مختصر التحفة الإثني عشرية

ومنها أن عثمان غير سنة رسول الله  لأنه صلى اربع ركعات في منى مع انه  كان يقصر الصلاة الرباعية في سفره دائماً و قد أنكر عليه الجماعة من الصحابة ذلك الفعل والجواب أن عثمان ما كان إذ ذك مسافراً لأنه تزوج في مكة وتبوأ منزلاً فيها وأقام في تلك البقعة المباركة ( 2 ) ، ولما طلع الأصحاب على حقيقة الحال زال عنهم الإنكار والإشكال .

ومنها أن عثمان قد وهب لصحابه ورفقائه كثيراً من أراضى بين المال وأتلف حقوق المسلمين . والجواب أنه كان يأذن لهم بإحياء أراضى الموات ، ومن يحيى الموات فهي له لقوله تعالى  (( موتان الأرض لله ولرسوله فمن أحيا منها شيئاً فهو له )) ولم يهب لأحد ارضاً معمورة مزروعة كا يعلم ذلك من التاريخ ( 3 ) .

ومنها أن الصحابة كلهم كانوا راضين بقتله ( 4 ) ويتبرأون منه ( 5 ) حتى تركوه بعد قتله
--------------------------

=== كما تقدم في ص 208 – 209 . اللهم أحشرهم معه ، وأحشرنا مع عمر ، فإن المرء يحشر مع من أحب .

( 1 ) في رواية للطبري في تاريخه ( 5 : 43 – 44 ) عن سيف بن عمر عن أشياخه أن القماذ بن الهرمزان دعاه عثمان وامكنه من عبيد الله فقال القماذ باذ (( تركته لله ولكم )) . وانظر تفاصيل ذلك في التعليقات على ( العواصم من القواصم ) ص 106 – 108 .

( 2 ) انظر تفاصيل ذلك في تعليقات ( العواصم من القواصم ) ص 78 – 80 .

( 3 ) قال الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة في متاب ( الخراج ) ص 61 صبع المطبعة السلفية : وقد اقطع رسول الله  وتألف على الإسلام أقواماً  وأقطع الخلفاء من بعده من رأوا أن في إقطاعه صلاحاً ( وضرب أبو يوسف الأمثلة على ذلك ) . وأنظر باب القطائع ص 77 – 78 من كتاب ( الخراج ) ليحيى بن آدم القرشي طبع السلفية أيضاً . وذكر الإمام الشعبي بعض الذين اقطعهم عثمان فقال : (( واقطع الزبير ،و خباباً ، وعبد الله اب نمسعود ، وعمار بن ياسر ، ابن هبار . فإن يكن عثمان أخطأ ، فالذين قبلوا منه الخطأ أخطأوا ، وهم الذين أخذنا عنهم ديننا )) ( أنظر الطبري 4 : 148 ) . وأقطع على ابن ابي طالب كردوس بن هاني ( الكردوسية ) ، وأقطع سويداً بن غفلة أرضاً لدا ذويه . فكيف ينكرون على عثمان و يسكتون عن عمر وعلى ؟ وللقاضي أبي يوسف كلام سديد في هذا الموضوع في كتاب ( الخراج ) ص 60 – 62 .

( 4 ) أي نقل سيدنا عثمان خليفة رسول الله  وضهره المشهود له منه بالجنة .

( 5 ) نقل البلاذرى في كتابه ( أنساب الأشراف ) ج 5 ص 103 عن المدائني عن سلمه ابن عثمان عن علي بن زيد عن الحسن قال : (( دخـل  ===

ثلاثة أيام بلا دفن . والجواب أن هذا كله كذب صريح وبهتان فضيح على الصبيان فضلاً عن ذوى العرفان ، ألا ترى أن طلحه والزبير وعائشة الصديقة ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم قد قاتلوا لأجل طلب القصاص لعثمان ، وقد ثبت في التواريخ عند الفريقين أن الصحابة كلهم لم يألوا جهداً في دفع البلوى عنه حتى أستأذنوا منه في قتال المحاصرين فلم يجوز لهم ( 1 ) وكانوا مهما تمكنوا يوصلون إليه الماء ويفرجون عنه . وجاء زيد بن ثابت الأنصار وقال شبابهم له : إن شئت كنا أنصار مرتين ، وجاء عبد الله بن عمر مع المهاجرين وقال : إن الذين خرجوا عليك آمنوا سيوفنا ، واستأذنه لقتالهم فلم يأذن له ، وكان السبطان وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر بن ربيعة وابو هريرة وغيرهم من الصحابة معه في دار وكانوا يدافعون عنه كلما هجم عليه أهل البغي والعدوان ولم يأذن لهم ولا لأحد بقتالهم ، وقد ثبت في نهج البلاغة من كلام الأمير أنه قال (( والله قد دفعت عنه )) إلى غير ذلك ، وقد شيع جنازته جماعة من الصحابة والتابعين ودفنوه بثيابه الملطخة بالدم ليلاً ولم يؤخروه ، وقد حضرت الملائكة جنازته لما روى الحافظ الدمشقي مرفوعاً عن النبي  أنه قال (( يوم موت عثمان تصلى عليه ملائكة السماء )) قال الراوى : قلت يا رسول الله عثمان خاصة أو الناس عامة ؟ قال : عثمان خاصة . ونسبة هجوه وبغضه إلى الصحابة كذب وزور ، وذلك في غاية الظهور . فقد روى الديلمي وهو من المعتبرين عند الشيعة في ( المنتقى ) عن الحسن بن علي قال (( ما كنت لأقاتل بعد رؤيا رايتها : رأيت رسول الله  واضعاً يده على العرش ، ورأيت ابا بكر واضعاً يده على منكب رسول الله  ، ورأيت عمر واضعاً يده على منكب أبي بكر ، ورأيت عثمان واضعاً يده على منكب عمر ، ورأيت دماً دونه ، فقلت : ما هذا ؟ فقالوا : دم عثمان يطلب الله به )) . وروى ابن السمان عن قيس بن عباد قال سمعت علياً يوم الجمل يقول (( اللهم إنى أبرأ إليك من دم عثمان ، ولقد طاش عقلى يوم قتل عثمان ، وأنكرت نفسي ، وجاءوني للبيعة فقلت : ألا أستحي من الله أن

------------------------

=== علي بن أبي طالب على بناته وهن يمسحن عيونهن فقال : مالكن تبكين ؟ قلن : نبكي علي عثمان . فبكى وقال : أبكين )) أبهذا يتبرأون منه ؟ .

( 1 ) نقل البلاذرى في انساب الأشراف ( 5 : 73 ) من حديث الإمام محمد بن سبرين أن زيد بن ثابت  دخل على عثمان وقال له : إن هؤلاء الأنصار بالباب يقولون (( إن شئت كنا أنصار الله مرتين )) فقال عثمان (( لا حاجة لي بذلك كفوا )) . قال القاضي أبو بكر بن العربي في ( العواصم من القواصم ) ص 136 : (( إن أحداً من الصحابة لم يسع عليه ولا قعد عنه . ولو أستنصر ما غلب الف أو أربعة آلاف غرباء عشرين ألفاً بلديين أو أكثر من ذلك ، ولكنه ألقى بيده إلى المصيبة )) . ( قلت : لأنه أختار بذلك أهون الشرين فآثر التضحية بنفسه على توسيع دائرة الفتنة وسفك دماء المسلمين . وعثمان أفتدى دماء أمته بدمه مختاراً فما أحسن الكثيرون منا جزاءه . وإن أوروبا تعبد بشراً بزعم الفداء ولم يكن فيه مختاراً ) . ثم القاضسي أبو بكر بن العربي ( ص 137 ) : (( وقد أختلف العلماء فيمن نزل به مثلها : هل يلقى بيده ، أو يستنصر ؟ واجاز بعضهم أن يستسلم ويلقى بيده أقتداء بفعل عثمان ، وبتوصية النبي  بذلك في الفتنة )) . والذى أعلمه أن سياسة الإسلام في ذلك أن يختار المسلم في كل حاله أقلها شراً وأخفها ضرراً ، فإذا كانت للخير قوة غالبة تقمع الشر وتضيق دائرته ، فالإسلام يهدي إلى قمع الشر بقوة الخير بلا تردد . وإن لم يكن للخير قوة غالبة – كما كانت الحال في موقف أمير المؤمنين عثمان من البغاة عليه – فمصلحة الإسلام في مثل ما جنح إليه عثمان . أعلى الله مقامه في دار الخلود .

أبايع قوماً قتلوا رجلاً قال له رسول الله  : ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة ، إنى لأستحي من الله أن ابايع وعثمان قتيل في الأرض لم يدفن بعد ، فأنصرفوا . فلما دفن رجع الناس يسألون البيعة فقلت : اللهم إني مشفق مما أقدم عليه . ثم جاءت عزيمة فبايعت . قال : فقالوا (( يا أمير المؤمنين )) فكأنما صدع قلبي )) وروى ابن السمان أيضاً عن محمد بن الحنفية أن علياً قال يوم الجمل (( لعن الله قتلة عثمان في السهل والجبل )) وعنه أن علياً بلغه أن عائشة تلعن قتلة عثمان فرفع يديه حتى بلغ بهما وجهه فقال (( وأنا ألعن قتلة عثمان ، لعنهم الله في السهل والجبل )) مرتين أو ثلاثاً . إلى غير ذلك من اقوال أهل البيت وسائر الصحابة مما يدل على مزيد حبهم له وتأسفهم على مصيبته . وهذا الكتاب لا يحتمل ذكر ذلك على سبيل التفصيل ، وتأخير دفنه إلى ثلاثة ايام زور وبهتان كما يعلم مما ذكرنا من البيان . كيف وقد اجمع المؤرخون على أن شهادته  بعد العصر يوم الجمعة لعشر خلون من ذي الحجة ، ودفن في البقيع ليلة السبت  وأرضاه ، وجعل الغرف العالية مستقرة ومثواه ، ونسأله تعالى ان يحشرنا في زمرتهم ، ويميتنا على محبتهم .

 

المطاعن الرابعة في حق أم المؤمنين وحبيبة حبيب رب العالمين عائشة الصديقة وزوج مفخر العوالم على الحقيقة .

منها أنها خرجت من المدينة إلى مكة ( 1 ) ومنها إلى البصرة ومعها ما يزيد عل ستة عشر ألف رجل من العسكر وقد قال تعالى في الأزواج المطهرات  وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى  فأمرهن بالسكون في البيوت ، ونهاهن عن الخروج من بيوتهن . والجواب أن الأمر باستقرارهن في البيوت والنهي عن الخروج منها ليس بمطلق ، ولو كان مطلقاً لما أخرجهن رسول الله  بعد نزول الآية إلى الحج والعمرة والغزوات ولا رخص لهن بزيارة الوالدين وعيادة المريض وتعزية اقاربهن . واللازم باطل فكذا الملزوم . والمراد من هذا الأمر والنهي تأكيد التستر والحجاب بان لا يدرن ولا يتسكعن في الطرق والأسواق كنساء العوام ، ولا منافاة بين السفر وبين التستر والحجاب ، ألا ترى أن المخدرات من نساء الأمراء والملوك يخرجن من بلد إلى بلد ومعهن جمع من الخدم والأتباع . ولا سيما إذا كان السفر متضمناً لمصلحة دينية ودنيوية كالجهاد والحج والعمرة . وسفر أم المؤمنين كان من هذا القبيل ، لأنها خرجت لإصلاح ذات البين وأخذ القصاص من قتلة عثمان  المقتول ظلماً وعدواناً ، وذلك لا -------------------------

( 1 ) لقد خرجت رضي الله عنها من المدينة إلى مكة حاجة بيت الله الحرام عند اشتداد فتنة البغاة على أمير المؤمنين وقبيل شهادته .

يعد تبرجاً ويجاب أيضاً بأن ما طعنوا به أم المؤمنين وجد في فاطمة  أيضاً لما ثبت في كتبهم بطريق التواتر أن الأمير قد أركب فاطمة على مطيه وطاف بها في محلات المدينة ومساكن الأنصار طالباً منهم الإعانة على ما غصب من حقها ( 1 ) زمن خلافة الصديق  . ويجاب أيضاً بأن جميع رجال المؤمنين أبناء لأزواج النبي  بالاتفاق ، وجميع من كان مع الصديقة في سفرهافهم أبناؤه . ولذا طلبت القصاص من القتلة ، فلا إشكال ، ولا قيل ولا قال . وسيأتى قريباً بيان هذه القصة مفصلاً إن شاء الله تعالى .

ومنها أن عسكر عائشة لما أتوا البصرة نهبوا بيت المال واخرجوا عامل الأمير عثمان ابن حنيف الأنصاري مهاناً ، مع أنه من صحابة رسول الله  . والجواب أن هذه الأمور لم تقع برضاء عائشة ولا علمت بذلك ، حتى أنها لنا علمت ما جرى في حق عثمان بن حنيف أعتذرت له وأسترضته . ومثل هذا وقع لعسكر الأمير مع ابي موسى الأشعري فقد أحرقوا بيته ونهبوا متاعه لما دخلوا الكوفة ومنهم مالك الأشتر .

ومنها أن عائشة أفشت سر النبي  ، قال تعالى  وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض ، فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير  . والجواب أن إفشاء السر وقع من حفصة لا غير بإجماع المفسرين ، وذلك أنها رات النبي  مع مارية في فراشها من ثقب الباب ، وقال لها إني حرمت مارية على نفسي فأكتميه ولا تفشيه ، فذهبت حفصة وبشرت عائشة بذلك . ومن مزيد فرحها اشتبه عليها الآمر فظنت أن الذى أمرت بكتمانه هو ما راته من الشق ، لا التحريم ، وقد عد ذلك الإفشاء من حفصة معصية وقد تابت عنها ، وقد ثبت ذلك في تفاسير الشيعة كمجمع البيان للطبرسي .

ومنها أن عائشة قالت : ما غرت على أحد من نساء النبي  ما غرت على خديجة وما رأيتها قط ولكن كان رسول الله  يكثر ذكرها . والجواب أن الغيرة محبوبة في النساء ، ولا مؤاخذة على الأمور الجبلية . نعم لو صدر قول أو فعل مخالف للشرع للغيرة في تتوجه الملامة ، وفي الحديث الصحيح ان بعض أمهات المؤمنين غارت على الأخرى حين ارسلت إلى رسول الله  طعاماً لذيذاً وكان النبي  إذ ذاك في بيت من تغار وأخذت الطبق من يد خادمها فضربت به على الأرض حتى أنكسر وأنصب الطعام فقام رسول الله  إلى ذلك الطعام بنفسه فاجتناه وجمعه
-------------------------
( 1 ) أي بزعم الشيعة في روايتهم هذه .

من الأرض وقال (( قد غارت امكم )) ولم يعاتبها ولم يوبخها ، فكيف يسوغ لأفراد الأمة أن يجعلوا امهات المؤمنين هدفاً لسهام مطاعنهم ؟ والله الموفق .

ومنها أن عائشة كانت تقول في آخر الحال : قاتلت علياً ووددت انى كنت نسياً منسياً . والجواب أن هذه الرواية ما صحت بهذا اللفظ ، والذى صح أنها تذكر يوم الجمل وتبكي بكاءاً شديداً حتى يبتل معجرها المبارك بالدموع لا ستعجالها وترك التأمل ولم تحقق من قبل أم ماء الحوأب واقع في أثناء السبيل أم لا ( 1 ) وعلى تقدير صدور ذلك منها فلا ضير، إذ قد صح عند أهل السنة صدور مثل هذا اللفظ عن الأمير كرم الله تعالى وجهه لما طاف على القتلى من الطرفين فقال (( يا ليتنى مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً )) وهو يضرب فخذيه .

ومنها أنها زينت يوماً جارية كانت عندها وقالت : لعلنا نصطاد بها شاباً من شباب قريش بأن يكون مشغوفاً بها . والجواب أن هذه الرواية وردت عن وكيع بن الجراح عن عمار بن عمران عن امرأة من غنم عن عائشة رضي الله عنها ، وعمار بن عمران والامرأة مجهولان فلا تقبل هذه الرواية . والحاصل أن هذا الخبر لا صحة له عند اهل السنة بل لا ورود له . وعلى تقدير وروده عند الشيعة فبمقتضى قواعد الأصول عند الفريقين أنه غير مقبول لما ذكر . ولا يخفى على من يعرف مالهم في هذا الباب من المصنفات أن جميع مطاعنهم واعتراضاتهم من قبيل هذه الهذيانات . نسأل الله تعالى التوفيق والهداية ، والعصمة من الضلالة والغواية .

 

------------------------

( 1 ) خبر الحوأب لم يذكر في كتاب من كتب السنة المعتبرة . ويرويه الطبري ( 5 : 170 ) عن إسماعيل بن موسى الفرازي ( قال ابن عدي : أنكروا منه الغلو في التشيع ) ويرويه هذا الشيعي عن علي بن عابس الأزرق ( قال عنه النسائي : مجهول ) وهذا الهجري المجهول عن أبي الخطاب الهجري ( قال الحافظ في تقريب التهذيب : مجهول ) وهذا الهجري المجهول يرويه عن صفوان بن قبيصة الأحمسي ( قال الذهبي في ميزان الاعتزال : مجهول ) . هذا هو خبر الحواب . ثم أنه بعد ذلك على أعرابي لا نعلم من هو زعموا أنهم لقوه في ريق الصحراء ومعه جمل أعجبهم فأرادوا أن يكون هو جمل عائشة فأشتروه منه وسار معهم حى وصلوا إلى الحوأب ، فزعموا أنه سمع الكلام الذى رواه عنه مجهول بعده مجهول بعده مجهول بعده ضعيف بعده شيعي من غلاة الشيعة لعله هو مخترع هذه الخرافة . مع أن جمل عائشة أسمه (( عسكر )) جاء به يعلى بن امية من اليمن وركبته عائشة من مكة إلى العراق . وفي خبر آخر تجده في مادة ( الحوأب ) من معجم البلدان لياقوت ان المنبوحة من كلاب الحوأب هي أم زمل سلمى بنت مالك الفزارية التى قادت المرتدين ما بين ظفر والحوأب فسباها المسلمون ووهبت لعائشة فأعتقتها ، وهي التى قيلت فيها هذه الكلمة إن صحت ، ولا نخالها صحيحة .

مطاعن الصحابة رضي الله تعالى عنهم على سبيل العموم

منها أن أكثر الصحابة انفضوا عن رسول الله  إلى العير التى جاءت من الشام وتركوه وحده في خطبة الجمعة وتوجهوا إلى اللهو وأشتغلوا بالتجارة ، وذلك دليل على عدم الديانة . والجواب أن هذه القصة إنما وقعت في بدء زمن الهجرة ( 1 ) ، ولم يكونوا إذ ذاك واقفين على الاداب الشريعة كما ينبغي ، وكان للناس مزيد رغبة في الغلة ، وظنوا أن لو ذهبت الإبل يزيد الغلاء ويعم البلاء ، ولم يخرجوا جميعهم بل كبار الصحابة كأبي بكر وعمر كانوا قائمين عنده  كما ثبت في الأحاديث الصحيحة ( 2 ) ، ولذا لم يشنع عليهم ( 3 ) ولم يوعهم سبحانه بعذاب ولم يعاتبهم الرسول  أيضاً .

ومنها ان اهل السنة رووا في صحاحهم عن ابن عباس أنه قال : قال رسول الله  (( سيجاء برجال من أمتى فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فاقول : أصحابي اصحابي ، فيقال : إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك . فأقول كما قال العبد الصالح : وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتنى كنت انت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد . فيقال : إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم )) . والجواب أنا لا نسلم أن المراد بالأصحاب ما هو المعلوم في عرفنا ، بل المراد بهم مطلق المؤمنين به  المتبعين له ، وهذا كما يقال لمقلدى ابي حنيفة أصحاب ابي حنيفة ولمقلدي الشافعي اصحاب الشافعي وهكذا وإن لم يكن هناك رؤية واجتماع ، وكذا يقول الرجل للماضين الموافقين له في مذهب أصحابنا ، مع ان بينه وبينهم عدة من السنين ، ومعرفته  لهم مع عدم رؤيتهم في الدنيا بسبب أمارات تلوح عليهم ، فقد جاء في الخبر أن عصاة هذه الأمة يمتازون يوم القيامة من عصاة غيرهم كما أن طائعيهم يمتازون عن طائعي غيرهم ، وجذبهم إلى ذات الشمال كان تاديباً لهم وعقاباً على معاصيهم ، ولو سلمنا أن المراد بهم ما هو معلوم في العرف فهم الذين ارتدوا من الأعراب على عهد الصديق  ، وقوله  (( أصحابي أصحابي )) لظن انهم لم يرتدوا كما يؤذن به ما قيل في جوابه من انك لا تدرى ما أحدثوا بعدك . فإن قلت : إن (( رجالاً )) في الحديث كما يحتمل أن يراد منه من ذكرت من مرتدي الأعراب يحتمل أن يراد ما زعمته الشيعة . أجيب : إن ما ورد في حقهم من الآيات والأحاديث وأقوال الئمة مانع من إرادة
---------------------------

( 1 ) وعند ما كانت خطبة الجمعة بعد الصلاة لا قبلها كما في تفسير سورة الجمعة للحافظ ابن كثير عن ابي داود في مراسيله .

( 2 ) في حديث جابر بن عبدالله ان الذين ثبتوا مع النبي أثنا عشر رجلاً فيهم أبو بكر وعمر .

( 3 ) أى على اللذين خرجوا عند وصول القافلة التجارية إلى المدينة ، وكان الذى جاء بالقافلة دحية بن خليفة . 

ما زعمته الشيعة . أما الآيات فكقوله تعالى  إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم  وقوله تعالى  الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله واولئك هم الفائزون ، يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم ، خالدين فيها ابداً إن الله عنده أجر عظيم  وقوله تعالى  والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين أتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه  وقال تعالى  لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة  إلى غير ذلك من الآيات التى لا تحصى . وأما الأحاديث فقوله  (( أصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم أهتديتم )) قوله  (( الله الله في أصحابي )) الحديث ، إلى غير ذلك من الأخبار التى يضيق عنها المقام ، وأما اقوال الأئمة فقد مر لك شئ منها ، ولا مساغ للتخصيص الذى يزعمه الشيعة بوجه من الوجوه .

ومنها ان كثيراً من الصحابة فر من الزحف في غزوتي أحد وحنين ، الفرار من الزحف من أكبر الكبائر . والجواب أن الفرار يوم أحد كان قبل النهي ، ولئن قلنا كان بعده فهو معفو عنه ، بدليل قوله تعالى  ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم ( 1 )  واما الفرار يوم حنين فبعد تسليم أنه كان فراراً في الحقيقة معاتباً عليه ما يصر عليه اولئك المخلصون بل أنقلبوا وظفروا بدليل قوله تعالى  لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين . ثم انزل الله سكينته على رسول الله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين مفروا وذلك جزاء الكافرين  . ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو ابن العاص أن رسول الله  قال : (( إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أى قوم أنتم ؟ فقال  عبد الرحمن بن عوف : كما أمرنا الله تعالى . فقال رسول الله  : كلا بل تتنافسون ثم تتدابرون ثم تتباغضون ثم تنطلقون إلى مساكن المهاجرين فتحملون بعضهم على رقاب بعض )) فإن هذا صريح في وقوع التنافس والتدابر والتباغض فيما بين الصحابة . والجواب ان الخطاب وإن كان للصحابة لكن باعتبار وقوع ذلك فيما بينهم ، وهو لا يستدعى ان يكون منهم ، ويدل على ذلك أن الصحابة إما مهاجرون او انصار ، والحديث صريح في ان أولئك الفرقة ليسوا مهاجرين ، والواقع ينفى كونهم من الأنصار لأنهم ما حملوا
--------------------------

( 1 ) سورة آل عمران الآية 155 .

المهاجرين على التحارب ، فتعين أنهم من التابعين ، وقد وقع ذلك منهم ، فإنهم حملوا المهاجرين على التحارب بينهم كمالك الأشتر وأضرابه ، ولا كلام لنا فيهم ( 1 ) . ومنها أن الصحابة قد آذوا علياً وحاربوه ، وقد قال  (( من آذى علياً فقد آذاني )) . والجواب أن تلك المحاربات كانت لأمور اجتهادية فلا يلحقهم طعن من ذلك . ولا بد ههنا من التفصيل ، ليتبين من هو على الحق ممن سلك التضليل فأقول : أعلم أن أعظم ما تداولت الألسن من الاختلاف الواقع بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما وقع في زمن الأمير كرم الله تعالى وجهه ، فنشأ منه وقعتان عظيمتان : وقعة الجمل ، ووقعة صفين . والأصل الأصيل لذلك قتل عثمان .  ، وأنكر الهشامية ( 2 ) تلك الوقعتين ، وإنكار ذلك مكابرة لا يلقى لها سمع ، لأن الخبر متواتر في جميع مراتبه .

           وتلخيص الأولى أنه لما قتل عثمان  عنه صبراً توجع المسلمون ، فسار طلحة والزبير وعائشة – وكان قد لقيها الخبر وهي مقبلة من عمرتها – نحو البصرة ، فلما علم علي كرم الله وجهه بمخرجهم اعترضهم من المدينة لئلا يحدث ما يشق عصا الإسلام ، ففاتوه ، وأرسل ابنه الحسن وعماراً يستنفران أهل المدينة واهل الكوفة ، ولما قدموا البصرة أستعانوا باهلها وبيت مالها ، حتى إذا جاءهم الإمام كرم الله تعالى وجهه حاول الصلح واجتماع الكلمة وسعى الساعون بذلك ( 3 ) ، فثار قتلة عثمان وكان ما كان ، وانتصر علي كرم الله تعالى وجهه ، وكان قتالهم من ارتفاع النهار يوم الخميس إلى صلاة العصر لعشر خلون من جمادى الآخرة . ولما ظهر علي  جاء إلى أم المؤمنين  فقال (( غفر الله لك )) قالت (( ولك . وما أردت إلا الإصلاح )) ثم انزلها دار عبدالله بن خلف ( 4 ) وهي أعظم دار في ال