شبهة إذاعتها لسر رسول الله صلى لله عليه وسلم

شبهة أخرى. يقول أحدهم: : (( وأذاعت سر رسول الله صلى لله عليه وسلم ، وقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنك تقاتلين عليًّا وأنت ظالمة له ، ثم إنها خالفت أمر الله في قوله تعالى : ]وقرن في بيوتكن [، وخرجت في ملأ من الناس لتقاتل عليًّا على غير ذنب ، لأن المسلمين أجمعوا على قتل عثمان ، وكانت هي في كل وقت تأمر بقتله  ، وتقول اقتلوا نعثلا ، قتل الله نعثلا ، ولما بلغها قتله فرحت بذلك، ثم سألت : من تولى الخلافة ؟ فقالوا عليّ. فخرجت لقتاله على دم عثمان ، فأي ذنب كان لعليّ على ذلك ؟ وكيف استجاز طلحة والزبير وغيرهما مطاوعتها على ذلك ؟ وبأي وجه يلقون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ مع أن الواحد منا لو تحدث مع امرأة غيره وأخرجها من منزلها وسافر بها كان أشد الناس عداوة له ، وكيف أطاعها على ذلك عشرات ألوف من المسلمين ، وساعدوها على حرب أمير المؤمنين ، ولم ينصر أحد منهم بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلملما طلبت حقها من أبي بكر ، ولا شخص واحد كلَّمه بكلمة واحدة )) .

والجواب : أن يقال : أما أهل السنة فإنهم في هذا الباب وغيره قائمون بالقسط شهداء لله ، وقولهم حق وعدل لا يتناقض . وأما هؤلاء وغيرهم من أهل البدع ففي أقوالهم من الباطل والتناقض ما ننبِّه إن شاء الله تعالى على بعضه ، وذلك أن أهل السنة عندهم أن أهل بدر كلهم في الجنة ، وكذلك أمّهات المؤمنين : عائشة وغيرها ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير هم سادات أهل الجنة بعد الأنبياء ، وأهل السنة يقولون : إن أهل الجنة ليس من شرطهم سلا متهم عن الخطأ ، بل ولا عن الذنب ، بل يجوز أن يذنب الرجل منهم ذنبا صغيراً أو كبيراً ويتوب منه . وهذا متفق عليه بين المسلمين ، ولو لم يتب منه فالصغائر مغفورة باجتناب الكبائر عند جماهيرهم، بل وعند الأكثرين منهم أن الكبائر قد تمحى بالحسنات التي هي أعظم منها ، وبالمصائب المكفِّرة وغير ذلك .

وإذا كان هذا أصلهم فيقولون : ما يذكر عن الصحابة من السيّئات كثير منه كذب ، وكثير منه كانوا مجتهدين فيه ، ولكن لم يعرف كثير من الناس وجه اجتهادهم ، وما قُدِّر أنه كان فيه ذنب من الذنوب لهم فهو مغفور لهم : إما بتوبة ، وإما بحسنات ماحية ، وإما بمصائب مكفِّرة ، وإما بغير ذلك؛ فإنه قد قام الدليل الذي يجب القول بموجبه : إنهم من أهل الجنة فامتنع أن يفعلوا ما يوجب النار لا محالة ، وإذا لم يمت أحد منهم ، على موجب النار لم يقدح ما سوى ذلك في استحقاقهم للجنة . ونحن قد علمنا أنهم من أهل الجنة، ولو لم يُعلم أن أولئك المعيَّنين في الجنة لم يجز لنا  أن نقدح في استحقاقهم للجنة بأمور لا نعلم أنها توجب النار ، فإن  هذا لا يجوز في آحاد المؤمنين الذين لم يُعلم أنهم يدخلون الجنة ، ليس لنا أن نشهد لأحد منهم بالنار لأمور محتملة لا تدل على ذلك ، فكيف يجوز مثل ذلك في خيار المؤمنين ، والعلم بتفاصيل أحوال كل واحد واحد منهم باطنا وظاهرا ، وحسناته وسيئاته واجتهاداته ، أمر يتعذر علينا معرفته ؟! فكان كلامنا في ذلك كلاماً فيما لا نعلمه ،والكلام بلا علم حرام ، فلهذا كان الإمساك عمّا شجر بين الصحابة خيراً من الخوض في ذلك بغير علم بحقيقة الأحوال ، إذ كان كثير من الخوض في ذلك أو أكثره كلاماً بلا علم ، وهذا حرام لو لم يكن فيه هوىً ومعارضة الحق المعلوم ، فكيف إذا كان كلاماً بهوىً يطلب فيه دفع الحق المعلوم؟

وأما قوله : (( وأذاعت سرَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)) فلا ريب أن الله تعالى يقول : ]وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنيَِ الْعَلِيمُ الْخَبِير[( .  

وقد ثبت في الصحيح عن عمر أنها عائشة وحفصة( .

فيقال : أولا : هؤلاء يعمدون إلى نصوص القرآن التي فيها ذكر ذنوبٍ ومعاصٍ بيّنة لمن نصّت عنه من المتقدمين يتأوّلون النصوص بأنواع التأويلات ، وأهل السنة يقولون : بل أصحاب الذنوب تابوا منها ورفع الله درجاتهم بالتوبة .

وهذه الآية ليست أوْلى في  دلالتها على الذنوب من تلك الآيات ، فإن كان تأويل تلك سائغا كان تأويل هذه كذلك ، وإن كان تأويل هذه باطلا  فتأويل تلك أبطل .

ويقال: ثانيا : بتقدير أن يكون هناك ذنب لعائشة وحفصة ، فيكونان قد تابتا منه. وهذا ظاهر لقوله تعالى : ] إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [، فدعاهما الله تعالى إلى التوبة ، فلا يظن بهما أنهما لم يتوبا ، مع ما ثبت من علو درجتهما ، وأنهما زوجتا نبيّنا في الجنة ، وأن الله خيرهن بين الحياة الدنيا وزينتها وبين الله ورسوله والدار الآخرة ، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة ، ولذلك حرّم الله عليه أن يتبَدّل بهن غيرهن ، وحرم عليه أن يتزوج عليهن ،واختُلف في إباحة ذلك له بعد ذلك ،ومات عنهن وهن أمهات المؤمنين بنص القرآن . ثم قد تقدَّم أن الذنب يُغفر ويُعفى عنه بالتوبة وبالحسنات الماحية وبالمصائب المكفرة .

ويقال : ثالثا : المذكور عن أزواجه كالمذكور عمّن شُهد له بالجنة من أهل بيته وغيرهم من الصحابة ، فإن عليًّا لما خطب ابنة أبي جهل على فاطمة، وقام النبي صلى الله عليه وآله وسلمخطيبا فقال : (( إن بني المغيرة استأذنوني أن ينكحوا عليًّا ابنتهم ، وإني لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن ، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي ويتزوج ابنتهم ، إنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها )) فلا يُظن بعليرضي الله عنه أنه ترك الخطبة في الظاهر فقط ، بل تركها بقلبه وتاب بقلبه عما كان طلبه وسعى فيه.

وأما الحديث الذي رواه وهو قوله لها:((تقاتلين عليًّا وأنت ظالمة له )) فهذا لا يُعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة ، ولا له إسناد معروف ،وهو بالموضوعات المكذوبات أشبه منه بالأحاديث الصحيحة ، بل هو كذب قطعاً ، فإن عائشة لم تقاتل ولم تخرج لقتال ، وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين ، وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين ، ثم تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أوْلى ، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبل خمارها .

وأما قوله : (( وخالفت أمر الله في قوله تعالى : ]وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى[() .فهي رضي الله عنه لم تتبرج تبرج الجاهلية الأولى. والأمر بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحة مأمور بها ، كما لو خرجت للحج وللعمرة  أو خرجت مع زوجها في سفره ، فإن هذه الآية قد نزلت في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد سافر بهن  رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك كما سافر في حجة الوداع بعائشة رضى الله عنها وغيرها ، وأرسلها مع عبد الرحمن أخيها فأردفها خلفه ، وأعمرها من التنعيم .

وأما قوله :(( إنها خرجت في ملأ من الناس تقاتل عليًّا من غير ذنب)) .

فهذا أولا : كذب عليها . فإنها لم تخرج لقصد القتال ، ولا كان أيضا طلحة والزبير قصدهما قتال عليّ ، ولو قدر أنهم قصدوا القتال ، فهذا هو القتال المذكور في قوله تعالى : ]وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيء إِلَى أَمْرِ الله فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين . إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم [ فجعلهم مؤمنين أخوة مع  الاقتتال. وإذا كان هذا ثابتا لمن هو دون أولئك المؤمنين فهم به أوْلى وأحرى.

موقع فيصل نور