شبهة تسمية عمر بالفاروق
 

قال الطاعن : (( وسمّوا عمر الفاروق ، ولم يسموا عليّاً عليه السلام بذلك ، مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال فيه : هذا فاروق أمتي يفرق بين أهل الحق والباطل . وقال ابن عمر: ما كنا نعرف المنافقين على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا ببغضهم عليّاً عليه السلام)).

 

فيقال : أوّلا : أما هذان الحديثان فلا يستريب أهل المعرفة بالحديث أنهما حديثان موضوعان مكذوبان على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يرو واحدٌ منهما في شيء من كتب العلم المعتمدة ، ولا لواحد منهما إسناد معروف.

 

ويقال : ثانيا : من احتج في مسألة فرعية بحديث فلا بد ان يسنده ، فكيف في مسائل أصول الدين ؟ وإلا فمجرد قول القائل : (( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)) ليس حجة باتفاق أهل العلم . ولو كان حجة لكان كل حديث قال فيه واحد من أهل السنة : (( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)) حجة ، ونحن نقنع في هذا الباب بأن يُرْوى الحديثُ بإسناد معروفون بالصدق من أي طائفة كانوا .

 

لكن إذا لم يكن الحديث له إسناد ، فهذا الناقل له  ، وإن كان لم يكذبه بل نقله من كتاب غيره ، فذلك الناقل لم يعرف عمّن نقله . ومن المعروف كثرة الكذب في هذا الباب وغيره ، فكيف يجوز لأحد أن يشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما لم يعرف إسناده ؟

 

ويقال : ثالثا : من المعلوم لكل من له خبرة أن أهل الحديث أعظم الناس بحثاً عن أقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وطلبا لعلمها ، وأرغب الناس في اتّباعها ، وأبعد الناس عن اتّباع هوىً يخالفها ، فلو ثبت عندهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعليّ هذا ، لم يكن أحد من الناس أوْلى منهم باتّباع قوله ، فإنهم يتّبعون قوله إيماناً به ، ومحبة لمتابعته ، ولا لغرض لهم في الشخص الممدوح .

 

فلو ثبت عندهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعليّ : هذا فاروق أمتي ، لقبلوا ذلك ،ونقلوه ، كما نقلوا قوله لأبي عبيدة: (( هذا أمين هذه الأمة ))[1] وقوله للزبير:(( إن لكل نبي حوارىّ وحوارىّ الزبير ))[2] وكما قبلوا ونقلوا قوله لعليّ (( لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ))[3] وحديث الكساء لما قال لعليّ وفاطمة وحسن وحسين :(( اللهم هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً ))[4] وأمثال ذلك .

 

ويقال : رابعا : كلٌّ من الحديثين يُعلم بالدليل أنه كذب ، لا يجوز نسبته إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فإنه يقال : ما المعنى بكون عليّ أو غيره فاروق هذه الأمة يفرق بين الحق والباطل ؟ إن عنى بذلك أنه يميّز بين أهل الحق والباطل، فيميّز بين المؤمنين والمنافقين ، فهذا أمر لا يقدر عليه أحدٌ من البشر: لا نبي ولا غيره . وقد قال تعالى: ] ِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ  الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُم نَحْنُ نَعْلَمُهُم [كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعلَم عينَ كل منافق في مدينته وفيما حولها ، فكيف يعلم ذلك غيره ؟

 

ومحبة هؤلاء لعليّ باطلة ، فإنهم يحبّون ما لم يوجد ، وهو الإمام المعصوم المنصوص على إمامته ، الذي لا إمام بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا هو ، الذي كان يعتقد أن أبا بكر وعمر رضى الله عنهما ظالمان معتديان أو كافران ، فإذا تبيّن لهم يوم القيامة أن عليّاً لم يكن أفضل من واحد من هؤلاء ، وإنما غايته أن يكون قريباً من أحدهم ، وأنه كان مقرّاً بإمامتهم وفضلهم ، ولم يكن معصوما لا هو ولا هم ولا كان منصوصا على إمامته ، تبين لهم أنهم لم يكونوا يحبون عليّاً ، بل هم من أعظم الناس بغضاً لعلي ّرضي الله عنه في الحقيقة ، فإنهم يبغضون من اتصف بالصفات التي كانت في عليّ أكمل منها في غيره : من إثبات إمامة الثلاثة وتفضيلهم ، فإن عليًّارضي الله عنه كان يفضّلهم ويقرُّ بإمامتهم . فتبيَّن أنهم مبغضون لعليّ قطعا .


[1]  - رواه البخاري : ج5 ص25 وغيره .

[2]  - انظر البخاري : ج5 ص21 ، ومسلم : ج4 ص 1879.

[3]  -  انظر البخاري : ج5 ص18 ، ومسلم : ج4 ص 1871.

[4]  -  انظر مسلم :  ج4 ص 1883.

 

موقع فيصل نور