الإمامة عند الجعفرية

الدكتور علي السالوس

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

(( إياك نعبد وإياك نستعين ))

 

مقدمة

 

الحمد الله تعالى حمداً كثيرا، والصلاة والسلام على رسله الأكرمين، وعلى خاتمهم محمد بن عبد الله ، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين .

 

وبعد: ففي بحث سابق تحدثت عن الإمامة عند الجمهور والفرق المختلفة بصفة عامة، وبينت عقيدة الإمامة عند  الجعفرية بصفة خاصة كما جاءت في كتبهم . وقلت بأن الأدلة التي استند إليها الجعفرية الاثنا عشرة لإثبات عقيدتهم تحتاج إلى بحث آخر.

 

وفي هذا البحث أقدم عرضا ومناقشة للآيات القرآنية الكريمة التي أولوها للاستدلال بها يما ذهبوا إليه من قولهم في الإمامة. أما السنة النبوة الشريفة فإنها نرجئها لبحث تال إن شاء الله عز وجل .

 

ونسأله سبحانه وتعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، إنه تعالى نعم المولى ونعم النصير .

 

                                                المؤلف

                                          علي أحمد السالوس

 

 

 

تمهيد

 

الجعفرية معنيون كل العناية بالحديث عن الإمامة، ومحاولة إثبات صحة مذهبهم بالأدلة النقلية والعقلية، ولهم في القديم والحديث مئات المؤلفات، بل عشرات المئات فقلما نجد عالماً من علمائهم لم يدل بدلوه في هذا المجال وفي مؤلفاتهم نرى الميل إلى الإكثار الزائد من النقل والجدل، مثال هذا أنهم يستدلون على صحة الإمامة بأحد الأحاديث فجاء كاتب من كتّابهم وألف في ستة عشر مجلداً ليثبت به صحة هذا الحديث وشهرته، ومن قله ألف أحدهم كتاب الألفين أي من الأدلة في الإمامة أمير المؤمنين. وأمام هذا الفيض الزاخر رأيت يعرض أدلتهم ومناقشتها أن أسلك المنهج التالي :

 

أولا في هذا المبحث أحدد أهم أدلتهم التي تستند إلى القرآن الكريم ، وأبين وجهة نظرهم . وأناقشهم فيما ذهبوا إليه . أما بقية الآيات الكرمية التي ظهر أثر الإمامة في قراءتها أو تفسيرها وتأويلها فالحديث عنها يأتي في بحث عن التفسير عندهم إن شاء الله تعالى .

 

ثانيا- بالنسبة للسنة النبوية الشريفة أجمع ما روى متصلا  بالإمامة وساء أأيد رأيهم أم عارضه في الموطأ والصحيحين. وكتب السنن الأربعة، والمسند للإمام أحمد، ثم أتحدث عما جمعت سندا ومتنا، وذلك في بحث تال كما ذكرنا، أما كتب الحديث المعتمدة عند الجعفرية فالحديث عنها يأتي في بحث آخر عن السنة كما يرونها .

 

ومن المعلوم أن القرآن الكريم ليس فيه نص ظاهر يؤيد المذهب الجعفري فلجأ معتنقوه إلى التأويل، والاستدلال بروايات ذكرت في أسباب النزول لآيات كريمة وما استدل به الجعفرية هو:

 

1- قال تعالى: (( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون )) " المائدة: 55 " .

 

هذه الآية الكريمة يسمونها آية الولاية، ويقولون إنها تدل على أن إمام المسلمين بعد النبي  بلا فصل هو علي بن أبي طالب، لأن لفظ (( إنما)) تفيد الحصر و(( وليكم )) تفيد من هو أولى بتدبير الأمور ووجوب طاعته، والآية الكريمة نزلت في علي بلا خلاف كما يقولون عندما تصدق بخاتمه وهو راكع .

 

2- في آية المباهلة (( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم )) " آل عمران : 61 " . قالوا: أن الرسول  باهل بأهل الكساء وهم علي وفاطمة والحسن والحسين، فهم أحب الناس إلى الله تعالى، فهم أحق بالإمامة والخلافة من الثلاثة الذين سبقوا الإمام علياً، (( وأنفسنا)) هنا تدل على أن عليا كنفس الرسول  ، ومن كان كذلك فمن الذي يتقدمه ؟

 

3- قال تعالى: (( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا )) " الأحزاب: 33 " .

 

قالوا : أن المراد بأهل البيت هنا علي وفاطمة والحسن والحسين، وهذه الآية الكريمة تدل على عصمتهم ، والإمامة تدور مع العصمة .

 

4- قال سبحانه: (( إني جاعلك للناس إمام قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين )) " البقرة: 124 " .

 

قالوا: إن هذه الآية الكريمة قد أبطلت إمامة كل ظالم، فصارت في الصفوة من ذرية إبراهيم الخليل ومن عبد غير الله ولو لحظة فهو ظالم، وعلي هو الذي لم يعبد صنماً قط. أما غيره من الخلفاء فهم ظالمون لا يستحقون هذه الخلافة .

 

ومعنى هذا أن القرآن الكريم - على قولهم قد أشار في أكثر من موضع أن علياً هو المستحق للإمامة دون غيره ولذلك فهم يعتقدون أن الله سبحانه أمر نبيه بأن ينص على علي وينصبه علما للناس من بعده، وكان النبي يعلم أن ذلك سوف يثقل على الناس، وقد يحملونه على المحاباة والمحبة لابن عمه وصهرة، ومن المعلوم أن الناس ذلك اليوم، وإلى اليوم ليسوا في مستوى واحد من الإيمان واليقين بنزاعة النبي وعصمته عن الهوى والغرض ولكن الله سبحانه لم يعذره في ذلك، فأوحى إليه : (( بلغ ما أنزل إليكم من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)) "المائدة : 67 " ، فلم يجد بداً من الامتثال بعد هذا الإنذار الشديد، فخطب الناس عند منصرفه من حجة الوداع في غدير خم، فنادى وجلّهم يسمعون : " الست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ فقالوا: اللهم بلى فقال: من كتب مولاه فهذا علي مولاه، إلى آخر ما قال ، ثم أكد ذلك في مواطن أخرى تلويحاً وتصريحا، وإشارة ونصاً حتى أدى الوظيفة    (1).

 

وقبل أن ينصرف الرسول  من غدير خم وقبل أن يتفرق الجمع نزل قوله تعالى: (( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا )) " المائدة: 3 " .

 

فقال رسول الله  الله أكبر على اكمال الدين، واتمام النعمة، ورضا الرب رسالتي، والولاية لعلي من بعدي، ثم طفق القوم يهنئون أمير المؤمنين وفي مقدمتهم الشيخان (2) . فشاع ذلك وطار في البلاد، فبلغ ذلك الحرث بن النعمان الفهري، فأتى رسول الله على ناقة له حتى أتى بالأبطح فنزل عن ناقته فأناخها، فقال: يا محمد، أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنكم رسول الله فقبلناه ، وأمرتنا أن نصلي خمسا فقبلناه منك، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا، وأمرتنا أن نصوم شهراً قبلناه، وأمرتنا بالحج فقبلناه، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعى ابن عمك ففضلته علينا، وقلت من كنت مولاه فعلي مولاه فهذا شيء منك أم من الله عز وجل ؟ فقال: والذي لا إليه إلا هو هذا من الله. فولى الحرث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو أئتنا بعذاب أليم . فما وصل إليها حتى رماه الله تعالى بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله وأنزل الله (( سأل سائل بعذاب واقع)) "المعارج: 1" (3) .

 

هذه الآيات الكريمة السبعة السابقة هي أساس ما يستدلون به من القرآن الكريم، فلنعرض رأيهم، ونناقش بالتفصيل .

 

*   *   *

 

سورة المعارج مكية وأسباب نزول الآية : 1- أخرج النسائي وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: (( سأل سائل )) قال: هو النضر بن الحارث قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطرنا علينا بالحجارة من السماء .

وأخرج بن أبي حاتم عن السدي في قوله (( سأل سائل )) قال: نزلت بمكة في النضر بن الحارث وكان عذابه يوم بدر .

 

 

 

الفصل الأول

الولاية

 

ننظر في الآية الكريمة الأولى، آية الولاية كما يسميها الجعفرية التي يعتبرونها نصاً صريحاً في إمامته، فنجد أنهم يروون أنها نزلت على علي بن أبي طالب  حين سأله سائل وهو راكع في صلاته، فاومى بخنصره اليمنى إليه فأخذ السائل الخاتم من خنصره .

 

وقالوا في المعنى: أن الله تعالى بين من له الولاية على الخلق، والقيام بأمورهم ، وتجب طاعته عليهم فاقل: (( إنما وليكم الله ورسوله ))، أي الذي يتولى مصالحكم ويدبر أموركم هو الله تعالى ورسوله  (( والذين آمنوا )) ثم وصف الذين آمنوا فقال: (( الذين يقيمون الصلاة )) بشرائطها (( ويؤتون الزكاة  وهم راكعون )) أي يعطونها في حال الركوع .

 

ثم قالوا: هذه الآية من أوضح الدلائل على صحة إمامة علي بعد النبي  بلا فصل، والوجه فيه أنه إذا ثبت أن لفظة وليكم تفيد من هو أولى بتدبير أموركم ويجب طاعته عليكم، وثبت أن المرد بالذين أمنوا علي ثبت النص عليه بالإمامة ووضح . الذي يدل على الأول هو الرجوع إلى اللغة، فمن تأملها علم أن القوم نصوا على ذلك، ولا يجوز حمل لفظة الولي على المولاة ونفي الحكم عمن عدا المذكور. والذي دل على أن المراد بالذين آمنوا علي الروايات الكثيرة. فهو وحده الذي تصدق في حال الركوع، كما أن الذي خوطب بالآية غير الذي جعلت له الولاية وإلا أدّى إلى أن يكون المضاف هو المضاف إليه يعنيه (4) .

 

هذا ما ذهب إليه الجعفرية، ولكن أهل التأويل - كما يقول الطبري (5) - اختلفوا في المعنى بقوله تعالى: (( والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون )) ، فقال بعضهم: عنى به علي بن أبي طالب، وقال بعضهم: عنى به جميع المؤمنين .

 

وذكر الطبري الروايات التي تؤيد ما ذهب إليه القائلون بأن المعنى به جميع المؤمنين، وفي بعضها تعجب ممن سأل عن المراد بالذين آمنوا، لأنه يسأل عن شيء لا يسأل عن مثله . ثم ذكر روايتين : -

 

الأولى: عن إسماعيل بن إسرائيل قال: حدثنا أيوب بن سويد قال، حدثنا عتبة بن  أبي حكيم في هذه الآية (( إنما وليكم الله ورسوله )) قال: علي بن أبي طالب .

 

الثاني: هي: حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا غالب بن عبيد الله قال، سمعن مجاهداً يقول في قوله: (( إنما وليكم الله )) قال: نزلت في علي بن أبي طالب، تصدق وهو راكع. والرواية الأولى في سندها أيوب بن سويد، وعتبة بن أبي حكيم فأما أيوب فقد ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما. وقال البخاري في الكبير " يتكلمون فيه " (6) وأما عتبة فقد ضعفه ابن معين، وكان أحمد يوهنه قليلا، ولكن ذكره ابن حبان في الثقات(7)

 

فهذه الرواية إذاً ضعيفة السند .

 

والرواية الثانية في سندها غلب بن عبيد الله وهو منكر الحديث متروك (8) فروايته لا يؤخذ بها .

 

والحافظ ابن كثير عند تفسير الآية الكرمية قال (9): (( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ))، أي ليس اليهود بأوليائكم ، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين، وقوله: (( الذي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة )) أي : المؤمنون المتصفون بهذه الصفات من أقام الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام، وهي له وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة للمحتاجين من الضعفاء والمساكين. وأما قوله: (( وهم راكعون )) فقد توهم بعض الناس أه هذه الجملة في موضع الحال من قوله: (( ويؤتون الزكاة )) أي في حال ركوعهم، ولو كن هذه كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أضل من غيره لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى، وحتى أن بعضهم ذكر في هذا أثراً عن علي بن أبي طالب أن هذه الآية نزلت فيه ، وذلك أنه مرّ به سائل في حال ركوعه فأعطاه خاتمه .

 

وذكر ابن كثير الروايات التي تشير إلى هذا، ثم بين أنها لا يصح شيء منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها. ثم قال: وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أن هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت  حيث تبرأ من حلف اليهود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله : ((ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون )) كما قال تعالى: (( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز 000 ألا إن حزب الله هم المفلحون )) .

 

فكل من رضي بولاية الله ورسله والمؤمنين فهو مفلح في الدنيا والآخرة، ومنصور في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة : (( ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون )) . بعد هذا كله نذكر بعض الملاحظات:

 

1- بدراسة روايات الطبري، ومما ذكره الحافظ ابن كثير، نجد أن رواية التصدق في حالة الركوع لا تصح سنداً، يضاف إلى هذه أن كتب السنة التي رجعت إليها لم أجد فيها ذكراً لمثل هذه الرواية (10) .

 

2- الروايات مرفوضة كذلك من ناحية المتن كما أشار ابن كثير وغيره، فالفضيلة في الصلاة كونها خالية عما لا يتعلق بها من الحركات، سواء أكانت كثيرة أم قليلة ، غاية الأمر أن الكثيرة مفسدة لصلاة دون القليلة، ولكن تؤثر قصوراً في معنى إقامة الصلاة ألبتة (11) .

 

 

3- قال ثعلب: الركوع الخضوع، ركع يركع، ركعا وركوعا: طأطأ أرسه . وقال الراغب الأصبهاني: الركوع الانحناء، فتارة يستعمل في الهيئة المخصوصة في الصلاة كما هي وتارة في التواضع والتذلل: أما في العبادة، وإما في غيرها وكانت العرب في الجاهلية تسمى الحنيف راكعا إذا لم يعبد الأوثان، ويقولون: ركع إلى الله، قال الزمخشري: أي اطمأن، قال النابغة الذيباني: -

 

سيبلغ عذراً أو نجاحا من امرئ    إلى ربه رب البرية راكع

 

وتقول: ركع فلان لكذا وكذا إذا خضع له ، ومنه قول الشاعر:

بيعت بكسر لئيم واستغاث بها    من الهزال أبوها بعد ما ركعا

 

يعني بعد ما خضع من شدة الجهد والحاجة .

 

ومنه كذلك:

لا تهين الفقير علك أن    تركع يوما والدهر قد رفعه

 

وقد استعمل بهذا المعنى في القرآن الكريم أيضا كما قيل في وقوله سبحانه: (( واركعي مع الراكعين )) ، إذ ليس في صلاة من قبلنا من أهل الشرائع ركوع هو أحد الأركان بالإجماع. وكذا في وقله تعالى: (( وخرّ راكعا )) إلى غير هذا (12) .

 

فقوله تعالى: (( وهم راكعون )) يعني به وهم خاضعون لربهم منقادون لأمره، متواضعون متذللون في أدانتهم للصلاة وإيتائهم للزكاة فهو بمعنى الركوع الذي هو في اصل اللغة بمعنى الخضوع .

 

وأرى تأييد لهذا المعنى مجيء الآية الكريمة بالفعل المضارع، فهو يدل على أن الآية الكريمة لا تشير إلى حادثة حدثت وانتهت، وإنما تدل على الاستمرار والدوام، أي أن صفات المؤمنين وطبيعتهم الصلاة والزكاة وهم راكعون  ولا يستقيم المعنى - بغير تكلف - أن يكون من صفاتهم إخراج الزكاة أثناء الصلاة .

 

4- ذكر الشيعة أن التصدق أثناء الركوع لم يقتصر على أمير المؤمنين ولكن اقتدى به باقي أئمتهم جمعيا ! وهنا يرد تساؤل: إذا كان هذا العمل من الفضائل التي امتدح بها أبو الأئمة وتبعه جميعهم فكيف لم يحرص على هذه الفضيلة سيد الخلق أجمعين صلوات الله وسلامه عليه ؟

 

وكذلك سائر الأمة ؟

 

5- قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: (( وهم راكعون )) ما يلي :

 " الواو فيه للحال: أي يعملون ذلك في حال الركوع وهو الخضوع والأخبات والتواضع لله إذا صلوا وإذا زكوا. وقيل هو حال من يؤتون الزكاة بمعنى يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة، وأنها نزلت في علي كرم الله وجهه حين سأله سائل وهو ركع في صلاته فطرح له خاتمه كأنه كان مسرجا في خنصره فلم يتكلف لخلعه كثير عمل تفسد بمثله صلاته .

 

فإن قلت: كيف صح أن يكون لعلي  واللفظ جماعة ؟ قلت: جيء به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلا واحدا ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه، ولينبه على أن سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البر والإحسان وتفقد الفقراء، وحتى أن لزهم أمر لا يقبل التأخير في الصلاة لم يؤخروه إلى الفرغ منها " (13) .

 

والزمخشري هذا ذكر أولا المعنى المفهوم من النص ثم  ما قيل في سبب النزول دون تمحيص، وقد ظهر أن  سبب النزول هذا غير صحيح، فلا ضرورة  للتأويل الذي ذهب إليه. ثم ما هذا الأمر الذي لا يقبل التأخير وهم في الصلاة ؟ ألم يكن الأفضل أن يصلّي السائل مع المصلين ؟ أو أن ينتظرهم حتى تنتهي الصلاة وكيف يذهب لراكع يسأله الصدقة  ويشغله عن الصلاة ؟ ولو وجد مثل هذا السائل فكيف نشجعه على ارتكاب خطأ جسيم كهذا؟

 

6- سبق قول الإمامية بأن الذي خوطب بالآية غير الذي جعلت له الولاية وإلا أدى إلى أن يكون المضاف هو المضاف إليه  بعينه، وهذا نوع من الجدل العقيم، لأن المراد ولاية بعض المؤمنين بعضا لا بأن يكون كل واحد منهم ولي نفسه كما أن الخط كان موجه كذلك إلى أولئك الذين  تبرءوا  من ولاية اليهود فأولياؤهم المؤمنين ، وهم أيضا أولياء لغيرهم من المؤمنين ، وفي مثل قوله تعالى: (( ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب )) خطاب للمؤمنين جميعاً أفمعنى هذا أنه نهى لكل مسلم أن يلمز نفسه ؟! قال الألوسي: كيف يتوهم من قولك مثلا: أيها الناس لا تغتابوا الناس أنه نهى لكل واحد من الناس أن يغتاب نفسه ؟!(14)

7- من المعلوم لدى جميع العلماء شيعة وسنة أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلو صح ما ذكره في سبب النزول لا نطبق على كل من يتصف بالإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في حال الركوع كما ذكروا ، أو الحرص على البر والإحسان وتفقد الفقراء كما أوله الزمخشري .

 

8- كلمة الولي تأتي بمعنى المتولي للأمور والمستحق للتصرف فيها، وتأتي بمعنى الناصر والخليل، والسياق يحدد المعنى المراد، والقرآن الكريم عندما يأمر بمولاة المؤمنين، وأن ينهاهم عن موالاة غير المؤمنين من الكفار وأهل الكتاب، تأتي الموالاة بمعنى النصرة والمحبة كقوله تعالى: (( واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيرا )) " النساء: 89 "، وقوله عز وجل: (( الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين )) " النساء: 139 " ، وقوله سبحانه: (( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض )) " التوبة: 71 " ، ولم يخرج عن هذا المعنى إلا حالات خاصة كولاية الدم وولاية السفيه، ولكن حالة من هذه الحالات لم تأت بمعنى الولاية العامة على المؤمنين (15) .

 

أفآية الولاية شذت عن هذا النسق القرآني ؟ وقبل هذه الآية الكريمة جاء قوله سبحانه: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين )) " المائدة: 51 " .

 

فهذا نهي عن موالاة من تجب معاداتهم. ثم بينت الآية الكريمة - آية الولاية - من تجب موالاتهم، ثم جاء النهي مرة أخرى في قوله سبحانه وتعالى: (( يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا الذين تتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين )) " المائدة : 57 " .

 

ولا شك أن الذي جاء قبل الآية الكريمة وبعدها ينهي عن الموالاة في الدين والمحبة، فإذا جاء الأمر بالموالاة بين نهيين فإنه قطعا لا يخرج عن هذا المعنى إلا بدليل آخر .

 

فكلمة (( وليكم )) ليست دليلا على أن الإمامة العظمى لأبي الحسن- كرم الله وجهه- وإنما هي في حاجة إلى دليل يظهر أنها خرجت على الاستعمال القرآني العام وعلى المفهوم الخاص لتلك الآيات الكرمية المتتابعة في سورة المائدة .

 

9- لا خلاف في أن لفظة (( إنما )) تقتضي التخصيص ونفي الحكم عمن عدا المذكور، ولكن الجعفرية بنوا على هذا عدم جواز حصل لفظة الولي على الموالاة في الدين والمحبة لأنه لا تخصيص في هذا المعنى لمؤمن دون مؤمن آخر .

 

وهذا الاستدلال أيضا لا  يستقيم، فالموالاة مختصة بالمؤمنين جميعا دون غيرهم ممن تجب معاد\اتهم، وليست لمؤمنين دون مؤمن بل أن هذا التخصيص يقتضي عكس ما ذهبوا إليه " لأن الحصر فيما يحتمل اتقاد الشركة والتردد والنزاع، ولم يكن بالإجماع وقت نزول هذه الآية تردد ونزاع في الإمامة وولاية التصرف بل كان في النصرة والمحبة " (16) .

 

10- أمر الله تعالى للمؤمنين بموالاة أقوام، ونهيه إياهم عن موالاة آخرين، كل هذا صدر في حياة الرسول  ونفذ في حياته، فكيف يكون إمام المسلمين الأعظم علياً مع وجود الرسول  ؟

ولو اختص علي بالإمامة لوجود لفظة (( إنما)) فإن هذا التخصيص يخرج ابنيه الحسن والحسين رضي الله عنهما جميعا- لأنهما يكونان فيمن نفي الحكم عنهم كما سبق، ثم أنى للإمامة أن تصل إلى باقي الأئمة الاثنى عشر ؟

 

هذه بعض الملاحظات واعتقد بعد هذا أن الآية الخامسة والخمسين من سورة المائدة لا تدل بحال على أن إمام المسلمين بعد الرسول  يجب أن يكون علي بن أبي طالب. على أن هذه الآية الكريمة تعد أهم دليل قرآني يستندون إليه فلننظر بعد هذا في باقي الأدلة .

 

 

الفصل الثاني

المباهلة

 

في آية المباهلة قالوا: اتفق المفسرون كافة أن الأبناء إشارة إلى الحسن والحسين، والنساء إشارة إلى فاطمة، والأنفس إشارة إلى علي - - ولا يمكن أن يقال: أن نفسهما واحدة، فلم يبق المراد من ذلك إلا المساوى، ولا شك في أن رسول الله  أفضل الناس فمساوية كذلك أيضاً (17) .

 

1- لو سلمنا بكل ما سبق فإن الآية الكريمة لا تنص على إماما أحد، لأن ولاية أمير المسلمين تحتاج إلى قدرات خاصة تتوفر في صاحبها، حتى يستطيع أن يقود الأمة بسلام، ويرعى مصالحها على الوجه الأكمل، والآية الكريمة لا تشير إلى شيء من هذا ولا تتعرض للخلافة على الإطلاق، وإنما تذكر الأبناء والنساء والأنفس في مكان التضحية لإثبات صحة الدعوى، وهؤلاء المذكورون من أقرب الناس إلى الرسول  بهذا يتحقق للمعاندين صحة دعواه لتقديمه لبماهلة أقرب الناس إليه. وفرق شاسع بين مجال التضحية ومجال إمامة، ففي التضحية يمكن أن يقدم النساء والصغار ولكنهم لا يقدمون للخلافة .

 

2- القول بأن الإمام علياً يساوي الرسول  غلو لا يقبله الإمام نفسه- كرم الله وجهه ، ويجب ألا يذهب إليه أي مسلم، فمكانه الرسول المصطفى غير مكانة من اهتدى بهديه واقتبس من نوره .

3- لو قلنا: أن الآية الكرمية تدل على أفضلية الإمام علي - فإن إمام المفضول مع وجود الأفضل جائزة حتى عند بعض فرق الشيعة أنفسهم كالزيدية، وهذا لا يمنعه الشرع ولا العقل، لأن المفضول بصفة عامة قد يكون أفضل بصفة خاصة فيما يتعلق بأمور الخلافة ومصلحة المسلمين، وكان الرسول الكريم يولي الأنفع على من هو افضل منه (18) .

4- عقب ابن تيمية على قولهم بان الله تعالى جعل علياً نفس الرسول  بقوله: هذا خطأ، وإنما هذا مثل قوله: (( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنين والمؤمنات بأنفسهم خيرا )) " النور: 12". وقوله تعالى: (( فاقتتلوا أنفسكم )) " البقرة: 54 " (( ولا تخرجون أنفسكم من دياركم )) " البقرة: 84 " فالمراد بالأنفس الأخوان نسبا أو دينا (19) .

 

 

5- قال الزمخشري: " فإن قلت: ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه ؟ وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنسا ؟ قلا: ذلك أكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك ، ولمن يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال أن تمت المباهلة . وخص الأنباء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب وربما فداهم يسوقون مع أنفسهم، وحارب حتى يقتل . ومن ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب ويسمون الذادة عنهم بأرواحهم حماة الحقائق. وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم . وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها. وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام (20) .

 

وبعد فمهما اختلفت الأقوال فالآية الكريمة تدل على مكانة أولئك الذين قدموا للمباهلة، ولكن هذا لا صلة له بالخلافة كما بينا.

 

 

الفصل الثالث

التطهير

 

قال تعالى: (( يايها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين امتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله  ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيما )) " الأحزاب الآية: 28-29 " .

 

فخير الرسول  زوجاته، فاخترن جميعا الله ورسوله والدار الآخرة ، واستحققن بعد هذا الاختيار مخاطبة الله لهن بقوله: (( يا نساء النبي من يأت منكن 000)) إلى قوله تعالى: (( لطيفاً خبيرا )) (21) .

 

فهذه الآيات الخمس في نساء النبي كما يبدو، ولكن جدلا كثيرا دار حول عجز الآية الثالثة والثلاثين (( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهير)) .

 

وهذا الجزء يطلق عليه اسم آية التطهير، ويرى الشيعة أنه لا صلة له بما قبله ولا بما بعده، وإنما هو خاص بالنبي  والسيدة فاطمة الزهراء والإمام علي وابنيهما الحسن والحسين - ، وأنه يدل على عصمتهم، ومن ثم يستدلون به على مذهبهم في الإمامة .

 

فاستدلالهم ينبني على ثلاث نقاط هين: تحديد المراد بأهل البيت في الآية الكريمة، ثم دلالة الآية على عصمتهم أخيراً التلازم بين العصمة والإمامة .

 

قد ذهبوا إلى أن المراد بأهل البيت هم هؤلاء الخمسة فقد مستدلين بشيئين: (22) .

 

الأول: الخطاب في وقوله تعالى: (( عنكم )) و(( يطهركم )) بالجمع المذكر يدل - كما يقولون - على أن الآية الشريفة في حق غير زوجات رسول الله ، وإلا فسياق الآيات يقتضي التعبير بخطاب الجمع المؤنث أي (عنكن) و( يطهركن)، فالعدول عنهما إلى الخطاب بالجمع المذكر يشهد  بأن المارد من أهل البيت غير الزوجات .

 

الثاني: أخبار تدل على أنها في الخمسة الأطهار.

 

وبالرجوع إلى كتاب الله تعالى نجد قوله: (( قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد)) " سورة هود: 73 "، وهذا الخطاب لامرأة إبراهيم عليه السلام.

وقوله تعالى: (( فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور ناراً قال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم مها بخر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون )) " سورة القصص:29 " . ومعلوم ان موسى سار بزوجته ابنة شعيب .

 

قوله سبحانه: (( وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فرددناه إلى أمه)) " القصص: 12-13 " وقوله عز وجل: (( إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين )) " العنكبوت: 33 " .

 

قوله تعالى: (( واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين)) "يوسف: 29 "

إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي تبين أن الاستعمال القرآني لا يمنع أن يكون المراد بالجمع بأهل البيت ي الآية الكريمة نساء النبي مع الخطاب بالجمع المذكر، بل أن المذكر هو الذي يتمشى مع هذا الاستعمال، فم أجد التعبير بالمؤنث مع كلمة الأهل- سواء أأريد بها الزوجات أم غيرهم- في القرآن الكريم(23) .

 

واحتج طائفة من العلماء على أن الآل هم الأزواج والذرية بما جاء عن الرسول  عندما سئل : كيف نصلي عليك ؟ فقال: " قولوا: اللهم صلى على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما بارك على آل إبراهيم إنك حميد مجيد " . وهذا الحديث متفق عليه. وكذلك بما روى عنه أنه قال :" من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد " (24) .

 

وروى الإمام البخاري بسنده عن أنس - - قال: " بنى على النبي  بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعياً 000 فخرج النبي  فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله، فقالت: وعليكم السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك ؟ بارك الله لك، فتقرى حجر نسائه كلهن، يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة " (25) .

كما أن المعنى للغوي للأهل لا يخرج الزوجات (26) .

 

فالاستعمال القرآني والنبوي واللغوي لا يخرج الزوجات من آية التطهير، والسياق أن لم يحتم دخولهن فعلى أقل تقدير يعتبر مرجحاً هذا بالنسبة لأمهات المؤمنين ولكن سواء اشملتهن الآية أم لم تشملهن، فإن تخصيص المراد بالخمسة لا يكون إلا إذا بين الرسول  ذلك . فلننظر إذاً في الروايات .

 

قال الطبري: حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا بكر بن يحيى بن زيان العنزي، قال ثنا مندل عن الأعمش عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله  " نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ وفي علي وحسن  وحسين  ، وفاطمة رضي الله عنها(27).

 

وذكر الطبري بعد ذلك كثيراً من الروايات التي تبين أن الآية الكريمة تعني هؤلاء المذكورين أو بعضهم. ثم ذكر أخيراً ما روى عن عكرمة من أنها نزلت في نساء النبي  خاصة (28).

 

والروايتان الأولى والأخيرة فيهما نظر، فأما الأولى ففي سندها عطية عن أبي سعيد الخدري، وعطية هذا كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير وكان يكنيه بأبي سعيد فيقول: قال أبو سعيد ليوهم أنه الخدري. وقد ضعفه أحمد النسائي وغيرهما (29) .

 

أما الرواية الأخيرة فذكرت أيضا عن عكرمة عن ابن عباس، وقال عكرمة: من شاء باهلته أنها نزلت في شأن نساء النبي (30) . فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن فهذا يتفق مع ما ذهب إليه كثير من المفسرين ورواية عطية المذكورة ظهر ضعفها فلا أثر لمعارضتها، وأن أريد أنهم  المراد فقط دون غيرهن فهذا معارض بكثير من الروايات، ولذلك فالرواية لا تقبل إلا على الوجه الأول .

 

وروايات الطبري الأخرى منها رواية عن السيدة عائشة قالت: خرج النبي  ذات غداة، وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله معه، ثم اقل: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " هذه الرواية تقتصر على الحسن، ولكنها بلا شك لا تمنع كون غيره من أهل البيت، وقد روى الإمام مسلم عنها رواية مماثلة وفيها دخول باقي الخمسة الأطهار .

وروى الطبري عن أنس أن النبي  كان يمر ببيت فاطنة ستة أشهر كلما خرج إلى الصلاة، فيقول: الصلاة أهل البيت " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس 000)) .

وهذه الرواية كذلك لا تمنع شمول الآية لغير من ذكر .

وروى عدة روايات عن أم سلمة .

قال: كان النبي  عندي، وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فجعلت لهم خزيرة، فأكلوا وناموا وغطى عليهم عباءة أو قطيفة ، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي " أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " .

وفي رواية أخرى أنه  أجلسهم على كساء، ثم أخذ بأطرافه الأربعة بشماله ، وضمه فوق رءوسهم ، وأومأ بيده اليمنى إلى ربه، فقال: هؤلاء أهل بيتي، فاذهب عنهم الرجس وتطهرهم تطهيرا  .

 

وهاتان الروايتان تتفقان مع رواية مسلم عن السيدة عائشة في دخول الخمسة في الآية، ولكن هذا لا يحتم عدم دخول غيرهم .

 

وذكر الطبري روايتين عن واثلة بن الأسقع تتفقان من الروايات الثلاثة السابقة، وتدخلانه هو مع أهل البيت في أحدهما:-

عن أبي عمار قال: إني لجالس عند واثلة بن الأسقع إذ ذكروا علياً ، فشمتوه، فلما قاموا، قال: اجلس حتى أخبرك عن هذا لذي شتموا، إني عند رسول الله  إذ جاءه علي وفاطمة وحسن وحسين ، فألقى عليهم كساء له ، ثم  قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. قالت: يا رسول الله وأنا ؟ قال وأنت. قال: فوالله أنها لأوثق عمل عندي. وفي الأخرى هؤلاء أهلي، اللهم أهلي أحق. قال واثلة: فقلت من ناحية البيت: وأنا يا رسول الله من أهلك ؟ قال: وأنت من أهلي. قال واثلة: أنها لمن أرجى ما أرتجى .

 

ولكن باقي روايات الطبري عن أم سلمة فيها زيادات تشير إلى عدم دخولها مع أهل الكساء. وهذه الروايات هي :

 

1- حدثني أبو كيب قال: ثنا وكيع، عن عبد الحميد ابن بهرام، عن شره بن حوشب، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية عن أبي سعيد الخدري، عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية (( إنما يردي الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا )) دعا رسول الله  عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فجلل عليهم الكساء خيبرياً، فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . قالت أم سلمة: ألست منهم ؟ قال: أنت إلى خير .

2- حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حسن بن عطية . قال: ثنا فضيل بن مرزوق عن عطية، عن أبي سعيد، عن أم سلمة زوج النبي أن هذه الآية نزلت في بيتها (( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهير )) قالت: وأنا جالسة باب البيت، فقلت: أنا يا رسول الله الست من أهل البيت؟ قال: إنك إلى خير، أنت من أزواج النبي  قالت: وفي البيت رسول الله  وعلي وفاطمة الحسن والحسين  .

 

3- حدثنا أبو كريب، قال: ثنا خالد بن مخلد، قال: ابن عقبة بن أبي وقاص عن عبد الله بن وهب بن زمعة، قال: أخبرتني أم سلمة " أن رسول الله  جمع علياً والحسين، ثم أدخلهم تحت ثوبه، ثم جأر إلى الله ثم قال: هؤلاء أهل بيتي. فقالت أم سلمة: يا رسول الله أدخلني معهم. قال: إنك من أهلي " .

 

4- حدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: ثنا محمد بن سليمان الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد المكي، عن عطاء عن عمر بن أبي سلمة، قال: " نزلت هذه الآية على النبي وهو في بيت أم سلمة (( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا )) فدعا حسناً وحسيناً وفاطمة، وأجلسهم بين يديه ودعا علياً فأجلسه خلفه. فتحلل هو وهو بالكساء ثم قال: هؤلاء أهل بيتي، فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . قالت أم سلمة أنا معهم مكانك، وأنت على خير".

5- حدثنا ابن حميد، حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش عن حكيم بن سعد قال: " ذكرنا علي ابن أبي طالب  عند أم سلمة، قالت فيه نزلت: (( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا )) قالت أم سلمة: جاء النبي إلى بيتي، فقال: لا تأذني لأحد، فجاءت فاطمة، فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها، ثم جاء الحسن فلم أستطع أن أمنعه أن يدخل على جدّه وأمه وجاء الحسين فلم أستطع أن أحجبه، فاجتمعوا حول النبي  على بساط، فجللهم نبي الله بكساء كان عليه. قمل قال: هؤلاء أهل بيتي. فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط، قالت: فقلت: يا رسول الله ، وأنا، قالت: فوالله ما أنعم وقال: إنك على خير".

وبالنظر في هذه الروايات نجد ما يأتي :-

 

أولا: في الروايتين الأولى والثانية ينتهي الإسناد إلى عطية عن أبي سعيد عن أم سلمة، وقد بينا ضعف عطية ورواياته عن أبي سعيد .

ثانيا: في إسناد الرواية الثالثة " خالد بن خلد " وهو متكلم فيه: وثقه عثمان بن أبي شيبة وابن حبان والعجلي، وقال ابن معين وابن عدي لا بأس به، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال الآجري عن أبي داود: صدوق ولكن يتشيع، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: له أحاديث مناكير، وقال بان سعيد : كان متشيعا منكر الحديث في التشيع مفرطا، وكتبوا عنه للضرورة. وقال صالح بن محمد جزرة : ثقة في الحديث إلا أنه كان متهما بالغلو. وقال الجزجاني: كان شتاماً معلنا لسوء مذهبه وقال الأعين: قلت له : عندك أحاديث من مناقب الصحابة ؟ قال: قل في المثالب أو أو المثاقب يعني بالمثلثة لا بالنون .

 

وحكى أبو الوليد الباجي في رجال البخاري عن أبي حاتم أنه قال: لخالد بن مخلد أحاديث مناكير ويكتب حديثه .

 

وقال الأزدي: في حديثه بعض المناكير وهو عندنا في عداد أهل الصدق. وذكره الساجي والعقيلي في الضعفاء (31) .

 

من هنا نرى أن ما يرويه خالد بن مخلد متصلا بمذهبه الشيعي لا يحتج به (32) .

 

وفي إسناد هذه الرواية كذلك يروي خالد عن موسى ابن يعقوب، وهو متكلم فيه أيضا: وثقه ابن معين وابن حبان وابن القطان وقال الآجري عن أبي داود: هو صالح، وقال ابن عبدي: لا بأس به عندي ولا برواياته . وقال علي بن المديني: ضعيف الحديث، منكر الحديث .

 

وقال النسائي: ليس بالقوي - وقال أحمد لا يعجبني .

 

ثالثا: في إسناد الرواية الرابعة عبد الرحمن بن صالح، وهو من شيعة الكوفة ومتكلم فيه: وثقه أبو حاتم وابن حبان وغيرهما. وقال موسى بن هارون: كان ثقة وكان يحدث بمثالب أزواج رسول الله  وقال الآجري عن أبي داود: لم أر أن أكتب عنه، وضع كتاب مثالب في أصحاب رسول الله  وقال: وذكره مرة أخرى فقال: كان رجل سوء. وقال ابن عدي: معروف مشهور في الكوفيين لم يذكر الضعف في الحديث ولا أتهم فيه إلا أنه محترق فيما كان فيه من التشيع (33) .

 

وفي الإسناد أيضا محمد بن سليمان الأصبهاني: ذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: لا بأس به. يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن عدي: مضطرب الحديث، قليل الحديث، ومقدار ما له قد أخطأ في غير شيء منه . وضعفه النسائي .

 

رابعا: في سند الرواية الأخيرة عبد الله بن عبد القدوس وهو شيعي متكلم فيه: حكى عن محمد بن عيسى أنه قال: ه ثقة. وقال البخاري هو في الأصل صدوق إلا أنه يروي عن أقوام ضعاف. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أغرب . وقال عبد الله بن أحمد : سألت ابن معين عنه قال: ليس بشيء، رافضي خبيث. وقال محمد بن مهران الحمال: لم يكن بشيء، وكان يسخر منه بشبه المجنون يصيح الصبيان في أثره. وقال أبو داود: ضعيف الحديث كان يرمى بالرفض، قال وبلغني عن يحيى أنه قال: ليس بشيء. وقال أبو أحمد الحاكم: في حديثه بعض المناكير وضعفه النسائي والدارقطني (34) .

 

بعد النظر في أسانيد هذه الروايات يمكن القول بأنها ليست حجة يرد بها دلالة السياق، والظاهر من الآيات الكريمة، فكيف إذاً يحتج بمثل هذه الروايات لإثبات أصل من أصول العقيدة؟ (35).

 

 

وذكر الترمذي رواية عن أم سلمة وفيها: وأنا معهم يا نبي الله ؟ قال: أنت على مكانك وأنت إلى خير. ثم عقب على الحديث بقوله: إنه غريب (36) .

 

وفي أبواب العلل يتحدث عن الغريب فيقول: أهل الحديث يستغربون الحديث لمعان: رب حديث يكون غريبا لا يروي إلا من وجوه واحد .. رب حديث إما يستغرب لزيادة تكون في الحديث،وإنما تصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه ..،ورب حديث يرو من أوجه كثيرة وإنما يستغرب لحال الإسناد .

 

ومعنى الحديث يتفق مع ما ذكره مسلم، فعل الترمذي استغربه من أجل هذه الزيادة .

 

والحافظ ابن كثير ذكره الآية الكريمة وقال: (37) أنه نص في دخول أزواج النبي  في أهل البيت ههنا لأنهن سبب نزول هذه الأية، وسبب النزول داخل فيه قولا واحدا: أما وحده على قول، أو مع غيره على الصحيح .

 

وذكر روايات الطبري وروايات أخرى ، ثم ذكر رواية في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: قام فينا رسول الله  يوماً خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ووعظ وذكر ، ثم قال: " أما بعد ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله تعالى فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله فاستمسكوا به " فحث على كتاب الله عز وجل ورغب فيه ثم قال: ط وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ثلاثاً. فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد ؟ أليس نساءه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرّم الصدقة بعده. قال ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل عباس وآل جعفر .

 

وذكر رواية مسلم الأخرى عن زيد أيضا بنحو ما تقدم وفيها: فقلت له: من أهلبيته نساءه ؟ قال لا . وأيم الله أن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده (38).

 

ثم قال ابن كثير: هكذا وقع في هذه الرواية، والأولى أولى والأخذ بها أحرى. وهذه الثانية تحتمل أنه أراد تفسير الأهل المذكورين في الحديث الذي رواه إنما المراد بهم آل الذين حرّموا الصدقة، أو أنه ليس المراد بالأهل الأزواج فقد. بل هم مع آله ، وهذا الاحتمال أرجح جمعا بينها وبين الرواية التي قبلها، وجمعا أيضا بين القرآن والأحاديث المتقدمة إن صحت، فإن في بعض أسانيدها نظراً والله أعلم .

 

ويؤيد هذا الاحتمال الذي ذكره ابن كثير أن السؤال في الحديث الأول فيه من التبعيضية " أليس نساؤه من أهل بيته ؟ " وفي رواية مماثلة عن زيد أيضا في المسند: قال حصين: " ومن أهل بيته يا زيد ؟ أليس نساءه من أهل بيته؟ قال: أن نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرّم الصدقة بعده " (39) .

 

فهنا تأكيد أن نساءه من أهل بيته

 

وقال ابن كثير بعد ذلك :

 

الذي لا يشك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي  داخلات في وقوله تعالى: (( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا )) فإن سياق الكلام معهن ، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله : (( اذكرن ما يتلى في بيتكن من آيات الله والحكمة)) ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته فقرابته أحق بهذه التسمية كما تقدم في الحديث " وأهل بيتي أحق" وهذا يشبه ما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله  لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم فقال:" هو مسجدي هذا " فهذا من هذا القبيل، فإنه الآية إنما نزلت في مسجد قباء كما ورد في الأحاديث الأخرى ، ولكن إذا كان ذاك أسس على التقوى من أول يوم فمسجد رسول الله  أولى بتسميته بذلك والله أعلم .

 

وبمثل هذا قال ابن تيمية من قبل (30)، وقال القرطبي (31): قوله تعالى: ((واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة)). هذه الألفاظ تعطي أن أهل البيت نساءه ، وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت، من هم ؟ فقال عطاء وعكرمة وابن عباس: هم زوجاته خاصة لا رجل معهن، وذهبوا إلى أن البيت أريد به مساكن النبي  لقوله تعالى: (( واذكرن ما يتلى في بيوتكن )) . وقالت فرقة منهم الكلبي: هم علي وفاطمة الحسن والحسين خاصة. وفي هذا أحاديث عن النبي  واحتجوا بقوله تعالى: (( ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم )) " بالميم " ولو كان للنساء خاصة لكان " عنكن  ويطهركن " إلا أنه يحتمل أن يكون خرج على لفظ الأهل. كما يقول الرجل صاحبه: كيف أهلك ؟ أي امرأتك ونساؤك، فيقول هم بخير قال تعالى: ((أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت )). والذي يظهر من الآية أنها عمة في جميع أهل البيت من الأزواج وغيرهم، وإنما قال (( ويطهركم )) لأن رسول الله  وعلياً وحسناً وحسيناً كان فيهم، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث علب المذكر، فاقتص الآية أن الزوجات من أهل البيت. لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن، يدل عليه سياق الكلام والله أعلم .

 

ثم قال القرطبي: " فكيف صار في الوسط كلاما منفصلا لغيرهن، وإنما هذا جرى في الأخبار أن النبي - - لما نزلت عليه هذه الآية دعا علياً وفاطمة والحسن والحسين، فعمد النبي إلى كساء فلفها عليهم ثم الوى بيده إلى السماء فقال، اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " فهذه دعوة من النبي لهم بعد نزول الآية أحب أن يدخلهم في الآية التي خوطب بها الأزواج، فذهب الكلبي ومن وافقه فصيرها لهم خاصة، وهي دعوة لهم خارجة من التنزيل .

 

وممن صير الآية لأهل الكساء خاصة أبو جعفر الطحاوي، فقد انتهى إلى هذا في كتابه مشكل الآثار (32)  وبنى رأيه على مجرد احتمالات فقال: إن أم سلمة من أهله لأنها من أزواجه، وأزواجه أهل ، كما قال في حديث الإفك: " من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهلي، والله ما علمت في أهلي إلا خيرا " ليحتمل أن يكون قوله لأم سلمة أنت من أهلي من هذا المعنى أيضا لا أنها من أهل الآية المتلوة في هذا الباب . واستدل ببعض الروايات المذكورة عنها، وفي بعضها: وما قال أنكم من أهل البيت، وفي أخرى : أنت من أزواج النبي. وأنت على خير أو إلى خير .

 

وفي رواية: قلت يا رسول الله : ألست من أهلك؟ قال: بلى(33). قال: فأدخل في الكساء ؟ فقال: فدخلته بعد ما قضى دعاءه لابن عمه علي وابنيه وابنته فاطمة  .

 

وأرى أن الرواية الخيرة تدل على دخولها في الآية لا على خروجها منها، فالسؤال متصل بدخولها فيمن شملتهم الآية. والجواب يؤده. ودخولها في الكساء بعدهم أليق بالأدب النبوي. فما كان  ليدخل زوجته في كساء مع ابن عمه .

 

وذكر الطحاوي الاعتراض بأنها في آيات النساء النبي وقال: جوابنا له: أن الذي تلاه إلى آخر ما قبل قوله تعالى: (( إنما يريد الله )) الآية خطاب لأزواجه ثم أعقب ذلك بخطابه أله بقوله: (( إنما يريد الله )) فجاء به على خطاب الرجال .. فعلقنا أن قوله خطاب لمن أراده من الرجال بذلك ليعلمهم تشريفه لهم، ورفعه لمقدارهم، أن جعل نساءهم ممن قد وصفه لما وصفه به مما في الآيات المتلوة قبل الذي خاطبهم به تعالى .

 

ولكن جواب الطحاوي - لو صح - لاقتصرت الآية على الرسول  فقد لأن الآيات في نساء النبي، فكيف تشمل غيره من الرجال والبنين فضلا عن النساء ؟ وقد مرّ من قبل الحديث على التعبير بالمذكر في الآية الكريمة، وبيان ضعف الروايات التي تمنع شمول الآية الكريمة لنساء النبي  .

 

والطحاوي على أية حال حاول إلا يخرج على السياق ولكن الغريب أن نجد من يقول:

" الآية لم تكن بحسب النزول جزءاً من آيات نساء النبي، ولا متصلة بها، وإنما وضعت بينها. أما بأمر من النبي  أو عند التأليف بعد الرحلة " (34) .

 

فكيف أن عجز آية يضم إلى صدرها ولا صلة بينهما ؟ ثم كيف يكون الصدر متصلا بما قبله وما بعده، والعجز يبعد عن هذا كل البعد ؟ وما الحكمة في وضعه هنا إذاً ؟ والأشد غرابة ونكرا أن يوجد احتمال وضعه بدون أمر النبي  !

 

وقال الطبرسي: " متى قبل ان صدر الآية وما بعدها في الأزواج، فالقول فيه أن هذا  ينكره من عرف عادة الفصحاء في كلامهم، فانهم يذهبون  من خطاب إلى غيره ويعودون إليه، والقرآن من ذلك مملوء، وكذلك كلام العرب وأشعارهم" (35) .

 

وهذا القول وإن كان ينقصه الدليل، وبيان الحكمة المقتضية لمثل هذا، وبالذات إذا كان الخروج إلى ما ليس له علاقة بالموضوع، هذا القول لا ينزل إلى مستوى القول السابق .

 

ونخرج من هذا بأن آية التطهير في نساء النبي وغيرهن من أهل البيت كما بين الرسول  ، ولكن إذا كان لأحد أن يتكلم في شمولها لأمهات المؤمنين فليس هناك دليل على الإطلاق يخرج باقي قرابة رسول الله  ، فأي دليل يمنع شمولها لباقي بنات النبي ؟ ومفارقتهن للحياة قبل نزول الآية لا يعني عدم إرادة تطهيرهن في حياتهن، وما الذي يمنع دخول باقي ذرية الإمام علي ؟ وآل جعفر وآل عقيل وآل عباس ؟

 

وعلى القول بأنها منحصرة في الخمسة كيف تتعداهم إلى غيرهم من باقي الأئمة الاثنى عشر ؟ ولماذا لم تشمل أئمة الزيدية مثلا أو الإسماعيلية أو باقي فرق الشيعة التي جاوزت السبعين ؟

 

وننتقل بعد هذا إلى دلالة الآية الكريمة على العصمة قال الطوسي (36): " استدل اصحبنا بهذه الآية على أن في جملة أهل البيت معصوما لا يجوز عليه الغلط وأن إجماعهم  لا يكون إلا صوابا بأن قالوا: ليس بخلو إذا أردة الله لإذهاب الرجس عن أهل البيت بأن يكون هو ما أراد منهم من فعل الطاعات واجتناب المعاصي، وأو يكون عبارة عن أنه أذهب عنهم الرجس بان فعل لهم الطفا اختاروا عنده الامتناع من القبائح " والأول لا يجوز أن يكون مراداً لأنه هذه الإرادة حاصلة مع جميع المكلفين فلا اختصاص لأهل البيت في ذلك، ولا خلاف أن الله تعالى خص بهذه الآية أهل البيت بأمر لم يشركهم فيه غيرهم، فيكف يحمل على ما يبطل هذا التخصيص ويخرج الآية من أن يكون لهم فيها فضيلة وميزة على غيرهم ؟ على أن لفظة إنما تجري مجرى ليس فيكون تلخيص الكلام ( ليس يريد الله إلا إذهاب الرجس على هذا الحد عن أهل البيت)، فدل ذلك على أن إذهاب الرجس قد حصل فيهم ، وذلك يدل على عصمتهم " (37) .

 

وقد انفرد الجعفرية بهذا القول،وخالفوا أهل التأويل جميعاً، وما ذكروه يه نظر لعقدة أمور :

 

1- مخالفتهم لأهل التأويل جميعا يجعل قولهم غير مقبول ما لم يؤيد بأدلة قوية تسانده .

2- في الأحاديث السابقة ما يبين أن الرسول  جمع أهل الكساء ودعا لهم بأن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرا، فإذا كان إذهاب الرجس قد حصل والتطهير قد تم فما الحاجة إلى الدعاء ؟

 

3- آية التطهير واقعة بين آيات فيها الأمر والنهي مما يؤيد إرادة فعل الطاعات، واجتناب المعاصي ليؤدي ذلك إلى إذهاب الرجس وحدوث التطهير، ويؤيده أيضا ما روى من قبل أن النبي كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر كلما خرج إلى الصلاة ، فيقول: الصلاة أهل البيت " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا "، فهنا يبدو الربط بين الأمر بالصلاة والآية الكريمة .

4- ويزيد ذك تأييداً ما روى بسند صحيح عن علي بن أبي طالب أنه قال: " أتاني رسول الله  وأنا نائم وفاطمة، وذلك من السحر، حتى قال على الباب، فقال: ألا تصلون ؟ فقلت مجيبا له: يا رسول الله، إنما نفوسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا، قال: فرجع رسول الله  ولم يرجع إلى الكلام، فسمعته حين ولى يقول، وضرب بيده على فخذه: وكان الإنسان أكثر شئ جدلا " (38) .

 

وفي رواية أخرى عن الإمام أيضاً قال: " دخل على رسول الله  وعلى فاطمة من الليل، فأيقظنا للصلاة، قال: ثم رجع إلى بيته فصلى هويا من الليل، قال: فلم يسمع لنا حسّاً، قال: فرجع إلينا فأيقظنا، وقال: قوما فصليا، قال: جلست وأنا أعرك عيني وأقول: أنا والله ما نصلي إلا ما كتب لنا، إنما أنفسنا بيد الله ، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، قال: فولى رسول الله  وهو يقول ويضرب بيده على فخذه: ما نسلى إلا ما كتب لنا ما نصلي إلا ما كتب لنا ! وكان الإنسان أكثر شيء جدلا " (39) .

 

فهنا يتضح حرص الرسول على إذهاب الرجس عن أهل بيته وتطهيرهم، وغضبه لما بدر عن من زوج الزهراء رضي الله تعالى عنها .

 

5- قال ابن تيمية رحمه الله تعالى : أما آية " الأحزاب 33 " (( ويطهركم تطهيرا )) فليس فيها أخبار بذهاب الرجس وبالطهارة، بل فيها الأمر لهم بما يوجبها ، وذلك كقوله تعالى: (( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم )) " المائدة: 6 " (( يريد الله ليبين لكم ويهديكم )) "النساء:26 " (( يريد الله أن يخفف عنكم )) "النساء :28 " .

 

فالإرادة هنا متضمنة للأمر والمحبة والرضا، ليست هي الملتزمة لوقوع المراد، لو كان كذلك لتطهر كل من أراد الله طهارته، ثم أيد رأيه بدعائه  لأصحاب الكساء (40) .

 

انتهينا إلى أن آية التطهير في نساء النبي، وغيرهن من أهل البيت وهم: آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، ولا قائل بعصمة هؤلاء، وتخصيص الخمسة يحتاج إلى دليل، والأدلة التي وجدناها تمنع هذا التخصيص .

 

بقى بعد هذا ما ذكره الطوسي من أن حمل الإرادة على هذا المعنى لا يجوز لأن هذه الإرادة حاصلة مع جميع المكلفين، فلا اختصاص لأهل البيت في ذلك، ولا خلاف أن الله تعالى خص بهذه الآية أهل البيت بأمر لم يشركهم فيه غيرهم، فكيف يحمل على ما يبطل هذا التخصيص ويخرج الآية من أن يكون لهم فيها فضيلة ومزية على غيرهم ؟

 

هذا هو الدليل الذي استند إليه الطوسي (41) ، وهو استدلال عقلي، فهل يرد بمثل هذا الدليل ما ذكرنا من الأدلة ؟!

 

ولو صح هذا القول لكانت آية التطهير في نساء النبي خاصة، فقد اختصصن بمضاعفة الأجر، وهذا يجعلهن أقرب إلى التطهير وإذهاب الرجس، كما اختصصن بنزول الوحي في بيوتهن،ولكنا نقول: أن إرادة التطهير وإن كانت حاصلة مع جميع المكلفين إلا أن أهل البيت بما أخص فهم المقتدي بهم، ولأصحاب الكساء النصيب الأوفى .

 

فهذا التأويل لا يمنع الفضيلة والمزية، ولكنه لا يثبت العصمة.

 

والاستدلال بآية التطهير بعد هذا يصبح غير مسلّم به، فتخصيصها بالخمسة الأطهار، غير ثابت، وتأويلها بما يثبت العصمة لا دليل عليه، وهم يرون ثبوت الإمامة لثبوت العصمة . على أن القول بعصمة الإمام  نتحدث عنه عند مناقشة الدليل التالي :

 

 

*  *  *

 

الفصل الرابع

عصمة الأئمة

 

ذكرت من قبل ما ذهب غليه الشيعة من القول بعصمة الأئمة، فلا يخطئون عمداً ولا سهواً ولا نسياناً طول حياتهم فلا فرق في ذلك بين سن الطفولة وسن النضج العقلي، ولا يختص هذا بمرحلة الإمامة .

 

ومما استدلوا به قوله تعالى: (( إن جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين )) .

 

قالوا: تدل هذه الآية على أن الإمام لا يكون إلا معصوما عن القبائح، لأن الله سبحانه نفي أن ينال عهده الذي هو الإمامة ظالم، ومن ليس بمعصوم فقد يكون ظالما أما لنفسه وأما لغيره، فإن قيل إنما نفي أن يناله ظالم في حال ظلمه فإذا تاب لا يسمى ظالما فيصح أن يناله فالجواب أن الظالم وإن تاب فلا يخرج من أن تكون الآية قد تناولته في حال كونه ظالما. فإذا نفى أن يناله فقد حكم عليه بأنه لا ينالها. والآية مطلقة غير مقيدة بوقت دون وقت، فيجب أن تكون محمولة على الأوقات كلها، فلا ينالها الظالم وإن تاب فيما بعد (42) .

 

ثم قالوا: إن الله سبحانه وتعالى عصم اثنين فلم يسجدا لصنم فقط وهما: محمد بن عبد الله وعلي بن أبي طالب، فلأحدهما كانت الرسالة، وللآخر كانت الإمامة، أما الخلفاء الثلاثة فلم يعصموا، هم ظالمون ليسوا أهلا للإمامة .

 

نلاحظ هنا :

 

1- في تأويل الآية الكريمة (43) (( إني جاعلك للناس إماما ))

يحتمل جعله رسولا يقتدي به، لأن أهل الأديان، مع اختلافهم، ويدينون به، ويقرون نبوته. ويحتمل إماما من الإمامة والخلافة، أو الإمامة والاقتداء، ويقتدي به الصالحون. والعهد اختلف في تأويله: فقيل الرسالة والوحي، وقيل الإمامة، وهو واضح من التأويل السابق، ويؤيده عدة روايات . وعن ابن عباس قال: (( لا ينال عهدي الظالمين )) قال: ليس للظالمين عهد ، وإن عاهدته انقضه ، وروى عن مجاهد وعطاء ومقاتل ابن حيان نحو ذلك. وقال الثوري عن هارون بن عنترة عن أبيه قال: ليس لظالم عهد. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة قال: لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمين فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فآمن به وأكل وعاش، وكذا قال إبراهيم النخعي وعطاء والحسن وعكرمة. وقال الربيع بن أنس: عهد الله الذي عهد إلى عباده دينه، يقول لا ينال دينه الظالمين، ألا ترى أنه قال: (( وباركنا عليه وعلى إسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين )) " الصافات: 113 " يقول: ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق، وكذا روى عن أبي العالية وعطاء ومقاتل بن حيان ، وقال جويبر عن الضحاك : لا ينال طاعتي عدو لي يعصيني