موقف علي بن أبي طالب من بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما

يستشهد بعض المعاصرين بالروايات التي تتحدث عن تأخر علي عن بيعة الصديق – رضي الله عنهما – إلى ما بعد وفاة فاطمة – رضي الله عنها.

قلت: هذه البيعة التي ذكرها المحاضر هي البيعة الثانية لعلي – رضي الله عنه – وذلك أن عليا – رضي الله عنه – بايع أبا بكر بيعتين، الأولى : بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. والثانية: بعد وفاة فاطمة – رضي الله عنها.

ومن هنا جاء الالتباس فحسب البعض أن علياً لم يبايع أبا بكر إلا بعد وفاة فاطمة ، رضوان الله عليهم أجمعين؛ وفي ذلك يقول ابن كثير – رحمه الله : ( ولكن لما وقعت هذه البيعة الثانية ، اعتقد بعض الرواة أن علياً لم يبايع قبلها فنفى ذلك ، والمثبت مقدم على النافي كما هو مقرر ، والله أعلم).

أما البيعة الأولى فقد أخرجها الحاكم ، والبيهقي ، وفيما يلي نصها : عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال : ( لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام خطباء الأنصار ، فجعل الرجل منهم يقول : يا معشر المهاجرين ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استعمل رجلاً منكم قرن معه رجلاً منا ، فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان ، أحدهما منكم ، والآخر منا ، قال : فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك ، فقام زيد بن ثابت فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين ، وإن الإمام يكون المهاجرين ، ونحن أنصاره كما كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقام أبو بكر – رضي الله عنه – فقال : جزاكم الله خيراً يا معشر الأنصار ، وثبت قائلكم ، ثم قال : أما لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم ، ثم أخذ زيد بن ثابت بيد أبي بكر فقال : هذا صاحبكم فبايعوه ، ثم انطلقوا.

فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير علياً فسأل عنه ، فقام ناس من الأنصار فأتوا به ، فقال أبو بكر : ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه ، أردت أن تشق عصا المسلمين ؟! فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله ، فبايعه.

ثم لم ير الزبير بن العوام فسأله عنه حتى جاؤوا به. فقال : ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه ، أردت أن تشق عصا المسلمين ؟! فقال مثل قوله: لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبايعاه).

قال الحاكم : (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه).

وقال البيهقي : ( قال أبو علي الحافظ : سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول : جاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث : فكتبته له في رقعة وقرأته عليه فقال : هذا حديث يسوى بدنة ، فقلت : يسوى بدنه ، بل يسوى بدرة !)

وقال ابن كثير: (هذا إسناد صحيح).

وهنا توجب سؤال عن سبب تجديد علي – رضي الله عنه – البيعة لأبي بكر – رضي الله عنه – ؟

وجواب ذلك أن فاطمة – رضي الله عنها – كانت أشد الناس توجعاً لوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث حزنت لفراق والدها صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً ، وأخذت تذبل – رضوان الله عليها – من جراء ذلك يوماً بعد يوم ، حتى توفيت بعد ستة أشهر من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن كثير عن توجع فاطمة – رضي الله عنها – : ( ويقال: إنها لم تضحك في مدة بقائها بعده عليه السلام ، وأنها كانت تذوب من حزنها عليه ، وشوقها إليه).

وقد أدى ذلك إلى كثرة ملازمة علي – رضي الله عنه – لأم الحسنين – رضوان الله عليهم أجمعين – وقلة ملازمته لأبي بكر الصديق – رضي الله عنه – فأشاع المنافقون أن علياً – رضي الله عنه ، كاره لخلافة الصديق – رضي الله عنه – مما دفع علياً إلى تجديد بيعته لأبي بكر الصديق بعد وفاة فاطمة – رضوان الله عليهم أجمعين – وذلك حسماً منه لمادة الفتنة ، ورداً عملياً على هذه الشبهة.

الدكتور خالد محمد الغيث

موقع فيصل نور