القول بأن مذهب الإمامية واجب الاتباع

ومضمون ما ذكره أن الناس اختلفوا بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيجب النظر في الحق واعتماد الإنصاف ، ومذهب الإمامية واجب الاتباع لأربعة وجوه ، لأنه أحقها ، وأصدقها ، ولأنهم باينوا جميع الفرق في أصول العقائد ، ولأنهم جازمون بالنجاة لأنفسهم ، ولأنهم أخذوا دينهم عن الأئمة المعصومين ، وهذا حكاية لفظه .

قال الرافضي : أنه لما عمت البلية بموت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم واختلف الناس بعده ، وتعددت آراؤهم ، بحسب تعدد أهوائهم ، فبعضهم طلب الأمر لنفسه بغير حق ، وبايعه أكثر الناس للدنيا ، كما اختار عمرو بن سعد ملك الرى أياما يسيرة ، لما خير بينه وبين قتل الحسين مع علمه ، بأن من قتله في النار ، واختياره ذلك في شعره حيث يقول:

فوالله ما أدري وإني لصـادق             أفـكرفي أمـرعلى خطرين

أاترك ملك الرىّ والرى منيتي           أم أصبـح مأثوما بقتل حسين

وفي قتله النار التي ليس دونها            حجاب وملك الرىّ قرة عيني

        وبعضهم اشتبه الأمر عليه ، ورأى لطالب الدنيا مبايعا ، فقلده وبايعه وقصر في نظره ، فخفى عليه الحق فاستحق المؤاخذة من الله تعالى بإعطاء الحق لغير مستحقه بسبب إهمال النظر ، وبعضهم قلد لقصور فطنته ، ورأى الجم الغفير فتابعهم ، وتوهم أن الكثرة تستلزم الصواب ، وغفل عن قوله تعالى : ]وَقَلِيلٌ مَا هُمْ [([1])  ] وَقَلِيلُ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور [([2])  وبعضهم طلب الأمر لنفسه بحق له وبايعه الأقلون الذين أعرضوا عن الدنيا وزينتها ، ولم يأخذهم في الله لومة لائم بل أخلصوا لله واتبعوا ما أمروا به من طاعة من يستحق التقديم .

      وحيث حصل للمسلمين هذه البلية ، وجب على كل أحد النظر في الحق واعتماد الإنصاف ، وأن يقر الحق مستقره ، ولا يظلم مستحقه ، فقد قال تعالى : ]أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِين [([3])  و إنما كان مذهب الإمامية واجب الاتباع لوجوه هذا لفظه .

فيقال: أنه قد جعل المسلمين بعد نبيهم أربعة أصناف ،، وهذا من أعظم الكذب فإنه لم يكن من في الصحابة المعروفين أحد من هذه الأصناف الأربعة، فضلا عن أن لا يكون فيهم أحد إلا من هذه الأصناف .

 إما طالب للأمر بغير حق كأبي بكر  في زعمه . وإما طالب للأمر بحق كعلي  في زعمه .

 وهذا كذب على عليt ، وعلى أبي بكرt ، فلا علي طلب الأمر لنفسه قبل قتل عثمان ، ولا أبو بكر طلب الأمر لنفسه فضلا عن أن يكون طلبه بغير حق .

 وجعل القسمين الآخرين إما مقلدا لأجل الدنيا، وإما مقلدا لقصوره في النظر، وذلك أن الإنسان يجب عليه ان يعرف الحق وأن يتبعه ، وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم ، من النبيين والصديقين ، والشهداء والصالحين ، غير المغضوب عليهم ، ولا الضالين . وهذا هو الصراط الذي أمرنا أن نسأله هدايتنا إياه ، في كل صلاة بل في كل ركعة .

 وهذه الأمة خير الأمم ، وخيرها القرن الأول ، كان القرن الأول أكمل الناس في العلم النافع ، والعمل الصالح .

 وهؤلاء المفترون وصفوهم بنقيض ذلك ، بأنهم لم يكونوا يعلمون الحق ويتبعونه ، بل كان أكثرهم عندهم يعلمون الحق ويخالفونه ، كما يزعمون في الخلفاء الثلاثة ، وجمهور الصحابة ، والأمة ، وكثير   منهم عندهم لا يعلم الحق ،  بل اتبع الظالمين تقليداً لعدم نظرهم المفضى إلى العلم ، والذي لم ينظر قد يكون تركه النظر لأجل الهوى وطلب الدنيا ، وقد يكون لقصوره ونقص إدراكه .

 وادعى أن منهم من طلب الأمر لنفسه بحق يعني علياً ، وهذا مما علمنا بالاضطرار أنه لم يكن ، فلزم من ذلك على قول هؤلاء أن تكون الأمة كلها كانت ضالة ، بعد نبيها ليس فيها مهتد .

        فتكون اليهود ولنصارى بعد النسخ والتبديل خيراً منهم ، لأنهم كما قال تعالى:  ]وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةً يَهْدُونَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْدِلُون [([4]) . وقد أخبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن اليهود والنصارى افترقت على أكثرمن سبعين فرقة ، فيها واحدة ناجية ، وهذه الأمة على موجب ما ذكروه لم يكن فيهم بعد موت النبي  صلى الله تعالى عليه وسلم أمة تقوم بالحق ولا تعدل به، وإذا لم يكن ذلك في خيار قرونهم  ففيما بعد ذلك أولى .

       فيلزم من ذلك ان يكون اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خيرا من خير أمة أخرجت للناس ، فهذا لازم لما يقوله هؤلاء المفترون ، فإذا كان هذا في حكايته لما جرى عقب موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من اختلاف الأمة ، فكيف سائر ما ينقله ويستدل به ، ونحن نبين ما في هذه الحكاية من الأكاذيب من وجوه كثيرة،  فنقول :

ما ذكره هذا المفترى من قوله : أنه لما عمت البلية على كافة المسلمين بموت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . واختلف الناس بعده ، وتعددت آراؤهم بحسب تعدد أهوائهم ، فبعضهم طلب الأمر لنفسه ، وتابعه أكثر  الناس طلباً للدنيا ، كما اختار عمر بن سعد ، ملك الرى أياما يسيرة لما خير بينه وين قتل الحسين ، مع علمه بان في قتله النار واختياره ذلك في شعره .

      فيقال في هذا الكلام من الكذب ، والباطل وذم خيار الأمة ، بغير حق ما لا يخفى من وجوه . (أحدهما ) :قوله تعددت آراؤهم بحسب تعدد أهوائهم ، فيكون كلهم متبعين أهوائهم ، ليس فيهم طالب حق ، ولا مريد لوجه الله تعالى والدار الآخرة ، ولا من كان قوله عن اجتهاد واستدلال .

 وعموم لفظه يشمل علياً وغيره ، وهؤلاء الذين وصفهم بهذا ، هم الذين أثنى الله عليهم هو ورسوله ، ورضي الله عنهم ووعدهم الحسنى ، كما قال تعالى : ]وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرينَ وَالأَنْصَار الَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانtم وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتها الأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيم [ ([5]) .وقال تعالى : ] ُمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءَ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءَ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُم في وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودْ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ في التَّوْرَاةِ ، وَمَثَلُهُمْ في الِإنْجِيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ ِبِهم الكُفَّار ، وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيمًا [([6]) .

       وقال تعالى : ]إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أَوْلَئِكَ بَعضُهم أَوْلِيَاءَ بَعْض إلى قوله أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُم مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعد وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُم فَأُوْلَئِكَ مِنْكُم [([7])  .

         وقال تعالى : ]لاَ يَسْتَوِي مِنْكُم مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَل أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْد وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى [([8]) .

      وقال تعالى : ]ِللفقراءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِم يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضوانًا وَيَنْصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُم الصَّادِقُون وَالَّذِينَ تَبَوّؤا الدَّارَ وَالإِيمَان مِن قَبْلِهِم يُحِبُّون مَن هَاجَرَ إِلَيْهِم وَلاَ يَجِدُونَ في صُدُورِهِم حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفسِهِم وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِم يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَان وَلاَ تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيم [([9]) .

   وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين ، والأنصار ، وعلى الذين جاءوا من بعدهم ، يستغفرون لهم ويسألون الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم ، وتتضمن أن هؤلاء الأصناف هم المستحقون للفيء .

 ولا ريب أن هؤلاء الرافضة خارجون من الأصناف الثلاثة فإنهم لم يستغفروا للسابقين ، وفي قلوبهم غل عليهم ، ففي الآيات الثناء على الصحابة، وعلى أهل السنّة الذين يتولونهم ، وإخراج الرافضة من ذلك ، وقد روى ابن بطة وغيره من حديث أبي بدر ، قال : حدثنا عبد الله بن زيد ، عن طلحة بن مصرف ، عن مصعب بن سعد ، عن سعد بن أبي وقاص ، قال : ((الناس على ثلاث منازل فمضت منزلتان وبقيت واحدة ، فأحسن ما أنتم عليه كائنون، أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت .

 ثم قرأ ] للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ، هؤلاء المهاجرون ، وهذه منزلة قد مضت، ثم قرا والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما  أوتوا . ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصا صة[ .     

  ثم قال هؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت .

      ثم قرأ ] وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ، يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَان ، وَلا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غُلاًّ للَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [([10]) ، فقد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة ، فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت أن تستغفروا لهم ))([11])  .

       وروى أيضا بإسناده عن مالك بن أنس أنه قال:(( من سب السلف فليس له في الفيء نصيب )) لأن الله تعالى يقول : ] وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِم [([12])

-الآية وهذا معروف عن مالك ، وغير مالك من أهل العلم كأبي عبيد القاسم بن سلام([13])  .

      وكذلك ذكره أبو حكيم النهرواني ، من أصحاب أحمد وغيره من الفقهاء، وروى أيضا عن الحسن بن عمارة ، عن الحكيم عن مقسم عن ابن عباسtما . قال : (( أمر الله بالاستغفار لأصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهو يعلم أنهم يقتتلون ))([14])  .

       وقال عروة قالت لي عائشةtا : (( يا ابن أختي أمروا بالاستغفار لأصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . فسبوهم ))([15])  .

         وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدريt قال . قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : (( لا تسبوا أصحابي فلو ان أحدهم أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه))([16]) .

       وفي صحيح مسلم عن أبي هريرةt أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : (( لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ))([17]) .

      وفي صحيح مسلم أيضاً عن جابر بن عبد الله قال : قيل لعائشة : (( إن ناسا يتناولون أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، حتى أبا بكر وعمر ، فقالت وما تعجبون من هذا ، انقطع عنهم العمل ، فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر ))([18])  .

      وروى ابن بطة بالإسناد الصحيح عن عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي . حدثنا معاوية . حدثنا رجاء عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (( لا تسبوا أصحاب محمد فإن الله تعالى قد أمرنا بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتلون ))([19]).

       ومن طريق أحمد ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، وطريق غيره عن وكيع ، وأبي نعيم ثلاثتهم ، عن الثوري ، عن نسير بن ذعلوق ، سمعت عبد الله بن عمر يقول : (( لا تسبوا أصحاب محمد ، فلمقام أحدهم ساعة يعني مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم خير من عمل أحدكم أربعين سنة )).

       وفي رواية وكيع ( خير من عبادة أحدكم عمره ) .

      وقال تعالى : ]َلقد رَضِيَ اللهُ عَنِ الُمُؤمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَة فَعَلِمَ مَا في قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِم وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيمًا وَعَدَكُم اللهُ مَغَانِمَ كَثِيَرةً تَأخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُم هَذِهِ وَكَفَّ أيدي النَّاسِ عَنْكُم  وَلِتَكُونَ آيةً للمُؤمِنِين وَيهْديكُم صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا [([20])

وقد أخبر الله أنه سبحانه وتعالى رضي عنهم ، وأنه علم ما في قلوبهم ، وأنه أثابهم فتحا قريبا .

 وهؤلاء هم أعيان من بايع أبا بكر وعمر وعثمان ، بعد موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، لم يكن في المسلمين من يتقدم عليهم ، بل كان المسلمون كلهم يعرفون فضلهم عليهم ، لأن الله تعالى بين فضلهم في القرآن بقوله : ]لاَ يَسْتَوِي مِنْكُم مَن أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذينَ أَنْفَقُوا مِن بَعدُ وَقَاتَلوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى [([21]) .

ففضل المنفقين المقاتلين قبل الفتح ، والمراد بالفتح هنا صلح الحديبية ، ولهذا سئل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (( أو فتح هو ؟ فقال : نعم ))([22]).

 وأهل العلم يعلمون أن فيه أنزل الله تعالى : ] إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتَمَ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَينْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزاً [. فقال بعض المسلمين : يا رسول الله هذا لك ، فما لنا ؟ يا رسول الله . فأنزل الله تعالى :] ُهوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِم [.

      وهذه الآية نص في تفضيل المنفقين المقاتلين قبل الفتح على المنفقين بعده، ولهذا ذهب جمهورالعلماء إلى أن السابقين في قوله تعالى: ] وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَار [ ([23])  هم هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح قاتلوا ، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم ،وكانوا  أكثر من ألف وأربعمائة ، وقد ذهب بعضهم إلى أن السابقين الأوّلين، هم من صلى إلى القبلتين ، وهذا ضعيف ، فإن الصلاة إلى القبلة المنسوخة ليس بمجرده فضيلة، ولأن النسخ ليس من فعلهم ، الذي يفضلون به ، ولأن التفضيل بالصلاة إلى القبلتين لم يدل عليه دليل شرعي ، كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد ، والمبايعة تحت الشجرة .  

      وقد علم بالاضطرار أنه كان في هؤلاء السابقين الأولين أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وطلحة ، والزبير ، وبايع النبي بيده عن عثمان ، لأنه كان غائبا قد أرسله إلى أهل مكة ليبلغهم رسالته ، وبسببه بايع النبي   الناس ، لما بلغه  أنهم قتلوه : وقد ثبت في صحيح مسلم، عن جابر بن عبد اللهt أنه قال : (( لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة ))([24])، وقال تعالى: ]َلقدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِي وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَار الَّذِينَ اتّبَعُوهُ في سَاعَةِ العُسْرَة مِن بَعْدِ مَا كَانَ يَزِيغُ قُلُوبَ فَرِيقٍ مِنْهَمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِم إِنَّهُ بِهِم رَءُوفٌ رَحِيم[([25]) .فجمع بينهم وبين رسول الله في التوبة . وقال تعالى : ]إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِم وَأَنْفُسِهِم في سَبِيلِ الله ، وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُم أَوْلِيَاءَ بَعْض ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا إلى قوله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعد وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُم فَأُوْلَئِكَ مِنْكُم [([26]) فأثبت الموالاة بينهم وقال للمؤمنين:] َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتِّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضهُم أَوْلِيَاءَ بَعْض وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِين إلى قوله إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ َحِزْبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُون [([27]) . وقال تعالى : ] وَالمُؤمِنُونَ و َالمُؤمِنَات  بَعْضَهُم أَوْلِيَاء بَعْض[ ([28]).

        فأثبت الموالاة بينهم، وأمرهم  بموالاتهم ، والرافضة تتبرأ منهم ولا تتولاهم ،وأصل الموالاة المحبة ، وأصل المعاداة البغض ،وهم يبغضونهم ولا يحبونهم .

       وقد وضع بعض الكذابين حديثا مفترى ، أن هذه الآية نزلت في علي لما تصدق بخاتمه في الصلاة ، وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل ، وكذبه بيّن من وجوه كثيرة .

        منها أن قوله الذين صيغة جمع . وعلي واحد .

        ومنها أن الواو ليست واو الحال إذ لو كان كذلك لكان لا يسوغ أن يتولى إلا من أعطى الزكاة في حال الركوع . فلا يتولى سائر الصحابة والقرابة .

        ومنها ان المدح إنما يكون بعمل واجب أو مستحب ، وإيتاء الزكاة في نفس الصلاة ليس واجب ولا مستحب ، باتفاق علماء الملة ، فإن الصلاة شغلا.

        ومنها أنه لو كان إيتاؤها في الصلاة حسنا لم يكن فرق بين حال الركوع وغير الركوع ، بل إيتاؤها في القيام و القعود أمكن .

        ومنها أن عليا لم يكن عليه زكاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

        ومنها أن إيتاء غير الخاتم في الزكاة خير من إيتاء الخاتم ، فإن أكثر الفقهاء  يقولون لا يجزئ إخراج الخاتم في الزكاة .

        ومنها أن هذا الحديث فيه أنه أعطاه السائل ،والمدح في الزكاة أن يخرجها ابتداء ويخرجها على الفور ، لا ينتظر أن يسأله سائل .

        ومنها أن الكلام في سياق النهي عن موالاة الكفار ، والأمر بموالاة المؤمنين ، كما يدل عليه سياق الكلام ، وسيجيء إن شاء الله تعالى تمام الكلام على هذه الآية ، فإن الرافضة لا يكادون يحتجون بحجة إلا كانت حجة عليهم لا لهم ، كاحتجاجهم بهذه الآية على الولاية التي هي الإمارة ، وإنما هي في الولاية التي هي ضد العداوة .

       والرافضة مخالفون لها ، والإسماعيلية والنصيرية ونحوهم يوالون الكفار ، من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين ، ويعادون المؤمنين من المهاجرين والأنصار والذين اتبوعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وهذا أمر مشهور .

       يعادون خيار عباد الله المؤمنين ويوالون اليهود والنصارى والمشركين من الترك وغيرهم ، وقال تعالى : ] َيا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين[([29]) . أي  الله كافيك ومن اتبعك من المؤمنين ، والصحابة أفضل من اتبعه  من المؤمنين، وأولهم و قال تعالى :  ] إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْح وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [.

      والذين رآهم النبي eيدخلون في دين الله أفواجا هم الذين كانوا على عصره ، وقال تعالى : ]  ُهوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ [([30])  . و إنما أيده  في حياته بالصحابة ، و قال تعالى :

] وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ المتُّقُون لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِين لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُم  أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُون [([31]) .

       وهذا الصنف الذي يقول الصدق ، ويصدق به خلاف الصنف الذي يفتري الكذب أو يكذب بالحق ، لما جاءه كما سنبسط القول فيهما إن شاء الله تعالى .

        والصحابة الذين كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وأن القرآن حق ، هم أفضل من جاء بالصدق وصدق به ، بعد الأنبياء وليس في الطوائف المنتسبة إلى القبلة أعظم افتراء للكذب على الله وتكذيبا بالحق من المنتسبين إلى التشيع . ولهذا لا يوجد الغلو في طائفة أكثر مما يوجد فيهم .

       ومنهم من ادعى إلهية البشر ، وادعى النبوة في غير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وادعى العصمة في الأئمة ، ونحو ذلك مما هو أعظم مما يوجد في سائر الطوائف ، واتفق أهل العلم أن الكذب ليس في طائفة من المنتسبين إلى القبلة أكثر منه فيهم ، وقال تعالى : ]ُ قلِ الْحَمْدُ ِللهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى [. قال طائفة من السلف هم أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ،ولا ريب أنهم أفضل المصطفين من هذه الأمة ، التي قال الله فيها :]  ُثمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُم ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُقْتَصِد وَمِنْهُم سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ الله ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِير جَنَّات عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُم فِيها حَرِير وَقَالوا الْحَمْدُ ِللهِ الَّذي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَن إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُور الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ المُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لاَ يَمَسّنَا فيها نَصبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فيها لُغُوب [([32]) .

        فأمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الذين أورثوا الكتاب بعد الأمتين قبلهم اليهود والنصارى .

        وقد أخبر الله تعالى أنهم الذين اصطفى .

        وتواتر عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال : (( خير القرون القرن الذي بعثت فيه ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ))، ومحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه هم المصطفون ، من المصطفين من عباد الله وقال تعالى : ] ُمحمدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءَ عَلَى الْكُفَّارُ رُحَمَاءَ بَيْنَهُم [([33]) إلى آخر السورة . وقال تعالى  ]وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم في الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُم وَلَيُبْدِلَنَّهُم مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُون [([34]) . فقد وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف ، كما وعدهم في تلك الآية مغفرة وأجرا عظيما ، والله لا يخلف الميعاد .

       فدل ذلك أن الذين استخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم ومكن لهم دين الإسلام ، وهو الدين الذي ارتضاه لهم ، كما قال تعالى : ] وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دينًا [([35]) وبدلهم بعد خوفهم أمنا لهم ([36]) المغفرة والأجر العظيم .

       وهذا يستدل به على وجهين : على أن المستخلفين مؤمنون عملوا الصالحات ، لأن الوعد لهم لا لغيرهم ، ويستدل به على ان هؤلاء مغفور لهم،  ولهم أجر عظيم ، لأنهم آمنوا وعملوا الصالحات ، فتناولتهم الآيتان آية النور وآية الفتح .

      من المعلوم أن هذه النعوت منطبقة على الصحابة على زمن أبي بكر وعمر وعثمان ، فإنه إذ ذاك حصل الاستخلاف ، وتمكن الدين والأمن ، بعد الخوف لما قهروا فارس والروم وفتحوا الشام والعراق ، ومصر وخراسان ، وأفريقية .

        ولما قتل عثمان وحصلت الفتنة لم يفتحوا شيئا من بلاد الكفار ، بل طمع فيهم الكفار بالشام وخراسان ، وكان بعضهم يخاف بعضاً .

        وحينئذ قد دل القرآن على إيمان أبي بكر وعمر وعثمان ،ومن كان معهم في زمن الاستخلاف والتمكين والأمن ، والذين كانوا في زمن الاستخلاف والتمكين والأمن أدركوا زمن الفتنة كعلي وطلحة وأبي موسى الأشعري ، ومعاوية وعمرو بن العاص ، دخلوا في الآية لأنهم استخلفوا ومكنوا ، وأمنوا .

        و أما من حدث في زمن الفتنة كالرافضة الذين حدثوا في الإسلام ، في زمن الفتنة والافتراق ، وكالخوارج المارقين ،فهؤلاء لم يتناولهم النص ، فلم يدخلوا فيمن وصف بالإيمان والعمل الصالح ، المذكورين في هذه الآية ، لأنهم أولا ليسوا من الصحابة المخاطبين بهذا .

         ولم يحصل لهم من الاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف ما حصل للصحابة ، بل لا يزالون خائفين مقلقلين غير ممكنين .

        فإن قيل لما قال وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم ولم يقل وعدهم كلهم . قيل كما قال وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ، ولم يقل وعدكم .

       و"من" تكون لبيان الجنس فلا يقتضي أن يكون قد بقي من المجرور بها شيء خارج ، عن ذلك الجنس كما في قوله تعالى : ]َفاجتنبوْا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَان [([37]) فإنه لا يقتضى أن يكون من الأوثان ما ليس برجس ، وإذا قلت ثوبا من حرير ، فهو كقولك ثوب حرير ، وكذلك قولك باب من حديد فهو، كقولك باب حديد ، وذلك لا يقتضي أن يكون هناك حرير وحديد غير المضاف إليه ، وإن كان الذي يتصوره كليا ، فإن الجنس الكلي ، هو ما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه ، وإن لم يكن مشتركاً فيه في الوجود .

       فإذا كانت من بيان الجنس ، كان التقدير وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هذا الجنس ، وإن كان الجنس كلهم مؤمنين صالحين ، وكذلك إذا قال وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هذا الجنس والصنف مغفرة وأجراً عظيما ، لم يمنع ذلك أن يكون جميع هذا الجنس مؤمنين صالحين .

       ولما قال لأزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: ] وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا [([38]) لم يمنع أن يكون كل منهن تقنت لله ورسوله ، وتعمل صالحا ، ولما قال تعالى : ]وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَليَكُم كَتَبَ رَبُّكُم عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُم سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ ([39]) لم يمنع أن يكون كل منهم متصفاً بهذه الصفة ، ولا يجوز ان يقال أنهم لو عملوا سوءاً بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا لم يغفر إلا لبعضهم.

    ولهذا تدخل من هذه في النفي لتحقيق نفي  الجنس كما في قوله تعالى :

]وَمَا التَّنَاهُم مِن عَمَلِهِم مِن شَيء[([40]) وقوله تعالى: ]وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ الله[([41])  ]فَمَا مِنْكُم مِن أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِين [([42]) .

       ولهذا إذا دخلت في النفي تحقـيقا أو تقديرا أفادت نفـي الجنس قطعاً ، (فالتحقيق ما ذكر والتقدير كقوله تعالى: ]لا إله إلا الله[ وقوله: ]لاَرَيْبَ فيه[  ونحو ذلك بخلاف ما إذا لم تكن "من"موجودة كقولك (( ما رأيت رجلا )) فإنها ظاهرة لنفي الجنس ، ولكن قد يجوز أن ينفي بها الواحد من الجنس ، كما قال سيبويه : يجوز أن يقال ما رأيت رجلا ، بل رجلين .

       فتبين أنه يجوز إرادة الواحد ، وإن كان الظاهر نفي الجنس ، بخلاف ما إذا دخلت (من ) فإنه ينفي الجنس قطعا ، ولهذا  لو قال لعبيده من أعطاني منكم ألفا فهو حر فأعطاه كل واحد ألفا عتقوا كلهم .

       وكذلك لو قال واحد لنسائه من أبرأتني منكن من صداقها فهي طالق فأبرأنه كلهن ، طلقن كلهن .

      فإن المقصود بقوله منكن بيان جنس المعطى والمبرئ لا إثبات هذا الحكم لبعض العبيد والأزواج .

      فإن قيل فهذا كما لا يمنع أن يكون كل المذكور متصفا بهذه الصفة فلا يوجب ذلك أيضا ، فليس في قوله وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ما يقتضي أن يكونوا كلهم كذلك .

       قيل : نعم ونحن لا ندعي أن مجرد هذا اللفظ دل على ان جميعهم موصوفون بالإيمان والعمل الصالح ، ولكن مقصودنا أن (من ) لا ينافى شمول هذا الوصف لهم فلا يقول قائل ان الخطاب دل على ان المدح شملهم وعمهم بقوله محمد رسول الله والذين معه إلى آخر الكلام ، ولا ريب أن هذا مدح لهم بما ذكر ، من الصفات ، وهو الشدة على الكفار ، والرحمة بينهم والركوع والسجود يبتغون فضلا من الله ورضوانا ، والسيما في وجوههم من أثر السجود ، وانهم يبتدئون من ضعف  إلى كمال القوة والاعتدال ، كالزرع والوعد بالمغفرة والأجر العظيم ، ليس على مجرد هذه الصفات بل على الإيمان والعمل الصالح .

       فذكر ما به يستحقون الوعد ، وإن كانوا كلهم بهذه الصفة ، ولولا ذكر ذلك لكان يظن انهم بمجرد ما ذكر يستحقون المغفرة والأجر العظيم ولم يكن فيه بيان سبب الجزاء ، بخلاف ما إذا ذكر الإيمان والعمل الصالح .

      فإن الحكم إذا علق باسم مشتق مناسب كان ما منه الاشتقاق سبب الحكم.

        فإن قيل فالمنافقون كانوا في الظاهر مسلمين  ، قيل المنافقون لم كونوا متصفين بهذه الصفات ، ولم يكونوا مع الرسول والمؤمنين ولم يكونوا منهم ، كما قال الله تعالى : ] َفعسى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ  أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا في أَنْفُسِهِم نَادِمِين ، وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنوا أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِم إِنَّهُم لَمَعَكُم حَبطت أَعْمَالُهُم فَاَصْبَحُوا خَاسِرِين [([43])  وقوله تعالى: ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذوى في اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابَ اللهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولن إِنَّا مَعَكُم أَوَ لَيْسَ الله بِأَعْلَم بِمَا في صُدُور العَالَمِين وَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُم وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِين [([44]) .

 فأخبرأن المنافقين ليسوا من المؤمنين ، ولا من أهل الكتاب .

          هؤلاء لا يجدون في طائفة من المتظاهرين بالإسلام ، أكثر منهم في الرافضة ، ومن انطوى إليهم . فدل هذا على ان المنافقين لم يكونوا من الذين آمنوا معه ، والذين كانوا منافقين منهم من تاب عن نفاقه وانتهى عنه ، وهم الغالب بدليل قوله تعالى : ] َلئنْ لَمْ يَنْتَهِ المْنُافِقُونَ وَالَّذِينَ في قُلُوبِهِم مَرَضٌ وَالْمُرْجَفُونَ في الْمَدِينَةِ ِلنُغْرِيَنَّكَ بِهِم ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إلاَّ قَلِيلاً مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً [([45]) .

       فلما لم يغره الله بهم ، ولم يقتلهم تقتيلا ، بل كانوا يجاورونه بالمدينة فدل ذلك على أنهم انتهوا ، والذين كانوا معه بالحديبية كلهم بايعوه تحت الشجرة ، إلا الجد بن قيس فإنه اختبأ خلف جمل أحمر  .

           وكذا حاء في الحديث كلهم يدخل الجنة إلا صاحب الجمل الأحمر ، وبالجملة فلا ريب أن المنافقين كانوا مغمورين مقهورين ، أذلاء ، لا سيما في آخر أيام الرسول e. وفي غزوة تبوك لأن الله تعالى قال : ]َيقولون لئن رَجعنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيَخْرُجَنَّ الأَعَزَّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلله العِزَّةُ َلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤمِنِين وِلَكِن الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُون[([46]) .

      فأخبر أن العزة للمؤمنين ، لا للمنافقين ، فعلم أن العزة والقوة كانت في المؤمنين ، وأن المنافقين كانوا أذلاء بينهم .

فيمتنع  أن تكون الصحابة الذين كانوا أعز المسلمين من المنافقين ، بل ذلك يقتضى أن من كان أعز كان أعظم إيمانا .

 ومن المعلوم أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، الخلفاء الراشدين وغيرهم كانوا اعز الناس ، وهذا كله مما يبين أن المنافقين كانوا ذليلين في المؤمنين .

فلا يجوز أن يكون الأعزاء من الصحابة منهم ، ولكن هذا الوصف مطابق للمتصفين به من الرافضة وغيرهم ،والنفاق والزندقة في الرافضة أكثر منه في سائر الطوائف .

بل لا بد لكل منهم من شعبة نفاق ، فإن أساس النفاق الذي بني عليه ، الكذب ، وأن يقول الرجل بلسانه ما ليس في قلبه ، كما اخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم .

والرافضة تجعل هذا من أصول دينها وتسميه التقية وتحكى هذا عن أئمة  أهل البيت الذين برأهم الله عن ذلك ، حتى يحكوا ذلك عن جعفر الصادق أنه قال التقية ديني ودين آبائي و قد نزه الله المؤمنين من أهل البيت وغيرهم عن ذلك.

 بل كانوا من أعظم الناس صدقا وتحقيقا للإيمان ، وكان دينهم التقوى لا التقية ، وقول الله تعالى : ]لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِين وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَلَيْسمِنَ اللهِ في شَيء إلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُم تُقَاه[([47]).إنما هو الأمر بالاتقاء من الكافرين ، لا الأمر بالنفاق والكذب .

والله تعالى قد أباح لمن أكره على كلمة الكفر أن يتكلم بها ، إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان ، لكن لم يكره أحداً من أهل البيت على شيء من ذلك ، حتى أن أبا بكرt لم يكره أحدا لا منهم، ولا من غيرهم  على متابعته، فضلا على ان يكرههم على مدحه ، والثناء عليه.

 بل  كان علي وغيره من أهل البيت يظهرون ذكر فضائل الصحابة والثناء عليهم والترحم عليهم والدعاء لهم ولم يكن أحد يكرههم على شيء منه باتفاق الناس .

وقد كان زمن بني أمية وبني العباس خلق عظيم دون عليّ وغيره في الإيمان والتقوى يكرهون منهم أشياء ولا يمدحونهم ولا يثنون عليهم ، ولا يقربونهم ، ومع هذا لم يكن هؤلاء يخافونهم ، ولم يكن أولئك يكرهونهم مع أن الخلفاء الراشدين كانوا باتفاق الخلق أبعد عن قهر الناس  وعقوبتهم على طاعتهم ، من هؤلاء .

 فإذا كان لم يكن الناس مع هؤلاء مكرهين على ان يقولوا بألسنتهم خلاف ما في قلوبهم ، فكيف يكونون مكرهين مع الخلفاء على ذلك ، بل على الكذب وشهادة الزور وإظهار الكفر ، كما تقوله الرافضة من غير ان يكرههم أحد على ذلك .

 فعلم أن ما تتظاهر به الرافضة هو من باب الكذب والنفاق ، وأنهم  يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، لا من باب ما يكره المؤمن عليه ، من التكلم بالكفر وهؤلاء أسرى المسلمين ، في بلاد الكفار غالبهم يظهرون دينهم،والخوارج مع تظاهرهم بتكفير الجمهور، وتكفير عثمان وعلي ومن ولاهما يتظاهرون بدينهم.

وإذا سكنوا بين الجماعة ، سكنوا على الموافقة والمخالفة ، والذي يسكن في مدائن الرافضة فلا يظهر الرفض وغايته إذا ضعف ان يسكت عن ذكر مذهبه لا يحتاج أن يتظاهر بسب الخلفاء والصحابة، إلا أن يكونوا قليلا .

فكيف يظن بعليt وغيره من أهل البيت أنهم كانوا اضعف دينا من الأسرى في بلاد الكفر ، ومن عوام  أهل السنة ، ومن النواصب ، مع أنا قد علمنا بالتواتر أن أحدا لم يكره عليّا ولا أولاده على ذكر فضائل الخلفاء ، والترحم عليهم ، بل كانوا يقولون ذلك من غير إكراه ، ويقوله أحدهم لخاصته كما ثبت ذلك بالنقل المتواتر .

 وأيضا فقد يقال في قوله تعالى : ]وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُم وَعَمِلوا الصَّالِحَات [ أن ذلك وصف الجملة بصفة تتضمن حالهم عند الاجتماع كقوله تعالى : ]وَمَثَلُهُم في الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِه يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغيظَ بِهِم الكُفَّار [ والمغفرة والأجر في الآخرة يحصل لكل واحد واحد ، فلا بد ان يتصف بسبب ذلك ، وهو الإيمان والعمل الصالح، إذ قد يكون في الجملة منافقا .

 وفي الجملة ما في القرآن من خطاب المؤمنين والمتقين والمحسنين ، ومدحهم والثناء عليهم ، فهم أول من دخل في ذلك من هذه الأمة ، وأفضل من دخل في ذلك من هذه الأمة كما استفاض عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من غير وجه أنه قال : ((  خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ))([48]) .

(الوجه الثاني ) : في بيان كذبه وتحريفه فيما نقله عن حال الصحابة بعد موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم .

(قوله : فبعضهم طلب الأمر لنفسه بغير حق ، وبايعه اكثر الناس طلبا للدنيا ) .

 وهذا إشارة إلى أبي بكر فإنه هو الذي بايعه أكثر الناس ، ومن المعلوم أن أبا بكر لم يطلب الأمر لنفسه ، لا بحق ولا بغير حق ، بل قال: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، إما عمر بن الخطاب وإما أبا عبيدة .

قال عمر : فوالله لأن  أقدم فتضرب عنقي لا يقرّبني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ، وهذا اللفظ في الصحيحين([49])  .

 وقد روى عنه انه قال : أقيلوني، أقيلوني ، فالمسلمون اختاروه وبايعوه ، لعلمهم بأنه خيرهم ، كما قال له عمر يوم السقيفة بمحضر المهاجرين والأنصار أنت سيدنا وخيرنا ، وأحبنا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم ينكر ذلك أحد ، وهذا أيضا في الصحيحين([50]) .

والمسلمون اختاروه كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث الصحيح لعائشة : (( ادعى لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا، لا يختلف عليه الناس من بعدي ، ثم قال يأبى الله والمؤمنون أن يتولى غير أبي بكر ))([51]) فالله هو ولاه قدرا ، وشرعا ، وأمر المؤمنين ، بولايته ، وهداهم إلى أن ولوه من غير أن يكون طلب ، ذلك لنفسه .

(الوجه الثالث ) : أن يقال فهب أنه طلبها وبايعه أكثر الناس فقولكم : أن ذلك طلب للدنيا كذب ظاهر .

 فإن أبا بكر لم يعطهم دنيا ، وكان قد أنفق ماله في حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ولما رغب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الصدقة جاء بماله كله ، فقال له:((ما تركت لأهلك . قال :تركت لهم الله ، ورسوله ))([52])

 والذين بايعوه هم أزهد الناس في الدنيا ، وهم الذين أثنى الله عليهم.

وقد علم الخاص والعام زهد عمر ، وأبي عبيدة ، وأمثالهما ، وإنفاق الأنصار أموالهم كأسيد  بن حضير ، وأبي طلحة ، وأبي أيوب وأمثالهم .

 ولم يكن عند موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لهم بيت مال يعطيهم ما فيه ، ولا كان هناك ديوان للعطاء يفرض لهم فيه ، والأنصار كانوا في أملاكهم ، وكذلك المهاجرون من كان له شيء من مغنم أو غيره فقد كان له .

وكانت سيرة أبي بكر في قسم الأموال التسوية ، وكذلك سيرة عليt ، فلو بايعوا عليّا أعطاهم ما أعطاهم أبو بكر ، مع كون قبيلته أشرف القبائل ، وكون بني عبد مناف وهم أشراف قريش الذين هم اقرب العرب من بني أمية وغيرهم إذ ذلك كأبي سفيان بن حرب وغيره ، وبني هاشم كالعباس وغيره ، كانوا معه .

فقد أراد أبو سفيان وغيره أن تكون الإمارة في بني عبد مناف ، على عادة الجاهلية فلم يجبه إلى ذلك علي ولا عثمان ، ولا غيرهما لعلمهم ، أو دينهم فأيّ رياسة ، وأي مال كان لجمهور المسلمين بمبايعة أبي بكر ، لا سيما وهو يسوّي بين السابقين والأولين ، وبين آحاد المسلمين في العطاء ، ويقول : إنما أسلموا لله وأجورهم على الله ،وإنما هذا المتاع بلاغ .

وقال لعمر لما أشارعليه بالتفضيل في العطاء : أفأشتري منهم إيمانهم ؟

فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم أولا ، كعمر وأبي عبيدة وأسيد بن حضير وغيرهم ، سوّى بينهم وبين الطلقاء الذين أسلموا عام الفتح ، وبين من أسلم بعد موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فهل حصل لهؤلاء من الدنيا بولايته شيء .

(الوجه الرابع ) : أن يقال : أهل السنّة مع الرافضة كالمسلمين مع النصارى ، فإن المسلمين يؤمنون بأن المسيح عبد الله ورسوله ، ولا يغلون فيه غلو النصارى ، ولا يجفون جفاء اليهود .

والنصارى تدعى فيه الإلهية وتريد أن تفضله على محمد وإبراهيم وموسى ، بل تفضل الحواريين على هؤلاء الرسل .

كما تريد الروافض أن تفضل من قاتل مع علي كمحمد بن أبي بكر والأشتر النخعي على أبي بكر وعمر وعثمان وجمهور المهاجرين والأنصار ، فالمسلم إذا ناظر النصراني لا يمكنه أن يقول في عيسى إلا الحق ، لكن إذا أردت أن تعرف جهل النصراني وأنه لا حجة له فقدّر المناظرة بينه وبين اليهود .

فإن النصراني لا يمكنه أن يجيب عن شبهة اليهودي([53]) إلا بما يجيب به المسلم، فإن لم يدخل في دين الإسلام وإلا كان منقطعا مع اليهودي ، فإنه إذا أمر بالإيمان بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم .

فإن قدح  في نبوته بشيء من الأشياء ، لم يمكنه أن يقول شيئا إلا قال اليهودي في المسيح ما هو أعظم من ذلك ، فإن البينات لمحمد أعظم من البينات للمسيح .

 وبعد أمره عن الشبهة ، أعظم من بعد المسيح عن الشبهة ، فإن جاز القدح فيما دليله أعظم وشبهته أبعد عن الحق ، فالقدح فيما دونه أولى .

وإن كان القدح في المسيح باطلا فالقدح في محمد أولى بالبطلان ، فإنه إذا بطلت الشبهة القوية فالضعيفة أولى بالبطلان ، وإذا ثبتت الحجة التي غيرها أقوى منها فالقوية أولى بالإثبات .

ولهذا كان مناظرة كثير من المسلمين للنصارى من هذا الباب كالحكاية المعروفة عن القاضي أبي بكر بن الطيب ، لما أرسله المسلمون إلى ملك النصارى بالقسطنطينية ، فإنهم عظموه ، وعرف النصارى قدره ، فخافوا أن لا يسجد للملك إذا دخل ، فأدخلوه من باب صغير ليدخل منحنيا ، ففطن لمكرهم ، فدخل مستدبرا متلقيا لهم بعجزه .

 ففعل نقيض ما قصدوه ، ولما جلس وكلموه ، أراد بعضهم القدح في المسلمين ، فقال له ما قيل في عائشة امرأة نبيكم ، يريد إظهار قول الإفك الذي يقوله من يقول من الرافضة ، أيضا .

 فقال القاضي ثنتان قدح فيهما ورميتا بالزنا إفكا وكذبا ، مريم وعائشة فأما مريم فجاءت بالولد تحمله من غير زوج ، وأما  عائشة فلم تأت بولد مع أنه كان لها زوج ، فأبهت النصارى .

وكان مضمون كلامه أن ظهور براءة عائشة أعظم من ظهور براءة مريم ، وأن الشبهة إلى مريم أقرب منها إلى عائشة ، فإذا كان مع هذا قد ثبت كذب القادحين في مريم ، فثبوت قدح الكاذبين في عائشة أولى .

ومثل هذه المناظرة أن يقع التفضيل بين طائفتين ، ومحاسن إحداهما أكثر وأعظم ومساويها أقل وأصغر ، فإذا ذكر ما فيها من ذلك عورض بأن مساوئ تلك أعظم ، كقوله تعالى : ] يسئلونكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٌ فِيه قُل قِتَالٌ فيهِ كَبِير[ثم قال : ] وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرَ عِنْدَ الله وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرَ مِنَ الْقَتْل [([54]) فإن الكفار عيروا سرية من سرايا المسلمين بأنهم قتلوا ابن  الحضرمي في الشهر الحرام ، فقال تعالى هذا كبير وما عليه المشركون من الكفر بالله والصد عن سبيله وعن المسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ، فإن هذا صد عما لا تحصل النجاة والسعادة إلا به ، وفيه من انتهاك المسجد الحرام ما هو أعظم من انتهاك الشهر الحرام.

لكن في هذا النوع قد اشتملت كل من الطائفتين على ما يذم ، وأما النوع الأول فيكون كل من الطائفتين لا يستحق الذم ، بل هناك شبه في الموضعين ، وأدلة في الموضعين وأدلة أحد الصنفين أقوى وأظهر ، وشبهته أضعف وأخفى ، فيكون أولى بثبوت الحق مما تكون أدلته أضعف ، وشبهته أقوى .

هذا حال النصارى واليهود مع المسلمين ، وهو حال أهل البدع مع أهل السنّة لاسيما الرافضة ، وهكذا أمر أهل السنّة مع الرافضة في أبي بكر وعلي، فإن الرافضي لا يمكنه أن يثبت إيمان علي وعدالته وأنه من أهل الجنة فضلا عن إمامته إن لم يثبت ذلك لأبي بكر وعمر وعثمان .

وإلا فمتى أراد إثبات ذلك لعلي وحده لم تساعده الأدلة ، كما أن النصراني إذا أراد إثبات نبوة المسيح دون محمد لم تساعده الأدلة .

فإذا قالت له الخوارج الذين يكفرون عليّا ، أو النواصب الذين يفسقونه أنه كان ظالما طالبا للدنيا ، وأنه طلب الخلافة لنفسه ، وقاتل عليها بالسيف وقتل على ذلك ألوفا من المسلمين ، حتى عجز عن انفراده بالأمر ، وتفرق عليه أصحابه وظهروا عليه فقتلوه ، فهذا الكلام إن كان فاسد ففساد كلام الرافضي في أبي بكر وعمر أعظم ،وإن كان ما قاله في أبي بكر وعمر متوجها مقبولا ، فهذا أولى بالتوجيه والقبول .

 لأنه من المعلوم للخاصة والعامة أن من ولاه الناس باختيارهم ورضاهم من غير أن يضرب أحدا بالسيف ولا عصى ولا أعطى أحدا ممن ولاه من مال واجتمعوا عليه فلم يول أحد من أقاربه ، وعترته ، ولا خلف لورثته مالاً من مال المسلمين ، وكان له مال قد أنفقه في سبيل الله ، فلم يأخذ بدله ، وأوصى أن يرد إلى بيت مالهم ما كان عنده لهم ، وهو جرد قطيفة ، وبكر وأمة سوداء ، ونحو ذلك .

 حتى قال عبد الرحمن بن عوف لعمر : أتسلب هذا آل أبي بكر ، قال كلا والله لا يتحنث فيها أبو بكر وأتحملها أنا ، وقال يرحمك الله يا أبا بكر لقد أتعبت الأمراء بعدك .

ثم مع هذا لم يقتل مسلما على ولايته ، ولا قاتل مسلما بمسلم ، بل قاتل بهم المرتدين عن دينهم ، والكفار حتى شرع بهم في فتح الأمصار واستخلف القوي الأمين العبقري ، الذي فتح الأمصار ونصب الديوان ، وعم بالعدل والإحسان .

فإن جاز للرافضي أن يقول إن هذا كان طالبا للمال والرياسة ، أمكن الناصبي أن يقول : كان علي ظالما طالبا للمال والرياسة ، قاتل على الولاية حتى قتل المسلمون بعضهم بعضا ،ولم يقاتل كافراً ولم يحصل للمسلمين في مدة ولايته إلا شر وفتنة في دينهم ودنياهم .

فإن جاز أن يقال : علي كان مريدا لوجه الله ، والتقصير من غيره من الصحابة ، أو يقال  كان مجتهداً مصيباً ، وغيره مخطئ مع هذه الحالة فإنه يقال كان أبو بكر وعمر مريدين وجه الله مصيبين والرافضة مقصرون في معرفة حقهم مخطئون في ذمهم بطريق الأولى والأحرى .

 فإن أبا بكر وعمر كان بعدهما عن شبة طلب المال والرياسة أشد من بعد علي عن ذلك ،وشبهة الخوارج الذين ذموا عليّا وعثمان وكفروهما أقرب من شبهة الرافضة الذين ذموا أبا بكر  وعمر وكفروهما ، فكيف بحال الصحابة والتابعين الذين تخلفوا عن بيعته أو قاتلوه فشبهتهم أقوى من شبهة من قدح في أبي بكر وعمر وعثمان ، فإن أولئك قالوا ما يمكننا أن نبايع إلا من يعدل علينا ،ويمنعنا ممن ظلمنا ، ويأخذ حقنا ممن ظلمنا ، فإذا لم يفعل هذا كان عاجزاً أو ظالما ، وليس علينا أن نبايع عاجزا أو ظالما .

وهذا الكلام إذا كان باطلا ، فبطلان قول من يقول أن أبا بكر وعمر كانا ظالمين طالبين للرياسة والمال أبطل وأبطل ، وهذا الأمر لا يستريب فيه من له بصر ومعرفة ، وأين شبهة مثل أبي موسى الأشعري الذي وافق عمرو على عزل علي ومعاوية ، وأن يجعل الأمر شورى في المسلمين ، من شبهة عبد الله بن سبأ وأمثاله الذين يدعون أنه إمام معصوم ، وأنه إله أو نبي .

 بل أين شبهة الذين رأوا أن يولوا معاوية من شبهة الذين يدعون أنه إله أو نبي ، فإن هؤلاء كفار باتفاق المسلمين بخلاف أولئك ، ومما يبين هذا أن الرافضة تعجز عن إثبات إيمان علي وعدالته ، مع كونهم على مذهب الرافضة ، ولا يمكنهم ذلك إلا إذا صاروا من أهل السنة ، فإذا قالت لهم الخوارج وغيرهم ممن تكفره ، أو تفسقه ، لا نسلم أنه كان مؤمناً ، بل كان كافرا أو ظالما ، كما يقولون هم في أبي بكر وعمر لم يكن لهم دليل على إيمانه وعدله ، إلا وذاك الدليل على  أبي بكر  وعمر وعثمان أدل .

 فإن احتجوا بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده فقد تواتر ذلك عن هؤلاء ، بل تواتر إسلام معاوية ويزيد وخلفاء بني أمية وبني العباس وصلاتهم وصيامهم ، وجهادهم للكفار فإن ادعوا في واحد من هؤلاء النفاق ، أمكن الخارجى أن يدعى النفاق فيه([55]) .

وإذا ذكروا شبهة ، ذكر ما هو أعظم منها ، وإذا قالوا ما تقوله أهل الفرية ، من أن أبا بكر وعمر كانا منافقين في الباطن ، عدوين للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم . أفسدا دينه ، بحسب الإمكان أمكن الخارجى ان يقول ذلك في علي ويوجه ذلك بأن يقول : كان يحسد  ابن عمه وأنه كان يريد إفساد دينه فلم يتمكن من ذلك في حياته وحياة الخلفاء الثلاثة حتى سعى في قتل الخليفة الثالث ، وأوقد الفتنة ، حتى غلى في قتل أصحاب محمد ، وأمته بغضا له وعداوة ، وأنه كان مباطناً للمنافقين الذين ادعوا فيه الإلهية والنبوة ، وكان يظهر خلاف ما يبطن  ، لأن دينه التقية ، فلما أحرقهم بالنار، أظهر إنكار ذلك ، وإلا فكان في الباطن معهم .

ولهذا كانت الباطنية من اتباعه ،وعندهم سره ، وهم ينقلون عنه الباطن الذي ينتحلونه ، ويقول الخارجى مثل هذا الكلام الذي يروج على كثير من الناس أعظم ، مما يروج كلام الرافضة في الخلفاء الثلاثة ، لأن شبهة الرافضة أظهر فسادا من شبهة الخوارج ، وهم أصح منهم عقلا ، ومقصدا .

والرافضة أكذب وأفسد دينا ، وإن أرادوا إثبات إيمانه وعدالته بنص القرآن عليه ، قيل القرآن عام وتناوله له ليس بأعظم من تناوله لغيره ، وما من آية يدعون اختصاصها به إلا أمكن أن يدعى اختصاصها أو اختصاص مثلها أو أعظم منها بأبي بكر وعمر .

فباب الدعوى بلا حجة ممكنة ، والدعوى في فضل الشيخين أمكن منها في فضل غيرهما ، وإن قالوا ثبت ذلك بالنقل والرواية ، فالنقل والرواية في أولئك أكثر وأشهد ، فإن ادعوا تواتراً ، فالتواتر هناك أصح ، وإن اعتمدوا على نقل الصحابة فنقلهم لفضائل أبي بكر وعمر أكثر ، ثم هم يقولون : أن الصحابة ارتدوا إلا نفرا قليلا فكيف تقبل رواية هؤلاء في فضيلة أحد ، ولم يكن في الصحابة رافضة كثيرون ، يتواتر نقلهم ، فطريق النقل مقطوعا عليهم، إن لم يسلكوا طريق أهل السنة ، كما هو مقطوع على النصارى في إثبات نبوة المسيح إن لم يسلكوا طريق المسلمين .

وهذا كمن أراد أن يثبت فقه ابن عباس دون علي ، أو فقه علقمة والأسود دون ابن مسعود ، ونحو ذلك من الأمور التي يثبت فيها للشيء حكم  دون ما هو أولى بذلك الحكم منه ، فإن هذا تناقض ممتنع عند من سلك طريق العلم والعدل .

ولهذا كانت الرافضة من أجهل الناس وأضلهم ، كما أن النصارى من أجهل الناس ، والرافضة من أخبث الناس ، كما أن اليهود من أخبث الناس ، ففيهم  نوع من ضلال النصارى ،ونوع من خبث اليهود .

(الوجه الخامس): أن يقال : تمثيل هذا بقصة عمر بن سعد طالبا للرياسة والمال مقدما على المحرّم لأحل ذلك فيلزم أن يكون السابقون الأولون بهذه الحال ، وهذا أبوه سعد بن أبي وقاص، كان من أزهد الناس في الإمارة والولاية ، ولما وقعت الفتنة اعتزل الناس في قصره بالعقيق ، وجاءه عمر ابنه هذا فلامه على ذلك ، وقال له الناس في المدينة يتنازعون الملك وأنت ههنا؟ فقال : (( اذهب فإني سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول إن الله يحب العبد التقي الغني الخفيّ ))([56]) .

هذا ولم يكن  قد بقي أحد من أهل الشورى غيره وغير علي رضي الله عنهما ، وهو الذي فتح العراق ، وأذل جنود كسرى وهو آخر العشرة موتا.

فإذا لم يحسن أن يشبه بابنه عمر أيشبه به أبو بكر وعمر وعثمان ، هذا وهم لا يجعلون محمد بن أبي بكر بمنزلة أبيه ، بل يفضلون محمداً ويعظمونه ، ويتولونه لكونه آذى عثمان وكان من خواص أصحاب علي لأنه كان ربيبه ، ويسبون أباه أبا بكر ويلعنونه ، فلو أن النواصب فعلوا بعمر بن سعد مثل ذلك فمدحوه على قتل الحسين ، لكونه كان من شيعة عثمان ، ومن المنتصرين له ، وسبوا أباه سعد لكونه تخلف عن القتال مع معاوية والانتصار لعثمان ، هل كانت النواصب لو فعلت ذلك إلا من جنس الرافضة .

 بل الرافضة شر منهم ، فإن أبا بكر أفضل من سعد ، وعثمان كان أبعد عن استحقاق القتل من الحسين ، وكلاهما مظلوم وشهيد رضي الله تعالى عنهما ، ولهذا كان الفساد الذي حصل في الأمة بقتل عثمان أعظم من الفساد الذي حصل في الأمة بقتل الحسين .

 وعثمان من السابقين الأولين وهو خليفة مظلوم طلب منه أن ينعزل بغير حق فلم ينعزل ولم يقاتل عن نفسه حتى قتل ، والحسينt لم يكن متوليا وإنما كان طالبا للولاية ، حتى رأى أنها متعذرة وطلب منه ليستأسر ليحمل إلى يزيد مأسورا ، فلم يجب إلى ذلك وقاتل حتى قتل مظلوما ، شهيدا ، فظلم عثمان كان أعظم وصبره وحلمه كان أكمل ، وكلاهما مظلوم شهيد ، ولو مثل ممثل طلب علي والحسين للأمر بطلب الإسماعيلية كالحاكم وأمثاله وقال إن علي والحسين كانا ظالمين طالبين للرياسة من غير حق ، بمنزلة الحاكم وأمثاله من ملوك بني عبيد ، أما كان يكون كاذبا مفتريا في ذلك لصحة إيمان الحسن والحسين ، ودينهما وفضلهما ، ولنفاق هؤلاء وإلحادهم .

 وكذلك من شبه عليا والحسين ببعض من قام من الطالبيين أو غيرهم بالحجاز ، أو الشرق أو الغرب يطلب الولاية بغير حق ، ويظلم الناس في أموالهم وأنفسهم ، أما كان يكون ظالما كاذبا ؟ فالمشبه بأبي بكر وعمر بعمر بن سعد أولى بالكذب والظلم ، ثم غاية عمر بن سعد وأمثاله ، أن يعترف بأنه طلب الدنيا بمعصية يعترف أنها معصية ، وهذا ذنب كثير وقوعه من المسلمين .

وأما الشيعة فكثيرمنهم يعترفون بأنهم إنما قصدوا بالملك إفساد دين الإسلام ، ومعاداة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم  كما يعرف ذلك من خطاب الباطنية وأمثالهم ، من الداخلين في الشيعة ، فإنهم يعترفون بأنهم في الحقيقة لا يعتقدون دين الإسلام ، وإنما يتظاهرون بالتشيع لقلة عقل الشيعة وجهلهم ليتوصلوا بهم إلى أغراضهم .

          وأوّل هؤلاء ، بل خيارهم هو المختار بن أبي عبيد الكذاب ، فإنه كان أمير الشيعة ، وقتل عبيد الله بن زياد ، وأظهر الانتصار للحسين ، حتى قتل قاتله وتقرب بذلك إلى محمد بن الحنفية وأهل البيت ، ثم ادعى النبوة وأن جبريل يأتيه ، وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال : (( سيكون في ثقيف كذاب ومبير ))([57])  .

 

فكان الكذاب هو المختار بن أبي عبيد ، وكان المبير هو الحجاج بن يوسف الثقفي ، ومن المعلوم أن عمر بن سعد أمير السرية التي قتلت الحسين، مع ظلمه وتقديمه الدنيا على الدين ، لم يصل في المعصية إلى فعل المختار بن أبي عبيد ، الذي أظهر الانتصار للحسين ، وقتل قاتله بل كان هذا أكذب وأعظم ذنبا من عمر بن سعد .

 فهذا الشيعي شر من ذلك الناصبي ، بل والحجاج بن يوسف خير من المختار بن أبي عبيد ، فإن الحجاج كان مبيرا كما سماه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يسفك الدماء بغير حق ، والمختار كان كذابا يدعى الوحي وإتيان جبريل إليه ، وهذا الذنب أعظم من قتل النفوس ، فإن هذا كفر وإن لم يتب منه كان مرتدا ، والفتنة أعظم من القتل .

 وهذا باب مطرد لا تجد أحداً ممن تذمه الشيعة بحق أو باطل إلا وفيهم من هو شر منه ، ولا تجد أحداً ممن تمدحه الشيعة إلا وفيمن تمدحه الخوارج من هو خير منه ، فإن الروافض شر من النواصب ،والذين تكفرهم أو تفسقهم الروافض ، هم أفضل من الذين تكفرهم أو تفسقهم النواصب .

 وأما أهل السنة فيتولون جمع لمؤمنين ، ويتكلمون بعلم وعدل ليسوا من أهل الجهل ، ولا من أهل الأهواء ، ويتبرءون من طريقة الروافض والنواصب جميعا ، ويتولون السابقين الأولين كلهم ،ويعرفون قدر الصحابة ، وفضلهم ، ومناقبهم ،ويرعون حقوق أهل البيت التي شرعها الله لهم ، ولا يرضون بما فعله المختار ونحو من الكذابين ، ولا ما فعل الحجاج ونحوه من الظالمين .

 ويعلمون مع هذا مراتب السابقين الأولين ، فيعلمون أن لأبي بكر وعمر من التقدم والفضائل ما لم يشاركهما فيهما أحد ، من الصحابة لا عثمان ولا علي ولا غيرهما ، وهذا كان متفقا عليه في الصدر الأول ، إلا أن يكون خلاف شاذ لا يعبأ به .

 حتى إن الشيعة الأولى أصحاب علي لم يكونوا يرتابون في تقديم أبي بكر وعمر عليه ، فكيف وقد ثبت عنه من وجوه متواترة أنه كان يقول : خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر ، ولكن كان طائفة من شيعة علي ، تقدمه على عثمان ، وهذه المسألة أخفى من تلك ، ولهذا كان أئمة أهل السنة متفقين على تقديم أبي بكر وعمر كما في مذهب أبي حنيفة ، والشافعي ، ومالك ، وأحمد بن حنبل ، والثورى ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، وسائر أئمة المسلمين ، من أهل الفقه والحديث والزهد والتفسير من المتقدمين والمتأخرين.

 وأما عثمان وعلي فكان طائفة من أهل المدينة يتوقفون فيهما ، وهي إحدى الروايتين عن سفيان الثوري ، ثم قيل إنه رجع عن ذلك لما اجتمع به  أيوب  السختياني ، وقال من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار ، وسائر أئمة السنة على تقديم عثمان وهو مذهب جماهير أهل الحديث وعليه يدل النص ، والإجماع والاعتبار .

 وأما ما يحكى عن بعض المتقدمين من تقديم جعفر أو تقديم طلحة أو نحو ذلك فذلك في أمور مخصوصة لا تقديما عاما ، و كذلك ما ينقل عن بعضهم في علي .

وأما قوله : فبعضهم اشتبه الأمرعليه ورأى لطالب الدنيا مبايعا فقلده ،

وبايعه وقصر في نظره فخفي عليه الحق فاستحق المؤاخذة من الله تعالى ، بإعطاء الحق لغير مستحقه ، قال : وبعضهم قلد لقصور فطنته ، ورأى الجم الغفير فتابعهم ، وتوهم أن الكثرة تستلزم الصواب ، وغفل عن قوله تعالى :

 ]وَقَلِيلٌ مَا هُم [([58])  ،  ] وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور [([59])  .

فيقال لهذا المفترى : الذي جعل الصحابة الذين بايعوا أبا بكر ثلاثة أصناف أكثرهم طلبوا الدنيا وصنف قصروا في النظر ، وصنف عجزوا عنه، لأن الشر إما أن يكون لفساد القصد . وإما أن يكون للجهل ، والجهل إما أن يكون لتفريط في النظر ، وإما أن يكون لعجز عنه .

 وذكر أنه كان في الصحابة وغيرهم من قصر في النظر حين بايع أبا بكر ، ولو نظر لعرف الحق ، وهذا يؤاخذ على تفريطه ، بترك النظر الواجب، وفيهم من عجز عن النظر ، فقلد الجم الغفير ، يشير بذلك إلى  سبب مبايعة أبي بكر .

 فيقال له هذا من الكذب الذي لا يعجز عنه أحد ، والرافضة قوم بهت فلو طلب من هذا المفتري دليل على ذلك لم يكن له على ذلك دليل ، والله تعال قد حرم القول بغير علم ، فكيف إذا كان المعروف ضد  ما قاله فلو لم نكن نحن عالمين بأحوال الصحابة لم يجز أن نشهد عليهم بما لا نعلم من فساد القصد ، والجهل بالمستحق . قال تعالى : ]ولا تقفُ ما ليس لك به علم إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أولئِكَ كان عنهُ مَسئولاً [([60])  وقال تعالى : ]َها أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمُ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْم [([61]) فكيف إذا كنا نعلم أنهم كانوا أكمل هذه الأمة عقلا ، وعلما ، ودينا ، كما قال فيهم عبد الله بن مسعود : (( من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات ، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة ، أولئك أصحاب محمد كانوا والله أفضل هذه الأمة ، وأبرها قلوبا ، وأعمقها علما وأقلها تكلفا ، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ، وإقامة دينه، فأعرفوا لهم فضلهم ، واتبعوهم ، في آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ، ودينهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ))([62]) . رواه غير واحد منهم ابن بطة ، عن قتادة .

 وروى هو وغيره بالأسانيد المعروفة إلى زر بنت حبيش ، قال :  قال عبد الله بن مسعود : (( إن الله تبارك وتعالى نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه ، وابتعثه برسالته ، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه ، يقاتلون على دينه ، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ، وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيء ))([63]) .

 وفي رواية قال أبو بكر بن عياش الراوي لهذا الأثر ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعودt ، وقد رأى أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر .

 فقول عبد الله بن مسعود كانوا أبر هذه الأمة قلوبا ، وأعمقها علما ، وأقلها تكلفا ، كلام جامع بين فيه حسن قصدهم ونياتهم ، ببر القلوب وبين فيه كمال المعرفة ودقتها بعمق العلم ، وبين فيه تيسر ذلك عليهم  وامتناعهم من القول بلا علم ، بقلة التكلف وهذا خلاف ما قاله هذا المفترى الذي وصف أكثرهم بطلب الدنيا ، وبعضهم بالجهل ، إما عجزا وإما تفريطا والذي قاله عبد الله حق فإنهم خير هذه الأمة ، كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حيث قال : (( خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ))([64]) .وهم أفضل الأمة الوسط الشهداء على الناس ، الذين هداهم الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ، فليسوا من المغضوب عليهم الذين يتبعون أهواءهم ، ولا من الضالين الجاهلين ، كما قسمهم هؤلاء المفترون ، إلى ضلال وغواة ، بل لهم كمال العلم ،وكمال القصد .

 إذ لو لم يكن كذلك للزم أن لا تكون هذه الأمة خير الأمم ،وأن لا يكونوا خير الأمة وكلاهما خلاف الكتاب والسنة ، وأيضا فالاعتبار العقلي يدل على ذلك ، فإن من تأمل أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، وتأمل أحوال اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين ، تبين له من فضيلة هذه الأمة على سائر الأمم في العلم النافع ،والعمل الصالح ، ما يضيق هذا الموضع عن بسطه .

 والصحابة أكمل الأمة في ذلك بدلالة الكتاب والستة والإجماع ، والاعتبار ولهذا لا تجد أحدا من أعيان الأمة إلا وهو معترف بفضل الصحابة عليه ، وعلى أمثاله ، وتجد من ينازع في ذلك كالرافضة من أجهل الناس ، ولهذا لا يوجد في أئمة الفقه الذين يرجع إليهم رافضي ، ولا في أئمة الحديث ولا في أئمة الزهد والعبادة ، ولا في أئمة الجيوش المؤيدة المنصورة رافضي، ولا في الملوك الذين نصروا الإسلام وأقاموه وجاهدوا عدوه  من هو رافضي، ولا في الوزراء الذين لهم سيرة محمودة من هو رافضي .

 وأكثر ما تجد الرافضة إما في الزنادقة المنافقين الملحدين ، وإما في جهال ليس لهم  علم بالمنقولات ولا بالمعقولات ، قد نشأ بالبوادي والجبال ، وتجبروا على المسلمين ، فلم يجالسوا أهل العلم والدين ، وإما في ذوي الأهواء ممن قد حصل له بذلك رياسة ومال ، أوله نسب يتعصب به كفعل  أهل الجاهلية ، وأما من هو عند المسلمين  من أهل العلم والدين ، فليس في هؤلاء رافضي ، لظهور الجهل والظلم في قولهم ، و تجد ظهور الرفض في شر الطوائف كالنصيرية والاسماعيلية ، والملاحدة الطرقية ، وفيهم من الكذب والخيانة وإخلاف الوعد ما يدل على نفاقهم ، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال : (( آية المنافق ثلاث ،إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان ))([65]) زاد مسلم (( وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم )) وأكثر ما توجد هذه الثلاث في طوائف أهل القبلة في الرافضة.

وأيضا فيقال لهذا المفترى :هب أن الذين بايعوا  الصديق كانوا كما ذكرت إما طالب دنيا وإما جاهل ، فقد جاء بعد أولئك في قرون الأمة ، من يعرف كل أحد زكاءهم ، وذكاءهم .

 مثل سعيد بن المسيب ، الحسن البصري ، وعطاء بن أبي رباح ، وإبراهيم النخعي ، وعلقمة ، والأسود ، وعبيدة السلماني ، وطاوس ، ومجاهد، وسعيد بن جبير ، وأبي الشعثاء جابر بن زيد ، وعلي بن زيد ، وعلي بن الحسين ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، وعروة بن الزبير ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر ، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام ، ومطرف بن الشخير ، ومحمد بن واسع ، وحبيب العجمى ، ومالك بن دينار، ومكحول ، والحكم بن عتبة ، ويزيد بن أبي حبيب ، ومن لا يحصي عددهم إلا الله .

 ثم بعدهم أيوب السختياني ، وعبد الله بن عون ، ويونس بن عبيد ، وجعفر بن محمد ، والزهري، وعمرو بن دينار ، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وأبو الزناد ، ويحيى بن  أبي كثير ، وقتادة ، ومنصور بن المعتمر ، والأعمش ، وحماد بن أبي سليمان ، وهشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة .

 ومن بعد هؤلاء مثل ، مالك بن انس ، وحماد بن زيد ، وحماد بن سلمة ، والليث بن سعد ، والأوزاعي ، وأبي حنيفة ، وابن أبي ليلى ، وشريك، وابن أبي ذئب ، وابن الماجشون .

 ومن بعدهم ، مثل يحيى بن سعيد القطان ، وعبد الرحمن بن مهدي ، ووكيع بن الجراح ، وعبد الرحمن بن القاسم ، وأشهب بن عبد العزيز ، وأبي يوسف ، ومحمد بن الحسن ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحق بن راهويه ، وأبي عبيد ، وأبي ثور ، ومن لا يحصى عدده إلا الله تعالى ،ممن ليس لهم غرض في تقديم غير الفاضل لا لأجل رياسة ،ولا مال .

وممن هم اعظم الناس نظرا في العلم وكشفا لحقائقه ، وهم كلهم متفقون على تفضيل أبي بكر وعمر .

 بل الشيعة الأولى الذين كانوا على عهد علي كانوا يفضلون أبا بكر وعمر ، قال أبي القاسم سألت مالكا عن أبي بكر وعمر، فقال : مارأيت أحدا ممن اقتدى به يشك في تقديمهما. يعني على علي وعثمان فحكى إجماع أهل المدينة على تقديمهما.

 وأهل المدينة لم يكونوا مائلين الى بني أمية كما كان أهل الشام ، بل قد خلعوا بيعة يزيد ، وحاربهم  عام الحرة وجرى بالمدينة ما جرى .

 ولم يكن أيضا قتل علي منهم أحدا كما قتل من أهل البصرة ومن أهل الشام ، بل كانوا يعدّونه من علماء المدينة ، إلى  أن خرج منها ، وهم متفقون على تقديم أبي بكر وعمر .

 وروى البيهقي بإسناده عن الشافعي . قال : لم يختلف الصحابة والتابعون في تقديم أبي بكر وعمر ، وقال  شريك بن أبي نمر : وقال له قائل أيما أفضل أبو بكر أو علي ؟ فقال له : أبو بكر . فقال له السائل : تقول هذا و أنت من الشيعة ؟ فقال: نعم إنما الشيعيّ من يقول هذا ، والله لقد رقى علىّ هذه الأعواد، فقال : ألا إن  خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر أفكنا نردّ قوله، أفكنا نكذبه ، والله ما كان كذابا([66]) .

 وذكر هذا القاضي عبد الجبار في كتاب تثبت النبوة له ، وعزاه إلى كتاب أبي القاسم البلخي ، الذي صنفه في النقض على ابن الرواندي اعتراضه  على الجاحظ([67]) .

 

فكيف يقال مع هذا أن الذين بايعوه كانوا طلاب الدنيا ،أو جهالا،ولكن هذا وصف الطاعن فيهم ، فإنك لا تجد في طوائف القبلة أعظم جهلا من الرافضة، ولا أكثر حرصا على الدنيا ، وقد تدبرتهم فوجدتهم لا يضيفون إلى الصحابة عيبا إلا وهم أعظم الناس اتصافا به ، والصحابة ابعد عنه ، فهم أكذب الناس بلا ريب كمسيلمة الكذاب ، إذ قال : أنا نبي صادق، ولهذايصفون أنفسهم بالإيمان ، ويصفون الصحابة بالنفاق ،وهم أعظم الطوائف نفاقا ، والصحابة أعظم الخلق إيمانا .

وأما قوله : وبعضهم طلب الأمر لنفسه بحق وبايعه الأقلون  الذين اعرضوا عن الدنيا وزينتها ، ولم تأخذهم بالله لومة لائم ، بل أخلصوا لله واتبعوا ما أمروا به من طاعة من يستحق التقديم ، وحيث حصل للمسلمين هذه البلية ،وجب على كل أحد النظر في الحق واعتماد الإنصاف ، وأن يقر الحق مقره، ولا يظلم مستحقه ، فقد قال تعالى: ]َأَلاَ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الظَّالِمِين [([68]) .

فيقال له أولا : قد كان الواجب أن يقال لما ذهب طائفة إلى كذا ، وطائفة إلى كذا ، وجب أن ينظر  أي القولين أصح ، فأما إذا رضيت إحدى الطائفتين باتباع الحق ، والأُخرى باتباع الباطل ، فإن كان هذا قد تبين فلا حاجة إلى النظر ، وإن لم يتبين بعد لم يذكر حتى يتبين .

ويقال له ثانيا : قولك : أنه طلب الأمر لنفسه بحق ، وبايعه الأقلون كذب على عليt  ، فإنه لم يطلب الأمر لنفسه في خلافة أبي بكر ، وعمر وعثمان ،وإنما طلبه لما قتل عثمان وبويع وحينئذ فأكثر الناس كانوا معه ، لم يكن معه الأقلون  وقد اتفق أهل السنة والشيعة على أن عليا لم يدع إلى مبايعته في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ، ولا بايعه على ذلك أحد.

 ولكن الرافضة تدعى أنه كان يريد ذلك ، وتعتقد أنه الإمام المستحق للإمامة ، دون غيره ، لكن كان عاجزا عنه  وهذا لو كان حقا لم يفدهم ، فإنه لم يطلب الأمر لنفسه ، ولا تابعه أحد على ذلك ، فكيف إذا كان باطلا.

وكذلك قوله بايعه الأقلون ، كذب على الصحابة فإنه لم يبايع منهم أحد  لعلي على عهد الخلفاء الثلاثة ، ولا يمكن أحد أن يدعي هذا ،  ولكن غاية ما يقول القائل انه كان فيهم من يختار مبايعته ، ونحن نعلم أن عليا لما تولى كان كثير من الناس يختار ولاية معاوية ، وولاية غيرهما ، ولما بويع عثمان كان في نفوس بعض الناس ميل إلى غيره  ، فمثل هذا لا يخلو من الوجود .

 وقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة وبها وما حولها منافقون ، كما قال تعالى : ] وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِنَ الأَعْرَاب مُنَافِقُون وَمِن أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُم نَحْنُ نَعْلَمُهُم [([69]) وقد قال تعالى عن المشركين : ] وَقَالُوا لَوْلاَ نَزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم[ ([70])

فأحبوا أن ينزل القرآن على من يعظمونه من أهل مكة والطائف ، قال تعالى : ] أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُم في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُم فَوْقَ بَعْض دَرَجَات [([71])  . 

وأما ما وصفه لهؤلاء بأنهم الذين أعرضوا عن الدنيا وزينتها ، وأنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم ، فهذا من أبين  الكذب ، فإنه لم ير الزهد والجهاد في طائفة أقل منه في الشيعة ، والخوارج المارقون كانوا أزهد منهم وأعظم قتالا ، حتى يقال في المثل حملة خارجية وحروبهم مع جيوش بني أمية وبني العباس وغيرهما بالعراق والجزيرة وخراسان والمغرب وغيرهما معروفة ، وكانت لهم ديار يتحيزون فيها لا يقدر عليهم أحد .

 وأما الشيعة فهم دائما مغلوبون ، مقهورون منهزمون ، وحبهم للدنيا وحرصهم عليها ظاهر ، ولهذا كاتبوا الحسين t ، فلما أرسل إليهم ابن عمه، ثم قدم بنفسه غدروا به ، وباعوا الآخرة بالدنيا ، وأسلموه إلى عدوه ، وقاتلوه مع عدوه ، فأي زهد عند هؤلاء ، وأي جهاد عندهم .

 وقد ذاق منهم علي بن أبي طالب t من  الكاسات المرة ما لا يعلمه إلا الله ، حتى دعا عليهم ، فقال: اللهم إني سئمتهم وسئموني فأبدلني بهم خيرا منهم ، وأبدلهم بي شرا مني ، وقد كانوا يغشونه ويكاتبون من يحاربه ، ويخونونه في الولايات ، والأموال ، هذا ولم يكونوا بعد صاروا رافضة ، إنما سمعوا شيعة علي لما افترق الناس فرقتين ، فرقة شايعت أولياء عثمان ، وفرقة شايعت أولياء عليا رضى الله عنهما ، فأولئك خيار الشيعة ، وهم من شر الناس معاملة لعلي بن أبي طالب t ، وابنيه سبطى رسول  الله صلى الله تعالى عليه وسلم وريحانته في الدنيا الحسن والحسين ، وهم أعظم الناس قبولا للوم اللائم في الحق ، وأسرع الناس إلى الفتنة ، وأعجزهم عنها ، يغرون من يظهرون نصره من أهل البيت ، حتى إذا اطمأن إليهم ولامهم عليه اللائم ، خذلوه وأسلموه وآثروا عليه الدنيا ، ولهذا أشار عقلاء المسلمين ونصحاؤهم على الحسين أن لا يذهب إليهم ، مثل عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام وغيرهم ، لعلمهم بأنهم يخذلونه ، ولا ينصرونه ، ولا يوفون له بما كتبوا به إليه ، وكان الأمر كما رأى هؤلاء ، ونفذ فيهم دعاء عمر بن الخطاب ، ثم دعاء علي بن أبي طالب.

 حتى سلط الله عليهم الحجاج بن يوسف ، كان لا يقبل من محسنهم ، ولا يتجاوز عن مسيئهم ، ودب شرهم إلى من لم يكن منهم، حتى عم الشر ، وهذه كتب المسلمين التي ذكر فيها زهاد الأمة ليس فيهم رافضي .

 كيف والرافضي من جنس المنافقين ، مذهبه التقية فهل هذا حال من لا تأخذه بالله لومة لائم ، إنما هذه حال من نعته الله في كتابه بقوله : ]َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِيِنهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهَ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين يُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمْ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيم  [ ([72]) .

وهذه حال من قاتل المرتدين ، وأولهم الصديق ، ومن اتبعه إلى يوم القيامة ، فهم الذين جاهدوا المرتدين ، كأصحاب مسيلمة الكذاب ، ومانعي الزكاة ، وغيرهما وهم الذين فتحوا الأمصار، وغلبوا فارس والروم ، وكانوا أزهد الناس ، كما قال عبد الله بن مسعود لأصحابه : أنتم أكثر صلاة وصياما من أصحاب محمد ، وهم كانوا خيرا منكم ، قالوا : لما يا أبا عبد الرحمن ، قال: لأنهم كانوا ،  أزهد في الدنيا ، وأرغب في الآخرة ، فهؤلاء هم الذين لاتأخذهم في الله لومة لائم .

 بخلاف الرافضة ، فإنهم أشد الناس خوفا من لوم اللائم ،ومن عدوّهم، وهم كما قال تعالى : ]َيحسبونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِم هُم الْعَدُوّ فَاحْذَرْهُم قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُون [([73]) .ولا يعيشون في أهل القبلة إلا من جنس اليهود في أهل الملل . ثم يقال : من هؤلاء الذين زهدوا في الدنيا ، ولم تأخذهم في الله لومة لائم ، ممن لم يبايع أبا بكر وعمر وعثمانtم ، وبايع عليا، فإنه من المعلوم أن في زمن الثلاثة لم يكن أحد منحازا عن الثلاثة مظهراً لمخالفتهم ومبايعة علي ، بل كل الناس  كانوا مبايعين لهم فغاية ما يقال أنهم كانوا يكتمون تقديم علي وليست هذه حال من لا تأخذه في الله لومة لائم .

 وأما في حال ولاية علي فقد كان t من أكثر الناس لوما لمن معه على قلة جهادهم ، ونكولهم عن القتال ، فأين هؤلاء الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم ، من هؤلاء الشيعة ، وإن كذبوا على أبي ذر من الصحابة وسلمان وعمار وغيرهم ، فمن المتواتر أن هؤلاء كانوا من أعظم الناس تعظيما لأبي بكر وعمر ، واتباعاً لهما ، وإنما ينقل عن بعضهم  التعنت على  عثمان ، لا على أبي بكر وعمر ، وسيأتي الكلام على ما جرى لعثمان t .

 ففي خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ، لم يكن أحد يسمى من الشيعة ، ولا تضاف الشيعة إلى أحد لا عثمان ولا علي ولا غيرهما ، فلما قتل عثمان تفرق المسلمون ، فمال قوم إلى عثمان ، ومال قوم إلى علي واقتتلت الطائفتان، وقتل حينئذ شيعة عثمان شيعة علي ، وفي صحيح مسلم عن سعد بن هشام  أنه أراد أن يغزو في سبيل الله وقدم المدينة فأراد أن يبيع عقارا له فيها فيجعله في السلاح والكراع ، ويجاهد الروم حتى يموت ، فلما قدم المدينة لقي أناسا من أهل المدينة ، فنهوه عن ذلك وأخبروه أن رهطاً ستة أرادوا ذلك في حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نهاهم نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم . وقال : (( أليس لكم بي أسوة ؟)) ، فلما حدثوه بذلك راجع امرأته ، وقد كان طلقها وأشهد على رجعتها . فأتى ابن عباس وسأله عن وتر رسول الله صلى لله تعالى عليه وسلم . فقال ابن عباس : ألا أدلك علىأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ؟ فقال من ؟ قال : عائشة رضى الله عنها ، فأتها فاسألها ثم ائتني فاخبرني ، بردها عليك ، قال فانطلقت إليها فأتيت على حكيم بن افلح فاستلحقته إليها فقال : ما أنا بقاربها لأني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئا فأبت فيهما لا مضيا .

          قال : فأقسمت عليه  فجاء  فانطلقنا إلى عائشة رضى الله عنها و ذكرا

الحديث ([74])، وقال معاوية لابن عباس أنت على ملة علي ، فقال لا على ملة علي ، ولا على ملة عثمان ، أنا على ملة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم .

 وكانت الشيعة أصحاب علي يقدمون عليه أبا بكر وعمر ، وإنما كان النزاع في تقديمه على عثمان ،ولم يكن حينئذ يسمى أحد لا إماميا ولا رافضيا وإنما سموا رافضة ، وصاروا رافضة ، لما خرج زيد بن علي بن الحسين بالكوفة ، في خلافة هشام ، فسألته الشيعة عن أبي بكر وعمر ، فترحم عليهما فرفضه قوم ، فقال رفضتموني رفضتموني . فسموا رافضة ، وتولاه قوم فسموا زيدية ، لانتسابهم إليه .

 ومن حينئذ انقسمت الشيعة ، إلى رافضة إمامية وزيدية ، وكلما زادوا في البدعة زادوا في الشر ، فالزيدية خير من الرافضة ، أعلم وأصدق وأزهد ، وأشجع .

 ثم بعد أبي بكر ، عمر بن الخطاب  هو الذي لم تكن تأخذه في الله لومة لائم ، وكان أزهد الناس باتفاق الخلق كما قيل فيه رحم الله عمر لقد تركه الحق ما له من صديق .

ونحن لا ندعي العصمة لكل صنّف من أهل السنّة ، وإنما ندعي أنهم لا يتفقون على ضلالة ، وأن كل مسألة اختلف فيها أهل السنّة والجماعة والرافضة ، فالصواب فيها مع أهل السنّة .

وحيث تصيب الرافضة ، فلا بد أن يوافقهم على الصواب بعض أهل السنّة، وللروافض خطأ لا يوافقهم أحد عليه من أهل السنّة ، وليس للرافضة مسألة واحدة لا يوافقهم فيها أحد فانفردوا بها عن جميع أهل السنّة والجماعة إلا وهم مخطئون فيها كإمامة الإثنى عشر ، وعصمتهم .


(1) الآية 24 من سورة ص .

(2) الآية 13 من سورة سبأ .

(3) الآية 18 من سورة هود .

(1)  الآية 159 من سورة الأعراف .

(1) الآية 100 من سورة التوبة .

(2) الاية 29 من سورة الفتح .

(3) الآيات من 72- 75 من سورة الأنفال .

(4) الآية 10 من سورة الحديد .

(1) الآيات 10،9،8 من سورة الحشر .

(1) الآية 10 من سورة الحشر .

(2) يظهر أن هذا الأثر في الإبانة الكبرى إذ لم أجده في الصغرى .

(3) هذا الأثر في الإبانة مختصرا ص 162 والظاهر أن المؤلف ينقل عن الكبرى .

(4) انظر المرجع المذكور ص 162 .

(5) المرجع المذكور ص 119 .

(6) انظر الإبانة ص 120 .

(7) البخاري ج 5 ص 8 و مسلم ج 4 ص 1967 .

(8)  مسلم ج 4 ص 1967 .

(2) يظهر أنه في بعض النسخ فإني لم أجده في مسلم .

(3) انظر الإبانة ص119 .

(1) الآيات 18-21 من سورة الفتح .

(2) الآية 10 من سورة الحديد .

(3) انظر سنن أبي داود ج3 ص101 .

(4 ) الآية 100 من سورة التوبة .

(1) مسلم ج4 ص 1942 رقم 2496 .

(2) الآية 117 من سورة التوبة .

(3) الآيات 72-75 من سورة الأنفال .

(1 ) الآيات من 51 56 من سورة المائدة .

(2) الآية 71 من سورة التوبة .

(1) الآية 64 من سورة الأنفال .

(2) الآية 62 من سورة الأنفال .

(3) الآيات 33-35 من سورة الزمر .

([32] ) الآيات 32 35 من سورة فاطر .

(1) الآية 29 من سورة الفتح .

(2) الآية 55 من سورة النور .

(1) جزء من الآية رقم 3 من سورة المائدة .

(2) قوله " لهم المغفرة والأجر العظيم " خبر عن قوله فدل ذلك الخ .

(1) الآية 30 من سورة الحج .

(2) الآية 31 من سورة الأحزاب .

(1) الآية 54 من سورة الأنعام .

(2) الآية 21 من سورة الطور.

(3) الآية 62 من سورة آل عمران .

(4) الآية 47 من سورة الحاقة .

(1)الآيات 52 53 من سورة المائدة .

(2)الآيتان 10 و11 من سورة العنكبوت .

(1) الآيتان 60 و61 من سورة الأحزاب.

(2) الآية 8 من سورة المنافقون .

(1)  الآية 28 من سورة آل عمران .

 

(1)  انظر البخاري ج3 ص171 ومواضع أُخر ، ومسلم ج4 ص 1962 .

(2) انظر  البخاري ج8 ص 140 142 .

(3)  انظر الذي قبله .

(1) وقد سبق ذكره ص 63 .       

(2)  انظر البخاري ج2 ص 112 وغيره .

(1)   يعني أن اليهود يرمون مريم بالفجور ، وما دام النصراني يكذب ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم لا يمكنه الرد على اليهود في أمر عيسى . لأن عيسى أمر بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فإذا امتنع النصارى من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم صار ذلك فيه كذيب لعيسى .

 

(1)  الآية 217 من سورة البقرة .

 

(1)  يعني في علي .

(1) انظر المسند ج3 ص26 تحقيق أحمد شاكر ، وانظر صحيح مسلم ج4 ص2277.

 

(1)  مسلم ج4 ص 1971 .

(1) الآية 24 من سورة ص .

(2) الآية 24 من سورة ص .

 

(1)  الآية 36 من سورة الإسراء .

(2)  الآية 66 من سورة آل عمران .

(3) انظر المسند ج5 ص211 تحقيق أحمد شاكر ، وقال الهيثمي : رواه أحمد والبزار ، والطبراني في الكبير . مجمع الزوائد ج1 ص177

(1)  انظر المرجع السابق .

(2)  تقدمت الإشارة إلى مواضعه انظر ص.

 

(1) انظر البخاري ج1 ص 12 وغيره ، ومسلم ج1 ص78 .

(1)  تقدمت الإشارة إليه ص55 وص9 .

(2) انظر في تثبيت دلائل النبوة ج 2 ص 549 .

 

(1) الآية 18 من سورة هود عليه السلام

 

(1)  الآية 101 من سورة التوبة .

(2)  الآية 31 من سورة الزخرف .

(3)  الآية 32 من سورة الزخرف .

(1)  الآية 54 من سورة المائدة .

(1) الآية 4 من سورة المنافقون .

 

(1)  انظر مسلم ج2 ص 512 .

 


المذهب الشيعي أولى بالإتباع

قال الرافضي : (( فلينظر العاقل أي الفريقين أحق بالأمن : الذي نزَّه الله وملائكته وأنبياءه وأئمته ؛ ونزَّه الشرع عن المسائل الردّية ، ومن يبطل الصلاة بإهمال الصلاة على أئمتهم ،ويذكر أئمة غيرهم ، أم الذي فعل ضد ذلك واعتقد خلافه ؟ )).

والجواب أن يقال : ما ذكرتموه من التنزيه إنما هو تعطيل وتنقيض لله ولأنبيائه . بيان ذلك أن قول الجهمية نفاة الصفات يتضمن وصف الله تعالى بسلب صفات الكمال التي يشابه فيها الجمادات والمعدومات ، فإذا قالوا : إنه لا تقوم به حياة ولا علم ولا قدرة ، ولا كلام ولا مشيئة ،ولا حب ولا بغض ، ولا رضا ولا سخط ، ولا يُرى ولا يفعل بنفسه فعلاً ، ولا يقدر أن يتصرف بنفسه ، كانوا قد شبّهوه بالجمادات المنقوصات ، وسلبوه صفات الكمال ، فكان هذا تنقيصا وتعطيلا لا تنزيها ، وإنما التنزيه أن ينزَّه عن النقائص المنافية لصفات الكمال ، فينزَّه عن الموت والسِّنة والنوم ، والعجز والجهل والحاجة ، كما نزَّه نفسه في كتابه ، فيُجمع له بين إثبات صفات الكمال ، ونفي النقائص المنافية للكمال ، وينزّه عن مماثلة شيء من المخلوقات له في شيء من صفاته ، وينزّه عن النقائص مطلقا ، وينزّه في صفات الكمال أن يكون له فيها مثلٌ من الأمثال .

وأما الأنبياء فإنكم سلبتموهم ما أعطاهم الله من الكمال وعلو الدرجات، بحقيقة التوبة والاستغفار ، والانتقال من كمال إلى ما هو أكمل منه، وكذّبتم ما أخبر الله به من ذلك وحرَّفتم الكلم عن مواضعه ، وظننتم أن انتقال الآدمي من الجهل إلى العلم ، ومن الضلال إلى الهدى ، ومن الغي إلى الرشاد ،تنقّصا ، ولم تعلموا أن هذا من أعظم نعم الله وأعظم قدرته ، حيث ينقل العباد من النقص إلى الكمال ، وأنه قد يكون الذي يذوق الشر والخير ويعرفهما ، يكون حبه للخير وبغضه للشر أعظم ممن لا يعرف إلا الخير . كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (( إنما تُنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية )) .

وأما تنزيه الأئمة فمن الفضائح التي يُستحيا من ذكرها ، لا سيما الإمام المعدوم الذي لا يُنتفع به لا في دين ولا دنيا .

وأما تنزيه الشرع عن المسائل الردّية ، فقد تقدم أن أهل السنّة لم يتفقوا على مسألة ردّية ، بخلاف الرافضة ؛ فإن لهم من المسائل الردّية ما لا يوجد لغيرهم .

وأما قوله : (( ومن يبطل الصلاة بإهمال الصلاة على أئمتهم ، ويذكر أئمة غيرهم )) .

فإما أن يكون المراد بذلك أن تجب الصلاة على الأئمة الاثنى عشر ، أو على واحد معيّن غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم أو من غيرهم .

وإما أن يكون المراد وجوب الصلاة على آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم .فإن أراد الأول فهذا من أعظم ضلالهم وخروجهم عن شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فإنا نحن وهم نعلم بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر المسلمين أن يصلّوا على الاثنى عشر : لا في الصلاة ، ولا في غير الصلاة ، ولا كان أحد من المسلمين يفعل شيئا من ذلك على عهده ، ولا نقل هذا أحد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا بإسناد صحيح ولا ضعيف،ولا كان يجب على أحد في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يتخذ أحداً من الاثنى عشر إماما ،فضلا عن أن تجب الصلاة عليه في الصلاة.

وكانت صلاة المسلمين صحيحة في عهده بالضرورة والإجماع . فمن أوجب الصلاة على هؤلاء في الصلاة ، وأبطل الصلاة بإهمال الصلاة عليهم ، فقد غيَّر دين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبدَّله ، كما بدَّلت اليهود والنصارى دين الأنبياء.

وإن قيل:المراد أن يصلى على آل محمد،وهم منهم .

قيل:آل محمد يدخل فيهم بنو هاشم وأزواجه،وكذلك بنو المطلب على أحد القولين.وأكثر هؤلاء تذمّهم الإمامية؛ فإنهم يذمون ولد العباس ، لاسيما خلفاؤهم ، وهم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويذمّون من يتولى أبا بكر وعمر . وجمهور بني هاشم يتولون أبا بكر وعمر ، ولا يتبرأ منهم صحيح النسب من بني هاشم إلا نفر قليل بالنسبة إلى كثرة بني هاشم . وأهل العلم والدين منهم يتولون أبا بكر وعمر رضى الله عنهما .

ومن العجب من هؤلاء الرافضة أنهم يدَّعون تعظيم آل محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ، وهم سعوا في مجيء التتر الكفّار إلى بغداد دار الخلافة ، حتى قتلت الكفار من المسلمين ما لا يحصيه إلا الله تعالى من بني هاشم وغيرهم وقتلوا بجهات بغداد ألف ألف وثمانمئة ألف ونيفا وسبعين ألفا وقتلوا الخليفة العباسي ، وسبوا النساء الهاشميات وصبيان الهاشميين .

فهذا هو البغض لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلا ريب . وكان ذلك من فعل الكفار بمعاونة الرافضة ، وهم الذي سعوا في سبي الهاشميات ونحوهم إلى يزيد وأمثاله ، فما يعيبون على غيرهم بعيب إلا وهو فيهم أعظم.


أن الإمامية جازمون بحصول النجاة لهم ولأئمتهم ، قاطعون بذلك ، وبحصول ضدها لغيرهم . وأهل السنة لا يجيزون ولا يجزمون بذلك

قال الرافضي : ((الوجه الثالث:أن الإمامية جازمون بحصول النجاة لهم ولأئمتهم ، قاطعون بذلك ، وبحصول ضدها لغيرهم . وأهل السنة لا يجيزون ولا يجزمون بذلك لا لهم ولا لغيرهم . فيكون اتّباع أولئك أوْلى ، لأنَّا لو فرضنا مثلا خروج شخصين من بغداد يريدان الكوفة ، فوجدا طريقين سلك كل منهما طريقا ، فخرج ثالث يطلب الكوفة : فسأل أحدهما : إلى أين تذهب؟ فقال إلى الكوفة . فقال له : هل طريقك توصلك إليها ؟ وهل طريقك آمن أم مخوف ؟ وهل طريق صاحبك تؤديه إلى الكوفة ؟ وهل هو آمن أم مخوف ؟ فقال : لا أعلم شيئا من ذلك . ثم سأل صاحبه فقال أعلم أن طريقي يوصِّلني إلى الكوفة ، وأنه آمن ، وأعلم أن طريق صاحبي لا يؤديه إلى الكوفة ، وأنه ليس بآمن ، فإن الثالث إن تابع الأول عدَّه العقلاء سفيها ، وإن تابع الثاني نُسب إلى الأخذ بالحزم )) .

هكذا ذكره في كتابه ، والصواب أن يُقال : وسأل الثاني فقال له الثاني: لا أعلم أن طريقي تؤديني إلى الكوفة ولا أعلم أنه آمن أم مخوف .

والجواب على هذا من وجوه :

أحدها :أن يُقال : إن كان اتّباع الأئمة الذين تُدَّعى لهم الطاعة المطلقة، وأن ذلك يوجب لهم النجاة واجبا ، كان اتّباع خلفاء بني أمية الذين كانوا يوجبون طاعة أئمتهم طاعة مطلقة ويقولون : إن ذلك يوجب النجاة مصيبين على الحق ، وكانوا في سبِّهم عليا وغيره وقتالهم لمن قاتلوه من شيعة عليّ مصيبين ، لأنهم كانوا يعتقدون أن طاعة الأئمة واجبة في كل شيء ، وأن الإمام لا يؤاخذه الله بذنب ، وأنه لا ذنب لهم فيما أطاعوا فيه الإمام ، بل أولئك أوْلى بالحجة من الشيعة ، لأنهم كانوا مطيعين أئمة أقامهم الله ونصيهم وأيّدهم وملّكهم ، فإذا كان مذهب القدرية أن الله لا يفعل إلا ما هو الأصلح لعباده ،كان تولية أولئك الأئمة مصلحة لعباده .

ومعلوم ان اللطف والمصلحة التي حصلت بهم أعظم من اللطف والمصلحة التي حصلت بإمام معدوم أو عاجز . ولهذا حصل لاتّباع خلفاء بني أمية من المصلحة في دينهم ودنياهم ، أعظم مما حصل لاتّباع المنتظر ؛ فإن هؤلاء لم يحصل لهم إمام يأمرهم بشيء من المعروف ، ولا ينهاهم عن شيء من المنكر ، ولا يعينهم على شيء من مصلحة دينهم ولا دنياهم ، بخلاف أولئك ؛ فإنهم انتفعوا بأئمتهم منافع كثيرة في دينهم ودنياهم ، أعظم مما انتفع هؤلاء بأئمتهم .

فتبين أنه إن كانت حجة هؤلاء المنتسبين إلى مشايعة علي ّt صحيحة ، فحجة أولئك المنتسبين إلى مشايعة عثمان t أوْلى بالصحة ، وإن كانت باطلة فهذه أبطل منها . فإذا كان هؤلاء الشيعة متفقين مع سائر أهل السنة على أن جزم أولئك بنجاتهم إذا أطاعوا  أولئك الأئمة طاعة مطلقة خطأ وضلال ، فخطأ هؤلاء وضلالهم إذا جزموا بنجاتهم لطاعتهم لمن يدّعي أنه نائب المعصوم والمعصوم لا عين له ولا أثر أعظم وأعظم ؛ فإن الشيعة ليس لهم أئمة يباشرونهم بالخطاب ، إلا شيوخهم الذين يأكلون أموالهم بالباطل، ويصدّونهم عن سبيل الله.

الوجه الثاني : أن هذا المثل إنما كان يكون مطابقاً لو ثبت مقدمتان : إحداهما : أن لنا إماما معصوماً.  والثانية : أنه أمر بكذا وكذا . وكلتا المقدمتين غير معلومة ، بل باطلة . دع المقدمة الأولى ، بل الثانية ، فإن الأئمة الذين يدّعى فيهم العصمة قد ماتوا منذ سنين كثيرة ، والمنتظر له غائب أكثر من أربعمائة وخمسين سنة ، وعند آخرين هو معدوم لم يوجد . والذين يُطاعون شيوخ من شيوخ الرافضة ، أو كتب صنّفها بعض شيوخ الرافضة ، وذكروا أن ما فيها منقول عن أولئك المعصومين . وهؤلاء الشيوخ المصنِّفون ليسوا معصومين بالاتفاق ، ولا مقطوعاً لهم بالنجاة .

فإذاً الرافضة لا يتّبعون   إلا أئمة لا يقطعون بنجاتهم ولا سعادتهم ، فلم يكونوا قاطعين لا بنجاتهم ، ولا بنجاة أئمتهم الذين يباشرونهم بالأمر والنهي ، وهم أئمتهم ، وإنما هم في انتسابهم إلى أولئك الأئمة ، بمنزلة كثير من أتباع شيوخهم الذين ينتسبون إلى شيخ قد مات من مدة ،ولا يدرون بماذا أمر ، ولا عماذا نهى ، بل له اتباع يأكلون أموالهم بالباطل ويصدون عن سبيل الله ، يأمرونهم بالغلو في ذلك الشيخ وفي خلفائه ، وأن يتخذوهم أربابا ، وكما تأمر شيوخ الشيعة أتباعهم ، وكما تأمر شيوخ النصارى أتباعهم ، فهم يأمرونهم بالإشراك بالله وعبادة غير الله ،  ويصدونهم  عن سبيل الله ، فيخرجون عن حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله ، فإن التوحيد أن نعبد الله وحده ، فلا يُدعى إلا هو ، ولا يُخشى إلا هو ، ولا يتقى إلا هو ، ولا يتوكل إلا عليه ، ولا يكون الدين إلا له ، لا لأحد من الخلق ، وأن لا نتخذ الملائكة والنبيين أرباباً ، فكيف بالأئمة والشيوخ والعلماء والملوك وغيرهم !؟

والرسول صلى الله تعالى عليه وسلم هو المبلِّغ عن الله أمره ونهيه ، فلا يُطاع مخلوق طاعة مطلقة إلا هو ، فإذا جُعل الغمام والشيخ كأنه إله يُدعى مع مغيبه وبعد موته ، ويُستغاث به ، ويُطلب منه الحوائج ، والطاعة إنما هي لشخص حاضر يأمر بما يريد ، وينهى عمّا يريد كان الميت مشبَّها بالله تعالى، والحي مشبهاً برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فيخرجون عن حقيقة الإسلام الذي أصله شهادة أن لا إله إلا الله ، وشهادة أن محمداً رسول الله .

ثم إن كثيراً منهم يتعلّقون بحكايات تُنقل عن ذلك الشيخ ، وكثير منها كذب عليه ، وبعضها خطأ منه ، فيَعدِلون عن النقل الصدق عن القائل المعصوم إلى نقل غير مصدَّق عن قائل غير معصوم . فإذا كان هؤلاء مخطئين في هذا ، فالشيعة أكثر وأعظم خطأ ، لأنهم أعظم كذبا فيما ينقلونه عن الأئمة ، وأعظم غلوا في دعوى عصمة الأئمة .

الوجه الثالث : منع الحكم في هذا المثال الذي ضربه وجعله أصلا قاس عليه،فان الرجل إذا قال له أحد الرجلين:طريقى آمن يوصلني،وقال له الآخر:لا علم لي بأن طريقي آمن يوصلني،أو قال ذلك الأول ، لم يحسن في العقل تصديق الأول بمجرد قوله ، بل يجوز عند العقلاء أن يكون هذا محتالا عليه ، يكذب حتى يصحبه في الطريق فيقتله ويأخذ ماله ، ويجوز أن يكون جاهلا لا يعرف ما في الطريق من الخوف ، وأما ذاك الرجل فلم يضمن للسائل شيئا ، بل رده إلى نظره ، فالحزم في مثل هذا أن ينظر الرجل أيّ الطريقين أولى بالسلوك : أحد ذينك الطريقين أو غيرهما .

فتبين أن مجرد الإقدام على الحزم لا يدل على علم صاحبه ولا على صدقه، وأن التوقف والإمساك حتى يتبين الدليل هو عادة العقلاء .

الوجه الرابع : أن يقال : قوله : (( إنهم جازمون بحصول النجاة لهم دون أهل السنة )) كذب ، فإنه إن أراد بذلك أن كل واحد ممن اعتقد اعتقادهم يدخل الجنة ، وإن تَرَك الواجبات وفَعَل المحرمات ، فليس هذا قول الإمامية ، ولا يقوله عاقل .

وإن كان حب عليّ حسنة لا يضر معها سيئة ، فلا يضره ترك الصلوات ، ولا الفجور بالعلويّات ، ولا نيل أغراضه بسفك دماء بني هاشم إذا كان يحب عليًّا .

فإن قالوا : المحبة الصادقة تستلزم الموافقة ، عاد الأمر إلى أنه لا بد من أداء الواجبات وترك المحرمات . وإن أراد بذلك أنهم يعتقدون أن كل من اعتقد الاعتقاد الصحيح ، وأدى الواجبات ، وترك المحرّمات يدخل الجنة فهذا اعتقاد أهل السنة ؛ فإنهم يجزمون بالنجاة لكل من اتّقى الله ، كما نطق به القرآن.

وإنما يتوقفون في الشخص المعين لعدم العلم بدخوله في المتيقن ، فإنه إذا علم أنه مات على التقوى عُلم أنه من أهل الجنة . ولهذا يشهدون بالجنة لمن شهد له الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ، ولهم فيمن استفاض في الناس حسن الثناء عليه قولان .

فتبين أنه ليس في الإمامية جزم محمود اختُصوا به عن أهل السنة والجماعة . وإن قالوا : إنّا نجزم لكل شخص رأيناه ملتزماً للواجبات عندنا تاركاً للمحرمات ، بأنه من أهل الجنة ، من غير أن يخبرنا بباطنه معصوم . قيل : هذه المسألة لا تتعلق بالإمامية ، بل إن كان إلى هذا طريق صحيح فهو لأهل السنة ،  وهم بسلوكه أحذق ، وإن لم يكن هنا طريق صحيح إلى ذلك ، كان ذلك قولا بلا علم ، فلا فضيلة فيه ، بل في عدمه .

ففي الجملة لا يدّعون علما صحيحا إلا وأهل السنة أحق به ، وما ادّعوه من الجهل فهو نقص وأهل السنة أبعد عنه .

الوجه الخامس : أن أهل السنة يجزمون بحصول النجاة لأئمتهم أعظم من جزم الرافضة . وذلك أن أئمتهم بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هم السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار ، وهم جازمون بحصول النجاة لهؤلاء ، فإنهم يشهدون ان العشرة في الجنة ، ويشهدون أن الله قال لأهل بدر: (( اعملوا ما شئتم  فقد غفرت لكم )) ، بل يقولون : إنه ((لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة )) كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم([1])  . فهؤلاء أكثر من ألف وأربعمائة إمام لأهل السنة ، يشهدون أنه لا يدخل النار منهم أحد ، وهي شهادة بعلم ، كما دل على ذلك الكتاب والسنة .

الوجه السادس : أن يقال : أهل السنة يشهدون بالنجاة : إما مطلقا ، وإما معينا ، شهادة مستندة إلى علم . وأما الرافضة فإنهم إن شهدوا شهدوا بما لا يعلمون ، أو شهدوا بالزور الذي يعلمون أنه كذب ، فهم كما قال الشافعي رحمه الله : ما رأيت قوما أشهد بالزور من الرافضة .

الوجه السابع : أن الإمام الذي شهد له بالنجاة : إما أن يكون هو المطاع في كل شيء وإن نازعه غيره من المؤمنين ، أو هو مطاع فيما يأمر به من طاعة الله ورسوله ، وفيما يقوله باجتهاده إذا لم يعلم أن غيره أوْلى منه، ونحو ذلك . فإن كان الإمام هو الأول ، فلا إمام لأهل السنة بهذا الاعتبار إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهم يقولون  كما قال مجاهد والحاكم ومالك وغيرهم : كل أحد يُؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله عليه السلام . وهم يشهدون لإمامهم أنه خير الخلائق ، ويشهدون ان كل من ائتم به ، ففعل ما أُمر به وترك ما نُهى عنه ، دخل الجنة . وهذه الشهادة بهذا وهذا هم فيها أتم من الرافضة من شهادتهم للعسكريِيْن وأمثالهما بأنه من أطاعهم دخل الجنة .

فثبت أن إمام  أهل السنة أكمل ، وشهادتهم له ولهم إذا أطاعوه أكمل ، ولا سواء .

ولكن قال الله تعالى : ]ءآلله خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكون [([2])،فعند المقابلة يُذكر الخير المحض  على الشر المحض ، وإن كان الشر المحض لا خير فيه .

وإن أرادوا بالإمام الإمام المقيَّد ، فذاك لا يُوجب  أهل السنة طاعته ، إن لم يكن ما أمر به موافقا لأمر الإمام المطلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهم إذا أطاعوه فيما أمر الله بطاعته فيه ، فإنما هم مطيعون لله ورسوله ، فلا يضرهم توقفهم في الإمام المقيَّد : هل هو في الجنة أم لا ؟ .

الوجه الثامن : أن يُقال : إن الله قد ضمن السعادة لمن أطاعه وأطاع رسوله ، وتوعّد بالشقاء لمن لم يفعل ذلك ، فمناط السعادة طاعة الله ورسوله . كما قال تعالى : ] وَمَن يُطِعْ اللهَ وَالرَّسُولَ  فَأُوْلئِكَ مَعَ الَّذينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقينَ والشُّهَداءْ وَالصَّالِحينَ وَحَسَنَ أولَئِكَ رَفيقًا [([3])  وأمثال ذلك .

وإذا كان كذلك والله تعالى يقول : ] فاتَّقوا الله ما اسْتَطَعْتُمْ [([4]) فمن اجتهد في طاعة الله ورسوله بحسب استطاعته كان من أهل الجنة .

فقول الرافضة : لن يدخل الجنّة إلا من كان إماميا ، كقول اليهود والنصارى : ]َلنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ، تِلْكَ أَمَانِّيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين ، بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ ِللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون [([5]) .

ومن المعلوم أن المنتظر الذي يدّعيه الرافضي لا يجب على أحد طاعته ، فإنه لا يُعلم له قول منقول عنه ، فإذاً من أطاع الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم دخل الجنة وإن لم يؤمن بهذا الإمام ، ومن آمن بهذا الإمام لم يدخل الجنة إلا إذا أطاع الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ، فطاعة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم هي مدار السعادة وجودا وعدما ، وهي الفارقة بين أهل الجنة والنار ، ومحمد صلى لله تعالى عليه وسلم فرّق بين الناس ، والله سبحانه وتعالى قد دل الخلق على طاعته بما بينه لهم ، فتبين أن أهل السنة جازمون بالسعادة والنجاة لمن كان من أهل السنّة .


(1)  انظر البخاري ج3 ص46 ومسلم  ج2 ص 822.

 (1) الآية 59 من سورة النمل .

(2) الآية 69 من سورة النساء .

(1) الآية 69 من سورة النساء .

(2) الآيتان 111 ، 112 من سورة البقرة .

موقع فيصل نور