فلما فرغ منها قال للكميت: «لا تزال مؤيدًا بروح القدس ما دمت تقول فينا»([329]).
وفي أخرى: استقبل الباقر الكعبة، وقال: «اللهم ارحم الكميت واغفر لـه -ثلاث مرات- ثم قال: يا كميت، هذه مائة ألف قد جمعتها لك من أهل بيتي، فقال الكميت: لا والله لا يعلم أحد أني آخذ منها حتى يكون الله عزوجل الذي يكافيني، ولكن تكرمني بقميص من قمصك فأعطاه»([330])، فهذه هي منزلة الكميت، وقد أعرضنا عن ذكر الكثير منها([331]).
ولك أن تسأل عن سر غياب النص على الاثني عشر عليه؟
ألم يكن الأجدر به -بدلًا من إعطائه حطام الدنيا- أن يعلم أن أعماله إنما هي هباء منثور لجهله بالأئمة، ولا أرى لزامًا من الاستزادة، ولكن قبل تركي لهذه الرواية إلى التي تليها، أود أن أنبهك إلى استدلال آخر فيها، وهو أن أكثر من أربعة عشر قرنًا لا يعد من التشريع، واللبيب بالإشارة يفهم.
وتتكرر ظاهرة الغياب وجهل الأصحاب، فهذا آخر هو الحكم بن أبي نعيم قال: «أتيت أبا جعفر وهو بالمدينة، فقلت له: علي نذر بين الركن والمقام إن أنا لقيتك ألا أخرج من المدينة حتى أعلم أنك قائم آل محمد أم لا؟ فلم يجبني بشيء، فأقمت ثلاثين يومًا، ثم استقبلني في طريق، فقال: يا حكم، وإنك لههنا بعد، فقلت: نعم، إني أخبرتك بما جعلت لله علي، فلم تأمرني ولم تنهني عن شيء ولم تجبني بشيء. فقال: بكر علي غدوةً المنزل، فغدوت عليه، فقال: سَلْ عن حاجتك، فقلت: إني جعلت لله نذرًا وصيامًا وصدقة بين الركن والمقام إن أنا لقيتك ألا أخرج من المدينة حتى أعلم أنك قائم آل محمد أو لا. فإن كنت أنت رابطتك وإن لم تكن أنت سرت في الأرض فطلبت المعاش، فقال: يا حكم، كلنا قائم بأمر الله، قلت: فأنت المهدي؟ قال: كلنا نهدي إلى الله..» الرواية([332]).
 

 
خلاف أهل بيت الباقر معه
لم يقتصر الجهل بالأئمة الاثني عشر على الأصحاب فحسب([333])، بل طال أهلَ البيت، فهذا يحيى بن زيد بن علي زين العابدين -رحمهم الله- يقول: «سألت أبي عن الأئمة؟ فقال: الأئمة اثنا عشر: أربعة من الماضين وثمانية من الباقين، قلت: فسمهم يا أبه؟ قال: أما الماضون: فعلي بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومن الباقين: أخي الباقر، وبعده جعفر الصادق ابنه، وبعده موسى ابنه -ثم ذكر بقية الأئمة-.
قال: فقلت له: يا أبه، ألست منهم؟ قال: لا ولكني من العترة، قلت: فمن أين عرفت أساميهم؟ قال: عهد معهود عهده إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»([334]).
فتدبر في الروايات السابقة وقارن بينها وبين ما يدعيه القوم من النص، وانظر هل يمكن التوفيق بينها، وهل يستقيم خفاء تلك النصوص على المقربين؟ وهل يستقيم القول باللطف ووجوب معرفة إمام الزمان مع تعسر معرفته إلا بسؤال أو تنبيه من إمام؟ فما مصير صلاة وصيام وزكاة وحج وسائر أعمالِ مَن جهل بهم حتى يسأل أو يعلم؟
ولا شك أنهم لم يسألوا عن شهر الصيام أو الحج أو نصاب الزكاة وعدد ركعات العصر، ولعلَّ ما يخرجك من الحيرة أو يزيدها مزيد من روايات القوم.
عن عبد الأعلى مولى آل سام، عن الصادق، قال: «إن أبي استودعني ما هناك، فلمَّا حضرته الوفاة قال: ادع لي شهودًا، فدعوت أربعة من قريش، فيهم: نافع مولى عبد الله بن عمر، فقال: اكتب: هذا ما أوصى به يعقوب بنيه: ( ¢ÓÍ_t6»tƒ ¨bÎ) ©!$# 4’s"sÜô¹$# ãNä3s9 tûïÏe$!$# Ÿxsù £`è?عزوجلßJs? žwÎ) OçFRr&ur tbعزوجلßJÎ=ó¡•B ÇÊÌËÈ ) [سورة البقرة]، وأوصى محمد بن علي إلى جعفر بن محمد، وأمره أن يكفنه في برده الذي كان يصلي فيه يوم الجمعة، وأن يعممه بعمامته، وأن يرفع قبره، ويرفعه أربع أصابع، وأن يحل عنه أطماره عند دفنه، ثم قال للشهود: انصرفوا رحمكم الله، فقلت لـه: يا أبت، ما كان في هذا أن يشهد عليه، فقال: يا بني، كرهت أن تغلب، وأن يقال: لم يوصِ إليه، وأردت أن تكون لك الحجة»([335]).
أقول: لم أقف على علة الوصية هذه والتي فيها أمور لم يأخذ بها القوم حتى يومنا هذا، ولا الإشهاد عليها، ألم يعلم الناس وهؤلاء الأربعة من قريش أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد نصَّ على الصادق بعد أبيه، حتى اضطر الباقر إلى ذلك خشية أن يغلب أو يقال: لم يوصِ إليه وتكون الحجة له؟ وإن لم تكن حجة الله ورسوله مجزئة فماذا تكون حجة الباقر؟ ثم اسأل نفسك: ما هي هذه الحجة التي كانت للباقر أصلًا وأرادها لابنه؟
وعن أبي عبيدة الحذاء قال: «كنا زمن أبي جعفر حين قبض نتردد كالغنم لا راعي لها، فلقينا سالم بن أبي حفصة، فقال: يا أبا عبيدة، من إمامك؟ قلت: أئمتي آل محمد، فقال: هلكت وأهلكت، أما سمعت أنا وأنت أبا جعفر وهو يقول: من مات ليس له إمام مات ميتة جاهلية؟ قلت: بلى لعمري لقد كان ذلك»([336]).
ولا أظن أن القارئ يحتاج منا إلى تعليق، فأطلق العنان لفكرك، وتدبر في هذه الرواية، فستجدها مليئة بالشبهات والدلائل.
والباقر لم يسلم من خروج إخوته وأهله وخلافهم عليه، شأنه في ذلك شأن بقية الأئمة، وسأورد عليك بعضًا من تلك الروايات، ولن أحتاج معها إلى تعليق، وحسبك أن تستحضر عنوان كتابنا هذا، ثم انظر كيف توفق بينها، أو إن كنت تستطيع أن تخرج منها بالقول بالنص أو عدمه.
روى القوم عن الصادق أنه قال: «لما حضر علي بن الحسين الموت، قبل ذلك أَخْرَج السفط أو الصندوق عنده، فقال: يا محمد، احمل هذا الصندوق، قال: فحمل بين أربعة رجال، فلما توفي جاء إخوته يدعون في الصندوق؟ فقالوا: أعطنا نصيبنا من الصندوق، فقال: والله ما لكم فيه شيء، ولو كان لكم فيه شيء ما دفعه إليَّ، وكان في الصندوق سلاح رسول الله وكتبه»([337]).
وعن الباقر قال: «كان فيما أوصى أبي إلي: إذا أنا مت فلا يلي غسلي أحد غيرك؛ فإن الإمام لا يغسله إلا إمام، واعلم أن عبدالله أخاك سيدعو إلى نفسه فدعه؛ فإن عمره قصير»([338]).
ونختم ذلك بطامة شبيهة بطامة زين العابدين وابن الحنفية، حيث يروي القوم عن الصادق أنه قال: «كان زيد بن الحسن يخاصم أبي في ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويقول: أنا من ولد الحسن وأولى بذلك منك؛ لأني من ولد الأكبر، فقاسمني ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وادفعه إلي، فأبى أبي، فخاصمه إلى القاضي، فكان زيد معه إلى القاضي، فبينما هم كذلك ذات يوم في خصومتهم، إذ قال زيد بن الحسن لزيد بن علي: اسكت يا ابن السندية، فقال زيد بن علي: أف لخصومة تذكر فيها الأمهات، والله لا كلمتك بالفصيح من رأسي أبدًا حتى أموت، وانصرف إلى أبي، فقال: يا أخي، إني حلفت بيمين ثقة بك وعلمت أنك لا تكرهني ولا تخيبني، حلفت أن لا أكلم زيد بن الحسن ولا أخاصمه، وذكر ما كان بينهما، فأعفاه أبي واغتنمها زيد بن الحسن، فقال: يلي خصومتي محمد بن علي فأعتبه وأؤذيه فيعتدي علي، فعدا على أبي، فقال: بيني وبينك القاضي، فقال: انطلق بنا، فلما أخرجه قال أبي: يا زيد، إن معك سكينة قد أخفيتها، أرأيتك إن نطقت هذه السكينة التي تسترها مني فشهدت أني أولى بالحق منك، أفتكف عني؟ قال: نعم، وحلف له بذلك، فقال أبي: أيتها السكينة، انطقي بإذن الله، فوثبت السكينة من يد زيد بن الحسن على الأرض، ثم قالت: يا زيد، أنت ظالم، ومحمد أحق منك وأولى، ولئن لم تكف لألين قتلك، فخر زيد مغشيًا عليه، فأخذ أبي بيده فأقامه، ثم قال: يا زيد، إن نطقت الصخرة التي نحن عليها أتقبل؟ قال: نعم، فرجفت الصخرة التي مما يلي زيدًا، حتى كادت تفلق، ولم ترجف مما يلي أبي، ثم قالت: يا زيد، أنت ظالم، ومحمد أولى بالأمر منك، فكف عنه وإلا وليت قتلك، فخر زيد مغشيًا عليه، فأخذ أبي بيده وأقامه، ثم قال: يا زيد، أرأيت إن نطقت هذه الشجرة وتسير إليَّ أتكف؟ قال: نعم، فدعا أبي الشجرة فأقبلت تخد الأرض حتى أظلتهم، ثم قالت: يا زيد، أنت ظالم، ومحمد أحق بالأمر منك، فكف عنه وإلا قتلتك، فغشي على زيد، فأخذ أبي بيده، وانصرفت الشجرة إلى موضعها، فحلف زيد أن لا يعرض لأبي ولا يخاصمه، فانصرف وخرج زيد من يومه إلى عبد الملك بن مروان، فدخل عليه، وقال: أتيتك من عند ساحر كذاب لا يحل لك تركه، وقص عليه ما رأى، وكتب عبد الملك إلى عامل المدينة، أن ابعث إليَّ محمد بن علي مقيدًا، وقال لزيد: أرأيتك إن وليتك قتله قتلته؟ قال: نعم»([339]).
أهؤلاء هم أهل البيت؟ أجيبوا أيها الشيعة! ألا يستقيم مدح أحدهم إلا بذم الآخر؟
وكما ذكرت من قبل أن هذه الروايات لا تحتاج إلى تعليق، ولكن لا بأس بالقول: إن أهل مكة أدرى بشعابها، كما أود القول: إن في الرواية دليلًا على أن السكاكين والصخور والأشجار لم تكن تتكلم يوم أن ادعى أبو بكر ا الإمامة دون علي بن أبي طالب ا، ولا تنس -أيضًا- أن عبد الملك بن مروان هذا هو الذي شكر الله له وثبت ملكه وزاد فيه برهة كما مرَّ بك، ولعل إرساله في طلب الباقر مقيدًا كان في هذه البرهة التي ذكرها والده زين العابدين.
 

 
افتراق الشيعة بعد وفاة الباقر
قبل أن أنتقل إلى الإمام التالي، أذكر هنا موقف الشيعة بعد الباقر كما ذكر ذلك القوم أنفسهم:
يقول النوبختي: «فلما توفي أبو جعفر افترقت أصحابه فرقتين: فرقة منها قالت بإمامة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الخارج بالمدينة المقتول بها، وزعموا أنه القائم، وأنه الإمام المهدي، وأنه لم يقتل، وقالوا: إنه حي لم يمت، مقيم بجبل يقال له: العلمية، وهو الجبل الذي في طريق مكة ونجد الحاجز عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، وهو الجبل الكبير، وهو عنده مقيم فيه حتى يخرج؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: القائم المهدي اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، وكان أخوه إبراهيم بن عبدالله بن الحسن، خرج بالبصرة ودعا إلى إمامة أخيه محمد بن عبدالله، واشتدت شوكته، فبعث إليه المنصور بالخيل، فقُتل بعد حروب كانت بينهم، وكان المغيرة بن سعيد قال بهذا القول لما توفي أبو جعفر محمد بن علي وأظهر المقالة بذلك، فبرئت منه الشيعة أصحاب أبي عبدالله جعفر بن محمد إ ورفضوه، فزعم أنهم رافضة، وأنه هو الذي سمَّاهم بهذا الاسم، ونصب بعض أصحاب المغيرة إمامًا، وزعم أن الحسين بن علي أوصى إليه، ثم أوصى إليه علي بن الحسين، ثم زعم أن أبا جعفر محمد بن علي أوصى إليه، فهو الإمام إلى أن يخرج المهدي، وأنكروا إمامة أبي عبدالله جعفر بن محمد، وقالوا: لا إمامة في بني علي بن أبي طالب بعد أبي جعفر محمد بن علي، وأن الإمامة في المغيرة بن سعيد إلى خروج المهدي، وهو عندهم محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن وهو حي لم يمت ولم يقتل، فسموا هؤلاء المغيرية باسم المغيرة بن سعيد مولى خالد بن عبدالله القسري، ثم تراقى الأمر بالمغيرة إلى أن زعم أنه رسول نبي، وأن جبرائيل يأتيه بالوحي من عند الله، فأخذه خالد بن عبدالله القسري فسأله عن ذلك فأقر به ودعا خالدًا إليه، فاستتابه خالد فأبى أن يرجع عن قولـه فقتله وصلبه، وكان يدَّعي أنه يحيي الموتى، وكان يقول بالتناسخ، وكذلك قول أصحابه إلى اليوم.
وأما الفرقة الأخرى من أصحاب أبي جعفر محمد بن علي فنزلت إلى القول بإمامة أبي عبدالله جعفر بن محمد، فلم تزل ثابتة على إمامته أيام حياته غير نفر يسير منهم، فإنهم لما أشار جعفر بن محمد إلى إمامة ابنه إسماعيل، ثم مات إسماعيل في حياة أبيه، رجعوا عن إمامة جعفر، وقالوا: كَذبنا ولم يكن إمامًا؛ لأن الإمام لا يكذب ولا يقول ما لا يكون، وحكموا على جعفر أنه قال: إن الله عزوجل بدا له في إمامة إسماعيل، فأنكروا البداء والمشيئة من الله، وقالوا: هذا باطل لا يجوز، ومالوا إلى مقالة البترية ومقالة سليمان بن جرير، وهو الذي قال لأصحابه بهذا السبب: إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبدًا، وهما: القول بالبداء، وإجازة التقية، فأما البداء فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون، والإخبار بما يكون في غد، وقالوا لشيعتهم: إنه سيكون في غد وفي غابر الأيام كذا وكذا، فإن جاء ذلك الشيء على ما قالوا، قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون؛ فنحن نعلم من قبل الله عزوجل ما علمته الأنبياء، وبيننا وبين الله عزوجل مثل تلك الأسباب التي علمت بها الأنبياء عن الله ما علمت، وإن لم يكن ذلك الشيء الذي قالوا إنه يكون على ما قالوا، قالوا لشيعتهم: بدا لله في ذلك بكونه.
وأما التقية فإنه لما كثرت على أئمتهم مسائل شيعتهم وحفظ عنهم شيعتهم جواب ما سألوهم وكتبوه ودونوه ولم يحفظ أئمتهم تلك الأجوبة لتقادم العهد وتفاوت الأوقات؛ لأن مسائلهم لم ترد في يوم واحد ولا في شهر واحد بل في سنين متباعدة، وأشهر متباينة، وأوقات متفرقة، فوقع في أيديهم في المسألة الواحدة عدة أجوبة مختلفة متضادة، وفي مسائل مختلفة أجوبة متفقة، فلما وقفوا على ذلك منهم ردوا إليهم هذا الاختلاف والتخليط في جواباتهم، وسألوهم عنه وأنكروه عليهم؛ فقالوا: من أين هذا الاختلاف، وكيف جاز ذلك؟ قالت أئمتهم: إنما أجبنا بهذا للتقية، ولنا أن نجيب بما أحببنا وكيف شئنا؛ لأن ذلك إلينا ونحن نعلم بما يصلحكم، وما فيه بقاؤنا وبقاؤكم، وكف عدوكم عنا وعنكم، فمتى يظهر من هؤلاء على كذب؟ ومتى يعرف لهم حق من باطل؟ فمال إلى سليمان بن جرير لهذا القول جماعة من أصحاب أبي جعفر، وتركوا القول بإمامة جعفر»([340]).
وذكر النوبختي قبل ذلك أن من نزلوا على القول بإمامة أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين باقر العلم أقاموا على إمامته إلى أن توفي، غيرَ نفرٍ يسير منهم؛ فإنهم سمعوا رجلًا منهم يقال له: عمر بن رياح، زعم أنه سأل أبا جعفر عن مسألة فأجابه فيها بجواب، ثم عاد إليه في عام آخر فسأله عن تلك المسألة بعينها فأجابه فيها بخلاف الجواب الأول، فقال لأبي جعفر: هذا خلاف ما أجبتني في هذه المسألة العام الماضي، فقال له: إن جوابنا ربما خرج على وجه التقية، فشكك في أمره وإمامته، فلقي رجلًا من أصحاب أبي جعفر يقال له: محمد بن قيس، فقال له: إني سألت أبا جعفر عن مسألة فأجابني فيها بجواب، ثم سألته عنها في عام آخر فأجابني فيها بخلاف جوابه الأول، فقلت لـه: لم فعلت ذلك؟ فقال: فعلته للتقية، وقد علم الله أني ما سألته عنها إلا وأنا صحيح العزم على التدين بما يفتيني به وقبوله والعمل به، فلا وجه لاتقائه إياي، وهذه حالتي، فقال له محمد بن قيس: فلعله حضرك من اتقاه؟ فقال: ما حضر مجلسه في واحدة من المسألتين غيري، لا، ولكن جوابيه جميعًا خرجا على وجه التبخيت، ولم يحفظ ما أجاب به في العام الماضي فيجيبَ بمثله، فرجع عن إمامته، وقال: لا يكون إمامًا من يفتي بالباطل على شيء بوجه من الوجوه، ولا في حال من الأحوال، ولا يكون إمامًا من يفتي تقية بغير ما يجب عند الله، ولا من يرخي ستره ويغلق بابه، ولا يسع الإمام إلا الخروج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمال بسببه إلى قول البترية، ومال معه نفر يسير([341]).
ويحضرني هنا قول صاحب الحدائق في التقية حيث ذكر: «فلم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلا القليل؛ لامتزاج أخباره بأخبار التقية»([342]).
وفي مكان آخر قال: «فإن جُلَّ الاختلاف في أخبارنا بل كله عند التأمل والتحقيق إنما نشأ من التقية([343])، حتى قال الطوسي شيخ الطائفة: لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابله ما ينافيه..» إلى أن ذكر أنه وبسبب ذلك ترك الكثير من الشيعة مذهبهم([344]).
 

 
موقف الإمام جعفر الصادق رحمه الله
وأصحابه من النص
وصلنا إلى الحديث عن الإمام الصادق رحمه الله وأصحابه، ولكن لا شك أننا بوصولنا إلى هنا قد ابتعدنا كثيرًا عما ذكرناه عن الإمامة ومنزلتها في مقدمة هذا الباب، لذا أنصح القارئ أن يمر مرورًا سريعًا عليها حتى يقف على أوجه الدلالة فيما سيمر به.
ثم لا تنس أن ما ستقرؤه يكون أشد انتشارًا يومًا بعد يوم إلى زماننا هذا، أعني زمن الصادق المتوفى سنة (148) هجرية، أي: بعد مرور حوالي قرن ونصف القرن على البعثة النبوية على صاحبها وآله أفضل الصلاة وأزكى التسليم، مما يدل على أن خفاء أي نص من النصوص الآتية يقترب من الاستحالة إن لم يكن مستحيلًا، سواء على الأعداء الذين أخفوا تلك النصوص وتكتموا عليها بزعم القوم، أو على الأئمة وشيعتهم.
ولنشرع في المقصود، فنقول: لم يكن أصحاب الصادق بأفضل حالًا من أصحاب أبيه أو جده في جهلهم بالإمام والأئمة، مما يستوجب من ذلك أن من مات على ذلك مات ميتة جاهلية، أو مُنِي برد أعماله وعدم قبولها حتى لحظة سؤاله، ويبدو أن أمر الجهل بالنص هذا لم يغادر أحدًا من أصحابه، بل حتى وأهل بيته كما سترى، إلا أننا -وكما ذكرنا- سنقتصر على ذكر بعض الأمثلة في كل موضوع خشية الإطالة والإطناب.
عن داود بن كثير قال: قلت لأبي عبدالله: «جعلت فداك، وقدمني للموت قبلك، إن كان كون فإلى من؟ قال: إلى ابني موسى، فكان ذلك الكون، فوالله ما شككت في موسى طرفة عين قط، ثم مكث نحوًا من ثلاثين سنة، ثم أتيت أبا الحسن موسى، فقلت لـه: جعلت فداك، إن كان كون فإلى من؟ قال: فإلى علي ابني»([345]).
ولا نمل القارئ بتعليقاتنا، فأوجه الدلالة واضحة في الرواية ومثيلاتها.
عن المفضل بن عمر قال: دخلت على سيدي جعفر بن محمد، فقلت: «يا سيدي، لو عهدت إلينا في الخلف من بعدك؟ فقال لي: يا مفضل، الإمام من بعدي ابني موسى»([346]). وحسب هذه الروايات أن كل واحدة منها تسقط الأخرى.
وعن إبراهيم الكرخي قال: «دخلت على أبي عبدالله، فإني لجالس عنده إذ دخل أبو الحسن موسى بن جعفر وهو غلام، فقمت إليه فقبلته وجلست، فقال أبو عبدالله: يا إبراهيم، أما إنه صاحبك بعدي»([347]).
وعن معاذ بن كثير، قال: قلت لأبي عبد الله: «أسأل الله الذي رزق أباك منك هذه المنزلة أن يرزقك من عقبك قبل الممات مثلها، فقال: قد فعل الله ذلك، قلت: من هو جعلت فداك؟ فأشار إلى العبد الصالح، وهو راقد، فقال: هذا الراقد، وهو يومئذٍ غلام، أي: الكاظم»([348]).
وعن عبد الرحمن بن الحجاج قال: «دخلت على جعفر بن محمد في منزلـه، وهو في بيت كذا من داره في مسجد لـه وهو يدعو، وعلى يمينه موسى بن جعفر يؤمن على دعائه، فقلت لـه: جعلني الله فداك، قد عرفت انقطاعي إليك وخدمتي لك، فمن ولي الأمر بعدك؟ قال: يا عبد الرحمن، إن موسى قد لبس الدرع فاستوت عليه، فقلت له: لا أحتاج بعدها إلى شيء»([349]).
ولم أقف على فائدة هذا الانقطاع والخدمة مع الجهل بالأئمة.
عن ابن حازم قال: قلت لأبي عبدالله: «بأبي أنت وأمي، إن الأنفس يغدى عليها ويراح، فإذا كان ذلك فمن؟ قال أبو عبدالله: إذا كان ذلك فهذا صاحبكم، وضرب بيده على منكب أبي الحسن»([350]).
وعن صفوان الجمال، قال: «سألت أبا عبدالله عن صاحب هذا الأمر. قال: صاحب هذا الأمر لا يلهو ولا يلعب، وأقبل أبو الحسن وهو صغير ومعه بهمة عناق مكية، ويقول لها: اسجدي لربك، فأخذه أبو عبدالله وضمه إليه، وقال: بأبي أنت وأمي من لا يلهو ولا يلعب»([351]).
قارن بين هذه الرواية ورواية محمد بن مسلم: «كنت عند أبي جعفر إذ دخل جعفر ابنه وعلى رأسه ذؤابة وفي يده عصاه يلعب بها، فأخذه الباقر وضمه إليه ضمًا، ثم قال: بأبي أنت وأمي لا تلهو ولا تلعب»([352]).
فتأمل في الروايتين وانظر تناقضهما، حيث نجد في الأولى كيف أن الصادق يرى أن الإمام لا يلهو ولا يلعب، بينما في الأخرى نراه هو وفي يده عصاه يلعب بها.
وعن عمر بن يزيد قال: «كنت عند أبي عبدالله وهو وجع فولاَّني ظهره ووجهه إلى الحائط، فقلت في نفسي: ما أدري ما يصيبه في مرضه وما سألته عن الإمام بعده، فأنا أفكر في ذلك إذ حوَّل وجهه إليَّ، فقال: إن الأمر ليس كما تظن، ليس من وجعي هذا بأس»([353]).
وعن يحيى بن إسحاق، عن أبيه قال: «دخلت على أبي عبدالله فسألته عن صاحب الأمر من بعده، فقال لي: صاحب البهمة، وكان موسى ناحية الدار صبيًا ومعه عناق مكية، وهو يقول لها: اسجدي لله الذي خلقك»([354]).
وعن سلمة بن محرز قال: قلت لأبي عبدالله: «إن رجلًا من العجلية قال لي: كم عسى أن يبقى لكم هذا الشيخ، إنما هو سنة أو سنتان حتى يهلك ثم تصيرون ليس لكم أحد تنظرون إليه؟ فقال أبو عبدالله: ألا قلت لـه: هذا موسى بن جعفر، قد أدرك ما يدرك الرجال، وقد اشترينا له جارية تباح له»([355]).
والعجلية إحدى فرق الزيدية، وهي من ضعفائها، وهم منسوبون إلى هارون بن سعيد العجلي، ولك أن تسأل عن ضلالة العجلي هذا، بل وجهل هارون بن سعيد نفسه، وجهل صاحبنا ابن محرز الذي أسقط في يده، أما زيد والزيدية فسيأتي بيانهم قريبًا.
وعن نصر بن قابوس قال: قلت لأبي إبراهيم موسى بن جعفر: «إني سألت أباك: من الذي يكون بعدك؟ فأخبرني أنك أنت هو، فلما توفي أبو عبدالله ذهب الناس يمينًا وشمالًا، وقلت أنا وأصحابي بك، فأخبرني من الذي يكون بعدك؟ قال: ابني علي»([356]).
ويشاركه في قضيته هذه أخوه نعيم بن قابوس حيث يقول: قال أبو الحسن: «علي ابني، أكبر ولدي، وأسمعهم لقولي، وأطوعهم لأمري، ينظر معي في كتاب الجفر والجامعة، وليس ينظر فيه إلا نبي أو وصي نبي»([357]).
ولا شك أن ما أخبره به ليس أمرًا جديدًا؛ إذ لا حاجة إلى تكرار ما هو معلوم.
وعن عيسى بن شلقان: «دخلت على أبي عبدالله وأنا أريد أن أسأله عن أبي الخطاب، فقال لي مبتدئًا قبل أن أجلس: يا عيسى، ما منعك أن تلقى ابني فتسأله عن جميع ما تريد؟ قال عيسى: فذهبت إلى العبد الصالح -فأجابه مبتدئًا بكل ما يريد- ثم رجع إلى أبي عبد الله، فقال لـه: ما صنعت يا عيسى؟ قلت لـه: بأبي أنت وأمي، أتيته فأخبرني مبتدئًا من غير أن أسأله عن جميع ما أردت أن أسأله عنه، فعلمت والله عند ذلك أنه صاحب هذا الأمر، فقال: يا عيسى، إن ابني هذا الذي رأيت لو سألته عما بين دفتي المصحف لأجابك فيه بعلم، ثم أخرجه ذلك اليوم من الكتّاب، فعلمت ذلك اليوم أنه صاحب هذا الأمر»([358]).
ولا أدري أين يكون ذلك اليوم من ابن شلقان هذا؟
وعن هشام بن سالم قال: «دخلت على عبد الله بن أبي عبدالله، فسألته فلم أر عنده شيئًا، فدخلني من ذلك ما الله به عليم، وخفت ألا يكون أبو عبد الله ترك خلفًا، فأتيت قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فجلست عند رأسه أدعو الله وأستغيث به، ثم فكرت، فقلت: أصير إلى قول الزنادقة، ثم فكرت فيما يدخل عليهم، ورأيت قولهم يفسد، ثم قلت: لا، بل قول الخوارج، فآمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأضرب بسيفي حتى أموت، ثم فكرت في قولهم وما يدخل عليهم، فوجدته يفسد، ثم قلت: أصير إلى المرجئة، ثم فكرت فيما يدخل عليهم، فإذا قولهم يفسد، فبينا أنا أفكر في نفسي وأمشي إذ مرَّ بي بعض موالي أبي عبدالله، فقال لي: أتحب أن أستأذن لك على أبي الحسن؟ فقلت: نعم، فذهب فلم يلبث أن عاد إليَّ، فقال: قم وادخل عليه، فلمَّا نظر إليّ أبو الحسن قال لي مبتدئًا: يا هاشم، لا إلى الزنادقة، ولا إلى المرجئة، ولا إلى القدرية، ولكن إلينا، قلت: أنت صاحبي، ثم سألته فأجابني عما أردت»([359]).
ولا أدري على ماذا كان صاحبنا قبل تفكيره في هذه الفرق والمذاهب، والغريب أن له مودة إلى آل البيت وانقطاعًا، ولكن لا أعلم لم غاب عنه أمر لولاه لما خلق الله عزوجل هشام بن سالم، وذلك باعتبار أن الأئمة هم علة خلق كل شيء كما يزعم القوم.
وعن محمد بن فلان الرافعي قال: «كان لي ابن عم يقال له: الحسن بن عبدالله، وكان زاهدًا، وكان من أعبد أهل زمانه، وكان يلقاه السلطان وربما استقبل السلطان بالكلام الصعب، يعظه ويأمره بالمعروف، وكان السلطان يحتمل له ذلك لصلاحه، فلم يزل هذه حاله حتى كان يومًا دخل أبو الحسن موسى المسجد فرآه فأدنى إليه، ثم قال له: يا أبا علي، ما أحب إلي ما أنت فيه وأسرني بك إلا أنه ليست لك معرفة، فاذهب فاطلب المعرفة، قال: جعلت فداك، وما المعرفة؟ قال لـه: اذهب وتفقه واطلب الحديث، قال: عمن؟ قال: عن فقهاء أهل المدينة، ثم اعرض عليَّ الحديث، قال: فذهب فتكلم معهم ثم جاءه فقرأه عليه فأسقطه كله، ثم قال له: اذهب واطلب المعرفة، وكان الرجل معنيًا بدينه، فلم يزل يترصد أبا الحسن حتى خرج إلى ضيعة له، فتبعه ولحقه في الطريق، فقال له: جعلت فداك، إني أحتج عليك بين يدي الله فدلني على المعرفة، قال: فأخبره بأمير المؤمنين، وقال له: كان أمير المؤمنين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخبره بأمر أبي بكر وعمر، فقبل منه، ثم قال: فمن كان بعد أمير المؤمنين؟ قال: الحسن والحسين، حتى انتهى إلى نفسه، ثم سكت، قال: جعلت فداك، فمن هو اليوم؟ قال: إن أخبرتك تقبل؟ قال: بلى جعلت فداك، فقال: أنا هو، قال: جعلت فداك، فشيء أستدل به؟ قال: اذهب إلى تلك الشجرة -وأشار إلى أم غيلان- فقل لها: يقول لك موسى بن جعفر: أقبلي، قال: فأتيتها، قال: فرأيتها والله تجب الأرض جبوبًا حتى وقفت بين يديه، ثم أشار إليها فرجعت»([360]).
أقول: لا أدري فيما كان أعبد وأزهد أهل زمانه، وكيف لم تقوداه إلى معرفة الإمامة والأئمة حتى اضطر الكاظم أن يجعل أم غيلان تجب الأرض جبوبًا.
وعلى أي حال، فالرواية لا تخلو من فوائد، منها:
1- أن أم غيلان يبدو أنها لم تكن مطيعة زمن الإمام الأول، وإلا لكان قد احتج بها على الخليفة الأول.
2- أن أحاديث فقهاء المدينة رحمهم الله كلها ساقطة.
وعن أبي إبراهيم الكوفي قال: «دخلت على أبي عبد الله، فكنت عنده إذ دخل أبو الحسن موسى بن جعفر وهو غلام، فقمت إليه وقبَّلت رأسه وجلست، فقال لي أبو عبد الله: يا أبا إبراهيم، أَمَا إنه صاحبك من بعدي، أَمَا ليهلكن فيه أقوام ويسعد آخرون، فلعن الله قاتله وضاعف على روحه العذاب، أَمَا ليخرجن الله من صلبه خير أهل الأرض في زمانه... إلى أن قال: فدخل رجل من موالي بني أمية فانقطع الكلام، وعدت إلى أبي عبد الله خمس عشرة مرة أريد استتمام الكلام فما قدرت على ذلك، فلمَّا كان من قابل دخلت عليه وهو جالس، فقال لي: يا أبا إبراهيم، هو المفرج للكرب عن شيعته بعد ضنك شديد وبلاء طويل وجور، فطوبى لمن أدرك ذلك الزمان، وحسبك يا أبا إبراهيم.
قال أبو إبراهيم: فما رجعت بشيء أسر إليَّ من هذا، ولا أفرح لقلبي منه»([361]).
وهنا لسائل أن يسأل عن علة تكراره للسؤال خمس عشرة مرة وإصراره عليه، فضلًا عن جهله بصاحبه بعد الصادق، وعن علة انقطاعه لدخول مولى بني أمية هذا، وعلة انتظار صاحبنا حتى السنة التالية، ولا شك أن نص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على الأئمة -بزعم القوم وكما مرَّ بك في مقدمة الباب- لا يخفى لا على موالي بني أمية ولا على أبي إبراهيم، حتى يضطر هذا إلى الانتظار، وذاك إلى الانقطاع؛ ناهيك عن مصيره لو مات قبل أن يعلم كما يزعم هؤلاء.
وعن علقمة بن محمد الحضرمي، عن الصادق قال: «الأئمة اثنا عشر، قلت: يا ابن رسول الله، فسمهم لي؟ قال: من الماضين: علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، ثم أنا، قلت: فمن بعدك يا ابن رسول الله؟ فقال: إني أوصيت إلى ولدي موسى، وهو الإمام بعدي، قلت: فمن بعد موسى؟ قال: علي ابنه يُدعى الرضا، يدفن في أرض الغربة من خراسان، ثم بعد علي ابنه محمد، وبعد محمد علي ابنه، وبعد علي الحسن ابنه، والمهدي من ولد الحسن»([362]).
وقِفْ بعض الشيء عند قولـه: «إني أوصيت إلى ولدي موسى».
وعن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبدالله: «رجل يتولاكم، ويبرأ من عدوكم، ويحلل حلالكم ويحرم حرامكم، ويزعم أن الأمر فيكم لم يخرج منكم إلى غيركم، إلا أنه يقول: إنهم قد اختلفوا فيما بينهم وهم الأئمة القادة، وإذا اجتمعوا على رجل، فقالوا: هذا، قلنا: هذا»([363]).
فلا أدري كيف فاته أعظم الأشياء وهو يقول بكل شيء، ويتبرأ من الأعداء الذين يعرف القارئ من هم دون شك.
وعن مسعدة قال: «كنت عند الصادق إذ أتاه شيخ كبير قد انحنى، متكئًا على عصاه، فسلم فرد أبو عبدالله الجواب، ثم قال: يا ابن رسول الله، ناولني يدك أقبلها، فأعطاه يده فقبلها، ثم بكى، فقال أبو عبدالله: ما يبكيك يا شيخ؟ قال: جعلت فداك، يا ابن رسول الله، أقمت على قائمكم منذ مائة سنة -أقول: هذا الشهر وهذه السنة- وقد كبرت سني، ودق عظمي، واقترب أجلي، ولا أرى فيكم ما أحب، أراكم مقتلين مشردين، وأرى عدوكم يطيرون بالأجنحة، فكيف لا أبكي؟! فدمعت عينا أبي عبدالله، ثم قال: يا شيخ، إن أبقاك الله حتى يقوم قائمنا كنت معه في السنام الأعلى، وإن حلَّت بك المنية جئت يوم القيامة مع ثَقَل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن ثقله»([364]).
واسأل نفسك عن هذا الشيخ، كيف علم بأمر القائم وأقام عليه قرنًا من الزمان دون أن يعلم بالأئمة؟ وكيف جهل بهم وقد أدرك الصادق، والباقر، وزين العابدين، وسيد الشهداء، وأخاه، ولعله أدرك علي بن أبي طالب ا، ولا شك أنه مرَّ به ومرَّ هو بألوف الشيعة دون أن يبين لـه عدد الأئمة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ناهيك عن عدم سؤاله كل هذا القرن، وكيف كانت صلاته وصيامه وزكاته وحجه بل وإيمانه وهو على هذا الجهل، وكم يحتاج من زيادة عمر حتى يكون في السنام الأعلى؟
وعن محمد بن عبيدالله بن زرارة، عن أبيه قال: «لما بعث زرارة عبيدًا ابنه إلى المدينة ليسأل عن الخبر بعد مضي أبي عبدالله، فلما اشتد به الأمر أخذ المصحف، وقال: من أثبت إمامته هذا المصحف فهو إمامي»([365]).
ومنزلة زرارة عند القوم عظيمة، والغريب تعليل القوم هذه الرواية بأخرى أطم منها، فقد روى القوم عن إبراهيم بن محمد الهمداني، قال: قلت للرضا: «يا ابن رسول الله، أخبرني عن زرارة هل كان يعرف حق أبيك؟ فقال: نعم، فقلت له: فلم بعث ابنه عبيدًا ليتعرف الخبر؟ إلى من أوصى الصادق جعفر بن محمد؟ فقال: إن زرارة كان يعرف أَمْر أبي وَنَصَّ أبيه عليه، وأما بعث ابنه لِيَعْرِف مِنْ أبي: هل يجوز أن يرفع التقية في إظهار أمره ونص أبيه عليه؟ وأنه لما أبطأ عنه ابنه طولب لإظهار قولـه في أبي فلم يحب أن يقدم على ذلك دون أمره، فرفع المصحف وقال: اللهم إن إمامي من أثبت هذا المصحف إمامته من ولد جعفر بن محمد»([366]).
أقول: أين نص الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم على الكاظم، حتى يكلف زرارة ابنه عناء هذه الرحلة الطويلة من العراق إلى المدينة ليسأله جواز رفع التقية لإظهار أمره ونص أبيه عليه؟ ألم تكن مسألة النص قد حسمت منذ كذا وكذا سنة قبل الخلق؟! ألم يكن الأئمة مسمين بأسمائهم؟ ثم ماذا تفهم من قولهم عن الرضا: ونص أبيه عليه؟
أما قضية المصحف وموقف القوم منه، وما إذا كان قد أثبت مسألة الإمامة أم لا؛ فستجده -إن شاء الله- في الباب القادم.
وعن أبي بصير قال: «كنت عند أبي عبدالله ذات يوم جالسًا إذ قال: يا أبا محمد، هل تعرف إمامك؟ قلت: إي والله الذي لا إله إلا هو، وأنت هو، ووضعت يدي على ركبته أو فخذه، فقال: صدقت قد عرفت فاستمسك به، قلت: أريد أن تعطيني علامة الإمام؟ قال: يا أبا محمد، ليس بعد المعرفة علامة، قلت: أَزدَادُ إيمانًا ويقينًا، قال: يا أبا محمد، ترجع إلى الكوفة وقد ولد لك عيسى، ومن بعد عيسى محمد، ومن بعدهما ابنتان، واعلم أن ابنيك مكتوبان عندنا في الصحيفة الجامعة مع أسماء شيعتنا وأسماء آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم وأنسابهم وما يلدون إلى يوم القيامة، وأخرجها فإذا هي صفراء مدرجة»([367]).
يبدو أن صاحبنا على وشك النجاح، إلا أن سؤاله ابتداء يعكر صفو ذلك، وكذا طلبه علامة الإمام، أما أمر هذه الصحيفة الجامعة صفراء كانت أم خضراء، والتي أخرجها بإحدى يديه أو بكلتيهما، فيبدو أنها صغيرة، فتدبر في علة ذلك.
وعن الأصم، عن كرام قال: «حلفت فيما بيني وبين نفسي ألا آكل طعامًا بنهار أبدًا حتى يقوم قائم آل محمد، فدخلت على أبي عبد الله، فقلت لـه: رجل من شيعتك جعل لله عليه ألا يأكل طعامًا بالنهار أبدًا حتى يقوم قائم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: صم يا كرام ولا تصم العيدين، ولا ثلاثة أيام التشريق، ولا إذا كنت مسافرًا»([368]).
فواضح أن صاحبنا لم يكن يعلم أن الإمام بعد أبي عبد الله هو ابنه الكاظم، ومن بعده ابنه الرضا، ثم الجواد، فالهادي والعسكري، ثم القائم، إلا إن كان لديه عهد بأنه سيعيش حتى خروجه، وبهذا لا شك أن صاحبنا قد مرَّ عليه أكثر من ألفين وخمسمائة عيد حتى صدور هذا الكتاب، أما جواب الإمام فلا يحتاج إلى تعليق.
وعن هشام بن سالم أنه سأل الصادق: «هل يكون إمامان في وقت واحد؟ قال: لا، إلا أن يكون أحدهما صامتًا مأمومًا لصاحبه والآخر ناطقًا إمامًا لصاحبه، وأما أن يكونا إمامين ناطقين في وقت واحد فلا، قلت: فهل تكون الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين؟ قال: لا»([369]).
ولا أدري لماذا كل هذه الأسئلة ما دامت سلسلة الأئمة معروفة لا تزيد ولا تنقص، ونحن نعلم بالضرورة أن هشامًا هذا لم يسأل أبا عبد الله أبدًا: هل تكون صلاة العصر خمس ركعات مثلًا؟! فتأمل!

 
اضطراب الشيعة في علة جعل الإمامة في نسل الحسين دون الحسن رضي الله عنهما
للقوم في علة جعل الإمامة في نسل الحسين دون الحسن ب اضطراب كبير تلخصه هذه الروايات:
عن عبدالرحمن بن كثير الواسطي قال: قلت لأبي عبدالله: «جعلت فداك، من أين جاء لولد الحسين الفضل على ولد الحسن، وهما يجريان في شرع واحد؟
فقال: لا أراكم تأخذون به، إن جبرئيل u نزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما ولد الحسين بعد، فقال له: يولد لك غلام تقتله أمتك من بعدك، فقال: يا جبرئيل، لا حاجة لي فيه، فخاطبه ثلاثًا، ثم دعا عليًا، فقال له: إن جبرئيل u يخبرني عن الله عزوجل أنه يولد لك غلام تقتله أمتك من بعدك، فقال: لا حاجة لي فيه يا رسول الله، فخاطب عليًا ثلاثًا، ثم قال: إنه يكون فيه وفي ولده الإمامة والوراثة والخزانة، فأرسل إلى فاطمة: إن الله يبشرك بغلام تقتله أمتي من بعدي، فقالت فاطمة: ليس لي حاجة فيه يا أبه، فخاطبها ثلاثًا، ثم أرسل إليها: لا بد أن يكون فيه الإمامة والوراثة والخزانة، فقالت لـه: رضيت عن الله عزوجل»([370]).
وعن الربيع بن عبدالله قال: «وقع بيني وبين عبدالله بن الحسن كلام في الإمامة، فقال عبدالله بن الحسن: إن الإمامة في ولد الحسن والحسين، فقلت: بل في ولد الحسين إلى يوم القيامة دون ولد الحسن، فقال لي: وكيف صارت في ولد الحسين دون الحسن وهما سيدا شباب أهل الجنة، وهما في الفضل سواء إلا أن للحسن على الحسين فضلًا بالكبر، وكان الواجب أن تكون الإمامة إذن في الأفضل؟
فقلت لـه: إن موسى وهارون كانا نبيين مرسلين، وكان موسى أفضل من هارون إ، فجعل الله عزوجل النبوة والخلافة في ولد هارون دون ولد موسى، وكذلك جعل الله عزوجل الإمامة في ولد الحسين دون ولد الحسن؛ ليجري في هذه الأمة سنن من قبلها من الأمم حذو النعل بالنعل، ثم قال: فدخلت على الصادق، فلما بصر بي قال لي: أحسنت يا ربيع فيما كلمت به عبدالله بن الحسن ثبتك الله»([371]).
وخلص آخرون إلى أن ذلك إلى الله عزوجل، والله لا يسأل عما يفعل، فأراحوا أنفسهم، فعن محمد بن يعقوب البلخي قال: سألت أبا الحسن الرضا قلت لـه: «لأي علة صارت الإمامة في ولد الحسين دون الحسن؟ قال: لأن الله عزوجل جعلها في ولد الحسين ولم يجعلها في ولد الحسن، والله لا يسأل عما يفعل»([372]).
وهكذا.. ولا شك أنك لن تسمع من القوم من يعلل ذلك بأن الدم الذي يجري في عروق الإمام زين العابدين خليط من دم أعرق البيوتات الفارسية المتمثلة في أمه شهربانو ابنة يزدجرد الثالث آخر ملوك الساسانيين ومن دم أبيه الحسين t، ولولا خوفنا من الخروج عن منهج الكتاب لذكرنا أبعاد هذه القضية والعلة الحقيقية الكامنة وراءها، وكيف أن الفرس تستروا بشعارات الولاء لآل البيت لهدم الإسلام، وإن كان في العمر بقية، فنبين تفصيل ذلك في بحث مستقل، وسنبين -إن شاء الله- كيف أن أئمة أهل البيت وأئمة الرافضة صورتان متضادتان، وكيف أن جلَّ الفرق الهدامة التي ظهرت في الإسلام إنما ظهرت من أرض فارس متسترة بأمثال هذه الولاءات الزائفة.
نعود إلى حديثنا عن الصادق وأصحابه، فعن يونس بن ظبيان أنه سأل الصادق عن الأئمة، فقال: «سمهم لي يا ابن رسول الله؟ قال: أولهم: علي بن أبي طالب، وبعده الحسن والحسين، وبعده علي بن الحسين، وبعده محمد بن علي الباقر، ثم أنا، وبعدي موسى ولدي، وبعد موسى علي ابنه، وبعد علي محمد ابنه، وبعد محمد علي ابنه، وبعد علي الحسن ابنه، وبعد الحسن الحجة صلوات الله عليهم، اصطفانا الله وطهرنا وآتانا ما لم يؤت أحدًا من العالمين، ثم قلت: يا ابن رسول الله، إن عبدالله بن سعد دخل عليك بالأمس فسألك عما سألتك فأجبته بخلاف هذا؟ فقال: يا يونس، كل امرئ وما يحتمله، ولكل وقت حديثه، وإنك لأهل لما سألت فاكتمه إلا عن أهله والسلام»([373]).
فكيف يعرف الدين إذًا؟ وكيف يطاع ولي الأمر؟!
لا أدري لماذا هذا الكتمان وهو أمر غريب خلاف ما عليه القوم من القول بكتمان الأعداء للنص، فما قولهم في هذا النص وفي النص الآتي عن أبي يعفور الذي قال: قلت لأبي جعفر: «أعرض عليك ديني الذي أدين الله به؟ قال: هاته، قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، وأقر بما جاء به من عند الله، قال: ثم وصفت لـه الأئمة حتى انتهيت إلى أبي جعفر، قلت: وأقول فيك ما أقول فيهم، فقال: أنهاك أن تذهب باسمي في الناس»([374]).
أليس يشبه قولـه هذا -حسب معتقد القوم- قولـه: أنهاك أن تقول في الناس: إن المغرب ثلاث ركعات؟ بل أعظم من ذلك؟!
وعن الحسين بن المعلى: سألت أبا عبدالله: «تكون الأرض بغير إمام؟ قال: لا، قلت: أفيكون إمامان في وقت واحد؟ قال: لا، إلا وأحدهما صامت، قلت: فالإمام يعرف الإمام الذي من بعده؟ قال: نعم، قلت: القائم إمام؟ قال: نعم. إمام ابن إمام»([375]).
فاسأل نفسك مرة أخرى: لماذا كل هذه الأسئلة؟ فأنت ترى أنه بعد كل ما مرَّ بك في المقدمة تشبه هذه الأسئلة قول من يقول: أتكون سنة من غير رمضان؟ أو أيكون رمضانان في عام واحد؟ وهكذا.. وإلا فأين النص؟
وهناك الكثير من الروايات الشبيهة قد أعرضنا عن ذكرها، وفي الرواية شبهات كثيرة، منها: علة صمت الإمام الآخر إن كانوا في العصمة والعلم سواء، وافتراض الجهل بالإمام الذي بعده.
والغريب أن هذه الشبهة الأخيرة تؤيدها روايات عدة عند القوم نذكر منها قولهم عن الصادق: «ليس يموت إمام إلا أخبره الله إلى من يوصي»([376]).
وفي رواية: «ما مات منا عالم حتى يعلمه الله إلى من يوصي»([377]).
وفي أخرى: «لا يموت الرجل منا حتى يعرف وليه»([378]).
وأخرى: «إن الإمام يعرف الإمام الذي مِن بعده فيوصي إليه»([379]).
وأخرى: «لا يموت الإمام حتى يعلم من يكون بعده([380])..» وغيرها([381]).
فأين قولهم بالنص إذًا؟!
وقد جهل الكثير من أصحابه / بالقائم، فمنهم من ظنه ابنه، ومنهم من ظنه هو، وإليك بعضًا من هذه الروايات، وهي لا تحتاج إلى بيان:
عن داود الرقي قال: قلت لأبي عبدالله: «جعلت فداك، قد طال هذا الأمر علينا حتى ضاقت قلوبنا ومتنا كمدًا؟ فقال: إن هذا الأمر آيَسَ ما يكون وأشد غمًا، ينادي منادٍ من السماء باسم القائم واسم أبيه، فقلت: جعلت فداك، ما اسمه؟ قال: اسمه اسم نبي، واسم أبيه اسم وصي»([382]).
ولا يخفى عليك التحريف في الرواية أيضًا، وسيأتي بيان ذلك في حينه.
والغريب أن صاحبنا -الرقي هذا- وهو ينتظر صاحب الزمان، كان جاهلًا بإمام زمانه، فقد روى القوم أنه قال: قلت لأبي الحسن موسى: «إني قد كبرت سني، ودق عظمي، وإني سألت أباك فأخبرني بك فأخبِرْني مَن بعدك؟
فقال: هذا أبو الحسن الرضا».
وفي روايةٍ أخرى: قال: قلت لأبي إبراهيم: «جعلت فداك، إني قد كبر سني، فخذ بيدي من النار، قال: فأشار إلى ابنه أبي الحسن، فقال: هذا صاحبكم من بعدي»([383]).
فهل كان قبل ذلك مصيره إلى النار؟
وعن يزيد بن حازم قال: خرجت من الكوفة، فلما قدمت المدينة دخلت على أبي عبدالله فسلمت عليه فسألني: هل صاحبك أحد؟ فقلت: نعم، صحبني رجل من المعتزلة، قال: فيمَ كان يقول؟ قلت: كان يزعم محمد بن عبدالله بن الحسن القائم، والدليل أن اسمه اسم النبي، واسم أبيه اسم أبي النبي، فقلت له في الجواب: إن كنت تأخذ بالأسماء فهو ذا في ولد الحسين محمد بن عبدالله بن علي، فقال لي: إن هذا ابن أمة -يعني: محمد بن عبد الله  بن علي- وهذا ابن مهيرة -يعني: محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن- فقال لي أبو عبدالله: فما رددت عليه؟ قلت: ما كان عندي شيء أرد عليه، فقال: لو تعلمون أنه ابن سبية -يعني القائم-»([384]).
فلعلك من خلال هذه الرواية -على ما فيها- قد وقفت على شيء من التحريف في الرواية السابقة.
وعن السيد بن محمد الحميري في حديث طويل يقول فيه: قلت للصادق جعفر بن محمد: «يا ابن رسول الله، قد رُوي لنا أخبار عن آبائك في الغيبة وصحة كونها، فأخبرني بمن تقع؟ فقال: ستقع بالسادس من ولدي، والثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أولهم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وآخرهم: القائم بالحق»([385]).
وعن أبي بصير قال: قلت لأبي عبدالله: «جعلت فداك، إني أريد أن أمس صدرك، فقال: افعل، فمسست صدره ومناكبه، فقال: ولم يا أبا محمد؟ فقلت: جعلت فداك، إني سمعت أباك وهو يقول: إن القائم واسع الصدر، مسترسل المنكبين، عريض ما بينهما»([386]).
أفلا يعرف إلا باللمس أم كان يقيسه؟!
وفي رواية: قال: قلت لأبي عبدالله: «يا ابن رسول الله، من القائم منكم أهل البيت؟ فقال: يا أبا بصير، هو الخامس من ولد ابني موسى»([387]).
وليس هذا عليه بغريب، حتى روى القوم سؤال الباقر له: «هل عرفت إمامك؟ قال: إي والله، قبل أن أخرج من الكوفة، فقال: حسبك إذًا»([388]).
وتأمل في الرواية الأخيرة جيدًا؛ لترى مصدر أمثال هذه العقائد، ولعلَّ في جواب الإمام أو تهكمه بالأحرى ما يدل على ذلك، فلا يفوتنك القصد، ولأبي بصير هذا منزلة عظيمة عند الأئمة والقوم.
وعن عبدالله بن عطاء قال: قلت لأبي جعفر: «إن شيعتك بالعراق كثير، والله ما في أهل بيت مثلك كيف لا تخرج؟ فقال: يا عبدالله، قد أمكنت الحشوة من أذنيك، والله ما أنا صاحبكم، قلت: فمن صاحبنا؟ قال: انظروا من تخفى على الناس ولادته هو صاحبكم»([389]).
وعن شعيب بن أبي حمزة قال: دخلت على أبي عبدالله، فقلت له: «أنت صاحب هذا الأمر؟ فقال: لا، قلت: فولدك؟ قال: لا، قلت: فولد ولدك؟ قال: لا، قلت: فولد ولد ولدك؟ قال: لا»([390]).
أقول: لعل الذي لبس على أصحابه أو أصحاب أبيه أمر القائم حتى ظن كثير منهم أنهم سيدركونه أو أنه الباقر أو الصادق، تبينه لنا هذه الروايات:
فعن خلاَّد بن قصار قال: سُئِلَ أبو عبدالله: «هل ولد القائم؟ قال: لا، ولو أدركته لخدمته أيام حياتي»([391]).
وأصحابه يعرفون كما تعرف -مما مر بك- أن الإمام لا يكون إمامًا حتى يمضي الذي قبله، فبقاؤه يقتضي بطلان إمامة من بعده، ناهيك عن حاجته إلى أكثر من قرن حتى يدركه، حيثُ توفي الصادق سنة(148هـ)، والقائم وُلِدَ بزعم القوم سنة (256هـ).
وعن أبي بصير قال: قال أبو عبدالله: «لِيُعِدَّنَّ أحدكم لخروج القائم ولو سهمًا؛ فإن الله إذا علم ذلك من نيته رجوت أن ينسئ في عمره حتى يدركه ويكون من أعوانه وأنصاره»([392]).
وعن الباقر: «من أدرك منكم قائمنا فليقل حين يراه: السلام عليكم يا أهل بيت النبوة، ومعدن العلم، وموضع الرسالة»([393]).
وعن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبدالله: «يا مفضل، أنت وأربعة وأربعون رجلًا مع القائم»([394]).
وروي أيضًا: «ذكرنا القائم ومن مات من أصحابنا ينتظره، فقال لنا أبو عبدالله: إذا قام أُتي المؤمنُ في قبره، فيقال لـه: يا هذا، إنه ظهر صاحبك، فإن تشأ أن تلحق به فالحق»([395]).
وعن صفوان بن مهران قال: سئل الصادق: «يا ابن رسول الله، ممن المهدي من ولدك؟ قال: الخامس من ولد السابع»([396]).
وعنه أيضًا: «إذا اجتمعت -وفي رواية: إذا توالت- ثلاثة أسماء متوالية: محمد، وعلي، والحسن، فالرابع القائم»([397]).
ولا أدري لِمَ كل هذه الألغاز! ولعلَّ في هذه الروايات دلالة على جواز إجابة من سأل عن شهر رمضان -مثلًا- أن يقال لـه: إذا توالت ثلاثة أشهر: جمادى الآخرة، ورجب، وشعبان، كان رابعها شهر الصوم، أو أن شهر الصوم بين شهرين يبدأان بحرف الشين.. وهكذا.
وعلى أي حال، نجتزئ بذكر هذه الأمثلة عن أصحابه، وننتقل إلى ذكر موقف أهل بيته من النص:
فهذا عيسى بن عبدالله بن عمر بن علي بن أبي طالب يقول للصادق كما يروي القوم: «إن كان كون ولا أراني الله يومك فبمن أأتم؟ فأومأ إلى موسى، فقلت لـه: فإن مضى فإلى من؟ قال: فإلى ولده، قلت: فإن مضى ولده وترك أخًا كبيرًا وابنًا صغيرًا فبمن أأتم؟
قال: بولده، ثم هكذا أبدًا، فقلت: فإن أنا لم أعرفه ولم أعرف موضعه فما أصنع؟ قال: تقول: اللهم إني أتولى من بقي من حججك من ولد الإمام الماضي، فإن ذلك يجزيك»([398]).
وهنا أتساءل: أليسوا مسمَّيْن كما سبق؟
وآخر هو علي بن عمر بن علي سأله: «جعلت فداك، إلى من نفزع ويفزع الناس بعدك؟
فقال: إلى صاحب هذين الثوبين الأصفرين والغديرتين، وهو الطالع عليك من الباب، فما لبثنا أن طلع علينا كفان آخذتان بالبابين، حتى انفتحا ودخل علينا أبو إبراهيم موسى بن جعفر وهو صبي وعليه ثوبان أصفران»([399]).
ولم يقتصر الأمر على ما مرَّ بك، بل اقرأ هذا: عن الصادق: «العجب لعبدالله بن الحسن ابن الحسن يقول: ليس فينا إمام صدق وما هو بإمام ولا كان أبوه إمامًا، يزعم أن علي بن أبي طالب لم يكن إمامًا ويردد ذلك»([400]).

 
النزاع بين بني الحسن وبني الحسين
رضي الله عنهما
يبدو أن أمر الخلاف والمنازعة بين بني الحسن وبني الحسين كان مستفحلًا، وقد تكلمنا قليلًا عن أبعاد ذلك عند ذكرنا: (علة جعل الإمامة في ولد الحسين دون الحسن) وإليك المزيد مما يؤيد ذلك:
عن علي بن سعيد قال: «كنت جالسًا عند أبي عبدالله، فقال رجل: جعلت فداك، إن عبدالله بن الحسن يقول: ما لنا في هذا الأمر ما ليس لغيرنا، فقال أبو عبدالله -بعد كلام-: أما تعجبون من عبدالله، يزعم أن أباه عليًا لم يكن إمامًا، ويقول: إنه ليس عندنا علم، وصدق والله ما عنده علم، ولكن والله -وأهوى بيده إلى صدره- إن عندنا سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيفه ودرعه، وعندنا والله مصحف فاطمة ما فيه آية من كتاب الله، وإنه من إملاء رسول الله وخطه علي بيده، والجفر وما يدرون ما هو، مسك من شاة، أو مسك من بعير»([401]).
وفي رواية: وقع بين الصادق وعبدالله بن الحسن كلام في صدر يوم، فأغلظ له في القول عبدالله بن الحسن، ثم افترقا وراحا إلى المسجد، فالتقيا على باب المسجد، فقال الصادق لعبدالله بن الحسن: «كيف أمسيت يا أبا محمد؟ فقال: بخير، كما يقول المغضب، فقال: يا أبا محمد، أما علمت أن صلة الرحم تخفف الحساب، فقال: لا تزال تجيء بالشيء لا نعرفه، قال: فإني أتلو عليك قرآنًا، قال: وذلك أيضًا؟ قال: نعم، قال: فهاته، قال: قول الله عزوجل: ( tûïÏ%©!$#ur tbعزوجلè=ÅÁtƒ !$tB ttBr& ª!$# ÿ¾ÏmÎ/ br& Ÿ@|¹عزوجلムšcöعزوجلt±øƒs†ur öNåk®5u‘ tbعزوجلèù$sƒs†ur uäþعزوجلߙ É>$|¡Ïtø:$# ÇËÊÈ ) [سورة الرعد] قال: فلا تراني بعدها قاطعًا رحمنا»([402]).
وعن علي بن جعفر قال: «بعث عبدالله بن الحسن إلى أبي: يقول لك أبو محمد: أنا أشجع منك، وأنا أسخى منك، وأنا أعلم منك، فقال لرسوله: أما الشجاعة فوالله ما كان لك موقف يعرف به جبنك من شجاعتك، وأما السخيّ فهو الذي يأخذ الشيء فيضعه في حقه، وأما العلم فقد أعتق أبوك علي بن أبي طالب ألف مملوك، فسم لنا خمسة منهم، وأنت عالم، فعاد إليه فأعلمه، ثم عاد إليه، فقال: يقول: إنك رجل صحفي، فقال له أبو عبدالله: قل: إي والله، صحف إبراهيم وموسى وعيسى ورثتها عن آبائي»([403]).
وكان بنو الحسن يرشدون ويدلون الناس إليهم، فعن عبدالرحمن بن كثير أن رجلًا دخل يسأل عن الإمام بالمدينة، فاستقبله رجل من ولد الحسن، فدله على محمد بن عبد الله، فصار إليه وساءله هنيهة، فلم يجد عنده طائل. فاستقبله فتىً من ولد الحسين، فقال له: «يا هذا، إني أراك تسأل عن الإمام، قال: نعم، قال: فأصبته؟ قال: لا، قال: فإن أحببت أن تلقى جعفر بن محمد فافعل، فاستدله فأرشده إليه، فلما دخل عليه قال له: إنك دخلت مدينتنا هذه تسأل عن الإمام، فاستقبلك فتىً من ولد الحسن فأرشدك إلى محمد بن عبدالله، فسألته وخرجت، فإن شئت أخبرتك بما سألته عنه وما رده عليك، ثم استقبلك فتى من ولد الحسين، وقال لك: إن أحببت أن تلقى جعفر بن محمد فافعل، قال: صدقت، كان كل ما ذكرت ووصفت»([404]).
وكذلك شأن محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب مع الصادق، فكما فعل أبوه من قبل، فعل هو مع الصادق، حيث قال له: «والله إني لأعلم منك وأسخى وأشجع»([405]).
ولما بويع -أي: محمد بن عبدالله بن الحسن- على أنه مهدي هذه الأمة، جاء أبوه عبدالله إلى الصادق وقد كان ينهاه، وزعم أنه يحسده، فضرب الصادق يده على كتف عبدالله، وقال: «إيهًا والله، ما هي إليك ولا إلى ابنك، وإنما هي لهذا -يعني: السفاح- ثم لهذا -يعني: المنصور- يقتله على أحجار الزيت»([406]).
رغم هذا كان يبارك خروج ابنه ويؤيده، فلما بلغ أبا مسلم موت إبراهيم الإمام وجه بكتبه إلى الحجاز، إلى جعفر بن محمد، وعبدالله بن الحسن، ومحمد بن علي بن الحسين يدعو كلَّ واحد منهم إلى الخلافة، فبدأ بجعفر، فلما قرأ الكتاب أحرقه، وقال: هذا الجواب، فأتى عبدالله بن الحسن، فلما قرأ الكتاب قال: أنا شيخ ولكن ابني محمد مهدي هذه الأمة، فركب وأتى جعفرًا فخرج إليه ووضع يده على عنق حماره، وقال: يا أبا محمد، ما جاء بك في هذه الساعة؟ فأخبره، فقال: لا تفعلوا؛ فإن الأمر لم يأتِ بعد، فغضب عبدالله بن الحسن، وقال: لقد علمت خلاف ما تقول، ولكنه يحملك على ذلك الحسد لابني([407]).
وكان الناس يرون إمامته دون الصادق، فعن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي، قال: «كنت عند أبي عبدالله بمكة، إذ دخل عليه أناس من المعتزلة فيهم: عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، وحفص بن سالم، وأناس من رؤسائهم، وذلك حين قتل الوليد واختلف أهل الشام بينهم، فتكلموا وأكثروا وخطبوا فأطالوا، فقال لهم أبو عبدالله جعفر بن محمد: إنكم قد أكثرتم عليَّ وأطلتم، فأسندوا أمركم إلى رجل منكم فليتكلم بحجتكم وليوجز، فأسندوا أمرهم إلى عمرو بن عبيد فأبلغ وأطال، فكان فيما قال أن قال: قتل أهل الشام خليفتهم، وضرب الله بعضهم ببعض، وتشتت أمرهم، فنظرنا فوجدنا رجلًا له دين وعقل ومروءة ومعدن للخلافة وهو محمد بن عبدالله بن الحسن، فأردنا أن نجتمع معه فنبايعه، ثم نظهر أمرنا معه وندعو الناس إليه»([408]).
وقد خرج أخوه إبراهيم أيضًا، فعن عبيد بن زرارة قال: «لقيت أبا عبدالله في السنة التي خرج فيها إبراهيم بن عبدالله بن الحسن، فقلت له: جعلت فداك، إن هذا قد ألف الكلام وسارع الناس إليه، فما الذي تأمر به؟ قال: فقال: اتقوا الله واسكنوا ما سكنت السموات والأرض»([409]).
ويبدو أن الصادق قد ضاق ذرعًا بهذا الأمر، فما زال يفتش ويبحث في كتبه عمن يملك من بني الحسن، وما زال يقول بـحسدهم، فلما سُئِلَ عنهم وعما إذا كانوا يعرفون لمن الحق؟ قال: «بلى. ولكن يمنعهم الحسد»([410]).
وفي أخرى: فقال له بعضنا: «يعرف هذا ولد الحسن؟ قال: نعم، كما يعرفون أن هذا ليل، ولكن يحملهم الحسد، ولو طلبوا الحق بالحق لكان خيرًا لهم، ولكنهم يطلبون الدنيا»([411]).
وعن أبي يعفور قال: «لقيت أنا ومعلى بن خنيس الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فقال: يا يهودي، فَأَخْبَرْنَا بما قال جعفر بن محمد، فقال: هو والله أولى باليهودية منكما، إن اليهودي من شرب الخمر»([412]).
وعنه أيضًا قال: سمعت أبا عبدالله يقول: «لو توفي الحسن بن الحسن بالزنا وشرب الخمر كان خيرًا مما توفي عليه»([413]).
ويبدو أن المودة كانت متبادلة بينهما، فعن سلمان بن خالد قال: «لقيت الحسن بن الحسن، فقال: أما لنا حق؟ أما لنا حرمة؟ إذا اخترتم منا رجلًا واحدًا كفاكم، فلم يكن له عندي جواب، فلقيت أبا عبدالله فأخبرني بما كان من قولـه، فقال لي: القه، فقل له: أتيناكم فقلنا: هل عندكم ما ليس عند غيركم؟ فقلتم: لا، فصدقناكم وكنتم أهل ذلك، وأتينا بني عمكم فقلنا: هل عندكم ما ليس عند الناس؟ فقالوا: نعم، فصدقناهم وكانوا أهل ذلك، قال: فلقيته فقلت له ما قال لي، فقال لي الحسن: فإن عندنا ما ليس عند الناس، فلم يكن عندي شيء، فأتيت أبا عبدالله فأخبرته، فقال لي:القه، وقل: إن الله عزوجل يقول في كتابه: ( ’ÎTعزوجلçGø$# 5=»tGÅ3Î/ `ÏiB È@ö6s% !#x‹»yd ÷rr& ;ot»rOr& ïÆÏiB AOù=Ïã bÎ) ÷LäêZà2 šúüÏ%ω»|¹ ÇÍÈ ) [سورة الأحقاف] فاقعدوا لنا حتى نسألكم، قال: فلقيته فحاججته بذلك، فقال: أفما عندكم شيء إلا تعيبونا إن كان فلان تفرغ وشغلنا فذاك الذي يذهب بحقنا»([414]).
أما شأن كتاب الملوك الذين يملكون الأرض، ونظر الصادق فيه، فإليك بعض هذه الروايات: 
عن خنيس قال: «كنت عند أبي عبدالله إذ أقبل محمد بن عبدالله بن الحسن فسلم عليه ثم ذهب، ورق له أبو عبدالله ودمعت عينه، فقلت له: لقد رأيتك صنعت به ما لم تكن تصنع؟ قال: رققت له؛ لأنه ينسب في أمرٍ ليس له، لم أجده في كتاب علي من خلفاء هذه الأمة ولا ملوكها»([415]).
وفي رواية: «عن الصادق أنه سئل عن محمد؟ فقال: إن عندي لكتابين فيهما كل نبي وكل ملك يملك، لا والله ما محمد بن عبدالله في أحدهما»([416]).
وفي ثالثة: عن فضيل سكرة قال: «دخلت على أبي عبدالله، قال: يا فضيل، أتدري في أي شيء كنت أنظر فيه قبل؟ قال: قلت: لا، قال: كنت أنظر في كتاب فاطمة، فليس ملك يملك إلا وفيه مكتوب اسمه واسم أبيه، فما وجدت لولد الحسن فيه شيئًا»([417]).
وفي أخرى: عن ابن خنيس -أيضًا- قال: قال أبو عبدالله: «ما من نبي ولا وصي ولا ملك إلا في كتاب عندي، لا والله، ما لمحمد بن عبدالله بن الحسن فيه اسم»([418]).
وأخرى: عن سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبدالله يقول: «إن عندي لصحيفة فيها أسماء الملوك، ما لولد الحسن فيها شيء»([419]).
وذكر النزاع بين بني الحسن والحسين ب يطول([420]).
والغريب أن بني الحسن قد ملكوا عبر التاريخ، وأسسوا الممالك والدول، كدولة الأدارسة في المغرب، والتي أنشأها إدريس بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ي، وملوك المغرب في أيامنا هذه، ولا أدري لماذا أغفلهم كتاب الملوك هذا!!
 

 
خلاف بعض بني هاشم مع الصادق
رحمهم الله أجمعين
ولم يقتصر الأمر عليهم، بل امتد إلى سائر بني هاشم بما فيهم بنو الحسين ي، فها هو محمد الباقر يحذر جعفر الصادق من أخيه، حيث يروي القوم عن الصادق أنه قال: «قال  لي أبي: اعلم أن عبدالله أخاك سيدعو الناس إلى نفسه، فدعه؛ فإن عمره قصير، فكان كما قال أبي، وما لبث عبدالله إلا يسيرًا حتى مات»([421]).
وهذا عمه عبدالله، يروي القوم عن الوليد بن صبيح قال: «كنا عند الصادق في ليلة، إذ يطرق الباب طارق، فقال للجارية: انظري من هذا؟ فخرجت ثم دخلت، فقالت: هذا عمك عبدالله بن علي، فقال: أدخليه، وقال لنا: ادخلوا البيت، فدخلنا بيتًا، فسمعنا منه حسًا ظننا أن الداخل بعض نسائه، فلصق بعضنا ببعض، فلما دخل أقبل على أبي عبدالله، فلم يدع شيئًا من القبيح إلا قاله في أبي عبدالله، ثم خرج وخرجنا، فأقبل يحدثنا من الموضع الذي قطع كلامه، فقال بعضنا: لقد استقبلك هذا بشيء ما ظننا أن أحدًا يستقبل به أحدًا، حتى لقد همَّ بعضنا أن يخرج إليه فيوقع به، فقال: مه، لا تدخلوا فيما بيننا»([422]).
ولابن عبدالله هذا محمدٍ الملقب بالأرقط شأن مع الصادق، وهو سبب تسميته بهذا اللقب، فقد جرى بينه وبين الصادق أمر، فبصق في وجه الصادق، فدعا عليه الصادق فصار أرقط الوجه، به نمش([423])، كريه المنظر([424]).
وها هو ابن عمه الملقب بالأفطس، يقول القوم: إن سالمة مولاة الصادق قالت: «كنت عند أبي عبدالله حين حضرته الوفاة، وأغمي عليه، فلما أفاق قال: أعطوا الحسن بن علي بن علي بن الحسين -وهو الأفطس- سبعين دينارًا، وأعط فلانًا كذا وفلانًا كذا، فقلت: أتعطي رجلًا حمل عليك بالشفرة يريد أن يقتلك؟ قال: تريدين أن لا أكون من الذين قال الله عزوجل فيـهم: ( tûïÏ%©!$#ur tbعزوجلè=ÅÁtƒ !$tB ttBr& ª!$# ÿ¾ÏmÎ/ br& Ÿ@|¹عزوجلムšcöعزوجلt±øƒs†ur öNåk®5u‘ tbعزوجلèù$sƒs†ur uäþعزوجلߙ É>$|¡Ïtø:$# ÇËÊÈ ) [سورة الرعد]»([425]).
وعن عمر بن علي قال: «إن جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالأبواء، وفيهم: إبراهيم بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس، وأبو جعفر المنصور، وصالح بن علي، وعبدالله بن الحسن، وابناه: محمد وإبراهيم، ومحمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان، فقال صالح بن علي: قد علمتم أنكم الذين تمد الناس إليهم أعينهم، وقد جمعكم الله في هذا الموضع، فاعقدوا بيعةً لرجلٍ منكم تعطونه إياها من أنفسكم، وتواثقوا على ذلك حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين، فحمد الله عبدالله بن الحسن وأثنى عليه، ثم قال: قد علمتم أن ابني هذا هو المهدي فهلم لنبايعه، وقال أبو جعفر: لأي شيء تخدعون أنفسكم، والله لقد علمتم ما الناس إلى أحدٍ أصور أعناقًا ولا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى -يريد به محمد بن عبدالله- قالوا: قد والله صدقت، إن هذا الذي نعلم، فبايعوا محمدًا جميعًا، ومسحوا على يده، قال عيسى: وجاء رسول عبدالله بن الحسن إلى أبي: أن ائتنا فإنا مجتمعون لأمر، وأرسل بذلك إلى جعفر بن محمد، وقال غير عيسى: إن عبدالله بن الحسن قال لمن حضر: لا تريدوا جعفرًا؛ فإنا نخاف أن يفسد عليكم أمركم، قال عيسى بن عبدالله بن محمد: فأرسلني أبي أنظر ما اجتمعوا له. فجئتهم ومحمد بن عبدالله يصلي على طنفسة رحل مثنية، فقلت لهم: أرسلني أبي إليكم أسألكم لأي شيء اجتمعتم؟ فقال عبدالله: اجتمعنا لنبايع المهدي محمد بن عبدالله، قال: وجاء جعفر بن محمد، فأوسع له عبدالله بن الحسن إلى جنبه، فتكلم بمثل كلامه، فقال جعفر: لا تفعلوا؛ فإن هذا الأمر لم يأتِ بعد، إن كنت ترى -يعني: عبدالله- أن ابنك هذا هو المهدي فليس به، ولا هذا أوانه، وإن كنت إنما تريد أن تخرجه غضبًا لله وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإنا والله لا ندعك وأنت شيخنا ونبايع ابنك في هذا الأمر، فغضب عبدالله بن الحسن، وقال: لقد علمت خلاف ما تقول، والله ما أطلعك على غيبه، ولكن يحملك على هذا الحسد لابني»([426]).
فانظر -أيها القارئ- كيف توفق بين هذه الرواية والقول بالنص على الاثني عشر.
 

 
قصة خروج زيد بن علي بن الحسين بن علي
ابن أبي طالب رحمه الله وذكر منزلته
ورواية تفيد معرفة بدء القول بالنص على الأئمة
نختم حديثنا عن مدعي الإمامة من أهل البيت أيام الصادق بذكرنا قصة زيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب ي، وما أدراك من زيد هذا! الذي أرانا القوم برواياتهم أن جذور تخطيطه للخروج وادعاء الإمامة ضاربة في القدم.
يروي القوم أن الباقر عند الوفاة دعا بابنه الصادق ليعهد إليه عهدًا، فقال له أخوه زيد بن علي: «لو امتثلت في تمثال الحسن والحسين رجوت أن لا تكون أتيت منكرًا، فقال له: يا أبا الحسين، إن الأمانات ليست بالتمثال، ولا العهود بالرسوم، وإنما هي أمور سابقة عن حجج الله عزوجل »([427]).
فواضح لمن تدبر في رواية القوم هذه أنه يهيئ لأمرٍ ما، أما مسألة انتفاء النص فلن نكرره عليك، فقد طلبنا منك استحضاره واصطحابه منذ المقدمة.
نعود إلى روايتنا، حيث يبدو أن الباقر قد فطن إلى ذلك، فقد روى القوم عنه أنه قال: «سيخرج زيد أخي بعد موتي، ويدعو الناس إلى نفسه، ويخلع جعفرًا ابني، ولا يلبث إلا ثلاثًا حتى يقتل ويصلب، ثم يحرق بالنار، ويذرى في الريح، ويمثل به مثلة ما مثل بها أحد قبله»([428]).
وفي رواية: «إن زيدًا سيدعو بعدي إلى نفسه، فدعه ولا تنازعه؛ فإن عمره قصير»([429]).
ولا شك أن الباقر يذكر يوم أن دخل عليه زيد ومعه كتب أهل الكوفة يدعونه فيها إلى أنفسهم ويخبرونه باجتماعهم ويأمرونه بالخروج، فقال له: «هذه الكتب ابتداء منهم، أو جواب ما كتبت به إليهم ودعوتهم إليه؟ فقال: بل ابتداء من القوم لمعرفتهم بحقنا وبقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولما يجدون في كتاب الله عزوجل من وجوب مودتنا وفرض طاعتنا، ولما نحن فيه من الضيق والضنك والبلاء، فقال الباقر: فلا تعجل؛ فإن الله لا يعجل لعجلة العباد، ولا تسبقن الله فتعجزك البلية فتصرعك، فغضب زيد عند ذلك، ثم قال: ليس الإمام منا من جلس في بيته، وأرخى ستره، وثبط عن الجهاد، ولكن الإمام منا من منع حوزته، وجاهد في سبيل الله حق جهاده، ودفع عن رعيته، وذب عن حريمه»([430]).
ثم ها هو يجس نبض الأصحاب، فيقول لزرارة كما يروي القوم: «ما تقول يا فتى في رجل من آل محمد استنصرك؟ فقلت: إن كان مفروض الطاعة نصرته، وإن كان غير مفروض الطاعة فلي أن أفعل ولي ألا أفعل، فلما خرج قال الصادق: أخذته والله من بين يديه ومن خلفه وما تركت له مخرجًا»([431]).
وعن مؤمن الطاق عند القوم، أن زيدًا قال له: «ما تقول إن طرقك طارق منا أتخرج معه؟ قال: قلت له: إن كان أباك وأخاك خرجت معه، قال: فقال لي: فأنا أريد أن أخرج أجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي، قال: قلت: لا أفعل جعلت فداك، قال: فقال لي: أترغب بنفسك عني؟ قال: فقلت له: إنما هي نفس واحدة، فإن كان لله عزوجل في الأرض معك حجة فالمتخلف عنك ناج، والخارج معك هالك، وإن لم يكن لله معك حجة فالمتخلف عنك والخارج معك سواء، قال: فقال لي: يا أبا جعفر، كنت أجلس مع أبي على الخِوان، فيلقمني اللقمة السمينة، ويبرد لي اللقمة الحارة حتى تبرد من شفقته عليَّ، ولم يشفق عليَّ من حر النار إذ أخبرك بالدين ولم يخبرني به؟ قال: فقلت له: من شفقته عليك من حر النار لم يخبرك؛ خاف عليك ألا تقبله فتدخل النار... إلى أن قال: فحججت، فحدثت أبا عبدالله بمقالة زيد وما قلت له: فقال لي: أخذته من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن يساره، ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه، ولم تترك له مسلكًا يسلكه»([432]).
وكان قبل ذلك يقول بأن الأئمة أربعة، ثلاثة مضوا والرابع هو القائم([433]). ففي الرواية دليل على معتقده في أن من لم يخرج بالسيف ليس بإمام، لذا فهو لم يعد أباه زين العابدين إمامًا.
وكان يقول: «من أراد الجهاد فإليّ، ومن أراد العلم فإلى ابن أخي جعفر»([434]).
ويقول: «جعفر إمامنا في الحلال والحرام»([435]).
ولم يكن يرى / من قولـه: «إمامنا» بأنه إمام بمفهوم القوم المستوجب للخلافة العامة، بل كان يبين شرائط الإمامة العامة في قولـه: «ليس الإمام منا من أرخى عليه ستره، إنما الإمام من شهر سيفه»([436]).
ثم شرع فيما عقد العزم عليه، فكانت هذه الحادثة التي يرويها معتب، حيث يقول بزعم القوم: «قُرِع باب مولاي الصادق فخرجت، فإذا بزيد بن علي، فقال الصادق لجلسائه: ادخلوا هذا البيت وردوا الباب، ولا يتكلم منكم أحد، فلما دخل قام إليه فاعتنقا وجلسا طويلًا يتشاوران، ثم علا الكلام بينهما، فقال زيد: دع ذا عنك يا جعفر، فوالله لئن لم تمد يدك حتى أبايعك أو هذه يدي فبايعني لأتعبنك ولأكلفنك ما لا تطيق، فقد تركت الجهاد، وأخلدت إلى الخفض، وأرخيت الستر، واحتويت على مال الشرق والغرب، فقال الصادق: يرحمك الله يا عم، يغفر الله لك يا عم»([437]).
ولم يكن يأبه بتحذير الصادق له: «يا عم، أعيذك بالله أن تكون المصلوب بالكناسة، وكانت أم زيد ترد: والله ما يحملك على هذا القول غير الحسد لابني، ويرد: يا ليته حسدًا، يا ليته حسدًا، ثلاثًا..»([438]).
إلى أن جاءت الأخبار بخروجه وادعائه الإمامة، فعن داود الرقي قال: «دخلت على جعفر بن محمد، فقال: ما الذي أبطأ بك عنا يا داود؟ فقلت: حاجة عرضت لي بالكوفة هي التي أبطأت بي عنك، جعلت فداك، فقال لي: ماذا رأيت بها؟ قلت: رأيت عمك زيدًا على فرس ذنوب، قد تقلد مصحفًا، وقد حف به فقهاء الكوفة، وهو يقول: يا أهل الكوفة، إني العلم بينكم وبين الله تعالى، قد عرفت ما في كتاب الله من ناسخه ومنسوخه، فقال أبو عبد الله: يا سماعة بن مهران، ائتني بتلك الصحيفة، فأتاه بصحيفة بيضاء، فدفعها إليَّ، وقال لي: اقرأ هذه بما أخرج إلينا أهل البيت، يرثه كابر عن كابر من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقرأتها فإذا فيها سطران:
السطر الأول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
والسطر الثاني: أسماء الأئمة مكتوبة من قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فقال أبو عبدالله: فأين يتاه بزيد ويذهب به؟ إن أشد الناس لنا عداوة وحسدًا الأقرب إلينا فالأقرب»([439]).
وعن أبي الصباح قال: «دخلت على أبي عبد الله، فقال: ما وراءك؟ فقلت: شر ورائي من عمك زيد، خرج يزعم أنه ابن ستة، وأنه قائم هذه الأمة، وأنه ابن خيرة الإماء، فقال: كذب، ليس هو كما قال، إن خرج قتل»([440]).
وقبل أن نختم حديثنا عن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ا، لابد من بيان حاله وذكر منزلته حتى تستقيم المسألة.
فعن الحسين بن علي ب قال: «وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على صلبي، فقال: يا حسين، يخرج من صلبك رجل يقال لـه: زيد، يقتل شهيدًا، فإذا كان يوم القيامة يتخطى هو وأصحابه رقاب الناس ويدخل الجنة»([441]).
وعن حذيفة بن اليمان قال: «نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى زيد بن حارثة، فقال: المقتول في الله المصلوب في أمتي والمظلوم من أهل بيتي سمي هذا -وأشار بيده إلى زيد بن حارثة- فقال: ادن مني يا زيد، زادك اسمك عندي حبًا، فأنت سمي الحبيب من أهل بيتي»([442]).
وعن محمد بن الحنفية قال: «ليقتلن من ولد الحسين رجل، يقال لـه: زيد بن علي، وليصلبن بالعراق، من نظر إلى عورته فلم ينصره أكبه الله على وجهه في النار»([443]).
وعن زين العابدين قال: «يخرج من ولدي رجل يقال له: زيد، يقتل بالكوفة، ويصلب بالكناسة، يُخرج من قبره نبشًا، تفتح لروحه أبواب السماء، يبتهج به أهل السموات، يجعل روحه في حويصلة طير خضر يسرح في الجنة حيث يشاء»([444]).
وعن أبي الجارود -وكان رأس الزيدية- قال: «كنت عند أبي جعفر جالسًا، إذ أقبل زيد ابن علي، فلما نظر إليه أبو جعفر قال: هذا سيد أهل بيتي، والطالب بأوتارهم»([445]).
أما الصادق فقد جاء عنه في زيد / الكثير، منها: أنه لما جاءه خبر استشهاده بكى، وقال: «مضى والله زيد عمي وأصحابه شهداء مثلما مضى عليه علي بن أبي طالب وأصحابه»([446]).
وقال فيه أيضًا: «إنا لله وإنا إليه راجعون! عند الله أحتسب عمي، إنه كان نِعم العم، إن عمي كان رجلًا لدنيانا وآخرتنا، مضى والله عمي شهيدًا كشهداء استشهدوا مع رسول الله وعلي والحسن والحسين»([447]).
وفرَّق من ماله في عيال من أصيب معه من أصحابه ألف دينار([448]).
وقال في هشام الذي قتله: «إن الله نزع منه الملك»([449]).
وسأل أبا ولاد الكاهلي: «رأيت عمي زيدًا؟ قال: نعم، رأيته مصلوبًا، ورأيت الناس بين شامت حنق، وبين محزون محترق، قال: أما الباكي فمعه في الجنة، وأما الشامت فشريك في دمه»([450]).
وما زال يبكيه كلما تذكره أو ذكروه به، فعن حمزة بن حمران قال: «دخلت إلى الصادق، فقال لي: يا حمزة، من أين أقبلت؟ قلت: من الكوفة، قال: فبكى حتى بلَّت دموعه لحيته، فقلت له: يا ابن رسول الله، ما لك أكثرت البكاء؟ فقال: ذكرت عمي زيدًا وما صنع به فبكيت»([451]).
ويترحم عليه ويقول: «رحمه الله، أما إنه كان مؤمنًا، وكان عارفًا، وكان عالمًا، وكان صدوقًا، أما إنه لو ظفر لوفى، أما إنه لو ملك لعرف كيف يضعها»([452]).
ويكفيك من قولـه: «وكان صدوقًا»، من أنه لم يكن كاذبًا في خروجه وادعائه /.
وكان الرضا لا يرضى أن يقاس به أحد حتى لو كان أخاه.
فعن ابن عبدون قال: «لما حمل زيد بن موسى بن جعفر إلى المأمون وقد كان خرج بالبصرة وأحرق دور ولد العباس، وهب المأمون جرمه لأخيه علي بن موسى الرضا، وقال له: يا أبا الحسن، لئن خرج أخوك وفعل ما فعل، لقد خرج قبله زيد بن علي فقتل، ولولا مكانتك مني لقتلته، فليس ما أتاه بصغير، فقال الرضا: يا أمير المؤمنين، لا تقس أخي زيدًا إلى زيد بن علي؛ فإنه كان من علماء آل محمد، غضب لله عزوجل، فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله»([453]).
وعن أبي هاشم الجعفري قال: «سألت الرضا عن المصلوب؟ فقال: أما علمت أن جدي صلَّى على عمه»([454])، إشارة إلى قول الصادق فيه: «صلى الله عليه ولعن قاتله»([455]).
ونجتزئ بهذه الأمثلة من الروايات الدالة على منزلته /([456]).
ونختم حديثنا عنه بهذا التساؤل الذي لا شك أنه -عزيزي القارئ- قد أخذ منك مأخذًا، وهو: كيف لرجل مثل زيد بن علي / وهو بهذه المنزلة العظيمة أن يدعي الإمامة وهو من أهل البيت، وابن إمام من الأئمة الاثني عشر الذين نصَّ الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم بأسمائهم بزعم القوم؟
وقبل أن نسترسل في هذا التساؤل -بل التساؤلات وهي لا شك كثيرة- نورد هذه الرواية؛ فسنجد فيها جواب كل ذلك؛ بل الجواب لكل ما مرَّ بك في الكتاب وما سيمر.
تقول رواية القوم هذه: قيل لمؤمن الطاق: «ما الذي جرى بينك وبين زيد بن علي في محضر أبي عبدالله؟ قال: قال زيد بن علي: يا محمد بن علي، بلغني أنك تزعم أن في آل محمد إمامًا مفترض الطاعة؟ قال: قلت: نعم، وكان أبوك علي بن الحسين أحدهم، فقال: وكيف وقد كان يؤتى بلقمة وهي حارة فيبردها بيده ثم يلقمنيها، أفترى أنه كان يشفق عليَّ من حرِّ اللقمة ولا يشفق علي من حر النار؟!».
وفي رواية: قال زيد: «ويحك! فما كان يمنعه من أن يقول لي، فوالله لقد كان يؤتى بالطعام الحار فيقعدني على فخذه ويتناول البضعة فيبردها ثم يلقمنيها، أفتراه كان يشفق عليِّ من حرِّ الطعام ولا يشفق عليَّ من حرِّ النار؟!»([457]).
فأمعن النظر في الروايتين ثم استشف منهما متى وضعت عقيدة القول بالنص على الأئمة، حيث إن زيد بن علي / قتل سنة (121) للهجرة، وحسب كتابنا هذا هذه الرواية في الدلالة على بطلان القول بالنص على الاثني عشر.
وتنسجم هذه الرواية مع رواية سعيد السمان قال: «كنت عند أبي عبدالله؛ إذ دخل عليه رجلان من الزيدية، فقالا له: أفيكم إمام مفترض طاعته؟ قال: فقال: لا، فقالا له: وقد أخبرنا عنك الثقات أنك تقول به، وسموا قومًا، وقالوا: هم أصحاب ورع وتشمير، وهم ممن لا يكذب، فغضب أبو عبدالله، وقال: ما أمرتهم بهذا، فلما رأيا الغضب بوجهه خرجا»([458]).
وفي رواية سليمان بن خالد قال: «بينا نحن مع أبي عبد الله في سقيفة، إذ استأذن عليه أناس من أهل الكوفة فأذن لهم، فدخلوا عليه، فقالوا: يا أبا عبد الله، إن أناسًا يأتونا يزعمون أن فيكم أهل البيت إمامًا مفترض الطاعة، فقال: ما أعرف ذلك في أهل بيتي، فقالوا: يا أبا عبد الله، يزعمون أنك أنت هو، قال: ما قلت لهم ذلك، قالوا: يا أبا عبد الله، إنهم أصحاب تشمير، وأصحاب خلوة، وأصحاب ورع، وهم يزعمون أنك أنت هو، قال: هم أعلم وما قالوا. فلما رأوا أنهم قد أغضبوه قاموا فخرجوا»([459]).
وهنا سؤال يطرح نفسه: لماذا يحصل كل هذا التهرب؟ ولِمَ يترك الناس في متاهة في أعظم أمور الدين عندهم؟
والجدير بالذكر هنا أن نورد هذه الرواية، يقول القوم: إن الصادق كان يسير مع أبي جعفر المنصور، فقال له: «يا أبا عبدالله، قد كان ينبغي لك أن تفرح بما أعطانا الله من القوة وفتح لنا من العز، ولا تخبر الناس أنك أحق بهذا الأمر منا وأهل بيتك فتغرينا بك وبهم، قال: ومن رفع إليك هذا عني فقد كذب، فقال: أتحلف على ما تقول؟ قال: إن الناس سحرة -يعني: يحبون أن يفسدوا قلبك علي- فلا تمكنهم من سمعك؛ فإنا إليك أحوج منك إلينا»([460]).
فأين القائلون بالنص؟ ولاشك أن أول ما سيحتج به القوم هو القول بالتقية، ولن نناقش القوم في هذا، ولكن من أولى بالتقية؟
أهو زيد / الذي لا يملك اختيار موته، وليس مأمورًا بما أمر الله عزوجل الصادق به -كما يزعم القوم- أم الصادق؟ والذي نذكرك برواية الصحيفة المختومة المنزلة من السماء إلى الأئمة، وكانت الوصية فيها إليه: «أن حدث الناس وأفتهم، وانشر علوم أهل بيتك وصدق آباءك الصالحين، ولا تخافن إلا الله عزوجل، وأنت في حرز وأمان»([461])، أو ما ذكرناه في مقدمة الباب من أن الأئمة يعلمون متى يموتون، وأنه لا يقع ذلك إلا باختيارهم.
وعلى أي حال، فاليوم هناك الملايين من الشيعة يعتقدون إمامة زيد /.

 
ذم الباقر والصادق لمدعي الإمامة
من أهل البيت
من كل ما مرَّ بك من ادعاء بعض أهل البيت الإمامة؛ اضطر الصادق إلى القول ردًا على من قال له: «ما يزال يخرج رجل منكم أهل البيت فيقتل ويقتل معه بشر كثير، فأطرق طويلًا، ثم قال: إن فيهم الكذابين»([462]).
وكان ينهى أن يخرج أحد مع من يخرج من أهل البيت قبل المهدي([463]).
وقبله كان أبوه يتهكم بالخارجين من أهل البيت، فيقول: «مثل من خرج منا أهل البيت قبل قيام القائم مثل فرخ طار ووقع في كوة فتلاعبت به الصبيان»([464]).
ثم أكَّد ذلك بقولـه -كما في رواية المفضل بن عمر عند القوم- قال: «سألت أبا عبدالله عن قول الله I: ( bÎ)ur ô`ÏiB È@÷dr& É=»tGÅ3ø9$# žwÎ) ¨ûsöÏB÷sã‹s9 ¾ÏmÎ/ Ÿ@ö6s% ¾ÏmÏ?öعزوجلtB )[النساء:159]. فقال: هذه نزلت فينا خاصة، أنه ليس رجل من ولد فاطمة يموت ولا يخرج من الدنيا حتى يقر للإمام وبإمامته كما أقر ولد يعقوب ليوسف حين قالوا: تالله لقد آثرك الله علينا»([465]).

 
اعتقاد بعض الشيعة بإمامة
عبدالله بن جعفر الصادق
عاد بنا الحديث إلى الصادق وأصحابه([466])، ولكن نتحدث هذه المرة عن مسارٍ آخر، وهو: اعتقاد أصحابه في الإمامة في أبنائه.
فعن هشام بن سالم قال: «كنا بالمدينة بعد وفاة أبي عبدالله أنا ومؤمن الطاق وأبو جعفر، والناس مجتمعون على أن عبدالله صاحب الأمر بعد أبيه، فدخلنا عليه أنا وصاحب الطاق والناس مجتمعون عند عبدالله، وذلك أنهم رووا عن عبدالله أن الأمر في الكبير ما لم تكن به عاهة، فدخلنا نسأله عما كنا نسأل أباه، فسألناه عن الزكاة في كم تجب؟ قال: في مائتين خمسة، قلنا: ففي مائة؟ قال: درهمان ونصف، قلنا له: والله ما تقول المرجئة هذا. فرفع يده إلى السماء، فقال: لا والله ما أدري ما تقول المرجئة، قال: فخرجنا من عنده ضُلالًا، لا ندري إلى أين نتوجه، أنا وأبو جعفر الأحول، فقعدنا في بعض أزقة المدينة باكين حيارى لا ندري إلى من نقصد وإلى من نتوجه، نقول: إلى المرجئة، إلى القدرية، إلى الزيدية، إلى المعتزلة، إلى الخوارج، قال: فنحن كذلك إذ رأيت رجلًا شيخًا لا أعرفه يومئ إليَّ بيده، فخفت أن يكون عينًا من عيون أبي جعفر، وذلك أنه كان لـه بالمدينة جواسيس ينظرون على من اتفق شيعة جعفر فيضربون عنقه، فخفت أن يكون منهم، فما زلت أتبعه حتى ورد بي على باب أبي الحسن موسى، ثم خلَّاني ومضى، فإذا خادم بالباب، فقال لي: ادخل رحمك الله، قال: فدخلت، فإذا أبو الحسن، فقال لي ابتداء: لا إلى المرجئة، ولا إلى القدرية، ولا إلى الزيدية، ولا إلى المعتزلة، ولا إلى الخوارج، إليَّ، إليَّ، إليَّ، قال: فقلت له: جعلت فداك، مضى أبوك؟ قال: نعم، قلت: جعلت فداك، من لنا بعده؟ فقال: إن شاء الله أن يهديك هداك، قلت: جعلت فداك، إن عبدالله يزعم أنه من بعد أبيه، قال: يريد عبدالله أن لا يعبد الله، قال: قلت لـه: جعلت فداك، فمن لنا بعده؟
فقال: إن شاء الله أن يهديك هداك أيضًا، قلت: جعلت فداك، أنت هو؟ قال لي: ما أقول ذلك، قلت في نفسي: لم أصب طريق المسألة، قال: قلت: جعلت فداك، عليك إمام؟ قال: لا، فدخلني شيء لا يعلمه إلا الله، إعظامًا له وهيبة، أكثر مما كان يحل بي من أبيه إذا دخلت عليه، قلت: جعلت فداك، أسألك عما يسأل أبوك؟
فقال: سل تخبر ولا تذع، فإن أذعت فهو الذبح، فسألته فإذا هو بَحْر، قال: قلت: جعلت فداك، شيعتك وشيعة أبيك ضُلال، فألقي إليهم وأدعوهم إليك، فقد أخذت علي بالكتمان؟ قال: من آنست منهم رشدًا فألق عليهم، وخذ عليهم بالكتمان، فإن أذاعوا فهو الذبح -وأشار بيده إلى حلقه- ثم ذكر أنه لقي الناس وأخبرهم بذلك ودخلوا عليه وقطعوا عليه إلا طائفة، مثل: عمار وأصحابه، فبقى عبدالله لا يدخل عليه أحد إلا قليلًا من الناس، قال: فلما رأى ذلك وسأل عن حال الناس، قال: فأخبر أن هشام بن سالم صدَّ عنه الناس، فقال هشام: فأقعد لي بالمدينة غير واحد ليضربوني»([467]).
وعبدالله هذا قد ادعى الإمامة بعد أبيه كما سيأتي.

 
الصادق يسأل الله أن يجعل الإمامة في ابنه إسماعيل وذكر اختلاف الشيعة فيه
أما ابنه الآخر وهو إسماعيل فقضيته أطم وبليته أعم، ولعلَّ أغرب ما في قصة إسماعيل هذا، أن أباه الصادق كان يجله ويقدمه أكثر من غيره من إخوته، بل وتذكر لنا روايات القوم أنه استمات دعاء الله عزوجل لأجل أن تكون الإمامة فيه، وهو اضطراب كبير، وتشويش خطير، لا أظن أن أحدًا ممن يدعي النص يستطيع أن يوجهه، ولا بأس من ذكر مثال على ذلك.
يروي القوم أن الصادق قال: «إني ناجيت الله ونازلته في إسماعيل ابني أن يكون من بعدي، فأبى ربي إلا أن يكون موسى ابني»([468]).
وفي رواية قال: «سألته وطلبت وقضيت إليه أن يجعل هذا الأمر إلى إسماعيل، فأبى الله إلا أن يجعله لأبي الحسن موسى»([469]).
وسيأتيك مثال آخر قريبًا، بل يبدو أن الأمر كان له من بعده فعلًا، لولا أنه توفي في عهد أبيه.
يروي القوم عن الصادق قولـه: «ما بدا لله بداء أعظم من بداء بدا له في إسماعيل ابني»([470]).
فهذه النصوص من أعظم الدلائل التي يحتج بها الإسماعيلية، وهم يعدون بالملايين، ومنتشرون في أنحاء العالم، وقد أدت هذه التلبيسات إلى اعتقاد الكثير من أصحاب الصادق الإمامة فيه، وأن أباه قد أوصى إليه، كما ذكر ذلك الوليد بن صبيح، حيث قال: «كان بيني وبين رجل يقال له: عبد الجليل صداقة في قدم، فقال لي: إن أبا عبدالله أوصى إلى إسماعيل في حياته قبل موته بثلاث سنين»([471]).
وعن مسمع كردين قال: «دخلت على أبي عبدالله وعنده إسماعيل، قال: ونحن إذ ذاك نأتم به بعد أبيه...» الرواية([472]).
وعن الفيض بن المختار قال: قلت لأبي عبدالله: «جعلت فداك، ما تقول في الأرض؟ أتقبلها من السلطان ثم أؤجرها من الغير، على أن ما أخرج الله فيها من شيء كان لي من ذلك النصف أو الثلث أو أقل من ذلك أو أكثر، هل يصلح ذلك؟ قال: لا بأس به، فقال إسماعيل ابنه: يا أبتاه، لم تحفظ، قال: أو ليس كذلك أعامل أكرتي يا بني؟ أليس من أجل ذلك كثيرًا ما أقول لك: الزمني فلا تفعل؟ فقام إسماعيل فخرج، فقلت: جعلت فداك، فما على إسماعيل ألاَّ يلزمك إذا كنت متى مضيت أفضت الأشياء إليه من بعدك كما أفضت الأشياء إليك من بعد أبيك؟ فقال: يا فيض، إن إسماعيل ليس مني كما أنا من أبي، قلت: جعلت فداك، فقد كان لا شك في أن الرحال تحط إليه من بعدك، فإن كان ما نخاف -ونسأل الله من ذلك العافية- فإلى من؟ وأمسك عني، فقبلت ركبتيه، وقلت: ارحم شيبتي فإنما هي النار، إني والله لو طمعت أن أموت قبلك ما باليت، ولكني أخاف أن أبقى بعدك، فذكر أبو عبدالله علامات الإمام الذي بعده والفيض يقول: زدني زدني.. إلى أن قال له: إن موسى هو الإمام، فقم فأقر له بحقه، قال: فقمت حتى قبَّلت يده ورأسه، ودعوت الله له، فقال أبو عبدالله: أما إنه لم يؤذن لي في المرة الأولى منك، فقلت: جعلت فداك، أخبر به عنك؟ قال: نعم، أهلك وولدك ورفقاءك، وكان معي أهلي وولدي، وكان معي يونس بن ظبيان من رفقائي، فلما أخبرتهم حمدوا الله على ذلك، وقال يونس: لا والله حتى أسمع ذلك منه -وكانت فيه عجلة- فخرج فاتبعته، فلما انتهيت إلى الباب سمعت أبا عبدالله يقول له -وقد سبقني يونس-: الأمر كما قال لك فيضٌ، اسكت واقبل، فقال: سمعت وأطعت»([473]).
ويبدو أن هذه الاستزادة والبيان لم تقنعه، فما زال يلاحق أبا عبدالله بأسئلته: «خذ بيدي من النار، من لنا بعدك؟ قال: فدخل أبو إبراهيم وهو يومئذٍ غلام، فقال: هذا صاحبك فتمسك به»([474]).
وعن إسحاق بن عمار قال: «وصف إسماعيل أخي لأبي عبدالله دينه واعتقاده، فقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأنكم.. ووصفهم -يعني: الأئمة- واحدًا واحدًا حتى انتهى إلى أبي عبدالله، قال: وإسماعيل من بعدك؟ قال: أما إسماعيل فلا»([475]).
وكما تلاحظ فالروايات مضطربة في شأن منزلة إسماعيل، فمن مُعظمة له كما رأيت، إلى ذامة له كما مرَّ بك بعض منها، وإليك المزيد.
فعن الصادق أنه سئل عنه؟ فقال: «إنه عاص لا يشبهني ولا يشبه أحدًا من آبائي»([476]).
وكان لا يتورع عن التطاول على أبيه، ووصمه بعدم الفهم لأسئلة الناس، كرواية الفيض بن المختار أنه سأل الصادق: «جعلت فداك، نتقبل من هؤلاء الضياع فنقبلها بأكثر مما نتقبلها؟
فقال: لا بأس به، فقال لـه إسماعيل ابنه: لم تفهم يا أبت، فقال أبو عبدالله: أنا لم أفهم، أقول لك: الزمني فلا تفعل، فقام إسماعيل مغضبًا»([477]). وكان يخالف أوامر أبيه في كثير من المسائل([478]).
رغم هذا وبعد أسطر من هذه الروايات تجد القوم يروون عن عمار بن حيان أنه قال: «أخبرني أبو عبدالله ببر ابنه إسماعيل له، وقال: لقد كنت أحبه وقد ازداد إليَّ حبًا»([479]).
وعلى أي حال، لا شأن لنا بكل هذا الاضطراب، فهي سمة روايات القوم، ونعود إلى ما كُنَّا فيه.
فإنه لما توفي إسماعيل في حياة أبيه، وكان الأمر قد استفحل باعتقاد الكثير من أصحابه أن الإمامة فيه -وقد ذكرنا أمثلة قليلة على ذلك- اجتهد في إقناعهم والتأكيد عليهم بموته.
يقول القوم: إن الصادق دعا داود بن كثير الرقي، وحمران بن أعين، وأبا بصير، ودخل المفضل بن عمر وأتى بجماعة، حتى صاروا ثلاثين رجلًا، فقال: «يا داود، اكشف عن وجه إسماعيل، فكشف عن وجهه، فقال: تأمله يا داود فانظره أحي هو أم ميت؟
فقال: بل هو ميت، فجعل يعرضه على رجلٍ رجل حتى أتى على آخرهم، فقال: اللهم فاشهد، ثم أمر بغسله وتجهيزه، ثم قال: يا مفضل، احسر عن وجهه، فحسر عن وجهه، فقال: حي هو أم ميت؟ انظروه أجمعكم.
فقالوا: بل هو يا سيدنا ميت، فقال: شهدتم بذلك وتحققتموه؟
قالوا: نعم، وقد تعجبوا من فعله، فقال: اللهم اشهد عليهم، ثم حمل إلى قبره، فلما وضع في لحده قال: يا مفضل، اكشف عن وجهه، فكشف، فقال للجماعة: انظروا أحي هو أم ميت؟
فقالوا: بل ميت يا ولي الله، فقال: اللهم اشهد»([480]).
ولشدة ما كان من اعتقاد الأصحاب في إمامته وكون هذا الأمر مسلمًا به بينهم، كان الشيعة الذين يخالفونهم في تسلسل الإمامة يعيرونهم بوفاته وتركهم بلا إمام، فهذا هارون بن خارجة قال: قال لي هارون بن سعد العجلي: «قد مات إسماعيل الذي كنتم تمدون إليه أعناقكم، وجعفر شيخ كبير يموت غدًا أو بعد غد، فتبقون بلا إمام، فلم أدرِ ما أقول»([481]).
ولم يقتصر استغلال موته على شياطين الإنس فحسب، بل يبدو أن ذلك قد طال شياطين الجن أيضًا.
فقد زعم القوم أن الصادق قال: «إن شيطانًا قد ولع بابني إسماعيل يتصور في صورته ليفتن به الناس، وإنه لا يتصور في صورة نبي ولا وصي نبي، فمن قال لك من الناس: إن إسماعيل ابني حي لم يمت، فإنما ذلك الشيطان تمثل له في صورة إسماعيل، ما زلت أبتهل إلى الله عزوجل في إسماعيل ابني أن يحييه لي ويكون القيم من بعدي فأبى ربي ذلك»([482]).

 
افتراق الشيعة بعد وفاة الصادق
هذا ما كان من شأن الصادق وأصحابه وأهل بيته واختلافهم والصادق حي لا يزال، وكما عودناكم سابقًا بذكر موقف الشيعة بعد وفاة كل إمام، سوف نذكر هنا موقف الشيعة واختلافهم بعد أبي عبدالله، ولكن قبل ذلك اقرأ معي روايات القوم هذه:
عن أبي أيوب الخوزي قال: «بعث إليَّ أبو جعفر المنصور في جوف الليل، فدخلت عليه وهو جالس على كرسي، وبين يديه شمعة، وفي يده كتاب، فلما سلَّمت عليه رمى الكتاب إليَّ وهو يبكي، وقال: هذا كتاب محمد بن سليمان يخبرنا أن جعفر بن محمد قد مات، فإنا لله وإنا إليه راجعون -ثلاثًا- وأين مثل جعفر؟ ثم قال لي: اكتب، فكتبت صدر الكتاب، ثم قال: اكتب إن كان أوصى إلى رجلٍ بعينه فقدمه واضرب عنقه، قال: فرجع الجواب إليه أنه قد أوصى إلى خمسة: أبي جعفر المنصور، ومحمد بن سليمان، وعبدالله وموسى ابني جعفر، وحميدة، فقال المنصور: ليس إلى قتل هؤلاء سبيل»([483]).
وعن داود بن كثير الرقي قال: «أتى أعرابي إلى أبي حمزة الثمالي فسأله خبرًا؟ فقال: توفي الصادق، فشهق شهقة وأغمي عليه، فلمَّا أفاق قال: هل أوصى إلى أحدٍ؟ قال: نعم، أوصى إلى ابنه عبدالله، وموسى، وأبي جعفر المنصور، فضحك أبو حمزة، وقال: الحمد لله الذي هدانا إلى الهدى، وبيَّن لنا الكبير، ودلنا على الصغير، وأخفى عن أمرٍ عظيم، فسئل عن قولـه فقال: بيَّن عيوب الكبير ودلَّ على الصغير لإضافته إياه، وكتم الوصية للمنصور؛ لأنه لو سأل المنصور عن الوصي لقيل: أنت»([484]).
وفي رواية هشام بن سالم التي مضت والتي قال فيها: كنا بالمدينة بعد وفاة أبي عبدالله أنا ومحمد بن النعمان صاحب الطاق، والناس مجتمعون عند عبدالله بن جعفر أنه صاحب الأمر بعد أبيه، ذكر أنه بعد أن خرجا من عند عبدالله حائرين، فقعدا في بعض أزقة المدينة، قال: «فنحن كذلك إذ رأيت رجلًا شيخًا لا أعرفه يومئ إليَّ بيده، فخفت أن يكون عينًا من عيون أبي جعفر المنصور؛ وذلك أنه كان له بالمدينة جواسيس على من تجتمع بعد جعفر الناس إليه فيؤخذ ويضرب عنقه»([485]).
فاسأل نفسك: لِمَ كل هذا التمويه والتدليس ما دام الإمام معروفًا ومنصوصًا عليه؟ ألم يزعم القوم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد نصَّ على الأئمة من بعده بأسمائهم كما مرَّ بك في المقدمة؟ إذن فما الحاجة إلى هذه الوصية؟ وهل كان المنصور في حاجة إلى أن يعرف إلى من أوصى الصادق من بعده؟ وهل كان حاله إلا أحد أمرين: إما جهله بالنص وهذا يبرئه من مسئولية تولي أمر الأمة دون الإمام المنصوص، أو كان عالمًا ومن ثمَّ لا أعرف للروايات توجيهًا؟!
والغريب قول القوم: إن الحكام هم سبب خفاء النص على الأئمة عن الأمة([486])، بينما نرى أن حاكمنا هذا قد جنَّد الجند وأرسل الجواسيس فقط لمعرفة إلى من أوصى الصادق، وكذا لا أعرف ماذا كان للصادق / من حول أو منصب حتى يوصي به إلى من يكون بعده، وكذا علة بكاء المنصور عليه وحماسه لقتل من أوصى إليه، وكذا شأن الصادق ووصيته، ولا أظن أنني بحاجة إلى الإسهاب في التعليق على كل هذا، فالقارئ الأريب لا شك أنه أدرك المقصود.
رجعنا إلى الكلام عن موقف الشيعة بعد الإمام الصادق، فقد ذكر القوم أنه لما توفي افترقت شيعته بعده عدة فرق:
ففرقة قالت: إن جعفر بن محمد حي لا يموت حتى يظهر ويلي أمر الناس، وإنه المهدي، وزعموا أنهم رووا عنه أنه قال: «إن رأيتم رأسي قد أهوى عليكم من جبل فلا تصدقوه؛ فإني أنا صاحبكم»، وإنه قال لهم: «إن جاءكم من يخبركم عني أنه مرضني وغسلني وكفنني فلا تصدقوه؛ فإني صاحبكم صاحب السيف». وهذه الفرقة تسمى الناووسية.
وفرقة زعمت أن الإمام بعد جعفر بن محمد ابنه إسماعيل بن جعفر، وأنكرت موت إسماعيل في حياة أبيه، وقالوا: كان ذلك على جهة التلبيس من أبيه؛ لأنه خاف فغيَّبه عنهم، وزعموا أن إسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض ويقوم بأمر الناس، وأنه هو القائم؛ لأن أباه أشار إليه بالإمامة بعده، وقلَّدهم ذلك له، وأخبرهم أنه صاحبهم، والإمام لايقول إلا الحق، فلما ظهر موته علمنا أنه صدق، وأنه القائم، وأنه لم يمت، وهذه الفرقة هي الإسماعيلية.
وفرقة زعمت أن الإمام بعد الصادق محمد بن إسماعيل، وقالوا: إن الأمر كان لإسماعيل في حياة أبيه، فلما توفي قبل أبيه جعل الصادق الأمر لمحمد بن إسماعيل، وكان الحق له، ولا يجوز غير ذلك؛ لأنها لا تنتقل من أخٍ إلى أخ بعد الحسن والحسين، ولا تكون إلا في الأعقاب، ولم يكن لأخوي إسماعيل عبدالله وموسى في الإمامة حق، كما لم يكن لمحمد بن الحنفية حق مع علي بن الحسين، وهذه الفرقة تسمى المباركية.
وفرقة قالت: إن الإمام بعد الصادق محمد بن جعفر، وهي السمطية.
وفرقة قالت: إن الإمامة بعد جعفر في ابنه عبدالله بن جعفر الأفطح، وذلك أنه كان عند مضي الصادق أكبر ولده سنًا، وجلس مجلس أبيه، وادعى الإمامة ووصية أبيه، وهذه الفرقة تسمى الفطحية.
وقد مال إلى هذه الفرقة جُلَّ مشايخ الشيعة وفقهائها، ولم يشكوا في كون الإمامة في عبدالله بن جعفر وفي ولده من بعده، فمات عبدالله ولم يخلف ذكرًا، فرجع عامة الفطحية عن القول بإمامته.
وفرقة قالت بإمامة موسى بن جعفر بعد أبيه، وأنكروا إمامة عبدالله وخطئُوه في فعله وجلوسه مجلس أبيه وادعائه الإمامة. وغيرها من الفرق، وقد انبثقت من هذه الفرق فرق أخرى يطول ذكرها([487]).
 

 
موقف موسى الكاظم رحمه الله وأصحابه
وأهل بيته من النص
جاء دور الحديث عن الإمام موسى الكاظم /، الإمام السابع وأصحابه وأهل بيته، وكما ذكرنا عند الحديث عن أبيه ضرورة اعتبار كون النص أكثر انتشارًا، جيلًا بعد جيل وليس العكس، ولا أقل من كون ذلك بين الأصحاب أنفسهم، وذلك إذا علمنا أن موت إمامنا كان في سنة (183) للهجرة، وقد علمت مما مر بك موقف الشيعة بعد وفاة أبيه وافتراقهم، ولكن سنتحدث هنا عمن قال بإمامة الكاظم بعد أبيه، وموقفهم من النص.
عن محمد بن إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: «دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر وقد اشتكى شكاية شديدة، وقلت له: إن كان ما أسأل الله ألا يرينا فإلى من؟ قال: إلى علي ابني، وكتابه كتابي، وهو وصيي وخليفتي من بعدي»([488]).
وعن علي بن يقطين قال: «كنت عند العبد الصالح موسى بن جعفر جالسًا، فدخل عليه ابنه الرضا، فقال: يا علي، هذا سيد ولدي، وقد نحلته كنيتي، فضرب هشام براحته جبهته، ثم قال: ويحك! كيف قلت؟ فقال علي بن يقطين: سمعت والله منه كما قلت لك، فقال هشام: أخبرك والله أن الأمر فيه من بعده»([489]).
وفي رواية: قال: «من لنا بعدك يا سيدي؟ قال: علي هذا خير من أخلف بعدي، هو مني بمنزلتي من أبي»([490]).
وعن غنام بن القاسم قال: قال لي منصور بن يونس بزرج: «دخلت على أبي الحسن
-يعني: موسى بن جعفر- يومًا فقال لي: يا منصور، أما علمت ما أحدثت في يومي هذا؟ قلت: لا، قال: قد صيرت عليًا ابني وصيي والخلف من بعدي، فادخل عليه وهنئه بذلك، وأعلمه أني أمرتك بهذا، قال: فدخلت عليه فهنأته بذلك وأعلمته أن أباه أمرني بذلك، ثم جحد منصور بعد ذلك، فأخذ الأموال التي كانت في يده وكسرها»([491]).
فاسأل نفسك: ألم يذكر القوم -كما مر بك- أن الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم قالا: إن الإمام بعد الكاظم ابنه الرضا؟!
وعلى أي حال، إن كان لابد من تهنئة لأحدٍ فلمنصور بن يونس على ما حصل عليه، وليس هذا منه بمستغرب؛ فإن أحوال الكثير من الشيعة مثل ذلك، وسوف يمر بك المزيد.
وعن داود الرقي قال: قلت لأبي إبراهيم: «إني قد كبرت سني، وخفت أن يحدث بي حدث ولا ألقاك، فأخبرني من الإمام من بعدك؟ فقال: ابني علي».
وفي رواية: «فأشار إلى أبي الحسن الرضا، وقال: هذا صاحبكم من بعدي»([492]).
ولا أدري كم بلغ من الكبر وما زال جاهلًا بأعظم أركان الإسلام؟!
عن سليمان المروزي قال: «دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر وأنا أريد أن أسأله عن الحجة على الناس بعده، فابتدأني وقال: يا سليمان، إن عليًا ابني ووصيي والحجة على الناس بعدي، وهو أفضل ولدي، فإن بقيت بعدي فاشهد لـه بذلك عند شيعتي وأهل بيتي المستخبرين عن خليفتي من بعدي»([493]).
لماذا كل هذه التوصيات والمواثيق؟ هل الكاظم قد أتى بأمر جديد استوجب ذلك؟!
وعن علي بن عبدالله الهاشمي قال: «كنا عند القبر نحو ستين رجلًا منا ومن موالينا، إذ أقبل أبو إبراهيم موسى بن جعفر ويد علي ابنه في يده، فقال: أتدرون من أنا؟ قلنا: أنت سيدنا وكبيرنا، قال: سموني وانسبوني؟ فقلنا: أنت موسى بن جعفر، فقال: من هذا معي؟ قلنا: هو علي بن موسى بن جعفر، قال: فاشهدوا أنه وكيلي في حياتي، ووصيي بعد موتي»([494]).
أقول: الحمد لله أنهم عرفوا ذلك، وهم عند القبر وليس فيه، وإلا ماتوا ميتة جاهلية، وكانت أعمالهم هباءً منثورًا.
وعن عبدالله بن الحارث -وأمه من ولد جعفر بن أبي طالب- قال: «بعث إلينا أبو إبراهيم فجمعنا، ثم قال: أتدرون لم جمعتكم؟ قلنا: لا، قال: اشهدوا أن عليًا ابني هذا وصيي، والقيم بأمري، وخليفتي من بعدي، من كان له عندي دين فليأخذه من ابني هذا، ومن كانت له عندي عدة فليستنجزها منه، ومن لم يكن له بد من لقائي، فلا يلقني إلا بكتابه»([495]).
وعن زيد الهاشمي قال: «الآن تتخذ الشيعة علي بن موسى إمامًا، فقيل: وكيف ذاك؟ قال: دعاه أبو الحسن موسى بن جعفر فأوصى إليه»([496]).
وعن عبد الرحمن بن الحجاج قال: «أوصى أبو الحسن موسى بن جعفر إلى ابنه علي، وكتب له كتابًا أشهد فيه ستين رجلًا من وجوه أهل المدينة»([497]).
وعن حسين بن بشير قال: «أقام لنا أبو الحسن موسى بن جعفر ابنه عليًا كما أقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليًا يوم غدير خم، فقال: يا أهل المدينة، أو قال: يا أهل المسجد، هذا وصيي من بعدي»([498]).
ولا أزيد -عزيزي القارئ- على القول لك سوى أن تقرأ مقدمة هذا الباب مرة أخرى. 
وعن عبدالله بن مرحوم قال: «خرجت من البصرة أريد المدينة، فلما صرت في بعض الطريق لقيت أبا إبراهيم وهو يذهب به إلى البصرة، فأرسل إلي فدخلت عليه، فدفع إليَّ كتبًا وأمرني أن أوصلها إلى المدينة، فقلت: إلى من أدفعها جعلت فداك؟ قال: إلى ابني علي؛ فإنه وصيي، والقيم بأمري، وخير بني»([499]).
وعن الحسن بن علي الخزاز قال: «خرجنا إلى مكة ومعنا علي بن أبي حمزة ومعه مال ومتاع، فقلنا: ما هذا؟ قال: للعبد الصالح أمرني أن أحمله إلى علي ابنه وقد أوصى إليه».
وقال الصدوق: «إن علي بن أبي حمزة أنكر ذلك بعد وفاة موسى بن جعفر، وحبس المال عن الرضا»([500]).
وهنا أذكرك بتهنئتنا لمنصور بن يونس، وابن أبي حمزة هذا يروي لنا أنه قال لأبي الحسن: «إن أباك أخبرنا بالخلف من بعده فلو خبرتنا به، قال: فأخذ بيدي فهزها، ثم قال: * $tBur šc%Ÿ2 ª!$# ¨@ÅÒã‹Ï9 $JBöعزوجلs% y‰÷èt/ øŒÎ) öNßg1y‰yd 4Ó®Lym šúÎiüt7ムOßgs9 $¨B šcعزوجلà)­Gtƒ & [التوبة:115] قال: فخفقت، فقال لي: مه لا تعوّد عينك كثرة النوم؛ فإنها أقل شيء في الجسد شكرًا»([501]).
ولعلك ترى معي أن في خفقته هذه تخطيطًا آخر لحبس المال كما فعل مع الكاظم، أما الطامة الكبرى في الرواية فهي جهل الرضا بالإمام بعده، وقد أورد المجلسي هذه الرواية في بحاره، ثم عقَّبها بقولـه: «لعله بيَّن لـه أن الله سيظهر لكم الإمام بعدي ويبينه ولا يدعكم في ضلالة».
أقول: يبدو أن المجلسي يشارك ابن أبي حمزة كثرة النوم، وإلا أين كل تلك المجلدات من بحاره، والتي ملأها بالنصوص من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم على أن الإمامة بعد الرضا في ابنه الجواد، وكذلك عن الأئمة الذين سبقوه.
وعن سلمة بن محرز قال: قلت لأبي عبدالله: «إن رجلًا من العجلية قال لي: كم عسى أن يبقى لكم هذا الشيخ، إنما هو سنة أو سنتان حتى يهلك ثم تصيرون ليس لكم أحد تنظرون إليه؟ فقال أبو عبدالله: ألا قلت لـه: هذا موسى بن جعفر، قد أدرك ما يدرك الرجال، وقد اشترينا له جارية تباح له»([502]).
والعجلية فرقتان:
الأولى: تقول بإمامة زكريا بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهي المغيرية، أصحاب المغيرة بن سعيد العجلي.
والأخرى: المنصورية أصحاب أبي منصور العجلي، وقد عزا نفسه إلى الباقر، فتبرأ منه وطرده.
أقول: وما أكثر منصورية زماننا هذا ولا باقر لهم!
وعن إسماعيل بن الخطاب قال: «كان أبو الحسن يبتدئ بالثناء على ابنه علي ويطريه ويذكر من فضله وبره ما لا يذكر من غيره، كأنه يريد أن يدل عليه»([503]).
ولا أدري أين تكون »كأنه« هذه من أخبار النص على الاثني عشر.
وعن الحسين بن المختار قال: «خرجت إلينا ألواح من أبي إبراهيم موسى وهو في الحبس، فإذا فيها مكتوب: عهدي إلى أكبر ولدي»([504]).
وعن زياد بن مروان القندي قال: «دخلت على أبي إبراهيم وعنده علي ابنه، فقال لي: يا زياد، هذا كتابه كتابي، وكلامه كلامي، ورسوله رسولي، وما قال فالقول قولـه»([505]).
قال الصدوق: «إن زياد بن مروان روى هذا الحديث ثم أنكره بعد مضي موسى، وقال بالوقف، وحبس ما كان عنده من مال موسى بن جعفر».
وأود هنا أن أنقل ما أورده الكشي في زيادٍ هذا:
يقول: «عن يونس بن عبدالرحمن، قال: مات أبو الحسن وليس عنده من قوامه أحد إلا وعنده المال الكثير، وكان سبب وقفهم وجحدهم موته، وكان عند زياد القندي سبعون ألف دينار، وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار، قال: رأيت ذلك وتبين لي الحق وعرفت مِنْ أمر أبي الحسن ما علمت، فكلمت ودعوت الناس إليه، قال: فبعثا إليَّ، وقالا: لا تدع إلى هذا، إن كنت تريد المال فنحن نغنيك، وضمنا لي عشرة آلاف دينار، وقالا لي: كُفَّ»([506]).
ولا أزيد على القول: إن هذه الظاهرة ما زالت موجودة في منصورية هذا الزمان.
وعن محمد بن سنان، عن أبي الحسن قال: «من ظلم ابني هذا حقه وجحد إمامته من بعدي كان كمن ظلم علي بن أبي طالب حقه وجحد إمامته من بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فعلمت أنه قد نعى إلي نفسه ودل على ابنه، فقلت: والله لئن مدَّ الله في عمري لأسلمن إليه حقه، فلأقرن له بالإمامة، وأشهد أنه من بعدك حجة الله على خلقه والداعي إلى دينه، فقال لي: يا محمد، يمد الله في عمرك وتدعو إلى إمامته وإمامة من يقوم مقامه من بعده، قلت: من ذاك جعلت فداك؟ قال: محمد ابنه، قال: قلت: فالرضا والتسليم، قال: نعم، كذلك وجدتك في كتاب أمير المؤمنين، أما إنك من شيعتنا في أبين من البرق في الليلة الظلماء»([507]).
وعن داود بن زربي قال: «كان لأبي الحسن موسى بن جعفر عندي مال، فأخذ بعضه وترك عندي بعضه، وقال: من جاءك بعدي يطلب ما بقي عندك فإنه صاحبك، فلما مضى أرسل إليَّ علي ابنه: ابعث إليَّ بالذي عندك وهو كذا وكذا، فبعثت إليه ما كان له عندي»([508]).
أقول: لا أدري كم سنة انتظر صاحبنا حتى عرف صاحبه.
وعن محمد بن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي الحسن الأول: «ألا تدلني على من آخذ منه ديني؟ فقال: هذا ابني علي»([509]).
وعن العباس بن النجاشي الأسدي قال: «قلت للرضا: أنت صاحب هذا الأمر؟ قال: إي والله، على الإنس والجن»([510]).
وعن داود بن سليمان قال: قلت لأبي إبراهيم: «إني أخاف أن يحدث حدث ولا ألقاك، فأخبرني عن الإمام بعدك؟ فقال: ابني أبو الحسن»([511]).
وعن نصر بن قابوس قال: قلت لأبي إبراهيم: «إني سألت أباك: من الذي يكون بعدك؟ فأخبرني أنك أنت هو، فلما توفي أبو عبدالله ذهب الناس يمينًا وشمالًا، وقلت بك أنا وأصحابي، فأخبرني من الذي يكون من بعدك من ولدك؟ قال: ابني علي»([512]).
أقول: يبدو أن جهل صاحبنا هذا جهل مستمر.
وعن الحسن بن الحسن في حديثٍ له قال: قلت لأبي الحسن موسى: «أسألك؟ فقال: سل إمامك، فقلت: من تعني؛ فإني لا أعرف إمامًا غيرك؟ قال: هو علي ابني قد نحلته كنيتي، قلت: سيدي، أنقذني من النار؛ فإن أبا عبدالله قال: إنك القائم بهذا الأمر، قال: أولم أكن قائمًا؟ ثم قال: يا حسن، ما من إمام يكون قائمًا في أمة إلا وهو قائمهم، فإذا مضى عنهم فالذي يليه هو القائم والحجة حتى يغيب عنهم، فكلنا قائم، فاصرف جميع ما كنت تعاملني به إلى ابني علي، والله ما أنا فعلت ذاك به، بل الله فعل به ذاك حبًا »([513]).
أقول: قد أدت أقوال الصادق هذه إلى اضطراب كبير عند القوم بعد رحيله، كما ستقف عليه.
ولم يقتصر الجهل وغياب النص على الأفراد فحسب، بل طال ذلك المدن والأمصار بمن فيها، فعن محمد بن الفضل الهاشمي قال: «لما توفي موسى بن جعفر أتيت المدينة، فدخلت على الرضا، فسلمت عليه بالأمر، وأوصلت إليه ما كان معي، وقلت: إني سائر إلى البصرة وعرفت كثرة خلاف الناس -وقد نعي إليهم موسى- وما أشك أنهم سيسألونني عن براهين الإمام...» والرواية طويلة جدًا أخذنا منها موضع الحاجة([514]).
حتى من ظن أنهم سبب إخفاء النص على الأئمة -كما يزعم القوم- لم يسلموا من العلة نفسها، فعن موسى بن مهران قال: سمعت جعفر بن يحيى يقول: سمعت عيسى بن جعفر يقول لهارون حين توجه من الرقة إلى مكة: «اذكر يمينك التي حلفت بها في آل أبي طالب، فإنك حلفت: إن ادعى أحد بعد موسى الإمامة ضربت عنقه صبرًا، وهذا علي ابنه يدعي هذا الأمر، ويقال فيه ما يقال في أبيه، فنظر إليه مغضبًا، فقال: وما ترى؟ تريد أن أقتلهم كلهم؟»([515]).
وعن صفوان بن يحيى قال: «لما مضى أبو الحسن موسى بن جعفر وتكلم الرضا خفنا عليه من ذلك، فقلت له: إنك قد أظهرت أمرًا عظيمًا وإنما نخاف عليك هذا الطاغي، فقال: ليجهد جهده؛ فلا سبيل له علي»([516]).
وعن محمد بن سنان قال: قلت لأبي الحسن الرضا في أيام هارون: «إنك قد شهرت نفسك بهذا الأمر وجلست مجلس أبيك وسيف هارون يقطر الدم؟
قال: جوابي على هذا ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن أخذ أبو جهل من رأسي شعرة فاشهدوا أني لست بنبي، وأنا أقول لكم: إن أخذ هارون من رأسي شعرة فاشهدوا أنني لست بإمام»([517]).
وعن أبي مسروق قال: «دخل على الرضا جماعة من الواقفة، فيهم: علي بن أبي حمزة البطائني، ومحمد بن إسحاق بن عمار، والحسين بن عمران، والحسين بن أبي سعيد المكاري، فقال له علي بن أبي حمزة: جعلت فداك، أخبرنا عن أبيك ما حاله؟
فقال: قد مضى، فقال له: فإلى من عهد؟ فقال: إليَّ، فقال له: إنك تقول قولًا ما قاله أحد من آبائك؛ علي بن أبي طالب فمن دونه، قال: لكن قد قاله خير آبائي وأفضلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له: أما تخاف هؤلاء على نفسك؟
فقال: لو خفت عليها كنت عليها معينًا، إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاه أبو لهب فتهدده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن خُدشت من قبلك خدشة فأنا كذاب، فكانت أول آية نزع بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي أول آية أنزع بها لكم، إن خُدشت خدشًا من قبل هارون فأنا كذاب، فقال له الحسين بن مهران: قد أتانا ما نطلب إن أظهرت هذا القول، قال: فتريد ماذا؟ أتريد أن أذهب إلى هارون فأقول له: إني إمام وأنت لست في شيء؟ ليس هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أول أمره، إنما قال ذلك لأهله ومواليه ومن يثق به، فقد خصهم به دون الناس، وأنتم تعتقدون الإمامة لمن كان قبلي من آبائي، وتقولون: إنه إنما يمنع علي بن موسى أن يخبر أن أباه حي تقية، فإني لا أتقيكم في أن أقول: إني إمام، فكيف أتقيكم في أن أدعي أنه حي لو كان حيًا؟!»([518]).
فاسأل نفسك: لِمَ كل هذه التهديدات والوعيد والحذر والانتظار من الجميع ما دامت الإمامة في الرضا بعد أبيه الكاظم بنص من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم كما يزعم القوم، ثم تدبر في أقوال الرضا، وانظر أين موقع التقية التي يصر القوم على نسبتها إلى الأئمة، أما بقية الشبهات فلم تعد خافية عليك، فقد مر بك بعضها، ويحضرني هنا رواية عن أحد الذين دخلوا عليه، وهو أبو سعيد المكاري، حيث قال للرضا: «أبلغ الله من قدرك أن تدَّعي ما ادَّعى أبوك؟ فقال: ما لك أطفأ الله نورك وأدخل الفقر بيتك؟!»([519]).
وكشأن بقية الأئمة الذين تكلمنا عنهم لم يقتصر غياب النص على الأصحاب فحسب، بل طال أهل البيت، فعن علي بن الحكم، عن حيدر بن أيوب، عن محمد بن زيد بن علي، أنه قال: «دعانا أبو إبراهيم اليوم سبعة عشر رجلًا من ولد علي وفاطمة، فأشهدنا لعلي ابنه بالوصية والوكالة في حياته وبعد موته، وأن أمره جائز عليه وله، ثم قال: والله يا حيدر، لقد عقد له الإمامة اليوم، ولتقولن الشيعة به من بعده، قال حيدر: بل يبقيه الله وأي شيء هذا؟
فقال: يا حيدر، إذا أوصى إليه فقد عقد له الإمامة، قال علي بن الحكم: مات حيدر وهو شاك»([520]).
وها هي أم أحمد زوجة الكاظم لما توجه من المدينة إلى بغداد أودعها ودائع الإمامة، وقال لها: «كل من جاءك وطلب منك هذه الأمانة في أي وقت من الأوقات فاعلمي بأني قد استشهدت، وأنه هو الخليفة من بعدي والإمام المفترض طاعته عليك وعلى سائر الناس»([521]).
وعن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، قال: «إذا فقد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم لا يزيلكم أحد عنها، فقلت: يا سيدي، من الخامس من ولد السابع؟ قال: يا بني، عقولكم تصغر عن هذا، وأحلامكم تضيق عن حمله، ولكن إن تعيشوا فسوف تدركونه»([522]).
وعنه أيضًا قال: «كنت عند أخي موسى بن جعفر، إذ طلع ابنه علي، فقال لي: يا علي، هذا صاحبك، وهو مني بمنزلتي من أبي، فثبتك الله على دينه»([523]).
وعن يزيد بن سليط قال: «دعانا أبو الحسن وأشهدنا -ونحن ثلاثون رجلًا من بني هاشم- أن عليًا ابنه ووصيه وخليفته من بعده»([524]).
وعن ظريف بن ناصح قال: «كنت مع الحسين بن زيد ومعه ابنه علي، إذ مرَّ بنا أبو الحسن موسى بن جعفر، فسلَّم عليه ثم جاز، فقلت: جعلت فداك، يعرف موسى قائم آل محمد؟ قال: فقال لي: إن يكن أحد يعرفه فهو، ثم قال: وكيف لا يعرفه وعنده خط علي بن أبي طالب وإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! فقال علي ابنه: يا أبه، كيف لم يكن ذاك عند أبي زيد بن علي؟ فقال: يا بني، إن علي بن الحسين ومحمد بن علي سيدا الناس وإمامهم، فلزم يا بني أبوك زيد أخاه، فتأدب بأدبه وتفقه بفقهه، قال: فقلت: فإنه يا أبه إن حدث بموسى حدث يوصي إلى أحد من إخوته؟ قال: لا والله ما يوصي إلا إلى ابنه، أما ترى -أي بني- هؤلاء الخلفاء لا يجعلون الخلافة إلا في أولادهم»([525]).

 
خلاف أهل البيت مع الكاظم
وذكر من ادعى الإمامة من أهل بيته
لا شك -أيها القارئ- أنك تنتظر ذكر من نازعه وخرج عليه من أهل البيت كما عودناك، فإليك أمثلة على ذلك:
عن محمد بن الحسن العلوي قال: «كان السبب في أخذ موسى بن جعفر أن الرشيد جعل ابنه في حجر جعفر بن محمد بن الأشعث، فحسده يحيى بن خالد البرمكي، وقال: إن أفضت الخلافة إليه زالت دولتي ودولة ولدي، فاحتال على جعفر بن محمد -وكان يقول بالإمامة- حتى داخله وآنس إليه وكثر غشيانه في منزلـه، فيقف على أمره فيرفعه إلى الرشيد ويزيد عليه بما يقدح في قلبه، ثم قال يومًا لبعض ثقاته: أتعرفون لي رجلًا من آل أبي طالب ليس بواسع الحال يعرّفني ما أحتاج إليه؟ فدل على علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد، فحمل إليه يحيى بن خالد مالًا، وكان موسى يأنس إليه ويصله، وربما أفضى إليه بأسراره كلها، فكتب ليشخص به، فأحس موسى بذلك، فدعاه فقال: إلى أين يا ابن أخي؟ قال: إلى بغداد، قال: وما تصنع؟ قال: عليّ دين وأنا مملق، قال: فأنا أقضي دينك، وأفعل بك وأصنع، فلم يلتفت إلى ذلك، فقال له: انظر يا ابن أخي لا تؤتم أولادي، وأمر له بثلاثمائة دينار وأربعة آلاف درهم، فلما قام من بين يديه قال أبو الحسن موسى لمن حضره: والله ليسعين في دمي ويؤتمن أولادي»([526]).
وكذا شأن أخيه محمد، فعن علي بن جعفر بن محمد قال: «جاءني محمد بن إسماعيل بن جعفر يسألني أن أسأل أبا الحسن موسى أن يأذن له في الخروج إلى العراق وأن يرضى عنه ويوصيه.. إلى أن قال: فقال محمد بن إسماعيل: يا عم، أحب أن توصيني؟ فقال: أوصيك أن تتقي الله في دمي، فقال: لعن الله من يسعى في دمك، ثم قال: يا عم، أوصني؟ فقال: أوصيك أن تتقي الله في دمي، ثم ذكر خروج محمد بن إسماعيل إلى العراق وملاقاته لهارون الرشيد، وقولـه له: يا أمير المؤمنين، خليفتان في الأرض: موسى بن جعفر بالمدينة يجبى له بالخراج، وأنت في العراق يجبى لك الخراج، فقال: والله؟ فقال: والله»([527]).
أما من خرج في أيامه ودعا الناس إلى بيعته من أهل البيت فإليك بيانه: 
عن عبدالله بن المفضل مولى عبدالله بن جعفر بن أبي طالب قال: «لما خرج الحسين بن علي المقتول بفخ([528]) واحتوى على المدينة دعا موسى بن جعفر إلى البيعة، فأتاه فقال له: يا ابن عم، لا تكلفني ما كلف ابن عمك عمك أبا عبدالله فيخرج مني ما لا أريد كما خرج من أبي عبدالله ما لم يكن يريد، فقال له الحسين: إنما عرضت عليك أمرًا، فإن أردته دخلت فيه، وإن كرهته لم أحملك عليه، والله المستعان، ثم ودعه»([529]).
وللحسين بن علي صاحب الفخ هذا / منزلة عظيمة، حيث أورد فيه القوم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه مرَّ بفخ فنزل فصلَّى ركعة، فلما صلَّى الثانية بكى وهو في الصلاة، فلما رأى الناس النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبكي بكوا، فلما انصرف قال: «نزل عليّ جبرئيل لما صليت الركعة الأولى، فقال لي: يا محمد، إن رجلًا من ولدك يقتل في هذا المكان، وأجر الشهيد معه أجر شهيدين»([530]).
كما رووا عن الصادق أنه قال لنضر بن قرواش وهو في طريقه إلى المدينة: «يا نضر، إذا انتهيت إلى فخ فأعلمني. فلما وصل وأبلغه بذلك قال: ناولني الإداوة والركوة، فتوضأ وصلى ثم ركب، فقلت له: جعلت فداك، رأيتك قد صنعت شيئًا، أفهو من مناسك الحج؟ قال: لا، ولكن يقتل ههنا رجل من أهل بيتي في عصابة تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنة»([531]).
وذكروا أن الكاظم جاء إلى الحسين صاحب الفخ فانكب عليه شبه الركوع، وقال: «أحب أن تجعلني في سعة وحل مِنْ تخلفي عنك، فأطرق الحسين طويلًا لا يجيبه، ثم رفع رأسه إليه، فقال: أنت في سعة»([532]).
ولعل في إطراقه الطويل هذا تساؤلًا عن سر رفضه الأول ثم ندمه، وهو إمام معصوم لا يصدر عنه فعلان متضادان، ولما عرضت عليه رأسه / قال: «إنا لله وإنا إليه راجعون! مضى والله مسلمًا صالحًا صوامًا آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله»([533]).
وقال فيه الجواد: «لم يكن لنا بعد اللطف مصرع أعظم من فخ»([534]).
ومنهم: أخوه عبدالله المعروف بالأفطح، وقد ذكرنا نبذة عنه عند كلامنا عن موقف الشيعة بعد الإمام الصادق، ونزيد هنا رواية المفضل بن عمر، قال: «لما مضى الصادق كانت وصيته في الإمامة لموسى، فادعى أخوه عبدالله الإمامة، وكان أكبر ولد جعفر في ذلك الوقت، فأمر موسى بجمع حطب كثير في وسط داره، فأرسل إلى عبدالله يسأله المصير إليه، فلما صار عنده مع جماعة من وجوه الإمامية، فلما جلس إليه أخوه عبدالله أمر موسى أن تضرم النار في ذلك الحطب فأضرمت، ولا يعلم الناس ما سبب ذلك حتى صار كله جمرًا، ثم قام موسى وجلس بثيابه في وسط النار وأقبل يحدث الناس ساعة، ثم قام فنفض ثيابه ورجع إلى المجلس، فقال لأخيه عبدالله: إن كنت تزعم أنك الإمام بعد أبيك فاجلس في ذلك المجلس؟ قالوا: فرأينا عبدالله تغير لونه، ثم قام يجر رداءه حتى خرج من دار موسى»([535]).

 
افتراق الشيعة بعد وفاة الكاظم
رجع بنا الحديث إلى موقف الشيعة بعد وفاة الكاظم، فقد ذكر القوم أن الشيعة افترقت بعد وفاته إلى عدة فرق:
فرقة منهم: قالوا بوفاته في حبس السندي بن شاهك، وأن يحيى بن خالد البرمكي سمَّهُ في رطب وعنب بعثهما إليه، وأن الإمام بعده هو علي الرضا. وهذه الفرقة سميت بالقطعية؛ لأنها قطعت على وفاته وعلى إمامة الرضا.
وفرقة قالت: إن الكاظم لم يمت وإنه حي ولا يموت حتى يملك شرق الأرض وغربها، ويملأها كلها عدلًا كما ملئت جورًا، وإنه القائم المهدي، وزعموا أنه خرج من الحبس ولم يره أحد نهارًا ولم يعلموا به، وأن السلطان وأصحابه ادعوا موته وموهوا على الناس وكذبوا، وأنه غاب عن الناس واختفى، ورووا في ذلك روايات عن أبيه الصادق أنه قال: «هو القائم المهدي، فإن هدهد رأسه عليكم من جبل فلا تصدقوا؛ فإنه القائم».
وقال بعضهم: إنه القائم، وقد مات، ولا تكون الإمامة لغيره حتى يرجع، وزعموا أنه قد رجع بعد موته، إلا أنه مختفٍ في موضع من المواضع، حيٌ يأمر وينهى، وأن أصحابه يلقونه ويرونه، واعتلوا في ذلك بروايات عن أبيه أنه قال: «سمي القائم قائمًا؛ لأنه يقوم بعدما يموت».
وقال بعضهم: إنه قد مات، وإنه القائم، وإن فيه شبهًا من نبي الله عيسى ابن مريم ×، وإنه لم يرجع ولكنه يرجع في وقت قيامه فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، وإن الله قال: إن فيه شبهًا من عيسى ابن مريم، وإنه يقتل على يدي ولد العباس، فقد قتل، وأنكر بعضهم قتله، وقالوا: مات ورفعه الله إليه، وإنه يرده عند قيامه، فسموا هؤلاء جميعًا الواقفة؛ لوقوفهم على موسى بن جعفر أنه القائم، ولم يَأتَمُّوا بعده بإمام، ولم يتجاوزوه إلى غيره، وقد قال بعضهم ممن ذكر أنه حي: إن الرضا ومن قام بعده ليسوا بأئمة ولكنهم خلفاء، واحدًا بعد واحد إلى أوان خروجه.
وفرقة قالت: لا ندري أهو حي أم ميت؛ لأنا قد روينا أخبارًا كثيرة تدل على أنه القائم المهديَ، فلا يجوز تكذيبها، وقد ورد علينا من خبر وفاة أبيه وجده والماضين من آبائه في معنى صحة الخبر، فهذا أيضًا مما لا يجوز رده وإنكاره لوضوحه وشهرته وتواتره من حيث لا يكذب مثله ولا يجوز التواطؤ عليه، والموت حق، والله عزوجل يفعل ما يشاء، فوقفنا عند ذلك على إطلاق موته وعلى الإقرار بحياته، وقالوا: ونحن مقيمون على إمامته لا نتجاوزها حتى يصح لنا أمره، وأمر هذا الذي نصب نفسه مكانه، وادعى الإمامة -يعنون علي بن موسى الرضا- فإن صحت لنا إمامته كإمامة أبيه من قبله بالدلالات والعلامات الموجبة للإمامة بالإقرار منه على نفسه بإمامته وموت أبيه لا بأخبار أصحابه سلمنا له ذلك وصدقناه.
وفرقة قالت: إن موسى بن جعفر لم يمت ولم يحبس، وإنه حي غائب، وإنه المهدي، وإنه في وقت غيبته استخلف على الأمر محمد بن بشير وجعله وصيه وأعطاه خاتمه وعلمه جميع ما تحتاج إليه رعيته، ولما توفي أوصى إلى ابنه سميع بن محمد بن بشير، ومن أوصى إليه سميع فهو الإمام المفترض الطاعة، وهكذا.. إلى وقت خروج الكاظم([536]).
وفرقة قالت بإمامة أحمد بن موسى الكاظم، وأن الكاظم أوصى إليه وإلى الرضا وأجازوها في أخوين، وجعله أبوه الوصي بعد علي بن موسى([537]).
وكذا إبراهيم بن الكاظم الذي خرج باليمن ودعا الناس إلى بيعة محمد بن إبراهيم طباطبا، ثم دعا الناس إلى بيعة نفسه([538]).
وإبراهيم هذا من الذين أنكروا موت أبيه، حيث يروي القوم عن بكر بن صالح قال: قلت لإبراهيم بن أبي الحسن موسى بن جعفر: «ما قولك في أبيك؟ قال: هو حي، قلت: فما قولك في أخيك أبي الحسن؟ قال: ثقة صدوق، قلت: فإنه يقول: إن أباك قد مضى؟ قال: هو أعلم وما يقول، فأعدت عليه فأعاد علي، قلت: فأوصى أبوك؟ قال: نعم، قلت: إلى من أوصى؟ قال: إلى خمسة منا، وجعل عليًا علينا»([539]).
أما هذه الوصية التي أشار إليها فقد رواها القوم عن يزيد بن سليط الزيدي، أنه قال: لقيت موسى بن جعفر، فقلت: «أخبرني عن الإمام بعدك بمثل ما أخبر به أبوك، قال: فقال: كان أبي في زمن ليس هذا مثله.
قال يزيد: فقلت: من يرضى منك بهذا فعليه لعنة الله، قال: فضحك، ثم قال: أخبرك يا أبا عمارة أني خرجت من منزلي فأوصيت في الظاهر إلى ابني، وأشركتهم مع علي ابني، وأفردته بوصيتي في الباطن، ولو كان الأمر إليّ لجعلته في القاسم ابني لحبي إياه ورأفتي عليه، ولكن ذلك إلى الله عزوجل يجعله حيث يشاء، وقد جاءني بخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجدي علي حيث قال لي: الأمر قد خرج منك إلى غيرك، فقلت: يا رسول الله، أرنيه أيهم هو؟ فقال رسول الله: ما رأيت من الأئمة أحدًا أجزع على فراق هذا الأمر منك، ولو كانت الإمامة بالمحبة لكان إسماعيل أحب إلى أبيك منك، ولكن من الله»([540]).
فأين القول بالنص مع كل هذا التمويه؟ ولعل أمثال هذه الوصايا هي التي جرأت أبناء الأئمة للخروج وادعاء الإمامة كما مرَّ بك، وكما هو شأن صاحبينا إبراهيم وأخيه زيد ابني موسى الذي خرج بالبصرة ودعا إلى نفسه، وحرق دورًا وعبث، ثم ظُفِرَ به وحُمِلَ إلى المأمون، وقد ذكرنا نبذة من ذلك عند كلامنا عن زيد بن علي.
 

 
وقوف كثير من الشيعة على الكاظم
واعتقادهم بأنه المهدي
كان لشأن هذه التلبيسات أن وقف فريق كبير من الشيعة على الكاظم -كما مرَّ بك آنفًا- وهم الواقفة، وهؤلاء قد أتعبوا من جاء بعده، وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
عن علي بن خطاب -وكان واقفيًا- قال: «كنت في الموقف يوم عرفة، فجاء أبو الحسن الرضا ومعه بعض بني عمه، فوقف أمامي، وكنت محمومًا شديد الحمى، وقد أصابني عطش شديد، قال: فقال الرضا لغلام له شيئًا لم أعرفه، فنزل الغلام فجاء بماء في مشربة، فناوله فشرب وصب الفضلة على رأسه من الحر، ثم قال: املأ، فملأ الشربة، ثم قال: اذهب فاسق ذلك الشيخ، قال: فجاءني بالماء، فقال لي: أنت موعوك؟ قلت: نعم، قال: اشرب، قال: فشربت، قال: فذهب والله الحمى، فقال لي يزيد بن إسحاق: ويحك يا علي، فما تريد بعد هذا؟! ما تنتظر؟! قال: يا أخي دعنا، قال له يزيد: فحدثت بحديث إبراهيم بن شعيب وكان واقفيًا مثله، قال: كنت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى جنبي إنسان ضخم آدم، فقلت له: ممن الرجل؟ فقال لي: مولى لبني هاشم، قلت: فمن أعلم بني هاشم؟ قال: الرضا، قلت: فما باله لا يجيء عنه كما جاء عن آبائه، قال: فقال لي: ما أدري ما تقول، ونهض وتركني، قال الحسن -راوي الحديث عن ابن خطاب-: فأجدهما ماتا على شكهما»([541]).
وعن ابن أبي نجران وصفوان قالا: حدثنا الحسين بن قياما وكان من رؤساء الواقفة، فسألنا أن نستأذن له على الرضا ففعلنا، فلما صار بين يديه، قال له: «أنت إمام؟ قال: نعم، قال: فإني أشهد الله أنك لست بإمام، وكان الحسين بن قيامًا هذا واقفًا في الطواف، فنظر إليه أبو الحسن الأول، فقال له: ما لك حيرك الله تعالى؟ فوقف عليه بعد الدعوة»([542]).
وفي رواية: قال: «دخلت على علي بن موسى الرضا، فقلت له: يكون إمامان؟ قال: لا إلا وأحدهما صامت، فقلت له:هو ذا أنت ليس لك صامت، ولم يكن ولد له أبو جعفر بعد، فقال: والله ليجعلن الله مني ما يثبت به الحق وأهله ويمحق به الباطل وأهله، فولد له بعد سنة أبو جعفر، فقيل لابن قياما: ألا تقنعك هذه الآية؟ فقال: أما والله إنها آية عظيمة، ولكن كيف أصنع بما قال أبو عبدالله في ابنه؟»([543]).
وفي رواية: أنه كتب إلى الرضا كتابًا يقول فيه: «كيف تكون إمامًا وليس لك ولد؟ فأجابه أبو الحسن شبه المغضب: وما علمك أنه لا يكون لي ولد؟ والله لا تمضي الأيام والليالي حتى يرزقني ولدًا ذكرًا»([544]).
وعن عبدالله بن المغيرة قال: «كنت واقفيًا وحججت على ذلك، فلما صرت بمكة اختلج في صدري شيء، فتعلقت بالملتزم، ثم قلت: اللهم قد علمت طلبتي وإرادتي فأرشدني إلى خير الأديان، فوقع في نفسي أن آتي الرضا، فأتيت المدينة، فوقفت ببابه، فقلت للغلام: قل لمولاك: رجل من أهل العراق بالباب، فسمعت نداءه وهو يقول: ادخل يا عبدالله بن المغيرة، فدخلت، فلما نظر إليَّ قال: قد أجاب الله دعوتك وهداك لدينه، فقلت: أشهد أنك حجة الله وأمين الله على خلقه»([545]).
والغريب أن ابن المغيرة هذا له منزلة عظيمة عند القوم، وكل من ترجم له قال فيه: شيخ جليل ثقة، من أصحاب الكاظم، لا يعدل به أحد في جلالته ودينه وورعه، صنَّف ثلاثين كتابًا، وهو ممن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه([546]).
أقول: لا أدري لم وقف على الكاظم وهو من هو في الورع والدين وجلالة القدر، دون أن يقف على كفر من أنكر واحدًا من الأئمة الاثني عشر بزعم القوم!
وعلى أي حال، فإن كلتا الوقفتين عجيبة!
وعن الحسن بن علي الوشاء قال: «كنت كتبت معي مسائل كثيرة قبل أن أقطع على أبي الحسن، وجمعتها في كتاب مما روي عن آبائه وغير ذلك، وأحببت أن أتثبت في أمره وأختبره، فحملت الكتاب في كمي وصرت إلى منزله، وأردت أن آخذ منه خلوة فأناوله الكتاب، فجلست ناحية وأنا متفكر في طلب الإذن عليه وبالباب جماعة جلوس يتحدثون، فبينا أنا كذلك في الفكرة والاحتيال في الدخول عليه إذا أنا بغلام قد خرج من الدار في يده كتاب، فنادى: أيكم الحسن بن علي الوشاء ابن بنت إلياس البغدادي؟
فقمت إليه، فقلت: أنا الحسن بن علي الوشاء، فما حاجتك؟ قال: هذا الكتاب أمرت بدفعه إليك فهاك خذه، فأخذته وتنحيت ناحية فقرأته، فإذا والله فيه جواب مسألة مسألة، فعند ذلك قطعت عليه وتركت الوقف»([547]).
وعن أحمد بن محمد بن أبي نصر وهو من آل مهران، وكانوا يقولون بالوقف، وكان على رأيهم، فكاتب أبا الحسن الرضا وتعنت في المسائل، فقال: «كتبت إليه كتابًا وأضمرت في نفسي أني متى دخلت عليه أسأله عن ثلاث مسائل من القرآن، فأجابني عن كتابي وكتب في آخره الآيات التي أضمرتها في نفسي أن أسأله عنها ولم أذكرها في كتابي إليه، فلما وصل الجواب نسيت ما كنت أضمرته، فقلت: أي شيء هذا من جوابي؟ ثم ذكرت أنه ما أضمرته»([548]).
وعن الحسين بن عمر بن يزيد قال: «دخلت على الرضا وأنا يومئذٍ واقف، وقد كان أبي سأل أباه عن سبع مسائل فأجابه عن ست وأمسك عن السابعة، فقلت: والله لأسألنه عما سأل أبي أباه، فإن أجاب بمثل جواب أبيه فكانت دلالة، فسألته فأجاب بمثل جواب أبيه»([549]).
وعن يزيد بن إسحاق وكان من أدفع الناس لهذا الأمر، قال: «خاصمني مرة أخي محمد وكان مستويًا، قال: فقلت له لما طال الكلام بيني وبينه: إن كان صاحبك بالمنزلة التي تقول فاسأله أن يدعو الله حتى أرجع إلى قولكم، قال: قال لي محمد: فدخلت على الرضا، فقلت له: جعلت فداك، إن لي أخًا وهو أسن مني، وهو يقول بحياة أبيك، وأنا كثيرًا ما أناظره، فقال لي يومًا من الأيام: سَلْ صاحبك إن كان بالمنزلة التي ذكرت أن يدعو الله لي حتى أصير إلى قولكم، فأنا أحب أن تدعو الله له، فدعا له فقال بالحق»([550]).

 
أسباب وقوف هؤلاء على الكاظم رحمه الله
على أي حال، لسنا بصدد حصر كل أمثال هذه الروايات، ونكتفي بهذا القدر الضئيل، ولكن لنتساءل عن العلة التي من أجلها وقف هؤلاء والتبس الأمر عليهم، حتى قال من قال منهم كابن قياما الواسطي: «ولكن كيف أصنع بما قال أبو عبدالله في ابنه؟» كما مرَّ بك قولـه آنفًا، بل وقول الكاظم: «أما إنهم يفتنون بعد موتي، فيقولون: هو القائم، وما القائم إلا بعدي بسنين»([551]).
ترى ماذا قال الصادق رحمه الله -أو بالأحرى ماذا نسب إليه- حتى وقف هؤلاء على ابنه، وقالوا بأنه المهدي؟
اقرأ معي هذه الروايات لتقف على حقيقة هذا الأمر: 
عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبدالله يقول: «لا ينسجني والقائم أب».
وعن يزيد الصايغ قال: «لما ولد لأبي عبدالله أبو الحسن ا عملت له أوضاحًا وأهديتها إليه، فلما أتيت أبا عبدالله بها قال لي:يا يزيد، أهديتها والله لقائم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم».
وعن أبي سعيد المدايني قال: سمعت أبا جعفر يقول: «إن الله استنقذ بني إسرائيل من فرعونها بموسى بن عمران، وإن الله مستنقذ هذه الأمة من فرعونها بسميه».
وعن أبي جعفر قال: «إن الله تعالى عرض سيرة قائم آل محمد على موسى بن عمران، فقال: اللهم اجعله من بني إسرائيل، فقال له: ليس إلى ذلك سبيل، فقال: اللهم اجعلني من أنصاره، فقيل له: ليس إلى ذلك سبيل، فقال: اللهم اجعله سميي، فقيل له: أعطيت ذلك».
وعن أبي جعفر قال: قال رجل: «جعلت فداك، إنهم يروون أن أمير المؤمنين قال بالكوفة على المنبر: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلًا مني يملؤها قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، فقال أبو جعفر: نعم، قال: فأنت هو؟ فقال: لا، ذاك سمي فالق البحر. أي: موسى بن عمران على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم».
وعن علي بن الحسين قال: «إن قارون كان يلبس الثياب الحمر، وإن فرعون كان يلبس السودَ ويرخي الشعور، فبعث الله عليهم موسى، وإن بني فلان لبسوا السواد وأرخوا الشعور، وإن الله تعالى مهلكهم بسميه».
وعن علي بن الحسين قال: «إن اسم القائم اسم لحديدة الحلاق».
وعن أبي عبدالله قال: «ابني هذا -يعني: أبا الحسن- هو القائم، وهو من المحتوم، وهو الذي يملؤها قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا»([552]).
وعنه أيضًا قال: «من المحتوم أن ابني هذا قائم هذه الأمة وصاحب السيف، وأشار بيده إلى أبي الحسن».
وعن أبي الوليد الطرائقي قال: «كنت ليلة عند أبي عبدالله، إذ نادى غلامه، فقال: انطلق فادع لي سيد ولدي، فقال له الغلام: من هو؟ فقال: فلان -يعني: أبا الحسن- فلم يلبث حتى جاء بقميص بغير رداء.. إلى أن قال: ثم ضرب بيده على عضدي، وقال: يا أبا الوليد، كأني بالراية السوداء صاحبة الرقعة الخضراء تخفق فوق رأس هذا الجالس، ومعه أصحابه يهدون جبال الحديد هدًا، لا يأتون على شيء إلا هدوه، قلت: جعلت فداك، هذا؟ قال: نعم، هذا يا أبا الوليد، يملؤها قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وعدوانًا، يسير في أهل القبلة بسيرة علي بن أبي طالب، يقتل أعداء الله حتى يرضي الله، قلت: جعلت فداك، هذا؟ قال: هذا، ثم قال: فاتبعه وأطعه وصدقه وأعطه الرضا من نفسك؛ فإنك ستدركه إن شاء الله».
وعن عبدالله بن غالب قال: «أنشدت أبا عبدالله هذه القصيدة:
فإن تك أنت المرتجى للذي نرى                        لك التي من ذي العلى فيك نطلب
فقال: ليس أنا صاحب هذه الصفة، ولكن هذا صاحبها، وأشار بيده إلى أبي الحسن».
وعن إسماعيل البزار قال: قال أبو عبدالله: «إن صاحب هذا الأمر يلي الوصية وهو ابن عشرين سنة، فقال إسماعيل: فوالله ما وليها أحد قط كان أحدث منه، وإنه لفي السن الذي قال أبو عبدالله».
وعن إسماعيل بن منصور الزبالي قال: «سمعت شيخًا بأذرعات قد أتت عليه عشرون ومائة سنة، قال: سمعت عليًا يقول على منبر الكوفة: كأني بابن حميدة قد ملأها عدلًا وقسطًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، فقام إليه رجل، فقال: أهو منك أو من غيرك؟ فقال: لا، بل هو رجل مني».
وعن أبي عبدالله قال: «كأني بابن حميدة على أعوادها قد دان له شرق الأرض وغربها»([553]).
وحميدة هي أم الكاظم([554]).
وعن يحيى بن إسحاق العلوي، عن أبيه، قال: «دخلت على أبي عبدالله فسألته عن صاحب هذا الأمر من بعده؟
قال: صاحب البهمة، وأبو الحسن في ناحية الدار ومعه عناق مكية، ويقول لها: اسجدي لله الذي خلقك، ثم قال: أما إنه الذي يملؤها قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا».
وعن عبدالله بن سنان قال: سمعت أبا عبدالله وذكر البداء لله، فقال: «فما أخرج الله إلى الملائكة وأخرجه الملائكة إلى الرسل، فأخرجه الرسل إلى الآدميين، فليس فيه بداء، وإن من المحتوم أن ابني هذا هو القائم».
وعن الصادق قال: «على رأس السابع منا الفرج».
وعن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبدالله: «من جاءك فقال لك: إنه مرّض ابني هذا وأغمضه وغسله ووضعه في لحده ونفض يده من تراب قبره فلا تصدقه».
وفي رواية: عن الكاظم نفسه قال: «يا علي، من أخبرك أنه مرضني وغمضني وغسلني ووضعني في لحدي ونفض يده من تراب قبري فلا تصدقه».
وعن أبي عبدالله قال: «أما إنه -أي: الكاظم- صاحبكم، مع أن بني العباس يأخذونه فيلقى منهم عنتًا، ثم يفلته الله من أيديهم بضرب من الضروب، ثم يُعمَّى على الناس أمره حتى تفيض عليه العيون، وتضطرب فيه القلوب، كما تضطرب السفينة في لجة البحر وعواصف الريح، ثم يأتي الله على يديه بفرج لهذه الأمة للدين والدنيا».
وعن الباقر قال: «صاحب الأمر يسجن حينًا ويموت ويهرب حينًا».
وعنه أيضًا قال: «في صاحب هذا الأمر أربع سنن من أربعة أنبياء: سنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من يوسف، وسنة من محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أما موسى فخائف يترقب، وأما يوسف فالسجن، وأما عيسى فيقال: مات ولم يمت، وأما محمد فالسيف»([555]).
ومعلوم أن مهدي القوم لم يسجن، أما الكاظم فقد سجن، بل ويبدو أن ذلك كان من المسلمات لولا أن بدا لله فيه كما يزعم القوم، فمن أدعية زيارته كما يُروى عن أبي الحسن: «السلام عليك يا من بدا لله في شأنه»([556]).
وعلى أي حال، نجتزئ بما أوردناه حتى لا نمل القارئ، ولعل بما ذكرنا التماسًا للعذر لابن قياما الواسطي في قولـه: «ولكن كيف أصنع بما قال أبو عبدالله في ابنه؟» وكذا سائر الواقفة.

 
 
رسالة تعزية من الكاظم إلى الخيزران يسمي
فيها هارون الرشيد بأمير المؤمنين
قبل أن ننتقل إلى الإمام التالي، نورد هنا موقفًا شبيهًا بموقف زين العابدين ورسائله إلى الأسرة الحاكمة، فقد كتب الكاظم إلى الخيزران يعزيها بموسى ابنها، ويهنئها بهارون ابنها بما نصه:
«بسم الله الرحمن الرحيم: للخيزران أم أمير المؤمنين، من موسى بن جعفر بن محمد ابن علي بن الحسين، أما بعد: أصلحك الله وأمتع بك وأكرمك وحفظك، وأتم النعمة والعافية في الدنيا والآخرة لك برحمته، ثم إن الأمور -أطال الله بقاءك- كلها بيد الله عزوجل يمضيها ويقدرها بقدرته فيها، والسلطان عليها توكل بحفظ ماضيها وتمام باقيها، فلا مقدم لما أخر منها، ولا مؤخر لما قدم، استأثر بالبقاء، وخلق خلقه للفناء، أسكنهم دنيا سريعًا زوالها، قليلًا بقاؤها، وجعل لهم مرجعًا إلى دار لا زوال لها ولا فناء، لم يكن -أطال الله بقاءك- أحد من أهلي وقومك وخاصتك وحرمتك كان أشد لمصيبتك إعظامًا، وبها حزنًا، ولك بالأجر عليها دعاءً، وبالنعمة التي أحدث الله لأمير المؤمنين -أطال الله بقاءه- دعاءً بتمامها ودوامها وبقائها ودفع المكروه فيها مني، والحمد لله لما جعلني الله عليه بمعرفتي بفضلك، والنعمة عليك، وبشكري بلاءك، وعظيم رجائي لك أمتع الله بك، وأحسن جزاءك، إن رأيت -أطال الله بقاءك- أن تكتبي إلي بخبرك في خاصة نفسك، وحال جزيل هذه المصيبة، وسلوتك عنها فعلت؛ فإني بذلك مهتم، وإلى ما جاءني من خبرك وحالك فيه متطلع، أتم الله لك أفضل ما عودك من نعمته، واصطنع عندك من كرامته، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته»([557]).

 
روايات شيعية في النهي عن التسمية بأمير المؤمنين
لغير علي رضي الله عنه واختلافهم في هذا
وفيه الكاظم يبشر المأمون بالخلافة
الغريب هنا هو أن ينادي الكاظم هارون الرشيد -وكذا غيره من الأئمة خلفاء الجور
بزعم القوم- بأمير المؤمنين، رغم النهي الشديد الذي ورد عنهم في ذلك، كروايتهم عن الصادق قولـه لرجل دخل عليه، وقال: «السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقام على قدميه، فقال: مه، هذا اسم لا يصلح إلا لأمير المؤمنين سماه الله به، ولم يُسمَّ به أحد غيره فرضي به إلا كان منكوحًا وإن لم يكن به ابتلي»([558]).
وفي رواية: «لا يسمى به أحد قبله ولا بعده إلا كافر»([559]). والروايات في الباب كثيرة([560]).
رغم هذا يروون عن أبي الصباح مولى آل سام قال: «كنت عند أبي عبدالله أنا وأبو المغرا، إذ دخل علينا رجل من أهل السواد، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، قال له أبو عبد الله : السلام عليك ورحمة الله وبركاته، ثم اجتذبه وأجلسه إلى جنبه.
فقلت لأبي المغرا: إن هذا الاسم ما كنت أرى أن أحدًا يسلم به إلا على أمير المؤمنين علي، فقال لي أبو عبدالله: يا أبا صباح، إنه لا يجد عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن لآخرنا ما لأولنا»([561]).
وقد كان الرشيد يجل الكاظم إلى درجة تثير استغراب الآخرين، فقد كان لا يرضى إذا دخل عليه أن ينزل من فوق حماره إلا على بساطه، فقد روى ابنه المأمون ذلك، وقال في ذكر أحد لقاءات الكاظم مع أبيه: «فلمَّا رأى الرشيد رمى بنفسه -أي: الكاظم- عن حمارٍ كان راكبه، فصاح الرشيد: لا والله إلا على بساطي، فمنعه الحجاب من الترجل، ونظرنا إليه بأجمعنا بالإجلال والإعظام، فما زال يسير على حماره حتى سار إلى البساط، والحجاب والقواد محدقون به، فنزل فقام إليه الرشيد واستقبله إلى آخر البساط، وقبَّل وجهه وعينيه، وأخذ بيده حتى صيره في صدر المجلس، وأجلسه معه فيه، وجعل يحدثه ويقبل بوجهه عليه، ويسأله عن أحواله...» الرواية([562]).
وفي الرواية هذه نفسها بشَّر الكاظم المأمون بالخلافة، وسأله أن يحسن إلى ولده، وكان كما أراد، فقد تزوج الرضا من ابنة المأمون، بل وبويع له بولاية العهد فضلًا عن رغبة المأمون في التنازل له عن الحكم، كما هو معروف([563]).
فانظر أين محل التقية من كل هذا؟
هذا ما كان من شأن الإمام موسى الكاظم وأصحابه وأهل بيته وشأن القول بالنص على الاثني عشر، وقد عرفت حقيقة ذلك مما مرَّ بك.

 
موقف علي الرضا رحمه الله وأهل بيته
وأصحابه من النص
لنشرع الآن في التكلم عن ابنه الإمام علي الرضا المتوفى سنة (203) للهجرة.
أقول: لم يشذ شيعة الرضا عن شيعة أبيه وأجداده بخفاء النص على الأئمة الاثني عشر عليهم مما يستوجب بطلان هذا الاعتقاد أصلًا كما سترى باعتبار روايات القوم أنفسهم.
فقد رووا أن ابن أبي النصر قال: سألت علي الرضا: «جعلت فداك، إني سألت أباك وهو في هذا الموضع [القادسية] عن خليفته من بعده، فدلني عليك، وقد سألتك منذ سنين وليس لك ولد عن الإمامة فيمن تكون من بعدك؟ فقلت: في ولدي، وقد وهب الله لك ابنين فأيهما عندك بمنزلتك التي كانت عند أبيك؟ فقال لي: هذا الذي سألت ليس هذا وقته»([564]).
وعن دعبل بن علي الخزاعي قال: «أنشدت مولاي علي بن موسى الرضا قصيدتي التي أولها:
مدارس آيات خلت من تلاوة              ومنزل وحي مقفر العرصات
فلما انتهيت إلى قولي:
خروج إمام لا محالـــة خـارج               يقوم على اسـم الله والبركات
يميز فينا كـل حـق وبـاطــــل               ويجزي على النعماء والنقمات
بكى الرضا بكاءً شديدًا ثم رفع رأسه إليَّ، فقال لي: يا خزاعي، نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الإمام؟ ومتى يقوم؟
 فقلت: لا يا مولاي، إلا أني سمعت بخروج إمام منكم يطهر الأرض من الفساد ويملؤها عدلًا، فقال: يا دعبل، الإمام بعدي محمد ابني، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره»([565]).
ولدعبل هذا منزلة عظيمة عند القوم، وتهالكه في ولاء أهل البيت غير خافٍ([566])، ولكن الخافي هو جهله بركن من أعظم أركان الدين!
وآخر هو جعفر بن محمد النوفلي قال: «أتيت الرضا فسلمت عليه، ثم جلست، وقلت: جعلت فداك، إن أناسًا يزعمون أن أباك حي، فقال: كذبوا لعنهم الله، لو كان حيًا ما قسم ميراثه ولا نكح نساؤه، ولكنه والله ذاق الموت كما ذاقه علي بن أبي طالب، قال: فقلت له: ما تأمرني؟ قال: عليك بابني محمد من بعدي»([567]).
وعن صفوان بن يحيى قال: قلت للرضا: «قد كنا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر، فكنت تقول: يهب الله لي غلامًا، فقد وهب الله لك وأقر عيوننا، فلا أرانا الله يومك، فإن كان كون فإلى من؟ فأشار بيده إلى أبي جعفر وهو قائم بين يديه، فقلت له: جعلت فداك، وهو ابن ثلاث سنين؟ قال: وما يضره من ذلك؟ قد قام عيسى بالحجة وهو ابن أقل من ثلاث سنين»([568]).
وعلى ذكر السن أقول: إن الرضا / توفي  سنة (203هـ)، والجواد ولد سنة (195) للهجرة، فاحسب عمره عندما افترض توليه لإمرة المؤمنين.
وعلى أي حال، فقد ذكرنا تفاصيل ذلك عند كلامنا في منازعة محمد بن الحنفية مع الإمام زين العابدين.
وعن مسافر قال: «أمرني أبو الحسن بخراسان، فقال: الحق بأبي جعفر؛ فإنه صاحبك»([569]).
وعن ابن بزيع، عن أبي الحسن علي الرضا أنه سئل أو قيل له: «تكون الإمامة في عم أو خال؟ فقال: لا، فقال: في أخ؟ قال:لا، قال: ففي من؟ قال: في ولدي، وهو يومئذٍ لا ولد له»([570]).
وعن عبدالله بن جعفر قال: «دخلت على الرضا أنا وصفوان بن يحيى، وأبو جعفر قائم قد أتى له ثلاث سنين، فقلنا له: جعلنا الله فداك، إن -وأعوذ بالله- حدث حدث فمن يكون بعدك؟ قال: ابني هذا وأومأ إليه، قال: فقلنا له: وهو في هذا السن؟ قال: نعم، وهو في هذا السن، إن الله تبارك وتعالى احتج بعيسى u وهو ابن سنتين»([571]).
وعن محمد بن الحسن بن عمار قال: «كنت عند علي بن جعفر بن محمد جالسًا بالمدينة، وكنت أقمت عنده عدة سنين أكتب عنه ما سمع من أخيه -يعني: أبا الحسن- إذ دخل عليه أبو جعفر محمد بن علي الرضا المسجد -مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- فوثب علي بن جعفر بلا حذاء ولا رداء، فقبَّل يده وعظمه، فقال له أبو جعفر: يا عم، اجلس رحمك الله، فقال: يا سيدي، كيف أجلس وأنت قائم؟ فلما رجع علي بن جعفر إلى مجلسه جعل أصحابه يوبخونه ويقولون: أنت عم أبيه وأنت تفعل به هذا الفعل؟ فقال: اسكتوا، إذا كان الله عزوجل -وقبض على لحيته- لم يؤهل هذه الشيبة وأهل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه أنكر فضله؟ نعوذ بالله مما تقولون، بل أنا له عبد»([572]).
وعن ابن أبي النصر قال: قال لي ابن النجاشي: «من الإمام بعد صاحبك فأشتهي أن تسأله حتى أعلم؟ فدخلت على الرضا فأخبرته، فقال: الإمام ابني»([573]).
وعن بنان بن نافع قال: سألت علي بن موسى الرضا، فقلت: «جعلت فداك، من صاحب هذا الأمر بعدك؟ فقال لي: يا ابن نافع، يدخل عليك من هذا الباب من ورث ما ورثته ممن هو قبلي، وهو حجة الله تعالى من بعدي، فبينا أنا كذلك إذ دخل علينا محمد بن علي»([574]).
وعن الصقر بن دلف قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الرضا يقول: «إن الإمام بعدي ابني علي، أمره أمري، وقولـه قولي، وطاعته طاعتي، والإمامة بعده في ابنه الحسن»([575]).
ومن أصحابه من ظنه المهدي، فعن أيوب بن نوح قال: قلت لأبي الحسن الرضا: «إنا نرجو أن تكون صاحب هذا الأمر، وأن يسوقه الله إليك عفوًا بغير سيف»([576]).
وعن الريان بن الصلت قال: قلت للرضا: «أنت صاحب هذا الأمر؟ فقال: أنا صاحب هذا الأمر، ولكني لست بالذي يملؤها عدلًا كما ملئت جورًا»([577]).
 

 
ذكر من نازعه من إخوته وأهل بيته
نجتزئ بهذه الأمثلة التي سردناها سردًا لوضوح المقصود منها، ونذكر الآن -وكما عودناكم- أمثلة على موقف أهل بيته منه:
عن علي بن إبراهيم، عن أبيه قال: «لما مات أبو الحسن حججنا، فدخلنا على أبي جعفر وقد حضر خلق من الشيعة من كل بلد لينظروا إلى أبي جعفر، فدخل عمه عبدالله بن موسى وكان شيخًا كبيرًا نبيلًا، عليه ثياب خشنة وبين عينيه سجادة، فجلس، وخرج أبو جعفر من الحجرة وعليه قميص قصب، ورداء قصب، ونعل جدد بيضاء، فانتدب رجل من القوم، فقال لعمه: أصلحك الله، ما تقول في رجل أتى بهيمة؟ فقال: تقطع يمينه ويضرب الحد، فغضب أبو جعفر، ثم نظر إليه، فقال: يا عم، اتق الله.. اتق الله، إنه لعظيم أن تقف يوم القيامة بين يدي الله عزوجل، فيقول لك: لم أفتيت الناس بما لا تعلم؟ فقال له عمه: أليس قال هذا أبوك؟ فقال أبو جعفر: إنما سئل أبي عن رجل نبش قبر امرأة فنكحها، فقال أبي: تقطع يمينه للنبش ويضرب حد الزنا، فإن حرمة الميتة كحرمة الحية، فقال: صدقت يا سيدي وأنا أستغفر الله، فتعجب الناس، فقالوا: يا سيدنا، أتأذن لنا أن نسألك؟ فقال: نعم، فسألوه في مجلس عن ثلاثين ألف مسألة فأجابهم فيها، وله تسع سنين»([578]).
أقول: يبدو أن مجالسهم كانت طويلة؛ إذ لو افترضنا أن سؤال وجواب كل مسألة يستغرق نصف دقيقة، لكان مدة المجلس أكثر من عشرة أيام.
وعلى أي حال، أنت ترى أن عمه رغم نبله وورعه يفتي بلا علم في حضرة إمام منصوص من الله في مثل هذه المسائل لرجل لم يوجه سؤاله أصلًا إلى من كان أولى بتوجيه السؤال إليه، وأحداث هذه القصة تذكرني بمواقف كثيرة للفاروق عمر مع علي بن أبي طالب ب أوردها القوم في مصنفاتهم، ونذكر منها:
أن رجلًا من شباب اليهود سأل عمر ا: «دلني على أعلمكم بالله وبرسوله وبكتابه وبنبيه؟ فأومأ بيده إلى علي، فقال: هذا».
وفي رواية: «دونك هذا الشاب، فقال: ومن هذا الشاب؟ قال: علي بن أبي طالب»([579]).
ومنها: أن رجلًا سأل عمر ا عن تفسير سبحان الله؟ فقال: «إن في هذا الحائط رجلًا كان إذا سئل أنبأ، وإذا سكت ابتدأ، فدخل الرجل فإذا هو علي بن أبي طالب ا»([580])، فتأمل الفرق!
وننهي كلامنا عن الرضا بذكر منازعة أخيه العباس لـه، فعن الجعفري قال: قال العباس ابن موسى لابن عمران القاضي الطلحي: «إن أسفل هذا الكتاب -أي: وصية الكاظم- كنز لنا وجوهر يريد -أي: الرضا- أن يحتجزه دوننا، ولم يدع أبونا شيئًا إلا جعله لـه وتركنا عالة، فوثب عليه إبراهيم بن محمد الجعفري فأسمعه، ووثب إليه إسحاق بن جعفر ففعل به مثل ذلك، فقال العباس للقاضي: أصلحك الله، فض الخاتم واقرأ ما تحته، فقال: لا أفضه لا يلعنني أبوك، فقال العباس: أنا أفضه، قال: ذلك إليك، ففض العباس الخاتم -رغم قول أبيه الكاظم: وليس لأحدٍ أن يكشف وصيتي ولا ينشرها وهو على ما ذكرت وسميت، فمن أساء فعليه، ومن أحسن فلنفسه، وما ربك بظلام للعبيد، وليس ذلك لأحد من سلطان ولا غيره أن يفض كتابي الذي ختمت عليه أسفل، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله وغضبه والملائكة بعد ذلك ظهير وجماعة المسلمين والمؤمنين- ففض العباس الخاتم، فإذا فيه إخراجهم من الوصية، وإقرار علي وحده وإدخاله إياهم في ولاية علي إن أحبوا أو كرهوا أو صاروا كالأيتام في حِجره وأخرجهم من حد الصدقة وذكرها، ثم التفت علي بن موسى إلى العباس، فقال: يا أخي، أعلم أنه إنما حملكم على هذا الغرام والديون التي عليكم، فانطلق يا سعد فتعين لي ما عليهم واقضه عنهم، واقبض ذكر حقوقهم، وخذ لهم البراءة، فلا والله لا أدع مواساتكم وبركم ما أصبحت أمشي على ظهر الأرض، فقولوا ما شئتم، فقال العباس: ما تعطينا إلا من فضول أموالنا ومالنا عندك أكثر، فقال: قولوا ما شئتم، فالعرض عرضكم، اللهم أصلحهم وأصلح بهم، وأخسئ عنا وعنهم الشيطان، وأعنهم على طاعتك، والله على ما نقول وكيل، فقال العباس: ما أعرفني بلسانك وليس لمسحاتك عندي طين، ثم إن القوم افترقوا»([581]).
لذا لم يذكره بخير كل من ترجم له([582])، ورغم هذا يقول المفيد في إرشاده: (إن لكل واحد من أولاد الكاظم فضلًا ومنقبة)([583]).

 
افتراق الشيعة بعد وفاة الرضا
أما عن موقف الشيعة بعد وفاة الرضا، فإليك البيان:
فرقة منهم كانت قد قطعت عليه وعلى موت أبيه، ولما توفي الرضا رجعوا إلى الوقف بعد موسى بن جعفر، وهذه الفرقة تسمى المؤلفة.
وثانية تسمى: المحدثة، كانوا من أهل الإرجاء من أصحاب الحديث، فدخلوا في القول بإمامة موسى بن جعفر، وبعده بإمامة علي بن موسى، وصاروا شيعة رغبة في الدنيا وتصنعًا، فلما توفي علي بن موسى الرضا رجعوا إلى ما كانوا عليه.
وفرقة كانت من الزيدية الأقوياء منهم والبصراء، فدخلوا في إمامة الرضا عندما أظهر المأمون فضله وعقد بيعته تصنعًا للدنيا واستكانوا الناس بذلك دهرًا، فلما توفي الرضا رجعوا إلى قومهم من الزيدية.
وفرقة ائتمت بأحمد بن موسى.. وهكذا([584]).

 
موقف محمد الجواد رحمه الله
وأهل بيته وأصحابه من النص
وكذلك حال أصحاب محمد الجواد / المتوفى سنة (220) للهجرة، فعن إسماعيل بن مهران قال: «لما خرج أبو جعفر من المدينة إلى بغداد في الدفعة الأولى من خرجتيه، قلت له عند خروجه: جعلت فداك، إني أخاف عليك في هذا الوجه، فإلى من الأمر بعدك؟ فكر بوجهه إليَّ ضاحكًا، وقال: ليس الغيبة حيث ظننت في هذه السنة، فلما استدعي به إلى المعتصم صرت إليه، فقلت له: جعلت فداك، فأنت خارج فإلى من هذا الأمر من بعدك؟ فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم التفت إليَّ، فقال: عند هذه يخاف علي، الأمر من بعدي إلى ابني علي»([585]).
فانظر كم سنة انتظر حتى علم أن الأمر بعد الجواد إلى ابنه علي الهادي؟!
وعن ابن أكثم قال: قلت للرضا: «والله إني أريد أن أسألك مسألة وإني والله لأستحي من ذلك، فقال لي: أنا أخبرك قبل أن تسألني، تسألني عن الإمام؟ فقلت: هو والله هذا، فقال: أنا هو، فقلت: علامة؟ فكان في يده عصا، فنطقت وقالت: إن مولاي إمام هذا الزمان وهو الحجة»([586]).
وعن الخيراني، عن أبيه قال: «كنت ألزم باب أبي جعفر للخدمة التي وكلت بها، وكان أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري يجيء في السحر من آخر كل ليلة ليتعرف خبر علة أبي جعفر، وكان الرسول الذي يختلف بين أبي جعفر وبين الخيراني إذا حضر قام أحمد وخلا به، قال الخيراني: فخرج ذات ليلة وقام أحمد بن محمد بن عيسى عن المجلس وخلا بي الرسول، واستدار أحمد فوقف حيث يسمع الكلام، فقال الرسول: مولاك يقرئك السلام، ويقول لك: إني ماضٍ والأمر صائر إلى ابني علي، وله عليكم بعدي ما كان لي عليكم بعد أبي، ثم مضى الرسول ورجع أحمد إلى موضعه، فقال لي: ما الذي قال لك؟ قلت: خيرًا، قال: قد سمعت ما قال، وأعاد علي ما سمع، فقلت: قد حرَّم الله عليك ما فعلت؛ لأن الله تعالى يقول: (وَلا تَجَسَّسُوا) فإن سمعت فاحفظ الشهادة لعلنا نحتاج إليها يومًا، وإياك أن تظهرها إلى وقتها.
قال: أصبحت وكتبت نسخة من عشر رقاع وختمتها ودفعتها إلى وجوه أصحابنا، وقلت: إن حدث بي حدث قبل الموت أن أطالبكم بها فافتحوها واعملوا بما فيها، فلما مضى أبو جعفر لم أخرج من منزلي حتى علمت أن رؤوس العصابة قد اجتمعوا عند محمد بن الفرج يتفاوضون في الأمر، فكتب إليَّ محمد بن الفرج يعلمني باجتماعهم عنده، يقول: لولا مخافة الشهرة لصرت معهم إليك فأحب أن تركب إليَّ، فركبت وصرت إليه، فوجدت القوم مجتمعين عنده، فتجارينا في الباب، فوجدت أكثرهم قد شكوا، فقلت لمن عنده الرقاع وهم حضور: أخرجوا تلك الرقاع، فأخرجوها، فقلت لهم: هذا ما أمرت به، فقال بعضهم: قد كنا نحب أن يكون معك في هذا الأمر آخر ليتأكد هذا القول، فقلت لهم: قد أتاكم الله بما تحبون، هذا أبو جعفر الأشعري يشهد لي بسماع هذه الرسالة، فسأله القوم، فتوقف عن الشهادة، فدعوته إلى المباهلة فخاف منها، وقال: قد سمعت ذلك، وهي مكرمة كنت أحب أن يكون لرجلٍ من العرب، فأما مع المباهلة فلا طريق إلى كتمان الشهادة، فلم يبرح القوم حتى سلموا لأبي الحسن»([587]).
أقول: لم أقف على علة كل هذه الرقاع والاجتماعات السرية والمفاوضات والاتهامات وإقحام مسألة القوميات العربية والفارسية و.. و.. ما دام الأمر ببساطة: القول بالنص من الله ورسوله على الهادي بعد الجواد.
وروى القوم أن جماعة من الشيعة دخلوا على الجواد وفيهم رجل زيدي يظهر الإمامة مدة أربعين سنة ولا تعلم الشيعة أنه زيدي، فقال الجواد لبعض غلمانه: «خذ بيد هذا الزيدي فأخرجه، فقال بإمامته وإمامة الأئمة، وقال: علمت مني ما لم يعلمه إلا الله»([588]).
وعن أمية بن القيسي قال: قلت لأبي جعفر الثاني: «من الخلف بعدك؟ فقال: ابني علي»([589]).
وعن محمد بن عثمان الكوفي أنه سأل أبا جعفر الثاني: «إن حدث بك -وأعوذ بالله- حدث فإلى من؟ فقال: إلى ابني هذا، يعني: أبا الحسن الهادي»([590]).
ولما مات الجواد كتبت الشيعة إلى أبي الحسن العسكري يسألونه عن الأمر، فكتب إليهم: «الأمر لي ما دمت حيًا»([591]).

 
افتراق الشيعة بعد وفاة الجواد
أما موقف الشيعة بعد وفاته، فقد نزل أصحابه الذين ثبتوا على إمامته إلى القول بإمامة ابنه ووصيه علي بن محمد، فلم يزالوا على ذلك سوى نفر يسير منهم عدلوا عنه إلى القول بإمامة أخيه موسى بن محمد، ثم لم يلبثوا على ذلك إلا قليلًا حتى رجعوا إلى إمامة علي بن محمد ورفضوا إمامة موسى بن محمد، فلم يزالوا كذلك حتى توفي علي بن محمد([592]).
 
موقف علي الهادي رحمه الله
وأصحابه من النص
وهذا الإمام علي الهادي / المتوفى سنة (254) للهجرة وأصحابه لا نراهم يختلفون عمن سبق.
فعن علي بن عمرو النوفلي قال: «كنت مع أبي الحسن العسكري في داره، فمرَّ علينا أبو جعفر، فقلت له: هذا صاحبنا؟ فقال: لا، صاحبكم الحسن»([593]).
وعن علي بن عمرو العطار قال: «دخلت على أبي الحسن، وابنه أبو جعفر في الأحياء وأنا أظن أنه الخلف من بعده، فقلت: جعلت فداك، مَن أخص مِن ولدك؟ فقال: لا تخصوا أحدًا من ولدي حتى يخرج إليكم أمري، قال: فكتبت إليه بعد: فيمن يكون هذا الأمر؟ قال: فكتب إلي: الأكبر من ولدي، وكان أبو محمد أكبر من جعفر»([594]).
وعن عبدالله الجلاَّب قال: كتب إليَّ أبو الحسن في كتاب: «أردت أن تسأل عن الخلف بعد أبي جعفر، وقَلِقْتَ لذلك فلا تغتم، فإن الله لا يضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، وصاحبك بعدي أبو محمد ابني»([595]).
وعن عبدالعظيم بن عبدالله الحسني، عن علي بن محمد أنه قال: «الإمام من بعدي الحسن، فكيف للناس بالخلف من بعد؟»([596]).
ولاشك أن صاحبنا عبدالعظيم هذا بحاجة إلى هذا البيان ما دام قد ظن في الجواد أنه المهدي، كما روى هو عن نفسه حيث قال: قلت لمحمد بن علي بن موسى: «إني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا»([597]).
وعن عبدالله بن محمد الأصفهاني قال: قال لي أبو الحسن: «صاحبكم الذي يصلي عليَّ. قال: ولم نعرف أبا محمد قبل ذلك، قال: فخرج أبو محمد بعد وفاته فصلى عليه»([598]).
وعن علي بن مهزيار قال: قلت لأبي الحسن: «إن كان كون -وأعوذ بالله- فإلى من؟ قال: عهدي إلى الأكبر من ولدي، يعني: الحسن»([599]).
وفي رواية: «إني كنت سألت أباك عن الإمامة فنص عليك، ففي من الإمامة بعدك؟ فقال: في أكبر ولدي، ونصَّ على أبي محمد»([600]).
وعن يحيى بن يسار القنبري قال: «أوصى أبو الحسن إلى ابنه الحسن قبل مضيه بأربعة أشهر، وأشار إليه بالأمر من بعده، وأشهدني على ذلك وجماعة من الموالي»([601]).
وعن أحمد بن عيسى العلوي من ولد علي بن جعفر قال: «دخلت على أبي الحسن بصريًا فسلمنا عليه، فإذا نحن بأبي جعفر وأبي محمد قد دخلا، فقمنا إلى أبي جعفر لنسلم عليه، فقال أبو الحسن: ليس هذا صاحبكم، عليكم بصاحبكم، وأشار إلى أبي محمد»([602]).
وصاحبنا هذا من أهل البيت.
أقول: على أي حال، فإننا لم نعلق على الروايات السابقة حتى نعلق على هذه، ولكن حسبك أن تسأل نفسك عند كل رواية: أين القول بالنص؟ ألم يزعم القوم أن الله ورسوله والأئمة الماضين قد ذكروا أن الإمامة بعد الهادي في ابنه العسكري؟!

 
روايات شيعية تدل على خفاء النص المزعوم
على بني العباس وبني هاشم والهادي نفسه
إلا أنني أرى أن نعذر هؤلاء لجهلهم بالنص ما دام الأمر نفسه قد طال آل أبي طالب وبني العباس، بل وطال الهادي وابنه كما سترى:
عن علي بن عبدالله بن مروان الأنباري قال: «كنت حاضرًا عند مضي أبي جعفر بن أبي الحسن، فجاء أبو الحسن فوضع له كرسيًا فجلس عليه، وأبو محمد قائم في ناحية، فلما فرغ من أبي جعفر التفت أبو الحسن إلى أبي محمد، فقال: يا بني، أحدث لله شكرًا، فقد أحدث فيك أمرًا»([603]).
وفي رواية: قال: «إن الله قد جعل فيك خلفًا منه فاحمد الله»([604]).
وعن سعيد بن عبدالله، عن جماعة من بني هاشم، منهم الحسن بن الحسين الأفطس، أنهم حضروا يوم توفي محمد بن علي بن محمد دار أبي الحسن وقد بسط له في صحن داره والناس جلوس حوله، فقالوا: «قَدَّرْنَا أن يكون حوله من آل أبي طالب وبني العباس وقريش مائة وخمسين رجلًا سوى مواليه وسائر الناس، إذ نظر إلى الحسن بن علي وقد جاء مشقوق الجيب حتى جاء عن يمينه ونحن لا نعرفه، فنظر إليه أبو الحسن بعد ساعة من قيامه، ثم قال: يا بني، أحدث لله شكرًا فقد أحدث فيك أمرًا، فبكى الحسن واسترجع، وقال: الحمد لله رب العالمين، وإياه أشكر تمام نعمته علينا، وإنا لله وإنا إليه راجعون، فسألنا عنه؟ فقيل لنا: هذا الحسن ابنه، وقدرنا له في ذلك الوقت عشرين سنة ونحوها، فيومئذٍ عرفناه وعلمنا أنه قد أشار إليه بالإمامة وأقامه مقامه»([605]).
كم أود أن أعرف رأي القائلين بالنص على الاثني عشر نصًا من الله ورسوله عليهم واحدًا بعد واحد بأسمائهم لا يزيدون ولا ينقصون، وليس للإمام الماضي فيه صنع، حتى يزويها عمن يكون من بعده - كم أود أن أعرف تعليقهم على هذه الروايات مع كل هذا، وكل ما مر بك في المقدمة.
وقد عرفت تعليق المجلسي كما في الحاشية على الرواية، وقد استدرك عليه آخر قائلًا: الأصح أن يقال: أحدث فيك أمرًا، أي: لطفًا ونعمة؛ وذلك لأن المعروف بين شيعتنا بنص الباقر أن الإمامة في الولد الأكبر، ولو لم يمض أبو جعفر أخوك الأكبر لاختلف فيك الشيعة.
أقول: ما كان أغناهم عن كل ذلك! ألم يكن حسبهم من كان حوله من آل أبي طالب وبني العباس وقريش المائة والخمسين رجلًا حيث قالوا: «وعلمنا أنه قد أشار إليه بالإمامة وأقامه مقامه؟!».
ولقد أحدثت روايات الهادي في إمامة ابنه محمد دون العسكري اضطرابًا كبيرًا عند شيعته بعد موته، نذكر لك طرفًا منها:
فعن سعد بن أبي هاشم الجعفري قال: «كنت عند أبي الحسن العسكري وقت وفاة ابنه أبي جعفر وقد كان أشار إليه ودل عليه([606]).
وإني لأفكر في نفسي، وأقول: هذه قصة أبي إبراهيم وقصة إسماعيل، فأقبل علي أبو الحسن، وقال: نعم يا أبا هاشم، بدا لله في أبي جعفر وصيَّر مكانه أبا محمد، كما بدا له في إسماعيل بعد ما دلَّ عليه أبو عبدالله ونصبه، وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون، أبو محمد ابني الخلف من بعدي، عنده ما تحتاجون إليه، ومعه آلة الإمامة والحمد لله»([607]).
وقد تحدثنا عن قصة إسماعيل بن جعفر الصادق في موضعه.
وعن شاهويه بن عبدالله الجلاب قال: «كنت رويت عن أبي الحسن العسكري في أبي جعفر ابنه روايات تدل عليه، فلما مضى أبو جعفر قَلِقْتُ لذلك وبقيت متحيرًا لا أتقدم ولا أتأخر، وخفت أن أكتب إليه في ذلك، فلا أدري ما يكون، فكتبت إليه أسأله الدعاء أن يفرج الله عنا في أسباب من قبل السلطان كنا نغتم بها في غلماننا، فرجع بالدعاء، ورد الغلمان علينا، وكتب في آخر الكتاب: أردت أن تسأل عن الخلف بعد مضي أبي جعفر، وقلقت لذلك، فلا تغتم؛ فإن الله لا يضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، صاحبكم بعدي أبو محمد ابني وعنده ما تحتاجون إليه، يقدم الله ما يشاء ويؤخر ما يشاء: ( $tB ô‡|¡YtR ô`ÏB >ptƒ#uä ÷rr& $ygÅ¡YçR ÏNù'tR 9Žösƒ¿2 !$pkY÷ÏiB ÷rr& !$ygÎ=÷WÏB  ) [البقرة:106] قد كتبت بما فيه بيان وقناع لذي عقل يقظان»([608]).

 
افتراق الشيعة بعد الهادي رحمه الله
وعلى هذا المنوال افترقوا بعد وفاة الهادي /، فقالت فرقة من أصحابه بإمامة ابنه محمد، وقد كان توفي في حياة أبيه بسر من رأى، وزعموا أنه حي لم يمت، واعتلوا في ذلك بأن أباه أشار إليه وأعلمهم أنه الإمام من بعده -كما مرَّ بك- والإمام لا يجوز عليه الكذب ولا يجوز البداء فيه، فهو وإن كانت ظهرت وفاته لم يمت في الحقيقة، ولكن أباه خاف عليه فغيبه وهو القائم المهدي، وقالوا فيه بمثل مقالة إسماعيل بن جعفر، وقال سائر أصحاب علي بن محمد بإمامة الحسن بن علي وأثبتوا له الإمامة بوصية أبيه، وكان يكنى بأبي محمد، سوى نفر يسير قليل، فإنهم مالوا إلى أخيه جعفر بن علي، وقالوا: أوصى إليه أبوه بعد مضي محمد وأوجب إمامته وأظهر أمره، وأنكروا إمامة محمد أخيه، وقالوا: إنما فعل ذلك أبوه اتقاء عليه ودفاعًا عنه، وكان الإمام في الحقيقة جعفر بن علي([609]).
 

 
موقف الحسن العسكري رحمه الله
وأهل بيته وأصحابه من النص
رجع بنا الحديث إلى الإمام العسكري الحسن بن علي / المتوفى سنة (260) للهجرة، وموقف أصحابه وأهل بيته.
لقد أدى الارتياب والشك عند شيعة الهادي في الإمام بعده إلى التطلع بلهفة إلى أي شخص كان لبيان الحق لهم، وكأن تلك النصوص التي مرَّت بك منذ أول الكتاب لم تكن.
فعن أحمد بن إسحاق قال: دخلت على أبي محمد، فقال لي: «يا أحمد، ما كان حالكم فيما كان الناس فيه من الشك والارتياب؟ قلت: لما ورد الكتاب بخبر مولد سيدنا، لم يبق منا رجل ولا امرأة ولا غلام بلغ الفهم إلا قال بالحق، قال: أما علمتم أن الأرض لا تخلو من حجة لله تعالى»([610]).
رغم ذلك فقد كان الحسن نفسه خائفًا -بزعم القوم- من أن يخرج من الدنيا دون أن يرى الخلف من بعده([611]).
بل إن من عرفه وَدَّ أنه صاح في الناس بإمامته لولا النهي، كما يروي محمد بن عبدالعزيز البلخي حيث قال: «أصبحت يومًا فجلست في شارع الغنم، فإذا بأبي محمد قد أقبل من منزلـه يريد دار العامة، فقلت في نفسي: ترى إن صحت: أيها الناس، هذا حجة الله عليكم فاعرفوه يقتلوني؟ فلما دنا مني أومأ بإصبعه السبابة على فيه أن اسكت، ورأيته تلك الليلة يقول: إنما هو الكتمان أو القتل، فاتق الله على نفسك»([612]).
وأنت عليم -أيها القارئ- أن العسكري يعلم وهو يأمر البلخي بالكتمان أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكذا الأئمة لم يكتموا ذلك عندما قالوا -كما يدعي القوم- بإمامته بعد أبيه الهادي.
وآخر لا يدري إن كان له ولد أصلًا أو لا، فعن أبي هاشم الجعفري قال: قلت لأبي محمد: «جلالتك تمنعني عن مسألتك فتأذن لي أن أسألك؟ قال: سل، قلت: يا سيدي، هل لك ولد؟ قال: نعم، قلت: فإن حدث حدث فأين أسأل عنه؟ فقال: بالمدينة»([613]).
بل طال ذلك خَدَمَه الذين لا يفترض ذلك منهم، فعن أبي الأديان قال: «كنت أخدم الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ا وأحمل كتبه إلى الأمصار، فدخلت إليه في علته التي توفي فيها، فكتب معي كتبًا، وقال: تمضي بها إلى المدائن فإنك ستغيب خمسة عشر يومًا فتدخل إلى سر من رأى يوم الخامس عشر وتسمع الناعية في داري، وتجدني على المغتسل، قال أبو الأديان: فقلت: يا سيدي، فإذا كان ذلك فمن؟
قال: من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم بعدي، قلت: زدني، فقال: من يصلي علي فهو القائم بعدي، فقلت: زدني، فقال: من أخبر بما في الهميان فهو القائم بعدي، ثم منعتني هيبته أن أسأله ما في الهميان؟ وخرجت بالكتب إلى المدائن وأخذت جواباتها، ودخلت سر من رأى يوم الخامس عشر كما قال لي، فإذا أنا بالناعية في داره، وإذا أنا بجعفر بن علي أخيه بباب الدار والشيعة حوله يعزونه ويهنئونه، فقلت في نفسي: إن يكن هذا الإمام فقد حالت الإمامة؛ لأني كنت أعرفه بشرب النبيذ، ويقامر في الجوسق، ويلعب بالطنبور، فتقدمت فعزيت وهنيت فلم يسألني عن شيء، ثم خرج عقيد، فقال: يا سيدي، قد كفن أخوك فقم للصلاة عليه، فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله..» الخبر([614]).
وجعفر هذا ادعى الإمامة([615]) بعد أخيه العسكري، وأنكر أن يكون لأخيه عقب وقد حاز على ميراثه، ولا غرابة في هذا لما مر بك من ادعاء الكثير من أهل بيت النبوة للإمامة، حتى رووا عن الصادق: «لا يخرج القائم حتى يخرج اثنا عشر من بني هاشم كلهم يدعو إلى نفسه»([616]).
وفي رواية: «خروج اثني عشر من آل أبي طالب كلهم يدَّعي الإمامة لنفسه»([617]).
وقد عرفت منزلةَ بعض هؤلاء الذين خرجوا عند حديثنا عنهم، ويسمى جعفر هذا بالكذاب تمييزًا له عن الصادق، وروى القوم في ذلك أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، منها قولـه: «إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسموه الصادق؛ فإنه يكون في ولده سمي له يدعي الإمامة بغير حقها ويسمى كذابًا».
وفي رواية: «فإن الخامس من ولده الذي اسمه جعفر يدعي الإمامة اجتراء على الله وكذبًا عليه، فهو عند الله جعفر الكذاب المفتري على الله»([618]).
وقد ورد في قدحه عن الأئمة من الروايات الكثير، إلا أن هناك رواية تفسد كل هذا، فقد روى القوم عن إسحاق بن يعقوب: أنه سأل القائم عن مسائل أشكلت عليه، فورد التوقيع بخط القائم: «أما ما سألت عنه -أرشدك الله وثبتك- من أمر المنكرين من أهل بيتنا وبني عمنا فاعلم أنه ليس بين الله عزوجل وبين أحدٍ قرابة، ومن أنكرني فليس مني وسبيله سبيل ابن نوح، وأما سبيل عمي جعفر وولده فسبيل إخوة يوسف ×»([619]).
ووجه الدلالة غير خافية في الرواية، فالكتاب العزيز قد دلَّ على توبة إخوة يوسف ×، وواضع هذه الرواية فاته الحديث السابق الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «جعفر الكذاب المفتري على الله». بزعمهم.

 
افتراق الشيعة بعد وفاة العسكري
أما موقف الشيعة بعد وفاة العسكري المتوفى سنة (260) للهجرة، فإليك بيانه بإيجاز:
افترق أصحابه إلى فرق كثيرة جاوزت العشر، منها:
فرقة قالت: إن الحسن بن علي حي لم يمت وإنما غاب، وهو القائم، ولا يجوز أن يموت، ولا ولد له ظاهرًا؛ لأن الأرض لا تخلو من إمام.
وفرقة قالت: إن العسكري مات وعاش بعد موته وهو القائم المهدي؛ لأنا روينا أن معنى القائم هو أن يقوم من بعد الموت ويقوم ولا ولد له، ولو كان له ولد لصح موته ولا رجوع؛ لأن الإمامة كانت تثبت لخلفه، ولا أوصى إلى أحدٍ فلا شك أنه القائم، والحسن بن علي قد مات لا شك في موته ولا ولد له ولا خلف ولا أوصى؛ إذ لا وصية له ولا وصي، وأنه قد عاش بعد الموت.
وفرقة قالت: إن الحسن بن علي توفي، والإمام بعده أخوه جعفر، وإليه أوصى الحسن، ومنه قبل الإمامة وعنه صارت إليه.
وفرقة قالت: إن الإمام بعد الحسن جعفر، وإن الإمامة صارت إليه من قبل أبيه لا من قبل أخيه محمد ولا من قبل الحسن ولم يكن إمامًا ولا الحسن أيضًا؛ لأن محمدًا توفي في حياة أبيه، وتوفي الحسن ولا عقب له، وإنه كان مدعيًا مبطلًا، والدليل على ذلك: أن الإمام لا يموت حتى يوصي ويكون له خلف، والحسن قد توفي ولا وصي له ولا ولد، فادعاؤه الإمامة باطل، والإمام لا يكون من لا خلف له ظاهرًا معروفًا مشارًا إليه، ولا يجوز أيضًا أن تكون الإمامة في الحسن وجعفر؛ لقول أبي عبدالله وغيره من آبائه: «إن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين»، فدلنا ذلك على أن الإمامة لجعفر، وأنها صارت إليه من قبل أبيه لا من قبل أخويه.
وفرقة قالت: إن الإمامة في محمد بن علي المتوفى في حياة أبيه، وزعمت أن الحسن وجعفر ادعيا ما لم يكن لهما، وأن أباهما لم يشر إليهما بشيء من الوصية والإمامة، ولا روي عنه في ذلك شيء أصلًا، ولا نص عليهما بشيء يوجب إمامتهما ولا هما في موضع ذلك، وخاصة جعفر؛ فإن فيه خصالًا مذمومة وهو بها مشهور، ولا يجوز أن يكون مثلها في إمام عدل، وأما الحسن فقد توفي ولا عقب له، فعلمنا أن محمدًا كان الإمام، وقد صحت الإشارة من أبيه إليه، والحسن قد توفي ولا عقب له، ولا يجوز أن يموت إمام بلا خلف.
وفرقة قالت: إنه ولد للحسن ولد بعده بثمانية أشهر، وإن الذين ادعوا له ولدًا في حياته كاذبون في حياته مبطلون في دعواهم؛ لأن ذلك لو كان لم يخف كما لم يخف غيره ولكنه مضى ولم يعرف له ولد، ولا يجوز أن يكابر في مثل ذلك ويدفع العيان والمعقول والمتعارف، وقد كان الحبل فيما مضى قائمًا ظاهرًا ثابتًا عند السلطان وعند سائر الناس، وامتنع من قسمة ميراثه من أجل ذلك حتى بطل بعد ذلك عند السلطان وخفي أمره، فقد ولد له ابنٌ بعد وفاته بثمانية أشهر، وقد كان أمر أن يسمى محمدًا وأوصى بذلك وهو مستور لا يُرى، واعتلوا في تجويز ذلك وتصحيحه بخبرٍ يُروى عن أبي الحسن الرضا أنه قال: «ستبلون بالجنين في بطن أمه والرضيع».
وفرقة قالت: إنه لا ولد للحسن أصلًا؛ لأنا قد امتحنا ذلك وطلبناه بكل وجه فلم نجده، ولو جاز لنا أن نقول في مثل الحسن وقد توفي ولا ولد له: إن له ولدًا خفيًا لجاز مثل هذه الدعوى في كل ميت عن غير خلف، ولجاز مثل ذلك في النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقال: خلف ابنًا نبيًا رسولًا، وكذلك عبدالله بن جعفر بن محمد أنه خلف ابنًا، وأن أبا الحسن الرضا خلَّف ثلاثة بنين غير أبي جعفر، أحدهم: الإمام؛ لأن مجيء الخبر بوفاة الحسن بلا عقب كمجيء الخبر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخلف ذكرًا من صلبه ولا خلف عبدالله بن جعفر ابنًا ولا كان للرضا أربعة بنين، فالولد قد بطل لا محالة.
وفرقة قالت:إن الحسن بن علي قد صحت وفاة أبيه وجده وسائر آبائه، فكما صحت وفاته بالخبر الذي لا يكذب مثله، فكذلك صح أنه لا إمام بعد الحسن، وذلك جائز في العقول والتعارف كما جاز أن تنقطع الإمامة، وقد روي عن الصادقين أن الأرض لا تخلو من حجة إلا أن يغضب الله على أهل الأرض بمعاصيهم، فيرفع عنهم الحجة إلى وقت، والله عزوجل يفعل ما يشاء، وليس في قولنا هذا بطلان الإمامة، وهذا جائز أيضًا من وجه آخر، كما جاز ألا يكون قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما بينه وبين عيسى u نبي ولا وصي، ولما روينا من الأخبار أنه كانت بين الأنبياء فترات، ورووا ثلاثمائة سنة، وروي مائتا سنة ليس فيها نبي ووصي، وقد قال الصادق: إن الفترة هي الزمان الذي لا يكون فيه رسول ولا إمام، والأرض اليوم بلا حجة إلا أن يشاء الله فيبعث القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفرقة قالت: إن أبا جعفر محمد بن علي الميت في حياة أبيه كان الإمام بوصية من أبيه إليه وإشارته ودلالته ونصه على اسمه وَعَيْنِه.
وفرقة قالت: لما سئلوا: هل الإمام جعفر أم غيره؟ لا ندري ما نقول في ذلك أهو من ولد الحسن أم من إخوته، فقد اشتبه علينا الأمر، إنا نقول: إن الحسن بن علي كان إمامًا وقد توفي، وإن الأرض لا تخلو من حجة ونتوقف، ولا نقدم على شيء حتى يصح لنا الأمر ويتبين.
وفرقة قالت: إن الحسن بن علي توفي وإنه كان الإمام بعد أبيه، وإن جعفر بن علي الإمام بعده كما كان موسى بن جعفر إمامًا بعد عبد الله بن جعفر؛ للخبر الذي روي أن الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا مضى، وإن الخبر الذي روي عن الصادق أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين صحيح لا يجوز غيره، وإنما ذلك إذا كان للماضي خلف من صلبه فإنها لا تخرج منه إلى أخيه بل تثبت في خلفه، وإذا توفي ولا خلف له رجعت إلى أخيه ضرورة؛ لأن هذا معنى الحديث عندهم، وكذلك قالوا في الحديث الذي روي أن الإمام لا يغسله إلا إمام، وأن هذا عندهم صحيح لا يجوز غيره، وأقروا أن جعفر بن محمد غسله موسى، وادعوا أن عبدالله أمره بذلك؛ لأنه كان الإمام من بعده وإن جاز أن من يغسله موسى؛ لأنه إمام صامت في حضرة عبدالله، وهؤلاء الفطحية الخلص الذين يجيزون الإمامة في أخوين إذا لم يكن الأكبر منهما خلّف ولدًا، والإمام عندهم جعفر بن علي على هذا التأويل.
وفرقة قالت: إن الإمام بعد الحسن ابنه محمد وهو المنتظر غير أنه مات وسيحيا ويقوم بالسيف، فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا.
وفرقة قالت: ليس القول كما قال هؤلاء كلهم؛ بل لله عزوجل في الأرض حجة، وإن للحسن ابن علي ابنًا سماه محمدًا ودلَّ عليه، وليس الأمر كما زعم من ادعى أنه توفي ولا خلف له، ومحمد هذا هو القائم، وإن له غيبتين: الصغرى منهما يوم توفي أبوه العسكري، والكبرى بدأت من وفاة أبي الحسين علي بن محمد السمري آخر السفراء الأربعة، ولا يعلم انتهاءها إلا الله عزوجل ([620]).
وهذه الفرقة الأخيرة هي التي تهمنا، وهي الإمامية الاثنا عشرية، وهي موضوع كتابنا هذا، ويبلغ تعداد الإمامية الاثني عشرية من الشيعة اليوم ما يزيد على المائة مليون نسمة حسب المصادر الشيعية([621])، من مجموع تعداد المسلمين والذي فاق المليار، ويختلف الآخرون مع الإمامية في صحة تعدادهم أنه قد بلغ المائة مليون، ويعدون ذلك من مبالغاتهم باعتبار أن العدد المذكور يشمل جميع فرق ومذاهب الشيعة السائدة في يومنا هذا كالزيدية والإسماعيلية والعلوية، فضلًا عن الفرق الباطنية في شبه القارة الهندية وغيرها.
وعلى أي حال، لسنا الآن بصدد مناقشة مسألة العدد.
 

 
المهدي المنتظر واختلاف الشيعة في:
مولده، تاريخ ميلاده، اسم أمه، جواز تسميته
وصل بنا الحديث إلى الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن.
أقول: اضطربت الإمامية في شأن المهدي اضطرابًا شديدًا لا يكاد ينضبط بحالٍ من الأحوال، حتى إنه لم يغادر من شئونه وأحواله شيء، ويصعب علينا إيراد ذلك كله في هذه العجالة من أمر كتابنا هذا، إلا أننا -إن كان في العمر بقية- أن سنوفي هذا الموضوع حقه، ولكن إليك بيان ذلك بإيجازٍ شديد:
أول اختلاف يفاجأ به الباحث في مسألة مهدي القوم، هو الاختلاف الشديد عندهم في مولده، فاقرأ معي هذه الروايات، فهي واضحة الدلالة وتغني عن التعليق والإضافة:
يروي القوم أن حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قالت: «بعث إليَّ أبو محمد، فقال: يا عمة، اجعلي إفطارك الليلة عندنا؛ فإنها ليلة النصف من شعبان؛ فإن الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة وهو حجته في أرضه، فقلت له: ومن أمه؟ قال لي: نرجس، قلت له: والله جعلني فداك ما بها من أثر».
وفي رواية: «فوثبت إلى نرجس، فقلبتها ظهرًا لبطن فلم أر بها أثرًا من حبل، فعدت إليه فأخبرته بما فعلت فتبسم، ثم قال لي: إذا كان وقت الفجر يظهر لك بها».
وفي رواية: قال: «إنا معاشر الأوصياء لسنا نحمل في البطون وإنما نحمل في الجنوب، ولا نخرج من الأرحام وإنما نخرج من الفخذ الأيمن من أمهاتنا؛ لأننا نور الله الذي لا تناله الدانسات، فجاءت تنزع خفي، وقالت لي: يا سيدتي، كيف أمسيت؟
فقلت: بل أنت سيدتي وسيدة أهلي، فأنكرت قولي، وقالت: ما هذا يا عمة؟ فقلت لها: يا بنية، إن الله تبارك وتعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلامًا سيدًا في الدنيا والآخرة، فجلست واستحيت، فلم أزل أرقبها إلى وقت طلوع الفجر وهي نائمة بين يدي».
وفي رواية: «فلما ورد وقت صلاة الليل قمت ونرجس نائمة ما بها أثر ولادة، فأخذت في صلاتي ثم أوترت، فأنا في الوتر حتى وقع في نفسي أن الفجر قد طلع، فدخلتني الشكوك، فصاح بي أبو محمد من المجلس: لا تعجلي يا عمة؛ فإن الأمر قد قرب، فبينا أنا كذلك إذ انتبهت فزعة فوثبت إليها، فقلت: اسم الله عليك، ثم قلت لها: تحسين شيئًا؟ قالت: نعم يا عمة، فقلت لها: اجمعي نفسك واجمعي قلبك فهو ما قلت لك، فوقع علي سبات لم أتمالك معه أن نمت، ووقع على نرجس مثل ذلك ونامت، فلم أنتبه إلا بحس سيدي المهدي، وصيحة أبي محمد يقول: يا عمة، هاتي ابني...» الخبر([622]).
وفي رواية: عن سعد بن عبدالله قال: «لما توفي الحسن العسكري بعث السلطان إلى داره من يفتشها ويفتش حجرها، وختم على جميع ما فيها وطلبوا أثر ولده، وجاءوا بنساء يعرفن الحبل، فدخلن على جواريه، فنظرن إليهن، فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حبل، فأمر بها فجعلت في حجرة ووكل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم.
فلما دفن وتفرق الناس اضطرب السلطان وأصحابه في طلب ولده وكثر التفتيش في المنازل والدور، وتوقفوا عن قسمة ميراثه، ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهموا عليها الحبل ملازمين لها سنتين وأكثر حتى تبين لهم بطلان الحبل فقسم ميراثه»([623]).
أما متى ولد؟ ففي رواية: سنة (254) للهجرة، وفي ثانية: (255) للهجرة، وفي ثالثة: (256) للهجرة، وفي رابعة: (257) للهجرة، وفي خامسة: (258) للهجرة([624]).
أما اسم أمه: ففي رواية: نرجس، وفي ثانية: صقيل، وفي ثالثة: ريحانة، وفي رابعة: سوسن، وفي خامسة: حكيمة، وفي سادسة: خمط، وفي سابعة: مليكة، وفي ثامنة: مريم بنت زيد العلوية([625]).
ومن أطرف ما قرأت في تفسير هذا التعدد، قول البعض: إن لها كل يوم اسمًا([626])!
كذلك اختلفوا في جواز تسميته ورؤية شخصه، ووضعوا في ذلك روايات عن معظم الأئمة، منها:
ما روي عن الباقر قال: «سأل عمر أمير المؤمنين عن المهدي قال: يا ابن أبي طالب، أخبرني عن المهدي ما اسمه؟ قال: أما اسمه فلا، إن حبيبي وخليلي عهد إليَّ ألا أحدث باسمه حتى يبعثه الله عزوجل، وهو مما استودع الله عزوجل رسوله علمه».
وعن أبي خالد الكابلي قال: دخلت على محمد بن علي الباقر، فقلت: «جعلت فداك، قد عرفت انقطاعي إلى أبيك وأنسي به ووحشتي من الناس، قال: صدقت يا أبا خالد، تريد ماذا؟ قلت: جعلت فداك، قد وصف لي أبوك صاحب هذا الأمر بصفته لو رأيته في بعض الطرقات لأخذت بيده، قال: فتريد ماذا يا أبا خالد؟ قال: أريد أن تسميه لي حتى أعرفه باسمه، فقال: سألتني والله يا أبا خالد عن سؤال مجهد، ولقد سألتني عن أمرٍ ما لو كنت محدثًا به أحدًا لحدثتك، ولقد سألتني عن أمرٍ لو أن بني فاطمة عرفوه حرصوا على أن يقطعوه بضعة بضعة».
وعن المفضل بن عمر قال: «كنت عند أبي عبدالله في مجلسه ومعي غيري، فقال لي: يا أبا عبدالله، إياكم والتنويه، يعني: باسم القائم».
وعنه قال: «المهدي من ولدي الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته».
وعنه أيضًا قال: «صاحب هذا الأمر رجل لا يسميه باسمه إلا كافر».
وعن الكاظم أنه قال: «يخفى على الناس ولادته، ولا يحل لهم تسميته».
وعن الرضا قال: «لا يرى جسمه، ولا يسمى باسمه».
وعن الجواد قال: «القائم هو الذي يخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكنيّه».
وعن أبي هاشم الجعفري قال: سمعت أبا الحسن العسكري يقول: «الخلف من بعد الحسن ابني، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟ قلت: ولم جعلني الله فداك؟ فقال: لأنكم لا ترون شخصه، ولا يحل لكم ذكره باسمه، قلت: فكيف نذكره؟ فقال: قولوا: الحجة من آل محمد».
وعن عبد العظيم الحسني، عن أبي الحسن الثالث أنه قال في القائم: «لا يحل ذكره باسمه».
بل روى القوم ذلك عن المهدي نفسه، فعن علي بن عاصم الكوفي قال: «خرج في توقيعات صاحب الزمان: ملعون ملعون من سماني في محفلٍ من الناس».
وفي رواية: «من سماني في مجمع من الناس باسمي فعليه لعنة الله».
وعن الحميري أنه سأل العمري عن اسم القائم؟ فقال: «إياك أن تبحث عن هذا؛ فإن عند القوم أن هذا النسل قد انقطع»([627]).
ومسألة النهي عن تسميته من أغرب المسائل وأطرفها بعد كل هذه المئات من الروايات التي ملأ القوم كتبهم منها، والتي ذكرنا بعض مصادرها في مقدمة الباب عند ذكر سلسلة الأئمة، وأن الإمام بعد الحسن العسكري ابنه محمد، بنص الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وكذا الأئمة.
ولعلماء القوم في هذه المسألة تأويلات وأقوال وردود، منها: أن الصدوق لما أورد روايات فيها ذكر اسمه، قال تعليقًا على إحداها: (جاء هذا الحديث هكذا بتسمية القائم، والذي أذهب إليه النهي عن تسميته)([628]).
وقال الإربلي: (من العجيب أن الشيخ الطبرسي والشيخ المفيد رحمهما الله تعالى قالا: إنه لا يجوز ذكر اسمه ولا كنيته، ثم يقولان: اسمه اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكنيته كنيته عليهما الصلاة والسلام، وهما يظنان أنهما لم يذكرا اسمه ولا كنيته، وهذا عجيب! والذي أراه أن المنع من ذلك إنما كان للتقية في وقت الخوف عليه والطلب له والسؤال عنه، فأما الآن فلا، والله أعلم)([629]).
أقول: وأعجب منه تعليل الإربلي نفسه -بما لا أعرف وجه الحاجة إليه- وهو القول بالتقية في هذه المسألة في أمرٍ قد فرغ منه بزعم القوم بنص الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم على إمامته بعد أبيه العسكري كما مرَّ بك.
 

 
اضطراب الشيعة في تأويل حديث: (اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي)
وعلى ذكر قولـه: اسمه اسم النبي وكنيته كنيته، فقد وردت من طرق عدة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المهدي قولـه: «يواطيء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي»([630]).
وهذه الأحاديث تعني ببساطة: أن المهدي الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم اسمه محمد بن عبدالله، أما مهدينا هذا فاسمه محمد بن الحسن، إذًا ماذا كان موقف القوم من هذا؟ 
في حقيقة الأمر اضطربت آراؤهم في هذه المسألة بين مختصر للطريق، وذلك بالقول بضعف أسانيد هذه الروايات، إلى مؤول لها تأويلًا بعيدًا؛ كما ستقف عليه من هذه الأقوال:
منها قولهم: إنه سائغ وشائع في لسان العرب إطلاق لفظة الأب على الجد، أو أن لفظة الاسم تطلق على الكنية وعلى الصفة.
ومنهم من قال: إن المهدي من ولد أبي عبدالله وكانت كنية الحسين أبا عبدالله، فأطلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الكنية لفظة الاسم لأجل المقابلة بالاسم في حق أبيه، وأطلق على الجد لفظة الأب، فكأنه u قال: يواطئ اسمه اسمي، فأنا محمد وهو محمد، وكنية جده اسم أبي إذ هو أبو عبدالله([631]).
ومنهم من قال: إن كنية الحسن العسكري أبو محمد، وعبدالله أبو النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبو محمد، فتتوافق الكنيتان والكنية داخلة تحت الاسم([632]).
ومنهم من قال: لما كان المهدي يخرج بعد دهر طويل من ولادته، لا يمكنه في بدء دعوته أن يعرف نفسه ويحقق نسبه بأنه محمد بن الحسن بن علي لعدم الجدوى بذلك، ولأن أهل مكة -حيث يظهر- غير معترفين بغيبته دهرًا طويلًا ولا بإمامة آبائه، فهو إنما يعرف نفسه بأنه محمد بن عبدالله، يعني: أن اسمه الشريف محمد، وأن أباه عبد من عباد الله الصالحين([633]).
ومنهم من قال: إن كلمة [أبي] مصحفة، وإنما هي [ابني]([634]).
ومنهم من قال: إنما هي [نبي]([635]).
ومنهم من قال: إن كلمة [أبي] قد زيدت في هذه الأحاديث([636]).

 
النهي عن كتابة اسمه
نبقى مع القوم في مسألة النهي عن التسمية، ونقول: إن هذا النهي شمل كتابة اسمه أيضًا، فإذا أراد أحد ممن يرى هذا النهي كتابة اسمه نراه يكتبه على هذا النحو: (م ح م د) هكذا بحروف مقطعة، ولذا تجد هذه الطريقة في كتابة اسمه مألوفة وكثيرة في كتب القوم([637]).
 
طريقة نشأته، مدة غيبته الصغرى، علة غيبته،
تاريخ خروجه، مكان خروجه، عمره عند خروجه،
مدة ملكه بعد خروجه
أما طريقة نشأته، فقد علمت من تواريخ ميلاده التي ذكرناها أنه بعد وفاة أبيه العسكري لم يكن قد تجاوز السنتين إلى الست سنوات من عمره، بحسب الاختلاف الذي أوردناه هناك في تاريخ ميلاده.
إذا: لابد للقوم من حل لهذا الإشكال، ولهذا وضعوا هذه الروايات:
عن حكيمة -التي مرَّت بك روايتها لمولد المهدي- قالت: «بعد أن كان أربعون يومًا دخلت عليه فإذا أنا بصبي متحرك يمشي بين يديه، فقلت: سيدي، هذا ابن سنتين؟ فتبسم ثم قال: إن أولاد الأنبياء والأوصياء إذا كانوا أئمة ينشؤون بخلاف ما ينشأ غيرهم، وإن الصبي منا إذا أتى عليه شهر كان كمن يأتي عليه سنة، وإن الصبي منا ليتكلم في بطن أمه ويقرأ القرآن ويعبد ربه عزوجل، وعند الرضاع تطيعه الملائكة وتنزل عليه كل صباح ومساء، فلم أزل أرى ذلك الصبي كل أربعين يومًا إلى أن رأيته رجلًا قبل مضي أبي محمد بأيام قلائل فلم أعرفه، فقلت لأبي محمد: من هذا الذي تأمرني أن أجلس بين يديه؟ فقال: ابن نرجس، وهو خليفتي من بعدي»([638]).
وفي رواية يبدو فيها أن واضعها قد استبطأ الطريقة السابقة، فروى عن العسكري أنه قال لحكيمة: «أما علمت أنا معشر الأوصياء ننشأ في اليوم ما ينشأ غيرنا في الجمعة، وننشأ في الجمعة ما ينشأ غيرنا في السنة»([639]).
وجاء آخر يبدو أنه في عجلة من أمره، فجعل أمر اليوم كسنة، فروى أن العسكري قال: «يا عمتي، أما علمتِ أنا معاشر الأئمة ننشأ في اليوم ما ينشأ غيرنا في السنة»([640]).
وهكذا حل الإشكال.
وكذلك الاختلاف حصل في مدة غيبته الصغرى بين (69) سنة و(74) سنة([641])، بين من جعل ابتداء ذلك من تاريخ مولده -وقد عرفت الاختلاف في ذلك- وبين من جعل ذلك من وفاة أبيه العسكري (260) للهجرة، وحصل بذلك عندك خمسة تواريخ لبدء غيبته، والغريب من جعل ذلك سنة ست وستين ومائتين([642])، وست وسبعين ومائتين أيضًا([643]).
أما علة الغيبة فإليك الاختلاف: 
عن حنان بن سدير عن أبيه قال: عن أبي عبدالله قال: «إن للقائم منا غيبة يطول أمدها، فقلت له: ولم ذاك يا ابن رسول الله؟ قال: إن الله عزوجل أبى إلا أن يجري فيه سنن الأنبياء ‡ في غيباتهم، وإنه لابد له يا سدير من استيفاء مدد غيباتهم»([644]).
ومنهم من جعل علة الغيبة الخوف من القتل، فرووا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا بد للغلام من غيبة، فقيل له: ولم يا رسول الله؟ قال: يخاف القتل»([645]).
وعن زرارة قال: سمعت أبا جعفر يقول: «إن للغلام غيبة قبل ظهوره، قلت: ولم؟ قال: يخاف، وأومأ بيده إلى بطنه، قال زرارة: يعني القتل»([646]).
وفي رواية: «يخاف على نفسه الذبح»([647]).
وعن الباقر قال: «إذا ظهر قائمنا أهل البيت، قال: ( ßNö‘txÿsù öNä3ZÏB $£Js9 öNä3çFøÿÅz |=yduعزوجلsù ’Í< ’În1u‘ $VJõ3ãm ÓÍ_n=yèy_ur z`ÏB tûüÎ=y™ößJø9$# ÇËÊÈ ) [سورة الشعراء]»([648]).
ومنهم من جعل علة الغيبة لئلا يكون في عنقه لأحدٍ بيعة إذا خرج، فعن إسحاق بن يعقوب قال: «إنه ورد عليه من الناحية المقدسة على يد محمد بن عثمان: وأما علة ما وقع من الغيبة فإن الله عزوجل يقول: ( $pkš‰r'¯»tƒ šúïÏ%©!$# (#عزوجلãZtB#u䠟w (#عزوجلè=t«ó¡n@ ô`tã uä!$u‹ô©r& bÎ) y‰ö6è? öNä3s9 öNä.÷sÝ¡n@ ) [المائدة:101] إنه لم يكن أحد من آبائي إلا وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإني أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحدٍ من الطواغيت في عنقي»([649]).
وعن أبي عبدالله قال: «صاحب هذا الأمر تعمى ولادته على الخلق؛ لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج»([650]).
أقول: وفي هذه الروايات دليل على بيعة كل إمام لخليفة زمانه، وفي هذا إشكال لا يخفى على القارئ البصير. 
ومنهم من جعل علة ذلك سُوءَ أعمال العباد وكراهية الله لجوار الأئمة لهم، كما في الرواية: «ما هو محجوب عنكم ولكن حجبه سوء أعمالكم»([651]).
قال الطوسي: «وفيه إشارة إلى أن من ليس له عمل سوء فلا شيء يحجبه عن إمامه»([652]).
أقول: وفيه إشارة إلى عدم خلو أناس هذا الزمان من سوء الأعمال.. فتدبر!
وعن مروان الأنباري قال: خرج من أبي جعفر: «إن الله إذا كره لنا جوار قوم نزعنا من بين أظهرهم»([653]).
أقول: يبدو أن هذه الكراهية ما زالت قائمة، نسأل الله العافية.
ومنهم من لم ير كل ما ذكرناه، فأبهم العلة وجعلها خافية، فرووا أن مهديهم قال: «أغلقوا أبواب السؤال عما لا يعنيكم، ولا تتكلفوا على ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج»([654]).
وعن عبدالله بن الفضل الهاشمي قال: سمعت الصادق يقول: «إن لصاحب هذا الأمر غيبة لا بد منها، يرتاب فيها كل مبطل، فقلت له: ولم جعلت فداك؟ قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم، وإن هذا الأمر من أمر الله، وسر من سر الله، وغيب من غيب الله»([655]).
أما متى يخرج؟
فهذه هي الطامة الكبرى والبلية العظمى، فما زالت الشيعة تربى بالأماني إلى يومنا هذا، أما الاختلاف في ذلك فإليك بيانًا موجزًا عنه:
فعن محمد بن الفضيل، عن أبي جعفر قال: «ستبقون ستة من دهركم لا تعرفون إمامكم، قلت: وكم الستة جعلت فداك؟ قال: ستة أيام، أو ستة أشهر، أو ست سنين، أو ستون سنة»([656]).
ثم جاءت الروايات أكثر تحديدًا، فعن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله قال: «في القائم سنة من موسى بن عمران، فقلت: وما سنته من موسى بن عمران؟ قال: خفاء مولده وغيبته عن قومه، فقلت: وكم غاب موسى عن أهله وقومه؟ قال: ثمانيًا وعشرين سنة»([657]).
وعن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله قال: «إذا فقد الناس الإمام مكثوا سبتًا لا يدرون من أي، ثم يظهر الله عزوجل لهم صاحبهم»([658]).
وفي رواية: عن الباقر: «ثم يقيم سبتًا من دهركم لا تدرون أيًا من أي، فبينما أنتم كذلك إذ أطلع الله نجمكم فاحمدوه واقبلوه»([659]).
والسبت -كما مرَّ بك- ثلاثون سنة([660]).
وعلى هذا فقد مرت عشرات السبتات منذ غيبة صاحبنا، ولم يظهر نجمه لنحمد الله ونقبله.
وعن الأودي قال: إن المهدي سأله: «أتعرفني؟ فقلت: اللهم لا، قال: أنا المهدي، أنا قائم الزمان، أنا الذي أملؤها عدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، إن الأرض لا تخلو من حجة، ولا يبقى الناس في فترة أكثر من تيه بني إسرائيل، وقد ظهر أيام خروجي، فهذه أمانة في رقبتك فحدِّث بها إخوانك من أهل الحق»([661]).
أقول: مضى على هذه الرواية حوالي (14) قرنًا، وتيه بني إسرائيل كما في سورة المائدة: آية: (26) إنما كان أربعين سنة.
وعن الثمالي قال: قلت لأبي جعفر: «إن عليًا كان يقول: إلى السبعين بلاء، وكان يقول: بعد البلاء رخاء، وقد مضت السبعون ولم نر رخاء؟
فقال أبو جعفر: يا ثابت، إن الله تعالى كان وقت هذا الأمر في السبعين، فلما قتل الحسين اشتد غضب الله على أهل الأرض فأخره إلى أربعين ومائة سنة، فحدثناكم فأذعتم الحديث، وكشفتم قناع الستر فأخره الله»([662]).
أقول: سواء كان الأمر حسب التوقيت الأول (أي: أيام الحسين ا) أو الآخر (أي: أيام الصادق رحمه الله) فهما لا يستقيمان إذا علمنا أن المهدي هو ابن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر، فكيف يخرج من لم يولد بعد؟ وأين القول بالاثني عشر؟ ففي الرواية إسقاط ثمانية أئمة باعتبار التوقيت الأول، وخمسة باعتبار التوقيت الآخر، وهذا إشكال متروك حله إلى القوم، والغريب قول الصادق: «كان هذا الأمر فيَّ فأخره الله، ويفعل بعدُ في ذريتي ما يشاء»([663])!
وعن علي بن الحسين قال: «يقوم قائمنا لموافاة الناس سنة، قال: يقوم القائم بلا سفياني، إن أمر القائم حتم من الله، وأمر السفياني حتم من الله، ولا يكون قائم إلا بسفياني، قلت: جعلت فداك، فيكون في هذه السنة؟ قال: ما شاء الله، قلت: يكون في التي يليها؟ قال: يفعل الله ما يشاء»([664]).
وهذه الرواية كسابقتها، فيها مع افتراض التوقيت المذكور إسقاط بقية الأئمة، أما مسألة حتمية السفياني فهي موضع نظر عند القوم؛ لاحتمال البداء فيه، كما يروي القوم عن داود بن أبي القاسم قال: «كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا، فجرى ذكر السفياني وما جاء في الرواية أن أمره من المحتوم، فقلت لأبي جعفر: هل يبدو لله في المحتوم؟ قال: نعم»([665]).
وعن البزنطي قال: سمعت الرضا يقول: «يزعم ابن أبي حمزة أن جعفرًا زعم أن أبي القائم وما علم جعفر بما يحدث من أمر الله، فوالله لقد قال الله تبارك وتعالى يحكي لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( ö@è% $tB àMZä. %Yæô‰Î/ z`ÏiB È@ߙ”9$# !$tBur “Í‘÷Šr& $tB ã@yèøÿム’Î1 Ÿwur ö/ä3Î/ ( ÷bÎ) ßìÎ7¨?r& žwÎ) $tB #Óyrعزوجلム¥’n<Î) ) [الأحقاف:9] وكان أبو جعفر يقول: أربعة أحداث تكون قبل قيام القائم تدل على خروجه، منها أحداث قد مضى منها ثلاثة وبقي واحد.
قلنا: جعلنا فداك، وما مضى منها؟ قال: رجب خلع فيه صاحب خراسان، ورجب وثب فيه علي بن زبيدة، ورجب يخرج فيه محمد بن إبراهيم بالكوفة، قلنا له: فالرجب الرابع متصل به؟ قال: هكذا قال أبو جعفر»([666]).
قال المجلسي في بيان الحديث: «خلع صاحب خراسان كأنه إشارة إلى خلع الأمين المأمون عن الخلافة، وأمره بمحو اسمه عن الدراهم والخطب.
والثاني: إشارة إلى خلع محمد الأمين.
والثالث: إشارة إلى ظهور محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن المعروف بابن طباطبا بالكوفة لعشر خلون من جمادى الآخرة في قريب من مائتين من الهجرة، ويحتمل أن يكون المراد بقولـه: هكذا قال أبو جعفر، تصديق اتصال الرابع بالثالث، فيكون الرابع إشارة إلى دخوله خراسان؛ فإنه كان بعد خروج محمد بن إبراهيم بسنة تقريبًا، ولا يبعد أن يكون دخوله خراسان في رجب»([667]).
أقول: مضى على هذه الحوادث الأربعة التي تكون قبل قيام القائم وتدل على خروجه كما في الرواية اثنا عشر قرنًا.
وعن البزنطي أيضًا قال: «سألت الرضا عن قرب هذا الأمر؟ فقال: قال أبو عبد الله، حكاه عن أبي جعفر قال: أول علامات الفرج سنة خمس وتسعين ومائة، وفي سنة ست وتسعين ومائة تخلع العرب أعنّتها، وفي سنة سبع وتسعين ومائة يكون الفنا، وفي سنة ثمانٍ وتسعين ومائة يكون الجلاء، فقال: أما ترى بني هاشم قد انقلعوا بأهاليهم وأولادهم؟ فقلت: لهم الجلاء؟ قال: وغيرهم، وفي سنة تسع وتسعين ومائة يكشف الله البلاء إن شاء الله، وفي سنة مائتين يفعل الله ما يشاء، فقلت له: جعلت فداك، إنك قلت لي في عامنا الأول: حكيت عن أبيك أن انقضاء ملك آل فلان على رأس فلان وفلان، وليس لبني فلان سلطان بعدهما، قال: قد قلت ذاك لك، فقلت: أصلحك الله، إذا انقضى ملكهم يملك أحد من قريش يستقيم عليه الأمر؟ قال: لا، قلت: يكون ماذا؟ قال: يكون الذي تقول أنت وأصحابك، قلت: تعني خروج السفياني؟ فقال: لا، فقلت: فقيام القائم، قال: يفعل الله ما يشاء، قلت: فأنت هو؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله»([668]).
هذه الرواية بالرغم من كل ما فيها من تورية وجهل بالقائم كسابقتها، ونحن الآن في القرن الخامس عشر للهجرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وعن الباقر أنه سئل عن قول الله عزوجل: ( tAr'y™ 7@ͬ!$y™ 5>#x‹yèÎ/ 8ìÏ%#ur ÇÊÈ )[سورة المعارج]؟ فقال: «نار تخرج من المغرب، وملك يسوقها من خلفها حتى يأتي من جهة دار بني سعد بن همام عند مسجدهم، فلا تدع دارًا لبني أمية إلا أحرقتها وأهلها، ولا تدع دارًا فيها وتر لآل محمد إلا أحرقتها وذلك المهدي»([669]).
أقول: لعل بني أمية هؤلاء الذين جاءتهم النار من جهة دار بني سعد بن همام غير بني أمية الذين نعرف والذين ذهبت دولتهم، وكذا من جاء بعدهم من عباسيين وعثمانيين.
وعن الحسن بن إبراهيم قال: قلت للرضا: «أصلحك الله، إنهم يتحدثون أن السفياني يقوم وقد ذهب سلطان بني العباس؟ فقال: كذبوا، إنه ليقوم وإن سلطانهم لقائم»([670]).
وعن الباقر قال: «لا بد أن يملك بنو العباس، فإذا ملكوا واختلفوا وتشتت أمرهم خرج عليهم الخراساني والسفياني، هذا من المشرق، وهذا من المغرب، يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان»([671]).
وعن أبي بصير، عن أبي عبدالله قال: «الله أجل وأكرم وأعظم من أن يترك الأرض بلا إمام عادل، قلت: جعلت فداك، فأخبرني بما أستريح إليه، قال: يا أبا محمد، ليس يرى أمة محمد فرجًا أبدًا ما دام لولد بني فلان ملك حتى ينقرض ملكهم، فإذا انقرض ملكهم أتاح الله لأمة محمد برجلٍ منا أهل البيت، يسير بالتقى، ويعمل بالهدى، ولا يأخذ في حكمه الرشا، والله إني لأعرفه باسمه واسم أبيه، ثم يأتينا الغليظ القصرة ذو الخال والشامتين القائد العادل الحافظ لما استودع، يملؤها عدلًا وقسطًا كما ملأها الفجار جورًا وظلمًا»([672]).
وعن سلمان الفارسي ا قال: «أتيت أمير المؤمنين خاليًا، فقلت: يا أمير المؤمنين، متى القائم من ولدك؟ فتنفس الصعداء، وقال: إذا قتلت ملوك بني العباس، أولي العمى والالتباس، أصحاب الرمي عن الأقواس بوجوه كالتراس، وخربت البصرة، هناك يقوم القائم من ولدي الحسين»([673]).
أقول: انظر كم مضى على زوال الدولة العباسية ولم يخرج صاحبنا؟!
وعن ابن يقطين قال: قال لي أبو الحسن: «يا علي، إن الشيعة تربى بالأماني منذ مائتي سنة.
وقال يقطين لابنه علي: ما لنا قيل لنا فكان، وقيل لكم فلم يكن؟ فقال له علي: إن الذي قيل لكم ولنا من مخرج واحد، غير أن أمركم حضركم فأعطيتم محضة، وكان كما قيل لكم، وإن أمرنا لم يحضر فعللنا بالأماني، ولو قيل لنا: إن هذا الأمر لا يكون إلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب، ولرجعت عامة الناس عن الإسلام؛ ولكن قالوا: ما أسرعه! وما أقربه! تألفًا لقلوب الناس، وتقريبًا للفرج»([674]).
ويقطين هذا كان من أتباع بني العباس، فقال لابنه علي الذي كان من خواص الكاظم: ما بالنا وعدنا دولة بني العباس على لسان الرسول والأئمة صلوات الله عليهم، فظهر ما قالوا، ووعدوا وأخبروا بظهور دولة أئمتكم فلم يحصل.
والرواية تتكلم عن قسوة القلوب والخوف من رجوع عامة الناس عن الإسلام لمئتي سنة أو ثلاثمائة سنة، لا أربعة عشر قرنًا، ولعل في الروايات الآتية بيانًا لكل ما مرَّ بك:
فعن أبي بصير قال: قلت له: «ألهذا الأمر أمد نريح إليه أبداننا وننتهي إليه؟
قال: بلى، ولكنكم أذعتم فزاد الله فيه»([675]).
ولكن يبدو أن الموعد الجديد الذي أخر إليه قد أخر هو الآخر أيضًا، فعن إسحاق بن عمار قال: «يا إسحاق، إن هذا الأمر قد أخر مرتين»([676]).
ولكن ماذا حصل للموعد الجديد، فقد مرَّت بك الرواية في قول الباقر: بأن الله تعالى قد وقَّت هذا الأمر في السبعين، فلما قتل الحسين اشتد غضب الله على أهل الأرض فأخره إلى أربعين ومائة سنة، فحدثناكم فأذعتم الحديث وكشفتم قناع الستر فأخره الله.
ثم حسمت المسألة بتكذيب التوقيت مطلقًا، فعن الفضيل قال: سألت أبا جعفر: «هل لهذا الأمر وقت؟ فقال: كذب الوقاتون، كذب الوقاتون، كذب الوقاتون».
وعن منذر الجوار، عن أبي عبدالله قال: «كذب الموقتون، ما وقتنا فيما مضى، ولا نوقت فيما يستقبل».
وعن مهزم الأسدي قال: سألت أبا عبدالله: «أخبرني -جعلت فداك- متى يكون هذا الأمر الذي تنتظرونه فقد طال؟ فقال: يا مهزم، كذب الوقاتون، وهلك المستعجلون».
وعن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله قال: «من وقت لك من الناس شيئًا فلا تهابن أن تكذبه؛ فلسنا نوقت لأحدٍ وقتًا».
وعن أبي عبدالله قال: «كذب الوقاتون، إنا أهل بيت لا نوقت، ثم قال: أبى الله إلا أن يخالف وقت الموقتين».
وعن إسحاق بن يعقوب أنه خرج إليه على يد محمد بن عثمان العمري: «أما ظهور الفرج فإنه إلى الله، وكذب الوقاتون».
وعن أبي عبدالله قال: «إنا لا نوقت هذا الأمر».
وعنه أيضًا قال: «حاشا لله أن يوقت ظهوره بوقت يعلمه شيعتنا»([677]).
وعلى أي حال، فالروايات في الباب كثيرة، ولكن من الذي وقت لنا؟
ونختم حديثنا عن الاختلاف في تاريخ خروجه بهذه الروايات، ففيها فرج ورفع حرج لحيرة المنتظرين:
فعن محمد بن مسلم وأبي بصير قالا: سمعنا أبا عبدالله يقول: «لا يكون هذا الأمر حتى يذهب ثلثا الناس، فقلنا: إذا ذهب ثلثا الناس فمن يبقى؟ فقال: أما ترضون أن تكونوا في الثلث الباقي»([678]).
وعن جابر الجعفي قال: قلت لأبي جعفر: «متى يكون فرجكم؟ فقال: هيهات هيهات! لا يكون فرجنا حتى تغربلوا، ثم تغربلوا، ثم تغربلوا -يقولها ثلاثًا- حتى يذهب الكدر، ويبقى الصفو»([679]).
وعن إبراهيم بن هليل قال: قلت لأبي الحسن: «جعلت فداك، مات أبي على هذا الأمر وقد بلغت من السنين ما قد ترى، أموت ولا تخبرني بشيء؟ فقال: يا أبا إسحاق، أنت تعجل، فقلت: إي والله أعجل، وما لي لا أعجل وقد بلغت من السن ما ترى؟ فقال: أما والله يا أبا إسحاق ما يكون ذلك حتى تميزوا وتمحصوا، وحتى لا يبقى منكم إلا الأقل، ثم صعَّر كفه»([680]).
وقال الرضا: «والله ما يكون ما تمدون أعينكم إليه حتى تمحصوا وتميزوا، وحتى لا يبقى منكم إلا الأندر فالأندر»([681]).
فتأمل في عدد سكان العالم الآن، وانظر كيف يذهب أكثر من [66%] ولعل في ذلك دلالة على نشوب حرب عالمية أخرى تأتي على الأخضر واليابس، ويفنى فيها أكثر الناس حتى يعود من بقي منهم إلى ما كان عليه الناس من عصر السيوف والنبال.
ويؤيد ما ذهبنا إليه من أن صاحبنا سيخرج بالسيف، كما في روايات القوم، ومنها: عن الصادق قال: «لا يظهر إلا بالسيف»([682]).
وعن الحسن بن فضال، عن الرضا أنه قال: «كأني بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي يطلبون المرعى فلا يجدونه، قلت له: ولم ذلك يا ابن رسول الله؟ قال: لأن إمامهم يغيب عنهم، فقلت: ولم؟ قال: لئلا يكون في عنقه لأحد بيعة إذا قام بالسيف»([683]).
وعن المفضل أنه سمع الصادق يقول: «إن لصاحب الأمر بيتًا يقال له: بيت الحمد، فيه سراج يزهر منذ يوم ولد إلى يوم يقوم بالسيف لا يطفى»([684]).
وعن أبي جعفر الثاني قال: «وله سيف مغمد، فإذا حان وقت خروجه اقتلع ذلك السيف من غمده وأنطقه الله عزوجل، فناداه السيف: اخرج يا ولي الله، فلا يحل لك أن تقعد عن أعداء الله»([685]).. وحددت بعض الروايات سيفه بأنه سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم([686])، وفي بعضها بأنه ذو الفقار([687]).
وكذلك أصحابه، فعن الصادق قال: «إذا قام القائم أتى رحبة الكوفة فقال برجله هكذا، وأومأ بيده إلى موضع، ثم قال: احفروا ههنا، فيحفرون فيستخرجون اثني عشر ألف درع، واثني عشر ألف سيف، واثني عشر ألف بيضة، لكل بيضة وجهان، ثم يقول: من لم يكن عليه مثل ما عليكم فاقتلوه»([688]).
وعز على آخر أن تكون سيوفهم من الأرض فأنزلها من السماء، فعن الصادق: «إذا قام القائم نزلت سيوف القتال، على كل سيف اسم الرجل واسم أبيه»([689]).
وعلى أي حال، فالروايات الدالة على خروجه وكذا أصحابه بالسيوف كثيرة، ونجتزئ بما أوردناه([690]).
عاد بنا الحديث إلى الاختلاف في شئونه، ومنها: في أي يوم سيكون خروجه وأين؟ عن الصادق قال: «يوم النيروز هو اليوم الذي يظهر فيه قائمنا أهل البيت، وما من يوم نيروز إلا ونحن نتوقع فيه الفرج؛ لأنه من أيامنا حفظته الفرس وضيعتموه »([691]).
لا يفوتك أن تتدبر في مسألة انتظار الإمام السادس للثاني عشر في حياته، كما لا يفوتك مغزى الولاء لهذه الأعياد.
وفي قول: يوم عاشوراء يوم السبت([692]).
وفي آخر: يوم الجمعة([693]).
أما أين؟
ففي رواية: من قرية في اليمن تسمى كرعة([694]).
وفي أخرى: مكة([695]).
وكذلك الاختلاف في عمره عند خروجه، ففي بعض الروايات أنه ابن ثلاثين سنة.
وفي أخرى: اثنتين وثلاثين سنة.
وفي أخرى: ابن أربعين سنة.
وأخرى: ابن ثمانين سنة.
وأخرى: إن ذلك إلى الله عزوجل.
عن المفضل أنه سأل الصادق: «يا سيدي، يعود شابًا أو يظهر في شيبته؟ فقال: سبحان الله! وهل يعرف ذلك؟ يظهر كيف شاء وبأي صورة شاء»([696]).
وكذا اختلف القوم في كم يملك عند خروجه، بين (7) سنوات، و(19) سنة، و(19) سنة وأشهر، و(40) سنة، و(70) سنة، و(120) سنة، و(309) سنوات([697]).
نعود إلى حديثنا عن غيبة المهدي وحال المسلمين فيها، ونورد بعضًا مما أورده القوم عن الأئمة في ذلك حتى تنجلي الغمة ثم نعلق على ذلك بما يفتح الله علينا:
عن أمير المؤمنين ا قال: «للقائم منا غيبة أمدها طويل، كأني بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته يطلبون المرعى فلا يجدونه»([698]).
وقال: «كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدى، ولا علم يرى، يبرأ بعضكم من بعض»([699]).
وقال: «لا تنفك هذه الشيعة حتى تكون بمنزلة المعز لا يدري الخابس على أيها يضع يده، فليس لهم شرف يشرفونه، ولا سناد يستندون إليه في أمورهم»([700]).
وعن الباقر قال: «لا يزالون ولا تزالون حتى يبعث الله لهذا الأمر من لا تدرون خلق أم لم يخلق»([701]).
وعن الصادق: «إن للقائم غيبتين، يقال في إحداهما: هلك، ولا يدرى في أي وادٍ سلك»([702]).
ورووا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: المهدي من ولدي تكون لـه غيبة وحيرة تضل فيها الأمم([703]).
وعن الصادق قال: «أما والله ليغيبن عنكم مهديكم، حتى يقول الجاهل منكم: ما لله في آل محمد حاجة»([704]).
وعنه أيضًا قال: «إن لصاحب هذا الأمر غيبتين: إحداهما تطول حتى يقول بعضهم: مات، ويقول بعضهم: قتل، ويقول بعضهم: ذهب، حتى لا يبقى على أمره من أصحابه إلا نفر يسير، لا يطلع على موضعه أحد من ولده ولا غيره، إلا المولى الذي يرى أمره»([705]).
وعن الكاظم قال: «لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبة؛ حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به»([706]).
وعنه أيضًا لما سُئِلَ عن تأويل قول الله عزوجل: ( ö@è% ÷Läê÷ƒuäu‘r& ÷bÎ) yxt6ô¹r& ö/ä.ät!$tB #Y‘öعزوجلxî `yJsù /ä3‹Ï?ù'tƒ &ä!$yJÎ/ ¤ûüÏè¨B ÇÌÉÈ ) [سورة الملك]؟ فقال: «إذا فقدتم إمامكم فلم تروه فماذا تصنعون؟»([707]).
وعن الصادق قال: «إن لصاحب هذا الأمر غيبةً، المتمسك فيها بدينه كالخارط لشوك القتاد بيده»([708]).
وعن العسكري قال: «أما إنه له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقاتون»([709]).
وعن الصادق قال: «ثم يغيب في آخر يوم من سنة ست وستين ومائتين، فلا تراه عين أحد»([710]).

 
تكذيبه لمن سيدعي مشاهدته في غيبته الكبرى
ويؤيد عدم الرؤية هذه ما أورده القوم عن المهدي نفسه في ذلك، حيث قال في التوقيع الذي خرج إلى السمري: «يا علي بن محمد السمري، اسمع أعظم الله أجر إخوانك فيك، فأنت ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورًا، وسيأتي من شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»([711]).
فما رأي القوم أن نقول لهؤلاء الذين ادعوا مشاهدته والفوز بلقائه ممن مضى وممن سيأتي، كما ملأ القوم كتبهم بقصصهم بأنهم كذابون ومفترون بضمانة هذه الرواية.
وعن الصادق قال: «يفقد الناس إمامهم فيشهدهم الموسم فيراهم ولا يرونه»([712])؟
وفي رواية: «إن للقائم غيبتين: يرجع في إحداهما والأخرى لا يدرى أين هو؟ يشهد المواسم، يرى الناس ولا يرونه»([713]).
وفي رواية: «إن صاحب هذا الأمر يحضر الموسم كل سنة، فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه»([714]).

 
الكلام في اللطف
تقودنا هذه الروايات الصريحة بافتتان الخلق بغيبته، والصريحة باستحالة رؤيته، والمكذبة لمدعي رؤيته أو الفوز بلقائه إلى مسألة اللطف.
وقد مرَّ بك تعريف موجز عن مفهوم اللطف في أول الكتاب، حيث ذكرنا هناك أن الشيعة يعتقدون أن الإمامة كالنبوة لطف من الله تعالى، فلا بد أن يكون في كل عصرٍ إمام هادٍ يخلف النبي، من وظائفه: هداية البشر وإرشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين، وله ما للنبي من الولاية العامة على الناس لتدبير شئونهم ومصالحهم، وإقامة العدل بينهم، ورفع الظلم والعدوان من بينهم، وعلى هذا فالإمامة استمرار للنبوة، والدليل الذي يوجب إرسال الرسل وبعث الأنبياء هو نفسه يوجب نصب الإمام بعد الرسول([715]).
وحيث إننا التزمنا في هذا الكتاب الابتعاد عن التأويلات الفلسفية والكلامية والترهات العقلية التي لا تجدي ولن تجدي، والتزمنا بالاقتصار على إيراد النصوص لما لها من وقع على نفس القارئ من حيث القبول والمصداقية، ولحجيتها الملزمة في مثل هذه المسائل عوضًا عن المتاهات الكلامية التي يعرف أصحابها سلفًا أنها ترويج لبضائع كاسدة لم يقتنع واضعوها بها فضلًا عمن وضعت له، نورد هنا بعضًا مما ذكره القوم ليتبين لنا حقيقة القول بهذا اللطف الذي صدعوا به الرءوس، ولبسوا فيه على النفوس.
رووا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «من مات وليس له إمام يسمع له ويطيع مات ميتة جاهلية»([716]).
وعن الصادق: «الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حي يعرف»([717]).
وفي رواية: «من مات وليس عليه إمام حي ظاهر مات ميتة جاهلية، قيل: إمام حي؟ قال: إمام حي، إمام حي»([718]).
وعن يعقوب السراج قال: قلت لأبي عبدالله: «تخلو الأرض من عالم منكم حي ظاهر تفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم؟ فقال: لا، إذًا لا يعبد الله يا أيا يوسف»([719]).
وعن عمر بن يزيد، عن أبي الحسن الأول قال: «من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية، إمام حي يعرفه، فقلت: لم أسمع أباك يذكر هذا، يعني: إمامًا حيًا، فقال: قد والله قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من مات وليس له إمام يسمع له ويطيع مات ميتة جاهلية»([720]).
وعن الصادق: «إن الله لا يدع الأرض إلا وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان، فإذا زاد المؤمنون شيئًا ردهم، وإذا نقصوا أكمله لهم، فقال: خذوه كاملًا، ولولا ذلك لالتبس على المؤمنين أمرهم، ولم يفرق بين الحق والباطل»([721]).
والروايات كهذه كثيرة، وأقوال القوم فيها مضطربة([722])، ولكن من منهم اليوم يعرف إمام زمانه الحي والظاهر حتى يفزع إليه في حلاله وحرامه أو يسمع له ويطيع؟
وهكذا نجد أن القوم قد عادوا بنا إلى أصل الدعوى، وأصل الخلاف بإسقاط القول باللطف ووجوب العصمة، إقرارًا منهم بعدم جدوى الحلول المتمثلة عند القوم بوجوب النص من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم على نصب الإمام بالتأويلات التي ذكرناها، إذ إن ذلك اللطف انتهى بوفاة العسكري، حيث عدنا إلى إلزامهم بالقول بالاضطرار إلى الحجة تمامًا كحال المسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك بإسقاط أحد الأمرين للآخر. 
ومعنى ذلك أن وجوب اللطف من الله، والمتمثل في نصب إمام بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قائم تمامًا بذات الأسباب بعد العسكري، وقد عرفت الحال بعده إلى يومنا هذا.
واقرأ معي هذه الروايات أيضًا: عن المغيرة قال: قلت لأبي عبدالله: «يكون فترة لا يعرف المسلمون إمامهم فيها؟ قال: يقال ذلك، قلت: فكيف نصنع؟ قال: إذا كان ذلك فتمسكوا بالأمر الأول حتى يتبين لكم الآخر».
وفي رواية: «إذا أصبحت وأمسيت يومًا لا ترى فيه إمامًا من آل محمد، فأحب من كنت تحب، وأبغض من كنت تبغض، ووال من كنت توالي، وانتظر الفرج صباحًا ومساءً».
وفي أخرى: «كيف أنتم إذا صرتم في حال لا يكون فيها إمام هدى ولا علم يرى، فلا ينجو من تلك الحيرة إلا من دعا بدعاء الغريق، فقيل: هذا والله البلاء فكيف نصنع -جعلت فداك- حينئذٍ؟ قال: إذا كان ذلك ولن تدركه، فتمسكوا بما في أيديكم حتى يصح لكم الأمر».
وفي أخرى: «تمسكوا بالأمر الأول الذي أنتم عليه حتى يتبين لكم»([723]).
وعن عيسى بن عبدالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن خاله الصادق قال: قلت له: «إن كان كون ولا أراني الله يومك فبمن أأتم؟ فأومأ إلى موسى، فقلت له: فإن مضى فإلى من؟ قال: فإلى ولده، قلت: فإن مضى ولده وترك أخًا كبيرًا وابنًا صغيرًا فبمن أأتم؟ قال: بولده، ثم هكذا أبدًا، فقلت: فإن أنا لم أعرفه ولم أعرف موضعه فما أصنع؟ قال: تقول: اللهم إني أتولى من بقي من حججك، من ولد الإمام الماضي، فإن ذلك يجزيك»([724]).
فالدلالة واضحة في هذه الروايات وأمثالها بانتفاء استمرارية اللطف الذي ألزمنا القوم به.
وكذلك لا تغتر بالقائل بالتمسك بأقوال الأئمة الماضين، فإن ذلك إن كان حاصلًا فكذلك في شأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسنته سواء بسواء. 
وفيه فساد القول بالعصمة؛ لاحتمال تطرق الخطأ والزلل والنسيان والسهو من الناقلين لعلم الأئمة دون الإمام المعصوم عند القوم، وهذا ظاهر في اختلاف المراجع في العصر الواحد، كما لا يفوتك من هذه الروايات قول الصادق: «يقال ذلك»، ولا يفوتنك أيضًا جهل عيسى بن عبدالله بتسلسل الأئمة، فتدبر ذلك.
وعن الصادق قال: «يأتي على الناس زمان يصيبهم فيها سبطة، يأرز العلم فيها كما تأرز الحية في حجرها، فبينا هم كذلك إذ طلع عليهم نجم، قلت: فما السبطة؟ قال: الفترة، قلت: فكيف نصنع فيما بين ذلك؟ قال: كونوا على ما أنتم عليه، حتى يطلع الله عليكم نجمكم».
وفي رواية: «كيف أنتم إذا وقعت السبطة بين المسجدين، يأرز العلم فيها كما تأرز الحية في جحرها، واختلف الشيعة بينهم، وسمى بعضهم بعضًا كذابين، ويتفل بعضهم في وجوه بعض؟ فقلت: ما عند ذلك من خير؟ قال: الخير كله عند ذلك -يقوله ثلاثًا- وقد قرب الفرج»([725]).
وعنه أيضًا قال: «ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يرى ولا إمام هدى»([726]).
فهذه الروايات -وهي غيض من فيض- واضحة الدلالة على فساد التأويلات التي خلصت إلى القول بوجوب اللطف، والتي أدت إلى وجوب القول بإمامة علي بن أبي طالب والأئمة من بعده وكفر من خالف ذلك، وقد رأيت انقطاع هذا اللطف بعد سنة (260) للهجرة، كما هو الحال الآن، فكيف ألزمونا بوجوب الأول دون الآخر، وإذا قالوا بالآخر فكيف ألزمونا بالأول، وهذا لا يخفى على من تدبر.

 
سيرته عند خروجه
وعلى أي حال, لنتغاض عن كل ما ذكرناه، ولننظر ماذا سيصنع صاحبنا إذا خرج بعد كل هذه القرون من الانتظار والحيرة، وبعد أن يسمي بعضنا بعضًا كذابين، ويتفل بعضنا في وجوه بعض.
يروي القوم أن أول ما يفعله المهدي عند خروجه نبش قبري الشيخين أبي بكر وعمر ب ، ويفعل بهما الأفاعيل!
فعن بشير النبال قال: قال أبو عبدالله: «هل تدري أول ما يبدأ به القائم؟ قلت: لا، قال: يخرج هذين رطبين غضين فيحرقهما ويذرهما في الريح، ويكسر المسجد»([727]).
وفي رواية: «إذا قدم القائم وثب أن يكسر الحائط الذي على القبر، فيبعث الله تعالى ريحًا شديدة وصواعق ورعودًا، حتى يقول الناس: إنما ذا لذا، فيتفرق أصحابه عنه حتى لا يبقى معه أحد، فيأخذ المعول بيده، فيكون أول من يضرب بالمعول، ثم يرجع إليه أصحابه إذا رأوه يضرب المعول بيده، فيكون ذلك اليوم فضل بعضهم على بعض بقدر سبقهم إليه، فيهدمون الحائط ثم يخرجهما غضين رطبين، فيلعنهما ويتبرأ منهما ويصلبهما، ثم ينزلهما ويحرقهما، ثم يذريهما في الريح»([728]).
ويبدو أن هذا التخاذل سمة عند أصحاب الأئمة. 

وعن عبد العظيم الحسني، عن الجواد قال: «فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله عزوجل، فقلت: يا سيدي، وكيف يعلم أن الله قد رضي؟ قال: يلقي في قلبه الرحمة، فإذا دخل المدينة أخرج اللات والعزى فأحرقهما»([729]).
والمجلسي لما أورد الرواية في بحاره، لم يزد على أن قال في بيانه وكله حماس: «يعني باللات والعزى صنمي قريش: أبا بكر وعمر»([730]).
وفي رواية: عن الصادق قال: «فيخرج اللات والعزى طريين فيحرقهما، فلفتنة الناس بهما يومئذٍ أشد من فتنة العجل والسامري»([731]).
أقول: روايات إخراجهما ب وحرقهما عديدة، وقد ذكرها العديد من علماء القوم([732])، فلذا لا أرى بأسًا من ذكر تفاصيلها ليكون القارئ على بينة من أول عمل يقوم به مهدي القوم عند خروجه ليملأ الأرض عدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا.
يروي القوم عن المفضل، عن الصادق في قصة طويلة فيها أحوال المهدي عند خروجه، قال: «ثم يسير إلى مدينة جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا وردها كان فيها مقام عجيب يظهر فيه سرور المؤمنين وخزي الكافرين، قال المفضل: يا سيدي، ما هو ذاك؟ قال: يرد إلى قبر جدي صلى الله عليه وآله وسلم، فيقول: يا معاشر الخلائق، هذا قبر جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فيقولون: نعم يا مهدي آل محمد، فيقول: ومن معه في القبر؟ فيقولون: صاحباه وضجيعاه صلى الله عليه وآله وسلم، فيقول:وكيف دفنا من بين الخلق مع جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعسى المدفون غيرهما؟ فيقول الناس: يا مهدي آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ما ههنا غيرهما، إنهما دفنا معه لأنهما خليفتا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبوا زوجتيه، فيقول للخلق بعد ثلاث: أخرجوهما من قبريهما، فيخرجان غضين طريين لم يتغير خلقهما ولم يشحب لونهما، فيقول: هل فيكم من يعرفهما؟ فيقولون: نعرفهما بالصفة وليس ضجيعا جدك غيرهما، فيقول: هل فيكم أحد يقول غير هذا أو يشك فيهما؟ فيقولون: لا، فيؤخر إخراجهما ثلاثة أيام، ثم ينشر الخبر في الناس ويحضر المهدي ويكشف الجدران عن القبرين، ويقول للنقباء: ابحثوا عنهما وانبشوهما، فيبحثون بأيديهم حتى يصلون إليهما، فيخرجان غضين طريين كصورتهما، فيكشف عنهما أكفانهما، ويأمر برفعهما على دوحة يابسة نخرة فيصلبهما عليها، فتحيى الشجرة وتورق ويطول فرعها، فيقول المرتابون من أهل ولايتهما: هذا -والله- الشرف حقًا، ولقد فزنا بمحبتهما وولايتهما، ويخبر من أخفى نفسه ممن في نفسه مقياس حبة من محبتهما وولايتهما، فيحضرونهما ويرونهما ويفتنون بهما، وينادي منادي المهدي: كل من أحب صاحبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وضجيعيه، فلينفرد جانبًا، فيتجزأ الخلق جزأين: أحدهما: موالٍ، والآخر: متبرئ منهما، فيعرض المهدي على أوليائهما البراءة منهما، فيقولون: يا مهدي آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، نحن لم نتبرأ منهما، ولسنا نعلم أن لهما عند الله وعندك هذه المنزلة، وهذا الذي بدا لنا من فضلهما، أنتبرأ الساعة منهما وقد رأينا منهما ما رأينا في هذا الوقت من نضارتهما وغضاضتهما وحياة الشجرة بهما؟ بل والله نتبرأ منك وممن آمن بك ومن لا يؤمن بهما، ومن صلبهما، وأخرجهما، وفعل بهما ما فعل، فيأمر المهدي ريحًا سوداء، فتهب عليهم فتجعلهم كأعجاز نخلٍ خاوية، ثم يأمر بإنزالهما، فينزلان إليه فيحييهما بإذن الله تعالى، ويأمر الخلائق بالاجتماع، ثم يقص عليهم قصص فعالهما في كل كور ودور حتى يقص عليهم قتل هابيل بن آدم ×، وجمع النار لإبراهيم ×، وطرح يوسف × في الجب، وحبس يونس × في الحوت، وقتل يحيى ×، وصلب عيسى ×، وعذاب جرجيس ودانيال إ، وضرب سلمان الفارسي، وإشعال النار على باب أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين لإحراقهم بها، وضرب يد الصديقة الكبرى فاطمة بالسوط، ورفس بطنها وإسقاطها محسنًا، وسم الحسن، وقتل الحسين، وذبح أطفاله وبني عمه وأنصاره، وسبي ذراري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإراقة دماء آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكل دم سفك، وكل فرج نكح حرامًا، وكل رين وخبث وفاحشة وإثم وظلم وجور وغشم منذ عهد آدم × إلى وقت قيام قائمنا، كل ذلك يعدده عليهما، ويلزمهما إياه، فيعترفان به، ثم يأمر بهما فيقتص منهما في ذلك الوقت بمظالم من حضر، ثم يصلبهما على الشجرة، ويأمر نارًا تخرج من الأرض فتحرقهما والشجرة، ثم يأمر ريحًا فتنسفهما في اليم نسفًا، قال المفضل: يا سيدي، ذلك آخر عذابهما؟ قال: هيهات يا مفضل، والله ليردن وليحضرن السيد الأكبر محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والصديق الأكبر أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة، وكل من محَّض الإيمان محضًا، أو محض الكفر محضًا، وليقتصن منهما جميعًا، حتى إنهما ليقتلان في كل يوم وليلة ألف قتلة ويردان إلى ما شاء ربهما»([733]).
ولعلَّ عمله الثاني هو ما سيفعله بعائشة أم المؤمنين ل.
فعن عبدالرحيم القصير، عن أبي جعفر قال: «أما لو قام قائمنا لقد ردت إليه الحميراء حتى يجلدها الحد، وحتى ينتقم لابنة محمد فاطمة منها، قلت: جعلت فداك، ولم يجلدها الحد؟ قال: لفريتها على أم إبراهيم u، قلت: فكيف أخره الله للقائم؟ فقال له: إن الله تبارك وتعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم رحمة، وبعث القائم نقمة»([734]).
وحيث إن صاحبنا سيكون نقمة، لذا فليس من المستبعد أن يضع القوم ما يناسب نقمته وينسون اللطف والعدل، أو إن شئت الدقة فقل: نقمة القوم.
عن الصادق قال: «إذا قام القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم أقام خمسمائة من قريش فضرب أعناقهم، ثم أقام خمسمائة فضرب أعناقهم، ثم خمسمائة أخرى، حتى يفعل ذلك ست مرات، قيل: ويبلغ عدد هؤلاء هذا؟ قال: نعم منهم ومن مواليهم»([735]).
وفي رواية: تقول قريش: «اخرجوا بنا إلى هذا الطاغية، فوالله أن لو كان محمديًا ما فعل، ولو كان علويًا ما فعل، ولو كان فاطميًا ما فعل»([736]).
وهذا مصداق لروايتهم عن الصادق: «إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلا السيف، وما يأخذ منها إلا السيف»([737]).
وللقوم في تفسير مثل هذه الروايات قول طريف يسمى بالرجعة، وهو أن الله تعالى يعيد قومًا من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها، فيعز فريقًا ويذل فريقًا آخر، وذلك عند قيام المهدي([738]).
وعلى أي حال، ليس هذا الكتاب محل تناول هذه العقيدة، ولكن نواصل حديثنا عن سيرته عند خروجه حسب روايات القوم. 
عن الهروي قال: قلت للرضا: «يا ابن رسول الله، ما تقول في حديث روي عن الصادق أنه قال: إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين بفعال آبائها؟
فقال: هو كذلك»([739]).
وعن بدر بن خليل الأزدي قال: سمعت أبا جعفر يقول: «إذا قام القائم وبعث إلى بني أمية بالشام هربوا إلى الروم، فيقول لهم الروم: لا ندخلكم حتى تتنصروا، فيعلقون في أعناقهم الصلبان ويدخلونهم، فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم طلبوا الأمان والصلح، فيقول أصحاب القائم: لا نفعل حتى تدفعوا إلينا من قبلكم منا، قال: فيدفعونهم إليهم»([740]).
وعن الصادق: «ثلاثة عشر مدينة وطائفة يحارب القائم أهلها ويحاربونه: أهل مكة، وأهل المدينة، وأهل الشام، وبنو أمية، وأهل البصرة، وأهل دميسان، والأكراد، والأعراب، وضبة، وغني، وباهلة، وأزد، وأهل الري»([741]).
ولـه في الكوفة حكايات، فمن ذلك:
عن الباقر قال: «إذا قام القائم سار إلى الكوفة، فيخرج منها بضعة عشر آلاف أنفس، يدعون البترية، عليهم السلاح، فيقولون له: ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة، فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم، ثم يدخل الكوفة، فيقتل بها كل منافق مرتاب، ويهدم قصورها، ويقتل مقاتليها، حتى يرضى الله عز وعلا»([742]).
وفي حقيقة الأمر إن تناول مسألة المهدي يطول، وهذا الإيجاز الشديد والشديد جدًا في ذكر أموره وأحواله قطرة من بحر إن لم يكن محيطًا، ويقيني أن ما أوردته يعد اختصارًا مخلًا، لكنني أخشى التطويل الممل؛ لأن كتابنا هذا -كما ذكرت في المقدمة- يتناول مسائل الإمامة بإيجاز، ولكن إذا كان في العمر بقية سيكون لنا مع مهدي القوم -إن شاء الله- بحث مستقل.

 
يكون بعد المهدي اثنا عشر مهديًا
ولكن قبل أن أنهي حديثي عن المهدي، أورد هنا بعض روايات القوم المتصلة بموضوعه، وهي روايات أجزم بأن أكثر قراء هذا الكتاب لم يسمع بها من قبل ولم يقف عليها.
عن أبي بصير قال: قلت للصادق: «يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، سمعت من أبيك أنه قال: يكون بعد القائم اثنا عشر مهديًا، فقال: إنما قال: اثني عشر مهديًا ولم يقل: اثني عشر إمامًا، ولكنهم قوم من شيعتنا، يدعون الناس إلى موالاتنا ومعرفة حقنا»([743]).
وفي رواية: «إن منا بعد القائم اثني عشر مهديًا من ولد الحسين»([744]).
وعن أمير المؤمنين ا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا علي، إنه سيكون بعدي اثنا عشر إمامًا، ومن بعدهم اثنا عشر مهديًا، فأنت يا علي أول الاثني عشر الإمام»([745]).
وعن الباقر: «والله ليملكن رجل منا أهل البيت الأرض بعد موته ثلاثمائة سنة، ويزداد تسعة، قال: قلت: فمتى ذلك؟ قال: بعد موت القائم»([746]).
وقد اضطرب القوم في رد هذا الإشكال أو المأزق إن شئت أن تسميه، وأوردوا في ذلك وجوهًا لا تستحق الذكر([747]).
والغريب أن مهدينا لن يمضي إلا قبل القيامة بأربعين يومًا([748]).
وكل ما مرَّ بك من روايات الاثني عشر الذين يكونون بعد القائم، والرجل من أهل البيت الذي سيحكم ثلاثمائة سنة ويزداد تسعًا، يجب أن يكون في هذه الأربعين يومًا المتبقية من عمر الدنيا!
والأغرب أن هذا المضي قبل القيامة بأربعين يومًا يخالف ما أورده القوم من عدم خلو الأرض من حجة، كقولـهم عن الصادق: «ما تبقى الأرض يومًا واحدًا بغير إمام منا تفزع إليه الأمة»([749]).
بل ولا ساعة؛ لقولـهم عن الباقر: «لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله»([750]).
ورووا أن الصادق سئل: «تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لو بقيت الأرض بغير إمام ساعة لساخت»([751]).
بل ولا أقل من ذلك، فلما سئل الرضا، قال: «لو خلت الأرض طرفة عين من حجة لساخت بأهلها»([752]).
وعن الصادق قال: «لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام، وإن آخر من يموت الإمام؛ لئلا يحتج أحدهم على الله عزوجل أنه تركه بغير حجة»([753]).
بل ويبدو أن ذلك كان مثار خلاف بين الأئمة، ففي رواية محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا، قال: قلت له: «أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لا، قال: قلت: فإنا نروي عن أبي عبدالله أنها لا تبقى بغير إمام إلا أن يسخط الله على أهل الأرض أو على العباد، قال: لا، لا تبقى، إذًا لساخت».
وفي رواية: «معاذ الله! لا تبقى ساعة؛ إذًا لساخت»([754]).
والروايات في الباب كثيرة([755]).
ولا يسعف القوم القول بأن روايات الاثني عشر الذين يكونون بعد القائم وكذا الرجل من أهل البيت الذي يحكم ثلاثمائة سنة ويزداد تسعًا، إنما يكون في هذه الأربعين يومًا، ففساد هذا القول بيِّن، وذلك أن روايات عدم خلو الأرض إنما هي من إمامٍ وليس من مهدي، ولعل في قول الصادق كما في رواية أبي بصير الأولى، حيث قال: «إنما قال اثني عشر مهديًا، ولم يقل: اثني عشر إمامًا»، أو رواية الرضا: «إن الأرض لا تخلو من أن يكون فيها إمام منا»([756]) وغيرها.. دليل على هذا التفريق، هذا وناهيك عن كون المدة المتبقية من عمر الدنيا وهي أربعون يومًا لا تستوعب كل هؤلاء، فضلًا عن الرجل من أهل البيت الذي سيحكم ثلاثمائة سنة ويزداد تسعًا.
فتبين لك -أيها القارئ العزيز- أن هؤلاء الأئمة من آل البيت رحمهم الله ورضي عنهم، كُذب عليهم ونُسب إليهم من الكذب ما لا يعلمه إلا الله، وهم ولا شك أناس صالحون لكن قوّلوا ما لم يقولوا، وافتري عليهم الكثير والكثير، وعند الله يجتمع الخصوم.
هذا وإن الدين باقٍ إلى قيام الساعة بنقل العلماء الصالحين له، فالله قد أمر بسؤال أهل الذكر والعلم، وأمر بأن ينفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون، دون أن يخصها بأناس دون أناس.
وفي البابين التاليين يتضح لك حقيقة الأمر، وهل نص على الأئمة الاثني عشر في القرآن والسنة أم لا؟ والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
 

 
خلاصة الباب
لا شك -عزيزي القارئ- أن النتيجة التي خرجنا منها في هذا الباب مؤداها: أن الذي وضع عقيدة الإمامة، وأوجب النص على الأئمة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحدد أساميهم، ونسب كل هذا إلى الله عزوجل وإلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى الأئمة ‡ وهم منها براء.
أقول: إن هذا الذي وضع هذه العقائد لم تستقم له الأمور في إثبات: متى كان النص على فرضه، ولا بد؛ فالباطل يحطم بعضه بعضًا، حيث رأينا كيف أن آلاف الراويات التي وضعها كل فريق من فرق الشيعة تتعارض مع مسيرة التاريخ، وبعد موت كل إمام، وكيف أن عظماء أصحاب الأئمة اختلفوا في تحديد الإمام اللاحق مما أدى إلى افتراقهم وتشتتهم.
ومن غرائب الأمور: أن الإمامية قد وضعوا كل تلك الروايات التي تذكر تسلسل الأئمة بأسمائهم بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى المهدي، ومع ذلك يأتي كبير مراجعهم في هذا العصر وينفي وجود نص على تسمية هؤلاء الأئمة، حيث يقول الخوئي: (الروايات المتواترة الواصلة إلينا من طريق العامة والخاصة قد حددت الأئمة ‡ باثني عشر من ناحية العدد ولم تحددهم بأسمائهم ‡ واحدًا بعد واحد، حتى لا يمكن فرض الشك في الإمام اللاحق بعد رحلة الإمام السابق، بل قد تقتضي المصلحة في ذلك الزمان اختفاءه والتستر عليه لدى الناس؛ بل لدى أصحابهم ‡ إلا أصحاب السر لهم، وقد اتفقت هذه القضية في غير هذا المورد والله العالم)([757]).
 فهل الخوئي -وهو من هو في علم الحديث عند الشيعة، وصاحب أكبر موسوعة في علم الرجال عندهم- لم يقف على شيء مما أوردناه في مقدمة الباب؟
وصدق الله القائل: öعزوجلs9ur tb%x. ô`ÏB Ï‰ZÏã ÎŽöxî «!$# (#r߉y`uعزوجلs9 ÏmŠÏù $Zÿ»n=ÏF÷z$# #ZŽÏWŸ2 ÇÑËÈ )


[سورة النساء]

([1]) البصائر: (472)، البحار: (23/87، 70، 71، 75، 139)، الكافي: (1/278)، كمال الدين: (128)، قرب الإسناد: (154)، بصائر الدرجات: (470)، غيبة النعماني: (34)، إثبات الهداة: (1/85، 569)، وللمزيد انظر إن شئت: البصائر: (470)، وما بعدها، وفيها (14) رواية، البحار: (23/66)، باب: إن الإمامة لا تكون إلا بالنص، وفيه (25) رواية، الكافي: (1/277)، باب: إن الإمامة عهد من الله معهود من واحد إلى واحد، وفيه (4) روايات، الإمامة والتبصرة: (165)، باب: إن الإمامة عهد من الله، وفيه (4) روايات.
([2]) في الرواية دليل على أن مقتله ا شهادة وإكرام وسعادة، وهذه تتعارض مع الشعائر الحسينية التي تقام في عاشوراء ندمًا على مقتله.
([3]) الكافي: (1/527)، عيون أخبار الرضا: (1/48)، غيبة الطوسي: (101)، الاحتجاج: (41)، إعلام الورى:(371)، غيبة النعماني:(29)، الإرشاد:(262)، الاختصاص:(210)، المناقب: (1/297)، كمال الدين: (290)، أمالي الطوسي: (182)، إثبات الهداة: (1/454، 459، 470، 558، 651)، البحار: (36/195، 202)، منتخب الأثر: (133)، إرشاد القلوب: (290)، جامع الأخبار: (18).
([4]) عيون الأخبار: (1/61)، كمال الدين: (240)، غيبة الطوسي: (103)، إثبات الهداة: (1/476، 549، 579)، البحار: (36/216،245،262،280)، غيبة النعماني: (45)، منتخب الأثر: (104، 110، 119).
([5]) إثبات الهداة: (1/652)، منتخب الأثر: (112)، البحار: (15/247) (18/297) (26/301) (27/200) (36/216) (262).
([6]) كمال الدين: (241)، إثبات الهداة: (1/501) (665)، منتخب الأثر: (101)، البحار: (23/289) (36/250)، المناقب: (1/282)، نور الثقلين: (1/499).
([7]) الروضة: (38)، الفضائل: (175)، إثبات الهداة: (1/524)، منتخب الأثر: (120)، البحار: (27/108) (36/296).
([8]) كفاية الأثر: (6)، إثبات الهداة: (1/576)، البحار: (36/289)، منتخب الأثر: (100).
([9]) كفاية الأثر: (11)، إثبات الهداة: (1/581)، البحار: (36/313).
([10]) كفاية الأثر: (25)، إثبات الهداة: (1/596)، البحار: (36/348)، منتخب الأثر:(106).
([11]) كفاية الأثر: (23)، إثبات الهداة: (1/592)، البحار: (36/341)، منتخب الأثر: (113).
([12]) كفاية الأثر: (28)، إثبات الهداة: (1/598)، منتخب الأثر:(121)، البحار: (36/355).
([13]) كفاية الأثر: (10، 14، 18)، إثبات الهداة: (1/580، 584، 586، 588، 590، 595، 598، 601)، البحار: (36/310، 321، 325، 332، 390)، المناقب: (1/210)، منتخب الأثر: (104، 106، 107، 122).
([14]) تأويل الآيات: (2/496)، الروضة: (33)، الفضائل: (166)، إثبات الهداة: (1/646، 523)، البحار: (36/151، 213) (85/80)، منتخب الأثر: (116، 138)، البرهان: (4/20)، المستدرك: (4/187).
([15]) إثبات الهداة: (1/655).
([16]) إثبات الهداة: (1/668).
([17]) غيبة الطوسي: (104)، إثبات الهداة: (1/549)، البحار: (36/260).
([18]) للاستزادة انظر مثلًا: إثبات الهداة: (1/435-675)، باب: النصوص العامة على إمامة الأئمة، حيث أورد فيه (927) رواية في تعيين الأئمة بأسمائهم أو عددهم، بحار الأنوار: (36/192-225)، باب: نصوص الله على الأئمة، وفيه (22) رواية، (36/226-373)، باب: نصوص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على الأئمة، وفيه (234) رواية، فضلًا عن النصوص الواردة على لسان كل إمام حيث أوردها في (36/373-414) وفيها حوالي (55) رواية، وانظر: كفاية الأثر في النصوص على الاثني عشر، الكتاب كله، منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر، أكثر الكتاب، وبالأخص باب: فيما يدل على الأئمة الاثني عشر بأسمائهم: (97-140)، تأويل الآيات: (1/135، 205) (2/496)، نور الثقلين: (2/192، 535) (3/119) (4/239، 597) (5/630)، أمالي الصدوق: (114، 51)، كمال الدين: (40، 241، 256، 288، 290، 292، 293، 294، 296)، غيبة الطوسي: (90، 91، 92، 93، 95، 96، 99)، غيبة النعماني: (43، 44، 46، 49، 53)، الكافي: (1/525، 532)، وغيرها.
([19]) انظر هذه الروايات وغيرها في: الكافي: (2/18، 21، 22، 32)، أمالي الصدوق: (221، 279، 510)، ثواب الأعمال: (15)، إثبات الهداة: (1/90، 91، 529، 545، 635)، المحاسن: (13، 286، 287، 290)، كفاية الأثر: (38)، رجال الكشي: (356)، علل الشرايع: (94)، تفسير العياشي: (2/117)، بشارة المصطفى: (130)، التهذيب: (4/151)، الروضة: (226)، منتخب الأثر: (127)، كمال الدين: (354)، البحار: (10/393)(23/69، 100، 105)(27/103)(36/412)(40/47) (68/317، 329، 330، 331، 332، 376، 377، 379، 380، 386، 387، 391، 392) (96/5، 15، 257)، أمالي المفيد: (209)، الوسائل: (1/13، 15، 18، 20، 21، 26، 27، 28) (10/395)، مستدرك الوسائل: (1/71، 73)، أمالي الطوسي: (530، 666)، من لا يحضره الفقيه: (1/101، 131)، نور الثقلين: (1/503، 590) (4/565) (5/598).
([20]) علل الشرايع: (149)، الخصال: (601)، البصائر: (23)، إثبات الهداة: (1/538، 666)، تأويل الآيات: (1/275)، البحار: (18/387) (23/69)، نور الثقلين: (3/98)، البرهان: (2/394).
([21]) الكافي: (2/18)، المحاسن: (286)، العياشي: (1/191)، البحار: (68/332) (82/234)، إثبات الهداة: (1/91)، الوسائل: (1/13).
([22]) الخصال: (278)، البحار: (68/376، 332)، الوسائل: (1/23)، وانظر أيضًا: الكافي:(2/22).
([23]) انظر هذه الروايات وغيرها في: الاختصاص: (18، 343)، البصائر: (72) (9) روايات، البحار: (11/60)(24/330، 352)(26/280، 297)(27/136)(36/154، 155)، تأويل الآيات: (1/79، 116، 155، 392)(2/108، 562، 563، 565)، البرهان:(1/294) (4/147، 148)، إثبات الهداة: (2/12)، الكافي: (1/437)، أمالي الطوسي: (681).
([24]) أمالي الصدوق: (154)، البحار: (24/51) (27/167) (54/390) (83/10، 19)، عيون الأخبار: (270).
([25]) انظر هذه الروايات وغيرها في الباب: الكافي: (1/372، 436) (2/18)، أمالي الصدوق:(190، 260، 290، 396)، البحار: (2/30) (7/160، 176) (13/339) (23/221، 286، 294) (25/111، 113) (26/349) (27/167، 168، 171، 172، 173، 192) (36/216، 223، 245، 262، 302، 314، 315) (37/62) (42/143) (46/179) (47/357) (68/333) (72/133) (73/121)(78/225)(99/229)، أمالي الطوسي: (72، 104، 131، 253، 422)، ثواب الأعمال: (189، 197)، المحاسن: (90، 91، 224، 286)، الوسائل: (1/123) (16/76)، نور الثقلين: (2/225، 261) (4/353، 534)، أمالي المفيد: (42)، العياشي: (1/286)، منتخب الأثر: (105، 117، 119)، البرهان: (1/279، 396) (3/40، 161)، كمال الدين: (146)، عيون الأخبار: (34)، غيبة الطوسي: (95)، الكشي: (248)، كنز جامع الفوائد: (49)، الروضة: (226)، تأويل الآيات: (1/98، 106، 315) (2/522)، إثبات الهداة: (1/137) (2/178)، غيبة النعماني: (70).
([26]) المحاسن: (89)، البحار: (27/238) (39/302) (72/134).
([27]) البصائر: (105)، البحار: (24/123) (27/181) (54/390).
([28]) البحار: (8/366) (23/390).
([29]) البحار: (27/166-202) وفيه (71) رواية.
([30]) البحار: (72/131-156).
([31]) الاحتجاج: (83)، البحار: (27/1)، إثبات الهداة: (2/117).
([32]) كفاية الأثر: (23)، البحار: (36/342)، إثبات الهداة: (1/593)، منتخب الأثر: (70).
([33]) الاحتجاج: (83) وفيه عن الصادق: «وهو السواد الذي ترونه في القمر»، وانظر أيضًا: البحار: (27/1) (58/156)، إثبات الهداة: (2/117)، نور الثقلين: (3/143).
([34]) إيضاح دفائن النواصب: (32)، البحار: (27/10).
([35]) إثبات الهداة: (2/151).
([36]) إثبات الهداة: (2/182).
([37]) الكافي: (4/220)، إثبات الهداة: (2/16)، البحار: (15/165).
([38]) أمالي الطوسي: (655)، الخصال: (207)، البحار:(18/389، 408)(27/2)(40/36) (43/99) (77/62)، من لا يحضره الفقيه: (4/374)، إثبات الهداة: (2/24)، نور الثقلين: (3/122) (5/156).
([39]) الاحتجاج: (83)، البحار: (27/1) (84/112)، إثبات الهداة: (2/117).
([40]) المحتضر: (142)، البحار: (18/304) (27/12).
([41]) المحاسن: (332)، إثبات الهداة: (2/107)، البحار: (39/166) (63/216).
([42]) الخصال: (638)، أمالي الصدوق: (70)، العمدة: (120، 121)، البحار: (8/131)(27/2، 9) (38/330).
([43]) الخصال: (324)، إيضاح دفائن النواصب: (36)، أمالي الطوسي: (227)، كنز الفوائد: (149)، البحار: (8/191) (27/3، 4، 228) (37/95، 98) (43/303).
([44]) البحار: (8/144) (27/11)، إثبات الهداة: (2/47)، المستدرك: (7/266).
([45]) البحار: (37/339).
([46]) الروضة: (125)، البحار: (27/8).
([47]) الاحتجاج: (83)، البحار: (27/1) (84/112)، إثبات الهداة: (2/117).
([48]) كشف الغمة: (1/297)، البحار: (27/9).
([49]) الاحتجاج: (83)، البحار: (27/1) (84/112)، إثبات الهداة: (2/117).
([50]) المحتضر: (125)، البحار: (27/11) (24/38).
([51]) الكافي: (1/461)، أمالي الصدوق: (475).
([52]) أمالي الطوسي:(51)، الخصال: (207)، البحار:(18/408، 389)(27/3)(40/36)(43/99) (77/62)، إثبات الهداة: (2/24)، من لا يحضره الفقيه: (4/374)، نور الثقلين: (3/123).
([53]) المحتضر: (142)، البحار: (18/304) (27/12).
([54]) كفاية الأثر: (23)، البحار: (36/341)، إثبات الهداة: (1/593).
([55]) اليقين: (157)، البحار: (8/215) (18/398) (40/19) (58/44) (76/31)، تفسير القمي: (1/401).
([56]) تفسير القمي: (1/401)، البحار: (18/327) (58/42).
([57]) الاحتجاج: (83)، البحار: (27/1) (84/112)، إثبات الهداة: (2/117).
([58]) كفاية الأثر: (23)، البحار: (36/342)، إثبات الهداة: (1/593).
([59]) أمالي الطوسي: (51)، الخصال: (207)، البحار: (18/389، 408) (27/3)، إثبات الهداة: (2/24)، من لا يحضره الفقيه: (4/374).
([60]) الاحتجاج: (83)، البحار: (11/181) (27/1) (18/304) (84/112)، المحتضر: (142)، إثبات الهداة: (2/117، 130).
([61]) تفسير القمي: (2/414)، البحار: (16/365) (27/5)(36/342)، كفاية الأثر: (23)، إثبات الهداة: (1/593).
([62]) البحار: (11/165) (27/6، 7)، البصائر:(32)، إثبات الهداة:(1/614)، معاني الأخبار:(42)، عيون الأخبار: (170).
([63]) كفاية الأثر: (10، 14، 16، 19، 25، 28، 32، 321، 325، 332، 357، 390)، البحار: (36/310، 348، 355)، إثبات الهداة:(1/595، 598)، منتخب الأثر:(114، 121).
([64]) أمالي الصدوق: (179)، المحتضر: (139)، البحار: (27/3، 11).
([65]) البحار: (58/33).
([66]) اليقين في إمرة المؤمنين: (37، 55، 58)، المحتضر: (139)، البحار: (27/7، 8، 12)(37/302)، إثبات الهداة: (2/193)، الكافي: (1/224).
([67]) أمالي الصدوق:(130)، كفاية الأثر:(25)، البحار:(27/2، 10)(36/348)(40/57).
([68]) الاختصاص: (91)، إثبات الهداة: (2/149)، البحار: (26/256).
([69]) الخصال: (207)، البحار: (27/18).
([70]) انظر المزيد إن شئت: البحار: (11/114) (16/365) (17/307) (26/344)(40/57، 58)، إرشاد القلوب: (2/214، 403)، مدينة المعاجز: (156، 168)، تأويل الآيات: (2/834، 874، 875)، الكافي: (1/461)، نور الثقلين: (3/125)(5/76، 555)، تفسير العسكري: (156)، إثبات الهداة: (2/151)، أمالي الصدوق: (79).
([71]) غيبة النعماني: (56)، البرهان: (2/123)، البحار: (24/243) (36/400) (38/46)، المناقب: (1/307)، تأويل الآيات: (1/204)، إثبات الهداة: (3/137، 144)، منتخب الأثر: (30).
([72]) كمال الدين: (315)، المحتضر: (129)، العمدة: (44)، البحار: (15/23) (25/4، 15) (38/147)، إثبات الهداة: (1/517).
([73]) أمالي الطوسي: (115)، البحار: (15/6) (25/2) (35/31) (57/168).
([74]) معاني الأخبار: (104)، الخصال:(640)، أمالي الصدوق: (592)، المناقب: (3/349)، إثبات الهداة: (2/14، 37، 183)، دلائل الإمامة: (22) وفيه: «مائتين وعشرين ألف عام»، الكافي: (1/460)، البحار: (43/111) ولا يفوتك عزيزي القارئ ملاحظة ازدياد عدد وجوه الملك محمود وعدد السنين واختلاف الكتابة عن الرواية السابقة.
([75]) البحار: (37/339).
([76]) البحار: (25/1).
([77]) البحار: (11/114) (27/6، 100).
([78]) معاني الأخبار: (72، 100)، البحار: (1/103) (6/321، 325)(11/173)(15/12، 28) (26/273) (27/5) (57/199)، إثبات الهداة: (1/484) (2/38)، عيون أخبار الرضا:(170)، اليقين: (30)، نور الثقلين: (2/12).
([79]) البحار: (26/12).
([80]) للمزيد انظر: البحار: (11/175) (15/5).
([81]) كشف الحق: (1/93)، اليقين: (50، 55، 81، 136)، المناقب: (1/548)، البرهان: (2/50)، البحار: (15/17) (36/178) (26/268)، 278، (37/306، 311، 332، 333) (40/77).
([82]) الكافي: (1/441)، أمالي الصدوق: (483)، البحار:(16/295) (37/295).
([83]) البحار: (23/76-95) وفيه (40) رواية.
([84]) البحار: (23/95-98) وفيه (6) روايات.
([85]) البحار: (23/99-103) وفيه (11) رواية.
([86]) البحار: (23/333-353) وفيه (75) رواية، البصائر: (424-434) وفيه (50) رواية، الكافي: (1/219) وفيه (4) روايات.
([87]) البحار: (23/354-390) وفيه (100) رواية.
([88]) البحار: (24/1-9) وفيه (25) رواية.
([89]) البحار: (24/67-82) وفيه (32) رواية.
([90]) البحار: (24/87-91) وفيه (11) رواية.
([91]) البحار: (24/97-99) وفيه (7) روايات.
([92]) البحار: (24/100-110) وفيه (21) رواية.
([93]) البحار: (24/110-113) وفيه (7) روايات.
([94]) البحار: (24/114-118) وفيه (10) روايات.
([95]) البحار: (24/187-191) وفيه (14) رواية.
([96]) البحار: (24/238-243) وفيه (4) روايات.
([97]) البحار: (24/286-304) وفيه (17) رواية.
([98]) البحار: (26/18-66) وفيه (149) رواية، البصائر: (316-318) وفيه (13) رواية.
([99]) البحار: (26/86-97) وفيه (37) رواية، البصائر: (130-132) وفيه (7) روايات، الكافي: (1/254) وفيه (4) روايات.
([100]) البحار: (26/105-108) وفيه (14) رواية، البصائر: (103-106) وفيه (16) رواية.
([101]) البحار: (26/109-117) وفيه (22) رواية، البصائر: (106-108) وفيه (11) رواية، (127-128) وفيه (6) روايات.
([102]) البحار: (26/117-132) وفيه (40) رواية، البصائر: (190-192) وفيه (6) روايات، (170-173) وفيه (10) روايات.
([103]) البحار: (26/132-136) وفيه (16) رواية، البصائر: (435-437) وفيه (7) روايات.
([104]) البحار: (26/137-154) وفيه (43) رواية، البصائر: (122-127) وفيه (17) رواية.
([105]) البحار: (26/155-156) وفيه (7) روايات، البصائر: (168-170) وفيه (7) روايات.
([106]) البحار: (26/159-179) وفيه (63) رواية، البصائر: (109-120) وفيه (42) رواية.
([107]) البحار: (26/180-189) وفيه (27) رواية، البصائر: (135-139) وفيه (15) رواية.
([108]) البحار: (26/190-193) وفيه (7) روايات، البصائر: (333-341) وفيه (25) رواية.
([109]) البحار: (26/194-200) وفيه (13) رواية، البصائر: (227-231) وفيه (11) رواية.
([110]) البحار: (26/267-319) وفيه (88) رواية.
([111]) البحار: (26/319-334) وفيه (16) رواية.
([112]) البحار: (26/351-360) وفيه (26) رواية، بصائر الدرجات: (90-95) وفيه (22) رواية، (231-234) وفيه (11) رواية.
([113]) البحار: (27/13-24) وفيه (16) رواية، بصائر الدرجات: (95-103) وفيه (15) رواية.
([114]) البحار: (27/25-28) وفيه (10) روايات، البصائر: (208-219) وفيه (37) رواية.
([115]) البحار: (27/29-31) وفيه (4) روايات، البصائر: (269-274) وفيه (13) رواية.
([116]) البحار: (27/32-40) وفيه (5) روايات.
([117]) البحار: (27/41-47) وفيه (10) روايات.
([118]) البحار: (27/157-165) وفيه (22) رواية.
([119]) البحار: (27/261-279) وفيه (26) رواية، البصائر: (341-354) وفيه (43) رواية.
([120]) البحار: (27/285-287) وفيه (6) روايات، البصائر: (480-484) وفيه (14) رواية، الكافي: (1/258) وفيه (8) روايات.
([121]) البحار: (27/302-308) وفيه (13) رواية.
([122]) البحار: (27/311-317) وفيه (15) رواية.
([123]) البصائر: (174-190) وفيه (58) رواية.
([124]) البصائر: (235-242) وفيه (27) رواية.
([125]) البصائر: (242-253) وفيه (23) رواية.
([126]) البصائر: (257-258) وفيه (3) روايات.
([127]) البصائر: (262-266) وفيه (16) رواية. والحق أن الأبواب كثيرة جدًا إلا أننا نكتفي بما أوردناه؛ ففيها كفاية، ومن أراد الاستزادة فعليه بطلبها من مظانها، انظر مثلًا: بحار الأنوار: الأجزاء (23، 24، 25، 26، 27)، وبصائر الدرجات: الكتاب كله، أصول الكافي:الجزء الأول، وغيرها.
([128]) معاني الأخبار: (403)، الكافي: (1/452)، البحار: (15/263) (35/6، 77) (38/47)، إثبات الهداة: (1/153) (2/13).
([129]) الكافي:(1/454)(8/302)، البحار:(15/137، 273، 295، 297)(17/364)(35/6، 84)، إثبات الهداة: (2/20)، الخرائج: (11، 186).
([130]) البحار: (35/11، 101)، روضة الواعظين: (68)، الفضائل: (59)، جامع الأخبار: (17)، إثبات الهداة: (2/465).
([131]) روضة الواعظين: (70)، الفضائل: (57)، جامع الأخبار: (17)، البحار: (35/14)، إثبات الهداة: (2/483، 490).
([132]) إثبات الهداة: (2/196، 197)، البحار: (35/21)، الروضة: (17)، روضة الواعظين: (72).
([133]) إثبات الهداة: (2/465).
([134]) البحار: (35/9)، كشف اليقين: (6)، بشائر المصطفى: (9).
([135]) البحار: (18/232) (68/392)، الطرف: (4).
([136]) علل الشرايع: (70)، معاني الأخبار: (55)، البحار: (15/109)، إثبات الهداة: (1/268).
([137]) البحار: (23/74)، إثبات الهداة: (1/142)، المناقب: (1/257).
([138]) إثبات الهداة: (1/141، 142)، وصي الرسول الأعظم: (21)، البحار: (18/75) (21/372).
([139]) وكان ذلك قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا، وقيل: بسنة وشهرين، وقيل: بسنة، وقيل: بستة أشهر، وقيل: غير ذلك -انظر: البحار: (18/302، 319).
([140]) سبق تخريجه.
([141]) كشف اليقين: (83)، البحار: (18/390) (37/314).
([142]) البحار: (18/303)، المحتضر: (139).
([143]) اليقين: (141)، البحار: (37/48).
([144]) البحار: (40/42).
([145]) الكافي: (1/442، 443)، غيبة الطوسي: (103)، الطرائف: (43)، غيبة النعماني: (45)، البحار: (18/306، 383، 403) (36/262، 280)، إثبات الهداة: (2/12، 134،153).
([146]) علل الشرايع: (5)، عيون أخبار الرضا: (1/238)، كمال الدين: (254)، البحار: (11/139) (18/345) (26/335) (52/312) (57/58) (60/303)، إثبات الهداة:(1/482، 584، 585)، منتخب الأثر: (61)، تأويل الآيات: (2/878).
([147]) كفاية الأثر: (14)، البحار: (36/321).
([148]) كمال الدين: (238)، إثبات الهداة: (1/500)، البحار: (51/69) (52/276).
([149]) أمالي الصدوق: (352)، أمالي الطوسي: (218)، البرهان: (4/199)، كشف اليقين: (22)، البحار: (18/341، 371) (36/160) (37/291) (38/108) (40/13)، إثبات الهداة:(2/70).
([150]) للمزيد انظر: البحار: (40/13)، كشف اليقين: (22)، أمالي الطوسي: (353، 364)، أمالي الصدوق: (386، 387، 504)، نور الثقلين: (3/99) (4/470)، إثبات الهداة: (1/548)، كفاية الأثر: (15)، البحار: (36/323).
([151]) إثبات الهداة: (3/596)، مدينة المعاجز: (75)، تفسير العسكري: (466)، البحار: (19/81).
([152]) أمالي الصدوق: (327)، البحار: (38/107)، إثبات الهداة: (2/67).
([153]) عيون أخبار الرضا: (220)، الكافي: (8/309)، إثبات الهداة: (2/94، 122، 141) (3/84)، البرهان: (1/279) (2/209) (3/36)، تأويل الآيات: (1/106، 224، 310)، البحار:(23/221، 145) (36/80، 100، 126، 147) (38/92، 110، 140، 143، 146، 329) (39/290) (40/61)،أمالي الصدوق:(28)، كنز الكراجكي:(208)، قرب الإسناد:(14)، المناقب:(1/550)، نور الثقلين: (3/276).
([154]) أمالي الطوسي: (193)، أمالي المفيد: (99)، البحار: (38/114)، إثبات الهداة:(2/96).
([155]) أمالي الصدوق: (21)، البحار: (38/18)، إثبات الهداة: (2/50).
([156]) انظر روايات أخرى عنهما: كمال الدين: (246)، منتخب الأثر: (49، 50، 51، 59، 101، 108، 159)، مذهب أهل البيت: (16)، وصي الرسول الأعظم: (33)، إثبات الوصية: (15، 18).
([157]) البحار: (41/88).
([158]) البحار: (20/215) (38/300، 309) (39/3)، البرهان: (3/71)، تأويل الآيات: (1/329).
([159]) الخصال: (95)، أمالي الصدوق: (93)، البحار: (41/74).
([160]) المناقب: (2/67)، البحار: (41/61).
([161]) كشف اليقين: (131)، البحار: (37/324).
([162]) أمالي الطوسي: (102)، البحار: (15/18) (26/272) (38/111)، إثبات الهداة: (2/93)، تأويل الآيات: (2/566)، البرهان: (4/148)، بشارة المصطفى: (39).
([163]) راجع باب: الإمامة والقرآن من كتابنا هذا.
([164]) المناقب: (3/268)، البحار: (39/85).
([165]) الكافي: (1/406)، البحار: (22/495) (27/247) (100/32)، قرب الإسناد: (48).
([166]) للمزيد انظر: منتخب الأثر: (29، 104، 200)، البحار: (14/207) (16/317) (17/309) (18/97، 205،370)(23/272)(24/181)(36/158، 159)(37/306)(38/157)(40/18) (44/198، 225)، المحتضر:(107، 143)، تأويل الآيات: (1/273، 276) (2/578، 579، 596، 597)، اليقين: (158)، البرهان: (4/172، 174، 199، 200، 512)، الخصال: (293)، بشارة المصطفى: (49)، كشف اليقين: (50، 88)، مدينة المعاجز: (73)، تفسير العسكري: (158)، البصائر:(468، 469)، الكافي:(1/464)، نور الثقلين: (2/342) (5/13)، إثبات الهداة: (1/525) (2/196)، الروضة: (378)، أمالي الطوسي: (106).
([167]) الاختصاص: (165)، الخصال: (367)، البحار: (38/169)، وانظر أيضًا: أمالي الطوسي: (460)، نور الثقلين: (1/205).
([168]) الفصول المختارة: (33)، البحار: (36/46)، وانظر روايات أخرى في المقام: أمالي الطوسي: (459، 460، 481)، البحار: (19/55).
([169]) إثبات الهداة: (1/598)، منتخب الأثر: (121).
([170]) كشف اليقين: (137)، الإقبال: (454)، البحار: (28/91).
([171]) نهج البلاغة: (275)، البحار: (32/241)(41/7)(72/138)، نور الثقلين: (4/148)، الصافي: (4/110).
([172]الاختصاص:(159)، البحار: (36/26)(40/114)، تأويل الآيات: (1/123)، سعد السعود: (112).
([173]) هذا باعتبار أن غزوة الخندق كانت في شوال من السنة الخامسة للهجرة، وذكر المفيد (كما في البحار:21/80)، أن غزوة ذات السلاسل كانت بعد غزوة بني قريظة وقبل غزوة بني المصطلق، وغزوة بني قريظة كانت بعد الخندق مباشرة.
([174]) إعلام الورى: (116)، البحار: (21/81)، الإرشاد: (61).
([175]) غيبة النعماني: (165)، البحار: (51/77)، إثبات الهداة: (3/542).
([176]) كمال الدين: (199، 270)، الصافي: (1/19)، أمالي الصدوق: (241)، أمالي الطوسي:(454)، البصائر: (167)، إثبات الهداة: (1/495، 543، 566)، البحار:(36/232، 257، 275)(92/99)، منتخب الأثر: (35).
([177]) أمالي الصدوق:(68، 374)، كمال الدين: (16، 165)، عيون الأخبار: (38)، كفاية الأثر: (21) إثبات الهداة: (1/531)، البحار: (36/232، 336).
([178]) كمال الدين: (1/284)، غيبة النعماني: (51)، إثبات الهداة: (1/512، 621، 643)، البحار: (36/257، 276) (92/99).
([179]) كفاية الأثر: (13، 18، 21)، البحار: (36/319، 330، 337)، منتخب الأثر: (68).
([180]) كفاية الأثر: (14)، البحار: (36/320).
([181]) كفاية الأثر: (20)، البحار: (36/335).
([182]) كمال الدين: (134)، إثبات الهداة: (1/496)، البحار:(23/42)(32/243)(51/93).
([183]) إثبات الهداة: (2/200).
([184]) إثبات الهداة: (1/590).
([185]) أمالي الصدوق: (502)، منتخب الأثر: (502)، البحار: (36/232).
([186]) البحار: (8/337)، وصي الرسول الأعظم: (3).
([187]) إعلام الورى: (124)، البحار: (21/163، 169)، المناقب: (1/211).
([188]) كفاية الأثر: (22)، البحار: (36/340)، إثبات الهداة: (1/592)، منتخب الأثر: (113).
([189]) كفاية الأثر: (11)، إثبات الهداة: (1/581)، البحار: (36/314).
([190]) كفاية الأثر: (21)، إثبات الهداة: (1/590)، منتخب الأثر: (111)، البحار:(36/336).
([191]) كفاية الأثر: (17)، البحار: (22/536) (36/328).
([192]) الخصال: (652)، كشف اليقين: (137)، البحار: (22/463) (37/326).
([193]) غيبة الطوسي: (104)، إثبات الهداة: (1/549)، البحار: (36/260) (53/147).
([194]) انظر روايات أخرى في غياب النص عن علي بن أبي طالب ا بزعم القوم: منتخب الأثر: (52، 200)، نور الثقلين: (1/504)، البحار: (36/314)، كفاية الأثر: (12).
([195]) البحار: (10/143) (44/29، 57، 61، 66)، كشف الغمة: (2/145)، أمالي الطوسي:(571، 577، 578)، الفصول المختارة: (274)، نور الثقلين: (5/193).
([196]) الاختصاص: (259)، ثواب الأعمال (198)، المحاسن: (94)، غيبة النعماني: (64)، أمالي الطوسي: (46)، العياشي: (1/159)، البرهان: (1/244)، نور الثقلين: (1/265)، البحار: (25/110) (26/349) (27/193، 201) (65/105، 113، 142) (68/142).
([197]) البحار: (8/369)(23/323)(67/23)(68/104، 105) (72/135)، غيبة النعماني: (65)، الكافي: (1/375)، العياشي: (1/138).
([198]) البحار: (32/367، 570) (33/78)، المناقب: (2/348).
([199]) البحار: (32/367).
([200]) البحار: (41/298).
([201]) البحار: (32/477، 504، 584).
([202]) معاني الأخبار: (35)، الخصال: (528)،العيون: (118)، الاحتجاج: (240)، البحار: (25/116، 165) (48/201) (68/390) (72/150) (93/44، 64).
([203]) البحار: (33/249) (44/312، 326)، الملهوف: (25).
([204]) البحار: (44/29، 57)، نور الثقلين: (5/193).
([205]) البحار: (18/127) (44/23، 26، 28، 58، 59) (78/287)، إعلام الورى: (46)، التحف: (307).
([206]) الاختصاص: (61)، البحار: (44/23) (الحاشية) (112)، إعلام الورى: (46).
([207]) نور الثقلين: (5/193)، البحار: (44/57)، وانظر روايات أخرى في لوم أصحابه لـه: البحار: (44/1، 19، 56، 58، 59) (51/132)، المناقب: (4/36)، مقاتل الطالبيين: (47)، إثبات الهداة: (2/546، 547).
([208]) الاحتجاج: (148)، البحار: (44/20).
([209]) البحار: (44/40، 60).
([210]) كشف الغمة: (2/145)، البحار: (44/65).
([211]) كشف الغمة: (2/141)، البحار: (44/62)، نور الثقلين: (3/468).
([212]) فرق الشيعة: (24).
([213]) الخصال: (380)، الاختصاص: (180)، نهج البلاغة: (399)، البحار: (33/319) (38/182) (42/99، 106)، وانظر روايات أخرى في المقام نفسه: البحار:(32/552، 562) (43/234) (45/349)، نهج البلاغة: من كلام له في بعض أيام صفين.
([214]) الكافي: (7/49)، نهج البلاغة: (460)، البحار: (41/41) (42/72، 254) (103/184)، إثبات الهداة: (2/544).
([215]) البحار: (41/296) (42/87)، إثبات الهداة: (2/457).
([216]) كفاية الأثر: (21، 22)، البحار: (36/339، 341)، إثبات الهداة: (1/592، 651)، منتخب الأثر: (30).
([217]) كفاية الأثر: (23)، البحار: (36/344)، إثبات الهداة: (1/593)، منتخب الأثر:(113).
([218]) كفاية الأثر: (24)، البحار: (36/345)، إثبات الهداة: (2/4) (2/19، 110، 112)، البصائر: (468)، منتخب الأثر: (70).
([219]) المناقب: (1/300)، إثبات الهداة: (1/670)، منتخب الأثر: (54)، البحار: (36/271).
([220]) انظر تفاصيل هذه المراسلات في البحار: (44/333، 334) (ج:48).
([221]) بلغ عدد الكتب التي بعث بها أصحابها إلى الحسين ا (12.000) كتابًا.
([222]) انظر في جهل الحسين ا بالنص باعتبار القوم أيضًا: منتخب الأثر: (102).
([223]) أمالي الطوسي: (154، 618)، البحار: (22/497، 502) (37/41)، منتخب الأثر: (199)، تفسير فرات: (2/464)، وانظر رواية أخرى: كمال الدين: (250).
([224]) البرهان: (4/187)، البحار: (36/102، 159).
([225]) سعد السعود: (121)، البحار: (36/92، 191)، إثبات الهداة: (2/140)، تأويل الآيات: (1/144)، البرهان: (1/431)، تفسير القمي: (1/168)، الصافي: (2/5).
([226]) كشف اليقين: (137)، الإقبال: (454)، البحار: (28/96).
([227]) البحار: (40/152)، الإمامة والتبصرة: (174)، البصائر: (163).
([228]) البصائر: (168)، البحار: (26/54).
([229]) انظر أيضًا: أمالي الصدوق: (229)، أمالي الطوسي: (271)، كشف الغمة: (1/85)، الطرائف: (8)، المناقب: (1/396)، البحار: (22/222) (38/305، 310)، إثبات الوصي: (17).
([230]) اليقين: (12، 28، 35، 128، 140)، الإرشاد: (30)، البحار: (37/298، 324، 327، 330) (40/15، 16)، تأويل الآيات: (1/181)، نور الثقلين: (3/61).
([231]) اليقين: (31، 92، 93، 161، 164)، البحار: (37/300، 301) (38/2، 127) (40/15)، العياشي: (2/262)، البرهان: (2/374)، تأويل الآيات: (1/184)، وصي الرسول الأعظم: (20).
([232]) انظر إن شئت تفصيل ذلك في: البحار: (21/43).
([233]) كفاية الأثر: (3، 14)، البحار: (36/286، 321)، إثبات الهداة:(1/572)، منتخب الأثر:(99).
([234]) منتخب الأثر: (36)، إعلام الورى: (365)، البحار: (36/300).
([235]) انظر إن شئت: إثبات الهداة: (1/643، 647، 666)، منتخب الأثر:(48)، كمال الدين:(288).
([236]) تفسير القمي: (1/182)، البحار: (37/345)، إثبات الهداة: (2/140)، نور الثقلين:(1/658).
([237]) أمالي الطوسي: (313)، أمالي المفيد: (21، 22)، المناقب: (3/63) (وفي رواية: عثمان)، البحار: (38/117)، 128، إثبات الهداة: (2/41، 102).
([238]) كمال الدين: (17)، البحار: (13/367)(22/512)(32/280)، إثبات الهداة: (1/270)(2/40).
([239]) كمال الدين: (246)، اليقين: (60، 132)، الاستنصار للكراجكي:(20، 21)، كفاية الأثر:(19)، الاحتجاج: (42)، البحار: (36/252، 264) (27/119).
([240]) إثبات الهداة: (2/67)، البحار: (38/106).
([241]) كفاية الأثر: (10)، البحار: (36/310)، إثبات الهداة: (1/579)، منتخب الأثر: (47).
([242]) كفاية الأثر: (5)، البحار: (36/288)، إثبات الهداة: (1/575، 576)، منتخب الأثر: (46).
([243]) البحار: (38/18، 131)، إثبات الهداة: (2/83).
([244]) كمال الدين: (231)، البحار: (23/88).
([245]) منتخب الأثر: (31)، البحار: (25/6) (36/223) (53/142).
([246]) المحتضر: (152)، البحار: (36/223، 224)، منتخب الأثر: (136).
([247]) كفاية الأثر: (19)، البحار: (36/335).
([248]) كشف اليقين: (188)، البحار: (36/264)، منتخب الأثر: (73).
([249]) كفاية الأثر: (11)، البحار: (36/312).
([250]) الخصال: (461)، البحار: (28/210).
([251]) كفاية الأثر: (12)، البحار: (36/314)، إثبات الهداة: (1/581، 670)، المناقب: (1/301)، منتخب الأثر: (47، 55).
([252]) كفاية الأثر: (12)، البحار: (36/316).
([253]) كفاية الأثر: (5)، البحار: (36/293)، إثبات الوصية: (31).
([254]) كفاية الأثر: (5)، البحار: (36/291)، منتخب الأثر: (65).
([255]) كفاية الأثر: (5)، البحار: (36/291).
([256]) كفاية الأثر: (15)، البحار: (36/323)، إثبات الهداة: (1/585)، منتخب الأثر: (49).
([257]) كفاية الأثر: (15)، البحار: (36/323)، إثبات الهداة: (1/585)، منتخب الأثر: (50).
([258]) مجمع البيان: (10/316)، البرهان:(14/155، 174، 189، 353)، كشف اليقين:(91)، البحار: (36/29) (37/317)، إثبات الهداة: (2/162)، تأويل الآيات: (2/572، 588، 699)، تفسير فرات: (2/490)، نور الثقلين: (5/370)، الصافي: (5/195).
([259]) الفضائل: (159)، الروضة: (30)، البحار: (35/274)، البرهان: (4/245)، إثبات الهداة: (1/287) (2/47).
([260]) الكافي: (1/253)، البحار: (25/83).
([261]) البحار: (36/20).
([262]) غيبة النعماني: (52)، البحار: (36/277)، إثبات الهداة: (1/657، 668).
([263]) أمالي الصدوق: (348)، البحار: (35/273)، البرهان: (4/244)، تأويل الآيات: (2/621)، المناقب: (2/214)، إثبات الهداة: (2/70، 169، 178)، نور الثقلين: (5/145).
([264]) انظر روايات أخرى إن شئت في شأن الصحابة ي: منتخب الأثر: (67، 90،  106،  107، 115، 189)، كمال الدين: (247،263، 265)، تأويل الآيات: (2/758)، إثبات الهداة: (1/508، 598، 655، 667) (2/112، 118)، إثبات الوصية: (35)، البحار: (32/170) (33/18) (36/353) (40/121).
([265]) كمال الدين: (275)، البحار: (36/20)(40/19)(51/363)، إثبات الهداة:(3/506)، غيبة الطوسي: (138)، إعلام الورى: (252)، المناقب: (4/172)، الكافي: (1/303)، البحار: (46/18) إثبات الهداة: (3/1)، البصائر: (168، 148، 163)، الإمامة والتبصرة: (197)، وانظر أيضًا: إثبات الهداة: (3/35).
([266]) مقاتل الطالبيين: (64)، البحار: (45/46).
([267]) كامل الزيارات: (257)، البحار: (45/179)، وقد اضطرب القوم في رد هذه الرواية، انظر: البحار:(45/179) (183) (الحاشية).
([268]) رجال الكشي: (111)، البحار: (42/94) (45/348) (46/45)، معجم الخوئي: (14/131) (16/50)، إثبات الهداة: (3/23).
([269]) معجم الخوئي: (14/133) (46/144) (20/34)، البحار:(74/220)، رجال الكشي:(113)، الاختصاص: (64).
([270]) الاحتجاج:(173)، البحار: (36/386)، كمال الدين: (299)، إثبات الهداة: (1/515).
([271]) الاحتجاج: (173)، الخرائج والجرائح: (195)، البحار: (46/230) (50/227).
([272]) كفاية الأثر: (31)، البحار: (36/388)، إثبات الهداة: (1/600)، منتخب الأثر: (38).
([273]) كفاية الأثر: (318)، البحار: (46/19)، إثبات الهداة: (3/3).
([274]) كفاية الأثر: (30)، البحار: (36/389)، إثبات الهداة: (1/600).
([275]) كفاية الأثر: (31)، البحار: (36/389).
([276]) كمال الدين: (298)، البحار: (51/134)، إثبات الهداة: (3/466).
([277]) كفاية الأثر: (31)، البحار: (36/389).
([278]) الإرشاد: (2/170)، بحار الأنوار: (46/167)، كشف الغمة: (2/341).
([279]) الإرشاد: (267)، البحار: (46/167).
([280]) مختصر البصائر:(14)، البحار:(42/77، 82) (45/347) (46/22، 29، 111) (95/160، 166)، الخرائج والجرائح: (194)، معجم الخوئي: (16/48) وقال: الرواية صحيحة السند، إثبات الهداة: (2/5) (3/6، 11، 15، 21، 28، 32)، الكافي: (1/348)، البصائر: (502)، غيبة الطوسي: (16، 119)، الإمامة والتبصرة:(194)، إعلام الورى: (253)، المناقب: (3/288)(4/147)، ذوب النضار لابن نما: (292).
([281]) الخرائج والجرائح: (194)، البحار: (46/29).
([282]) علل الشرايع: (78)، البحار: (42/75) (46/63).
([283]) إثبات الهداة: (3/25).
([284]) الخصال: (380)، معجم الخوئي: (16/50)، الاختصاص: (179)، البحار: (33/320) (38/182).
([285]) المناقب: (3/168)، معجم الخوئي: (16/50).
([286]) غيبة الطوسي: (16)، البحار: (37/2، 5، 6، 7) (42/82) (51/178).
([287]) انظر المزيد: البحار:(45/348)، كمال الدين: (45)، نور الثقلين: (1/779).
([288]) تفسير القمي: (2/332)، البرهان: (4/296)، إثبات الهداة: (3/21)، أمالي الطوسي: (258)، البحار: (45/168).
([289]) إثبات الهداة: (3 /28)، البحار: (2/162) (46/39)، الكشي: (83).
([290]) البحار: (23/90) (68/337، 387)، الكافي: (2/20).
([291]) البحار: (11/241، 245) (75/419).
([292]) الكافي: (1/383)، كمال الدين: (156)، البحار: (14/67، 81).
([293]) أمالي الطوسي: (584)، البحار: (22/499).
([294]) البحار: (39/137) (14/420)، إثبات الهداة: (2/130).
([295]) البحار: (35/303).
([296]) إعلام الورى: (80)، بصائر الدرجات: (146)، البحار: (18/12)(21/360، 363) (40/178)، إثبات الهداة: (1/282، 318، 369، 389).
([297]) البحار: (28/185، 348).
([298]) علل الشرايع: (80)، البحار: (25/259).
([299]) الإمامة والتبصرة: (185).
([300]) الكافي:(1/359)، البحار:(47/280) وفي الرواية فوائد كثيرة أعرضنا عن ذكرها فراجعها إن شئت.
([301]) البحار: (47/251) (48/67)، الخرائج والجرائح: (200).
([302]) إعلام الورى: (287)، المناقب: (3/437)، البحار: (48/1، 7).
([303]) الإرشاد: (297) (وفيه أن سنه يوم وفاة أبيه سبع سنين وأشهر)، كشف الغمة:(3/215)، البحار: (49/309) (50/2، 12).
([304]) تفسير القمي: (1/359)، العياشي: (2/212)، البرهان: (2/275)، الصافي: (3/53)، نور الثقلين: (2/476)، البحار: (36/51).
([305]) الكافي: 1/325، البحار: (50/121) (سنأتي على ذكر الرواية بتمامها لاحقًا).
([306]) كشف الغمة: (3/230، 232، 244)، البحار: (50/114، 115).
([307]) بصائر الدرجات: (473)، غيبة الطوسي:(122)، إعلام الورى:(350)، الإرشاد:(315)، البحار: (50/240، 243)(وقال: فقد أحدث فيك أمرًا، أي: جعلك إمامًا بموت أخيك الأكبر قبلك) الكافي: (1/326)، إثبات الهداة: (3/392، 395).
([308]) انظر روايات أخرى في مسألة عامل السن: نور الثقلين: (3/325) (5/13)، أمالي الطوسي: (446)، البحار: (17/309) (18/205) (21/122) (47/281) (48/67) (50/20)، تفسير العسكري: (156)، مدينة المعاجز: (73).
([309]) معاني الأخبار: (35)، الخصال: (528)، عيون الأخبار: (119)، الاحتجاج: (240)، بصائر الدرجات: (125)، الكافي: (1/388)، البحار: (25/116، 140، 148، 168) (52/321)، المناقب: (1/253).
([310]) الخرائج والجرائح: (194)، البحار: (46/30).
([311]) للمزيد من منازعاته الأخرى مع الأئمة انظر: البحار: (44/191)، المناقب: (1/66).
([312]) كمال الدين: (45).
([313]) رغم ذلك تذكر كتب القوم مبايعته ا ليزيد: البحار: (45/326).
([314]) فرق الشيعة: (26)، وانظر أيضًا في اعتقاد الشيعة في إمامته: كمال الدين: (42، 43، 45)، البحار: (42/81).
([315]) انظر تفصيل ذلك إن شئت في: فرق الشيعة: (26) وما بعدها، الفصول المختارة: (240)، وما بعدها.
([316]كفاية الأثر: (319)، البحار: (46/231)، إثبات الهداة: (3/35).
([317]) المناقب: (3/331)، البحار: (46/356).
([318]) الكافي:(1/279، 281)، غيبة النعماني:(24، 35)، البحار:(36/192، 193، 210)(48/28)، أمالي الطوسي: (455)، منتخب الأثر: (166)، أمالي الصدوق: (328)، الإمامة والتبصرة: (167) كمال الدين: (607)، المناقب: (1/299).
([319]) إعلام الورى: (262)، البحار: (46/268)، المناقب: (3/320).
([320]) الخصال: (200)، غيبة النعماني: (129)، البصائر: (489)، البحار: (25/139، 157).
([321]) تفسير فرات: (1/274)، البحار: (25/164).
([322]) البحار: (25/139).
([323]) البحار: (25/116، 144، 165) (93/64)، علل الشرايع: (79)، معاني الأخبار: (35)، الخصال: (105)، العيون: (118)، المناقب: (1/253).
([324]) علل الشرايع: (79)، البحار: (25/256)، نور الثقلين: (4/238، 239).
([325]) كفاية الأثر: (33)، الغدير:(2/180)، البحار: (36/390)(79/293)، إثبات الهداة:(1/602)، منتخب الأثر: (123).
([326]) الغدير: (2/183).
([327]) الغدير: (2/183)، كنز الفوائد: (154)، البحار: (42/16).
([328]) الغدير: (2/186)، البحار: (36/391).
([329]) رجال الكشي: (136)، إعلام الورى: (158)، الغدير: (2/187)، البحار: (47/324).
([330]) الغدير: (2/188)، المناقب: (5/12)، البحار: (46/333).
([331]) راجع إن شئت، الغدير للأميني: (2/180-212).
([332]) الكافي: (1/536)، البحار: (51/140).
([333]) انظر روايات أخرى في جهل أصحاب الباقر: البحار:(51/40)، منتخب الأثر: (34).
([334]) كفاية الأثر: (327)، البحار: (46/198)، إثبات الهداة: (1/604)، منتخب الأثر: (129).
([335]) الإرشاد: (289)، الكافي: (1/307)، إعلام الورى: (268)، البحار: (47/13)، إثبات الهداة: (3/72).
([336]) البصائر: (72، 150)، البحار: (23/85) (26/176)، الكافي: (1/397)، وانظر رواية شبيهة في: البحار: (23/41، 53، 80، 86)، كمال الدين: (133)، البصائر: (149)، الكشي: (153).
([337]) البصائر: (4/48)، الكافي: (1/305)، إعلام الورى: (260)، البحار: (46/229)، إثبات الهداة: (3/33)، المناقب: (4/211).
([338]) كشف الغمة: (2/347)، البحار: (46/269)، إثبات الهداة: (3/16).
([339]) الخرائج والجرائح: (230)، البحار: (46/329)، إثبات الهداة: (3/56).
([340]) فرق الشيعة: (62-66).
([341]) فرق الشيعة: (59).
([342]) الحدائق الناضرة: (1/5).
([343]) الحدائق الناضرة: (1/8).
([344]) تهذيب الأحكام: (1/8).
([345]) عيون أخبار الرضا: (1/33)، البحار: (48/14)، إثبات الهداة: (3/161، 235).
([346]) كمال الدين: (314)، البحار: (48/15)، إثبات الهداة: (3/162، 470)، منتخب الأثر:(231)، إعلام الورى: (404)، البحار: (51/143).
([347]) كمال الدين: (314)، البحار: (36/401) (48/15) (51/144)، إثبات الهداة: (1/516)، غيبة النعماني: (57)، منتخب الأثر: (40).
([348]) الإرشاد: (308)، البحار: (48/17)، الكافي: (1/308)، إثبات الهداة: (3/156).
([349]) الإرشاد: (308)، البحار: (48/18)، الكافي: (1/308)، إثبات الهداة: (3/156)، إعلام الورى: (288).
([350]) الإرشاد: (308)، البحار: (48/18)، الكافي: (1/309)، إثبات الهداة: (3/157)، غيبة النعماني: (228)، إعلام الورى: (288).
([351]) الإرشاد: (309)، المناقب: (3/432)، إعلام الورى: (289)، البحار: (48/19، 107)، الكافي: (1/311)، إثبات الهداة: (3/158، 167).
([352]) كفاية الأثر: (253)، البحار: (47/15).
([353]) البصائر: (239)، البحار: (47/70)، إثبات الهداة: (3/100)، المناقب:(4/219).
([354]) غيبة النعماني: (227)، البحار: (48/23).
([355]) عيون أخبار الرضا: (1/29)، البحار: (48/23) (49/18)، إثبات الهداة: (3/161).
([356]) عيون أخبار الرضا: (1/31)، الكشي: (383)، الكافي: (1/313)، الإرشاد: (286)، غيبة الطوسي: (27)، البحار: (48/24) (49/20، 25)، إعلام الورى: (305).
([357]) عيون أخبار الرضا: (1/31)، البصائر: (3/24)، إعلام الورى: (304)، البحار: (49/20).
([358]) قرب الإسناد: (193)، المناقب: (3/411)، البحار: (48/24)، إثبات الهداة: (3/165).
([359]) البصائر: (5/68)، البحار: (48/50، 51)، الكافي: (1/352)، إثبات الهداة:(3/176)، وانظر أيضًا قصة شبيهة بها حصلت لحمزة بن محمد الطيار في: إثبات الهداة: (3/59).
([360]) البصائر: (5/69)، الخرائج والجرائح:(235)، البحار:(48/52)(61/188)، الكافي:(1/352)، إعلام الورى: (292)، المناقب: (4/288).
([361]) كمال الدين: (314)، غيبة النعماني: (43)، البحار: (36/401) (48/15)(52/129).
([362]) كفاية الأثر: (36)، البحار: (36/409)، إثبات الهداة:(1/603)، منتخب الأثر: (133).
([363]) غيبة النعماني: (65)، البحار: (23/79)، إثبات الهداة: (1/135).
([364]) كفاية الأثر: (35)، البحار: (36/408)، منتخب الأثر: (254).
([365]) كمال الدين: (81)، البحار: (47/339).
([366]) كمال الدين: (81)، إثبات الهداة: (3/162)، البحار: (47/338).
([367]) كشف الغمة: (2/420)، الخرائج والجرائح: (232)، البحار: (47/143)، إثبات الهداة: (3/127، 139).
([368]) غيبة النعماني: (60)، البحار: (36/402) (96/267)، منتخب الأثر:(39)، الكافي:(1/534).
([369]) كمال الدين: (232)، البحار: (25/106، 249).
([370]) علل الشرايع: (206)، الكافي: (1/464)، إثبات الهداة: (1/452، 520، 618، 671)، البحار: (25/254) (43/245)، نور الثقلين: (5/12، 13)، الإمامة والتبصرة: (181)، وانظر أيضًا: كمال الدين: (382، 383)، البحار: (25/260) (44/221)، علل الشرايع: (205)، أمالي الطوسي: (325)، إثبات الهداة: (1/559).
([371]) علل الشرايع: (209)، إثبات الهداة: (1/520، 542)(3/94)، كمال الدين: (383)، البحار: (25/258)، نور الثقلين: (341، 376).
([372]) علل الشرايع: (208)، إثبات الهداة: (1/541)، البحار: (23/70) (24/177) (25/260، 261)، عيون الأخبار: (2/88)، كمال الدين: (336)، معاني الأخبار: (2/88)، الخصال: (146)، نور الثقلين: (3/420) (4/597).
([373]) كفاية الأثر: (34)، البحار: (36/405).
([374]) البرهان: (1/184، 483)، البحار: (35/188).
([375]) كمال الدين: (129)، البحار: (25/107)، إثبات الهداة: (1/109).
([376]) البصائر: (473)، البحار: (12/97) (23/72) (99/56).
([377]) البصائر: (473)، البحار: (23/73).
([378]) البصائر: (474)، البحار: (23/73).
([379]) المصادر السابقة.
([380]) المصادر السابقة.
([381]) للمزيد انظر: البصائر: باب: في الأئمة أنهم يعلمون إلى من يوصون قبل موتهم مما يعلمهم الله، وفيه (4) روايات، وباب: في الإمام أنه يعرف من يكون بعده قبل موته، وفيه (7) روايات.
([382]) غيبة النعماني: (120)، البحار: (51/38).
([383]) الكافي: (1/312)، غيبة الطوسي: (25)، إعلام الورى: (304)، عيون الأخبار: (1/33).
([384]) غيبة النعماني: (152)، البحار: (51/42).
([385]) كمال الدين: (43)، البحار: (51/145)، إثبات الهداة:(1/494)، إعلام الورى: (279)، منتخب الأثر: (215، 256).
([386]) البصائر: (189)، البحار: (52/319).
([387]) كمال الدين: (321)، البحار: (51/146)، منتخب الأثر: (240).
([388]) الكافي: (1/185).
([389]) كمال الدين: (305)، البحار: (51/34، 138)، منتخب الأثر: (288)، إعلام الورى: (402)، غيبة النعماني: (111).
([390]) الكافي: (1/341)، غيبة النعماني: (124)، البحار: (51/39)، منتخب الأثر: (249).
([391]) غيبة النعماني: (164)، البحار: (51/148).
([392]) غيبة النعماني: (219)، البحار: (52/366).
([393]) غيبة الطوسي: (282)، البحار: (52/331).
([394]) إثبات الهداة: (3/573).
([395]) غيبة الطوسي: (291)، إثبات الهداة: (3/515)، البحار: (53/91).
([396]) كمال الدين: (313)، البحار: (51/143).
([397]) كمال الدين: (314)، غيبة النعماني: (122)، البحار: (51/38، 143، 158)، إثبات الهداة: (1/655) (3/470).
([398]) كمال الدين: (382)، إعلام الورى: (288)، الإرشاد: (309)، الكافي:(1/286، 309)، البحار: (25/256) (27/297) (48/16) (52/148)، إثبات الهداة: (1/85) (3/156، 157).
([399]) الإرشاد: (309)، غيبة النعماني: (178)، البحار: (48/20)، الكافي: (1/308)، إثبات الهداة: (3/157)، إعلام الورى: (290).
([400]) البحار: (26/42) (47/271).
([401]) البصائر: (3/41)، البحار: (26/40) (47/271).
([402]) كشف الغمة: (2/381)، البحار: (47/274)، وانظر أيضًا: الكافي: (2/155).
([403]) الكافي: (2/155)، البحار: (47/298).
([404]) الخرائج والجرائح: (244)، البحار: (47/120)، المناقب: (4/221)، وانظر تفصيل القصة في: الكافي: (1/348)، والبحار: (47/228).
([405]) المناقب: (4/228)، إعلام الورى: (272)، البحار: (47/131، 275).
([406]) المناقب: (4/228)، مقاتل الطالبيين:(255)، البحار:(47/131،160)، إثبات الهداة:(3/110).
([407]) المناقب: (4/229)، البحار: (47/132).
([408]) الاحتجاج: (197)، البحار: (47/213) (100/18)، الكافي: (5/23).
([409]) عيون أخبار الرضا: (1/310)، البحار: (47/274)(52/189)، وانظر أيضًا: البحار: (52/188) وفيه خروج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ي.
([410]) الاحتجاج: (374)، البحار: (46/180) (47/273).
([411]) إعلام الورى: (261)، الكافي: (1/305)، البحار: (26/37) (46/230).
([412]) الاحتجاج: (374)، البحار: (47/273).
([413]) الاحتجاج: (204)، البحار: (47/273).
([414]) رجال الكشي: (230)، البحار: (47/276).
([415]) البصائر: (169)، البحار: (26/155) (46/189) (47/272، 278) (54/364)، الإرشاد: (277)، إثبات الهداة: (3/133).
([416]) البصائر: (169)، البحار: (26/155) (47/272).
([417]) البصائر: (169)، علل الشرايع: (8)، البحار: (25/259) (26/155) (47/272)، وقال محقق الكتاب: لعل المراد بالملك: الملك المنصوص من الله تعالى، أي الإمام، أقول: وهل كان الصادق جاهلًا بهم حتى ينظر في كتاب فاطمة ل، وإن كانت هذه الروايات توحي بذلك.
([418]) البصائر: (169)، المناقب: (3/393)، البحار: (26/156) (47/32، 273)، الإمامة والتبصرة: (180).
([419]) البصائر: (46)، البحار: (26/156).
([420]) للمزيد من روايات منازعة بني الحسن لبني الحسين وحسدهم وادعائهم الإمامة إلى آخر ذلك بزعم القوم، انظر: البحار: (26/47، 212) (44/165، 167) (47/131، 206، 228، 275، 281) (52/136)، كشف الغمة: (2/383)، الكافي: (1/348، 358)، إعلام الورى: (272)، أمالي الطوسي: (50).
([421]) المناقب: (4/224)، البحار: (46/269) (47/255)، إثبات الهداة: (3/134، 214).
([422]) الخرائج والجرائح: (232)، البحار: (46/184) (47/96).
([423]) أي بقع على جلد الوجه تخالف لونه.
([424]) البحار: (46/156) (الحاشية)، وانظر أيضًا: سر السلسلة العلوية: (50).
([425]) غيبة الطوسي: (119)، البحار: (46/182) (47/2، 276) (74/96).
([426]) إعلام الورى: (272)، الإرشاد: (294)، مقاتل الطالبيين: (205)، البحار: (46/187) (47/278).
([427]) عيون أخبار الرضا: (1/47)، البحار: (36/193) (47/12)، إثبات الهداة: (3/73)، كمال الدين: (288)، الاحتجاج: (37).
([428]) البحار: (46/252).
([429]) إثبات الهداة: (3/66).
([430]) الكافي: (1/356)، البحار: (46/204).
([431]) رجال الكشي: (101)، الاحتجاج: (373)، المناقب: (1/223)، البحار: (46/193).
([432]) الكافي: (1/174)، الاحتجاج: (376)، البحار: (46/181)، معجم الخوئي: (7/354)، وقوَّى إسناد الرواية، ولكنه اضطرب في تأويلها، وانظر رواية أخرى شبيهة في: الكشي: ترجمة (280)، معجم الخوئي: (7/39)، المناقب: (1/259).
([433]) رجال الكشي: (224، 225)، البحار: (46/195).
([434]) البحار: (46/199).
([435]) رجال الكشي: (231)، البحار: (46/197).
([436]) رجال الكشي: (261)، البحار: (46/197)، المناقب: (1/260) وانظر: الكافي: (1/356) البحار: (46/203).
([437]) المناقب: (4/224)، البحار: (47/128).
([438]) أمالي الصدوق: (43)، عيون أخبار الرضا: (1/227)، البحار: (46/168).
([439]) منتخب الأثر: (34)، غيبة النعماني: (42)، البحار: (46/173) (47/141).
([440]) غيبة النعماني: (229)، البحار: (51/42)، إثبات الهداة: (3/125)، وانظر روايات وأقوال أخرى في خروجه: إثبات الهداة: (3/52)، الاحتجاج: (372).
([441]) كفاية الأثر: (327)، البحار: (46/170، 199)، إثبات الهداة: (1/264، 324)، عيون الأخبار: (1/226).
([442]) مستطرفات السرائر فيما استطرفه من رواية أبي القاسم ابن قولويه، البحار: (46/192).
([443]) أمالي الصدوق: (275)، البحار: (46/170، 209).
([444]) أمالي الصدوق: (40)، البحار: (46/168)، إثبات الهداة: (3/9).
([445]) رجال الكشي: (151)، معجم الخوئي: (7/348)، البحار: (46/170، 194)، أمالي الصدوق: (275).
([446]) أمالي الصدوق: (349)، البحار: (46/171)، عيون الأخبار: (1/228).
([447]) عيون أخبار الرضا: (1/248)، البحار: (46/175).
([448]) الإرشاد: (269)، معجم الخوئي: (7/346)، البحار: (46/187).
([449]) ثواب الأعمال: (198)، البحار: (46/182).
([450]) كشف الغمة: (2/442)، البحار: (46/193).
([451]) أمالي الصدوق: (321)، البحار: (46/172)، أمالي الطوسي: (446).
([452]) رجال الكشي: (184)، معجم الخوئي: (3/178) (7/347)، البحار: (47/326) (52/301).
([453]) عيون أخبار الرضا: (1/248)، البحار: (46/174)، الاحتجاج: (372) (الحاشية).
([454]) الكافي: (3/215)، البحار: (46/205) (82/3)، العيون: (1/255).
([455]) الكافي: (8/161)، البحار: (46/205).
([456]) انظر المزيد من الروايات في مدح زيد: أمالي الطوسي: (682)، الروضة: (142، 220)، الإرشاد: (251، 252)، الاحتجاج: (372، 373) (الحاشية).
([457]) رجال الكشي: (164، 165)، معجم الخوئي: (7/349) (17/35)، البحار: (46/189، 193) (47/405).
([458]) الإرشاد: (274)، الاحتجاج: (371)، البصائر: (174)، البحار: (26/201) (71/13)، الكافي: (1/232)، إعلام الورى: (278).
([459]) البصائر: (175)، البحار: (26/205).
([460]) روضة الكافي: (31)، البحار: (52/254).
([461]) سبق تخريجه. الكافي: (1/280)، البحار: (36/192)، أمالي الصدوق: (401)، أمالي الطوسي: (441)، الصراط المستقيم: (2/148)، كمال الدين: (2/669)، المناقب: (1/298).
([462]) الاحتجاج: (204)، البحار: (46/179).
([463]) الروضة: (310)، نور الثقلين: (4/46)، البحار: (52/304).
([464]) البحار: (52/139)، غيبة النعماني: (199)، المناقب: (4/188).
([465]) العياشي: (1/310)، الصافي: (1/411، 520)، البرهان: (1/426)، البحار: (9/195) (12/315) (46/168).
([466]) انظر روايات أخرى في جهل أصحاب الصادق بالنص: الإمامة والتبصرة: (205، 225)، البحار: (48/3، 9)، البصائر: (441)، الإرشاد: (309، 310)، إعلام الورى: (289، 291).
([467]) رجال الكشي: (182)، البحار: (47/263، 343)، إثبات الهداة: (3/173)، إعلام الورى: (291)، المناقب: (4/290).
([468]) كتاب زيد النرسي: (49)، البحار: (47/269)، إثبات الهداة: (3/170).
([469]) البصائر: (472)، البحار: (23/72) (48/25)، إثبات الهداة: (3/165).
([470]) كتاب زيد النرسي: (49)، البحار: (4/108، 122) (37/13) (47/269)(102/9)، إثبات الهداة: (3/170)، كمال الدين: (75).
([471]) غيبة النعماني: (178)، البحار: (48/22).
([472]) الاختصاص: (290)، البصائر: (97)، البحار: (47/82) (48/25)، إثبات الهداة: (3/165).
([473]) غيبة النعماني: (224)، البصائر: (96)، رجال الكشي: (226)، إعلام الورى: (289)، البحار: (47/83، 259) (48/14، 26)، الكافي: (1/309)، إثبات الهداة: (3/157، 164، 168).
([474]) الإرشاد: (308)، إعلام الورى: (288)، البحار: (48/18)، الكافي: (1/307)، إثبات الهداة: (3/156).
([475]) غيبة النعماني: (224)، البحار: (47/261).
([476]) كمال الدين: (76)، البحار: (47/247).
([477]) غيبة الطوسي: (33)، البحار: (47/259)، (48/26).
([478]) انظر مثلًا: الكافي: (5/299)، البحار: (47/267).
([479]) البحار: (47/268) (74/81).
([480]) المناقب: (1/266)، غيبة النعماني: (227)، البحار:(47/242، 254)(48/21، 295)، وانظر أيضًا: الإرشاد: (304)، فرق الشيعة: (67) (الحاشية).
([481]) غيبة الطوسي:(28)، معجم الخوئي:(19/227)، البحار:(49/26)، إثبات الهداة:(3/162،240).
([482]) أصل زيد النرسي: (49) من الأصول الستة عشر، البحار: (47/269)، إثبات الهداة: (3/170)، كمال الدين: (76)، المناقب: (1/266).
([483]) غيبة الطوسي: (119)، الكافي: (1/310)، إعلام الورى: (290)، المناقب: (3/434)، البحار: (47/3)، إثبات الهداة: (3/159)، مذهب أهل البيت: (54).
([484]) المناقب: (3/434)، البحار: (47/4، 251)، إثبات الهداة: (3/166).
([485]) الإرشاد: (310)، المناقب: (3/409)، البحار: (47/344).
([486]) قال محقق البحار في معرض تعليقه على أسباب خفاء النص: وأهم الأسباب شدة إخفاء الخلفاء ومن بيدهم السلطة والقدرة على ذلك، وشدة النكير على من كان يظهره، وخوف الناقلين منهم، انظر: حاشية البحار: (10/409).
([487]) انظر تفصيل ذلك إن شئت في: فرق الشيعة: (66-79)، الفصول المختارة: (247-253)، البحار: (47/258).
([488]) عيون أخبار الرضا: (1/31)، البحار: (49/13)، إثبات الهداة: (3/234).
([489]) عيون أخبار الرضا: (1/31)، غيبة النعماني: (27)، الكافي: (1/311)، الإرشاد:(285)، إعلام الورى: (303)، البحار: (49/13)، إثبات الهداة: (3/234).
([490]) إثبات الهداة: (3/241).
([491]) عيون أخبار الرضا: (1/32)، رجال الكشي: (398)، البحار: (49/14)، إثبات الهداة: (3/235).
([492]) عيون أخبار الرضا: (1/33)، الإرشاد: (285)، الكافي: (1/312)، البحار:(49/15، 23، 28) إثبات الهداة: (3/229، 232، 235، 236).
([493]) عيون أخبار الرضا: (1/35)، البحار: (49/15)، إثبات الهداة: (3/178، 236).
([494]) عيون أخبار الرضا: (1/36)، البحار: (49/15)، إثبات الهداة: (3/236).
([495]) عيون أخبار الرضا: (1/36)، الكافي: (1/312)، الإرشاد: (286)، غيبة الطوسي: (26)، إعلام الورى: (304)، البحار: (49/16)، إثبات الهداة: (3/229).
([496]) عيون أخبار الرضا: (1/37)، البحار: (49/16).
([497]) عيون أخبار الرضا: (1/28)، البحار: (49/17)، إثبات الهداة: (3/238) (وفيه سبعون رجلًا).
([498]) عيون أخبار الرضا: (1/37)، البحار: (49/17)، إثبات الهداة: (3/238).
([499]) عيون أخبار الرضا: (1/27)، البحار: (49/16)، إثبات الهداة: (3/236).
([500]) عيون أخبار الرضا: (1/29)، البحار: (49/17)، إثبات الهداة: (3/238).
([501]) تفسير العياشي: (2/121)، البحار: (49/27).
([502]) عيون أخبار الرضا: (1/38)، البحار: (48/23) (49/18).
([503]) عيون أخبار الرضا: (1/30)، البحار: (49/18).
([504]) عيون أخبار الرضا: (1/39)، الإرشاد: (286)، الكافي:(1/313)، البحار:(49/18، 19، 24)، إثبات الهداة: (3/229، 237، 238)، إعلام الورى: (305).
([505]) عيون أخبار الرضا: (1/30)، الكافي: (1/312)، الإرشاد: (286)، البحار: (49/19).
([506]) رجال الكشي: (396، 416)، البحار: (48/252).
([507]) غيبة الطوسي:(25)، عيون أخبار الرضا: (1/41)، الإرشاد: (287)، الكافي: (1/319)، إعلام الورى: (308)، رجال الكشي:(429)، البحار: (49/21)(50/19)، إثبات الهداة:(3/173، 321).
([508]) عيون أخبار الرضا: (2/219)، الكافي: (1/313)، الإرشاد: (286)، غيبة الطوسي: (29)، رجال الكشي: (265)، إعلام الورى: (305)، البحار: (49/23، 25).
([509]) الكافي: (1/312)، الإرشاد: (285)، إعلام الورى: (304)، البحار: (49/24)، إثبات الهداة: (3/232)، غيبة الطوسي: (25).
([510]) الإمامة والتبصرة: (215)، البحار: (49/106)، عيون الأخبار: (21).
([511]) غيبة الطوسي: (26)، الكافي: (1/313)، الإرشاد: (286)، البحار: (49/24)، إثبات الهداة: (3/230)، إعلام الورى: (305).
([512]) الكافي: (1/313)، الإرشاد: (286)، غيبة الطوسي: (29)، البحار: (48/23) (49/20، 25)، إثبات الهداة: (3/159، 230)، عيون الأخبار: (1/40).
([513]) غيبة الطوسي: (27)، البحار: (46/96) (49/26)، إثبات الهداة: (3/240).
([514]) الخرائج والجرائح: (204)، البحار: (49/73).
([515]) عيون أخبار الرضا: (2/226)، البحار: (49/113).
([516]) الكافي: (1/487)، الإرشاد: (288)، عيون أخبار الرضا: (2/226)، المناقب: (4/340)، البحار: (49/113، 115).
([517]) روضة الكافي: (257)، المناقب: (4/339)، البحار: (49/59، 115)، إثبات الهداة: (3/253).
([518]) عيون أخبار الرضا: (2/213)، البحار: (49/114)، وانظر أيضًا: رجال الكشي: (289)، البحار: (48/269) (49/114).
([519]) الكافي: (6/195)، من لا يحضره الفقيه: (3/155)، عيون الأخبار: (1/308)، معاني الأخبار: (218)، تفسير القمي: (2/190)، البرهان: (4/10)، نور الثقلين: (4/386)، إثبات الهداة: (3/253)، البحار: (14/199) (25/1) (48/271) (49/81، 270) (58/166)(103/208).
([520]) عيون أخبار الرضا: (1/37)، البحار: (49/16)، إثبات الهداة: (3/237).
([521]) تحفة العالم: (2/27)، البحار: (48/279) (الحاشية).
([522]) كمال الدين: (337)، غيبة الطوسي: (104)، البحار: (51/150) (52/113).
([523]) غيبة الطوسي: (31)، البحار: (49/27)، إثبات الهداة: (3/241).
([524]) إثبات الهداة: (3/244).
([525]) قرب الإسناد: (178)، البحار: (48/160).
([526])&nbs