الصفويون

    تنتسب الأسرة الصفوية إلى الشيخ صفي الدين الأردبيلي (650هـ - 735هـ)، الذي كان في بداية عهده من مريدي الشيخ تاج الدين الزاهد الكيلاني. كان واعظاً صوفياً في مدينة (أردبيل) ، ثم أسس فرقة صوفية تسمى (الإخوان) وقد كثرت هذه الفرقة في إقليم (أذربيجان).
بعد وفاته أخذ مشيخة طريقته ابنه صدر الدين (704هـ - 794هـ)، ولما توفي صدر الدين تولى ابنه "خواجة علي" الذي كانت له لقاءات مع تيمور لنك، وتولى مشيخة الطريقة مدة 36 سنة، ومات في فلسطين سنة 830هـ، وقبره معروف في يافا باسم قبر الشيخ "علي العجمي". وكان للخواجة علي ميل للتشييع ولم يكن تعصباً بل تشيّع خفيف.
ثم تولى ابنه إبراهيم الذي لقب بـ "شيخ شاه" أي "الشيخ الملك"، لأن مظاهر الملك ظهرت عليه. وتوفي سنة 851هـ، وكان تشيعه واضحاً للإمامية، وأدخل أتباعه بصراعات مع أهل السنة في داغستان، وخلفه ابنه الأصغر جنيد والذي كثرت فيه عهده المظاهر الملكية.
وجنيد كان شيعياً جلداً متعصباً محارباً لأهل السنة، وقد قتل في إحدى حروبه في مدينة شيروان سنة 861هـ، وخلف ابنه حيدر وتزوج من "مارتة" بنت حسن أوزون "الطويل" ، وكانت أمها "كاترينا" ابنة "كارلو يوحنا" ملك مملكة طربزون ، اليونانية النصرانية.
وحيدر أول من لقب بلقب "سلطان" في العائلة الصفوية وأمر أتباعه الدراويش ، بأن يضعوا على رؤوسهم قلنسوة مخروطية الشكل مصنوعة من الجوخ الأحمر، وتحتوي على اثنتي عشرة طية رمزاً للأئمة الاثني عشر عند الشيعة الإمامية، وسموا بـ "قزلباش"، وهي كلمة تركية تعني "الرأس الأحمر".
وقد كوّن حيدر جيشاً للانتقام لمقتل والده من ملك شروان، ولكنه قتل سنة (893هـ)، وكان لحيدر ثلاث أولاد: علي، إبراهيم، وإسماعيل، وقد خاف الأمير يعقوب أمير "آق قونيلو" منهم فسجنهم، ثم أطلق سراحهم بعد وفاة يعقوب، ولكن علي وإبراهيم قتلا، وذهب إسماعيل إلى مدينة "كيلان" على بحر قزوين جنوب أردبيل، وقد رعاه السادات الصوفية، وحاول منذ صغر تجميع الصوفية والقزلباشية حوله، وتجميعهم من أجل الانتقام من قتلة أبيه وجده، وتم ذلك وتوجه إلى أمير دولة التركمان "آق قونيلو" سنة (907هـ)، وقتله وجلس على ملكه بعد أن بايعته كل قبائل التركمان، وأعلن دولته الصفوية.

الشاة إسماعيل أول ملك للدولة الصفوية (907هـ/1501م)
كما سبق ذكره، قتل الشاه إسماعيل "أمير الآق قونيلو" وأعلن قيام الدولة الصفوية وعاصمتها في مدينة "تبريز" .
وأول ما قام أعلن أن مذهب دولته الإمامية الاثنى عشرية وأنه سيعممه في جميع بلاد إيران، وعندما نُصح أن مذهب أهل إيران هو مذهب الشافعي قال: "إنني لا أخاف من أحد .. فإن تنطق الرعية بحرف واحد فسوف امتشق الحسام ولن أترك أحداً على قيد الحياة" .
ثم صك عملة للبلاد كاتباً عليها: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي الله"، ثم كتب اسمه .
وأمر الخطباء في المساجد بسب الخلفاء الراشدين الثلاثة، مع المبالغة في تقديس الأئمة الاثني عشر.
وقد عانى أهل السنة في إيران معاناة هائلة وأجبروا على اعتناق المذهب الأمامي بعد أن قتل الشاه إسماعيل مليون إنسان سني في بضع سنين .
ولرب سائل يسأل: كيف استطاع الشاه إسماعيل أن يسيطر على كل بلاد إيران؟
الجواب: هو أن إيران والعراق كانتا تحكم من قبل التركمان "الآق قونيلو"، وكان العراق قد حكم من قبل قبائل التركمان "القرة قونيلو" والشاه إسماعيل كان أتباعه الصوفية والذين سموا بـ "القزلباشية" هم مجموعة قوية من العشائر التركمانية هم: "شاملو، قاجار، تكلو، ذو قدر، افشار، روملو"، وهؤلاء كانوا على شكل الميليشيا الصوفية المتشيّعة، وكان له جيشاً فاتكاً، فتك بأهل السنة الشافعية في بلاد إيران، وكان للصفويين تأثير روحي على أتباعهم؛ وتذكر بعض المصادر الشيعية الفارسية إنه بينما كان الشاه إسماعيل مع أتباعه الصوفية في الصيد في منطقة "تبريز" إذ مر بنهر فعبره لوحده ودخل كهفاً ثم خرج متقلداً بسيف وأخبر رفقاءه أنه شاهد في الكهف "المهدي" صاحب الزمان، وأنه قال له: "لقد حان وقت الخروج"، وأنه أمسك ظهره ورفعه ثلاث مرات ووضعه على الأرض وشد حزامه بيده ووضع خنجراً في حزامه وقال له: اذهب فقد رخصتك .
ثم بعد ذلك بقي الشاه إسماعيل متردداً وقلقاً حتى رأى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في المنام وقال له: "ابني .. لا تدع القلق يشوّش أفكارك .. احضر "القزلباشية" مع أسلحتهم الكاملة إلى المسجد في "تبريز" وأمرهم أن يحاصروا الناس .. وإذا أبدى هؤلاء أية معارضة أثناء الخطبة باسم أهل البيت فإن الجنود ينهون الأمر" .
وفعل الشاه إسماعيل ما طلب منه في الجمعة مع أتباعه القزلباشية، وحاصر جامع تبريز وأعلن سيادة المذهب الإمامي الاثني عشرين بقيادة الدولة الصفوية.
وسبب هذه الدعوى هو التحرر من فكرة "التقية والانتظار" إلى خروج المهدي والتي بقي علماء الشيعة يحملونها كأحد المبادئ الرئيسية، وهو ترك الجهاد والصراع العسكري إلى ظهور المهدي. ثم لما أرادوا الخروج من هذه الفكرة اخترعوا مجموعة أخرى من الأفكار والخرافات كي يبرروا خروجهم من المذهب.
ويحلل الكاتب "راجرسيوري" ذلك بأن الصفويين اعتمدوا على فكرة الحق الإلهي للملوك الإيرانيين قبل الإسلام منذ سبعة آلاف سنة، وذلك بوراثة هذا الحق، وعندما تزوج الحسين بن علي رضي الله عنه بنت ملك الفرس "يزدجرد" بعد معركة القادسية وأولدها الإمام زين العابدين "علي" اجتمع حقان: حق أهل البيت في الخلافة (حسب نظرية الإمامية) ، وحق ملوك إيران، بالإضافة إلى نيابة المهدي. هذا من جانب التشيع.
أما الجانب الصوفي فقد زوّد الفكر الصفوي بالمنامات، فيذكر الصفويون أن أحد شيوخ الصوفية وهو الشيخ زاهد الكيلاني، والذي تربى على يده جدهم "صفي الدين الأردبيلي" تنبأ على أثر رؤية لصفي الدين الأردبيلي "أن ملك هذا الزعيم سيملكون العالم، ويترقون يوماً بعد يوم إلى زمان القائم المهدي المنتظر .
وللرؤى والكشوفات تأثير ساحر في عالم التصوف، لذا فقد أثرت هذه النبوءة على القزلباشية وكان يتصورون أن ملك الصفوييون سيستمر حتى ظهور المهدي؛ لذا اهتزت هذه النظرة بعد موقعة "جالديران" بين الشاه إسماعيل والسلطان العثماني سليم سنة (920هـ/1512م)، وهزيمة الشاه إسماعيل، فبدأ الصراع يدب بين القزلياشية ونشأ تقاتل بينهم بعد اهتزاز هذه العقيدة في عقولهم .
والشاه إسماعيل كان يجمع بين التعصب المذهبي والغلو والتكفير وبين الدموية ، فقد نقل عنه قريبه إبراهيم صبغة الله الحيدري في "عنوان المجد" (ص119) أنه أكثر القتل حتى قتل ملك (شروان) وأمر أن يوضع في قدر كبير ويطبخ وأمر بأكله ففعلوا (أي القزلباشية)، وكان لا يتوجه لبلاد في إيران إلا فعل أشياء يندى لها الجبين من قتل ونهب حتىقتل من أعاظم علماء العجم "السنة" وحرّق كتبهم وانهزم كثير من العلماء، منهم جد مؤلف "عنوان المجد" على بلاد الأكراد السنية في بلاد العراق.
ثم أمر الشاه إسماعيل الجنود بالسجود له. وكان من دمويته أن ينبش قبور العلماء والمشايخ "السنة" ويحرق عظامهم، وكان إذا قتل أميراً من الأمراء أباح زوجته وأمواله لشخص ما.
وكان أتباعه يقدسونه ويعتقدون أنه لا ينكسر ولا يقدر عليه أحد .
هذا هو مؤسس الدولة الصفوية (إسماعيل شاه) التي تعد الدولة المؤسسة لكل دول الشيعة الاثني عشرية فيما بعد.
توسع الشاه إسماعيل في أرجاء إيران بعد أن تتبع ملك دولة آق قونيلو، فذهب إلى جنوب تبريز إلى مدينة همدان وهزم مراد بيك أمير قبائل آق قونيلو، الذي فر إلى شيراز واستولى عليها، وقضى على دولة التركمان السنية في إيران وذلك سنة 909هـ ، واستولى على فارس وكرمان وخزستان "عربستان" ومازندران واستراباد .
بعد ذلك توجه الشاه إسماعيل إلى جهة الشرق إلى خراسان واستولى عليها سنة 916هـ، واستولى على مدينة مشهد. وفي نفس السنة توجه إلى مرو شمال شرق إيران وذبح أكثر من عشرة آلاف من سكانها من أهل السنة .
ثم حاول أن يمتد إلى بلاد الأوزبك سنة 918هـ، وأرسل أحد قواده ولكنه انهزم وقتل قائده وضعفت جبهته في هذه المنطقة وهجم عليه الأوزبك وكادوا يستردون خراسان ولكن الشاه إسماعيل استردها.

دخول الشاه إسماعيل العراق واستيلاءه على بغداد
من المعلوم للجميع أن بغداد عاصمة الدولة العباسية سقطت بيد المغول سنة 656هـ، وبعدها حكم العراق المغول وسميت دولتهم الاليخانية إلى أن تسلم الجلائرين دويلتهم "قرا قونيلو" ثم "آق قونيلو" التي بدأ حكمها منذ سنة 806هـ، وكان آخر حكامها سلطان مراد الذي حكم سنة 903هـ، وفي سنة 914هـ اراد الشاه إسماعيل احتلال بغداد فأرسل قائده حسين بك لاله، وانهزم والي بغداد "باريك"، وقد استبشر "نقيب النجف" محمد كمونة بعد أن كان والي بغداد "باريك" قد حبسه لأنه كان ينتظر الشاه، ويؤمل أهلي بغداد والعراق بأن الشاه إسماعيل سلطان عادل.
دخل حسين لاله بغداد دون قتال وأخرج محمد كمونة من السجن ورحب به وعظمه، وذهبا هو والوالي إلى الشاه إسماعيل ليبشروه بفتح بغداد .
دخل الشاه إسماعيل بغداد وكرم محمد كمونه وأعلى مقامه ثم زار كربلاء والنجف وأكرم أهلها وعمرها بالذهب والفرش والسجاد الثمين. ثم أدب بعض عشائر الجنوب. هذا خلاصة أعماله في العراق.
وعودة إلى ما فعله الشاه إسماعيل في بغداد، فأهل بغداد لم يقاوموا الشاه لأن محمد كمونه أخبرهم بعدله وكان لاضطراب الأوضاع في زمن "آق قونيلو" يؤملهم بظهر حاكم جديد ينقذهم مما هم فيه، ولكن الشاه إسماعيل أمر قائده حسين لاله بتهديم مدينة بغداد وقتل أهل السنة والصلحاء، وتوجه إلى مقابر أهل السنة ونبش قبور الموتى وأحرق عظامهم.
وبدأ يعذب أهل السنة سوءالعذاب ثم يقتلهم، وهدم قبر أبي حنيفة وعبد القادر ونكل بقبر أبي حنيفة ونبش قبره . وقتل كل من ينتسب لذرية خالد بن الوليد رضي الله عنه في بغداد لمجرد أنهم من نسبه وقتلهم قتلة قاسية .
وقد أرخ الشيعة في ذلك الزمان لهذه الحادثة حتى قال ابن شدقم "الشيعي" في كتابه "تحفة الأزهار وزلال الأنهار": "فتح بغداد وفعل بأهلها النواصب ذوي العناد ما لم يسمع بمثله قط في سائر الدهور بأشد أنواع العذاب حتى نبش موتاهم من القبور".
هكذا يسمي أهل السنة النواصب، بمجرد أنهم لا يؤمنون بعقائد الشيعة فهم نواصب يستحقون القتل .
وقد فر كثير من سنة بغداد، وممن هرب الأسرة الكيلانية بعد أن خرّب الشاه إسماعيل قبر عبد القادر، فر هؤلاء إلى الشام ومصر وحكوا للعالم الإسلامي ما فعل الصفويون الشيعة ببغداد وأهلها .
وصلت أخبار المذبحة العظيمة لأهل السنة إلى بلاد الدولة العثمانية في تركيا، إضافة على أخباره السابقة عن تشييع أهل السنة بإيران وقتل الآلاف المؤلفة، بل جسر إلى إرسال دعوته إلى داخل الدولة العثمانية. لذا اجتمع السلطان العثماني سليم الأول في عام (920هـ/1514م)، برجال الدولة وقضاتها وعلماءها ورجال السياسة، وقرروا أن الدولة الصفوية تمثل خطراً على العالم الإسلامي بالعموم وعلى الدولة العثمانية بالخصوص، لذا قرر السلطان إعلان الجهاد المقدس ضد هذه الدولة واستبقها بأعمال نلخصها بما يلي:
1- أرسل السلطان سليم مراسلات للشاه إسماعيل الصفوي، وكان السلطان سليم يكلمه بغلظة.
2- طهر بلاد تركيا من الشيعة التابعين للشاه الصفوي.
ولما لم يستجب الشاه إسماعيل لدعوة السلطان سليم الأول بالتسليم قرر السلطان السيـر بالجيش بقيادتـه مستعيناً ببقايـا أسرة "آق قونيلـو"، وأراد الشاه إسماعيل تأخير الحرب لفصل الشتاء كي يهلك الجيش العثماني جوعاً وبرداً.
أحس إسماعيل بالخطر فطلب الهدنة ولكن السلطان استمر في زحفه إلى صحراء جالديران شمال تبريز حتى وصلها سنة 920هـ/1514م)، وسحق الجيش الصفوي الشيعي على أرضه، وفر الشاه إسماعيل تاركاً كل أمواله، وأسرت زوجته، وقتل الخائن "محمد كمونه" السابق ذكره . وهكذا أخرج الصفوين من العراق بعد احتلال دام ست سنوات منذ (914هـ - 920م) .
شعر الشاه إسماعيل بالضعف وشرع بالبحث عن صديق ليتعاون معه ضد العثمانيين، وكانت للبرتغاليين الصولة العظمى في بلاد العرب وخاصة طموحهم بواسطة اسطولهم في بحر العرب والخليج العربي واستيلاء قائدهم "البو كريك" على مضيق هرمز.
كل هذه الأمور أغرت الشاه إسماعيل لإجراء اتفاقيات وأحلاف مع البرتغاليين، وقد كان تأثير أمه "مارتا" وجدته لأمه "تيودورا" اليونانية تأثيراً واضحاً في ذلك الحلف .
وسننقل نص رسالة أرسلها "البوكيرك" إلى الشاه إسماعيل الصفوي جاء فيها:
"إني أقدر لك احترامك للمسيحيين في بلادك ، وأعرض عليك الأسطول والجند والأسلحة لاستخدامها ضد قلاع الترك في الهند، وإذا أردت أن تنقض على بلاد العرب أو تهاجم مكة فستجدني بجانبك في البحر الأحمر، أمام جدة أو في عدن أو في البحرين أو القطيف أو البصرة، وسيجدني الشاه بجانبه على امتداد الساحل الفارسي وسأنفذ له كل ما يريد .
وفعلاً تم التحالف مع النصارى البرتغاليين وأقرهم الشاه إسماعيل باستيلاءهم على هرمز مقابل مساعدة الشاه على احتلال البحرين والقطيف. كما اتفق على مشروع لتقسيم المشرق العربي بأن يحتل الصفويون مصر والبرتغاليون فلسطين .
ولكن هذا الحلم لم يتحقق – ولله الحمد – والفضل بعد الله في ذلك للعثمانيين ، لأن الدولة العثمانية كشفت المراسلات بين الدولة الصفية والمماليك للتآمر لاحتلال مصر، فسارعت باحتلال مصر وقضت على المماليك رغم أن هذا الفتح لمصر هو أحد أسباب تأخير السلطان سليم عن القضاء على الشاه إسماعيل ودولته ، كما أن البرتغاليين سيطروا على البحر العربي والخليج العربي.
عاش الشاه إسماعيل في همدان ثم عاد إلى تبريز بعد خروج السلطان العثماني وهلك سنة (930هـ/1524م).

مستحدثات العصر الصفوي
استحدث الشاه إسماعيل بدعاً أصبحت من المسلمات عند من بعده من الشيعة، منها:
1- السب المقترن بالاضطهاد الطائفي، فقد اتخذ من سب الخلفاء الراشدين الثلاثة وسيلة لامتحان الإيرانيين، وأمر بأن يعلن السب في الشوارع والأسواق وعلى المنابر . والسب موجود عند الشيعة قديماً وفي مؤلفاتهم، ولكنه لم يعلن بصورته البشعة وعلى المنابر إلا في العهد الصفوي.
2- تنظيم الاحتفال بذكرى مقتل الحسين رضي الله عنه سنوياً، وإظهار التطبير (ضرب الرؤوس حتى التدمية بآلة حادة وسكين كبير تسمى الطبر)، وضروب الظهور بالزناجيل (وهو الجنزير) حتى الاحمرار، واللطم على الوجوه والصدور، ولبس الأسود منذ بداية شهر محرم، وتبدأ هذه الفعاليات منذ الأول من محرم إلى اليوم العاشر منه يوم (عاشوراء)، وهو يوم مقتل الحسين، ويمنع الزواج شهر المحرم، وهذا الأمر كان قد استحدث بشكل خفيف في الفترة البويهية، ولكن الشاه إسماعيل طوره بهذا الشكل مع الأشعار البكائية التي تؤثر في النفوس كدعاية للتشيّع. ومنذ سنة (907-930هـ) ليومنا هذا والشيعة في إيران والعراق ولبنان وباكستان يعتبرون هذا من صلب دينهم، وإذا ما أراد حاكم أو مسؤول منعه قالوا: هذا يعادي التشييع. وهم يعلمون أولاً أن الشاه إسماعيل هو أول من أوجد هذه البدع لنشر التشيع. ويذكر الدكتور علي الوردي – وهو شيعي -: أن الشاه إسماعيل اقتبس هذه المراسيل من النصارى حيث كانوا يقومون بطقوس دينية عن مصاب المسيح والحواريين، لذلك كان يدعو النصارى لحضور مواكب التعزية .
3- وضع الشهادة الثالثة في الأذان: (أشهد أن علياً ولي الله)، وهذه البدعة وضعتها فرقة شيعية في القرن الرابع للهجرة، ذكرهم عالم شيعي هو ابن بابويه القمي ولعنهم، وكذا حاربها أشهر علمائهم وهو الشيخ الصدوق في كتابه "من لا يحضره الفقيه". ولكن الشاه إسماعيل الصفوي أمر به ورفضه في وقته علماء الشيعة. ولم تدخل هذه البدعة في العراق حتى سنة (1870م)، أدخلها ناصر الدين شاه عندما زار النجف في زمن الوالي العثماني مدحت باشا ، ومنذ ذلك اليوم وإلى يومنا هذا أصبح هذا الأذان من مسلمات الشيعة في إيران والعراق ولبنان وجميع تواجد الشيعة في العالم، وسكت علماءهم وهم يعلمون حق العلم أن الأوائل لعنوا فاعليه وإنما فعله المفوضة الغلاة، وهكذا أصبحت أفكار الشيعة الغلاة المرفوضة هي شعائر مسلم بها في عهد الشاه إسماعيل وأصبحت من مسلمات المذهب، وسكت على ذلك جميع المراجع الدينية، وجاءت الثورة الإسلامية في إيران فأحيت كل ما فعله الصفوييون.
4- السجود على التربة الحسينية وهي قطعة من الطين يسجد عليها الشيعة بدل الأرض تسمى "التربة الحسينية"، وأصبحت يومنا هذا جزءاً من دين الشيعة وما هي إلا طريقة لتميز الشيعة عن غيرهم، وأوجدها الشاه إسماعيل فأصبحت من المسلمات الدينية.
5- ضرورة الدفن في النجف، فقد كان يؤتى بالجثث متعفنة من إيران لبعد الطريق وصعوبة التنقل من أجل الدفن في النجف، واشتغل لذلك تجار إيرانيين لنقل الجثث بعد تجفيفها ومثل بالإنسان الشيعي ميتاً كي يوصل إلى مقبرة النجف بعد استحداث هذه البدعة، وإلى يومنا هذا سرت هذه البدعة حتى أصبحت من بدهيات شيعة العراق الدفن بالنجف.
6- تغيير اتجاه القبلة في مساجد إيران باعتبارأن قبلة أهل السنة خاطئة، ومن ثم أصبح الشيعة وإلى يومنا هذا يصلون منحرفين عن القبلة الأصلية لأهل السنة.
7- أجاز علماءه السجود للإنسان وهذه ابتدعها الشاه إسماعيل للقزلباشية، فقد كان يسجد له، واليوم يكرم السادة والعلماء بشكل مغال فيه، وأما السجود فقد انتشر بين شيعة البهرة "الإسماعيلية"، ولكن كل الشيعة يسجدون للقبور ولو بخلاف القبلة.
8- إجراء مرتبات ضخمة لعلماء الدين الشيعة ومنحهم إقطاعات وقرى زراعية وأوقاف خاصة، كي يستطيعوا أن يفتوا للسلطان ما يشاء.
وهكذا برزت فكرة جمع المال للعلماء وعلماء الحوزة كلهم من أغنى الناس، فمؤسسة الخوئي في لندن تملك الملايين من الدولارات وقيل أكثر، وهذا الخميني عندما كان بالعراق كانت ثروته هائلة جداً، حتى إنه عندما رحل من العراق إلى فرنسا للإقامة حول مبالغ طائلة، واليوم يمتلك الحكيم "عبد العزيز" ومقتدى وغيرهم الملايين، وهذه بدعة فارسية أشار لها شاعر الشيعة أحمد الصافي النجفي عندما أحس بثراء علماء الدين الشيعة فقال:
عجبت لقوم شحذهم باسم دينهـم *** وكيف يسوغ الشحذ للرجل الشهم
لئن كان تحصيل العلوم مسوِّغــاً *** لذاك فإن الجهل خير مـــن العلم
لئن أوجب الله الزكــاة فلم تكن *** لتعطى بذل بل لتؤخذ بالـــرغم
أتانا بها أبناء سـاسـان حــرفة *** ولم تكن في أبناء يعـــرب من قدم
وهكذا استطاع الشاه إسماعيل جعل إثراء العلماء ديناً بعد أن كنا نقرأ عن زهد علي رضي الله عنه وآل البيت، فاليوم أصبح أغنى الناس السادة .
هذه بعض مستجدات ومستحدثات الشاه إسماعيل، وللمزيد راجع بعض المراجع لذلك .

عصر ابنه الشاه طهماسب
تولى العرش الصفوي بعد وفاة أبيه وعمره (11سنة) وذلك سنة 930هـ/1524م)، لذلك فإن القزلباشية هم من حكم الدولة.
استغل الأوزبكيون "السنة" ذلك وهجموا على خراسان واستولوا عليها سنة (933هـ)، وهزمت قواد طهماسب، ولكنه سنة (935هـ) أعادها.
وأقام الشاه طهماسب حلفاً (إيرانياً-أوروبياً)، ضد العثمانيين، فأرسل السفراء إلى ملك المجر، وإمبراطور النمسا (شارل السابع)، وهذا الحلف الدافع له هو ظهور السلطان سليمان القانوني سنة (1525م) ويومها ذعر البلاط الإيراني للدولة الصفوية وبدأ بتحريض الشيعة في بلاد تركيا ضد الدولة العثمانية.
وفعلاً تم ذلك، ففي سنة 1926م، في منطقة يوزغاد قام الشيعي "بابا ذو النون" بتمرد من (3-4) آلاف شيعي وسيطر على المنطقة وفرض الجزية وهزم بعض القواد العثمانيين إلى أن قمعها السلطان سليمان ودمرها .
وأكبر من ذلك تمرد في منطقة (قونية) "مرعش" جنوب تركيا حالياً، بقيادة قلندرجلبي، ومعه (30) ألف شيعي، وقاموا بقتل السنة وكان شعاره في قتل السنة: "من قتل مسلماً سنياً ويعتدي على امرأة سنية يكون بهذا قد حاز أكبر الثواب". واستطاعوا في البداية قتل قواد أتراك كبهرام باشا، ولكن السلطان أرسل الصدر الأعظم إبراهيم باشا فقتلهم وقضى على تمردهم .
وكان سليمان يخطط لجهاد أوروبا وفتحها وتم له بعض ذلك.
عودة إلى طهماسب والعراق، فعندما خسر الشاه إسماعيل في موقعة "جالديران" ضعف نفوذه في العراق لأن التجار الإيرانيين استمروا بالدخول والخروج إلى العراق، وكان العراق يحكم من قبل الحكام الأتراك بقايا "آق قونيلو" ويحاول الحكام الصفويين أن يستميلوا الحكام لهم، ولكنهم لم يفلحوا، وقد حكم العراق حاكم من منطقة إيرانية يدعى "ذي الفقار"، ولكنه لم يتبع طهماسب، وحكم العراق وحاول أن يعلن ولائه للعثمانيين، فهاجم طهماسب بغداد ولم يفلح، ولكنه استخدم الغدر، فأغرى أخوة ذو الفقار بقتله فقتلوه وسلموا الشاه بغداد، وعين عليها ضابط لكل ولاية في العراق، ورجع طهماسب إلى عاصمته قزوين . لكن أهالي بغداد هرعوا يراسلون السلطان سليمان القانوني كي يخلصهم مما حل بهم وما سيحل تحت الحكم الصفوي.
استعد السلطان سليمان القانوني لاستعادة مدينة بغداد، وأرسل رسائل تهدد طهماسب فذعر البلاط الإيراني فراسلوا ملك هنغارية كي يعاونهم ضد العثمانيين، لكن سليمان القانوني أعدم كل الأسرى الإيرانيين الشيعة.
فتحرك الهنغاريون فوجه الجيش العثماني لهم أولاً، ووجه مجموعة من ضباطه على تبريز لاستعادتها ومن تمرد من أصحاب الولايات. ودخلوا تبريز دون دم وسيطروا على عموم أذربيجان.
توجه السلطان سليمان بعد ذلك إلى بغداد، وانهزم واليها التابع لطهماسب ودخل سليمان القانوني بغداد وفتح العراق وتبع للدولة العثمانية، وأعاد قبر أبي حنيفة ورفاته وبناه من جديد، وقيل إنهم وجدوا رفاة أبو حنيفة كاملاً في كفنه، وأعيد إلى قبره وبنى عليه قبة، ولكنه زار قبر موسى الكاظم، وزار كربلاء والنجف وأنقذ مدينة كربلاء من الفيضان وبنى سدوداً.
ثم رجع وخلص جميع العراق له بل حتى البحرين والقطيف . كل ذلك كان سنة (941هـ/1534م)، وسيطر نهائياً على تبريز سنة (944هـ) ونقلت عاصمة الصفويين إلى قزوين.
تعب طهماسب عسكرياً لذا طلب الصلح من العثمانيين ووقعت معاهدة "أماسيه" سنة (961هـ/1555م).
بعدها حاول طهماسب إقامة علاقات مع إنكلترا، وفكرت إنكلترا بدخول أرض الصفويين فأرسلت تاجراً يحمل رسائل من الملكة اليزابيث الأولى ولكنه في الحقيقة جاسوساً وذلك سنة (965هـ/1558م).
كان طهماسب محباً للعبث والشراب والطرب، وكانت دول أوروبا تذهب إليه لتحريضه على العثمانيين كما فعل سفير فينسيا، ولكن طهماسب كان همه المال والنساء وفسدت بلاده وكثرت الرشوة حتى قيل إنه مات مسموماً من إحدى زوجاته .
وأهم ما يميز فترة الشاه طهماسب:
استدعاءه لعالم شيعي معروف من لبنان وهو نورالدين علي بن عبد العالي الكركي، هذا العالم السيئ الذي برر كل أفعال الصفويين السيئة وألف لهم كتباً تؤيد ما استحدثوه، فألف كتاباً في التربة الحسينية، وجواز السجود للإنسان، وألف كتاباً يؤيد السب والشتم للصحابة بعنوان: "نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت"، أي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وكان يفضل لعن الصحابة على التسبيح لله. وألف رسالة في تغيير القبلة؛ لذا سماه خصومه الشيعة بأنه "مخترع الشيعة"، لأنه ابتدع وبرر أفعال الصفويين كلها.
وأخطر من ذلك كله أنه جعل صاحب الدولة الصفوية (نائب الإمام الغائب)بالوكالة . فكان ذلك أول تمهيد لنظرية "ولاية الفقيه"، والكركي ذهب أيام الشاه إسماعيل سنة 916هـ، إلى إيران واطلع على الأوضاع ثم رجع إلى النجف ليدرس الحالة الجديدة، فعقيدة الشيعة تقول بالتقية وعدم الجهاد إلى ظهور المهدي، والحالة الجديدة في إيران تخالف المعتقد فلا بد من نظرية جديدة فاخترع "نيابة عامة للفقهاء" عن الإمام المهدي، ولكنها ليست للشاة، ورأى طهماسب أن يجلب الكركي لتكون السلطة للفقهاء التابعين له، ويبعد القزلباشية الذين تحكموا به صغيراً، لذلك سلم طهماسب الحكم للكركي، والكركي أجاز شكلياً لطهماسب بالحكم، ولكن القزلباشية سمت الكركي فمات مسموماً سنة (940هـ) .

الشاه إسماعيل الثاني
مات الشاه طهماسب مسموماً وحدث صراعاً حول العرش حتى وصل إلى إسماعيل ابنه وكان أبوه قد سجنه مدة (25سنة)، فأخرج، وأول ما قام به قتل أخوته واحداً بعد الآخر، وقتل حاشية القصر بدموية وسمل عيونهم, هكذا نقل وقيل.
ولكنه لم يدم طويلاً فبعد مدة دخل عليه جماعة وقتلوه سنة (985هـ)، وقيل إنه أبعد العلماء ولم يعترف بـ "نيابة الفقهاء" وأن العلماء كانوا يلعبون بأبيه، فاتهمه العلماء بأنه أصبح سنياً وقتلوه. والبعض يؤكد أنه تحول إلى سني فقتل .

الشاه محمد خدابنده
وهو ابن طهماسب جلس على العرش سنة (985هـ)، وكان ضعيف البصر لدرجة العمى، ولكنه كان جباراً، فقد قتل أخته (بريخان) لما لها من نفوذ عالي في القصر، كما قتل أخواله، وحتى أطفال أخيه إسماعيل الثاني، وحصل قتال بينه وبين العثمانيين زمن السلطان مراد الثالث، وحاول القزلباشية التلاعب بالحكم ووضع حاكم يناسبهم، ولكن ابنه عباس وكان عمره (17) سنة فطن لذلك فجمع جيشاً كبيراً من القبائل وخلع أبوه سنة (955هـ/1587م) .

عهد الشاه عباس الكبير
كان الشاه عباس على صغره رجلاً صاحب دهاء ومكر، وكل شيء يفعله غايته تبرر وسيلته، فقام بقتل مربيه وخير قواده، ومدة حكمه كانت (42سنة)، من سنة (996هـ - 1038هـ) (1587-1628م)، وكان أول ما قام به معاهدة صلح مع العثمانيين سلم مدناً كثيرة متنازلاً للعثمانيين. كما شرط عليه إيقاف لعن الخلفاء الراشدين الثلاثة، والذي كان معمولاً به في إيران فقبل. وأبقى ابن أخيه رهينة عند العثمانيين فوافق على كل الشروط .
كان الأوزبكيون السنة قد استولوا على خراسان وعلى مدينتي مشهد وسبزوار سنة (1002هـ)، ولكن مات ملك الأوزبك عبد الله خان وقتل أخوه عبد المؤمن فهاجمهم في مدينة هراة وطردهم من المنطقة سنة (1006هـ).
بعد ذلك اتصل الشاه عباس ببريطانيا لترسل له خبراء أسلحة ورحبت ذلك بريطانيا فأرسلت له "السير أنطوني شيرلي" وأخوه السير "روبرت سيرلي"، واتفقوا على تكوين جيش جديد من حملة البنادق بدل الرماح والسيوف، كما أدخل المدفعية وبنى مصانع، كما إنه كون قبيلة سماها "شاهسون" أي أصدقاء الملك وهو تجمع على أساس الولاء للملك لا على أساس القربى والنسب .
كما إنه ساعد الإنكليز في إضعاف النفوذ الهولندي في الخليج العربي، وإبداله بالنفوذ الإنكليزي، واشتركا معاً بجيوش لتنفيذ هذه المهمة واستمرت حروبهم حتى سنة (1034هـ).
أما حروب الشاه عباس ضد العثمانيين فبدأت عندما شعر الشاه بقوته، شرع بإرجاع ما أعطاه لهم في معاهدته مثل مدينة "تبريز" كما إنه حاول احتلال "شروان وديار بكر"، ثم توجه أخيراً إلى بغداد .
والشاه عباس كان طائفياً بشكل جلي، وأشنع ما أراد فعله أنه حاول أن يقنع الإيرانيين بالتخلي عن الذهاب إلى مكة لأداء فريضة الحج والاكتفاء بزيارة قبر الإمام الثامن علي بن موسى الرضا في مدينة مشهد، لأن الواجب القومي يحتم عدم السفر عبر الأراضي العثمانية ودفع رسم العبور، وكان يحث رجال الدين لتعظيم زيارة الرضا، كما إنه تردد مراراً لزيارته ومشى مرة على الأقدام إلى مدينة مشهد ويقال إنه مشى أكثر من (1300كم) .
كم إنه عامل الأكراد السنة معاملة سيئة، فقد طلب منهم الدخول في المذهب الشيعي فرفضوا مما أدى بالشاه عباس إلى قتلهم وشردهم إلى بلاد خراسان ليكونوا حاجزاً بينه وبين الأوزبك، وقد قتل في أيام (70ألف كردي)، ورحل (15000) عائلة كردية .
وكان يقتل أسرى العثمانيين والأوزبك فإن لم يقتلهم سمل عيونهم، إلا إذا تخلى عن مذهبه فله حكم آخر.
وكان أحياناً يمثل بعلماء السنة فيقطع آذانهم وأنوفهم وتعطى هذه الأعضاء لعوام السنة لأكلها.
وكما كان يحاصر مدناً سنية من أجل تسليمه شخص مطلوب وإلا قتل المدينة كما فعل مع مدينة همدان.
بينما كان يكرم النصارى سواء من كانوا من أهل إيران أو رعايا الدول الأوروبية، بل كرم حتى التبشير المسيحي في إيران. وبنى مدينة للأرمن قرب أصفهان، تدعى "جلفا"، وكان يكرم النصارى بشكل غير طبيعي، لذا أقبل تجار أوروبا من كل حدب وصوب إلى إيران، واصدر قوانين بإعفائهم من الضرائب، ومنع رجال الدين الشيعة من إزعاجهم أو مناقشتهم، وكان يقدم هدايا لحم الخنزيرإليهم، وأمر جميع أعضاء البلاط باحتساء الخمر مشاركة للمسيحيين حتى ولو في شهر رمضان، وبنى لهم الكنائس، بل كان يشاركهم أعيادهم وسماع مواعظهم، مما شجع بعض القساوسة لدعوته للدخول في الدين النصراني ولكنه اعتذر بلطف.
أما خلاصة ما فعله في مدينة بغداد، فقد ثار قائداً من القواد العثمانيين على والي بغداد يدعى (بكرصوباشي) وسيطر على بغداد وخاف من بطش العثمانيين، فأرسل إلى الشاه عباس يطلب منه دعمه مقابل أن تكون بغداد تابعة له ، رحب الشاه عباس بذلك، حتى يستعيد بغداد ويتمكن من زيارة النجف وكربلاء، وتكون تحت تصرفه.
توجه صوب بغداد وعندما اقترب من بغداد طلب من "بكر صوباشي" مفاتيح بغداد، ولكن بكر رفض تسليمه خوفاً من الغدر به.
واستطاع الشاه عباس دخول بغداد والسيطرة على الموصل وكركوك وسيطر على أغلب العراق وذهب إلى النجف.
ولكن ماذا فعل الشاه عباس ببغداد؟
هتك حرماتها وأستارها، ورمل نساءها، ويتمت الأطفال، وأتلفت الثروات، وخربت الجوامع، وجعلت أرضاً منبسطة، وهدمت المراقد ونهبت ومنها مرقد أبي حنيفة وعبد القادر الجيلاني. وأما العشائر فنكل بها وأجرى عليهم عدة مظالم.
والشاه عباس خدع أهل بغداد عندما وعدهم بالأمان كي يسلموا اسلحتهم، وأخذ يقتل ويعذب الآلاف ورفض كثير من أهل بغداد تغيير عقيدتهم وفضلوا الموت على التشيع ولو بالظاهر، وأخذ أطفالهم والنساء فباعهم كعبيد إلى إيران ولم يعرف لهم خبر، وكان ينوي إبادة أهل السنة في بغداد، لذا طلب من سادن وخادم كربلاء إعداد قوائم لأهل السنة والشيعة كي يبيد أهل السنة، وحول المدارس الدينية إلى اصطبلات وهدم مرقد أبي حنيفة ومشهد عبد القادر الجيلاني، ثم عين والياً لها وغادرها إلى بلاده، وكان ذلك سنة 1033هـ . وفي سنة 1038هـ، هلك الشاه عباس.
وولي بعده الشاه صفي الأول سنة (1038هـ)، وفي عهده وفي سنة (1048هـ) حرر العثمانيون منه مدينة بغداد وكل العراق ولم يستطع الصفويون عمل أي شيء للعراق بعد ذلك، علماً بأن إيران هي البلد الوحيد المجاور للعراق والتي لها أطماع في احتلاله دائماً، واعتداءات إيران على العراق أشهر من أن تذكر.

المستحدثات في عصر الشاه عباس
1- أقام أعياداً لكل يوم ولادة إمام من الأئمة الاثني عشر، كما أقام العزاء في ذكرى وفاتهم، وخصص (8) أيام لعلي بن أبي طالب في رمضان.
2- أبقى وأيد كل ما استحدثه الشاه إسماعيل.
3- خصص زيارة الرضا.
4- سمى نفسه (كلب عتبة علي)، أو (كلب عتبة الولاية)، ونقشه على خاتمه.

الدولة الصفوية بعد الشاه عباس
استمرت الدولة الصفوية بعده قرابة (100) عام) وانتهت سنة 1148هـ، وكل من حكم من الصفويين كان غير ملتزم بالدين، فكلهم قتل من عائلته ابنه وأخته وابن أخيه، وطرقهم وحشية في التعذيب والقتل العشوائي وشرب الخمور، هذه هي معالم الدولة الشيعية الاثني عشرية الأولى، وكان تغطي على هذه السلوكية بإقامة الشعائر الحسينية لنصرة آل البيت.

خاتمة مهمة
هذه هي الدولة الصفوية (907هـ - 1148هـ)، قرابة 250 سنة، الدولة الشيعية الإمامية الأولى في التاريخ، إذ أن الدولة الفاطمية دولة شيعية إسماعيلية، والبويهية هي دولة زيدية. فكان أول دولة شيعية إمامية، شيعت إيران بالقوة فقد كان الشيعة نسبتهم في بلاد إيران تقدر (10%)، وأصبحت اليوم (65%) ، والسنة على كونهم (35%)، فلا قيمة لهم في إيران، بل إن النصارى والأرمن واليهود والزرادشت والبهائيين والذين مجموع نسبتهم (2%) لهم من الحرية في العبادة والعمل داخل إيران أضعاف ما للسنة.
وعندما جاءت الثورة الإسلامية في إيران، وهي الدولة الإمامية الوحيدة في الأرض أعلنت في دستورها المادة (12): إن الدين الرسمي هو الإسلام، والمذهب الجعفري هو الاثنا عشري، وهذه المادة غير قابلة للتغيير إلى الأبد.
هذا هو التعصب الطائفي، أما التعصب الفارسي فظهر في الدستور عندما اشترطوا أن يكون رئيس الجمهورية "فارسياً".
إن سلوكية الشيعة في كل وقت وزمان سلوك واحد، لأنه ينبثق من مصادر واحدة، فمؤلفاتهم كلها دعوة لتعذيب وتقتيل أهل السنة (النواصب)، فإذا استضعفوا استعملوا (التقية)، وإذا تمكنوا استعملوا اشد أنواع القتل والتكفير لأهل السنة، منطلقين من عقدة الاضطهاد التي تولدت وولدت عند أتباعهم، مثلما ولّد اليهود عندهم عقدة المظلومية والاضطهاد، والتي تولد الحقد الدفين.
لقد تربى الشيعة على هذه العقد أكثر من (13) قرن، وكلهم وإن بنسب مختلفة يحمل هذه العقد، لذلك إذا تمكن الشيعي فعل ما يندى له الجبين، والسنة لا يصدقون كل ذلك لأنهم أحياناً لا يفهمون الدوافع الحقيقية للشيعة.
ما أريد قوله، إن حقد الدولة الصفوية لم يأت على الدولة العثمانية ولا على قومية معينة، بل هي وزعت حقدها على أهل السنة، سواء كانوا إيرانيين أو عراقيين أو أفغان أو أوزبك أو أتراك، كلهم مشتركون بالسنية وهذا جرم يكفي لقتلهم وتعذيبهم: (وما نقموا منهم إلا أن يومنوا بالله العزيز الحميد)( البروج :8)، وصدق الله إذ يقولك: {إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} [الكهف:20].
نعم، هذا ما فُعل سابقاً، واليوم يفعل في العراق مع أهل السنة، يقتل المرء لكونه سنياً، ولا يضحك عالم أو مثقف أو سياسي على أهل العراق بقوله :إنها فتنة طائفية، فإن قيادات اليوم للعراق أخرجوا معتقدهم الحقيقي الذي وضعته الدولة الصفوية ونفذته، فحذار حذار .. وسيفعل حزب الله في لبنان ما فعل في العراق، وسيفعلون في البحرين والكويت والسعودية ما فعلته القيادات الدينية الشيعية في العراق بالسنة.
فهذا "حزب الدعوة الإسلامي" في العراق، ألم يقل لنا الإخوان المسلمين وغيرهم إنهم تلاميذ الداعية والعالم الشيعي محمد باقر الصدر وأنهم معتدلون خلافاً لغيرهم.
فماذا فعلوا عندما تمكنوا، إبراهيم الجعفري من قياداتهم، وجواد المالكي من قياداتهم، وكلاهما تتلمذ على محمد باقر الصدر، فماذا فعلوا عندما حكموا العراق؟؟
إن الناطق باسم (جواد المالكي) علي الدباغ وهو من حزب الدعوة يكرر عشرات المرات في الفضائيات: إن الشيعة ظلموا (14) عشر قرناً، آن لهم أن يأخذوا حقهم.
وعندما ذهب وفد جماعة الإخوان لتهنئة الخميني بنجاح ثورته الإسلامية، أخبرهم نائبه أنهم – أي السنة – حكموا (14) قرناً، وآن للشيعة أن يحكموا العالم الإسلامي.

نصيحة لجميع السنة في العالم
إن الجهل بعقيدة الشيعة وبدولتهم الصفوية وما فعلت في العالم الإسلامي في وقتها، يشمل أغلب علماء الأمة ودعاتها ومثقفيها وساستها،ولكي تصدق اسأل من شئت: ماذا تعرف عن الدولة الصفوية؟ فلن تجد جواباً.
لقد تغافلت معظم الجماعات الإسلامية عن عقيدتنا السنية التي كتبها علماءنا ، هذه العقيدة التي فضحت مسالك الشيعة فلم ينخدع أجدادنا بهم، ولكننا اليوم نتيجة هذا التجاهل لما كتبه الأجداد أصبح غالب الجيل الإسلامي اليوم لا يعرف عن خطر التشيع شيئاً، بدعاوى مختلفة ؛مرة بدعوى شيعة اليوم غير شيعة الأمس، ومرة بأن خطر العدو الصليبي الصهيوني داهم ولا وقت للبحث عن الشيعة وعقائدهم وتاريخهم ، ونسوا التحالف الصفوي على أوروبا النصرانية لحرب العثمانيين السنة. واليوم تتحالف إيران "الشيعية" مع أمريكا لإسقاط أفغانستان والعراق ومن ثم احتلال العراق.
لقد تكرر على ألسنة عامة الشيعة من جيش المهدي وغيرهم :أن اليهود أحسن من السنة، فمن أين لهؤلاء العوام هذه الأفكار!
اذهبوا إلى حوزات قم والنجف، اذهبوا إلى جنوب لبنان والبحرين والقطيف لتروا ماذا يدرّس الشيعة أتباعهم من الحقد ومكر الليل والنهار، ويكيف يدربون على "التقية" في وسائل الإعلام على دعوى "الوحدة الوطنية" و"الوحدة الدينية" و"التقريب" و"نصرة فلسطين".
إيران وحزب الله يرددون ليل نهار أنهم أعداء الشيطان الأكبر "أمريكا"؟! وتحالفوا معهم في إسقاط أفغانستان والعراق. ويزعمون أنهم مؤيدون لأهل فلسطين ؟! ولكنهم يقتلونهم في العراق ويغتصبون نساءهم!
يا سبحان الله! هذا كله نتيجة الخلل المنهجي في التربية العقدية للجيل الإسلامي المعاصر. وتاريخياً جري تزوير وتحريف آخر من قبل المثقفين.
فروجوا أن الدولة الصفوية كان لها خلاف سياسي مع العثمانيين، وكلاهما كان محتل للبلدان العربية! والقضية ليست دينية ولا مذهبية، بل هي متاجرة باسم الدين.
كل هذه الأفكار المنحرفة ربيت عليها الأجيال المعاصرة وغيبت عنهم الحقيقة.
فالجماعات الإسلامية كلها غيبت عن أصحابها حقيقة الشيعة وما يجري:
فالأخوان المسلمين أغلبهم لا يعرفون عن التشيع إلا القليل، أما عن الدولة الصفوية فلا يعرفون شيء.
بل إن مرشد الإخوان في مصر "محمد مهدي عاكف" يشبه "نصر الله" بصلاح الدين، وما درى أن نصر الله يأنف التشبه بـ "صلاح الدين"، فهم يكرهونه كرهاً أعمى، وقد كتب المفكر الشيعي اللبناني "الأمين" كتاباً في ذم صلاح الدين.
وحزب التحرير مغرق في تنظيره السياسي وتحليلاته الغريبة والعجيبة، بل إن بعض منظري الحزب في لبنان هم من الشيعة. وهم من أوائل من زار الخميني ونقدوا دستوره لأنه مذهبي وليس إسلامي، ومع كل هذا يقولون أن ما يجري في العراق هو من فعل بريطاني وأمريكي، وأما إيران فلا وألف لا!
ولعلهم في مستقبل الأيام وحين يفرض الواقع نفسه يعلمون الحق، سيما وإن لهم حب للدولة العثمانية دولة الخلافة، فما بالهم لا يقراءون ماذا فعلت دولة الخلافة بالصفويين.
وأما التيارات الصوفية فلا شأن لها في الشيعة بل أصبح همهم الأول حرب الوهابية، ومن الغريب أن محققاً عراقياً في الثمانينات حقق كتاب "الغنية" للشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله، فقام بمحو ما كتبه الشيخ عبد القادر في ذم الشيعة، والمحقق صوفي معروف بالعراق!!
وقد أتعبوا أهل السنة في الثمانينات والتسعينات عندما كان همهم الأول في العراق حرب أهل السنة في العراق بدعوى "الوهابية"، وكانوا يصرحون بخطر الوهابية أشد من خطر التشيع!
وقد علموا اليوم من هو أشد خطراً، وأنكى فعلاً عليهم. بل هم اليوم مدخلاً للتشيع في مصر واليمن، وقد حاول إبراهيم الجعفري أن يؤسس تحالفاً مع الطريقة القادرية في العراق ولكنه لم يفلح والحمد لله.
وأما التبليغ فلا شأن لهم بالشيعة البتة!
وأما الجماعات السلفية ومع أنهم من أشد الناس وعياً بخطر الشيعة – بفضل الله أولاً، ومن ثم بكتابات شيخ الإسلام وكتابات إحسان إلهي ظهير ومحب الدين الخطيب وغيرهم فلم تعد كل الجماعات لها نفس الوعي السابق.
فبعضهم مشكلته الأولى الإرجاء والتكفير!
وبعضهم بعيد عن مشكلة التشيع، حتى أصبحت الدوائر الأمنية في بلادهم أكثر وعياً منهم بخطر الشيعة.
وآخرون منشغلون ببعضهم البعض، ومنهم مختلفون هل يؤيد حزب الله في حربه أم لا!
إن على كل الجماعات السنية سواء كانوا من الأخوان والتحريرية، والتبليغية، والصوفية، والسلفية وغيرها من الجماعات أن يعوا أن التشيع الصفوي والإيراني لا يفرق بينهم، فكلهم يحملون وزر السنة! رضوا بذلك أم أبوا، وليعيدوا قراءة التاريخ، وليعيدوا قراءة الدولة العثمانية، وليعيدوا قراءة عقائد علمائهم من أي مسلك كانوا، سواء أكانوا أشعرية، صوفية، ماتريدية، سلفية ..) عن حكم الشيعة.
أسأل الله أن يكون هذا المقال، وهذا التوضيح دافعاً لجميع السنة لمعرفة الحقيقة، وأهل السنة عندما حكموا كانوا أهل عدل حتى مع جميع الفرق الإسلامية واللاإسلامية، ومع جميع الأديان، وحتى لو لم يعدلوا، لم يقتلوا ويمثلوا ويهجّروا كما فعلت الشيعة في عهد الصفويين، وما تريد إيران الشيعية فعله بالعالم الإسلامي.
أسأل الله القبول، والله من وراء القصد؛
عبد العزيز بن صالح المحمود


الصفويون 

تمهيد

    "الصفويون" أحد أكثر المصطلحات التي باتت تتردد في وسائل الإعلام حالياً، وخاصة في العراق، حيث دأبت العديد من الصحف والقنوات الفضائية على وصف الحكومة العراقية بـ "الصفوية" بسبب ما ترتكبه من جرائم بحق أهل السنة في العراق من خلال أجهزتها الأمنية، والمليشيات الشيعية المتعاونة معها والتي تشكلت منها الحكومة العراقية ، مثل فيلق بدر، وحزب الدعوة، وجيش المهدي.

    و"الصفوية" دولة شيعية قامت في إيران في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) على يد الشاه إسماعيل، الذي يعد أول ملوكها، وقد كان قيامها مقترناً بالقضاء على مذهب أهل السنة، بعد أن كان معظم أهل إيران من أهل السنة، كما تزامن قيام الدولة الصفوية بارتكاب مذابح يندى لها الجبين بحق أهل السنة، وتم فرض المذهب الشيعي على إيران، والمناطق التي سيطر عليها الصفويون بالإكراه، كما أن الصفويين عمدوا إلى التحالف مع الدول الأوروبية ضد الدولة العثمانية السنية أملاً في إضعافها وإعاقة الفتوحات الإسلامية لأوروبا.

وإذا علمنا أن الحكومة العراقية الشيعية الحالية ، التي رهنت بلادها لإيران تمارس اليوم ما مارسه أجدادها الصفويون بالأمس، فلا عجب أن يطلق عليها اسم "الصفوية"، فهذه الدولة وإن كانت قد انتهت تاريخياً بعد (240) سنة من قيامها على يد دولة الأفشار، فإنها باقية في ممارسات الزمرة الحاكمة في إيران والعراق.

    وفي هذه الدراسة المختصرة نحاول تسليط الضوء على نشأة الدولة الصفوية والحكام الذين تعاقبوا عليها، وما ارتكبته ضد أهل السنة من مذابح، وتحالفاتها مع الدول الأوروبية ونهايتها وسير بعض الشيعة اليوم على نهجها.

    ونقدم هذه الدراسة في إطار "ملف العدد" الذي نخصصه للصفويين حيث تتناول عدد من الزوايا والمقالات في هذا العدد الدولة الصفوية من جوانب عديدة.

    البداية طريقة صوفية:

    ينسب الصفويون على صفي الدين الإردبيلي، المولود سنة 650هـ (1334م)، والمتوفى سنة (753هـ)، وهو الجد الخامس للشاة إسماعيل، وقد نشأ نشأة صوفية، وكان صاحب طريقة، مما ساعد على التفاف الكثير من المريدين حوله، وانتشار دعوته وأنصاره.

    وبعد وفاته خلفه في رئاسة أتباعه، ابنه صدر الدين موسى، الذي سار على طريقة أبيه، ثم انتقل الأمر إلى ابنه صدر الدين خواجة علي سياهبوش، وهو أول من اعتنق المذهب الشيعي من الأسرة الصفوية، ودعا إليه([1])، الأمر الذي يعد نقطة تحول في مسيرة هذه الأسرة التي ادعت انتسابها إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم والحسين بن علي رضي الله عنهما، كما جرت العادة عند الشيعة والصوفية.

    وبعد وفاة خواجة علي سياهبوش، خلفه ابنه شيخ شاه، وسار على خطاه، وبعد وفاته، خلفه ابنه السلطان جنيد، الذي كثر أتباعه، وبدأ يكشف عن رغبته في الملك تدريجياً، وهذا ثاني أخطر تحول في مسار الأسرة الصفوية بعد التشيع([2]).

    ولا يخفى أن سعي الصفويين لإقامة دولة مخالف لما يعتقد به الشيعة من حصر إقامة الدولة بالمهدي المنتظر، وأن أية دولة تقوم أو راية ترفع قبله هي راية طاغوتية.

    وبدأ السلطان جنيد بإقامة حكم مستقل في أردبيل([3])، وأخذ يتقوى ويعد الجيوش لغزو شروان([4])، ودخل في معركة مع حاكمها لكنه هزم وقتل، وتعد هذه المعركة تحولاً خطيراً في مسيرة الصفويين كونها أول معركة يخوضنها.

    وبعد مقتل جنيد، انتقلت الرئاسة إلى ابنه حيدر، الذي أخذ يعد العدة لمقتل والده، وأعد جيشاً يرتدي أفراده القبعات الحمر، ويعرفون باسم "القزلباش" إلا أن حاكم "شروان" استعان بأسرة "آق قويونلو" ([5])، واستطاعا هزيمة حيدر وقتله، فانتقلت الزعامة إلى ابنه علي، الذي ما لبث أن قتل، فآلت الأمور إلى إسماعيل الصفوي ابن حيدر.

الشاة إسماعيل يؤسس دولة الصفويين:

    حظي إسماعيل برعاية من حاكم "لاهيجان"([6])، مدة خمس سنوات، وفترة إعداد ثقافية وعسكرية، وفي الوقت نفسه كان الخلافات تعصف بأسرة "آق قويونلو"، فتمكن من الانتصار عليها واحتلال عاصمتها تبريز، ودخلها دخول الفاتحين، وأعلنها عاصمة لدولته الفتية، ثم إعلان المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للدولة سنة (907هـ)، (1501م)، رغم أن ثلاثة أرباع إيران كانوا على مذهب أهل السنة.

    ساعدت إسماعيل الصفوي عدة عوامل في أن يبسط سيطرته على إيران وما جاورها وتحقيق حلم آبائه في تأسيس دولة شيعية، أهمها:

1-   انتشار الفوضى والفتن في إيران بعد موت تيمور لنك، والصراعات التي دبت بين أبنائه، ثم الصراع المحتدم بين قبيلتي "أق قويونلو" و"قرا قويونلو" التركمانيتين اللتين كانتا تسيطران على أجزاء من إيران. كل هذه الصراعات سببت الضعف والانقسام، وولدت الظلم بحق الرعايا، الأمر الذي استغله إسماعيل والصفويون لتحقيق الانتصار على المنافسين.

2-   نشاط دعاة الشيعة وانتشارهم بين القبائل، وخاصة في مدن كاشان وقم والري، بل إن النشاط التبشيري الشيعي انتقل إلى أراضي الدولة العثمانية، كما تجلى ذلك في "فتنة شاه قولي" التي تناولنا في العدد 30 من  الراصد. http://alrased.net/show_topic.php?topic_id=73

3-   القهر الذي مارسه الشاه إسماعيل ضد السنة، والذي جاوز كل الحدود، فعندما فرض إسماعيل التشيع على إيران، ذكر له أن ثلاثة أرباع سكان إيران والعاصمة الجديدة تبريز على مذهب أهل السنة، فلم يأبه لذلك، وأصر على موقفه وقتل من أهل تبريز وحدها (20) ألف سني، والذي بقوا أحياء، فرض عليه التشيع بحد السيف([7]).

4-   الدافع القومي لدى الشعوب التي كانت تسكن في إيران، والمكونة من أجناس وقوميات مختلفة، كالفرس والترك والعرب والمغول، وكان التعصب للجنس ظاهراً بينهم، فاستطاع الشاة إسماعيل أن يستغل هذا الأمر ويذكي حماس القبائل ضد بعضها البعض، وأشار عليهم بتكوين تجمع خاص يحفظ لهم قوتهم وسيطرتهم على المنطقة.

    يقول المفكر الإيراني الشيعي د. علي شريعتي: "الدولة الصفوية قامت على مزيج من القومية الفارسية، والمذهب الشيعي، حيث تولدت آنذاك تيارات تدعو لإحياء التراث الوطني والاعتزاز بالهوية الإيرانية، وتفضيل العجم على العرب، وإشاعة اليأس من الإسلام، وفصل الإيرانيين عن تيار النهضة الإسلامية المندفع، وتمجيد الكاسرة([8]).

الآثار المترتبة على قيام الدولة الصفوية:

    ليس من قبيل المبالغة القول بأن قيام الدولة الصفوية شكل "كارثة" لإيران والعالم الإسلامي، فلقد "ظلت غيران ما يقرب من تسعة قرون من الزمان تتبع مذهب أهل السنة والجماعة، فكانت الصبغة السنية ظاهرة فيها، واضحة في جميع ألوان النشاط البشري لأهلها، ما مكن إيران من المساهمة في بناء صرح الحضارة الإسلامية الراقية بواسطة علمائها في مختلف العلوم والفنون، من أمثال البخاري ومسلم وسيبويه والخليل بن أحمد والطبري والبيروني وابن سينا والغزالي والفارابي والفخر الرازي، وغيرهم يعدون من مفاخر المسلمين جميعاً"([9]).

    وبقيام الدولة الصفوية الشيعية في إيران تغير مسار النشاط البشري فيها تغيراً جذرياً شاملاً من النواحي السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية والعلمية والثقافية، ووجه الإيرانيين إلى وجهة مغايرة لوجهة إخوانهم المسلمين في بقية الأقطار([10]).

    كما أن "كارثة" قيام الدولة الشيعية الصفوية أدت إلى انقسام العالم الإسلامي إلى معسكرين: معسكر سني بزعامة الدولة العثمانية، ومعسكر شيعي يتبع الصفويين، وزاد من حدة الانقسامات تلك المؤامرات التي حاكها الصفويون ضد العثمانيين الذين كانوا منطلقين في أوروبا فاتحين، كما سنتحدث عنه بعد قليل.

دولة شيعية بامتياز:

انطلقت الدولة الصفوية من مذهبها الشيعي الذي فرضته على إيران في كل صغيرة وكبيرة،، فغيرت صيغة الأذان والصلاة وكافة العبادات على طريقة المذهب الشيعي، دون السماح بإظهار مذهب أهل السنة فيها، وصارت الحركة الثقافية والتأليف مصطبغاً بالمذهب الشيعي، وتبوأ رجال الدين الشيعة مكانة عالية في الدولة الصفوية، وفرض لهم السلاطين خمس أموال الناس وأرباح التجار([11]).

    ويعتبر محمد باقر المجلسي (ت1111هـ)، أحد أبرز الأمثلة لما عملته الدولة من دعم التشيع، فقد اعتبر "شيخ الدولة الصفوية" وكانت له الكلمة المسموعة، وعاش في المرحلة الصفوية الأخيرة عيشة ترف وأبهة، وكان شديد التعصب لمذهبه فأغرى الدولة باضطهاد جميع مخالفيه.

    واشتهر المجلسي بكثرة مؤلفاته التي تروج لمذهب الشيعة، وأبرزها: "بحار الأنوار في أحاديث النبي والأئمة الأطهار"، ويقع في (25) مجلداً ضخماً، كل مجلد منها يبلغ عدة مجلدات، حتى إن مجموعها بلغ (111) جزءاً، الأمر الذي جعل الشيعة يعتبرونه "دائرة معارف لا مثيل لها".

    وكتاب "بحار الأنوار" للمجلسي من أهم كتب الحديث عند الشيعة، وقد جمع فيه مؤلفه ما هب ودب من الأخبار والأحاديث المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم والأئمة من غير تهذيب ولا تحقيق([12]).

    وبلغ تعصب الصفويين لمذهبه حداً جعل الشاه عباس يحج من عاصمته أصفهان إلى مدينة مشهد (حيث يوجد مقام الإمام الرضا، ثامن الأئمة عند الشيعة)، سيراً على الأقدام ودعا الشيعة إلى الاقتداء به، والحج إلى مشهد، وجعل علماء الشيعة ومراجعهم يعلنون أن الحج إلى مدينة مشهد يكفي ويغني عن الحج على الكعبة وزيارة بيت الله الحرام([13]).

كما تميز العصر الصفوي بالمبالغة لما يسمى "الشعائر الحسينية" وإظهار الحزن على استشهاد الحسين وبعض الأئمة.

الصفويون والدولة العثمانية:

    كان من الطبيعي أن تثير سياسة الصفويين ومؤامراتهم، الدولة العثمانية السنية التي كانت في أوج قوتها، وكانت تدافع عن ديار الإسلام، وتقاتل أعداءه من الصليبيين على عدة محاور: الروس، والنمسا، والإمارات الإيطالية، وفرنسا، وإنكلترا، والبرتغاليين، والكل يحقد على هذه الدولة.

    وفي الوقت الذي كان يقوم فيه العثمانيون بحصار بعض دول أوروبا تمهيداً لفتحها، كان سهام الصفويين تنطلق باتجاه الدولة العثمانية، وتشغلها عن متابعة فتوحاتها، وعمد الصفويون إلى احتلال بعض البلدان التابعة للعثمانيين كالعراق، وعقدوا تحالفات مع الدول الأوروبية ضدها، الأمر الذي جعل الصدام بين العثمانيين والصفويين أمراً لا مفر منه، وتعتبر معركة "جالديران"" سنة (920هـ - 1514م) أكبر المعارك بين الطرفين وانتصر فيها العثمانيون انتصاراً كبيراً، غير أنه لم يقضى على الصفويين قضاءً نهائياً، فأعادوا تنظيم صفوفهم خاصة أن المنية عاجلت السلطان العثماني سليم الأول. وتسببت المؤامرات الصفوية ضد العثمانيين بأمرين خطيرين:

    الأول: إعاقة الفتوحات الإسلامية لأوروبا، ذلك أن العثمانيين كانوا يضطرون لوقف حصارهم للمدن الأوروبية، والعودة لتأمين حدودهم مع الصفويين، واسترجاع ما كان يستولي عليه الصفويون من بلاد.

    الثاني: أن التحالفات التي عقدها الصفويون مع الدول الأوروبية والتسهيلات التي منحوهم إياها شكلت بداية عهد الاستعمار، والوجود الأوروبي في بلاد المسلمين([14]).

    حكامها:

1-   إسماعيل بن حيدر: مؤسس الدولة سنة 907هـ، اتفق مع البرتغاليين وحارب العثمانيين، والأوزبك، ومات في الثلاثينات من العمر. انصرف بعد هزيمته أمام العثمانيين إلى معاقرة الخمر والعزلة والفجور.

2-   طهماسب بن إسماعيل: تولى الحكم بعد وفاة والده إسماعيل (930هـ)، ولم يكن قد جاوز العاشرة من عمره، فتولى الوصاية عليه زعماء الشيعة، حتى بلغ سن الرشد، انتصر على الأوزبك، ولكنه لم يلبث أنهزم، ودخل بغداد حتى جاءت جيوش العثمانيين فطردت الصفويين منها.

3-   إسماعيل الثاني ابن طهماسب: تولى الحكم بين سنتي (984-985هـ)، واختلف مع إخوته، وقتل، وكانت له ميول سنية، وكان يرغب في إعادة إيران إلى المذهب السني.

4-      محمد خدابنده بن طهماسب: امتد حكمه خلال الفترة (985-995هـ).

5-   عباس بن طهماسب، الملقب بعباس الكبير، وحكم فترة طويلة امتدت من 995هـ حتى 1037هـ، وفي عهده هاجم العثمانيين بعد أن هدأت الجبهة معهم خمس عشرة سنة، كما حارب الأوزبك وانتزع جزءاً من بلادهم، وجعل عاصمته أصفهان. وقد ضعفت الدولة بعد موته، خاصة وأنه كان له أربعة أبناء قتلهم كلهم وسمل عينهم خوفاً من أي يزيلوه عنه.

6-   صفي بن صفي مرزا بن عباس، الملقب بصفي الأول وحفيد عباس الكبير، حكم حتى 1052هـ، هزم أمام العثمانيين الذين أخذوا العراق وعقد معاهدة بين الطرفين سنة 1094هـ.

7-      عباس بن صفي (عباس الثاني): حكم خلال الفترة (1052-1077هـ)، ولم يلتفت إلى شؤون الدولة.

8-   صفي الثاني بن عباس الثاني، حكم بين (1105- 1135هـ)، وعرف كذلك باسم "سليمان الأول"، وفي عهده استولى الهولنديون على جزيرة قشم في مضيق هرمز، وأخذ الأوزبك خراسا، وقضى حياته بين الخمر والنساء.

9-   حسين الول بن عباس الثاني (1105-1135)، بدأ في عهده الصراع مع الأفغان، وكان يبيح في عهده الخمور، وكان لعبة بيد الحريم([15]).

10-طهماسب الثاني بن صفي الثاني، حكم خلال الفترة (1135-1144هـ)، واستمر الصراع مع الأفغان في عهده، وأيده نادر خان.

11-عباس الثالث بن طهماسب الثاني، الملقب بالرضيع، لتوليه المنصب طفلاً، بعد خلع والده سنة 1144هـ، واستمر في الحكم بشكل صوري حتى 1148هـ .

لكل بداية نهاية:

    انتهت دولة الصفويين سنة 1148هـ، على يد نادر خان الذي كان في أول أمره من قطاع الطرق، وكان يتمتع بالطموح والذكاء، وقد تمكن بجيش من أفراد قبيلته (الأفشار) من الاستيلاء على إقليم خراسان، وأخذ يمسك بزمام الأمور في هذا الإقليم، وظهرت قوته، مما جعل الشاه طهماسب الثاني يستعين به، ويعينه قائداً لجيشه، واستطاع أن يصبح أقوى شخصية في إيران بعد تحقيقه لعدة انتصارات ضد منافسي الدولة.

    ثم أصبح نادر شاه في منزلة هيأت له عزل طهماسب الثاني، وتعيين ابنه الطفل عباس الثالث ملكاً على الصفويين، وصار نادر وصياً على العرش، ولكن هذا الوضع لم يستمر سوى ثلاث سنوات، إذ بادر نادر شاه إلى عزل عباس الثالث، وتنصيب نفسه ملكاً على إيران، واتخذ لقب الشاه، كما أعلن سقوط الدولة الصفوية وقيام دولة شيعية محلها هي الدولة الأفشارية، التي كان نادر شاه أول ملوكها، واستمرت حتى القضاء عليها من قبل الزنديين سنة 1210هـ.

    وبالرغم من أن نادر شاه شيعي المذهب، إلا أنه حاول التقليل من المفاسد التي أحدثها الصفويون، ومنها سب الصحابة والخلفاء الراشدين، كما حاول إحداث تقارب بين السنة والشيعة، الأمر الذي لم يقبله الإيرانيون المتعصبون فبادروا إلى قتل نادر شاه سنة 1160هـ .


(1)           "الصفويون والدولة العثمانية" علي عطرجي (ص9).

(2)          المصدر السابق.

(3)          أردبيل: من أشهر مدن أذربيجان.

(4)          شروان: مدينة ناحية أرمينية.

(5)          أسرة تركية سنية المذهب كانت تسيطر على إيران، وكانت تربطهم بالصفويين روابط النسب.

(6)          لاهيجان: إحدى مدن إقليم كيلان، وتقع على بحر قزوين.

(7)          "الصفويون" لعطرجي (ص19)، ومقال أحمد تمام المنشور في إسلام أون لاين.

(8)          "التشيع العلوي والتشيع الصفوي" (119-122).

(9)          "إيران في ظل الإسلام" د. عبد النعيم حسنين (69-70).

(10)      المصدر السابق (ص70).

(11)      المصدر السابق (105).

(12)      انظر مقال: "المجلسي يؤلف بحار الأنوار" المنشور في الراصد عدد26 http://alrased.net/show_topic.php?topic_id=99 .

(13)      "إيران في ظل الإسلام" (ص80).

(14)      انظر: "الصفويون والدولة العثمانية" لعلوي عطرجي، وانظر أيضاً العدد الثاني من الراصد: "الصفويون يحالفون الصليبيين http://alrased.net/show_topic.php?topic_id=378

(15)      التاريخ الإسلامي" ، محمود شاكر (11-13)، و"الصفويون" لعطرجي (57-58).  


إسماعيل الصفوي ودولته.. في الميزان

أحمد تمام

يمثل تاريخ الدولة الصفوية في إيران منعطفا خطيرا في تاريخها، فبقيامها اتخذت إيران المذهب الشيعي الإثنا عشري مذهبا رسميا، وكان لهذا التحول آثاره البعيدة في تاريخ إيران خاصة وتاريخ العالم الإسلامي عامة.

وينتسب الصفويون إلى أحد شيوخ التصوف يسمى "صفي الدين الأردبيلي" عاش في الفترة من (650هـ= 1334م)، وكان رجلا نشيطا دائب الحركة والسعي؛ استطاع أن يجذب الأتباع حوله في فارس، وأن ينشر بينهم المذهب الشيعي.

نجح أبناء الأردبيلي وأحفاده في نشر المذهب، والتمكين له بين المحبين والمريدين، وصارت لهم قوة وقدرة على المشاركة في الأحداث السياسية في المناطق التي يقيمون بها، وتحولوا من أصحاب دعوة وشيوخ طريقة إلى مؤسسي دولة لها أهدافها السياسية والمذهبية.

وكانت الأجواء التي تعيشها إيران في أواخر القرن التاسع الهجري من التمزق السياسي وشيوع الفوضى أفضل مناخ استغله الصفويون لجذب المزيد من الأنصار، والتطلع إلى قيام دولة تدين بالمذهب الشيعي لأول مرة في تاريخ الإسلام.

المولد والنشأة

ولد إسماعيل الصفوي في (25 من رجب 892هـ=25 من يوليو 1487م)، وعاش بعد وفاة أبيه في كنف "كاركيا ميرزا" حاكم "لاهيجان" الذي كان محبا للصفويين. ظل إسماعيل الصفوي 5 سنوات تحت سمع هذا الحاكم وبصره، حتى شبّ قويا محبا للفروسية والقتال، قادرا على القيادة والإدارة.

وفي أثناء هذه الفترة كانت الدولة تعيش فترة صراعات بين أفراد أسرة آق قويونلو التي كانت تحكم فارس آنذاك، وهو ما استغله أنصار الصفويين، وأمّروا عليهم إسماعيل الصفوي، وكان صغيرا لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، لكنه كان مهيأ للقيادة والزعامة بفضل الرعاية التي أحاطه بها حاكم لاهيجان.

تمكن إسماعيل الصفوي وأنصاره من خوض عدة معارك ضد حكام بعض المناطق في إيران والتغلب عليهم، وتساقطت في يده كثير من المدن الإيرانية، وتوج جهوده بالاستيلاء على مدينة "تبريز" عاصمة آق قويونلو، ودخلها دخول الفاتحين، ثم أعلنها عاصمة لدولته.

وبدخول إسماعيل مدينة تبريز تم تتويجه ملكا على إيران، ولقبه أعوانه بأبي المظفر شاه إسماعيل الهادي الوالي، وذلك في سنة (907هـ = 1502م) وأصدروا العملة باسمه.

المذهب الشيعي.. المذهب الرسمي للدولة

كانت إيران سنية المذهب -وإن كانت العناصر الشيعية متمركزة في بعض المدن مثل: كاشان، وقم، والرَّي- وعقب تتويج إسماعيل الصفوي ملكا على إيران أعلن فرض المذهب الشيعي مذهبا رسميا للدولة دون مقدمات.

استقبل الناس هذا القرار بعدم رضا، حتى إن علماء الشيعة أنفسهم ذهبوا إلى الشاه إسماعيل وقالوا له: "إن ثلاثة أرباع سكان تبريز من السنة، ولا يدرون شيئا عن المذهب الشيعي، ونخشى أن يقولوا: لا نريد مُلك الشيعة"، لكن إسماعيل لم يهتم باعتراضهم، وأمر الخطباء والمؤذنين أن يتلوا تشهد الشيعة (أشهد أن عليا ولي الله، حي على خير العمل) في الأذان.

استسلم الناس لهذا الجبر في فرض مذهب الشيعة عليهم، ما عدا بعضهم الذين لقوا حتفهم على يد إسماعيل الذي تمكن من فرض المذهب الشيعي بحد السيف، بالإضافة إلى سعيه لإنشاء عدد من المدارس لتدريس المذهب ونشره بين الناس.

الصفوي في مواجهة الأوزبك

بعد أن فرغ إسماعيل الصفوي من القضاء على منافسيه المتفرقين في مختلف أنحاء إيران، بدأ يوجه همه إلى تدعيم الوحدة السياسية لدولته، ويعد العدة ليضع يده على كل بلاد فارس، وكان لا بد من الاصطدام بقبائل الأوزبك التي كانت تموج في المناطق الشمالية الشرقية من فارس.

كانت قبائل الأوزبك تعتنق المذهب السني، وتحت زعامة محمد شيباني الذي نجح في أن يقيم ملكا على حساب الدولة التيمورية، وأن يستولى على عاصمتها "سمرقند" وأن يمد سيطرته على "هراة" في مطلع سنة (913هـ = 1507م).

وهكذا أصبح الأوزبك وجها لوجه أمام إسماعيل الصفوي، وزاد من الصراع بينهما التراشق المذهبي بينهما، وبلغ من اعتداد محمد شيباني أن أرسل إلى إسماعيل الصفوي يدعوه إلى ترك المذهب الشيعي والعودة إلى مذهب السنة والجماعة، ويهدده بحرب ضروس في قلب إيران ذاتها، وبهذا أصبح لا مفر من الحرب بينهما.

كان شيباني يتصف بالجرأة والإقدام، لكنه لم يكن على مستوى عدوه إسماعيل الصفوي في المراوغة والخداع في الحروب، فاستغل إسماعيل ذلك، وجرَّ خصمه إلى معركة كان قد استعد لها تماما، وتمكن من إلحاق هزيمة مدوية به في "محمود آباد" -وهي قرية تبعد قليلا عن مرو- وذلك في سنة (916هـ= 1510م).

استشهد شيباني نفسه في المعركة، وبعد استشهاده أعمل إسماعيل الصفوي القتل في أهل مرو، وأمضى فصل الشتاء في هراة، وأعلن فيها المذهب الشيعي مذهبا رسميا، على الرغم من أن أهالي هذه المناطق كانت تدين بالمذهب السني.

السقوط في جالديران

اتسمت العلاقات بين الدولة الصفوية الناشئة والعثمانيين بالهدوء، وساعد على ذلك أن السلطان بايزيد الثاني الذي تولى بعد محمد الفاتح كان رجلا يحب السلام ويحب الأدب والفلسفة، ويميل إلى دعم العلاقات العثمانية الصفوية، لكنه حين علم أن إسماعيل الصفوي يتمادى في إلحاق الأذى بالسنة، مما جعلهم يهربون إلى الأراضي العثمانية كتب إليه أن يلتزم بالعقل والحكمة في معاملتهم.

ومع تولي السلطان سليم الأول مقاليد الحكم في العثمانية ازداد التوتر بين الدولتين، وكان سليم الأول ينظر بعين الارتياب إلى تحركات الصفويين، ويخشى من تنامي قوتهم وتهديدهم لدولته؛ فعزم على مهاجمة خصمه وتسديد ضربة قوية قبل أن يستعد للنزال.

جمع السلطان سليم الأول رجال الحرب والعلماء والوزراء في مدينة أدرنة في (19 من المحرم 920هـ= 16 من شهر مارس 1514م)، وذكر لهم خطورة إسماعيل الصفوي وحكومته الشيعية في إيران، وأنه اعتدى على حدود الدولة العثمانية، وأنه فصل بدولته الشيعية المسلمين السنيين في وسط آسيا والهند وأفغانستان عن إخوانهم في تركيا والعراق ومصر.

ولم يجد السلطان العثماني صعوبة في إقناع الحاضرين بضرورة محاربة الصفويين؛ لأنهم صاروا خطرا داهما يهدد وجود العثمانيين، وخرج بعد 3 أيام من هذا الاجتماع على رأس جيش كبير متجها إلى إيران، ولم ينس وهو في طريقه أن يكتب إلى "عبيد الله خان" قائد الأوزبك يذكره بقتل عمه شيباني، ويحثه على الانتقام من إسماعيل الصفوي، ومهاجمة خراسان بمجرد وصول الجيش العثماني إلى إيران، وكان هدف سليم من ذلك أن يجعل إيران بين شقي الرحى من الغرب بهجومه، ومن الشرق بهجوم عبيد الله خان على خراسان.

حين علم إسماعيل الصفوي بقدوم القوات العثمانية -وكان مشغولا بإخراج الأوزبك من خراسان- عمل على تعطيل وصولها، فأمر بتخريب الطرق والقرى الواقعة في طريق الجيش العثماني؛ الأمر الذي أخّر وصول العثمانيين وأنهك قواهم، لكن ذلك لم يمنعهم من مواصلة السير إلى إيران، والإقامة في "سيواس" انتظارا للمعركة الحاسمة.

لم يبد إسماعيل الصفوي حماسا للمعركة، وحاول أن يتجنب ملاقاة العثمانيين باستدراج الجيش العثماني إلى داخل إيران، ليقطع خطوط الإمدادات عليه، لكن سليم الأول كان منتبها لما يدور في ذهن خصمه، فعزم على الإسراع في لقاء الصفويين، وخاصة بعد أن بدأ التذمر يشق طريقه إلى جنود العثمانيين من طول الانتظار وكثرة الانتقال من مكان إلى آخر.

التقى الفريقان في صحراء جالديران في شرق الأناضول في (2 رجب سنة 920هـ = 24 من أغسطس 1514م) وانتهت المعركة بهزيمة إسماعيل الصفوي هزيمة نكراء، وفراره من أرض المعركة إلى أذربيجان، ووقوع كثير من قواده في الأسر.

وفي (14 من شهر رجب 920هـ= 5 من سبتمبر 1514هـ) دخل سليم الأول مدينة تبريز عاصمة الصفويين واستولى على أموال إسماعيل الصفوي وبعث بها إلى إستانبول، ثم قفل راجعا إلى بلاده، مكتفيا بهذا النصر الكبير، غير راغب في اقتفاء أثر إسماعيل الصفوي والتوغل في بلاده.

ما بعد السقوط

وعلى الرغم من الهزيمة المدوية التي لحقت بإسماعيل الصفوي، فإنها لم تحسم الصراع لصالح العثمانيين، وظل كل طرف يتربص بالآخر وينتهز الفرصة للانقضاض عليه، ونظرا لفداحة خسائر الصفويين؛ فقد حاول إسماعيل الصفوي أن يبرم صلحا مع السلطان سليم الأول، لكن محاولته لم تلق قبولا لدى السلطان العثماني، بل زج السفيرين اللذين أرسلهما إسماعيل في السجن؛ تعبيرا عن رفضه للصلح.

وترتب على انتصار سليم الأول أن نهض رؤساء كردستان -وكانوا من السنة- لمساندة العثمانيين، ولم يمض وقت طويل حتى انضمت 25 مدينة للحكم العثماني، على الرغم من الاستحكامات العسكرية التي أقامها الصفويون بها.

توسع العثمانيون فضموا إليهم ديار بكر وماردين وسائر مدن كردستان حتى أصبح الجزء الأكبر من أراضي الأكراد في يد العثمانيين، وأصبح الإيرانيون وجها لوجه أمام العثمانيين، وبات من الصعب على الصفويين التوسع على حساب العثمانيين.

آثار السقوط والهزيمة

تركت الهزيمة التي لقيها إسماعيل الصفوي آثارا قاسية في نفسه، ولم يكن قد لحقت به هزيمة قبل ذلك؛ فانصرف إلى العزلة، وغلب عليه اليأس، وارتدى لباسا أسود اللون، ووضع على رأسه عمامة، وكتب على أعلامه السوداء كلمة "القصاص"، وانصرف إلى معاقرة الخمر حتى أدمنها، وشغل نفسه بالتفكير في طريقة الانتقام من غريمه سليم الأول، إلا أن المنية عاجلت سليم الأول سنة (926هـ = 1520م) وهو في طريقه لغزو إيران مرة أخرى.

شجعت وفاة سليم الأول المفاجئة إسماعيل الصفوي على أن تستحكم منه الرغبة في الانتقام من العثمانيين من جديد، غير أن الموت اغتال أمنياته؛ فمات متأثرا بالسل وعمره سبعة وثلاثون عاما في (18 من رجب سنة 930هـ= 31 من مايو 1524م) على مقربة من أذربيجان، ودفن في أربيل إلى جوار أجداده، وخلفه في الحكم طهماسب الأول.

الصفوي.. في الميزان

ليس ثمة شك في أن إسماعيل الصفوي كان يتمتع بصفات مؤسس الدولة من الذكاء والصبر والقدرة على التحمل، والقيادة والشجاعة، والقدرة على حشد الأتباع والتأثير فيهم والسيطرة عليهم، ووضع نظم الإدارة، وكان حظه من ذلك موفورا؛ فقد تولى الحكم يافعا، لكن صغر سنه لم يحل بينه وبين تأسيس دولة وصلت حدودها إلى ما كانت عليه أيام الساسانيين؛ فشملت فارس والعراق وخوزستان وكرمان وخراسان.

ولكن يؤخذ عليه إدمانه الخمر، وغلبة طابع الفجور على كثير من فترات حياته، وقسوته البالغة مع أعدائه وخصومه، وميله إلى التشفي والانتقام منهم حتى بعد وفاتهم.

ونعجب أن هذه القسوة التي غلبت على إسماعيل الصفوي كانت تصدر من رجل كان يحب الشعر وينظمه بالعربية والتركية والفارسية، وله ديوان شعر بالتركية يضم أشعارا في مدح الرسول، وعلي بن أبي طالب والأئمة الاثني عشر.

ويجب التنويه إلى أن سياسة إسماعيل الصفوي فتحت بابا لظهور النفوذ الأجنبي، لا في إيران بل في منطقة الخليج العربي، وألحقت ضررا بالإسلام بعد تصعيد حدة الصراع بين العثمانيين والصفويين، وتحول الخلاف المذهبي بين الشيعة والسنة إلى صراع مسلح.

اقرأ أيضا:

من مصادر الموضوع:

  • بديع جمعة أحمد الخولي: تاريخ الصفويين وحضارتهم – دار الرائد العربي – القاهرة – 1976م.

  • رونالد ولبر: إيران ماضيها وحاضرها – ترجمة عبد النعيم محمد حسنين – دار الكتاب المصري – دار الكتاب اللبناني – القاهرة – 1405=1985م.

  • محمد فريد بك: تاريخ الدولة العلية العثمانية – تحقيق إحسان حقي – دار النفائس – بيروت – 1403هـ= 1983م.

  • عبد العزيز سليمان: الشعوب الإسلامية – دار النهضة العربية – بيروت – 1973م.


الصفويون والدولة العثمانية

أبو الحسن علوي بن حسن عطرجي

 

تقديم

المقدمة

إيران قبل الصفويين

نشأة الدولة الصفوية

عوامل قبول المذهب الشيعي في إيران

القوى المحيطة بالدولة الصفوية

الدولة العثمانية ودفاعها عن الإسلام ضد الصليبية

إعاقة الدولة الصفوية للفتوحات العثمانية

آثار الصدام بين الدولة العثمانية والصفويين

اتفاقيات ومؤامرات الصفويين مع النصارى ضد الدولة العثمانية

نهاية وانهيار الدولة الصفوية

شجرة الأسرة الصفوية

المصادر والمراجع

   

راجعه وقدم له

محمد بن حسن بن عقيل موسى

دار الأندلس الخضراء

 

قامت شبكة الدفاع عن السنة بنشر هذه المادة العلمية على الانترنت
 ونسأل الله تعالى أن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه تعالى

تقديم

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة ، السلام على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين   وبعد :

إن في التاريخ أحداثاً جساماً جعلها الله تعالى عبرة للمعتبرين ، وحتى تكتمل منها العبرة وتتضح فيها العظة فإنه لابد من توضيح تلك الأحداث وتفصيلها وعرضها عرضاً موضوعياً حتى لا تخفى العبرة منها على أصحاب النظرات العجلى أو على من ينظرون إلى أحداث التاريخ نظرات قائمة على حسن الظن والستر على مساوىء مهما كانت عظيمة .

ومن الأحداث المهمة في تاريخنا نشوء دولة للرافضة تحكمت في رقاب أهل السنة ردحاً من الزمان ، وكانت شوكة في حلوق سلاطين آل عثمان مانعة لهم من التوغل في أوروبا ونقلها من جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة .

وقد سلَّط أضواء العبرة والاتعاظ على تلك الأحداث أخي في الله – تعالى – علوي ، وأظهر في كتيبه هذا من الحقائق ما قد يخفى على كثير من المهتمين وطلبة العلم ، وقد كان لي تشوق إلى الكتابة عن أحوال الصفويين مع آل عثمان خصوصاً ولكن كفاني الأخ الكريم – بباكورة إنتاجه – هذا العمل المهم الذي قلما جمع جوانبه أحد فيما أعلم .

والله تعالى أسأل أن يثيب أخي بعلمه هذا وأن ينفع به وبمؤلفه ، ويمن علينا بالطاعة والاتباع ، ويجنبنا المعصية والابتداع .

 

محمد بن حسن بن عقيل موسى

 

المقدمة

 

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوكل عليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ،  أما بعد :

فقد كنت ذات يوم في محاضرة في الجامعة وكان المحاضر يتكلم عن التاريخ الإسلامي ثم ذكر العصر الذي مضى وكيف أن المسلمين كانوا هم القوة العظمى في ذلك الوقت ، وكانت القوة العظمى موزعة بين دولتين عظيمتين من دول الإسلام : الدولة العثمانية و الدولة الصفوية ، ولم أكن أعرف حينها شيئاً كثيراً عن الدولة الصفوية ، وظننت كما ظن غيري أنها دولة قامت لتحمي حمى الإسلام ، وتقف في وجه أعداء الدين على مختلف مللهم ، وهذا مما شجعني على الإطلاع والبحث في كتب التاريخ لمعرفة حقيقة هذه الدولة .

وقد يسمع البعض عن اسم الدولة الصفوية ولا يدري في أي قرن من الزمان قامت ونشأت ، وهذا للجهل بالتاريخ الإسلامي وعدم اطلاعنا عليه.

وقد يهاب أحدنا الإطلاع على التاريخ الإسلامي وخاصة في الحقب المتأخرة لكثرة المجلدات وضخامتها ، وذلك مما دعاني بأن أتقدم بتلخيص ميسر ووجيز ليكون كتيباً صغيراً أضعه بين يدي القارىء الكريم ، عن جزء من تاريخنا الإسلامي كانت فيه أحداث عظام أثرت في مجرياته .

وفي الكتيب ملخص عن دولة قامت على الحقد على أهل السنة وكانت من الأسباب التي مكنت لأعداء الدين من الصليبيين الحاقدين وغيرهم ، وكانت شوكة في حلوق أهل السنة وحاجزاً منع دولة الإسلام المتمثلة في الدولة العثمانية من التقدم في الجبهة الغربية الأوروبية .

والمتمعن في تاريخ الدولة الصفوية يلحظ الخدمة العظيمة التي قدمتها هذه الدولة للغرب ، كما سيمر معنا في هذا الكتيب بمشيئة الله تعالى .

 

أبو الحسن علوي بن حسن عطرجي

6/1/1414هـ


إيران قبل الصفويين

 

استوطنت إيران قبل عهد الصفويين قبيلتان من قبائل التركمان هما قراقويونلو أي أصحاب الخراف السوداء ، وآق قويونلو أي أصحاب الخراف البيضاء .

وكانت الفوضى تسود إيران في ذلك العصر حيث القتال مستمر بين القبيلتين ، وكان هذا بعد أن تجزأت إمبراطورية التيموريين بعد وفاة تيمور لنك [1]  مما زاد الفوضى في المنطقة [2] .

وظهرت الدولة الصفوية في تلك الأثناء ليتغير مجرى الأحداث وتبزغ الصراعات الجسيمة كما سيأتي بعد ذلك .

نشأة الدولة الصفوية

مؤسس الدولة الصفوية الذي أقام كيانها وأرسى قواعدها وبنيانها وفرض فيها المذهب الشيعي بالقوة وأقام دولة ذات قوة وشوكة وحدود هو الشاه إسماعيل بن حيدر الصفوي. ويُنسب الصفويون إلى صفي الدين الأردبيلي – الذي ولد عام ( 650هـ ) – وهو الجد الخامس للشاه إسماعيل ، وقد كانت نشأته نشأه صوفية حيث كان صاحب طريقة وهذا ما ساعد في التفاف الكثير من المريدين حوله ، ومن ثم انتشار دعوته وكثرة أنصاره . وبعد وفاته خلفه في رئاسة أتباعه ابنه صدر الدين موسى الذي مشى على طريقة أبيه ، ثم انتقل الأمر إلى ابنه صدر الدين خواجة علي سياهبوش . وقد ساعدت الظروف السيئة التي حلت بإيران على أيدي التيموريين [3]   في التفاف المريدين حوله وازديادهم وكانت علاقته بتيمور لنك علاقة جيدة وقوية .

ويعتبر صدر الدين أول من اعتنق المذهب الشيعي من الأسرة الصفوية ودعا إليه ، وهذا يعتبر نقطة تحول مسار هذه الأسرة التي كانت تدعي نسبها إلى الحسين بن علي بن أبي طالب t  وبعد وفاة خواجة علي سياهبوش خلفه ابنه شيخ شاه ، ومشى على خطاه .

بعد وفاته خلفه ابنه السلطان جنيد ، وفي زمنه اكتسب مريدوه قدرة على الحركة حيث إنهم اتجهوا بأعداد كبيرة إلى مقر الأسرة وأحاطوا بالسلطان جنيد الذي بدأ يكشف عن رغبته في الملك تدريجياً وهذا ثاني أخطر تحول مسار الأسرة الصفوية بعد التشيع ، وكانوا بادعائهم الانتساب إلى آل البيت قد بدأوا يطالبون بالتاج والعرش إثباتاً لحقهم المزعوم .

وتبدلت الدعايات المذهبية إلى مطالب سياسية [4]  وبدأ السلطان جنيد بإقامة حكم مستقل في أردبيل [5]  وأخذ يتقوى ويعد الجيوش لغزو شروان [6] . وللتوسع وبسط السيطرة ، دخل في معركة مع حاكمها ولكنه هزمه وقتله ، ورغم الهزيمة التي حلت بالأسرة الصفوية إلا أن هذا التحول يعتبر تحولاً خطيراً في مسارها فهذه هي أول معركة حربية تخوضها .

ثم انتقلت الرئاسة من بعده إلى ابنه السلطان حيدر حيث أخذ يعد العدة لينتقم لمقتل أبيه من حاكم شروان وأعد جيشاً جعل أفراده يرتدون القبعات الحمراء ومنذ ذلك الوقت صار أتباع الشيخ حيدر يعرفون بـ القزلباش [7] أي حمر الرؤوس .

ولما رأى حاكم شروان أنه لا طاقة له بالسلطان حيدر طلب المساعدة من السلطان يعقوب من أسرة آق قويونلو[8]  ، الذي كانت بينه وبين السلطان حيدر عداوة فاجتمعا عليه وهزماه وقتلاه .

ثم انتقل الأمر إلى ابن السلطان علي الذي ما لبث أن قتل ثم انتقل الأمر إلى ابن السلطان حيدر الثاني مؤسس الدولة الصفوية  الشاه إسماعيل الصفوي. 

التمكين للأسرة الصفوية ، وقيام دولتهم

كانت هناك محاولات لقتل أولاد حيدر جميعاً ومنهم الشاه إسماعيل ، ولكن يقال أنه اجتمع مائتان من أتباع ومريدي البيت الصفوي ونقلوا الشاه إسماعيل وأخاه إبراهيم بعد مقتل أخيهم عي خفية من أردبيل إلى كيلان [9]  [10]

ثم استدعى كاركياميرزا حاكم لاهيجان [11] الأخوين وأقامهما عنده وكان حاكماً قوياً ، وقد قام بإعداد إسماعيل وتربيته تربية ثقافية وعلمية وعسكرية ليعده للملك . ومكث إسماعيل فترة الإعداد خمس سنوات أتاحت بدورها فرصة كبيرة لأتباع البيت الصفوي للاتصال ببعضهم البعض بمساندة حاكم المنطقة .

في هذه الأثناء كان الصراع والتفكك قد فشى في أسرة آق قويونلو فظهرت في الأفق الفرصة لأنصار الصفويين بتحريك الشاه إسماعيل وإعداد الجيش حوله واغتنام هذه الفرصة . فتكون جيش القزلباش وتحرك الشاه إسماعبل بجيش يقدر بحوالي سبعة آلاف مقاتل أشداء إلى شروان للانتقام من حاكمها الذي قتل أباه وجده ، واستطاع هزيمته وقتله ، وقد كان قاسياً جداً في معاملته للقتلى حيث حرق جثة حاكم شروان ونبش القبور وخرب ودمر كل ما حوله [12]

 وخرج من هذه المعركة بمكسبين : الأول : كسبه قوة شعبية وسياسية حيث التف حوله كثير من الإيرانيين الشيعة الذين كانوا يرون في شخصيته منقذاً لهم من دوامات الأسر الحاكمة .

والمكسب الثاني  : هو الغنائم التي غنمها في هذه المعركة وهذا كان له أثر كبير في تدعيم جيشه .

وهناك بدأ التقدم الصفوي القوي ضد أسرة آق قويونلو وشعر بذلك زعيمها في ذلك الوقت الوندميرزا ، الذي أرسل رسالة إلى الشاه إسماعيل يذكره فيها بالقرابة والصلة بين الأسرتين ويدعوه أن لا يقترب من حدوده وإلا فإن لديه ثلاثين ألف مقاتل سيكونون له بالمرصاد ، وكان جواب الشاه إسماعيل له إنه إما أن يدخل تحت حكمه ويتشيع وإما القتال [13].

وحدثت معركة قوية بين الطرفين عام 907هـ ، وتمكن الشاه إسماعيل من هزيمة الوندميرزا الذي هرب بدوره إلى أرزنجان [14]  تاركاً الكثير من المعدات العسكرية للشاه إسماعيل ، ودخل الشاه إسماعيل تبريز [15]  منتصراً .

وبعد هذه المعركة الفاصلة توج الشاه إسماعيل ملكاً على إيران ، وما إن تم له ذلك حتى أعلن فرض المذهب الشيعي مذهباً رسمياً في مختلف أنحاء إيران دون مقدمات ، وقد كان أكثر من ثلاثة أرباع إيران من السنة [16] وكل من عارض هذا الأمر لقي حتفه فانقاد الناس له .

ثم بدأ في التوسع في أنحاء إيران المختلفة فانتقل إلى همذان [17]، وهزم حاكمها السلطان مراد الذي خلف الوندميرزا ثم انتقل إلى شيراز[18]  وفرض فيها المذهب الشيعي كذلك ، وخاض عدة معارك حتى استتب له أمر إيران .

 

عوامل قبول المذهب الشيعي في إيران

إنه من المفارقات والعجائب أن تتحول دولة بأكملها من دولة سنية إلى شيعية ، كما حصل ذلك في إيران ، التي كانت ذات أغلبية سنية ثم تحولت بسبب ظروف خاصة أحاطت بها إلى دولة شيعية تحارب السنة وأهلها .

أسباب التحول إلى المذهب الشيعي في إيران :

1. انتشار الفوضى والفتن :

بعد موت تيمور لنك تجزأت الإمبراطورية التيمورية إلى عدة أجزاء بعد صراعات متصلة وحروب دامية بين أبناء تيمور لنك الأربعة [19] .

وكان هناك صراع متصاعد بين أسرتي التركمان التي كانت تسيطر على منطقة غرب إيران وهما آق قويونلو و قراقويونلو والتي لم تدم سيطرة الحكم التيموري فيها طويلا ، فاستغلت هاتان الأسرتان الوضع لبسط نفوذهما وذلك كان سبب الصراع بينهما [20].

هذه الظروف السيئة مجتمعة ولدت الظلم والإجحاف من الحكام الذين كانوا يتنازعون السلطة في المنطقة ، ولم يكن لديهم الاهتمام بالرعايا ، ونعلم الأثر النفسي للحروب على السكان الذين ضاقوا ذرعاً بذلك وفقدوا الأمل في حياة مستقرة فلجأوا إلى الحلقات الصوفية للأسرة الصفوية بحثاً عن الراحة النفسية ولم يكتفوا بذلك بل أصبحوا مؤيدين وأتباعاً لها ، وكان الناس ينظرون بفارغ الصبر إلى اليوم الذي يتخلصون فيه من هذه النكبات فأخذوا في شد أزر الأسرة الصفوية ، وقد كان لتولي شيوخ الأسرة الصفوية القيادة الدينية والعسكرية معاً الأثر الكبير في إبراز قدرتهم ونفوذهم مما أكسبهم ثقة الناس وخاصة أنهم لم يكونوا قد أعلنوا تعصبهم للمذهب الشيعي وأنهم سيفرضونه بالقوة على رقاب الناس [21] .

2. نشاط دعاة الشيعة وانتشارهم بين القبائل

كان هؤلاء الدعاة يمهدون لقبول المذهب الشيعي ، وكانوا يتمركزون في مدن معينة مثل كامشان ، قُم ، الري ، وقد كانوا بعملهم هذا يهيئون الرأي العام الإيراني لمثل هذا التحول بنشر الأفكار والمعتقدات الشيعية بين عامة أفراد الشعب  [22]، وقد كان إسماعيل مدركاً لمدى رسوخ العقيدة عند أتباع المذهب الشيعي الذي كانوا يتعصبون له مما جعله يستغل ذلك بتحريكهم وجمعهم [23].

3. القهر الذي مارسه الشاه إسماعيل ضد السنة

بعد أن تُوج الشاه إسماعيل ملكاً أعلن أن المذهب الشيعي هو المذهب والمعتقد الرئيسي لإيران ، وذلك بعد دخوله تبريز ، وكل من يخالف ذلك ويرفضه فإن مصيره القتل ، حتى إنه قد ذكر له أن عدد سكان تبريز السنة يزيدون على ثلاثة أرباع السكان .

فقال : إن من يقول حرفاً واحداً فإنه سيسحب سيفه ولن يترك أحداً يعيش [24] ، وحتى قيل إن عدد من قتلوا في مذبحة تبريز أكثر من عشرين ألف شخص ، وقد مورس ضد السكان السنة أبشع أنواع القتل والتنكيل حيث قطعت أوصال الرجال والنساء والأطفال ومُثل بالجثث [25], فاستسلم الناس لهذا التصميم على فرض المذهب الشيعي .

4. الدافع القومي لدى الشعوب التي كانت تسكن المنطقة

فقد تجمع في إيران بمرور الزمن أقوام وأجناس مختلفة فكان فيها الإيرانيون والعرب والأتراك والمغول فكان التعصب للجنس ظاهراً بينهم . وكان التنافس شديداً بين الأتراك والإيرانيون والخلاف مستمر .

وأيضاً كان موقعهم الجغرافي بين العثمانيين من الغرب والأزبك [26] من الشرق دافعاً لمثل هذا التعصب والحمية.

وقد استغل إسماعيل هذه النقاط حيث أذكى الحماس لدى هذه القبائل والتعصب ضد من حولهم وأوحى لهم بتكوين تجمع خاص يحفظ لهم قوتهم وسيطرتهم على المنطقة .

هذه العوامل التي ذكرناها مجتمعة كانت من أهم العوامل التي ساعدت على قيام هذه الدولة الشيعية في وسط غالبية من السنة .

 

القوى المحيطة بالدولة الصفوية

كانت عناصر القوة المحيطة بإيران في ذلك العصر تتركز في ثلاثة محاور رئيسية : العثمانيين ، وقبائل وعشائر الأزبك وهي قبائل سنية ، والتيموريين الذين انهارت دولتهم بموت تيمور لنك – كما ذكرنا آنفاً .

أما العثمانيون فكانوا الند القوي للدولة الصفوية ، وخاضوا معها معارك وحروب عدة كما سيأتي :

وأما قبائل الأزبك فكانت تسعى للسيطرة على إيران وترى أنها أحق من الشاه إسماعيل الصفوي في الملك ، وبدايةً كان الشاه إسماعيل كان يريد أن يقيم علاقات ودية معهم ، وأرسل مبعوثين لذلك ، ولكن قائد الأزبك شيبك خان رد المبعوثين خائبين [27]  قد كانت لقبائل الأزبك تحركات قوية في المنطقة توحي أنها تسعى للسيطرة عليها وخاصة أنها شعرت بخطر سيطرة الرافضة ، مما كان السبب في قيام الحروب والمعارك بين الطرفين التي كانت غالباً ما تنتهي بانتصار الصفويين [28].

 

الدولة العثمانية ودفاعها عن الإسلام ضد الصليبية

قامت الدولة العثمانية في القرن السابع في وقت كان المسلمون فيه متفرقين متشتتين متناحرين ، وبقيام الدولة العثمانية ظهرت دولة الإسلام وكان الجهاد في سبيل الله وتحكيم شرع الله هو قوامها وقد أقام العثمانيون دولتهم على أساس توحيد الأناضول الإسلامية والبلقان النصرانية تحت حكمهم [29] .

وقد كان قيام دولة العثمانيين قوة للإسلام وحماية للدول الإسلامية من الاستعمار ، باستثناء دولة المغرب التي لم تكن تخضع للعثمانيين ، فالهند وإندونيسيا وماليزيا دخلها المستعمرون لكونها أمصاراً بعيدة عن نطاق الدولة العثمانية [30]  .

كانت أوروبا يقاتل العثمانيين على أنهم مسلمون وليس بصفتهم أتراكاً وكان الحقد الصليبي هو المحرك في حروب أوروبا مع العثمانيين ، وترى أوروبا في العثمانيين أنهم أحيوا الجهاد بعد أن أخمد في النفوس طويلاً ، وأن جهودهم التي كانوا يبذلونها في قتل روح الجهاد في المسلمين تمهيداً لإبادتهم وإنهاء أي شيء يمت إلى الإسلام بصلة قد تبددت بظهور هذه الدولة الفتية التي كانت تنظر إلى قتالها مع النصارى على أنه جهاد في سبيل الله وإحياء لهذه الشعيرة التي خمدت في نفوس المسلمين ، فكانت لها صولات وجولات مع النصارى في محاور عديدة ، وكان لها العديد من الفتوحات في بلادهم ونشرت الإسلام ومهدت الطريق أمام الدعوة بالجهاد في سبيل الله .

وكانت الدولة العثمانية تمثل الأمصار الإسلامية فهي مركز الخلافة ولا يوجد سوى خليفة واحد في ديار المسلمين ، وكان المسلمون في كل مكان ينظرون إلى الخليفة نظرة احترام وتقدير ويعدون أنفسهم من أتباعه ورعاياه [31]

كانت الدولة العثمانية الممثلة لدولة الإسلام تقاتل أعدائها من الصليبيين الحاقدين على عده محاور ، فالروس من الشمال والنمسا من الغرب والإمارات الإيطالية ، فرنسا ، وانكلترا ، والبرتغاليون في البحار والمحيطات ، والكل يحقد على هذه الدولة التي قضت على الدولة البيزنطية إحدى قواعد النصرانية وتوغلت في بقية أوروبا ، والكل يرى في هذه الدولة أنها هي التي حالت دون انتشار النصرانية ودون امتداد النفوذ الاستعماري الصليبي وطلائعه من البرتغاليين ومنعت وصولهم إلى القدس وسيطرتهم عليها ، وعلى الأماكن المقدسة الأخرى .

وتحقد روسيا على العثمانيين لأنها ترى فيهم أنهم أعداء ألداء قضوا على الدولة البيزنطية وعاصمتها القسطنطينية ، مركز المذهب النصراني الأرثوذكسي وقاعدته وحاميته ، وهو المذهب الذي تدين به روسيا[32] .

هذه الأسباب المتقدمة الذكر جعلت أوروبا تحقد على الدولة العثمانية وتدخل في حروب طاحنة معها ، ونلحظ في أيامنا هذه الحقد الدفين في نفوس الأوروبيين عليها ، ويظهر ذلك جلياً في كتاباتهم وسياستهم حتى في بعض الدول الأوروبية التي توجد فيها أقلية مسلمة ترجع إلى الأصول التركية المسلمة نرى فيها محاولات الإبادة والتصفية الجماعية مثل ما يحدث في بلغاريا وفي الدول ذات الأغلبية المسلمة كما في البوسنة والهرسك فإن أوروبا متحدة تسعى للقضاء على التجمع الإسلامي في هذه الدولة الصغيرة حتى لا يذكرهم بالفتوحات الإسلامية العثمانية .

ونرى في تاريخ الدولة العثمانية المجيد الكثير من المواجهات مع النصارى والمعارك التي كانت أكثرها تنتهي بانتصار العثمانيين وكانت لهم جهود لا بأس بها لاسترجاع الأندلس [33] .

إعاقة الدولة الصفوية للفتوحات العثمانية

لاحظنا في المبحث السابق ، جهود العثمانيين في الجهاد ضد قوى الصليب المختلفة ودفاعهم عن الإسلام في محاور عدة وأبرزها المحور الغربي حيث التجمع الصليبي الأوروبي الذي كان يتربص الدوائر بالإسلام والمسلمين وينتظر الفرصة المناسبة للانقضاض على دويلات الإسلام ليبتلعها دولة دولة ولكن ظهور الصفويين في المشرق كان عائقاً لتقدم العثمانيين في الغرب ، لأن مجهود الدولة كان موزعاً بين الشرق والغرب مما يقلل من قوة الهجوم للتقدم في وسط أوروبا [34] .

يقول الدكتور محمد عبد اللطيف هريدي في كتابة " الحروب العثمانية الفارسية " عندما ذكر أسباب تردي الدولة العثمانية وتحولها من القوة إلى الضعف ذكر عامل حروبها مع الدولة الصفوية فقال :

" أما أهم العوامل قاطبة فهو الحروب العثمانية الإيرانية ، إذ كانت هذه الحروب من الضراوة وطول الأمد ما يكفي لإنهاك العثمانيين وضعفهم ومن ثَمّ عدم قدرتهم على الصمود في الجبهة الأوربية مما يعني انحسار المد الإسلامي عن أوروبا .

لقد بدأ تراجع المسلمين عن البلقان حين اضطرت الدولة العثمانية إلى توقيع معاهدة قارلوفجه عام 1110هـ ، إذ بمقتضاها خرجت دولة المجر من قبضتها ثم توالت الهزائم وتوالت التنازلات ، فإذا تابعنا تاريخ الحروب العثمانية الإيرانية قبل هذا التوقيع لأدركنا تزامن هذه الحروب مع محاولات الدولة العثمانية الوقوف على قدميها أمام الصليبيين من ناحية ، وطول أمد هذه الحروب من ناحية أخرى فقد امتدت إحداها لتصل إلى أربعة وستين عاماً " [35] .

ويقول في موضع آخر . " وهكذا بدلاً من أن يضع الصفويون يدهم في يد العثمانيين لحماية الحرمين الشريفين من التهديد البرتغالي ولتطهير البحار الإسلامية منهم وضعوا أنفسهم في خدمة الأسطول البرتغالي ، لطعن الدولة العثمانية من الخلف ، ورغم انتصار العثمانيين عليهم فإن الحروب معهم كانت استنزافاً لجهود العثمانيين على الساحة الأوروبية وعرقلة للفتوح الإسلامية "  .

لقد كان التحرك الصفوي في المشرق والمؤامرات التي كانوا يُديرونها مع أعداء الإسلام ضد الدولة العثمانية – كما سيأتي في المبحث القادم – والدأب على نشر مذهبهم الشيعي في المنطقة ، ومحاولتهم التوسعية على حساب أهل السنة ، والفظائع الوحشية التي كانوا يرتكبونها ضد أهل المنطقة ، كانت هذه العوامل كلها مجتمعة هي المحرك للعثمانيين للتوجه لقتال الصفويين وتأديبهم والحد من نشاطهم المشبوه . وقامت بين الطرفين معارك متعددة وكبيرة من أشهرها معركة جالديران التي انتصر فيها العثمانيون نصراً كبيراً .

ولا شك في أن هذه المعارك التي قامت بين الطرفين – وإن كان النصر في غالبها للعثمانيين – والمؤامرات التي كان يدبرها الصفويون ضد الدولة العثمانية كانت أحد أسباب ضعف الدولة العثمانية كما مر معنا سابقاً .

في بداية نشأة الدولة الصفوية كانت علاقتها بالدولة العثمانية علاقة ترقب وحذر وكان بينهما حسن جوار وخاصة عندما كان الحاكم للدولة العثمانية السلطان بايزيد الثاني حيث كان سلس الطبع يحب الأدب والفلسفة ولم يكن يفكر في الفتوحات ولا بالمعارك ، وكانت الرسائل الودية سارية بين الطرفين رغم التجاوزات الكثيرة التي قام بها الصفويون على المناطق المجاورة لهم والتي تخضع للسلطة العثمانية

ثم قام الصفويون بعمل اضطرابات في ولاية تكه ايلي [36] في الحدود الشرقية من الدولة العثمانية وبدأت العلاقات تسوء بين الطرفين ولكن دون نشوب قتال حتى جاء السلطان العثماني سليم الأول ، والمعروف بقوته وصلابته ، حيث شعر السلطان سليم بخطر دولة الرافضة الناشئة على المنطقة وعلى أهل السنة فيها وقد كان من المحتم على السلطان سليم القضاء على الصفويين وذلك حتى يؤمِّن ظهره ليتقدم بعد ذلك في الشرق ووسط أوروبا  [37]،فجمع رجال الحرب والأدباء والوزراء وعلماء الدين في مدينة أدرنه في التاسع عشر من شهر المحرم عام 920هـ وذكر في هذا الاجتماع أن إسماعيل وحكومته الشيعية لإي إيران بمثابة خطر كبير على العالم الإسلامي ، وأن الجهاد ضد الزنادقة القزلباش واجب ديني على جميع المسلمين [38] .

وبهذا يكون السلطان سليم قد بدأ بالإعداد لمعركة فاصلة وقوية ضد الدولة الصفوية ، ثم تقدم السلطان سليم لقتال الدولة الصفوية في الثاني والعشرين من الشهر المحرم عام 920هـ التاسع عشر من مارس عام 1514 م وكان يسعى إلى المواجهة العسكرية مع الشاه إسماعيل ولكن الأخير كان يتهرب من ذلك ويحاول قطع الطريق وتخريبه ليحول دون وصول القوات العثمانية إلى داخل إيران حتى يأتي الشتاء فيهلك الجنود العثمانيون من البرد والجوع .

وعندما علم السلطان سليم بنوايا الشاه إسماعيل أرسل له وفداً بهدايا فيها ثياب نساء حتى يعلمه أن فعله من أفعال النساء فاستحثه للمواجهة حتى التقى الجمعان في صحراء جالديران ، وهزم الجيش العثماني الجيش الصفوي هزيمة نكراء ، وكان الجيش العثماني يتفوق بالعدد والعدة وكان يملك أحدث وسائل القتال التي لا يملكها الجيش الصفوي [39] .

وقد تمكن الشاه إسماعيل من الفرار إلى أذربيجان بعد هذه الهزيمة ودخلت الجيوش العثمانية تبريز عاصمة الدولة الصفوية ومهدت الطريق لدخول السلطان سليم ودخلها فاتحاً منتصراً وأحسن إلى أهلها من الشيعة رغم ما فعله الشاه إسماعيل بالسنة عند دخول تبريز .

وقد حدثت مؤامرة لاغتياله عند دخوله دبرها الشاه إسماعيل ولكن لم تنجح [40] ، وحاول إسماعيل إرسال وفد لإقرار صلح مع السلطان سليم ومعاهدة للسلام ولكنه رفض وأودع الوفد السجن [41] .

ورغم أن جالديران معركة قوية وهُزم فيها الصفويون هزيمة نكراء إلا أنها لم تكن حاسمة ولم تضع حداً للصراع بين الطرفين فقد ظل الطرفان يتربصان العداء ببعضهما البعض ، فبعد هزيمة إسماعيل نهض رؤساء كردستان وكانوا من السنة لمساندة السلطان سليم وطردوا الحاكم الإيراني من أراضيهم وطلبوا ضمها للعثمانيين بحيث إنه لم يمض وقت طويل حتى انضمت للعثمانيين خمسة وعشرون مدينة [42] ، وكانت هناك محاولات لإسماعيل لأخذ الثأر فحرك بعض قادة القزلباش بالإغارة على نواحي أرزنجان ولكن هزمهم العثمانيون ، واحتل العثمانيون ديار بكر [43] وماردين [44] وسائر مدن كردستان ، وأصبح الجزء الأكبر من أرض الأكراد في يد العثمانيين ، وتحدد الخط الفاصل بين الدولتين وبهذا أصبح من الصعب على إيران أن تتوسع في النواحي الغربية منها [45]  .

وعلى الرغم من مرض السلطان سليم في 926هـ/1520م إلا أته فكر في الخروج من عاصمته على رأس جيش لغزو إيران مرة أخرى ولكنه مات في الطريق في الثامن من شوال من العام نفسه ، وقد شجعت وفاة السلطان سليم الأول إسماعيل على أن يبدأ شغبه من جديد وتملكته الرغبة في الانتقام لهزيمته من العثمانيين في السنوات الأربع التالية لوفاة السلطان سليم غير أن المنية عاجلته فمات متأثر بمرض السل [46] .

وبعد وفاة الشاه إسماعيل جاء عهد ابنه " طهماسب " من بعده وقد كان عصره امتداد لعصر أبيه من حيث الصراع مع المعسكر السُني بجناحيه العثماني والأوزبكي .

وكان الحاكم العثماني – في تلك الفترة – هو السلطان سليمان القانوني وكان شعوره بالخطر الشيعي على البلاد وشكايات أهل السُنة من ظُلم الشيعة واستبدادهم ، وواجبه في حماية أهل السنة بصفته خليفتهم ، كان ذلك هو المحرك للسلطان لقتال الصفويين ، فأعد العدة واستعد لغزو الدولة الصفوية ، وعند سماع الصفويين بذلك اتصلوا بملك المجر ليعاونوهم على العدو المشترك ، فرد عليهم السلطان سليمان بإعدام الأسرى الفرس الذين كانوا معتقلين لديه ، وقرر توجيه حملة قوية إلى إيران ، إلا أنه حوَّل قواته ضد المجر بدلاً من ذلك ، وذلك نظراً لحيوية تلك الجبهة وأهميتها للدولة والتي كانت الهدف الرئيسي لها في مواجهة الصليبيين  [47] .

كانت العراق قد دانت للدولة العثمانية وذلك أن استرجعوها من أيدي الصفويين ، ولكن طهماسب دارت الأطماع في رأسه فغزا بغداد واحتلها وكان حاكمها قد دافع عنها دفاعاً مستميتاً .

ثم كانت هناك المحاولات من الشيعة لفرض مذهبهم علة أهل العراق الأوسط والجنوبي بما في ذلك بغداد والبصرة ، فانطلقت الصرخات من أهل السُنة في العراق مستغيثة بالسلطان سليمان القانوني ، فترك السلطان سليمان استانبول في ذي الحجة سنة 941هـ وعبر الحدود متجهاً إلى تبريز، وعين  إبراهيم باشا قائداً للجيش الذي دخل تبريز دون صعوبة ولا سفك دماء [48]، ثم وصل السلطان سليمان إلى تبريز بعد ذلك وبذل العطايا بسخاء لأهلها وأكرمهم على عكس فعل الحكام الصفويين الذين كانوا إذا دخلوا بلداً للسُنة أعملوا فيها السيف وذبحوا أهلها واستباحوها .

وتحرك الجيش العثماني إلى بغداد في الشتاء ودخلها السلطان سليمان في 27 جمادي الأولى 941هـ ، وبدون مقاومة ، بعد أن قاد كبار علماء السُنة الشعب في جهاد قضى على زعماء الشيعة والجنود الإيرانيين الذين كانوا يضطهدون أهل السُنة ، وبقى السلطان سليمان في بغداد حتى الربيع لتنظيم الإدارة في الولايات الجديدة وتقوية وسائل الدفاع ، وأعلن إلحاق العراق الدائم بالدولة العثمانية، وفي ذلك الوقت انتهز طهماسب انشغال السلطان سليمان في العراق وعاد إلى تبريز وستولى عليها ، وأعمل القتل في كل من ساعد السلطان سليمان ، فأرسل السلطان سليمان فرقة من جيشه لاسترجاع تبريز ولكنها هُزمت من الجيش الصفوي[49]  .

وقد كان السلطان سليمان رجلاً لا يقبل الهزيمة فتقدم إلى إيران بجيش كبير مزود بالعدة والعتاد ولما علم طهماسب بذلك فر إلى الجبال بجيشه كي ينقذه من الهلاك ، وكانت تلك عادته في كل مرة ودخل السلطان سليمان تبريز مرة أخرى ، وسيطر على كثير من المناطق حولها ، ثم استولت القوات العثمانية بعد ذلك على البصرة ، وامتد الحكم العثماني بعد ذلك إلى الإحساء وتم إنقاذ المذهب السُني من الخطر الشيعي وتأكدت زعامة الدولة العثمانية على العالم الإسلامي [50]  ، واستمر الوضع على ذلك كرَّ وفرَّ من الطرفين .

بعد ذلك قام السلطان سليمان بعقد اتفاقية صلح مع الشاه طهماسب في 8 رجب عام 963هـ واعترف طهماسب بموجب تلك الإتفاقية بالحدود العثمانية مثل ما كانت عليه في السابق شاملة آخر الفتوحات ، كما تعهد بالكف عن دعوته للتشيع ، وعدم غارته على الحدود العثمانية [51] . ولعل ما دفع العثمانيين لفعل ذلك هو محاولتهم لإيجاد استقرار عند حدودهم الشرقية لكي يتفرغوا للجبهة الغربية حيث القوات النصرانية ولمواصلة  فتوحاتهم في أوروبا  . وقد أسعد طهماسب أن تستقر العلاقات بينه وبين العثمانيين فذلك مكسب له ، فقد كانت الدولة العثمانية دولة قوية بأس مجهزة بأحدث التجهيزات .

ثم خلف الشاه طهماسب ابنه إسماعيل الثاني الذي يُذكر عنه أنه كانت لديه ميول سُنية فقد تلقى العلم على يد مُعلم سُني وكان يرغب في إعادة المذهب السُني إلى إيران [52] ، ولكن كانت نهايته القتل مسموماً على يد رجال القزلباش ، وفي فترة حكمه لم تحدث حروب مع الدولة العثمانية .

 ثم خلفه أخاه الشاه محمد خُدابنده ، وفي عصره حدثت معارك عنيفة مع الدولة العثمانية ، وذلك عندما وجد السلطان العثماني مراد الثالث الأوضاع متردية في إيران فلاحت له فرصة للسيطرة على إيران والقضاء على الدولة الصفوية .

هذا وقد كانت بينهم معاهدة للصلح ولكنه يعلم أن الصفويين ينتظرون الفرصة للانقضاض على الدولة العثمانية ، فأمر بالهجوم على إيران بقيادة مصطفى باشا ، وتحرك الجيش في الأراضي الإيرانية وكان النصر حليفه في المعارك التي خاضها ، حتى احتل قلعة تفليس [53]  .

وبعد وفاة الشاه محمد خلفه ابنه عباس الكبير والذي يُعد من القادة الأقوياء والذي تطورت في زمنه إيران تطوراً كبيراً ، وحقق في زمنه الكثير من الانتصارات على الدولة العثمانية التي كان قد بدء يدب فيها الضعف ، فهاجم القوات العثمانية في تبريز وأخرجهم منها وبدء بالزحف إلى المناطق الأخرى التي تليها ، وحدثت عدة عاهدات صلح بين على أن يبقى كل طرف في المناطق التي يسيطر عليها ولكن الجانب الصفوي كان دائم النقض لهذه المعاهدات لأنه كان يشعر بضعف الدولة العثمانية في ذلك الحين [54]  .

وقد ساهمت تلك الحروب التي قادها الشاه عباس ضد الدولة العثمانية في إضعافها وتشتيت جهدها عن المواجهة في أوروبا .

وبموت الشاه عباس حدث الضعف والانهيار للدولة الصفوية ، تولى الحكم بعد الشاه عباس حفيده سام ميرزا والذي سمى نفسه " صفي " باسم أبيه الذي قتله جده الشاه عباس [55]  وكان عمر سام ميرزا سبعة عشر عاما . وتولى الحكم عام 1038هـ .

وقد كان للشاه عباس أربعة أبناء قتلهم كلهم وسَمل أعينهم [56] خوفاً على منصبه من أن يزيلوه عنه [57]  فلم يجد أمامه عند احتضاره إلا حفيده المذكور سابقاً .

وفي عهد صفي حدثت عدة اشتباكات بين الصفويين والعثمانيين ، فقد حاول العثمانيون استرداد بغداد مرتين خسروا في الأولى ونجحوا في الثانية عندما حاصروها عام 1048هـ بقيادة محمد باشا في عهد السلطان مراد واستسلمت بغداد بعد حصار دام خمسين يوماً [58].

وبعد وفاة الشاه صفي تولى ابنه عباس الثاني الملك في الخامس عشر من صفر عام 1052هـ وعمره تسع سنوات ، وكانت الوصاية عليه بيد ميرزا تقي أحد الأمراء الذين كانوا حول أبيه [59]  وكان هذا الشاه مسالماً ولم تحدث في عهده اشتباكات مع الدول المحيطة بإيران .

وبعد وفاته تولى الحكم بعده ابنه صفي في عام 1077هـ وهو ابن عشرين عاماً ، ثم أطلقوا عليه اسم الشاه سليمان ويعد من أشد السلاطين الصفويين فساداً ، قضى حياته بين الخمر والنساء  [60]  ، ولم تحدث في عصره اشتباكات مع الدولة العثمانية .

وبعد وفاته تولى الحكم ابنه حسين ميرزا سنة1106هـ وفي عصره دار القتال بينه وبين الأفغان بعدما مارس ضدهم الظلم والاضطهاد ، وكذلك هاجم الروس إيران لضعف الدولة في ذلك الوقت فحملوا عليها مخترقين القفقاز واستولوا على سواحل بحر الخزر بدءاً من دربند [61]  حتى حدود إستراباد [62] حتى اضطر الشاه إلى عقد اتفاقية مع الروس تنازل فيها رسمياً عن كثير من المناطق والمدن الإيرانية [63]  وانتهى الأمر إلى قتله .

بعد ذلك تولى الحكم ابنه الشاه حسين طهماسب الثاني عام 1134هـ ، وفي عصره كان الامتداد للنفوذ الأفغاني وحصارهم للمدن الإيرانية ، وكانت الفرصة سانحة للعثمانيين للتقدم ، فهاجمت الجيوش العثمانية شمال وغرب إيران وسيطروا على أذربيجان و كرمانشاهان و همدان  ، ولصد هذه الهجمات ولإنقاذ إيران عقد طهماسب حلفاً مع قائد الافشاريين [64]  ناد شاه ، وكان هذا الحلف :الضربة القاضية لملك الصفويين فقد استبسل نادر شاه في القتال وكان محبوباً لدى القبائل وخاض معارك كثيرة على جميع الجبهات كان النصر حليفه فيها ، وعندما تمكن من الأمر وكان الجميع يعترف له بالفضل في إنقاذ إيران من الهجمات الخارجية طالب بعزل الشاه طهماسب وأقام ابنه الرضيع الشاه عباس الثالث مكانه على الحكم وأعلن نفسه وصياً عليه [65]  ولم يمض عام على هذا الأمر حتى جمع القادة والأعيان في موقف واحد وقال لهم : من تختارون للحكم ؟ فأجمعوا على اختياره هو وعزل الشاه عباس الثالث الرضيع وكانوا يعلمون بأنه يريد هذا الإختيار[66]   ، وكانت هذه هي نهاية الدولة الصفوية .

كان ذلك الذي مر معنا هو موقف الصفويين الشيعة في جميع مراحل حكمهم من الدولة العثمانية التي أخذت على عاتقها حماية المسلمين ونشر الإسلام في أوروبا لاسترداد الأندلس ، ولفتح المزيد من الأراضي الأوروبية الصليبية [67] .

وفي الوقت الذي كان فيه ملوك هذه الأسرة فظين غليظين جبارين على أهل السنة كانوا رقيقين لينين مع النصارى كما يعترف بذلك ويُقره الكاتب المؤرخ الشيعي عباس إقبال  حيث يقول : " ولم يكن الشاه عباس فظا على غير أهل السنة من دون أتباع سائر المذاهب لذا فقد جلب أثناء غزواته لأرمينية والكرج نحو ثلاثين ألف أسرة من مسيحي هذه الولايات إلى مازنداران وأسكنهم بها كما رحّل إلى أصفهان خمسين ألف أسرة من أرامنة جلفا وإيران  وبنى لهم مدينة جلفا على شاطىء نهر زاينده رود وأنشأ لهم فيها الكنائس وشجعهم على التجارة مع الهند والبلاد الخارجية بأن أعطاهم الحرية الكاملة " [68] .

آثار الصدام بين الدولة العثمانية والصفويين

لقد أثر القتال الذي دار بين الدولة العثمانية والصفويين تأثيراً مباشراً على الدولة العثمانية سواء في المجال العسكري وتقدمها في الفتوحات في أرض أوروبا الصليبية أو في اقتصاد الدولة .

فقد أثر القتال على إيرادات الدولة العثمانية من الجمارك التي كانت تحصلها من الطرق القديمة في الأناضول ، إذ أُقفلت معظم الطرق التجارية القديمة التي سادها الخطر ، وصار التبادل التجاري بين الأقاليم الإيرانية والعثمانية محدوداً ؛ إذ انخفض إيراد الدولة العثمانية من الحرير الفارسي في حين تحولت سيطرة البرتغال على البحار الشرقية إلى حصار عام لكل الطرق القديمة بين الشرق والغرب – عبر الشرق الأوسط –التي كانت حينئذ تحت سيطرة الدولة العثمانية [69] . 

ولقد استفادت أوروبا اقتصادياً استفادة كبيرة ، حيث كان الاقتصاد الأوروبي متأثرا كثيرا بسبب الحصار العثماني لقوافله ولمناطق النفوذ التجاري فكسدت التجارة الأوروبية في البر وهذا مما شجع البرتغاليين على سلوك جانب البحر لاكتشاف الطرق البحرية ، فكانت رحلة فاسكوديجاما .

حتى البحر كان الأوروبيون يجدون في سلوكه مشقة وكانت تجارتهم فيه تتعرض للحصار ، وكان العثمانيون قد استطاعوا قطع طريق التجارة القديم الذي يربط أوروبا بالشرق ولم يعد الأوروبيون قادرين على حمل بضاعتهم إلى الموانيء الشرقية للبحر الأبيض المتوسط وكسد حال تجار أوروبا الذين كانوا يتاجرون مع آسيا [70] .

ويكفي قول بوسيك سفير فرديناند في بلاط السلطان محمد الفاتح حين صرح قائلاً : " إن ظهور الصفويين قد حال بيننا ( يقصد الأوروبيين ) وبين التهلكة ( يقصد الهلاك على أيدي العثمانيين ) [71] .

 وقد تسببت الكثير من الحروب في أن يرجع القادة العثمانيون من فتوحاتهم في أوروبا ليوقفوا الزحف الصفوي على الأراضي السُنية ، كما حدث مع السلطان سليم العثماني حينما عاد من فتوحاته في أوروبا ليواجه إسماعيل الصفوي ، وكما حدث مع السلطان حينما حاصر النمسا وكان يدك أسوارها لمدة ستة أشهر وكاد أن يفتحها ، ولكن طارت إليه أنباء من الشرق جعلته يُكر راجعاً إلى استانبول ، لقد كانت نذر الخطر الصفوي [72] .

اتفاقيات ومؤامرات الصفويين مع النصارى ضد الدولة العثمانية

في حين كانت الدولة العثمانية رافعة راية الإسلام غازية في أوروبا فاتحة للقسطنطينية مدافعة عن الدول الإسلامية من الهجمات الصليبية ، وتخشاها جميع دول ومماليك أوروبا ، كانت الدولة الصفوية تُحيك المؤامرات ضدها وتدخل في اتفاقيات مع دول أوروبا الصليبية لمحاولة القضاء على القوة العثمانية الإسلامية .

وبشهادة الجميع كان عهد الدولة الصفوية هو عهد إدخال قوى الاستعمار في المنطقة حيث مهدت له الطريق .

ولقد شهد التاريخ كثيراً من تلك المؤامرات وخاصة التي كانت في عهد الشاه إسماعيل الصفوي ، فبعد الهزيمة المرة التي لحقت به في موقعة جالديران أمام السلطان سليم تحرك للتحالف مع البرتغاليين لتغطية الهزيمة التي لحقت به في هذه الموقعة فأقام العلاقات معهم والذين هم أنفسهم كانوا يبحثون عنها فقد كانوا جزءاً من أوروبا التي فرحت بظهور الدولة الصفوية حين لاحت لهم بظهورها فرصة انفراج الضغط العثماني عليهم وعلى تجارتهم ، ولذلك فقد سعت الدول الأوروبية إلى إسماعيل تعرض عليه تثبيت عُرى الصداقة والمودة لحضه على إيجاد علاقات سياسية واقتصادية [73] .

وأما البرتغاليون فقد تمت اتفاقية بين الشاه إسماعيل والبوكرك ، الحاكم البرتغالي في الهند نصت على أربع نقاط هي :

1.   تصاحب قوة بحرية برتغالية حملة إيران على البحرين والقطيف

2.   تتعاون البرتغال مع إيران في إخماد حركات التمرد في بلوجستان ومكران .

3.   تتحد الدولتان في مواجهة الدولة العثمانية .

4.  تصرف حكومة إيران النظر عن جزيرة هرمز ، وتوافق على أن يبقى حاكمها تابعاً للبرتغال وأن لا تتدخل في أمورها الداخلية [74] .

وأما اتفاقهم مع جمهورية فينيسيا ( البندقية ) فكانت مخزية كذلك ، فقد كانت فينيسيا من الدول المتأثرة تجاريا بسبب قضاء العثمانيين على الدولة البيزنطية وإغلاقها الطريق الرئيس للتجارة بين أوروبا وآسيا ، فأرسل الشاه إسماعيل السفراء إلى بلاط فينيسيا طالباً الهجوم على العثمانيين عن طريق البحر ، وأن يقوم هو بالهجوم من ناحية البر ، بشرط أن تسترد فينيسيا قواعدها التي فقدتها في البحر الأبيض المتوسط [75] .

ومن الدول التي كانت إيران تسعى لإيجاد علاقات معها للتخلص من الدولة العثمانية أسبانيا والمجر حيث بعث الشاه إسماعيل برسالتين إلى أسبانيا والمجر ، طلب فيها عقد معاهدة صداقة وتعاون بينهم وعرض فكرة اتحاد بغرض سحق الأتراك ، حسب تعبيره [76] .

وكانت للشاه عباس كذلك اتصالات ومؤامرات مع الجانب الصليبي ؛ فقد قدم الشاه عروضا للأسبان عن طريق البنادقة لكي يتقاسما أراضي الدولة العثمانية فتحصل الأولى على الجزء الأوروبي وتستأثر الثانية بالآسيوي ولم يكن هذا العرض سوى واحد من عروض كثيرة حملها سفراء إيرانيون كانوا يقطعون المسافة بين أوروبا وإيران جيئة وذهابا [77] .

كان هذا هو المنهج الذي نهجه الصفويون في تعاملهم مع دولة السُنة ، منهج كيد وتآمر ، ولقد أثر ذلك في كثير من مجريات الأمور، واستفادت الدول الأوروبية منه أعظم استفادة كما مر معنا سابقاً .

ويرى الرافضة أن تقاربهم مع أهل السُنة كما يذكر ذلك ويقرره المؤرخ الشيعي عباس إقبال في كتابه " تاريخ إيران بعد الإسلام " حيث يقول في صفحة ( 647 )" يُعد الشاه إسماعيل بلا شبهة أحد أرشد وأكبر ملوك إيران ومع أنه تخطى جادة الإنصاف والمروءة في تحميل مذهب التشيع على شعب إيران وكان أغلبهم حتى ذاك الوقت من السُنة فسفك دماء كثير من الأبرياء بقسوة إلا أن سياسته في هذا السبيل أي إيجاد الوحدة المذهبية في إيران وجعل المذهب الشيعي مذهباً رسمياً واختيار السيرة التي سار عليها خلفاؤه قد أفضت إلى نتيجة هامة جداً ، هي حفظ المجتمع الإيراني من شر هجمات السلاطين العثمانيين المتعصبين الذين كانوا يسمون أنفسهم من أواخر عهد السلطان سليم أمراء المؤمنين وخلفاء جميع المسلمين وادعوا أن كافة المسلمين لابد أن يطيعوهم بحافز الإيمان كهد الناس في زمن العباسيين وأن يعترفوا بأن إجراء أوامر السلطان فيهم فريضة دينية بعد حكم الله ورسوله r ، وقد حالت سياسة الملوك الصفويين بعداوتهم الدينية للسلاطين العثمانيين دون انخداع أهل إيران بهذه الدعوة وانخراطهم بفقد استقلالهم في المجتمع السني بل إنهم خلافاً لذلك كانوا دائما يتوددون ويرتبطون ببلاد المسيحيين الأوروبية يستقبلون سفرائهم ويبعثون إليهم بمبعوثيهم ، وقد تعرفت إيران إلى حد ما بهذه الطريقة إلى أحوال أوروبا التي كانت في حالة من الرقي ، كما صارت مقدمات لانتقال بعض وسائل الحضارة الجديدة إلى إيران " .

نهاية وانهيار الدولة الصفوية

رغم أنه في عصر الشاه عباس الكبير وصلت الدولة الصفوية إلى درجة كبيرة من التقدم  والازدهار إلا أنها أخذت تنحو نحو الانحدار بعد وفاته .

ورغم أن الشاه عباس الكبير قد دفع بإيران إلى التقدم إلا أنه قد زرع في نفس الوقت بذور الضعف في الدولة الصفوية فشرع السوس ينخر في عظامها [78].

وكان قد شاع في أواسط الأسرة الصفوية قتل بعضهم البعض خوفاً على المناصب ، فكانوا يقتلون كل من يتوجسون منه خيفة من أقاربهم حتى وصل الأمر بهم إلى قتل أبنائهم كما فعل الشاه عباس الكبير فقد قتل أبنائه الأربعة وسمل أعينهم كما مر معنا سابقاً .

وكانت كثرة العداوات مع الجيران المسلين سبباً قوياً في إنهاك الدولة وإضعافها ، فحروبهم التي كانوا يخوضونها مع الدولة العثمانية ومع الأُزبك والأكراد والأفغان كان الغرض منها ليس توحيد المسلمين تحت راية واحدة وإقامة خلافة إسلامية ، وإنما الغرض الأساسي هو السيطرة ومد النفوذ ونشر العقيدة والمذهب الشيعي بالقهر والقوة ، وقتل كل من يعارض ذلك فسفكوا الدماء في المدن السُنية التي كانوا يدخلونها ؛ لذلك استمرت الحروب مع الجيران حتى كانت مرحلة الضعف في الدولة الصفوية ومن ثم الانهيار .

وكان القهر الذي يمارس على الشعب والشطط في جباية الضرائب وظلم العمال سببا في قيام الثورات الداخلية ، وكذلك الضعف الاقتصادي الذي ألم بإيران في عصر الشاه عباس نتيجة النظام الإقطاعي الذي أوجده حيث أدى إلى حدوث مجاعات وقلة في المؤن حتى أن العسكر والمدنيين لم يجدوا الرواتب .

وكان من أسباب الانهيار كذلك ضعف الأمراء من بعد الشاه عباس الكبير وميولهم إلى الخمر والنساء وإهمال أمر الدولة ، فقد مرَّ في المباحث السابقة أنه تولى بعد الشاه عباس حفيده صفي ثم خلف صفيا ابنه عباس الثاني وبعده ابنه سليمان ، وخلف سليمان ابنه حسين ، ومن ثم ابن حسين طهماسب الثاني والذي انهار ملك الصفويين في عهده فقد كثُر الخارجين على الدولة من الداخل وكثر الهجوم من الخارج ، من الأفغان والعثمانيين والروس فلم يستطع السيطرة على المنطقة إلا بمساعدة نادر زعيم الافشاريين وعقد حلفاً معه ، فقد كان قائدا ذكيا شجاعا استطاع السيطرة على المنطقة والقضاء على الفتن الداخلية وإيقاف وصد الهجمات الخارجية ومن ثم قام بعزل طهماسب وأقام ابنه عباس الثالث الرضيع مكانه وأعلن نفسه وصيا على العرش ولم تمض ستة أشهر حتى أخذ الملك لنفسه باختيار القادة والأمراء حوله .

وكانت هذه نهاية طبيعية لدولة قامت على الظلم والتفريق بين الأمة والتحالف مع أعدائها ، وقد كانت الفترة التي قضتها الأسرة على كرسي الحكم قرنين ونصف القرن .

 

شجرة الأسرة الصفوية في الرئاسة والحكم

 

صفي الدين الأردبيلي

صدر الدين موسى بن صفي الدين

السلطان خواجة سياهبوش

إبراهيم ( شيخ شاه)

السلطان جُنيد

السلطان حيدر

الشاه إسماعيل الصفوي ( مؤسس الدولة الصفوية)

طهماسب

الشاه إسماعيل الثاني                    السطان محمد خدا بنده

                                      الشاه عباس الكبير

                                صفي الأول

                                عباس الثاني

                                صفي الثاني ( سليمان)

  حسين

   طهماسب الثاني

   عباس الثالث (الرضيع)

 

المصادر والمراجع

 

1.    استحابات إسلامية لصرخات أندلسية : محمد بن حسن بن عقيل موسى – دار الأندلس للنشر والتوزيع-ط1.

2.    البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع – القاضي شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني – دار المعرفة – بيروت.

3.    بلدان الخلافة الشرقية : كي لسترنج – مؤسسة الرسالة – بيروت – ترجمة بشير فرنسيس وكوركيس عواد ط2.

4.    التاريخ الإسلامي : محمود شاكر (الدولة العثمانية) – المكتب الإسلامي – بيروت – ط2.

5.    تاريخ إيران بعد الإسلام : من بداية الدولة الطاهرية حتى نهاية الدولة الاجارية – عباس إقبال – نقله من الفارسية وقدم له وعلق عليه : د. محمد علاء الدين منصور – دار الثقافة للنشر والتوزيع –القاهرة – طبعة عام 1410هـ.

6.    جهود العثمانيين لإنقاذ الأندلس واسترداده في مطلع العصر الحديث : د. نبيل عبد الحي رضوان – مكتبة الطالب الجامعي (مكة المكرمة) ط1.

7.    الحروب العثمانية الفارسية وأثرها في انحسار المد الإسلامي عن أوروبا : د. محمد عبد اللطيف هريدي – دار الصحوة للنشر والتوزيع – القاهرة – ط1.

8.    الدولة الصفوية – تاريخها السياسي والاجتماعي – علاقتها بالعثمانيين : د. أحمد الخولي – مكتبة الأنجلو المصرية – ط 1981

9.    معجم البلدان : تأليف الإمام شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت الحموي – دار الفكر – بيروت.                                


[1] هو تيمور لنك ابن طرغاي الأعرج ، وهو اللنك في لغتهم ، ظهر في تركستان وتغلب على ملكهم وخاض حروباً عظيمة في بلاد ما وراء النهر وبخارى وسمرقند وخراسان وزحف على بغداد وحلب ودمشق واستولى عليها كلها بسهولة ، وكسر السلطان با يزيد العثماني وأخذه أسيراً وكان له فكر صائب ومكائد في الحرب عجيبة ، وفراسة قل أن تخطىء ، وكان طاغية ظالماً مغرىً بغزو المسلمين دون الكفار ، توفى سنة 807هـ  وهو  متوجه إلى الحرب ، انظرالبدر الطالع  1/173-180 .

[2] الدولة الصفوية لمحمد الخولي ص 3-12 ، تاريخ إيران بعد الإسلام لعباس إقبال .

[3] أتباع تيمور لنك

[4] الدولة الصفوية : ص ( 35 ) . بتصرف .

[5] أردبيل من أشهر مدن أذربيجان ( معجم البلدان ) 1/145 .

[6] شروان مدينة ناحية أرمينية ( معجم البلدان ) 3/339 .

[7] القزلباش من أشد القبائل في إيران وأصلهم تركي يتكون من تسع قبائل ،  وقد كان أفراد كثيرون قد أسرهم تيمور لنك بعد انتصاره على العثمانيين ثم توسط  ( خواجه علي سياهبوش )  في فك أسرهم ومنذ ذلك الوقت التفوا حول الأسرة الصفوية وقدموا لها فروض الطاعة وهم كانوا من أشد مناصريها وكان دعمهم العسكري من أبرز وسائل القوة التي مكنت للأسرة  . ( الدولة الصفوية : ص ( 41 ) وما بعدها ) .

[8] أسرة آق قويونلو – كما مر سابقاً – هي أسرة تركية الأصل سنية المذهب ومؤسسها أوزان حسن ، كان قد أحسن إلى أفراد الأسرة الصفوية حيث زوج ابنته حليمة بيك آغا للسلطان جنيد ورحب بأفراد الأسرة الصفوية في دولته ولكن بعد وفاته ساءت العلاقة بين الأسرة الصفوية وآق قويونلو التي كانت تسيطر على إيران . الدولة الصفوية ص ( 32 ) .

[9] الدولة الصفوية : ص (46) .

[10] إقليم كيلان أحد أقاليم إيران الكبيرة ويقع إلى الشمال وشمال غرب طهران .

[11] لاهيجان أحد مدن إقليم كيلان وتقع على بحر الخزر .

[12] الدولة الصفوية ص ( 48 ) بتصرف .

[13] الدولة الصفوية ص (49،50) بتصرف .

[14] بلد من بلاد أرمنية في ضفة الفرات اليمنى " بلدان الخلافة الشرقية ص : 150 " ، " معجم البلدان " : 1/ 150 .

[15] تبريز : مدينة من مدن إيران حالياً وتقع شمال غرب إيران .

[16] الدولة الصفوية : ص (51،52) .

[17] همذان مدينة من مدن إيران حالياً .

[18] شيراز من مدن إيران .

[19] الدولة الصفوية ص ( 3-20) .

[20] المصدر السابق (11 وما بعدها ) .

[21] المصدر السابق ص ( 38،39 ) بتصرف .

[22] الدولة الصفوية : ص (51،52 ) بتصرف .

[23] المصدر السابق ص ( 85 ) .

[24] المصدر السابق ص (51،52) بيصرف .

[25] المصدر السابق ص (51) : انظر الهامش في الصفحة نقلاً عن تشكيل شاهنشاهي صفوية ص (88) .

[26] نسبة إلى أزبك خان ، وهي قبائل وفدت على إيران من هضاب آسيا .

[27] الدولة الصفوية ص (60) .

[28] انظر المصدر السابق ص (60-65) .

[29] جهود العثمانيين لإنقاذ الأندلس واسترداده في مطلع العصر الحديث . د . نبيل عبد الحي رضوان .

[30] التاريخ الإسلامي : محمود شاكر ج/8 ص ( 30 ) .

[31] المصدر السابق ج/8 ص ( 31-32 ) بتصرف .

[32] الحروب العثمانية الفارسية وأثرها في انحسار المد الإسلامي عن أوروبا :24 .

[33] اقرأ كتاب" جهود العثمانيين لإنقاذ الأندلس " . د : نبيل عبد الحي العوضي ، واستجابات إسلامية لصرخات أندلسية . تأليف : محمد بن حسن بن عقيل موسى ص ( 71-76 )

[34] " جهود العثمانيين لإنقاذ الأندلس " : ص ( 115 ) .

[35] " الحروب العثمانية الفارسية " ص ( 70 ) .

[36] تكه ايلي : مدينة ساحلية تقع على ساحل بحر الروم " بلدان الخلافة الشرقية " ص ( 176 ) .

[37] " جهود الدولة العثمانية لإنقاذ الأندلس " ص ( 435 ).

[38] " الدولة الصفوية " ص ( 73-74 ) بتصرف.

[39] " الدولة الصفوية " ص (74-78 ) بتصرف.

[40] المصدر السابق ص ( 79 ) .

[41] المصدر السابق ص ( 80 ) بتصرف.

[42] المصدر السابق ص ( 80-81 ) بتصرف.

[43] نسبة إلى قبيلة بكر التي سكنت الديار وهي في أعلي دجلة . " بلدان الخلافة الشرقية " ص ( 114 ).

[44] قلعة صخرية عظيمة تسمى بالباز قريب من نصيبين . " بلدان الخلافة الشرقية " ص ( 125 ).

[45] " الدولة الصفوية " ص ( 81-82 ) بتصرف.

[46] المصدر السابق ص (83 ).

[47] " جهود العثمانيين لإنقاذ الأندلس " ص (438-439 ).

[48] المصدر السابق ص ( 441 ) بتصرف.

[49] " الدولة الصفوية ص( 116 ) بتصرف.

[50] " جهود العثمانيين لإنقاذ الأندلس " ص ( 443 ).

[51] المصدر السابق ص ( 445 ) بتصرف.

[52] " الدولة الصفوية " ص(149) بتصرف.

[53] المصدر السابق ص (164-166) بتصرف.

[54] المصدر السابق ص (186-188) بتصرف.

[55] المصدر السابق ص ( 210 ) .

[56] السمل هو إذهاب العين بحديدة محماة ونحوها . انظر " لسان العرب " (س م ل ) ؟

[57] المصدر السابق ص ( 208 ) ، " تاريخ إيران بعد الإسلام " ص ( 688 ).

[58] " الدولة الصفوية " ص (213-216 ) بتصرف.

[59] المصدر السابق ص ( 216 ) بتصرف

[60] المصدر السابق ص ( 220 ) بتصرف.

[61] دربند : أجمل موتني بحر قزوين ، " بلدان الخلافة الشرقية " ص (214 ).

[62] استراباذ : مدينة فيإقليم جرحان وهي شمال شرق إيران " بلدان الخلافة " : ص (419).

[63] " الدولة الصفوية ص (222-226) بتصرف.

[64]  ويرجع هذا المسمى إلى قبيلة افشار ، وهي من التركمان الذين هاجروا إلى أذربيجان واستوطنوا لدى الغزو المغولي للتركستان ،" الدولة الصفوية " ص ( 232 ).

[65] المصدر السابق ص ( 241 ).

[66] المصدر السابق ص (247-248 ) بتصرف.

[67] " جهود العثمانيين لإنقاذ الأندلس " ص (447 ).

[68] " تاريخ إيران بعد الإسلام " ص ( 670 ).

[69] " جهود الدولة العثمانية لإنقاذ الأندلس " ص ( 438 ).

[70] " الدولة الصفوية " ص ( 88) بتصرف .

[71] المصدر السابق ص ( ب المقدمة ) .

[72] الحروب العثمانية الفارسية " ص (61 ).

[73] " الدولة الصفوية " ص (87) بتصرف.

[74] " الدولة الصفوية " ص ( 91 -92 ) ، جهود العثمانيين لإنقاذ الأندلس  ص  ( 436-437 )

[75] " الدولة الصفوية " ص (93 ).

[76] المصدر السابق ص ( 94 ) .

[77] "الحروب العثمانية الفارسية " ص ( 72 ).

[78] المصدر السابق ص ( 94 ).

موقع فيصل نور