شبهة القول لماذا تقبلون ابتداعه للطلاق الثلاث في مجلس واحد ؟
 

شبهة القول: لماذا تقبلون ابتداعه للطلاق الثلاث في مجلس واحد ؟

 

الـردّ :

 

لم يَبْتَدِع عُمر رضي الله عنه ذلك ، وما كان عمر رضي الله عنه ليَبْتَدِع ، بل لا يُعرف في الصحابة مُبتدِعاً .

 

وما فعله عمر رضي الله عنه يُعتبر من السياسة الشرعية لا من التشريع ، وبينهما فَرْق .

 

ما هو الفرق بين التشريع وبين السياسة الشرعية ؟

 

التشريع : هو سنّ أمر لم يكن في شريعة الإسلام ، كأن يأتي أحد فَيَسُنّ ويُشرِّع للناس الحج لغير مكة ، كالحج إلى كربلاء أو إلى النجف !

 

أو فَرْض خُمس في أموال الناس ، ونحو ذلك !

 

والسياسة الشرعية : أن يأخذ الناس بالحزم في أمر مشروع .

 

وهذا باب واسع عند أهل العلم ، بل عند العقلاء .

 

 فللحاكم أن يأخذ الناس بالسياسة الشرعية ، ويُلزِمهم بأمر رآهم توسّعوا فيه ، ولهذا أصل في السنة النبوية ، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نَهَى عن الوصال في الصيام ، فقال له رجال من المسلمين : فإنك يا رسول الله تواصل . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أيكم مثلي ؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقين ، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصَلَ بهم يوماً ، ثم رأوا الهلال ، فقال : لو تأخر لزدتكم ، كالمنكل بهم حين أبوا . رواه البخاري ومسلم .

 

ومثل ذلك ما يُفرض على الناس من عقوبات إذا تساهلوا في أمر كان لهم فيه سَعة .

 

بل للحاكم العفو عن الحدود في سِنيّ المجاعات ، وهذا ما عمِل به عُمر ، وهؤلاء يعيبون عُمر رضي الله عنه بذلك !

 

عابوا عُمر بأنه تَرَك إقامة الحدود عام المجاعة !

 

وتلك شَكَاة ظاهر عنك عارها أبا حفص !

 

فإن الحدود تُدرأ وتُدفع بالشُّبُهات ، والمجاعة شُبهة أن الجائع ما دَفَعه على السرقة إلا الجوع .

 

وهذا موافق لِهَدْيِه عليه الصلاة والسلام :

 

كما أن هذا له أصل في الشريعة ، فقد فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع ماعز رضي الله عنه وقد اعترف ماعز بما اقترف .

 

فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول له : لعلك قبلت ، أو غمزت ، أو نظرت . رواه البخاري.

 

فكأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُلقنه ، وهو مع ذلك يُردّه .

 

وكان عُمر رضي الله عنه يقول : لأن أُعَطِّل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أُقيمها بالشبهات

 

 ولم يَنْفَرِد عمر رضي الله عنه بهذا ، فقد جاء هذا عن معاذ وعبد الله بن مسعود وعقبة بن عامر أنهم قالوا : إذا اشتبه عليك الحدّ فادرأه . رواه ابن أبي شيبة .

وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فإذا وجدتم للمسلم مَخْرَجاً فخلوا سبيله ، فإن الإمام إذا اخطأ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة . رواه ابن أبي شيبة .

 

 ومن باب السياسة الشرعية إلزام الناس بالطلاق الثلاث ، أي بإيقاعها .

 

وهذا ليس تشريعا ، فإن التشريع لو أن أحداً قال : يُزاد طلقة رابعة – مثلا – فإن هذا هو التشريع .

 

أما إلزام الناس بأمر مشروع فهذا ليس من باب التشريع ، وإنما هو من باب السياسة الشرعية ، والناس إذا رأوا أنه ضُيِّق عليهم في أمر كان لهم فيه سَعة كان أدعى للزّجر .

وهذا الذي ذَهَب إليه عمر رضي الله عنه .

 

قال ابن عباس : كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر بن الخطاب : إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم ، فأمضاه عليهم . رواه مسلم .

 

وهذا قد وافقه عليه الصحابة وهم مُتوافرون .

 

كما أن عمر رضي الله عنه لم يزعم نسخ العمل بالثلاث أن تكون واحدة ، وإنما أخذ بذلك .

 

وهذا كالذي يأخذ بأمر واحد من كفارة اليمين ، أو يَصرف الزكاة لصنف واحد من الأصناف الثمانية .

 

فالذي يُكفِّر عن يمينه بالإطعام ، ويلتزم هذا لا يُعتبَر مُشرِّعاً ، وإنما أخذ ببعض ما شُرِع ، وتركه لبعض ما فيه اختيار .

 

وكذلك الذي يصرف الزكاة لصنف واحد من الأصناف الثمانية [ أهل الزكاة ] لا يُعتبر مُعطّلاً لما شرعه الله ، وإنما أخذ ببعض ما له فيه خيار .

 

وكذلك القول بالنسبة للطلاق الثلاث ، وما اختاره عُمر رضي الله عنه فيها .

 

 وقد أذِن لنساء بني إسرائيل الخروج إلى أماكن العبادة ، ثم مُنِعن لما توسّعن في الزينة والطِّيب .

 

قالت عائشة رضي الله عنها : لو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل . قال يحيى بن سعيد : فقلت لعمرة : أنساء بني إسرائيل منعهن المسجد ؟ قالت : نعم . رواه البخاري ومسلم .

 

وإنما مُنعت نساء بني إسرائيل من المساجد لما أحدثن وتوسعن في الأمر من الزينة والطيب وحسن الثياب . ذكره النووي في شرح مسلم .

 

 قال ابن حجر في موضوع آخر مشابه : وفائدة نهيهن – أي النساء – عن الأمر المباح خشية أن يَسْتَرْسِلْن فيه فيُفضي بهن إلى الأمر المحرَّم لضعف صبرهن ، فيستفاد منه جواز النهي عن المباح عند خشية إفضائه إلى ما يحرم . اهـ. 

 

 وقد غضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما تلاعب الناس بالطلاق ، فقد أُخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا ، فقام غضبانا ، ثم قال : أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ؟ حتى قام رجل وقال: يا رسول الله ألا أقتله ؟ رواه النسائي .

 

 ثم إن اعتبار الثلاث واحدة له أصل في السنة ، ففي قصة الملاعنة أن الرجل طلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . قال ابن شهاب : فكانت تلك سنة المتلاعنين . رواه البخاري

موقع فيصل نور