الرد على الجاني علي الميلاني
في طعنه في أسانيد روايات خطبة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه لإبنة أبي جهل

بقلم : ماجد بن إبراهيم الصقعبي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

           الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وعلى أصحابه الغر الميامين ، رضي الله عنهم أجمعين ، ولعن الله أعداءهم ومنتقصيهم إلى يوم الدين ، آمين يا رب العالمين .

 

           قال الشاعر :

ولو أني بليت بهاشمي لهان عليّ ما ألقى ولكن        * خؤولته بنو عبد المدان تعالوا فانظروا بمن ابتلاني

 

           أما بعد : فهذه وقفة أخرى مع رسالة أخرى مع مدعي البحث والمعرفة ، آية الله في الخذلان ، وعبرة المعتبرين على مر الأزمان ، الأبله الذي لا يبارى ، والجاهل الذي لا يجارى ، المعروف بعلي الميلاني ، حاشا علي المرتضى رضوان الله عليه أن يتنجس ذكره بتسمي هذا النكرة بإسمه ، ولكن لعلنا نرمز إلى محققنا القدير بالميلاني ، لأن في اسمه من فعله الشيء الكثير ، فيعلم الله كم مال هذا الأحمق عن الحق ، وتنكب جادة الصواب ، وفي ما يلي من كلامه الدليل القاطع .

 

           والرسالة المقصودة في بحثنا هذا : هي الخبر الشهير الصحيح أن علياً رضي الله عنه خطب ابنة أبي جهل ، فغضب لذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، ونهاه عن ذلك ، فامتنع علي رضي الله عنه عن الخطبة ، وقد ألّف هذا المحقق رسالته هذه في الطعن في أسانيد هذه الرواية ، وحاول عبثاً الطعن في رواتها لا لشيء ؛ إلا أنهم رووا هذه الحادثة ، مبتعداً كل الابتعاد ، ومائلاً كل الميل عن طريقة المحققين العقلاء في نقد الأسانيد والروايات .

           وقد كانت عمدة احتجاج هذا المخذول في الطعن في بعض الرواة هي أنهم من أعداء ( أمير المؤمنين ) علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ولم يجد دليلاً صحيحاً على هذه التهمة إلا روايتهم لهذه الرواية !!!!!!! فيا للعجب العجاب !! كما احتج بالحجج التي لا تقنع الأطفال للطعن في هؤلاء الرواة وإثبات العداء لهم من آراء علماء السنة ، ولكن بطريقة الدجل والتمويه والكذب ، ولكن حججه لن تنطلي إلا على البسطاء من بني دينه ، أما العقلاء فلهم طريقة أخرى في الحكم على الرجال ، خاصة إذا علمنا أن العداء لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ليس مسقطاً لعدالة الرجل ، وكذلك رواية ما يفهم منه منكسو الفهم أنه طعن في علي بن أبي طالب ليس مسقطاً للعدالة ، هذا فضلاً عن غضه الطرف عن الروايات التي تمدح علي بن أبي طالب وأهل بيته والتي رواها هؤلاء الذين يسميهم بالأعداء !! فكيف يكون عدواً من يروي الفضائل لعدوه ؟؟ إن هذا لو صح كونه عدواً ؛ لوجب على العقلاء أن يعدونه منصفاً لروايته فضائل عدوه ، لا أن يسقطوه من الاعتبار ، ولكن أين العقلاء ؟؟

           والآن لنتطرق لرسالته الظريفة التي وضع في بدايتها مقدمة أرى من المناسب توجيهها إلى بني جلدته في المقام الأول ، يقول فيها : ( فإن السنة النبوية وأخبار الرسول الكريم وأصحابه ، وحوادث صدر الإسلام المنعكسة في كتب الحديث والتواريخ والسير ، بحاجة ماسة إلى التحقيق والتمحيص والدراسة العميقة الدقيقة ، لما لها من الأهمية الفائقة في حياتنا العقائدية والعملية ، تحقيقاً وتمحيصاً بعيداً عن الأغراض والتعصبات والأهواء والانحيازات ... وهذه هي أولى الخطوات الواجب اتخاذها في سبيل خدمة تراثنا ، وإحيائه ونشره .

 لقد ولّت عصور التعصب ، وتفتّحت العيون ، وتنورّت الأفكار وتوفرت الإمكانيات ، وانتشرت الكتب .. فلا يسعنا التهاون في هذا الواجب ثم إلقاء عبء القيام به على الآخرين ، أو القول بصحّة كل ما جاء في هذا الكتاب أو ذاك من كتب الأقدمين .

           صحيح أنّ المحدّثين لم يدونوا جميع ما رووه ووعوه ، بل أودعوا في المصنفات والصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم ما توصّلوا باجتهادهم إلى ثبوته ونقّحوه وصحّحوه ... لكن ذلك لا يغنينا عن النظر في أحاديثهم ، ولا يكون عذراً لنا ما دمنا غير مقلّدين لهم في آرائهم ... ) .

           وكم أخذني العجب والله من هذه المقدمة ‍!! لأن نظرة بسيطة عابرة لجهود أهل السنة والجماعة في تنقيح وغربلة الأحاديث مقارنة بجهود الرافضة في تنقيح وغربلة أحاديثهم تفي بإلقامه حجراً يتجرعه ولا يكاد يسيغه .

           ونود أن نسأل هذا الميلاني الذي أمضى جزءاً من حياته في الطعن في عشرة أحاديث مشتهرة عند أهل السنة ( بعضها قد صرح العلماء بأنها موضوعة !!! ) : كم أمضيت من حياتك في البحث عن الصحيح والضعيف من الروايات الواردة في كتب الشيعة ؟؟ وكم هي جهود علماء التشيع في تنقيح وغربلة كتب التشيع مقارنة بما أمضوه من حياتهم وجهودهم في غربلة كتب أهل السنة المغربلة أصلاً ، والمنقحة قبل تفتح عيونهم على الدنيا ؟؟

           اذكر لنا – يا صاحب السماجة - بعض أسماء الكتب الشيعية التي قامت بتحقيق الكتب الثمانية التي يقوم عليها دين الأمامية ؟؟ أو اذكر لنا كتاباً واحداً يقترن مع كتاب مرآة العقول في تنقيح أحاديث كتاب من كتب الشيعة على رغم تهرب الشيعة من تصحيحات المجلسي في مرآة العقول التي لا تستسيغها العقول .

إن الميلاني يعلم قبل الجميع أن الإجابة مخزية ، وأن نشرها فضيحة ، فيا للعار والشنار .

           ويقول في مقدمته أيضاً : ( لقد راجعنا هذا الحديث المتعلّق بالنبي والإمام والزهراء ... في جميع مظانه ، ولاحظنا أسانيده ومتونه ، فتدبّرنا في أحوال رواته على ضوء كلمات أعلام الجرح والتعديل ، وأمعنا النظر في مدلوله على أساس القواعد المقررة في كتب علوم الحديث .. وبالاستناد إلى ما ذكره المحققون من شراح الأخبار .. فوجدناه حديثاً موضوعاً ، وقضيّة مختلقة ، وحكاية مفتعلة ... يقصد من ورائه التنقيص من النبي في الدرجة الأول ، ثم من علي والصديقة الكبرى ) ، والعجيب أنه يقول ( على ضوء كلمات أعلام الجرح والتعديل ) ، واعجبْ أكثر عندما ترى مسخاً يجمع أقوال علماء في مسألة ما ليصل إلى نتيجة عكسية تماماً لما قرروه وأثبتوه !!!!!

          ثم يقول : ( هذه نتيجة التحقيق الذي قمت به حول هذا الحديث الذي لم أقف على من بحث حوله كما بحثت ) ، فأقول : وهل يوجد أحد في الدنيا يبحث كما تبحث ؟؟ وهل ظهر على الوجود بين الكائنات العاقلة من يتبع أقوال العلماء ليصل إلى عكس ما وصلوا إليه ؟؟؟!! وسيرى القارئ أن الميلاني قد أتى بطرق في نقد الرجال والروايات خرق بها إجماع البشر كلهم مسلمهم وكافرهم ، سنيهم وشيعيهم !!! فهو صادق إلى حد كبير في قوله هذا .

           ثم ذكر مخرجي هذا الحديث وأسانيده ، وهي كالتالي :

           روايات البخاري !!! أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى :

           قال البخاري : حدثنا سعيد بن محمد الجرمي ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا أبي ، أن الوليد بن كثير حدثه ، عن محمد بن عمرو بن حلحلة الدؤلي ، حدثه أن ابن شهاب حدثه : أن علي بن الحسين حدثه : أنهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية مقتل حسين بن علي رحمة الله عليه ؛ لقيه المسور بن مخرمة ، فقال له : هل لك إليّ من حاجة تأمرني بها ؟ فقلت له : لا . فقال : فهل أنت معطي سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه ؟ وأيم الله لئن أعطيتنيه لا يخلص إليهم أبداً حتى تبلغ نفسي . إن علي بن أبي طالب خطب ابنة أبي جهل على فاطمة عليها السلام ، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس في ذلك على منبره هذا – وأنا يومئذ محتلم – فقال : إن فاطمة مني ، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها ، ثم ذكر صهراً له من بني عبد شمس ، فأثنى عليه في مصاهرته إياه ، قال : حدثني فصدقني ، ووعدني فوفى لي ، وإني لست أحرم حلالاً ، ولا أحل حراماً ، ولكن – والله – لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله أبداً .

وجاء في كتاب النكاح : حدثنا قتيبة ، حدثنا الليث ، عن ابن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر : إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب ، فلا آذن ، ثم لا آذن ، ثم لا آذن ، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي ، وينكح ابنتهم ، فإنما هي بضعة مني ، يريبني ما أرابها ، ويؤذيني ما آذاها .

وجاء في كتاب المناقب : ذكر أصهار النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنهم أبو العاص بن الربيع : حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : حدثني علي بن الحسين ، أن المسور بن مخرمة قال : إن علياً خطب بنت أبي جهل ، فسمعت بذلك فاطمة ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك ، وهذا علي ناكح بنت أبي جهل ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسمعته حين تشهد يقول : أما بعد ، أنكحت أبا العاص بن الربيع ، فحدثني وصدقني ، وإن فاطمة بضعة مني ، وإني أكره أن يسوئها ، والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد ، فترك علي الخطبة .

زاد محمد بن عمرو بن حلحلة : عن ابن شهاب ، عن علي ، عن مسور : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر صهراً له من بني عبد شمس ، فأثنى عليه في مصاهرته إياه ، فأحسن ، قال : حدثني فصدقني ، ووعدني فوفى لي .

           وجاء في باب الشقاق من كتاب الطلاق : حدثنا أبو الوليد ، حدثنا الليث ، عن ابن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة الزهري ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن بني المغيرة استأذنوا في أن ينكح علياً ابنتهم ، فلا آذن .

 

           روايات مسلم :

           قال الإمام مسلم رحمه الله في باب فضائل فاطمة رضي الله عنها : حدثنا أحمد بن عبدالله بن يونس ، وقتيبة بن سعيد ، كلاهما عن الليث بن سعد ، قال ابن يونس : حدثنا ليث ، حدثنا عبدالله بن عبيدالله بن أبي مليكة القرشي التيمي ، أن المسور بن مخرمة حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول : ألا إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم ...

           حدثني أحمد بن حنبل ، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا أبي ، عن الوليد بن كثير ، حدثني محمد بن عمرو بن حلحلة الدؤلي ، أن ابن شهاب حدثه أن علي بن الحسين حدثه أنهم حين قدموا المدينة ...

           حدثني عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي ، أخبرنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني علي بن حسين ، أن المسور بن مخرمة أخبره : أن علي بن أبي طالب خطب ...

           وحدثنيه أبو معز الرقاشي ، حدثنا وهب – يعني : ابن جرير – عن أبيه ، قال : سمعت النعمان – يعني : ابن راشد – يحدث عن الزهري بهذا الإسناد نحوه .

 

           روايات الترمذي :

           في كتاب المناقب ، فضل فاطمة ، قال الترمذي : حدثنا قتيبة ، حدثنا الليث ، عن ابن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول – وهو على المنبر - : إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ...

           قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح !!!

           وقد رواه عمرو بن دينار ، عن ابن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة نحو هذا .

           حدثنا أحمد بن منيع ، حدثنا إسماعيل بن علية ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، عن عبدالله بن الزبير : أن علياً ذكر بنت أبي جهل ...      قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .

           هكذا قال أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن الزبير ( وقد أخطأ الميلاني هنا فقال : عن الزبير ) ، وقال غير واحد : عن ابن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة ، ويحتمل أن يكون ابن أبي مليكة روى عنهما جميعاً .

 

           روايات ابن ماجة :

           أورده الإمام ابن ماجة في كتاب النكاح ، باب الغيرة : حدثنا عيسى بن حماد المصري ، أنبأنا الليث بن سعد ، عن عبدالله بن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول : إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم ...

           حدثنا محمد ين يحيى ، ثنا أبو اليمان ، أنبأنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني علي بن الحسين : أن المسور بن مخرمة أخبره : أن علي بن أبي طالب خطب ... فنزل علي عن الخطبة .

 

           روايات أبي داود :

           أخرجه أبو داود في كتاب النكاح : حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل ، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، حدثني أبي ، عن الوليد بن كثير ، حدثني محمد بن عمرو بن حلحلة الدؤلي ، أن ابن شهاب حدثه ، أن علي بن حسين حدثه : أنهم حين قدموا المدينة ...

           حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ، ثنا عبدالرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، وعن أيوب عن ابن أبي مليكة بهذا الخبر . قال : فسكت علي عن ذلك النكاح .

           حدثنا أحمد بن يونس ، وقتيبة بن سعيد المعنى ( وقيل المثنى ) ، قال أحمد : ثنا الليث ، حدثني عبدالله بن عبيدالله بن أبي مليكة القرشي التيمي : أن المسور بن مخرمة حدثه ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول : إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم من علي بن أبي طالب ، فلا آذن ، ثم لا آذن ، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم ، فإنها بضعة مني ، يريبني ما أرابها ، ويؤذيني ما آذاها .

 

           روايات الحاكم :

           أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي ، ثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، أخبرني أبي ، عن الشعبي ، عن سويد بن غفلة ، قال : خطب علي ابنة أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام ، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : أعن حسبها تسألني ؟ قال علي : قد أعلم ما حسبها ، ولكن أتأمرني بها ؟ فقال : لا ، فاطمة بضعة مني ، ولا أحسب إلا أنها تحزن أو تجزع ، فقال علي : لا آتي شيئاً تكرهه .

           هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه بهذه السياقة .

           أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، ثنا سعيد بن مسعود ، ثنا يزيد بن هارون ، وأخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي ، ثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، ثنا يزيد بن هارون : أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي حنظلة – رجل من أهل مكة – أن علياً خطب ابنة أبي جهل ، فقال له أهلها : لا نزوجك على ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنما فاطمة مضغة مني ، فمن آذاها فقد آذاني .

           حدثنا بكر بن محمد الصيرفي ، ثنا موسى بن سهل بن كثير ، ثنا إسماعيل بن علية ، ثنا أيوب السختياني ، عن ابن أبي مليكة ، عن عبدالله بن الزبير : أن علياً رضي الله عنه ذكر ابنة أبي جهل ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنما فاطمة بضعة مني ، يؤذيني ما آذاها ، وينصبني ما أنصبها .

           هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

 

           رواية ابن أبي شيبة : ( وقد أقحم رواية ابن أبي شيبة هنا لغرض في نفسه يأتي بيانه لاحقاً )

           حدثنا محمد بن بشر ، عن زكريا ، عن عامر ، قال : خطب علي ابنة أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام ، فاستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ، فقال : عن حسبها تسألني ؟ قال علي : قد أعلم ما حسبها ، ولكن أتأمرني بها ؟ قال : لا ، فاطمة بعضة مني ، ولا أحب أن تجزع ، فقال علي : لا آتي شيئاً تكرهه .

 

           روايات أحمد بن حنبل :

           عبدالله ، حدثني أبي ، ثنا وهب بن جرير ، ثنا أبي ، قال : سمعت النعمان ، يحدث عن الزهري ، عن علي بن حسين ، عن المسور بن مخرمة : أن علياً خطب ...

عبدالله ، حدثني أبي ، ثنا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني علي بن حسين ، أن المسور بن مخرمة أخبره أن علي بن أبي طالب خطب .

عبدالله ، حدثني أبي ، ثنا يعقوب – يعني : ابن إبراهيم – ثنا أبي ، عن الوليد بن كثير ، حدثني محمد بن عمرو ، حدثني ابن حلحلة الدؤلي ، أن ابن شهاب حدثه ، أن علي بن الحسين حدثه : أنهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية مقتل حسين بن علي ، لقيه المسور بن مخرمة ... أن علي بن أبي طالب خطب ...

عبدالله ، حدثني أبي ، حدثنا هاشم بن القاسم ، ثنا الليث – يعني : ابن سعد – قال : حدثني عبدالله بن عبيدالله بن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو على المنبر – يقول : إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ...

عبدالله ، حدثني أبي ، ثنا إسماعيل بن إبراهيم ، أنا أيوب ، عن عبدالله بن أبي مليكة ، عن عبدالله بن الزبير ، أن علياً ذكر ابنة أبي جهل ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنما فاطمة بضعة مني ، يؤذيني ما آذاها ، وينصبني ما أنصبها .

وجاء في فضائل فاطمة بنت رسول الله من مناقب الصحابة : عبدالله ، قال : حدثني أبي ، أنا يحيى بن زكريا ، قال : أخبرني أبي ، عن الشعبي ، قال : خطب علي . وقد أقحم كتاب فضائل الصحابة ، ولم يكمل هذا الحديث لغرض في نفسه أيضاً ، وتمامه هو : خطب علي بنت أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام ، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم فيها ، فقال : أعن حسبها تسألني ؟ قال علي : قد أعلم ما حسبها ، ولكن أتأمرني بها ؟ فقال : لا ، فاطمة مضغة مني ، ولا أحب أن تحزن أو تجزع ، فقال علي : لا آتي شيئاً تكرهه .

عبدالله ، قال : حدثني أبي ، أنا يزيد ، قال : أنا إسماعيل ، عن أبي حنظلة ، أنه أخبره رجل من أهل مكة : أنا علياً خطب ...

           عبدالله ، قال : حدثني أبي ، أنا سفيان ، عن عمرو ، عن محمد بن علي : أن علياً عليه السلام أراد أن ينكح ابنة أبي جهل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر : إن علياً أراد أن ينكح العوراء بنت أبي جهل ، ولم يكن ذلك له أن يجمع بين ابنة عدو الله وبين ابنة رسول الله ، وإنما فاطمة مضغة مني .

           عبدالله ، قال : حدثني أبي : أنا إسماعيل بن إبراهيم ، قال : أنا أيوب ، عن عبدالله بن أبي مليكة ، عن عبدالله بن الزبير : أن علياً ذكر ابنة أبي جهل ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنما فاطمة بضعة مني ، يؤذيني ما آذاها ، وينصبني ما أنصبها .

           عبدالله ، حدثني أبي ، أنا هاشم بن القاسم ، ثنا الليث ، قال : حدثني عبدالله بن عبيدالله بن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو على المنبر – يقول : إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم ...

           عبدالله ، قال : حدثني أبي ، أنا أبو اليمان ، قال : أنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني علي بن حسين ، أن المسور بن مخرمة أخبره أن علي بن أبي طالب خطب ابنة أبي جهل ، وعنده فاطمة ... قال : فنزل علي عن الخطبة .

           عبدالله ، قال : حدثني أبي ، قال : أنا عبدالرزاق ، قال : أنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، وعن أيوب ، عن ابن أبي مليكة : أن علي بن أبي طالب خطب ابنة أبي جهل ، حتى وعد النكاح ... فسكت علي عن ذلك النكاح وتركه .

           عبدالله ، قال : حدثني أبي ، أنا وهب بن جرير ، أنا أبي ، قال : سمعت النعمان يحدث عن الزهري ، عن علي بن الحسين ، عن المسور بن مخرمة ، أن علياً خطب ...

 

           ثم انتقى بعض المسانيد والمعاجم التي ذكرت هذه الرواية لنفس الغرض الذي اختار من أجله مصنف ابن أبي شيبة ، وقد اختار منها ما يلي دون أدنى اعتبار لفقدان أسانيدها ، فيقول :

           روى الهيثمي ، عن ابن عباس ( مباشرة دون ذكر الإسناد !! ) : أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خطب بنت أبي جهل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كنت تزوجتها ؛ فرد علينا ابنتنا . ( أقول :هذه الرواية باطلة ) .

           وروى ابن حجر العسقلاني ، عن علي بن الحسين : أن علي بن أبي طالب أراد أن يخطب بنت أبي جهل ، فقال الناس : أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد من ذلك ؟ فقال ناس : وما ذلك ؟ إنما هي امرأة من النساء ، وقال ناس : ليجدن من هذا ، يتزوج ابنة عدو الله على ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فما بال أقوام يزعمون أني لا أجد لفاطمة ، وإنما فاطمة بضعة مني ، إنه ليس لأحد أن يتزوج ابنة عدو الله على ابنة رسول الله . هذا مرسل ، وأصل الحديث في الصحيحين .

           وروى المتقي ، عن الشعبي ، قال : جاء علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن ابنة أبي جهل ، وخطبتها إلى عمها الحارث بن هشام ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : عن أي بالها تسألني ؟ أعن حسبها ؟ قال : لا ، ولكن أريد أن أتزوجها ، أتكره ذلك ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنها فاطمة ، بضعة مني ، وأنا أكره أن تحزن أو تغضب . فقال علي : فلن آتي شيئاً ساءك . ( أقول : هذه الرواية باطلة ) .

           عن ابن أبي مليكة : أن علي بن أبي طالب خطب ابنة أبي جهل ، حتى وعد النكاح ، فبلغ ذلك فاطمة ، فقالت لأبيها : يزعم الناس أنك لا تغضب لبناتك ، و هذا أبو الحسن قد خطب ابنة أبي جهل ، وقد وعد النكاح ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً ، فحمد الله وأثنى بما هو أهله ، ثم ذكر أبا العاص بن الربيع ، فأثنى عليه في صهره ، ثم قال : إنها فاطمة ، بضعة مني ، وإني أخشى أن تفتنوها ، والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله تحت رجل ، فسكت عن ذلك النكاح وترك .

 

           وبعد ذلك ابتدأ نظراته العمياء في أسانيد هذا الحديث فيقول :     ( استعرضنا طرق هذا الحديث في الصحاح والمسانيد وغيرها ، فوجدنا أنها تنتهي إلى :

           1 – المسور بن مخرمة .

           2 – عبدالله بن العباس . أقول : كلها ضعيفة .

           3 – علي بن الحسين .

           4 – عبدالله بن الزبير .

           5 – عروة بن الزبير .

           6 – محمد بن علي بن أبي طالب .

           7 – سويد بن غفلة . أقول : الروايات عن سويد بن غفلة شاذة .

           8 – عامر الشعبي . أقول : وكذلك روايات الشعبي شاذة لأنه يرويها عن سويد بن غفلة .

           9 – ابن أبي مليكة  ) .

 

           أولاً : روايات ابن عباس رضي الله عنهما .

           كان غباء من المؤلف مناقشة هذه الأسانيد ، لأنه لم يذكرها أولاً بسند متصل ، وثانياً : أنها ضعيفة كلها ، لورود عبيدالله بن تمام في أسانيدها ، والحمد لله الذي جعل أهل السنة والجماعة يعرفون سبب ضعف كل حديث ضعيف ، بحيث يعطون سبباً مقنعاً واضحاً للتضعيف ، وليس حالهم – والحمد لله على نعمة الهداية – كحال من يضعفون بالمزاج .

           أما قول المؤلف الأمين وما هو بأمين عن عبيدالله بن تمام : ( ذكره ابن حجر ، وذكر هذا الحديث من مناكيره ) ، محاولاً إيهام القارئ بأن ابن حجر يرى أن هذا الحديث من وضع عبيدالله بن تمام ، بينما ابن حجر كان يرمي إلى اللفظة الواردة فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رد علينا ابنتنا ) ، حيث تفرد بها عبيدالله بن تمام عن بقية الحفاظ ، فعد ابن حجر هذه الزيادة من مناكيره ، لا أن الحديث بأكمله من المناكير .

 

           أحاديث علي بن الحسين :

           أيضاً الحديث في الأسانيد التي تصل إلى علي بن الحسين ضياع في الوقت ، لأنها كلها وردت عن طريق الإمام الثقة الحافظ الزهري ، والذي ستعرف نبأه بعد قليل .

 

           أحاديث عبدالله بن الزبير رضي الله عنه :

           قال الميلاني : ( رواه الترمذي ، وأحمد ، والحاكم ، وأبو نعيم في حلية الأولياء ، عن أيوب السختياني عن ابن أبي مليكة عنه ) ، ثم ذكر أن ابن أبي مليكة روى هذا الحديث عن ابن الزبير وعن المسور بن مخرمة رضي الله عنهما ، ثم يقول : ( إن كان ( يقصد ابن الزبير رضي الله عنه ) قد سمعها من المسور ؛ فسنتكلم على حديث مسور بالتفصيل ، وإن كان هو الراوي للحديث بأن يكون قد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو طفل – لأنه ولد سنة إحدى من الهجرة – فحالة في البغض لعلي وأهل البيت بل للنبي نفسه معلوم ) .

           فأولاً أقول : من الأدب الذي يجب التزامه مع النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلى عليه عند ذكره ، في حين نرى الشيعة يلتزمون هذا الأدب على الدوام فقط مع أئمتهم ، حتى في نقولاتهم ، دون أدنى اعتبار لمقام الرسول صلى الله عليه وسلم ، حيث نجد هذا الميلاني ينقل النقولات عن كتب أهل السنة والجماعة والتي فيها الصلاة على رسول الله ، فيضيف إلى كل واحدة منها بين قوسين لفظ ( وآله ) ، في حين أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عنده يمر مرور الكرام .

           ثانياً : هذا الميلاني البحاثة لا يدري متى وقعت القصة المذكورة ، وقد وقعت قرابة السنة الثامنة للهجرة ، وقد كان عمر ابن الزبير رضي الله عنه وقتها قد تجاوز السابعة حتماً ، أي أنه مميز ، وأن الصلاة وجبت عليه ، وأنه أصغر بقليل جداً من عمر محمد الجواد عندما انتقلت إليه الإمامة العظمى والقوامة الكبرى على أمة محمد صلوات ربي وسلامه عليه بعد وفاة أبيه ، وأقل أيضاً بقليل من عمر فاطمة رضوان الله عليها ( على رواية الشيعة ) عندما تزوجت علياً رضي الله عنه ، وخُطَبها ( البليغة ) المزعومة قبيل زواجها وبعيده منتشرة في كتب الشيعة ، وكذلك كان عمر ابن الزبير رضي الله عنه أقل بقرابة السنتين عن عمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند إسلامه ، وعند واقعة الإنذار يوم الدار الموضوعة ، والتي عينه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصياً له ، وخليفة على أمته من بعده !!!! بل إن عمْر ابن الزبير رضي الله عنه عند وقوع الحادثة أكبر بما يزيد عن السنتين عن عمر المهدي المزعوم المنتظر عند تولية الإمامة العظمى بعد أبيه ، حيث كان ( طفلاً ) في الخامسة من العمر ، ومع ذلك فكونه في الخامسة من العمر ( في نظر الشيعة ) لا يمنع أن يقود أمة كاملة هي آخر الأمم ، وأن يكون آخر الأوصياء !! بينما يستكثرون على ابن السابعة أن يروي قصة وقعت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وما أكثر القصص التي في مخيلة كل شخص منا عن مرحلة الطفولة التي مر بها ، وكم يذكر كل منا من القصص التي مرت به أثناء طفولته كما يذكر اسمه واسم أبيه .

           ثالثاً : قول هذا المفتري عن ابن الزبير رضي الله عنه ( فحاله في البغض لعلي وأهل البيت بل للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) نفسه معلوم ) ؛ فأقول :

والدعاوى ما لم يقيموا عليها                         بينات أصحابها أدعياء

 

           روايات عروة بن الزبير :

           وقد أورده أبو داود عن الزهري عنه ، وقال عبقري الحديث الميلاني عن هذا الإسناد : ( وهو [ منكر ] لأنه مرسل ) !!!!!!! والحمد لله الذي جعل أعداء الإسلام حمقى لا يفرقون بين المرسل والمنكر ، بل يجعلون مراسيل إمام من كبار أئمة التابعين كعروة , وفقهياً من فقهاء المدينة السبعة : مناكير !!! على أن عامة مراسيل عروة بن الزبير رحمه الله كانت عن طريق خالته أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها ، وقد وصلها العلماء في كتبهم التي رجع هذا المحقق النزيه إليها ، ولكنه لم يكن نزيهاً في فهمها ، فما الضير على أعلام السنة وآثارها من ذلك كله ؟؟! وهذا كله مع أن الحديث موصول عن ابن الزبير ، وعن المسور بن مخرمة رضوان الله عليهما ، فما حديث عروة إلا متابع لتلك الأحاديث الموصولة ، وسنوضح ذلك في موضعه .

           ثم يطعن في سند هذا الحديث كلياً متهماً عروة بن الزبير بعدائه لعلي بن أبي طالب ، مع أن عداء علي بن أبي طالب أو أبنائه ليس مسقطاً للعدالة لا عند السنة ولا عند الشيعة !!

           وقد استنتج العلامة البحاثة عداء عروة بن الزبير لعلي بن أبي طالب ؛ بل وشهرة هذه العداوة والبغض بينهما على عدة أمور :

           أولها : أنه حضر يوم الجمل مع أصحابه على صغر سنه ، وعزا ذلك إلى تهذيب التهذيب لابن حجر .

           ثانيها : وضعه حديثاً في فضل زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

           ثالثها : خبر له مع الزهري .

 

           ولعلنا نتطرق بشيء من التفصيل لهذه الاستشهادات النيرة :

           فأولها : أنه حضر يوم الجمل مع أصحابه على صغر سنه ؛ فأرى من المناسب جداً أن نذكر ترجمة عروة بن الزبير رحمه الله من نفس المرجع الذي رجع إليه هذا الكاذب ، لنرى ماذا قال ابن حجر بالضبط عن عروة :

           قال ابن حجر رحمه الله في كتابه الشهير : تهذيب التهذيب ، في الترجمة رقم 5347 : ع ( ويعني بهذا الحرف أن أصحاب الكتب الستة قد رووا عن عروة ) : عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي الأسدي ، أبو عبدالله المدني .

           روى عن : أبيه ، وأخيه عبدالله ، وأمه أسماء بنت أبي بكر ، وخالته عائشة ، وعلي بن أبي طالب ... إلى أن قال : وخلق كثير .

           وعنه : أولاده عبدالله ، وعثمان ، وهشام ، ومحمد ، ويحيى ، وابن ابنه عمر بن عبدالله بن عروة ، وابن أخيه محمد بن جعفر بن الزبير ، وأبو الأسود محمد بن عبدالرحمن بن نوفل يتيم عروة ، وحبيب مولاه ، وزميل مولاه ... والزهري ... وآخرون .

           ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة ، وقال : كان ثقة كثير الحديث فقيهاً عالماً ثبتاً مأموناً ، وقال العجلي : مدني تابعي ثقة ، وكان رجلاً صالحاً لم يدخل في شيء من الفتن ، وقال ابن شهاب : كان إذا حدثني عروة ثم حدثني عمرة صدق عندي حديث عمرة حديث عروة ، فلما بحرتهما إذا عروة بحر لا ينزف ، وقال يحيى بن أيوب عن هشام بن عروة : كان أبي يقول : إنا كنا أصاغر قوم ، ثم نحن اليوم كبار ، وإنكم اليوم أصاغر ، وستكونون كباراً ، فتعلموا العلم تسودوا به ، ويحتاجوا إليكم ، فوالله ما سألني الناس حتى نسيت ، وقال ابن عيينة عن الزهري : كان عروة يتألف الناس على حديثه ، وقال هشام عن أبيه : لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج أو خمس حجج وأنا أقول : لو ماتت اليوم ما ندمت على حديث عندها إلا وقد وعيته ، وقال قبيصة بن ذؤيب : كان عروة يغلبنا بدخوله على عائشة ، وكانت عائشة أعلم الناس ، وعده أبو الزناد في فقهاء المدينة السبعة مع مشيخة سواهم من أهل فقه وفضل ، وقال خالد بن نزار عن ابن عيينة : كان أعلم الناس بحديث عائشة : عروة ، وعمرة ، والقاسم ، وقال ابن أبي الزناد عن عبدالرحمن بن حميد عن عبدالرحمن بن عوف عن أبيه : لقد رأيت الأكابر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنهم ليسألونه من قصة ذكرها ، وقال ابن أبي الزناد : قال عروة : كنا نقول : لا نتخذ كتاباً مع كتاب الله ، فمحوت كتبي ، فوالله لوددت أن كتبي عندي ، وأن كتاب الله قد استمرت مريرته ، وقال معمر عن هشام : إن أباه كان حرق كتباً فيها فقه ، ثم قال : لوددت أني كنت فديتها بأهلي ومالي ، وقال ضمرة عن ابن شوذب : وقعت في رجله الأكلة ، فنُشرت ، وكان يقرأ ربع القرآن نظراً في المصحف ثم يقوم به الليل ، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله ( أقول : أين عروة من شرابي الخمور من ثقات الشيعة ؟؟!! أو من زناة المتعة من شيوخهم ورواتهم ؟؟!! ) .

           وقال ابن عيينة عن هشام : خرج عروة إلى الوليد ، فخرجت برجله أكلة ، فقطعها ، وسقط ابن له عن ظهر بيت له ، فوقع تحت أرجل الدواب ، فوطئته ، فقال : لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ، اللهم إن كنت أخذت ، لقد أعطيت ، وإن كنت ابتليت ، لقد عافيت ، وقال حفص بن غياث عن هشام عن أبيه : إذا رأيت الرجل يعمل السيئة فاعلم أن لها عنده أخوات ، وإذا رأيته يعمل الحسنة فاعلم أن لها عنده أخوات ، وقال ابن أبي الزناد عن هشام : ما سمعت أبي يقول في شيء قط برأيه ، وقال أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه : ((( رُددت أنا وأبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام من الطريق يوم الجمل ، استصغرنا )))) . قال خليفة : في آخر خلافة عمر ، سنة (23) ولد عروة بن الزبير ، ثم تكلم عن تاريخ ولادته ووفاته ... إلى أن قال : وقال معاوية بن صالح ، عن يحيى بن معين في تسمية تابعي أهل المدينة ومحدثيهم : أبو بكر بن عبدالرحمن ، مات سنة (94) ، وعروة بن الزبير ، وسعد ، وعلي بن الحسين ، وكان يقال لها : سنة الفقهاء ، وقال ابن أبي خيثمة : ((( كان يوم الجمل ابن ثلاث عشرة سنة فاستصغر ))) ، ومات سنة أربع أو خمس وتسعين ... إلى أن قال ابن حجر : وقال ابن حبان في الثقات : كان من أفاضل أهل المدينة وعلمائهم ... إلى آخر ما ذكره ابن حجر رحمه الله في ترجمته الزكية العطرة .

           ولا أدري والله من أين فهم الميلاني أن عروة قد شهد موقعة الجمل ؟؟؟ ولكن لعله يقرأ شيئاً بين السطور مما يلبسه عليه قرناؤه من شياطين الجن ومردتهم ، والله أعلم .

           وقد روى الحاكم في المستدرك : حدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه ، ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، ثنا يحيى بن معين ، عن هشام بن يوسف ، عن عبدالله بن مصعب ، قال : أخبرني موسى بن عقبة ، قال : قال علقمة بن وقاص الليثي : لما خرج طلحة والزبير وعائشة .... فعرضوا من معهم بذات عرق ، فاستصغروا عروة بن الزبير وأبابكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام ، فردوهما !!

           ثاني هذه التهم الباطلة : يقول المبطل المعاجز الميلاني : ( ووضع حديثاً في فضل زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء فيه : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : هي خير بناتي ) . فبلغ ذلك علي بن الحسين رحمه الله فانطلق إليه فقال : ما حديث بلغني عنك أنك تحدثته تنتقص حق فاطمة ؟! ) فقال : لا أحدث به أبداً . قال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح ) .

           فأقول : هذا الحديث صححه الحاكم الذي يعتد الشيعة كثيراً بتصحيحاته للأحاديث ، لأنه متساهل جداً في الحكم على الأحاديث بالصحة ، فما الذي جعل الشيعة يفزعون من تصحيحه لهذا الحديث ؟؟ ألأنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ؟ أم ماذا ؟

           كما أن هذا الحديث مروي عن يزيد بن عبدالله بن الهاد ، عن عمر بن عروة بن الزبير ، ولم يذكر يزيد بن عبدالله بن الهاد فيمن روى عن عمر بن عروة ، ولم يذكر عمر بن عروة بن الزبير فيمن روى عنهم يزيد بن عبدالله بن الهاد ، فضلاً عن أن يزيد بن عبدالله بن الهاد لم يرو إلا هذا الحديث عن عمر بن عروة بن الزبير ، وليس له رواية أخرى عنه في الكتب المعتبرة ، وكان الأحرى بالميلاني أن يأخذ هذا في اعتباره عند انتقاده للروايات .

           ثم ما هو المسوغ للميلاني المكابر أن يرمي هذا الحديث بالوضع ؟؟ ولماذا يكون عروة بالذات هو واضع الحديث ؟؟ إن حال عروة أفضل بكثير من حال من دونه من وردوا في هذا الإسناد ، فلماذا يرمى أوثق رجال الإسناد بوضع الحديث ؟؟؟ وممن ؟؟ من النكرة الميلاني !! فياللعجب !!

           وعموماً ؛ فالحديث صحيح ، والمعنى المقصود من لفظ ( هي خير بناتي ) كما ذكر ذلك شراح هذا الحديث الذين رجع إليهم بالطبع هذا الميلاني الخائن : أي من خير بناتي ، وهذا لفظ واضح يرد في روايات الشيعة كثيراً ، حيث رووا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ، وحاشا صلوات ربي وسلامه عليه أن يقول هذا : ( علي خير البشر ، من أنكر ذلك كفر ) ، وهذا الحديث مشهور جداً في كتب الشيعة ، فهل هو أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أو من الأنبياء ؟؟

ثم ما رأي الميلاني في حديث الطائر الذي دافع عنه بكل قوة كي يطعن في أنس بن مالك رضي الله عنه في رسالته التي يطعن فيها في أسانيد إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه الناس في الصلاة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، والذي يزعم الميلاني أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه : ( اللهم أئتني بأحب خلقك إليك ) يعني علياً ؟؟!!

           بل إن هذا المعنى قد جاء في الأحاديث التي اتفق عليها السنة والشيعة ، حيث يقول صلى الله عليه وسلم : ( الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ) ، فهل سيبعث النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة كهلاً هرماً حتى لا يكون الحسن والحسين أسياداً عليه ؟؟ أم ماذا ؟؟ وإن قال الميلاني : إن الشباب المقصود : هو من مات شاباً من أهل الدنيا ، قلنا : الحسن توفي بعد أن قارب الخمسين , والحسين تجاوزها بكثير رضوان الله عليهما ، وإن قال الميلاني : إن المقصود أنهما عند قول النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث كانا شباباً ، قلنا : كانا أطفالاً ، إضافة إلى أن المعنى يؤول في النهاية إلى أنهما من خير شباب أهل الجنة ، وهو المعنى الذي ذكرناه له في البداية ، فأبى إلا أن يتعب نفسه حتى يصل إلى النقطة التي بدأنا منها .

           وأما التعليل الذي يذكره شراح الأحاديث ؛ فهو أن زينب رضوان الله عليها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في ذلك الوقت أفضل من فاطمة ، ثم فضلت فاطمة بما وصلت إليه من المقامات عليها .

           ثم ألا يعد الميلاني المائل عن الحق هذه الرواية فضيلة لعروة بن الزبير ، حيث امتنع عن التحديث بهذا الحديث وتابعه من بعده من تلاميذه تقديراً لعلي بن الحسين ولفاطمة رضي الله عنها ؟؟ أم أنه الفكر الشيعي البغيض الذي يقلب المناقب مثالب ؟؟

           ثم ما رأي الميلاني بهذا الحديث الذي رواه الحاكم حيث قال : أخبرنا أحمد بن جعفر ، ثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل ، قال : وجدت في كتاب أبي بخط يده : ثنا سعيد بن إبراهيم بن سعد ، ويعقوب بن إبراهيم ، قالا : ثنا أبي ، عن صالح ، عن ابن أبي شهاب ، عن عروة قال : قالت عائشة لفاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أبشرك أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سيدات نساء أهل الجنة أربع : مريم بنت عمران ، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخديجة بنت خويلد ، وآسية ؟؟!!

           والذي أراه أن هذا الحديث يقض مضاجع الرافضة بشكل غريب ، ولذلك لا نراهم يستشهدون به أبداً ، وذلك لأن جميع روايات هذا الحديث على كثرتها تؤول إلى : ابن عباس ، وأبي هريرة ، وأنس بن مالك ، وعائشة ، وكل هؤلاء عدا ابن عباس يعدهم الشيعة من أعداء علي بن أبي طالب وفاطمة رضوان الله عليهم أجمعين ، في حين أن جميع الروايات التي عن ابن عباس رضي الله عنهما هي من رواية مولاه عكرمة الذي يعده الشيعة من أوائل النواصب المعادين لأهل البيت !!! وقد روى الزهري هذا الحديث عن عروة بن الزبير ، عن عائشة أم المؤمنين ، ورواه أيضاً عن أنس بن مالك رضي الله عن الجميع ، وحال الزهري وعروة عن الشيعة أنهما من أشهر أعداء علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ظن الشيعة !! ولا يوجد طريق صحيح في كتب السنة لهذا الحديث يخلو إسناده من أحد هؤلاء الأعداء الذين يروون فضائل أعدائهم بكل جلد إلا فيما ندر !!

           ثالث هذه التهم : الخبر المروي عنه مع الزهري ، وسيأتي في موضعه عند الحديث عن الزهري .

 

           روايات محمد بن علي :    وهذا الإسناد مرسل ، ولكنه مرسل قوي ، وفي غيره من الأحاديث الموصولة غنى عنه ، ولكن أحببت تفنيد بعض الهرطقات التي ذكرها الميلاني عند تعرضه لهذه الروايات ، حيث يقول : ( وقد ذكر محقق الفضائل في هامشه : إنه مرسل ، ومحمد بن الحنفية لم يسنده . قلت : وذلك لأن عمرو بن دينار لم يسمع من محمد بن علي ( هكذا ، وانظر كيف استنتج الميلاني ذلك ) ، ولذا لم يذكروا محمداً فيمن روى عنه عمرو ، بل نصوا على عدم سماعه من بعض من عُدّ منهم ( حاول عزيزي القارئ أن تفسر لنا هذه الجملة ) ، فابن عباس مثلاً أول من ذكره ابن حجر فيمن روى عنه ، ثم نُقل عن الترمذي أنه قال : قال البخاري : لم يسمع عمرو بن دينار حديثه عن عمر في البكاء على الميت . قال ابن حجر : قلت : ومقتضى ذلك أن يكون مدلساً ) . انتهى كلام الميلاني العجيب .

           وأقول : إن في مقولة البخاري رحمه الله دليل واضح على أن عمرو بن دينار قد روى عن محمد بن الحنفية ، حيث لم ينف البخاري جميع روايات عمرو بن دينار عن محمد بن الحنفية ، وإنما نفى روايته حديث البكاء على الميت ، ففهم الميلاني الغبي أن البخاري ينفي رواية عمرو عن ابن الحنفية ، ولو رجع الميلاني البحاثة قليلاً إلى كتاب الكاشف في الترجمة 5063 ، وإلى كتاب تهذيب التهذيب في الترجمة رقم 588 ، وهما ترجمة محمد بن الحنفية رحمه الله ، لوجد أن كليهما يذكر أن عمرو بن دينار ممن روى عن محمد بن الحنفية ، ولست أشك في أن الميلاني قد اطلع على هذا كله ، فهو كثيراً ما يحيل على التهذيب والكاشف ، مما يدل على مراجعته لترجمة جميع الرواة المذكورين في هذين الكتابين فضلاً عن غيرهما ، ولكنه كتم ما وجده ، وحاول صرف القارئ بهرطقاته التي يهزأ بها حمقى الأعاجم ، ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، فلعنة الله على الكافرين ) .

           والمصيبة الكبرى أن الإمام البخاري رحمه الله يروي في صحيحه بالإسناد عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي بن أبي طالب ، حيث روى في الحديثين 2174 و6693 عن علي بن عبدالله ، عن سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن علي ، وفي الحديث 2537 عن إبراهيم بن موسى ، عن هشام ، عن ابن جريح ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن علي ، وفي الحديثين 3982 و5204 عن سليمان بن حرب ، عن حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن علي ، وفي الحديث 5201 عن مسدد ، عن حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن علي ، فمتى نفى البخاري روايات عمرو عن ابن الحنفية ؟؟!

           بل الأدهى من ذلك وأمرّ : أن روايات عمرو بن دينار عن ابن الحنفية لم ينفرد البخاري بروايتها ؛ بل رواها البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي في السنن الصغرى والكبرى ، والدارمي ، وابن حبان ، وأحمد في المسند ، وسعيد بن منصور في سننه ، وعبدالرزاق ، وابن أبي شيبة في مصنفيهما ، والبيهقي في سننه ، والطبراني في الأوسط !!!! كل هؤلاء الأعلام يروون هذا الإسناد في حين يقول نكرة الرجال : لم يرو عمرو بن دينار عن محمد بن علي !!

           ويقول في آخر كلامه عن ابن الحنفية رحمه الله : ( ومحمد بن علي عليه السلام لم يكن من الصحابة ، وقد تزوج أمير المؤمنين عليه السلام بأمه بعد وفاة الزهراء عليها السلام بزمن ) ، وأقول : كذب من قال إنها كانت زوجة ، وإنما كانت سبياً من سبي بني حنيفة عند قتالهم أيام الردة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أمضى علي حكم أبي بكر رضي الله عنهما ، وعد خلافته خلافة شرعية ، ولم يكن مخالفاً له ، بل كان أحد رعاياه ، يأتمر بأمره ، ويصلي وراءه ، ويجاهد بجهاده ، بل ويأخذ السبي الذي ينتج عن الحروب التي تقوم في عهده ، وأم محمد بن الحنفية خير شاهد ، وأرجو ألا يخرج علينا الميلاني في يوم من الأيام يزعم أن أم محمد بن الحنفية لم تكن من السبي الذي أتى في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وما ذاك عن الميلاني بغريب بعد كل ما فعله في رسائله !!

           وقبل أن نغادر روايات محمد بن الحنفية أقول : ألم يكن خيراً للميلاني أن يسكت عن الطعن في رواة الإسلام ، وأن يكتفي بأن يقول عن هذا الحديث مرسل ، ويوفر على نفسه عناء البحث والكتابة ، وعلينا عناء فضحه على رؤوس الأشهاد ، وبيان تدليسه وتلبيسه ؟؟!!

 

           روايات سويد بن غفلة رضي الله عنه :        أخرجه الحاكم في مستدركه وصححه ، وقال عنه الذهبي في تلخيصه : ( مرسل قوي ) ، وذلك لأن سويداً لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه قدم المدينة حين نفضت الأيدي من دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أنه متابع لغيره من الأحاديث الموصولة الصحيحة ، فهو في حكم الصحيح بهذا الاعتبار ، لا باعتبار تفرده .

           ولكن يقول الميلاني : ( فالعجب من الحاكم كيف صححه ؟! ) ، وأقول : الصحة المقصودة هي الصحة فيما بين الحاكم ، وسويد بن غفلة رضوان الله عليه ، لأن الحديث موصول بطرق أخرى ، فمعظم متنه صحيح ، فلم العجب .

قصة قصيرة : يقال أن أحدهم حدث أمام الناس فقال : حدثني أبي عندما كنت صغيراً أن علي بن أبي طالب تزوج من فاطمة الزهراء رضوان الله عليهما في المدينة ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد هاجر من مكة إلى المدينة قبل ذلك ، فقال له أحد الناس : ما ذكرته صحيح لا غبار عليه . فتعجب ( نكرة ) من الناس من هذه المقولة ، فهز رأسه طويلاً ، ثم نهق بينهم قائلاً : ( ياللعجب من هذا الشخص ، كيف صحح حديثاً مقطوع الإسناد ) !!!

ويقول الميلاني أيضاً مواصلاً دهشته العظيمة : ( ومن الذهبي أيضاً ، إذ يرويه عن أحمد بسنده عن الشعبي عن سويد بن غفلة ... ساكتاً عنه ) ، فأقول : لم يسكت عنه ، وإنما ذكر أنه مرسل قوي ، والعبارة واضحة لكل شخص متوسط الذكاء ، أما من كان دون ذلك فعليه مراجعة القصة القصيرة السابقة .

ولكن يجب التنبيه إلى أمر هام ، ألا وهو أن هذه الرواية وإن رأى العلماء أنها صحيحة ؛ إلا أن الاعتبار الأول لتصحيحها هو متابعتها للروايات الصحيحة في بعض ما جاءت به ، أما ما ذكرته هذه الرواية من أن علي بن أبي طالب استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في النكاح فزيادة باطلة ، وتصحيح العلماء لهذا الحديث إنما هو مقتصر على ما تابع فيه غيره من الأحاديث الصحيحة ، وأما ما شذ فيه عما سواه فمردود .

 

           روايات عامر الشعبي :     أقول : الحكم على روايات الشعبي تماماً كالحكم على روايات سويد بن غفلة رضي الله عنه ، حيث يحكم بصحة ما وافق غيره فيها ، ويترك ما عدا ذلك .

           ثم تطرق الميلاني إلى شخصية الشعبي قادحاً فيها ، فيقول : ( هذا بغض النظر عن قوادح الشعبي ، والتي أهمها كونه من الوضاعين على أهل البيت ، فقد رووا عنه أنه قال : « صلى أبو بكر الصديق على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكبر عليها أربعاً » ( انظر طبقات ابن سعد 829 ) ، وأنه قال : « إن فاطمة لما ماتت دفنها علي ليلاً ، وأخذ بضبعي أبي بكر فقدمه في الصلاة عليها » ( انظر كنز العمال 13/687) ، فإن هذا كذب بلا ريب ، حتى اضطر ابن حجر إلى أن يقول : « فيه ضعف وانقطاع » ) .

           وأقول : لله الحمد والمنة أنه لم يكل حفظ علوم الحديث لهذا الميلاني التائه ، فيأتينا نابزاً قرنه بحديث موضوع يتهم فيه الشعبي بوضعه ، وليته قبل أن يهرف بما لا يعرف قام بالبحث عن أسانيد هذا الخبر الذي رواه البيهقي عن أبي عبدالله الحافظ ، عن أبي بكر أحمد بن كامل بن خلف بن شجرة القاضي ، عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، عن عون بن سلام ، عن سوار بن مصعب ، عن مجالد ، عن الشعبي ، لأنه لو علم أن مجالد كان رديء الحفظ يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل ، وأنه لا يجوز الاحتجاج به ، وأن سوار بن مصعب كان ممن يأتي بالمناكير عن المشاهير حتى يظن الناس أنه كان المعتمد لها ؛ لما تجرأ على اقتحام اللجة واتهام الشعبي بوضع الأحاديث ، خاصة أن في الإسناد من لا يعرف ، وأن فيه ضعفاً وانقطاعاً كما ذكر ابن حجر ، وذلك في رواة الإسناد بين البيهقي والشعبي ، علماً بأن حجر يقول عن الشعبي في تقريب التهذيب في الترجمة رقم 3092 : ( عامر بن شراحيل الشعبي ، بفتح المعجمة ، أبو عمرو ، ثقة مشهور فقيه فاضل ، من الثالثة ، قال مكحول : ما رأيت أفقه منه !! مات بعد المائة ، وله نحو من ثمانين سنة ، روى له الستة ) . فمتى كان الإمام ابن حجر يضعف الشعبي يا مراوغ ؟؟!

           ثم أريد من يفسر لي كيفية نجمع بين قول ابن حجر : ( فيه ضعف وانقطاع ) مع استنتاج الميلاني أن واضع الخبر هو الشعبي ؟؟؟

           ثم يقول وما أعجب ما قاله : ( وكونه من حكام وقضاة سلاطين الجور : كعبدالملك بن مروان وغيره ، المعادين لأهل البيت الطاهرين ، وأنه روى عن جماعة كبيرة من الصحابة ، وفيهم من نصوا على أنه لم يلقهم ، ولم يسمع منهم ؛ كعلي عليه السلام ، وأبي سعيد الخدري ، وزيد بن ثابت ، وعبدالله بن عمر ، وأم سلمة ، وعائشة ! ) ، وأقول : إن الشعبي لم يكن حاكماً ولا قاضياً لعبدالملك بن مروان ، وإنما كان قاضياً لعمر بن عبدالعزيز الخليفة الأموي العادل المرضي عنه من قبل الشيعة ، وهذا ما يذكره بكل صراحة العلماء الذين نقل عنهم هذا الميلاني المخادع رواياته أنه أرسل عن كثير من الصحابة رضوان الله عليهم .

ثم متى كان إرسال كبار التابعين مسقطاً للعدالة ؟؟!

           وأما ما ورد في كتب الشيعة من النقولات عن الشعبي فشيء كثير  ولا بأس أن ننقل بعض ما روي في كتاب أعيان الشيعة ، حيث جاء في الجزء الأول ص 331 : ( قال الشعبي : كان ( أي علي بن أبي طالب رضي الله عنه ) أسخى الناس ) ، وفي ص 333 من نفس الجزء : ( استفاض عن الشعبي أنه كان يقول : لقد كنت أسمع خطباء بني أمية يسبون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على منابرهم ، وكأنما يشال بضبعه إلى السماء ، وكنت أسمعهم يمدحون أسلافهم على منابرهم ، وكأنهم يكشفون عن جيفة ) !! ، ويقول في ص 334 : ( وقال الشعبي : ما ندري ما نصنع بعلي بن أبي طالب ، إن أحببناه افتقرنا أي لمعاداة الناس لنا ، وإن أبغضناه كفرنا !! ) ، وقال ص 348 وقد ذكر عنده علي : ( كان أسخى الناس ، كان على الخلق الذي يحبه الله : السخاء والجود ، وما قال لا لسائل قط ) ، وقال في ص 359 : ( ما مات مسروق حتى تاب إلى الله من تخلفه عن القتال مع علي ) ، وغيرها الكثير .

ولكن جاء في ص 366 من الجزء الرابع نقيض ذلك ، حيث جاء فيه عن الشعبي أنه قال لرجل ذكر علي بن أبي طالب عنده : ( أما إن حبه لا ينفعك ، وبغضه لا يضرك ) ، وهذا يدل على انحراف شديد من الشعبي عن علي ع … ) إلى آخر الهراء المكذوب المذكور في ذلك الموضع ، وسبب الحكم عليه بالكذب لأنه من رواية فضيل الرسان ، عن أبي عمرو عمر البزاز ، عن الشعبي ، وكلاهما لم أعثر له على ترجمة وافية في كتب الشيعة ، في حين اكتفى الطوسي بذكرهما من أصحاب جعفر الصادق فقط ، وقد وثق القوم فضيل الرسان لوروده في أسانيد تفسير علي بن إبراهيم القمي ، وفي كامل الزيارات لابن قولويه ، أما البزاز فلا يعرف حاله إلا وروده في رجال الطوسي ، والطريف أن حسن الأمين صاحب كتاب مستدرك أعيان الشيعة يصرح في الجزء الأول ص 128 بقوله : ( إن مجرد ذكر الشيخ الطوسي للراوي في كتاب رجاله لا يدل على كونه إمامياً ، لأن الشيخ لم يلتزم في الرجال بذكر من كان إمامياً ، بل هو بصدد جمع أسماء الرواة عن الأئمة بمجرد عثوره على رواية له عن أحدهم ، فكتابه في الحقيقة فهرس لأسماء الرواة ، من دون نظر له فيه إلى توثيق أو جرح ، ولا إلى تعيين مذهب أو غير ذلك من الاهتمامات الرجالية ، وهذا واضح لمن راجع كتاب الرجال ) !!!

وقد تشدق محسن الأمين بهذه الرواية عدة مرات في كتابه دون التطرق لنقد إسنادها ، في حين أنه قد قام بتأليف كتابه لمعرفة الثقات والضعفاء من الرواة ، وما ترك التطرق لإسنادها إلا لضعفه عنده ، ولكنه كتم ذلك ففضحه الله .

والعجب من محسن الأمين حين يذكر أن الشعبي كان موالياً لبني أمية معادياً لعلي بن أبي طالب وبنيه ، ثم يذكر لإثبات ذلك رواية يتيمة ضعيفة الإسناد ، وبالمقابل يذكر المقولات الكثيرة عن الشعبي التي تمدح أهل البيت وتثني عليهم !!

ثم إن الشعبي كان في الواقع من أعداء بني أمية لا من محبيهم ، فقد كان مع جيش القراء الذين خرجوا على الحجاج حتى كادوا يهلكونه حتى انتصر عليهم ، ثم قتل من قتل منهم وعفا عن الشعبي ، ثم يعلل محسن الأمين ذلك بأن الشعبي كان في بداية حياته موالياً لعلي بن أبي طالب وبنيه ، ثم لما رأى الأموال في أيدي بني أمية انحرف إليهم ، ويعلل عفو الحجاج عنه لأن علم عنه شدة مولاته لبني أمية ، وأقول : كيف تستقيم شدة الموالاة هذه مع خروجه شاهراً سيفه عليهم ؟! ومع مدحه علي ابن أبي طالب وبنيه ؟! ومع سبه ولاة بني أمية قبل خروجه مع القراء وبعده أيضاً ؟! والدليل على هذا ما رواه أيضاً محسن الأمين في كتابه أعيان الشيعة في الترجمة رقم 911 ليحيى بن يعمر ، حيث ذكر قصة للشعبي عندما كان نديماً للحجاج ( أي بعد وقعة القراء ) تثبت محبته للحسن والحسين ، حيث كان النقاش يدور بين يحيى بن يعمر والحجاج في إثبات بنوة الحسن والحسين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو عدمها ، حتى انتصر يحيى بن يعمر بحجته أخيراً ، والشعبي يتحدث عما يدور في نفسه أثناء نقاشهما مما يبدي محبته لإظهار حجة يحيى بن يعمر على حجة الحجاج !!

وعموماً ؛ فهذه وسائل الشيعة في نقد الرجال : آراء تخمينية ، وبضاعة مزجاة ، واستشهاد بروايات موضوعة ، والمشكلة أنهم يعلمون ضعف أسانيد هذه الروايات التي يحتجون بها ، والمشكلة الأكبر أنهم يحتجون بهذه الروايات الركيكة في مقام نقد وتحليل بعض الروايات المشهورة جداً عند أهل الإسلام كلهم ، أو يحتجون بها في كتبهم الرجالية التي وضعت لنقد الرجال تمهيداً لنقد أسانيد الروايات التي تحتوي على هؤلاء الرجال ، فياللعجب من أناس يبنون ويهدمون بنيانهم قبل اكتماله .

 

           ثم يقول الميلاني : ( ثم إن الراوي عنه [ أي الشعبي ] زكريا بن أبي زائدة ، قال ابن أبي ليلى : ضعيف ، وقال أبو زرعة : صويلح ، يدلس كثيراً عن الشعبي ، وقال أبو حاتم : لين الحديث كان يدلس ، ويقال : إن المسائل التي كان يرويها عن الشعبي لم يسمعها منه ، وقال أبو داود : يدلس ، وقال ابنه يحيى بن زكريا : لو شئت سميت لك من بين أبي وبين الشعبي ) !! وأقول : إن حال الزبالين جامعي القمامة أفضل حالاً بكثير من حال هذا الميلاني الجائر ، لأن الزبال عندما يدخل إلى الحديقة الغناء ، الوارفة الظلال ، واليانعة الثمار ، والبديعة الأزهار ، لا ينظر إلى شيء من ذلك ، ولا يأبه به ، وإنما تبحث عيناه عن القاذورات والقمائم كي يجمعها ، ولكنه مع ذلك كله ؛ لا يقطع جذع شجرة ، ولا يقطف زهرة ، ولا يدوسها بقدمه كما يفعل هذا الميلاني بأقوال علماء الجرح والتعديل في ترجمة زكريا بن أبي زائدة ، ولننقل ما قاله علماء الجرح والتعديل في ترجمة زكريا بن أبي زائدة من الموضع الذي نقل منه هذا الزبال المهمل ، ألا وهو كتاب تهذيب التهذيب ، حيث يقول ابن حجر رحمه الله في الترجمة 2369 ما نصه :

           ( قال القطان : ليس به بأس ، وليس عندي مثل إسماعيل بن أبي خالد ، وقال صالح بن أحمد عن أبيه : إذا اختلف زكرياء وإسرائيل ؛ فإن زكرياء أحب إلي في أبي أسحاق ، ثم قال : ما أقربهما ، وحديثهما عن أبي إسحاق لين ، سمعا منه بآخره ، وقال عبدالله عن أبيه : ثقة حلو الحديث ، ما أقربه من إسماعيل بن أبي خالد ، وقال عباس عن ابن معين ( الذي يعده الميلاني عند الطعن في الزهري من كبار علماء الجرح والتعديل ومن شيوخ البخاري ومسلم ، أما عند توثيق زكريا فيضرب بقوله عرض الجدار ) : صالح ، وقال عثمان عنه : زكرياء أحب إلي في كل شيء ، وابن أبي ليلى ضعيف ! ( يعني أن رواية زكرياء تقدم على رواية ابن أبي ليلى عند اختلافهما في الرواية عن شيخ مشترك لهما ، وذلك لضعف ابن أبي ليلى ) ، وقال العجلي : كان ثقة إلا أن سماعه من أبي إسحاق بآخره ، وقال أبو زرعة : صويلح ، يدلس كثيراً عن الشعبي ( أقول : يدخل بينه وبين الشعبي أبا حريز ، وذلك في المسائل فقط لا في الأخبار والأحداث والوقائع ) ، وقال أبو حاتم : لين الحديث ، كان يدلس ، وإسرائيل أحب إلي منه ، ويقال : إن المسائل التي كان يرويها عن الشعبي لم يسمعها منه ، إنما أخذها عن أبي حريز ( وأبو حريز قد وثقه يحيى بن معين المعصوم عن الخطأ في رأي الميلاني ، في حين ضعفه بقية علماء الجرح والتعديل ) ، وقال الآجري عن أبي داود : زكرياء أرفع منه ( يعني من أجلح ) مائة درجة ، وقال أبو داود : وزكرياء ثقة إلا أنه يدلس ، وقال يحيى بن زكرياء : لو شئت سميت لك من بين أبي وبين الشعبي ، وقال النسائي : ثقة .

           وقد تبين لنا هنا كذب الميلاني عندما قال : إن ابن أبي ليلى قال عن زكرياء : إنه ضعيف ، وإن غضب الميلاني من وصمنا إياه بالكذب ؛ فلا مفر من وصمه بتبلد الفهم ، لأن العبارة أوضح من أن تشرح ، بل إن أصلها في كتاب تهذيب الكمال في الترجمة 1992 هو كما يلي : ( وقال عثمان بن سعيد الدارمي : قلت ليحيى بن معين : زكريا أحب إليك أو ابن أبي ليلى ؟ قال : زكريا أحب إلي في كل شيء ، وابن أبي ليلى ضعيف ) !!!!!!

           وأما تدليس زكرياء عن الشعبي فلم يكن إلا في المسائل المذكورة ، ولم يكن في عموم الأحاديث ، فضلاً عن أن رواية زكرياء عن الشعبي قد احتج بها أصحاب الصحاح الستة ، وكذلك الإمام أحمد في المسند ، وفي غيرها أيضاً من الكتب المشهورة ، فكفى بهذا توثيقاً لروايته عنه .

           وعموماً ؛ فالحديث المرسل إذا ورد موصولاً عن طريق آخر ؛ فإن له حكم الموصول ، إذ أن إسقاط الصحابي لا يضر .

           ورواية الشعبي هذه شاذة في ذكر استئذان علي للرسول صلى الله عليه وسلم ، لأنه يرويها عن سويد بن غفلة ، وكان من الأولى بالميلاني أن يقول عن الرواية : إنها مرسلة ، وكفى .

           وعجبي من تناقضات الميلاني لا ينقضي أبداً ، فهو هنا يضعف الشعبي لأنه في نظره من أعداء علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أو أنه ليس من الشيعة ، ويضعف زكريا بن أبي زائدة ، مع أن الشيعة يعدونه من رجالهم ، وقد ذكره محسن الأمين في أعيان الشيعة ، وزعم أنه زيدي المذهب ، ولا أدري : أين سيوجد رجل يخلو من هذين النقيضين حتى يوثقه الميلاني ؟؟ فلا هو الذي يسير على قواعد أهل السنة والجماعة ، ولا على قواعد الشيعة ، بل إن أسلوبه مزاجي بحت يعتمد على الفقرة التي يكتبها ، وبإمكان مزاجه أن يتغير عدة مرات في كل صفحة يكتبها !!!!!

           ثم يقول الميلاني طاعنا في يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة : ( والراوي عنه : ولده يحيى ، مات بالمدائن قاضياً لهارون ، وقال أبو زرعة : قلما يخطئ ، فإذا أخطأ أتى بالعظائم ، وعن أبي نعيم : ما هو بأهل أن يحدث عنه ) .

           وأقول : قد أطبق علماء الجرح والتعديل على توثيق يحيى بن زكرياء ، وقد أخرج له الستة في صحاحهم ، ووثقه : خالد الأحمر ، والحسن بن ثابت ، وابن عيينة ، والقطان ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المديني ، وابن نمير ، وأبو حاتم على تعنته في التوثيق ، والنسائي ، والعجلي ، ووكيع ، وإسماعيل بن حماد ، وعيسى بن يونس ، وزياد بن أيوب ، ويعقوب بن شيبة ، وأبو زرعة .

           وأما مقولة أبي زرعة : ( قلما يخطئ ، فإذا أخطأ أتى بالعظائم ) ؛ فهي مدح له ، لأنه ذكر عنه أنه قلما يخطئ ، إلا أن خطأه يكون فادحاً عند وقوعه ، وقد تتبع العلماء أخطاءه ، فذكروا أنه لم يخطئ إلا في حديث استدركه عليه يحيى بن معين ، وحديث آخر استدركه أبو زرعة نفسه ، ولم يستدرك عليه الحفاظ غيرهما ، والحديثان محفوظان ، الأول : عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن قبيصة بن برمة ، وإنما هو عن واصل ، والثاني : عن يحيى بن سعيد ، عن مسلم بن يسار ، عن ابن عمير في العبث بالحصى ، والحمد لله هذا الحديث ليس منهما .

           وأما مقولة عمر بن شبة التي رواها عنه أبو نعيم ( ما هو بأهل أن يحدث عنه ) ، فقد قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في المجلد الأول من فتح الباري ص 628 في سياق من علق البخاري شيئاً من أحاديثهم ممن تكلم فيه ، وإيراد أسمائهم مع الإشارة إلى أحوالهم ما يلي : ( يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الكوفي ، قال علي بن المديني : لم يكن بالكوفة بعد الثوري أثبت منه ، وقال النسائي : ثقة ثبت ، وقال يحيى بن معين : لا أعلمه أخطأ إلا في حديث واحد : حديثه عن سفيان عن أبي إسحاق عن قبيصة بن برمة ، وإنما هو عن واصل عن قبيصة . قلت ( أي ابن حجر ) : هذه منزلة عظيمة لهذا الرجل ، وقد احتج به الجماعة ، إلا أن عمر بن شبة حكى عن أبي نعيم أنه قال : ما كان بأهل أن أحدث عنه ، وهذا الجرح مردود ، بل ليس بجرح ظاهر ، والله أعلم .

           وأقول : حتى لو كان جرحاً ؛ فهو مردود بتوثيق بقية علماء الجرح والتعديل ليحيى ، فنترك لفظته المبهمة للمحكم الواضح من أقوال العلماء .

 

           روايات ابن أبي مليكة : يقول الميلاني : ( وهو يرويه : إما عن المسور ، وإما عن عبدالله بن الزبير ، وإما عن كليهما جميعاً كما احتمل بعضهم ... أما حديث ابن الزبير فساقط بسقوطه نفسه !!!!!!!!! وأما حديث المسور فسنتكلم عليه ) !!!!!!!

هكذا وبكل وقاحة يضعف ابن الزبير ، وتعليقي لن يكون هنا ، وإنما سيكون في محله إن شاء الله .

           روايات الرجل الذي من أهل مكة !!

           قال الميلاني : ( الذي عند أحمد : عن أبي حنظلة ، أنه أخبره رجل من أهل مكة ) ، وأقول : الذي عند الحاكم : ( أبي حنظلة – رجل من أهل مكة - ) ، أي أن لفظة ( رجل من أهل مكة ) تعني أبا حنظلة نفسه ، ولكن الميلاني يريد إيهام القارئ بأن أبا حنظلة غير الرجل الذي من مكة .

           ثم يقول الميلاني : ( ثم إن الراوي عنه بواسطة إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي هو : يزيد بن هارون ... قال يحيى بن معين : ( يدلس من أصحاب الحديث ، لأنه لا يميز لا يبالي عمن روى ) ) ، وأحال المصدر إلى تهذيب التهذيب ، وإذا رجعنا إلى تهذيب التهذيب نجد الميلاني كالعادة كذب في نقله ، وحرف وغير وبدل وانتقى ما يمليه عليه ضميره الميت ، حيث إن ابن حجر ذكر ثناء جميع علماء الجرح والتعديل على يزيد بن هارون قاطبة بلا استثناء ، وروايته موجودة في الكتب الستة ، ولم يقل عنه يحيى بن معين : ( يدلس ) ، وإنما هذه من كيس الميلاني المليء بكل غريب وعجيب ، بل قد قال عنه يحيى بن معين كما في الموضع نفسه : ( ثقة ) !! وقال فيه أبو حاتم على تشدده في توثيق الرجال : ( ثقة إمام لا يسأل عن مثله ) !!! وقال مؤمل بن إهاب : سمعت يزيد يقول : ما دلست إلا حديثاً واحداً عن عون ، فما بورك لي فيه !! فأين هذا التدليس يا مدلس ؟؟!!

           وأما الجملة الصحيحة التي قالها ابن معين فهي : ( يزيد ليس من أصحاب الحديث لأنه لا يميز ولا يبالي عمن روى ) ، وليس فيها طعن بوجه من الوجوه ، لأن معناها أنه يروي عن الثقات وعن الضعفاء ، خاصة أن يحيى بن معين قد وثق يزيد بن هارون ، فلا وجه للطعن ، ولا مكان للحمقى لأن يعرضوا علينا ما فهموه من هذه العبارة .

 

التكملة

موقع فيصل نور