بسم الله الرحمن الرحيم نقد الخطأ المنهجي لأحمد الكاتب حول نظرية الشورى لسنا في صدد استيعاب بحث الامامة فانه يحتاج الى جهد كبير بقدر ما نحن في ملاحقة مغالطات "أحمد الكاتب " حول حكومة اهل البيت عليهم السلام التي جعلها الله لهم بالنص والتعيين لا بالشورى المأخوذة لملمةً من أصول فكرة العامة.
قد يصوّر قائلا أنّه حامي ومدافع عن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ـ الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ـ لدى عامة الشباب المؤمن بأدلة من مصادر العامة ، وهو في الحقيقة يتوخّى إثبات نظرية أهل العامة والسقيفة، من كون الخلافة انتخابية على موازين اختيارية ناشئة من نوازع الهوى والمصالح الشخصية، وأنّ أهل البيت (عليهم السلام) ما هم إلاّ رواة حديث شأنهم ذلك ليس إلاّ، وهذا عين نظرية مدرسة السقيفة. مقامات أهل البيت (ع): وأمّا مدرسة الدين الحنيف وأهل البيت (عليهم السلام) فنظريتها أنّ الخلافة إلهية بالتعيين والاصطفاء من الله تعالى إنّي جاعل في الأرض خليفة ـ إلى قوله ـ فعلّم آدم الأسماء كلّها فدلّل على أن الخلافة مدارها وشرطها العلم اللدنيّ الإلهي والعصمة، وأنّ أهل البيت (عليهم السلام) لهم مقامات عديدة ومناصب ربانية شتى. منها: الحكومة والولاية، قال تعالى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم فالولاية هاهنا ولاية الطاعة للأمر، وغيرها من الآيات التي تبيّن هذا المقام كقوله تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) فالولاية بالتعيين الإلهي لم يفسح المجال للإختيار فيها طبق المشتهيات البشرية الأرضية. ومنها: القضاء، قال تعالى: إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله، وقال تعالى: يا داود إنّا جعلناك خليفة فاحكم بين الناس بالحق فبالإذن الإلهي يتحقق جواز القضاء ببين الناس وبجل المقام الأول يتفرع جعل المقام الثاني، ومنه يعرف أن ((أقضاكم علياً)) دال على المقام الاول له عليه السلام أيضاً. ومنها: حجية الأخبار عن الأحكام الشرعية وما ينطق عن الهوى إنْ هو إلاّ وحيّ يوحى وولكم في رسول الله اُسوة حسنة وولو ردوه إلى اُولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم. وهذه المقامام الثلاثة يصطلح عليها في العصر الحاضر السلطة التنفيذية القضائية التشريعية. ومنها: السلطة والولاية المعنوية والتكوينية، وهذه لها شعب لا مجال لبسطها في المقام. ومنها: وجوب المودّة بنص القرآن قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى. ومنها: الإقرار والإعتقاد بهم، وهو ركن في تحقق الإيمان قال (ص): ((من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)) ( ) فأوجب المعرفة للإمام وهو عنوان يغاير عنوان الطاعة الواجبة، وحذّر (ص) بأن من لم تتحقق لديه تلك المعرفة فسيموت على الكفر الجاهلي الذي ما دخل الإسلام. ومنها: عرض أعمال العباد عليهم؛ قال تعالى وقل اعملوا فسرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، فان عرض اعمال كل الامة المخاطبة في هذه الاية لا يكون على الامة المخاطبة وانما على عدة خاصة من المؤمنين يتلون مقام رسول الله (ص). وغيرها من المقامات والمناصب الاخرى. الولاية لله بالاصل ثم إنّ مقتضى أنّ الله سبحانه وتعالى مالك للمخلوقين ولأفعالهم أنّ مبدأ وأصل الولاية لله تعالى وأنّ كل الولاية تتشّعب من ولايته الولاية لله الحق وهذا أصل. غاية الأمر حيث جعل للإنسان الإختيار لا القسر كانت الولاية الربانية عليه من نميط تكويني غير قاسر ونمط تشريعي اعتباري قانوني. فمنطق التوحيد ومنطق الشرعية الإلهية يبنى على أن أصل الولاية وأنّ كل شعبة لا بدّ وأن تنتهي إلى ذلك الأصل. نعم المنطق الوضعي غير المتقيد بالملّة والمنهاج السماوي وأنّ للكون خالقاً مالكاً، يجعل مصدر الولاية هو الإنسان وسلطة الفرد على نفسه، فيجعل من العقد الفردي والإجتماعي مصدر السلطات والولايات، كما يفصل ذلك الدكتور السنهوري في (الوسيط)، فبين المنهجين بعد الشمرقين. العقد ليس سببا للسلطة هذا مع ان الباحثين من فقهاء القانون الوضعي قد حققوا أن العقد ليس هو مبدأ نشوء السلطنة سواء على الأفعال أو الأعيان، بل السلطة التكوينية على الأُولى والحازة أو العمارة للثانية هو المنشأ، وأما فقهاء الشرع من الفريقين فقد نصّوا على لزوم إمضاء الشرع لهذا الإعتبار البشري للسلطة اذ ان لله ما في السموات والارض. فلا يملك الفرد البشري في الاعتبار من الأفعال والأعيان إلاّ ما حدّده الشرع له، إذ الشارع الأقدس مبدأ السلطات والولايات، لا أن الإنسان فاعل ومالك لما يشاء ومطلق العنان، إلاّ ما ينقله هو بإختياره عن نفسه بالعقد الفردي أو العقد الإجتماعي (الانتخاب) أو العقد السياسي (البيعة) الى الغير. فبين المنهج التوحيدي والمنهج الوضعي بون بعيد. وبذلك يتضح أن اساس الحكومة في المجتمع بين المنهجين مختلف، فعند المنهج التوحيدي هو متشعب من ولاية الله تعالى على المخلوقات البشرية، وعند المنهج الوضعي هو مستمّد من سلطة الفرد والأفراد على أنفسهم. أساس الحكومة حكم العقل بل إنّ الدراسات القانونية في الفقه الوضعي تكاد تصل إلى هذه النتيجة، وهي أنّ الأساس في الحكومة هو حكم العقل الفطري، وذلك لأنّ العقد الإجتماعي (الانتخاب) الناشيء من سلطة الفرد على نفسه لا يبرر حكومة الأغلبية على الأقلية ولو بتفاوت يسير. وكذلك لزوم توفر شرائط في الشخص المنتخب بالعقد الإجتماعي ليس هو من وضع سلطة الأفراد على أنفسهم، بل كلا الأمرين وغيرها من النتائج التي لا تتلائم مع فلسفة السلطة الفردية والعقد هي من قضاء العقل كمواد قانونية مرعيّة عند الكل. فمثلاً لزوم كون الرئيس المنتخب ذو خبرة وكفائة عالية (العلم بمعناه الوسيع) وذو أمانة فائقة (العدالة وإذا ترقت أصبحت عصمة) لابدّ منه، وليس للفرد والأفراد تخطي هذا القانون تحت ذريعة السلطة الفردية المطلقة العنان، وهذا ما يقال من غلبة النزعة للمذهب العقلي في القانون الوضعي الحديث على المذهب الفردي. العقد زيادة تعهّد ومن ذلك يتضح أنّ العقد الإجتماعي والسياسي (سواء الانتخاب أو البيعة) ليس إلاّ عبارة عن عملية توثيق وإحكام وعهد مغلّظ للعمل بالقانون، سواء على المنهج التوحيدي الديني أو الوضعي أخيراً، فضابطة الصحة للحاكم ليس هو العقد السياسي بل هو توفر شرائط القانون الإلهي فيه أو الوضعي، والعقد ما هو إلاّ إلتزام زائد لإستحكام العمل والمتابعة لذلك الحاكم. نعم بين المنهجين فارق من جهة اُخرى، وهو أنّ المنهج الإلهي حيث أنه يشعّب الولاية من المالك المطلق الخالق طبق موازين الكمال والعصمة والإصطفاء، فهو يعيني المصداق المتوفر فيه الشرائط ويكسبه ولاية الحكم وتكون البيعة والعقد السياسي معه من قبل الناس ما هو إلاّ زيادة تعهّد وإلزام بالعمل نظير النذر والقسم المتعلق بأداء صلاة الظهر أو صيام رمضان تغليظاً للوجوب. ويشير لذلك عدة من الروايات منها موثقة مسعدة بن صدقة عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام): أنه قال له: ان الايمان قد يجوز بالقلب دون اللسان؟ فقال له: أن كان ذلك كما تقول فقد حرم علينا قتال المشركين، وذلك أنّا لا ندري بزعمك لعل ضميره الايمان فهذا القول نقض لامتحان النبي (ص) من كان يجيئة يريد الاسلام، واخذه إياه بالبيعة عليه وشروطه وشدة التأكيد، قال مسعدة: ومن قال بهذا فقد كفر البتة من حيث لا يعلم( ). وأما المنهج الوضعي فهو يترك مجال تعيين المصداق لاختيار الأُمة، لكن يظلّ هذا التخيير له لون صوري غير واقعي في حالة تخلف الشرائط والمواصفات في الشخص الحاكم التي يعينها القانون، ويظلّ التخيير غير صائب في حالة توفر الموصفات بنحو أكمل في شخص لم يقع عليه الإختيار، وهذا الجانب السلبي في المنهج الوضعي قد عالجه المنهج الرباني الإلهي بجعل الإنتخاب بيد العالم بالسرائر وبمعادن البشر وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة. فكون العقد السياسي هي وثيقة إلزام وإلتزام وسبب لزيادة التعهد لا أنّه عملية مولدة لصحة الشيء الذي تمّ التعاقد عليه، بل الصحة والسلامة آتية من الشارع او القانون، وكون العقد هذا مفاده من أوليات الأبحاث القانونية، فالعقد السياسي والبيعة لا يؤمنّان صحة الانتخاب وسلامة المنتخب والمبايع وإنّما الذي يؤمنه تعيين الشرع في المنهج التوحيدي والقانون في المنهج الوضعي. فالعقد لا يؤمّن الصحة والسلامة، وهذا ما نجده عند فقهاء القانون من تمييزهم أدلة الصحة عن أدلة اللزوم. هذا مضافاً إلى أن الإعتراف بأن الوجوب الشرعي ثابت على الأمّة في إيقاع البيعة مع المعصوم (ع) يعني نصب الشارع الأقدس لمعصوم خليفة ووالياً، غاية الأمر إلزام إياهم بالإلتزام والتعهد وزيادة إستيثاق بالعمل بهذا النصب، نظير إيجاب الشارع الأقدس السعي إلى صلاة الجمعة وعقدها فإنه وليد وجوب ذات صلاة الجمعة على المكلفين. الحرية الفردية ذريعة شعارية ومن المضحك المبكي التشبث بشعار حرية اختيار الفرد في العقد السياسي (البيعة) من جانب، ومن جانب آخر تصحيح البيعة بجزء من الأمة مهما كثر ذلك على الجزء الآخر الذي لم يبايع وإلغاء رأيه، أو بايع شخصاً آخر، مع انه قد تكون النخبة في جانب الاقلية وذوي العقول الراجحة كماً وكيفاً. ولذلك ترى ان أصحاب مدرسة السقيفة القائلين بذلك يقعون في حيرة أمام صورة وتساؤلات عديدة تقع في المجتمع لا يؤمِّن الجواب عنها تحت ذريعة الحرية الفردية فهل الغلبة مسوغة لإلغاء الحرية الفردية للأقلية، فإذا كانت مسوّغة فالسلطة الفردية يرفع اليد عنها عندهم في موارد، فكيف لا يسوغ رفع اليد عنها أمام الاختيار الالهي الصائب الذي لا يخطأ بينما الغلبة البشرية ممكنة الخطأ. وكيف يكون وجوب البيعة لمعصوم (ع) على الأمة لا ينافي السلطة الفردية والاختيار( )، بينما نصب الشرع وتعيينه للوالي منافي للإختيار وحرية أفراد الأمة. وكيف يصحح الشارع بيعة الأمة لغير المعصوم (ع) مع أنه أوجب عليهم البيعة للمعصوم(ع) ـ كما يعترف بالوجوب المذكور الخصم ـ . وكيف يتلائم القول بأنّ الحكمة الإلهية في المعصوم (ع) هي تجسيده للقانون الالهي على كل الاصعدة السياسية والاجتماعية والفردية وغيرها، مع القول بعدم نصب الشارع له حاكماً ووالياً على الأمة، وهل يكون ناطقاً حيّاً بالقانون إلاّ بجعل الزعامة له على الأمة. الشورى والنص والقول: بان قوله تعالى وامرهم شورى بينهم يفيد ان امر الحكم وكل شيء جماعي هو برأي الاكثرية، وان مفاد الاية اصل اصيل في قواعد الحكم الاسلامي مطلقا، او اذا لم يكن اصل اخر مقدما كالنص على الائمة الاثني عشر (عليهم السلام)، وان ذلك فماد ما ورد من النصوص المستفيضة في حسن الاستشارة وذم الاستبداد بالرأي. فهو وهم: اذ ان التعبير بلفظ الشورى المشتق من تشاور واشتور، والاشارة والمشورة هي اراءة المصلحة وشاورته في كذا راجعته لأرى رأيه، وشرت العسل اشوره جنيته، واشار بيده اشارة أي لوح بشيء يفهم من النطق. فمادة الشورى تعطي معنى الاستفادة من الخبرات والعقول الاخرى لكي يكون العزم على بصيرة تامة، فهي نظير ما جاء من ان اعقل الناس من جمع عقول الناس الى عقله، واعلم الناس من مع علوم الناس الى علمه، فهي توصية بجمع الخبرات وتنضيج وتسديد الرأي وتصويبه بكشف كل زواياه الواقعية عبر الاذهان المختلفة، وقريب من ذلك ما قاله اللغويين انها استخراج الرأي بالمفاوضة في الكلام ليظهر الحق. سواء كان الامر بيد الفرد الواحد ام لا، كما هو الحال في سلطة الانسان على امواله اذا اراد ان يقدم على بيع او عقد معاملي، فان استبداده برأيه يؤدي به الى الجهالة بخلاف ما اذا اعتمد المشورة والاستشارة، ولكن ذلك لا يعني في وجه من الوجوه قط سلطة المشير على المستشير، او سلطة المشير مع المستشير وولاية الناصح شركة مع المستنصح، وانما يعني اعتماد الوالي على الامر منهجَ العقل الجماعي في استكشاف الموضوعات والواقعيات العارضة. وهذا هو مفاد الروايات المستفيضة في باب الاشارة والمشورة والاستشارة والشورى، أي التوصية باعتماد تجميع الخبرات والعقول، لا جعل السلطة بيد المجموع بل الفيصل والنقض والابرام والترجيح بين وجهاة النظر يكون للولي على الشيء بعد استطلاعه على الاراء المختلفة، كما هو دارج قديما وحديثا في الزعامات الوضعية البشرية حيث تعتمد على لجان وخبرات ـ مستشارين ـ( ) في كل حقل ومجال مع عدم افادة ذلك لدى المدرسة العقلية البشرية ولاية لا فراد تلك اللجان يشاركون فيها ذلك الزعيم. ولذلك عد الفقهاء تلك الروايات المستفيضة احد انواع الاستخارة بل افضلها، والاستخارة هي طلب الخير لا تولية المشيرين مع المستشير، فلا يتوهم ان فتح باب الاستشارة والشورى في الرأي لغو اذا لم يكن بمعنى التشريك في الولاية وتحكيم سلطة المستشارين، اذ أي فائدة ابلغ واتم من استكشاف الوالي واقع الاشياء وحقائق الامور عبر مجموع الخيرات والعقول، واعتماده منهج جمع العلوم الى علمه، فان ذلك يصيّره نافذ البصيرة، سواء كان ذلك على الصعيد الفردي كولاية الفرد على امواله او على الصعيد الاجتماعي كولاية الشخص على المجتمع. فمجيئ مادة المشورة في قوله تعالى يعطي هذه التوصية للمؤمنين في التدبير، بان يكون البت فيه بعد استخراج الرأي الصائب من العقول المختلفة بالمداولة والمفاوضة مع العقول الاخرى، اما ان البات والمدبر من هو فليست الاية في صدده، لاختلاف ذلك التعبير مع (وامرهم بأيديهم) حيث ان اليد هي من اقرب الكنايات عن السلطة، وكذلك يختلف مع التعبير في وله تعالى واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله، وغيرها من التعبيرات القرآنية المتعرضة للولاية في الاصعدة المختلفة. وممار يعزز ما تقدم قوله تعالى فان ارادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما فان تعالى ندب الى التشاور بين الزوجين في رضاعة الطفل مع ان ولاية الرضاعة ذات الاجرة بيد الزوج فقط، وان كانت الحضانة في غير ذلك من حق الزوجة. وكذا قوله تعالى فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فاضا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين ففيه ندبة من الله للرسول (ص) الى مشورة المسلمين في سياق الرأفة والرحمة بهم واللين معهم والعفو عنهم والاستغفار لهم، لا لتحكيم ولايتهم عليه (ص) (والعياذ بالله) اذ ذيل الاية صرّح بان العزم على افعل مخصوص به (ص). بل ان الامر بالتوكل فيه اشعار بنفوذ عزمه وحكمه (ص) وان خالف آراءهم، ولذلك ذكر اكثر المفسرين وجوها في امره بالمشاورة. احدها: ان ذلك لتطييب انفسهم والتألف لهم والرفع من قدرهم. الثاني: ان يقتدى به في المشاورة، كي لا تعد نقيصة في المستشير. الثالث: لامتحان الاصحاب بالمشاورة ليتميز الناصح من الغاش، كتشاوره (ص) قبل واقعة بدر ـ الكبرى والصغرى ـ وغيّرها من الوقائع. الرابع: لتشجيعهم وتحفيزهم على الادوار المختلفة والتسابق على الخيرات والاعمال الخطيرة المهمة، وتنضيج عقول المسلمين وتنميتها، ولكي يتعرفوا على حكمة قرارات الرسول وافعاله (ص). ومن الغفلة الاستدلال بمورد نزول الاية في غزوة احد على كون الشورى ملزمة له (ص)، بدعوى أن رأيه (ص) كان هو اللبث في المدينة وعدم الخروج، ورأي بقية أصحابه على الخروج ومع ذلك تابع رأي الاكثرية وخرج الى جبل أحد. وجه الغفلة أن الخروج من المدينة كما ذكره عدة من المحققين كان رأيه (ص) كما في رواية علي بن ابراهيم في تفسيره ((فلما بلغ رسول الله (ص) ذلك جمع أصحابه واخبرهم ان الله قد اخبره ان قرشا قد تجمعت تريد المدينة وحث اصحابه على الجهاد والخروج)) بخلاف رأي الاكابر من المهاجرين والانصار حيث لم يكن عزمهم على القتال والمواجهة. كما صرّح بذلك الواقدي في كتاب المغازي( ) ((وكان ذلك رأي الاكابر من اصحاب رسول الله (ص) من المهاجرين والانصار)). وهو الذي تشير اليه الايات في سورة آل عمران حيث تحث على الخروج وتذم القعود وتوبّخ ذلك، اما الهزيمة التي مني بها المسلمون فلتخلفهم عن طاعة رسول الله (ص) في ترك الرماة مكانهم، لكن حيث ان حزب السقيفة المتسلط لم يرقه ذلك قام بجعل الاحاديث في ان رسول الله (ص) كان يميل الى اللبث في المدينة. ومما يستأنس لكون معنى الشورى بمعنى المشورة والاستشارة لا تحكيم السلطة الجماعية أن الاية مكية ولم يكن ثمة كيان سياسي للمسلمين، بل ان ظاهر الاية ترغيب المؤمنين حين نزولها في الاتصاف بتلك الصفات، فكيف يلتئم مفاد السلطة الجماعية مع ولاية الرسول (ص) المطلقة، ولذلك ترى أن كثيرا من مفسري العامة فسروا الاية بمعنى الاستشارة واستخراج الرأي لا تحكيم السلطة الجماعية. ولنعم ما قاله بعض الاجلة ((قده)) ان الاية لو كان مفادها تحكيم سلطة الامة في ادارة نفسها بتأويل الشورى الى معنى الانتخاب لا معنى الاستشارة، لكان في ادارة نفسها بتأويل الشورى الى معنى الانتخاب لا معنى الاستشارة، لكان على الرسول (ص) تثقيف الامة واعدادها بشكل وافر وبالغ على هذا النظام من الحكم. لا سيما وان الامة كانت تعيش نظام الحكم القبلي، وان نظام الشورى (الانتخاب) فيه عدة مبهمات غائمة للترديد في كون المدار على اكثرية عامة الامة او اكثرية اهل الخبرة، وان الترجيح للكيف او للكم، واي مقدار من نسبة الاكثرية هو المعين، وما هي مواصفات المرشح الى غير ذلك من التساؤولات، الذي يحتاج في اصل بلورته الى تقنينات عديدة مبسوطة، فهو باب متكثر الفصول، هذا بعد كون البشرية ـ الغرب والشرق ـ لم تعهد هذا النظام الا في القرنين الاخيرين من عصرنا هذا. ولو بيّن الرسول هذا الباب الواسع لوصل الينا ذلك، لا سيما وان الدواعي متوفرة لنقله بشدة، اذ هو اتجاه اهل السلطة بعد رسول الله (ص) في مقابل اتجاه اهل النص، ألا ترى ان أحادث النبي (ص) في فضائل عليّ (ع) وتنصيصاته بنصبه زعيما قد رواها الغفير من الصحابة مع توفير الدواعي الكثيرة لاخفائها، فكيف لا تَرِد الاحاديث منه (ص) حول نظام الشورى واعداده الامة لكي تتهيأ من بعده على ذلك النظام. بل ان ممارسات مدرسة أهل السقيفة كانت بعيدة كل البعد عن نظام الشورى، اذ استدلالهم في إبعاد الانصار عن الامارة كان بمنطق الوراثة والقربى للرسول (ص)، وتعيين الاول للثاني كان بمنطق ان له الحق في التعيين على الامة، وكذلك حصر الثاني المرشحين من بعده بذلك المنطق ايضا. ولو كانت الاية في ذلك الصدد وانه (ص) قنن نظام الشورى (الانتخاب) من بعده لكانت الاية والاحاديث على فرض صدورها في ذلك محل استدلال في مساجلاتهم التي جرت بينهم وبين مدرسة النص. ومن الغريب الاستدلال بكلمة امير المؤمنين (ع) في الشورى ـ في نهج البلاغة وغيره ـ على كون البيعة هي مصدر تعيين الخليفة والحاكم على الامة، بدعوى ظهور كلامه (ع) في اقرار ذلك. وجه الغرابة انه (ع) ذكر ذلك جدلا بالتي هي احسن وحجة على الخصم المقر بذلك، ومما يفصح بذلك قوله (ع) في رواية سليم بن قيس في جواب كتاب معاوية حيث طلب من امير المؤمنين (ع) قتلة عثمان ليقتلهم، وذلك لما قرأ (ع) كتاب معاوية وبلغه ابو الدرداء وابو هريرة رسالته ومقالته قال (ع) لابي الدرداء: ((قد بلغتماني ما ارسلكما به معاوية فاسمعا مني ثم ابلغاه عني وقولا له ان عثمان بن عفان لا يعدو ان يكون احد رجلين، اما امام هدى حرام الدم واجب النصرة لا تحل معصيته ولا يسع الامة خذلانه، او امام ضلالة حلال الدم لا تحل ولايته ولا نصرته، فلا يخلو من احدى خصلتين، والواجب في حكم الله وحكم الاسلام على المسلمين بعد ما يموت امامهم او يقتل ضالا كان او مهتديا مظلوما كان او ظالم حلال الدم أو حرام ان لا يعملوا عملا ولا يحدثوا حدثا ولا يقدموا يدا ولا رجلا ولا يبدؤوا بشيء قبل ان يختاروا لانفسهم امام عفيفا عالما ورعا عارفا بالقضاء والسنة. قال: هذا اول ما ينبغي ان يفعلوه ان يختاروا اماما يجمع امرهم ان كانت الخيرة لهم ويتابعوه ويطيعون، وان كانت الخيرة الى الله عز وجل والى رسوله فان الله قد كفاهم النظر في ذلك والاختيار رسول الله (ص) قد رضى لهم اماما وامرهم بطاعته واتباعه. قال: وقد بايعني الناس بعد قتل عثمان وبايعني المهاجرون والانصار بعد ما تشاوروا في ثلاثة ايام وهم الذين بايعوا ابا بكر وعمر وعثمان وعقدوا امامتهم ولي ذلك اهل بدر والسابقة من المهاجرين والانصار غير انهم بايعوهم قبلي على غير مشورة من العامة وان بيعتي كانت بمشورة من العامة. قال (ع): فان كان الله جل اسمه جعل الاختيار الى الامة وهم الذين يختارون ويمضون لانفسهم واختيارهم لانفسهم ونظرهم لها خير لهم من اختيار الله ورسوله لهم، وكان من اختاروه وبايعوه بيعته بيعة هدى وكان امام واجبا على الناس طاعته ونصرته فقد تشاوروا فيّ واختاروني باجماع منهم، وان كان الله عز وجل الذي يختار وله الخيرة فقد اختارني للامة واستخلفني عليهم وامرهم بطاعتي ونصرتي في كتابه المنزل وسنة نبيه (ص) فذلك اقول لحجتي واوجب لحقي)). فانه (ع) يشير الى قوله تعالى وما ربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون( ) فليس الاختيار من جذوره الا لله عز ول، مضافا الى مناشداته العديدة بالنص، وقوله (ع) في النهج ((فطفقت ارتئي بين ان اصول بيد جذاء او اصبر على طخية عمياء… فيا لله وللشورى…))( ) فلو كان (ع) يقر الشورى فلِمَ يخير نفسه بين ان يصول صولة الحق عليهم، ولِمَ يندد بالشورى. وكذا في احتجاجات المعصومين (عليهم السلام) من عدم تمكن البشرية من تحقيق الانتخاب الصائب للقيادة، والتاريخ ببابك، ومن هذا الاحتجاجات قول الرضا (ع) ((ان الامامة اجل قدرا واعظم شأنا واعلى مكانا وامنع جانبا وابعد غورا من ان يبلغها الناس بعقولهم او ينالوها بآرائهم او يقيموا امام باختيارهم)). ومن عجيب الغفلات محاولة الجمع بين ادلة التعيين والنصب ـ ككثير من الايات القرانية الدالة على ان الامامة عهد وجعل الهي وان المنصوب هو علي (ع) وذريته ـ وبين ما يزعم من مفاد اية الشورى ودلالتها أن السلطة للامة، بان مورد الادلة الاولى هو مع وجود المعصوم (ع) وتقلده للزعامة الاجتماعية السياسية، ومورد الثانية هو مع عدم وجوده (ع) كما في زمن الغيبة. وجه الغفلة: انه ان جعل المدار السلطة الامة والشورى عدم تقلد المعصوم الزعامة بالفعل فذلك يعني شرعية سلطة الامة في الفترة الزمنية التي كان فيها علي (ع) مبعدا عن السلطة، وكذلك في فترة ما بعد صلح الحسن (ع) الى عصر الغيبة، حيث انهم (ع) لم كونوا متقلدين بالفعل زمام امور الحكم، وهذا مناقض لمبدأ النص. وان جعل المدار على وجودهم (عليهم السلام) وان لم يتقلدوا زمام الامور والحكم بالفعل، فوجودهم لا تخلو منه الارض ((اللهم بلى لا تخلو الارض من قائم لله بحججه اما ظاهر مشهور او خائفا مغمور لكي لا تبطل حجج الله وبيّناته)) ( ). ولا فرق بين حضوره الامام وغيبته بعد كون عدم تقلده زمام الامور بالفعل غير مؤثر في كونه اماما بالفعل ـ بما للامامة من عهد معهود الهي ذات شؤون عظيمة بالغة ـ كما في الحديث النبوي المروي عند الفريقين ((الحسن والحسين امامان قاما او قعدا)) فقعودهما عليهما السلام بسبب جور لامة لا يفقدهما الجعل الالهي والخلافة الالهية على الامة. وهل من الامكان ابداء الاحتمال انه (عج) في غيبته يفقد هذا المنصب والجعل الالهي، اذ هذا لا ينسجم مع مبدأ النص والتعيين، ومن هنا كان تمسك الفقهاء في نيابتهم في عصر الغيبة الكبرى بنصبه لهم نوابا في قوله المروي مسندا في غيبة الشيخ الطوسي ((واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله)) فقوله (ع) ((فانهم حجتي عليكم)) استنابة منه (ع) للفقهاء. وهل يتعقل ان يكون لله حجتان بالاصل في عرض واحد بالفعل، بان يكون الحجة في غيبته حجل بالاصل، ومنتخب الامة حجة اخرى بالاصل ولكن بالانتخاب لا بالنيابة عنه، ومن هنا كان دأب فقهاء الامامية على ضوء مبدأ النص والتعيين ان ولاية الفقيه مستمدة منه (ع) وعجل الله فرجه الشريف في الغيبة لا انها للفقيه بالاصالة مع خلعه (ع) عن ذلك المنصب. هذا ولا يغفل عن ان سبب عدم تقلده (عج) زمام الامور والحك وعدم الظهور هو المذكور في قوله (ع) ((لو كنتم على اجتماع من امركم لعجل لكم الفرج)) ولذلك قال السيد المرتضى والخواجة وغيرهما ان سبب غيبته منا. نعم اذا أمكن ان تخلو الارض من الحجة المعصوم، وان يترك الله البشر وحالهم مع قوانين دينه على اوراق وتكون يد الله مغلولة ـ والعياذ بالله تعالى ـ امكن حينئذ ذلك الاحتمال والجمع المزعوم بين الادلة. ومن الطريف ان الدعوى المزبورة تذعن في طياتها بشروط في المرشح بالانتخاب من الفقاهة والكفاءة والامانة العدالة والضبط وسلامة الحواس الى غير ذلك من الشروط التي لا تتوفر بنحو الاطلاق والسعة وبنحو الثبات الذي لا تزلزل فيه الا في المعصوم (ع)، وكأن ذلك أوْبٌ الى النص مرة أخرى، اذ الاشتراط في جذوره تعيين. نعم نصبه (عج) للفقهاء كنوّاب بالنيابة العامة قد استفيد منه من قوله ((فارجعوا)) الايكال للامة في اختيار احد مصاديق النائب العام الجامع للشرائط ولا يعني ذلك أن النصب بالاصالة من الامة بالذات، بل منه (عج) بالاصالة ومن الامة بتبع ايكال وتولية المعصوم لها، كما هو الحال في القضاء والافتاء عند التساوي في الاوصاف. ولا يتوهم ان تولية الامة ذلك يلزمه امكان توليتها السلطة على نفسها بالاصالة من الله تعالى في اختيار خليفة الله في ارضه، اذ بين المقامين فيصل فاصل وفاروق فارق، حيث انه لا بد من العصمة في قمة الهرم الاداري للمجتمع دون بقية درجات ذلك الهرم، اذ بصلاح القمة يصلح مجموع الهيكل. كما لا يتوهم انه حيث لابد للناس من امير برّ او فاجر تدار به رحى ادارة النظام الاجتماعي البشري وهاذ اللابدية والضرورة العقلية التي نبه عليها علي (ع) في النهج تقتضي تنصيب الامير على الناس بمقتضى تلك الضرورة بالذات بالاصالة من دون حديث النيابة عن المعصوم. وجه اندفاع التوهم: ان الضرورة العقلية تقتض الزعيم، أما شرائط كونه امير برّ لا فارج هو كون امارته من تشريع الله تعالى واذنه اذ الولاية لله تعالى الحق، والامارة تجري على يد الفرد البشري المخول منه تعالى في ذلك. ولذلك ترى أن عدة من الفقهاء ((قدس الله اسرارهم)) استدلوا بتلك الضرورة في الكشف عن اذنه وتنصيبه للفقهاء باعتبار انهم الدر المتيقن، او غير ذلك من التقريبات المذكورة في كلماتهم. وبذلك ننتهي الى ان الاية هي في صدد الاشادة بصفة ممدوحة مهمة في المؤمنين وهي عدم الاستبداد بالرأي، واعتماد العقل المجموعي في استخراج الرأي الصائب وفتح الافق امام الخبرات في استعلام جودة الفكر والرأي، واما اين هي منطقة السلطة الجماعية واين هي منطقة السلطة الفردية ومن هو ومن هم فذلك يتم استكشافة من مبدأ السلطات وهو الله تعالى ومن ثم رسوله (ص) وخلفائه المعصومين، بالوقوف على حدود نصوص الجعل والتنصيب كما ذكرنا لذلك مثالا في النائب العام والقاضي والمفتي. والمهم التركيز على هذه الجهة في لاية ان مادة الشورى هي لاستطلاع الراي الصائب والمداولة مع بقية العقول، وفرق بين استطلاع رأي الاخرين وبين جمع ارادة الاخرين، فالاول هو موازنة بين الافكار والاراء من المستطلع والمستشير، والثاني سلطة جماعية، فلا يمكن اغفال التباين الماهوي بين الفكر والارادة، وان الشركة في الاول لا تعني الشركة في الثاني بتاتا. فالتوصية في الاية هي في اعتماد التلاقح الفكري في اعداد الفكرة، اما محلة البتّ والعزم والارادة فلا نظر إليها من قريب ولا من بعيد، ومجرد اضافة الامر الى ضمير الجماعة لا يعني كونها في المقام الثاني، بعد كون مادة المشورة صريحة في المقام الاول. بل غاية ذلك هي أهمية اعتماد المفاوضة في استصواب الرأي في الموضوعات التي تخص وتتعلق بمجموعهم، هذا لو جمدنا على استظهار الموضوع المتعلق بالمجموع من لفظة (امرهم)، ولم نستظهر معنى الشأن من الامر ـ كما استظهره كثير من المفسرين ـ أي بمعنى شأنهم وعادتهم ودأبهم على عدم الاستبداد بالرأي واعتماد طريقة الاستعانة بالمستشارين. ونكتة الاضافة الى ضمير الجماعة هي وحدة سوق الافعال في الايات كما في ((أقيموا الصلاة)) ((ومما رزقناهم ينفقون)) ((ويجتنبون كبائر الاثم))، وما لفظة (بينهم) فهي ظرف لغو متعلق بمادة الشورى لكونها مداولة بين الآراء ومفاوضة لا تقل عن كونها بين اثنين، فهي فعل بينيُّ وفيما بينهم. مفاد آية القضاء وأما قوله تعالى: ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً، فليس مورد نزوله في فصل الخصومة والنزاع ـ كما ادعى ـ بل مورد نزوله هو في زينب بن جحش وعبدالله أخيها عندما أراد رسول الله (ص) تزويجها من زيد بن حارثة فأبيا وأنكرا ذلك فنزلت الآية، فأطاعا وقبلا الزواج من زيد، فمفاد قوله (إذا قضى) أي إذا أوجب الله ورسوله أمر وألزماه وحكماه به ان يكون لهم الخيرة والإختيار من أمرهم على إختيار الله تعالى فليس لأحد مخالفته وتركه، فهي ليست خاصة بمورد الخصومة. وكذلك الحال في نصب الله ورسوله عليّاً (ع)، إلاّ أنّ الخصم حيث يتدين بنظرية العقد في القانون الوضعي ـ والتي تقدم ان قائليها لم يسلموا بها مطلقاً ـ يحاول إنكار كل ما فيه دلالة على انّ مبدأ الولاية والسلطة هو الله تعالى وأنّ منه تتشعب الولايات. ثم من الغريب قوله بأنّه من الطبيعي خلافة الثانية بعد الأول لأنّه كان وزيراً له، مع الإعتراف بأنّ علياً (ع) كان وزيراً لرسول الله (ص) ( ) ولكن ليس من الطبيعي والقانوني كونه خليفة بعد رسول الله (ص)!!! انكاره استخلاف علي (ع) على الامة وأمّا إنكاره لوصيّة رسول الله (ص) باستخلاف عليّ (ع) على الاُمة، لأنّ الاُمة لم تمكله الحكم الابدي، فهو مبني على القاعدة الوضعية القائلة بأنّ مبدأ السلطات هو السلطة الفردية، وقد تقدم أنّ كبار فقهاء القانون الحديث اعترفوا بخطأ اطاق القاعدة وعموميتها وأنّه لابدّ من تحكيم المذهب والقضاء العقلي عليها. مع تقدّم من انّ البيعة لأجل الإستحكام لا لأصل نصب الحاكم لأنّ اللزوم متفرع ومترتب على الصحة. وكيف يسوغ الإنكار المذكور مع قوله تعالى: وإذا ابتلى ابراهيم ربه كلمات فأتمهن قال إنّي جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين وواضح لو كنّا نحن والآية أن ابراهيم قد كان نبيّاً رسولاً قبل أن يكون إماماً، إذ فيها تصريح بمخاطبة الله تعالى لإبراهيم بالقول الذي فيه البشارة بجعله إماماً للناس، ويعلم من ذلك أنّ الإمامة للنّاس مقام غير مقام تبليغ وحي الله وأحكامه ودينه، وأنّه أخطر من مقام النبوة والرسالة لأنّ الله ما اكتفى عن الإبتلاء والإمتحان الخاص لإعطاء الإمامة. وقد استثنى الله تعالى من طلب إبراهيم من هو ظالم من ذريته( )، وهذا ليس ملكاً وراثياً على نسق الملكية الفاسدة الوضعية، بل هو مطابق لقوله تعالى: إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم فهو بسبب طهارة المعدن والمنبت والأرض الطيبة تخرج نباتاً طيباً. أم يحسدون الناس على مآءاتهم الله من فضله فقد ءاتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة واتيناهم ملكا عظيماً. وقوله: وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إنّ ربك حكيم عليم، ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاًّ هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلاًّ فضّلنا على العالمين ومن آبائهم وذريّاتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون، أُولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكمَ والنبوة فإن يكفر هؤلاء فقد وكّلنا بها قوم ليسوا بها بكافرين اُولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا اسئلكم عليه أجراً إن هو إلاّ ذكرى للعالمين( ). فأثبت الله في ذريته العلم والحكم والنبوة وهي ثابتة لمحمد وآل محمد (ص) بالإلتفات إلى الاية الاخيرة مع ضميمة قل لا اسألكم عليه أجراً إلاّ الموّدة في القربى وقل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ من شاء أن تخذ إلى ربّه سبيلاً. وكذلك قوله تعالى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، وقوله: الولاية لله الحق، وقوله: إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، وقوله تعالى: إنّ الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا أنّى يكون له الملك ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إنّ الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم. وحدت مقامات الائمة (ع) ثم إنّه من الغريب الإعتراف بأنّ الحجة صاحب العصر والزمان (عج) له منصب التصرف والتنفيذ والحكومة شرعاً بغض لانظر عن البيعة، دون بقية الأئمة (عليهم السلام) مع أنّ تنصيص القرآن والنبي (ص) عليهم وعلى مقاماتهم بحكم واحد، وكيف ارتضى النص في الحجة (ع) مع أن البيعة ستقع له أيضاً، فماذا معنى البيعة حينئذٍ إلاّ استيثاق لا أنّها نصب وتعيين. والإعتراف بكلامه (ع) ((محلّي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل ولا يرقى الي الطير)) بأنّ المفروض على الاُمة انتخابه وبيعته وإنّ طريقها إلى غيره هو طريق معوّج ملتّف،وأنّ بيعة الاوّل فلتة، هذه هو الإعتراف بالنصّ على عليّ (ع) ونصبه، إذ ما معنى الوجوب الشرعي لبيعة الاُمّة الإسلامية لشخص هو عليّ (ع) لا غيره وإنّ إقدامها على بيعة غيره باطل معوّج ملتفٌ عن الحق، فالبيعة على هذا الوجوب وظيفتها هو تأكيد التوثيق والعهد بالعمل بالنص والتعيين نظير النذر المتعلق بصلاة الظهر الواجبة. أمّا إحتياج السلطة الغاصبة إلى عليّ (ع) وتحيده بمضي ثماني سنوات من حكم الثاني( )، فتحديده بذلك مغالطة يكذّبها الجوامع الروائية بين الفريقين إذ الأوّل منذ بدايات أياّمه التجأ إليه(ع) في مواجهة ما ينوبه من ورطات في تدبير الحكم والأقضية والحدود والردّ على علماء اليهود والنصارى حتى بدى واشتهر عجزه فقال: ((أقيلوني أقيلوني فلست بخيركم وعليُّ فيكم)، وكذا قال الثاني (لولا علي لهلك عمر) ( ). الاستخفاف بصلاة علي (ع) ويالها من شنشنة الإستخفاف بصلاته (ع) ألف ركعة كل ليلة، وتسمية الإستعداد لمواجهة البيعة الباطلة للأوّل والثاني تسميته بالمؤامرة، وتسمية استعداد سلمان وعمّار والمقداد لمبايعة عليّ (ع) إذا مضى الثاني بالمؤامرة، وتصوير الثاني بالحلم عن ذلك. وأمّا الأنبياء والأوصياء بعد النبي موسى (ع) فقد تقدم ف يحيى وعيسى في آيات سورة الأنعام أنهم اُعطوا الكتاب والحكم والنبوّة، ويشير إليه أيضاً قوله تعالى: ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مريّة من لقائه وجعلناه هدى لبني اسرائيل وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقون، وقال تعالى من نبأ موسى وفرعون ونُريد أن نمّن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونُمكّن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون. ومن الغرابة انكاره كون عيسى (ع) من اولي العزم( ) الاتي بشريعة ناسخة اجمالا، مع ان الايات العديدة كقوله تعالى شرع لكم ما وصى به نوحا والذي اوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا المشير الى كون الخمسة هم أصحاب شريعة كل بعد الاخر، والى ذلك تصرح العديد من الروايات. ومن الحيل دعوى اشتباه كل من الكيان السني وكذا الشيعي عبر ثلاث عشرة قرنا، ثم بعد ذلك الإلتزام بمسلك العامة القائلين بأنّ الخلافة بالبيعة وأنّ الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) ما هم إلاّ رواة أحكام، فهل هذا إلاّ تصحيح لكيان السنة والتحامل على الكيان الشيعي. عقائد الشيعة وحي إلهي ومن الفظيع القول بأنّ الكيان الشيعي والإعتقاد الاثني عشري هو من تلفيق علماء الشيعة في الغيبة الصغرى والكبرى، فهل عميت العيون والقلوب عن النصوص القرآنية في إمامة أهل البيت (عليهم السلام) والنصوص النبوية من طرق العامة، وهل صمّت الآذان عن صوت السير التاريخية المتواترة والمستفيضة في فضائلهم وكمالاتهم وعلمهم وأسبقيتهم على أفراد المجتمعات البشرية في كل خصلة حسنة ومنقبة باهرة تؤهلهم لزعامة البشرية. وأما المنهج الذي يسلكه الباحث في تحرّي الحقيقة فاللازم اتباع موازين محررّة قد ثبت صحتها من علوم عقلية ونقلية سواء من علم الكلام أو اُصول الفقه أو المنطق أو الفقه أو القانون أو اللغة وعلومها وقوانين المحاورة، وأمّا اتباع منهج القصّاصة الذين يتبعون ما يستظرفون من أنس الحكايات وسمر الليالي للتقنّع بها لبث فكر مدرسة السقيفة، فهو خبط وتخليط. لا للفكر الكنيسي وأما قوله بأنّ النبي يوسف (ع) عبداً خادماً بحسب ميزان القانون مع كونه نبيّاً، وأنّ النبوة والوصاية أمر بين النبي أو الوصي وربّه لا علاقة له بمكانتهما ومقامهما في المجتمع، فهذا يفوح منه رائحة الفكر الكنيسي المسيحي القائل ((ما لله لله وما لقيصر لقيصر)) الذي يعزل الدين عن كونه منهجا وقانونا اجتماعيا وسياسيا، حيث يذهبون إلى أن الدين ما هو الا علاقة الانسان بينه وبين ربّه، وأمّا علاقته مع أفراد المجتمع فلا ربط للدين بذلك بل المتبع فيه السنن الوضعية لعقول البشر. وهو بعينه منهج فرقة المرجئة الذين صنعتهم دولة بني أمية لتبرير فساد سلطانهم وهدمهم للدين بمنطق لزوم الوفاء بالبيعة للسلطان وان كان فاسقا فاجرا، وهو رقدة المجتمعات السنية عن حكوماتها الظالمة. لم يكن يوسف بعدا مملوكا ومن التهتك القول بان يوسف النبي كان في الحقيقة عبدا خادما، اذ كيف يصحح استعباد النبي يوسف (ع) ألم يقرع سمعه الآيات من سورة يوسف التي بتين مؤامرة اخوته وبيعهم له ظلماً وحسداً كما هو قول أكثر المفسرين، أو أن الذين أخرجوه باعوه وكتموا أمره، والكل متفق على أنّ ثمنه حرام لأنّه ثمن حرٌ، وكان الذين اشتروه من الزاهدين في شرائه لأنّهم وجدوا علامة الأحرار وأخلاق أهل البر والنبل فلم يرغبوا فيه مخافة أن يلحقهم تبعة في استعباده أو لأنه لقطة وليس ببضاعة. وأمّا أنّ الله تعالى لا يدبّر تكوينا بالمعجز لوصول الأنبياء والأوصياء لسدة الحكم في كل مراحل الوصول، فهذا لا يعني أنّ الجعل القانوني الاعتباري الشرعي من الله تعالى المتعلق بمقامهم ومكانتهم في المجتمع ليس هو جعلهم أئمة وقائدة قانونيين للمجتمع ونصبه تعالى لهم زعماء وساسة لعباده. مضافا الى انه يقر بان قدرة سليمان (ع) ليست عادية بل خارقة للطبيعة، فهل هذا إلاّ مدد رباني، وهل دعوة سليمان (ع) لبلقيس ومجتمع اليمن كان بالتخيير والبيعة!!! وكما هو الحال في كل موارد الدعوى والجهاد الإبتدائي المتفق عليه بين المسلمين أجمع. الولاية التشريعية لله وما المراد من القول إنّ الله لا يفرض قانونه على البشر هل هو عدم قسرهم تكويناً عليه فهذا صحيح، ولكن لا ربط له بعدم تقنين الله تعالى منصب الزعامة للمعصومين، أو ان المراد من عدم الفرض ان الله تعالى سوغ لهم الاختيار كيفما يشاؤون في التقنين، فهذا يناقض انه قنن لهم قانونا والزمهم تشريعا به. وأمّا أن النبي (ص) وعلي (ع) والحسن (ع) لم ينفذوا الأحكام إلاّ بعد البيعة وأنّ النظام الإسلامي قائم على البيعة وكذلك الحسين (ع) لم يخرج إلى كربلاء إلاّ بعد أن بويع م أهل الكوفة. فهذا لو سُلّم فلا دلالة له على عدم التعيين والنصب كما أخبرتنا بذلك عشرات النصوص القرآنية ومئات النصوص النبوية المتواترة، التي مضى الكلام عنها، وإنما كان أخذهم البيعة لزيادة إستيثاق وتغليظ في تعهّد الناس بالنصب والتعيين، ولذلك كان مضمون البيعة له (ص) بالشهادة بأنّه رسول الله حقّاً وبالنصرة له لإقامة الدين الذي أمر بإقامته. وكذلك الحال في البيعة لعلي (ع) والحسن والحسين (عليهما السلام) فقد تضمنت الشهادة لهم (عليهم السلام) بالوصيّة من النبي (ص) وبالشهادة بالعصمة وبالأحقيّة لهم، ولذلك لم تكن البيعة من كل الاُمة من رؤسها والوجهاء والنخبة، فلو لم يكن النصب قبل البيعة كيف يلزم من لم يبايع وإنّما هي لإحكام العمل بالنص. ولذلك قال 0ع) في النهج: ((إنّما البيعة للمهاجرين والأنصار)) فخصّها بهم دون غيرهم ودون الطلقاء لكونهم عيون الأمة، فليس فلسفة وتقنين البيعة ناشئا من سلطة الأفراد ونقلها للمبايع وإلاّ لوجب أن تكون من الكل، لأنّ من لم يبايع لم ينقل سلطته على ذلك المسلك، وأمّا المسلك الصحيح فهو غنّ الولاية لله الحق، ومنه تتشعب باقي الولايات. ------------------ البحراني
|