الاستدلال بحديث الثقلين

أما الاستدلال بحديث الثقلين، فقبل الكلام فيه نقول: رغم اضطراب أسانيد روايات الفريقين فيه، إلا أنه ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بألفاظ مختلفة، وطرق يعضد بعضها بعضاً، ويرقى إلى مرتبة الصحة بالشواهد والمتابعات، أنه قال: إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا.. فاقتصرت بعض الروايات على ذكر كتاب الله([1]).

وفي أخرى: وعترتي([2]).

وأخرى: وعترتي أهل بيتي([3]).

وأخرى: وسنتي([4]).

فإذا علمت ثبوت هذه الروايات والألفاظ فيكون الكلام في وجه الاستدلال.. أما القرآن فقد علمت موقف القوم منه في الباب الثاني؛ إذ لم يتمسكوا بكتاب الله لزعمهم أنه محرف، وقد زيد فيه ونقص، فعليه سقط نصف استدلالهم بالحديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله.. الحديث.

بيان من هم عترة النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته:

أما العترة فالأمر فيه واسع، فعترة الرجل في اللغة هم نسله كولده وولد ولده، أي: الذكور من الأولاد، وهذا إشكال قد يخرج علياً رضي الله عنه من كونه من العترة.

وتوسع البعض، فقال: إن عترة الرجل هم أدنى قومه إليه في النسب، ورهطه، ورهط الرجل قومه وقبيلته.. إلى غير ذلك([5]).

وعلى الأخير ندلل ببعض الروايات: فعن علي رضي الله عنه قال: يا رسول الله، إنك لتحب عقيلاً؟ قال: إي والله، إني لأحبه حبين: حباً له وحباً لحب أبي طالب له، وإن ولده لمقتول في محبة ولدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين، وتصلي عليه الملائكة المقربون، ثم بكى رسول الله حتى جرت دموعه على صدره، ثم قال: إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي([6]).

وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: نحن عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم ([7]).

وعن عمران بن الحصين قال: خطبنا رسول الله، فقال: معاشر الناس، إني راحل عن قريب، ومنطلق إلى المغيب، أوصيكم في عترتي خيراً، فقام إليه سلمان، فقال: يا رسول الله، أليس الأئمة بعدك من عترتك؟ فقال: نعم، الأئمة بعدي من عترتي([8]).

وعن الحسين رضي الله عنه قال بعد أن جمع ولده وإخوته وأهل بيته ونظر إليهم فبكى ساعة: اللهم إنا عترة نبيك([9]).

وعن الباقر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله إن في أهل بيتي من عترتي لهداة مهتدين([10]).

وعن الصادق: نحن ولاة أمر الله، وورثة وصي الله، وعترة نبي الله([11]).

وعن الباقر في قوله عز وجل: ((رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ)) [إبراهيم:37]: نحن بقية تلك العترة([12]).

وعن زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم أنه قال: أنا من العترة([13]).

وكذا قال أبناء مسلم بن عقيل رضي الله عنهم ([14]).

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عليكم بالسمع والطاعة للسابقين من عترتي، فإنهم يصدونكم عن البغي، ويهدونكم إلى الرشد، ويدعونكم إلى الحق، فيحيون كتابي وسنتي ويميتون البدع([15]).

نعم، قد يسأل سائل فيقول: إنه صلى الله عليه وسلم قد أمر بالتمسك بالعترة وهو لفظ عام؛ ولكنه خص التمسك بالأهل من دون سائر العترة بقوله: وعترتي أهل بيتي، فوجه الحكم إلى من استحق هذين الاسمين.

فنقول: لِمَ لَم يقتصر على ذكر الأهل فحسب، فيقول: وكتاب الله وأهل بيتي؟ هذا على فرض حمل الأهل على ما يراه القوم، فمعلوم أن الأهل داخلون في العترة وليس العكس، ولكن إذا علمنا من هم الأهل -كما مرَّ بك في آية التطهير- لا نرى داعياً لكل هذا التكلف، ولكن لا بأس أن نزيد هنا نصوصاً أخرى تدل على أن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم أعم وأشمل بكثير من هذا الحصر.

فقد سبق ذكر رواية أم سلمة، ورواية واثلة بن الأسقع، وجعلهما من آل البيت على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك رواية علي رضي الله عنه وجعله زوجة الرجل من آل بيته، فراجعها إن شئت، وإليك مزيداً من الروايات:

منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الثقلين نفسه بعد أن قال: إني تارك فيكم الثقلين.. الحديث، قيل له: فمن أهل بيتك؟ قال: آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل عباس([16]).

والطريف أن القوم وضعوا رواية في موضوعنا هذا تفيدنا ولا تخدمهم، حيث زعموا أن الباقر قال في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي، لو سكت رسول الله ولم يبين أهلها لادعاها آل عباس، وآل عقيل، وآل فلان، وآل فلان، ولكن أنزل في كتابه: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33]، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم تحت الكساء.. وذكر القصة([17]).

فهم يقرون هنا بأن حديث الثقلين إنما كان قبل نزول آية التطهير التي بيَّن فيها الرسول صلى الله عليه وسلم -بزعمهم- من هم أهل البيت، وعلى هذا فمن هم الذين أوصى أصحابه بالتمسك بهم مع القرآن كما في حديث الثقلين في غدير خم، وذلك في الفترة الفاصلة بين حديث الثقلين هذا، وبين نزول آيه التطهير كذلك؟ فتأمل!

وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تارك فيكم الثقلين، أولهما: كتاب الله، ثم قال: وأهل بيتي، فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن من حرم عليه الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم([18]).

وفي مرض موته صلى الله عليه وسلم لما سمع البكاء قال: من هؤلاء؟ قالوا: الأنصار، فقال: من هنا من أهل بيتي؟ قالوا: علي والعباس، فدعاهما وخرج متوكئاً عليهما.. الرواية([19]).

وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: كنت جالساً عند النبي في المسجد، إذ دخل العباس بن عبد المطلب فسلم، فرد النبي ورحب به، فقال: يا رسول الله، بم فضل علينا أهل البيت علي بن أبي طالب والمعادن واحدة؟ فقال النبي: إذن أخبرك يا عم.. الرواية([20]).

وعن الباقر قال: لما أمر العباس وغيره بسد الأبواب وأذن لعلي بترك بابه، جاء العباس وغيره من آل محمد، فقالوا: يارسول الله، ما بال علي يدخل ويخرج؟ فقال رسول الله: ذلك إلى الله، فسلموا له حكمه([21]).

فمن يقصد بقوله: وجاء العباس وغيره من آل محمد؟! وقال صلى الله عليه وسلم لفاطمة: زوجتك خير أهل بيتي، أقدمهم سلماً، وأعظمهم حلماً، وأكبرهم علماً([22]).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار، يا معشر بني هاشم، يا معشر بني عبدالمطلب، أنا محمد أنا رسول الله، ألا وإني خلقت من طينة مرحومة في أربعة من أهل بيتي: أنا وعلي وحمزة وجعفر([23]).

وقال صلى الله عليه وسلم: إن إلهي اختارني في ثلاثة من أهل بيتي، وأنا سيد الثلاثة وأتقاهم لله ولافخر، اختارني وعلياً وجعفراً ابني أبي طالب، وحمزة بن عبدالمطلب([24]).

وقال صلى الله عليه وسلم في مرض موته لفاطمة رضي الله عنها بعد أن سألته: أي أهل البيت أفضل؟ قال: علي بعدي أفضل أمتي، وحمزة وجعفر أفضل أهل بيتي بعد علي وبعدك وبعد ابنَيَّ وسبطَيَّ([25]).

وفي غزوة بدر لما استشهد شيبة بن عبد المطلب قال صلى الله عليه وسلم فيه: بأنه أول شهيد من أهل بيتي([26]).

وإن شئت أعم من هذه الروايات فإليكها:

قال صلى الله عليه وسلم: يا بني عبدالمطلب، إني سألت الله لكم أن يعلم جاهلكم، وأن يثبت قائمكم، وأن يهدي ضالكم، وأن يجعلكم نجداء جوداء رحماء، ولو أن رجلاً صلى وصف قدميه بين الركن والمقام ولقي الله ببغضكم أهل البيت دخل النار([27]).

وقال صلى الله عليه وسلم: فوالذي نفسي بيده، لو أن رجلاً صنف بين الركن والمقام صائماً وراكعاً وساجداً، ثم لقي الله عز وجل غير محب لأهل بيتي لم ينفعه ذلك، قالوا: ومن أهل بيتك يا رسول الله؟ أو أي أهل بيتك هؤلاء؟ قال صلى الله عليه وسلم: من أجاب منهم دعوتي، واستقبل قبلتي، ومن خلقه الله مني ومن لحمي ودمي، فقالوا: نحن نحب الله ورسوله وأهل بيت رسوله، فقال: بخٍ بخ، فأنتم إذاً منهم، أنتم إذاً منهم ومعهم، والمرء مع من أحب وله ما اكتسب([28]).

فكم من أهل بيته استجاب لدعوته؟

ولما سئل صلى الله عليه وسلم عمن يغسله، ويكفنه، ويدخله القبر؟ قال: رجال أهل بيتي الأدنى فالأدنى([29]).

وقال صلى الله عليه وسلم لعلي: يا علي، كن أنت وابنتي فاطمة والحسن والحسين، وكبروا خمساً وسبعين، ثم من جاء من أهل بيتي يصلون علي فوجاً فوجاً... الحديث([30]).

وقال صلى الله عليه وسلم لعلي في مرض موته: يا أخي، تقبل وصيتي، وتنجز عني ديني، وتقوم بأمر أهلي من بعدي... الحديث([31]).

ومثلها روايات الخليفة في الأهل التي ذكرناها في الباب الأول، فهل يرى القوم أنه رضي الله عنه مضيع للزهراء والسبطين رضي الله عنهم حتى يأمره صلى الله عليه وسلم أو يأمر غيره بالقيام بأمرهم بعده؟!

وهذا الحسن رضي الله عنه في كتاب الصلح إلى معاوية، قال: وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه، وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء، وبما أعطى الله من نفسه، وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت رسول الله غائلة سراً ولا جهراً، ولا يتخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق([32]).

ونحن نعلم أنه رضي الله عنه عندما قال هذا لمعاوية كان أبوه الأمير وأمه الزهراء رضي الله عنهما قد ماتا، وهو قد ذكر بقية أهل الكساء، وهم نفسه وأخوه الحسين رضي الله عنهما، فمن يقصد بقوله: ولا لأحد من أهل بيت رسول الله؟!

وعن الصادق قال: ليس منا أحد إلا وله عدو من أهل بيته([33]). فمن يا ترى مِنْ أهل الكساء كان عدواً لأهل الكساء؟!

وعلى أي حال، فالمسألة فيها طول، والروايات القليلة التي أوردناها كلها تدل دلالة واضحة على فساد الحصر المذكور عند القوم، وقد بينا عند حديثنا عن روايات آية التطهير أن خروج باقي الأئمة مستلزم بذات الاعتبار، ونزيد هنا أن بعض الروايات ذهبت إلى أبعد من هذا ولو على سبيل التشريف كما في بعضها:

فعن الديلمي قال: قلت لأبي عبدالله: جعلت فداك، من الآل؟ قال: ذرية محمد.

وفي رواية: عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبدالله: من آل محمد؟ قال: ذريته([34]).

وعن الرضا أنه سئل عن العترة: أهم الآل أم غير الآل؟ فقال: هم الآل([35]).

وفي بعض الروايات: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أمتي آلي.

وفي أخرى: قال: آل محمد أمته([36]).

وعن الباقر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع بمن مات من بني هاشم خاصة شيئاً لا يصنعه بأحد من المسلمين، كان إذا صلى على الهاشمي ونضح قبره بالماء وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم كفه على القبر حتى ترى أصابعه في الطين، فكان الغريب يقدم أو المسافر من أهل المدينة فيرى القبر الجديد عليه أثر كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: من مات من آل محمد صلى الله عليه وسلم ([37])؟

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في سلمان الفارسي رضي الله عنه: سلمان منا أهل البيت([38]).

ولأبي ذر الغفاري رضي الله عنه: يا أبا ذر، إنك منا أهل البيت([39]).

وللمقداد رضي الله عنه: المقداد منا أهل البيت([40]).

وقال علي في الزبير رضي الله عنه: مازال الزبير رجلاً منا أهل البيت([41]).

وقال في الراهب الذي لقيه في طريقه إلى صفين وأسلم واستشهد معه في المعركة: هذا منا أهل البيت([42]).

وكذا قول الصادق لأكثر من واحد من أصحابه: إنه منا أهل البيت([43]).

وقال ابن الحنفية رضي الله عنه في قوله تعالى: ((قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)) [الشورى:23]، قال: نحن من أهل البيت وقرابته([44]).

وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زيد بن حارثة، فقال: المقتول في الله، والمصلوب في أمتي، والمظلوم من أهل بيتي سمي هذا، وأشار بيده إلى زيد بن حارثة، فقال: ادن مني يا زيد، زادك اسمك عندي حباً، فأنت سمي الحبيب من أهل بيتي([45]).

حتى جبرئيل عليه السلام، ففي بعض روايات الكساء أنه دخل فيه فَتضاعفَ حُسنه وبهاؤه، ولما سألته الملائكة عن ذلك؟ قال: كيف لا أكون كذلك وقد شرفت بأن جعلت من آل محمد وأهل بيته([46]).

وهذا الباقر يقول لسعد بن عبد الملك وهو من بني أمية: أنت أموي منا أهل البيت([47]).

ويروي القوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها: يا عائشة، إنك لتقاتلين علياً، ويصحبك ويدعوك إلى هذا نفر من أهل بيتي وأصحابي([48]).

فمن من أصحاب الكساء كان معها رضي الله عنهم أجمعين؟

وعن محمد بن علي بن الحنفية قال: إنما حبنا أهل البيت شيء يكتبه الله في أيمن قلب العبد([49]).

ولا نمل القارئ بإيراد كل ماورد في الباب، فهي كثيرة جداً، ولم نعلق على أكثرها، إنما سردناها سرداً هنا لدلالتها الواضحة في بيان المقصود، وأن مفهوم أهل البيت أعم بكثير مما يراه القوم، بعد بيان فساد الحصر المزعوم في الخمسة أصحاب الكساء.

موقف الشيعة من الثقلين:

ثم إن القوم يقرون بأن القرآن لم يرفع الخلاف بين المسلمين؛ بل نرى القرآن سبباً في اضطراب الكثير من عقائدهم لما فيه من تعارض لها، حتى أفضى بهم الأمر إلى القول بتعرضه للتحريف كما مر بك في الباب الثاني، وأن القرآن كما أنزل إنما هو عند صاحب الزمان الذي اختفى به وسيأتي به عند خروجه، لتجد نفسك مطالباً بالتمسك بثقلين: أحدهما: محرف، والآخر: غائب، ولا يعدون ذلك من الضلال.

أضف إلى ذلك ما ذكرناه عند حديثنا عن آية التطهير من اختلاف أهل البيت مع بعضهم البعض، وكذا اختلاف أجوبتهم في المسألة الواحدة، بل واختلاف الإمام نفسه في المسألة([50]).

واضطراب القوم في تأويل ذلك، والذي كان من ثمراته اختلاف المراجع في العصر الواحد، حتى إنك لا تكاد تجد عند القوم خبراً إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابله ما ينافيه، حتى أدى ذلك إلى رجوع الكثير من الشيعة عن مذهبهم، كما اعترف بهذا شيخ الطائفة الطوسي([51]).

إلى آخر ما تحمله مصنفاتهم من عقائد ما أنزل الله بها من سلطان، وكلها منسوبة إلى أهل البيت رضي الله عنهم وأرضاهم.

 الكلام في أول من درس أسانيد الروايات عند الشيعة:

لا يملك أحد منهم أن يرد هذه الأحاديث أو يضعف أسانيدها , ومن يجرؤ على فعل ذلك يتعرض لهجوم عنيف من طائفته مهما كانت منزلته عظيمة عندهم، كشأن العلامة الحلي الذي يعد من أوائل من تعرض لأسانيد روايات الشيعة بالدراسة والتخريج، وكان من نتائج ذلك أن سقط ثلثا روايات أمهات كتبهم كالكافي للكليني مثلاً، والذي يبلغ عدد رواياته حوالي [16199]، فلم يصح منها باعتبار مقاييس القوم المتواضعة سوى [5072]([52]).

أضف إلى ذلك ما وقع في أمهات كتبهم من التحريف، فقد زيد على الكافي -مثلاً- عشرون كتاباً، وكل كتاب مشتمل على أبواب، وكل باب مشتمل على عدة أحاديث، وقد زيد بعد الكليني بعدة قرون.

هذا بالنسبة لأعظم مصادر القوم وعمدتهم في استنباط الأحكام([53])، والذي ذكر مصنفه الكليني أنه ألفه في عشرين سنة، وأورد فيه ما صح من آثار عن الصادقين([54])، والذي يعتقد بعض علماء القوم أن كتابه هذا قد عرض على المهدي فاستحسنه، وقال: كافٍ لشيعتنا([55]).

وقس على ذلك بقية مصادرهم.

وقد تعرض الحلي لهجوم عنيف من طائفته بسبب ما قام به، حتى قالوا فيه: هدم الدين مرتين: إحداهما: يوم السقيفة، وثانيهما: يوم ولد العلامة([56]).

ولا شك أن ما قالوه في الحلي صحيح باعتبار أن ما قام به يعد هدماً لدين الإمامية، وكذا استخدامهم لكلمة (دين) فتأمل!

 انقسام الشيعة بعدها إلى أصوليين وإخباريين:

لقد انقسم القوم بعد ذلك إلى طائفتين: إخبارية وأصولية على ما نراهم اليوم.

والإخبارية: هم الذين لا يرون الأدلة الشرعية إلا الكتاب والحديث، وكل ما نقل عن الأئمة فهو حديث عندهم وهو حجة؛ لأنه نقل عن معصومين، وما نقل عنهم فهو حجة على اليقين، ولا ينظر إلى هذا الحديث ما منزلته وما شأنه ما دام قد وجد في الأصول الأربعمائة([57]).

والأصولية: هم الذين يلجئُون في مقام استنباط الأحكام الشرعية إلى الأدلة الأربعة من: الكتاب، والسنة، والإجماع، ودليل العقل([58]).

وقد شنَّع كل فريقٍ منهم على الآخر وحمل عليه، ووضع للرد عليه مصنفات، واتهمه بالخروج عن التشيع الصحيح.. إلى آخر ما لا يمكن ذكره مخافة الخروج عن موضوع الكتاب.


([1]) الخصال: (2/84)، البحار: (21/381)(77/119).

([2]) كمال الدين: (122)، معاني الأخبار: (32)، الخصال: (1/43)، أمالي الصدوق:(231)، البصائر: (122)، عيون الأخبار: (1/60)(2/68)، بشارة المصطفى: (204)، العمدة: (51، 52)، الطرائف: (28، 34)، الاحتجاج: رسالة العسكري إلى أهل الأهواز في الجبر والتفويض، البحار: (2/226)(23/109، 131، 141، 145، 147، 152)(24/234)(33/248، 249)(37/107، 137، 168، 185، 191)(38/99)(44/248، 249)(93/2)، إثبات الهداة: (1/485، 488، 497، 498، 613)(2/139، 184)، المناقب: (1/235).

([3]) أمالي المفيد: (28، 79)، الطرائف: (28، 29)، العمدة: (34، 35)، كمال الدين: (70، 98، 225، 227، 228، 229، 230، 234)، البصائر: (413، 414)، تفسير العياشي: (1/15، 16)، عيون الأخبار: (1/199)(2/31)، صحيفة الرضا: (23، 24)، أمالي الطوسي: (491)، الكافي: (1/294)، معاني الأخبار: (32)، أمالي الصدوق: (338، 422)، كنز الفوائد: (367)، كشف الغمة:(43)، الاحتجاج:(249)، غيبة النعماني:(17، 27، 37، 47)، نور الثقلين: (5/193، 605، 690)، البحار: (2/226)(22/475، 476) (23/95، 106، 107، 108، 113، 114، 132، = = 133، 134، 135، 136، 140، 141، 145، 146، 147، 152، 156) (24/324-325) (35/184) (37/114، 128، 129) (92/13، 52)، منتخب الأثر: (45، 107)، تأويل الآيات: (1/117، 122)، إثبات الهداة: (1/61، 444، 489، 496، 497، 498، 499، 509، 529، 530، 551، 557، 558، 562، 564، 568، 571، 581، 588، 591، 610، 612، 619، 625، 631، 634، 639، 640، 649، 650، 657، 658، 698).

([4]) كمال الدين: (226)، البحار: (23/132)، وقد أورد القوم عن النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة الأمر بالرجوع إلى القرآن والسنة في حال الاختلاف.

([5]) انظر تفصيل ذلك في: البحار: (23/151، 157)(90/260، 261)، كمال الدين: (100، 105، 118، 231).

([6]) أمالي الصدوق: (78)، البحار: (22/288)(44/287).

([7]) كمال الدين: (234)، معاني الأخبار: (32)، البحار: (23/149، 158)(28/325).

([8]) كفاية الأثر: (17)، البحار: (36/330).

([9]) الإرشاد: (226)، البحار: (44/383).

([10]) بصائر الدرجات: (15)، البحار: (23/152)(44/383).

([11]) البصائر: (19)، البحار: (26/260).

([12]) البحار: (12/89، 93)(23/223-225)، نور الثقلين: (2/549)(1/328)، تأويل الآيات: (1/246)، البرهان: (2/319)، العياشي: (2/231).

([13]) كفاية الأثر: (326-328)، البحار: (46/198، 201، 202)، إثبات الهداة: (1/604، 605)، منتخب الأثر: (129، 245).

([14]) أمالي الصدوق: (77، 78، 79)، البحار: (45/101، 103).

([15]) البحار: (16/375).

([16]) كشف الغمة: (1/44)، البحار: (23/115)(25/237)(35/211، 229).

([17]) العياشي: (1/277)، البحار: (35/211)، البرهان: (1/385)(3/309)، الكافي: (1/286).

([18]) البحار: (23/114-115)(35/229)، العمدة: (35).

([19]) الاحتجاج: (43)، البحار: (28/177).

([20]) البحار: (43/17).

([21]) تفسير العسكري: (20)، البحار: (33/184)(39/25)(86/260).

([22]) البحار: (32/184).

([23]) الخصال: (95)، أمالي الصدوق: (172)، البحار: (7/231)(11/380)(22/274)، نور الثقلين: (2/47).

([24]) أمالي الطوسي: (89)، البحار: (22/277)(35/214)، تفسير فرات: (1/340).

([25]) كمال الدين: (251)، سليم بن قيس: (70)، البحار: (28/53).

([26]) البحار: (19/225، 254)، مجمع البيان: (4/526)، نور الثقلين: (2/131)، البرهان: (2/66)، تفسير القمي: (1/264).

([27]) أمالي الطوسي: (117)، البحار: (27/173)، أمالي المفيد: (148).

([28]) أمالي الطوسي: (644)، البحار: (27/105)، كشف الغمة: (1/124).

([29]) أمالي الطوسي: (129، 210)، البحار: (22/455، 531)، المناقب: (1/238، 240).

([30]) الطرف: (45)، البحار: (22/494)(81/379).

([31]) الإرشاد: (97)، إعلام الورى: (84)، البحار: (22/469، 501).

([32]) البحار: (44/65)، كشف الغمة: (2/193).

([33]) البحار: (46/180)(47/273).

([34]) معاني الأخبار:(33)، أمالي الصدوق:(145)،البحار:(25/216)،إثبات الهداة:(1/490، 528).

([35]) عيون الأخبار: (126)، تحف العقول: (415)، أمالي الصدوق: (312)، البحار: (25/221).

([36]) أمالي الصدوق: (312)، عيون الأخبار: (126)، تحف العقول: (415)، البحار: (25/221).

([37]) الكافي: (3/55)، البحار: (16/261).

([38]) أمالي الصدوق: (209)، عيون الأخبار: (2/70)، الاحتجاج: (139)، الكشي: (8، 10، 13)، البصائر: (17، 18)، الاختصاص: (341)، الكافي: (1/401)، اليقين: (183)، الطرائف: (28)، مجمع البيان: (2/427) (5/167)، البحار: (2/190) (10/123) (11/131، 148، 313) (17/170)(18/19، 135)(20/189، 198)(22/319، 326، 330، 331، 343، 348، 349، 373، 374، 385، 391) (23/111) (36/334) (37/331)(63/218)(68/28، 55)(73/287)(75/443)، تفسير العسكري: (121)، البرهان: (1/2).

([39]) أمالي الطوسي: (536)، البحار: (77/76).

([40]) إثبات الوصية: (33).

([41]) البحار: (28/347)(32/108)(41/145)، الخصال: (157).

([42]) البحار: (32/427)(38/59).

([43]) البحار: (47/345، 349)(83/155)، الاختصاص: (68، 195)، أمالي الطوسي: (44)، نور الثقلين: (2/547).

([44]) تفسير فرات: (2/399)، البحار: (23/248).

([45]) مستطرفات السرائر فيما استطرفه من رواية ابن قولويه، البحار: (46/192).

([46]) تفسير العسكري:(376)، إرشاد القلوب:(214)، كنز جامع الفوائد:(483)، البحار: (17/262) (26/343، 345)، وانظر أيضاً: تأويل الآيات: (2/834)، البحار: (26/344)، إرشاد القلوب: (2/403).

([47]) الاختصاص: (85)، البحار: (46/337)، البرهان: (2/319).

([48]) الاحتجاج: (104)، البحار: (32/278)(38/349).

([49]) تأويل الآيات: (2/676)، البحار: (23/366، 389)، كنز الفوائد: (335).

([50]) انظر إن شئت: البحار: (2/228، 236، 237، 238، 241)(23/185)(24/125)(25/330، 332)(37/33)(75/428)(72/178)(92/95)، البصائر:(106، 113)،الاختصاص:(306،330)، الكافي: (1/65، 265)، تأويل الآيات: (1/21)، البرهان: (1/20)، العياشي: (1/23)، الصافي: (1/17)، وانظرأيضاً: الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، للطوسي، وهو كتاب مستقل في هذا الباب.

([51]) تهذيب الأحكام: (1/2)، الحدائق الناضرة: (1/90)، رجال الطوسي: المقدمة: (73).

([52]) لؤلؤة البحرين: (394)، كليات في علم الرجال: (357).

([53]) انظرمنزلة الكافي عند القوم: (24)، وما بعدها من الكتاب نفسه.

([54]) الكافي: (1/8).

([55]) الكافي: (1/25).

([56]) أعيان الشيعة: (5/401)، مقياس الهداية: (1/137)، الحدائق الناضرة: (1/170).

([57]) أعيان الشيعة: (1/93).

([58]) أعيان الشيعة: (17/453)، مع علماء النجف الأشرف: (10) مصادر الاستنباط.

نقلاً عن كتاب الإمامة والنص لفيصل نور


حديث الثقلين

1-   حديث الثقلين: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ياأيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي).

        وقال أيضاً: (يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي).

        وإذا أمعنا النظر في هذا الحديث الشريف الذي أخرجه صحاح أهل السنة والجماعة، وجدنا الشيعة وحدهم هم الذين اتبعوا الثقلين: كتاب الله والعترة النبوية الطاهرة. بينما اتبع أهل السنة والجماعة قول عمر: حسبنا كتاب الله».

        ثم ذكر كلاماً طويلاً تحته ملخصه:

        أن أهل السنة اتبعوا الصحابة وقد رووا (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين...) وزعم أن من عرف أحوال الصحابة وما فعلوه وما استنبطوه بآرائهم مقابل النصوص الصريحة لا يمكن أن يركن لمثلهم.

        قال: والسنة التي يتبعونها سنة الخلفاء الراشدين، أو هي مروية عن هؤلاء، وزعم أن سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم تدون على ما روى أهل السنة في صحاحهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منعهم من كتابة سنته، وكذلك فعل أبو بكر وعمر إبان خلافتهم.

        قال: فلا يبقى بعد ذلك حجة في قولنا: (تركت فيكم سنتي).

        وجواب هذا: أن الحديث الأول وهو (تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي)(1) لم يصح وقد ضعفه أهل العلم كما نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: «وأما قوله (وعترتي أهل بيتي) وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فهذا رواه الترمذي، وقد سئل عنه أحمد بن حنبل فضعفه، وضعفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح، وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة، قالوا: ونحن نقول بذلك، كما ذكر ذلك القاضي أبو يعلي وغيره.

        لكن أهل البيت لم يتفقوا -ولله الحمد- على شئ من خصائص مذهب الرافضة، بل هم المبرؤون المنزهون عن التدنس بشيء


 

 (1)     أخرجه الترمذي في: (كتاب المناقب، باب في مناقب أهل البيت» 5/662، ح3786، وأحمد في المسند 1/14،17،26،59.

منه».(1)

        كما جمع طرق هذا الحديث وحكم بضعفها مؤيداً كلامه بالنقول عن أهل العلم: الدكتور علي السالوس في كتابه: (حديث الثقلين وفقهه).(2)

        وأما الحديث الثاني وهو: (يوشك أن يأتي رسول ربي، وإني تارك فيكم الثقلين، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)، فحديث صحيح رواه الإمام مسلم في صحيحه(3) لكن ليس فيه حجة للرافضة، فإن الذي تضمنه الحديث وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكتاب الله والعمل به، وأن فيه النور والهدى، ثم وصيتة صلى الله عليه وآله وسلم بأهل بيته بإعطائهم حقوقهم، والتحذير من ظلمهم، وليس فيه أي ذكر للأمر باتباعهم كما زعم الرافضي.

        يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والحديث الذي في مسلم إذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قاله، فليس فيه إلا الوصية باتباع كتاب الله، وهذا

 

 (1)     منهاج السنة 7/394-395.

(2)     انظر: الكتاب المذكور ص15-28.

(3)     صحيح مسلم: (كتاب فضائل الصحابه، باب من فضائل علي بن  أبي طالب -رضي الله عنه-) 4/1873، ح2408.

أمر قد تقدمت الوصية به في حجة الوداع قبل ذلك، وهو لم يأمر باتباع العترة ولكن قال: (أذكر الله في أهل بيتي) وتذكير الأمة بهم يقتضي أن يذكروا ما تقدم الأمر به قبل ذلك: من إعطائهم حقوقهم والامتناع من ظلمهم، وهذا أمر قد تقدم بيانه قبل غديرخم».(1)

        فثبت بهذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر باتباع أهل بيته بنص صحيح صريح وغاية ما يعتمد عليه الرافضة في هذا إما أحاديث ضعيفة لاتثبت بها حجة، وإما أحاديث صحيحه لكنها ليست صريحة في دعواهم، كما هو الشأن في الحديثين السابقين.

        ثم إنه على فرض ثبوت ذلك فليس فيه حجة للرافضة على تقرير معتقدهم لعدة أمور:

        الأول: أن الأمر باتباع أهل البيت -إن ثبت- يكون فيما اتفقوا عليه، وانعقد عليه إجماعهم، وأئمة أهل البيت وسادتهم متفقون على البراءة من الرافضة ومن عقيدتهم، وعلى رأس هؤلاء: علي وأبناؤه الذين تدين الرافضة بإمامتهم، وتدعي متابعتهم، كما تقدم نقل أقوالهم في ذلك مفصلة(2) وكما نقل شيخ الإسلام اتفاق سائر أهل البيت وأئمة العترة على تقديم الشيخين، واعتقاد إمامتهما

 

 (1)     منهاج السنة 7/318.

(2)     انظر: ص 112-119 من هذا الكتاب.

حيث يقول: «أئمة العترة كابن عباس وغيره يقدمون أبا بكر وعمر في الإمامة والأفضلية، وكذلك سائر بني هاشم من العباسيين والجعفريين وأكثر العلويين، وهم مقرون بإمامة أبي بكر، وعمر، وفيهم من أصحاب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، أضعاف من فيهم من الإمامية.

        والنقل الثابت عن جميع علماء أهل البيت من بني هاشم من التابعين وتابعيهم، من ولد الحسين بن علي، وولد الحسن وغيرهما: أنهم كانوا يتولون أبا بكر، وعمر، وكانوا يفضلونهما على عليّ، والنقول عنهم ثابتة متواترة...». (1)

        فظهر بهذا أنه لو كان اتفاق أهل البيت حجة، وإجماعهم دليلا لكان أسعد الناس بذلك هم أهل السنة والجماعة، دون الرافضة الذين هم أبعد الناس عن عقيدتهم، وقد تواترت عنهم النصوص بذمهم والبراءة منهم.

        الثاني: أن الأمر باتباع أهل البيت لو ثبت لكان مُعَارَضاً بما هو أقوى منه، وهو أن إجماع الأمة حجة بالكتاب والسنة، والعترة بعض الأمة، فيلزم من ثبوت إجماع الأمة إجماع العترة ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-.(2)

 

 (1)     منهاج السنة 7/396.

(2)     انظر: منهاج السنة 7/397.

        الثالث: أنه معارض أو مخصص بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)(1) وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ...)(2) فهذان النصان صريحا الدلالة فيمن يجب على الأمة متابعته بعد نبيها صلى الله عليه وآله وسلم ولو ثبت الأمر بمتابعة أهل البيت لما قوي على معارضة هذين النصين الصحيحين الصريحين المشهورين بين العلماء.

        قال الدهلوي عن الحديث الأول: إنه بلغ درجة الشهرة والتواتر المعنوي(3) وكذلك الحديث الثاني (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) مشهور في الأمة وقد تلقاه العلماء بالقبول والتسليم،

 

 (1)     أخرجه أحمد 5/399، والترمذي 5/610، والحاكم 3/79، وصححه         ووافقه الذهبي، انظر: التلخيص مع المستدرك، وصححه الألباني في سلسة         الأحاديث الصحيحة 3/233، رقم 1233.

(2)     أخرجه أحمد 4/126، وأبو داود 5/13، والترمذي، وقال: هذا حديث        حسن صحيح 5/44، وابن ماجه 1/15، والدارمي 1/57، والحاكم     وصححه ووافقه الذهبي. المستدرك مع التلخيص 1/95-96، وصححه           الألباني ونقل تصحيحه عن الضياء المقدسي، حاشية مشكاة المصابيح  1/58.

 

(3)     انظر مختصر التحفة الإثني عشرية ص174.

ويحفظه الكبير والصغير، وأما ما ذكره من النصوص في دعوى متابعة أهل البيت فالصحيح منها ليس بصريح، والصريح ليس بصحيح كما تقدم بيان ذلك، وغاية ما يمكن أن يقال فيها على فرض الصحة أن تكون مخصصة بالحديثين المتقدمين، اللذين هما أصح وأصرح في أحقية المتابعة.

        فتبين بهذا عدم انتفاع الرافضة في تقرير معتقدهم بالأمر بمتابعة أهل البيت لو ثبت، فكيف به مع عدم الصحة والثبوت!!

        وأما قول المؤلف: إن أهل السنة اتبعوا سنة عمر في قوله: (حسبنا كتاب الله).

        وقوله أيضاً: إنهم اتبعوا سنة الخلفاء الراشدين... الخ

كلامه.

        فهذا مما يمدح به أهل السنة بل إنه من أعظم مناقبهم. حيث اتبعوا سنة الخلفاء الراشدين الذين أوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأمة بالتمسك بسنتهم والعض عليها بالنواجذ، فهم في الحقيقة متبعون لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي أوصاهم بذلك. وعمر -رضي الله عنه- ثاني الخلفاء الراشدين، وكان ملهماً مسدداً مُحدَّثَاً قد ثبتت النصوص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمدحه، والثناء عليه في مناسبات كثيرة.

        ففي الصحيحين: من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم


قال له: (يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً

فجاً إلا سلك فجاً غير فجك).(1)

        وفي الصحيحين أيضاً أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (قد كان يكون في الأمم قبلكم محدَّثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم)(2) إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة في فضله -رضي الله عنه- والتي لا يتسع المقام لذكرها، وهذا يدل دلالة واضحة أنه -رضي الله عنه- كان على الحق والهدى، وأن من تابعه في هديه كان على سبيل الرشاد والفلاح كما أن أهل السنة كذلك لما اتبعوا سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عصمهم الله بذلك من الزيغ والانحراف الذي وقع فيه من تنكب طريقهم، وسلك غير مسلكم من أهل البدع الزائغين عن الحق وعلى رأسهم هؤلاء الرافضة المخذولون.

    وأبعد من هذا زيغاً وضلالاًمن يذم الأمة ويقدح فيها بمتابعتها لسنة نبيها صلى الله عليه وآله وسلم وخلفائه الراشدين المهديين كما فعل هذا الرافضي الحاقد.

        وأما غمزه لعمر في قوله: (حسبنا كتاب) فقد تقدم الرد عليه في

 

(1)     أخرجه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب)، فتح الباري 7/41، ح3683، ومسلم: (كتاب فضائل          الصحابة، باب من فضائل عمر -رضي الله عنه-) 4/1863، ح2396.

(2)     أخرجه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب...)، فتح الباري 7/42، ح3689، ومسلم: (كتاب فضائل        الصحابة، باب من فضائل عمر -رضي الله عنه-) 4/1864، ح2398.

ذلك، عند ذكر حادثه الكتاب الذي أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتابته في مرض موته، وبيان الوجهة الصحيحة لقول عمر هذا، وأنه لا مطعن فيه عليه بحمد الله فليراجع في موضعه من البحث.(1)

        وأما قوله: إن السنة لم تدون، وقد روى أهل السنة في صحاحهم أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم منع من كتابة السنة لئلا تختلط بالقرآن، وكذلك فعل أبو بكر، وعمر إبان خلافتيهما فلا يبقى بعد هذا حجة في قولنا: (تركت فيكم سنتي).

        فجوابه: أن يقال له إن هذا القول كفر صريح، وطعن قبيح في صاحب الرسالة، ورد عليه في قوله: (تركت فيكم سنتي) كما أنه تكذيب ظاهر لقوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}(1) فإن الذكر هنا يشمل الوحيين الكتاب والسنة، كما هو مقرر عند أهل العلم، فالسنة محفوظة بحفظ الله، كما أن القرآن محفوظ أيضاً.

        وما ذكره المؤلف من النهي عن كتابه السنة في بداية العهد  وصدر الإسلام لا يستلزم فقدها وذهابها، بل كانوا يحفظونها في الصدور، وذلك لكمال عنايتهم بها وحرصهم عليها، وقد عُلِّلَ النهي

 

(1)     انظر: ص 290-293.

(2)     سورة الحجر آية 9.

عن الكتابة في بداية الأمر بخوف الاتكال على الكتابة وترك الحفظ، أو قلة العناية به، قال الخطيب البغدادي: «وأُمر الناس بحفظ السنن إذ الإسناد قريب، والعهد غير بعيد، ونهي عن الاتكال على الكتاب، لأن ذلك يؤدي إلى اضطراب الحفظ حتى يكاد يبطل، وإذا عدم الكتاب قوي لذلك الحفظ الذي يصحب الإنسان في كل مكان، ولذا قال سفيان الثوري... بئس مستودع العلم القراطيس، قال: وكان سفيان يكتب، أفلا ترى أن سفيان ذم الاتكال على الكتاب وأمر بالحفظ، وكان مع ذلك يكتب احتياطاً واستيثاقاً، وكان غير واحد من السلف يستعين على حفظ الحديث بأن يكتبه ويدرسه من كتابه، فإذا أتقنه محا الكتاب خوفاً من أن يتكل القلب عليه فيؤدي ذلك إلى نقصان الحفظ وترك العناية بالمحفوظ».(1)

        ثم إنه ينبغي أن يعلم أن النهي عن كتابة السنة في بداية الأمر ليس على إطلاقه حيث رُخِّص لبعض من ساء حفظه بالكتابة.

        روى ابن عبدالبر بسنده عن عبدالرحمن بن حرملة قال: (كنت سيء الحفظ، فرخص لي سعيد بن المسيب في الكتاب).(2)

        وعن أبي قلابة قال: (الكتاب أحب إلينا من النسيان).(3)

 

(1)     تقييد العلم للخطيب البغدادي ص58.

(2)     جامع بيان العلم وفضله ص122.

(3)     المصدر نفسه ص121.

        وهذا يدل على أن النهي عن الكتابة إنما يكون عند القدرة على الحفظ، لئلا يستغنى بها عن الحفظ، الذي هو أنفع. أما عند العجز عن الحفظ فلا يمنع من الكتابة، بل قد جاء الأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالكتابة عاماً، مما يدل على جواز الكتابة عند زوال المحظور، وتحقق المصلحة.

        ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطب خطبة فجاء رجل من أهل اليمن فقال: (اكتب لي يارسول الله . فقال: اكتبوا لأبي فلان...).(1)

        وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (قيدوا العلم بالكتاب).(2)

        وكذلك ثبتت الآثار عن بعض الخلفاء الراشدين بإباحة كتابة العلم والترخيص فيه، بل وأمرهم بالكتابة ومباشرتهم لها بأنفسهم .

        فمما روى في ذلك عن أبي بكر: أن أنس بن مالك كان يحدث (أن أبا بكر كتب له فرايض الصدقة التي سنها

 

(1)     أخرجه البخاري في (كتاب العلم، باب كتابة العلم) فتح الباري 1/205،      ح112.

(2)     رواه الخطيب في تقييد العلم ص70، وابن عبدالبر في جامع بيان العلم        وفضله 120، قال الألباني بعد دراسة طرقه: «ولا شك عندي أن الحديث     صحيح بمجموع هذه الطرق» سلسلة الأحاديث الصحيحة 5/44،    ح2026، وانظر: صحيح الجامع 2/816، ح4434.

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).(1)

        ومما جاء عن عمر أن عمرو بن أبي سفيان قال: (سمعت عمر ابن الخطاب يقول: قيدوا العلم بالكتاب).(2)

        وعن علي أن أبا جحيفة سأله: (هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله، أوفهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة، قال قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر).(3)

        والآثار في ذلك كثيرة عن الخلفاء الراشدين، وعن غيرهم من الصحابة، وهي دالة على كتابتهم للسنة وتدوينها، وقد ذكر كثيراً منها الخطيب البغدادي في كتاب (تقييد العلم).

        وفي هذا دحض لشبهة الرافضي وإبطال لدعواه في أن السنة لم تدون، وبالتالي فلا يعتمد عليها ولا يوثق بها، على أنه لو لم تتدون السنة بالكتابة فهي محفوظة في صدور أهلها من الصحابة والتابعين الذين عنوا بها عناية كبيرة تفوق كل وصف، فبلّغوها الأمة غضّة طريّة حتى لكأن السامع لهم وهم يحدثون بها يسمعها من رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم لكمال ضبطهم لها. ثم تلقاها من بعدهم جهابذة أهل العلم ورجال الحديث، الذين سخرهم الله لحفظ السنة وهيأهم لذلك، بما رزقهم من قوة في الحفظ، وفطنة في الفهم، فدونوا الكثير منها في المصنفات ورووها للناس، مع تمام الضبط، ودقة الوصف، وشدة الحرص على نقلها كما جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبقيت محفوظة من جيل إلى جيل في الصدور والسطور، إلى هذه العصور، حتى علمها الكبير والصغير، والذكر والأنثى، وهذا من عظيم منة الله على هذه الأمة، التي لا يعلم قدرها ولا يستشعرها أهل البلادة والغباء، والزيغ والضلال، من أمثال هذا الرافضي الجاهل المارق.

 

(1)     رواه الخطيب في تقييد العلم ص87.

(2)     المصدر نفسه ص88.

(3)     أخرجه البخاري في (كتاب العلم، باب كتابة العلم) فتح الباري 1/204،      ح111.


حديث الثقلين

 ما هو حديث الثقلين , حديث الثقلين أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( وأنا تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله وأستمسكوا به )  , قال زيد : فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال : ( وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه .

ماذا فيه ؟ فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( إني تارك فيكم الثقلين ) الثقل الأول  كتاب الله وكما هو وارد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأخذ به والتمسك به ثم الثقل الثاني وهم أهل بيته قال ( أذكركم الله في أهل بيتي , أذكركم الله في أهل بيتي , أذكركم الله في أهل بيتي ) .

ظاهر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر برعاية حقوق أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم ولكنهم لا يتوقفون عند هذا الحديث أعني حديث زيد بن أرقم وإنما يتجاوزون ذلك إلى حديث أم سلمة  وحديث علي وحديث أبي سعيد الخدري , أما حديث علي رضي الله عنه ففيه ( إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله سببه بيد الله وسببه بإيديكم وأهل بيتي ) ظاهره أنه أمر بالتمسك بأهل بيته وهذا أخرجه بن أبي عاصم في السنة , ولكن مشكلته أنه لا يصح   حيث ان في رواته سفير بن زيد ضعفه أبو حاتم والنسائي وأبو زرعة ويعقوب بن شيبة  وبن المديني فلا يمكن الإستدلال بمثل هذا الحديث , ندعه ونأخذ الحديث الذي بعده وهو حديث أبي سعيد الخدري  وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إني قد تركت الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ) وهذا أخرجه أحمد والترمذي وأبو يعلا وبن أبي عاصم ولكن هذا أيضاً فيه عطية العوفي ضعفه أحمد وأبو حاتم والنسائي وغيرهم بل هو متفق على ضعفه عند أهل العلم إذاً لا يسلم هذا أيضاً .

 الحديث الرابع وهو حديث زيد بن ثابت وفيه ( إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض أو ما بين السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ) أخرجه أحمد والطبراني وفيه القاسم بن حسان وثقه أحمد بن صالح والعجلي وذكره بن حبان في الثقات  وضعفه البخاري وبن قطان وسكت عنه بن أبي حاتم وضعفه الذهبي وقال بن حجر مقبول وفيه شريك بن عبد الله  وهو سيء الحفظ  .

الحديث الخامس حديث جابر بن عبد الله ( يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) أخرجه الترمذي والطبراني وفيه زيد بن الحسن الأنماطي قال أبو حاتم مُنْكر الحديث وكذا قال الذهبي وقال بن حجر ضعيف .

من هذه الروايات يظهر لنا أن حديث الثقلين إنما يصح من رواية زيد بن أرقم رضي الله عنه وليس فيه شيء من الأمر بالتمسك بالعترة  , وإنما فيه الأمر برعاية حق العترة , والأمر إنما هو في التمسك بكتاب الله لذا جاء حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه في صحيح مسلم ( وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده أبداً  إن إعتصمتم به  كتاب الله ) فقط ولم يتطرق لأهل البيت ولا للعترة وهذا رواه جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر  عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وحديث الأمر بالتمسك بالعترة ضعفه أحمد وبن تيمية , نعم صححه بعض أهل العلم كالألباني وغيره ولكن العبرة بما يكون فيه البحث العلمي وهو أن هذا الحديث لا يصح علمياً  من حيث النظر إلى الأسانيد والدلالات و هذه منهجية أهل السنة والجماعة وأنهم لا يقلدون أحداً في مثل هذه الأمور  بل يتبعون بحسب القواعد الموضوعة .

صح هذا الحديث فكان ماذا ؟ سلمنا بصحته فكان ماذا ؟ أمر بالتمسك بالثقلين , من هم الثقلان ؟ كتاب الله وعترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم  , يقول بن الأثير ( سماهما الثقلين لإن الأخذ بهما  والعمل بهما ثقيل ويُقال لكل خطير نفيس ثَقَل فسماهما ثقلين إعظاماً لهما وتفخيماً لشأنهما ) قاله بن الأثير ج1 ص 216  في غريب الحديث .

ومعنى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بحفظ حقوقهم  , ولذلك الصحابة رضي الله عنهم أعطوا الثقلين حقهم  , هذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه يقول : ( إرقبوا محمداً في أهل بيته ) وهذا أخرجه البخاري في صحيحه وقال : ( والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصِلَ من قرابتي ) أخرجه البخاري كذلك في صحيحه .

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه أُمروا بالتمسك بأشياء أخرى قال الله تبارك وتعالى : ( ومن يشاقق الرسول .. ( إنقطع تسجيل كلام الشيخ من نفس المصدر فلم يكمل الآية هنا ) .


 روايات التمسك بالكتاب والعترة

     من هذه الروايات ما رواه الإمامان مسلم وأحمد عن زيد بن أرقم ، وسبق ذكره عند الحديث عن آية التطهير ، وفى تلك الروايات الحث على التمسك بكتاب الله تعالى ، ثم قوله صلى الله عليه وسلم : " أذَّكركم الله في أهل بيتي " ، وقول زيد : " إن نساءه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده " وقال " هم آل على وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس " . وهذه الروايات تحثنا معشر المسلمين على أن نرعى حقوق آل البيت ، بيت نبينا صلى الله عليه وسلم ، فنحبهم ونوقرهم وننزلهم منازلهم ، فحبنا لرسولنا الأعظم يدفعنا لحبنا لآله الأطهار ، وعلينا أن نصلهم ، ورحم الله أبا بكر الصديق حيث قال : " والذى نفسى بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلى أن أصل من قرابتى"([162])  ، وقال " ارقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته " ([163]).

       وبالطبع لا تدل هذه الروايات على  وجوب الإمامة لآل البيت ، ولا لأحد بعينه ، فلا صلة بين التذكير بأهله والنص على خلافة بعضهم .

       وأما باقي الروايات فإنها جاءت في المسند ، وفى سنن الترمذي . وروايات المسند هي :-

   1. حدثنا عبد الله ، حدثني أبى ، حدثنا أسود بن عامر ، أخبرنا إسرائيل يعنى إسماعيل بن أبى إسحق الملائى ، عن عطية ، عن أبى سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

  " إنى تارك فيكم الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتى أهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض " (3/14).

2.حدثنا عبد الله ، حدثني أبى ، حدثنا أبو النضر ، حدثنا محمد يعنى ابن طلحة ، عن الأعمش ، عن عطية العوفى ، عن أبى سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم     قال : " إنى أوشك أن أدعى فأجيب ، وإنى تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله عز وجل ، وعترتى ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتى أهل بيتي ، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض ، فانظرونى بم تخلفونى فيهما  ؟ " (3/17) .

3.حدثنا عبد الله ، حدثنا أبى ، ثنا ابن نمير ، ثنا عبدالملك يعنى ابن أبى   سليمان ، عن عطية ، عن أبى سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنى قد تركت فيكم الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتى أهل بيتي. ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض " (3/26).

4.حدثنا عبد الله ، حدثني أبى ، ثنا ابن نمير ، ثنا عبدالملك بن أبى سليمان ، عن عطية العوفى ، عن أبى سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنى قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدى : الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتى أهل بيتي . ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض " (3/59) .

5.حدثنا عبد الله ، حدثني أبى ، ثنا الأسود بن عامر ، ثنا شريك ، عن الركين، عن القاسم بن حسان ، عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنى تارك فيكم خليفتين ، كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض - أو ما بين السماء إلى الأرض - وعترتى  أهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يرد ا على الحوض " (5/181/182) .

6.حدثنا عبد الله ، حدثني أبى ، ثنا أحمد الزبيرى ، ثنا شريك عن الركين ، عن القاسم بن حسان ، عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنى تارك فيكم خليفتين ، كتاب الله وأهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض جميعاً " ( 5/189-190).

والترمذى أخرج روايتين هما ([164]):- حدثنا نصر بن عبدالرحمن الكوفي ، حدثنا زيد بن الحسن هو الأنماطى ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجه يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب ، فسمعته يقول :  " ياأيها الناس ، قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدى ، كتاب الله وعترتى أهل بيتي " (حسن غريب ) .

-حدثنا على بن المنذر كوفى ، حدثنا محمد بن فضيل قال ، حدثنا الأعمش ، عن عطية ، عن أبى سعيد ، والأعمش عن حبيب بن أبى ثابت ، عن زيد بن أرقم رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنى تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى ،أحدهما أعظم من الآخر ، كتاب حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتى أهل بيتي ، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفونى فيهما " . (حسن غريب) .

مناقشة الروايات

      هذه هي روايات التمسك بالكتاب والعترة ، و بالنظر فيها نجد ما يأتي :-

عن أبى سعيد الخدري خمس روايات ، الأربع الأولى من المسند ، والثانية من سنن الترمذي ، وهذه الروايات كلها يرويها عطية عن أبى سعيد .

      وعطية هو " عطية بن سعد بن جنادة العوفى " والإمام أحمد نفسه - صاحب المسند  - تحدث عن عطية وعن روايته عن أبى سعيد فقال بأنه ضعيف الحديث ، وأن الثوري وهشيما كانا يضعفان حديثه ، وقال : بلغنى أن عطية كان يأتي الكلبى فيأخذ عنه التفسير ، وكان يكنيه بأبى سعيد  فيقول : قال أبو سعيد فيوهم أن الخدري .

       وقال ابن حبان : سمع عطية من أبى سعيد الخدري أحاديث فلما مات جعل يجالس الكلبى ، فإذا قال الكلبى : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا ، فيحفظه ، وكناه أبا سعيد ، وروى عنه ، فإذا قيل له : من حدثك بهذا ؟ فيقول : حدثني أبو سعيد ، فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري ، وإنما أراد الكلبى ، قال : لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب.

      وقال البخاري في حديث رواه عطية : أحاديث الكوفيين هذه مناكير ، وقال أيضاً : كان هشيم يتكلم فيه . وقد ضعفه النسائي أيضاً في الضعفاء ، وكذلك أبو حاتم . ومع هذا كله وثقه ابن سعد فقال : " كان ثقه إن شاء الله ، وله أحاديث صالحة ، ومن الناس من لا يحتج به " . وسئل يحيى بن معين : كيف حديث  عطية ؟  قال : صالح ([165])

      وما ذكره ابن سعد وابن معين لا يثبت أمام ما ذكر من قبل . وقد يقُال هنا : إذا كان الإمام أحمد يرى ضعف حديث عطية فلماذا روى عنه ؟

     والجواب أن الإمام إنما روى في مسنده ما اشتهر ، ولم يقصد الصحيح ولا السقيم . ويدل على ذلك أن ابنه عبد الله قال : قلت لأبى : ما تقول في حديث ربعى بن خراش عن حذيفة ؟ قال : الذي يرويه عبدالعزيز بن أبى رواد ؟ قلت : نعم ، قال الأحاديث بخلافه ، قلت : فقد ذكرته في المسند ؟ قال : قصدت في المسند المشهور، فلو أردت أن أقصد ما صح عندي لن أرو من هذا المسند إلا الشئ اليسير . وقد طعن الإمام أحمد في أحاديث كثيرة من المسند ، ورد كثيراً مما  روى ، ولم يقل به ، ولم يجعله مذهباً له ([166]).

      وعندما عد ابن الجوزي من الأحاديث الموضوعة أحاديث أخرحها الإمام أحمد في مسنده ، وثار عليه من ثار ، ألف ابن حجر العسقلانى كتابه " القول المسدد في الذب عن المسند " ، فذكر الأحاديث التي أوردها ابن الجوزي ، ثم أجاب عنها ، ومما قال : " الأحاديث التي ذكرها ليس فيها شئ من أحاديث الأحكام في الحلال والحرام ، والتساهل في إيرادها مع ترك البيان بحالها شائع ، وقد ثبت عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة أنهم قالوا : إذا روينا في الحلال والحرام شددنا . وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا . وهكذا حال هذه الأحاديث ([167]).

      وما ذكره ابن حجر ينطبق على الأحاديث المروية في فضائل أهل البيت والتمسك بالعترة .

الرواية الثانية للترمذى رواها عن على بن المنذر الكوفي ، عن محمد بن فضيل ، ثم انقسم السند إلى طريقين : انتهى الأول إلى عطية عن أبى سعيد ، والثانى إلى زيد بن أرقم ، ولا يظهر هنا أي السندين هو الأصل . وإذا نظرنا إلى الروايات الأربع السابقة  التي رواها عطية عن أبى سعيد نجد توافقاً تاماً في المعنى وفى كثير من اللفظ بينها وبين هذه الرواية ، مما يرجح أن هذا الطريق هو الأصل ، وهو المذكور أولاً في الإسناد ، ومن قبل تحدثنا عما رواه الإمامان أحمد ومسلم عن زيد بن أرقم بطرق متعددة وفى تلك الروايات ذكر قوله صلى الله عليه وسلم " وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به " فحث على كتاب الله ورغب فيه ، ثم قال : " وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي " ([168]).

     وهذا يتفق بعض الشئ مع رواية الترمذي ، لكن بينهما اختلاف كبير يستوجب عدم الجمع ، مما يجعلنا نطمئن إلى ضم رواية الترمذي إلى الروايات الأربع التي رواها عطية عن أبى سعيد ، واستبعادها عن روايات زيد بن أرقم إلا في موضع الاتفاق .

      والذى جمع بين الطريقين في هذا الإسناد على بن المنذر الكوفي أو محمد بن فضيل ، ولكن الثانى روى عنه مسلم في إحدى رواياته السابقة عن زيد بن أرقم ، فيُستبعد الجمع عن طريقه . فلم يبق إلا على بن المنذر ، وهو من شيعة الكوفة . قال ابن أبى حاتم : سمعت منه مع أبى ، وهو صدوق ثقة . وذكره ابن حبان في الثقات . وقال ابن نمير : هو ثقة صدوق . وقال الدار قطنى : لا بأس به ، وكذا قال مسلمة بن قاسم ، وزاد : كان يتشبع .

      وقال الإسماعيلى : في القلب منه شىء لست أخيره . وقال ابن ماجه : سمعته يقول : حججت ثمانياً وخمسين حجة أكثرها راجلاً ([169]).

        وما سمعه منه ابن ماجه يجعلنا نتردد كثيراً في الاحتجاج بقوله : فكيف يقطع آلاف الأميال للحج ثمانياً وخمسين مرة أكثرها راجلاً ؟ ليس من المستبعد إذن أن يجمع راوٍ شيعي كهذا روايتين في مناقب أهل البيت تتفقان في شىء وتختلفان في شىء آخر ، وهذا يجعلنا نزداد اطمئناناً إلى ما انتهينا إليه من جعل هذه الرواية مع الروايات الأخرى لعطية عن أبى سعيد ، وفصلها عن روايات زيد بن أرقم .

       على أن هذه الرواية فيها ضعف آخر . وهو الانقطاع في موضعين ، فالأعمش وحبيب بن أبى ثابت مدلسان . وهما يرويان بالعنعنة . فلم يثبت سماع كل منهما هنا .

      والأعمش وحبيب من الثقات . وثبت سماع الأعمش من حبيب ، وسماع حبيب من زيد بن أرقم . إلا أن في هذه الرواية لم يثبت السماع ، والأعمش فيه تشيع وهو كوفى ، وحبيب كوفى أيضاً ، وفى بيئة الكوفة يمكن أن تشيع مثل هذه الأحاديث دون دقة أو تمحيص .

        وحبيب نفسه قال لابن جعفر النحاس : إذا حدثني رجل عنك بحديث ، ثم حدثت به عنك كنت صادقاً ([170]).

         فحبيب كان صادقاً ليس بكاذب ، إلا أنه أبان عن رأيه ، فليس من الكذب عنه أن يسمع من راوٍ عن آخر ، فيروى عن الآخر مباشرة بما لايفيد السماع منه .

 

      وفى المستدرك روى الحاكم ([171]) هذا الحديث بما يفيد سماع الأعمش من  حبيب . وهذا ما يحتاج إلى مراجعة الإسناد الذي ذكره ، وما أكثر رجاله . غير أننا لسنا مضطرين إلى بذل هذا الجهد ، فإن ثبت سماع الأعمش بقى أكثر من موطن ضعف . والحاكم ذكر الحديث بروايتين :-

      إحداهما في إسنادها الإمام أحمد بن حنبل ، وسيأتي أنه هو نفسه ضعف الحديث كما ذكر ابن تيمية ، والأخرى بين الذهبي وهَىْ إسنادها ([172]).

القاسم بن حسان العامرى الكوفي روى الروايتين الخامسة والسادسة من المسند عن زيد بن ثابت ، ورجح المرحوم الشيخ أحمد شاكر توثيقه وقال :

    " وثقة أحمد بن صالح ، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين ، وذكر البخاري في الكبير اسمه فقط ، ولم يذكر عنه شيئاً ، وترجمه ابن أبى حاتم في الجرح والتعديل فلم يذكر فيه جرحاً ، ثم نقل عن المنذرى أن البخاري قال : القاسم بن حسان سمع من زيد بن ثابت ، وعن عمه عبدالرحمن بن حرملة ، وروى عنه الركين بن الربيع ، لم يصح حديثه في الكوفيين " .

      ثم عقب شاكر على هذا بقوله " والذى نقله المنذرى عن البخاري في شأن القاسم بن حسان لا ادرى من أين جاء به ، فإنه لم يذكر في التاريخ الكبير إلا اسمه فقط كما قلنا ، ثم لم يترجمه في الصغير ، ولم يذكره في الضعفاء ، وأخشى أن يكون المنذرى وهم فأخطأ ، فنقل كلام ابن أبى حاتم بمعناه منسوباً للبخاري ، وأنا أظن أن قول البخاري في عبدالرحمن بن حرملة " لا يصح حديثه " إنما مرده إلى أنه لم يعرف شيئاً عن القاسم بن حسان ، فلم يصح عنده لذلك حديث عمه عبدالرحمن " ([173])

      وفى توثيق القاسم بن حسلن نظر ، فابن حبان ذكره أيضاً في أتباع التابعين ومقتضاه أنه لم يسمع من زيد بن ثابت ، وقال ابن القطان : لايعرف حاله ([174]).

       والبخاري ذكر اسمه فقط في التاريخ الكبير ، وليس في هذا توثيق و لا تضعيف . وفى الجرح والتعديل حقيقة لم يذكر فيه جرحاً ،ولكن لم يذكر فيه كذلك تعديلاً . وإذا كان الظن بأن البخاري ضعف عبدالرحمن بن حرملة من أجل القاسم، فمن باب أولى أن يدخل القاسم في الضعفاء ، ويبقى هنا الإشكال وهو أن البخاري لم يذكره في الضعفاء ، ولم يذكر فيه جرحاً في كتبه الأخرى المذكورة ، فمن أين جاء المنذرى بما نقله عن البخاري ؟

      لعل المرحوم الشيخ شاكراً كان يتردد فيما كتب لو عرف أن البخاري له كتاب كبير في الضعفاء يقع في تسعة أجزاء ، وهو مخطوط و لا يوجد منه نسخ في مصر ، فلم لا يكون المنذرى نقل منه  ([175]) ؟ وفاته كذلك أن يقرأ ترجمة القاسم في ميزان الاعتدال ، فقد نقل الذهبي عن البخاري أن القاسم بن حسان حديثه منكر و لا يعرف ([176]) ، وهذا قول لا يحتمل الوهم . فلا شك أن المنذرى والذهبي قد رجعا لما لم يتيسر لنا الرجوع إليه ، وأغلب الظن - إن لم يكن من المؤكد - أنهما نقلا عن كتاب الضعفاء الكبير للبخاري .

لم يبق إذن إلا الرواية الأولى للترمذى ، وفى سندها زيد بن الحسن الأنماطى الكوفي ، الذي روى عن الإمام الصادق عن أبيه عن جابر بن عبد الله ، قال أبو حاتم عن زيد هذا : كوفى قدم بغداد ، منكر الحديث ، وذكره ابن حبان في الثقات ([177]).

    وخطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع رواها مسلم بسند صحيح عن الإمام الصادق عن أبيه عن جابر ، وليس فيها " وعترتى أهل بيتي " ([178])، وهذه الخطبة رويت عن جابر بطرق متعددة في مختلف كتب السنة ، وليس فيها جميعاً ذكر لهذه الزيادة ([179]) .

 الاختلاف حول الحديث

      رأينا فيما سبق ما رواه الإمامان مسلم وأحمد عن زيد بن أرقم ، وهذا لا خلاف حول صحته .

      ورأينا الروايات الأخرى لهذا الحديث ، وظهر ما بها من ضعف . وهنا ملحظ هام وهو أن الضعف أساساً جاء من موطن واحد وهو الكوفة . وهذا يذكرنا بقول الإمام البخاري في حديث رواه عطية : أحاديث الكوفيين هذه مناكير .

    ومن هنا ندرك لماذا اعتبر ابن الجوزي هذا الحديث من الأحاديث الموضوعة ، وإن كانت الروايات في جملتها كما يبدو لنا لا تجعل الحديث ينزل إلى درجة الموضوع .

      وفى فيض القدير شرح الجامع الصغير ذكر الحديث من مسند الإمام أحمد ، ومعجم الطبرانى رواية عن زيد بن ثابت ، وصحح الحديث السيوطى والمناوى ، وقال المناوى : " قال الهيثمى : رجاله موثقون ، ورواه أيضاً أبو يعلى بسند لا بأس به ، والحافظ عبدالعزيز بن الأخضر وزاد أنه قال : في حجة الوداع ، ووهم من زعم وضعه كابن الجوزي . قال السمهودى : وفى الباب ما يزيد على عشرين من الصحابة " ا . ه .

      وتحدثنا من قبل عما رواه الإمام أحمد عن زيد بن ثابت ، وبينا ضعف الإسناد ، وبالنظر فيما رواه الطبرانى نجد موطن الضعف نفسه . فهو من رواية القاسم بن حسان ، فقول الهيثمى يعنى توثيق القاسم .

      وما ذكره عن حجة الوداع هنا بيناه من قبل . فالتصحيح إذن غير مقبول ، غير أننا قد نوافق على عدم جعل الحديث من الموضوعات ، ومع هذا فابن الجوزي قد يكون له ما يؤيد رأيه ، فليس من المستبعد أن يكون الحديث كوفى النشأة ، وأن يكون مصنوعاً في دار الضرب التي أشار إليها الإمام مالك ، ومن هنا يمكن أن ينسب إلى عشرين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، بل إلى سبعين غير أنه لو صح عن صحابى واحد لكفى إلا أن يكون ممن لا يستحق شرف الصحبة .

      ولعل من المهم هنا أن نذكر أن الإمام أحمد بن حنبل ، وهو ممن أخرج الحديث ، ذكر أنه ضعيف لا يصح ، فهو إذن غير صحيح بالنسبة إلى أي من الصحابة الكرام .

      وشيخ الإسلام  ابن تيمية  رفض هذا الحديث وقال : " وقد سئل عنه أحمد ابن حنبل فضعفه ، وضعفه غير واحد من أهل العلم وقالوا : لا يصح " ([180]).

      وفى عصرنا وجدنا العلامة المحقق الشيخ ناصر الدين الألبانى - رحمه      الله - يذهب إلى تصحيح رواية التمسك بالكتاب والسنة التي أشرنا إليها من قبل ، ويوافق السيوطى والمناوى هنا أيضاً فيصحح حديث الثقلين الذي يأمر بالتمسك بالكتاب والعترة ، فيذكره في صحيح الجامع الصغير لا في ضعيفه ([181]).

     وعندما سعدت بلقائه في زيارته الأخيرة لدولة قطر ، دار نقاش حول هذا الحديث ، وذكرت مواطن الضعف في الروايات التي جمعتها ، فقال - زاده الله علماً وفضلاً - إن ضعف هذه الروايات لا يعنى ضعف الحديث ، فقد يكون مروياً من طرق أخرى صحيحة لم تصل إليك ([182])، ثم أشار إلى كتابين أخرجا الحديث ولم يكونا من المصادر التي اعتمدت عليها قبل هذا البحث . 

     أحدهما :معجم الطبرانى ، فنظرنا فيه ووجدنا في الإسناد القاسم بن حسان ، فالرواية إذن غير صحيحة .

والثانى :مستدرك الحاكم وفيه ما يفيد سماع الأعمش من حبيب ، ولكن يبقى أيضاً مواطن الضعف الأخرى ([183]). ولم يتذكر لماذا صحح الحديث ، ولم يتمكن من الرجوع إلى ما كتب نظراً لإبعاده عن داره ومكتبته ، وبعد سفره قرأت ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ، فلما أبلغ به طلب تصوير الصفحات .

      والشيخ الجليل في تصحيحه للحديث أشار إلى تخريج المشكاة ، فرأيت الرجوع إليها عسى أن أقف على حجته في التصحيح .

       في الجزء الثالث في مشكاة المصابيح ( ص 1735) جاءت روايتان للحديث هما رقم 6143، 6144.

      قرأت الروايتين والتخريج فكانت المفاجأة مذهلة . وأثبت هنا ما جاء في الكتاب بالنص :

      الرواية رقم 6143 :

       عن جابر ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب ، فسمعته يقول : " ياأيها الناس : إنى تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا ، كتاب الله ،وعترتي أهل بيتي " (رواه الترمذي ).      

والرواية الأخرى نصها كما يلى :

      وعن زيد بن أرقم ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنى تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى ، أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض ، فانظروا كيف تخلفونى فيهما " .(رواه الترمذي ) .

     هاتان هما الروايتان ، أما التخريج فهو كما يلى :

الرواية الأولى : " وقال - أي الترمذي - : حديث حسن غريب .

  قلت - أي الألبانى - : وإسناده ضعيف "

 الرواية الثانية : " وقال : حديث حسن غريب  قلت : وإسناده ضعيف أيضاً ، لكنه شاهد للذى قبله " .

     هذا ما قرأته ، ونقلته بنصه ، والضعيف الذي يشهد للضعيف لا يرفعه لمرتبة الصحيح ، بل قد لا يزيده إلا ضعفاً ، فمن أين جاء تصحيح الشيخ إذن ؟

    وبعد لقائى بالشيخ الجليل تتبعت روايات الطبراني للحديث في المعجم الكبير ، فوجدت خمس عشرة رواية :

      تسع منها عن زيد بن أرقم ، وهى الرواية رقم 2681 بالجزء الثالث ، وفى الجزء الخامس الروايات الثمانية وأرقامها : 4980، 4981 ، 4982 ، 5025 ، 5026 ، 5027 ، 5028 ، 5040 وعرفنا ما صح عن زيد بن أرقم ، فلا حاجة للنظر في هذه الروايات .

  أما الروايات الستة الباقية فهى كما يلى :

      روايتان يرويهما عطية عن أبى سعيد ، وهما رقم 2678 ، 2679 بالجزء الثالث .

     وروايتان يرويهما زيد بن الحسن الأنماطى ، وهما رقم 2680 ، 2683 ، وهما بالجزء الثالث أيضاً .

     وروايتان يرويهما القاسم بن حسان ، وهما رقم 4922 ، 4923، وهما بالجزء الخامس .

      ومن هذا التتبع نرى أن الضعف في هذه الروايات لا يخرج عما ذكرته من قبل في مناقشة روايات مسند الإمام أحمد ، وسنن الترمذي ،ويؤكد عدم استبعاد أن يكون الحديث كوفي النشأة ، وأن يكون مصنوعاً  في دار الضرب التي أشار إليها الإمام مالك . كما يزيدنا اطمئنانا إلى صحة المنهج الذي بدأت به ، واكتفيت بالرجوع إلى الكتب السبعة والموطأ . فالرجوع إلى غير هذه الكتب لم يضف إلينا جديدا .

فقه الحديث   

       مما سبق نرى أن حديث الثقلين التي صح سندها صح متنها ، وأن الروايات الثمانية التي تأمر بالتمسك بالعترة إلى جانب الكتاب الكريم لم تخل واحدة منها من ضعف في السند ([184])، وفى متن هذه الروايات نجد الإخبار بأن الكتاب وأهل البيت لن يفترقا حتى يردا الحوض على رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، ومن أجل هذا وجب التمسك بهما . ولكن الواقع يخالف هذا الإخبار ، فمن المتشيعين لأهل البيت من ضل وأضل ، وأكثر الفرق التي كادت للإسلام وأهله وجدت من التشيع لآل البيت ستاراً يحميها ، ووجدت من المنتسبين لآل البيت من يشجعها لمصالح دنيوية ، كأخذ  خمس مايغنمه الأتباع ، وفرق الشيعة التي زادت على السبعين كل فرقة ترى أنها على صواب ، وأن غيرها قد ضل إن لم يكن قد كفر! ولسنا في حاجة إلى إثبات هذا القول ، فالكتب التي تبحث في الفرق ، وكتب الفرق ذاتها تبين هذا ، والجعفرية مثلاً عندما يشترطون للإيمان عقيدتهم في الأئمة الاثنى عشر يخرجون الأمة كلها من الإيمان ! وعقيدتهم هذه لا يسندها نص واحد من كتاب الله تعالى كما رأينا ، فإذا أمرنا بالتمسك بأهل البيت فبمن نتمسك ؟ أبكل من ينتسب لأهل البيت ! وإن تركوا كتاب الله وسنة نبيه ! بالطبع لا .

       إذن عدم الضلال يأتي من التمسك بالكتاب والسنة ، وإذا تمسك أهل البيت بهما كان لهم فضل الانتساب مع فضل التمسك واستحقوا أن يكونوا أئمة هدى يقتدي بهم كما قال تعالى:-

"وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا"أي أئمة نقتدى بمن قبلنا ، ويقتدي بنا من بعدنا([185]) ، ولا يختص هذا بأهل البيت ولكن بكل من يعتصم بالكتاب والسنة .

      فالروايات التي ضعف سندها لا يستقيم متنها كذلك ، وهذا ضعف آخر ، ومع هذا كله فلو صحت هذه الروايات فإنها لا تدل على وجوب إمامة الأئمة الاثنى عشر وأحقيتهم للخلافة .

      وللننظر في فقه روايات الحديث الكوفية .

    قال العلامة المناوى في فيض القدير (3/14): " إن ائتمرتم بأوامر كتابه ، وانتهيتم بنواهيه ، واهتديتم بهدى عترتى ، واقتديتم بسيرتهم ، اهتديتم فلم تضلوا .

    قال القرطبى : وهذه الوصية ، وهذا التأكيد العظيم ، يقتضى وجوب احترام أهله ، وإبرازهم وتوقيرهم ومحبتهم ، وجوب الفروض المؤكدة التي  لاعذر لأحد في التخلف عنها " .

     ثم قال المناوى بعد هذا (3/15):  لن يفترقا : أي الكتاب والعترة ، أي يستمرا متلازمين حتى يردا على الحوض : أي الكوثر يوم القيامة .

      زاد في رواية : كهاتين ، وأشار بأصبعيه ، وفى هذا مع قوله أولاً : " إنى تارك " تلويح بل تصريح بأنهما كتوأمين ، خلفهما ووصى أمته بحسن معاملتهما ، وإيثار حقهما على أنفسهما ، واستمساك بهما في الدين ، أما الكتاب فلأنه معدن العلوم الدينية ، والأسرار والحكم الشرعية ، وكنوز الحقائق وخفايا الدقائق . وأما العترة فلأن العنصر إذا طاب أعان على فهم الدين ، فطيب العنصر يؤدى إلى حسن الأخلاق ، ومحاسنها تؤدى إلى صفاء القلب ونزاهته وطهارته . قال الحكيم : " والمراد بعترته هنا العلماء العاملون إذ هم الذين لا يفارقون القرآن . أما نحو جاهل وعالم مخلط فأجنبي من هذا المقام ، وإنما ينظر للأصل والعنصر عند التحلى بالفضائل ، والتخلى عن الرذائل ، فإن كان العلم النافع في غير عنصرهم لزمنا اتباعه كائناً ما كان ، ولا يعارض حثه هنا على اتباع عترته حثه في خبر على اتباع قريش ، لأن الحكم على فرد من أفراد العام بحكم العام لا يوجب قصر العام على ذلك الفرد على الأصح ، بل فائدته مزيد الاهتمام بشأن ذلك الفرد ، والتنويه يرفعه قدره . ثم قال الشريف : هذا الخبر يفهم منه وجود من يكون أهلاً للتمسك به من أهل البيت والعترة الطاهرة في كل زمن إلى قيام الساعة حتى يتوجه الحث المذكور إلى التمسك به ، كما أن الكتاب كذلك ، فلذلك كانوا أماناً لأهل الأرض ، فإن ذهبوا ذهب أهل الأرض " ا . ه.

       وقال ابن تيمية بعد أن بيَّن  أن الحديث ضعيف لا يصح : " وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة . قالوا : ونحن نقول بذلك كما ذكر ذلك القاضى أبو يعلى وغيره " .

      وقال أيضاً : " إجماع الأمة حجة بالكتاب والسنة والإجماع ، والعترة بعض الأمة ، فيلزم من ثبوت إجماع الأمة إجماع العترة " .

بالنظر في هذه الأقوال ، وبتدبر متن الحديث ، نقول :

يجب ألا يغيب عن الذهن المراد بأهل البيت ، فكثير من الفرق التي رزئ بها الإسلام والمسلمون ادعت أنها هي التابعة لأهل البيت .

أهل البيت الأطهار لا يجتمعوا على ضلالة ، تلك حقيقة واقعة ، ونلحظ هنا أنهم في تاريخ الإسلام لم يجتمعوا على شىء يخالف باقي الأمة ، فالأخذ بإجماعهم أخذ بإجماع الأمة كما أشار ابن تيمية .

إذا نظرنا إلى أهل البيت كأفراد يتأسى بهم ، فمن يتأسى به منهم ، ونتمسك بسيرته ، لابد أن يكون متمسكاً بالكتاب والسنة ، فإن خالفهما فليس بمستحق أن يكون من أهل البيت .

     وكل إنسان يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولذلك فعند الخلاف نطبق قول الله :-

"  فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ  " ([186])

لو كان ما ذكره الشريف من الفقه اللازم للحديث لكان في هذا ما يكفى لرفض المتن ، فالأيام أثبتت بطلانه ، وإلا فمن الذي نؤمر باتباعه في عصرنا هذا على سبيل المثال ؟

     أبإحدى الفرق التي تنتسبب آل ؟ أم بجميع الفرق وكل فرقة ترى ضلال غيرها أو كفره ؟ أم بنسل آل البيت من غير الفرق ؟ !

   5. فرق كبير بين التذكير بأهل البيت والتمسك بهم ، فالعطف على الصغير ، ورعاية اليتيم ، والأخذ بيد الجاهل ، غير الأخذ عن العالم العابد العامل بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.


احتجاجهم بحديث الثقلين 

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

 

قال الرافضي: "العاشر: ما رواه الجمهور من قول النبي صلى الله عليه وسلم: إني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض. وقال: أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح: من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق، وهذا يدل على وجوب التمسك بقول أهل بيته، وعليٌّ سيدهم، فيكون واجب الطاعة على الكل، فيكون هو الإمام».

 

والجواب من وجوه:

 

أحدها: أن لفظ الحديث الذي في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً بماءٍ خُمًّا بين مكة والمدينة، فقال: «أما بعد، أيها الناس! إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب ربي، وإني تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به» فحثّ على كتاب الله، ورغّب فيه. ثم قال: «وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي».

 

وهذا اللفظ يدل على أن الذي أُمرنا بالتسمك به وجُعل المتمسك به لا يضل هو كتاب الله.

 

وهكذا جاء في غير هذا الحديث، كما في صحيح مسلم عن جابر في حجّة الوداع لما خطب يوم عرفة وقال: «قد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تُسألون عني فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلّغت وأدّيت ونصحت. فقال بإصبعه السبّابة يرفعها إلى السماء وينكبها إلى الناس: «اللهم اشهد» ثلاث مرات.

 

وأما قوله: «وعترتي [أهل بيتي] وأنها لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» فهذا رواه الترمذي. وقد سئل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه، وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة. قالوا: ونحن نقول بذلك، كما ذكر ذلك القاضي أبو يعلى وغيره.

 

 لكن أهل البيت لم يتفقوا – ولله الحمد – على شيء من خصائص مذهب الرافضة، بل هم المبرّءون المنزّهون عن التدنس بشيء منه.

 

وأما قوله: «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح» فهذا لا يعرف له إسناد لا في الصحيح، ولا هو في شيء من كتب الحديث التي يُعتمد عليها، فإن كان رواه مثل من يروي أمثاله من حطّاب الليل الذين يروون الموضوعات فهذا مما يزيده وَهْنًا.

 

الوجه الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن عترته: إنها والكتاب لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، وهو الصادق المصدوق، يدل على أن إجماع العترة حجة. وهذا قول طائفة من أصحابنا، وذكره القاضي في «المعتمد». لكن العترة هم بنو هاشم كلهم: ولد العباس، وولد عليّ، وولد الحارث بن عبد المطلب، وسائر بني أبي طالب وغيرهم. وعليٌّ وحده ليس هو العترة، وسيد العترة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

يبيّن ذلك أن علماء العترة – كابن عباس وغيره – لم يكونوا يوجبون إتّباع عليّ في كل ما يقوله، ولا كان عليّ يوجب على الناس طاعته في كل ما يُفتي به، ولا عُرف أن أحداً من أئمة السلف – لا من بني هاشم ولا غيرهم – قال: إنه يجب إتّباع عليّ في كل ما يقوله.

 

الوجه الثالث: أن العترة لم تجتمع على إمامته ولا أفضليته، بل أئمة العترة كابن عباس وغيره يقدّمون أبا بكر وعمر في الإمامة والأفضلية، وكذلك سائر بني هاشم من العباسيين والجعفريين وأكثر العلويين وهم مقرّون بإمامة أبي بكر وعمر، وفيهم من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم أضعاف من فيهم من الإمامية.

 

والنقل الثابت عن جميع علماء أهل البيت، من بني هاشم، من التابعين وتابعيهم، من ولد الحسين بن عليّ، وولد الحسن، وغيرهما: أنهم كانوا يتولّون أبا بكر وعمر، وكانوا يفضلونهما عَلَى عليّ. والنقول عنهم ثابتة متواترة.

 

وقد صنّف الحافظ أبو الحسن الدارقطني كتاب «ثناء الصحابة على القرابة وثناء القرابة على الصحابة» وذكر فيه من ذلك قطعة، وكذلك كل من صنّف من أهل الحديث في السنة، مثل كتاب «السنة» لعبد الله بن أحمد و"السنة" للخلال، و"السنة" لابن بطة، و"السنة" للآجري واللالكائي والبيهقي وأبي ذرّ الهروي والطلمنكي وأبي حفص بن شاهين، وأضعاف هؤلاء الكتب التي يحتج هذا بالعزو إليها، مثل كتاب «فضائل الصحابة» للإمام أحمد ولأبي نُعيم وتفسير الثعلبي، وفيها من ذكر فضائل الثلاثة ما هو من أعظم الحجج عليه. فإن كان هذا القدر حجة فهو حجة له وعليه، وإلا فلا يحتج به.

 

الوجه الرابع: أن هذا معارض بما هو أقوى منه، وهو أن إجماع الأمة حجة بالكتاب والسنة والإجماع. والعترة بعض الأمة، فيلزم من ثبوت إجماع الأمة إجماع العترة، وأفضل الأمة أبو بكر كما تقدم ذكره ويأتي، وإن كانت الطائفة التي إجماعها حجة يجب إتّباع قول أفضلها مطلقاً، وإن لم يكن هو الإمام ثبت أن أبا بكر هو الإمام، وإن لم يجب أن يكون الأمر كذلك بطل ما ذكروه في إمامة عليّ. فنسبة أبي بكر إلى جميع الأمة بعد نبيها كنسبة عليّ إلى العترة بعد نبيها على قول هذا.

 

( المرجع : منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ، 7 / 393-397) .


حديث الثقلين

 ما هو حديث الثقلين , حديث الثقلين أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( وأنا تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله وأستمسكوا به )  , قال زيد : فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال : ( وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ) [30]أخرجه الإمام مسلم في صحيحه .

 ماذا فيه ؟ فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( إني تارك فيكم الثقلين ) الثقل الأول  كتاب الله وكما هو وارد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأخذ به والتمسك به ثم الثقل الثاني وهم أهل بيته قال ( أذكركم الله في أهل بيتي , أذكركم الله في أهل بيتي , أذكركم الله في أهل بيتي ) .

 ظاهر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر برعاية حقوق أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم ولكنهم لا يتوقفون عند هذا الحديث أعني حديث زيد بن أرقم وإنما يتجاوزون ذلك إلى حديث أم سلمة  وحديث علي وحديث أبي سعيد الخدري , أما حديث علي رضي الله عنه ففيه ( إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله سببه بيد الله وسببه بإيديكم وأهل بيتي ) ظاهره أنه أمر بالتمسك بأهل بيته وهذا أخرجه بن أبي عاصم في السنة , ولكن مشكلته أنه لا يصح   حيث إن في رواته سفير بن زيد ضعفه أبو حاتم والنسائي وأبو زرعة ويعقوب بن شيبة  وبن المديني فلا يمكن الإستدلال بمثل هذا الحديث , ندعه ونأخذ الحديث الذي بعده وهو حديث أبي سعيد الخدري  وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إني قد تركت الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ) وهذا أخرجه أحمد والترمذي وأبو يعلا وبن أبي عاصم ولكن هذا أيضاً فيه عطية العوفي ضعفه أحمد وأبو حاتم والنسائي وغيرهم بل هو متفق على ضعفه عند أهل العلم إذاً لا يسلم هذا أيضاً .

 الحديث الرابع وهو حديث زيد بن ثابت وفيه ( إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض أو ما بين السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ) [31]أخرجه أحمد والطبراني وفيه القاسم بن حسان وثقه أحمد بن صالح والعجلي وذكره بن حبان في الثقات  وضعفه البخاري وبن قطان وسكت عنه بن أبي حاتم وضعفه الذهبي وقال بن حجر مقبول وفيه شريك بن عبد الله  وهو سيء الحفظ  .

 الحديث الخامس حديث جابر بن عبد الله ( يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) [32] أخرجه الترمذي والطبراني وفيه زيد بن الحسن الأنماطي قال أبو حاتم مُنْكر الحديث وكذا قال الذهبي وقال بن حجر ضعيف .

 من هذه الروايات يظهر لنا أن حديث الثقلين إنما يصح من رواية زيد بن أرقم رضي الله عنه وليس فيه شيء من الأمر بالتمسك بالعترة  , وإنما فيه الأمر برعاية حق العترة , والأمر إنما هو في التمسك بكتاب الله لذا جاء حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه في صحيح مسلم ( وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده أبداً  إن إعتصمتم به ,  كتاب الله ) [33] فقط ولم يتطرق لأهل البيت ولا للعترة وهذا رواه جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر  عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وحديث الأمر بالتمسك بالعترة ضعفه أحمد وبن تيمية , نعم صححه بعض أهل العلم كالألباني وغيره ولكن العبرة بما يكون فيه البحث العلمي وهو أن هذا الحديث لا يصح علمياً  من حيث النظر إلى الأسانيد والدلالات و هذه منهجية أهل السنة والجماعة وأنهم لا يقلدون أحداً في مثل هذه الأمور  بل يتبعون بحسب القواعد الموضوعة .

 صح هذا الحديث فكان ماذا ؟ سلمنا بصحته فكان ماذا ؟ أمر بالتمسك بالثقلين , من هم الثقلان ؟ كتاب الله وعترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم  , يقول بن الأثير ( سماهما الثقلين لإن الأخذ بهما  والعمل بهما ثقيل ويُقال لكل خطير نفيس ثَقَل فسماهما ثقلين إعظاماً لهما وتفخيماً لشأنهما ) قاله بن الأثير ج1 ص 216  في غريب الحديث .

ومعنى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بحفظ حقوقهم  , ولذلك الصحابة رضي الله عنهم أعطوا الثقلين حقهم  , هذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه يقول : ( إرقبوا محمداً في أهل بيته ) [34] وهذا أخرجه البخاري في صحيحه وقال : ( والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصِلَ من قرابتي ) [35]أخرجه البخاري كذلك في صحيحه .

 ثم نرد على شبهتهم هذه من عدة وجوه [36] :

 الوجه الأول : من عترة النبي صلى الله عليه وسلم ؟

 عترة الرجل هم أهل بيته , وعترة النبي صلى الله عليه وسلم هم كل من حرمت عليه الزكاة وهم , بنو هاشم , هؤلاء هم عترة النبي صلى الله عليه وسلم , ولننظر من أولى الناس بالتمسك بهؤلاء السنة أم الشيعة ؟

 الشيعة ليس لهم أسانيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقرون بأنه ليس عندهم أسانيد في نقل كتبهم ومروياتهم , وإنما هي كتب وجدوها فقالوا أرووها فإنها حق [37] .

 أما أسانيدهم كما يقول الحر العاملي وغيره من أئمة الشيعة إنه ليس عند الشيعة أسانيد أصلا ولا يعولون على الأسانيد [38] , فأين لهم أن ما يروونه في كتبهم ثابت عن عترة النبي صلى الله عليه وسلم ؟!

 بل نحن أتباع عترة النبي صلى الله عليه وسلم الذين أعطيناهم حقهم ولم نزد ولم ننقص كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم ولكن قولوا عبد الله ورسوله " [39] .

 الوجه الثاني : إمام العترة علي بن أبي طالب رضي الله عنه , وبعده يأتي في العلم عبد الله بن عباس الذي هو حبر هذه الأمة , وكان يقول بإمامة أبي بكر وعمر قبل عليّ رضي الله عنه بل إن عليّ بن أبي طالب قد ثبت عنه بالتواتر أنه قال : ( أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر ) [40] .

 بل ثبت عنه عند الشيعة أنه قال : (أَنَا لَكُمْ وَزِيراً خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً ) [41] , فعليّ يقر بفضل الشيخين وهو إمام العترة .

 الوجه الثالث : هذا الحديث مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم : " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً , كتاب الله وسنتي " [42] .

 وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " عليكم بسنتي وسُنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ " [43] , فأمر بالعضِّ عليها بالنواجذ .

 وقال : " اقتدوا بالَذّين من بعدي , أبي بكر وعمر " [44] .

 وقال : " اهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن مسعود " [45] , ولم يدل هذا على الإمامة أبداً , وإنما دلَّ على أن أولئك على هدى الرسول صلى الله عليه وسلم , ونحن نقول إن عترة النبي صلى الله عليه وسلم لا تجتمع على ضلالة أبداً .

 الوجه الرابع : إن الشيعة يطعنون في العباس [46] , ويطعنون في عبد الله ابنه [47] , ويطعنون في أولاد الحسن , وقالوا : إنهم يحسدون أولاد الحسين [48] , ويطعنون كذلك في أبناء الحسين نفسه من غير الأئمة الذين يدعونهم كزيد بن عليّ   [49] , وكذلك إبراهيم أخي الحسن العسكري [50]  , وغيرهم فهم ليسوا بأولياء النبي صلى الله عليه وسلم وعترته هم الذين مدحوهم وأثنوا عليهم وأعطوهم حقهم ولم ينقصوهم .

 الوجه الخامس : نظرة الشيعة ليست نظرة اتباع وإنما هي نزعة شعوبية فارسية , فالنظر عندهم ليس نظراً في إسلام وكفر , وإنما النظر نظر فرس وعرب , وهذا يدل عليه أمور منها :

 1.     تعظيمهم لسلمان الفارسي من دون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى قالوا إنه يوحى إليه [51] , لماذا ؟!! لأنه من فارس .

 2.     تعظيمهم لأولاد الحسين دون أولاد الحسن .. لماذا ؟! لأن أخوال أولاد الحسين من الفرس , من شهربانو بنت يزدجرد وهي أم عليّ بن الحسين رضي الله تبارك وتعالى عنهم أجمعين , فيرون أن الشجرة الساسانية الكريمة التقت مع الشجرة الهاشمية [52] .

 3.     قالوا كسرى في النار والنار محرمة عليه [53] , لماذا ؟! نظرة فارسية تعظيم لكسرى حتى وهو قد مات على الكفر قالوا : النار محرمة عليه .

 4.     ثم جاء آخرهم ولعله ليس بأخيرهم وهو الإحقاقي الحائري , وقال عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما فتحوا بلاد فارس : ( أولئك العرب الأعراب الأوباش عُبَّاد الشهوات الذين يتعطشون إلى عفة نساء فارس ) [54] .

 انظر كيف يصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكيف يصف نساء فارس في ذلك الوقت , لما كُنَّ مجوسيات , يقول عنهن : عفيفات ويقول عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم عطاشا لأعراض نساء فارس , فالنظرة إذاً ليست نظرة إسلام وكفر , أو نظرة إمامة عليّ وترك إمامة غيره , لا , إنما النظرة نظرة شعوبية بحتة [55] .

---------

[30]  صحيح مسلم , كتاب فضائل الصحابة , باب فضائل علي بن أبي طالب حديث رقم 36 ( 2408 ) وهذا نصه :

حدثني زهير بن حرب وشجاع بن مخلد جميعا عن بن علية قال زهير حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثني أبو حيان حدثني يزيد بن حيان قال انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم فلما جلسنا إليه قال له حصين لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا رأيت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال يا بن أخي والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فما حدثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلفونيه ثم قال قام رسول الله  صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي   أذكركم الله في أهل بيتي    أذكركم الله في أهل بيتي    أذكركم الله في أهل بيتي  فقال له حصين ومن أهل بيته يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته قال نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال ومن هم قال هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس قال ثم هؤلاء حرم الصدقة قال : نعم .

[31]  مسند الإمام أحمد حديث زيد بن ثابت رقم 21697  ( 5/189 ) .

[32]  سنن الترمذي , كتاب المناقب , باب مناقب أهل البيت رقم 3786 , وفيه زيد الأنماطي والحديث له أكثر من طريق .

[33]  صحيح مسلم كتاب الحج , باب في المتعة بالحج والعمرة رقم 146 ( 1216 ) .

[34]  صحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة , باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رقم 3713 وأيضا رقم 3751 .

[35]  صحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة , باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رقم 3712 , صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير , باب باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا نورث ما تركنا فهو صدقة ) رقم 52 ( 1759 ) .

[36]  هذا الجزء هو إكمال لرد الشبهة هذه من كتاب الشيخ عثمان الخميس ( حقبة من التاريخ ) ص 203 إلى ص 206 مع نقل توثيق الشيخ نفسه , وذلك لأن كلام الشيخ إنقطع في رده على هذه الشبه هنا من مصدر التسجيل .

[37]  روى الكليني عن محمد بن الحسن قال : قلت لأبي جعفر الثاني : جُعلت فداك إن مشائخنا رووا عن جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام وكانت التقية شديدة فكتموا كتبهم ولم ترو عنهم , فلما ماتوا صارت الكتب إلينا , فقال : حدثوا بها فإنها حق . الكافي 1/ 53 .

[38]  انظر كتابه خاتمة الوسائل فإنه يبين فيه أن الشيعة ليس لهم أسانيد تصحيح على أساسها الروايات , وإن قضية الإسناد أمر مستحدث , الفائدة التاسعة .

[39]  صحيح البخاري , كتاب أحاديث الأنبياء , باب قول الله واذكر في الكتاب مريم رقم 3445 .

[40]  صحيح البخاري , كتاب فضائل الصحابة , باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : لو كنت متخذا خليلا رقم 3671 .

[41]  نهج البلاغة ص 95 خطبة رقم 92 .

[42]  مستدرك الحاكم 1/93 .

[43]  سنن أبي داود , كتاب السنة , باب لزوم السنة رقم 4607 , سنن الترمذي , كتاب العلم باب ما جاء في الأخذ بالسنة 2676 .

[44]  سنن الترمذي كتاب المناقب باب مناقب أبي بكر وعمر رقم 3663 , سنن ابن ماجه , المقدمة باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رقم 86 .

[45]  سنن الترمذي كتاب المناقب , باب مناقب عبد الله بن مسعود رقم 3805 .

[46]  رجال النجاشي ص 52 .

[47]  رجال النجاشي 52 , الكافي 1/247 واتهموه أنه سخيف العقل .

[48]  الكافي 2/155 وانظر الحاشية .

[49]  بحار الأنوار 46/194 , اتهموه أنه كان يشرب الخمر .

[50]  الكافي 1/504 اتهموه بأنه فاجر ماجن شريب للخمور .

[51]  رجال الكشي 21 .

[52]  بحار الأنوار 45/329 .

[53]  بحار الأنوار 41/214 .

[54]  رسالة الإيمان 323 .

[55]  إنتهى الإيراد من كتاب حقبة من التاريخ هنا .


إني تارك فيكم الخليفتين من بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي.
رواه ابن أبي عاصم في السنة (رقم 754). وفي رواية » إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض [أو ما بين السماء إلى الأرض] وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض« (رواه أحمد في فضائل الصحابة2/746). وفيه شريك وهو سيء الحفظ ولكن له شواهد.

والعترة عندنا أزواج النبي ثم بنوه كما قرره القرآن والسنة.

وليس المراد بالخليفة هو الوصي بعد النبي بدليل أنه ذكر القرآن. والقرآن لا يمكن أن يكون خليفة على هذا النحو. ولا يمكن أن تكون فاطمة خليفة.

ومعنى الخليفة هما الأمران اللذان يبقيان بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحذر من عدم اتقاء الله فيهما. قال تعالى ] واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح[. وقال تعالى ] فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات[ وقال تعالى ] ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون[ والكلام في الآيتين لا علاقة له بالإمامة.

إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وعترتي.
ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً« عزاه الشيعة إلى صحيح مسلم ولا يعرف عند مسلم بهذا اللفظ (الشيعة هم أهل السنة ص63). استبدل اللفظ (أذكركم الله في أهل بيتي) بلفظ (تمسكتم بهما.. وعترتي) ليقرر للناس أن النبي أوصى بالتمسك بالكتاب والعترة لأنهما مصدر عقيدة المسلم.

فالحديث في مسلم ليس هكذا وإنما هذا هو نصه » تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به. كتاب الله. وأنتم تسألون عني. فما أنتم قائلون ؟“ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس “اللهم ! اشهد اللهم !«

والحديث موجود بهذا اللفظ عند الترمذي من روايتين » يا أيها الناس اني تركت فيكم من إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي« هذا حديث غريب حسن من هذا الوجه (3874). والطريق الآخر بلفظ » اني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي؛ أحدهما أعظم من الآخر؛ كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض وعترتي أهل بيتي« وكلاهما وصفهما الترمذي بالغريب. بل وحكم ابن الجوزي بضعفه في (العلل المتناهية في الأحاديث الواهية) فكيف يكون الحديث متواترا ناهيك عن وصف الترمذي له بالغريب.

أني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي: الثقلين واحد منهما أكبر من الآخر.
كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض«.

ضعيف. فيه عطية العوفي.

قال أحمد بن حنبل بعد ذكر هذا الحديث » أحاديث الكوفيين هذه مناكير« (التاريخ الصغير1/267) وصرح البخاري بأنه متكلم فيه (التاريخ الصغير1/267). وقال النسائي (الضعفاء والمتروكون505) والدارقطني » ضعيف« (السنن4/39). قلت: كان يروي عن صاحب له إسمه أبو سعيد يروي عنه فنسبت كثير من رواياته إلى أبي سعيد الخدري.


" كتاب الله وعترتي " تعني إمامة أهل البيت .

أن المقصود بهم هم أهل العلم والصلاح المتمسكون بالكتاب والسنة من أهل البيت , وإلا لدخل أبو لهب في أهل البيت أيضاً !! و يجب أن نعرف من هم (أهل البيت) أولاً , يقول الفيروز آبادي في تعرف معنى أهل بيت الرجل : (( ... أهل الأمـر: ولاته وللبيت : سكانه وللمذهب : من يدين به، وللـرجل : زوجـته كـأهلَتِه وللنبي صلى الله عليه وسلم : أزواجـه وبـناته وصـهرُه علي رضي الله عنه ... ) القاموس المحيط ص (1245). ويقول ابن منظور (( ... أهل البيت : سكانه، وأهل الرجل : أخص الناس به، وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم : أزواجه وبناته وصهره، أعني علياً عليه السلام، وقيل نساء النبي صلى الله عليه وسلم ... )) لسان العرب ص (290). كما أن الاستعمال اللفظي في القرآن لكلمة ( الأهل ) تبين أن المقصود بها الزوجات كما في قوله تعالى { إذ قال موسى لأهله إني آنست ناراً سآتيكم منهـا بخبر } ( النمـل 7 ) ومعلوم أن زوجـته هي التي كانت معـه، وقـوله تعـالى { قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن ... } ( يوسف 25) قائل هذه الجملة هي زليخا زوجة العزيز باتفاق المفسرين وقوله تعالى { فأنجيناه وأهله إلا امرأته ...} ( النمل 57) و( إلا ) أداة إستثناء بمعنى أنها من أهله ولكنها إستثنيت للسبب المعلوم , كما أخـرج البخاري في جزء من الحديث الذي يرويه أنس رضي اللـه عنه (( ... فخرج النبـي صلى الله عليه وسلم فانطلـق إلى حجـرة عـائشة، فقـال : ( السلام عليكم أهـل البيت ورحمة الله )، فقالت : وعليك السلام ورحمة الله ) فتقَرَّى حجـر نسائه كلِّهنَّ، يقول لهن كما يقول لعائشة … )) صحيح البخاري (4515).


تحريف حديث كتاب الله وعترتي .

نقول أن حديث أهل بيتي الذي في مسلم جاء لفظه ( ما أن تمسكتم "بـه" فلن تضلوا ) ولكن الرافضة يحرفون الحديث ويقولون ( ما أن تمسكتم "بـهما" فلن تضلوا !!) ولم يأتِ حديث واحد صحيح ولا حتى ضعيف ولا موضوع حتى فيه لفظ ( بهما ) !! والتمسك هو فقط بكتاب الله , وفي لفظ مسلم يدل على أن الذي أمرنا بالتمسك به وجعل المتمسك به لا يضل، هو كتاب الله وجاء في غير هذا الحديث عن جابر في حجة الوداع لما خطب يوم عرفة وقال: وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله. صحيح مسلم (2941).

موقع فيصل نور