الأهواز وبوادر انتفاضة

د. عايد المناع

ما حدث يومي الجمعة والسبت الماضيين وربما ما قبل ذلك بأيام في مناطق خوزستان جنوب غرب إيران أو ما يعرف بـ "عربستان" أي أرض العرب ليس الحدث الدامي الأول ما بين قوات الأمن الإيرانية وجماهير عربية، فهذه المنطقة شهدت محاولات سابقة قامت بها حركات أهوازية مناوئة للحكم الإيراني في الأهواز لكن هذه الحركات جوبهت بقمع عنيف من قبل قوات الأمن الإيرانية والذي يبدو أنه ـ القمع ـ لم يختلف في عهد الجمهورية الإسلامية عنه في عهد الحكم الشاهنشاهي. وإذا كانت أسباب المواجهات التي تشتد حينا وتهدأ بل وتختفي أحيانا هي أسباب متكررة ومن أهمها محو الهوية العربية في المناطق العربية من خلال فرض التعليم باللغة الفارسية وتحريم التحدث رسميا باللغة العربية وتشجيع السكان العرب على مغادرة مناطقهم العربية والاستقرار في مناطق أخرى وتشجيع غير العرب وخاصة الفرس للاستقرار في المناطق العربية، وفرض إدارات حكم فارسية على المحافظات والمناطق العربية كافة، بل حتى أن سياسة التطهير العرقي التي قيل أنها كانت أهم أسباب انتفاضة عرب الأهواز في الأيام الماضية والتي نفى الإيرانيون ورودها برسالة منسوبة للرئيس محمد خاتمي، هذا التطهير كان من أسباب مواجهات سابقة قبل قيام الحكومة الإسلامية الإيرانية في أوائل عام 1979 ويبدو أنها لا تزال مستمرة، هذه باعتقادنا الأسباب المبررة للمواجهات لكنها ليست السبب الحقيقي الذي نعتقد أنه لا يقل عن حصول العرب على حكم ذاتي مماثل لما يتمتع به أكراد العراق قانونيا.

وفي ظل هذا النوع من الحكم فإن عرب الأهواز يطمحون أن يديروا شؤونهم الداخلية بأنفسهم وأن يعلموا أبناءهم اللغة العربية وأن يتعلموا بهذه اللغة دون أن تفرض عليهم اللغة الفارسية قسرا. ليس هذا فحسب بل أنهم يريدون أن تتجه نسبة كبيرة من عائدات النفط التي تحتويها حقول بلادهم إلى مشاريع التنمية لمناطق الأهواز التي تعاني من الفقر والبطالة وتفشي الأمية وتردي الخدمات وسوء البنية التحتية.

مطالبة الأهوازيين بالحكم الذاتي هي الحد الأدنى فإذا لم تتحقق بعد ثمانين عاما من الضم الإيراني فلن يكون مستغرباً أن تتحول التظاهرات المطالبة بحقوق وطنية ضمن الدولة الإيرانية إلى انتفاضة قومية تطالب بقيام وطن قومي حر ومستقل. والأهوازيون يعرفون أن هذا حلم يصعب تحقيقه إذ إن حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية سارت على خطى الشاه وأسلافه ولم تتنازل عن أي بقعة احتلها الأباطرة.. وإذا كانت الأهواز قد تم احتلالها وضمها عام 1925 فإن جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى  التي احتلها الشاه عام 1971 لا تزال الجمهورية الإسلامية تصر على رفض حتى التحكيم الدولي لوضع حد للنزاع حولها، وإذا كان الأهوازيون قد أحبطوا خطط صدام حسين لجرهم إلى جانبه في أثناء حربه مع إيران وإذا كانوا قاتلوا دفاعا عن الجمهورية الإسلامية فإنهم لا شك يعلمون أن أقصى طموحاتهم هو الحصول على حكم ذاتي ضمن الجمهورية الإسلامية، لكن هذا إن لم يحصل وليس هناك ما يشير إلى إمكانية حدوثه فإنه حتما سيشجع القوميين الأهوازيين على تحسين الأجواء من خلال تحريض الجماهير المغبونة على رفع مطالبها الحياتية والوطنية.

 ومن خلال الفعل ورد الفعل فإن الانتفاضات السلمية قد تتحول إلى صراعات مسلحة في ظل الأجواء الدولية الحالية التي نعتقد أن نشطاء الحركات الأهوازية يفهمونها جيداً ويجيدون الاستفادة منها فإن إيران لن تكون طليقة اليد كما كانت في سالف الأزمان. فالأهواز المنتفضة هي الآن جارة لصيقة للولايات المتحدة التي تتمركز جيوشها في العراق وفي أفغانستان وأماكن أخرى قريبة وبالتالي فإن الدعم الأمريكي للأهوازيين أمر محتمل، بل إن ما نخشاه هو أن تكون انتفاضة الأهواز مبررا تبحث عنه الإدارة الأمريكية لإزالة العوائق المادية ما بين وجودها في العراق ووجودها في أفغانستان.

نتمنى أن تتحرك القيادة الإيرانية لحل مشاكل شعوبها بوسائل سلمية وحضارية وليس بالوسائل القسرية العدوانية وأن تدرك هذه القيادة أن جاريها السابقين في العراق وأفغانستان لم يصمدا طويلا أمام التدخل العسكري الأمريكي.

الوطن الكويتية

21/4/2005 

موقع فيصل نور