آية الخشوع

 

    ومن الشبهات الإستدلال بما يسمى بـ( آية الخشوع ) فقالوا: (( قال تعالى ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثيرٌ منهم فاسقون ). وفي الدر المنثور لجلال الدين السيوطي قال: لما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة فأصابوا من لين العيش ما أصابوا بعدما كان بهم من الجهد، فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه ( فعوقبوا ) فنزلت ( ألم يأن للذين آمنوا ) وفي رواية أخرى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الله استبطأ قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن فأنزل الله ( ألم يأن للذين آمنوا..)، وإذا كان هؤلاء الصحابة وهم خيرة الناس على ما يقوله أهل السنة والجماعة، لم تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق طيلة سبعة عشرة عاماً حتى استبطأهم الله وعاتبهم وحذرهم من قسوة القلوب التي تجرهم للفسوق، فلا لوم على المتأخرين من سراة قريش الذين أسلموا في السنة السابعة للهجرة بعد فتح مكة)).

    فالرد بالنسبة للرواية الأولى المنقولة عن الدر المنثور لجلال الدين السيوطي فهي رواية عن الأعمش ولم ترفع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إطلاقاً فقد قال السيوطي أخرج ابن المبارك وعبد الرزاق وابن المنذر عن الأعمش قال: لما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة فأصابوا من لين العيش ما أصابوا بعد ما كان بهم من الجهد، فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه ( فعوتبوا ) فنزلت ( ألم يأن للذين آمنوا..) الآية ، فالرواية موقوفة على الأعمش وهو معروف بالتدليس بالإضافة لتفرده بها وعلى العموم الرواية ليست من قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما ادعى هؤلاء فضلاً عن تحريفهم لها، فبينما الرواية تقول ( فعوتبوا ) حرفوها لتستقيم مع كذبهم إلى ( فعوقبوا ) فتنبه!

    وأما الرواية الأخرى فقد قال السيوطي أخرج ابن مردويه عن أنس لا أعلمه إلا مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: استبطأ الله قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن، فأنزل الله { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله } الآية وهذه الرواية التي أخرجها ابن مردويه عن أنس لم أجدها في جميع كتب التفسير المعتمدة إضافةً لمخالفتها للرواية الصحيحة عن ابن مسعود فقد أخرج مسلم في صحيحه أن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية { ألم يأن للذين أمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله } إلا أربع سنين )) بالإضافة إلى أن ابن مسعود أقدم إسلاماً والأعلم بنزول القرآن، فرواية أبن مردويه شاذة ومنكرة، فهي شاذة لأنها خالفت رواية ابن مسعود الأوثق سنداً، ومنكرة لتفرد ابن مردويه في إخراجها فلا متابع له ولا شاهد، والملاحظ هنا ان السيوطي عند تفسيره لهذه الآية أورد عشرين رواية ومن ضمنها رواية ابن مسعود الصحيحة فَلَمْ يعجب هؤلاء إلا هاتان الروايتان ظناً منهم أن فيها ما يثلب الصحابة ، فاستدلالهم بالسيوطي ليس حجة لهم بل عليهم لأن السيوطي معروف لدى علماء الحديث بإيراده الأحاديث الضعيفة والموضوعة فليس مجرد الاستدلال يدل على الصحة.

    ولو فرضنا أن الروايتين صحيحتان فيكون قول الله لهم مجرد عتاب وحث لهم على زيادة الخشوع وديمومة الخوف من الله لأن الصحابة بلا شك ليسوا معصومين من الأعراض البشرية كالنسيان والغفلة وقد ذكرنا في الفقرة السابقة أن القرآن نزل لتربية الصحابة على قيادة الدنيا وليحضهم على الخير وينهاهم عن كل ما فيه شر لهم وضرر فعن ابن مسعود قال: إذا سمعت الله يقول { يا أيها الذين آمنوا } فأوعها سمعك فإنه خيرٌ يؤمر به أو شر ينهى عنه.

    والآية التي نحن بصددها نزلت لتنبيه الصحابة وحضهم على الخشوع وتنبيههم إلى أن اليهود والنصارى قد طال عليهم الأمد فأصيبوا بقسوة في قلوبهم فأصبح الكثير منهم فاسقون وذلك ليحذر المؤمنون من هذا الطريق فيجتنبوه وهذا بلا شك في عداد تربية الصحابة وإلا إن كان لا يجوز مجرد عتابهم فإذاً هم في عداد الملائكة وليسوا في عداد البشر!

    وحتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم نزل القرآن يعاتبه كما في قصة ابن أم مكتوم { عبس وتولى } فإذا كان عتاب الله للصحابة ذماً فماذا بالله سيقال عن عتاب الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؟!

    وقد نزل القرآن لتوجيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال الله له { يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين } وقوله تعالى { فإن كنت في شكٍّ مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك } ( يونس 94)

    فماذا سيقال عن نبي الرحمة؟! هل سيقال أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتق الله ويشك فيما أنزل الله إليه؟

    وقد مرّ معنا أن علياً رضي الله عنه قد مدح الصحابة وهو بصدد تعليم شيعته وتوبيخهم وحثهم على اتخاذ الصحابة قدوةً وذلك حينما قال (( لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فما أرى أحداً يشبههم منكم لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً وقد باتوا سجداً وقياماً يراوحون بين جباههم وخدودهم ...الخ )) بالإضافة إلى قول جعفر الصادق حينما وصف صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله (( ....كانوا يبكون الليل والنهار ويقولون: اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير )).وعن الحسن العسكري في تفسير قوله في حق من يبغض الصحابة ((.. إن رجلاً ممن يبغض آل محمد ( وأصحابه ) الخيرين وواحداً منهم (!!) لعذبه الله عذاباً لو قسم على مثل عدد خلق الله تعالى لأهلكهم أجمعين )).

    وأما الطعن في الصحابة بزعم أنهم لم تخشع قلوب السابقين منهم فكيف بمن أتى بعدهم...!  فهذه دعوى باطلة وفرية ظاهرة، يردها ما ثبت في سيرة الصحابة -رضي الله عنهم- من أخبار تدل على تحقيقهم أعلى مقامات الخشوع، وشدة خوفهم من الله وكثرة بكائهم من خشيته مما لاينكره إلا مكابر أو جاهل.

    فمن ذلك ما رواه الشيخان من حديث أنس -رضي الله عنه- قال: (خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، قال: فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجوههم لهم حنين...).[1] وفي رواية مسلم (خنين)

    والحنين هو: الصوت الذي يرتفع بالبكاء من الصدر، والخنين: من الأنف [2]، والمقصود شدة بكائهم من موعظة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

   وفي رواية أخرى لمسلم: (فأكثر الناس البكاء، حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).[3]

    وقد ثبت البكاء لبعض الصحابة، بل كان بعضهم معروفاً به مما يدل على شدة خوفهم من الله وخشيتهم له ففي الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها- في أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس: (...فقلت يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق القلب إذا قرأ القرآن لايملك دمعه).

    وفي روايه: (إن أبابكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء). [4]

    وفي الحلية لأبي نعيم عن عبدالله بن عيسى قال: (كان في وجه عمر خطان أسودان من البكاء).[5]

    وعن هشام بن الحسن قال: (كان عمر يمر بالآيه في ورده تخنقه فيبكي حتى يسقط).[6]

    وعن عثمان -رضي الله عنه- أنه جاء إلى بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته عائشة -رضي الله عنها- أنهم لم يطعموا طعاماً منذ أربعة أيام، قالت عائشة -رضي الله عنها-: (فبكى عثمان ثم قال: مقتاً للدنيا، ثم أحضر لهم طعاماً كثيراً وصرة دراهم).[7]

    وعن عبدالرحمن بن عوف -رضي الله عنه- أنه أتي بصحفة فيها خبز ولحم فلما وضعت بكى فقيل له: يا أبا محمد ما يبكيك؟ قال: هلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، ولا أرانا أخرنا لها لما هو خير منها.[8]

    وكان ابن عمر لا يذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قط إلا بكى. [9]

    وأخبارهم في ذلك تطول، وإنما ذكرت هنا أمثلة، للرد على ما افتراه هذا الطاعن في حق الصحابة، وزعمه عدم خشوعهم وخشيتهم، وبيان براءتهم من طعنه وقدحه بهذه الأمثلة الدالة على قوة إيمانهم وشدة خوفهم من الله تعالى، وحسبهم قبل ذلك وبعد تزكية الله ورسوله لهم، وما ثبت في الكتاب والسنة من فضائلهم ومناقبهم التي اختصهم الله بها على من بعدهم من الأمة فرضي الله عنهم.


 

[1]  - (16) صحيح البخاري (كتاب التفسير، باب لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) فتح الباري 8/280، ح4621، وصحيح مسلم (كتاب الفضائل، باب توقيره صلى الله عليه وآله وسلم..) 4/1832، ح2359.

[2]  -فتح الباري لابن حجر 8/281.

[3]  - أخرجها مسلم من حديث أنس (كتاب الفضائل، باب توقيره صلى الله عليه وآله وسلم..) 4/1832.

[4]  - أخرج الحديث الشيخان واللفظ الأول لمسلم والثاني للبخاري، صحيح البخاري (كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحق بالامامة) فتح الباري 2/164، ح679، صحيح مسلم (كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر..) 1/313.

[5] - حلية الأولياء 1/51.

[6] - حلية الأولياء 1/51.

[7] - أورده ابن قدامة المقدسي في الرقة والبكاء ص188.

[8] - أورده أبو نعيم في الحلية 1/100.

[9] - رواه الدارمي في سننه 1/54 ح86.

موقع فيصل نور