آية الـتطهير

 

وعلاقتها بـ(عصمة الأئمة)

 

 

 

 

الدكتور

طه حامد الدليمي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 


الطبعة...

سنة الطبع...

حقوق الطبع محفوظة

 

ومباحة لمن قصد الدعوة دون النفع المادي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 آية التطهير

وعلاقتها بـ(عصمة الأئمة)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المقدمة

 

الحمد لله رب العالمين.

والصلاة والسلام على نبينا محمد خير هاد إلى سواء السبيل. وعلى آله أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

وبعد..

فإن الشيعة تعتقد بـ(عصمة) مجموعة من الأشخاص، تسميهم (الأئمة). وهذه العقيدة هي أساس الدين عندهم. وقد احتجوا لعقيدتهم هذه ببعض آيات من القرآن الكريم. أقواها دلالة عندهم، وأكثرها تداولاً على ألسنتهم جزء من آية أطلقوا عليه اسم (آية التطهير). وهي آخر قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (الأحزاب:33).

وقد ألفت هذه الرسالة المختصرة، أناقش فيها مناقشة علمية هادئة، علاقة هذه الآية بتلك العقيدة. متبعاً فيها المنهج القرآني في طرحه لأصول العقيدة وإثباتها.

كتبت هذه الرسالة قبل حوالي عشر سنوات (1419/1998). وطبعت مراراً باسم مستعار؛ فقد كانت الحكومة لا تسمح بطباعة مثلها؛ إذ تصنف ضمن الكتب الطائفية. ونشرها دون موافقة رسمية يعد مخالفة قانونية؛ فكان الاسم المستعار هو الحل.

والله تعالى وحده أسأل أن يرد هذه الأمة الى كتابها، ومصدر هدايتها وعزتها وفلاحها. إنه أكرم مسؤول، وأعظم مأمول.

 

1428/2007

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بين يدي الآية

 

كتاب الله عز وجل هو مصدر الهداية لمن أراد الاهتداء، وطلب الحق الذي لا ريب فيه. كما أخبر عنه سبحانه فقال: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة:2). وقال: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (البقرة:120). فحصر سبحانه أسس الهداية في كتابه، وقصرها عليه دون غيره. وجعل كل ما عداه – مما لا أصل له فيه - هواء وأهواء تودي بأصحابها إلى الهلاك.

وتعجب ربنا جل وعلا ممن ادعى الإيمان، وهو يطلب الهداية من غير ذلك الكتاب الكريم فقال: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ) (الجاثـية:6).

فمن اتخذ مصدراً آخر غير القرآن، يرجع اليه ويهتدي به دونه، فهو ضال لا محالة. وهو كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في سياق وصفه للقرآن: (ومن ابتغى الهدى في غيره اضله الله).

 

منهج الراسخين ومنهج الزائغين

لكن آيات القرآن تنقسم – كما قال تعالى - قسمين:

1- قسم صريح لا يحتمل إلا معنىً واحداً هو الآيات المحكمات.

2- وقسم يحتمل وجهين مختلفين فصاعداً هو الآيات المتشابهات.

والمحتجون بآيات القرآن ينقسمون فريقين:

1-  فريق الراسخين الذين يتبعون مهتدين بمحكمه لا بمتشابهه.

2-  وفريق الزائغين الذين يحتجون بمتشابهه دون محكمه.

وذلك كله في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ) (آل عمران:7)

وعلى هذا الأساس يتوجب علينا أن نبني أسس ديننا، على الآيات الصريحة المحكمة، لا على الآيات الظنية المتشابهة.

بهذا وحده كانت أصول الدين مصونة عن احتمال الخطأ. وذلك لسببين: أولهما أن كل آية محفوظة من التحريف لفظاً. فإذا كانت صريحة محكمة كانت محفوظة من التحريف معنى؛ فما بني عليها كان كذلك.

هكذا ثبت أصل التوحيد ونبوة محمد r وغيرهما من أصول الاعتقاد. كذلك أصول الشريعة العملية كالصلاة والزكاة وبقية أركان الاسلام. وكذلك الانتهاء عن أصول المحرمات كالقتل والزنا.

وعقيدة (عصمة الأئمة) لا تقل شأناً – عند الشيعة - عن الصلاة أو الزكاة. بل هي عندهم فوق ذلك منزلة. وهي أحد أسس دينهم العظمى؛ فمن أثبتها كان مؤمناً، وأنكرها كان عندهم كافراً.

فقد روى الكليني أن أبا عبد الله (ع)  قال: (ما جاء به علي آخذ به وما نهى عنه انتهي عنه… المتعقب عليه في شيء من أحكامه كالمتعقب على الله وعلى رسوله ، والراد عليه في صغيرة او كبيرة على حد الشرك بالله)([1]).

وقال ابن بابويه القمي: (من نفى عنهم العصمة في شيء من احوالهم فقد جهلهم ومن جهلهم فهم كافر)([2]).

وهذا يستلزم – وهم يصرحون به - تكفير أكثر من مليار مسلم لا يدين بهذه العقيدة، وتكفير حكامهم، وأولهم الخلفاء الراشدون فما دون بلا استثناء. فضلاً عن أجيال المسلمين المتعاقبة على اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم، وما ينتج عن ذلك من مفاسد لا يمكن احصاؤها. قد يكون أهونها حرمة مناكحتهم وأكل ذبائحهم. وعلى هذه العقيدة بنيت الفتاوى التي تبيح أموال المسلمين ودماءهم. وتجيز، او توجب مقاتلتهم والخروج عليهم!!

وعقيدة بهذه المنزلة والخطورة لا بد ان تكون أدلتها صريحة قطعية في دلالتها، محكمة لا يتطرق اليها الشك او الاحتمال بأي حال من الاحوال. والاّ صار الدين لعباً لكل لاعب، وأساسياته عرضة لكل متلاعب.

فهل هذه الآية الكريمة صريحة محكمة في دلالتها على(العصمة)؛ حتى يصح بها الاحتجاج؟ أم هي ظنية متشابهة؛ فيكون الاحتجاج بها لا مستند له إلا الجدل واللجاج؟ هذا ما سنراه في الصفحات التالية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نقض الاستدلال بـ(الآية) على (العصمة)

 

الأدلة قسمان

تنقسم الأدلة إلى قسمين:

1.  قسم لا تصلح للاستدلال بها من الأساس؛ لعدم امتلاكها شرط الدليل في موضوعها - مثلاً : الحديث الضعيف في الاستدلال به على أصل اعتقادي - وهذه لا يصح الاشتغال ببحث معانيها، ومدى دلالتها على المطلوب. فإذا كان الحديث ضعيفاً، لا وجه للقفز مباشرة إلى البحث في دلالة لفظه على المعنى، ما لم نتوقف لنرى صحته من ضعفه. فإذا لم تثبت صحته سقط اعتبار دليليته، أو صلاحيته للاستدلال. وتوقف البحث أو النقاش عند هذه النقطة. وهذه أسميها (صلاحية الدليل).

2.  وقسم يصلح للاستدلال لحيازته على شروط الدليل. وهذا هو الذي يصح النظر في دلالته على المعنى المطلوب. وهذه أسميها (صلاحية الدلالة).

 

إن الاستدلال بـ(آية التطهير) على (عصمة الأئمة) منقوض من الناحيتين: ناحية صلاحية الدليل، وناحية صلاحية الدلالة. وهذا ما سنكشف عنه في الصفحات التالية:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أولاً: بطلان صلاحية الدليل للاستدلال من الأساس

 

أما بطلان الناحية الأولى - وهي صلاحية الدليل للاستدلال - فلفقدانه شروط الدليل الأصولي([3]). ألا وهو الدلالة الصريحة أو القطعية على المعنى الذي سيق له.

ان قضايا الاعتقاد الكبرى ومهمات الدين وأساسياته العظمى لا بد لإثباتها من الأدلة القرآنية الصريحة القطعية الدلالة على المعنى المطلوب كدلالة قوله تعالى: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (البقرة:255) على التوحيد. ودلالة قوله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) (الفتح:29) على نبوة محمد r. ودلالة قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) (البقرة:43) على فرضية الصلاة والزكاة ومشروعيتهما.

فلا يصح ان تؤسس هذه الأمور العظيمة على الأدلة الظنّية المشتبهة؛ والا تطرق الشك ألى أساس الدين؛ لقيامه على الظنّيات، وابتنائه على المتشابهات المحتملات. وذلك منهي عنه بصريح قوله تعالى:( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) (آل عمران:7) فاشترط الله – جل وعلا – لإقامة دينه الآيات المحكمات الواضحات: التي لا اشتباه فيها ولا احتمال. التي تورث اليقين، والقطع التام. كالآيات التي استشهدنا بها على التوحيد والنبوة والصلاة والزكاة. وهي (أم الكتاب) ومرجعه وأصله المعتمد، الذي يرد اليه ما تشابه وتطرق اليه الظن والاحتمال.

أما من اعتمد على الآيات المتشابهات المحتملات فهو من الزائغين الذين (يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ).

وهذا الشرط (الإحكام واليقين، وما في معناه) تكرر في القرآن كثيراً، كما تكرر ذم نقيضه (وهو الظن والشك وما في معناه). قال تعالى: (وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) (النجم:28). فالدليل الظنّي لا يصح الاعتماد عليه؛ لأنه لا يفيد العلم، ولا يوصل إلى الحق. واذن لا بد ان يكون الدليل قطعياً في دلالته. فيسقط الاستدلال بكل الادلة الظنّية المشتبهة. ومن هنا قـال الأصوليون: (الدليل اذا تطرق اليه الاحتمال بطل به الاستدلال).

وهذه الآية (آية التطهير) ليست صريحة في الدلالة على عصمة أحد، فضلاً عن عصمة أشخاص معينين محددين. والقول بدلالتها على (العصمة) ظن واشتباه؛ فبطل الاستدلال بها على ذلك؛ لأن الدليل اذا تطرق اليه الاحتمال بطل به الاستدلال.

وهذا يكفي في رد هذه الحجة، وإسقاط هذه العقيدة استدلالاً بالآية الكريمة؛ لأن الدليل من الأساس فقد صلاحيته للاستدلال على المراد. ولكن - من باب الاستطراد النافع؛ لإخراج آخر شبهة من نفس المقابل، الذي يريد الحق للحق بالحق - لا بأس من مناقشة دلالة الدليل (الآية) بالتفصيل.

ثانياً: بطلان صلاحية دلالة (الآية) على (العصمة)

 

وأما دلالة النص على (عصمة الأئمة) فغير متحققة لموانع كثيرة منها:

 

1. افتقار النص إلى الدلالة اللغوية على (العصمة)

ليست العصمة من الذنب أو الخطأ من معاني هذين اللفظين: (التطهير) و(إذهاب الرجس)؛ وذلك لعدم تضمن هذين اللفظين لهذا المعنى في لغة العرب. فإذا علم هذا بطل الاستدلال بالآية على (العصمة) من الأساس. ويكفي في رد القول بدلالة اللفظ على (العصمة) أنه مجرد دعوى لا دليل عليها.

 

أ. لا علاقة لغوية بين اللفظ وبين الامتناع من الوقوع في الخطأ

ولا علاقة لغوية كذلك بين الآية وبين الامتناع من الوقوع في الخطأ في الاجتهاد أو الرأي عموماً:

فالرجس لغةً هو القذر والنتن، ولهذا يطلق على الذنوب والمعاصي كالكفر والفسوق لكنه لا يطلق في لغة العرب على الخطأ حتى يمكن أن نقول: إن (إذهاب الرجس) يحتمل معنى عدم الوقوع فيه، فالآية لا علاقة لها بالخطأ البتة فكيف يمكن الاستدلال بها على (العصمة) منه!!

 

ب. ورود اللفظ في غير المعصومين

وأول ما ينقض هذه الدعوى - العارية أساساً عن الدليل المعتبر –

العلم بورود هذا اللفظ في حق أشخاص مجمع على عدم عصمتهم كما

في الأمثلة القرآنية الآتية:

·      قال تعالى عن أهل بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً:

(إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأْقْدَامَ) (الأنفال/11).

والاتفاق حاصل على عدم عصمة أهل بدر، مع أنهم موصوفون بالتطهير و(إذهاب الرجس). فاللفظ إذن لا علاقة له بالعصمة.

(والرجز) و(الرجس) متقارب في لغة العرب. جاء في (مختار الصحاح) للرازي: (الرجز) القذر مثل الرجس، ولعلهما لغتان أبدلت السين زاياً كما قيل للأسد: الأزَد.

وفي هذه الآية مزايا لأهل بدر زيادة على ما في (آية التطهير). فإن الله تعالى زادهم الربط على القلوب وتثبيت الأقدام. إضافة إلى أمور بلاغية أخرى لا حاجة لذكرها في مقامنا هذا.

·  بل عم جميع المسلمين فقال: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) (المائدة/6). واللفظ (يريد ليطهركم) واحد في الآيتين، ولو كانت إرادة التطهير تعني (العصمة) لكان كل مسلم معصوماً.

·  وقال عن جماعة صرح بارتكابهم الذنوب: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم) (التوبة:102،103).

فلو كا لفظ (التطهير) معناه (العصمة) لما وصف الله به هؤلاء المذنبين!

 بل في الآية ما هو أبلغ من التطهير! ألا وهو (التزكية). فإن التطهير غايته الوصول إلى عدم. وهو إزالة الشيء المتطهَّر منه. بينما التزكية أمر وجودي وهو الاتصاف بالبركة والزيادة والنماء لملازمتها له. والعكس ليس شرطاً فقد تطهر مكاناً ما من القذارة دون أن تجمله بالزينة، أما التزكية وهي التجميل والزينة فلا تكون إلا بعد التطهير وإلا كانت عبثاً.

فهؤلاء ليسوا قابلين للتطهر فقط ، وإنما للتزكية زيادة ودرجة. ومع ذلك فقد كانوا مذنبين، فأين (العصمة) منهم!

فإن كان التطهير يعني (العصمة) إذن هؤلاء معصومون وزيادة.

وفي الأمر نكتة لطيفة أخرى ألا وهي أن الشيعة يقولون بأن (عصمة الأئمة) منذ الولادة وليست (العصمة) عندهم حادثة أو كائنة بعد إذ لم تكن، (فالمعصوم) عندهم يولد معصوماً ودليلهم قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) مع أن لفظ (التطهير) يصح إطلاقه - كما في الآية التي نحن بصددها - على قوم اقترفوا ذنوبا، فمن أين استنتجوا من (الآية) أن المقصودين بها ليس لهم ذنوب قبل نزولها؟ واللفظ لا يمنع من ذلك.

·  وقال سبحانه عن أهل مسجد قباء من الصحابة: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) (التوبة:108). وهؤلاء ليسوا معصومين مع شهادة الله لهم بأنهم (يحبون أن يتطهروا)، وأقل ما في هذا الوصف أنهم قابلون للاتصاف به.

·  وقال في معرض نهيه عن إتيان الحائض: (إنَّ اللهَ يُحِبُّ التوّابينَ ويحِب المتطَهِّرين) (البقرة/222). ولا من علاقة بين هؤلاء

المتطهرين وبين العصمة.

·  وقال: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُون) (النمل/56). وفي آل لوط ابنتاه وهما ليستا معصومتين.

·  وقال عن النساء: (وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ) (البقرة/222) وليس معنى اللفظ: ولا تجامعهون حتى يُعصمن فإذا عُصمن فجامعوهن! ولو كان لفظ (التطهير) معناه العصمة لكان هذا هو تفسير الآية، ولكان لا يجوز في الإسلام جماع غير المعصومات!

·  وقال عن اليهود والمنافقين: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُم) (المائدة/41) وذلك في مقابل قوله في السورة نفسها عن المؤمنين: (ولكن يريد ليطهركم) (المائدة/6). ولا شك أن الآية ليس معناها: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يعصمَ قُلُوبَهُمْ من إرادة الذنب أو الميل إلى المعاصي. ولا أن معنى الآية الأخرى عن المؤمنين: ولكن يريد الله ليعصمكم من الذنوب.

ولا يمكن تفسير (التطهير) بالعصمة إلا إذا كان الأمر كذلك، وهو ممتنع فبطل هذا التفسير.
 

الآيات في الصحابة أعلى مدحاً مما في الآية

لقد جاء في صحابة رسول الله r من النصوص ما هو أعلى في المدح ولم يستلزم ذلك عصمتهم، وهذا نص واحد من تلك النصوص: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ * وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأْمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِْيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أولَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الحجرات:6-8).

ولو كنا ممن يحتاج إلى الاحتجاج بالمتشابه لقلنا بعصمة هؤلاء الصحابة، وحجتنا في هذا ظاهرة قياساً بحجج الشيعة، فإن الآية تنص على أن الله كرّه إليهم جميع أنواع المعاصي والذنوب من الكفر إلى العصيان مروراً بالفسوق. ليس هذا فحسب وإنما حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، فإذا لم يكن هذا عصمة فكيف هي العصمة إذن؟! وقد توج الله ذلك كله بالشهادة لهم بأنهم هم الراشدون. فإذا أضفنا إليه النص القرآني على وجوب اتباعهم([4]) كمل الدليل على عصمتهم!

ولو كانت هذا الآيات نازلة في علي t خاصة لكان في مقدمة الآيات التي يحتج الإمامية بها دليلاً على عصمته!

وهكذا ظهر بجلاء أنه لا علاقة لغوية لنص الآية بـ(العصمة)، وأن القول بها بدلالة النص إنما هو ظن وشبهة، وليس نصاً صريحاً. والظن لا يجوز دليلاً في أساسيات الدين، واتباع المتشابه ممنوع بنص القرآن الحكيم.

ج- لا دليل من اللغة يخصص اللفظ بأهل بيت علي دون بيت النبيr

يحتاج الشيعة لصحة اعتقادهم في (العصمة) ضرورة إلى الدليل القطعي على ثلاثة أمور:

1. قصر معنى (أهل البيت) على علي وفاطمة والحسن والحسين.

2. ثم تعديته إلى تسعة من أحفادهم فقط.

3. منع كونه عاماً في جميع أهل بيت النبي r.

وذلك كله ممتنع.

فأن لفظ (أهل البيت) في لغة العرب - التي خاطبهم الله تعالى بها في كتابه - أوسع من ذلك. فهو يتضمن الزوجة أولاً، ثم من يشتمل عليه البيت من الأبناء والبنين والأب والأم وغيرهم ثانياً، ثم يتسع ليعم الأقارب ثالثاً.

أما الزوجة فدلالة اللفظ عليها حقيقية، وكذلك الأولاد ومن في البيت. وأما الأقارب فمجازية. قال الراغب الاصفهاني في مفرداته:

أهل الرجل في الأصل من يجمعه وإياهم مسكن واحد ثم تجوز به فقيل: أهل بيت الرجل لمن يجمعه وإياهم نسب.

وقال: وعبر بـ(أهل الرجل) عن امرأته… و(تأهل) إذا تزوج ومنه قيل: (أهّلك) الله في الجنة: أي زوجك فيها وجعل لك فيها أهلاً.

وقال الرازي في مختار الصحاح: (أهَل) الرجل: تزوج، وبابه دخل وجلس، و(تأهل) مثله.

(أهل البيت) في القرآن هم الأزواج لا غير

إن أصل معنى لفظ (الأهل) وحقيقته الزوجة وليس الأقارب. كما في قوله تعالى:

}فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأْجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ{ (القصص/29). ولم يكن معه غير زوجه.

وقول امرأة العزيز لزوجها: }مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا{ (يوسف/25) أي بزوجتك.

وقال عن لوط u : }فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرَأَتَهُ{ (الأعراف/83).

وقال يحكي كلام الملائكة خطاباً لزوجة إبراهيم