الإمام جعفر الصادق عليه السلام
اسمه ونسبه:
هو الإمام جعفر بن محمد بن علي
زين العابدين بن الحسين السبط
بن الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي
الله عنه ابن عم النبي صلى الله عليه وآله
وسلم وزوج ابنته فاطمة البتول
رضي الله عنها وأرضاها.
هذا نسبه من جهة أصوله، ومن
جهة أخواله فهو ابن أبي بكر
الصديق أفضل أولياء الله، وصحابة رسول الله
صلى الله عليه وسلم من جهتين، حيث
كان جعفر الصادق يقول: ولدني
أبو بكر الصديق مرتين.
وذلك أن أمه هي: أم فروة بنت
القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. وأمها
–أي جدته من قبل أمه- هي أسماء بنت عبد
الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم
أجمعين، فإذا كان هؤلاء أخواله، وهذا
الصديق جده من الجهتين فلا يتصور في مثل جعفر
بن محمد وهو من هو في دينه وقربه من الأصل
النبوي، أن يكون شاتما أو مبغضا أو حاقدا على
جده، إذ لا تقره مروءته وشيمته وعروبته فضلا
عن دينه وكمال علمه وفضله.
ولد سنة ثمانين من الهجرة، وتوفي سنة 148هـ
وعمره ثمان وستون سنه، وبالمدينة ولادته
ووفاته.
لقبه:
لقب جعفر بن محمد بالصادق،
وغلب هذا اللقب عليه، فلا يكاد يذكر إلا ونصرف
إليه؛ وسببه أنه كان صادقا في حديثه وقوله
وفعله، لا يعرف عنه سوى الصدق ولم يعرف عنه
كذب قط.
بأبيه اقتدى عدي بالكرم ومن يشابه أباه فما
ظلم
حيث جده هو الصديق الذي نزل فيه
قوله تعالى في آخر التوبة: (يا أيها الذين
آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).
وقد اشتهر لقبه هذا بين المسلمين، وكثيرا ما
يلقبه به الشيخ ابن تيمية وغيره.
ومن ألقابه الإمام وهو جدير
به، والفقيه.
أولاده:
الإمام جعفر الصادق من أكثر آبائه أولادا،
فقد خلف من الأبناء:
1- إسماعيل وهو أكبرهم، وقد
مات في حياته سنة 138 هـ وأرث ابنا اسمه محمد
بن إسماعيل، وله بنون كثيرون متناسلون.
2- عبد الله، وبه كان يكنى.
3- موسى الملقب بالكاظم، وهو
الإمام بعد أبيه عند الاثني عشرية. وفيه
اختلفت الإمامية مع الإسماعيلية حول إمامته:
بين موسى الملقب بالكاظم وإسماعيل سلف الذكر.
4- إسحاق.
5- محمد.
6- علي.
7- فاطمة.
أهم شيوخه:
أخذ جعفر بن محمد الصادق عن
عالية من العلماء، العلم والحديث، حيث أدرك
أواخر الصحابة؛ منهم سهل بن سعد الساعدي
وأنس بن مالك رضي الله عنهما.
وأكثر الرواية عن أبيه محمد بن
علي الباقر وهو ثقة فصل، روى له الجماعة،
مات سنة مائة وبضعة عشرة. وأكثر
رواياته من طريق أبيه عن جده الحسين بن علي
أو علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم، وهي أعلى مروياته سندا،
وهي أمثل نماذج رواية الأبناء عن آبائهم!
ومن شيوخه سيد التابعين عطاء بن
أبي رباح، وعن محمد بن شهاب
الزهري، وعن عروة بن
الزبير، وعن محمد بن
المنكدر، وعن عبد الله بن
أبي رافع، وعكرمة مولى أبن عباس.
كما روى عن جده القاسم بن محمد
بن أبي بكر، وأكثر شيوخه من علماء
المدينة.
وهؤلاء كلهم أئمة ثقات أهل ديانة وصدق
وأمانة وعدالة رحمهم الله.
أبرز تلاميذه:
أخذ عنه العلم رواية وفقها جمع كبير من
العلماء الحفاظ الثقاة من أشهرهم:
يحيى بن سعيد الأنصاري القطان،
ويزيد بن عبد الله بن الهاد الليثي المدني
وهو أكبر من جعفر ومات قبله بعشر سنين، وعبد
الملك بن عبد العزيز بن جريج وهو من أقرانه،
وأبان بن تغلب وأيوب السختياني وأبو عمرو بن
العلاء.
ومالك بن أنس الأصبحي إمام
الهجرة، وسفيان الثوري، وشعبة ابن الحجاج
إمام النقاد، وسفيان بن عيينة، ومحمد بن
ثابت البناني، وغيرهم كثير، لكن منهم
المتفقه عليه والراوي عنه والمجالس له وهم:
مالك وأبوحنيفة خصوصا.
وروى له جماعة الكتب الستة إلا البخاري فلم
يخرج له في صحيحه بل في غيره.
وقد كان رحمه الله ثقة صدوقا إماما فقيها.
كرمه وسخاؤه:
بلغ في الكرم شأنا عظيما،
ومبلغا كريما وليس بغريب عليه وعلى بيته
النبوي الكريم، وجده رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم كان أجود من الريح المرسلة
شهدت له المواقف العديدة في المدلهمات
والغزوات وغيرها بالكرم البالغ الذي لا يخشى
معه الفقر عليه الصلاة والسلام.
وأما جعفر بن محمد الصادق رحمة الله عليه
فمما جاء في كرمه وبذله ما رواه تلميذه هياج
بن بسطام التميمي قال: كان جعفر بن محمد
يطعم حتى لا يبقى لعياله شيء.
وهذا عطاء من لا يخشى الفقر.
وروي أنه لما سئل عن علة تحريم الربا فقال: لئلا
يتمانع الناس المعروف، وهذا يدل على
أريحية نفس وسخائها.
وذكروا عنه أنه كان يمنع الخصومة بين
الناس، بتحمله الخسائر على نفسه وإيثار
الصلح بينهم.
كما ذكروا عنه أنه شابه جده علي بن
الحسين زين العابدين رضي الله عنه في
الإنفاق سرا، وذلك أنه إذا كان الغلس في
الليل حمل جرابا فيه خبز ولحم ودراهم على
عاتقه، ثم وزعه على ذوي الحاجات من فقراء
المدينة، دون أن يعلموا به، حتى مات، وطهرت
الحاجة فيمن كان يعطيهم بعد موته.
فرحمة الله عليه وإني لأرجو أن
يكون فيمن يقول الله فيهم: (ومن
يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون).
حكمته وسعة
فهمه:
أكثر مترجمو الإمام جعفر الصادق من نقل
حكمه، وأجوبته المسكتة للأسئلة المشكلة، تلك
الأجوبة التي تبين عن سعة علمه وبعد فهمه، وما
حباه الله به من سرعة البديهة، واللسان
المفصح عن جوامع المعاني، وفقهه لمقاصد
التشريع وأسراره، وهو فضل الله يؤتيه من
يشاء.
فقد سأله تلميذه سفيان بن عيينه بمكة في موسم
الحج، فقال: قدمت مكة فإذا أنا بأبي عبد الله
جعفر بن محمد قد أناخ بالأبطح، فقلت:
يا بن رسول الله، لم جعل الموقف من وراء
الحرم؟ -يعني عرفات- ولم يصير في المشعر
الحرام؟
فقال: الكعبة بيت الله، والحرم
حجابه، والموقف بابه.
فلما قصده الوافدون، أوقفهم
بالباب يتضرعون، فلما أذن لهم في الدخول
أدناهم من الباب الثاني وهو مزدلفة.
فلما نظر إلى كثرة تضرعهم وطول
اجتهادهم رحمهم، فلما رحمهم أمرهم بتقريب
قربانهم، فلما قربوا قربانهم، وقضوا تفثهم،
وتطهروا من الذنوب التي كانت حجابا بينه
وبينهم أمرهم بزيارة بيته على طهارة.
قال: فلم كره الصوم أيام
التشريق؟
قال: لأنهم في ضيافة الله، ولا يجب
على الضيف أن يصوم عند من أضافه.
وروى أبو نعيم في الحلية بسنده إلى
أحمد بن عمرو بن المقدم الرازي قال: وقع
الذباب على المنصور –أبي جعفر الخليفة
العباسي- فذبه عنه، فعاد فذبه حتى أضجره فدخل
جعفر بن محمد عليه، فقال المنصور: يا أبا عبد
الله لم خلق الله الذباب؟
قال: ليذل به الجبابرة.
وقال جعفر الصادق لتلميذه سفيان الثوري:
لا يتم المعروف إلا بثلاثة، بتعجيله،
وتصغيره، وستره.
وروى تلميذه عائذ بن حبيب –وهو صدوق رمي
بالتشيع- أن جعفر الصادق قال:
لا زاد أفضل من التقوى، ولا شيء أحسن من
الصمت، ولا عدو أضر من الجهل، ولا داء أدوأ
من الكذب.
وقال مرة يوصي ابنه موسى (الكاظم): يا
بني من قنع بما قسم له استغنى.
ومن مد عينيه إلى ما في يد غيره
مات فقيرا.
ومن لم يرض بما قسم له اتهما الله في قضائه.
ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه.
ومن كشف حجاب غيره انكشفت عورته.
ومن سل سيف البغي، قتل به.
ومن احتفر بئرا لأخيه أوقعه الله فيه.
ومن داخل السفهاء حقر.
ومن خالط العلماء وقر.
ومن دخل مداخل السوء اتهم.
يا بني: قل الحق لك وعليك تستشار
من بين أقربائك.
كن للقرآن تاليا، وللإسلام فاشيا، وللمعروف
آمرا، وعن المنكر ناهيا، ولمن قطعك واصلا،
ولمن سكت عنك مبتدئا، ولمن سألك معطيا،
وإياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في
القلوب.
وإيالك وعيوب الناس فمنزلة المتعرض لعيوب
الناس كمنزلة الهدف.
إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه،
فإن الجود معادن، وللمعادن أصولا، وللأصول
فروعا، وللفروع ثمرا، ولا يطيب ثمر إلا
بفرع، ولا فرع إلا بأصل، ولا أصل إلا بمعدن
طيب. زر الأخيار ولا تزر الفجار فإنهم صخرة
لا يتفجر ماؤها، وشجرة لايخضر ورقها، وأرض
لا يظهر عشبها.
ومن سرعة بديهته وموفور حكمته
أن أصحابه سألوه مرة: لم حرم الله الربا؟
فقال: لئلا يتمانع الناس المعروف.
وهذا في الحقيقة من فواتح الله له في معرفة
مقاصد الشرائع. وذا لا يحصل بالتكسب
والتعليم –لكنه فضل يهبه الله لمن شاء من
عباده، وربنا ذو فضل عظيم.
ومن النوادر في أجوبته المسكتة الحاضرة ما
نقله صاحب ربيع الأبرار: أن رجلا قال لجعفر
الصادق بن محمد: ما الدليل على
الله؟ ولا تذكر لي العالم والعرض والجوهر، فقال
له: هل ركبت البحر قال: نعم،
قال: هل عصفت بكم الريح حتى خفتم
الغرق؟ قال: نعم، قال: فهل
انقطع رجاؤك من المركب والملاحين؟ قال:
نعم، قال: فهل تتبعت نفسك أن ثم
من ينجيك؟ قال: نعم، قال: فإن
ذاك هو الله، قال الله تعالى: (وإذا
مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه)،
(وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا
مسكم الضر فإليه تجأرون).
ولذا نص أبو حنيفة على أنه لم ير أفقه من
جعفر بن محمد.
هيبته:
رزق الله الإمام الصادق مع كريم
سجاياه وتواضعه هيبة ووقارا، خضع له به أكبر
ملوك الأرض في وقته وهو الخليفة العباسي أبو
جعفر المنصور؛ حيث روى شمس الدين الذهبي
بسنده إلى الفضل بن الربيع عن أبيه قال:
دعاني المنصور فقال: إن جعفر بن محمد يلحد في
سلطاني، قتلني الله إن لم أقتله. فأتيته فقلت:
أجب أمير المؤمنين.
فتطهر ولبس ثيابا، أحسبه قال: جددا، فأقبلت
به، فاستأذنت له: فقال: أدخله، قتلني الله إن
لم أقتله. فلما نظر إليه مقبلا قام من مجلسه
فتلقاه. وقال: مرحبا بالنقي الساحة، البريء
من الدغل والخيانة، أخي وان عمي، فأقعده معه
على سريره وأقبل عليه بوجهه، وسأله عن حاله،
ثم قال: سلني عن حاجتك.
فقال: أهل مكة والمدينة قد تأخر عطاؤهم فتأمر
لهم به، قال: أفعل. ثم قال: يا جارية ائتيني
بالتحفة، فأتته بمدهن زجاج فيه غالية فغلفه
بيده وانصرف، فاتبعته فقلت: يابن رسول الله،
أتيت بك ولا شك أنه قاتلك، فكان منه ما رأيت.
وقد رأيتك تحرك شفتيك بشيء عند الدخول فما
هو؟ قال: قلت: اللهم احرسني بعينك التي لا
تنام، واكفني بركنك الذي لا يرام، واحفظني
بقدرتك علي، ولا تهلكني وأنت رجائي. رب كم
نعمة أنعمت بها علي قل لك عندها شكري، وكم
بلية ابتليتني بها قل لها عندك صبري!
فيا من قل عند نعمته شكري فلم يحرمني، ويا من
قل عند بليته صبري فلم يخذلني، ويا من رآني
على المعاصي فلم يفضحني، ويا ذا النعم التي
لا تحصى أبدا، ويا ذا المعروف الذي لا ينقطع
أبدا، أعني على ديني بدنيا، وعلى آخرتي
بتقوى، واحفظني فيما غبت عنه، ولا تكلني إلى
نفسي فيما خطرت.
يا من لا تضره الذنوب، ولا تنقصه المغفرة
اغفر لي ما لا يضرك وأعطني ما لا ينقصك،
ياوهاب أسألك فرجا قريبا، وصبرا جميلا،
والعافية من جميع البلايا وشكر العافية. اهـ.
وهذا الذي وقع له –فأبدل الله قلب خصمه من
السخط حبا، والبعد قربا- هو كرم الله وعنايته
ولطفه بأوليائه، مع ما كان بين العباس وآل
علي بن أبي طالب من الأمور العظام التي لا
يناسبها هذا التكريم لأحد كبرائهم، فسبحان
من القلوب بين إصبعين من أ صابعه يقلبها كيف
يشاء.
ثناء العلماء
عليه:
حسبك أن تعلم من ذلك أنه روى له جماعة الكتب
الست في كتبهم خلا الإمام البخاري فلم يخرج
له في الصحيح ولكن في بقية كتبه.
ولذا قال ابن حجر في ترجمته في التقريب: صدوق
فقيه إمام...
وقد أكثر العلماء –علماء الحديث والنقد-
من الثناء عليه ومدحه ووصفه بالأوصاف
اللائقة به.
فقال أبو حاتم الرازي: ثقة
لا يسأل عن مثله. كما في الجرح (2/487)، ووثقه
الشافعي وابن معين وغيرهما. وقال ابن
حبان: هو من سادات أهل البيت،
وعباد أتباع التابعين، وعلماء أهل المدينة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في المنهاج
(2/245): (... فإن جعفر بن محمد من
أئمة الدين باتفاق أهل السنة ...)، ونص
على ذلك في موضع آخر (4/108-110): (وإمامتهم
فيما دلت الشريعة على الائتمام بهم فيه ...).
وقال أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي –لما
سئل عنه: ما رأيت أفقه من جعفر
بن محمد، لما أقدمه المنصور الحيرة بعث إلي
فقال: يا أبا حنيفة، إن الناس قد فتنوا بجعفر
بن محمد، فهيئ له من مسائلك الصعاب، فهيأت له
أربعين مسألة، ثم أتيت أبا جعفر، وجعفر جالس
عن يمينه، فلما بصرت بهما دخلني لجعفر من
الهيبة ما لم يدخلني لأبي جعفر، فسلمت وأذن
لي فجلست.
ثم التفت إلى جعفر، فقال: يا أبا عبد الله،
تعرف هذا؟ قال: نعم، هذا أبو حنيفة، ثم
أتبعها: قد أتانا.
ثم قال: يا أبا حنيفة، هات من مسائلك نسأل أبا
عبد الله فابتدأت أسأله، فكان يقول في
المسألة: أنتم تقولون فيها كذا وكذا، وأهل
المدينة يقولون: كذا وكذا، ونحن نقول: كذا
وكذا. فربما تابعنا، وربما تابع أهل
المدينة، وربما خالفنا جميعا. حتى أتيت على
أربعين مسألة ما أخرم منها مسألة.
ثم قال أبو حنيفة: أليس قد روينا أن أعلم
الناس أعلمهم باختلاف الناس؟.
هذا نزر يسير من ثناء الأئمة عليه. وللشيخ
ابن تيمية من الثناء عليه لوحده ومع آبائه من
آل البيت ما لو جمع لكفى عن غيره. وإنما في
التنويع فوائد.
موقفه من
الشيخين أبي بكر وعمر:
الأول جده من جهتين من ناحية أخواله،
وكلاهما وزيرا جده، محمد صلى
الله عليه وآله وسلم.
فقد كان محبا لهما ومعظما ومزكيا لهما،
مبغضا لمن أبغضهما، فلأجله كان يبغض الرافضة
ويمقتها لموقفهم من جده أبي بكر وصاحبه
الفاروق.
قال عبد الجبار بن العباس الهمداني: إن جعفر
بن محمد أتاهم وهم يريدون أن يرتحلوا من
المدينة، فقال: (إنكم إن شاء الله من صالحي
أهل مصركم، فأبلغوهم عني: من
زعم أني إمام معصوم مفترض الطاعة، فأنا بريء
منه، ومن زعم أني أبرأ من أبي بكر وعمر فأنا
بريء منه).
وروى ابن أبي عمر العدني عن جعفر بن محمد
الصادق عن أبيه أن آل أبي بكر كانوا يدعون
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم آل رسول
الله صلى الله عليه وسلم.
وقال زهير بن معاوية: قال أبي لجعفر بن محمد:
إن لي جارا يزعم أنك تبرأ من أبي بكر وعمر،
فقال جعفر: بريء الله من جارك.
والله إني لأرجو أن ينفعني الله
بقرابتي من أبي بكر. ولقد
اشتكيت شكاية فأوصيت إلى خالي عبد الرحمن بن
القاسم.
وقال محمد بن فضيل عن سالم بن أبي حفصة: سألت
أبا جعفر وابنه جعفر عن أبي بكر وعمر فقال:
يا سالم، تولهما، وابرأ من عدوهما؛ فإنهما
كانا إمامي هدى. ثم قال جعفر: يا سالم، أيسب
الرجل جده؟؛ أبو بكر جدي، لا نالتني شفاعة
محمد عليه الصلاة والسلام يوم القيامة إن لم
أكن أتولاهما وأبرأ من عدوهما. اهـ. وهذا
القول من الإمام الصادق قاله بحضرة أبيه
الإمام محمد بن علي الباقر
ولم ينكره.
وقال حفص بن غياث –ثقة، تلميذ الصادق- : سمعت
جعفر بن محمد يقول: ما أرجو من شفاعة علي شيئا
إلا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثله؛ لقد
ولدني مرتين.
وقد روى تلميذه المتقن الثقة عمرو بن قيس
الملائي قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: برئ
الله ممن تبرأ من أبي بكر وعمر.
فهذه النصوص من جعفر الصادق رحمه
الله صريحة في محبته للشيخين وتوليه لهما،
وتقربه إلى الله بذلك، كما تدل أيضا على بغضه
لمن أبغضهما، وبراءته ممن تبرأ منهما أو ادعى
عصمته هو في نفسه. كما دعا الله بأن يتبرأ ممن
تبرأ منهما.
وأيضا شهد لهما بالجنة، وأولئك الأباعد
يشهدون عليهما بالنار والخلود فيها؛ فقد
روى الدارقطني بإسناده إلى حنان بن سدير قال:
سمعت جعفر بن محمد وسئل عن أبي بكر وعمر فقال:
إنك تسألني عن رجلين قد أكلا من ثمار الجنة.
أي إن أرواحهما في الجنة تغدو وتروح كما تشاء
موقفه من
الجدال والقياس في الدين:
درج الإمام جعفر
بن محمد رحمة الله عليه على
ما درج عليه أجداده –من النبي عليه السلام،
والصديق، وعلي بن أبي طالب، وعموم الصحابة
والتابعين وتابعيهم- من
التحذير من الجدال والمراء في الدين وفي
كتاب الله وشرائعه. وهذا الأمر –أعني
التحذير من الجدال وتوابعه وآثاره على الدين
والقلوب- من الأمور المسلمة عند المسلمين،
مضى على التحذير منه والتشديد فيه صدر الأمة
وسلفها الصالح في كل قرن إلى عصرنا هذا ممن
تبع السلف في مذهبهم ومضى على منهجهم
ومنوالهم.
ومن أقوال الإمام الصادق في هذا، مارواه
الذهبي بسنده إلى عنبسة الخثعمي –وكان من
الأخيار- قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: (إياكم
والخصومة في الدين؛ فإنها تشغل القلب، وتورث
الشقاق).
وهذه العبارة تواترت في الحقيقة عن جمع كبير
من أئمة السلف رحمهم الله، تناقلها العلماء
في كتب أصول السنة في هذا الباب.
فهذا نموذج في ذم الجدال؛ وهو المراء وطلب
المغالبة، ومستلزم للخصومة في الدين.
ومن ذمه للقياس قصة رواها أبو نعيم في الحلية
بسنده إلى عمرو بن جميع، قال: دخلت على جعفر
بن محمد أنا وابن أبي ليلى وأبو حنيفة، وقال
عبد الله بن شبرمة الكوفي –وهو ثقة فقيه من
أقران الصادق- قال: دخلت أنا وأبو حنيفة على
جعفر بن محمد، فقال لابن أبي يعلى: من
هذا معك؟ قال: هذا رجل له بصر ونفاذ في
أمر الدين.
قال: لعله يقيس أمر الدين برأيه.
قال: نعم، قال: فقال جعفر لأبي حنيفة: ما
اسمك؟ قال: نعمان. قال: يا
نعمان، هل قست رأسك بعد؟ قال: كيف أقيس
رأسي؟!، قال: ما أراك تحسن
شيئا، هل علمت ما الملوحة في العينين،
والمرارة في الأذنين، والحرارة في
المنخرين، والعذوبة في الشفتين؟
قال: لا!، قال: ما أراك تحسن شيئا.
قال: فهل علمت كلمة أولها كفر
وآخرها إيمان؟
فقال ابن أبي ليلى: يابن رسول
الله، أخبرنا بهذه الأشياء التي سألته عنها.
فقال: أخبرني أبي عن جدي أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن
الله تعالى بمنه وفضله جعل لابن آدم الملوحة
في العينين؛ لأنهما شحمتان ولولا ذلك
لذابتا، وإن الله تعالى بمنه وفضله ورحمته
على ابن آدم جعل المرارة في الأذنين حجابا من
الدواب؛ فإن دخلت الرأس دابة والتمست إلى
الدماغ، فإذا ذاقت المرارة التمست الخروج،
وإن الله بمنه وفضله ورحمته على ابن آدم جعل
الحرارة في المنخرين يستنشق بهما الريح
ولولا ذلك لأنتن الدماغ، وإن الله تعالى
بمنه وفضله ورحمته على ابن آدم جعل العذوبة
في الشفتين؛ يجد بهما استطعام كل شيء ويسمع
الناس بها حلاوة منطقه).
فقال: فأخبرني عن الكلمة التي
أولها كفر وآخرها إيمان. فقال: إذا
قال العبد: لا إله، فقد كفر، فإذا قال: إلا
الله، فهو إيمان.
ثم أقبل على أبي حنيفة فقال: يا
نعمان، حدثني أبي عن جدي أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: (أول من
قاس أمر الدين برأيه إبليس. قال الله تعالى
له: اسجد لآدم، فقال: (أنا خير منه خلقتني من
نار وخلقته من طين) فمن قاس الدين برأيه قرنه
الله تعالى يوم القيامة بإبليس؛ لأنه اتبعه
بالقياس).
زاد ابن شبرمة في حديثه: ثم قال جعفر: أيهما
أعظم: قتل النفس أو الزنا؟ قال: قتل النفس.
قال: فإن الله عز وجل قبل في قتل
النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا إلا أربعة.
ثم قال: أيهما أعظم: الصلاة أم
الصوم؟ قال: الصلاة، قال: فما
بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟
فكيف –ويحك- يقوم لك قياسك؟!. اتق الله ولا
تقس الدين برأيك!
من أقواله في
صفات الله تعالى:
وأكثر ما نقل عنه نموذج من الصفات الإلهية
المقدسة، في كلام الله تعالى، لا سيما وزمنه
زمن بدعة الجعد بن درهم وتلقي الجهم بن صفوان
السمرقندي لها.
حيث روى عنه تلميذه معاوية بن عمار الدهني –وهو
صدوق- قال سألت جعفر بن محمد عن
القرآن فقال: ليس بخالق ولا
مخلوق، ولكن كلام الله. وقد أسندها عنه
ابن جرير الطبري في عقيدته صريح السنة، أي إن
كلام الله الذي هو صفته، ليس قائما بذاته
فيخلق ويبدع؛ لأنه صفة والصفة لا تقوم بنفسها
أبدا فلابد من قيامها بموصوف.
وليس كلام الله مخلوقا؛ إذ لو كان كذلك
لامتنع عن الاتصاف بالكلام. فعطل عنه. وهذا
القول من الإمام الصادق خالف فيه شيعته
ومتأخريهم؛ الذين وافقوا المعتزلة في قولهم
بأن القرآن مخلوق، ومع عذا خالفوا إمامهم
المعصوم؟!
ونقل ابن تيمية عن جعفر الصادق –وعن غيره
ممن قبله من الصحابة ومعاصريه- ومن بعده: أن
الله لم يزل متكلما إذا شاء كيف شاء، وأن
الفعل من لوازم الحياة، والرب لم يزل حيا، فلم
يزل فعالا) . ذكر ذلك في المنهاج (1/215) و(2/386).
وفي باب القضاء والقدر، وافق
الإمام جعفر الصادق أئمة أهل السنة في إثبات
إرادة لله خاصة شاملة، وإرادة للمخلوق خاصة
به؛ كما قاله ابن تيمية في المنهاج (3/169): (لكن
التحقيق إثبات النوعين –أي من الإرادتين- كما
أثبت ذلك السلف والأئمة؛ ولهذا قال جعفر: (أراد
بهم وأراد منهم) فالواحد من
الناس يأمر غيره وينهاه مريدا النصيحة،
وبيانا لما ينفعه، إن كان مع ذلك لا يريد أن
يعينه على ذلك الفعل ...).
وقال عن القدر: هو أمر بين
أمرين لا جبر ولا تفويض. وقال أيضا: إن الله
أراد بنا شيئا، وأراد منا شيئا، فما أراده بنا
طواه عنها. وما أراده منا أظهره لنا، فما
بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا.
اهـ. من لوامع الأنوار (2/251). وهذا معنى قول جده
على بن أبي طالب رضي الله عنه: القدر
سر من أسرار الله فلا نكشفه!.
كذب الرافضة
عليه:
مع ما تبوأ الإمام جعفر الصادق من
المنزلة عند الشيعة؛ إذ هو الإمام السادس من
سلالة الحسين بن علي عندهم. ولكنهم
مع هذا افتروا عليه كذبا مستطيرا لم يفتروه
على مثله من أئمتهم.
- وأول ذلك: ما حكاه شيخهم أبو
محمد الحسين النوبختي (310هـ) في كتابه فرق
الشيعة؛ حيث ذكر عن الذين
قالوا بإمامة جعفر الصادق على محمد بن عبد
الله بن الحسين ذى النفس الزكية، حيث ذاع
منهم من قال: إن جعفرا لما
أشار إلى إمامة إسماعيل ابنه ثم مات في حياة
أبيه، أنه كذبهم، ولم يكن بذلك إماما عليهم؛
لأن الإمام لا يكذب ولا يقول ما لا يكون...
حتى حاولوا تسديد قوله هذا؛ فقالوا بالبداءة
على الله؛ أي أنه قد يبدو لله شيئا لم يكن قبل
في سابق علمه أن يكون. وإن أنكر البداءة نفر
منهم.
- فهذا أول كذب عليه في حياته،
كما كذبوا عليه بادعاء الإمامة
المعصومة له، وسبق لنا في
موقفه من الشيخين قوله لعبد الجبار الهمداني:
من زعم أني إمام معصوم مفترض الطاعة فأنا
بريء منه.
- وأيضا الكذب على الإمام جعفر بأنه قال:
التقية ديني ودين آبائي. واعتمدوها أصلا من
أصولهم، لا ينفكون عنه، ويحرفون آية آل
عمران إلية.
- وأشنع ما افتراه غلاة الشيعة من الرافضة
على الإمام الصادق: القول
بألوهيته كما صرحت به طائفة البزيغية،
وهم أتباع بزيغ بن موسى الحائك من أصحاب جعفر،
وإن كان عامة الرافضة يلعنونهم كما في رجال
الكشي ص257-258، وأعيان الشيعة للعاملين (13/231)
ورجال الطوسي ص159.
- ومن كذبهم عليه اعتقاد بقائه
وعدم موته، وبعضهم يعتقد ذلك
في ابن موسى الكاظم، ومنهم من يعتقد ذلك في
غيره من متقدمي آل البيت.
وهو خطأ بين؛ إذ الموت لابد منه، ولم يختص
أحد من آل البيت لا علي ولا غيره دوام أو بقاء
زيادة على غيره، فأعمارهم أعمار غيرهم، بل
النادر منهم من يتجاوز المائة سنة عمرا.
- وأيضا كذبهم عليه وعلى أبيه
فيما ينقلونه عنه من أصول الدين وفروعه،
وينقلون عنهم بدون إسناد، أو بإسناد موضوع
أو ضعيف أو مقطوع؛ لا يتوفر فيه أسباب القوة
في نسبة القول إليهم، بل تتوفر فيه أسباب طعن
نسبته إلى أحد من أولئك الأئمة. قال ابن
تيمية في المنهاج (5/162): (وأما
شرعياتهم فعمدتهم فيها على ما ينقل عن بعض
أهل البيت مثل: أبي جعفر الباقر، وجعفر بن
محمد الصادق، وغيرهما.
ولا ريب أن هؤلاء من سادات المسلمين، وأئمة
الدين، ولأقوالهم من الحرمة والقدر ما
يستحقه أمثالهم، لكن كثير مما ينقل عنهم
كذب، والرافضة لا خبرة لهم بالأسانيد
والتمييز بين الثقات وغيرهم؛ بل هم في ذلك من
أشباه أهل الكتاب؛ كل ما يجدونه في الكتب
منقولا عن أسلافهم قبلوه، بخلاف أهل السنة
فإن لهم من الخبرة بالأسانيد ما يمتازون به
بين الصدق والكذب).انظر نحوه في المجموع(11/581).
ولئن كان الإمامية الرافضة ينقلون عن الإمام
الصادق ذمه ومناظرته للزنادقة من غلاة
الرافضة؛ وهم الباطنيون وأحزابهم، فإن
كلامه في هدم أصول الرافضة مثل ذلك، لكنهم
يخفونه ويخفضونه ولا يرفعونه، ويحملونه على
محمل التقية وغيرها. فكلا الطائفتين مردود
عليها من كلامه. والمقصود أنه لم يكذب على
أحد مثل ما كذب على جعفر الصادق رحمة الله
عليه، مع براءته مما كذب به عليه.
مؤلفاته وآثار
الصادق العلمية:
بالعطف على ما سبق من كثرة الكذب على الإمام
الصادق رضي الله عنه، فقد افتروا على الإمام
كتبا ورسائل قالوا: إنها من تأليفه، وهو باطل
نص عليه أهل المعرفة به،
ومن جهة أخرى لابد من استصحاب أن القرن الذي
عاش فيه الإمام جعفر رضي الله عنه (80-148هـ)
تميز بندرة التأليف، حتى لم يؤثر عن أهله إلا
أقوال رويت عنهم، وهي متفرقة لم تصل إلى حد
التأليف، وكثرة الكتب والرسائل.
والقاعدة في هذا وغيره: أننا لا نقبل قولا عن
الصادق، ولا غيره من أئمة الدين ومن أقل
منهم، إلا بالسند المتصل إليهم، المسلسل
بالثقات والمعروفين من النقلة أو ما ةافق
الحق وشابهه الدليل فيقبل منه، ولا يرد
والحالة هذه، وما سواه فلا يلتفت إليه أبدا.
ومن الكتب
التي نص المحققون على أنها مكذوبة عليه رحمه
الله:
1- نسبوا إليه كذبا كتاب (رسائل
إخوان الصفا) وهو كتاب لم يؤلف إلا في القرن
الثالث أيام دولة بني بويه.
2- كتاب الجفر. وهو كتاب تنبؤ بالحوادث، وعلم
الغيب المستقبلي.
3- كتاب علم البطاقة.
4- كتاب الهفت.
5- كتاب اختلاج الأعضاء وهي الحركات السفلية.
6- كتاب الجداول أو جدول الهلال. وقد كذبه
عليه عبد الله بن معاوية أحد المشهورين
بالكذب.
7- أحكام الرعود والبروق، وحركات الأفلاك وما
يكون في العالم. كالذي قبله.
8- منافع القرآن.
9- قراءة القرآن في المنام.
10- تفسير القرآن. وكثير مما نقله صاحب حقائق
التفسير- وهو أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي -عن
جعفر الصادق هو من الكذب0
11- الكلام على الحوادث وموضوعه كتاب الجعفر0
12- تفسير قراءة السورة في المنام0
13- قوس قزح0 ويسمى قوس الله0
هذا وإن كانت لهذه الكتب مخطوطات متفرقة في
ثنايا المكتبات كما حشدها بروكلمان وسزكين، قلت:
فإنه لا يغني عن اعتقاد كذبها، حيث تكون كتبت
على لسان جعفر ونسبت إليه، من أتباعه
والغالين فيه أو من الزنادقة و الباطنية0
مع اعتبار أن أصحاب المكتبات
والمفهرسين ليس لديهم العناية بتحقيق نسبة
الكتب إلى مؤلفيها، وإنما ما ذكره
المترجمون، أو وجد مكتوباً على طرة المخطوطة
منسوباً إلى رجل، نسبوه إليه وكفى0
وأيضاً يبرهن الرافضة على كثرة
مؤلفات الإمام الصادق بما جمعه أبو موسى
جابر بن حيان الصوفي الطرطوسي الكيمائي
الشهير (ت200هـ) الفيلسوف المترجم0
فقد قالوا: إنه صحب جعفر الصادق وكتب عنه
رسائله وعددها خمسمائة في ألف ورقة كما ذكره
ابن خلكان0 وهو موضوع شك كبير، لأن جابراً
هذا متهم في نفسه اتهاماً بليغاً، في دينه
وأمانته، وأيضاً في صحبته للإمام الصادق
المتوفى سنة (148هـ) إذ المشهور صحبته لجعفر بن
يحيى البرمكي لا لجعفر الصادق، وهذا
بالمدينة وذاك ببغداد ، وأيضاً انشغال جابر
بعلومه الطبيعية، ولعل هذا ما يفيد الربط
بينه وبين جعفر الصادق، الذي تنسب إليه تلك
المؤلفات والآراء في علوم الطبيعة والفلك
والكيمياء والجداول.
وعلى كل حال هذه الرسائل لا يمكننا اعتقاد
نسبتها إلى الإمام الصادق والحالة هذه –انظر:
الأعلام للزركلي (2/103-104)- ولو كانت صحيحة
النسبة لتلقاها أبناؤه وتلاميذه عنه، وذاع
انتشارها عن مثله. كذلك بعد حصول هذا الكم من
التأليف في أول القرن الثاني. إلى أمور كثيرة
ترد في التشكيك بهذه النسبة.
مصادر ترجمته:
- تهذيب الكمال للمزي ص202.
- تهذيب التهذيب لابن حجر (2/103-105).
- تقريب التهذيب لابن حجر رقم 950.
- التاريخ الكبير للإمام البخاري (2/198).
- التاريخ الصغير للإمام البخاري (2/91).
- تاريخ خليفة بن خياط ص424.
- طبقات خليفة بن خياط ص269.
- تاريخ ابن جرير الطبري في حوادث سنة 145هـ.
- تاريخ ابن كثير –البداية والنهاية (10/108).
- تذكرة الحفاظ للذهبي (1/166).
- تذهيب التهذيب للذهبي، عند اسمه جعفر بن
محمد.
- خلاصة التذهيب للزركشي 63.
- الجمع بين كتابي الكلاباذي والأصبهاني في
رجال البخاري ومسلم ص70.
- حلية الأولياء لأبي نعيم (3/192-206).
- الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (2/487).
- تاريخ الإسلام للذهبي (6/45).
- صفة الصفوة لابن الجوزي (2/94).
- تاريخ التراث العربي لسزكين (3/276-273).
- طبقات الحفاظ للسيوطي ص79.
- شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (1/20).
- الكامل في التاريخ لابن الأثير حوادث سنة 145هـ.
- الكامل لابن عدي (2/131-134).
- مشاهير علماء الأمصار لابن حبان 127.
- وفيات الأعيان لابن خلكان (1/327-328).
- سير أعلام النبلاء للذهبي (6/255-270).
- طبقات القراء لابن الجوزي (1/196).
- دول الإسلام للذهبي (1/102).
- طبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي رقم 152.
- الثقات للعجلي ص98.
- فرق الشيعة للنوبختي ص55-66.
- المعارف لابن قتيبة ص87-110.
- الأعلام للزركلي (1/126).
- معجم المؤلفين لكحالة (1/495).
- ميزان الاعتدال للذهبي (1/414-415).
- ومواضع من منهاج السنة النبوية ومجموع
الفتاوى ورد بعضها خلال الترجمة.
- الأنساب للسمعاني (8/8).
- اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير (2/299).
- العبر في خبر من غبر الذهبي (1/209).
- الإمام الصادق حياته وعصره وآراؤه وفقهه –لمحمد
أبي زهرة، وهو أوسع الدراسات المعاصرة.
- جعفر بن محمد الصادق –لعبد العزيز الأهل.
- بروكلمان (1/181).
بسم الله
الرحمن الرحيم
حدثنا الشيخ الفقيه أبو القاسم عبد الرحمن
بن محمد بن محمد بن سعيد الأنصاري البخاري -
قراءة عليه بمكة حرسها الله سنة خمس وثلاثين
وأربعمائة قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن
مسافر قال أخبرنا أبو بكر بن خلف بن عمر بن
خلف الهمذاني قال حدثنا أبو الحسن أحمد بن
محمد بن أزمة قال: حدثنا أبو الحسن بن علي
الطنافسي قال : حدثنا خلف بن محمد القطواني
قال : حدثنا علي بن صالح قال :
جاء رجل من الرافضة إلى جعفر بن محمد الصادق
كرم الله وجهه ، فقال :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فرد عليه
السلام فقال الرجل :
1- يابن رسول الله من خير الناس
بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
فقال جعفر الصادق رحمة الله عليه : أبو
بكر الصديق رضي الله عنه .
2- قال : وما الحجة في ذلك ؟
قال : قوله عز وجل (( إلا تنصروه
فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني
اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا
تحزن 'ن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه
وأيده بجنود لم تروها )){التوبة 40} فمن يكون
أفضل من اثنين الله ثالثهما ؟ وهل يكون أحد
أفضل من أبي بكر إلا النبي صلى الله عليه
وسلم ؟!
3- قال له الرافضي : فإن علي بن
أبي طالب عليه السلام بات على فراش النبي صلى
الله عليه وسلم غير جزع ولا فزع .
فقال له جعفر : وكذلك أبو بكر
كان مع النبي صلى الله عليه وسلم غير جزع ولا
فزع .
4- قال له الرجل : فإن الله تعالى
يقول بخلاف ما تقول !.
قال له جعفر : وما قال ؟
قال : قال الله تعالى (( إذ يقول
لصاحبه لا تحزن إن الله معنا )) فلم يكن ذلك
الجزع خوفاً ؟ (في نسخة الظاهرية \"
أفلم يكن..\"
قال له جعفر : لا ! لأن الحزن غير
الجزع والفزع ، كان حزن أبي بكر أن يقتل
النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يدان بدين
الله فكان حزن على دين الله وعلى نبي الله
صلى الله عليه وسلم ولم يكن حزنه على نفسه
كيف وقد ألسعته أكثر من مئة حريش فما قال : حس
ولا ناف!
5- قال الرافضي : فإن الله تعالى
قال (( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا
الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم
راكعون )){المائدة 55} نزل في علي بن أبي طالب
حين تصدق بخاتمه وهو راكع فقال النبي صلى
الله عليه وسلم ((الحمد لله الذي جعلها في وفي
أهل بيتي ))
فقال له جعفر : الآية التي قبلها
في السورة أعظم منها ، قال الله تعالى (( يا
أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف
يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه )){المائدة 54}
وكان الارتداد بعد رسول الله صلى الله عليه
وسلم ؛ ارتدت العرب بعد رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، واجتمعت الكفار بنهاوند وقالوا :
الرجل الذين كانوا يتنصرون به - يعنون النبي -
قد مات ، حتى قال عمر رضي الله عنه: اقبل منهم
الصلاة ، ودع لهم الزكاة ، فقال : لو منعوني
عقالا مما كانوا يؤدون إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه ولو اجتمع علي
عدد الحجر والمدر والشوك والشجر والجن ولإنس
لقاتلتهم وحدي . وكانت هذه الآية أفضل لأبي
بكر.
6- قال له الرافضي : فإن الله
تعالى قال : (( الذين ينفقون أموالهم بالليل
والنهار سراً وعلانية)) نزلت في علي عليه
السلام كان معه أربعة دنانير فأنفق ديناراً
بالليل وديناراً بالنهار وديناراً سراً
وديناراً علانية فنزلت فيه هذه الآية . فقال
له جعفر عليه السلام : لأبي بكر
رضي الله عنه أفضل من هذه في القرآن ، قال
الله تعالى (( والليل إذا يغشى )) قسم الله ، ((والنهار
إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى إن سعيكم
لشتى فأما من أعطى وأتقى وصدق بالحسنى )) أبو
بكر (( فسنيسره لليسرى)) أبو بكر (( وسيجنبها
الأتقى )) أبو بكر (( الذي يؤتي ماله يتزكى ))
أبو بكر ((وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا
ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى )) أبو بكر
، أنفق ماله على رسول الله صلى الله عليه
وسلم أربعين ألفاً حتى تجلل بالعباء ، فهبط
جبريل عليه السلام فقال الله العلي الأعلى
يقرئك السلام ، ويقول : اقرأ على أبي بكر مني
السلام ، وقل له أراض أنت عني في فقرك هذا ،
أم ساخط ؟ فقال : أسخط على ربي عز وجل ؟! أنا عن
ربي راض ، أنا عن ربي راض ، أنا عن ربي راض .
ووعده الله أن يرضيه.
7- قال الرافضي : فإن الله تعالى
يقول (( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد
الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في
سبيل الله لا يستوون عند الله )) { التوبة 19}
نزلت في علي عليه السلام .
فقال له جعفر عليه السلام : لأبي
بكر مثلها في القرآن ، قال الله تعالى (( لا
يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك
أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا
وكلاً وعد الله الحسنى )){ الحديد 10}
وكان أبو بكر أول من أنفق ماله على رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وأول من قاتل ، وأول من
جاهد . وقد جاء المشركون فضربوا النبي صلى
الله عليه وسلم حتى دمي ، وبلغ أبي بكر الخبر
فأقبل يعدو في طرق مكة يقول : ويلكم أتقتلون
رجلاً أن يقول ربي الله ، وقد جاءكم بالبينات
من ربكم ؟ فتركوا النبي صلى الله عليه وسلم
وأخذوا أبا بكر فضربوه ، حتى ما تبين أنفه من
وجهه.
وكان أول من جاهد في الله ، وأول من قاتل مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول من أنفق
ماله ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: ما نفعني مال كمال أبي بكر )).
8- قال الرافضي فإن علياً لم
يشرك بالله طرفة عين .
قال له جعفر : فإن الله أثنى على
أبي بكر ثناءً يغني عن كل شئ ،قال الله تعالى
(( والذي جاء بالصدق )) محمد صلى الله عليه
وسلم ، ((وصدق به )){الزمر33} أبو بكر .
وكلهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم كذبت
وقال أبو بكر : صدقت ، فنزلت فيه هذه الآية :
آية التصديق خاصة ، فهو التقي النقي المرضي
الرضي ، العدل المعدل الوفي .
9- قال الرافضي : فإن حب علي فرض
في كتاب الله ؛ قال الله تعالى (( قل لا أسألكم
عليه إلا المودة في القربى ))
قال جعفر : لأبي بكر مثلها ، قال
الله تعالى (( والذين جاءوا من بعدهم يقولون
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا
بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين
آمنوا ربنا انك غفور رحيم )){الحشر10}
فأبو بكر هو السابق بالإيمان ، فالاستغفار
له واجب ومحبته فرض وبغضه كفر .
10- قال الرافضي : فإن النبي صلى
الله عليه وسلم قال (( الحسن والحسين سيدا
شباب أهل الجنة ، وأبوهما خير منهما ))
قال له جعفر : لأبي بكر عند الله
أفضل من ذلك ؛ حدثني أب عن جدي عن علي بن أبي
طالب عليه السلام قال : كنت عند النبي صلى
الله عليه وسلم وليس عنده غيري ، إذ طلع أبو
بكر وعمر رضي الله عنهما ، فقال النبي صلى
الله عليه وسلم (( يا علي هذان سيدا كهول أهل
الجنة وشبابهما -في الظاهرية شبابهم- فيما
مضى من سالف الدهر في الأولين وما بقي في
غابره من الآخرين ، إلا النبيين والمرسلين .لا
تخبرهما يا علي ما داما حيين)) فما أخبرت به
أحداً حتى ماتا.
11- قال الرافضي
: فأيهما أفضل فاطمة بنت رسول
الله صلى الله عليه وسلم أم عائشة بنت أبي
بكر ؟
فقال جعفر : بسم الله الرحمن
الرحيم ((يس والقرآن الحكيم )) ، (( حم والكتاب
المبين ))،
فقال : أسألك أيهما أفضل فاطمة
ابنة النبي صلى الله عليه وسلم أم عائشة بنت
أبي بكر ، تقرأ القرآن ؟!
فقال له جعفر : عائشة بنت أبي
بكر زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم معه
في الجنة ، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله
عليه وسلم سيدة نساء أهل الجنة .
الطاعن على زوجة رسول الله صلى الله عليه
وسلم لعنه الله ، والباغض لابنة رسول الله
خذله الله .
12- فقال الرافضي : عائشة قاتلت
علياً ، وهي زوجة رسول الله صلى الله عليه
وسلم .
فقال به جعفر : نعم ، ويلك قال
الله تعالى (( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله
)) {الأحزاب 53}
13- قال له الرافضي : توجد خلافة
أبي بكر وعمر وعثمان وعلي في القرآن ؟
قال نعم ، وفي التوراة والإنجيل .قال
الله تعالى ((وهو الذي جعلكم خلائف الأرض
ورفع بعضكم فوق بعض درجات )) {الأنعام165}
وقال تعالى (( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف
السوء ويجعلكم خلفاء الأرض )){النمل62}
وقال تعالى ((ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف
الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي
ارتضى لهم)){النور55}
14- قال الرافضي : يابن رسول الله
، فأين خلافتهم في التوراة والإنجيل ؟
قال له جعفر : ((محمد رسول الله
والذين معه )) أبو بكر ، ((أشداء على الكفار ))
عمر بن الخطاب ، (( رحماء بينهم )) عثمان بن
عفان ، ((تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من
الله ورضواناً )) علي بن أبي طالب (( سيماهم في
وجوههم من أثر السجود )) أصحاب محمد المصطفى
صلى الله عليه وسلم ، (( ذلك مثلهم في التوراة
ومثلهم في الإنجيل )).
قال : ما معنى في التوراة والإنجيل ؟ قال :
محمد رسول الله والخلفاء من بعده أبي بكر
وعمر وعثمان وعلي ، ثم لكزه في صدره ! ، قال :
ويلك ! قال الله تعالى (( كزرع أخرج شطأه فآزره
)) أبو بكر (( فأستغلظ )) عمر ((فاستوى على سوقه))
عثمان ((يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار )) علي
بن أبي طالب ((وعد الله الذين آمنوا وعملوا
الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً )) أصحاب
محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله
عنهم ، ويلك !، حدثني أبي عن جدي عن علي بن أبي
طالب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(( أنا أول من تنشق الأرض عنه ولا فخر ،
ويعطيني الله من الكرامة ما لم يعط نبي قبلي
، ثم ينادي قرّب الخلفاء من بعدك فأقول : يا
رب ومن الخلفاء ؟ فيقول : عبد الله بن عثمان
أبو بكر الصديق ، فأول من ينشق عنه الأرض
بعدي أبو بكر ، فيوقف بين يدي الله ، فيحاسب
حساباً يسيراً ، فيكسى حلتين خضراوتين ثم
يوقف أمام العرش .
ثم ينادي منادٍ أين عمر بن الخطاب ؟ فيجئ عمر
وأوداجه تشخب دماً فيقول من فعل بك هذا ؟
فيقول : عبد المغيرة بن شعبة ، فيوقف بين يدي
الله ويحاسب حساباً يسيراً ويكسى حلتين
خضراوتين ، ويوقف أمام العرش .
ثم يؤتى عثمان بن عفان وأوداجه تشخب دماً
فيقال من فعل بك هذا ؟ فيقول : فلان بن فلان ،
فيوقف بين يدي الله فيحاسب حساباً يسيراً
ويكسى حلتين خضراوتين ، ثم يوقف أمام العرش .
ثم يدعى علي بن أبي طالب فيأتي وأوداجه تشخب
دماً فيقال من فعل بك هذا ؟ فيقول : عبدالرحمن
بن ملجم ، فيوقف بين يدي الله ويحاسب حساباً
يسيراً ويكسى حلتين خضراوتين ، ويوقف أمام
العرش.
قال الرجل : يابن رسول الله ،
هذا في القرآن ؟ قال نعم قال الله تعالى (( وجئ
بالنبيين والشهداء)) أبو بكر وعمر وعثمان
وعلي ((وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ))
فقال الرافضي : يابن رسول الله ،
أيقبل الله توبتي مما كنت عليه من التفريق
بين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ؟
قال : نعم ، باب التوبة مفتوح
فأكثر من الاستغفار لهم .أما انك لو مت وأنت
مخالفهم مت على غير فطرة الإسلام وكانت
حسناتك مثل أعمال الكفار هباءً منثوراً .
فتاب الرجل ورجع عن مقالته وأناب .
الإمام جعفر
الصادق رحمه الله بين الرافضة وشيخ الإسلام
بن تيمية
الحمد لله وحده والصلاة والسلام
على من لا نبي بعده .. وبعد :
فهذه نتف من كلام شيخ الإسلام وشامة الشام
الإمام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني
الدمشقي - رحمه الله - في الإمام جعفر بن محمد
المعروف بجعفر الصادق - رحمه الله - وذلك
ليعلم الحق و ينصف العالم ، والله الهادي إلى
سواء السبيل .
وسأذكر كلام شيخ الإسلام - رحمه الله - في هذه
القضية ليتبين من خلاله محبة شيخ الإسلام -
رحمه الله - ، لجعفر الصادق - رحمه الله - ،
وذلك خلافا لما ينسبه إليه الرافضة من أنه
يبغضه ، ويبغض آل البيت - رحمهم الله جميعا
ورضي عنهم -
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني رحمه
الله تعالى :
" والإسماعيلية والقرامطة
والباطنية الثنوية والحاكمية وغيرهم من
الضلالات المخالفة لدين الإسلام ، وما
ينسبونه إلى علي بن أبى طالب ، أو جعفر
الصادق ، أو غيرهما من أهل البيت ، كالبطاقة
والهفت والجدول والجفر وملحمة بن عنضب وغير
ذلك من الأكاذيب المفتراة باتفاق جميع أهل
المعرفة ، وكل هذا باطل فإنه لما كان لآل
رسول الله صلى الله عليه وسلم به اتصال النسب
والقرابة ، وللأولياء الصالحين منهم ومن
غيرهم به اتصال الموالاة والمتابعة ، وصار
كثير ممن يخالف دينه وشريعته وسنته يموه
باطله ويزخرفه بما يفتريه على أهل بيته وأهل
موالاته ومتابعته ، وصار كثير من الناس يغلو
إما في قوم من هؤلاء أو من هؤلاء ، حتى يتخذهم
آلهة أو يقدم ما يضاف إليهم على شريعة النبي
وسنته ، وحتى يخالف كتاب الله وسنة رسوله وما
اتفق عليه السلف الطيب من أهل بيته ومن أهل
الموالاة له والمتابعة وهذا كثير في أهل
الضلال " . كتاب مجموع الفتاوى ، الجزء
11 ، صفحة 55
وقال أيضا رحمه الله : فإنه قد كذب على جعفر الصادق - رضى الله عنه - ما لم يكذب على غيره ، وكذلك كذب على علي رضى الله عنه وغيره من أئمة أهل البيت رضى الله عنهم " . كتاب مجموع الفتاوى ، الجزء 2 ، صفحة 217 .
وقال أيضا :
" وأما الكذب والأسرار التي
يدعونها عن جعفر الصادق فمن أكبر الأشياء
كذبا ، حتى يقال ما كذب على أحد ما كذب على
جعفر - رضي الله عنه - ومن هذه الأمور المضافة
كتاب الجفر الذي يدعون أنه كتب فيه " .
كتاب مجموع الفتاوى ، الجزء 4 ، صفحة 78 .
وقال أيضا : " ومثل كتاب
رسائل إخوان الصفا الذي صنفه جماعة في دولة
بني بويه ببغداد وكانوا من الصابئة
المتفلسفة المتحنفة ، جمعوا بزعمهم بين دين
الصابئة المبدلين وبين الحنيفية ، وأتوا
بكلام المتفلسفة وبأشياء من الشريعة ، وفيه
من الكفر والجهل شيء كثير ، ومع هذا فإن
طائفة من الناس من بعض أكابر قضاة النواحي
يزعم أنه من كلام جعفر الصادق وهذا قول زنديق
وتشنيع جاهل " . كتاب مجموع الفتاوى ،
الجزء 4 ، صفحة 79 .
فتأمل يا رعاك
الله أن شيخ الإسلام رحمه الله في كلامه
السابق يدافع عن جعفر الصادق ، وكذا عن علي
رضي الله عنهما ، وينفي عنهما الكذب الذي نسب
إليهما مما فيه مخالفة صريحة لكتاب الله
سبحانه وتعالى ولسنة رسوله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم ، وقد بين الشيخ أن من ينسب تلك
الأقوال إليهم كذبا وزورا إنما هو صاحب باطل
يريد أن يزخرف لباطله بما ينسبه إليهم ، أو
أنه لم يوفق للصواب ، فصدق تلك الأكاذيب فبنى
مذهبه عليها ظانا أنه على الحق ، وزعم أنه
على مذهب آل البيت رضوان الله عليهم .
وصنيع شيخ الإسلام هذا هو الحب الحقيقي لآل
البيت ، وليس الحب الحقيقي بأن ينسب لآل
البيت عقائد مخالفة للقرآن والسنة كالقول
بتحريف القرآن ، ثم يقول إنني أحب آل البيت ،
ولذا فأنا الذي أتبع مذهبهم ... ، وهو إنما
يتبع ما نسب إليهم من كذب ... ، فمن الصادق في
المحبة ؟
وقال أيضا
رحمه الله : " وكذلك ما
يذكر في دمشق من قبور أزواج النبي - صلى الله
عليه سلم - وإنما توفين بالمدينة النبوية ،
وكذلك ما يذكر في مصر من قبر علي بن الحسين أو
جعفر الصادق أو نحو ذلك ، هو كذب باتفاق أهل
العلم ، فإن علي بن الحسين وجعفر الصادق إنما
توفيا بالمدينة ، وقد قال عبد العزيز
الكناني الحديث المعروف : ليس في قبور
الأنبياء ما ثبت إلا قبر نبينا ، قال غيره :
وقبر الخليل أيضا ، وسبب اضطراب أهل العلم
بأمر القبور أن ضبط ذلك ليس من الدين فإن
النبي قد نهى أن تتخذ القبور مساجد فلما لم
يكن معرفة ذلك من الدين لم يجب ضبطه " .
كتاب مجموع الفتاوى ، الجزء 4 ، صفحة 516 .
فلاحظ أن ضرورة ضبط القبور ، وما
يتبعه من أمور كجعلها مساجد وتعظيمها ،
والبناء عليها وتجصيصها ، والذبح لها وتقديم
القرابين ونحو ذلك ليس من دين الإسلام ،
وإنما نهى الإسلام عن البناء عليها وتجصيصها
ونحو ذلك ، وهو الموافق لمعتقد آل البيت ،
كما جاء في الكافي وغيره أن النبي - صلى الله
عليه وسلم - بعث عليا - رضي الله عنه - : أن لا
يدع صورة إلا طمسها ولا قبرا مشرفا إلا سواه
... الحديث [ الكافي 6/528 ] .
وأنت ترى في كلام شيخ الإسلام الإشارة إلى
هذا ، وأن جملة من القبور المنسوبة إلى بعض
الصالحين غير صحيح ، فلو كان أمرا مشروعا
لكان أمرا بينا لا يختلف فيه اثنان ، فتأمل .
وقال أيضا
رحمه الله : " وكذلك ما
يأثره أبو عبد الرحمن عن بعض المتكلمين فى
الطريق أو ينتصر له من الأقوال والأفعال
والأحوال ، فيه من الهدى والعلم شيء كثير ،
وفيه أحيانا من الخطأ أشياء ، وبعض ذلك يكون
عن اجتهاد سائغ ، وبعضه باطل قطعا ، مثل ما
ذكر في حقائق التفسير قطعة كبيرة عن جعفر
الصادق وغيره ، من الآثار الموضوعة ، وذكر عن
بعض طائفة أنواعا من الإشارات التي بعضها
أمثال حسنة واستدلالات مناسبة وبعضها من نوع
الباطل واللغو " كتاب مجموع الفتاوى ،
الجزء 11 ، صفحة 42 .
فبالله عليك أليس هذا من الإنصاف ، وأن ما
ينسب إلى جعفر الصادق - رحمه الله - منه ماهو
صحيح ، ومنه ماهو كذب وهو الكثير ، فمن الذي
أنصف آل البيت ؟ ..
وقال أيضا :
" ولهذا كان أعظم الأبواب
التى يدخلون منها : باب التشيع والرفض ، لأن
الرافضة هم أجهل الطوائف وأكذبها وأبعدها عن
معرفة المنقول والمعقول ، وهم يجعلون التقية
من أصول دينهم ويكذبون على أهل البيت كذبا لا
يحصيه إلا الله ، حتى يرووا عن جعفر الصادق
أنه قال : " التقية ديني ودين آبائي " و
التقية هي شعار النفاق ، فإن حقيقتها عندهم
أن يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم وهذا
حقيقة النفاق ، ثم إذا كان هذا من أصول دينهم
صار كل ما ينقله الناقلون عن علي أو غيره من
أهل البيت مما فيه موافقة أهل السنة
والجماعة يقولون هذا قالوه على سبيل التقية
ثم فتحوا باب النفاق للقرامطة الباطنية "
. كتاب مجموع الفتاوى ، الجزء 13 ، صفحة 263 .
فأنت ترى أن غرض الشيعة إنما هو مخالفة أهل
السنة وليس اتباع مذهب آل البيت حقيقة ، وإلا
لقبلوا ما ينقل عن آل البيت مما هو ثابت عنهم
، والذي هو بلا شك موافق لمذهب أهل السنة
والجماعة وخاصة في الاعتقاد .
وقال أيضا
رحمه الله : " فمنهم من
يعتمد على جدول يزعمون أن جعفر الصادق دفعه
إليهم ، ولم يأت به إلا عبد الله بن معاوية ،
ولا يختلف أهل المعرفة من الشيعة وغيرهم أن
هذا كذب مختلق على جعفر اختلقه عليه عبد الله
هذا ، وقد ثبت بالنقل المرضي عن جعفر وعامة
أئمة أهل البيت ما عليه المسلمون وهو قول
أكثر عقلاء الشيعة " . كتاب مجموع
الفتاوى ، الجزء 25 ، صفحة 179 .
فهل أدركت بعد هذا كله أن جعفر الصادق - رحمه
الله - كُذِبَ عليه كما ذكرت لك ، وأن شيخ
الإسلام إنما هو من أشد المدافعين عنه حقيقة
لا ادعاء أجوفا .. ، ولكن إنها لا تعمى
الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ..
قال رحمه الله : " ونحن نعلم من أحوال أئمتنا أنه قد أضيف إلى جعفر الصادق - وليس هو بنبي من الأنبياء - من جنس هذه الأمور ما يعلم كل عالم بحال جعفر رضى الله عنه أن ذلك كذب عليه ، فإن الكذب عليه من أعظم الكذب حتى نسب إليه أحكام الحركات السفلية ، كاختلاج الأعضاء وحوادث الجو من الرعد والبرق والهالة وقوس الله الذي يقال له قوس قزح وأمثال ذلك ، والعلماء يعلمون أنه بريء من ذلك كله ، وكذلك نسب إليه الجدول الذي بنى عليه الضلال طائفة من الرافضة ، وهو كذب مفتعل عليه افتعله عليه عبد الله بن معاوية أحد المشهورين بالكذب مع رياسته وعظمته عند اتباعه ، وكذلك أضيف إليه كتاب الجفر والبطاقة والهفت ، وكل ذلك كذب عليه باتفاق أهل العلم به ، حتى أضيف إليه رسائل إخوان الصفا ، وهذا في غاية الجهل ، فإن هذه الرسائل إنما وضعت بعد موته بأكثر من مائتي سنة ، فإنه توفي سنة ثمان وأربعين ومائة ، وهذه الرسائل وضعت في دولة بنى بويه في أثناء المائة الرابعة في أوائل دولة بنى عبيد الذين بنوا القاهرة ، وضعها جماعة وزعموا أنهم جمعوا بها بين الشريعة والفلسفة فضلوا وأضلوا ، وأصحاب جعفر الصادق الذين أخذوا عنه العلم ، كمالك بن أنس ، وسفيان بن عيينة ، وأمثالهما من الأئمة ، أئمة الإسلام براء من هذه الأكاذيب ، وكذلك كثير ما يذكره الشيخ أبو عبد الرحمن السَلَمي في كتاب "حقائق التفسير" عن جعفر من الكذب الذي لا يشك في كذبه أحد من أهل المعرفة بذلك .. ، وكذلك كثير من المذاهب الباطلة التي يحكيها عنه الرافضة ، وهي من أبين الكذب عليه ، وليس في فرق الأمة أكثر كذباً واختلاقاً من الرافضة من حين نبغوا ، فأول من ابتدع الرفض كان منافقاً زنديقاً يقال له : عبد الله بن سبأ ، فأراد بذلك إفساد دين الإسلام كما فعل "بولص" صاحب الرسائل التي بأيدي النصارى ، حيث ابتدع لهم بدعاً أفسد بها دينهم ، وكان يهوديا فأظهر النصرانية نفاقا فقصد إفسادها ، وكذلك كان ابن سبأ يهوديا فقصد ذلك " مجموع فتاوى شيخ الإسلام 35/183 ، وانظر أيضا : منهاج السنة 4/54 .
وقال أيضا
رحمه الله : " ولم يكذب على
أحد ما كذب على جعفر الصادق مع براءته ، كما
كذب عليه فنسب إليه علم البطاقة والهفت
والجدول واختلاج الأعضاء ومنافع القرآن
والكلام على الحوادث وأنواع من الإشارات في
تفسير القرآن وتفسير قراءة السورة في المنام
، ,كل ذلك كذب عليه ... " منهاج السنة 7/534
.
وقال أيضا رحمه الله : " والنفاق
والزندقة في الرافضة أكثر منه في سائر
الطوائف ، بل لا بد لكل منهم من شعبة نفاق ،
فإن أساس النفاق الذي بني على الكذب ، وأن
يقول الرجل بلسانه ما ليس في قلبه ، كما أخبر
الله تعالى عن المنافقين أنهم يقولون
بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، والرافضة تجعل
هذا من أصول دينها وتسميه التقية ، وتحكي هذا
عن أئمة أهل البيت الذين برأهم الله عن ذلك ،
حتى يحكوا عن جعفر الصادق أنه قال التقية
ديني ودين آبائي ، وقد نزه الله المؤمنين من
أهل البيت وغيرهم عن ذلك ، بل كانوا من أعظم
الناس صدقا وتحقيقا للإيمان ، وكان دينهم
التقوى لا التقية وقول الله تعالى : { لا يتخذ
المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين
ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن
تتقوا منهم تقاة } . " منهاج السنة 2/ 46 .
وقال أيضا : فالآفة وقعت من
الكذابين عليه لا منه ... ، وحتى كل من أراد أن
ينفق أكاذيبه نسبها إلى جعفر ... "
منهاج السنة 4/54 .
وفيما سبق
يتبين لك أن كلام شيخ الإسلام في الرافضة ليس
هو لاتباعهم أهل البيت كما يزعمون ، ولكن
لكذبهم على آل البيت ، ومن ثم اتباعهم لهذا
الكذب وتسميته بمذهب آل البيت !! .
ومما يستفاد من كلامه أيضا رحمه الله :
- كثرة الكذب على آل البيت عموما ، وعلى جعفر -
رحمه الله - خصوصا ، وهو بريء من هذا الكذب
والبهتان .. ، والآفة من هؤلاء الكذابين عليه
، لا منه - رحمه الله - .
- أن أئمة آل البيت - رحمهم الله - من أعظم
الناس صدقا وتحقيقا للإيمان ، وكان دينهم
التقوى لا التقية التي هي النفاق تعينه ..
- أن الذين أخذوا العلم الصحيح عن أئمة آل
البيت - رحمهم الله -كجعفر الصادق - رحمه الله
- ، ولم يقبلوا إلا ما صح عنهم ، هم أئمة السلف
من أهل السنة والجماعة ، كمالك بن أنس وسفيان
بن عيينة - رحمهما الله - ، وهم براء من هذه
الأكاذيب .
- أن أهل السنة والجماعة يجلون الأئمة من آل
البيت ، ولكنهم لا يعتقدون بعصمة الأئمة ،
فجعفر الصادق - رحمه الله - وغيره ليسوا
معصومين ، وإنما العصمة للأنبياء ، وذلك
ضرورة تبليغ الرسالة ... ، ومن ثم يعلم أن
كثيرا مما ينسب إلى جعفر الصادق - رحمه الله -
لا يصح عنه ، لاختصاصه بمن يشرع عن الله ،
وإلى هذا أشار الشيخ بقوله : " وليس هو بنبي
من الأنبياء " .
- أن أرباب الضلال كالرافضة ، بنوا مذهبهم
على هذه الأكاذيب ، ثم سموها بمذهب آل البيت
وتعصبوا لها ، وحاولوا إثباتها بأي وسيلة أو
طريقة ، وكل من أراد أن ينفق أكاذيبه نسبها
إلى جعفر الصادق - رحمه الله - .
- أن الرافضة بنوا مذهبهم على أساس من أسس
النفاق ، وهو الكذب المسمى عندهم بالتقية ،
وذلك بأن يقول بلسانه ما هو مخالف لما في
قلبه وذلك خوفا من افتضاح أمره ، أو حفاظا
على المذهب كما قال بعض أئمتهم ، وقد أخبر
الله عن المنافقين أنهم يقولون بألسنتهم ما
ليس في قلوبهم ، وأئمة آل البيت براء من هذه
العقيدة الفاسدة .
وثمت فوائد أخرى من كلامه رحمه الله أعرضت
عنها خشية الإطالة .
وقد كذب
الرافضة على جعفر - رحمه الله - حتى في نقلهم
عنه تفسير القرآن ، فكذبوا في تفسير القرآن
ثم نسبوا هذا التفسير له ، وإلى هذا سبقت
الإشارة في كلام شيخ الإسلام ، وذكره في غير
هذا الموضع فمثلا :
قال رحمه الله : " وما ينقل
في حقائق السلمي من التفسير عن جعفر الصادق ،
عامته كذب على جعفر ، كما قد كذب عليه غير ذلك
كما تقدم .. " منهاج السنة 8/ 43 .
وقال أيضا رحمه الله : " وقال
جعفر الصادق في قوله : ( ثم دنا فتدلى ) [ سورة
النجم 8 ] من توهم أنه بنفسه دنا جعل ثم مسافلة
، وإنما تدنى أنه كلما قرب منه بعده عن أنواع
المعارف إذ لا دنو ولا بعد ، قلت : هذا الكلام
وأشباهه مما اتفق أهل المعرفة على أنه مكذوب
على جعفر مثل كثير من الإشارات التي ذكرها
عنه أبو عبد الرحمن في "حقائق التفسير"
والكذب على جعفر كثير منتشر ، والذي نقله
العلماء الثقات عنه معروف يخالف رواية
المفترين عليه ... " الاستقامة 1/191 .
وقد نسبوا له أيضا أقوالا في تفسير القرآن
بالباطن ، وأن له ظاهرا وباطنا ، ولذا قال
الشيخ رحمه الله : " وهؤلاء
المدعون للباطن ... " الفتاوى الكبرى
4/276 . وذلك إنما هو كذب عليه .
وقال رحمه الله : " والمقصود
هنا أن يقال لهذا الإمامي وأمثاله : ناظروا
إخوانكم هؤلاء الرافضة في التوحيد ، وأقيموا
الحجة على صحة قولكم ، ثم ادعوا إلى ذلك ،
ودعوا أهل السنة والتعرض لهم ، فإن هؤلاء
يقولون : إن قولهم في التوحيد هو الحق وهم
كانوا في عصر جعفر الصادق وأمثاله ، فهم
يدَّعُون أنهم أعلم منكم بأقوال الأئمة لا
سيما وقد استفاض عن جعفر الصادق أنه سئل عن
القرآن أخالق هو أم مخلوق فقال ليس بخالق ولا
مخلوق ولكنه كلام الله ، وهذا مما اقتدى به
الإمام أحمد في المحنة فإن جعفر بن محمد من
أئمة الدين باتفاق أهل السنة " . منهاج
السنة 2/ 245
وقال : " ... ولهذا كانت
الإمامية لا تقول إنه مخلوق لما بلغهم نفي
ذلك عن أئمة أهل البيت ، وقالوا : إنه محدث
مجعول ، ومرادهم بذلك أنه مخلوق ، وظنوا أن
أهل البيت نفوا أنه غير مخلوق أي مكذوب مفترى
، ولا ريب أن هذا المعنى منتف باتفاق
المسلمين ، من قال إنه مخلوق ، ومن قال إنه
غير مخلوق ، والنزاع بين أهل القبلة إنما كان
في كونه مخلوقا خلقه الله أو هو كلامه الذي
تكلم به وقام بذاته ، وأهل البيت إنما سئلوا
عن هذا وإلا فكونه مكذوبا مفترى مما لا ينازع
مسلم في بطلانه ، ولكن الإمامية تخالف أهل
البيت في عامة أصولهم ، فليس في أئمة أهل
البيت مثل علي بن الحسين وأبي جعفر الباقر
وابنه جعفر بن محمد الصادق من كان ينكر
الرؤية أو يقول بخلق القرآن أو ينكر القدر أو
يقول بالنص على علي أو بعصمة الأئمة الاثني
عشر أو يسب أبا بكر وعمر " منهاج السنة
2/ 368
فنحن نقول للرافضة إن كنتم صادقين في زعمكم
محبة آل البيت ، فاتبعوا مذهبهم الصحيح في
الاعتقادات وفي العبادات وفي الصحابة ، وغير
ذلك مما هو معلوم لمن أنصف آل البيت مذهبهم ،
وردوا على من خالف ذلك من أبناء جلدتكم ، أم
هو التستر باتباعهم للطعن في الإسلام .. ؟ .
وأنت هنا ، أن شيخ الإسلام أكد على قضية مهمة
وهي أن أهل السنة عاشوا زمن جعفر الصادق
وأمثاله من العلماء - رحمهم الله - ، وأنهم
يدعون أنهم أعلم بأقوال الأئمة من هؤلاء
الشيعة ، ولذا فمذهب أهل السنة هو القول الحق
، وهو الذي درجوا عليه ، وقد مثل الشيخ بقول
الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - في القرآن ،
وأنه اقتدى في ذلك بجعفر الصادق - رحمه الله -
.
أما مجرد ادعاء حب آل البيت ، فليس كافيا في
الحكم بصحة عقائد من يدعي حبهم وهو في
الحقيقة مخالف لما هم عليه من العقائد ، وإن
كذب ونسب تلك العقائد لهم ، ومن الأمثلة على
ذلك ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله في كلامه
الآتي :
قال رحمه الله : " ... قوم
إذا ذكروا عليا يردون السلام على السحاب ،
فهذا بعض ما نقله الأشعري وغيره عنهم ، وهو
بعض ما فيهم من هذا الباب ، فإن الإسماعيلية
والنصيرية لم يكونوا حدثوا إذ ذاك ،
والنصيرية من نوع الغلاة ، والإسماعيلية
ملاحدة أكفر من النصيرية ، ومن شيعة
النصيرية من يقول أشهد أن لا إله إلا حيدرة
الأنزع البطين ، ولا حجاب عليه إلا محمد
الصادق الأمين ، ولا طريق إليه إلا سلمان ذو
القوة المتين " منهاج السنة 2/ 512 .
فإذا تبين كثرة الكذب عليه ، علم أنه إنما
كان من علماء السلف ، وأنه من علماء أهل
السنة والجماعة ، وهذا ما ذكره شيخ الإسلام
ابن تيمية - رحمه الله - قبل قليل حيث قال :
" فإن جعفر بن محمد من أئمة
الدين باتفاق أهل السنة " . وتأمل في
كلامه الآتي رحمه الله ففيه فوائد جمة .
قال رحمه
الله : " وجعفر الصادق رضي
الله عنه من خيار أهل العلم والدين ، أخذ
العلم عن جده أبي أمه أم فروة بنت القاسم بن
محمد بن أبي بكر الصديق وعن محمد بن المنكدر
ونافع مولى ابن عمر والزهري وعطاء بن أبي
رباح وغيرهم ، وروى عنه يحيى بن سعيد
الأنصاري ومالك بن أنس وسفيان الثوري وسفيان
بن عيينة وابن جريج وشعبة ويحيى بن سعيد
القطان وحاتم بن إسماعيل وحفص بن غياث ومحد
بن إسحاق بن يسار " منهاج السنة 4/ 52 .
ومما ذكر الشيخ - رحمه الله - في تلقي آل
البيت للعلم ، قال رحمه الله : " ... وأيضا
جعفر الصادق أخذ عن أبيه وعن غيره كما قدمنا
، وكذلك أبوه أخذ عن علي بن الحسين وغيره ،
وكذلك علي بن الحسين أخذ العلم عن غير الحسين
أكثر مما أخذ عن الحسين ، فإن الحسين قتل سنة
إحدى وستين وعلي صغير ، فلما رجع إلى المدينة
أخذ عن علماء أهل المدينة ، فإن علي بن
الحسين أخذ عن أمهات المؤمنين عائشة وأم
سلمة وصفية وأخذ عن ابن عباس والمسور بن
مخرمة وأبي رافع مولى النبي - صلى الله عليه
وسلم - ومروان بن الحكم وسعيد بن المسيب "
منهاج السنة 7/ 534 .
فهل بعد الحق إلا الضلال .. ، وهل جعفر الصادق
- رحمه الله - إلا عالم من علماء أهل السنة
والجماعة ، أخذ العلم عمن سبقه بالسند
المتصل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،
وأخذه عنه من بعده ، وهكذا يؤخذ العلم ، لا
كما يزعم الرافضة الغالين في آل البيت -
رضوان الله عليهم - .
وقال أيضا
رحمه الله : " فان أبا حنيفة
من أقران جعفر الصادق توفي الصادق سنة ثمان و
أربعين ومائة ، وتوفي أبو حنيفة سنة خمسين و
مائة ، وكان أبو حنيفة يفتي في حياة أبي جعفر
والد الصادق ، وما يعرف أن أبا حنيفة أخذ عن
جعفر الصادق ولا عن أبيه مسألة واحدة ، بل
أخذ عمن كان أسن منهما كعطاء بن أبي رباح ، و
شيخه الأصلي حماد بن أبي سليمان ، و جعفر بن
محمد كان بالمدينة " منهاج السنة 7/ 532
وكلامه - رحمه الله - واضح في أن العلم يؤخذ
بالتلقي عمن اشتهر بالعلم ، وجواز الفتوى
لمن كان عنده علم ولو وجد من هو أعلم منه ،
ويبين لك أيضا أن محمد الباقر
، وابنه جعفر الصادق ، وأبا حنيفة ، - رحمهم
الله جميعا - من أهل العلم الذين يتلقى عنهم
العلم ..
فلعلك أدركت شدة الكذب وكثرته على آل البيت -
رحمهم الله - وخاصة جعفر الصادق - رحمه الله -
، والأغرب من ذلك استحلال هؤلاء لكثير من
الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ناهيك عن
إيجاب العبادات وتحريم المحرمات ، بناء على
هذا الأساس من الكذب ، ولا شك أن اعتقاد كثير
من هذه الأمور وإن نسب لآل البيت كذبا عليهم
، أنه كفر بالله سبحانه ، بل من أعظم الكفر ،
لأنه ارتكاب لهذه الموبقات باسم الدين ،
وكذب على الله سبحانه وتعالى ، وقد بين شيخ
الإسلام - رحمه الله - ذلك في كلامه الآتي .
قال رحمه الله
: " وهؤلاء المدعون للباطن
لا يوجبون هذه العبادات ولا يحرمون هذه
المحرمات بل يستحلون الفواحش ما ظهر منها وما
بطن ، ونكاح الأمهات والبنات ، وغير ذلك من
المنكرات ، ومعلوم أن هؤلاء أكفر من اليهود
والنصارى ، فمن يكون هكذا كيف يكون معصوما ،
وأما الأخبار ، فإنهم لا يقرون بقيام الناس من
قبورهم لرب العالمين ، ولا بما وعد الله به
عباده من الثواب والعقاب ، بل ولا بما أخبرت
به الرسل من الملائكة ، بل ولا بما ذكرته من
أسماء الله وصفاته ، بل أخبارهم التي
يتبعونها اتباع المتفلسفة المشائين التابعين
لأرسطو ، ويريدون أن يجمعوا بين ما أخبر به
الرسل ، وما يقوله هؤلاء ، كما فعل أصحاب
رسائل إخوان الصفا ، وهم على طريقة هؤلاء
العبيديين ، ذرية عبيد الله بن ميمون القداح ،
فهل ينكر أحد ممن يعرف دين المسلمين أو اليهود
أو النصارى أن ما يقوله أصحاب رسائل إخوان
الصفا مخالف للملل الثلاث ، وإن كان في ذلك من
العلوم الرياضية والطبيعية وبعض المنطقية
والإلهية وعلوم الأخلاق والسياسة والمنزل ما
لا ينكر ، فإن في ذلك من مخالفة الرسل فيما
أخبرت به وأمرت به والتكذيب بكثير مما جاءت به
وتبديل شرائع الرسل كلهم بما لا يخفى على عارف
بملة من الملل ، فهؤلاء خارجون عن الملل
الثلاث ، ومن أكاذيبهم وزعمهم أن هذه الرسائل
من كلام جعفر بن محمد الصادق ، والعلماء
يعلمون أنها إنما وضعت بعد المائة الثالثة
زمان بناء القاهرة ، وقد ذكر واضعها فيها ما
حدث في الإسلام من استيلاء النصارى على سواحل
الشام ونحو ذلك من الحوادث التي حدثت بعد
المائة الثالثة ، وجعفر بن محمد - رضي الله عنه
- توفي سنة ثمان وأربعين ومائة قبل بناء
القاهرة بأكثر من مائتي سنة ، إذ القاهرة بنيت
حول الستين وثلاثمائة كما في تاريخ الجامع
الأزهر ، ويقال إن ابتداء بنائها سنة ثمان
وخمسين ، وأنه في سنة اثنين وستين قدم معد بن
تميم من المغرب واستوطنها ، ومما يبين هذا أن
المتفلسفة الذين يعلم خروجهم من دين الإسلام
كانوا من اتباع مبشر بن فاتك أحد أمرائهم وأبي
علي بن الهيثم اللذين كانا في دولة الحاكم
نازلين قريبا من الجامع الأزهر وابن سينا
وابنه وأخوه كانوا من أتباعهما "
الفتاوى الكبرى 4/276 .
وفي نهاية هذه الجولة السريعة مع كلام شيخ
الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في جعفر
الصادق - رحمه الله - ، أقول : أليس كلامه هذا
دليل على شدة محبته لآل البيت ودفاعه عنهم ،
لا كما يزعم الرافضة من أنه يبغض آل البيت
كذبا عليه وبهتانا .. ، وقديما قيل : صديقك من
صدقك لا من صدقك .. ، ولكن ليس بعد الحق إلا
الضلال ، وفي هذا البيان العاجل إيضاح لمن كان
له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ..
وأختم بكلام
شيخ الإسلام في هذه القضية ، إذ يقول مبينا
ضرورة القول بعلم وعدل ، وضرورة اتباع الحق ،
وأن الحق الصحيح المنقول عن أئمة آل البيت -
رحمهم الله - هو الموافق لما كان عليه
الصحابة - رضوان الله عليهم - ، ولما كان عليه
أئمة السلف - رحمهم الله - ، ومن تتبع ذلك وجد
ذلك جميعه متفقا مجتمعا في أصول دينهم وجماع
شريعتهم .. ، وفي هذا غنية عن المقالات
المكذوبة والقصص المنسوجة .. ، وهذا هو القول
الحق ، وهو الوسط بين الغالين والمجحفين ... :
قال رحمه الله : " ... وأما
العالم العادل فلا يقول إلا بالحق ولا يتبع
إلا إياه ، ولهذا من يتبع المنقول الثابت عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه وأصحابه
وأئمة أهل بيته ، مثل الإمام علي بن الحسين
زين العابدين ، وابنه الإمام أبي جعفر محمد
بن علي الباقر ، وابنه
الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق شيخ
علماء الأمة ، ومثل مالك بن أنس والثوري
وطبقتهما ، وجد ذلك جميعه متفقاً مجتمعاً في
أصول دينهم وجماع شريعتهم ، ووجد في ذلك ما
يشغله وما يغنيه عما أحدثه كثير من
المتأخرين من أنواع المقالات التي تخالف ما
كان عليه أولئك السلف ، ممن ينتصب لعداوة آل
بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويبخسم
حقوقهم ويؤذيهم ، أو ممن يغلو فيهم غير الحق
، ويفتري عليهم الكذب ، ويبخس السابقين
والطائعين حقوقهم " [ ا .هـ من رسالة
إلى المنسوبين إلى التشيع في العراق ومشهد
المنتظر ( ص : 87 - 88 ) ضمن كتاب جامع المسائل
لشيخ الإسلام ، تطبع لأول مرة ]
والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على
نبيه الأمين وآله وأصحابه أجمعين ،،،
بقلم : أم عمار آل عبد الحميد