بحث نشر في مجلة مركز السيرة والسنة بجامعة قطر
الحديث وعلومه عند الجمهور
الحديث وعلومه وكتبه عند الشيعة
مقدمة
الحمد لله الذى
خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ، والحمد
لله الذى لا يؤَّدى شكرُ نعمة من نعمه إلا بنعمة منه توجب على مؤدِّى ماضي نعمه
بأدائها : نعمة حادثة يجب عليه شكره بها . ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته الذى هو
كما وصف نفسه وفوق ما يصفه به خلقه .
أحمده حمداً كما ينبغى لكرم وجهه وعز
جلاله ، وأستعينه استعانة من لاحول له ولا قوة إلا به ، وأستهديه بهداه الذى لا
يضل من أنعم به عليه ، وأستغفره لما أزلفت وأخرت . استغفار من يقر بعبوديته ويعلم
أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو . وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له
وأن محمداً عبده ورسوله([1]).
وبعد :
فهذا هو الجزء الثالث من كتابنا الذى
يبين حقيقة الشيعة الاثنى عشرية ،
حيث كان الجزء الأول دراسة مقارنة في عقيدة الإمامة والعقائد التابعة ، وكان الجزء
الثانى في التفسير المقارن وأصوله ، وجاء هذا الجزء ليتناول الحديث وعلومه وكتبه ،
وقسمت هذا الجزء إلى قسمين :
القسـم
الأول :
في الحديث وعلومه عند الجمهور
القسـم
الثانى :
في الحديث وعلومه وكتبه عند الشيعة
والقسم الأول يضم عشرة
فصول :
الفصل الأول : وضحت فيه
ما جاء في القرآن الكريم بينا لا يحتاج إلى بيان ، وما جعل بيانه للرسول صلى الله عليه وسلم ، فكان الفصل تحت عنوان " بيان الكتاب والسنة
" .
والفصل الثانى عنوانه " السنة
وحى " ، وقد أثبت هذا .
والفصل الثالث لبيان " اعتصام
السلف بالسنة " ، فذكرت من الأخبار الصحيحة ما يبين هذا
الاعتصام .
والفصل الرابع عن " تدوين السنة "
وبينت فيه أن من السنة المشرفة ما وصلنا مدوناً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومنها ما دون في عهد الصحابة رضى
الله تعالى عنهم والتابعين لهم بإحسان إلى أن بدأ التدوين الرسمى بأمر خامس الخلفاء
الراشدين عمر بن عبدالعزيز ـ– رضى الله تعالى عنه . ثم جاء عصر التدوين في منتصف
القرن الثانى الهجرى ، ووصلنا من كتب القرن الثانى بعض الكتب ، ثم كان القرن
الثالث العصر الذهبى لتدوين السنة المطهرة ، وكثير مما دون في القرنين الأول
والثانى مما لم يصلنا جاءنا عن طريق ما دون في القرن الثالث .
وفى الفصل الخامس تحدثت عن " الجرح
والتعديل " ، فبينت الأسس العلمية التي قام عليها الجرح والتعديل عند جمهور المسلمين ،
ونقلت آراء الأئمة الأعلام ، وما جاء في أول كتب ألفت في هذا الموضوع ، وبينت موقف
الجمهور من الفرق المختلفة .
وفى الفصل السادس نقلت " حوار الإمام الشافعى لفرقة ضلت " حيث أنكرت العمل بالسنة المطهرة ، والاكتفاء
بالقرآن الكريم ، وشككت في حجية السنة ، وانتهى الحوار بإبطال شبهات هذه الفرقة ،
وتسليم من حاوره الإمام الشافعى بصحة ما قاله الإمام .
وفى الفصل السابع
أشرت إلى ضلال الطاعنين في السنة الذين جاءوا
" بعد الإمام الشافعي " ، وعلى الأخص في القرنين الثالث والرابع .
ولم أرد استقصاء واستيعاب حركات التشكيك والتضليل
في كل العصور ، فهذا أمر يطول جداً ، ويكفى فيه النماذج ، ولذلك جعلت الفصل الثامن لما وجد " في عصر
السيوطى " ، حيث تحدث الإمام السيوطى عن الطاعنين في عصره من الزنادقة
والرافضة ، فألف كتابه " مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة " للرد على
هؤلاء الضالين المضلين .
ثم جعلت الفصل التاسع
تحت عنوان " الطاعنون في العصر الحديث "
فبينت أصناف هؤلاء الضالين ، ومدى خطر كل طائفة .
وختمت هذا القسم بالفصل العاشر ، أشرت فيه إلى راوية
الإسلام ، وأحفظ من روى الحديث في دهره ، وهو " أبو هريرة " .
رضى الله تعالى عنه ، حيث وجدنا المستشرقين ، وتلامذتهم من العلمانيين ، وكذلك
الزنادقة والرافضة ، كل هؤلاء الذين أرادوا هدم الإسلام من أساسه أخذوا يطعنون في
هذا الصحابى الجليل الذى حفظ لنا سنة رسولنا صلى الله عليه وسلم وتركت الحديث عنه للبحث الملحق بهذا
الجزء ، وهو بحث : السنة بيان الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.
ثم انتقلت إلى القسم الثانى الذى تناول الحديث وعلومه وكتبه
عند الشيعة ، ويضم ستة
فصول
في الفصل الأول تحدثت عن " التدوين عند الشيعة " ، فبينت انقسام الشيعة إلى عدة فرق عند موت كل إمام ، وكل فرقة
كانت تضع من الأحاديث ما تؤيد به عقيدتها ، وما كانت أية فرقة تستطيع أن تضع أحاديث
في إمام لم يولد بعد ، فإنها لا تعلم الغيب مهما زعم الزاعمون من غلاة وزنادقة هذه
الفرق . وعند موت الإمام الحسن العسكرى ، وهو الحادى عشر ، ولم يعرف
له ولد ، ولم يترك عقبا ، وقسمت تركته ، انقسم الشيعة عندئذ إلى أكثر من عشر فرق ، وكلها وضعت
عقيدتها على أساس عدم وجود ولد للحسن العسكرى ما عدا فرقة واحدة مع فرقة الشيعة
الاثنى عشرية ، حيث زعمتا أن له عقبا ، وقالت الاثنا عشرية مقالتها في الإمام
الثانى عشر ، وهو ما بينته في الجزء الأول من هذا الكتاب .
انتهيت من هذا الفصل إلى أن جميع الأخبار التي
تذكر أسماء الأئمة الاثنى عشر كلها وضعت واختلقت بعد موت الإمام العسكرى ، ووجدت أن الواقع العملى يؤيد ما انتهيت إليه حتى
بالنسبة لما يعرف عندهم بالأصول الأربعمائة ، وهى تسبق كتبهم الأربعة التي ألفت في
القرنين الرابع والخامس .
وانتقلت
إلى الفصل الثانى ، وعنوانه " الجرح
والتعديل عند الشيعة والرافضة " ، وأردت من هذا العنوان أن نفرق بين معتدلى الشيعة وغلاة الرافضة .
فمن
أوائل الكتب كتاب " علوم الحديث " للحاكم المعروف بتشيعه ، وبالنظر في
الكتاب وجدنا الحاكم يتفق مع جمهور المسلمين ، ومثله من الشيعة النسائى صاحب السنن
، وابن عبدالبر ، وغيرهم .
أما الرافضة ،
الذين رفضوا الإمام زيد بن على بن الحسين لثنائه على الشيخين أبى بكر وعمر
،واعترافه بإمامتهما ، هؤلاء الرافضة تأثروا بعقيدتهم الباطلة في الإمامة فربطوا
الجرح والتعديل بموقف الرواة من عقيدتهم ، ولذلك جرحوا وفسقوا جمهور الصحابة
الكرام ، بل وصل الأمر إلى تكفير خير البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم
أبو بكر الصديق وعمر الفاروق ، وتكفير أمة الإسلام التي اعترفت بإمامتهما واقتدت
بسنتهما بعد سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكرت من كتب الجرح والتعديل عند
هؤلاء الرافضة ما يبين ضلالهم ، بل كفرهم وزندقتهم.
والفصل
الثالث تناول " مفهوم
السنة عندهم " ، وهو
يختلف عما أجمعت عليه الأمة ، حيث إنهم أشركوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
غيره من أئمتهم ، وجعلوا أقوالهم وأفعالهم كالمعصوم صلى الله عليه وسلم دون أدنى
فرق ، فهم يرونهم معصومين كالرسول صلى الله عليه وسلم ، سواء أكان من اعتبروه
إماماً كبيراً أم صغيراً ، أم لا يزال طفلا في الخرق يلهو ويعبث كما يلهو الأطفال
ويعبثون ، فلهوه وعبثه سنة تشريعية ملزمة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم كالقرآن
الكـريم !! " انظر كيف يفترون على
الله الكذب " !!
والفصل
الرابع تحدثت فيه عن
" مراتب الحديث " ، وهى عندهم أربعة : الصحيح والحسن والموثق والضعيف ، وكلها مبنية
على آرائهم الضالة في الجرح والتعديل .
والفصل
الخامس تحدثت فيه عن " التعارض
والترجيح " ، وهو يوضح أسباب ابتعاد هذه الفرقة الضالة عن
الأمة الإسلامية ، حيث يرجحون ما خالف الأمة وإن وافق الكتاب والسنة ، ويعتبرون
الأخذ بما خالف جمهور المسلمين رشداً ، بل من علامات الإيمان ! وبينت من قبل مفهوم
الإيمان والكفر عند هؤلاء الرافضة أتباع عبدالله بن سبأ لعنه الله تعالى ، وسيأتى
لهذا مزيد بيان في هذا الجزء والجزء الذى يليه .
أما الفصل
السادس ، وهو الفصل الأخير في هذا القسم فتحدثت فيه عن " الكتب الأربعة " ، أى المعتمدة عندهم ، وهى : الكافى
للكلينى ، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق ، والتهذيب والاستبصار للطوسى .
ولما كان الكافى هو الكتاب الأول عندهم أشبه بصحيح البخارى عند المسلمين ، وهو يشتمل على الأصول والفروع
، ويقع في ثمانية أجزاء ، أما الكتب الثلاثة الأخرى فتقتصر على الفروع فقط دون
الأصول ، فلذلك رأيت أن يكون الحديث أولاً عن الجزء الأول من أصول الكافى ،
وثانياً عن الجزء الثانى من أصول الكافى ، وثالثاً عن روضة الكافى ، ثم أخيراً
يكون الحديث عن فروع الكافى والكتب الثلاثة الأخرى .
وهذه
الكتب الأربعة كتبت بعد عصر الأئمة الاثنى عشر في ظلمات عقيدتهم الباطلة ، وقد
بينت الدراسة ما في هذه الكتب من باطل وزيغ وضلال وعلى الأخص كتابهم الأول حيث سلك
الكلينى منهج شيخه على بن إبراهيم القمى في تحريف القرآن الكريم ، وتكفير الصحابة
الكرام ، وعلىالأخص أبو بكر وعمر خير البشر بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن
تولاهما ورضى بخلافتهما الراشدة.
والقارئ لهذا القسم يعجب أشد العجب لوجود مثل هذا الزيغ والضلال والزندقة
لفرقة تنتمى إلى الإسلام ، وتبذل أقصى ما تستطيع لنشر هذا الفساد بين المسلمين .
وبقراءة هذا الجزء بقسميه يبدو واضحاً جلياً بيناً الفرق بين المنهج العلمي
للجمهور في الحديث وعلومه ومنهج غلاة الرافضة وزنادقتهم ، ويشترك مع الجمهور
معتدلو الشيعة من غير الرافضة .
ويبقى بعد هذا أصول الفقه وهو ما نتحدث عنه في الجزء الرابع إن شاء الله
تعالى .
" سبحان ربك رب العزة عما يصفون . وسلام
على المرسلين . والحمد لله رب العالمين " .
نزل
القرآن الكريم مفرقاً في ثلاث وعشرين سنة ، قال تعالى في سورة الإسراء : ] وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ
وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً[ ([2])
والرسول صلى الله عليه وسلم عندما يقرأ القرآن الكريم على الناس فإنما
يقرأ ويبين مراد الله تعالى .
وكان منهج الصحابة رضى الله تعالى عنهم كما قال ابن مسعود " كنا لا نتجاوز
عشر آيات حتى نعلم ما بهن ونعمل بهن فتعلمنا العلم والعمل جميعاً " ، وكانوا
يأخذون عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما يخفى عليهم من هذا العلم .
وفى
العهد المكى الذى نزلت فيه سورة الإسراء نزل قوله تعالى في الآية التاسعة
والثمانين من سورة النحل : ] وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ
الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ [
.
وفى الآية الرابعة والأربعين من سورة النحل أيضاً نزل قوله عز وجل : ]أنزَلْنَا
إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ[
، فما البيان الذى جاء به القرآن الكريم؟ و ما بيان الرسول صلى الله عليه وسلم ؟
وما العلاقة بين البيانين ؟
أولاً: من القرآن ما جاء البيان نصا لا يحتاج إلى بيان آخر : كقوله تبارك
وتعالى : ]
فَمَن
تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن
لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا
رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ
حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [([3]).
فحرف الواو
كما يأتى للجمع قد يأتى للإباحة ، فيحتمل أن يكون المتمتع مخيراً بين صيام ثلاثة
أيام في الحج وسبعة إذا رجع ، فمنع هذا الاحتمال بمزيد من البيان " تلك عشرة كاملة
" ومثل هذه الآية الكريمة ما يعرف في أصول الفقه : بالمحكم أو المفسر إذا كان
التفسير من القرآن الكريم نفسه وهو كثير ، وما كان قطعى الدلالة لا يحتمل التأويل
وهو أكثر .
ثانياً : في الآية الكريمة السابقة الذكر ذكر العمرة
والحج ، ولكن كيف نؤديهما ؟ وفى قوله عز وجل ]
وَأَقِيمُوا
الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [
بيان أن الصلاة مفروضة ، وأن الزكاة مفروضة ولكن ما عدد الصلوات المفروضة ؟ وكيف
تؤدى ؟ وما مواقيتها ؟ إلى غير ذلك مما يتعلق بالصلاة ، وكذلك ما يتعلق بالزكاة .
كل هذا بينه الله سبحانه وتعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله –ـ عز وجل ـ
الذكر بإحكام الفرض وترك للرسول صلى الله عليه وسلم بيان ما أنزل . وهذا أمر واضح
جلى لا يحتاج إلى وقفة فلا يستطيع أحد أن ينكره .
ومثل
هذا بيان ما كان ظنى الدلالة محتملاً للتأويل : كمطلق يقيد وعام يخصص إلى غير ذلك
مما هو معلوم مشهور .
ثالثاً
: جاءت السنة المطهرة بما ليس فيه نص من كتاب الله تبارك وتعالى ، وبيان الرسول
صلى الله عليه وسلم إنما هو عن الله تعالى ، فقد بين القرآن الكريم وجوب طاعة
الرسول صلى الله عليه وسلم " فكل من قبل عن الله فرائضه فى كتابه : قبل عن
رسول الله سننه بفرض الله طاعة رسوله على خلقه ، وأن ينتهوا إلى حكمه . ومن قبل عن
رسول الله فعن الله قبل لما افترض الله من طاعته . فيجمع القبول لما في كتاب الله
ولسنة رسول الله القبول لكل واحد منهما عن الله وإن تفرقت فروع الأسباب التي قبل
بها عنهما " ([4]).
والآيات
الكريمة التي تبين وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأنها من طاعة الله عز
وجل ، وتحذر من مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الآيات كثيرة نكتفى هنا
بذكر بعضها .
القرآن الكريم يأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ويحذر من معصيته .
قال الله سبحانه
وتعالى :
]
وَمَا
آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [
" الحشر : 7 "
]
يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسولَ وَأُوْلِي
الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ
وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ
وَأَحْسَنُ
تَأْوِيلاً [
" النساء : 59 "
]
وَمَا
كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن
يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا [
" الأحزاب : 36 "
]
مَّنْ
يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ [
" النساء : 80 "
] إِنَّ الذِينَ
يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ [ " الفتح : 10 "
]
فَلاَ
وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ
لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ
تَسْلِيمًا [ " النساء : 65 "
]
لَا
تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ
يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ
الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ [ " النور : 63
"
]
إِنَّمَا
كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ
بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْفَائِزُونَ [ " النور : 51 ، 52
"
فهذه الآيات الكريمة فرضت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم : مقرونة بطاعة الله عز وجل ، ومذكورة وحدها ، وحذرت من
يعصى أمر رسول الله وحكمت عليه بالضلال المبين وبعدم الإيمان ، فطاعة الرسول
الكريم طاعة الله تبارك وتعالى . إذن بيان السنة من بيان كتاب الله العزيز .
ولا
يكون مثل هذا للرسول صلى الله عليه وسلم
إلا إذا كان معصوماً لا ينطق عن الهوى ، وهو ما بينه القرآن الكريم حيث
قال:]
وَمَا
يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ
إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [
(3 - 4:النجم ).وقال: ]
وَإِنَّكَ
لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ [
( 52 - 53 : الشورى ) .
وفى
آيتين كريمتين إحداهما تخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم والأخرى تخاطب المؤمنين جاء البيان بأن الله سبحانه
وتعالى أنزل الكتاب والحكمة ،وسيأتى في كلام للإمام الشافعى إثبات أن الحكمة هي
السنة ، والآيتان هما قوله تعالى :
]
وَأَنزَلَ
اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [
( 113 : النساء) ، وقوله عز وجل : ] وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ
اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ [
(231 : البقرة ) . وإذا كان القرآن الكريم وحياً منزلا أمرنا باتباعه والتعبد به
وتلاوته فإن السنة المطهرة من الوحى المنزل الذى أمرنا باتباعه دون التعبد
والتلاوة .
وروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم
ما يبين وجوب طاعته ويحذر من معصيته .
فقد روى أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجة والحاكم أن الرسول صلى الله
عليه وسلم قال:" لا ألفين أحدكم متكئـا على أريكته يأتيه الأمر من أمرى ممـا
أمـرت به أو نهيت عنه فيقـول لا أدرى ما وجدنـا في كتاب الله اتبعنـاه " وفى
رواية لهم أيضـاً " يوشـك أن يقعـد الرجل منـكم على أريكته يحدث بحديثـى
فيقـول :
بينى وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراماً
حرمناه . وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله " ([5])
.
وفى خطبته الشريفة في حجة الوداع حث على التمسك بالكتاب والسنة حيث قال :
" وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً أمرا بينا كتاب الله وسنة
نبيه ([6])
.
وروى أبو داود في مراسيله عن حسان بن عطية قال : " كان جبريل رضي الله
عنه ينزل على رسول صلى الله عليه وسلم
بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن ، ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن " ([7])
.
وروى
الدارمى عن محمد بن كثير عن الأوزاعى عن حسان قال : " كان جبريل ينزل على
النبى صلى الله عليه وسلم بالسنة
كما ينزل عليه بالقرآن " ([8])
.ورواه الخطيب البغدادى في الكفاية ( ص12 ) بسنده عن حسان بن عطية أيضاً .
كان السلف
الصالح متمسكاً بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم تمسكهم بالقرآن الكريم ، فالكل وحى واجب الاتباع .
ففى
صحيح البخارى نجد كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ، ومما جاء في هذا الكتاب : "
وكانت الأئمة بعد النبى صلى الله عليه وسلم
- يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها ، فإذا
وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم " .
ويوضح
ما سبق ما رواه الإمام الدارمى في باب التورع عن الجواب فيما ليس في كتاب ولا سنة
:
من هذه
الروايات أن أبا بكر الصديق - رضى الله تعالى عنه - كان إذا ورد عليه الخصم نظر في
كتاب الله ، فإن وجد فيه ما يقضى بينهم قضى به ، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من
رسول الله في ذلك الأمر سنة قضى به ، فأن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال : أتانى
كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بقضاء ؟ فربما
اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله فيه قضاء فيقول أبو بكر : الحمد لله الذى جعل فينا من
يحفظ عن نبينا . فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله جمع رؤوس الناس وخيارهم
فاستشارهم ، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به .
وموقف
الصديق من ميراث الجدة معلوم مشهور حيث توقف " لا أجد لك في كتاب الله شيئاً
" إلى أن بلغه حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاها السدس .
من روايات سنن الدارمى أيضاً أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كتب إلى شريح :
إذا جاءك شئ في كتاب الله فاقض به ولا يلتفتـك عنه الرجـال ، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر سنة رسول
الله فاقض بها ، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله فانظر
ما اجتمع عليه الناس فخذ به .
ومنها أن ابن عمر لقى جابر بن زيد فقال له : يا أبا الشعثاء إنك من فقهاء
البصرة فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية ، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت .
ومنها
أن عبدالله بن مسعود قال : أتى علينا زمان لسنا نقضى ولسنا هناك ، وأن الله قد قدر
من الأمر أن قد بلغنا ما ترون ، فمن عرض له قضاء بعد اليوم فليقض فيه بما في كتاب
الله عز وجل ، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به رسول الله ، فإن
جاءه ما ليس فى كتاب الله ولم يقض به رسول الله فليقض بما قضى به الصالحون .
ومما يبين ما
جاء في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيح البخارى ما رواه هو ومسلم وأحمد
وغيرهم أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال : أذكر الله امرأ سمع من النبى صلى الله
عليه وسلم في الجنين شيئا ؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال : كنت بين جارتين لى
–ـ يعنى ضرتين ـ فضربت إحداهما الأخرى بمسطح ، فألقت جنينا ميتا ، فقضى فيه
رسول صلى الله عليه وسلم بغرة ، فقال عمر : لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره . وقال غيره : إن كدنا أن نقضى في
مثل هذا برأينا .
وروى
الإمام الشافعى بسنده عن سعيد بن المسيب : أن عمر بن الخطاب قضى في الإبهام بخمس
عشرة وإلى التي تليها بعشر ، وفى الوسطى بعشر ، وفى التي تلى الخنصر بتسع ، وفى
الخنصر بست .
ثم قال
الشافعى : لما كان معروفاً - والله أعلم - عند عمر أن النبى قضى في اليد بخمسين ،
وكانت اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع ، نزلها منازلها ، فحكم لكل واحد من
الأطراف بقدره من دية الكف ، فهذا قياس على الخبر .
فلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم ، فيه : أن رسول الله قال : " وفى كل
إصبع مما هنالك عشر من الإبل " صاروا إليه .
ولم يقبلوا كتاب آل عمرو بن حزم - والله أعلم - حتى يثبت لهم أنه كتاب رسول
الله .
وفى الحديث دلالتان :
أحدهما
: قبول الخبر، والآخر : أن يقبل الخبر في الوقت الذى يثبت فيه ، وإن لم يمض عمل من
الأئمة بمثل الخبرالذى قبلوا .
ودلالة على أنه لو مضى أيضاً عمل من أحد من الأئمة ثم وجد خبر عن النبى صلى
الله عليه وسلم يخالف عمله لترك عمله لخبر رسول الله .
ودلالة
على أن حديث رسول الله يثبت بنفسه لا بعمل غيره بعده .
ولم يقل المسلمون قد عمل فينا عمر بخلاف هذا
بين المهاجرين والأنصار ، ولم تذكروا أنتم أن عندكم خلافه ولا غيركم ، بل صاروا
إلى ما وجب عليهم من قبول الخبر عن رسول الله وترك كل عمل خالفه .
ولو بلغ عمر هذا صار إليه ، إن شاء الله كما صار إلى غيره فيما بلغه عن
رسول الله ، بتقواه لله ، وتأديتة الواجب عليه ، في اتباع أمر رسول الله وعلمه ،
وبأن ليس لأحد مع رسول الله أمر ، وأن طاعة الله فى اتباع رسول الله .
ثم أيد
الإمام الشافعى قوله السابق فروى بسنده أن عمر بن الخطاب كان يقول : الدية للعاقلة ، ولا ترث
المرأة من دية زوجها شيئا ، حتى أخبره الضحاك ابن سفيان أن رسول الله كتب إليه :
أن يورث امرأة أشيم الضبابى من ديته ، فرجع إليه عمر ([9])
.
ولمكانة السنة عند الصحابة الكرام وجدنا منهم من يرحل لطلب حديث واحد :
روى البخارى في الأدب المفرد بسنده عن ابن عقيل ، أن جابر بن عبدالله حدثه
أنه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ، فابتعت بعيرا ، فشددت
إليه رحلى شهرا حتى قدمت الشام ، فإذا عبدالله بن أنيس ، فبعث إليه أن جابرا
بالباب . فرجع الرسول فقال : جابر بن عبدالله ؟ فقلت : نعم . فخرج فاعتنقنى . قلت
: حديث بلغنى لم أسمعه ، خشيت أن أموت أو تموت .. إلخ ([10]).
وروى الحميدى في مسنده ( 1 / 189 ) وبسنده عن عطاء بن أبى رباح: خرج أبو
أيوب إلى عقبة بن عامر وهو بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، لم يبق أحد سمعه من رسول صلى الله عليه وسلم غيره وغير عقبة . فلما قدم أتى
منزل مسلمة بن مخلد الأنصارى وهو أمير مصر ، فأخبر به ، فعجل وخرج إليه فعانقه ، ثم قال : ما جاء بك يا
أبا أيوب ؟ فقال : حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه من
رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرى وغير عقبة ، فابعث من يدلنى على منزله . فقال :
فبعث معه من يدله على منزل عقبة ، فأخبر عقبة به ، فعجل فخرج إليه فعانقه وقال :
ما جاء بك يا أبا أيوب ؟ فقال حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبق
أحد سمعه غيرى وغيرك في ستر المؤمن .
فقال عقبة : نعم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من
ستر مؤمنا في الدنيا على خزيه ستره الله يوم القيامة " .
فقال له أبو أيوب : صدقت
، ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعاً إلى المدينة فما أدركته جايزة مسلمة
بن مخلد إلا بعريش مصر .
هذان مثلان فيهما من الدلالة ما يكفى ويغنى ، والرحلة في طلب الحديث معلومة
مشهورة .
من المعلوم أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم نهى عن كتابة أحاديثه الشريفة ، وأنه كذلك أباح ، وأمر بمثل هذه الكتابة ،
وبالطبع لا يمكن أن يجتمع النهى والإباحة والأمر مع اتحاد الزمان والأحوال .
والمتتبع لهذا يجد أن النهى صدر في أول الأمر حتى لا يختلط شىء بكتاب الله تعالى
كما يبدو ، أو لأية حكمة أخرى .
والصحيح في النهى ينحصر في حديث واحد رواه الإمام مسلم في كتاب الزهد من
صحيحه ، تحت باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم ، ورواه بسنده ، عن أبى سعيد الخدرى ، أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : " لا تكتبوا عنى ، ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه ، وحدثوا عنى ولا
حرج ، ومن كذب على - قال همام : أحسبه قال متعمداً : فليتبوأ مقعده من النار
" .
وقال الإمام النووى في شرح الحديث الشريف :
قوله صلى الله عليه وسلم :
" لا تكتبوا عنى غير القرآن ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه " قال القاضى
: كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم : فكرهها كثيرون
منهم ، وأجازها أكثرهم .
ثم أجمع
المسلمون على جوازها ، وزال ذلك الخلاف . واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد
في النهى ، فقيل هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب ، ويحمل
الأحاديث الواردة بالإباحة على من لايوثق بحفظه ، كحديث " اكتبوا لأبى شاه
" ، وحديث صحيفة على رضى الله عنه ، وحديث كتاب عمرو بن حزم الذى فيه الفرائض
والسنن والديات ، وحديث كتاب الصدقة ، ونصب الزكاة الذى بعث به أبو بكر رضى الله
عنه أنسا رضى الله عنه حين وجهه إلى
البحرين ، وحديث أبو هريرة أن ابن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب ، وغير ذلك من
الأحاديث ، وقيل : إن حديث النهى منسوخ بهذه الأحاديث ، وكان النهى حين خيف اختلاطه بالقرآن ، فلما أمن ذلك أذن في الكتابة . وقيل :
إنما نهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارئ
في صحيفة واحدة والله أعلم " ([11]) .
والأحاديث التي أشار إليها الإمام النووى جاءت بعد حديث النهى عن الكتابة ، ومن هنا قيل بالنسخ ،
ولذلك عندما ورد الحديث في مختصر صحيح مسلم للحافظ المنذرى عقب الشيخ الألبانى
بقوله : " هذا منسوخ بأحاديث كثيرة فيها الأمر بكتابة الحديث النبوى " ([12])
. والرامهرمزى الذى ولد في النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى ، وتوفى سنة 360
هـ ، تحدث عن التدوين في كتابه المحدث الفاصل بين الراوى والواعى ( ص 363 : 402 )
تحت عنوان " باب الكتاب "
وذكر بإسناده ستة أحاديث . أولها عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : لما فتح
رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قام في الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :
" إن الله تعالى حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين ، وإنها لم تحل
لأحد كان قبلى ، وإنما أحلت لى ساعة من نهار ، وأنها لا تحل لأحد كان بعدى ، لا
ينفر صيدها ، ولا يختلى شوكها ، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد ، ومن قتل له قتيل فهو
بخير النظرين ، إما أن يفتدى ، وإما أن يقتل فقال العباس : إلا الأذخر يا رسول
الله ، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا ، فقال : " إلا الأذخر " . فقام
أبو شاه - رجل من أهل اليمن - فقال : اكتبه لى يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم :" اكتبوا لأبى شاه
" . قال المديد : قلت للأوزاعى : ما قوله اكتبوا لأبى شاه ؟ قال: هذه
الخطبة التي سمعها من رسول صلى الله عليه وسلم .
أما باقى الأحاديث
فكلها عن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضى الله تعالى عنهما ، وهى :
1
ـ قلت : يا رسول الله ، أقيد العلم ؟ قال : " نعم " ، قلت : وما
تقييده ؟ قال : " الكتاب
" .
2
ـ قلت : يا رسول الله ، أكتب ما أسمعه منك ؟ قال " نعم " قلت : في الغضب والرضا ؟ قال : "
نعم ، فإنى لا أقول إلا حقا "
3
ـ قلنا : يا رسول الله ، إنا نسمع منك أشياء لا نحفظها ، أفلا نكتبها ؟
قال: " بلى فاكتبوها " .
4
ـ عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " قيدوا العلم بالكتاب " .
5 ـ قلت : يا رسول الله ، إنى أسمع منك الشئ أفأكتبه ؟ قال
: " نعم فاكتبه " قلت : إنك تغضب وترضى ؟ قال : " إنى لا أقول في
الرضا والغضب إلا حقا"([13]).
والحديث الأول ـ حديث أبى هريرة ـ أخرجه الإمام البخارى في كتاب العلم ،
باب كتابة العلم ، وفيه أخرج ثلاثة أحاديث أخرى ، أحدها عن أبى جحفة قال : قلت
لعلى : هل عندكم كتاب ؟ قال : لا إلا كتاب الله ، أو فهم أعطيه رجل مسلم ، أو ما
في هذه الصحيفة . قال : قلت : فما فى هذه الصحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ،
ولا يقتل مسلم بكافر .
وأخرج عن أبى هريرة ـ رضى الله عنه قوله : ما من أصحاب النبى صلى الله عليه
وسلم أحد أكثر حديثاً عنه منى ، إلا ما كان من عبدالله بن عمرو ، فإنه كان يكتب و
لا أكتب .
والحديث
الرابع في الباب جاء عن ابن عباس -رضى الله عنهما - قال : لما اشتد بالنبى صلى
الله عليه وسلم وجعه قال : " ائتونى أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده " .
ومن المعلوم المشهور كتابة عبدالله بن عمرو التي أشار إليها أبو هريرة ،
وصحيفته " الصادقة " التي أخذها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفى
أحاديث عبدالله بن عمرو من مسند الإمام أحمد نجد أربع روايات صحيحة تثبت هذه
الكتابة ، منها قوله : كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
أريد حفظه ، فنهتنى قريش ، فقالوا : إنك تكتب كل شىء تسمعه من رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر ، يتكلم في الغضب والرضا ، فأمسكت
عن الكتاب ، فذكرت ذلك لرسول
الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " اكتب ، فوالذى نفسى بيده ما خرج منى إلا
حق "([14])
وفى
رواية : " ما خرج منه إلا حق " ([15]).
وفى رواية ثالثة : " فإنه لا ينبغى لى أن أقول في ذلك إلا حقاً " ([16]