روايات المسور بن مخرمة رضي الله عنه :

 

          يقول الميلاني : ( لكن الطريق الذي اتفق عليه أصحاب الصحاح كلهم هو الأول ، وهو وحده الذي أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة ) ، وأقول : رواه أيضاً أبو داود ، والترمذي ، وأقول أيضاً : اتفقوا على إخراجه لأنه هو الصحيح الموصول ، وما عداه فتابع وشاهد له ليس إلا .

           ثم ذكر الميلاني أن الروايات عن المسور رضي الله عنه تنتهي إلى : علي بن الحسين ، وابن أبي مليكة رحمهما الله ، وأن الراوي عن علي بن الحسين هو محمد بن شهاب الزهري ، وأن الرواة عن ابن أبي مليكة هم : الليث بن سعد ، وأيوب السختياني رحمهما الله .

           ثم قال : ( ثم إن الدارمي ، والبخاري ، ومسلماً ، وأحمد ، وابن ماجة يروونه عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري ) ، أقول : ويرويه أحمد بن حنبل أيضاً .

           ويقول : ( ويرويه البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، وأحمد عن الوليد بن كثير ، عن محمد بن عمرو بن حلحلة ، عن الزهري ) .

           ويقول : ( ويرويه مسلم عن النعمان عن الزهري ) ، وأقول : ويرويه أحمد أيضاً .

           واكتفى بهؤلاء الرواة فقط عن الزهري ، مغفلاً رواية أحمد ، وأبي داود عن معمر عن الزهري لأسباب لا نعلمها .

           ثم يبدأ بالهذيان فيقول : ( ونحن لا يهمنا البحث عن أبي اليمان – وهو الحكم بن نافع – وروايته عن شعيب – وهو ابن حمزة – كاتب الزهري وراويته ، مع أن العلماء تكتموا في ذلك ؛ حتى قال بعضهم : لم يسمع أبو اليمان من شعيب ولا كلمة ، وإن الرجلين كانا من أهل حمص ، وهم من أشد الناس على أمير المؤمنين عليه السلام في تلك العصور ، ويضرب بحماقتهم المثل ، ولا يهمنا البحث عن الوليد بن كثير ، وكان إباضياً ، ولا عن أيوب ، ولا عن الليث الذي كان أهل مصر ينتقصون عثمان حتى نشأ فيهم فحدثهم بفضائل عثمان فكفوا ! ولا عن النعمان – وهو ابن راشد الجزري – الذي ضعفه القطان جداً ، وقال أحمد : مضطرب الحديث ، وقال ابن معين : ضعيف ، وقال البخاري وأبو حاتم : في حديثه وهم كثير ، وقال ابن أبي حاتم : أدخله البخاري في الضعفاء ، وقال أبو داود : ضعيف ، وكذا قال النسائي والعقيلي ، إنما نتكلم في ابن أبي مليكة والزهري )!

           ومقتضى كلامه : أن ضعف هؤلاء المذكورين لا يمثل شيئاً مقابل ضعف الزهري وابن أبي مليكة ، ولكن لننظر في كلامه بالتفصيل :

           فأولاً : هو يقول في بداية هجومه : ( ونحن لا يهمنا – ولا يعنينا ... ) ، يعني أنه يريد الاختصار قدر الإمكان ، ولكنه عند الحديث عن النعمان بن راشد الجزري ؛ حشد أقوال : القطان ، وأحمد ، ويحيى بن معين ، والبخاري ، وأبي حاتم ، وأبو داود ، والنسائي ، والعقيلي !!! وهذا إن دل على شيء ؛ فإنما يدل على عدم عثوره على أي مطعن في الرواة الباقين الذين لا يعنيه الحديث عنهم ، لا أن قصده الاختصار ، ومتى متى والاختصار يكون بحشد جميع ما ذكر ؟؟!!

           والعجب الذي لا ينتهي هو من قوله عن رواية أبي اليمان عن شعيب : ( مع أن العلماء تكتموا في ذلك ، حتى قال بعضهم : لم يسمع أبو اليمان من شعيب ولا كلمة ) !!! فكيف يجتمع التكتم والتصريح ؟؟!! ولكن هذه فريدة من فرائد الميلاني التي خالف بها إجماع الآدميين في التعبير عن الرأي .

           وأما طعنه في رواية أبي اليمان عن شعيب رحمهما الله مستشهداً بقول أبي داود رحمه الله المنقول من كتاب تهذيب التهذيب ؛ فلا بأس أن أعيد ما ذكرته في الرد السابق ، فأقول :

           لننظر في أقوال هؤلاء العلماء الذين ضعفوا رواية أبي اليمان عن شعيب في كتاب تهذيب التهذيب ، كي نعلم مدى الإسفاف والتمويه الذي وصل إليه الميلاني ، فمما قاله ابن حجر رحمه الله نقلاً عن العلماء في ترجمة أبي اليمان ما يلي : ( فكان ابن شعيب يقول : إن أبا اليمان جاءني ؛ فأخذ كتب شعيب مني بعد ، وفي قصة أهل حمص مع شعيب أنه قال لهم : ارووا عني تلك الأحاديث ، وكان ممن حضر أبو اليمان !! وقال أبو اليمان : قال لي أحمد بن حنبل : كيف سمعت الكتب من شعيب ؟ قلت : قرأت عليه بعضه ، وبعضه قرأ علي ، وبعضه أجاز لي ، وبعضه مناولة ، فقال : قل في كله : أخبرنا شعيب !! وعن يحيى بن معين قال : سألت أبا اليمان عن حديث شعيب بن أبي حمزة ، فقال : ليس هو مناولة ، المناولة لم أخرجها لأحد ، وعن أبي زرعة الرازي : لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلا حديثاً واحداً ، والباقي إجازة ) ، ومن أبسط البديهيات أن من حفظ حجة على من لم يحفظ ، ومن علم حجة على من لم يعلم ، فهؤلاء كلهم أثبتوا إجازة شعيب لأبي اليمان ؛ ولكن الميلاني رمى بهذه الأقوال كلها في البحر ، واحتج بقول أبي داود فقط !! وهذا هو الإنصاف الذي يطالبنا الشيعة بامتثاله .

           ولو كان الميلاني ممن يعقل ؛ لعلم أن علماء الحديث لم يختلفوا في صحة ما رواه أبو اليمان عن شعيب رحمهما الله حيث قد رواها الستة أصحاب الصحاح ، وإنما الخلاف : هل سمع منه تلك الأحاديث ، أم كانت مناولة ؟؟ والذي وضحه العلماء المنصفون رحمهم الله : أن الرواية كانت بالمناولة ، وقد أذن شعيب لأبي اليمان برواية كتبه عنه ، وكان قول أبي اليمان : حدثنا شعيب مما اصطلح عليه في روايته ، وهذا هو الإشكال الذي تكلم فيه العلماء ، لأنه يقول : حدثنا ، مع أن الواسطة هي الكتب ، فأين المطعن ؟؟؟!!

           وأما قوله : ( وإن الرجلين كانا من أهل حمص ، وهم من أشد الناس على أمير المؤمنين عليه السلام في تلك العصور ، ويضرب بحماقتهم المثل !! ) ويحيل المرجع إلى معجم البلدان لياقوت الحموي ؛ وأقول : كفى بهذه العبارة من الميلاني مضرباً للمثل في الحماقة .

           وذلك أولاً : أن الرجلين ثقات ، وقد روى لهما أصحاب الكتب الستة .

           وثانيا ً: أن عبارة ياقوت الحموي عامة ، وتخصيص الثقة ينفرد عن الحكم العام ، كما أن العبارة قد حددت زمن ياقوت الحموي وليس زمان أبي اليمان ، وشعيب .

           وثالثة الأثافي : أن عبارة ياقوت الحموي في وصفه أهل حمص بالحمق إنما كانت بسبب اعتناقهم لدين الرافضة في عصره ، بعد أن كانوا من أشد الناس على علي بن أبي طالب رضي الله عنه في صفين ، حيث يقول ياقوت الحموي في معجم البلدان : ( ومن عجيب ما تأملته من أمر حمص : فساد هوائها وتربتها ، اللذين يفسدان العقل ، حتى يضرب بحماقتهم المثل ، إن أشد الناس على علي رضي الله عنه بصفين مع معاوية كان أهل حمص ، وأكثرهم تحريضاً عليه وجِدّاً في حربه ، فلما انقضت تلك الحروب ، ومضى ذلك الزمان ؛ صاروا من غلاة الشيعة ، حتى إن في أهلها كثيراً ممن رأى مذهب النصيرية ، وأصلهم الإمامية الذين يسبون السلف ، فقد التزموا الضلال أولاً وأخيراً ، فليس لهم زمان كانوا فيه على الصواب ) معجم البلدان (2/304) ، فما رأي الميلاني ببقية كلام ياقوت الحموي الذي أخذ ما يحلو له منه فقط ؟؟

           وقد كانت حلب عاصمة لدولة الحمدانيين الشيعة ؛ فهل يبقى رأي الميلاني على ما هو عليه ؟؟ أم أن الحماقة خاصة بأهل السنة والجماعة من أهل حلب فقط ؟؟

           وعموماً : فحكم الجاني الميلاني هذا يدل على تعنت شديد ، ويدل على مخالفة تامة لما ذكره من نزاهته المزعومة ، وتحريه عن الحق ، وهذا كله فضلاً عن أن رأي ياقوت الحموي رأي شخصي له .

           وأما طعن الميلاني في الوليد بن كثير بأن كان إباضياً ؛ فأقول : ما ضر السحاب ، نبح الكلاب ، وقد قال ابن حجر رحمه الله في مقدمة فتح الباري عن الوليد بن كثير : وثقه إبراهيم بن سعد ، وابن معين ، وأبو داود ، وقال ابن سعد : ليس بذاك ، وقال الساجي : قد كان ثقة ثبتاً يحتج بحديثه ، ((( لم يضعفه أحد ))) ، إنما عابوا عليه الرأي ، وقال الآجري عن أبي داود : ثقة ، إلا أنه إباضي ، قلت ( أي ابن حجر ) : الإباضية : فرقة من الخوارج ليست مقالتهم شديدة الفحش ، ولم يكن الوليد داعية ، والله أعلم . فخذها معك يا ميلاني .

           وأما أيوب السختياني : فثقة ثقة ، ولن يجد الميلاني مهما حاول أي مطعن فيه .

           وأما طعن الميلاني في الليث بأن أهل مصر كانوا ينتقصون عثمان حتى نشأ فيهم ، فحدثهم بفضائل عثمان ، فكفوا ! فهذه من أوابد الميلاني أيضاً ، إذ كل أهل السنة والجماعة يتمنون أن يفعلوا ما فعله الليث بن سعد من نهي الناس عن البدعة ، وإلزامهم بالسنة ، فهل سيقوم الميلاني – رجمه الله – بإسقاط عدالة أهل السنة والجماعة بأجمعهم ؟؟!! لا أظنه يتورع عن فعل ذلك .

           وأما النعمان بن راشد ؛ فقد كان صدوقاً ضعيف الحفظ رحمه الله تعالى ، إلا إن حديثه هذا قد تابعه عليه الثقات ، فلا غبار عليه .

           نعم ، لو تفرد النعمان بن راشد بهذا الحديث ، ولم يروه غيره من الثقات الأثبات ؛ لما قامت لهذا الحديث قائمة ، أما أن يرويه فطاحلة الأسانيد والروايات ، ويتابعهم عليه أمثال النعمان بن راشد ؛ فهذا يزيد حديثه قوة .

           ثم لننظر في القوادح التي أتى بها الميلاني في ابن أبي مليكة والزهري رحمهما الله .

           فيقول الميلاني : ( أما الأول : فيكفينا أن نعلم أنه كان قاضي عبدالله بن الزبير ، ومؤذنه ) ، وأقول : أما علي الرضا ، الإمام المعصوم الثامن عند الشيعة ؛ فيكفينا أن نعلم أنه كان وزير المأمون العباسي ، وزوج ابنته !!!

           إلا أن المقارنة بين ابن أبي مليكة وعلي الرضا مجحفة إلى حد كبير .

           فعبدالله بن الزبير : صحابي جليل ، والمأمون العباسي : فاجر أثيم .

           وعبدالله بن الزبير : من أعيان أهل السنة والجماعة ، والمأمون العباسي : مأوى المبتدعة .

           وعبدالله بن الزبير : يفضل الشيخين على بقية الصحابة ، والمأمون العباسي : نادى بتفضيل علي على الشيخين .

           وعبدالله بن الزبير : لا يقول بخلق القرآن ، والمأمون العباسي : امتحن الناس بالقول بخلق القرآن ، وهو بدعة مكفرة .

           وعبدالله بن الزبير : لم يزوج ابنته زواجاً سياسياً من عالم كي يقترف المحرمات باسمه ، والمأمون العباسي : زوج ابنته من علي الرضا ، فنال بذلك تصريحاً لفعل ما يريد في نظر الشيعة .

           فكيف يكون علي الرضا إماماً معصوماً ، وابن أبي مليكة ساقطاً مذموماً ، مع أن فعلهما واحد ؟؟؟!!!

           مالكم كيف تحكمون !!!

           وقد قال ابن سعد في ابن أبي مليكة : كان ثقة كثير الحديث ، وقال العجلي : مكي تابعي ثقة .

           فيتبين بوضوح : أن طعن الميلاني في ابن أبي مليكة قائم على رأي الشيعة فقط ، ومتى كان لرأيهم اعتبار في الحكم على أحاديث أهل السنة ؟؟

 

           ثم لننظر في طعونه الكثيرة في الإمام الحجة الثبت الزهري ، حيث يقول فيه الميلاني : ( إن الزهري كان من أشهر المنحرفين عن أمير المؤمنين وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام ) !! ولننظر جميعاً في الأدلة القوية التي استدل بها على هذه النتيجة المزعومة !

           وأول هذه الأدلة : نقله من كتاب شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد الشيعي المعتزلي ، حيث يقول : ( وكان الزهري من المنحرفين عنه ، روى جرير بن عبدالحميد ، عن محمد بن شيبة ، قال : شهدت مسجد المدينة ؛ فإذا الزهري وعروة بن الزبير جالسان يذكران علياً ، فنالا منه ، فبلغ ذلك علي بن الحسين ، فجاء حتى وقف عليهما ، فقال : أما أنت يا عروة ؛ فإن أبي حاكم أباك إلى الله ، فحكم لأبي على أبيك ، وأما أنت يا زهري ؛ فلو كنت بمكة لأريتك كير أبيك . قال : وروى عاصم بن أبي عامر البجلي ، عن يحيى بن عروة ، قال : كان أبي إذا ذكر علياً نال منه ) .

           وكعادة الميلاني ؛ فقد بتر بقية النص ، حيث إن تتمته على لسان يحيى بن عروة فيما زعموا أنه قال : ( وقال لي مرة : يا بني ، والله ما أحجم الناس عنه إلا طلباً للدنيا ، لقد بعث إليه أسامة بن زيد : أن ابعث إلي بعطائي ، فوالله إنك لتعلم أنك لو دخلت في فم أسد لدخلت معك ، فكتب إليه : إن هذا المال لمن جاهد عليه ، ولكن لي مالاً بالمدينة فأصب منه ما شئت ) .

           وواضح جداً لماذا حذف الميلاني بقية النص ؟؟ أولاً : لأنه ثناء من عروة على علي رضي الله عنه ، بذكر زهده في الدنيا ، وحسن خلقه مع من قعد عن نصرته في حروبه .

           فكيف يجتمع الثناء والقدح في رواية واحدة يا عقلاء ؟؟

           إن القصة التي بين أسامة بين زيد وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما صحيحة واردة في صحيح البخاري ، وأما الزيادة التي أضيفت من كيس عاصم بن أبي عامر البجلي المجهول ، وإن كان هو عاصم بن عمرو البجلي ؛ فهو مرمي بالتشيع !! وإن كان الراوي للقصة هو المسعودي في مروج الذهب ؛ فإن كتبه تطفح بأنه كان شيعياً معتزلياً .

           ولكن الشيعة قوم جبلوا على التناقض ، فلا يكاد يخلو دليل واحد لهم من معنى يناقضه ، كما مر بنا في الدليل السابق ، حيث أرادوا أن يطعنوا بعروة ؛ فطعنوا معه بعلي رضي الله عنه ، وهذا هو حالهم ، إن أرادوا الطعن بعائشة رضي الله عنها ؛ أزروا بمقام النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن أرادوا مدح النبي صلى الله عليه وسلم اقتضى ذلك منهم مدح أصحابه ، وإن أرادوا الطعن بالصحابة وقعوا في الطعن بعلي ، وكلما وجدوا لهم حجة يحتجون بها في موضع ؛ كانت هذه الحجة هادمة لمواضع أخرى ، ولعل الله ييسر لي جمع شيء من هذه التناقضات المضحكة المخزية عندهم .

           ثم متى كانت آراء ابن أبي الحديد المعتزلي المتشيع المبتدع فيصلاً في الحكم على أعلام الإسلام ؟؟

           ثم هل مراسيل ابن أبي الحديد الشيعي المتوفى في القرن السابع الهجري حجة في الطعن بأعلام الإسلام من أصحاب القرون المفضلة ؟؟؟؟؟؟ أين العقول ؟؟؟ وأين قبلها أسانيد ابن أبي الحديد ؟؟؟!!

           إن كان ابن أبي الحديد بفهمه السقيم قد استنتج من الروايات المنقطعة الأسانيد التي اطلع عليها أن الزهري عدو لعلي بن الحسين ؛ فإن أولي العقول السليمة يستنتجون من الروايات المتصلة الصحيحة عندهم : أن الزهري كان أحد تلامذة علي بن الحسين المخلصين ، وما كان بينهما إلا ما يكون بين الشيخ وتلميذه من المحبة والود .

           وثاني هذه الأدلة لإثبات عداوة الزهري لأهل البيت ؛ يقول فيه الميلاني : ( ويؤكد هذا سعيه وراء إنكار مناقب أمير المؤمنين علي عليه السلام ، كمنقبة سبقه إلى الإسلام . قال ابن عبد البر : وذكر معمر في جامعه عن الزهري ، قال : ما علمنا أحداً أسلم قبل زيد بن حارثة ، قال عبدالرزاق : وما أعلم أحداً ذكره غير الزهري ) .

           فأقول : أولاً : الشيعة لا يعدون السبق إلى الإسلام منقبة ، فهم يفضلون الحسن والحسين وقد سبقهما سلمان الفارسي إلى الإسلام بزمن ، ويفضلون سلمان على غيره ممن أسلم قبله من المهاجرين ، فمتى كان السبق إلى الإسلام يدل على الأفضلية المطلقة سواء عند المسلمين أو عند الشيعة ؟؟؟!!

           وإن قال الميلاني : إن سلمان الفارسي رضي الله عنه قد أسلم غيره قبله ، ولكن بما حباه الله من منازل قد سبق من كان يسبقه ؛ قلنا : إن كان سلمان الفارسي استطاع في نظركم أن يسبق من أسلم قبله بسنوات ؛ فلماذا لا يستطيع علي بن أبي طالب أن يسبق غيره ممن أسلم قبله بيوم أو بأقل منه ؟؟!! علماً بأن هذا هو عين ما يقوله الزهري ( إن صحت عنه المقولة ) ، بأن زيداً أسلم قبل علي بفترة بسيطة لا تتجاوز اليوم .

           ولماذا لا تكون زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سبقت فاطمة عند هجرتها بالفضل والمنزلة ، ثم سبقتها فاطمة بعد ذلك ؟؟ أم أن الذي يستطيع أن يسبق غيره هو سلمان الفارسي فقط ؟!

 

           وثانياً : أن الميلاني يعلم من المراجع التي رجع إليها من كتب السير في الفصول التي تذكر أول من أسلم ؛ أن ابن عباس وأبا ذر يصرحان بأن أول من أسلم من الرجال هو أبو بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين ، ويستشهد ابن عباس على ذلك بأبيات مشهورة لحسان بن ثابت رضي الله عنه ، هي :

فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا بعد النبي وأوفاها بما حملا    وأول الناس منهم صدق الرسلا طاف العدو بهم إذ صعدا الجبلا من البرية لم يعدل به رجلا      ن

 

إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة خير البرية أتقاها و أعدلها      والثاني التالي المحمود مشهده   وثاني اثنين في الغار المنيف وقد وكان حب رسول الله قد علموا  ن

فما رأي الميلاني بابن عباس ، وأبي ذر ، وحسان بن ثابت رضي الله عنهم ؟؟ وهل سيقول عنهم : إنهم يسعون لإنكار فضائل أمير المؤمنين ؟؟؟

           وثالثاً : إن سعي الزهري لإنكار فضائل أهل البيت يرده روايته الحديث عن علي بن الحسين رحمه الله ، ويرده ما رواه البخاري بإسناده عن معمر ، عن الزهري ، قال : أخبرني عبيدالله بن عبدالله ، قال : قالت عائشة ، لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم واشتد وجعه ، استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي ، فأذن له ، فخرج بين رجلين تخط رجلاه الأرض ، وكان بين العباس ورجل آخر . قال عبيدالله : فذكرت ذلك لابن عباس ما قالت عائشة ، فقال لي : وهل تدري من الرجل الذي لم تسم عائشة ؟ قلت : لا ، قال : هو علي بن أبي طالب !! والشيعة يحتجون ببغض عائشة لعلي رضي الله عنهما بهذا الحديث ؛ بينما يوقعون أنفسهم في مأزق آخر كالعادة ، ألا وهو أن الزهري نفسه صرح باسم علي رضي الله عنه في هذا الحديث !!! ولكن الرافضة يريدون أن يجمعوا النقائض ليؤلفوا منها ديناً .

           ومنها أيضاً ما رواه البخاري بسنده عن الزهري ، قال : أخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن ، أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال : .... وذكر حديث ذي الخويصرة عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من أنه يخرج مع الخوارج ، ويقول أبو سعيد في آخر الحديث : فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم ، وأنا معه .

           وما رواه البخاري بسنده عن الزهري : حدثنا أبو سلمة بن عبدالرحمن ، أن أبا هريرة رضي الله عنه قال : قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً ، فقال الأقرع : إن لي عشرة من الولد ، ما قبلت منهم أحداً ، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : ( من لا رحم ، لا يُرحم ) .

           وما رواه الحاكم عن الزهري أنه قال : قتل من المشركين يوم الخندق : عمرو بن عبد ود ، قتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وهذه يعدها الشيعة أكبر فضائل البشر ، إلى درجة أنهم وضعوا حديثاً لها يقول : قال صلى الله عليه وسلم : ( ضربة علي يوم الخندق ؛ خير من عمل الثقلين ) !!!!!!! فالحادثة التي هي خير من عمل الثقلين يرويها الزهري !!!!!! يا للعجب .

           وما رواه الحاكم أيضاً ، عن ابن شهاب،  عن عروة ، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال : قالت عائشة لفاطمة رضي الله عنهما بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أبشرك أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سيدات أهل الجنة أربع : مريم بنت عمران ، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخديجة بنت خويلد ، وآسية !!!!!

           وما رواه الحاكم في مستدركه عن الزهري ، عن أنس رضي الله عنه أن قال : لم يكن أحد أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم من الحسن بن علي ، وفاطمة صلوات الله عليهم أجمعين .

           وما رواه الحاكم من الأحاديث الموضوعة ( وما أشد حب الميلاني لهذا النوع من الأحاديث حيث يمره مرور الكرام ، وما أشد بغضه للصحيح من الأحاديث حيث ينقده بكل تعنت وعصبية ) حيث روى الحاكم ، عن شهاب بن حرب ( وهو مجهول ) ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن سعد بن مالك : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتاني جبريل عليه الصلاة والسلام بسفرجلة من الجنة ، فأكلتها ليلة أسري بي ، فعلقت خديجة بفاطمة ، فكنت إذا اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رقبة فاطمة !!!!!!!!!!

           فهل ما ذكرناه من الأحاديث الصحيحة الصريحة يسمى إنكاراً أم إشهاراً ؟؟

           ومتى سعى الزهري لكتمان فضائل أحد ؟؟

           ولكن مقابل نشر الزهري لفضائل أهل البيت ؛ فإن هناك أناساً يسعون سعياً حثيثاً لكتم فضائله هو في نفسه .

           وكم تبجح هؤلاء المتبجحون أن من حاول إخفاء فضائل أهل البيت كمن يحاول إخفاء ضوء الشمس في رابعة النهار ؛ في حين أن كلامهم ينطبق عليهم أنفسهم في محاولاتهم اليائسة لإخفاء فضائل سلف الأمة ، ومنهم الزهري .

           وثالث هذه الاستدلالات عند الميلاني على عداوة الزهري لعلي رضي الله عنه قوله : ( وروايته عن عمر بن سعد اللعين ، قاتل الحسين بن أمير المؤمنين عليهما السلام ، قال الذهبي : عمر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه ، وعنه : إبراهيم ، وأبو إسحاق ، وأرسل عنه الزهري وقتادة ، قال ابن معين : كيف يكون من قتل الحسين ثقة ) !!

           وانظروا إلى الغباء المتجلي بأوضح صورة : حيث يقول الميلاني عن الزهري : ( وروايته عن عمر بن سعد اللعين ) ، ويستدل بقول الذهبي : ( وأرسل عنه الزهري ) !!!!!!!

وبالنسبة لرواية الزهري رحمه الله عن عمر بن سعد ، فأين هي هذه الروايات ، وأين عثر عليها هذا الميلاني ؟؟!! لقد ذكر الذهبي أنه أرسل عنه ، وهذا يعني أنه لم يرو عنه مباشرة ، ويبدو أن الأمر قد التبس على هذا الميلاني المسكين ؛ حيث روى الزهري عن عامر بن سعد !! وليس عن عمر ابن سعد قاتل الحسين !!

ثم أين هي هذه الروايات حتى يحكم عليها أهل السنة والجماعة ؟ وإذا كانت وثاقة الراوي تعتمد على وثاقة من روى عنه ؛ فلماذا لا يتم توثيق الزهري لأنه قد روى عن علي بن الحسين رحمه الله ؟؟!! وحتى لو ثبتت رواية الزهري عن عمر بن سعد ؛ فإن علماء الشيعة لا يرون بأساً بالرواية عن أصحاب المذاهب الفاسدة أو الضعفاء ، فهم يروون عن الواقفة ، والجارودية ، والغلاة ، والمفوضة ، وغيرهم ، ولم نسمع من علماء الشيعة تضعيفاً لرجل من رجالهم لأنه روى عن واقفي يعادي علي الرضا الإمام الثامن عند الشيعة ومن خلفه من الأئمة !!!

وكذلك بالنسبة للرواية عن الضعفاء ؛ فهذا العياشي الشيعي صاحب التفسيرالمشهور يذكر عنه النجاشي في كتابه الرجال في الترجمة رقم 944 ما نصه : ( محمد بن محمد بن عياش السلمي السمرقندي أبو النضر ، المعروف بالعياشي ، ثقة ، صدوق ، عين من عيون هذه الطائفة ، وكان يروي عن الضعفاء كثيراً ! ) فإذن في نظر الميلاني أن الراوي إن روى عن الضعفاء وكان سنياً فهذا أمر قادح فيه أشد القدح ، أما إن كان هذا الراوي شيعياً فهذا لا بأس به !!! وهذا هو عين الإنصاف الشيعي المعهود !!!! وهذا هو ما يسمى ( بالكيل بمكيالين ) .

           هذا فيما يتعلق برأي الشيعة في بقاء عدالة المكثر من الرواية عن الضعفاء ، وأما بالنسبة لعلماء الإسلام ؛ فلننظر نظرة بسيطة في ترجمة سليمان بن عبدالرحمن بن عيسى التيمي من كتاب تهذيب التهذيب ، في الترجمة رقم 3021 حيث يقول عنه ابن حجر رحمه الله : ( قال أبو حاتم : سليمان صدوق مستقيم الحديث ، ولكنه أروى الناس عن الضعفاء والمجهولين ... وقال صالح بن محمد : لا بأس به ، ولكنه يحدث عن الضعفاء ، وقال الحاكم : قلت للدارقطني : سليمان بن عبدالرحمن ، قال : ثقة ، قلت : أليس عنده مناكير ؟ قال : حدث بها عن قوم ضعفاء ، فأما هو فثقة ) ، فواضح مما سبق أن مسألة الرواية عن الضعفاء غير مسقطة للعدالة باعتراف علماء الشيعة وعلماء الإسلام ، ولكن العالم الميلاني يُعدّ طفرة جينية خاصة في علم الحديث ؛ حيث شذ عما تعارف عليه الأولون والآخرون ، وخرق إجماع البشرية باستدلالاته الخرقاء .

ورابع هذه الاستدلالات قوله : ( وكونه من عمال بني أمية ومشيدي سلطانهم !!! حتى أنكر عليه ذلك العلماء والزهاد !! فقد ذكر ( العلامة ) عبدالحق الدهلوي بترجمته من رجال المشكاة : أنه قد ابتلي بصحبة الأمراء ، وبقلة الديانة ، وكان أقرانه من العلماء والزهاد يأخذون عليه وينكرون ذلك منه ، وكان يقول : أنا شريك في خيرهم دون شرهم ، فيقولون : ألا ترى ما هم فيه وتسكت ؟ ) ، وأقول رداً عليه :

           الزهري رحمه الله لم يكن مشيداً لسلطان بني أمية بالقدر الذي كان عليه الرضا من تشييد ملك المأمون العباسي الظالم الغاشم ، فإذا ساغ لهم أن علي الرضا يعاشر المأمون ويكون وزيراً له في الخير دون الشر ؛ فالمسألة بالنسبة للزهري أولى وأسهل ، وإن احتجوا لفعل الرضا بالتقية وخزعبلاتها ؛ فهذه حجة عليهم لا لهم ، لأن الزهري لم يستخدم التقية مع عمال بني أمية ، بل شاركهم في الخير ، وامتنع عن الشر .

           وأما ( الموصوف بالعلامة ) عبدالحق الدهلوي ؛ فإن كلامه وطعنه مردود عليه ، وطعنه في الزهري بقلة الديانة يقل على قلة عقله وعقل من يصدقه ، ومن هو الدهلوي في مقابل أعلام الحديث الذين وثقوا الإمام الزهري قاطبة ، ولم يخالف في ذلك أحد منهم ؛ حتى أصبح من يطعن في الزهري فكأنما يطعن في نفسه !!

           وأما العلماء والزهاد الذين أنكروا على الزهري فعله ، فأين هم هؤلاء العلماء والزهاد ؟؟ واذكر لنا بعضاً منهم إن استطعت .

وأما أقرانه من العلماء والزهاد فأقوالهم في مدحه معروفة ، ومنهم أبو الزناد ، حيث يقول : كنا نكتب الحلال والحرام ، وكان ابن شهاب يكتب كلما سمع ، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس !! وصالح بن كيسان أيضاً يقول : كنت أطلب العلم أنا والزهري ، فقال : تعال نكتب السنن ، قال : فكتبنا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : تعال نكتب ما جاء عن الصحابة ، قال : فكتب ولم نكتب ، فأنجح وضيعت ، وسأل إبراهيم بن سعد بن إبراهيم أباه : بم فاقكم ابن شهاب ؟ قال : كان يأتي المجالس من صدورها ، ولا يلقى في المجلس كهلاً إلا ساءله ، ولا شاباً إلا ساءله ، ثم يأتي الدار من دور الأنصار ، فلا يلقى شاباً إلا ساءله ، ولا كهلاً ولا عجوزاً ولا كهلة إلا ساءله ، حتى يحاول ربات الحجال !!! وأنا لا أدري بعد هذه النصوص : من هم أقران الزهري الذين نقموا عليه ؟؟

وأما مصاحبة الأمراء فلم نسمع من قبل أنها تضعف الحفظ الذي يتهرب الشيعة تبيين حال رواتهم فيه ، أو أنها تسبب الاختلاط على الشخص ؛ خاصة إذا كان مصاحباً للولاة في الخير دون الشر ، ولم يكن الزهري يسكت عن شرهم كما ذكر الدهلوي ؛ بل سيأتي ما يبطله ، إضافة إلى أن علماء الشيعة لا يرون إعانة الحكام الظلمة قادحاً في العدالة ، ومن الأمثلة على ذلك : الحسن بن زيد ابن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، حيث كان أميراً للمدينة من قبل أبي جعفر المنصور ، وعمل له على غير المدينة أيضاً ، وكان مظاهراً لبني العباس على بني عمه الحسن المثنى ، وهو أول من لبس السواد من العلويين ، وراجع هذه المعلومات في كتاب أعيان الشيعة الجزء الخامس الترجمة رقم 228 ، فهذا الرجل قد تولى الولايات للمنصور ، وصاحب المهدي العباسي أيضاً ، وكان مظاهراً لبني العباس على بني عمه مع أنهم ذوي رحم عنده ، فقام الحسن بن زيد بقطع رحم ماسة له ، وأودى ببني عمه موارد الهلاك من أجل رضا الوالي !!! فيبدو مما مضى أن معاونة الظلمة في جورهم – أيضاً - تقدح في عدالة الرجل إذا كان سنياً !!!! أما إن كان شيعياً فقد يكون هذا مما يزيد وثاقته ، والله أعلم !!!!!!!!!!

يضاف في الرد على ما ذكره عبدالحق الدهلوي : أن قوله مردود بتوثيق أقران الزهري له ، وبمدحهم له .

وأما سكوته عن شرور بني أمية فباطل ، فأولاً : قد روي عن الإمام الأوزاعي رحمه الله أن قال : ( ما داهن ابن شهاب ملكاً من الملوك قط ) !!

ومن مواقفه المشهودة أمام ملوك بني أمية ، والتي لا يحب الشيعة ذكرها ما جاء أنه هشام بن عبد الملك قرأ قوله تعالى : ( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) ، ثم قال هشام لسليمان بن يسار : من الذي تولى كبره منهم ؟ فقال له : عبدالله بن أبي بن سلول ، فقال له : كذبت ، هو علي بن أبي طالب ، قال سليمان : أمير المؤمنين أعلم بما يقول ، فدخل ابن شهاب ، فقال هشام : يابن شهاب ، من الذي تولى كبره منهم ؟ فقال له : عبدالله بن أبي بن سلول المنافق ، فقال له : كذبت ، هو علي بن أبي طالب ، فقال له : أنا أكذب ؟! لا أبا لك !! فوالله لو نادى مناد من السماء : إن الله أحل الكذب ما كذبت ، حدثني عروة بن الزبير ، وسعيد بن المسيب ، وعبيدالله بن عبدالله ، وعلقمة بن وقاص ، كلهم عن عائشة : أن الذي تولى كبره منهم : عبدالله بن أبي ، فلم يزل القوم يغرون به ، فقال له هشام : ارحل ، فوالله ما كان ينبغي لنا أن نحمل عن مثلك ، فقال له ابن شهاب : ولم ذاك ؟ أنا ما اغتصبتك على نفسي ، أو أنت اغتصبتني على نفسي ، فخل عني ، فقال له : لا ، ولكنك استدنت ألفي ألف ، فقال : قد علمت ، وأبوك من قبلك ، أني ما استدنت هذا المال عليك ، ولا على أبيك ، فقال هشام : إنا إن نُهيّج الشيخ ، يهم الشيخ ، فأمر فقضى عنه من دينه ألف ألف ، فأخبر بذلك ، فقال : الحمد لله الذي هذا هو من عنده !!!!!!!

فكيف يبقى لقول الدهلوي اعتبار ؟؟!!

وخامس هذه الاستدلالات الحمقاء قوله : ( ومن هنا قدح فيه ابن معين ، فقد حكى الحاكم عن ابن معين أنه قال : أجود الأسانيد : الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبدالله ، فقال له إنسان : الأعمش مثل الزهري ؟! فقال : تريد من الأعمش أن يكون مثل الزهري ؟! الزهري يرى العرض والإجازة ، ويعمل لبني أمية ، والأعمش فقير صبور ، مجانب للسلطان ، ورع عالم بالقرآن ) ، وأقول :

حتى لو كان هذا طعنا من ابن معين رحمه الله في الزهري ؛ فإن إجماع بقية علماء الجرح والتعديل على توثيق الزهري يرد طعن الإمام يحيى بن معين ، مع أن تفضيل راوي على آخر لا يدل إطلاقاً على اتهام الراوي الأسبق ، وإلا فما معنى قولهم : ( إن فلاناً أعلم أهل عصره ) ؟ أو : ( إن فلاناً أثبت الناس ) ؟؟ وهل معنى ذلك إسقاط عدالة البقية ؟؟!! ولكن الهوى يعمي ويصم .

           وعين البغض تبرز كل عيب          وعين الحب لا تبدي العيوبا !!!!

           هذا مع العلم أن الإمام يحيى بن معين ممن وثقوا الإمام الزهري ، فكلامه السابق محمول على الأفضلية المطلقة ، وقد وثق الزهري أيضاً جميع علماء الإسلام ، فمنهم : عمر بن عبد العزيز ، ومالك بن أنس ، ويحيى بن سعيد القطان ، ومكحول ، وقتادة ، وأيوب ، وعمرو بن دينار ، وأبو بكر الهذلى ، ومعمر ، وعلي بن المديني ، وأبو زرعة ، وابن سعد ، وأبو الزناد ، وصالح بن كيسان ، والليث ، وعبدالرحمن بن إسحاق ، والنسائي ، وعراك بن مالك ، وبقية علماء الإسلام ، بل قال عنه ابن حجر رحمه الله في تقريب التهذيب : الفقيه الحافظ ، متفق على جلالته وإتقانه وثبته !!!! فرحم الله أهل العقول والإنصاف .

           ثم يصر الميلاني جداً على رأيه الأحمق الأهوج ، ويكمل كلامه السابق في الطعن في الإمام الزهري باستشهاده السادس ، ويقول : ( وبهذه المناسبة ؛ كتب له الإمام زين العابدين عليه السلام كتاباً يعظه فيه ، ويذكره الله والدار الآخرة ، وينبهه على الآثار السيئة المترتبة على كونه في قصور السلاطين ، من ذلك قوله : ( إن أدنى ما كتمت ، وأخف ما احتملت : أن آنست وحشة الظالم ، وسهلت له طريق الغي .. جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم ، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم ، وسلما إلى ضلالتهم ، داعياً إلى غيهم ، سالكاً سبيلهم .. احذر فقد نبئت ، وبادر فقد أجلت ... ولا تحسب أني أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك ، لكني أردت أن ينعش الله ما فات من رأيك ، ويرد إليك ما عزب من دينك .. أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرة ، وما الناس فيه من البلاء والفتنة ؟! فأعرض عن كل ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذين دفنوا في أسمالهم ، لاصقة بطونهم بظهورهم .. ما لك لا تنتبه من نعستك ، وتستقيل من عثرتك ، فتقول : والله ما قمت لله مقاماً واحداً ما أحييت به له ديناً ، أو أمت له في باطلاً ... )) إلى آخر تلك الرسالة التي يجب على الميلاني أن يرسل منها نسخة إلى علي الرضا وزير المأمون العباسي ، وحفيد حفيد صاحب الرسالة المزعومة ، حيث انطبقت عليه بشكل تام ، وكأنها قد وجهت إليه شخصياًُ !!! ولا ينسى أن يرسل نسخة أخرى إلى الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ؛ فهما بحاجة ماسة إليها .

           ولكن يبدو أن واضع تلك الرسالة كان فترة سابقة لتولي علي الرضا للوزارة في عهد المأمون ، وإلا لما تجرأ على فعل ما فعل !! إضافة إلى أن رسالة الميلاني رسالة يتيمة مقطوعة من شجرة ؛ إذ لم يذكر إسناداً لها لعلمه بعدم وجود الإسناد ، وكل رواية بلا إسناد لا اعتبار لها .

           وحتى لو صحت هذه الرواية ؛ فهي لا تعدو أن تكون رأياً شخصياً من زين العابدين رآه .

           وسابع هذه الاستدلالات المظلمة قوله : ( هذا ، ولقد ورث الزهري العداء للإسلام والنبي وأهل بيته من آبائه ، فقد ذكر ابن خلكان بترجمته : وكان أبو جده عبدالله بن شهاب شهد مع المشركين بدراً ، وكان أحد النفر الذين تعاقدوا يوم أحد لئن رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلنه أو ليقتلن دونه ، وروي أنه قيل للزهري : هل شهد جدك بدراً ؟ فقال : نعم ، ولكن من ذلك الجانب ، يعني أنه كان في صف المشركين ، وكان أبوه مسلم مع مصعب بن الزبير ، ولم يزل الزهري مع عبدالملك ، ثم مع هشام بن عبدالملك ، وكان يزيد بن عبدالملك قد استقضاه ) .

           وأقول : أما شهود جد الزهري بدراً مع المشركين ؛ فمتى كان شهود الصحابة في نظر الميلاني لغزوتي بدر وأحد فضيلة ، حتى يكون شهود جد الزهري الغزوة مع الأعداء رذيلة ؟؟!!

           وقد شهد غزوة بدر مع المشركين كل من : عقيل بن أبي طالب ، والعباس بن عبدالمطلب رضوان الله عليهما ، فهل سيعد الميلاني هذا مطعناً أيضاً .

           ثم إن أجداد سلمان الفارسي رضي الله عنه كانوا من قادة المجوس ، ومن أكبر الدعاة إليها ، فهل سيعد الميلاني هذا طعناً في سلمان رضي الله عنه ؟؟

           وقد كان والد إبراهيم عليه السلام كافراً يدعو قومه إلى عبادة الأصنام ، ويصنعها بيديه لهم ؛ فهل سيعد الميلاني هذا مطعناً في إبراهيم عليه السلام أيضاً ؟؟

           والعجيب أن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب قد شهد غزوة بدر مع المشركين ، ثم جاء من ذريته الإمام الشافعي : محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد ، في حين أن الشافعي من الأطهار المطهرين في نظر الشيعة !!!!

           وأما ما ذكره هذا الميلاني المحقق من شهود جد الزهري لغزوة بدر مع المشركين ؛ فقد ذكر رواة السير أن الأخنس بن شريق استوقف قومه بني زهرة أثناء مسيرهم إلى بدر مع المشركين في الجحفة ، وأمرهم بالرجوع ، فعاد بنو زهرة بأجمعهم ، ولم يشهد بدراً مع المشركين زهري واحد !!! راجع سيرة ابن هشام 3/166 ، تاريخ الطبري 2/29 ؛ حتى تعلم من الصادق ومن الكاذب ؟

           وأما ما ذكره الميلاني المحقق الزائف من أن عبدالله بن شهاب كان من النفر الذين تعاقدوا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ؛ وأنه شجه في جبهته صلوات الله وسلامه عليه ؛ فمرده في الروايات إلى روايتين :

           الأولى : رواها ابن هشام في سيرته ، عن ربيح بن عبدالرحمن بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه ، عن أبي سعيد : ( أن عبدالله بن شهاب الزهري شجه في جبهته ، يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، وربيح بن عبدالرحمن قال عنه أحمد بن حنبل : ليس بمعروف ، وقال الترمذي : قال البخاري : منكر الحديث ، وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به ، وقال الأزدي : ليس بذاك القوي ، وقال عنه أبو زرعة : شيخ ، وثناء أبي زرعة وابن عدي عليه مجمل غير مفصل ، وطعن البخاري والأزدي وأحمد بن حنبل مقدم على التوثيق هنا ، إلا أن هناك سبباً آخر قوياً لرد هذه الرواية ألا وهو الانقطاع بين ابن هشام صاحب السيرة ، وبين ربيح بن عبدالرحمن .

           والثانية : ما رواه الواقدي ، عن ابن أبي سبرة ، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة ، عن أبي الحويرث ، عن نافع بن جبير ، قال : سمعت رجلاً من المهاجرين يقول : شهدت أحداً ، فنظرت إلى النبل تأتي من كل ناحية ، ورسول الله وسطها ، كل ذلك يصرف عنه ، ولقد رأيت عبدالله بن شهاب الزهري يومئذ يقول : دلوني على محمد ، لا نجوت إن نجا ... إلخ .

           والواقدي وضاع متروك ، وإسحاق بن عبدالله بن أبي فروة يقلب الأسانيد ، ويرفع المراسيل ، وقد اجتنبوا حديثه ، فمتى كانت رواية أمثال هؤلاء حجة للطعن في الأعلام ؟؟!!

           ألم يكن من الأفضل للميلاني أن ينقي التاريخ من أمثال هذه الروايات الموضوعة التي تطعن في علماء الإسلام ؛ بدلاً من أن يضيع الوقت في الاستشهاد بها في الطعن على علماء الإسلام ؟؟!!

           ولا يظنَّنَّ ظان أني أدافع عن عبدالله بن شهاب الزهري ؛ لا والله ولا كرامة ، ولكن الدفاع عن الأشخاص شيء ، وتبيين الخطأ شيء آخر ، مع أنه في جميع الأحوال ؛ فإن كفر الأب والجد لا يؤثر على واقع الابن شيئاً .

           ثم يقول الميلاني : ( لكنه الزهري ! عندما يضع الحديث على النبي والعترة ومذهبهم ، يضعه على لسان واحد منهم كي يسهل على الناس قبوله !! ) ؛ فأقول : إن الميلاني هنا يقرر أن واضع الحديث هو الزهري بعينه ، ونسي أن هذا الحديث مروي أيضاً من طرق أخرى عن غير الزهري ، وقد طعن هذا الميلاني في ابن أبي مليكة متهماً إياه بوضعها ، ولا أدري كيف يمكن أن يتواطأ الزهري مع ابن أبي مليكة على وضع حديث بدقة بالغة ، بحيث يتفقان في جميع أحداث القصة بلا استثناء ؛ مع أنهما لم يلتقيا في حياتهما أبداً !!!!! فالزهري ولد في المدينة عام 50 ه ، وبقي فيها حتى 82 ه ثم التحق بالشام ، وابن أبي مليكة مكي ، ثم انتقل بعدها إلى الطائف قاضياً لابن الزبير رضي الله عنهما عليها !!!! علماًُ بأن ذلك العصر لم يكن يحتوي على هواتف أو شبكات إنترنت !! فمتى تم اللقاء والتواطؤ ؟؟!

           ثم يقول : ( خذ لذلك مثالاً .. ما وضعه على لسان ابني محمد بن علي عنه ، عن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال لابن عباس – وقد بلغه أنه يقول بالمتعة - : إنك رجل تائه ، إن رسول الله نهى عنها يوم خيبر ، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية ، هذا الحديث الذي حكم ببطلانه كبار أئمتهم كالبيهقي ، وابن عبدالبر ، والسهيلي ، وابن القيم ، والقسطلاني ، وابن حجر العسقلاني ، وغيرهم من شراح الحديث ) !!!!!

           ومشكلة الميلاني أنه ليس ذكياً مثل عبدالحسين الموسوي لكي يراوغ ويحتال كيفما يشاء ، ثم تنطلي أكاذيبه على الآخرين ، لا ... إن الميلاني أقل من ذلك بكثير ؛ فبمجرد ما يحاول المراوغة ينكشف أمره بسرعة ، وهذا ما حدث في الحديث السابق الذي اتفق على إخراجه البخاري ومسلم ، حيث روى البخاري في كتاب النكاح بإسناده أن علياً رضي الله عنه قال لابن عباس : إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة ، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر ، رقم 4825 ، فتحريم المتعة الوارد في الحديث عن علي بن أبي طالب صحيح ، ولكن هناك لفظ معين ضعف العلماء المذكورون الرواية التي ذكرته ، ألا وهو أن تحريم المتعة كان في زمان خيبر ، والصواب أنها حرمت قبل ذلك ، والدليل هو الحديث السابق الذي أخرجه البخاري عن الزهري بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، بينما الرواية التي ضعفها العلماء هي التي تقول إن زمن التحريم كان في عام خيبر ، وحاول الميلاني المنصف أن يلبس على القراء المعنى حتى يظنوا أن المقصود هو التحريم بكامله ؛ بينما محل الخلاف هو في زمن التحريم فقط !!!

           وقد أجمع العلماء على صحة جميع ما ورد في صحيح البخاري ، كالبيهقي ، وابن عبد البر ، والسهيلي ، وابن القيم ، القسطلاني ، ابن حجر العسقلاني ، وغيرهم من شراح الحديث !!! فما رأي الميلاني بقولهم هذا ؟؟ أم أن آراءهم محل عناية نظره السديد إذا وافقوا رأيه فقط ؟؟!!

           إضافة إلى أن تحريم المتعة قد رواه مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع ، وسبرة بن معبد رضي الله عنهما بإسنادين لا يوجد في أي منهما اسم الزهري !!! أم أنهما وضاعان أيضاً ؟؟!!

           ثم ما هو المسوغ لمثل الزهري أن يضع حديثاً في تحريم المتعة ؟؟؟ أليس أمراً يحبه الفسقة والفجرة ؟؟!! ألم يكن من صالح الزهري وهو مستشار بني أمية أن يضع الأحاديث في فضل زواج المتعة ترغيباً لملوك بني أمية في اللهو بالمتعة الدورية وأضرابها بدلاً من أن يحجر ما وسعه الله عليهم إن كان قد وسع عليهم أصلاً ؟؟؟!!! إن كان يقدم رضاهم على دينه ؛ فلماذا هنا قدم حديثه على رضاهم ؟؟ إن هذا لا يستقيم عقلاً على الإطلاق !!!!!!!

           أضف إلى ذلك أحاديث غسل الرجلين في الوضوء بدلاً من مسحهما ، والعمل على التفريق بين صلاتي الظهر والعصر ، وبين صلاتي المغرب والعشاء ؛ حيث إن الشيعة قد أخذوا في جميع هذه الأمور بالجانب الأسهل المحبب إلى النفس ، فهم أولى بتهمة الوضع .

           ثم يذكر أن الزهري لم ينفرد بالكذب على أهل البيت ، بل شاركه غيره ، ويحتج بخبر عن عبدالله بن محمد بن ربيعة بن قدامة القدامي ، لما قال الذهبي وابن حجر رحمهما الله عنه : ( أحد الضعفاء ، أتى عن مالك بمصائب ، منها : عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده ، قال : توفيت فاطمة رضي الله عنها ليلاً ، فجاء أبو بكر وعمر وجماعة كثيرة ، فقال أبو بكر لعلي : تقدم فصل ، قال : لا والله ، لا تقدمت وأنت خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتقدم أبو بكر ، وكبر أربعاً ) ، وبالطبع ؛ فهذا حديث هالك طعن فيه الأئمة لأنه من رواية عبدالله بن محمد بن ربيعة القدامي ، وبدلاً من أن يكون ما فعله علماء الإسلام من تنقية لحديثهم من الشوائب حسنة في عين الميلاني ؛ تحول إلى جريرة لا تغتفر ، بل وأخذ يبني عليها اتهامه الغبي للإمام الزهري بوضع هذا الحديث .

           ثم يقول بليغ البلغاء : ( إنهم يريدون بتلك المساعي التغطية على ما جنوا ، وإصلاح ما أفسدوا ، ولكن لا يصلح العطار ما أفسده الدهر ) !!!!!!!

           وبغض النظر عن إقحام هذا المثل في غير موضعه ؛ فإن من عجز عن إصلاح ما أفسده الدهر هو الرافضة أنفسهم ، حيث إن من يطلع على نقدهم لأحاديثهم يعلم مدى الجناية التي جنوها على أنفسهم ، ومدى التهريء الذي أصاب مروياتهم عبر القرون .

 

           ثم يبدأ طعونه في المسور بن مخرمة رضي الله عنه ، فيقول : ( وبقي الكلام في مسور نفسه ، ويكفينا أن نعلم :

أولاً : إنه ولد بعد الهجرة بسنتين ، فكم كانت سني عمره في وقت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم هذه ؟ وهذا ما سنتكلم عليه بعد أيضاً .

           وثانياً : أنه كان مع ابن الزبير ، وكان ابن الزبير لا يقطع أمراً دونه ، وقد قتل في قضية رمي الكعبة بالمنجنيق بعد أن قاتل الشاميين ، وولي ابن الزبير غسله .

           وثالثاً : أنه كان ممن يلزم عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

           ورابعاً : أنه كان إذا ذكر معاوية صلى عليه .

           وخامساً : أنه كانت الخوارج تخشاه وينتحلونه ) .

           وهذه كلها أوصاف رائعة جليلة ، وكل أهل الإسلام يتمنون الاتصاف بها ، أما أهل البدعة والزندقة كالميلاني وغيره ؛ فيريدون أن يبنوا من هذه الأوصاف الجليلة طعناً !! وإن كانوا على قناعة تامة بهذه الطريقة المعكوسة المنكوسة ؛ فيمكنني وبكل سهولة أن أقول :

           إن رجال الشيعة كلهم ساقطو العدالة ، والدليل على ذلك أنهم كلهم يؤمنون بإمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه المزعومة ، ويعتقدون بعصمة أئمتهم ، وبأنهم يرجعون للحياة في آخر الزمان ، وينتقصون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى رأسهم أبا بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعائشة رضوان الله عليهم ، وغير ذلك من عقائد الكفر والزندقة .

 

           ثم يبدأ – رجمه الله – في تأملاته في متن الحديث ومدلوله ، فيقول في بداية تأملاته لا جعله الله يفيق منها : ( وبعد ، فإنه لا بد من التأمل في متن الحديث ومدلوله ، فلا بد من النظر إلى المتن ... إلى أن قال : ولا بد من النظر في الدلالة ... فقد يكون الحديث صحيحاً سنداً ، ولكنه يخالف من حيث الدلالة الضرورة العقلية أو محكم الكتاب أو قطعي السنة أو واقع الحال ) ‍‍‍!!!!

           وأحب أن أقول هنا : إن الحديث الصحيح الإسناد لا يمكن أن يخالف الضرورة العقلية السليمة ، أو محكم الكتاب ، أو قطعي السنة الصحيحة ، أو واقع الحال ، بل إن مخالفة الأحاديث الصحيحة لأحد هذه الأمور لهو مما يخالف الضرورة العقلية ، ويخالف محكم الكتاب ، ويخالف قطعي السنة الصحيحة ، ويخالف واقع الحال !!!

           وذلك أن الضرورة العقلية تقضي أن الحديث الصحيح الإسناد يكون صحيحاً متناً !! فالخبر الذي يرويه الثقة عن مثله من مبدأ السند إلى منتهاه دون شذوذ أو علة قادحة لا يمكن أن يكون خبراً خاطئاً ، أما الشيعة فإنهم يرمون بهذه القاعدة عرض الجدار ؛ لكثرة الأحاديث التي رواها ثقاتهم عن روايات تحريف القرآن ، أو تأليه الأئمة ، أو بقية خزعبلاتهم ، ولا أدري كيف تطمئن قلوبهم إلى التفريق في قبول خبرين إسنادهما واحد ، حيث يعملون بالخبر الأول ، ويهملون الخبر الثاني مع أنهما أتيا من طريق واحد ، ولكنه العقل المنكوس المعكوس .

           إن الراوي لا بد أن يكون : إما ثقة ، وإما غير ثقة ، وإذا كان رواة الإسناد كلهم ثقات ؛ فلا بد : إما أن يكون السند متصلاً أو غير متصل ، فإذا كان متصلاً كان الحديث صحيحاً عند العقلاء ، أما الشيعة ؛ فإن عقولهم التي تجمع النقائض دوماً لا يرون بأساً من تصحيح بعض الأحاديث التي رواها ذلك الإسناد دون غيرها بدون سبب مقنع !!

           وقد قرر علماء الإسلام : أن الحديث الذي يخالف العقل لا يمكن أن يكون إسناده خالياً من قادح فيه ، وأن الحديث الصحيح الإسناد لا يمكن أن يكون متنه مخالفاً للعقل ، وهذا ما كان إلا من كون الروايات عند أهل السنة والجماعة وحدة متكاملة يتآلف بعضها مع بعض ، ولذلك فطريقة قبول الأخبار واحدة لا تتغير ، أما من كانت الروايات والأخبار لديه شاذة متهالكة متداعية الأطراف يسقط بعضها بعضاً ؛ فهذا لا مفر له من الأخذ والترك على مزاجه دون ضابط معقول ‍‍‍‍‍!! ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) .

           وكذلك ؛ فإن محكم الكتاب يقول : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ، والحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم يخبر عما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فوجب عند ذلك الأخذ به ، فكيف يرده هؤلاء بحجة عقلية سخيفة ؟؟!

           وأود أن أعرف أخيراً : ما هي الأمور التي قام الميلاني بالتوافق معها من هذه ؟؟!!

 

           ثم بدأ في تأملاته العميقة في خصوص حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه ، وأول هذه الملاحظات هي قول المسور رضي الله عنه في الحديث : ( وأنا محتلم ) يعني عند وقوع الحادثة ، وقد نقل الميلاني توجيه علماء الإسلام لهذه اللفظة إلى أنها تعني : ( وأنا كالمحتلم ) ، إلا أنه لم يقتنع بها ، حيث قال بعدها : ( فهذا إشكال في المتن ! ولربما أمكن الإشكال من هذه الناحية في السند ) !!!! وأقول : أين الإشكال في المتن يا هذا ؟؟ ولكن يبدو أن الميلاني لا يفهم اللغة العربية ، ولا يفهم المراد من التشبيه ، لأن هذا الأسلوب معروف في اللغة : أن يقول الشخص : وجهك بدر ، بمعنى أن وجهك أبيض كالبدر ، أو شعرك ليل ، بمعنى أن شعرك أسود كالليل ، وهو كثير الورود في اللغة .

           والعجب الذي لا ينتهي أن يستنكر هذا الرافضي على علماء الإسلام هذا التفسير ؛ في حين يصحح هو وبقية علماء الرافضة حديث : ( أنا مدينة العلم ، وعلي بابها ) ، في حين أن يقولون أن معناه : أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كالمدينة ، وعلي كالباب ، ونقول لهم بالمقابل : محتلم أي كالمحتلم ، ولكن الرافضة يريدون أن يحجروا حتى اللغة العربية عليهم وحدهم فقط !!

           ثم إن الرافضة أيضاً من أبعد الناس عن الأخذ بظواهر الألفاظ ، ومن أشد الناس أخذاً بتأويلها إلى معاني أخر ، فظواهر القرآن غير بواطنه ، وللقرآن معنى ظاهر ومعنى باطن ، والخير المذكور في القرآن يعني الأئمة ، والشر المذكور في القرآن يعني أعداءهم ، ويد الله تعني قدرة الله ، وعين الله تعني علم الله ، ومجيء الله يعني مجيء أمر الله ، وهلم جراً حتى جعلوا القرآن كتاباً للألغاز والأحاجي ، ولكن طريقتهم هذه تنقلب رأساً على عقب متى شاءوا ، فتفضيل يحيى بن معين يعني الطعن في الزهري !! ولفظة محتلم ، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تفسر عندهم إلى من قارب الاحتلام ... إلخ .

           ثم أخذ يعرض أقوال العلماء في سبب تحديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه لعلي بن الحسين عند عودته من عند يزيد بن معاوية ، وبما أن الحديث صحيح ؛ فإن محاولة تعليل جميع أحداثه مسألة جانبية ، وسواء استطعنا معرفة سبب كل حدث من الأحداث أم لم نعرفه ؛ فهذه قضية أخرى جانبية ، وليست قضية أساسية يحكم بها على صحة الخبر من عدمها ؟

وكم في القرآن من قصة لم يذكر لنا الحكمة منها ، فمثلاً : لماذا أمر يعقوب عليه السلام أبناءه أن يدخلوا من أبواب متفرقة ؟؟ الجواب : الله أعلم ، ولكن ذكر بعض العلماء أنه خشي عليهم من العين ، وكانوا أولي هيئة حسنة ، ولكن هل السبب الوحيد الحقيقي هو الخوف من العين فقط ؟؟ وكيف يمكن الجزم بذلك ؟؟ ثم إن يعقوب عليه السلام قال لأبنائه لما طلبوا منه أن يستغفر لهم : ( سوف أستغفر لكم ربي ) ، أي أنه لم يستغفر لهم في الحال ، فلماذا أخر الاستغفار لهم ؟؟ هل كان ساخطاً عليهم ؟؟ أم ماذا ؟؟ بعض العلماء يقولون : أخر الاستغفار لهم إلى آخر الليل في وقت السحر ، ولكن : ما هو الدليل على أنهم دخلوا عليه نهاراً أو في غير وقت السحر ؟؟ وهل يصح في العقل أن ننفي هذه القصص لعدم إدراكنا يقيناً لأسبابها ؟؟ مع أن غيرها من القصص كثير .

           والذي أراه في سبب تحديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه لعلي بن الحسين رحمه الله بهذا الحديث إنما كان بعد طلبه منه أن يعطيه سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى لا يغلبه القوم عليه بأخذه ، لأن فقدان علي بن الحسين للسيف سوف يحزنه ، ولهذا ذكر المسور له أنه سيحفظ له هذا السيف حتى لو زهقت نفسه دونه ، وعلل هذه المحبة له بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( فاطمة بضعة مني ... ) ، ولكنه أورد له القصة كاملة ، ليبين منزلة فاطمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، حيث امتنع عن الخطبة ، ولم يتزوج أو يتسرّ عليها حتى توفيت رضوان الله عليها .

           وأما تركه القتال مع الحسين بن علي رضي الله عنهما ؛ فلأن الناس كلهم لم يتوقعوا أن يصل الأمر إلى ما وصل إليه ، وهذا كل ما في الأمر .

           أما قول الميلاني : ( قلت : إذا كان ذكر القصة ليعلم أنه يحب رفاهية خاطره ، أو ليعلم بمحبته في فاطمة ونسلها ... فأي خصوصية للسيف ؟! وهل كانت الرفاهية لخاطره حاصلة من جميع الجهات وهو قادم من العراق مع تلك النسوة والأطفال بتلك الحال ، وبقي خاطره مشوشاً من طرف السيف ، فأراد رفاهية خاطره ، أو إعلامه بمحبته له ، كي يعطيه السيف ) ، فهو كلام يدل على أن الأحاديث في واد ، والميلاني في واد آخر ، لأنه لو أخذ أحد السيف من علي بن الحسين ؛ لتشوش خاطره ، فأحب أن يحفظ السيف عنده حتى لا يتسبب ضياعه في تشويش خاطره فيما بعد .

           ثم قال هذا الميلاني : ( ثم إن ثمة شيئاً آخر ... وهو أن المسور بن مخرمة لما خطب الحسن ابن الحسن ابنته حمد الله عز وجل ، وأثنى عليه ، وقال : أما بعد ، فما من نسب ولا سبب ولا صهر أحب إلي من نسبكم وصهركم ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فاطمة بضعة مني ، يقبضني ما يقبضها ، ويبسطني ما يبسطها ، وإن الأنساب يوم القيامة تنقطع إلى نسب وسببي وصهري " ، وعندك ابنته ، ولو زوجتك لقبضها ذلك ، فانطلق الحسن عاذراً إليه ) ، ولم ينس أن يذكر مصادر القصة ، وهي : مسند الإمام أحمد ، ومستدرك الحاكم ، وسنن البيهقي ،

           ثم يبني استنتاجاً مهماً عنده حيث يقول : ( ولو كان مسور يروي قصة خطبة أبي جهل لاستشهد بها ، وحكى الحديث كاملاً ، لشدة المناسبة بين خطبة علي ابن أبي جهل وعنده فاطمة ، وخطبة الحسن بن الحسن ابنة المسور وعنده بنت عمه ! فهذه إشكالات حار القوم في حلها الحل المعقول ) !!!!!!!!

           وأقول : الإشكالات التي لم حار القوم في حلها الحل المعقول لا وجود لها في الواقع ، والأمر أيسر بكثير مما يتوهمه الميلاني ، وذلك أن القصة بكاملها ضعيفة الإسناد ، فكيف يعارض بها ما اجتمع على روايته أهل الصحاح ؟؟؟

           ثم إن الميلاني العجيب قد زالت عنده – بقدرة قادر - جميع الإشكالات التي كانت قائمة في ذهنه حول المسور بن مخرمة رضي الله عنه ؛ فصغر سن المسور عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ليس إشكالاً هنا ، وخشية الخوارج منه أيضاً أصبحت مزية من مزايا المسور هنا في حين كانت قبل قليل مذمة !! كما أن رمي الميلاني للمسور بعداء أهل البيت سوف يسقط على رأس الميلاني ، لأن المسور يتحدث هنا عن فضائل فاطمة رضوان الله عليها دون حاجة ماسة لذلك ، بل كانت أقرب ما تكون إلى الحديث بها في السر ، فإما أن يسقط الميلاني هذه الرواية من الاعتبار ، أو أن يسقط اتهامه للمسور رضي الله عنه من الاعتبار ، أما مسألة جمع النقائض ؛ فهذه فوق إمكان بني آدم ، وقد يفعلها غيرهم .

           وقد ذكر هذا الميلاني أن الإمام أحمد والحاكم والبيهقي قد رووا هذه الرواية في كتبهم ، فأما البيهقي فلم يرو هذه الرواية إطلاقاً ، وإقحامه مع غيره في رواية هذه الرواية إما جهل أو كذب ، وأما الحاكم فيرويها عن أحمد بن حنبل نفسه !! إذاً هذه الحادثة ليس لها سوى إسناد يتيم ، وهو كما ورد في المسند : حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ، ثنا عبدالله بن جعفر ، حدثتنا أم بكر بنت المسور بن مخرمة ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، عن المسور رضي الله عنه .

           وأبو سعيد مولى بني هاشم هذا ، هو : عبدالرحمن بن عبدالله ، ترجم له ابن حجر في تهذيب التهذيب برقم 4574 ، وقال : قال أحمد بن حنبل عنه : كثير الخطأ ، وقال الساجي : يهم في الحديث ، ونقل القباني أنه جاء عن أحمد أنه كان لا يرضاه .

           إلا أنه قد جاء وصفه بالصدق ، فقد قال أبو حاتم : ما كان به بأس ، وقال أبو القاسم الطبراني : ثقة ، وأقول : إن من يوصف بالصدق دون الحفظ لا يتابع فيما يشذ فيه ، كما حصل في هذا الحديث ، حيث شذ عبدالرحمن بن عبدالله برواية هذا الحديث عن عبدالله بن جعفر ، مع أنه لم يذكر من بين الرواة عنه ، فأين كبار الرواة عن عبدالله بن جعفر عن هذا الحديث ؟؟

           وأما عبدالله بن جعفر : ترجم له الذهبي في ميزان الاعتدال برقم 4248 ، وإن أراد الميلاني أن نحذو حذوه في الحكم على الرجال فإني أقول : قال فيه يحيى بن معين : ليس بثبت .

           ولكن عبدالله بن جعفر قد وثقه جماعة آخرون غير يحيى بن معين رحمه الله ، فتبقى وثاقته على حالها ، ولكن أردت ضرب المثال لهذا الميلاني بأنه إن أراد الحكم على الرجال والروايات ؛ فعليه أن يلزم طريقة واحدة لا يحيد عنها ، أما أن يبتكر طريقة جديدة عند الحكم على كل رواية حسب ما يمليه عليه هواه فهذا أمر لا يقبل .

           وعموماً ؛ فحتى مع بقاء وثاقة عبدالله بن جعفر رحمه الله ؛ فإن الحديث ضعيف لوجود أبي سعيد البصري ، وما أظن الإمام أحمد رحمه الله كناه وأخفى اسمه إلا لضعفه عنده .

 

           ثم انطلق الميلاني متأملاً في ألفاظ الحديث ، وتأملاته تدور حول عدة نقاط ، فأولاً : هل خطب علي ابن أبي جهل حقاً ؟ وثانياً : هل وعد علي النكاح ؟ وثالثاً : هل وقع الاستئذان من النبي ؟ ورابعاً : من استأذنه ؟ وخامساً : من الذي أبلغ النبي ؟ ثم قال : ( وهناك أسئلة أخرى ... فألفاظ الحديث متناقضة جداً ، والقضية واحدة ، ولقد تحير الشراح هنا أيضاً ، واضطربت كلماتهم ، ولم يوفقوا للجمع بينها ، وإن حاولوا وتمحلوا ) !!!!!!!!!!!!!!

           فأقول أولاً : إن ألفاظ الحديث غير متناقضة ، وإنما يراها متناقضة من أعمى الله بصيرته عن الاسترشاد بالأحاديث الصحيحة وبأقوال العلماء المعتبرين ، أما من حشد الأحاديث الصحيحة والضعيفة معاً ، ثم حكم ببطلانها جميعاً للتعارض الذي بينها ؛ فإن هذا يُشك في عقله .

           والقصة بمجملها قد أوضحها وفسرها علماء الحديث في كتبهم ، وقد اطلع الميلاني على توجيهاتهم وجمعهم لطرق الحديث ، بل وذكر بعضاً منها ، ولكن المكابرة والمجادلة بالباطل تمنعه من الإذعان ، " فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين " .

           ومن يقرأ كلام الميلاني يظن خطأ أن كتب التشيع قد سلمت من المعارضات ، وأتت بيضاء نقية لا خلاف ولا شقاق فيها ، ولكن الواقع يكذب ذلك ، حيث كتب التشيع محشودة مملوءة بالمعارضات التي تقبلها العقول ، ويكفي من ذلك الشهادة التاريخية لشيخ طائفتهم الطوسي ، حيث يقول في أحد صحاحهم وهو تهذيب الأحكام في مقدمته في الصفحة الأولى من كتابه : ( ذاكرني بعض الأصدقاء أيده الله ، ممن أوجب حقه علينا بأحاديث أصحابنا أيدهم الله ، ورحم السلف منهم ، وما وقع فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد ، حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزارئه ما يضاده !!! ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه !!!! حتى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا ... إلخ ) !!!!!!!!! ألف مبروك على الميلاني هذه الأحاديث المتناقضة .

           بل حتى الأحاديث التي يحتج بها الرافضة من كتب أهل السنة والجماعة تأتي متناقضة متضادة ، فحديث التصدق بالخاتم متناقض أشد التناقض في كتب السنة والشيعة على سواء ، وحديث الكساء متناقض في كتب السنة لوحدها بشكل يدعو إلى الشك فيه بقوة ، وأحاديث الغدير في كتب الشيعة أيضاً متناقضة متضاربة ، فهل سيكون حكم الميلاني عليهما مشابهاً لحكمه على الأحاديث التي لا تعجبه ؟؟ ولماذا لا يكون تناقض هذه الأحاديث مدعاة للطعن فيها كما فعل الميلاني والرافضة معه في غيرها من الأحاديث ؟؟ أم أن تضعيفه لحديث الخطبة قائم على تعكر مزاجه منه فقط ؟؟!!

           بل إن الكثير من القصص التي وردت في القرآن جاءت بألفاظ وبصيغ وبسرد مختلف ، فهل مسألة تناقضها في الظاهر يدل على بطلانها ؟؟؟ أم أن المجال مفتوح أمام أصحاب العقول السليمة ليقوموا بالجمع بينها ؟؟

           فمن ذلك قصة لوط عليه السلام عند إهلاك قومه في سورة هود ، يقول تعالى : ( ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب . وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد . قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد . قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد . قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح إليس الصبح بقريب ) ، بينما سياق القصة يختلف تماماً في سورة الحجر ، حيث جاء النص كما يلي : ( فلما جاء آل لوط المرسلون . قال إنكم قوم منكرون . قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون . وأتيناك بالحق وإنا لصادقون . فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون . وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين . وجاء أهل المدينة يستبشرون . قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون . واتقوا الله ولا تخزون ) ، فهنا أفصح الملائكة عن أنفسهم قبل قدوم قوم لوط وجدالهم معه ، بينما في النص السابق لم يعلم لوط أنهم ملائكة إلا بعد قدوم قومه ، وبعد الجهد الجهيد الذي بذله لمنعهم من الوصول إلى الملائكة ، فهل التناقض الذي سيفهمه سقماء العقول أمثال الميلاني يعني أن نسقط هذه الآيات الكريمات من الاعتبار من أجل سواد عيونهم ؟؟!!

           وأما قصة موسى عليه السلام مع فرعون ؛ فما أكثر ما جاء فيها مما يسميه الميلاني تناقضاً ، فمرة يعرض السحرة على موسى الخيار في أن يبدأ هو أو أن يبدأوا هم ؟ ( قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى ) ، ومرة يبادر موسى فوراً آمراً إياهم بالابتداء ( قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون ) .

           ومرة يقول السحرة : آمنا برب موسى وهارون ، ومرة برب هارون وموسى .

           ومرة يقول فرعون لموسى : ( قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ) ، ومرة يكون موسى هو صاحب العرض ، فيقول : ( قال أولوا جئتك بشيء مبين . قال فأت به إن كنت من الصادقين ) .

           ومرة يأمر فرعون بقتل أبناء بني إسرائيل بعد أن يأتيه موسى بالنبوة ، ومرة تكون سنة فرعون قتل أبناء بني إسرائيل دوماً.

           وعندما ألقى موسى عليه السلام عصاه ، ونزع يده قال فرعون للملأ حوله : ( إن هذا لساحر عليم ) ، ومرة قال الملأ له نفس العبارة : ( إن هذا لساحر عليم ) .

           فهل يسمي الميلاني هذا تناقضاً ؟؟ وهل تحير الشراح والمفسرون من الشيعة في الجمع بين هذه الآيات ؟؟ وهل اضطربت كلماتهم ولم يوفقوا للجمع بينها وإن حاولوا وتمحلوا ؟؟

           أم أن الشيعة فقط هم من يسمح لهم بالجمع بين المتعارضات ؟؟!!

           اللهم إنا نبرأ إليك مما جرنا السفهاء من أمثال الميلاني إلى قوله من الطعن في كتابك .

 

           ثم أخذ يبني كلامه مستنداً على عقائد الشيعة ، والتي لا تمثل شيئاً في نقد هذه الرواية ، لأن هذه الرواية من طرق أهل السنة والجماعة ، وأهل السنة والجماعة لا يؤمنون بعصمة علي رضي الله عنه ، ولا بعصمة الزهراء رضي الله عنها ، ولا بإحاطة علي رضي الله عنه بعلوم الأولين والآخرين ، ولا بارتفاع الزهراء عن مستوى النساء الطبيعي الذي جبلهن الله عليه ، فهي تحيض ، وتلد ، وتنفس ، وتغار كغيرة النساء ، كما أن أبوها عليه صلوات الله وسلامه لم يكن مرتفعاً عن مستوى الرجال الطبيعي الذي جبلهم الله عليه ، فكان ينكح النساء ، ويأكل ويشرب ، ويمشي في الأسواق ، ويقضي حاجته في الخلاء ، ويعرق ، وتطول أظافره ، ويقص شاربه ، وينظف شعره ، وغير ذلك مما يجري على الرجال بحكم خلقتهم التي جبلهم الله عليها .

           ومجمل أحكام القصة أن علياً رضي الله عنه أخذ بعموم جواز الزواج من أربع نساء ، فخطب لنفسه ابنة أبي جهل ليتزوجها ، فغارت فاطمة رضوان الله عليها لأنها امرأة ، أما من يقول : إنها لا تغار ؛ فهذا كأنه يقول : إنها ليست امرأة عاقلة سوية .

           ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يخبر الناس كلهم بأن أذى فاطمة يؤذيه ، وأن أذيته لا تجوز بأي شكل ، سواء كان بشكل مباشر أم غير مباشر ، وحتى لو كان الأمر المؤدي للأذية مباحاً في أصله مثل الزواج من امرأة أخرى ، ولهذا خطب الناس بتلك الخطبة المعروفة ، حتى يتبين الأمر لجميع الناس .

           ثم يقول الميلاني بوقاحته الشهيرة : ( قد اشتملت خطبته على ما يلي : الثناء على صهر له من بني عبد شمس ، والخوف من أن تفتن فاطمة في دينها ، وأنه ليس يحرم حلالاً ولا يحل حراماً .. ولكن لا يأذن ، وأنه لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله ، وإلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنته ) ، وغفل أعمى البصيرة هذا عامداً عما يلي : ( بضعة مني ، يريبني ما أرابها ، ويؤذيني ما آذاها ) ، ولكن الميلاني يخشى عندما يذكر هذه الكلمات الجميلة أن يعطي القارئ لكلامه الغث دفعة معنوية إيجابية لتصديق هذا الحديث ، بينما هو يسعى بخيله ورجله ليسقط هذا الحديث من الاعتبار بدون وجه حق .

           ثم يذكر أن الشراح قد احتاروا في القول بأن فاطمة تعتريها الغيرة كسائر النساء ، بينما أن الشراح لم يتناولوا هذه القضية أصلاً !!!!!

           وأما قوله : ( وفاطمة الزهراء ليست بالتي تفتن عن دينها ، أو يعتريها ما يعتري النسوة ، وقد نزلت فيها آية التطهير من السماء ) ، فأقول : نحن بانتظار رسالة الميلاني الجديدة : نظرات في أسانيد حديث الكساء ، لتكون الرسالة الحادية عشر في هذه السلسلة .

           وأما قوله : ( والنبي يعترف في خطبته بأن علياً ما فعل حراماً ، ولكن لا يأذن ، فهل إذنه شرط ؟ وهل يجوز حمل الصهر على طلاق زوجته إن تزوج بأخرى عليها ؟! ) ، فأقول : إن عدم إذن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعني حمل الصهر على الطلاق ، وإنما يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم لن يرضى بهذا النكاح ، لعدم رضا ابنته به ، ومن هنا سيكون أذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأذيته صلوات ربي وسلامه عليه لا تجوز .

           ثم يقول الميلاني بعد سرد أقوال الأئمة في شرح الأحاديث : ( ولو ذكرنا التناقضات الأخرى الموجودة بينهم لطال بنا المقام ) ، وأقول : وهل بعد هذا الطول من طول ؟ ولكن الأسلوب الدعائي الذي يستعمله الميلاني دوماً قد انكشف أمره ، وأصبح لعبة قديمة ، ولو وجد الميلاني حرفاً واحداً زيادة على ما كتب لما ادخر وسعاً في تدوينه والتهريج به ، ظاناً أنه سيستطيع إسقاط هذا الخبر ، وما درى المسكين أنه يناطح جبلاً .

           ثم شرع يذكر بعض الطرائف التي وجدها أثناء البحث ، فيقول : ( ومن طرائف الأمور جعل البخاري كلام النبي خلعاً ) ، والطريف في أمر الميلاني هذا أنه لا يقيم لذكر النبي صلى الله عليه وسلم وزناً ، ولا يصلي عليه إلا عند ذكر آله ( الطيبين الطاهرين ) .

           وفرح الميلاني باستدراكات شراح صحيح البخاري عليه هذا العنوان ، حيث إن القصة لا تدل على وجود الخلع ، ولكننا نود تذكير الميلاني بأن البخاري غير معصوم ، وأنه فقيه محدث له رأيه واجتهاده ، وإن أخطأ في أمر من الأمور فهذا ليس موضعاً لضمه في كتب النوادر والطرائف ، وإلا لو كان الأمر كذلك ؛ لأمتلأت كتب بالطرائف المجموعة من كتب الشيعة .

           بل وصل الأمر إلى المآسي التي تدمي القلب ، فمن المؤسف جداً أن علماء الإمامية القدامى مجمعون على القول بتحريف القرآن ، ومن المضحك الطريف جداً أو علماء الإمامية المتأخرين يلعنون ويتبرأون ممن قال بتحريف القرآن !!!

           ومن الطريف جداً أن علماء الإمامية يرون جواز إتيان النساء من أدبارهن ! ( قبحهم الله ) .

           والأكثر طرافة : مسألة المتعة الدورية ، واستعارة الفروج ، والتمتع بالرضيعة ، وجواز تلقيح المرأة بنطفة رجل غير الزوج حتى ينسب الطفل المولود للزوج !!!!!

           ثم إن القضية التي وقع في التناقض بشكل فعلي : هي قضية استئذان علي رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة ، والتي وردت عن سويد بن غفلة رحمه الله مرسلة ، والتي رواها عنه الشعبي رحمه الله تعالى ، وهذه الزيادة باطلة موضوعة ، ولم ترد بإسناد مرضي ، بل مخالفة للأسانيد الموصولة الصحيحة الأخرى ، وقد روى هذه الزيادة : عبدالله بن أحمد في الفضائل ، وابن أبي شيبة في المصنف عن زكريا بن أبي زائدة ، عن الشعبي ، عن سويد بن غفلة ، والحاكم يرويها في المستدرك عن أحمد ، والمتقي في كنز العمال يرويها مباشرة بدون خطام ولا زمام عن الشعبي ، ويروي جزءاً منها الهيثمي عن ابن عباس بلا إسناد !!!!

           ولهذا نرى الميلاني لما رأى ضعف هذه الزيادة ؛ قام بحشد عدد من المصارد التي ذكرتها ، والتي لم يكن من عادة الميلاني أن ينظر إليها ، ولكن لما رأى أن هذه الزيادة قد تعينه في إسقاط حجية الحديث قام بحشدها من الكتب التي تحمل الغث عند تفردها ، من أمثال : مستدرك الحاكم ، ومصنف ابن أبي شيبة ، وكنز العمال ، والصواعق المحرقة ، وغيرها .

 

           ثم بدأ يعرض نتيجة تأملاته في الحديث ، وأرى من المناسب أن أعرض نتيجة تأملاتي في الحديث بعد تأملاته ، فيقول هو في البداية :

           ( 1 – إن قول المسور : " وأنا محتلم " يورث الشك في سماعه الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذا عدم المناسبة المعقولة بين طلبه للسيف من زين العابدين وإخباره بالقصة ، ثم إلحاحه في طلب السيف ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " فاطمة بضعة مني " ! ) .

           والجواب : أننا قلنا أن معنى " وأنا محتلم " هو " وأنا كالمحتلم " ، وأما المناسبة فواضحة ظاهرة للعيان ، وطلبه للسيف كان       لحفظه ، لأن فقده يعز على علي بن الحسين رحمه الله ويكدر خاطره .

           ويقول الميلاني : ( 2 – إن ألفاظ الحديث مختلفة ، ومعانيها متفاوته جداً ، بحيث لم يتمكن شراحه من بيان وجهٍ معقول للجمع بين تلك الألفاظ ، ولما كانت الحال هذه والقصة واحدة ؛ فلا محالة يقع الشك في أصل الحديث ) !!

           وأقول : قد ذكرنا أن القصة ليست متعارضة بالشكل الذي يزعمه الميلاني ، وأن الجمع بين ألفاظها سهل ميسور ، ولكن للعقلاء والمنصفين فقط ، وذلك أولاً بطرح الروايات الضعيفة ، ثم النظر فيما صح من الروايات ، أما من كان على شاكلة الميلاني فيعسر عليهم ذلك ، كما أن هناك الكثير من الآيات ظاهرها متعارض ، ولكن لا وجه للقول بأنها متناقضة متعارضة فعلاً ، فإذا كان تناقض ظاهر الألفاظ قد وقع في القرآن ؛ فوقوعه في غيره أولى ، وليس هو في الحقيقة لا تناقضاً ولا تعارضاً .