الكلام في تعظيم منزلة عائشة على سائر نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قال الطاعن : (( وأعظموا أمر عائشة على باقي نسوانه ، مع أنه عليه السلام كان يكثر من ذكر خديجة بنت خويلد ، وقالت له عائشة : إنك تكثر من ذكرها ، وقد أبدلك الله خيرا منها . فقال : والله ما بُدِّلت بها ما هو خير منها ؛ صدَّقتني إذ كذبني الناس ، وآوتني إذ طردني الناس ، وأسعدتني بمالها ، ورزقني الله الولد منها ، ولم أرزق من غيرها )).
والجواب أولا : أن يقال : إن أهل السنة ليسوا مجمعين على أن عائشة أفضل نسائه ، بل قد ذهب إلى ذلك كثير من أهل السنة ، واحتجوا بما في الصحيحين عن أبي موسى وعن أنس رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلمقال:((فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام )).
والثريد هو أفضل الأطعمة لأنه خبز ولحم ، كما قال الشعر :
إذا مـا الخـبز تأدمــه بلحــم فـذاك أمـانـة الله الثــريـد
وذلك أن البُرّ أفضل الأقوات ، واللحم أفضل الآدام ، كما في الحديث الذي رواه ابن قتيبة وغيره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلمأنه قال : (( سيد إدام أهل الدنيا والآخرة اللحم ))(). فإذا كان اللحم سيد الآدام ، والبُرُّ سيد الأقوات ، ومجموعها الثريد ، لكان الثريد أفضل الطعام . وقد صح من غير وجه عن الصادق المصدوق أنه قال : (( فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام )).
وفي الصحيح عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله : أي الناس أحب إليك ؟ قال : (( عائشة )) . قلت : من الرجال ؟ قال : (( أبوها )) . قلت : ثم من ؟ قال : ((عمر)) وسمّى رجالا.
وهؤلاء يقولون : قوله لخديجة : (( ما أبدلني الله بخير منها )) : إن صح معناه: ما أبدلني بخير لي منها ؛ لأن خديجة نفعته في أول الإسلام نفعا لم يقم غيرها فيه مقامها ، فكانت خيرا له من هذا الوجه ، لكونها نفعته وقت الحاجة ، لكن عائشة صحبته في آخر النبوة وكمال الدين ، فحصل لها من العلم والإيمان ما لم يحصل لمن لم يدرك إلا أول زمن النبوة ، فكانت أفضل بهذه الزيادة ، فإن الأمة انتفعت بها أكثر مما انتفعت بغيرها ،وبلغت من العلم والسنة ما لم يبلغه غيرها ، فخديجة كان خيرها مقصورا على نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لم تبلِّغ عنه شيئاً ، ولم تنتفع بها الأمة كما انتفعوا بعائشة ، ولا كان الدين قد كمل حتى تعلمه ويحصل لها من كمال الإيمان به ما حصل لمن علمه وآمن به بعد كماله .