شبهة أبو بكر : ليتني في ظلة بني ساعدة ضربت بيدي على يد أحد الرجلين
 

    قال الطاعن : (( وقال أبو بكر : ليتني في ظلة بني ساعدة ضربت بيدي على يد أحد الرجلين ، فكان هو الأمير وكنت الوزير )). قال : ((وهو يدل على أنه لم يكن صالحاً يرتضى لنفسه الإمامة)).

 

    والجواب : أن هذا إن كان قاله فهو أدلّ دليل على أن عليًّا لم يكن هو الإمام ؛ وذلك أن قائل هذا إنما يقوله خوفاً من الله أن يضيع حق الولاية ، وأنه إذا ولَّى غيَره ، وكان وزيرا له ، كان أبرأ لذمته . فلو كان عليّ هو الإمام ، لكانت توليته لأحد الرجلين إضاعة للإمامة أيضا ، وكان يكون وزيرا لظالم غيره ، وكان قد باع آخرته بدنيا غيره . وهذا لا يفعله من يخاف الله ، ويطلب براءة ذمته .

 

   قال الطاعن : (( ومنها ما رووه عن عمر . روى أبو نُعيم الحافظ في كتابه (( حلية الأولياء )) أنه قال لما احتُضر قال : يا ليتني كنت كبشا لقومي فسمنّوني ما بدا لهم ، ثم جاءهم أحب قومهم إليهم فذبحوني ، فجعلوا نصفي شواءً ونصفي قديدا ، فأكلوني ، فأكون عذرة ولا أكون بشرا . وهل هذا إلا مساوٍ لقول الكافر : ]يا لَيْتَني كُنْتُ تُرابًا [.

 

قال : (( وقال لابن عباس عند احتضاره : لو أن لي ملء الأرض ذهباومثله معه لافتديت به نفسي من هول المطلع.وهذا مثل قوله:]وَلَوْ أَنَّ للذِّينَ ظَلَمُوا مَا في الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَاب[ِ. فلينظر المنصف العاقل قولَ الرجلين عند احتضارهما ، وقول عليّ :

 

متى ألقى الأحبة ..؟ محمداً وحزبه      متى ألقاها ..؟ متى يُبعث أشقاها

 

وقوله حين قتله ابن ملجم : فزت ورب الكعبة )) .

 

والجواب : أن في هذا الكلام من الجهالة ما يدل على فرط جهل قائله؛ وذلك أن ما ذكره عن عليّ قد نُقل مثله عمَّن هو دون أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ، بل نُقل مثله عمَّن يكفِّر عليّ بن أبي طالب من الخوارج . كقول بلال عتيق أبي بكر عند الاحتضار ، وامرأته تقول : واحرباه ، وهو يقول : واطرباه غداً ألقى الأحبة محمداً وحزبه .

 

وكان عمر قد دعا لما عارضوه في قسمة الأرض فقال : (( اللهم اكفني بلالاً وذويه ))فما حال الحَوْل وفيهم عين تَطْرِفُ.

 

وروى أبو نُعيم في (( الحلية )): ((حدثنا القطيعى ، حدثنا الحسن بن عبد الله ، حدثنا عامر بن سيّار ، حدثنا عبد الحميد بن بهرام ، عن شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن الحارث بن عمير ، قال : طُعن معاذ وأبو عبيدة وشُرحبيل بن حسنة وأبو مالك الأشعري في يوم واحد . فقال معاذ: إنه رحمة ربكم ، ودعوة نبيكم ، وقبض الصالحين قبلكم . اللهم آت آل معاذ النصيب الأوفر من هذه الرحمة . فما أمسى حتى طُعن ابنه عبد الرحمن بِكْرُه الذي كان يُكنَّى به ، وأحب الخلق إليه . فرجع من المسجد فوجده مكروبا . فقال : يا عبد الرحمن كيف أنت ؟ قال : يا أبتِ الحق من ربك فلا تكونن من الممترين .قال : وأنا إن شاء الله ستجدني من الصابرين . فأمسكه لَيْلَهُ ثم دفنه من الغد . وطُعن معاذ ، فقال حين اشتدَّ به النزع ، نزع الموت ، فنزع نزعاً لم ينزعه أحد ، وكان كلما أفاق فتح طرفه ، وقال : رب أخنقني خَنْقَك ، فوعزتك إنك لتعلم أن قلبي يحبك )).

 

وكذلك قوله : فزت ورب الكعبة . قد قالها من هو دون عليّ ، قالها عامر بن فُهيرة مَوْلَى أبي بكر الصديق لما قُتل يوم بئر معونة . وكان قد بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع سرية قِبَل نجد .قال العلماء بالسير : طعنه جبّار بن سَلْمى فأنفذه. فقال عامر : فزت والله . فقال جبّار : ما قوله فزت والله ؟ قال عروة بن الزبير: يرون أن الملائكة دفنته.

 

    وشبيب الخارجي لما طُعن دخل في الطعنة ، وجعل يقول : وعجلت إليك ربِ لترضى .

 

    واعرف شخصاً من أصحابنا لما حضرته الوفاة جعل يقول : حبيبي هاقد جئتك ، حتى خرجت نفسه . ومثل هذا كثير .

 

وأما خوف عمر وخشيته من الله لكمال علمه ؛ فإن الله تعالى يقول : ] إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [.

 

وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلِّي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء.

 

وأما قوله : (( وهل هذا إلا مساوٍ لقول الكافر : ] يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً [.

 

فهذا جهل منه ؛ فإن الكافر يقول ذلك يوم القيامة ، حين لا تُقبل توبة ، ولا تنفع حسنة . وأما من يقول ذلك في الدنيا ، فهذا يقوله في دار العمل على وجه الخشية لله ، فيُثاب على خوفه من الله .

 

وقد قالت مريم :] ياَلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا [.ولم يكن هذا كتمنِّي الموت يوم القيامة .

 

ولا يُجعل هذا كقول أهل النار ، كما أخبر الله عنهم بقوله :] وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [. وكذلك قوله : ] وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا في الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنُ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [؛ فهذا إخبار عن حالهم يوم القيامة حين لا ينفع توبة ولا خشية .

 

وأما في الدنيا ، فالعبد إذا خاف ربَّه كان خوفه مما يثيبه الله عليه ، فمن خاف الله في الدنيا أمّنه يوم القيامة ، ومن جعل خوف المؤمن من ربه في الدنيا كخوف الكافر في الآخرة ، فهو كمن جعل الظلمات كالنور ، والظل كالحرور ، والأحياء كالأموات .

موقع فيصل نور