الطرق  التي يعلم بها كذب المنقول

 في مناقشة شيخ الإسلام ابن تيمية للرافضى ابن المطهر الحلى بين بيانا شافيا الطرق  التي يعلم بها كذب المنقول ، وذلك في الجزء السابع من كتابه (ص437 : 479 ) وما ذكره شيخ الإسلام في غاية الأهمية ، وعلى الأخص بالنسبة لغير علماء الحديث والمتخصصين ، ولهذا رأيت أن أجعل كلامه القيم ختاما لهذا الفصل . قال رحمه الله تعالى وأنزله الفردوس الأعلى :

 

فصل        في الطرق  التي يعلم بها كذب المنقول .

      منها : أن يروى خلاف ما علم بالتواتر والاستفاضة ، مثل أن نعلم أن مسيلمة الكذاب ادعى النبوة ، واتبعه طوائف كثيرة من بنى حنيفة ، فكانوا مرتدين لإيمانهم بهذا المتنبئ الكذاب ، وأن أبا لؤلؤة قاتل عمر كان مجوسيا كافرا ، وأن الهرمزان كان مجوسيا أسلم ، وأن أبا بكر كان يصلى بالناس مدة مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويخلفه في الإمامة بالناس لمرضه ، وأن أبا بكر وعمر دفنا في حجرة عائشة مع النبي صلى الله عليه وسلم  ، ومثل ما يعلم من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم   التي كان فيها القتال كبدر ثم أحد ثم الخندق ثم خيبر ثم فتح مكة ثم غزوة الطائف ، والتى لم يكن فيها قتال كغزوة تبوك وغيرها ، وما نزل من القرآن في الغزوات ، كنزول الأنفال بسبب بدر ، ونزول آخر آل عمران بسبب أحد ، ونزول أولها بسبب نصارى نجران ، ونزول سورة الحشر بسبب بنى النضير ، ونزول الأحزاب بسبب الخندق ، ونزول سورة الفتح بسبب صلح الحديبية ، ونزول براءة بسبب غزوة تبوك ، وغيرها وأمثال ذلك .

      فإذا روى في الغزوات ـ وما يتعلق بها ما يعلم أنه خلاف الواقع ، علم أنه كذب ، مثل ما يروى هذا الرافضي ، وأمثاله من الرافضة وغيرهم ، من الأكاذيب الباطلة الظاهرة في الغزوات ، كما تقّدم التنبيه عليه ، ومثل أن يُعلم نزول القرآن في أي وقت كان ، كما يعلم أن سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال وبراءة نزلت بعد الهجرة في المدينة ، وأن الأنعام والأعراف ويونس وهود ويوسف و الكهف وطه ومريم واقتربت الساعة وهل أتى على الإنسان وغير ذلك نزلت قبل الهجرة بمكة ، وأن المعراج كان بمكة ، وأن الصفٌةَّ كانت بالمدينة ، وأن أهل الصفة كانوا من جملة الصحابة الذين لم يقاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم  ولم يكونوا ناساً معينين ، بل كانت الصفة منزلا ينزل بها من لا أهل له من الغرباء القادمين ، وممن دخل فيهم سعد بن أبى وقاص وأبو هريرة وغيرهما من صالحى المؤمنين ، وكالعريين الذين ارتدوا عن الإسلام ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم  في آثارهم ، فقطع أيديهم وأرجلهم ، وسمل أعينهم ، وألقاهم في الحرة يستسقون ، فلا يسقون وأمثال ذلك من الأمور المعلومة .

       فإذا روى الجاهل نقيض ذلك علم أنه كذب .

     ومن الطرق  التي يُعلم بها الكذب أن ينفرد الواحد والاثنان بما يعلم أنه لو كان واقعا لتوفرت الهمم والدواعى على نقله ؛ فإنه من المعلوم أنه لو أخبر الواحد لبلد عظيم بقدر بغداد والشام والعراق لعلمنا كذبه في ذلك ، لأنه لو كان موجودا لأخبر به الناس .

      وكذلك لو أخبرنا بأنه تولى رجل بين عمر وعثمان ، أو تولّى بين عثمان وعلى ، أو أخبرنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم  كان يؤذن له في العيد ، أو في صلاة الكسوف أو الاستسقاء ، أو أنه كان يقام بمدينته يوم الجمعة أكثر من جمعة واحدة ، أو يصلى يوم العيد أكثر من عيد واحد ، أو أنه كان يصلى العيد بمنى يوم العيد ، أو أن أهل مكة كانوا يتمون الصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى خلفه ، أو أنه كان يجمع بين الصلاتين بمنى كما كان يقصر ، أو أنه فرض صوم شهر آخر غير رمضان ، أو أنه فرض صلاة سادسة وقت الضحى أو نصف الليل ، أو أنه فرض حج بيت آخر غير الكعبة ، أو أن القرآن عارضه طائفة من العرب أو غيرهم بكلام يشابهه ، ونحو هذه الأمور ـ لكنا نعلم كذب هذا الكاذب ، فإنا نعلم انتفاء هذه الأمور بانتفاء لازمها ، فإن هذه لو كانت مما يتوفر الهمم والدواعى على نقلها عامة لبنى آدم ، وخاصة لأمتنا شرعا ، فإذا لم ينقلها أحد من أهل العلم ، فضلا عن أن تتواتر ، علم أنها كذب .

 

       ومن هذا الباب نقل النص على خلافة علىّ ، فإنّا نعلم أنه كذب من طرق كثيرة ؛ فإن هذا النص لم ينقله أحد ( من أهل العلم ) بإسناد صحيح ، فضلا عن أن يكون متواترا ، ولا نقل أن أحدا ذكره على عهد الخلفاء ، مع تنازع الناس في الخلافة وتشاورهم فيها يوم السقيفة ، وحين موت عمر ، وحين جعل الأمر شورى بينهم في ستة ، ثم لما قتل عثمان واختلف الناس على على  فمن المعلوم أن مثل هذا النص لو كان كما تقوله الرافضة من أنه نص على على نصا جليا قاطعا للعذر علمه المسلمون ، لكان من المعلوم بالضرورة أنه لابد أن ينقله الناس نقل مثله ، وأنه لابد أن يذكره لكثير من الناس ، بل أكثرهم في مثل هذه المواطن  التي تتوفر الهمم على ذكره فيها غاية التوفر ، فانتفاء ما يعلم أنه لازم يقتضى انتفاء ما يعلم أنه ملزوم ، ونظائر ذلك كثيرة . 

     ففي الجملة الكذب هو نقيض الصدق ، وأحد النقيضين يعلم انتفاؤه تارة بثبوت نقيضه ، وتارة بما يدل على انتفائه بخصوصه .

      والكلام مع الشيعة أكثره مبنى على النقل ، فمن كان خبيرا بما وقع وبالأخبار الصادقة  التي توجب العلم اليقينى علم انتفاء ما يناقض ذلك يقينا ، ولهذا ليس في أهل العلم بالأحاديث النبوية إلا ما يوجب العلم بفضل الشيخين وصحة إماماتهما ، وكذب ما تدعيه الرافضة .

       ثم كل من كان أعلم بالرسول وأحواله ، كان أعلم ببطلان مذهب الزيدية وغيرهم ، ممن يدّعى نصاً خفياً ، وأن عليا كان أفضل من الثلاثة ، أو يتوقف في التفضيل ؛ فإن هؤلاء إنما وقعوا في الجهل المركّب أو البسيط لضعف علمهم بما علمه أهل العلم بالأحاديث والآثار .

فصل

        واعلم أنه ثم أحاديث أُخر لم يذكرها هذا الرافضي ، لو كانت صحيحة لدلت على مقصوده ، وفيها ما هو أدل من بعض ما ذكره ، لكنها كلها كذب .

والناس قد رووا أحاديث مكذوبة في فضل أبى بكر وعمر وعثمان وعلىّ ومعاوية رضي الله عنهم وغيرهم ، لكن المكذوب في فضل على أكثر ، لأن الشيعة أجرأ على الكذب من النواصب .

      قال أبو الفرج ابن الجوزي : " فضائل علىّ الصحيحة كثيرة ، غير أن الرافضة لم تقتنع فوضعت له ما يضع لا ما يرفع ، وحوشيت حاشيته من الاحتياج إلى الباطل " .

      قال : " فاعلم أن الرافضة ثلاثة أصناف : صنف منهم سمعوا أشياء من الحديث فوضعوا أحاديث وزادوا ونقصوا . وصنف لم يسمعوا فتراهم يكذبون على جعفر الصادق ، ويقولون : قال جعفر ، وقال فلان . وصنف ثالث عوام جهله يقولون ما يريدون مما يسوغ في العقل ومما لا يسوغ " .

      فمن أماثل الموضوعات ما رواه ابن الجوزي من طريق النسائي في كتابه الذي وضعه في خصائص على من حديث عبيد الله بن موسى ، حدثنا العلاء ابن صالح ، عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله الأسدي قال : قال علىّ رضي الله عنه : أنا عبد الله ، وأخو رسول الله ، وأنا الصديقِّ الأكبر ، لا يقولها بعدى إلا كاذب ، صليت قبل الناس سبع سنين " ورواه أحمد في " الفضائل " وفى رواية له : " ولقد أسلمت قبل الناس بسبع سنين " .

      ورواه من حديث العلاء بن صالح أيضا عن المنهال عن عباد .

      قال أبو الفرج : " هذا حديث موضوع والمتهم به عباد بن عبد الله . قال على بن المديني : كان ضعيف الحديث " . وقال أبو الفرج : " حماد الأزدى : روى أحاديث لا يتابع عليها . وأما المنهال فتركه شعبه . قال أبو بكر الأثرم : سألت أبا عبد الله عن حديث علىّ : " أنا عبد الله وأخو رسول الله " فقال : اضرب عليه فإنه حديث منكر " .

      قلت : وعباد يروىُ من طريقه عن علىّ ما يُعلم أنه كذب عليه قطعا ، مثل هذا الحديث ؛ فإنّا نعلم أن عليا كان أبرَّ وأصدق وأتقى لله من أن يكذب ويقول مثل هذا الكلام ، الذي هو كذب ظاهر معلوم بالضروره أنه كذب . وما علمنا أنه كذب ظاهر لا يشتبه ، فقد علمنا أن علياً لم يقله ، لعلمنا بأنه أتقى لله من أن يتعمد هذا الكذب القبيح ، وأنه ليس مما يشتبه حتى يخطئ فيه ، فالناقل عنه إما متعمد الكذب وإما مخطئ غالط ، وليس قدح المبغض لعلى من الخوارج والمتعصبين لبنى مروان وغيرهم مما يشككنا في صدقه وبره وتقواه ، كما أنه ليس قدح الرافضة في أبى بكر وعمر ، بل وقدح الشيعة في عثمان ، لا يشككنا في العلم بصدقهم وبرهم وتقواهم ، بل نحن نجزم بأن واحدا منهم لم يكن ممن يتعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، ولا هو فيما دون ذلك .

      فإذا كان المنقول عنه مما لا يغلط في مثله ، وقد علمنا أنه كذب ، جزمنا بكذب الناقل متعمدا أو مخطئا .

      مثل ما رواه عبد الله في " المناقب " : حدثنا يحيى بن عبد الحميد ، حدثنا شريك ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن عباد بن عبد الله ، عن على . وحدثنا أبو خثيمة ، حدثنا الأسود بن عامر ، حدثنا شريك ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن عباد بن عبد الله الأسدي عن على قال : لما نزلت :     "  وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ "  ( سورة الشعراء : 214 ) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم  رجالا من أهل بيته : إن كان الرجل منهم لآكلا جذعة ، وإن كان شاربا فرقا ... إلى آخر الحديث .

      وهذا كذب علَى علىّ رضي الله عنه لم يروه قط ، وكذبه ظاهر من وجـوه .

      وهذا حديث رواه أحمد في " الفضائل " : حدثنا عثمان ، حدثنا أبو عوانة ، عن عثمان بن المغيرة ، عن أبى صادق ، عن ربيعة بن ناجز ، عن على ، وهؤلاء يعلم أنهم يروون الباطل .

      وروى أبو الفرج من طريق أجلح عن سلمة بن كهيل ، عن حبة بن جوين ، قال : سمعت عليا يقول : أنا عبدت الله عز وجل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  قبل أن يعبده رجل من هذه الأمة خمس سنين أو سبع سنين " قال أبو الفرج : " حبة لا يساوى حبة فإنه كذاب . قال يحيى : ليس بشيء قال السعدى : غير ثقة . وقال ابن حبان : كان غاليا في التشيع واهيا في الحديث . وأما الأجلح فقال أحمد : قد روى غير حديث منكر . قال أبو حاتم الرازى : لا يحتج به . وقال ابن حبان : كان لا يدرى ما يقول "

      قال أبو الفرج : " ومما يبطل هذه الأحاديث أنه لا خلاف في تقدم إسلام خديجة وأبى بكر وزيد ، وأن عمر أسلم في سنة ست من النبوة بعد أربعين رجلا ، فكيف يصح هذا ؟ " .

      وذكر حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم  : " أنا الصديق الأكبر " " وهو مما عملته يد أحمد ابن نصر الذراع ، فإنه كان كذابا يضع الحديث " .

      وحديثا فيه  : " أنا أولهم إيمانا ، وأوفاهم بعهد الله ، وأقومهم بأمر الله ، وأقسمهم بالسوية ، وأعدلهم في الرعية ، وأبصرهم بالقضية " قال : " وهو موضوع ، والمتهم به بشر بن إبراهيم . قال ابن عدى وابن حبان : كان يضع الحديث على الثقات " . ورواه الأبرازى الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم بن سعيد الجوهرى ، عن مأمون عن الرشيد . قال : وهذا الأبرازى كان كذابا .

      وذكر حديثا : " أنت أول من آمن بى ، وأنت أول من يصافحنى يوم القيامة ، وأنت الصديق الأكبر ، وأنت الفاروق تفرق بين الحق والباطل ، وأنت يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الكافرين ، أو يعسوب الظلمة " .

      قال : " وهذا حديث موضوع . وفى طريقه الأول : عباد بن يعقوب . قال ابن حبان : يروى المناكير عن المشاهير فاستحق الترك ، وفيه علىّ بن هاشم . قال ابن حبان : كان يروى المناكير عن المشاهير . ، وكان غاليا في التشيع . وفيه محمد بن عبد الله قال يحيى : ليس بشئ . وأما الطريق الثانى ففيه أبو الصلت الهروى كان كذابا رافضيا خبيثا ، فقد اجتمع عباد وأبو الصلت في روايته ، والله أعلم بهما أيهما سرقه من صاحبه " .

      قلت : لعل الآفة فيه من محمد بن عبد الله .

      وروى عن طريق ابن عباس وفيه عبد الله بن زاهر . قال ابن معين : ليس بشئ لا يكتب عنه إنسان فيه خير . قال أبو الفرج بن الجوزي : " كان غاليا في الرفض " .

فصل

       وهنا طرق يمكن سلوكها لمن لم تكن له معرفة بالأخبار من الخاصة ؛فإن كثيرا من الخاصة ـ فضلا عن العامة ـ يتعذر عليه معرفة التمييز بين الصدق والكذب من جهة الإسناد في أكثر ما يروى من الأخبار في هذا الباب وغيره . وإنما يعرف ذلك علماء الحديث ، ولهذا عدل كثير من أهل الكلام والنظر عن معرفة الأخبار بالإسناد وأحوال الرجال لعجزهم عنها ، وسلكوا طريقا آخر .

      ولكن تلك الطريق هي طريقة أهل العلم بالحديث ، العالمين بما بعث الله به رسوله . ولكن نحن نذكر طريقاً آخر فنقول : نقدِّر أن الأخبار المتنازع فيها لم توجد ، أو لم يُعلم أيها الصحيح ، ونترك الاستدلال بها في الطرفين ، ونرجع إلى ما هو معلوم بغير ذلك من التواتر ، وما يٌعلم من العقول والعادات ، وما دلت عليه النصوص المتفق عليها .

       فنقول : من المعلوم المتواتر عند الخاصة والعامة ، الذي لم يختلف فيه أهل العلم بالمنقولات والسير : أن أبا بكر رضي الله عنه لم يطلب الخلافة : لا برغبة ولا برهبة ، لا بذل فيها ما يرغّب الناس به ، ولا شهر عليهم سيفاً يرهبهم به ، ولا كانت له قبيلة ولا موالٍ تنصره وتقيمه في ذلك ، كما جرت عادة الملوك أن أقاربهم ومواليهم يعاونونهم ، ولا طلبها أيضا بلسانه ، ولا قال : بايعونى ، بل أمر بمبايعة عمر وأبى عبيدة ، ومن تخلف عن بيعته كسعد بن عبادة لم يؤذه ، ولا أكرهه على المبايعة ، ولا منعه حقا له ، ولا حرك عليهم ساكنا . وهذا غاية في عدم إكراه الناس على المبايعة . .

      ثم إن المسلمين بايعوه ودخلوا في طاعته ، والذين بايعوه هم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ، وهم السابقون الأّولون من المهاجرين والأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان ، رضي الله عنهم ورضوا عنه ، وهم أهل الإيمان والهجرة والجهاد ، ولم يتخلف عن بيعته إلا سعد بن عبادة .

      وأما علىّ وسائر بنى هاشم فلا خلاف بين الناس أنهم بايعوه ، لكن تخلف من كان يريد الإمرة لنفسه ، رضي الله عنهم أجمعين . ثم إنه في مدة ولايته قاتل بهم المرتدين والمشركين ، لم يقاتل مسلمين، بل أعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل الردة، وأخذ يزيد الإسلام فتوحا ، وشرع في قتال فارس والروم ، ومات والمسلمون محاصرو دمشق ، وخرج منها أزهد مما دخل فيها : لم يستأثر عنهم بشئ ، ولا أمّر له قرابة .

      ثم وَلِىَ عمر بن الخطاب ، ففتح الأمصار ، وقهر الكفّار ، وأعزّ أهل الإيمان، وأذلّ أهل النفاق والعدوان ، ونشر الإسلام والدين ، وبسط العدل في العالمين ، ووضع ديوان الخراج والعطاء لأهل الدين ، ومصَّر الأمصار للمسلمين، وخرج منها أزهد مما دخل فيها : لم يتلوث لهم بمال ، ولا ولَّى أحداً من أقاربه ولاية ، فهذا أمر يعرفه كل أحد .

      وأما عثمان فإنه بنى على أمر قد استقرّ قبله بسكينة وحلٍ ، وهدى ورحمة وكرم ، ولم يكن فيه قوة عمر ولا سياسته ، ولا فيه كمال عدله وزهده ، فطُمع فيه بعض الطمع ، وتوسّعوا في الدنيا ، وأدخل من أقاربه في الولاية والمال ، ودخلت بسبب أقاربه في الولايات والأموال أمور أنكرت عليه ، فتولد من رغبة بعض الناس في الدنيا ، وضعف خوفهم من الله ومنه ، ومن ضعفه هو ، وما حصل من أقاربه في الولاية والمال ـ ما أوجب الفتنة ، حتى قُتل مظلوما شهيداً.

      وتولىّ علىُّ علَىَ إثر ذلك ، والفتنة قائمة ، وهو عند كثير منهم متلطّخ بدم عثمان ، والله يعلم براءته مما نسبه إليه الكاذبون عليه ، المبغضون له ، كما نعلم براءته مما نسبه إليه الغالون فيه ، المبغضون لغيره من الصحابة ؛ فإن علياّ لم يُعِن على قتل عثمان ولا رضى به ، كما ثبت عنه ـ وهو الصادق ـ أنه قال ذلك ، فلم تصف له قلوب كثير منهم ، ولا أمكنه هو قهرهم حتى يطيعوه ، ولا اقتضى رأيه أن يكف عن القتال حتى ينظر ما يؤول إليه الأمر ، بل اقتضى رأيه القتال ،   وظن أنه به تحصل الطاعة والجماعة ، فما زاد الأمر إلا شدة ، وجانبه إلا ضعفا ، وجانب من حاربه إلا قوة ، والأمة إلا افتراقاً ، حتى كان في آخر أمره يطلب هو أن يكف عنه من قاتله ، كما كان في أول الأمر يُطلب منه الكفّ .

      وضعفت خلافة ( النبوة ) ضعفاً أوجب أن تصير ملكا ، فأقامها معاوية ملكا برحمة وحلم ، كما في الحديث المأثور  : " تكون نبوّة ورحمة ، ثم تكون خلافة نبوة ورحمة ، ثم يكون ملك ورحمة ، ثم يكون ملك " ولم يتول أحد من الملوك خيرا من معاوية ، فهو خير ملوك الإسلام ، وسيرته خير من سيرة سائر الملوك بعده ، وعلى آخر الخلفاء الراشدين ، الذين هم ولايتهم خلافة نبوة ورحمة ، وكل من الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم يشهد له بأنه من أفضل أولياء الله المتقين ، بل هؤلاء الأربعة أفضل خلق الله بعد النبيين ، لكن إذا جاء القادح فقال في أبى بكر وعمر : إنهما كانا ظالمين متعديين طالبين للرئاسة مانعين للحقوق ، وإنهما كانا من أحرص الناس على الرئاسة ، وإنهما ـ ومن أعانهما ـ ظلموا الخليفة المستحق المنصوص عليه من جهة الرسول ، وإنهم منعوا أهل البيت ميراثهم ، وإنهما كانا من أحرص الناس على الرئاسة والولاية الباطلة ، مع ما قد عُرف من سيرتهما ـ كان من المعلوم أن هذا الظن لو كان حقا فهو أولى بمن قاتل عليها حتى غُلب ، وسُفكت الدماء بسبب المنازعة  التي بينه وبين منازعه ، ولم يحصل بالقتال لا مصلحة الدين ولا مصلحة الدنيا ، ولا قوتل في خلافته كافر ، ولا فرح مسلم ، فإن علياً لا يفرح بالفتنة بين المسلمين ، وشيعته لم تفرح بها ، لأنها لم تغلب ، والذين قاتلوه لم يزالوا أيضا في كرب وشدة .

      وإذا كنا ندفع من يقدح في علىّ من الخوارج ، مع ظهور هذه الشبهة ، فلأن ندفع من يقدح في أبى بكر وعمر بطريق الأولى والأحرى ..

      وإن جاز أن يظن بأبى بكر أنه كان قاصداً للرئاسة بالباطل ، مع أنه لم يُعرف منه إلا ضد ذلك ، فالظن بمن قاتل عَلَى الولاية ـ ولم يحصل له        مقصودة ـ أولى وأحرى .

      فإذا ضرب مثل هذا وهذا بإمامى مسجد ، وشيخى مكان ، أو مدرسى  مدرسة ـ كانت العقول كلها تقول : إن هذا أبعد عن طلب الرئاسة ، وأقرب إلى قصد الدين والخير .

      فإذا كنا نظن بعلىّ أنه كان قاصدا للحق والدين ، وغير مريد علواً في الأرض ولا فسادا ، فظنُّ ذلك بأبى بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ أولى وأحرى.

      وإن ظن ظان بأبى بكر أنه كان يريد العلوّ في الأرض والفساد ، فهذا الظن بعلىّ أجدر وأولى .

      أما أن يقال : إن أبا بكر كان يريد العلو في الأرض والفساد ، وعلىُّ لم يكن يريد علوّا في الأرض ولا فسادا ، مع ظهور السيرتين ـ فهذا مكابرة ، وليس فيما تواتر من السيرتين ما يدل على ذلك ، بل المتواتر من السيرتين يدل على أن سيرة أبى بكر أفضل .

      ولهذا كان الذين ادّعَوْا هذا لعلىّ أحالوا على ما لم يُعرف ، وقالوا : ثَمَّ نص على خلافته كُتم  ، وثَمَّ عداوة باطنة لم تظهر ، بسببها مُنع حقه .

      ونحن الآن مقصودنا أن نذكر ما عُلم وتيقن وتواتر عن العامة والخاصة ، وأما ما يذكر من منقول يدفعه جمهور الناس ، ومن ظنون سوء لا يقوم عليها دليل بل نعلم فسادها ، فالمحتج بذلك ممن يتبع الظن وما تهوى الأنفس ، وهو من جنس الكفار وأهل الباطل ، وهى مقابلة بالأحاديث من الطرق الأخر .

      ونحن لم نحتج بالأخبار  التي رُويت من الطرفين ، فكيف بالظن الذي لا يُغنى من الحق شيئا ؟ !

      فالمعلوم المتيقَّن المتواتر عند العام والخاص أن أبا بكر كان أبعد عن إرادة العلو والفساد من عمر وعثمان وعلىّ فضلا عن علىّ وحده ، وأنه كان أولى بإرادة وجه الله تعالى وصلاح المسلمين من الثلاثة بعده ، فضلا عن على ، وأنه كان أكمل عقلا ودينا وسياسة من الثلاثة ، وأن ولايته الأمة خير من ولاية على ، وأن منفعته للمسلمين في دينهم ودنياهم أعظم من منفعة على ، رضي الله عنهم .

      وإذا كنا نعتقد أنه كان مجتهدا مريدا وجه الله بما فعل ، وأن ما تركه من المصلحة كان عاجزاً عنه ، وما حصل من المفسدة كان عاجزا عن دفعه ، وأنه لم يكن مريداً للعلوّ في الأرض ولا الفساد ـ كان هذا الاعتقاد بأبى بكر وعمر أولى وأخلق وأحرى .

      فهذا وجه لا يقدر أحد أن يعارضه إلا بما يظن أنه نقل خاص ، كالنقل لفضائل على ، ولما يقتضى أنه أولى بالإمامة ، أو أن إمامته منصوص          عليها .وحينئذ فيعارض هذا بنقل الخاصة ـ الذين هم أصدق وأكثر ـ لفضائل الصديق  التي تقضى أنه أولى بالإمامة ، وأن النصوص إنما دلت عليه .

      فما من حجة يسلكها الشيعي إلا وبإزائها للسنى حجة من جنسها أولى منها ؛ فإن السنة في الإسلام كالإسلام في الملل ، فما من حجة يسلكها كتابى إلا وللمسلم فيها ما هو أحق بالاتباع منها .

      قال تعالى : " وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا  "         ( سورة الفرقان : 33) لكن صاحب الهوى الذي له غرض في جهة ، إذا وجه له المخالف لهواه ثقل عليه سمعه واتباعه .

      قال تعالى : "وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ"  ( سورة المؤمنون : 71 ) .

      وهنا طريق آخر . وهو أن يُقال : دواعى المسلمين بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم كانت متوجهة إلى اتباع الحق ، وليس لهم ما يصرفهم عنه ، وهم قادرون على ذلك ، فإذا حصل الداعى إلى الحق ، وانتفى الصارف مع القدرة ، وجب الفعل.

      فعُلم أن المسلمين اتّبعوا فيما فعلوه الحق . وذلك أنهم خير الأمم ، وقد أكمل الله لهم الدين ، وأتم عليهم النعمة . ولم يكن عند الصديق غرض دنيوى يقدّمونه لأجله ، ولا عند علىّ غرض دنيوى يؤخرونه لأجله ، بل لو فعلوا بموجب الطبع لقدَّموا علياً . وكانت الأنصار لو اتبعت الهوى أن تتّبع رجلا من بنى هاشم أحب إليها من أن تتبع رجلا من بنى تيم . وكذلك عامة قبائل قريش ، لا سيما بنو عبد مناف وبنو مخزوم ؛ فإن طاعتهم لمنافى كانت أحب إليهم من طاعة تيمى لو اتبعوا الهوى . وكان أبو سفيان بن حرب وأمثاله يختارون تقدم علىّ .

      وقد روى أن أبا سفيان طلب من علىّ أن يتولى لأجل القرابة  التي بينهما . وقد قال أبو قحافة ، لما قيل له أن ابنك تولى ، قال : " أو رضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو مخزوم ؟ " قالوا : نعم . فعجب من ذلك ، لعلمه بأن بنى تيم كانوا من أضعف القبائل ، وأن أشراف قريش كانت من تلك القبيلتين .

      وهذا وأمثاله مما إذا تدبره العاقل علم أنهم لم يقدموا أبا بكر إلا لتقديم الله ورسوله ، لأنه كان خيرهم وسيدهم وأحبهم إلى الله ؛ فإن الإسلام إنما يقدم بالتقوى لا بالنسب ، وأبو بكر كان أتقاهم .

      وهنا طريق آخر ، وهو أنه تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن خير هذه الأمة القرن الأول ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وهذه الأمة خير الأمم كما دل عليه الكتاب والسنة .

      وأيضا فإنه من تأمّل أحوال المسلمين في خلافة بنى أمية ، فضلا عن زمن الخلفاء الراشدين ، علم أن أهل ذلك الزمان كانوا خيراً وأفضل من أهل هذا الزمان، وأن الإسلام كان في زمنهم أقوى وأظهر . فإن كان القرن الأول قد جحدوا حق الإمام المنصوص عليه المولى عليهم ، ومنعوا أهل بيت نبيهم ميراثهم ، وولوا فاسقا وظالما ، ومنعوا عادلا عالما ، مع علمهم بالحق ، فهؤلاء من شر الخلق ، وهذه الأمة شر الأمم ، لأن هذا فعل خيارها ، فكيف بفعل شرارها ؟ !

      وهنا طريق آخر . وهو أنه قد عُرف بالتواتر ، الذي لا يخفى على العامة  والخاصة ، أن أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم كان لهم بالنبي صلى الله عليه وسلم اختصاص عظيم ، وكانوا من أعظم الناس اختصاصاً به ، وصحبة له ، وقربا      إليه ، واتصالا به ، وقد صاهرهم كلهم ، وما عُرف عنه أنه كان يذمهم ولا      يلعنهم ، بل المعروف عنه أنه كان يحبهم ويثنى عليهم .

      وحينئذ : فإما أن يكونوا على الاستقامة ظاهرا وباطنا ، في حياته وبعد موته. وإما أن يكونوا بخلاف ذلك ، في حياته أوبعد موته . فإن كانوا على غير  الاستقامة ، مع هذا التقرب ، فأحد الأمرين لازم : إما عدم علمه بأحوالهم ، أو مداهنته لهم . وأيهما كان فهو من أعظم القدح في الرسول صلى الله عليه وسلم كما قيل :

      فإن كنت لا تدرى فتلك مصيبة