الاستدلال بحديث الثقلين
أما الاستدلال بحديث الثقلين، فقبل الكلام فيه نقول: رغم اضطراب أسانيد روايات الفريقين فيه، إلا أنه ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بألفاظ مختلفة، وطرق يعضد بعضها بعضاً، ويرقى إلى مرتبة الصحة بالشواهد والمتابعات، أنه قال: إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا.. فاقتصرت بعض الروايات على ذكر كتاب الله([1]).
وفي أخرى: وعترتي([2]).
وأخرى: وعترتي أهل بيتي([3]).
وأخرى: وسنتي([4]).
فإذا علمت ثبوت هذه الروايات والألفاظ فيكون الكلام في وجه الاستدلال.. أما القرآن فقد علمت موقف القوم منه في الباب الثاني؛ إذ لم يتمسكوا بكتاب الله لزعمهم أنه محرف، وقد زيد فيه ونقص، فعليه سقط نصف استدلالهم بالحديث، وهو قولـه صلى الله عليه وسلم: تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله.. الحديث.
بيان من هم عترة النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته:
أما العترة فالأمر فيه واسع، فعترة الرجل في اللغة هم نسله كولده وولد ولده، أي: الذكور من الأولاد، وهذا إشكال قد يخرج علياً رضي الله عنه من كونه من العترة.
وتوسع البعض، فقال: إن عترة الرجل هم أدنى قومه إليه في النسب، ورهطه، ورهط الرجل قومه وقبيلته.. إلى غير ذلك([5]).
وعلى الأخير ندلل ببعض الروايات: فعن علي رضي الله عنه قال: يا رسول الله، إنك لتحب عقيلاً؟ قال: إي والله، إني لأحبه حبين: حباً له وحباً لحب أبي طالب له، وإن ولده لمقتول في محبة ولدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين، وتصلي عليه الملائكة المقربون، ثم بكى رسول الله حتى جرت دموعه على صدره، ثم قال: إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي([6]).
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: نحن عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم ([7]).
وعن عمران بن الحصين قال: خطبنا رسول الله، فقال: معاشر الناس، إني راحل عن قريب، ومنطلق إلى المغيب، أوصيكم في عترتي خيراً، فقام إليه سلمان، فقال: يا رسول الله، أليس الأئمة بعدك من عترتك؟ فقال: نعم، الأئمة بعدي من عترتي([8]).
وعن الحسين رضي الله عنه قال بعد أن جمع ولده وإخوته وأهل بيته ونظر إليهم فبكى ساعة: اللهم إنا عترة نبيك([9]).
وعن الباقر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله إن في أهل بيتي من عترتي لهداة مهتدين([10]).
وعن الصادق: نحن ولاة أمر الله، وورثة وصي الله، وعترة نبي الله([11]).
وعن الباقر في قولـه عز وجل: ((رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ)) [إبراهيم:37]: نحن بقية تلك العترة([12]).
وعن زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم أنه قال: أنا من العترة([13]).
وكذا قال أبناء مسلم بن عقيل رضي الله عنهم ([14]).
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عليكم بالسمع والطاعة للسابقين من عترتي، فإنهم يصدونكم عن البغي، ويهدونكم إلى الرشد، ويدعونكم إلى الحق، فيحيون كتابي وسنتي ويميتون البدع([15]).
نعم، قد يسأل سائل فيقول: إنه صلى الله عليه وسلم قد أمر بالتمسك بالعترة وهو لفظ عام؛ ولكنه خص التمسك بالأهل من دون سائر العترة بقولـه: وعترتي أهل بيتي، فوجه الحكم إلى من استحق هذين الاسمين.
فنقول: لِمَ لَم يقتصر على ذكر الأهل فحسب، فيقول: وكتاب الله وأهل بيتي؟ هذا على فرض حمل الأهل على ما يراه القوم، فمعلوم أن الأهل داخلون في العترة وليس العكس، ولكن إذا علمنا من هم الأهل -كما مرَّ بك في آية التطهير- لا نرى داعياً لكل هذا التكلف، ولكن لا بأس أن نزيد هنا نصوصاً أخرى تدل على أن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم أعم وأشمل بكثير من هذا الحصر.
فقد سبق ذكر رواية أم سلمة، ورواية واثلة بن الأسقع، وجعلهما من آل البيت على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك رواية علي رضي الله عنه وجعله زوجة الرجل من آل بيته، فراجعها إن شئت، وإليك مزيداً من الروايات:
منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الثقلين نفسه بعد أن قال: إني تارك فيكم الثقلين.. الحديث، قيل له: فمن أهل بيتك؟ قال: آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل عباس([16]).
والطريف أن القوم وضعوا رواية في موضوعنا هذا تفيدنا ولا تخدمهم، حيث زعموا أن الباقر قال في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي، لو سكت رسول الله ولم يبين أهلها لادعاها آل عباس، وآل عقيل، وآل فلان، وآل فلان، ولكن أنزل في كتابه: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33]، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم تحت الكساء.. وذكر القصة([17]).
فهم يقرون هنا بأن حديث الثقلين إنما كان قبل نزول آية التطهير التي بيَّن فيها الرسول صلى الله عليه وسلم -بزعمهم- من هم أهل البيت، وعلى هذا فمن هم الذين أوصى أصحابه بالتمسك بهم مع القرآن كما في حديث الثقلين في غدير خم، وذلك في الفترة الفاصلة بين حديث الثقلين هذا، وبين نزول آيه التطهير كذلك؟ فتأمل!
وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تارك فيكم الثقلين، أولهما: كتاب الله، ثم قال: وأهل بيتي، فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن من حرم عليه الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم([18]).
وفي مرض موته صلى الله عليه وسلم لما سمع البكاء قال: من هؤلاء؟ قالوا: الأنصار، فقال: من هنا من أهل بيتي؟ قالوا: علي والعباس، فدعاهما وخرج متوكئاً عليهما.. الرواية([19]).
وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: كنت جالساً عند النبي في المسجد، إذ دخل العباس بن عبد المطلب فسلم، فرد النبي ورحب به، فقال: يا رسول الله، بم فضل علينا أهل البيت علي بن أبي طالب والمعادن واحدة؟ فقال النبي: إذن أخبرك يا عم.. الرواية([20]).
وعن الباقر قال: لما أمر العباس وغيره بسد الأبواب وأذن لعلي بترك بابه، جاء العباس وغيره من آل محمد، فقالوا: يارسول الله، ما بال علي يدخل ويخرج؟ فقال رسول الله: ذلك إلى الله، فسلموا له حكمه([21]).
فمن يقصد بقولـه: وجاء العباس وغيره من آل محمد؟! وقال صلى الله عليه وسلم لفاطمة: زوجتك خير أهل بيتي، أقدمهم سلماً، وأعظمهم حلماً، وأكبرهم علماً([22]).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار، يا معشر بني هاشم، يا معشر بني عبدالمطلب، أنا محمد أنا رسول الله، ألا وإني خلقت من طينة مرحومة في أربعة من أهل بيتي: أنا وعلي وحمزة وجعفر([23]).
وقال صلى الله عليه وسلم: إن إلهي اختارني في ثلاثة من أهل بيتي، وأنا سيد الثلاثة وأتقاهم لله ولافخر، اختارني وعلياً وجعفراً ابني أبي طالب، وحمزة بن عبدالمطلب([24]).
وقال صلى الله عليه وسلم في مرض موته لفاطمة رضي الله عنها بعد أن سألته: أي أهل البيت أفضل؟ قال: علي بعدي أفضل أمتي، وحمزة وجعفر أفضل أهل بيتي بعد علي وبعدك وبعد ابنَيَّ وسبطَيَّ([25]).
وفي غزوة بدر لما استشهد شيبة بن عبد المطلب قال صلى الله عليه وسلم فيه: بأنه أول شهيد من أهل بيتي([26]).
وإن شئت أعم من هذه الروايات فإليكها:
قال صلى الله عليه وسلم: يا بني عبدالمطلب، إني سألت الله لكم أن يعلم جاهلكم، وأن يثبت قائمكم، وأن يهدي ضالكم، وأن يجعلكم نجداء جوداء رحماء، ولو أن رجلاً صلى وصف قدميه بين الركن والمقام ولقي الله ببغضكم أهل البيت دخل النار([27]).
وقال صلى الله عليه وسلم: فوالذي نفسي بيده، لو أن رجلاً صنف بين الركن والمقام صائماً وراكعاً وساجداً، ثم لقي الله عز وجل غير محب لأهل بيتي لم ينفعه ذلك، قالوا: ومن أهل بيتك يا رسول الله؟ أو أي أهل بيتك هؤلاء؟ قال صلى الله عليه وسلم: من أجاب منهم دعوتي، واستقبل قبلتي، ومن خلقه الله مني ومن لحمي ودمي، فقالوا: نحن نحب الله ورسوله وأهل بيت رسوله، فقال: بخٍ بخ، فأنتم إذاً منهم، أنتم إذاً منهم ومعهم، والمرء مع من أحب وله ما اكتسب([28]).
فكم من أهل بيته استجاب لدعوته؟
ولما سئل صلى الله عليه وسلم عمن يغسله، ويكفنه، ويدخله القبر؟ قال: رجال أهل بيتي الأدنى فالأدنى([29]).
وقال صلى الله عليه وسلم لعلي: يا علي، كن أنت وابنتي فاطمة والحسن والحسين، وكبروا خمساً وسبعين، ثم من جاء من أهل بيتي يصلون علي فوجاً فوجاً... الحديث([30]).
وقال صلى الله عليه وسلم لعلي في مرض موته: يا أخي، تقبل وصيتي، وتنجز عني ديني، وتقوم بأمر أهلي من بعدي... الحديث([31]).
ومثلها روايات الخليفة في الأهل التي ذكرناها في الباب الأول، فهل يرى القوم أنه رضي الله عنه مضيع للزهراء والسبطين رضي الله عنهم حتى يأمره صلى الله عليه وسلم أو يأمر غيره بالقيام بأمرهم بعده؟!
وهذا الحسن رضي الله عنه في كتاب الصلح إلى معاوية، قال: وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه، وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء، وبما أعطى الله من نفسه، وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت رسول الله غائلة سراً ولا جهراً، ولا يتخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق([32]).
ونحن نعلم أنه رضي الله عنه عندما قال هذا لمعاوية كان أبوه الأمير وأمه الزهراء رضي الله عنهما قد ماتا، وهو قد ذكر بقية أهل الكساء، وهم نفسه وأخوه الحسين رضي الله عنهما، فمن يقصد بقولـه: ولا لأحد من أهل بيت رسول الله؟!
وعن الصادق قال: ليس منا أحد إلا وله عدو من أهل بيته([33]). فمن يا ترى مِنْ أهل الكساء كان عدواً لأهل الكساء؟!
وعلى أي حال، فالمسألة فيها طول، والروايات القليلة التي أوردناها كلها تدل دلالة واضحة على فساد الحصر المذكور عند القوم، وقد بينا عند حديثنا عن روايات آية التطهير أن خروج باقي الأئمة مستلزم بذات الاعتبار، ونزيد هنا أن بعض الروايات ذهبت إلى أبعد من هذا ولو على سبيل التشريف كما في بعضها:
فعن الديلمي قال: قلت لأبي عبدالله: جعلت فداك، من الآل؟ قال: ذرية محمد.
وفي رواية: عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبدالله: من آل محمد؟ قال: ذريته([34]).
وعن الرضا أنه سئل عن العترة: أهم الآل أم غير الآل؟ فقال: هم الآل([35]).
وفي بعض الروايات: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أمتي آلي.
وفي أخرى: قال: آل محمد أمته([36]).
وعن الباقر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع بمن مات من بني هاشم خاصة شيئاً لا يصنعه بأحد من المسلمين، كان إذا صلى على الهاشمي ونضح قبره بالماء وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم كفه على القبر حتى ترى أصابعه في الطين، فكان الغريب يقدم أو المسافر من أهل المدينة فيرى القبر الجديد عليه أثر كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: من مات من آل محمد صلى الله عليه وسلم ([37])؟
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في سلمان الفارسي رضي الله عنه: سلمان منا أهل البيت([38]).
ولأبي ذر الغفاري رضي الله عنه: يا أبا ذر، إنك منا أهل البيت([39]).
وللمقداد رضي الله عنه: المقداد منا أهل البيت([40]).
وقال علي في الزبير رضي الله عنه: مازال الزبير رجلاً منا أهل البيت([41]).
وقال في الراهب الذي لقيه في طريقه إلى صفين وأسلم واستشهد معه في المعركة: هذا منا أهل البيت([42]).
وكذا قول الصادق لأكثر من واحد من أصحابه: إنه منا أهل البيت([43]).
وقال ابن الحنفية رضي الله عنه في قولـه تعالى: ((قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)) [الشورى:23]، قال: نحن من أهل البيت وقرابته([44]).
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زيد بن حارثة، فقال: المقتول في الله، والمصلوب في أمتي، والمظلوم من أهل بيتي سمي هذا، وأشار بيده إلى زيد بن حارثة، فقال: ادن مني يا زيد، زادك اسمك عندي حباً، فأنت سمي الحبيب من أهل بيتي([45]).
حتى جبرئيل عليه السلام، ففي بعض روايات الكساء أنه دخل فيه فَتضاعفَ حُسنه وبهاؤه، ولما سألته الملائكة عن ذلك؟ قال: كيف لا أكون كذلك وقد شرفت بأن جعلت من آل محمد وأهل بيته([46]).
وهذا الباقر يقول لسعد بن عبد الملك وهو من بني أمية: أنت أموي منا أهل البيت([47]).
ويروي القوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها: يا عائشة، إنك لتقاتلين علياً، ويصحبك ويدعوك إلى هذا نفر من أهل بيتي وأصحابي([48]).
فمن من أصحاب الكساء كان معها رضي الله عنهم أجمعين؟
وعن محمد بن علي بن الحنفية قال: إنما حبنا أهل البيت شيء يكتبه الله في أيمن قلب العبد([49]).
ولا نمل القارئ بإيراد كل ماورد في الباب، فهي كثيرة جداً، ولم نعلق على أكثرها، إنما سردناها سرداً هنا لدلالتها الواضحة في بيان المقصود، وأن مفهوم أهل البيت أعم بكثير مما يراه القوم، بعد بيان فساد الحصر المزعوم في الخمسة أصحاب الكساء.
ثم إن القوم يقرون بأن القرآن لم يرفع الخلاف بين المسلمين؛ بل نرى القرآن سبباً في اضطراب الكثير من عقائدهم لما فيه من تعارض لها، حتى أفضى بهم الأمر إلى القول بتعرضه للتحريف كما مر بك في الباب الثاني، وأن القرآن كما أنزل إنما هو عند صاحب الزمان الذي اختفى به وسيأتي به عند خروجه، لتجد نفسك مطالباً بالتمسك بثقلين: أحدهما: محرف، والآخر: غائب، ولا يعدون ذلك من الضلال.
أضف إلى ذلك ما ذكرناه عند حديثنا عن آية التطهير من اختلاف أهل البيت مع بعضهم البعض، وكذا اختلاف أجوبتهم في المسألة الواحدة، بل واختلاف الإمام نفسه في المسألة([50]).
واضطراب القوم في تأويل ذلك، والذي كان من ثمراته اختلاف المراجع في العصر الواحد، حتى إنك لا تكاد تجد عند القوم خبراً إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابله ما ينافيه، حتى أدى ذلك إلى رجوع الكثير من الشيعة عن مذهبهم، كما اعترف بهذا شيخ الطائفة الطوسي([51]).
إلى آخر ما تحمله مصنفاتهم من عقائد ما أنزل الله بها من سلطان، وكلها منسوبة إلى أهل البيت رضي الله عنهم وأرضاهم.
الكلام في أول من درس أسانيد الروايات عند الشيعة:
لا يملك أحد منهم أن يرد هذه الأحاديث أو يضعف أسانيدها , ومن يجرؤ على فعل ذلك يتعرض لهجوم عنيف من طائفته مهما كانت منزلته عظيمة عندهم، كشأن العلامة الحلي الذي يعد من أوائل من تعرض لأسانيد روايات الشيعة بالدراسة والتخريج، وكان من نتائج ذلك أن سقط ثلثا روايات أمهات كتبهم كالكافي للكليني مثلاً، والذي يبلغ عدد رواياته حوالي [16199]، فلم يصح منها باعتبار مقاييس القوم المتواضعة سوى [5072]([52]).
أضف إلى ذلك ما وقع في أمهات كتبهم من التحريف، فقد زيد على الكافي -مثلاً- عشرون كتاباً، وكل كتاب مشتمل على أبواب، وكل باب مشتمل على عدة أحاديث، وقد زيد بعد الكليني بعدة قرون.
هذا بالنسبة لأعظم مصادر القوم وعمدتهم في استنباط الأحكام([53])، والذي ذكر مصنفه الكليني أنه ألفه في عشرين سنة، وأورد فيه ما صح من آثار عن الصادقين([54])، والذي يعتقد بعض علماء القوم أن كتابه هذا قد عرض على المهدي فاستحسنه، وقال: كافٍ لشيعتنا([55]).
وقس على ذلك بقية مصادرهم.
وقد تعرض الحلي لهجوم عنيف من طائفته بسبب ما قام به، حتى قالوا فيه: هدم الدين مرتين: إحداهما: يوم السقيفة، وثانيهما: يوم ولد العلامة([56]).
ولا شك أن ما قالوه في الحلي صحيح باعتبار أن ما قام به يعد هدماً لدين الإمامية، وكذا استخدامهم لكلمة (دين) فتأمل!
انقسام الشيعة بعدها إلى أصوليين وإخباريين:
لقد انقسم القوم بعد ذلك إلى طائفتين: إخبارية وأصولية على ما نراهم اليوم.
والإخبارية: هم الذين لا يرون الأدلة الشرعية إلا الكتاب والحديث، وكل ما نقل عن الأئمة فهو حديث عندهم وهو حجة؛ لأنه نقل عن معصومين، وما نقل عنهم فهو حجة على اليقين، ولا ينظر إلى هذا الحديث ما منزلته وما شأنه ما دام قد وجد في الأصول الأربعمائة([57]).
والأصولية: هم الذين يلجئُون في مقام استنباط الأحكام الشرعية إلى الأدلة الأربعة من: الكتاب، والسنة، والإجماع، ودليل العقل([58]).
وقد شنَّع كل فريقٍ منهم على الآخر وحمل عليه، ووضع للرد عليه مصنفات، واتهمه بالخروج عن التشيع الصحيح.. إلى آخر ما لا يمكن ذكره مخافة الخروج عن موضوع الكتاب.
([1]) الخصال: (2/84)، البحار: (21/381)(77/119).
([2]) كمال الدين: (122)، معاني الأخبار: (32)، الخصال: (1/43)، أمالي الصدوق:(231)، البصائر: (122)، عيون الأخبار: (1/60)(2/68)، بشارة المصطفى: (204)، العمدة: (51، 52)، الطرائف: (28، 34)، الاحتجاج: رسالة العسكري إلى أهل الأهواز في الجبر والتفويض، البحار: (2/226)(23/109، 131، 141، 145، 147، 152)(24/234)(33/248، 249)(37/107، 137، 168، 185، 191)(38/99)(44/248، 249)(93/2)، إثبات الهداة: (1/485، 488، 497، 498، 613)(2/139، 184)، المناقب: (1/235).
([3]) أمالي المفيد: (28، 79)، الطرائف: (28، 29)، العمدة: (34، 35)، كمال الدين: (70، 98، 225، 227، 228، 229، 230، 234)، البصائر: (413، 414)، تفسير العياشي: (1/15، 16)، عيون الأخبار: (1/199)(2/31)، صحيفة الرضا: (23، 24)، أمالي الطوسي: (491)، الكافي: (1/294)، معاني الأخبار: (32)، أمالي الصدوق: (338، 422)، كنز الفوائد: (367)، كشف الغمة:(43)، الاحتجاج:(249)، غيبة النعماني:(17، 27، 37، 47)، نور الثقلين: (5/193، 605، 690)، البحار: (2/226)(22/475، 476) (23/95، 106، 107، 108، 113، 114، 132، = = 133، 134، 135، 136، 140، 141، 145، 146، 147، 152، 156) (24/324-325) (35/184) (37/114، 128، 129) (92/13، 52)، منتخب الأثر: (45، 107)، تأويل الآيات: (1/117، 122)، إثبات الهداة: (1/61، 444، 489، 496، 497، 498، 499، 509، 529، 530، 551، 557، 558، 562، 564، 568، 571، 581، 588، 591، 610، 612، 619، 625، 631، 634، 639، 640، 649، 650، 657، 658، 698).
([4]) كمال الدين: (226)، البحار: (23/132)، وقد أورد القوم عن النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة الأمر بالرجوع إلى القرآن والسنة في حال الاختلاف.
([5]) انظر تفصيل ذلك في: البحار: (23/151، 157)(90/260، 261)، كمال الدين: (100، 105، 118، 231).
([6]) أمالي الصدوق: (78)، البحار: (22/288)(44/287).
([7]) كمال الدين: (234)، معاني الأخبار: (32)، البحار: (23/149، 158)(28/325).
([8]) كفاية الأثر: (17)، البحار: (36/330).
([9]) الإرشاد: (226)، البحار: (44/383).
([10]) بصائر الدرجات: (15)، البحار: (23/152)(44/383).
([11]) البصائر: (19)، البحار: (26/260).
([12]) البحار: (12/89، 93)(23/223-225)، نور الثقلين: (2/549)(1/328)، تأويل الآيات: (1/246)، البرهان: (2/319)، العياشي: (2/231).
([13]) كفاية الأثر: (326-328)، البحار: (46/198، 201، 202)، إثبات الهداة: (1/604، 605)، منتخب الأثر: (129، 245).
([14]) أمالي الصدوق: (77، 78، 79)، البحار: (45/101، 103).
([15]) البحار: (16/375).
([16]) كشف الغمة: (1/44)، البحار: (23/115)(25/237)(35/211، 229).
([17]) العياشي: (1/277)، البحار: (35/211)، البرهان: (1/385)(3/309)، الكافي: (1/286).
([18]) البحار: (23/114-115)(35/229)، العمدة: (35).
([19]) الاحتجاج: (43)، البحار: (28/177).
([20]) البحار: (43/17).
([21]) تفسير العسكري: (20)، البحار: (33/184)(39/25)(86/260).
([22]) البحار: (32/184).
([23]) الخصال: (95)، أمالي الصدوق: (172)، البحار: (7/231)(11/380)(22/274)، نور الثقلين: (2/47).
([24]) أمالي الطوسي: (89)، البحار: (22/277)(35/214)، تفسير فرات: (1/340).
([25]) كمال الدين: (251)، سليم بن قيس: (70)، البحار: (28/53).
([26]) البحار: (19/225، 254)، مجمع البيان: (4/526)، نور الثقلين: (2/131)، البرهان: (2/66)، تفسير القمي: (1/264).
([27]) أمالي الطوسي: (117)، البحار: (27/173)، أمالي المفيد: (148).
([28]) أمالي الطوسي: (644)، البحار: (27/105)، كشف الغمة: (1/124).
([29]) أمالي الطوسي: (129، 210)، البحار: (22/455، 531)، المناقب: (1/238، 240).
([30]) الطرف: (45)، البحار: (22/494)(81/379).
([31]) الإرشاد: (97)، إعلام الورى: (84)، البحار: (22/469، 501).
([32]) البحار: (44/65)، كشف الغمة: (2/193).
([33]) البحار: (46/180)(47/273).
([34]) معاني الأخبار:(33)، أمالي الصدوق:(145)،البحار:(25/216)،إثبات الهداة:(1/490، 528).
([35]) عيون الأخبار: (126)، تحف العقول: (415)، أمالي الصدوق: (312)، البحار: (25/221).
([36]) أمالي الصدوق: (312)، عيون الأخبار: (126)، تحف العقول: (415)، البحار: (25/221).
([37]) الكافي: (3/55)، البحار: (16/261).
([38]) أمالي الصدوق: (209)، عيون الأخبار: (2/70)، الاحتجاج: (139)، الكشي: (8، 10، 13)، البصائر: (17، 18)، الاختصاص: (341)، الكافي: (1/401)، اليقين: (183)، الطرائف: (28)، مجمع البيان: (2/427) (5/167)، البحار: (2/190) (10/123) (11/131، 148، 313) (17/170)(18/19، 135)(20/189، 198)(22/319، 326، 330، 331، 343، 348، 349، 373، 374، 385، 391) (23/111) (36/334) (37/331)(63/218)(68/28، 55)(73/287)(75/443)، تفسير العسكري: (121)، البرهان: (1/2).
([39]) أمالي الطوسي: (536)، البحار: (77/76).
([40]) إثبات الوصية: (33).
([41]) البحار: (28/347)(32/108)(41/145)، الخصال: (157).
([42]) البحار: (32/427)(38/59).
([43]) البحار: (47/345، 349)(83/155)، الاختصاص: (68، 195)، أمالي الطوسي: (44)، نور الثقلين: (2/547).
([44]) تفسير فرات: (2/399)، البحار: (23/248).
([45]) مستطرفات السرائر فيما استطرفه من رواية ابن قولويه، البحار: (46/192).
([46]) تفسير العسكري:(376)، إرشاد القلوب:(214)، كنز جامع الفوائد:(483)، البحار: (17/262) (26/343، 345)، وانظر أيضاً: تأويل الآيات: (2/834)، البحار: (26/344)، إرشاد القلوب: (2/403).
([47]) الاختصاص: (85)، البحار: (46/337)، البرهان: (2/319).
([48]) الاحتجاج: (104)، البحار: (32/278)(38/349).
([49]) تأويل الآيات: (2/676)، البحار: (23/366، 389)، كنز الفوائد: (335).
([50]) انظر إن شئت: البحار: (2/228، 236، 237، 238، 241)(23/185)(24/125)(25/330، 332)(37/33)(75/428)(72/178)(92/95)، البصائر:(106، 113)،الاختصاص:(306،330)، الكافي: (1/65، 265)، تأويل الآيات: (1/21)، البرهان: (1/20)، العياشي: (1/23)، الصافي: (1/17)، وانظرأيضاً: الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، للطوسي، وهو كتاب مستقل في هذا الباب.
([51]) تهذيب الأحكام: (1/2)، الحدائق الناضرة: (1/90)، رجال الطوسي: المقدمة: (73).
([52]) لؤلؤة البحرين: (394)، كليات في علم الرجال: (357).
([53]) انظرمنزلة الكافي عند القوم: (24)، وما بعدها من الكتاب نفسه.
([54]) الكافي: (1/8).
([55]) الكافي: (1/25).
([56]) أعيان الشيعة: (5/401)، مقياس الهداية: (1/137)، الحدائق الناضرة: (1/170).
([57]) أعيان الشيعة: (1/93).
([58]) أعيان الشيعة: (17/453)، مع علماء النجف الأشرف: (10) مصادر الاستنباط.
نقلاً عن كتاب الإمامة والنص لفيصل نور
حديث الثقلين
1- حديث الثقلين:
قال رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم:
(ياأيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي).
وقال أيضاً: (يوشك أن
يأتي رسول ربي فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور،
وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي).
وإذا أمعنا النظر في
هذا الحديث الشريف الذي أخرجه صحاح أهل السنة والجماعة، وجدنا الشيعة وحدهم هم
الذين اتبعوا الثقلين: كتاب الله والعترة النبوية الطاهرة. بينما اتبع أهل السنة
والجماعة قول عمر: حسبنا كتاب الله».
ثم ذكر كلاماً طويلاً
تحته ملخصه:
أن أهل السنة اتبعوا
الصحابة وقد رووا (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين...) وزعم أن من عرف أحوال
الصحابة وما فعلوه وما استنبطوه بآرائهم مقابل النصوص الصريحة لا يمكن أن يركن
لمثلهـــــم.
قال: والسنة
التي يتبعونها سنة الخلفاء الراشدين، أو هي مروية عن هؤلاء، وزعم أن سنة الرسول
صلى الله عليه
وآله وسلم لم
تدون على ما روى أهل السنة في صحاحهم أن رسول الله
صلى الله عليه وآله
وسلم منعهم من
كتابة سنته، وكذلك فعل أبو بكر وعمر إبان خلافتهم.
قال: فلا يبقى بعد ذلك
حجة في قولنا: (تركت فيكم سنتي).
وجواب هذا: أن الحديث
الأول وهو (تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي)(1) لم
يصح وقد ضعفه أهل العلم كما نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: «وأما قوله
(وعترتي أهل بيتي) وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فهذا رواه الترمذي، وقد
سئل عنه أحمد بن حنبل فضعفه، وضعفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح، وقد
أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة، قالوا: ونحن
نقول بذلك، كما ذكر ذلك القاضي أبو يعلي وغيره.
لكن أهل البيت لم يتفقوا -ولله الحمد- على شئ من خصائص مذهب الرافضة، بل هم المبرؤون المنزهون عن التدنس بشيء
ــــــــــــــ
(1) أخرجه
الترمذي في: (كتاب المناقب، باب في مناقب أهل البيت» 5/662، ح3786، وأحمد في المسند
1/14،17،26،59.
منــــه».(1)
كما جمع طرق هذا
الحديث وحكم بضعفها مؤيداً كلامه بالنقول عن أهل العلم: الدكتور علي السالوس في
كتابه: (حديث الثقلين وفقهه).(2)
وأما الحديث
الثاني وهو: (يوشك أن يأتي رسول ربي، وإني تارك فيكم الثقلين، أولهما كتاب الله فيه
الهدى والنور، وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)، فحديث
صحيح رواه الإمام مسلم في صحيحه(3) لكن ليس فيه حجة للرافضة، فإن الذي
تضمنه الحديث وصية النبي
صلى الله عليه وآله
وسلم بكتاب
الله والعمل به، وأن فيه النور والهدى، ثم وصيتة
صلى الله عليه وآله
وسلم بأهل بيته
بإعطائهم حقوقهم، والتحذير من ظلمهم، وليس فيه أي ذكر للأمر باتباعهم كما زعم
الرافضــي.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والحديث الذي في مسلم إذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قاله، فليس فيه إلا الوصية باتباع كتاب الله، وهذا
ـــــــــــ
(1) منهاج
السنة 7/394-395.
(2) انظر: الكتاب
المذكور ص15-28.
(3) صحيح مسلم:
(كتاب فضائل الصحابه، باب من فضائل علي بن
أبي طالب
-رضي الله عنه-)
4/1873، ح2408.
أمر قد تقدمت الوصية
به في حجة الوداع قبل ذلك، وهو لم يأمر باتباع العترة ولكن قال: (أذكر الله في أهل
بيتي) وتذكير الأمة بهم يقتضي أن يذكروا ما تقدم الأمر به قبل ذلك: من إعطائهم
حقوقهم والامتناع من ظلمهم، وهذا أمر قد تقدم بيانه قبل غديرخم».(1)
فثبت بهذا أن
النبي صلى الله
عليه وآله وسلم
لم يأمر باتباع أهل بيته بنص صحيح صريح وغاية ما يعتمد عليه الرافضة في هذا إما
أحاديث ضعيفة لاتثبت بها حجة، وإما أحاديث صحيحه لكنها ليست صريحة في دعواهم، كما
هو الشأن في الحديثين السابقين.
ثم إنه على فرض ثبوت
ذلك فليس فيه حجة للرافضة على تقرير معتقدهم لعدة أمور:
الأول: أن الأمر باتباع أهل البيت -إن ثبت- يكون فيما اتفقوا عليه، وانعقد عليه إجماعهم، وأئمة أهل البيت وسادتهم متفقون على البراءة من الرافضة ومن عقيدتهم، وعلى رأس هؤلاء: علي وأبناؤه الذين تدين الرافضة بإمامتهم، وتدعي متابعتهم، كما تقدم نقل أقوالهم في ذلك مفصلة(2) وكما نقل شيخ الإسلام اتفاق سائر أهل البيت وأئمة العترة على تقديم الشيخين، واعتقاد إمامتهما
ــــــــــــ
(1) منهاج
السنة 7/318.
(2) انظر: ص
112-119 من هذا الكتاب.
حيث يقول: «أئمة
العترة كابن عباس وغيره يقدمون أبا بكر وعمر في الإمامة والأفضلية، وكذلك سائر بني
هاشم من العباسيين والجعفريين وأكثر العلويين، وهم مقرون بإمامة أبي بكر، وعمر،
وفيهم من أصحاب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، أضعاف من فيهم من
الإمامية.
والنقل الثابت عن جميع
علماء أهل البيت من بني هاشم من التابعين وتابعيهم، من ولد الحسين بن علي، وولد
الحسن وغيرهما: أنهم كانوا يتولون أبا بكر، وعمر، وكانوا يفضلونهما على عليّ،
والنقول عنهم ثابتة متواترة...». (1)
فظهر بهذا أنه لو كان
اتفاق أهل البيت حجة، وإجماعهم دليلا لكان أسعد الناس بذلك هم أهل السنة والجماعة،
دون الرافضة الذين هم أبعد الناس عن عقيدتهم، وقد تواترت عنهم النصوص بذمهم
والبراءة منهم.
الثاني: أن الأمر
باتباع أهل البيت لو ثبت لكان مُعَارَضاً بما هو أقوى منه، وهو أن إجماع الأمة حجة
بالكتاب والسنة، والعترة بعض الأمة، فيلزم من ثبوت إجماع الأمة إجماع العترة ذكر
ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-.(2)
ـــــــــــــــ
(1) منهاج
السنة 7/396.
(2) انظر: منهاج
السنة 7/397.
الثالث: أنه
معارض أو مخصص بقول النبي
صلى الله عليه وآله
وسلم (اقتدوا
باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)(1) وبقوله
صلى الله عليه وآله
وسلم: (عليكم
بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ...)(2)
فهذان النصان صريحا الدلالة فيمن يجب على الأمة متابعته بعد نبيها
صلى الله عليه وآله
وسلم ولو ثبت
الأمر بمتابعة أهل البيت لما قوي على معارضة هذين النصين الصحيحين الصريحين
المشهورين بين العلماء.
قال الدهلوي عن الحديث الأول: إنه بلغ درجة الشهرة والتواتر المعنوي(3) وكذلك الحديث الثاني (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) مشهور في الأمة وقد تلقاه العلماء بالقبول والتسليم،
ـــــــــ
(1) أخرجه
أحمد 5/399، والترمذي 5/610، والحاكم 3/79، وصححه ووافقه الذهبي، انظر:
التلخيص مع المستدرك، وصححه الألباني في سلسة الأحاديث الصحيحة 3/233، رقم
1233.
(2) أخرجه أحمد
4/126، وأبو داود 5/13، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح 5/44، وابن ماجه
1/15، والدارمي 1/57، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. المستدرك مع التلخيص
1/95-96، وصححه الألباني ونقل تصحيحه عن الضياء المقدسي، حاشية مشكاة
المصابيح
1/58.
(3) انظر مختصر
التحفة الإثني عشرية ص174.
ويحفظه الكبير
والصغير، وأما ما ذكره من النصوص في دعوى متابعة أهل البيت فالصحيح منها ليس بصريح،
والصريح ليس بصحيح كما تقدم بيان ذلك، وغاية ما يمكن أن يقال فيها على فرض الصحة أن
تكون مخصصة بالحديثين المتقدمين، اللذين هما أصح وأصرح في أحقية المتابعــة.
فتبين بهذا عدم انتفاع
الرافضة في تقرير معتقدهم بالأمر بمتابعة أهل البيت لو ثبت، فكيف به مع عدم الصحة
والثبوت!!
وأما قول المؤلف: إن
أهل السنة اتبعوا سنة عمر في قوله: (حسبنا كتاب الله).
وقوله أيضاً: إنهم اتبعوا سنة الخلفاء الراشدين... الخ
كلامـــه.
فهذا مما يمدح
به أهل السنة بل إنه من أعظم مناقبهم. حيث اتبعوا سنة الخلفاء الراشدين الذين أوصى
النبي صلى الله
عليه وآله وسلم
الأمة بالتمسك بسنتهم والعض عليها بالنواجذ، فهم في الحقيقة متبعون لأمر النبي
صلى الله عليه
وآله وسلم الذي
أوصاهم بذلك. وعمر -رضي
الله عنه- ثاني
الخلفاء الراشدين، وكان ملهماً مسدداً مُحدَّثَاً قد ثبتت النصوص عن النبي
صلى الله عليه وآله
وسلم بمدحه،
والثناء عليه في مناسبات كثيرة.
ففي الصحيحين: من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قال له: (يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان ســـالكاً
فجــاً إلا سلك فجاً
غير فجك).(1)
وفي الصحيحين
أيضاً أن النبي
صلى الله عليه وآله
وسلم قال: (قد
كان يكون في الأمم قبلكم محدَّثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب
منهم)(2) إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة في فضله -رضي
الله عنه-
والتي لا يتسع المقام لذكرها، وهذا يدل دلالة واضحة أنه -رضي
الله عنه- كان
على الحق والهدى، وأن من تابعه في هديه كان على سبيل الرشاد والفلاح كما أن أهل
السنة كذلك لما اتبعوا سنة النبي
صلى الله عليه وآله
وسلم وسنة
الخلفاء الراشدين المهديين عصمهم الله بذلك من الزيغ والانحراف الذي وقع فيه من
تنكب طريقهم، وسلك غير مسلكم من أهل البدع الزائغين عن الحق وعلى رأسهم هؤلاء
الرافضة المخذولون.
وأبعد من هذا
زيغاً وضلالاًمن يذم الأمة ويقدح فيها بمتابعتها لسنة نبيها
صلى الله عليه وآله
وسلم وخلفائه
الراشدين المهديين كما فعل هذا الرافضي الحاقد.
وأما غمزه لعمر في قوله: (حسبنا كتاب) فقد تقدم الرد عليه في
ـــــــــــ
(1) أخرجه البخاري
في: (كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب)، فتح الباري 7/41، ح3683،
ومسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر -رضي
الله عنه-)
4/1863، ح2396.
(2) أخرجه البخاري
في: (كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب...)، فتح الباري 7/42، ح3689،
ومسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر -رضي
الله عنه-)
4/1864، ح2398.
ذلك، عند ذكر حادثه
الكتاب الذي أراد النبي
صلى الله عليه وآله
وسلم كتابته في
مرض موته، وبيان الوجهة الصحيحة لقول عمر هذا، وأنه لا مطعن فيه عليه بحمد الله
فليراجع في موضعه من البحث.(1)
وأما قوله: إن
السنة لم تدون، وقد روى أهل السنة في صحاحهم أن الرسول
صلى الله عليه وآله
وسلم منع من
كتابة السنة لئلا تختلط بالقرآن، وكذلك فعل أبو بكر، وعمر إبان خلافتيهما فلا يبقى
بعد هذا حجة في قولنا: (تركت فيكم سنتي).
فجوابه: أن يقال له إن
هذا القول كفر صريح، وطعن قبيح في صاحب الرسالة، ورد عليه في قوله: (تركت فيكم
سنتي) كما أنه تكذيب ظاهر لقوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}(1)
فإن الذكر هنا يشمل الوحيين الكتاب والسنة، كما هو مقرر عند أهل العلم، فالسنة
محفوظة بحفظ الله، كما أن القرآن محفوظ أيضاً.
وما ذكره المؤلف من
النهي عن كتابه السنة في بداية العهد وصدر الإسلام لا يستلزم فقدها وذهابها، بل
كانوا يحفظونها في الصدور، وذلك لكمال عنايتهم بها وحرصهم عليها، وقد عُلِـّلَ
النهي
ـــــــــــ
(1) انظر: ص
290-293.
(2) سورة الحجر
آية 9.
عن الكتابة في بداية
الأمر بخوف الاتكال على الكتابة وترك الحفظ، أو قلة العناية به، قال الخطيب
البغدادي: «وأُمر الناس بحفظ السنن إذ الإسناد قريب، والعهد غير بعيد، ونهي عن
الاتكال على الكتاب، لأن ذلك يؤدي إلى اضطراب الحفظ حتى يكاد يبطل، وإذا عدم الكتاب
قوي لذلك الحفظ الذي يصحب الإنسان في كل مكان، ولذا قال سفيان الثوري... بئس مستودع
العلم القراطيس، قال: وكان سفيان يكتب، أفلا ترى أن سفيان ذم الاتكال على الكتاب
وأمر بالحفظ، وكان مع ذلك يكتب احتياطاً واستيثاقاً، وكان غير واحد من السلف يستعين
على حفظ الحديث بأن يكتبه ويدرسه من كتابه، فإذا أتقنه محا الكتاب خوفاً من أن يتكل
القلب عليه فيؤدي ذلك إلى نقصان الحفظ وترك العناية بالمحفوظ».(1)
ثم إنه ينبغي أن يعلم
أن النهي عن كتابة السنة في بداية الأمر ليس على إطلاقه حيث رُخِـّص لبعض من ساء
حفظه بالكتابة.
روى ابن عبدالبر بسنده
عن عبدالرحمن بن حرملة قال: (كنت سيء الحفظ، فرخص لي سعيد بن المسيب في الكتاب).(2)
وعن أبي قلابة قال:
(الكتاب أحب إلينا من النسيان).(3)
ـــــــــــ
(1) تقييد العلم
للخطيب البغدادي ص58.
(2) جامع بيان
العلم وفضله ص122.
(3) المصدر نفسه
ص121.
وهذا يدل على
أن النهي عن الكتابة إنما يكون عند القدرة على الحفظ، لئلا يستغنى بها عن الحفظ،
الذي هو أنفع. أما عند العجز عن الحفظ فلا يمنع من الكتابة، بل قد جاء الأمر من
النبي صلى الله
عليه وآله وسلم
بالكتابة عاماً، مما
يدل على جواز الكتابة عند زوال المحظور، وتحقق المصلحة.
ففي صحيح
البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي
صلى الله عليه وآله
وسلم خطب خطبة
فجاء رجل من أهل اليمن فقال: (اكتب لي يارسول الله . فقال: اكتبوا لأبي فلان...).(1)
وعن أنس بن
مالك -رضي الله عنه- عن النبي
صلى الله عليه وآله
وسلم قال:
(قيدوا العلم بالكتاب).(2)
وكذلك ثبتت الآثار عن
بعض الخلفاء الراشدين بإباحة كتابة العلم والترخيص فيه، بل وأمرهم بالكتابة
ومباشرتهم لها بأنفسهم .
فمما روى في ذلك عن أبي بكر: أن أنس بن مالك كان يحدث (أن أبا بكر كتب له فرايض الصدقة التي سنها
ـــــــــــ
(1) أخرجه البخاري
في (كتاب العلم، باب كتابة العلم) فتح الباري 1/205، ح112.
(2) رواه الخطيب
في تقييد العلم ص70، وابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله 120، قال
الألباني بعد دراسة طرقه: «ولا شك عندي أن الحديث صحيح بمجموع هذه الطرق» سلسلة
الأحاديث الصحيحة 5/44، ح2026، وانظر: صحيح الجامع 2/816، ح4434.
رسول الله
صلى الله عليه وآله
وسلم).(1)
ومما جاء عن عمر أن
عمرو بن أبي سفيان قال: (سمعت عمر ابن الخطاب يقول: قيدوا العلم بالكتاب).(2)
وعن علي أن أبا جحيفة
سأله: (هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله، أوفهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه
الصحيفة، قال قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم
بكافر).(3)
والآثار في ذلك كثيرة
عن الخلفاء الراشدين، وعن غيرهم من الصحابة، وهي دالة على كتابتهم للسنة وتدوينها،
وقد ذكر كثيراً منها الخطيب البغدادي في كتاب (تقييد العلم).
وفي هذا دحض لشبهة الرافضي وإبطال لدعواه في أن السنة لم تدون، وبالتالي فلا يعتمد عليها ولا يوثق بها، على أنه لو لم تتدون السنة بالكتابة فهي محفوظة في صدور أهلها من الصحابة والتابعين الذين عنوا بها عناية كبيرة تفوق كل وصف، فبلّغوها الأمة غضّة طريّة حتى لكأن السامع لهم وهم يحدثون بها يسمعها من رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم لكمال ضبطهم لها. ثم تلقاها من بعدهم جهابذة أهل العلم ورجال الحديث، الذين سخرهم الله لحفظ السنة وهيأهم لذلك، بما رزقهم من قوة في الحفظ، وفطنة في الفهم، فدونوا الكثير منها في المصنفات ورووها للناس، مع تمام الضبط، ودقة الوصف، وشدة الحرص على نقلها كما جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبقيت محفوظة من جيل إلى جيل في الصدور والسطور، إلى هذه العصور، حتى علمها الكبير والصغير، والذكر والأنثى، وهذا من عظيم منة الله على هذه الأمة، التي لا يعلم قدرها ولا يستشعرها أهل البلادة والغباء، والزيغ والضلال، من أمثال هذا الرافضي الجاهل المارق.
ـــــــــــ
(1) رواه الخطيب
في تقييد العلم ص87.
(2) المصدر نفسه
ص88.
(3) أخرجه البخاري
في (كتاب العلم، باب كتابة العلم) فتح الباري 1/204، ح111.
حديث
الثقلين
ما
هو حديث
الثقلين ,
حديث
الثقلين
أخرجه
الإمام
مسلم في
صحيحه عن
زيد بن أرقم
أن النبي
صلى الله
عليه وآله
وسلم قال : (
وأنا تارك
فيكم
الثقلين
أولهما
كتاب الله
فيه الهدى
والنور
فخذوا
بكتاب الله
وأستمسكوا
به ) , قال زيد :
فحث على
كتاب الله
ورغب فيه ثم
قال : ( وأهل
بيتي
أذكركم
الله في أهل
بيتي
أذكركم
الله في أهل
بيتي
أذكركم
الله في أهل
بيتي ) أخرجه
الإمام
مسلم في
صحيحه .
ماذا
فيه ؟ فيه أن
النبي صلى
الله عليه
وسلم يقول (
إني تارك
فيكم
الثقلين )
الثقل
الأول
كتاب الله
وكما هو
وارد في
الحديث أن
النبي صلى
الله عليه
وسلم أمر
بالأخذ به
والتمسك به
ثم الثقل
الثاني وهم
أهل بيته
قال ( أذكركم
الله في أهل
بيتي ,
أذكركم
الله في أهل
بيتي ,
أذكركم
الله في أهل
بيتي ) .